إدوار حنين
المفكر والسياسي
السيرة الذاتية أرشيف الصور أرشيف الأفلام ارشيف الصوت
 

إدوار حنين المفكر والأديب

أبو الفقراء

أبو الفقراء

نص الكلمة التأبينية التي ألقاها الأستاذ ادوار حنين، باسم مجلس النواب، في رثاء المغفور له دولة الرئيس سامي الصلح.
مضى الذي كان للأنام أباً
فاليوم كل الأنام قد يتموا
اين الذي كان للورى سنداً
ورحب أكنافه لها حرم
اين الذي ان سرى الى بلد
لا ظلم يبقى به ولا ظلم

ايها الحفل الكريم
واحدة من سنديانات لبنان العتاق، وتلك التي ما التوت يوماً، هوت، اليوم، بسلام على نسم الأسود.
ومن لبنان نور، لا أسطع ولا أروع، خبا، اليوم، في رماد الى الأبد.
سامي الصلح لم يعد في مركز الإشعاع الذي شغله منذ ان شب لستين عاماً خلت.
ذلك النور الذي كان في عينه قد انطفأ: عينان لا اعمق صفاء، ولا أبلغ بيناً، ولا أنبل في مشاركة الناس.
ذلك النور الذي كان في عقله قد انطفأ: عقل موصول الإنفتاح على الحديث والأحدث، يعب ولا يرتوي، يحلل ولا يتعب، يحل ولا يتعثر، دائماً في مسالك الحقيقة والحق لا يحيد الا ليتوكأ على قلبه فيعدل.
ذلك النور الذي كان في قوله قد انطفأ، الكلمة على لسانه كانت منزهة عن التضمين والتعجيز والتبريج. لقد أرادها أقرب طريق من العقل الى العقل، فأوجز بها المسافات، وقرب الأبعاد، فأدرك ما لا يدرك من عتو المكابر وعصي الجنان.
سامي الصلح، قاضياً، كان يُسقط الأحكام من حاجة الإنسان الى عطف أخيه الإنسان قبل تلمسها في مصادر القانون، فيقدم العدالة على الحق، والإجتهاد على النص، والرحمة على الإقتصاص، والإصلاح على الإنتقام، والرفق على الصلابة.
وهو، حاكم، كان ينظر الى الناس بقلبه، بقلبه يتعهدهم، بقلبه يفهم مشاكلهم، وبقلبه يجد لهم الحلول.
ان قضى خط بهدم بيت فكأن بيته يُهدم، أو قضى عدل بحرمان فكأنه هو الذي يُحرم، أو قضت موجبات الحكم بتضحية فكأنه هو الضحية.
في الحكم كان ارادة عزم وساعداً يستجيب. لا اختلاط بين مراحل الدرس والوضع والتنفيذ، ولا إحجام ساعة يبدأ حرق المراحل.
فلولا سامي الصلح لما كانت شوارع وأبنية وساحات، لما كانت حدائق عامة وأحراج مصنوعة، لما كان تفكير بمنازل شعبية، ونقابات مهنية، وعدالة اجتماعية.
ولولاه لما كان للفقير أب، للضعيف ناصر، وللمعاق معيل.
وكان في الحكم، يمضي في تحمّل المسؤولية حتى تنقض أثقالها عليه فتنهد له أعتاب ولا تلتوي له ركاب.
الشجاعة عند سامي الصلح من أشياء بيته، ومن أشياء رب البيت النزاهة والعفة، والكرم والصمود، والإقدام والأنفة، والشمم والاباء.
سامي الصلح لو لم يكن للبنان لوجب على لبنان أن يخلق، ومن مخاض الأمة جمعاء، سامي صلحه.
سامي الصلح اكثر من طاوعته الجماعات وعصاه الشعب. لقد طاوعته الجماعات حتى لكأنه سيد البلد الأوحد، وعصاه الشعب حتى لكأنه واحد من جلاديه.
لا توازي العزة التي أدركها سامي الصلح سوى النقمة التي عادت فانصبت عليه.
ولا يوازي اعتذار الناقمين عن نقمتهم سوى تمادي المعتزين بعزه.
وها هو الآن، بعد ثمانين عاماً يلتقي على الارض خده فيلتقي وجه ربه القاهر الديان واذا في الميزان ما له من حسنات وما له هفوات، وفي إحدى الكفتين أولئك الذين من أحياء بيروت ومن دساكر الجبل، فرج لهم كربة، كفكف لهم دمعاً، أقالهم من عثار، أحيى أمالاً لهم دفينة، أعاد الى نفوس بهجة الحياة، وجعل رميمهم بشراً سوياً... جميعهم يهتفون بالصوت الواحد الحي في حضرة الديّان العادل ان ارحمه اللهم عدّاد حسناته، وتغمده بأوسع من الرحمة التي وقعنا عليها في رحاب صدره. انك سميع مجيب. جاءك هذا الحزن مستجدياً
         أجرك في الصبر فلا تجده
سلم الى الله فكل الذي
         ساءك أو سرك من عنده
لا أوحشت دارك من شمسها
         ولا خلا غابك من أسده
ان الذي الوحشة في داره
        تؤنسه الرحمة في لحده
  ديغول مارد بحجم العالم

