إدوار حنين
المفكر والسياسي
السيرة الذاتية أرشيف الصور أرشيف الأفلام ارشيف الصوت
 

إدوار حنين السياسي والمشرع

لبنان، باق أبداً

تبقى لي كلمة قبل أن نفترق:
اللبنانيون، جبليون وساحليون، يدافعون عن لبنانهم بقوة الإيمان، بقوة المحبة، بقوة الإستمرار، وبقوة الصدق في الإيمان والمحبة والإستمرار.
ولا يدافع اللبنانيون عن لبنانهم لأجر يقبضون.
أجرهم أن يبقى لبنان.
فإن بقي لبنان بقي لهم كل شيء.
ومن كان هذا أجره ناله.
لأن الأجر، هنا، مقرون في العمل ذاته.
لذلك سيبقى لبنان أيا كان المعتدون على حده والمتطاولون على حقه.
ثم ان لبنان كالجسم السليم فهو يمتصّ جميع امراضه.
مهما تكثر هذه الامراض.
وإننا، اليوم، بلبنان لفي مرض.
فإذا بنا نهرع بصحة المريض.
من حقنا أن نهلع، أن نخاف على مريضنا – وهو من هو – وأن نطالب له الاطباء والأدواء.
ولكن ليس من حقنا أن ننتحب عليه.
فسيأتي يوم، وهو قريب، ينفض المريض عنه مرضه، ويقوم من فراشه.
كما في السابق نفض مرضه وقام من فراشه.
وكما تغلب لبنان، في الالف الأخير، على الصليبيين، والمماليك، والعثمانيين، والدول السبع، والإنتداب، هكذا سيتغلب غداً، على المتدخلين – الطامعين، سيتغلب على مفاسده، سيتغلب على نفسه، وسيبقى.
سيبقى ما بقي الله، سبحانه، تمجيداً لاسمه.
ويا أيها اللبنانيون! ماذا ينفع اللبناني لو ربح العالم كله وخسر لبنان؟
!
من المسؤولين من يرى الحكم قوة، فينتحلها لنفسه، ويطرحها في شارع أرعن، بين جماعة رعناء، تسيّر الأمور بإشارة منه.
فتصبح الدولة مرتع الاستفادة والكسب، ويعيش الحكم من الفوضى وعدم الانتظام، ويحيا على رائحة النتن والبارود.
من المسؤولين من يجرد نظرية الحكم عن كل مستند فلسفي واجتماعي تقدمي، ومن يباعد بينها وبين الخير، فيجعل الحكم حربًا على من ليسوا منه وفيه، ويجعل الحكم رزقًا لانصاره.
فتصبح الدولة حظيرة للمرتزقة المنافقين.
ووظائف الدولة شهادات تمنح للمبوقين الحادين.
وخيرات السرايات هبات للمسبحين الدجالين.
ومن المسؤولين من يرى في الأخلاقيين المُصلحين وفي الأخيار العقائديين مناوئين لحكمهم ومعادين.
فكلهم في رأي هؤلاء بوم تنعق، وغربان تنوح، وإنهم في غير زمانهم يعيشون، ولغير خيرهم يعملون، وفي المستحيلات يتخبطون ويهيمون.
ومن المسؤولين من يفصل بين السياسة وضميرها، وبين التسوس وخيره، وبين الإنسان وحقه، وبين الرعية وخادمها.
ومن يرى في الناس أزلامًا لشطرنج، ومصدرًا لدرهم، وأشياء بدونها لا يدوم حكم لحاكم.
فلا يعترف للناس بحق.
من المسؤولين من هو كالدهر على الناس فما ترك لهم فضة إلا فضّها ولا ذهبًا إلا ذهب به ولا علفًا إلا علفه ولا عقارًا إلا عقره ولا ضيعة إلا أضاعها ولا مالاً إلى مال إليه ولا حالاً إلا حال عليه، ولا فرسًا إلا افترسه، ولا سبغًا إلا استبد به، ولا لبدًا إلا لبد فيه، ولا بزّة إلا بزّها، ولا عارية إلا ارتجعها، ولا وديعة إلا انتزعها، ولا خلعة إلا خلعها (بديع الزمان)
إلتقيت يومًا موظفًا غير مسؤول على الغالب بمجرد انه طليق فراح يحدثني حديث العفة والنزاهة بمثل هذا فقال:

"شر العيوب السرقة.
يسرق المرء إذا شاء ملك نفسه كأن يأكل أب في السر مأكلاً اعد لأولاده من ماله.
سرقة أن يأخذ المرء أشياء غيره بإذنه إن لم يكن هو بحاجة فعلية لهذه الأشياء.
إذ يحذّر علينا اقتناء ما لسنا بحاجة إليه.
فإذا أكلت فوق طاقتي فقد تجنيت وسرقت.
واستطرد فقال:
"كثيرًا ما يغيب عن المرء مدى حاجته وكثيرًا ما تلتبس حقيقتها عليه فيبالغ بعضنا في حاجاته بدون ما مبرر فيركب المعصية من حيث لا يدري.
ويسرق على غفلة وعدم احتراز.
بل أكثر من ذلك، اشتهاء مال الغير سرقة.
وسرقة التفكير في اقتناء شيء مقدم فمثل هذا الهاجس.
مصدر لسرقات جمة.
ذلك أن نقف في الحاضر عند حد الاشتهاء فلا نلبث أن نعمد غدًا إلى تدابير مشروعة إذا امكن، غير مشروعة إذا لزم الأمر بغية امتلاك ما وقع الاشتهاء عليه.
وعندي ليس من شك في ان صائم الدهر هذا سعادة الموظف غير المسؤول أراد من حديث العفة أن يسرق من حسن ظني ما لم تقع عليه يد سارق من قبل.
وقد بلغ حرص سعادة الموظف غير المسؤول على دخله حدًا أشاد معه من مرتبه الضئيل ثروة يذهب في تعليل وجودها بين يديه إلى فضل ربه.
هنيئًا مريئًا كل ما تأكل وتشرب
فليس هذا أول عهد الناس لأمثالك وأول عهد أمثالك للناس.
فإن لأسرة الوظيفة سيرة تمعن بعيدًا في التاريخ أراها دائمة الميلاد تكاد لا تطوى حتى تعود فتنتشر اكتفي للتدليل عليها بمواقف لعمر بن الخطاب تبدت لنا أيام حكمه:

وكان أول ألفت عمر إلى شذوذ موظفيه أنه بينما كان يتجول على عادته في أحياء المدينة رأى بناء يتشامخ فسأل عن صاحب هذا البناء فأجيب إنه لأحد عماله فلان
فقال:
"أبت الدراهم إلا أن تخرج أعناقه"
وراح يتربص في عماله يراقب، يزجر ويحاسب.
فإليكم مثلاً رسالة وجهها إلى عبد الله أبي موسى الأشعري يقول:

"لقد بلغ أمير المؤمنين أن خشت لك ولأهل بيتك هيئة في لباسك ومطعمك ومركبك ليس للمثلمين مثلها.
فإياك يا عبد الله أن تكون كالبهيمة همها في الثمن والثمن حتفها.
واعلم أن العامل إذا زاغ زاغت رعيته وأشقى الناس من يشقى به الناس والسلام.
بيد انها سيرة كانت لا تقف عند هذا الحد من المشاهدة والمعاينة بل تذهب إلى أبعد فلا تهدأ إلا بعد حساب.
فمن أخبار العرب ما دامت أخبار العرب طريق التفاهم بين بعضنا وبين بعضنا الآخر.
إن عمر بن الخطاب كتب إلى عمرو بن العاص يقول "سلام عليك فإنه بلغني أنه فشت لك فاشية من خيل وإبل وغنم وبقر وعبيدًا وعهدي بك قبل ذلك أن لا مال لك.
فاكتب إلي من أين أصل هذا المال"
فأجاب عمرو بن العاص:
"والله، لو رأيت خيانتك جلالاً ما خنتك.
فأقصر أيها الرجل فإن لنا أحسابًا هي خير من العمل لك إن رجعنا إليها عشنا بها".
فاجاب عمر:
"نسقك الكلام في غير مرجع لا يغني عنك أن تزكي نفسك وقد بعثت إليك محمد ابن سلمى فشاطره مالك فغنكم أيها الرهط الأمراء جلستم على عيون المال لم يزعكم عذر.
تجمعون لأبنائكم وتمهدون لانفسكم.
اما انكم تجمعون العار وتورثون النار والسلام".
ومن اخبارهم انه لما ولّى عمر بن الخطاب عتبة ابن أبي سفيان الطائف ثم عزله، تلقاه في بعض الطريق فوجد معه ثلاثين ألفًا فقال:

"أنا لك هذا؟
"
فقال عتبة:

"والله ما هو لك ولا للمسلمين.
ولكنه مال خرجت به لضيعة أشتريها.
فقال عمر:

"عاملنا وجدنا معه مالاً ما سبيله إلا بيت المال.
ورفع منه المال.
فيا صاحب الدهر سيدي، في القريب حساب يجب إداؤه لعمر.
سيداتي سادتي،
درجت السياسة على أن تخلع جوًا من جوها على البلد الذي تظله وأهله فكان لا بد في البداية لنصل وإياكم إلى الجهاز الذي يقوم على توزيع النصفة والعدل وإحقاق حق المتقاضين.
نعرف جميعًا ونحن على باب هذه الشهادة أي مركب موزع لحقوق الذي أجره اليوم يعدل اجران والذي قال فيه خبير عادل لاعتذاره عن عدم توليه القضاء "إذا وقع السابح في البحر فكم يقدر ان يسبح ونعرف جميعًا أي مركب هو مركب الشاهد على ما هو من ضمائر الناس لذلك أراني آخذًا بالظاهر الشائع تاركًا لله حسابًا وحده الله يجريه فأقول:

"إذا كانت الحاجة تلجئ غيرنا أحيانًا إلى استصدار قانون لينال كما هي الحالة في بريطانيا العظمى عندما يعمدون إلى الأصول المتبعة في ما أطلقوا عليه إسم ---- وهو قانون ذو مادة واحدة يجرم أمرؤًا لم تقم البينة الشخصية على أنه ارتكب ما يسند إليه من جرم ، قلت إن كانت الحاجة تلجئ غيرنا أحيانًا إلى استذدار قانون لينال فنحن هنا والحمد لله نعرف أقرب الطرق من الرغبة إلى الحكم.
أحب أن يكون كبير في القضاء قد قال لي ذورًا عندما قال "إما أن نظلم أولادنا أو نظلم الناس، فآثر بعضنا ظلم الناس".
كما أحب أن يكون كبير آخر من كبار القضاة المسقيلين قد قال لي ذورًا عندما قال "بين ان أخسر دنياي وبين ان أخسر الآخرة آثرت خسارة دنياي".
ولكن ما حيلتي إذا كان القضاة قد أجمعوا في مذكرتهم التاريخية إن القضاء خاضع للسلطة التنفيذية والقضاة يتعرضون للمجاذفات كلما أرادوا إثبات استقلالهم.
فهم لا يستطيعون أن يقاوموا المداخلات والضغط الموجه إليهم إلا باعتمادهم على قوة شخصيتهم وعلى مناعة اخلاقهم.
وهي شهادة من الأهل على الأهل ومن الظنين عليه.
فشهادة إقترنت بالتزكية.
تزكية المسؤولين لهم بانهم لم يروا فيها سببًا لتسريح موقعيها من الخدمة وتزكية المحامين الذين أضربوا أربعين يومًا لرفع هذا الكابوس عن أقرانهم المساكين.
أما شهادتي في الموضوع فهي ان يحترم كل مشتغل في شؤون العدل علمه فيعليه على علم من لا علم له فيه.
وأن يحترم ضميره فلا يسمح ان يتمسح به الآخرون وأن يحترم رسالته فمشعل الحق يجب أن يستمر فوق كل أرض وبين أية فئة كانت من الىدميين وأما ما يعترض طريق موزع العدل بيننا فمن اندراج العادي ودواؤه إرادة تعرف أن تقول لا أقبل.
وإن تعذرت فرغبة يرغب بها موزع العدل إلى صاحب التوصية في ان يحضر إليه بالذات عند كل توصية.
فهو إن حضر مرة في الشهر فقد لا يحضر مرتين وإن حضر مرتين فليطرح غير مأسوف عليه أرضًا مع الخنازير.
وهل يخاف النافذ الموصي على شعبيته أن تتهدم لو كان يقول لأصحابا لحاجة من الناس "تقصر يدي أن تأمر يدًا في ان تخط حكمًا ينتزع من ملك زيد ويعطيك.
وتقصر يدي على ان تقطع لك من الحق مشاع الامة وتراثها حصة دون الآخرين.
فأول ما يجب أن يكون هو أن يقضى على شعبية قوامها هذا القوام قبل أن يقضي لمصلحتها قضاء.
إن استمرارها لذل وخدمتها مشاركة في الذل.
اما في عالم المحاماة فينبئك من تريد كيف يكبر المحامون ولا يد في ذلك للمواهب والعلم والاجتهاد وكيف يصغرون مع تقلص السلطة والسلطان من أجواء أوجارهم.
وينبئك من تريد كيف أن الصعاليك يعلون الإئمة الأساطين كيف يثري متدرج ويعوز نقيب.
كنت عرضًا ذات يوم في قصر العدل أتحدث غلى رفيق في شؤون المهنة فإذا صوت كجعجعة الطاحون يلفت إليه الواقفين جميعًا وإذا صاحب الصوت يقول "إذا كنت يا صاحبي تريد ان توكل إلي دعواك لان أخي نائب وأخي الثاني قاض وابن أخي قاض، والقضاة أصدقاء لنا ومعارف فلا أقبل منك الوكالة.
أما إذا كنت تريد ان توكل إلي دعواك لانقضاء عشرين سنة علي في المحاماة فأهلاً بك.
إن الزميل الكبير ومن حوله الناس جماعات وأفرادًا، لم ير أفضل منها طريقة لتعداد شهاداته العلمية وألقاب بطشه ولم يلبث ان أكد لي شاهد ان الذي استحق هذه الموعظة رجل ساذج كان يسأل الزميل الكبير من أين تؤتى محكمة الاستئناف.
ونخرج من السرايات فإذا أمامنا المشتغلون في شؤون السرايات.
هنا المبوقون المطبلون المزمرون من رأيهم رأي البلاغات الرسمية بلاغات "يقرأ" و"يشاع" وبلغات "عار عن الصحة".
والمبوقون يتراوحون فئات بين سعادة البك الذي يتصدر المجالس "فيفلسف على طريقة مسكوكة كالعملة الخيانة والقحة والسرقة والاشتراء على القوانين والناس" وبين من شهادته مسدس ينقل للتبرج والزينة فلا تطوله تدابير نزع السلاح من عمله الشهادة للزعامة الكاذبة في مناسبات الذهاب والإياب.
إذا غابت عن الساحة مزيكة الإخوان.
وهنا من يبيع من الناس كلامًا ويعرف هؤلاء ما يعرفه الفرانون أن أحسن الكلام إحماه.
فيدفعون إلى السوق كلامًا حاميًا.
إلى ان توجب "ألحال" فيعود كل واحد منهم إلى صفة هادئ اللهجة فارتها يتقيأها من فمه الرسول.
وهنا الحردون من يغضب إن فاتته حصة الأسد ومن إذا قسمت حصص الثا=عالب ادركتها الثعالب قبله.
إن ما بين هؤلاء والسرايات ما بين الحبيبة والحبيب في أيام الجفاء، نظرة فابتسامة فانزلاق.
فلا يوجعون إذا ضربوا ولا هم يوجعون.
وهنا الرسميون من هم في يد السرايات كالرسن والعناق إن أرخت بهم قربوا منالبعيدين والمتباعدين وإن قبضتهم إليها عادوا بأس الجواد أو مالوا بها الناحية التي يريدون.
فالرسنيون عنانون نقاقون يعطونك من طرف اللسان ما يقصر عنه لسانك ويماشونك في النقمة واللعنة إلى حيث تغيب حقيقتهم عن الخاطر الكريم وقلّما يعودون يوم يعودون منفردين.
أولئك هم شباك السرايات.
وتوصلنا الطريق إلى المعارضين من معارضة الشعب الصامتة إلى معارضة الأركان الصارخة.
أما معارضة الشعب فهي بنت حاجته تشتد أو تلين بنسبة ما يفقد حاجاته أو يجدها.
وللشعب حاجات تتجاوز المرق والرغيف.
فشعب لبنان غير قدره وبطنه.
إنه ابن بيت كبير يطمع في أكثر من مكفيات الخدم المرفهين.
ويهدف إلى أبعد ما يهنئ الآدميين من تسهيل وسائل الحياة وإغداق الضمانات الاجتماعية فهو يرعى حرمة لإنسانه هذا الذي له في الطين رجل وفي عباب السماء انف شامخ وله مع الله قصة وفيرة.
كان في لبنان شعب حده حدود الدنيا في المشارق والمغارب.
طريقه الثقة والامل
مركبته الأمل والنشاط.
وسيلته أنه هو الوسيلة.
كان في لبنان شعب يعلق القرايا فوق أوكار النسور فيدغم في الصخور بيوتات الحجر وفي النجوم اضواء المصابيح.
كان في لبنان شعب يعيش من حريته من شموخه وإبائه لحريته لشموخه وأبائه يدفع عنها بالسيف إن لم تسعف الحيلة.
كان في لبنان شعب يساير ولا يخنع
يلين ولا يخضع
يتجاهل ولا يجهل
ويعرف حدود الكرامة والإنفة
كان في لبنان شعب يرى الشغل صلاة إذا قام إلى المعول غنى في الطريق إليه وغنى للمعول بين يديه وغنى مع المعول يفت عنجهية الصخور ويمرع التربة بالساعد والعافية.
كان في لبنان شعب يرى الشغل فضيلة وشغل اللبناني عمل لا استخدام.
عمل يبدأ مع الصبح ويغرب مع الغروب ويرتد ما ارتد الواجب في الأيام
عمل طروب فهو كالمغناة تنشد على التعب والعرق
كان في لبنان شعب يرى الغتقان شرطًا في كل ما يعمل.
يضرب المعول ضربة فوق ضربة.
وينزل الثلم على الثلم فلا يبعد إلا بمقدار.
ويرصف السلاسل ممشوقة هيفاء في صدر العريض تميل مع التربة والخصب تمايل خصور العذارى مع الحد الانيق.
ويجلو النجارون الخشب المخفية في الطاولات والخزائن جلوهم للخشبة الظاهرة فلا غش ولا استخفاف.
ثقة من اللبناني ان الشغل فضيلة وصلاة.
فعندما راى الشعب اللبناني ما أصابه ودهاه وانه انقلب غيره عمد غلى المعارضة الساكتة أبلغ معارضة في المعارضات.
وكما انه يهزا من بهلوانيات الحاكمين فهو يسخر في اعماقه من ألاعيب المعارضين.
فمن هنا إنه لا يمد إلى المعارضة يدًا سخية انف ان يساند بها الحكومات.
وهل ان اللبناني من الغباوة بحيث لا يدرك ان العرائض الإصلاحية كالبيانات الوزارية تعد ولا تفي، تقول ولا تفعل، وأن الإصلاح ذريعة إلى الوصول مثلما هي البيانات ذريعة إلى الثقة.
لاجل ذلك فليتند اللاعبون بالنار وليخلص العاملون باسم الشعب للشعب.
واما معارضة الأركان فعلى وافر تقديري وحبي لبعض كبار المعارضين ولبعض شبانهم فأنا لا أومن ان معارضة الأركان ركن المعارضة في لبنان وما لم تصبح معارضة الأركان تعبيرًا مخلصًا صادقًا عن كل ما يموج في نفس:
الأمة اللبنانية من طوق وأمان وأمال، فعبثًا تدعي المعارضة الوكالة عن الأمة.
وما لم تدرك المعارضة في لبنان ان طوق الأمة اللبنانية واحد وأن امانيها واحدة وآمالها واحدة فتوحد هي شعثها والتلم إذ التعبير عن الحقيقة الواحدة واحد فعبثًأ تزعم المعارضة انها مرآة الأمة.
وما لم توقن المعارضة يوم تتحد والامة فتصبح واحدة كطوق الأمة إن للمعارضة وسائل وأساليب غير ما تعتمد من وسائل وأساليب فسيظل يطولها قول جرير "زعم الفرزدق أن سيقطن مربعًا أبشر بطول سلامة يا مربع.
أما أحزابا لشباب ومنظماتهم فقد فاق معزمها سوء الطالع على مطاوعة منها او على غير مطاوعة إلى تكتل طائفي حال دون تماذج عناصر الشعب المكتلة هنا بعناصر الشعب المكتلة هناك.
فقد جاءت على غير انطباع لما في نفوس الشباب وجاءت تستثمر خزينًا يريد لنفسه الان--- فكانت أن صبت قوى الشباب في السدود فأثنت ولم تمرع وعندي ان الاحزاب والمنظمات التي لا تدرك أغراضها في مدى آحاد السنين المنظمات تدور على ذاتها بعد ذاك فتذوب صوفيتها ولا يبقى منها سوى ما يبقي الشباب للكهولة من عادات تلزم الرجل عمره ولا تبلغ به كهلاً أبعد ما بلغت به أيام الشباب.
ذلك أن المنظمة وسيلة وقد جعلنا من المنظمة غاية فأي عجب والحالة هذه في ان تموت ضمن جدرانها الأربعة شامخة مع الأيان عائشة على الذكريات حافرة قبرها بالتقاعس والإحجام.
سيداتي سادتي
في آخر المطاف وقد اجتزأنا ما اجتزأنا عالم الدراويش فنانين شعراء أدباء الذين لا نسخطهم إذا صدقنا ولا نسخط الله.
والذين لا نثير أحقادهم
باركنا أو لعنا فساحة الدراويش ساحة الملوك الميامين لا تضيق برأي ولا تتبرم بدخيل تفلت فيها القلوب كبارًا والأحاسيس ألف لون ولون وألف نبضة ونبضة وتثبت منها الخواطر هدامة بانية مزهوة وازعة ناقمة راضية صاخبة ناعمة بعضها يطاول البعض الىخر.
تتصارع تقتتل وتصمت أو تموت في غمرة من الدفق سخية وجو عامر بالتسامح والاديان.
فما ذنب إخوتي الدراويش إذا تجهمت من فوقهم السماء فحجبت عن عيونهم التماع النجوم.
وما ذنبهم إذا عدت الذنوب أن تكون يد من غير أهلهم تعكر في اجوائهم الطمأنينة والصفاء وما ذنبهم إذا حطم انطلاقهم الظلمة والحديد.
وما ذنبهم إذا صرفوا من الخير والجمال إلى عراك هائل مميت يبغون منه نصرًا أو لا يعودون.
وما ذنبهم إذا سدت في وجههم مناسم الوحي والنور فأطبقوا على ذواتهم ينحتون منها الصرخة إثر أختها، فيتذرعون عنادهم ويقاومون علمهم علهم يظفرون.
في النهاية
بالمنيعات الحصون يقيمونها من حول عالم يكون او لا يكونون؟

فما ذنبهم ودراويش لبنان أحفاد قريبون للعمالقة الجدود الذين عن يدهم حلم هذا الشرق بأول مطبعة فكانت وانزلق اول كتاب وهلت أول صحيفة وتخايلت اول مجلة ونهدت اول مدرسة وطنية وأول قاموس وأول دائرة معارف واول روزنامة وأول شعر شعر وأول أدب أدب وأول فن فن؟

فما ذنبهم وقد تطلعوا مليًا إلى العالم واغترفوه إن لم يعاون شاعرهم في الشعر العالمي وأديبهم في الادب العالمي وفنانهم في الفن العالمي وفيلسوفهم في الفكر العالمي
على أن لهم أجنحة تعرف كيف تجوب فضاء إثر فضاء ولهم في الوثبة تذعر النجوم.
ومع ذلك فإننا لعلى الطريق وقد ندرك المحجة قريبًا إن شاء الله وفي ظروف أفضل للانطلاق على جناح اللغة المؤاتية وعن يد جماعة أرجو أن لا يكون قد غام في عيونهم الغرور فقعد بهم عن التحفظ.
سئل فخامة الرئيس سليمان فرنجية عن توقعاته من مؤتمر القمة المنعقد حاليًا في القاهرة فأجاب:

إن التحركات العربية على مستوى القمة مختصرة كانت أو موسعة دليل عافية
إن أول ما يدعو إلى التساؤل هو لماذا المحركون اليوم لم يتحركوا إلا بعد ثمانية عشر شهرًا من بدء الحوادث التي سريعًا ما استحالت إلى حرب شرسة.
أقول حربًا ولا أقول أهلية كما يصر على تسميتها المغفلون المتواطئون وسيئو النية.
بل أقول حربًا عدوانية شنها على اللبنانيين في أرض لبنان الفلسطينيون وأعوانهم لأهداف شتى.
غير أننا نتخطى هذا التساؤل لنقف للمؤتمرين عند حقيقة أن الإعلام الفلسطيني يبني دعايته على المغالطات والافتراء ويروج لها بالضغط والإرهاب او بالإفساد والإغراء.
فمن افتراءاته ومغالطاته مثلاً قوله عندما بدأت انتصارات القوى اللبنانية في الجنوب إن إسرائيل تدعم القوى اللبنانية كما سبق لإعلامهم أن قال في معركة ضبيه وتل الزعتر إن الثوى السورية ساعدت القوى اللبنانية كل ذلك تغطية لفشل الفلسطينيين في هذه المعارك.
هذا فضلاً عن انتقامهم الوحشي بعد كل انكسار إذ يتخيرون نقطة ضعف في الجمهورية اللبنانية فينزلون بكل قواهم إليها ويغدرون بها غدرًا.
فالعيشية اليوم كما شكا بالامس والدامور قبلهما.
وتابع الرئيس فرنيجة فقال:
تلك هي الملاحظات والتخوفات والآمال التي نتوجه بها إلى الملوك والرؤساء المجتمعين اليوم في القاهرة لمعالجة القضية اللبنانية وإيجاد الحلول لها.
إننا نرجو لهم التوفيق لأن العالم المتحضر كله ينظر الآن إليهم، يحكم لهم او عليهم قبل حكم التاريخ.
وختم بقوله:

سيظل لبنان أيًا كانت المحاولات رافضًا لأي حل لا يزيل عنه الاعتداء وآثاره وذيوله غير قابل بما لا يسلم معه تاريخه العريق الأصيل في الحضارة ودوره الفريد النبيل في خدمة الانسانية والإنسانوجهه المتميز في هذا المقلب من الأرض.
سئل فخامة الرئيس سليمان فرنجية عن رأيه بالمقررات التي اتخذت في مؤتمر الرياض فأجاب:

"ما هي الغاية التي من اجلها تم انعقاد مؤتمر القمة العربية في الرياض؟

إن الغاية بنظرنا هي حقن دماء اللبنانيين.
فماذا يجب لذلك؟
وقف الاقتتال ثم الحؤول دون تجدده.
اما الاقتتال فأسبابه الوجود الفلسطيني الكثيف على أرض لبنان والمطامع الفلسطينية الجنونية بأرض لبنان التي دوخت عقول الفلسطينيين فأضاعتهم.
وسبب الاقتتال الدعم العربي المفرط بالمال والسلاح والرجال الذي قدم لهم لغاية وأنفق على غير غاية.
ولم يقم على ذلك رقيب أو حسيب.
أما وقف الاقتتال فيجب أن يكون وفقًا لجميع أنواع الاقتتال من حد القصف والقنص والرجم العشوائي بالصواريخ إلى حد التهويل والتهديد والخطف ومن حد التدمير والحرق والتخريب إلى حد السرقة والسلب والنهب.
كما يجب أن يكون وقفًا كليًا على جميع الجبهات من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال مرورًا بالجبال والسواحل وبالمدن وضواحيها.
وأما الحؤول دون تجدد الاقتتال فلا يكون إلا بإزالة أسبابه ومتى علم أن من أسباب الاقتتال الرئيسية تفرد الفلسطينيين بإدارة قيادة القضية العربية الشاملة المسماة باسمهم والتحالف مع اليسار المحرض الذي زعم الفلسطينيون انه من حقهم أن يعقدوه باسم القضية الفلسطينية على حساب المجموعة العربية فجروا وراءهم على حين غفلة بعض المسؤولين العرب.
كل هذا بالغضافة إلى السبب الرئيس الكبير الذي هو تمسك اللبنانيين حتى النفس الأخير بسيادة بلادهم بحريتها وبكرامتها.
متى علم ذلك.
علم ماذا تعني بالضبط إزالة أسباب القتال وكسيف يجب ان تكون.
فإن كان هذا قد تحقق فقد تحققت الغاية من مؤتمر الرياض وإن لا فلا
ثم تابع فقال:
يبدو ان فخامة الرئيس سركيس قد عاد مطمئنًا إلى مقررات المؤتمر.
إننا نثق بالرئيس سركيس.
فعندما يكون هو مطمئنًا يصير سهلاً علينا أن نطمئن.
هذا فضلاً عن أن ظاهر القررات يطمئن.
غير أنه يبقى أن نعرف بواطن هذه المقررات والدقة والصرامة والصدق التي سترافق تنفيذها.
رأي حر ورؤية إصلاحية
لدى فئة من اللبنانيين أن تفرض على الفئة الأخرى إكراهًا وبالقوة خيارات معينة بينما من المعروف أن الشعور بالإنتماء القومي لدى شعب من الشعوب ينمو نموًا عفويًا.
في الوقت الحاضر يجب أن يترك أمر تعيين وإعلان هوية لبنان ريثما يختمر هذا الشعور ويتبلور لدى جميع اللبنانيين يومًا من الأيام فينصهرون في بوتقة واحدة لا حيرة فيها ولا تردد.
الولاء للوطن اللبناني
بدون أي تمييز وطن حرية المعتقد الديني، وطن نمو الشخصية الإنسانية الفريدة التامة، وطن البحبوحة في العيش ووطن النور والتقدم والحضارة.
إن وطنًا له ما للبنان من الغمكانيات لتحقيق هذه القيم قادر أن يخلق في قلوب جميع ابنائه ذلك الولاء الذي يستهان معه بذل النفيس في سبيله والدفاع حتى الموت من أجله.
لبنان بين واقعه المؤلم وبين تطلعه المستقبلي الرائع يبدو دائخًا كمن ضرب على رأسه.
عشرات الآلاف من أبنائه ماتوا شهداء في معارك وتفجيرات.
عشرات الآلاف فقدوا أو جرحوا.
عشرات الآلاف هجروا من مكان إلى مكان في ربوعه.
عشرات الآلاف هاجروا إلى مختلف أنحاء الدنيا.
إنتهكت مؤسساته الدستورية والوطنية ودمر اقتصاده وقطعت مسيرته إلى الرقي وخنقت إسهاماته في المسيرة العالمية في مهدها.
في الوقت نفسه، عشرات المئات من اللبنانيين تعبوا من هذا المصير الأسود وقرفوا.
بعض اللبنانيين صار أغنياء حرب وفساد ينصرفون إلى التمتع بما غنموا.
أحزاب حادت عن خطها واختبأت وراء شعارات كاذبة وهربت من واجبها الوطني.
لا بد من أن يكون ثمن لدم الشهداء وللدمار الهائل الذي حل بلبنان.
لا بد من محاربة تسلط واستئثار وفساد وهدر واستعباد وظلم.
لا بد من إشراك الناس في هموم بعضهم البعض والقفز فوق المناطقية والحزبية والمذهبية والعنصرية.
لخّص حنين جوهر الأزمة اللبنانية ووضعها في السياق الراهن للتطورات المحلية والإقليمية، منتقلاً إلى اقتراح سبيل المعالجة والإصلاحات السياسية والدستورية.
في المعالجة رأى أن المنطلق الصحيح هو في النظر إلى اللبنانيين كشعب وطوائف في آن.
وهذا المنطلق "يقتضي قيام مؤسسات وطنية لا طائفية في كل ما يتصل بالشأن العام، أي في قضايا الحياة العامة حيث تتشابه وتتداخل التحديات والمشاكل وتتطابق وتتوحد وسائل الفهم والمعالجة.
أما حيال قضايا الدين والأحوال الشخصية وقضايا المصير فيقتضي أن تتم المعالجة في غطار مؤسسة مشتركة (مجلس الشيوخ) تستطيع الطوائف من حيث هي تكتلات اجتماعية ومعنوية قائمة أن تعبر داخلها عن وجدانها وأن تشارك ممثلي الكتلة الشعبية (النواب) في بت الأمور المصيرية فقط.
وحصر الإصلاحات في أربع نقاط:

أولاً، إلغاء الطائفية، بمساواة المواطنين أمام القانون وفي المراكز والفرص وفي المنزلة الاجتماعية دون تمييز بسبب الجنس أو الأأصل أو الدين أو الرأي السياسي.
ولعل العلمنة تتحقق تدريجًا بقوننة العلاقات السياسية والاجتماعية في الدولة بغية مساواة المواطنين أمام القانون، وبوضع التشريعات اللازمة في شتى المجالات انطلاقًا من الحاجات المجتمعية الموضوعية مع مراعاة الشرائع الدينية للجمهور المؤمن.
ثانيًا، التوافق على تحديد هوية لبنان بأنه وطن عربي، نهائي، ودولة مستقلة كاملة لاسيادة، تتطور نحو نظام ديمقراطي اجتماعي في إطار أسرة عربية تجمعه وأعضاءها روابط التاريخ والمصالح والمصير.
ثالثًا، الاعتراف بحقوق الإنسان التي لا تمس ولا سيما حقّه في الحرية والخبز والعمل والتعليم وتكريسها في صلب الدستور.
رابعًا، إحلال الضمانات الوطنية محل الامتيازات الطائفية من خلال القواعد الآتية:

أ – إلغاء الطائفية السياسية في جميع المراكز والسلطات والمؤسسات العامة باستثناء مجلس الشيوخ.
بـ - إحداث مجلس للشيوخ تتساوى في عضويته الطوائف اللبنانية الست الكبرى مع مراعاة التوزيع المذهبي داخلها في إطار المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، ليكون ضمانًا للأقليات، وليشارك مجلس النواب المنتخب على أساس وطني لا طائفي في بت القضايا المصيرية والأساسية وهي:

تعديل الدستور، إعلان الحرب وإقرار الصلح، المصادقة على المعاهدات الدولية، وضع قوانين الاحوال الشخصية المذهبية وتعديلها، حماية الحريات العامة، إعلان حالة الطوارئ، قانون انتخابات مجلس الشيوخ.
جـ - زيادة عدد المحافظات وجعلها دوائر لانتخاب أعضاء مجلس الشيوخ، على أن يكون لكل ناخب الحق في انتخاب مرشح واحد فقط.
د – انتخاب رئيس الجمهورية من الشعب بغية جعل الرئاسة الأولى رمزًا للوحدة الوطنية بشرط أن يحوز الفائز الأكثرية على مستوى البلاد وفي نصف عدد المحافظات على الأقل في آن.
هـ - تحقيق الفصل والتوازن بين السلطات العامة من خلال:

- اضطلاع رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء، معًا بأعبا السلطة التنفيذية.
- اختيار رئيس الوزراء في مجلس النواب.
- حصر حق رئيس الجمهورية بإقالة الحكومة في حالتي موافقة رئيس الوزراء، واستقالة نصف أعضائها.
- حصر حق رئيس الجمهورية والحكومة في حل مجلس النواب بحالتي رد الموازنة العامة برمتها وحجب الثقة عن الحكومة مرتين خلال سنة واحدة.
- ضمان الاستقلال التام للسلطة القضائية بجعل المجلس الاعلى للقضاء المرجع الوحيد لتعيين القضاة ونقلهم وترفيعهم وإنهاء خدماتهم.
- إنشاء محكمة عليا للنظر في دستورية القوانين.
و – إصلاح ديمقراطي للتمثيل الشعبي وتعزيز الحريات العامة بجعل لبنان دائرة انتخابية واحدة، أو جعل المحافظات دوائر انتخابية، والأخذ بنظام التمثيل النسبي، وحصر توزيع المقاعد باللوائح التي تحصل على أكثر من عشرة في المئة من أصوات المقترعين فقط لتفادي التشرذم السياسي.
ز – زيادة عدد المحافظات واعتماد اللامركزية الإدارية، وتعزيز الحكم المحلي.
حـ - تتولى المحافظات شؤون الأمن والنظام العام وكامل الاختصاصات المنصوص عليها في قانون البلديات.
طـ - يتولى سلطة التقرير في المحافظة مجلس مؤلف من رؤساء المجالس البلدية في المحافظة ويتولى السلطة التنفيذية محافظ تعيّنه السلطة المركزية من بين مرشحين يسميهم مجلس المحافظة.
يـ - للسلطة المركزية أن تمارس، بحكم ولايتها الشاملة، بعض الاختصاصات للمحافظ، بموجب قانون".
وختم حنين بالإشارة إلى أن "الإصلاحات المقترحة تبقى غير ذات موضوع إذا لم يستعد لبنان وحدته السياسية والإدارية".
وأضاف "لكي يتحقق ذلك يقتضي، بادئ الأمر، أن يبادر رئيس الجمهورية، مع زعماء البلاد وممثلي القوى الحية، إلى عقد مؤتمر وطني للمصالحة وللتوافق على جدول أولويات للقضايا الوطنية الملحة وجوهر الإصلاحات السياسية والدستورية المطلوبة.
إن الوثيقة التي يتوصل إليها المؤتمر الوطني يمكن أن تشكّل أساسًا لبرنامج حكومة اتحاد وطني موسّعة تأخذ على عاتقها، في الظروف الانتقالية بدور برلمان مصغر قادر أن يقرر، بمراسيم اشتراعية، القواعد اللازمة لمعالجة القضايا الملحة المتفق عليها.
ولعل في رأس هذه القضايا سن قانون لانتخاب جمعية تأسيسية يتضمن الإصلاحات الانتخابية المقترحة آنفًا.
وفور استتباب الأمن يجري انتخاب الجمعية التأسيسية التي ستتولى وضع دستور جديد للبنان.
والمؤمل أن يتضمن الدستور الجديد الإصلاحات التي يكون المؤتمر الوطني أقرّ خطوطها العريضة في وثيقة، وغيرها من الإصلاحات التي يقترحها أعضاء الجمعية التأسيسية والاحزاب السياسية وأهل الفكر والقانون الدستوري والعلوم السياسية والاجتماعية".
طوال أعوام مرحلة ما قبل الحرب بقيت المبادرات الرسمية خجولة لردم الهوة بين الشعب اللبناني ، رغم أن الحواجز المادية التي قطعت أوصال الوطن اختفت ، بقيت الحواجز النفسية عميقة في نفوس الشعب وبدأت المذهبية تطغى على الفكر اللبناني وتمثّل الأولوية على حساب المواطنية الشاملة وقد ساعدت في ترسيخ هذا المنحى داخل المجتمع اللبناني مصالح الزعامات المحلية في مختلف المناطق والطوائف.
عام 1952 إستقال الرئيس بشارة الخوري تحت ضغط معارضة متعددة الطوائف، رغم أن غالبية أعضاء مجلس النواب كانت تدعمه .
في تلك المرحلة كانت سوريا تشهد انقلابها العسكري الثالث.
كانت أزمة 1952 قصيرة الامد وتمّذذت معالجتها في إطار مؤسسات الحكم القائمة ، فانتقلت السلطة سلميًا عبر الانتخابات.
هذه الأزمة تعتبر الاضطراب السياسي الأول الذي واجهه لبنان بعد استقلاله ، ولّدتها ظاهرة الفساد المستشري في إدارة الرئيس بشارة الخوري وتراجع التأييد الشعبي له.
بعد سنوات إندلعت أزمة جديدة في لبنان هي أزمة 1958 وكان بُعدها الخارجي واضحًا.
ففي تلك المرحلة بدا جليًا أن لبنان تحوّل في عهد الرئيس كميل شمعون إلى محطة من محطات الحرب الباردة في العالم.
تزامنت أزمة 1958 مع اضطراب داخلي ضرب الأردن عام 1957 وسقوط النظام الملكي في العراق عام 1958.
إثر إفلاس بنك إنترا تأزّم الوضع المصرفي في لبنان وضربته هزّة خطيرة ، تمّ تعيين الرئيس الياس سركيس في 16 حزيران 1967 حاكمًا لمصرف لبنان، فواجه الأزمة بحزم وحكمة وأصدر قانون وضع اليد على المصارف العاجزة وقانون ضمان الودائع والتوقف عن إعطاء التراخيص لإنشاء مصارف جديدة وتشكّلت لجنة العشرين وكلّفت بإعادة النظر في نظام النقد العالمي وكان قد دعي سركيس مندوبًا عن لبنان لدى صندوق النقد الدولي.
في 8 آيار 1976 عقد مجلس النواب جلسة في قصر منصور الواقع بين المتحف والبربير ، حضرها 69 نائبًا رغم تساقط القذائف العشوائية.
نال الرئيس سركيس 66 مقابل 3 أوراق بيضاء.
وكان رئيس مجلس النواب يومها كامل الأسعد ورئيس الحكومة رشيد كرامي.
غاب عن الجلسة 29 نائبًا من بينهم ريمون إده، إدوار حنين، كمال جنبلاط وجميع نواب جبهته باستثناء بهيج تقي الدين والطحيني.
عام 1976 إنعقدت جلسة أول مؤتمر قمة عربي في عهد الياس سركيس أقر فيها المجتمعون دخول قوات الردع العربية إلى لبنان.
في حزيران 1978 جمعت قمة اللاذقية الرئيسين الياس سركيس وحافظ الأسد اللذين أعلنا عن اتفاق مشترك طالبا فيه بتنفيذ قراري مجلس الأمن الدولي 425 و 426 من أجل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإعادة السلطة إلى الشرعية والسيادة اللبنانية إلى الجنوب وتعزيز التنسيق بين الجيش اللبناني وقوات الردع العربية .
كذلك شدّد الاتفاق على ضرورة تنظيم العلاقات اللبنانية الفلسطينية مع المحافظة على سلامة لبنان وسيادة أراضيه.
بعد هذه القمة ، عقدت اجتماعات عسكرية لبنانية – سورية – دولية لمناقشة الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب ودخول الجيش إليه بالتنسيق مع الطوارئ الدولية إضافة إلى نشر الجيش في بيروت والمناطق بالتنسيق مع قوات الردع العربية.
في السادس من حزيران 1978 ، أعلنت الجبهة اللبنانية رفضها للاتفاقات المعقودة بين السلطة اللبنانية والمقاومة الفلسطينية منذ اتفاق القاهرة عام 1969 حتى اليوم.
فانفجر الوضع عسكريًا في أوائل تموز 1978 إنطلاقًا من الضاحية الجنوبية وصولاً حتى الأشرفية ليطاول كل مناطق بيروت الشرقية.
ولادة دستور لبنان عام 1926
لقد أثارت نشأة دستور 1926 جدلاً بين رجال السياسة وبين المؤرخين اللبنانيين إذ اعتبر بعضهم أن هذا الدستور قد أعدته السلطة المنتدبة، وأنه نسخة عن دستور الجمهورية الثالثة الفرنسية، بينما رأى آخرون انه بالعكس نتاج لبناني محض، وأنه حصيلة الجهد الذي بذلته اللجنة المنبثقة عن المجلس التمثيلي والذي بذله بنوع خاص أحد أعضائها البارزين ميشال شيحا.
لقد احتدم هذا الجدل في السبعينيات ولفت في حينه انتباهي، فقررت منذ ذلك التاريخ الخوض في الموضوع علني أستطيع ان ألقي عليه أضواء جديدة تساعد على الإجابة عن السؤال المطروح:
من وضع الدستور اللبناني؟
انتظرت سنوات عدة قبل الانطلاق بهذا المشروع وذلك لأنه كان علي في أول الامر ان أتفحص عددًا من الملفات المحفوظة في الأرشيف الفرنسي وفي لبنان فقصدت أرشيف وزارة الخارجية في باريس وأرشيف الجيش البري في وأرشيف المفوضية العليا الفرنسية في نانت وأرشيف هنري دو جوفنيل في مدينة(Tulle)، وأرشيف عصبة الأمم في جنيف وأرشيف البطريركية المارونية في بكركي.
كما اطلعت على عدد لا يستهان به من المصادر والمراجع.
قمت بعد ذلك بإعداد دراسة شاملة عن الموضوع باللغة الفرنسية صدرت في بيروت في أواخر العام 1996 وهي بعنوان "ولادة دستور لبنان عام 1926".
ساحاول في القسم الاول من هذا البحث أن أرسم بإيجاز الإطار التاريخي الذي أعد فيه الدستور وهو إطار الانتداب الدولي.
وسأعرض في القسم الثاني المشاريع الأولى للدستور او للقانون الأساسي، كما كانوا يسمونه آنذاك، لاسيما تلك التي طبعت في العامين 1924 و1925.
وسأكرس القسم الثالث للمرحلة الأخيرة وهي مرحلة حكم المفوض السامي هنري دو جوفنيل التي امتدت من تشرين الثاني 1925 حتى آيار 1926 والتي شهدت ولادة الدستور في صيغته النهائية، أي الصيغة التي صوت عليها المجلس التمثيلي بالإجماع في تمام الساعة الواحدة والنصف من صباح 23 آيار 1926.
نظام الانتداب الدولي والقانون الأساسي
ولد نظام الانتداب الدولي عام 1919 في الأجواء التي سادت مؤتمر الصلح المنعقد في باريس.
وضع هذا النظام بإصرار من الرئيس الأميركي ولسن ليطبق على المستعمرات الألمانية السابقة وعلى الولايات التي سلخت من السلطنة العثمانية.
كان على الدولة المنتدبة ان تمارس باسم عصبة الأمم وصايتها على الأراضي التي عهد إليها بها.
حددت صلاحياتها في وثيقة عرفت بصك الانتداب.
كانت مهمتها من الناحية المبدئية تنحصر في مساعدة السكان الاصليين على إدارة شؤونهم ريثما يبلغون درجة من التطور تسمح لهم بالانتقال إلى مرحلة الحكم الذاتي.
وقد اعطي هؤلاء السكان حق الطعن بسياستها امام العصبة.
إن النص الأساسي الذي قام عليه نظام الانتداب هو المادة الثانية والعشرون من ميثاق عصبة الأمم الذي تبناه مؤتمر الصلح في الثاني والعشرين من نيسان 1919 وقد ورد في الفقرة الأولى من تلك المادة :
"تطبق المبادئ التالية أي مبادئ الانتداب على المستعمرات والأراضي التي، نتيجة الحرب، لم تعد تخضع لسياسة الدول التي كانت تحكمها من قبل، والتي تسكنها شعوب لا تزال عاجزة عن إدارة شؤونها بنفسها بسبب الأوضاع الصعبة للعالم المعاصر.
إن رفاهية هذه الشعوب وتطورها يشكلان رسالة تحضير مقدسة.
ويجدر بنا أن ندخل في هذا الميثاق ضمانات تكفل تحقيق هذه الرسالة".
يعتبر هذا النص إذًا الشعوب التي تحررت من سيطرة الدول المغلوبة، شعوبًا قاصرة عاجزة عن إدارة شؤونها بنفسها، وهي بالتالي بحاجة إلى حماية القانون الدولي.
يعتبر ان هذه الحماية هي بمثابة رسالة تحضير مقدسة، وقد اوضحت الفقرة الثانية من المادة 22 نفسها أنه سيوكل بتلك الرسالة إلى الأمم المتحضرة واكدت الفقرة الثالثة ان الانتداب سيأخذ بعين الاعتبار مستوى التطور الذي بلغه كل من الشعوب المعنية.
ولذلك فإنه سيكون على درجات.
أما في ما خص الشعوب التي تحررت من النير العثماني فقد ورد بشأنها في الفقرة الرابعة من المادة 22 المذكورة أعلاه ما يلي:
"إن بعض المجموعات التي كانت تنتمي سابقًا إلى السلطنة العثمانية قد بلغت درجة من التطور تسمح بالاعتراف بها مؤقتًا كأمم مستقلة شرط ان يعهد إلى دولة منتدبة في تقديم الارشادات والمساعدة لها في تنظيم إداراتها إلى حين تصبح قادرة على تنظيمها بنفسها.
إن المبادئ التي فرض على الدولة المنتدبة التقيد بها حددت كل حالة، هي وثيقة منفردة وافقت عليها عصبة الأمم، عرفت كما ذكرنا سابقًا بصك الانتداب، فقد ألزمت فرنسا بموجب المادة الأولى من صك الانتداب على لبنان وسوريا بان تعد نظامًا أساسيًا للبلدين في مهلة لا تتعدى الثلاث سنوات من تاريخ وضع الانتداب موضع التنفيذ وقد ورد في النص ما يلي:
"يعد النظام الأساسي بالاتفاق مع السلطات المحلية وتؤخذ فيه بعين الاعتبار حقوق جميع الشعوب الساكنة في الأراضي المذكورة وكذلك مصالحها ورغباتها.
على الدولة المنتدبة أن تشجع على إنشاء كيانات محلية مستقلة إداريًا وذلك بقدر ما تسمح به الظروف".
لم يحدد صك الانتداب من المقصود بعبارة السلطات المحلية، هل هي الزعامات التقليدية؟
هل هم رؤساء الطوائف الدينية؟
هل هو المجلس التمثيلي؟
هل هي سلطات جديدة منتخبة؟
وكذلك لم يوضح كيف يمكن ان ياخذ بعين الاعتبار رغبات جميع الشعوب التي تسكن لبنان وسوريا لاسيما إذا ظهر أن هذه الرغبات تتعارض فيما بينها أو تتناقض مع مبدأ الانتداب.
إنه أخيرًا يحث الدولة المنتدبة على تشجيع الكيانات المحلية ذات الاستقلال الإداري ولكنه لا يعطيها توجيهات واضحة بشأن عدد الدول التي يمكن أن تنشئها في المشرق.
هل كان عليها أن تكتفي بدولتي لبنان وسوريا أم بإمكانها تخطي هذا العدد وتجزئة سوريا إلى دويلات عدة؟
إن ما ورد في الصك بهذا الشأن يكتنفه الغموض.
هناك سؤال آخر يتعلق بالمادة الاولى من الصك "ماذا تعني عبارة النظام الأساسي؟
هل هذا النظام هو مجموعة التشريعات المتنوعة التي تكون الدولة المنتدبة قد أصدرتها بهدف تنظيم شؤون البلاد السياسية والإدارية؟
ام هو نص دستوري واحد متماسك يصدر عن جمعية تأسيسية؟
لقد شكلت كل هذه النقاط موضوع خلاف بين المسؤولين الفرنسيين أنفسهم وبينهم وبين اللبنانيين.
وسأتطرق إلى بعض جوانب هذا الخلاف في القسم الثاني من هذا البحث.
المشاريع الأولى للنظام الأساسي 1924 ، 1925.
لقد صدق مجلس العصبة على صك الانتداب على سوريا ولبنان في 24 تموز 1922، ولكن هذا الصك لم يصبح ساري المفعول إلا في 29 أيلول 1923، بعد ان سوي الخلاف بين فرنسا وإيطاليا بشأن مصير الشرق الادنى، إذ إن هذه الأخيرة كانت تعتبر انها لم تحصل على حصتها من تركة الدولة العثمانية، لذا كانت تطالب لنفسها بالانتداب على سوريا.
كان على فرنسا إذًا بمقتضى صك الانتداب ان تضع قانونًا أساسيًا للبلاد في مهلة لا تتعدى الثلاث سنوات ابتداء من أيلول 1923.
وكان المسؤولون في باريس في عامي 1923 و1924 يعتبرون أن إعداد مثل هذا القانون هو عملية سهلة للغاية تقوم على جمع النصوص التشريعية التي صدرت حتى هذا التاريخ في كل من البلدان الواقعة تحت الانتداب.
ثم عرضها على المجالس التمثيلية المحلية للمصادقة عليها وتقديمها بعد ذلك إلى عصبة الأمم باعتبارها تشكل النظام الأساسي المطلوب.
وقد كتب رئيس الوزراء وزير الخارجية ريمون بوانكارييه في كانون الأول 1923 إلى المفوض السامي الجنرال ويغان يقول :
"دون ان تنتظر انتهاء المهلة التي اعطيت لنا علينا أن نضبط جيدًا النصوص التشريعية المختلفة التي أصدرتها المفوضية العليا حتى هذا التاريخ والمتعلقة بولادة دولة لبنان والدول السورية وبحدودها وبتنظيم السلطات العامة والمجالس التمثيلية فيها.
وكذلك النصوص المتعلقة بالاتحاد الفدرالي السوري وبالعلاقات بين سوريا ولبنان".
يضيف رئيس الوزراء الفرنسي "إن السبيل الأكثر ملاءمة للحصول بسرعة على موافقة السكان التي نص عليها صك الانتداب هو الطلب من كل المجالس المحلية تبني مجموعة النصوص هذه واعتبارها النظام الأساسي المنتظر".
وقد أرفق بوانكاريه رسالته بلائحة من التشريعات التي برأيه يجب ان تشكل منها هذه المجموعة وترك الحرية للمفوض السامي ليزيد عليها ما يراه ضروريًا.
إن هذه النظرة إلى النظام الأساسي أثارت موجة من الاحتجاجات في الدول المشرقية الواقعة تحت الانتداب الفرنسي، عبرت عنها بصراحة الصحافة المحلية، وقد رفض المجلس التمثيلي اللبناني اقتراح بوانكاريه وطالب بجمعية تأسيسية منتخبة لإعداد هذا النظام.
إن الوثائق المحفوظة في الأرشيف الفرنسي تثبت أن مسألتي موافقة السلطات المحلية وإمتثال رغبات جميع السكان اللتين نصت عليهما المادة الأولى من صك الانتداب ظلتا في هذه المرحلة التمهيدية تثيران الشكوك والتساؤلات.
كانت السلطات الفرنسية تخشى إن هي استشارات الزعماء المحليين بشان تنظيم البلاد ان تجد نفسها أمام فيض من المطالب الوطنية المفرطة.
انتهت هذه المرحلة المتميزة بالريب والتردد في شهر تموز 1924 عندما أعد موظفو وزارة الخارجية الفرنسية مشروعًا موحدًا للنظام الأساسي يشمل لبنان الكبير والدول السورية الأربع:
دمشق، حلب، دولة العلويين، دولة الدروز.
تضمن هذا النص المشترك 63 مادة موزعة على خمسة أبواب.
خصص الأول منها للاحكام العامة.
والثاني للدول السورية الأربع.
والثالث لدولة لبنان الكبير.
والرابع للمصالح المشتركة.
والخامس للأحكام الانتقالية.
ذكر هذا المشروع بالحدود الجغرافية لكل دولة من الدول الخاضعة للانتداب الفرنسي وأعلن الأسس التي سيقوم عليها النظام السياسي وكذلك تلك التي ستوجه أعمال السلطات العامة وأوضح الصلاحيات التي ستحتفظ بها الدولة المنتدبة.
ونص أخيرًا على قواعد جديدة لإدارة المصالح المشتركة.
كانت الدولة المنتدبة حتى هذا التاريخ تعتبر ان إعداد النظام الأساسي هو من صلاحياتها الحصرية وأنه لا يعقل أن تناقش مضمونه لا مع الشعوب الواقعة تحت الانتداب ولا حتى مع عصبة الأمم.
يحق فقط لهذه الأخيرة أن تطلع عليه حين يصبح جاهزًا وذلك وفق ما ورد في المادة السابعة عشرة من صك الانتداب.
إن هذا المفهوم للنظام الأساسي قد توسع في عرضه رئيس الوزراء الفرنسي ووزير الخارجية إدوار هريو (Herriot) في رسالة موجهة إلى المفوض السامي الجديد الجنرال سيراي في مطلع عام 1925.
ركّز فيها على الفكرة القائلة بأن النظام الأساسي هو عمل تقوم به الدولة المنتدبة من جانب واحد.
هو مرسوم تصدره بنفسها.
اما استشارة السلطات المحلية بشأنه فتنحصر ببعض الوجهاء الذين عليهم أن يعبروا خطيًا عن رأيهم دون اية مناقشة.
إلى جانب ذلك، تعطي رسالة هريو المفوض السامي توجيهات عامة تتعلق بمستقبل الانتداب إذ تؤكد أن الهدف الجوهري لهذا النظام هو مساعدة السكان الأصليين حتى يبلغوا مرحلة الحكم الذاتي بعيدًا عن أية ممارسات ذات طابع استعماري.
فيطلب بالتالي رئيس الوزراء من سيراي بألا يحل مع أجهزة الانتداب محل الحكومات السورية ومحل الحكومة اللبنانية، بل أن يكتفي بدور الموجه الصالح للسلطة الكافية والكلمة المسموعة.
تعكس إرشادات هريو هذه الروح الجديدة التي سادت في باريس على أثر وصول اتحاد اليسار إلى الحكم عام 1924.
كما تعكس التوجيه الجديد الذي كانت الحكومة المنبثقة عن هذا الاتحاد تحاول أن تعطيه لنظام الانتداب.
أرفق هريو رسالته بمشروع للقانون الأساسي هو في الواقع النص الذي وضع في تموز 1924.
بعد ان أدخلت عليه وزارة الخارجية بعض التعديلات.
لكن المفوض السامي في بيروت ومعاونيه اعتبروا أن مشروع هريو والشروحات التي رافقته والتوجيهات الجديدة التي صدرت عن الحكومة الفرنسية تحد من صلاحيات سلطات الانتداب وتكبلها، مما يجعلها عاجزة عن القيام بالمهام الملقاة على عاتقها بموجب صك الانتداب وبالتالي عاجزة عن الإشراف على إدارة دول الشرق.
لذا قرر كبار موظفي المفوضية العليا في بيروت، بالاتفاق مع سيراي، إعداد مشروع مضاد.
وقد أعدوه فعلاً وأرسلوه إلى باريس في 22 آذار 1925، وتركوا فيه للمفوض السامي صلاحيات واسعة تخوله الحلول محل السلطات الوطنية كلما اعتبر أن هذه تقصر في الدفاع عن سلامة الأرض او أنها تسيء إلى المصلحة العامة، أو إلى المصالح المشترك.
اخذ موظفو وزارة الخارجية في باريس بعين الاعتبار هواجس سلطات الانتداب في بيروت فأدخلوا تعديلات على المشروع الأول، وأعدوا مشروعًا ثانيًا، قووا فيه صلاحيات المفوض السامي بشكل يسمح له بالاحتفاظ بزمام الأمور وباتخاذ كل الإجراءات التي يراها ضرورية كلما دعت الحاجة إلى ذلك.
في هذا الوقت كانت الصعوبات تتراكم أمام سيراي في دول الشرق.
إن سياسته المعادية للإكليروس وتدخله غير المبرر في شؤون لبنان دفعا بالأحزاب وبالصحافة اليمينية في فرنسا إلى القيام بحملة ضده، انتقل على أثرها الصراع إلى حلبة البرلمان الفرنسي، حيث أثير موضوع سيراي في اكثر من مرة.
يضاف إلى ذلك ان المفوض السامي حاول أن يدخل تعديلات جذرية على قانون الانتخاب اللبناني وأن يلغي التوزيع الطائفي لمقاعد المجلس.
فاصطدم بوزير الخارجية أرستيد بريان.
فما كان من هذا الأخير إلا أن رفع عنه مسؤولية إعداد القانون الأساسي وأوكل هذه المهمة في حزيان 1925 إلى لجنة من الاختصاصيين الفرنسيين يرأسها النائب جوزف --- .
درست هذه اللجنة مشاريع القانون الأساسي الثلاثة أي مشروع وزارة الخارجية الأول ومشروع سيراي ومشروع وزارة الخارجية الثاني المعدل.
إن العقبة التي واجهتها كانت مسألة مشاركة السلطات المحلية.
إذ ظهر خلاف حاد بين أعضاء اللجنة حول مستوى هذه المشاركة وطبيعتها.
وقد رأى روبير ديكاي أن الخبرة التي اكتسبتها الدولة المنتدبة تسمح بالقول إنها مطلعة على أماني السكان وأنه باستطاعتها بالتالي إعداد القانون الأساسي دون حاجة إلى استشارة هؤلاء.
ثم إنه نبه إلى خطورة اللجوء إلى مثل هذه الاستشارة، لاسيما إذا اتت نتائجها متناقضة مع بعضها البعض او صبت كلها في اتجاه لا يمكن أن تقبل به الدولة المنتدبة.
اما بول بونكور فكان له رأي معاكس.
وكان يطالب باستشارة شخصيات منتخبة لا شخصيات تختارها سلطات الانتداب.
في الاجتماع الثاني للجنة، في 10 تموز 1925 اقترح الأمين العام للمفوضية العليا فرشير دي ريفي (Verchère de Reffye) ان يقسم موضوع القانون الأساسي إلى شقين:
كل ما ينظم العلاقة بين الدول المنتدبة والشعوب الواقعة تحت الانتداب أي بين الوصي والقاصر من جهة وقد اطلق على هذا الشق تسمية النظام الانتدابي، وكل ما ينظم الأوضاع الداخلية للبلاد من جهة ثانية وقد سمي الدستور الداخلي (la constitution interieure)أكد ريفي ان التشريعات المتعلقة بالشق الأول هي من صلاحيات الدول المنتدبة دون سواها، عليها فقط ان تتقيد بالملاحظات التي قد تبديها بشانها عصبة الأمم.
أما التشريعات المتعلقة بالشق الثاني والتي سيستمر العمل بها حتى بعد زوال الانتداب فيمكن ان يشارك في وضعها ممثلو السكان.
وكانت المفوضية العليا في بيروت قد اعدت لائحة بالشخصيات التي يمكن ان تستشار.
وكان على هذه الشخصيات أن تبدي رأيها خطيًا في الموضوع.
لم يرغب بول بونكور باقتراحات أعضاء اللجنة التي كان يرأسها، فعلق اجتماعاتها في 21 تموز 1925 وأخذ يرسل التقرير تلو الآخر إلى وزير الخارجية مصرًا على ان تشارك في وضع القانون الأساسي هيئات منتخبة لا شخصيات يختارها المفوض السامي.
لكن موظفي وزارة الخارجية ترددوا في الأمر متأثرين بوجهة نظر روبيرت دي كاي وكان هذا يعتبر خبيرًا في شؤون الانتداب.
أعد دي كاي في 8 أيلول 1925 تقريرًا على الموضوع جاء فيه "إن بلدًا واقعًا تحت الانتداب لا يمكنه قانونيًا أن يشارك في وضع نظامه الأساسي إذا اعتبرت بعض المجموعات الشرقية غير قادرة على حكم نفسها دون وصاية دولة منتدبة.
فمن الحماقة بانها تستطيع أن تتخذ هي قرارات بشأن نظام الحكم الذي ستخضع له".
يضيف دي كاي "إن موافقة السلطات المحلية التي نصت عليها المادة الأولى من الصك تعني فقط انه يحق لهذه السلطات في ظل نظام الانتداب أن تبدي وجهة نظرها في الموضوع لا أن تشارك في اتخاذ القرار".
إن ما كتبه دي كاي يظهر بوضوح أن الجدل قد اتخذ منحى قانونيًا بالإضافة إلى المنحى السياسي.
إن مفهوم دي كاي للانتداب للقانون الأساسي هو الذي كان سائدًا في أوساط موظفي وزارة الخارجية في باريس وموظفي المفوضية العليا في بيروت.
وكذلك في الأوساط الفرنسية في عصبة الأمم.
وكان يقابله مفهوم آخر عبّر عنه بوضوح النائب بول بونكور الذي كان يصر على أن تطبق مبادئ الديمقراطية وألا يعد النظام الأساسي إلا بمشاركة المجالس المنتخبة في بلدان المشرق الخاضعة للانتداب الفرنسي.
في شهري أيلول وتشرين الأول 1925، ازداد ضغط بول - بونكور على الحكومة.
إن الوثيقة التي تعبر بوضوح عن وجهة نظره هي الرسالة التي وجهها إلى وزير الخارجية بريان (Briand) في 2 تشرين الثاني والتي يؤكد فيها أن التأخر في تنظيم اوضاع لبنان وسوريا هو السبب الرئيس للثورة التي تشهدها سوريا.
وأن أعمال اللجنة التي يرأسها لا يمكن أن تؤدي إلى نتيجة إيجابية ما لم يعاد النظر في تركيبة تلك اللجنة وفي نهجها وروحيتها.
ثم كتب بول – بونكور ما حرفيته.
"من الواضح جليًا أن هناك في الأساس سوء تفاهم جوهريًا.
ليس المطلوب منا أن نحكم مستعمرة ولا أن ننشئ محمية.
إن المطلوب هو أن ننظم الانتداب الذي أوكلت إلينا به عصبة الأمم.
هذا الانتداب الذي نمارسه على شعوب هي بدون شك متخلفة ولكنها تنتمي إلى حضارات عريقة لا يمكن أن يكون إلا منفتحاً ومبنياً على استشارة حقيقية للسكان لا على الخداع.
لا شك أن الاقتراحات التي تقدم بها أمام اللجنة ممثلو وزاراتهم لا تتوافق ولا بشكل من الأشكال مع اماني الشعوب المعنية.
علينا إذًا أن نضع حدًا لكل ذلك.
اقترح بول - بونكور في آخر رسالته أن يوكل بإعداد القانون الأساسي في كل دولة إلى لجنة تضم الزعماء الطبيعيين للسكان أو شخصيات منتخبة.
اما الدول التي تملك مجلسًا تمثيليًا ومنها لبنان فيجب بحسب رأيه أن تنبثق اللجنة فيها عن هذا المجلس.
إن موقف بول - بونكور الحازم والضغط الذي شكلته الثورة السورية والانتقادات العلنية التي وجهت إلى الدولة المنتدبة عبر الصحافة اللبنانية والسورية أرغمت موظفي وزارة الخارجية في باريس على تليين موقفهم.
فتبنى هؤلاء بشأن القانون الأساسي التمييز الذي كان قد اقترحه ريفي (Reffye) بين الشق الداخلي والشق المتعلق بتنظيم العلاقة بين المنتدب والدولة الواقعة تحت الانتداب.
فقبلوا بأن يوكل بالأول إلى السلطات المحلية.
هكذا انتصرت أفكار بول - بونكور.
أما الجنرال سيراي فبعد ان ازدادت النقمة عليه استدعته حكومته في أيلول 1925 معينة خلفًا له المدني هنري دو جوفنيل عضو مجلس الشيوخ.
إعداد الدستور اللبناني، المرحلة الأخيرة
قبل أن ينتقل إلى بيروت حاول المفوض السامي الجديد أن يعيد الحوار بين فرنسا والمعارضة السورية اللبنانية، فالتقى عددًا من أركان تلك المعارضة في باريس أولاً ثم في القاهرة ولم يصل إلى لبنان إلا في 2 كانون الأول 1925.
في اليوم التالي وبمناسبة عرض عسكري في ساحة البرج في بيروت ألقى دو جوفنيل كلمة أعلن فيها بجملة مقتضبة المبدأ الأساسي الذي ستقوم عليه سياسته إذ قال:
"السلام لمن يريد السلام، والحرب لمن يريد الحرب".
وفي 4 كانون الأول زار المفوض السامي المجلس التمثيلي اللبناني، حيث صرح انه سيطلب من الحاكم ليون كايلا أن يدعو هذا المجلس إلى اجتماع استثنائي يوكل إليه خلاله إعداد دستور البلاد.
بعد يومين من هذا التاريخ أبلغ دو جوفنيل حكومته أنه سيدعو أيضًا العلويين إلى إعداد دستورهم.
في الواقع كان المفوض السامي يحاول أن يوطد مركز بلاده في المنطقة الساحلية حيث النفوذ الفرنسي لا يزال قويًا.
كان يرغب بالإضافة إلى ذلك في ان يثبت السوريين في المناطق الداخلية أن مصلحتهم تقتضي وقف القتال كي يستطيعوا هم أيضًا كاللبنانيين والعلويين بناء مؤسساتهم الديمقراطية.
اجتمع المجلس التمثيلي اللبناني في 10 كانون الأول وانتخب لجنة لإعداد الدستور مؤلفة من 12 عضوًا موزعين على الشكل التالي:
اثنان من الأورثذكس وهما شبل دموس وبترو طراد، ثلاثة من الموارنة وهم جورج زوين، روكز أبو نادر، وجورج تابت، واثنان من السنة وهما عمر الداعوق وعبود عبد الرزاق، اثنان من الشيعة وهما صبحي حيدر ويوسف الزين، درزي واحد وهو الأمير فؤاد إرسلان الذي استقال لأسباب صحية فانتخب مكانه جميل تلحوق.
وأخيرًا ممثل واحد عن الروم الكاثوليك وهو يوسف سالم، وممثل عن الأقليات وهو ميشال شيحا.