مع غياب شارل ديغول يغيب وجه من أبرز الوجوه في العالم. وهو، على صفائه ووقاره وكلاسيكيته، من أغرب الوجوه. وقد يكون أغربها.
في هذه الكلمة السريعة لا أتوخى درساً من ديغول، سيرته شخصيته ومآتيه، ان هي الا شتيت من فكر تجيء عفو الخطر تعني ولا تبني، تعلن ولا تبرهن.
من المحال ان يحصر هذا المارد من قمقم، فيجعل بحجم فرنسا، وهو بحجم العالم، كله.

ديغول قمة من أعلى قمم التاريخ الفرنسي، انه واحدة من القمم التي ترفع من فوقها جان دارك، لويس الرابع عشر، نابليون، كليمنصو، وأمثالهم.
وهو من فصيلة أولئك الفرنسيين العتاق الذين بلغوا بالعلم والفن والفكر والشعر والدين والجندية والسياسة الى أعلى ذرواتها، وهم في وقار الأنبياء، وصرامة الرسل، وحنان الملائكة.

بين رجال الحرب كان أول من لفت الى أهمية تحرك الآليات الذي عليه بنيت الحرب العالمية الأخيرة.
كان أكبر الرافضين في العهد الحديث. رفض الخضوع للهزيمة فوقفت، على رفضه، المقاومة التي كانت لها الغلبة في آخر المطاف.
ورفض، في ما يرفض، الإنصياع لهواه، فقدم للمحاكمة مكرها، أصدقاء له من كبار العسكريين والمدنيين، ان هم قتلوا عاشت فرنسا.
ورفض ان تحيا الإمبراطورية الفرنسية مريضة فقرب لأجلها.

كان صاحب جمهورية كأفلاطون (جمهورية أفلاطون) والفارابي (المدينة الفاضل). ولكنه أخرجها من الكتاب الى الحياة. ولا يزال الناس يعيشون في ظل الجمهورية الخامسة سعداء.
انطلق فيها من أن النظام للناس لا الناس للنظام، ونظر في نفعهم وخيرهم، أولاً. ثم فصل لهم ثوباً على قدهم كما بدا له في النصف الثاني من القرن العشرين.
انها لمحاولة فذة لإحياء النظام الديمقراطي البرلماني في جمهورية فاعلاة لا منفعلة.

كان ديغول القائد – الحاكم – الكاتب – الخطيب في آن معاً.
وكان كقائد صاحب خطبة (التحرك الآلي)، وكحاكم صاحب نظام (الجمهورية الخامسة)، وككاتب صاحب أسلوب (السهل الممتنع) وكخطيب صاحب طريقة (النفس الطويل).
قد يكون، وحده هكذا في هذا العصر... وفي بعض عصور الخوالي.

ارتفع بالسياسة الى حد أن، البادرة منه صارت تعني ما يعنيه الموقف الحكومي.
وكان للكلمة تنطلق من فمه قوة القانون. وتلميحه قوة الوعد.

قليلون هم الذين تجرأوا، مثله، أن يمشوا في غير تيارات شعوبهم. فكان مع العرب، ومع الألمان، ومع استقلال المغرب العربي، وضد الإمبراطورية الفرنسية... ووقف أبداً الى جانب رأيه ولم يعبأ.

كان يرى العالم بحجمه الطبيعي، ويرى أوروبا بحجمها الطبيعي، فحاول أن يوحد أوروبا لتصبح شيئاً في العالم، وكانت السوق المشتركة.
وفي انتظار ذلك كان لا بد من أن يبوىء فرنسا مركزاً عالمياً ففعل، واذا هي في الكبار الكبار.
ظل يعمل حتى يومه الأخير. وقد رأى الجزء الأول من مذكراته قبل أن يطفئ السراج.

لم يتتبع العالم أخبار رجل غادر الحكم باللهفة ذاتها التي كان يتتبع أخباره في أثناء الحكم كما تتبع أخبار ديغول. حتى انه كان يشهر الأماكن التي مر بها بعد اعتزاله.