كان على اللجنة أن تعمل تحت إشراف رئيس المجلس التمثيلي موسى نمور لذا عرفت بلجنة 13.
في اليوم نفسه الذي انتخبت فيه لجنة الدستور في لبنان وجه دو جوفنيل نداء إلى السوريين جاء فيه:
"إني أخاطبكم كصديق لأقول لكم إن مصيركم هو بين أيديكم.
اليوم في العاشر من كانون الأول يجتمع المجلس المنتخب من قبل إخوانكم في لبنان وقد طلبت منه ان يتداول في موضوع الدستور والنظام الأساسي.
فلو كانت الدول السورية تتمتع بنعمة السلام التي يتمتع بها لبنان لجرى فيها ما يجري الآن في هذا البلد".
لم يستجب الثوار لهذا النداء بل كثفوا نشاطاتهم في سهل البقاع وعلى الحدود الجنوبية الشرقية للبنان.
واستنفروا مؤيدي الوحدة السورية لكي يمنعوا الدولة المنتدبة من استعادة المبادرة في الميدانين العسكري والسياسي.
في هذه الأجواء قرر سنّة المدن الساحلية في لبنان الكبير عدم المشاركة في إعداد الدستور وطالبوا مجددًا بالانضمام إلى سوريا وأبلغوا قرارهم هذا إلى رئيس المجلس التمثيلي وإلى المفوض السامي.
وهكذا فعل المجلس البلدي في بعلبك.
فما كان من سلطات الانتداب إلا أن قامت بهجوم مضاد.
أصدر الحاكم كايلا قرارًا حل بموجبه مجلس بلدية بعلبك ثم أتبعه بتعميم موجه إلى جميع موظفي دولة لبنان الكبير يحذرهم فيه من القيام بأي نشاط يهدد وحدة الوطن الذي هم في خدمته.
ولكي يضمن عدم انضمام الطائفة الشيعية إلى التيار الوحدوي اتخذ الفرنسيون بعض الإجراءات التي تصب في مصلحة تلك الطائفة، أهمها الاعتراف بالمذهب الجعفري وإنشاء محكمة تمييز جعفرية في بيروت بعد موافقة المجلس التمثيلي على ذلك.
في المناطق الداخلية من سوريا، باستثناء سنجقي دمشق وحوار، حيث كان الأمن مضطربًا، نظم الفرنسيون انتخابات عامة.
على الصعيد العسكري طلب دو جوفنيل إمدادات من حكومته مما سمح له بحصر الثورة في مناطق معينة، ثم إنه عمل على تحسين العلاقات مع تركيا ليمنع أي تواطؤ بين السوريين والكماليين.
فوقع بالحروف الاولى مع حكومة انقرة في 18 شباط 1926 اتفاقية صداقة وحسن جوار.
في هذا الوقت كانت لجنة 13 في لبنان قد انكبت على العمل فقررت إطلاق استشارات واسعة تطال ممثلي الجمعيات الاقتصادية والمهن الحرة ورؤساء الطوائف الدينية والمسؤولين عن النقابات وأعضاء المجالس التمثيلية السابقة.
فعهدت إلى لجنة مصغرة مؤلفة من خمسة أشخاص درس الصيغة التي يجب اعتمادها في الاستشارات.
فعقدت هذه اول اجتماع لها في 16 كانون الأول برئاسة موسى نمّور، واعدت لائحة بالشخصيات التي ستستشيرها وقررت أن توجه إلى كل منها استمارة تتضمن اثني عشر سؤالاً يتعلق بنظام الحكم، بصلاحيات السلطات الثلاث، بتوزيع المقاعد النيابية، بقانون الانتخاب، ألخ.
حصلت اللجنة على 132 جوابًا، تكلف شبل دموس فرزها ووضع تقرير عنها.
إن الأفكار التي استخلصها هذا الأخير من هذه الاستشارات اعتمدت كأسس لأعداد مشروع الدستور.
عهد بهذه المهمة الى عضوين من اللجنة الخماسية.
لقد استعان اللبنانيون في عملهم بعدد من الكتب الفرنسية التي تعالج موضوعي القانون الدستوري والأنظمة السياسية.
كما استعانوا بنصوص بعض الدساتير كالبلجيكي والسويسري والاميركي والمصري.
لقد شارك عدد من موظفي الانتداب على مستويات مختلفة في أعمال اللجنة نذكر منهم:
فرشاردي ريفي (Verchère Reffye) السكرتير العام للمفوضية العليا، و ليون كايلا حاكم لبنان الكبير، والكلونيل كاترو Catroux))، رئيس جهاز الإستخبارات، وليون سولومياك (Solomiac) رئيس مكتب المفوض السامي.
لكن ممثل فرنسا الأساسي كان بول سوشييه (Souchier) وهو من مجلس شورى الدولة في فرنسا واختصاصي في القانون الدستوري وقد استدعاه دي جوفنيل خصيصًا من باريس للمساهمة في إعداد الدستور اللبناني.
وقد أرسل إليه برقية جاء فيها:
"أطلب منك أن تأتي في أقرب وقت ممكن.
أجلب معك نصوص الدساتير التي تجدها وادرس بصورة خاصة الدستور الفدرالي السويسري".
حال وصوله إلى بيروت ألحق سوشييه كخبير باللجنة المكلفة وضع مشروع الدستور وقد قيّض لي ان التقي عام 1994 آخر فرنسي لا يزال على قيد الحياة من بين الذين شاركوا في إعداد الدستور اللبناني وهو المحامي جان – لويس أجول (Aujol) كان آنذاك من الملحقين بمكتب المفوض السامي.
اكد لي أوجول ان جوفنيل كان يتابع عن كثب موضوع الدستور وقد حدث له اكثر من مرة ان أيقظ سوشييه من نومه حتى بعد منتصف الليل ليبحث معه في صيغة بعض المواد.
في الواقع لقد أرسل دو جوفنيل إلى الشرق في مهمة محددة وبصفته عضوًا في مجلس الشيوخ لم يكن يسمح له بالتغيب عن فرنسا أكثر من ستة أشهر.
كان عليه إذًا أن يعود إلزاميًا إلى بلاده في آيار 1926 وكان يرغب في إحراز نجاح في موضوع الدستور قبل أن يحين هذا الموعد.
هذا ما يفسر لنا مثابرته واستعجاله.
اما اللبنانيون الذين لعبوا دورًا أساسيًا في إعداد الدستور فهم موسى نمّور وميشال شيحا و شبل دمّوس.
إن شيحا حسب شهادة أوجول، كان شديد التمسك بلبنانيته، لذا أصر بعناد على إعطاء الدستور صبغة وطنية.
إن البطريركية المارونية، نقلاً أيضًا عن أوجول كانت تتابع بصورة منتظمة مراحل عمل الدستور وقد حرصت على ألا يكون لأية مادة من مواد الدستور طابعاً إلحادي أو معاد لرجال الدين.
إن الوثائق المحفوظة في أرشيف بكركي والمتعلقة بالقانون الأساسي تظهر بوضوح ان قادة الكنيسة المارونية قد ركزوا في مراسلاتهم مع المفوض السامي ومع لجنة بونكور ومع لجنة 13 على وحدة الوطن وعلى أن يكون الحاكم من التباعية اللبنانية وعلى تثبيت التوزيع الطائفي لمقاعد المجلس النيابي وعلى الإبقاء على قوانين الأحوال الشخصية المذهبية وعلى المحافظة على حرية التعليم وعلى الدفاع عن التعليم الديني.
بينما كان اللبنانيون منكبين على العمل في دستورهم كانت الدوائر المختصة في وزارة الخارجية الفرنسية تعمل على وضع الشطر الأول من القانون الأساسي المسمى بالنظام الانتدابي وهو الذي ينظم العلاقة بين الدول المنتدبة والدول الواقعة تحت الانتداب.
بعد أن أنهت اللجنة المصغرة مشروع الدستور بمشاركة الخبير الفرنسي سوشييه ناقشت لجنة الـ13 النص وأدخلت عليه بعض التعديلات ثم أرسل هذا النص إلى باريس وقد اقترح دو جوفنيل على وزارة الخارجية ان يرافق إعلان الدساتير في كل من لبنان ودولة العلويين وسنجق الاسكندرون ذي الحكم الذاتي، توقيع معاهدات مع هذه الدول تحدد فيها علاقاتها مع فرنسا لكن بريان نصح المفوض السامي بالتريث مؤكدًا أن المعاهدات سيكون لها انعكاسات عديدة لاسيما من الناحية القانونية وأنها بالتالي تتطلب مزيدًا من الدرس والتعمق.
في 12 أيار أرسل بريان ملاحظاته على مشروع الدستور وقد تناولت بصورة أساسية المواد 96 إلى 100 المدرجة في الباب الخامس والمتعلقة بعصبة الأمم وبالدولة المنتدبة.
اقترح ان تحفظ هذه المواد وأن يستعاض عنها بإعلان يصدر عن كل حكومة من الحكومات المعنية تتعهد فيه بالإعتراف بالدول الأخرى وباللجوء إلى تحكيم الدولة المنتدبة عند وقوع أي خلاف بينها وتتعهد أيضًا بالقبول بالصلاحيات التي سيحتفظ بها المنتدب داخل كل دولة والإقرار بحقه المطلق في إدارة العلاقات الخارجية.
عدلت بعد ذلك بعض المواد طبقًا لملاحظات بريان ثم أصدر الحاكم كايلا قرارًا دعا فيه المجلس التمثيلي إلى جلسة استثنائية لمناقشة الدستور.
افتتحت هذه الجلسة في 19 آيار وقد تمثلت الدولة المنتدبة بكل من سوشييه وسلومياك (Souchier et SlomiaC) بعد ان عرض دمّوس نتائج الاستشارات تكلم سوشييه طالبًا من المجلس الإسراع بدرس بنود الدستور وإقرارها لأن المفوض السامي ينوي مغادرة لبنان إلى باريس وأنه يرغب في إعلان الدستور قبل سفره.
ثم أعرب عن امله في أن يتوصل إلى التفاهم مع أعضاء المجلس كما فعل من قبل مع لجنة 13.
وأخيرًا لخص سوشييه الصلاحيات التي ينوي المفوض السامي الاحتفاظ بها وهي تتعلق باستعمال قوات الجندرما والبوليس وبحل المجلس وبتنحية رئيس الجمهورية وبالعلاقات الخارجية.
بعد هذه المقدمة بدأت مناقشة الدستور مادة مادة وقد تغيب ميشال شيحا بسبب خلاف حاد كان قد وقع بينه وبين جوفنيل فدافع دمّوس وسوشييه بجرأة عن الدستور.
وبعد قراءة المادة الأولى المتعلقة بالحدود والاستقلال طالب الكلام النائب عمر الداعوق فتلا بياناً باسمه وباسم أربعة من زملائه هم عمر بيهم، نائب بيروت السني، وخير الديت عدرا، نائب طرابلس السني، وخالد شهاب، نائب لبنان الجنوبي السني، وصبحي حيدر نائب البقاع الشيعي يحتج فيه الخمسة على الباب الأول من الدستور وعلى إلحاق المناطق التي يمثلون بجبل لبنان، ويطالبون بإعادة فصلها وبإعطائها استقلالاً ذاتيًا على أن تشكل لاحقًا اتحادًا مع لبنان بحدوده السابقة ومع سوريا.
ثم تكلم صبحي حيدر وأضاف إلى الاحتجاج السابق ما حرفيته:
"على أنه تحاشيًا للأضرار التي قد تلحق بأهالي البلاد الملحقة وريثما نتخلص من هذا الإلحاق فإننا ندخل بالبحث في هذا الدستور محتفظين باحتجاجاتنا".
بعد هذه المداخلات بدأت المناقشة الجدية.
إن دمّوس وسوشييه دافعا بشجاعة عن الدستور الذي شاركا في وضعه.
إن الأحكام المتعلقة بالانتداب كانت مدرجة كما ذكرنا في الباب الخامس.
ولكن في جلسة 22 آيار الثانية أعلن سوشييه ان هذه الأحكام قد ألغيت ووزعت على أعضاء المجلس نصًا جديدًا يبدأ بالمادة 90 وقد جاء فيها:
"إن السلطات المقررة بمقتضى هذا الدستور يعمل بها مع الاحتفاظ بما للدولة المنتدبة من الحقوق والواجبات الناتجة عن المادة 22 من عهد جمعية الامم وعن صك الانتداب.
إن الصلاحيات التي احتفظت بها الدولة المنتدبة بموجب المادة 90 فصّلها سوشييه في بيان قرأه بعد ان أنهى المجلس مناقشة الدستور فأعلن سوشييه آنذاك ما حرفيته:
"سيتلى عليكم بالعربية نص الصلاحيات التي تحتفظ بها الدولة المنتدبة.
سأطلب منكم ان تصغوا إليه بانتباه.
أنا لا أطلب منكم ان تصادقوا عليها أو أن تناقشوها وتصوتوا عليها كما ناقشتم بنود دستوركم وصوتم عليها.
إني أطلب منكم فقط ان تأخذوا علمًا به.
قد انتدبني حضرة المفوض السامي لأشترك معكم في إعداد دستوركم ولكي تضعوا أنتم هذا الدستور بالاتفاق مع الدولة المنتدبة.
اما الآن وقد وصلتم في عملكم إلى مرحلة النهاية فقد حان الوقت كي أبلغكم التحفظات التي ترى الدولة المنتدبة انه من واجبها القيام بها.
أطلب منكم أن تقولوا لي إذا كنتم توافقون على هذه النقاط كما سبق لي وأبلغتكم أننا متفقون معكم على مواد دستوركم.
بعد هذا التصريح قرئ نص التحفظات وهو يتضمن أربع مواد.
تتعلق الأولى بحق الرقابة الذي ستمارسه الدولة المنتدبة بواسطة مستشارين فرنسيين يوزعون على الإدارات العامة ويتلقون اجورهم من الخزينة اللبنانية.
تضع المادة الثانية تحت تصرف المفوض السامي قوى الأمن الداخلي وتعترف بسلطته المطلقة على القوى المسلحة الفرنسية التي تحتاج إليها الدولة المنتدبة لتطبيق الانتداب وللدفاع عن الحدود ولوضع القانون الأساسي موضع التنفيذ.
تخول المادة الثالثة المفوض السامي استعمال حق الفيتو أو النقض ضد القوانين والقرارت التي يعتبرها مضرة بالانتداب وبمصلحة لبنان ومناقضة للالتزامات الدولية.
وقد أخضعت المادة نفسها حل المجلس وعزل رئيس الجمهورية لموافقة المفوض السامي.
اما المادة الرابعة والاخيرة فقد نصت على أن العلاقات الخارجية وقبول اوراق اعتماد السفراء الأجانب هي حصرًا من صلاحيات الدولة المنتدبة.
بعد ذلك صوت المجلس بالإجماع على نص الدستور المعدل ورفعت الجلسة في تمام الساعة الواحدة والنصف من صباح 23 آيار.
في اليوم نفسه زار جوفنيل مقر المجلس التمثيلي حيث وضع الدستور موضع التنفيذ وأعلن ولادة الجمهورية اللبنانية في 25 آيار طبقًا لما ورد في المادة 98 من الدستور.
عين المفوض السامي أعضاء مجلس الشيوخ الستة عشر وفي 26 آيار اجتمع المجلسان وانتخبا شارل دباس أول رئيس للجمهورية اللبنانية.
نشر نص الدستور في الجريدة الرسمية في 12 تشرين الأول 1926.
كما نشر كملحق في التقرير الذي أرسلته الدولة المنتدبة إلى عصبة الأمم عن عام 1926.
ثم اعادت نشرة عصبة الامم معدلاً،عام 1930، مع النصوص الدستورية الأخرى المتعلقة بالدول المشرقية الواقعة تحت الانتداب الفرنسي.
وهذه النصوص هي الدستور السوري، النظام الأساسي لسنجق الإسكندرون، النظام الأساسي لدولة العلويين، النظام الأساسي لدولة جبل الدورز، والنظام الأساسي لمجلس المصالح المشتركة.
غادر جوفنيل لبنان إلى فرنسا حاملاً معه نص الدستور اللبناني وذلك في 27 آيار 1926 على الباخرة نفسها (Le sphinx)التي أقلته من مرسيليا إلى بيروت قبل ستة أشهر من هذا التاريخ.
نستخلص من هذه الدراسة أن نص الدستور اللبناني هو نتيجة عمل جماعي قام به اللبنانيون بمشاركة الفرنسيين.
وقد أبرزت الاستشارات الواسعة التي نظمها المجلس التمثيلي والتي لخصها دموس في تقريره الخيارات الأساسية للفعاليات الوطنية.
بعد ذلك تعاون على إعداد مشروع الدستور كل من شيحا ودموس والخبير سوشييه وذلك تحت رقابة موسى نمور وتحت إشراف لجنة 13 التي لم تتردد في فرض التعديلات التي رأتها ضرورية.
اما اللمسات الأخيرة فوضعها المجلس التمثيلي نفسه خلال الجلسات التي عقدها بين 19 و 23 أيار 1926 والتي كرسها جميعها لدرس ومناقشة المواد مادة مادة.
محطات من تحولات في السياسة والأمن والإقتصاد
شهد لبنان في الستينيات تنظيم القطاع المصرفي والشأن الإجتماعي.
تأسس المصرف المركزي في السنة 1964، وصندوق الضمان الإجتماعي وصدرت قوانين ترعى العمل المصرفي وأخرى تضبط أوضاع المصارف سيما وأن أزمة بنك إنترا في خريف السنة 1966 هزّت القطاع المصرفي.
بفضل هذه الخطوات تجاوز لبنان آثار أكبر أزمة تاريخية واجهها خلال تاريخه.
ثم جاءت حرب حزيران 1967 بين مصر وسوريا والأردن وإسرائيل، بعد أزمة بنك إنترا مباشرة.
فقد العرب سيناء والجولان والضفة الغربية وقطاع غزة.
إلا أن القطاع الإقتصادي في لبنان استعاد حيويته وبدأت بيروت تستقطب عبر التوظيفات المباشرة ومكاتب التمثيل الأجنبية غالبية المصارف العالمية المعروفة منها عدد من المصارف اليابانية ومصرف إسباني واحد.
إستمرت هذه الطفرة الإقتصادية والمالية حتى العام 1974.
ولم تتأثر بالصدامات العديدة بين القوى الفلسطينية المسلحة والجيش اللبناني.
وتخطت تداعيات حادثة تدمير الأسطول الجوي المدني التي قام بها كومندوس إسرائيلي على مطار بيروت الدولي ليلة رأس السنة 1968.
في السنة 1968، بدا واضحًا نمو الوضع الإقتصادي والمالي في لبنان، إذ زاره مليونان وأربعمئة ألف سائح.
رقم قياسي في العالم العربي، ساهم في تمتين سعر صرف العملة الوطنية.
إستمرت الليرة اللبنانية في تحسنها قياسًا إلى الدولار حتى بلغت 2،22 ليرة لبنانية للدولار في نهاية العام 1974، في حين كانت تبلغ 3،7 ليرات للدولار تاريخ تحرير العملة اللبنانية من الإرتباط بالفرنك الفرنسي وبالليرة الشورية قبل ربع قرن من ذاك التاريخ.
في اواخر 1968، دخل الأراضي اللبنانية عدد من الفلسطينيين المسلحين أي الفدائيين.
أحدث هذا الأمر اضطرابات داخلية ليس بالنسبة لعدد الذين دخلوا وكان لا يتجاوز الخمسين، بل لمبدأ وجود فدائيين على الأراضي اللبنانية.
أما الاضطرابات الداخلية فكان سببها الانقسام بالرأي حول مبدأ وجود فلسطيني مسلح:
فريق يؤيد وفريق يرفض.
الفئة التي أيدت لجأت إلى مختلف وسائل الضغوط:
الاضطرابات والمظاهرات والمهرجانات الخطابية والعراقيل التي كانت تضعها لدى تشكيل الحكومات.
الفئة التي رفضت اقتصر نشاطها على إسداء النصح للفريق المؤيّد بعدم الذهاب بعيدًا بالتأييد خشية التصادم.
أخذ عدد الفدائيين يتزايد يومًا بعد يوم.
ردود الفعل الإسرائيلية وكان أبرزها الغارة على مطار بيروت الدولي في 28 كانون الاول 1968.
في نيسان 1968، قامت تظاهرة انطلقت من ساحة كلية المقاصد في بيروت وسار المتظاهرون باتجاه المجلس النيابي.
حصل إطلاق نار وسقط 14 قتيلاً وبعض الجرحى الأمر الذي حمل السيد رشيد كرامي على تقديم استقالة الحكومة التي كان يرئسها.
تعذّر تشكيل حكومة جديدة بسبب استمرار الخلاف حول وجود الفدائيين في الوقت الذي كان عدد هؤلاء يتزايد.
رفض رئيس الجمهورية يومذاك الرضوخ للأمر الواقع والتسليم للوجود الفدائي على الأراضي اللبنانية ووجه رسالة بتاريخ 31 آيار 1969 بهذا المعنى أثارت ردود فعل مختلفة ولاسيما من جهة الفريق المؤيد للوجود الفدائي.
رفض رئيس الجمهورية تشكيل حكومة ترضخ للأمر الواقع وبقيت البلاد دون حكومة، فاستمرت الحكومة المستقيلة تصرّف الاعمال سحابة سبعة أشهر.
في أواخر شهر تشرين الأول 1969 حصل اصطدام مسلح بين الفدائيين والجيش اللبناني في مجدل سلم في منطقة الجنوب تسبب فيه الفدائيون، فسار الفريق المؤيد.
وما هي إلا أيام معدودة حتى اشتعلت المناطق الحدودية وكان عدد الفدائيين فيها قد تجاوز الثلاثة آلاف.
ثم ثارت الدول العربية على رئيس لبنان لموقفه من الفدائيين ومارست تجاه لبنان مختلف أنواع الضغوط ولاسيما منها الإعلام العربي وأقفلت بعضها الحدود مع لبنان وتصاعدت الاشتباكات العسكرية بين الجيش والفدائيين وحلفائهم ومرت بضعة أيام والامور تسير من سيء إلى أسوأ الامر الذي اضطر السلطة إنقاذًا للبلاد من الانقسام داخليًا إلى التسليم بالوجود الفدائي في لبنان وكان اتفاق القاهرة وقد تضمن نصًا سريًا أعطى خطأ الانطباع بأن لبنان سُلّم للفدائيين.
ولكن الفلسطينيين لم يكتفوا بما تضمنه اتفاق القاهرة.
وخلافًا لهذا الاتفاق ادخلوا جميع أنواع الأسلحة والذخائر ولاسيما الثقيلة منها إلى المخيمات وأنشأوا المكاتب في العاصمة والضواحي والمناطق وكثرت التجاوزات التي كان يرتكبها عناصرهم وتعددت الاصطدامات بينهم وبين قوى الأمن والجيش وأخذوا بإيواء الخارجين على القانون من لبنانيين وفلسطينيين وغيرهم من عرب وأجانب.
وفي ليل 10 – 11 نيسان 1973، قتل 3 مسؤولين فلسطينيين في شارع فردان واتهم رئيس الحكومة يومذاك قائد الجيش بالتقصير واشترط إقالته أو استقالة الحكومة.
وكان أبرز هذه الاصطدامات بين الفلسطينيين والجيش الاصطدام الذي حصل في 2 آيار 1973 على أثر حجز 3 عسكريين من قبل حاجز من فدائيين.
أنذر الجيش الفلسطينيين بإعادة المحجوزين خلال مهلة محددة وإلا لجأ إلى القوة.
وبعد انقضاء هذه المهلة دون نتيجة، توجهت دورية من الجيش لاستعادتهم بالقوة.
وجرى تبادل إطلاق نار تبعه قصف ثكنات الجيش المجاورة من قبل فلسطينيين بالمدافع والصواريخ.
وعمت الاشتباكات العاصمة ومناطق عدة من لبنان.
وأخذ الفلسطينيون يقصفون الأحياء السكنية والمرافق العامة ومنها مطار بيروت الدولي بمختلف أنواع الأسلحة ومنها المدافع والصواريخ.
واضطرت الحكومة يومذاك إلى اتخاذ تدابير أمنية مشددة منها منع التجول.
وما ان أخذت الأمور تعود إلى الحالة الطبيعية حتى انفجرت عند الساعة العاشرة من ليل 7 آيار وكان مجلس الوزراء لا يزال منعقدًا وتساقطت القذائف المدفعية والصاروخية وسواها بصورة عشوائية على جميع أحياء بيروت وضواحيها وتسببت بوقوع ضحايا بريئة عدة مما حمل مجلس الوزراء بناء على اقتراح رئيس الحكومة إلى إعلان حالة الطوارئ.
وقضت بيروت وضواحيها تلك الليلة دون ان يهدأ دوي انفجارات القذائف وأزيز الرصاص.
وقبل بزوغ الفجر بعد تلك الليلة الرهيبة كان رئيس الحكومة يقدّم استقالته لانه لم يصمد امام الضغوط التي تعرّض لها على أثر إعلان حالة الطوارئ قبل ساعات معدودة ولكن ذلك لم يمنع من اتخاذ التدابير العسكرية ومنها سلاح الطيران والتي بفضلها توقفت موجة العنف.
إذ تهافت السفراء العرب طالبين وقفها متوسطين بين السلطة اللبنانية والفلسطينيين داعين إلى ضرورة توضيح العلاقات بين السلطة والمقاومة وكان اتفاق ملكارت.
ولكن لا اتفاق القاهرة ولا اتفاق ملكارت كان ما يرمي إليه الفلسطينيون.
واستمرت أعمال الشغب وتصاعدت ولم يكن مهرجان خطابي يحصل في أي منطقة يتواجد فيها فلسطينيون إلا ويشترك هؤلاء فيه ويحملون على السلطة ويتهمونها بشتى الاتهامات ولا يكتفون بذلك بل يحملون على نظام الحكم وعلى مؤسسات الدولة الدستورية منها والوطنية ولاسيما الجيش ألخ.
إلى أن كان يوم 26 شباط 1975 حيث قامت تظاهرة في صيدا اشترك فيها النائب السابق المرحوم معروف سعد.
أطلقت النار عليه فأصيب بجراح بالغة نقل على أثرها إلى المستشفى حيث توفي بعد أسبوعين تقريبًا.
حدثت أعمال شغب بعد إصابة النائب سعد وبعد وفاته.
وحاولت الحكومة برئاسة رشيد الصلح معالجة ذيول هذا الحادث المؤسف وما إن أخذت اجواء الهدوء تعود إلى البلاد حتى كان يوم 13 نيسان 1975 حيث وقعت حادثة عين الرمانة المعروفة.
سارعت الحكومة يومذاك إلى العمل على تدارك الامر بعد أن تبين لها أن أجواء غير طبيعية تسود البلاد فأجرت الاتصالات بجميع الأطراف المعنية للوقوف على حقيقة هذه الحادثة المؤسفة وعلى أسبابها ودوافعها ولكن دون جدوى.
وُجِّهت التهمة إلى حزب لبناني بأنه يعمل على تصفية المقاومة الفلسطينية وأقيمت الحواجز المسلحة وجرى خطف بعض المنتسبين للحزب المذكور أو المتعاطفين معه حيث كانوا يمرون بمناطق مختلفة من العاصمة ولم يكونوا قد علموا بعد بما حصل.
ففقد بعضهم ولا يزال مفقودًا.
وعمت الاشتباكات بمختلف الاسلحة الخفيفة منها والثقيلة وقطعت الطرقات العامة واعتدى على منازل ومكاتب ومتاجر ومصانع ووقعت ضحايا عديدة ولم تتمكن الحكومة من وقف إطلاق النار إلا بعد أربعة أيام على بدء القتال.
وما أن أخذت الأحوال تهدأ تدريجيًا حتى قامت حملات تتهم السلطة بشتى التهم.
منها التآمر على المقاومة وبأنها تنفذ مخططًا لتصفيتها من اجل فرض حل سلمي في منطقة الشرق الأوسط ومنها أن أسباب الحوادث هي محض اجتماعية.
وشعرت المقاومة الفلسطينية انها أصبحت تحت الأضواء فعمدت إلى توجيه إعلامها على انها تلتزم حيادًا مطلقًا تجاه ما يجري في لبنان ناسبة ذلك مرة إلى أنه صراع بين يمين ويسار ومرة أخرى إلى أنه صراع بين طوائف حول مطالب مختلفة إلى آخر المعزوفة.
وتحت وطأة هذه الحوادث اضطرت الحكومة برئاسة رشيد الصلح إلى الاستقالة.
وفي الوقت الذي كان رئيس الجمهورية يجري استشارات نيابية لتشكيل حكومة جديدة استؤنفت الاشتباكات في ضواحي بيروت وبالضبط في منطقة تل الزعتر الدكوانة وما لبثت أن اتسعت رقعة الاقتتال بسرعة جنونية لا عهد لنا بها في لبنان وأخذت قذائف المدافع والصواريخ تتساقط بصورة عشوائية في كل مكان على الناس والممتلكات مخلفة وراءها الضحايا والخراب.
وتجاه إعلان رئيس الوزراء المستقيل أنه لن يمارس مهمة تصريف الأعمال حتى تشكيل حكومة جديدة ولن يبذل أي جهد من أجل وقف النار كان لا بد من مواجهة هذا الأمر بتدبير سريع بوقف النزف البشري فجرى تشكيل حكومة من عسكريين وقف ضدها بصورة خاصة أقطاب الطوائف الإسلامية وتداعوا إلى عقد اجتماعات طائفية مما تقرر فيها:
طلب استقالة الحكومة وعدم قبول أية حكومة لا يكون رئيسها رشيد كرامي.
وقدّمت الحكومة التي ضمت العسكريين استقالتها بعد يومين من تأليفها وجرى تكليف الرئيس كرامي تشكيل حكومة جديدة ولكن الاشتباكات لم تتوقف بل كانت رقعة الاقتتال تتسع فيزداد معها عدد الضحايا والخراب والدمارو الخسائر والتعقيدات إلى أن تم الاتفاق بعد مرور اكثر من شهر على تكليفه على تشكيل حكومة برئاسة الرئيس كرامي بتاريخ أول تموز 1975.
وكعادتهم اتخذ الفلسطينيون من قضية حكومة العسكريين حجة وشنوا حملات عنيفة ضد السلطة بعد ان اتهموها بشتى الاتهامات منها تصفية المقاومة الفلسطينية وتحجيمها.
تمرير الحلول السلمية أو الاستسلامية، تنفيذ مخططات الصهيونية والإمبريالية.
التآمر على الدول العربية المتلاحمة مع الثورة.
ولم ينسوا تبرير ما أقدموا عليه من أعمال تخريبية واعتداءات على الناس والممتلكات فقالوا إنها بسبب التواطؤ مع الإنعزاليين والتستر بهم.
استعداء الجيش على المقاومة.
تسليح الجيش لضرب المقاومة والهيئات الوطنية والاحزاب التقدمية.
المحافظة على نظام الاحتكار ومص الدماء والصفقات المشبوهة.
تسليح الميليشيات وتشجيعها للتصادم مع المقاومة تمهيدًا لاستدراجها إلى معارك جانبية يضطر عندها الجيش للتدخل ويضرب المقاومة.
مالت الأوضاع إلى الهدوء وأخذت الحياة الطبيعية تعود إلى البلاد والاحوال تتحسن يومًا بعد يوم.
وسارت الحكومة الجديدة في عملها تنفيذًا للبيان الوزاري وتوالت الاجتماعات واللقاءات من اجل تحقيق مصالحة وطنية بين جميع الأطراف تجمع الشمل وتضع مصلحة لبنان فوق كل مصلحة ورغبة من الحكومة في استعجال درس جميع المسائل والمواضيع المطروحة للبحث والتي كان البعض يرى أن معالجتها تقطع سبب الشر.
قررت عقد جلسات مفتوحة.
سئل فخامة الرئيس سليمان فرنجية عن توقعاته من مؤتمر القمة المنعقد حاليًا في القاهرة فأجاب:
إن التحركات العربية على مستوى القمة مختصرة كانت أو موسعة دليل عافية.
إن أول ما يدعو إلى التساؤل هو لماذا المحركون اليوم لم يتحركوا إلا بعد ثمانية عشر شهرًا من بدء الحوادث التي سريعًا ما استحالت إلى حرب شرسة؟
أقول حربًا ولا أقول أهلية كما يصر على تسميتها المغفلون المتواطئون وسيئو النية.
بل أقول حربًا عدوانية شنها على اللبنانيين في أرض لبنان الفلسطينيون وأعوانهم لأهداف شتى.
غير أننا نتخطى هذا التساؤل لنقف للمؤتمرين عند حقيقة أن الإعلام الفلسطيني يبني دعايته على المغالطات والافتراء ويروج لها بالضغط والإرهاب او بالإفساد والإغراء.
فمن افتراءاته ومغالطاته مثلاً قوله عندما بدأت انتصارات القوى اللبنانية في الجنوب إن إسرائيل تدعم القوى اللبنانية كما سبق لإعلامهم أن قال في معركة ضبيه وتل الزعتر إن القوى السورية ساعدت القوى اللبنانية كل ذلك تغطية لفشل الفلسطينيين في هذه المعارك.
هذا فضلاً عن انتقامهم الوحشي بعد كل انكسار إذ يتخيرون نقطة ضعف في الجمهورية اللبنانية فينزلون بكل قواهم إليها ويغدرون بها غدرًا.
فالعيشية اليوم كما شكا بالامس والدامور قبلهما.
وتابع الرئيس فرنيجة فقال:
تلك هي الملاحظات والتخوفات والآمال التي نتوجه بها إلى الملوك والرؤساء المجتمعين اليوم في القاهرة لمعالجة القضية اللبنانية وإيجاد الحلول لها.
إننا نرجو لهم التوفيق لأن العالم المتحضر كله ينظر الآن إليهم، يحكم لهم او عليهم قبل حكم التاريخ.
وختم بقوله:
سيظل لبنان أيًا كانت المحاولات رافضًا لأي حل لا يزيل عنه الاعتداء وآثاره وذيوله غير قابل بما لا يسلم معه تاريخه العريق الأصيل في الحضارة ودوره الفريد النبيل في خدمة الانسانية والإنسان وجهه المتميز في هذا المقلب من الأرض.
سئل فخامة الرئيس سليمان فرنجية عن رأيه بالمقررات التي اتخذت في مؤتمر الرياض فأجاب:
"ما هي الغاية التي من اجلها تم انعقاد مؤتمر القمة العربية في الرياض؟
إن الغاية بنظرنا هي حقن دماء اللبنانيين.
فماذا يجب لذلك؟
وقف الاقتتال ثم الحؤول دون تجدده.