الفراغ الذي تركه ديغول وراءه فراغ عالمي – انساني – لا إقليمي – فرنسي.

لقد خسر لبنان، بفقده صديقاً من أكبر أصدقائه.

تغمدك الله برحمته.
  عبد الناصر رجل العظماء

في ما يلي نص الكلمة التي ألقاها الأستاذ إدوار حنين، باسم مجلس النواب، في حفلة تأبين الرئيس جمال عبد الناصر، التي أقيمت في قصر الأونيسكو بحضور فخامة رئيس الجمهورية وكبار الرسميين.

أما لبنان فانه فقد بعبد الناصر لبنانياً كبيراً.
(من كلام لفخامة الرئيس سليمان فرنجية في مجلس الوزراء الأول).

لبنان الذي قال فيه قائل:
هو لبنان ما أردناه ألا
         مثلما كان منذ كان الأوالي
يصل الرشق بالمغارب كالشمس
         ويهدي الأجيال بالأجيال
واللبناني الذي قيل فيه:
         شراعاً لدجلة في كم يم
ندل على ناطحات السحاب
         ونقرع عالمها بالعزم
وكيف انطلقنا تقدمنا الأرز
         ينقل في كل أرض قدم
لئن قيل هيض جناح لنا
         فما نحن بالدافعين الشهم
ومن مد يوماً جناحاً الى الشمس
         أحرقه ما بها من ضرم
فلبنان هذا، لبنان الواحد، يتفجر أسى عليك لكأن غابة من أرز قد تقصفت وشوامخ راسخات قد زلزل زلزالها.
فيا رحمك الله افلم يكن من آخر كلماتك:
أن لبنان عزيز جداً علي وعفو الله عمن يشككون".

سيدي صاحب الفخامة
ايها الحفل الكريم
مات عبد الناصر لأنه لم يكن من الممكن الإستغناء عنه، لقد كان لا يرفض تضحية ولا يتهرب من واجب. فعمل وجهد حتى قتل نفسه.
عظيم من عظماء الفراعنة، بل أعظمهم، قد فرغ اليوم مكانه:
عظيم من عظاء العرب قد غاب وجهه الى الأبد
عظيم من عظماء العصر طوته الأيام كالغروب ولم يعد
لقد كان عبد الناصر عظيمًا نعرف ذلك من ظله.. من ظله على صدر الدنيا وهامة الدهر.
نعرف ذلك من أنه جسد شعبه في كل قيمه التي طالما طمست وفي كل توقه الذي طالما لجم،
من أنه عرف وقال ان قوة الشعب هي، وحدها التي تخلق القيادات، فمثل تلك القوة بما يشبه السحر. وعرف بالتالي:
ان الشعب المصري يخفي قوة نفسية هائلة، ولا ينقصه على ما قال تشرشل سوى واحد هو المعبود.. فكان معبوده. ولم يعد عجباً أن يضيف هذا الشعب الأبي على أهرامه هرماً جديداً بحجم قوة من أرفع نجاد الأرض.

كان عظيماً لأنه قدر بما يعني هذه الرقعة في الدنيا أن يربط تفكير العالم بشخصه، فكان كل ما حصل في هذه الرقعة اما تجاوباً مع سياسته أو رداً عليها.
وكانت سياسته سياسة دهاء لا الهاء، تتحدى ولا تتعدى، تعصف ولا تنسف.
لأنه كان حراً في بوادره يوم عظماء العالم مقيدون ولأنه كان يلتقي العظماء "حلفاء لا أولياء".
كان عبد الناصر عظيماً لأن الإنكسارات والإنتصارات ما صابه منها وما أصاب، كلنت تتشابه لديه:
"لله أورشليم عند جلالها
         ما أشبه المنصور بالمكسور"
لأنه عرف:
ان اغلب الناس من تغلب على هواه فتولى الحكم فقيراً وخرج منه فقيراً، وكان أحق الحاكمين تمثلاً بابي بكر الصديق الذي قال لابنته عندما ادركه الموت:
انظري، يا عائشة، ما زاد في ابي بكر، منذ ولي الخلافة، فرديه الى المسلمين.
لأنه عرف ان حساب الحب ان نحب بلا حساب. فأحب شعبه بالكثير كما أحبه شعبه بالكثير.
وعرف ان للعدالة سيفاً بلا غمد فوضع القوة في خدمة العدالة، وقرن بها الرحمة، وحاذر ديناً.
وأدرك ان مكان الإنسان في الحياة ليس بمقدار ما يريد وما يستطيع. فعمل وادهش.
وعرف أن للحقيقة كما للدين عدوين: المبالغة في الزيادة، والمبالغة في النقصان. فصدق الحقيقة والناس.
وعرف ان يمشي في الطريق الصعب. فكانت سنوات حكمه عمر الزهد في حياة الشعب،
وان كان قد زاد، مع السد العالي، رغيفاً على كل معجن.
وعرف أن الشح والإيمان لا يجتمعان في قلب أبداً، فسخاُ بنفسه.
وكان عظيماً لأنه كان يعرف ان يقول الكلمة الواجبة في المكان الواجب:
"لو مات جمال كلكم جمال"،
قال للجماهير الواجمة بعد الإعتداء عليه في الإسكندرية.
ولأنه قدر أن يمد صوته، بحكم إيمانه بوسائل الاعلام الحديثة،الى أطراف الدنيا، فأنشأ له قاعدة شعبية في كل بلد عربي وكأنها الحزب الواحد.
وكان عبد الناصر عظيماً،
لأن ارتجاجاً أصاب كل بيت لفقده ومزقت الصدور عليه، وضاقت الأنفاس. فاندفعت الجماهير تنبع في المدائن من الأزقة والزواريب، تملأ الشوارع والساحات، تكبر، تولول ولا تصدق ان باعث الأمل في الحياة قد مات.
... ثم راحت تقرع في قرانا العاليات، أجراس الكنائس، مدندنة حزينة.

عبد الناصر لقد كنت القائد العظيم فمضيت الى ربك وأنت المحبوب الأعظم.
وكنت الملهم في حياتك فإذا أنت الملهم بعد مماتك.
لقد قيل: انقضت أيام الأعياد التي كانت تدوي لعبد الناصر فيها زأرة حتى آخر الأرض، وأقصى أبعاد الضمائر.
وقيل: لقد انقضت تلك الهوسة التي كانت ترتفع الى النجوم على توثبات القلوب وزمجرات العزائم.
قلنا: بل تعود باذن الله، على صوت الحق المجلجل، على ارادة الغلبة، على الهام السماء، وعلى يد من كان يمينه في النضال فأصبح، اليوم، كلا لكل. كان الله في عونه وسدد خطاه.
سيدي صاحب الفخامة،
انه لحمل ثقيل الإسم الذي صارت له شهرة واسعة مبكرة. فأي عجب أن يكون عبد الناصر قد وقع تحت وطأة هذا الحسل.
وانها لصدفة نادرة ان يلي الحكم صاحب شهرة طوال ثماني عشرة سنة موصولة النفس، ملأ فيها الدنيا وأشغل الناس. فأي عجب أن يكون الفراغ، بفقده كبيراً.
ثم اليس أن القوم، قومه، ظلوا، مئات السنين، ينتظرون مجيئه فذهلوا من أن يروه يذهب في ساعة.. فزاد الفراغ الكبير..
ولكن:
أتغور تحت الأرض زوبعة
         نارية قدسية اللهب
فلتمض الشعوب العربية، من فوق القبور أبداً الى غاياتها.
تلك هي إرادة عبد الناصر، وارادة الحياة.
وانه لينظر الآن من عليائه بحرقة، الى كل مروع ليقول له:
كن مثل قلب الأرض لو لم يفتحوا به الجرح فوق الجرح ما كان أخصبا الا أمش
وفي
طريق الجهاد الحقيقي
لتسبق أمالنا في الطريق
ونجني الأشعة قبل الشروق
الا أمش
في ذمة الله رجل العظماء!!
فنم اليوم، من نومك الطويل.. ان قلبك لمستيقظ.
المجلس النيابي اللبناني يشارك، مشاركة حميمة، في ذكرى الأربعين لعبد الناصر راجياً أن يكون تعالى قد قرن له فاتحة السعادة بخاتمة الشهادة.
أنّا لله وأنّا اليه راجعون.
  زلفا شمعون
وهكذا
أمس ختم على أسطورة في الطهر والمحبة والشجاعة والأنوثة والوفاء.
زلفا شمعون
لم تكبر سفر البطولات
ولكنها صنعت بطلاً.
وهي لم تكتب، لم تخطب، ولم تحاضر.
ولكنها أوحت الكتابة والخطابة والتحاضر لكتاب – خطيب – محاضر