اما الاقتتال فأسبابه الوجود الفلسطيني الكثيف على أرض لبنان والمطامع الفلسطينية الجنونية بأرض لبنان التي دوخت عقول الفلسطينيين فأضاعتهم.
وسبب الاقتتال الدعم العربي المفرط بالمال والسلاح والرجال الذي قدم لهم لغاية وأنفق على غير غاية.
ولم يقم على ذلك رقيب أو حسيب.
أما وقف الاقتتال فيجب أن يكون وفقًا لجميع أنواع الاقتتال من حد القصف والقنص والرجم العشوائي بالصواريخ إلى حد التهويل والتهديد والخطف ومن حد التدمير والحرق والتخريب إلى حد السرقة والسلب والنهب.
كما يجب أن يكون وقفًا كليًا على جميع الجبهات من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال مرورًا بالجبال والسواحل وبالمدن وضواحيها.
وأما الحؤول دون تجدد الاقتتال فلا يكون إلا بإزالة أسبابه ومتى علم أن من أسباب الاقتتال الرئيسية تفرد الفلسطينيين بإدارة قيادة القضية العربية الشاملة المسماة باسمهم والتحالف مع اليسار المحرض الذي زعم الفلسطينيون انه من حقهم أن يعقدوه باسم القضية الفلسطينية على حساب المجموعة العربية فجروا وراءهم على حين غفلة بعض المسؤولين العرب.
كل هذا بالإضافة إلى السبب الرئيس الكبير الذي هو تمسك اللبنانيين حتى النفس الأخير بسيادة بلادهم بحريتها وبكرامتها.
متى علم ذلك.
علم ماذا تعني بالضبط إزالة أسباب القتال وكسيف يجب ان تكون.
فإن كان هذا قد تحقق فقد تحققت الغاية من مؤتمر الرياض وإن لا فلا.
ثم تابع فقال:
يبدو ان فخامة الرئيس سركيس قد عاد مطمئنًا إلى مقررات المؤتمر.
إننا نثق بالرئيس سركيس.
فعندما يكون هو مطمئنًا يصير سهلاً علينا أن نطمئن.
هذا فضلاً عن أن ظاهر القررات يطمئن.
غير أنه يبقى أن نعرف بواطن هذه المقررات والدقة والصرامة والصدق التي سترافق تنفيذها.
عشية اندلاع الحرب، يوم السبت 12 نيسان 1975، دخل رئيس الجمهورية سليمان فرنجية عند الثامنة صباحًا، إلى الجامعة الأميركية لإجراء عملية جراحية لاستئصال المرارة.
إستغرقت الجراحة ثمانين دقيقة، خرج بعدها الرئيس واعيًا وشكر الطبيب الذي أجرى الجراحة الدكتور سامي عبيد والأطباء الأخصائيين والممرضات الذين عاونوه، بقوله "شكرًا لكم .
ألله يقويكم".
على الأثر صدر بيان طبي أولي أكد فيه مستشفى الجامعة نجاح الجراحة وأن الرئيس يتمتع بصحة جيدة، ثم عند المساء صدر بيان آخر:
"يتمتع فخامة رئيس الجمهورية الأستاذ سليمان فرنجية بحالة صحية ممتازة بعد الجراحة التي أجريت له صباح اليوم وتظهر كل المؤشرات الطبية أنه يستعيد نشاطه بصورة طبيعية.
وطوال النهار، منذ الصباح الباكر، حتى المساء، غص مستشفى الجامعة بوفود الزائرين من أركان الدولة والنواب والدبلوماسيين ورجال الدين وممثلي الأحزاب والهيئات والنقابات والوفود الشعبية.
وكانت هناك بالطبع "فرنسا" الزغرتاوية التي استقبلت إعلان نجاح الجراحة بزلغوطة أشاعت الإرتياح في نفوس المحتشدين.
وبين مئات السلال من الزهر التي وصلت إلى المستشفى، ثلاث من الرئيس أنور السادات والملك الحسن الثاني والسيد ياسر عرفات الذي انتدب أبو الزعيم وأبو حسن لزيارة المستشفى.
صحيفة النهار الخاصة باندلاع الحرب في لبنان المندلعة يوم الأحد 13 نيسان 1975، صدرت متوجة بالعناوين التالية:
30 قتيلاً وعدد من الجرحى - عرفات يستنجد بالملوك والرؤساء العرب، والجميّل يتهم إسرائيل بافتعال الحادث - جنبلاط وأحزاب اليسار يطالبون بحل الكتائب وطرد وزيريها - السادات يتدخل ويدعو إلى حقن الدماء والقضاء على الفتنة بمهدها - ليلاً:
إنفجارات ورصاص ونسف محلات وقطع طرق.
وفي التفاصيل:
26 فلسطينيًا وكتائبيان وشخصان آخران قتلوا في حادث حصل على دفعتين في عين الرمانة، بين كتائبيين وعناصر فلسطينيين.
القيادة الفلسطينية اتهمت الكتائب بمسؤولية ما حصل فيما اتهمت الكتائب سيارتين فولزفاكن وفيات بافتعال الحادث.
وكان القتلى الفلسطينيون في أوتوبيس عائد من مسيرة.
كذلك وقع بضعة جرحى من الطرفين.
عام 1976 إنعقدت جلسة أول مؤتمر قمة عربي في عهد الياس سركيس أقر فيها المجتمعون دخول قوات الردع العربية إلى لبنان.
في حزيران 1978 جمعت قمة اللاذقية الرئيسين الياس سركيس وحافظ الأسد اللذين أعلنا عن اتفاق مشترك طالبا فيه بتنفيذ قراري مجلس الأمن الدولي 425 و 426 من أجل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإعادة السلطة إلى الشرعية والسيادة اللبنانية إلى الجنوب وتعزيز التنسيق بين الجيش اللبناني وقوات الردع العربية .
كذلك شدّد الاتفاق على ضرورة تنظيم العلاقات اللبنانية الفلسطينية مع المحافظة على سلامة لبنان وسيادة أراضيه.
بعد هذه القمة، عقدت اجتماعات عسكرية لبنانية – سورية – دولية لمناقشة الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب ودخول الجيش إليه بالتنسيق مع الطوارئ الدولية إضافة إلى نشر الجيش في بيروت والمناطق بالتنسيق مع قوات الردع العربية.
في السادس من حزيران 1978، أعلنت الجبهة اللبنانية رفضها للاتفاقات المعقودة بين السلطة اللبنانية والمقاومة الفلسطينية منذ اتفاق القاهرة عام 1969 حتى اليوم.
فانفجر الوضع عسكريًا في أوائل تموز 1978 إنطلاقًا من الضاحية الجنوبية وصولاً حتى الأشرفية ليطاول كل مناطق بيروت الشرقية.
شهد الوضع الامني في العام 1978، النكسة تلو النكسة لكن الأمل بحلول السلام في لبنان هيمن على مطالع السنة الجديدة حيث استقبلها اللبنانيون على أمل أن يشهدوا فيها استقرارًا أمنيًا ملحوظًا في الداخل وعلى الحدود وأن تنجح المساعي الهادفة إلى وفاق وطني ثابت وجامع.
في الساعات الأولى من العام الجديد، حفل نشاط رئيس الحكومة الدكتور سليم الحص بتحركات اتصلت بمعالجة الناحية الأمنية واتخاذ التدابير الهادفة إلى إزالة المظاهر المسلحة.
ثغرات أمنية عدة تنخر الساحة الداخلية.
معالجتها تحتاج إلى تنسيق بين القوى الشرعية الثلاث.
وكما الداخل اللبناني غير مستقر كذلك الوضع في الجنوب متوتر وهش، رغم المشاورات الدولية الجارية لتجنيبه خطر الانفجار.
سعت الحكومة إلى ترجمة مقررات اجتماع بيت الدين وإلى إيجاد قواسم مشتركة بين الأطراف اللبنانيين وبين لبنان والعرب، لاسيما مع سورياوالمقاومة الفلسطينية.
في الواقع ما عمدت إلى القيام به الحكومة هو تكريس نوع من الانفراج النسبي الداخلي ريثما يتضح المنحى الذي يسير في فلكه الوضع العام في الشرق الأوسط وانعكاسه المباشر على لبنان.
في هذا الإطار بدأ الحكم في لبنان سنته الجديدة مترقبًا للتطورات.
في غياب قرار دولي بحل للأزمة اللبنانية.
أمنيًا عاد الهدوء الأمني إلى الضاحية الجنوبية من بيروت بعد الاشتباكات التي جرت يوم السبت وأدت إلى سقوط ثلاثة إصابات.
في الاول من كانون الثاني كانت إيران تعيش لحظاتها التاريخية، حيث تودع نظامًا وتستعد لاستقبال نظام جديد، وولوج ىفاق جديدة.
شاه إيران يعيش أيام حكمه الأخيرة، والإمام الخميني يتحضر للعودة إلى بلاده.
في عهد الرئيس الياس سركيس ، إنعقد عدد من مؤتمرات القمة العربية :
المؤتمر الأول استضافته الرياض يوم السبت 16 تشرين الأول 1976 بدعوة من المملكة العربية السعودية وامتدّ طوال ثلاثة أيام .
أقرّ بيانه الختامي تأليف قوة الردع العربية لوقف الحرب اللبنانية الفلسطينية المستعرة منذ سنتين وفرض تطبيق اتفاق القاهرة على منظمة التحرير الفلسطينية.
أما المؤتمر الثاني فاستقبلته القاهرة بعد عشرة أيام من المؤتمر الأول ، حضرته عشر دول عربية وهو تكملة للمؤتمر الأول .
أما الثالث فعقد في بغداد في تشرين الثاني 1978 بُعيد مؤتمر كامب دايفيد وتوقيع المعاهدة المصرية الإسرائيلية.
إستمر المؤتمر خمسة أيام وبرز فيه الانشقاق العربي والخلاف بين مصر ودول التصدّي والصمود التي تشمل سوريا ، العراق، ليبيا ، الجزائر واليمن الجنوبي.
أما المؤتمر الرابع فانعقد في تونس في 20 تشرين الثاني 1979 بطلب من لبنان ودام يومين بحث قضية الجنوب اللبناني والوجود الفلسطيني المسلّح.
عملية الليطاني – إجتياح إسرائيل للجنوب
ثلاثون ألف جندي دفعتهم إسرائيل ليل 14 – 15 آذار 1978، مدعومين بمئات الدبابات وقطع المدفعية والطائرات والبوارج الحربية.
358 قرية استهدفها العدوان (الذي استمر سبعة أيام) في أقضية حاصبيا وبنت جبيل ومرجعيون وصور والنبطية.
.
.
1100 كلم2 من الاراضي اللبنانية تم احتلالها خلال هذا الإجتياح العنيف.
560 مواطنًا استشهدوا وجرح 653.
إرتكبت قوات الإحتلال مجازر في بلدات الخيام وكونين والعباسية وجويا.
دمرت قرى كاملة كالغندورية والقنطرة، وخمسين مدرسة وعشرة مراكز صحية وخرّبت شبكات المياه والكهرباء والهاتف وأماكن العبادة من مساجد وكنائس وحسينيات، وأتلفت مئات الألوف من الدونمات المزروعة.
القراران 425 و 426
على أثر الإجتياح الإسرائيلي للجنوب اللبناني في عملية الليطاني في 14 آذار 1978، صدر عن مجلس الأمن الدولي بتاريخ 19 آذار 1978 القرار 425 الذي نص على ما يلي:
إن مجلس الأمن بعدما أخذ علمًا برسالة مندوب لبنان الدائم ورسالة مندوب إسرائيل الدائم.
وبعدما استمع إلى كلمتي المندوبين الدائمين للبنان وإسرائيل، إذ يعرب عن اهتمامه بتدهور الوضع في الشرق الأوسط ومضاعفاته بالنسبة إلى الحفاظ على السلام الدولي واقتناعًا منه بأن الوضع الحالي يعوق تحقيق سلام عادل في الشرق الأوسط يدعو إلى احترام صارم لسلامة الأراضي اللبنانية وسيادة لبنان واستقلاله السياسي ضمن حدوده المعترف بها دوليًا.
يدعو إسرائيل أن توقف فورًا عملها العسكري ضد سلامة الأراضي اللبناني وتسحب حالاً قواتها من كل الأراضي اللبنانية.
يقرر في ضوء طلب الحكومة اللبنانية أن ينشئ فورًا تحت سلطته قوة مؤقتة تابعة للأمم المتحدة في جنوب لبنان وغايتها التأكد من انسحاب القوات الإسرائيلية وإعادة السلام والأمن الدوليين ومساعدة حكومة لبنان على ضمان استعادة سلطتها الفعلية في المنطقة على أن تتألف القوة من عناصر تابعة للدول الأعضاء في الأمم المتحدة.
وبعد إطلاع مجلس الأمن على تقرير الأمين العام، أصدر المجلس القرار 426 قرر فيه:
تشكيل القوة بالتوافق مع التقرير المذكور لفترة أولية تبلغ ستة أشهر على أن تتابع عملها بعد هذا التاريخ إذا دعت الحاجة، شرط أن يوافق مجلس الأمن على هذا.
في الثانية من فجر الجمعة 18 نيسان 1980، أغار الكومندوس الإسرائيلي على مركز تابع للجبهة الشعبية للقيادة العامة في بلدة الصرفند في جنوب صيدا ووقع اشتباك دام ساعتين.
في وقت أعلنت قيادة القوات الدولية في الجنوب أن الميليشيات الحدودية قتلت جنديين إيرلنديين وجرحت رفيقًا لهما، بعد خطفهم مع مرافقين دوليين ومراسل وكالة أنباء أميركية ومصورها فيما كانوا متجهين إلى مركز المراقبة الدولية في مارون الراس.
بذلك يكون عدد قتلى القوات الدولية قد ارتفع إلى 41 قتيلاً منذ دخولها جنوب لبنان قبل عامين.
وقع الكمين المسلح على طريق بنت جبيل – مارون الراس.
أثار نبأ مقتل الجنديين الإيرلنديين على أيدي ميليشيات سعد حداد غضبًا في الأمم المتحدة وبدّل المعطيات التي كانت سائدة قبل الحادث وازداد التوتر في مجلس الأمن خصوصًا إثر الإعتداء الإسرائيلي على الصرفند.
فطالبت المجموعة العربية في الامم المتحدة بضم هذا الإعتداء على الشكوى اللبنانية من أعمال إسرائيل في الجنوب.
عقد مجلس الأمن جلسة وفي أذهان أعضائه مصير القوات الدولية وفي أصدائه تداعيات ما وصفه دبلوماسيون في الأمم المتحدة باغتيال العسكريين الإيرلنديين.
وشهدت الجلسة إصرارًا من ممثلي الدول التي لها قوات عاملة في الجنوب على ضرورة صدور قرار فوري عن المجلس حول الحادث.
ورفع الأمين العام للأمم المتحدة الدكتور كورت فالدهايم تقريرين الأول يتعلق باستمرار تدهور الوضع في الجنوب والثاني يعرض لظروف مقتل الجنديين الإيرلنديين.
وتقدم مندوب تونس بمشروع قرار طالبًا من مجلس الأمن الموافقة عليه يذكّر المشروع بالقرارات السابقة ذات لاأرقام 425 و426 و427 و434 و440 و450 و459، كذلك بشروط عمل القوات الدولية الواردة في تقرير الأمين العام في 19 آذار 1978 والمؤكدة في القرار 426 لناحية تمكين القوات الدولية من العمل كوحدة عسكرية فعالة وضرورة تمتعها بحرية التحرك والدفاع عن النفس والإتصال والتسهيلات الأخرى لتنفيذ مهمتها.
ويدين مشروع القرار التدخل العسكري الإسرائيلي داعيًا إلى الإنسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية ووقف أعمالها العدائية المباشرة وغير المباشرة ويدين خرق اتفاق الهدنة والهجمات على القوات الدولية والمراقبين الدوليين وعرقلة أعمالهم في منطقة عمليات الأمم المتحدة.
ويستنكر الخسائر في الأرواح وسقوط الجرحى في صفوف القوات الدولية والقصف المتعمد للمستشفى الميداني التابع لها.
في بداية تموز 1980، أعلن وزير خارجية فرنسا، جان فرنسوا، من واشنطن، عن مبادرة تتعلق بالشرق الأوسط، ستتخذها قريبًا دول السوق المشتركة.
طلبت المراجع الرسمية اللبنانية الحصول على معلومات وافية عن المبادرة الأوروبية.
وكان وزير الخارجية اللبناني فؤاد بطرس قد عاد من لندن ولديه انطباعًا بأن بريطانيا تنصح بتأخير المبادرة الأوروبية إلى ما بعد الإنتخابات الأميركية.
في وقت كانت الولايات المتحدة تشدد على بقاء معاهدة كمب دايفيد، معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، حجرَ الزاوية لأية تسوية شرق أوسطية شاملة.
ولبنان لم يكن ليغرّد خارج السرب العربي، ولن يتبنى أي قرار لا ينسجم مع الموقف العربي الجامع والقائم على بند رئيس قوامه انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة في العام 1967، مع موافقة إسرائيل على إقامة كيان فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، في مقابل اعتراف الدول العربية بإسرائيل، واعتراف متبادل بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية.
في ليل الأحد الإثنين 31 تموز – 1 آب 1980، شهدت منطقة القاسمية قرب صور عملية إنزال عسكرية إسرائيلية هي الأوسع في الجنوب منذ الغارة على منطقة أرنون في كانون الثاني 1979.
نفّذ الإنزال رجال الكومندوس الإسرائيلي مع تغطية من قصف بحري ورمايات جوّية واستغرقت العملية أربع ساعات نُسِفَت خلالها خمسة منازل في العيتانية في القاسمية.
وأدى الإعتداء إلى مقتل 13 بينهم امرأتان وأربعة أطفال وخمسة من "جبهة التحرير العربية" وواحد من البعث.
وأصيب 29 فلسطيني بجروح.
وغادرت القوة المغيرة مصطحبة معها أسيرين فلسطينيين.
وتحدث الإعلام الإسرائيلي عن العملية مشيرًا إلى تدمير قاعدة للفدائيين الفلسطينيين في جنوب لبنان.
جاءت العملية الإسرائيلية في جنوب لبنان بعد ساعات من اجتماع لمجلس الأمن انعقد في 31 تموز 1980 في نيويورك لمناقشة موضوع القدس.
صدر في نهايته قرار جديد حمل الرقم 476 أكد معارضة المجموعة الدولية أعمال إسرائيل في المدينة المقدسة وتمت الموافقة على مشروع القرار الذي تقدّمت به مجموعة الدول الإسلامية بأكثرية 24 صوتًا وامتناع الولايات المتحدة عن التصويت.
في 1 آب 1980 إحتفل لبنان بعيد الجيش للمرة الأولى منذ حرب السنتين.
جرى الإحتفال في ثكنة شكري غانم في الفياضية مع تخريج 204 ضباط في الجيش وقوى الأمن الداخلي.
سلّم الرئيس الياس سركيس الضباط المتخرجين سيوفهم في حضور أركان الدولة ودعاهم إلى جعلها سيوف حق وعدل وكرامة يجردونها من أجل الدفاع عن لبنان.
وفي لقائه وزير الدفاع ووفد قيادة الجيش دعا سركيس إلى بناء جيش وطني مدعوم شعبيًا وقال إن توحيد الوطن ووفاق اللبنانيين يتيحان للجيش أن يتسلّم مهماته في جو تتضاءل فيه الصعوبات والعوائق.
إحتفل لبنان بعيد الجيش وسط أزمة سياسية حادة وانقسام عمودي نتج عنهما عدم نضج التوافق على حكومة تتولى إدارة شؤون البلاد والشعب ما حدا بالرئيس سليم الحص إلى التحذير من عدم إمكانية الحكومة المستقيلة الإستمرار في تصريف الأعمال إلى ما لا نهاية في وقت تمر البلاد بظروف صعبة ودقيقة.
في 28 أيلول 1980، في وقت يعلن صدام حسين استعداد العراق للتفاوض ووقف النار مع إيران، تتسارع وتيرة الأحداث على مسرح الشرق الأوسط.
أما في لبنان فجمود في السياسة وفي الأمن وفي الإقتصاد، ومراوحة في الأزمة الوزارية، وفشل في كل الإتصالات التي أجراها الموفدون والرسل العرب والدوليون، ولا أفقًا فعليًا ملموسًا لانفراجات على الصعيد السياسي ولا على الصعيد الأمني.
أما سوريا فتلوّح بتوقيع معاهدة وشيكة مع الإتحاد السوفياتي ستكون لها انعكاسات على المنطقة عمومًا ولبنان بنوع خاص.
عشية اندلاع الحرب الإيرانية العراقية في 1 تشرين الأول 1980، إنعقد المؤتمر السنوي الخامس والثلاثون لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
وكان رئيس البنك الدولي دعا في كلمته الأعضاء الـ 135 إلى مساعدة البلدان النامية التي تمثلها هذه السنة لجنة من 24 عضوًا تضم لبنان وقد ترأس وفده إلى المؤتمر حاكم مصرفه المركزي في حينه الشيخ ميشال الخوري وضم السادة خطار شبلي ورجا حماده ونسيم صليبا، وأجرى محادثات مع البنك الدولي للحصول على قرض جديد لتمويل مشاريع تتعلق بمرفأ بيروت وكان لبنان من المطالبين برفع حصة الدول النامية من 23 إلى 45% من مجموع رأس مال المؤسستين الدوليتين ما يسمح لها بلعب دور أكبر في رسم استراتيجيتهما المالية العالمية.
في 30 تشرين الثاني 1980، إحتشد 10 آلاف لبناني في ملعب برج حمود لمشاهدة مباراة لكرة القدم، هي الأولى من نوعها منذ العام 1975، بين فريق من المنطقة الغربية هو الأنصار وآخر من الشرقية هو الإستقلال.
خرقت هذه المباراة الجدار النفسي والحواجز بين اللبنانيين وقد جرى التحضير لها لأشهر عدّة.
تجرّأ وقدم إلى المنطقة الشرقية مئات من الشباب اللبنانيين المقيمين في الغربية وملأوا ثلث مقاعد المتفرجين في الملعب الشرقي.
مباراة كسرت جليدًا عمره خمس سنوات وقرّبت بين مواطنين باعدت بينهم الحرب المدمرة.
هذا في الرياضة، أما الموضوع الأبرز في السياسة فكان تمديدان:
الأول تمديد للقوات الدولية العاملة في الجنوب والتي ينتهي انتدابها في 19 كانون الأول.
والثاني لقوة الردع العربية والتي ينتهي انتدابها في 27 كانون الثاني.
الإثنين 27 تموز 1981، أنهت لجنة المتابعة العربية الدورة الرابعة من اجتماعاتها التي عقدتها يومي السبت والأحد 25 و26 تموز، بعد أن أمضت في لبنان 23 ساعة قوّمت خلالها الوضع في الجنوب عشية قرار مجلس الأمن الداعي إلى وقف النار، وقرارات مجلس الدفاع العربي المشترك.
وختمت اللجنة المشتركة العربية أعمالها ببيان مقتضب حددت فيه موعدًا جديدًا للإجتماع في 3 و4 أيلول المقبل مع تسجيلها الإرتياح للإيجابية في مسألة التعامل مع إسرائيل، بعد أن كان الشيخ بشير الجميل قائد القوات اللبنانية قد سلّم إلى الرئيس الياس سركيس موقفه من هذه المسألة.
وكانت تركزت مناقشات اللجنة على قضايا ثلاث:
الجنوب والوضع الأمني والحوار.
بالنسبة للجنوب، فضّلت اللجنة عدم التدخل في معالجة الوضع المتدهور نتيجة الإعتداءات الإسرائيلية لما لهذه القضية من ارتباط بأزمة الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية، ولأبعادها الإقليمية والدولية.
وكان لبنان، على هذا الصعيد، قد دعا إلى عقد قمة عربية لمعالجة الوضع بالطريقة المناسبة بعد أن طالب في قمة الطائف الإسلامية باستراتيجية عربية مشتركة لمواجهة إسرائيل يكون له فيها نصيب.
أما فيما يتعلق بالوضع الأمني في بيروت، فناقشت اللجنة موضوع فتح الممرات والمعابر بين شطري العاصمة، مع الأطراف اللبنانية المتحاربة الذين أجمعوا على تغليب نظرية الوفاق قبل الأمن.
وبالتالي تم استبعاد فتح الممرات قبل موعد الإجتماع المقبل للجنة العربية المشتركة التي ستسعى كمرحلة أولى لفتح بوابة السوديكو.
يبقى موضوع الحوار بين الأطراف المتقاتلة.
رأت اللجنة في موقف القوات اللبنانية بوقف التعامل مع إسرائيل إيجابية وخطوة متقدمة لتحريك عملية الحوار.
عمومًا، شعر اللبنانيون بالإحباط من مبادرة اللجنة العربية بطيئة، حيث أنها لم تقدم الكثير لهم.
واعتبروا عملها تمريرًا للوقت وتمديدًا للأزمة ريثما تتضح الصورة الإقليمية والدولية.
ما زاد في جمود الحال، عدم لقاء الرئيس الياس سركيس بياسر عرفات رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.
لقاء سعى إلى عقده كثيرون.
كل الإشارات أوحت بأن الأزمة لا تزال بعيدة عن الحل.
وأن الشهر القادم والأيام السبعة التي تفصل عن الإجتماع المقبل للجنة العربية، سيكرس السفراء ممثلو الدول الأعضاء في اللجنة جهودهم لحث الأطراف اللبنانيين للحوار على أن تنطلق أولى جلساته بعد 3 و4 أيلول.
وفيما يتعلق بموضوع تأهيل الجيش وتطعيم الردع وما إلى ذلك، بقيت هذه النقاط قيد الكتمان عن الإعلام.
وستستفيد اللجنة بعد تأجيل الإجتماعات من الوقت لحلحلة العقد مع ما يعني ذلك من استمرار للمسعى العربي لإيجاد حلول للأزمة اللبنانية.
إرجاء بت بعض المواضيع وتأجيل البحث فيها مرده إلى التطورات الإسرائيلية الخطيرة في الجنوب.
إن صمود وقف النار من جهة ووضع مجلس الأمن الدولي يده على هذا الملف بطريقة غير منحازة من شأنه إعادة البحث في الملف اللبناني من جديد في عمق وجدية، خصوصًا بعد المواجهات التي حصلت بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل.
إن الرئيسين سركيس والوزان وممثلي الدول الأعضاء في اللجنة العربية سيكثفون من اتصالاتهم باتجاه تحريك ملف الوفاق وتبريد المناطق الساخنة.
في 27 آب 1981، نجحت مساعي سفير المملكة السعودية في لبنان، الفريق علي الشاعر، في تثبيت هدنة إعلامية بعد اتصالات واسعة أجراها مع الجبهة اللبنانية.
مبادرة كان من المتوقع أن تنعكس إيجابًا على الوضع الأمني والسياسي، يتبعها لقاء بين ممثلي كل الدول الأعضاء في لجنة المتابعة مع الشيخ بشير الجميّل قائد القوات اللبنانية.
لقاء حضر في مناقشات جرت سابقًا خلال اجتماع الممثلين برئاسة الرئيس سركيس وحضور رئيس الحكومة شفيق الوزان.
حينها اقترح الرئيس سركيس الإجتماع وزكّاه السفير السعودي ولم يمانع فيه ممثل سوريا العقيد محمد غانم.
شرط موافقة القيادة السورية عليه بعد اتصالات تجريها معها السلطة اللبنانية.
وكان الدافع من هذا الإقتراح تهيئة مناخات ملائمة لاجتماع اللجنة على مستوى الوزراء في الثاني والرابع من أيلول المقبل حين يزور وزير خارجية السعودية والكويت، الأمير سعود الفيصل والشيخ صباح الأحمد دمشق ويلتقيان الرئيس السوري حافظ الأسد في محاولة لوضع حد للواقع اللبناني المتدهور.
في 26 أيلول 1981، زار رئيس الحكومة شفيق الوزان الجنوب، واستمع إلى مطالب الجنوبيين.
بدأ جولته في الزهراني حيث تفقد بناء الجسر الجديد على يد فرقة الهندسة في سلاح الجيش اللبناني.
ثم توجه إلى صور والتقى الأهالي وأكد التزام الدولة تنفيذ مطالبهم، إنتقل بعدها إلى أرزون معقل الجيش اللبناني، قبل أن يزور النبطية حيث واجهته تظاهرة شعبية صاخبة شكت له من الحرمان وطلبت منه زيارة ملجأ مضت على بنائه أعوام وهو غير صالح، تحول مستنقعًا للمياه الآسنة.
فتعهد بتحقيق مطالب الشعب الصامد في الخط الأول للمواجهة بحسب وصفه.
واختتم جولته في صيدا موجهًا الدعوة للعرب إلى إدراك مسؤولياتهم التاريخية فيكونون يدًا واحدة مع لبنان.
تزامت جولة الوزان في الجنوب، مع زيارة للرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران إلى المملكة العربية السعودية هي الأولى له لبلد أجنبي منذ توليه رئاسة الجمهورية الفرنسية.
وقد أوحت هذه الزيارة بدعم فرنسي للمبادرة السعودية ومشروع الأمير فهد ولي العهد السعودي للسلام.
تناولت المحادثات السياسية الموضوعين الفلسطيني واللبناني.
في وقت كان السفير السعودي في بيروت علي الشاعر قد انتقل إلى السعودية للمساعدة في إعداد ملف لبنان لطرحه أمام الجانب الفرنسي.
من جهة أخرى، عقد عضو اللجنة المركزية لمنظمة الجيش الأرمني السري لتحرير أرمينيا، آرا ألكسندر ينيكومشيان، وأحد قادتها أغوب أغوبيان، في بيروت، مؤتمرًا صحافيًا، أوضحا فيه ملابسات عملية اقتحام القنصلية التركية في باريس واحتجاز رهائن فيها طوال خمس عشرة ساعة.
وتليا بيانًا أعلنا فيه أن الثوار قرروا إنهاء العملية بعدما حققت أهدافها وهي كشف حقيقة النظام الفاشي التركي ولفت الرأي العام العالمي إلى المظالم التي يتعرض لها الشعب الأرمني والشعبان التركي والكردي.
وعلى عدالة القضية التي يناضل من أجلها الجيش الأرمني السري لتحرير أرمينيا.
وشرعية الأعمال العسكرية التي يقوم بها ضد أجهزة النظام التركي.
وكان قائد القوة المهاجمة للسفارة قد جرح وأخذ للمعالجة.
فجرت المفاوضات بينه وبين وزير الداخلية الفرنسي الذي تعهد بمنح المجموعة المنفذة للهجوم حق اللجوء السياسي.
على هذا الأساس سلّم قائد المجموعة، وهو جريح، الشيفرة إلى نائبه الذي كان يقود المجموعة نيابة عنه وهي تطلب من الثوار داخل المبنى إطلاق الرهائن وتسليم أنفسهم إلى أجهزة الأمن الفرنسية.
وشهد هذا اليوم أيضًا موافقة المؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة النووية على مشروع قرار قدمته الجزائر والسعودية ودولة الإمارات العربية ينص على البحث في دورة أيلول 1982 في تعليق حقوق إسرائيل وامتيازاتها كعضو في الوكالة الدولية للطاقة النووية إذا لم تخضع من الآن حتى ذلك التاريخ إلى قرار مجلس البأمن الرقم 487 المتعلق بإخضاع المنشآت النووية لمراقبة الوكالة الدولية.
في 27 تشرين الأول 1981، إنعقد اجتماع لممثلي الدول الأعضاء في لجنة المتابعة العربية في القصر الجمهوري، لحل مشكلة خطوط التماس وتنفيذ القرارات المتعلقة بفتح الممرات بين شطري العاصمة ومراقبة الشواطئ والمرافئ وذلك قبل اجتماع الوزراء في السابع من تشرين الثاني المقبل.
ومن اقتراحات اللجنة:
1 – سحب وحدات الجيش اللبناني المتمركزة على قسم من خط التماس الشرقي وإحلال وحدات أخرى من الجيش نفسه مكانها وتوسيع انتشار هذه الوحدات كي يشمل كل خط التماس الشرقي وتوزيع وحدات من قوى الأمن الداخلي على بعض الحواجز للتعاطي مع المواطنين بمؤازرة وحدات الجيش عند الطلب.
2 – سحب جيش التحرير الفلسطيني عن خط التماس الغربي وإحلال وحدات سورية مكانه وتوزيع وحدات من قوى الأمن الداخلي على الحواجز للتعاطي مع المواطنين بمؤازرة الوحدات السورية.
3 – وضع الوحدات اللبنانية، الجيش وقوى الأمن والوحدات السورية في أمرة وزير الداخلية شفيق الوزان وبقيادة العميد سامي الخطيب قائد الردع.
في وقت أصرت الحركة الوطنية وحركة أمل ودمشق على أولوية تنفيذ قرارات لجنة المتابعة، بُحث في تشكيل لجنة مراقبة غرار المراقبين الدولييين في الجنوب.
وقبيل اجتماع لجنة المتابعة، عادت التفجيرات للظهور مجددًا بعد اكفاء استمر أسبوعين.