زلفا شمعون
لم تحكم
ولكنها كانت وقورة، مهابة، رفيعة الجانب.
لولاها لما كان ما كان
ومن كان.
هكذا يقول كميل شمعون في مقدمة اقواله.
لأول مرة، أمس، غابت الإبتسامة عن وجهها.
ولو أعطي لها أن تستقبل الموت، واعية، لا قطبت في وجهه جبين.
في الساعات الكالحات كانت تخجل العابسين.
وكانت ابتسامتها فجوة يطل منها الأمل فتندفع السواعد.
اذ هي أروع من قرع الطبول في استنهاض الهمم.
وأبلغ من التماع السيوف في بعث حمية الرجال.
رأيتها في أشد المواقف صعاباً،
وعلى أيام
فكانت تلقى فوق ما يلقى أثبت المعاندين – المكابرين.
وكانت القلوب تهلع، والظهور تتقصف، والعزائم تهد.
الا أن ابتسامتها الحلوة لا تغيب.
يا الهي اي اثبات وصمود وعناء وراء هذه البشاشة وتلك الليونة!!
لم يكن من السهل ضبط الأسد وراء الحديد.
على أنه قد ضبط
طوال عمره
دون أن يشعر بقساوة الحديد.
ولا كان من السهل حمل الهموم التي بمثلها تنوء الجبال. على أنها حملتها، كلها، من وراء ابرة كادحة.
ولا كان من السهل أن تكون اختا للرجال – واي رجال !! – فكانت لهم الأخت التي لم يعل صوت أو يفتر لها يأس.

زلفا شمعون
لأنها تحب الحياة
عملت على بعث الحياة في صدور الصم والبكم وفي نفوس البائسين.
لأنها لا تحب الدموع
كانت تخفق حرقة كل مسعور.
لأنها لا تحب التخاذل ولا التعاظم.
كانت سوية في الإنتصار والإنكسار.
لأنها تحب محاربها.
كانت راحة المحارب وعونه في النضال.

قلما أطلقت أسطورة، بأقل من هذا من الفعال والأقوال.
لكأنها كانت تنشأ على الرؤى، والأحلام، ونغم النفس الهادىء.
ولولا أريج البنفسج لما عرفت بنفسجة العواصف
. موت الورود لا يميت عبق الورد.
فستظل رائحة الشجاعة والأنوثة والطهر ما بقي حجر على حجر في الحدث، وفرن الحايك، ودير القمر، والسعديات.
في ذمة الله
واللبنانيين
أمنا الحنونة
... ويا أختنا.
  رشيد بيضون رجل العطاء

نص الكلمة التي ألقاها الأستاذ ادوار حنين، باسم مجلس النواب، في الحفل التأبيني الذي أقيم في الذكرى الاربعين لوفاة المغفور له الأستاذ رشيد بيضون، مؤسس العاملية، والنائب والوزير السابق

فتح الفتوح تعالى ان يحيط به          نظم من الشعر أو نثر من الخطب
         (أبو تمام)
كنت يافعاً وكان له ملك في قريتي فعلقته عيناي.
ويوم التقيته، أول مرة، بعد أن شببت، شعرت أن فرحة تنبع من الحجارة، تنهمر من الأشجار، تملأ الساح.
لم أشعر أن هذه الفرحة تستطيع ان تهرب ككل هناء.
على أنه، بعد أربعين عاماً، يذهب هو ليبقى حلو اللقاء. فما أطيبه !!

رشيد بيضون، مهابة، وجلال.
كأن واحداً من الاباطرة العتاق يخطر في الأرض عندما يخطر.
أنه في بنية القلاع، شديد القوى متينها، وثيق الأركان، ثبت كتمثال على شاهق.
شعره الأغبر واحد من سجلات الدهور.
ويا طربوشه الأحمر !!
رشيد بيضون صامد القلب، هادىء العصب "كالجبل لا تحركه القواصف ولا تزيله العواصف".
صلب في العقيدة، رقيق في البؤس.
متمهل في الحركة، سريع الى العمل.
نفعه بالشيء انتفاع الناس به.
أفضل كلام عليه أن ندع أعماله تتكلم.
صورة الرجل، هنا، فعله.
... وكان أجره الا يقبل أجراً.

ثم تتبعت سيره فإذا رشيد بيضون يعطي الدليل، كالمختارين من عظماء الأرض، على أن المقررات الأخيرة لا تتخذ في الجهمة والعزمة والإنفراد انما هي تتكون تلقاء اذا تبدأ الطريق بعمل صغير بالغ في التواضع فيجد المرء نفسه مأخوذاً بزحمة من الأعمال الصغيرة البسيطة المماثلة التي يتواضح لونها شيئاً بعد شيء حتى اذا برزت معالم الطريق كلها، وتواضحت بدورها، ويكون كل شيء قد تقرر.
وليس بعيداً أن يكون رشيد بيضون قد بدأ حياته بالقليل، القليل من نفسه وماله، لعلمه أن:
"لا تستح من إعطاء القليل فإن الحرمان أقل منه".
ولم يلبث أن ألحق الكثير بقليله حتى تكاملت التضحية وتكامل العطاء، فعلم الجاهل، ودرب الغافل، وأرشد المحتار، وذاد عن البائس، وهوّن على المعذب، ورفع رأس المغمور.
فما أندى أنامله
وأبسط كفه!!

كل ذلك بدفع ما كان في صدره من إيمان:
لقد آمن بأن:
"لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل".
فانكب يعمل.
وآمن بأن:
"فاعل الخير خير منه وفاعل الشر شر منه".
فتخير الخير. وراح يقلع الشر من صدره.

وآمن بأن:
"من كفارات الذنوب العظام اغاثة الملهوف والتنفيس عن المكروب".
وأن:
"قيمة كل امرء ما يحسنه".
فاتقن صناعة الاغاثة.
وآمن بأن المال خادم امين وحاكم ظالم.
وبأن:
"ما كسبت فوق قوتك فأنت فيه خازن لغيرك".
فأخذ ينفق ماله في العاملية، والمهنية، والمستوصفات، والمساجد حتى راحت تنبت الصروح، كالدجة، في كل مكان. رشيد بيضون قرأ في كتابه:
"المرء مخبوء تحت لسانه".
فأخذ يتنخل كلامه.

وقرأ:
"المسؤول حر حتى يعد".
فقتل الوعد بالعطاء.

وقرأ في كتابه:
"جانبوا الكذب فانه يجانب الإيمان".
فصان لسانه.
وقرأ:
لا تحاسدوا فإن الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب".
فكان هناء الناس هناءه.

وقرأ:
" أعجز الناس من عجز عن اكتساب الاخوان".
فشدهم اليه بالمعروف.

وقرأ في كتابه:
"الإعجاب يمنع الإزدياد".
فازداد حدبا وقل عجباً.

وقرأ
"آلة الرياسة سعة الصدر".
فعاف التبرم والغضب.

وقرأ
"الغالب بالشر مغلوب".
فغلب في الإنتخابات النيابية مرتين اثنتين فيما كان يقودها وهو وزير.
وهكذا. حتى لكأن عليا، سلام الله عليه، كان يعيش في قلبه.

قال لاروش فوكو:
"من يحيا بدون جنون ليس حكيمًا قدر ما يظن".
فرشيد بيضون جن بالإنسان. ذلك الكائن الذي هو على صورة الله ومثاله، والذي، مع ذلك ، "تنتنه عرقة وتميته شرقة". ابن آدم هذا يجب أن يتمتع، في يقين رشيد بيضون، بعيش رخي، بتربية واعية، بعناية سخية، بمهنة وعمل يدفعان عنه التعطل والعوز، بمسجد يلتقي فيه الله، وبلقاءات تعيد ثقة الإنسان بالإنسان، وترفع رأسه، فاندفع هازئاً بالموانع، يذللها في الطريق، يتعاظم عليها، يحطم عنفوانها، باذلاً من نفسه بدون ما حساب كما، هو، اعطي، من ربه، بدون ما حساب.
فحقق قول القائل:
"الذي يعطي من نفسه بسخاء في كل ما يعمل، في كل ما به يشتقى، وفي كل ما يحب، انه لمخلوق عجب. اذ السخاء في البذل كالعبقرية كلاهما اعجوبة الله".
         (رومان رولان)
وبعد،
فما بقيت العاملية بقيت المحبة في لبنان. واذا ما انهارت، لا سمح الله، أو جانب منها قد انهار، فان كبيراً من عناوين المحبة قد فقد، ويتم الإنسان.
وتتبعت رشيد بيضون في المجلسين:
ففي المجلس النيابي كان يصغي قدر ما يتكلم، وكان يتكلم لمصغين، فإذا كلامه الحد في النقاش.
تعقل، صدق، اتزان، وإخلاص.
ما ذكر اسمه مرة، الا مقرونا باحترام.
ولا وطأ صحن المجلس مرة الا وطأته الرصانة.
لقد كان تطلعاً الى بعيدين:
لبنان الغد
ولبنان المغترب
فكان بابا على المستقبل وبابا على العالم.

وفي مجلس الوزراء فإن همس أخرس الزاعقين، ورنت اليه الاسماع.
يقدح من ذهنه كأنه يقد من جسمه، فترتسم على وجهه معاني الكلمات.
كان، في حكمه، مع الإنسان، دائماً الإنسان، وحده الإنسان، فكانت قدمه على رؤوس مصالحه ومصالح أقرانه.
وهنا لم أعرف يدا كانت، عند تقرير الضمانات الإجتماعية، أرأف بي من يده، ولا أصدق، ولا أقوى في المساندة.