وقد انتقلت هذه الموجة إلى الضاحية الشرقية من بيروت حيث انفجرت سيارة ملغومة في منطقة سن الفيل أوقعت عشرين جريحًا وأضرارًا جسيمة وأشعلت حرائق.
في 26 تشرين الثاني 1981، فضّت القمّة العربية المنعقدة في مدينة فاس في المغرب برئاسة العاهل المغربي الملك الحسن الثاني، على توتر بين المملكة السعودية وسوريا بعد مقاطعة الرئيس حافظ الأسد لها واكتفائه بحضور ممثله، وزير خارجيته عبد الحليم خدّام.
رفعت القمة أعمالها إلى موعد لم يحدد تفاديًا للإحراج ونتيجة مقاطعة ما يسمى بدول الرفض لمعارضتها مشروع الأمير فهد للسلام معتبرة أن فيه اعترافًا ضمنيًا بإسرائيل علمًا أن السعودية نفت ذلك.
ويعكس فشل القمة الهوة العميقة والإنقسامات داخل الجامعة العربية.
على هامش القمة، استقبل الرئيس اللبناني الياس سركيس بحضور رئيس الحكومة شفيق الوزان ووزير الخارجية فؤاد بطرس، وزير الخارجية الجزائري محمد الصديق بن يحيى، وتم التداول في التحرك الجزائري نحو لبنان الذي بدأ قبل فترة.
ثم التقى الرئيس سركيس الأمين العام للجامعة العربية الشاذلي القليبي.
بعد القمة غادر الرئيس اللبناني سركيس إلى جنيف برفقة طبيبه الخاص الدكتور ناصيف أبو فاضل، وبعض الضباط ورجال الأمن.
في 27 كانون الأول 1981، تفاقم الوضع الأمني في الشطر الغربي من بيروت، بعد التدهور الخطير، وموجة التفجيرات، وارتفاع عدد الضحايا، ما جعل من المقررات التي كانت اتخذتها اللجنة الأمنية قبل شهرين غير ذي فائدة.
أمام هذا الوضع المتدهور، تم التوافق على تقييد حركة المرور بين شطري العاصمة، وساد اتجاه نحو الطلب من قوات الردع العربية الإشراف على تنفيذ الخطة الأمنية المرتقبة مع تحديد أدوار كل من الردع وقوى الأمن الداخلي واللجنة الأمنية العليا.
تزامنًا مع التطورات الدراماتيكية في بيروت الغربية، جاءت زيارة الرئيس حافظ السوري حافظ الأسد لليمن لتتوج جولة خليجية شملت السعودية والكويت والبحرين وقطر ودولة الإمارات.
في وقت إلتقى الرئيس حسني مبارك أعضاء اللجنة البابوية.
وكانت تتفاعل إقليميًا مسألة ضم إسرائيل مرتفعات الجولان المحتلة منذ حرب حزيران 1967.
وكانت شهدت تطورات الخليج توقيع اتفاق الحدود بين المملكة السعودية والعراق منهيًا خلافًا قديمًا بينهما، مع تأكيد السعودية وقوفها صراحة إلى جانب العراق في حربه مع إيران.
في مطلع السنة 1980، كانت محور السياسة مسألة دخول الجيش إلى الجنوب وتسهيل مهمته وتحديد أطرها وتسلمه مواقع المسلحين لإسقاط ذرائع إسرائيل ومنعها من القيام باجتياح وشيك.
وكانت تشكلت لجنة المتابعة العربية لحل هذه الإشكالية ترجمة لوساطة عربية، وكانت إتصالات أجرتها اللجنة مع رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات وبعض الأطراف غير الرسميين المعنيين بقضية الجنوب بمن فيهم رموز الحركة الوطنية والمجلس الشيعي الأعلى، فالتقت نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ محمد مهدي شمس الدين ورئيس الحزب الإشتراكي وليد جنبلاط.
في الثالث من كانون الثاني 1982، إلتقت لجنة المتابعة العربية برئيس الجمهورية الياس سركيس فترأس الإجتماع وكان الثالث في سلسلة اجتماعات ستعقدها اللجنة في إطار وساطتها لإيجاد حل بين الحركة الوطنية من جهة والجبهة اللبنانية من جهة أخرى والتوافق على صيغة الوفاق وتحقيق المصالحة الوطنية، وإسقاط الذرائع التي تحول دون انتشار الجيش على طول الشريط الحدودي وتسلّمه أسلحة الميليشيات في كلا الجبهتين وتواجهه منفردًا مع إسرائيل.
بالتزامن مع هذا السجال السياسي حول الجيش، كان سجال عضوي أيضًا تمثّل بتجميد مرسوم ترقية ضباط الجيش من رتبة نقيب وما فوق كما أقرّها المجلس العسكري بسبب رفض الرئيس سليم الحص التوقيع عليه لوجود أربعة أسماء فيه اعتبرهم رموز الحرب.
لم تكن قضية انتشار الجيش في الجنوب المحور الوحيد للنقاش السياسي بل ثمة أيضًا موضوع مستجد فرض نفسه على جلسة مجلس الوزراء الأولى المنعقدة في السنة 1980 في الثاني من كانون الثاني، حيث بحث المجتمعون مسألة دخول حجة الإسلام محمد منتظري لبنان بطريقة غير مشروعة وضرورة معالجة الموضوع مع قوة الردع ودمشق والفلسطينيين.
في 9 شباط 1982، كانت قضية خطف القائم بأعمال سفارة الأردن في لبنان هشام المحيسن، تدخل يومها الرابع والبحث عنه مستمر، لكنه يدور في حلقة مفرغة.
المعلومات التي توافرت لدى الأجهزة الأمنية والقضاء العسكري لم تحمل أي جديد من شأنه الإرشاد إلى مكان وجوده أو كشف هوية الجهة التي خطفته.
بعد تحرك عدد من الدبلوماسيين العرب، زار عميد السلك الدبلوماسي السفير البابوي كارلو فورنو وزير الخارجية فؤاد بطرس في منزله في الأشرفية وسلّمه باسم أعضاء السلك مذكرة حول قضية خطف المحيسن.
في هذه الأثناء، وفي الولايات المتحدة الأميركية، أصدرت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأميركي ولجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ التقرير السنوي الذي رُفع إلى الكونغرس ليكون جزءًا من الوثائق التي يطلبها الكونغرس عادة قبل إقرار موازنة المساعدات الخارجية.
تناول التقرير أوضاع حقوق الإنسان في 153 دولة.
في حديثه عن لبنان قال "إنه أظهر تقليديًا إحترامًا كبيرًا لحقوق الإنسان لكن قدرته على تنفيذ احترام هذه الحقوق تضاءلت في السنوات الأخيرة بسبب الحرب الأهلية واستعمال الفدائيين وقوات عسكرية أجنبية الأراضي اللبنانية.
إن هذا الوضع قلص إلى حد كبير حجم المنطقة من البلاد التي هي تحت السيطرة الفعلية للحكومة.
أوضح التقرير أن قسمًا كبيرًا من البلاد هو الآن تحت سيطرة الجيش السوري الموجود في لبنان منذ العام 1976 كجزء من قوات حفظ السلام التابعة للجامعة العربية وتحت سيطرة مجموعات الفدائيين الفلسطينيين وقوات الميليشيات اللبنانية التابعة لمختلف الفئات الدينية.
وأشار إلى أن القتال بين مختلف هذه القوى أدى إلى سقوط ضحايا مدنية كثيرة خصوصًا منذ العام 1975 وأن أعدادًا من المدنيين اللبنانيين فقدوا أرواحهم أو ممتلكاتهم نتيجة الغارات الإسرائيلية ضد قوات الفدائيين الفلسطينيين في جنوب لبنان.
وذكر التقرير أنه وقعت حالات عدة من خرق حقوق الإنسان والتخويف والخطف والإعدام الفوري.
لكنه لاحظ أن عدد الذين قتلوا في لبنان تراجع عما كان في العام 1976، من ستين ألفًا إلى نحو 1500 في الأشهر التسعة الأولى من العام 1980.
تفجير مقر قوات المارينز والمظليين الفرنسيين في بيروت
يوم الأحد 23 تشرين الاول 1983، إستهدفت عمليتا تفجير إنتحاريتان القوات المتعددة الجنسيات العاملة في بيروت، أسفرت عن مصرع 169 جنديًا (145 أميركًا و24 فرنسيًا) وجرح 69 آخرين مع بقاء مصير 63 جنديًا مجهولاً حتى ساعة متأخرة من الليل.
نفذت عمليتا التفجير بواسطة سيارتي نقل بيك أب مفخختين، إقتحمت الأولى مقر قيادة مشاة البحرية الأميركية (المارينز) في مبنى المديرية العامة للطيران المدني المؤلف من ثلاث طبقات، والثانية مقر سرية المظليين الفرنسيين قرب مستشفى بيروت في منطقة بئر حسن والمؤلف من تسع طبقات، بفارق زمني ثلاث دقائق.
أدى الإنفجاران إلى تدمير للمبنيين بشكل كامل.
وكان مجهول اتصل بمكاتب شركة فرانس برس في بيروت متحدّثًا باسم حركة الثورة الإسلامية الحرة وهي المرة الأولى التي يُسمع فيها بهذه الحركة، وأعلن مسؤوليتها عن العمليتين.
توفي في العملية الأولى منفذا العملية، الأول يدعى أبو مازن (26 عامًا) والثاني أبو سيجعان (24 عامًا).
تلت ذات الحدث الجلل، انتكاسة للوضع الأمني في محاور عاليه والشحار الغربي وتعرضت مواقع الجيش اللبناني في سوق الغرب وضهر الوحش لقصف مدفعي، وتجددت الإشتباكات ليلاً على جميع محاور إقليم الخروب.
تلقت الولايات المتحدة بذهول نبأ التفجير الذي أوقع أكبر خسارة بشرية في صفوف القوات الأميركية في عملية واحدة، منذ حرب فييتنام.
وأعلن وزير الدفاع كاسبار وينبرغر عن إمكانية نقل القيادة إلى سفينة قبالة الساحل اللبناني، ووجّه أصبع الإتهام إلى إيران دون أن يستبعد السوفيات.
أما الرئيس رونالد ريغن الذي كان يقضي عطلة نهاية الأسبوع في أوغوستا في ولاية جورجيا، فدعا مجلس الأمن القومي للإجتماع.
من جهتها، لم توجه فرنسا الإتهام لأي طرف، مكتفية بإدانة الحادث وإعلان استمرار قواتها في لبنان وأوفدت وزير دفاعها شارل إرنو إلى بيروت لمعاينة مكان الحادث.
الساعات الأولى من أول انهيار لليرة اللبنانية في التاريخ
يوم الجمعة 25 كانون الثاني 1985، إستيقظ اللبنانيون على ارتفاع جنوني للدولار.
تحول الهم الإقتصادي والمالي همّ الناس الحقيقي لا بل الوحيد بعد تجاوز سعر الدولار الأميركي عتبة 12 ليرة، ما دفع إلى وقف تسعيره وحدوث شلل شبه تام في المبيعات بين المصارف.
تراجع تاريخي في سعر الليرة في بلد يعتمد على الإستيراد بالعملة الصعبة لسد أكثر من 75 % من استهلاكه.
اجتماعات القصر الجمهوري برئاسة رئيس الجمهورية أمين الجميل وحضور رئيس مجلس الوزراء رشيد كرامي وأعضاء اللجنة الإقتصادية برئاسة وزير الإقتصاد والتجارة فكتور قصير ومجلس إدارة جمعية مصارف لبنان، كلّها بدت مبادرات عبثية.
عند السادسة وخمس عشرة دقيقة من مساء الجمعة 25 كانون الثاني ترأس الرئيس الجميل اجتماعًا في حضور الرئيس كرامي مع ممثلين عن جمعية مصارف لبنان برئاسة رئيس الجمعية أنطوان شادر وحضور فريد روفايل والدكتور نعمان الأزهري والدكتور هشام البساط، خصص لمناقشة تطورات الوضع المالي والإقتصادي.
وكانت المصارف قد اتفقت على وقف التعامل مع شركتي البروكرز الوحيدتين "باتلر" و"تاولت أندرولي" وحصر شؤون الوساطة والتسعير بشركة لبنان المالية التي يشرف عليها مصرف لبنان وحاكمه إدمون نعيم والسلطات النقدية المسؤولة.
أمام هذا التدهور السريع لسعر صرف الليرة وقفت الدولة مشلولة ولم تنجح الجلسة الإستثنائية لمجلس الوزراء التي انعقدت يوم الأحد 27 كانون الثاني من لجمه.
مساء الثلاثاء 5 شباط 1985، إنفجرت سيارة مفخخة إستهدفت قوات الإحتلال الإسرائيلي في البرج الشمالي، أوقعت بالإسرائيليين خسائر فادحة، بين قتلى وجرحى، مع تدمير شاحنة عسكرية وناقلة جند وسيارة جيب ملأى بالجنود.
بدأت العملية بتفجير عبوة ناسفة على طريق صور البرج الشمالي قرب مؤسسة جبل عامل المهنية.
هرعت بعدها قوات إسرائيلية مؤللة إلى مكان الحادث وأخرى كانت تسلك الطريق ذاته منسحبة من منطقة الزهراني.
فاقتحم المكان إنتحاري من حركة أمل بسيارة مرسيدس مفخخة بـ400 كلغ من المتفجرات وارتطم بشاحنة تحمل ذخائر، ما ضاهف في نتائج الهجوم.
في السادس عشر من آيار 1989، أجرى المفتي حسن خالد حواره الصحفي الأخير، في دار الفتوى، وانتقل من مكتبه إلى منزله في الرملة البيضاء حيث تعرّض في الشارع الرئيس قبالة جامع عائشة بكار لجريمة اغتيال أدت إلى استشهاده ومرافقيه بمن فيهم الدركي أحمد عفيف الغوش.
في لقائه الصحفي الأخير أبدى قلقه على مصير لبنان إلا أنه جدّد ثقته بأن تحمل القمة العربية التي كانت على وشك الإنعقاد لبحث سبل وقف الحرب في لبنان وإعادة الامن والإستقرار والسلم إلى ربوعه، وعبّر عن تفاؤله بإرادة اللبنانيين في المنطقتين الغربية والشرقية على تجاوز الإنقسام والتفرقة.
رحل المفتي خالد.
إنعقدت القمة العربية، وولدت من رحمها مناخات دولية وإقليمية ومحلية أفضت إلى الإتفاق على وثيقة الوفاق الوطني في مدينة الطائف السعودية بجهود اللجنة العربية الثلاثية العليا التي ضمت السعودية والمغرب والجزائر.
طويت ستائر الحرب باستشهاده وغابت معه قافلة الرجالات الشهداء الذين سقطوا في زمنها، بدءً بالإمام المغيّب موسى الصدر ، إمام المحرومين وأحد رواد الحوار الإسلامي المسيحي، مرورًا بكمال جنبلاط المتطلع إلى جمهورية لبنانية تقدمية إشتراكية، والمناضل لتحرير الشعوب العربية، فبشير الجميّل الذي التزم جمهورية لبنانية موحدة ودولة عصرية لا سيادة فيها إلا للشعب ولا حكم إلا للقانون، ثم رشيد كرامي العامل من أجل الجمهورية الديمقراطية الوطنية التي يتساوى فيها المواطنون في الحقوق والواجبات.
توّج هذه القافلة سماحة المفتي حسن خالد وهو يبشر بولادة قريبة لجمهورية لبنان الواحد التي تسودها القيم ويتعايش فيها مواطنوها المسلمون والمسيحيون في ظل الحرية والعدل والمساواة التامة في الحقوق والواجبات.
تطورات الحرب اللبنانية
في اواخر 1968، دخل الأراضي اللبنانية عدد من الفلسطينيين المسلحين.
احدث هذا الأمر اضطرابات داخلية ليس بالنسبة لعدد الذين دخلوا وكان لا يتجاوز الخمسين، بل لمبدأ وجود فدائيين على الأراضي اللبنانية.
أما الاضطرابات الداخلية فكان سببها الانقسام بالرأي حول مبدأ وجود فلسطيني مسلح:
فريق يؤيد وفريق يرفض.
الفئة التي أيدت لجأت إلى مختلف وسائل الضغوط:
الاضطرابات والمظاهرات والمهرجانات الخطابية والعراقيل التي كانت تضعها لدى تشكيل الحكومات.
.
.
الفئة التي رفضت اقتصر نشاطها على إسداء النصح للفريق المؤيّد بعدم الذهاب بعيدًا بالتأييد خشية التصادم.
أخذ عدد الفدائيين يتزايد يومًا بعد يوم.
ردود الفعل الإسرائيلية وكان أبرزها الغارة على مطار بيروت الدولي في 28 كانون الاول 1968.
في نيسان 1968، قامت تظاهرة انطلقت من ساحة كلية المقاصد في بيروت وسار المتظاهرون باتجاه المجلس النيابي.
حصل إطلاق نار وسقط 14 قتيلاً وبعض الجرحى الأمر الذي حمل السيد رشيد كرامي على تقديم استقالة الحكومة التي كان يرئسها.
تعذر تشكيل حكومة جديدة بسبب استمرارا لخلاف حول وجود الفدائيين في الوقت الذي كان عدد هؤلاء يتزايد.
رفض رئيس الجمهورية يومذاك الرضوخ للامر الواقع والتسليم للوجود الفدائي على الأراضي اللبنانية ووجه رسالة بتاريخ 31 آيار 1969 بهذا المعنى أثارت ردود فعل مختلفة ولاسيما من جهة الفريق المؤيد للوجود الفدائي.
رفض رئيس الجمهورية تشكيل حكومة ترضخ للأمر الواقع وبقيت البلاد دون حكومة.
فاستمرت الحكومة المستقيلة تصرّف الاعمال سحابة سبعة أشهر.
في اواخر شهر تشرين الأول 1969 حصل اصطدام مسلح بين الفدائيين والجيش اللبناني في مجدل سلم في منطقة الجنوب تسبب فيه الفدائيون .
فسار الفريق المؤيد.
وما هي إلا أيام معدودة حتى اشتعلت المناطق الحدودية وكان عدد الفدائيين فيها قد تجاوز الثلاثة آلاف.
ثم ثارت الدول العربية على رئيس لبنان لموقفه من الفدائيين ومارست تجاه لبنان مختلف أنواع الضغوط ولاسيما منها الإعلام العربي وأقفلت بعضها الحدود مع لبنان وتصاعدت الاشتباكات العسكرية بين الجيش والفدائيين وحلفائهم ومرت بضع أيام والامور تسير من سيء إلى أسوأ الامر الذي اضطر السلطة إنقاذًا للبلاد من الانقسام داخليًا إلى التسليم بالوجود الفدائي في لبنان وكان اتفاق القاهرة وقد تضمن نصًا يتعلق بسريته أعطى خطأ الانطباع بأن لبنان سُلّم للفدائيين.
ولكن الفلسطينيين لم يكتفوا بما تضمنه اتفاق القاهرة.
وخلافًا لهذا الاتفاق ادخلوا جميع أنواع الأسلحة والذخائر ولاسيما الثقيلة منها إلى المخيمات وأنشأوا المكاتب في العاصمة والضواحي والمناطق وكثرت التجاوزات التي كان يرتكبها عناصرهم وتعددت الاصطدامات بينهم وبين قوى الأمن والجيش وأخذوا بإيواء الخارجين على القانون من لبنانيينو فلسطينيين وغيرهم من عرب وأجانب.
وفي ليل 10 – 11 نيسان 1973، قتل 3 مسؤولين فلسطينيين في شارع فردان واتهم رئيس الحكومة يومذاك قائد الجيش بالتقصير واشترط إقالته أو استقالة الحكومةم.
وكان أبرز هذه الاصطدامات بين الفلسطينيين والجيش الاصطدام الذي حصل في 2 آيار 1973 على أثر حجز 3 عسكريين من قبل حاجز من فدائيين.
انذر الجيش الفلسطينيين بإعادة المحجوزين خلال مهلة محددة وإلا لجأ إلى القوة.
وبعد انقضاء هذه المهلة دون نتيجة، توجهت دورية من الجيش لاستعادتهم بالقوة.
وجرى تبادل إطلاق نار تبعه قصف ثكنات الجيش المجاورة من قبل فلسطينيين بالمدافع والصواريخ.
وعمت الاشتباكات العاصمة ومناطق عدة من لبنان.
وأخذ الفلسطينيون يقصفون الأحياء السكنية والمرافق العامة ومنها مطار بيروت الدولي بمختلف أنواع الأسلحة ومنها المدافع والصواريخ.
واضطرت الحكومة يومذاك إلى اتخاذ تدابير أمنية مشددة منها منع التجدد.
وما ان أخذت الأمور تعود إلى الحالة الطبيعية حتى انفجرت عند الساعة العاشرة من ليل 7 آيار وكان مجلس الوزراء لا يزال منعقدًا وتساقطت القذائف المدفعية والصاروخية وسواها بصورة عشوائية على جميع أحياء بيروت وضواحيها وتسببت بوقوع ضحايا بريئة عدة مما حمل مجلس الوزراء بناء على اقتراح رئيس الحكومة إلى إعلان حالة الطوارئ.
وقضت بيروت وضواحيها تلك الليلة دون ان يهدأ دوي انفجارات القذائف وأزيز الرصاص.
وقبل بزوغ الفجر بعد تلك الليلة الرهيبة كان رئيس الحكومة يقدّم استقالته لانه لم يصمد امام الضغوط التي تعرّض لها على أثر إعلان حالة الطوارئ قبل ساعات معدودة ولكن ذلك لم يمنع من اتخاذ التدابير العسكرية ومنها سلاح الطيران والتي بفضلها توقفت موجة العنف.
إذ تهافت السفراء العرب طالبين وقفها متوسطين بين السلطة اللبنانية والفلسطينيين داعين إلى ضرورة توضيح العلاقات بين السلطة والمقاومة وكان اتفاق ملكارت.
ولكن لا اتفاق القاهرة ولا اتفاق ملكارت كان ما يرمي إليه الفلسطينيون.
واستمرت أعمال الشغب وتصاعدت ولم يكن مهرجان خطابي يحصل في أي منطقة يتواجد فيها فلسطينيون إلا ويشترك هؤلاء فيه ويحملون على السلطة ويتهمونها بشتى الاتهامات ولا يكتفون بذلك بل يحملون على نظام الحكم وعلى مؤسسات الدولة الدستورية منها والوطنية ولاسيما الجيش ألخ.
إلى أن كان يوم 26 شباط 1975 حيث قامت تظاهرة في صيدا اشترك فيها النائب السابق المرحوم معروف سعد.
أطلقت النار عليه فأصيب بجراح بالغة نقل على أثرها إلى المستشفى حيث توفي بعد أسبوعين تقريبًا.
حدثت أعمال شغب بعد إصابة النائب سعد وبعد وفاته.
وحاولت الحكومة برئاسة رشيد الصلح معالجة ذيول هذا الحادث المؤسف وما إن أخذت اجواء الهدوء تعود إلى البلاد حتى كان يوم 13 نيسان 1975 حيث وقعت حادثة عين الرمانة المعروفة.
سارعت الحكومة يومذاك إلى العمل على تدارك الامر بعد أن تبين لها أن أجواء غير طبيعية تسود البلاد فأجرت الاتصالات بجميع الأطراف المعنية للوقوف على حقيقة هذه الحادثة المؤسفة وعلى أسبابها ودوافعها ولكن دون جدوى.
وجهت التهمة إلى حزب لبناني بأنه يعمل على تصفية المقاومة الفلسطينية وأقيمت الحواجز المسلحة وجرى خطف بعض المنتسبين للحزب المذكور أو المتعاطفين معه حيث كانوا يمرون بمناطق مختلفة من العاصمة ولم يكونوا قد علموا بعد بما حصل.
ففقد بعضهم ولا يزال مفقودًا.
وعمت الاشتباكات بمختلف الاسلحة الخفيفة منها والثقيلة وقطعت الطرقات العامة واعتدى على منازل ومكاتب ومتاجر ومصانع ووقعت ضحايا عديدة ولم تتمكن الحكومة من وقف إطلاق النار إلا بعد أربعة أيام على بدء القتال.
وما أن أخذت الأحوال تهدأ تدريجيًا حتى قامت حملات تتهم السلطة بشتى التهم.
منها التآمر على المقاومة وبأنها تنفذ مخططًا لتصفيتها من اجل فرض حل سلمي في منطقة الشرق الأوسط ومنها أن أسباب الحوادث هي محض اجتماعية.
وشعرت المقاومة الفلسطينية انها أصبحت تحت الأضواء فعمدت إلى توجيه إعلامها على انها تلتزم حيادًا مطلقًا تجاه ما يجري في لبنان ناسبة ذلك مرة إلى أنه صراع بين يمين ويسار ومرة أخرى إلى أنه صراع بين طوائف حول مطالب مختلفة إلى آخر المعزوفة.
وتحت وطأة هذه الحوادث اضطرت الحكومة برئاسة رشيد الصلح إلى الاستقالة.
وفي الوقت الذي كان رئيس الجمهورية يجري استشارات نيابية لتشكيل حكومة جديدة استؤنفت الاشتباكات في ضواحي بيروت وبالضبط في منطقة تل الزعتر الدكوانة وما لبثت أن اتسعت رقعة الاقتتال بسرعة جنونية لا عهد لنا بها في لبنان وأخذت قذائف المدافع والصواريخ تتساقط بصورة عشوائية في كل مكان على الناس والممتلكات مخلفة وراءها الضحايا والخراب.
وتجاه إعلان رئيس الوزراء المستقيل أنه لن يمارس مهمة تصريف الأعمال حتى تشكيل حكومة جديدة ولن يبذل أي جهد من أجل وقف النار كان لا بد من مواجهة هذا الأمر بتدبير سريع بوقف النزف البشري فجرى تشكيل حكومة من عسكريين وقف ضدها بصورة خاصة أقطاب الطوائف الإسلامية وتداعوا إلى عقد اجتماعات طائفية مما تقرر فيها:
طلب استقالة الحكومة وعدم قبول أية حكومة لا يكون رئيسها رشيد كرامي.
وقدمت الحكومة التي ضمت العسكريين استقالتها بعد يومين من تأليفها وجرى تكليف الرئيس كرامي تشكيل حكومة جديدة ولكن الاشتباكات لم تتوقف بل كانت رقعة الاقتتال تتسع فيزداد معها عدد الضحايا والخراب والدمارو الخسائر والتعقيدات إلى أن تم الاتفاق بعد مرور اكثر من شهر على تكليفه على تشكيل حكومة برئاسة الرئيس كرامي بتاريخ أول تموز 1975.
وكعادتهم اتخذ الفلسطينيون من قضية حكومة العسكريين حجة وشنوا حملات عنيفة ضد السلطة بعد ان اتهموها بشتى الاتهامات منها تصفية المقاومة الفلسطينية وتحجيمها.
تمرير الحلول السلمية أو الاستسلامية، تنفيذ مخططات الصهيونية والإمبريالية.
التآمر على الدول العربية المتلاحمة مع الثورة.
ولم ينسوا تبرير ما أقدموا عليه من أعمال تخريبية واعتداءات على الناس والممتلكات فقالوا إنها بسبب التواطؤ مع الغنعزاليين والتستر بهم.
استعداءا لجيش على المقاومة.
تسليح الجيش لضرب المقاومة والهيئات التي تسمي نفسها وطنية والاحزاب التي تسمي نفسها تقدمية.
المحافظة على نظام الاحتكار ومص الدماء والصفقات المشبوهة تسليح الميليشيات وتشجيعها للتصادم مع المقاومة تمهيدصا لاستدراجها إلى معارك جانبية يضطر عندها الجيش للتدخل ويضرب المقاومة.
وفي اول اجتماع عقدته مع رئيس الحكومة ثم في اول جلسة لمجلس الوزراء قلت إن الحكم شورى وانطلاقًا من هذا المبدأ فقد أعربت للحكومة عن ثقتي المطلقة بالسياسة التي تنوي انتهاجها ثم بما تضمنه البيان الوزاري التي نالت على أساسه ثقة مجلس النواب بالغجماع.
مالت الأوضاع إلى الهدوء وأخذت الحياة الطبيعية تعود إلى البلاد والاحوال تتحسن يومًا بعد يوم.
وسارت الحكومة في عملها تنفيذًا للبيان الوزاري وتوالت الاجتماعات واللقاءات من اجل تحقيق مصالحة وطنية بين جميع الأطراف تجمع الشمل وتضع مصلحة لبنان فوق كل مصلحة ورغبة من الحكومة في استعجال درس جميع المسائل والمواضيع المطروحة للبحث والتي كان البعض يرى أن معالجتها تقطع سبب الشر.
قررت عقد جلسات مفتوحة.
ديننا المسيحي يقوم على الأمل والرجاء وإننا نحيا على رجاء القيامة ولا نكون مسيحيين إلا بنسبة ما يكون الأمل زاخرًا في نفوسنا والرجاء ملء قلوبنا .
من أجل ذلك نحيا أيامنا الصعبة وكأننا في سماء.
يشهد التاريخ ان روما تحولت من الوثنية إلى المسيحية بفضل دم الشهداء وكذلك اثينا وهكذا سيتحول لبنان بفضل دم شهدائه إلى مدينة الله.
وكل جمعة عظيمة يعقبها سبت النور ويعقب سبت النور احد القيامة وسيطلع إن شاء الله على لبنان سبت النور وأحد القيامة.
وكما ان ذلك إيمان في ديننا المسيحي فهو إيمان أيضًا في ديننا الوطني.
لقد قرر لبنان أن لا يموت.
الموت يطلع عليه من جهة المؤامرة الدائرة حول لبنان وعليه.
الموت يطلع عليه من جهة الصهيونية وإسرائيل.
الموت يطلع عليه من جهة الدويلات التي تتقاسم لبنان.
ويطلع عليه من جهة الفلسطينيين ومن جهة السوريين.
ثم من جهات يحس بها فلا تظهر ولا تذكر.
رغم هذه الصراعات المميتة لم يمت لبنان، بل ظل بفضل تحركه في العالم العربي وفي اوروبا والعالم وفي الامم المتحدة، على الساحة الدولية واقفًا على رجليه حيًا يتحرك هو أيضًا إلى حد أن قال يومًا في باريس أحد كبار الصحافيين الفرنسيين إنها لمعجزة تمكّن لبنان من ان يستمر على الصعيد الدولي حيًا يتحرك بعافية.
أخطاء عدّة ارتكبت بحق لبنان.
إرتكبها المسؤولون فيه ومن تولوا إدارة أزماته.
لقد أخطأوا حين قسموا القضية اللبنانية على المنابر الدولية إلى أجزاء.
فتكلموا على الجنوب ثم على الشمال ثم على بيروت الغربية فالشرقية.
ونادرًا ما تكلموا على لبنان.
ولأنهم دخلوا في تجزئة القضية أضاعوا حق لبنان وأضاعوا الثقة به.
في حين كان من واجبهم أن يوضحوا الحقائق اللبنانية لا أن يستوضحوا المنتظر من المواقف الدولية.
وكان عليهم الجزم في الأمور الثلاثة التالية:
1 – في معالجة قضية لبنان لان في الأمم المتحدة معالجتها الحقيقية لا في خارجها.
2 – في فصل القضية اللبنانية عن قضية الشرق الأوسط لأن في ذلك معالجة كافية شافية لها.
3 – كل موقف من أي كان لا يلم بالنقطتين السابقتين ليس موقفًا أمميًا ولا هو موقف مساعدة.
إذ ليس بعد الموت موت.
لا يمكننا أن نحصر الوضع الخطر في الجنوب وأسباب نشأته فقط بعدم انسحاب إسرائيل انسحابًا كليًا وعدم تمكين قوات الأمم المتحدة من إنجاز المهمة التي اناطها بها مجلس الأمن وتمادي إسرائيل في تصرفاتها العدوانية، دون التذكير بمضار الوجود الفلسطيني المسلّح.
كتب للبنان أن يلقى الظلم من الظالم ومن المظلوم على السواء.
على المنابر الدولية، عندما يأتي وقت تحديد القضية اللبنانية تحديدًا قانونيًا واقعيًا صادقًا، تصبح اللغة لغة تلاطف واستحياء وتناعم، لكي لا أقول خوف.
لقد كانت المطالب اللبنانية تجاه الجمعية العمومية في الأمم المتحدة مطالب رصينة ثم أصبحت التماسًا عندما دار فيها الكلام على منظمة التحرير الفلسطينية.
ليس على لبنان أن يطالب للفلسطينيين بحقهم لكي يدرك هو حقه.
كان يكفي أن يطالب بإبعادهم اما كيف فهذا على الأمم ان تتدبر أمره.
كما كان يجب ان يقول :
إذا كان اليهود هضموا الشعب الفلسطيني فليس هذا مبررًا ليهضموا هم حقنا وإذا كانوا قد أضاعوا وطنهم فليس وطننا بدل ضائع عن وطن اضاعوا.
كان يجب أن يعبّر عن القضية بقوة ولا قوة بلا شجاعة وهكذا المطالب.
فلا تكون القضية قضية ولا المطالب مطالب.
إن وطنًا له ما للبنان من الإغمكانيات لتحقيق هذه القيم قادر أن يخلق في قلوب جميع ابنائه ذلك الولاء الذي يستهان معه بذل النفيس في سبيله والدفاع حتى الموت من أجله.
لبنان بين واقعه المؤلم وبين تطلعه المستقبلي الرائع يبدو دائخًا كمن ضرب على رأسه.
عشرات الآلاف من أبنائه ماتوا شهداء في معارك وتفجيرات.
عشرات الآلاف فقدوا أو جرحوا.
عشرات الآلاف هجروا من مكان إلى مكان في ربوعه.
عشرات الآلاف هاجروا إلى مختلف أنحاء الدنيا.
إنتهكت مؤسساته الدستورية والوطنية ودمر اقتصاده وقطعت مسيرته إلى الرقي وخنقت إسهاماته في المسيرة العالمية في مهدها.
في الوقت نفسه، عشرات المئات من اللبنانيين تعبوا من هذا المصير الأسود وقرفوا.
بعض اللبنانيين صار أغنياء حرب وفساد ينصرفون إلى التمتع بما غنموا.
أحزاب حادت عن خطها واختبأت وراء شعارات كاذبة وهربت من واجبها الوطني.
لا بد من أن يكون ثمن لدم الشهداء وللدمار الهائل الذي حل بلبنان.