أما في المناسبات الوطنية والإجتماعية والثقافية فقد كانت أبداً، على فمه، الكلمة الشجاعة، والكلمة البلسم، والكلمة المنار كقائد، وطبيب، ومرشد من طراز فريد.

وكان رشيد بيضون، في لبنانيته، كتاباً برأسه.
لقد قال لي يوماً:
"انا، يا أخي، من طينة خام. تعلقي بلبنان كما تعلق نباته بترابه. لا شيء يقوى على اقتلاعي منه، أموت ان اقتلعت، لن أستطيع ان اعيش، ساعة، شروشي في الهواء. فما دمت في الحياة سأظل متمسكاً بلبنان تمسكي بالعاملية.. وهو تمسك فوق كل تصور"..
أيها الحفل الكريم
هذه حكاية رشيد بيضون كما عرفتها
اليس كل إنسان، على الأرض، حكاية؟!
اليس أن حكايته أطيب الحكايات؟!

الا في ضمير اللبنانيين كبير من كبار
نفعنا الله بفعلك
وأجزل لنا العزاء
انا لله وأنا اليه راجعون!!
  جوزف سمعان رفيق الحياة

كان المغفور له الأستاذ جوزف سمعان لادوار حنين رفيق حياة. وقد ودعه الإستاذ حنين بالكلمة التالية:
ماذا؟
اغاب وجهك الى الأبد؟!
ألم نعد نلتقي في دروب الحياة؟!
ألم تعد النهارات تجمع بيننا لمشورة أو رأي ولا الليالي تبرد لهب المحاربين؟!
فالثلاثون عاماً التي شهدت ترافقنا في الفكر والسعي والحياة تبدو وكأنها أمس الذي عبر؟!
أبناؤنا أفلن تقع عينهم، بعدة اليوم، على الوافد اليهم أيام العيد كما الوافد من السماء وقت الميلاد، يداه مثقلتان بالطيبات والألعاب فيبتهجوا في العيد مرتين: لأنه العيد مرة ولأنك بينهم مرة؟!
والصحاب الصحاب، ان تركتم يتركهم الكثير من مباهج الحياة، لمن تركتهم؟ وعلى عاتق من؟!
أعرف من صحابك من قال: "أنا لا أتصور الحياة ممكنة ان غاب عنا جوزف"، وها أنك تغيب! فأي منقلب ستنقلب حياتنا، بعدك، يا أطيب الرفاق؟!
"وما أنسدت الدنيا علينا لضيقها
         ولكن طرفاً لا نراك به أعمى"
انا لن أقول اي لبناني صامد، قوي، قدير، قد خسرنا ولا أقول اي ساحلي مبرور، عطوف، حبيب، قد فقدنا، ولا أقول اي معمار فقدت البلاد يوم فقدت الذي من الرمال لآليء وأثمن... فكان او لمن زرع الدارات على الشطآن، ومد في البحر الأمان، وعقد للناس عيداً دائم التألق طوال أيام الصيف، وبعض أيام الربيع، وغير أزمان!!
ثم اني لن اقول أي أب كنت وأي سيد، وأي مغيث، وأي أخ ورفيق؟!
بل أكتفي بأن أقول نظرتك الى الحياة التي لم يكن جدها ليصرفك عن لهوها، ولا لهوها ليصرفك عن جدها، وانما أقمت بينهما تناغماً عجيباً فريداً جعلك القريب الأقرب الى كل من يجد، والحبيب الأحب الى كل من يحيا.
وقد عرفتك في الحالين، وفي الحالين كنت قيدوم من عمل ومن عاش: فالفراغ الذي رميتني فيه، يا أخي، لعظيم.
غداً ستلتقي الكثرة التي كنا نحب.
أحباؤنا في السماء أوفر عدداً من أحبائنا على الأرض.
هذه الدار صارت لنا، بعد طول بقاء، دار اغتراب وافتراق، فاغبطك على لقاء الاهل والأصدقاء، جميع اهلنا وأصدقائنا في نعيمهم. والوديعان يتحرقان شوقاً اليك فها أن يد الله – طوباها وطوباك – تعاجل فتجمعك اليهما. وهي هي اليد التي ستجمعنا جميعاً، غداً، في كفها الجبارة مع الازل والابد، أزلاً وأبداً سويين.
يا أبا ناصيف
اليوم أكثر من كل يوم، أشعر أن أحباءنا الذين تغمدهم الموت يظلون أحياء في صدورنا. واليوم، أكثر من كل يوم، أشعر أن علينا، في طلاب الراحة، أن نميت موتانا في الصدور، أن نقتلهم، بعد موتهم، كل يوم وساعة لنتخلص من تحركهم في حياتنا... ولا سبيل. ويا ابا ناصيف.
بعد حين، ساعة تلقي خدك على التراب ستزيد تراب لبنان مسكاً، فتكون قد أحببته في حياتك وفي مماتك... وهو سر البقاء.
"ويا رفيق القلب بي خجلة
         أن أمنح الدنيا وأن أمنعك"
ويا أخي ناصيف
"كان الاسى فرضاً لو أن الردى
         قال لنا افدوه ولم نفده"
ويا مواكبيه الماشين معه الى بيته الأخير فهل يشكر المرءعلى أداء عاطفة تنبع من القلب؟! لقد تراكضنا جميعاً لنلقي نظرة عليه، آخر نظرة.
فلكم مديد الحياة
ولنا البقاء، أبداً، على ذكره.
           العماد نجيم
         لبناني من الجبل
جان نجيم ابن قمة من قممنا العاليات،
فعاش رفعة صنين، طوال عمره:
كينبوعه كان عطاء لا يتعب،
كنسره كان لا تخيفه الأبعاد
وكفلاحه كان يفت المصاعب
وكان، كلما انحطت قضية
أو انحدر حديث،
يبدو كأنه أضاع مناضه
وقد واتاه الحظ فمات في مناخه

لم أعرف:
ان مسألة علت همته
او خطراً أضعف عزمه
أو متعة صرفته عن الواجب

لقد كان مدنياً في ثيابه العسكرية
وعسكرياً في ثيابه المدنية
فلم تهن صفة فيه لصفة
وظل إنساناً سويا
ً سيف لبنان الذي أعطي له
ظل سيفاً للبنان
ولم يصبح من أشيائه
وقد يكون جان نجيم من القلة التي جلال المهمة لم تزده جلالاً
جل من أعطاه

جان نجيم كان لبنانياً من الجبل:
كالجبل كان راسخاً في عقيدته
كالجبل كان شامخاً في حمل رسالته
وكالجبل، متكأ في السماء، كان متكأ في لقضايانا السامية
كان كأنه يرى بعينيه الزرقاوين آثار دماء على صخور جبالنا، في جذور النبت، تفاحاً أكان أم قمحاً، فيتمثل الذين استشهدوا من جدودنا
ويحيا على رائحة الشهادة
وفي عبق الشهادة لا مهادنة، ولا استضعاف
قد يكون، من هنا، تطلعه، أبداً، الى أبعد من حدود مجلسه، وحدود جلاسه.

يوم التقيته، أول مرة، بعد تسلمه القيادة، كانت غبطتنا واحدة بلبنان الذي ما زال فيه مدنيان بقلبين عسكريين.
وكانت غبطتي بما تأكد لي:
ان من لا يخاف الموت
لا يخاف المخاطر
وكسنديانة عتيقة كان في قلب العاصفة،
تلك التي تفردت فتقصف لها الغزار

جان نجيم
كان كبيراً
كبيراً في حياته
وكبيراً في مماته
فعلم اجيالنا الطالعة:
كيف تحيا الحياة
كيف تنزل الوفاة
وكيف يصنع أمواتنا أحياءنا
لتستمر الرسالة
ويبقى لبنان
عزاؤنا أنك في القمم العاليات ولدت
في القمم العاليات عشت
ومت في القمم العاليات

ارحمنا يا الله
إدوار حنين السياسي والمشرع

• إدوار حنين النائب
• إدوار حنين الوزير
• ادوار حنين والجبهة اللبنانية
• حزب الكتلة الوطنية
• إدوار حنين في الصحافة
• كتابات سياسية
• كتابات في السياسية
المجموعة الأولى

• كتابات في السياسية
المجموعة الثانية
ادوار حنين في الصحافة

• مجلة الفصول
• مقالات بو ابراهيم
• مقالات متفرقة
إدوار حنين المفكر والأديب

• أدب الرحلات
• أدب الرثاء
• محاضرات
• كتابات أدبية
• كتابات في مناسبات
الارشيف

• ارشيف الصوت
• أرشيف الصور
• أرشيف الأفلام
• ارشيف الكتب
ارسل لنا

• لمعلوماتك الاضافية
• لديك مخطوطات غير منشورة
• اتصل بنا
• ارسل هذه الصفحة
• أطبع هذه الصفحة
اطلقت هذا الموقع جمعية أندية الليونز في 30 حزيران 2013 من ضمن احتفاليات مئوية ولادة ادوار حنين.