لا بد من محاربة تسلط واستئثار وفساد وهدر واستعباد وظلم.
لا بد من إشراك الناس في هموم بعضهم البعض والقفز فوق المناطقية والحزبية والمذهبية والعنصرية.
دور الموارنة في بناء لبنان
موارنة لبنان هؤلاء، موارنة الغد، ما هي حكايتهم؟
حكاية شعب مشى على اليم، فطرد الجن من مياهه، ابتكر الأبجدية على شطآنه، كافح الجهل، وابتنى أول بيت من حجر، فمكّن للحضارة أن تكون وزرع أول حبة قمح، فأنعش الإنسان بذلك.
حكاية قلة من الشعوب احتموا في بطون الأودية ليحموا فيها معهم حريتهم وعنفوانهم واستقلالهم.
وحكاية قلة من الشعوب اجتازت بخطى العمالق المسافات الدهرية التي ما بين البهيمية والجاهلية والتمدن.
إن طريقنا اليوم معكم ليست على هذا المنعطف من التاريخ.
إن هي على منعطف آخر أكثر حداثة وأكثر التصاقًا بنا في الحاضر الذي نعيش.
ذلك ان طريقنا تبدأ اليوم بالموارنة وقد نعرج فيها على من قبلهم قليلاً.
الراهب مارون، حوالي السنة 400، أنشأ رهبانية انتشرت في سوريا ولبنان واعتنقت ضمن المسيحية مذهبًا سمي باسمه.
المبشرون بالمارونية وحدهم أول الامر قدموا من سوريا إلى لبنان.
أما الموارنة الذين انقادوا إلى أولئك المبشرين فجلّهم إن لم يكن كلهم، جاؤوا من الشعب الذي عاش على الأرض اللبنانية آلاف السنين قبل مولد مارون.
وفي القرون 4 و5 و6 بعد المسيح تحول الشعب اللبناني هذا من الوثنية إلى المسيحية على يد رهبان مار مارون فدعي الشعب الماروني.
فالمارونية والحالة هذه تسمية دينية مذهبية لا تسمية إثنية.
ولقد كان رأي التاريخ في ذلك.
والناسك ابراهيم القورشي الذي قدم من شمال سوريا إلى شمال لبنان فعمد إلى تبشير منطقة أفقا والعاقورة وجبة المنيطرة التي كانت تشمل الجرود اللبنانية من بسكنتا جنوبًا حتى تنورين شمالاً ومن مرمى الثلج إلى فقش الموج باستثناء المدن الساحلية الكبرى وبخاصة جبيل والبترون التي كانت قد تلقت المسيحية من عهد الرسل.
أما جبة بشري ووادي قاديشا من تنورين إلى إهدن فقد قام بتبشيرها في النصف الأول من القرن الخامس تلامذة مار سمعان العمودي وهو من مدرسة مار مارون على ما في سيرة هذا القديس التي وضعها معاصره وتلميذه الكاهن كوزما.
وهكذا في ظروف ولأسباب مماثلة تابعت المارونية انتشارها في القرنين الخامس والسادس في المناطق الواقعة جنوبي المتنين حتى دير القمر وجزين.
هذا الشعب الذي تقبل المارونية بين القرنين الرابع والسادس فصار مارونيًا، من هو؟
إنه مؤلف من الأموريين والآراميين.
فالأموريون ومنهم الجراجمة في شمالي سوريا وهم كنعانيون دعوا المردة.
فهؤلاء المردة الكنعانيون والأراميون الساميون، اطلق عليهم اليونان اسم الفينيقيين في عصر متأخر قد لا يسبق القرن الرابع قبل المسيح.
هذه الشعوب، الأموريون والآراميون والجراجمة، صهرها في بوتقة واحدة وأمة واحدة وحضارة واحدة وجودها معًا فوق تربة لبنان أجيالاً طويلة مع ما رافق هذا الوجود من تفاعل ومشاركة وتزاوج ووقوعات أخر.
فإذا الموارنة دينيًا أبناء مار مارون وأبناء الفينيقيين إثنيًا.
وإذا تاريخهم طبيعيًا امتداد لتاريخ الفينيقيين.
اما في وصف هذه الأرومة المارونية فهاكم ما يقول الكتاب المقدس عن الأموريين:
"كالارز قاماتهم وكالسنديان صلابتهم".
وقد شبههم اتية بن أبي الصلد بالجبال شموخًا إذ قال على ما روى صاحب الأغاني:
"وحتى أتى ببني الأحرار يقدمهم تخالهم، فوق متن الأرض، أجبالا" ودعاهم العرب الأحرار لتعشقهم الحرية والاستقلال، والاحامرة لشقرة بشرتهم، والاساورة لمهارتهم في الحرب ورمي السهام، والخضارمة لشدة بأسهم وشجاعتهم ومضاء عزيمتهم والجراجمة أي الابطال الجسورين.
تلك هذه ميزاتهم.
اما صفاتهم الخلقية فكان أبرزها:
الجرأة والإقدام والطموح.
من هؤلاء تحدر اللبنانيون الموارنة وظلّت اجيالهم ترقى في طريق التقدم إلى أن كان من أمرهم ما كان مما سيمر به الكلام في حينه.
ولقد ظل تقدمهم ورقيهم وازدهارهم في جبالهم وفي واديهم المقدس قنوبين، آخذة بالتزايد والتآلف حتى راح الفتح العربي يمشي فراح يجر وراءه الصحراء على أن خط ارتقائهم ظل سويًا من حد ابتداع الأبجدية والملاحة والبناء المن حجر، ومرورًا بملاحم رأس شمرا التي قال فيها العلماء إنها كانت من مصادر هوميروس ومزامير داود.
ومرورًا بمدرسة الحقوق في بيروت التي لا تزال مؤلفات أساتذتها اللبنانيين الذين لقبوا بالمسكونيين من المصادر الأساسية في علم الشرع في العالم كله.
ومرورًا بمن نبغ من أجدادنا في القرون الوسطى:
كألينيكوس الذي اخترع النار الإغريقية، وتيوفيلوس الماروني مترجم إليازة هوميروس إلى السريانية، ومار يوحنا مارون، وابن القلاعي، وجبرائيل الصهيوني، وابراهيم الحاقلي، وجريس عميرة، وسركيس الرزي، ويوحنا الحصروني، وبطرس التولاوي، ويوسف العينطوري، والسماعنة وعيسى الشاماتي، وسمعان عواد وعشرات غيرهم.
هؤلاء الأعلام لقد لمعت عبقريتهم في الشرق والغرب وضرب المثل في أوروبا بنبوغهم وسعة علمهم حتى قيل من أجلهم عالم كماروني، وحتى أن بعضهم يجعل من يوسف سمعان السمعاني ذروة في العلم بتاريخ البشرية وعملاقًا في الفكر ليس فقط في المسيحية بل في الإنسانية جمعاء.
إلى حد البستاني واليازجي وزيدان وصروف وتقلا وبركات وجبران وعقل ومعلوف والجر والصبّاح والدبغي ومدوّر وطربيه ونادر وأبو زيد ومالك وشحادة ونعيمة وبولس ولبكي.
وذاك اللبناني المجهول الذي يصنع كل شيء وهو على وفرة ادعائه قابع في زاويته ينظر ويبدع وكأن الشعب كله معه في عملية الإبداع.
وهذا ما حمل لامرتين أن يقول بعد جولة طويلة في المشرق:
"رأيت في لبنان شعبًا، ورجلاً واحدًا في مصر".
وظل تقدمهم في اضطراد إلى أن ولدت مشكلتهم الكبرى التي لا تزال هي مشكلتهم القائمة وقد كانت ولادتها على يد عمر بن العاص في السنة 636 الذي عندما وصل إلى القدس أرسل ليقول لحاكمها المسيحي:
"خليفتنا أمرنا أن نقاتلكم إلى أن تصيروا من ديننا فنتساوى وتصبحوا إخوانًا" ثم عبّر عن هذا عبد الملك بن مروان في السنة 692 بتشريع يلقي فيه على عاتق المسيحيين باسم الجزية ضرائب مرهقة فكان هذا التشريع، بحسب المؤرخ السرياني ديوفيس التلمحري، سبب النكبات التي أخذت تتوالى على المسيحيين في الشرق منذ ذلك الحين.
ووضعت في التنفيذ شرعة الذمية التي هي السد الفولاذي بين الإسلام وكل من هو غير الإسلام في التعامل والتعايش.
والذمّية، باختصار، هي أن يعيش غير المسلم، في ديار الإسلام، على ذمّة المسلم لا على ذمّة القانون بحيث يحيا الذمّي إن أراد المسلم له الحياة ويموت إن أراد له الموت!! وكانت البداية، إذ حيال هذا الوضع وقف الموارنة، بقوة في الدفاع عن حقوقهم وحريتهم، فتحصّنوا وأنشأوا لأنفسهم في هذا السبيل، وطنًا حرًا سيدًا مستقلاً هو لبنان الذي في هاليوم، نعيش.
فكيف كان ذلك؟
لقد كانت الأرض هي أول ما يعوز أجدادنا الأقدمين فاقتطعوها لأنفسهم.
هذه الأرض المقتطعة كان لا بد من أن يداقع عنها، وتزرع ، وتعمّر، وتحمى لتسلّم لأبنائها، لتؤمن لهم الطمأنينة والسلام، فانكبّوا على ذلك، ومشوا طريقهم الطويل الشاق في مراحل خمس:
المرحلة الأولى:
تأمين الانسجام بين الوافدين والمقيمين فكان لهم ذلك.
المرحلة الثانية:
إقامة وطن قومي مستقل، من المقيمين والوافدين منذ الفتح العربي حتى أواسط القرن الرابع عشر (636 – 1367 م) فأخذوا طريقهم إلى ذلك ببطولة وشجاعة.
وفي السنة 677 انضمت إلى المقاومة اللبنانية الممتدة من عكار حتى الشوف جحافل عسكرية وشعبية من الجراجمة (أي موارنة جبل اللكام الواقع بين أنطاكيا وجبال طوروس)، وانصهرت معها في جيش واحد دُعي جيش المردة الذي احتل الرقعة الجبلية الممتدة من جبال اللكام شمالاً حتى جبال اليهودية والقدس جنوبًا، واتخذت قيادة المردة من بسكتنا، في سفح صنين، مقرًا لها.
ثم أخذ المردة يشنون على الدولة الأموية الحملة تلو الحملة، وكان النصر حليفهم، فاضطر الخلفاء من معاوية حتى عبد الملك بن مروان، إلى عقد معاهدات مع المردة يترتب بموجبها على الأمويين أن يدفعوا لهم ضريبة.
وقيل في تاريخ العرب إن هذه الجماعات من المردة كانت تنادي عبد الملك بن مروان من أعالي دير مران (تقرأ مارون) المشرف على دمشق مطالبة بدفع الضريبة إذا تأخر تأديتها.
وقد رافقت تكتل الموارنة في تجمع عسكري صيغة جمعتهم في لبنان وسوريا وسائر بلدان المشرق، ضمن إطار كنسي واحد على رأسه بطريرك يعاونه أساقفة، فكان أول بطاركتهم مار يوحنا مارون.
وهكذا أنشأ الموارنة، منذ الربع الأخير من القرن السابع، كيانًا دينيًا كنسيًا، وسياسيًا عسكريًا بقيادة موحدة في يد بطريركهم.
ودام هذا الوطن المستقل عن الدولة الإسلامية من الربع الأخير من القرن السابع حتى النصف الثاني من القرن الرابع عشر، أي نحوًا من سبعماية سنة.
وفي هذه الحقبة من التاريخ، على الأخص، قامت بين الخلفاء العرب وبين الموارنة اللبنانيين علاقة ود وتواصل توقفت عندها التواريخ، ومما قاله، بصدد ذلك وعمّا يعني موارنة سوريا، ابن عساكر في كتابه "تاريخ دمشق" قوله:
"إن خلفاء عدّة أمضوا قسمًا من حياتهم وتوفوا في أديرة مارونية.
فالخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز (717 – 720) كان ينزل خلال سنوات خلافته في دير مار سمعان الماروني، قرب معرّة النعمان (جنوبي حلب)، حيث لا يزال هناك قبره.
كما أن الخليفة عبد الملك بن مروان (685 – 705) كان يمضي فصل الربيع في دير المران الواقع في جوار دمشق.
والخليفة الوليد بن عبد الملك (705 – 715) توفي في دير مارون هذا، ودُفن فيه.
وفي هذا الدير نفسه أقيمت احتفالات أعراس بعض (أمراء) بني مروان.
الخليفة يزيد بن معاوية (680 – 683) و(الخلفاء العباسيون) هارون الرشيد (786 – 809) والمأمون (813 – 833) كانوا كذلك يقيمون للاستحمام في دير مارون.
وقد بنى المأمون القبة التي تقوم فوق جبل دير المران الباقية إلى اليوم.
المرحلة الثالثة:
لبنان وطن مشترك بين الموارنة والدروز في إطار الدولة الإسلامية.
في هذه المرحلة اتحد الدروز والموارنة في الدفاع عن جرود الشوف، وعاليه، وكسروان، ضد المماليك (كما اتحد الموارنة والشيعة في الدفاع عن كسروان ضد الغزاة أنفسهم)، في اوائل القرن الرابع عشر.
ولكن المماليك تغلبوا واجتاحوا الشوف والمتن وكسروان في السنة 1305، وأحرقوه، وقتئذ ولعوامل شتى أخذ استقلال الوطن الماروني يتصدّع حتى سقط في أواسط القرن الرابع عشر ودخل ضمن إطار سلططة المماليك، فالسلطة العثمانية (1516 – 1918).
وظل هذا التعاون، واشتد، وبخاصة في عهد الإمارة المعنية فالشهابية حتى تلاحمت الطائفتان الدرزية والمارونية، جغرافيًا، إذ تغلغل الموارنة في المناطق الدرزية في الشوف وما يليه جنوبًا، وتغلغل الدروز في المناطق المارونية في المتنين، حتى باتت قرى كثيرة مشتركة بينهما مشاركة مزجية كما الماء والراح.
في ذلك الحين كانت اللحمة على أشدها بين الدروز والموارنة، وفي ذلك الحين أرسلت الست نسب، أم فخر الدين الثاني، ولديها الصغيرين إلى آل الخازن في كسروان لإنقاذهما من السيف التركي الذي ذبح آنذاك ستين ألفًا من الدروز، وكان يبحث عن ذرية آل معن للقضاء عليها.
وفي ذلك الحين أيضًا، قام النسب التجاملي بين عائلات كثيرة درزية وعائلات كثيرة مارونية فكان الخوازنة، مثلاً يرثون، في بعض الحالات، بيت جنبلاط، كما كان بيت حماده أبناء عم بيت البستاني ومثل هذا النسب التجاملي كان كثيرًا بين عائلات مارونية كبيرة وعائلات درزية كبيرة أخرى.
المرحلة الرابعة:
لبنان وطن مشترك بين الموارنة والدروز وسائر الطوائف المسيحية والإسلامية تحت مظلة دولية (1860 – 1943).
في الربع الأول من القرن التاسع عشر، حوالي السنة 1820، في عهد الأمير بشير الكبير تفسخ التحالف الماروني – الدرزي لأسباب عديدة أهمها:
ما كان من تنافر بين الأمير بشير والشيخ بشير جنبلاط (وكان الجنبلاطيون حديثي العهد في لبنان) أدى إلى معارك بينهما انتصر فيها الأمير بشير على الشيخ بشير جنبلاط، وانتهت الأزمة بمقتل الشيخ بشير مما زعزع الإلفة، بنت الخمسة قرون، بين الموارنة والدروز.
وزاد في الطين بلّة احتلال ابراهيم باشا لبنان، فطاوعه الامير بشير، في ذلك، بقصد خلع النير العثماني، فنكل ابراهيم باشا بالدروز في حوران بمساعدة الأمير بشير وعسكره الذي كان بمعظمه مارونيًا.
كل هذا زعزع التماسك الماروني وأدى إلى فتن ومذابح بين السنوات 1840 و1860.
وإن تتابع هذه الفتن والمذابح أوصل إلى إنشاء نظام المتصرفية في لبنان وهو يعني على الأخص، وضع لبنان، بناء على إلحاح من الموارنة، في حماية الدول السبع:
فرنسا، بريطانيا، بروسيا، روسيا، النمسا، إيطاليا، الباب العالي.
ثم عندما تراخت حماية الدول السبع – وكان قد دخل بعضها ضد بعضها الآخر في حرب الـ 14/18 – عادت الفتن والمذابح بثوب المجاعة التي أتت على ثلث الشعب اللبناني.
الأمر الذي جرّ، وأيضًا بناء على إلحاح من الموارنة، إلى إنشاء نظام الانتداب في ظل فرنسا التي كانت معروفة آنذاك بعطفها الحميم على لبنان.
ومن البداهة أن نذكّر هنا – سقى الله أيامنا السعيدة ظلاً وريًا – بوثيقتين تاريخيتين.
الأولى:
رسالة ملك فرنسا القديس لويس التاسع (1270 م) إلى بطريرك الموارنة الذي يعلن فيها أن الموارنة مواطنون فرنسيون لهم ما للفرنسيين من حقوق، وليس عليهم ما على الفرنسيين من واجبات.
والثانية:
الرسالة الموجهة من الملك الشمس، لويس الرابع عشر، بواسطة وزيره بونشارترن، إلى الشيخ حصن الخازن، وبالعربية التي جاء فيها:
".
فإنه (أي لويس الرابع عشر) نصره الله، قد كتب أمرًا مؤكدًا مكررًا إلى رسوله الساكن بمدينة قسطنطين المسمى موسيو فريول، رعاه الله، بأن يمدكم ويمد جميع الطائفة المارونية، من طاعتك، بكل ما يمكنه من الإمداد".
باريس 29 كانون الأول 1700
المتصرفية والانتداب أفضيا:
أولاً:
إلى إنشاء حماية دولية تقي لبنان شر الفتن والمذابح.
ثانيًا:
إلى إزالة الحكم الإقطاعي المبني على نظام الإمارة الذي خلّفه حكم دستوري تجلّى في بروتوكول السنة 1864 (المتصرفية) ثم في دستور السنة 1926 (الانتداب).
ثالثًا:
إلى الانفتاح التقليدي المتمادي:
انفتاح دروب العالم الثقافية، والاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والتقليدية في وجه لبنان واللبنانيين، ثم انفتاح لبنان على التيارات الحضارية التي أخذت تنصب عليه من كل صوب وناح، حتى أصبح هذا الصغير الكبير، لبنان، ساحة دولية، وجسرًا عالميًا للمرور من قارة إلى قارة، ومن عالم إلى عالم.
وكل ذلك بنتيجة قرار مجلس إدارة المتصرفية (20 أيار 1919) المظنون أن واضعه داود عمّون، ومذكرة البطريرك الماروني التي جاء فيها "نطلب أن يعهد الانتداب إلى الجمهورية الفرنسية" (15 تشرين الاول 1919).
المرحلة الخامسة:
الاستقلال:
لبنان دستوريًا بين الموارنة وسائر الطوائف اللبنانية، ومستقل تمامًا عن مظلة الحماية الدولية وعن الحكم العربي الإسلامي (1943 - ؟
) وهو هذا الاستقلال بالذات الذي نعيش، نحن وأنتم مقيمين ومغتربين، أحد فصوله في اليوم الحاضر.
سيداتي سادتي،
تلك هي ملامح عن مسيرة التاريخ التي في أثنائها انوجد الكيان اللبناني ولبنان الحضاري.
لقد أقدمنا على ذكر مراحل هذه المسيرة، البعيدة منها والقريبة، لنضع الإطار لما حقق اللبنانيون للبنانهم في أثنائها، من مكاسب.
أما الآن، فالمسألة التي تفرض ذاتها في القول، وهي:
ماذا أنجز اللبنانيون، وبخاصة الموارنة منهم، على الصعيد الحضاري؟
لولا الموارنة – المارونية هي أول وأكبر إنجازاتهم – لما كان لبنان كما كان، مثلما هو الآن.
فانوجاد الموارنة – وقد كان انوجادهم (بفعلهم، هم، لا بفعل غيرهم) كان أول مآتي الموارنة أنفسهم.
فإن الموارنة في تكوين لبنان ضرورة حتمية، كما هو البحر والجبال ضرورة حتمية في تكوينه.
دور الموارنة في بناء لبنان
الاتحاد الماروني المكسيكي دعا إلى مؤتمر سمي المؤتمر الماروني العالمي الأول عقد في مكسيكو عاصمة المكسيك من 23 إلى 28 شباط سنة 1979 يهدف إلى درس أوضاع العائلة المارونية في لبنان المقيم وفي لبنان المنتشر توصلاً إلى إحياء التراث الديني والوطني بحيث يبرز المارونية كقيمة روحية وفكرية وكحقيقة تاريخية وشخصية وهوية متفردتين للبلوغ إلى مجابهة العوامل الظرفية الداخلية التي تتهددها.
وكان في المحاضرين المطران رولان أبو جودة والمطران عبدو خليفة والاب يوسف محفوظ والخوري انطوان حميد موراني والسفير إدوار غرة والمحامي شاكر أبو سليمان والمحامي موسى برنس والدكتور إميل جعجع والدكتور ألفريدو خليفة رحمة والنائب إدوار حنين.
وفيما يلي المحاضرة التي ألقاهاه الأستاذ حنين بعنوان دور الموارنة في بناء لبنان" نأخذها من منشورات اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام.
"سيداتي سادتي،
من البعيد البعيد،
من الجبل العنيد الشهيد لبنان،
قدمت في هذا المؤتمر الماروني العالمي الاول لأتحدث إليكم بموضوع الموارنة الذي طرحتموه علي.
إثنتان لا ثالثة لهما في البداية.
أولهما تحية من هناك، أبناء لبنان، إلى هنا أبناء المكسيك.
هذا البلد النبيل العصي، الطيب، الذي كان أول من طنّت له كف على أذن العالم ليسمع، فانبرى رئيسه بأبهة الحق يطالب للبنان بحقه، وانتفض الشعب المكسيكي يجاري في المطالبة رئيسه وهذا البلد المضياف الذي أفسح للبنانيين الموارنة المنتشرين في كافة أنحاء العالم، أن يعقدوا مؤتمرهم العالمي الأول.
أما ثانية الكلمتين، فهي التي تفرض ذاتها في مستهل هذا الكلام وفاء وإخلاصًا للحقيقة وللحق، وهي أني قد حرصت تهيبًا أمام المسؤولية الأدبية الكبرى أن أشرك معي في وضع هذه الرسالة إليكم ثلّة من أساطين كتابة التاريخ:
جواد بولس، فؤاد افرام البستاني، يوسف ابراهيم يزبك، الأب بطرس ضو، الأب بولس نعمان،
من أجل أن أقدم لكم قولاً صادرًا عن فكر لبنان مجتمعًا، عن قلبه، ويحمل كيانه.
كما قد حرصت على أن اوازن وأمازج بين قول وقول بحيث بات من الصعب ان يعرف قائله أو نفس القائل حتى لكأن المارونية نفسها تتكلم ولبنان بالذات يردد ويعيد.
سيداتي سادتي،
لبنان قام على حلفين:
حلف بين الجبل والبحر نتجت عنه فينيقيا.
وثان بين قبائله والجراجمة فنتج عنه المردة.
في البدء كان لبنان صخرة كأداء، جبل اللبان الأبيض، كان، ملعب النمور والنسائم.
وكان أهله من بني أمور وكنعان يسكنون الشواهق ويتطلعون فوق وادي قنوبين، من فم الميزاب والقرنة السوداء حيث متكأ الغيوم نحو الافق البعيد.
الذي لم يلبثوا أن فتقوا جدرانه وخرقوا سره على زوارق من جذوع الأرز.
موارنة لبنان هؤلاء، موارنة الغد، ما هي حكايتهم؟
حكاية شعب مشى على اليم، فطرد الجن من مياهه، ابتكر الأبجدية على شطآنه، كافح الجهل، وابتنى أول بيت من حجر، فمكّن للحضارة أن تكون وزرع أول حبة قمح، فأنعش الإنسان بذلك.
حكاية قلة من الشعوب احتموا في بطون الأودية ليحموا فيها معهم حريتهم وعنفوانهم واستقلالهم.
وحكاية قلة من الشعوب اجتازت بخطى العمالق المسافات الدهرية التي ما بين البهيمية والجاهلية والتمدن.
إن طريقنا اليوم معكم ليست على هذا المنعطف من التاريخ.
إن هي على منعطف آخر أكثر حداثة وأكثر التصاقًا بنا في الحاضر الذي نعيش.
ذلك ان طريقنا تبدأ اليوم بالموارنة وقد نعرج فيها على من قبلهم قليلاً.
الراهب مارون، حوالي السنة 400، أنشأ رهبانية انتشرت في سوريا ولبنان واعتنقت ضمن المسيحية مذهبًا سمي باسمه.
المبشرون بالمارونية وحدهم أول الامر قدموا من سوريا إلى لبنان.
أما الموارنة الذين انقادوا إلى أولئك المبشرين فجلّهم إن لم يكن كلهم، جاؤوا من الشعب الذي عاش على الأرض اللبنانية آلاف السنين قبل مولد مارون.
وفي القرون 4 و5 و6 بعد المسيح تحول الشعب اللبناني هذا من الوثنية إلى المسيحية على يد رهبان مار مارون فدعي الشعب الماروني.
فالمارونية والحالة هذه تسمية دينية مذهبية لا تسمية إثنية.
ولقد كان رأي التاريخ في ذلك.
والناسك ابراهيم القورشي الذي قدم من شمال سوريا إلى شمال لبنان فعمد إلى تبشير منطقة أفقا والعاقورة وجبة المنيطرة التي كانت تشمل الجرود اللبنانية من بسكنتا جنوبًا حتى تنورين شمالاً ومن مرمى الثلج إلى فقش الموج باستثناء المدن الساحلية الكبرى وبخاصة جبيل والبترون التي كانت قد تلقت المسيحية من عهد الرسل.
أما جبة بشري ووادي قاديشا من تنورين إلى إهدن فقد قام بتبشيرها في النصف الأول من القرن الخامس تلامذة مار سمعان العمودي وهو من مدرسة مار مارون على ما في سيرة هذا القديس التي وضعها معاصره وتلميذه الكاهن كوزما.
وهكذا في ظروف ولأسباب مماثلة تابعت المارونية انتشارها في القرنين الخامس والسادس في المناطق الواقعة جنوبي المتنين حتى دير القمر وجزين.
هذا الشعب الذي تقبل المارونية بين القرنين الرابع والسادس فصار مارونيًا، من هو؟
إنه مؤلف من الأموريين والآراميين.
فالأموريون ومنهم الجراجمة في شمالي سوريا وهم كنعانيون دعوا المردة.
فهؤلاء المردة الكنعانيون والأراميون الساميون، اطلق عليهم اليونان اسم الفينيقيين في عصر متأخر قد لا يسبق القرن الرابع قبل المسيح.
هذه الشعوب، الأموريون والآراميون والجراجمة، صهرها في بوتقة واحدة وأمة واحدة وحضارة واحدة وجودها معًا فوق تربة لبنان أجيالاً طويلة مع ما رافق هذا الوجود من تفاعل ومشاركة وتزاوج ووقوعات أخر.
فإذا الموارنة دينيًا أبناء مار مارون وأبناء الفينيقيين إثنيًا.
وإذا تاريخهم طبيعيًا امتداد لتاريخ الفينيقيين.
اما في وصف هذه الأرومة المارونية فهاكم ما يقول الكتاب المقدس عن الأموريين:
"كالارز قاماتهم وكالسنديان صلابتهم".
وقد شبههم اتية بن أبي الصلد بالجبال شموخًا إذ قال على ما روى صاحب الأغاني:
"وحتى أتى ببني الأحرار يقدمهم
تخالهم، فوق متن الأرض، أجبالا"
ودعاهم العرب الأحرار لتعشقهم الحرية والاستقلال، والاحامرة لشقرة بشرتهم، والاساورة لمهارتهم في الحرب ورمي السهام، والخضارمة لشدة بأسهم وشجاعتهم ومضاء عزيمتهم والجراجمة أي الابطال الجسورين.
تلك هذه ميزاتهم.
اما صفاتهم الخلقية فكان أبرزها:
الجرأة والإقدام والطموح.
من هؤلاء تحدر اللبنانيون الموارنة وظلّت اجيالهم ترقى في طريق التقدم إلى أن كان من أمرهم ما كان مما سيمر به الكلام في حينه.
ولقد ظل تقدمهم ورقيهم وازدهارهم في جبالهم وفي واديهم المقدس قنوبين، آخذة بالتزايد والتآلف حتى راح الفتح العربي يمشي فراح يجر وراءه الصحراء على أن خط ارتقائهم ظل سويًا من حد ابتداع الأبجدية والملاحة والبناء المن حجر، ومرورًا بملاحم رأس شمرا التي قال فيها العلماء إنها كانت من مصادر هوميروس ومزامير داود.
ومرورًا بمدرسة الحقوق في بيروت التي لا تزال مؤلفات أساتذتها اللبنانيين الذين لقبوا بالمسكونيين من المصادر الأساسية في علم الشرع في العالم كله.
ومرورًا بمن نبغ من أجدادنا في القرون الوسطى:
كألينيكوس الذي اخترع النار الإغريقية، وتيوفيلوس الماروني مترجم إليازة هوميروس إلى السريانية، ومار يوحنا مارون، وابن القلاعي، وجبرائيل الصهيوني، وابراهيم الحاقلي، وجريس عميرة، وسركيس الرزي، ويوحنا الحصروني، وبطرس التولاوي، ويوسف العينطوري، والسماعنة وعيسى الشاماتي، وسمعان عواد وعشرات غيرهم.
هؤلاء الأعلام لقد لمعت عبقريتهم في الشرق والغرب وضرب المثل في أوروبا بنبوغهم وسعة علمهم حتى قيل من أجلهم عالم كماروني، وحتى أن بعضهم يجعل من يوسف سمعان السمعاني ذروة في العلم بتاريخ البشرية وعملاقًا في الفكر ليس فقط في المسيحية بل في الإنسانية جمعاء.
إلى حد البستاني واليازجي وزيدان وصروف وتقلا وبركات وجبران وعقل ومعلوف والجر والصبّاح والدبغي ومدوّر وطربيه ونادر وأبو زيد ومالك وشحادة ونعيمة وبولس ولبكي.
وذاك اللبناني المجهول الذي يصنع كل شيء وهو على وفرة ادعائه قابع في زاويته ينظر ويبدع وكأن الشعب كله معه في عملية الإبداع.
وهذا ما حمل لامرتين أن يقول بعد جولة طويلة في المشرق:
"رأيت في لبنان شعبًا، ورجلاً واحدًا في مصر".
وظل تقدمهم في اضطراد إلى أن ولدت مشكلتهم الكبرى التي لا تزال هي مشكلتهم القائمة وقد كانت ولادتها على يد عمر بن العاص في السنة 636 الذي عندما وصل إلى القدس أرسل ليقول لحاكمها المسيحي:
"خليفتنا أمرنا أن نقاتلكم إلى أن تصيروا من ديننا فنتساوى وتصبحوا إخوانًا" ثم عبّر عن هذا عبد الملك بن مروان في السنة 692 بتشريع يلقي فيه على عاتق المسيحيين باسم الجزية ضرائب مرهقة فكان هذا التشريع، بحسب المؤرخ السرياني ديوفيس التلمحري، سبب النكبات التي أخذت تتوالى على المسيحيين في الشرق منذ ذلك الحين.
ووضعت في التنفيذ شرعة الذمية التي هي السد الفولاذي بين الإسلام وكل من هو غير الإسلام في التعامل والتعايش.
والذمّية، باختصار، هي أن يعيش غير المسلم، في ديار الإسلام، على ذمّة المسلم لا على ذمّة القانون بحيث يحيا الذمّي إن أراد المسلم له الحياة ويموت إن أراد له الموت!!
وكانت البداية،
إذ حيال هذا الوضع وقف الموارنة، بقوة في الدفاع عن حقوقهم وحريتهم،
فتحصّنوا وأنشأوا لأنفسهم في هذا السبيل، وطنًا حرًا سيدًا مستقلاً هو لبنان الذي في هاليوم، نعيش.
فكيف كان ذلك؟
لقد كانت الأرض هي أول ما يعوز أجدادنا الأقدمين فاقتطعوها لأنفسهم.
هذه الأرض المقتطعة كان لا بد من أن يداقع عنها، وتزرع ، وتعمّر، وتحمى لتسلّم لأبنائها، لتؤمن لهم الطمأنينة والسلام، فانكبّوا على ذلك، ومشوا طريقهم الطويل الشاق في مراحل خمس:
المرحلة الأولى:
تأمين الانسجام بين الوافدين والمقيمين فكان لهم ذلك.
المرحلة الثانية:
إقامة وطن قومي مستقل، من المقيمين والوافدين منذ الفتح العربي حتى أواسط القرن الرابع عشر (636 – 1367 م) فأخذوا طريقهم إلى ذلك ببطولة وشجاعة.
وفي السنة 677 انضمت إلى المقاومة اللبنانية الممتدة من عكار حتى الشوف جحافل عسكرية وشعبية من الجراجمة (أي موارنة جبل اللكام الواقع بين أنطاكيا وجبال طوروس)، وانصهرت معها في جيش واحد دُعي جيش المردة الذي احتل الرقعة الجبلية الممتدة من جبال اللكام شمالاً حتى جبال اليهودية والقدس جنوبًا، واتخذت قيادة المردة من بسكتنا، في سفح صنين، مقرًا لها.
ثم أخذ المردة يشنون على الدولة الأموية الحملة تلو الحملة، وكان النصر حليفهم، فاضطر الخلفاء من معاوية حتى عبد الملك بن مروان، إلى عقد معاهدات مع المردة يترتب بموجبها على الأمويين أن يدفعوا لهم ضريبة.
وقيل في تاريخ العرب إن هذه الجماعات من المردة كانت تنادي عبد الملك بن مروان من أعالي دير مران (تقرأ مارون) المشرف على دمشق مطالبة بدفع الضريبة إذا تأخر تأديتها.
وقد رافقت تكتل الموارنة في تجمع عسكري صيغة جمعتهم في لبنان وسوريا وسائر بلدان المشرق، ضمن إطار كنسي واحد على رأسه بطريرك يعاونه أساقفة، فكان أول بطاركتهم مار يوحنا مارون.
وهكذا أنشأ الموارنة، منذ الربع الأخير من القرن السابع، كيانًا دينيًا كنسيًا، وسياسيًا عسكريًا بقيادة موحدة في يد بطريركهم.
ودام هذا الوطن المستقل عن الدولة الإسلامية من الربع الأخير من القرن السابع حتى النصف الثاني من القرن الرابع عشر، أي نحوًا من سبعماية سنة.
وفي هذه الحقبة من التاريخ، على الأخص، قامت بين الخلفاء العرب وبين الموارنة اللبنانيين علاقة ود وتواصل توقفت عندها التواريخ، ومما قاله، بصدد ذلك وعمّا يعني موارنة سوريا، ابن عساكر في كتابه "تاريخ دمشق" قوله:
"إن خلفاء عدّة أمضوا قسمًا من حياتهم وتوفوا في أديرة مارونية.
فالخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز (717 – 720) كان ينزل خلال سنوات خلافته في دير مار سمعان الماروني، قرب معرّة النعمان (جنوبي حلب)، حيث لا يزال هناك قبره.
كما أن الخليفة عبد الملك بن مروان (685 – 705) كان يمضي فصل الربيع في دير المران الواقع في جوار دمشق.
والخليفة الوليد بن عبد الملك (705 – 715) توفي في دير مارون هذا، ودُفن فيه.
وفي هذا الدير نفسه أقيمت احتفالات أعراس بعض (أمراء) بني مروان.
الخليفة يزيد بن معاوية (680 – 683) و(الخلفاء العباسيون) هارون الرشيد (786 – 809) والمأمون (813 – 833) كانوا كذلك يقيمون للاستحمام في دير مارون.
وقد بنى المأمون القبة التي تقوم فوق جبل دير المران الباقية إلى اليوم.
المرحلة الثالثة:
لبنان وطن مشترك بين الموارنة والدروز في إطار الدولة الإسلامية.
في هذه المرحلة اتحد الدروز والموارنة في الدفاع عن جرود الشوف، وعاليه، وكسروان، ضد المماليك (كما اتحد الموارنة والشيعة في الدفاع عن كسروان ضد الغزاة أنفسهم)، في اوائل القرن الرابع عشر.
ولكن المماليك تغلبوا واجتاحوا الشوف والمتن وكسروان في السنة 1305، وأحرقوه، وقتئذ ولعوامل شتى أخذ استقلال الوطن الماروني يتصدّع حتى سقط في أواسط القرن الرابع عشر ودخل ضمن إطار سلططة المماليك، فالسلطة العثمانية (1516 – 1918).
وظل هذا التعاون، واشتد، وبخاصة في عهد الإمارة المعنية فالشهابية حتى تلاحمت الطائفتان الدرزية والمارونية، جغرافيًا، إذ تغلغل الموارنة في المناطق الدرزية في الشوف وما يليه جنوبًا، وتغلغل الدروز في المناطق المارونية في المتنين، حتى باتت قرى كثيرة مشتركة بينهما مشاركة مزجية كما الماء والراح.
في ذلك الحين كانت اللحمة على أشدها بين الدروز والموارنة، وفي ذلك الحين أرسلت الست نسب، أم فخر الدين الثاني، ولديها الصغيرين إلى آل الخازن في كسروان لإنقاذهما من السيف التركي الذي ذبح آنذاك ستين ألفًا من الدروز، وكان يبحث عن ذرية آل معن للقضاء عليها.
وفي ذلك الحين أيضًا، قام النسب التجاملي بين عائلات كثيرة درزية وعائلات كثيرة مارونية فكان الخوازنة، مثلاً يرثون، في بعض الحالات، بيت جنبلاط، كما كان بيت حماده أبناء عم بيت البستاني ومثل هذا النسب التجاملي كان كثيرًا بين عائلات مارونية كبيرة وعائلات درزية كبيرة أخرى.
المرحلة الرابعة:
لبنان وطن مشترك بين الموارنة والدروز وسائر الطوائف المسيحية والإسلامية تحت مظلة دولية (1860 – 1943).
في الربع الأول من القرن التاسع عشر، حوالي السنة 1820، في عهد الأمير بشير الكبير تفسخ التحالف الماروني – الدرزي لأسباب عديدة أهمها:
ما كان من تنافر بين الأمير بشير والشيخ بشير جنبلاط (وكان الجنبلاطيون حديثي العهد في لبنان) أدى إلى معارك بينهما انتصر فيها الأمير بشير على الشيخ بشير جنبلاط، وانتهت الأزمة بمقتل الشيخ بشير مما زعزع الإلفة، بنت الخمسة قرون، بين الموارنة والدروز.
وزاد في الطين بلّة احتلال ابراهيم باشا لبنان، فطاوعه الامير بشير، في ذلك، بقصد خلع النير العثماني، فنكل ابراهيم باشا بالدروز في حوران بمساعدة الأمير بشير وعسكره الذي كان بمعظمه مارونيًا.
كل هذا زعزع التماسك الماروني وأدى إلى فتن ومذابح بين السنوات 1840 و1860.
وإن تتابع هذه الفتن والمذابح أوصل إلى إنشاء نظام المتصرفية في لبنان وهو يعني على الأخص، وضع لبنان، بناء على إلحاح من الموارنة، في حماية الدول السبع:
فرنسا، بريطانيا، بروسيا، روسيا، النمسا، إيطاليا، الباب العالي.
ثم عندما تراخت حماية الدول السبع – وكان قد دخل بعضها ضد بعضها الآخر في حرب الـ 14/18 – عادت الفتن والمذابح بثوب المجاعة التي أتت على ثلث الشعب اللبناني.
الأمر الذي جرّ، وأيضًا بناء على إلحاح من الموارنة، إلى إنشاء نظام الانتداب في ظل فرنسا التي كانت معروفة آنذاك بعطفها الحميم على لبنان.
ومن البداهة أن نذكّر هنا – سقى الله أيامنا السعيدة ظلاً وريًا – بوثيقتين تاريخيتين.
الأولى:
رسالة ملك فرنسا القديس لويس التاسع (1270 م) إلى بطريرك الموارنة الذي يعلن فيها أن الموارنة مواطنون فرنسيون لهم ما للفرنسيين من حقوق، وليس عليهم ما على الفرنسيين من واجبات.
والثانية:
الرسالة الموجهة من الملك الشمس، لويس الرابع عشر، بواسطة وزيره بونشارترن، إلى الشيخ حصن الخازن، وبالعربية التي جاء فيها:
فإنه (أي لويس الرابع عشر) نصره الله، قد كتب أمرًا مؤكدًا مكررًا إلى رسوله الساكن بمدينة قسطنطين المسمى موسيو فريول، رعاه الله، بأن يمدكم ويمد جميع الطائفة المارونية، من طاعتك، بكل ما يمكنه من الإمداد".
باريس 29 كانون الأول 1700
المتصرفية والانتداب أفضيا:
أولاً: إلى إنشاء حماية دولية تقي لبنان شر الفتن والمذابح.
ثانيًا: إلى إزالة الحكم الإقطاعي المبني على نظام الإمارة الذي خلّفه حكم دستوري تجلّى في بروتوكول السنة 1864 (المتصرفية) ثم في دستور السنة 1926 (الانتداب).
ثالثًا:
إلى الانفتاح التقليدي المتمادي:
انفتاح دروب العالم الثقافية، والاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والتقليدية في وجه لبنان واللبنانيين، ثم انفتاح لبنان على التيارات الحضارية التي أخذت تنصب عليه من كل صوب وناح، حتى أصبح هذا الصغير الكبير، لبنان، ساحة دولية، وجسرًا عالميًا للمرور من قارة إلى قارة، ومن عالم إلى عالم.
وكل ذلك بنتيجة قرار مجلس إدارة المتصرفية (20 أيار 1919) المظنون أن واضعه داود عمّون، ومذكرة البطريرك الماروني التي جاء فيها "نطلب أن يعهد الانتداب إلى الجمهورية الفرنسية" (15 تشرين الاول 1919).
المرحلة الخامسة: الاستقلال: لبنان دستوريًا بين الموارنة وسائر الطوائف اللبنانية، ومستقل تمامًا عن مظلة الحماية الدولية وعن الحكم العربي الإسلامي 1943 - ؟
وهو هذا الاستقلال بالذات الذي نعيش، نحن وأنتم مقيمين ومغتربين، أحد فصوله في اليوم الحاضر.
سيداتي سادتي،
تلك هي ملامح عن مسيرة التاريخ التي في أثنائها انوجد الكيان اللبناني ولبنان الحضاري.
لقد أقدمنا على ذكر مراحل هذه المسيرة، البعيدة منها والقريبة، لنضع الإطار لما حقق اللبنانيون للبنانهم في أثنائها، من مكاسب.
أما الآن، فالمسألة التي تفرض ذاتها في القول، وهي:
ماذا أنجز اللبنانيون، وبخاصة الموارنة منهم، على الصعيد الحضاري؟
لولا الموارنة – المارونية هي أول وأكبر إنجازاتهم – لما كان لبنان كما كان، مثلما هو الآن.
فانوجاد الموارنة – وقد كان انوجادهم (بفعلهم، هم، لا بفعل غيرهم) كان أول مآتي الموارنة أنفسهم.
فإن الموارنة في تكوين لبنان ضرورة حتمية، كما هو البحر والجبال ضرورة حتمية في تكوينه.
لبنان كما حددته الجبهة اللبنانية
أما لبنان فهو الذي حددته الجبهة اللبنانية، مرارًا، في بياناتها، ومذكراتها الديبلوماسية المرفوعة إلى قداسة الحبر الأعظم بولس السادس، والسيد فانس وزير الخارجية الأميركية، ووزير خارجية فرنسا لدى مرورهما في لبنان، وهو هذا:
1 – إن لبنان الذي يحيا اللبنانيون من أجله ومن أجله يموتون، هو الذي لم يعتد ولم يتآمر على أحد، ولا هو واطأ أحدًا على شر.
إذ كان في التاريخ كله وبخاصة مجتمعه المسيحي، مصدر خير وخدمة وسلام لذاته، لمحيطه، وللعالم أجمع.
2 – وهو الذي كانت فيه المسيحية دائمًا حرة سيدة أمينة على قيمها وتراثها ومصيرها.
وهي تعتزم، اليوم، أكثر من كل يوم آخر، أن تبقى حرة – سيدة، أمينة على قيمها وتراثها وما تنشد لنفسها من مصير.
3 – وهذه المسيحة في لبنان تذكّر بأنها لم ترد لنفسها، يومًا في الماضي ولا تريد، الآن، لنفسها، وتعتزم ألا تريد في المستقبل ما لا تريده لغيرها من الجماعات الروحية التي تتكون منها الأسرة اللبنانية، على أنها لا تريد لنفسها، كذلك، أن تصبح في مطلق حال، مسودة، أو أن تقبل لنفسها ما لم تقبل به لغيرها.
4 – ولبنان الذي يريده اللبنانيون هو لبنان المنسجم الحب، القادر على تحقيق ذاته في بقاء كريم.
لبنان الحر، المنفتح، المتعدد المجتمعات.
وهو لبنان الذي يؤمن إيمانًا نابعًا من كيانه ومن تراثه، هو، الذي يؤمن بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
فهذه الصورة – الهدف هي، عند القادة اللبنانيين، المقياس الذي به يقيسون ليقروا أو يرفضوا ما هو مبحوث، اليوم أو سيبحث غدًا، من حدود ونُظُم واتجاهات سياسية، وعلاقات.
5 – تلك هي قواعد ترتكز على حقائق من ثوابت التاريخ اللبناني، غير أن قواعد أخرى ترتكز على حصاد التجارب وهي من حتمية الفكر والمنطق يجب أن يُعرف بعضها وأن يُعلن:
أ – إن لبنان الذي من أجله يحيا اللبنانيون ومن أجله يموتون هو موطن اللبنانيين جميع اللبنانيين، المقيمين فيه، ووطن جميع اللبنانيين المتحدرين من أصل لبناني والمنتشرين في العالم، وهو وطن المسيحيين العائشين في العالم الإسلامي المحيط، وهو وطن المناضلين من كل دين ومذهب المروّعين، في هذا العالم المشرقي، الفازعين من بلادهم إليه.
ب – لبنان هذا يجب أن يبقى مختبرًا حضاريًا فذًا فيه تعالَج وتُنقَد النُظُم والمذاهب والتيارات الروحية، وفيه يُحك الناس.
جـ - ولأن لبنان قيمة بحد ذاته فهو يستطيع أن يكون ملتقى تفاعل وتبادل بين حضارات الشرق والغرب والمتخيّر الأمثل لروائعها جميعًا.
د – من هنا وصلت الجبهة اللبنانية إلى التأكيد أن البنيان السياسي الجديد للبنان الموحّد، المعزز للولاء المطلق له والمانع للتصادم بين اللبنانيين، يجب أن يعتمد تعددية المجتمع اللبناني بتراثاته وحضاراته الأصيلة، بحيث ترعى كل مجموعة حضارية فيه جميع شؤونها، وبخاصة ما يتعلق منها بالحرية وبالشؤون الثقافية والتربوية والمالية والأمنية والعدالة المجتمعية، وما يتعلق بعلاقاتها الثقافية والروحية مع الخارج، وفقًا لخياراتها الخاصة.
وهنا، بعد مسيرة الشرف هذه، لا بد من أن يقف سائل ليسأل:
لمن كانت هذه البادرة في بناء هذا لبنان الحضاري هذا؟
بل من كان بناته الأصليون؟
! سيداتي سادتي
لكأنه يبدو أن الموارنة يرغبون في الاستئثار بخدمة لبنان.
لا.
فإن الكثيرين غير الموارنة أسهموا، قديمًا وحديثًا، كما الموارنة بالذات، في بناء لبنان الذي تحبّون وله نتعبّد.
ففي طليعة هذه الكثرة:
النقيب فؤاد الخوري وشارل مالك وفريد حبيب وأمثالهم الذين عملوا له بعقولهم.
أحمد الأسعد وصبري حماده وأمثالهما الذين عملوا له بنبلهم.
الأمير مجيد إرسلان ونجيب علم الدين وأمثالهما الذين عملوا له بأصالتهم.
هنري فرعون ويوسف سالم وأمثالهما الذين عملوا له بحذقهم.
عبده عويدات ومحمد شقير وامثالهما الذين عملوا له بصدقهم.
أنيس فريحة وشارل سعد وخليل رامز سراكيس وأمثالهم الذين عملوا له باستمراريتهم.
لا!!
ألف مرّة لا!!
إنه لافتراء على الموارنة والحقيقة والحق أن يتهموا بالتفرد في حب لبنان، وبالاستئثار في خدمته.
هؤلاء الموارنة إنهم بمثابة المؤذنين الذين، كل يوم وكل واحد منهم، خمس مرات في اليوم الواحد:
في الفجر، في الظهر، في العصر، في الغروب، وفي العشاء يسبّحون من مآذنهم:
الله أكبر، لا إله إلا الله.
وإنهم، هؤلا الموارنة، بمثابة الكهّان الذين من آلاف المذابح، كل يوم وكل واحد منهم، يهتف "أؤمن بإله واحد".
أوَ كثير على لبنان أن يكون له مؤذنوه وكهنته يؤذنون باسمه ويسبحون؟
إنجازاتت الموارنة
سيداتي سادتي
وجب، الآن، أن نقول ما هي الإنجازات التي عُملت في لبنان والتي، لولا الموارنة، لما كان قيّض لها أن تُعمل، أو كانت تأخرت، أجيالاً لتُعمل؟
1 – بما هي المارونية وريثة الثقافتين السريانية والايونانية فلقد نشأت في حضن حضارتين هما السريانية واليونانية.
مما مكّن السريان، وبالتالي الموارنة، أن يكونوا في طليعة نَقَلة التراث اليوناني العلمي والأدبي إلى لغتهم، أولاً، ثم إلى العربية منذ العصر العباسي.
فتيوفيل بن توما الرهاوي نقل إلياذة هوميروس إلى الشعر السرياني بغاية ما يمكن من الفصاحة والإتقان، وكان تيوفيل، يقول ابن العبري، "على مذهب الموارنة الذين في جبل لبنان".
2- مسيرة الموارنة الفذة في اتجاه الحضارة أهبّتهم لسبق شعوب الشرق، قاطبة، إلى الاتصال بأوروبا، فالقيام بالنهضة الحديثة، وبخاصة بفضل:
- استعدادهم الطويل بمعرفة اللغات والاضطلاع بثقافاتها (وتشهدون معي الآن أن الشعب اللبناني، بفضل مغتربيه هو الشعب الأوحد على الأرض الذي يستطيع أن يتكلم كل لغات الأرض).
- اختمار تراثهم الإنساني الأصيل (وهم مسهمون في تكوينه).
- تمرّسهم بالحرية والاستقلال ضمن كيانهم الوطني الخاص، وتمرسهم بالدفاع عنهما حتى النَفَس الاخير.
- مدرستهم في روما التي أخذت تخرّج، منذ أوائل القرن السابع عشر، أفواج العلماء والمعلمين والمترجمين من وسطاء الحضارة بين الشرق والغرب.
ثم كان الموارنة السبّاقين على الصعيد التربوي:
ففي "المجمع اللبناني" وهو الدستور الماروني الذي فرغ من وضعه في 2 تشرين الأول 1726 (من 343 سنة) بعد خلوة طويلة عقدها بطريرك الموارنة يوسف بطرس ضرغام الخازن، بسلطان الحبر الأعظم أكليمنت الثاني عشر في كنيسة أم الله، مريم، في اللويزة، بحضور اللبناني الماروني يوسف سمعان السمعاني القاصد الرسولي، وبحضور 49 من رجال الكهنوت، أساقفة وكهانًا و49 علمانيًا من مشايخ الطائفة المارونية وأعيانها.
ففي المجمع اللبناني من المقررات والتوصيات التربوية ما يذهل:
1 – فهو يوصي بالتعليم الإجباري.
2 – وبالتعليم الشعبي (الديمقراطي) المبذول لجميع أبناء الشعب دون تمييز طبقي.
3 – وبالتعليم المجاني.
هذا بالغضافة إلى تأمين القوت لأبناء الفقراء.
4 – وبتعليم البنات.
5 – وبتعدد اللغات.
وقد وجدت هذا المقررات والتوصيات من هَب إلى وضعها موضع التنفيذ.
ففي كلية عين ورقة (الجامعة الأولى في الشرق بالمعنى الأوروبي الصحيح) المُنشأة 1789 وضعت موضع التدريس لغات أربع بقواعدها وآدابها وهي العربية والسريانية واللاتينية والإيطالية.
وقبل عين ورقة بسبع وثلاثين سنة صدر، في دير القمر، عن الست اصّون شهاب (أم المير يوسف وزوجة المير ملحم شهاب) ورقة (وهي رسالة إقرار موجهة إلى الرهبان الحلبيين) هذا مضمونها:
"زهبنا أعزازنا الرهبان الحلبية الأقبوة خاصتنا ليجعلوا منهم مدرسة يعلّم فيها أبنا القرية إلى جنب أولاد الستّات).
وهكذا، هاتان البادرتان تكونان قد وَضَعتا في التنفيذ المبادئ التالية:
- التعليم الشعبي.
- وتعليم البنات.
- وتعدد اللغات.
وكانت الأديار قد أخذت على نفسها تنفيذ مبدأ الزامية التعليم ومجانيته، وإن على صعيد ضيق، ظل إلى أمد طويل لا يتجاوز أولاد شركاء الدير وجيرانهم.
وهذه المسيرة الحضارية الفذّة، مسيرة الموارنة، أهبتهم هي أيضًا، للقيام بأعمال حضارية لم يكن غيرهم يستطيعها أو يستطيع مثلها، فهي لولا أن تعمل على يدهم لما كانت وجدت يدًا تعمل لها، أو كان قد طال انتظارها وهي من مثل:
1 – تعريب الروائع العالمية الكبرى، كما "الخلاصة اللاهوتية"، و"إلياذة هوميروس" شعرًا.
2 – وَضع الموسوعات والقواميس كما "دائرة المعارف" و"المحيط المحيط" و"أقرب الموارد" و"البستان".
3 – تنظيم تدريس اللغة العربية وقواعدها الصرفية والنحوية، كما "بَحث المطالب" للمطران جرمانوس فرحات و"المبادئ العربية" لرشيد الشرتوني.
4 – إنشاء أول مطبعة عربية في الشرق فقاطبة وهي مطبعة مار انطونيوس قزحيا في وادي قنوبين في السنة 1610، ومطبعة دير مار يوحنا الصابغ في الخنشارة (للروم الكاثوليك) سنة 1734.
5 – ثم الدعوة إلى تعليم المرأة في السنة 1848 على لسان المعلم بطرس البستاني.
أو كثير ، بعد ذاك وقبله، أن يقوم مؤرخ، في عهد لويس الرابع عشر، وكانت لم تظهر بعد جميع هذه التجليات على يد الموارنة، أن يقوم مؤرخ يؤرّخ للبنان باسم أطلقه عليه وهو La Maronie أي بلاد الموارنة.
هذا، ووردت لو دوّرت الكلام على ما الذي كان يجب على الموارنة أن يعملوا ولم يعملوه، لأن في هذا موضوع اعتزاز أما في ذاك فتذكير بواجب:
أما أهم ما كان على الموارنة أن يعملوه، في الزمن الاخير فهو هذا:
1 – توطيد الكيان اللبناني، خاصة وقد ثبت في تواريخهم أنه كلما قوي استقلال لبنان ضعف كيانه، وكلما قوي كيان لبنان ضعف استقلاله.
2 – جعْل لبنان مختبرًا عالميًا للأشياء الروحية – الفكرية – الجمالية، وللتجارب الحياتية ح الحِكمية – الديمقراطية، وعلى الأخص التعايش السلمي بين المسيحية والإسلام.
3 – من مدعّمات وجود لبنان أنه الوطن الروحي لجميع الشعوب المسيحية المبعثرة في رحاب الشرق.
فكان يجب تدعيم هذه المدعمات.
4 – ثم أفلم يكن على الموارنة أن يجعلوا من بكركيهم، هذه الغافية على أقدام سيدة لبنان، فاتيكان المشرق؟
5 – ماذا عمل الموارنة من أجل أن يلموا أطراف لبنان المنتشرة في العالم أجمع، فيعلنوا إمبراطوريتهم، ثم يعمدوا إلى تحريك هذه الإمبراطورية الفريدة في تاريخ الناس؟
قديمًا كانت لنا قرطاجة واحدة، فقدرت على إنقاذ فينيقية الأم، فاليوم، وقد صارت لنا ألف قرطاجة في العالم، أفليس من العار، علينا وعليكم، أن تعجز القرطاجات الألف التي بين أيدينا عما قامت به في سالف الزمن، القرطاجة الواحدة؟
ثم إن الفاعليات اللبنانية في بلاد الاغتراب لا تُعد ولا تُحصى، ويمكن استعمالها في حالتي الحرب والسلم.
ففي إحصاء وصلني، ففي الآونة الأخيرة، إن مساحة الأراضي التي يملكها اللبنانيون في مختلف أنحاء الاغتراب اللبناني بلغ مجموعها مساحة العالم العربي برمته.
6 – هذا وإن المارونية لم تعرف أن توظّف مواهبها، مواهب أبنائها، بل تركتها وتركتهم يشردون، وفي كل واد يهيمون، فلا من يُخطط، ولا من يُوجّه، ولا من به يُستعان.
ليس هدر للمواهب وللطاقات كمثل هذا الهدر المجرم!!
7 – وماذا عمل الموارنة، صحيحو الهوية ومنتحلوها، سوا بسوا، ليبعثوا لبنان من نجيع الدم المهدور ظلمًا وعدوانًا فيعود زينة الأرضين، ودرة العالمين؟
سيداتي سادتي من هنا أرى على وجوه الحاضرين أسئلة تتراقص، تتزاور، وتشرئب أعناقها، بينها سؤالان، كأنهما زعيمان في ساحة التساؤلات واحد منهما يقول:
1 – لماذا كل حركة ولدت في لبنان، من أجل لبنان وحده، أو من أجله، وأجل جواره، ولم يكن على رأسها ماروني أو لم تكن وراءها كثافة مارونية، كان حظها الفشل؟
وهل صحيح أن جورج أنطونيوس، لو كان مارونيًا، كان يمكن أن تُكتب لقضيته النجاح؟
وأن أنطون سعادة، لو كان مارونيًا، كانت طريقه أبعد؟
وميشال عفلق كانت طريقه أصوب؟
وكمال جنبلاط كانت طريقه الأولى في الطرقات؟
2 – وآخر يقول:
من أجل ماذا الأمير فخر الدين المعني الدرزي عُمّد مارونيًا؟
من أجل ماذا الامراء الشهابيون السنيون الذين جاؤوا من وادي وتعمدوا موارنة ليحكموا؟
ثم نتابع :
"من المؤسف أن كثيرين من العرب والمسلمين لم يفهموا أنهم وهم يخربون لبنان يخربون بلادهم أيضًا، لأنه لا يمكن أن يكون المسلمون والمسيحيون مختلفين في لبنان ومتفقين في البلاد العربية الأخرى.
إما أن ينهض لبنان وينهض معه العرب، وإما أن يتفجّر ويتفجروا معه، لأن فيه وعلى أرضه تأخذ القومية معناها العملي وأبعادها المستقبلية فلبنان هو غد العالم العربي.
إن أحسن ما يمكن أن ينتظره العرب موجود في لبنان، وأسوأ ما يمكن أن ينتظره العرب موجود، أيضًا، في لبنان!
إننا:
منذ ثمانية قرون، نبكي على الأندلس حتى أوشكت دموعنا أن تمحو كل عظات التاريخ وحقائق المأساة الأندلسية،
ولبنان أهم من الأندلس، فقد ضاعت الأندلس وبقي العرب،
ولكن هذا البقاء سيصبح مهددًا في حالة ضياع لبنان".
سليم اللوزي
"الملف الماروني" كما فتحته مجلة "الحوادث"
في العددين 135 و139 آب – أيلول 1978
ونتابع فنسمع الرحالة فولني (Volney)يقول في كتابه "رحلة إلى المشرق" ما ترجمته:
"تستطيع فرنسا، إن شاءت، أن تنشئ إمبراطورية تمتد من البحر المتوسط حتى الخليج العجمي إذا استندت إلى الموارنة في لبنان".
ثم نسمع في الختام أحدهم يقول:
"الموارنة شرف في الشعوب، قمة في القتال، مثال في الصمود، وفي المجد زهوة!!"
أما وأن وقت الختام قد جاء:
اللهم إحفظ لساني من الشطط، كما حفظت قلبي من الإغراق في الاعتزاز.
ليس بالتكاذب يُبصق في وجه الطائفية، بل بالصدق الإيجابي،
فالدعوة إلى العلمنة تكاذب،
وتكاذب وفاقهم الوطني،
وتكاذب حوارهم سواء أبدِئ به من القمة الروحية أو بُدئ به من ميل آخر.
فليس غير البناء على الحقيقة والواقع والحق، أأرضى ذلك أنانيتنا أو أغضب تلك الأنانية الحمقاء، والحقيقة والواقع والحق هي تعددية في المجتمع اللبناني.
وكما في الديمقراطيات، لا يقوم حكم ضد الأكثرية هكذا في الحتميات لا يقوم حكم ضد التعددية، ولا مفر.
سيداتي سادتي
إن أول ما يجب أن نصحو عليه هو أن لبنان، هذا الذي عملنا له برموش عيوننا، بلا هوادة ولا ملل، لبنان هذا قد تهدّن وانهزم،
فلبنان المقبل لن يعيد لبنان الذي ذهب،
وإن ما سيعود من لبنان الأمس هو بعضه وقد لا يكون الأفضل.
فحيال هذه الحقيقة المرّة وجب أن نعزم وأن نحزم،
ووجب على كل واحد منا أن يطمح إلى مجتمع لبناني جديد يصير فيه التغلب على الضعف والعيوب التي شابته من جراء تراخيه،
كما يصير فيه العمل على تحقيق القيم المبنية على الصدق والشرف والكرامة والمحبة والنخوة والطموح والإقدام،
وبخاصة على احترام الحقيقة والكلمة المسؤولة والحق،
حتى نعود فتتجذر في التراث اللبناني وفي التراث العالمي لنستحق، أكثر فأكثر، قيمنا اللبنانية الأصلية والتي توارثناها، جيلاً بعد جيل، في أحسن حالات صفاتها وتألقها.
وثقوا بأني إن كنت، في خضم هذه التناقضات أعتز بمارونيتي فما ذلك إلا لأنها تجعلني أصدق لبنانيًا، وأوعى وأعمق،
فما تعصبي لمارونيتي غير التعصب للبنان، وحده لبنان سبحانه.
ولا يسعني في هذه المناسبة، وأنا أمثّل الجبهة اللبنانية بينكم، سوى أن أعلن، باسمها، في ختام هذا الكلام، أن لا سلم في الشرق الأوسط بدون لبنان حر – سيد – مستقل – ذي مجتمع متصل اتصالاً عضويًا بالحضارة العالمية – الفاعلة – الواحدة – ذي مجتمع متصل اتصالاً عُضويًا بالحضارة العالمية – الفاعلة – الواحدة – المتواصلة العطاء،
مجتمع حر منفتح تتمتع فيه المسيحية، كما غيرها من المذاهب الروحية، باطمئنان تام إلى ذاتيتها، وسيادتها على نفسها، وإلى بقائها على تواصل حر بجميع ينابيع الروح المسيحية في العالم.
بدون لبنان، هذا المرتاح إلى وجوده والمطمئن إلى ذاته، سيجد الشرق الأوسط نفسه أمام مجتمع مقهور مضطهد، ثائر يكون مصدر متاعب كثيرة تؤذي مسيرة السلام في العالم ومسيرة العالم إلى مصيره.
وبدون اللبنانيين هؤلاء الذين، بعد أن ألفوا الهناء، يضنيهم اليوم، القلق التهجمي والاستغراق في المتاعب والهموم.
بدون هؤلاء اللبنانيين لا سعادة ولا تمدن.
أو ليس صحيحًا أنه لا يحق لشعب أن يكون سعيدًا وحده؟
أو أن يكون سعيدًا بين تعساء؟
وصحيحًا:
أن لا يكون تمدّن حيث يكون – بفعلنا، أو إغضاء منا – إجحاف أم ظلم، أم افتئات، أم اعتداء أم ألم أو تعاسة، أم بؤس؟
فكيف إذا كانت جميع هذه المؤذيات متجمعة في أرض واحدة، وهي الأرض التي شهدت، في التاريخ، بزوغ مدنيات أصيلة ما زالت وستظل متمادية، متفاعلة، فاعلة، وفي ظلّها يعيش الناس.
إن من حق لبنان هذا أن يُلفت العالم المتمدن إليه وهو مهد مدنيات باقية.
ومن حق اللبنانيين هؤلاء، أن يلفتوا أهل السعادة إليهم وقد كانوا لهم مصدر سعادة وهناء.
ويرى لبنان واللبنانيون، واثقين، أن ليس من حق العالم كله، بل ليس من حق أي جزء متمدن فيه، أن يُحجم، يوم يُدعى إلى تحقيق ذلك، عن العمل لتحقيق ذاته في ما يحقق للبنان خيره.
بكل هذا تؤمن الجبهة اللبنانية
ومن أجل كل هذا تعمل
سيداتي سادتي،
فلنصغ إلى أشعيا النبي (29:
17/21) يقول في معرض السؤال:
"أليس عما قليل ينحول لبنان حقلاً مثمرًا، والحقل المثمر يُحسب غابًا؟
وفي ذلك اليوم يسمع الصم أقوال الكتاب، وتُبصر عيون العمى الديجور والظلام.
لأن الجائر يكون قد انقرض، الساخر قد فني، واستؤصل كل الذين يسهرون لأجل الإثم، الذين يؤثمون الإنسان لأجل كلمة".
لأن الجائر يكون قد انقرض!! والساخر قد فُني!!
واستؤصل كل الذين يسهرون لأجل الأمم!!
اللهم! اجعل أن يصدق نبيك، اليوم، كما، في الأمس، صدق، واسمح أن يعود لبنان، على عجل، حقلاً مثمرًا فلا يطول حرمان أصفيائك من طعم ثماره.
وادفع، اللهم، عن لبنان، هذا الأمين الوادع، سيف الجلادين وجور المخرّبين، وصفاقة من لا يَدين بدِين.
وليُنظر، بالعيان، وجهك فوق هضابه، فيزول الشر على مرآك، وترجع السماء تنفتح أماه، فيرجع لبنان موطئًا رخيمًا لقدميك.
رجوناك، يا ربنا، رجوناك.
لم يكد يطفئ لبنان شمعة الخامسة والأربعين سنة من اندلاع الحرب على ربوعه، حتى دوّى انفجار زلزال أعاد السواد إلى ملامح العاصمة وطيف الموت إلى ملاحم الحياة.
والجوع يدق كل الأبواب.
ولا نجد ما نقوله سوى عبارة توجع جديدة نضيفها إلى نشيد حزين نرتله عند إطفاء شمعة كل يوم كل سنة يتراءى لنا أننا بلغنا ذروة المحنة فإذا نحن نجتاز فوق الذروة ذرى.
لقد تحولت المحنة العاتية عملية اجترار تطحن الإنسان تحت سماء لبنان فيما تبعث السأم في نفوس جمهور يتضاءل من المستمعين والمتفرجين حول العالم.
لكم تبدلت ألوان الازمة وشعاراتها وأطرافها.
إندلعت الازمة والقوم فريقان فريق يضن بما عنده فلا يتنازل عن شيء عنده وفريق لا يرضى بما عنده وينشد الإنصاف في حقوق له.
وبعد سنوات من الصراع المدمر بقي الناس فريقين فريقًا لا يستطيع أن يعطي وفريقًا لا يستطيع أن يأخذ.
فمن دفع غاليًا من اجل أن لا يعطي بات عاجزًا عن التخلي عن الكثير مما عنده.
ومن دفع غاليًا من أجل أن يأخذ، بات قاصرًا عن الرضى بالقليل بمما يعرض عليه.
كانت الأزمة حربًا بين خوف وغبن.
فإذا بنا اليوم والخوف بيننا كما الغبن عميم.
لقد كانت للخوف هوية طائفية وكانت للغبن هوية طائفية‘ فأصبح لكليهما، للخوف والغبن هوية واحدة هي الهوية اللبنانية.
لم يعد الخوف مسيحيًا بعدما بات المسلمون اكثر خوفًا على المال والمصير.
ولم يعد الغبن إسلاميًا بعدما تساوى المسلمون والمسيحيون في التشريد والتهجير والبؤس والشقاء.
كان الغد هو الهاجس فأضحى الحاضر هو الشاغل.
كان الهاجس صوغ غد أفضل مبني على احترام حقوق الإنسان في ظل دولة قادرة وعادلة ترفع لواء الحرية والعدالة اولديمقراطية فإذا شاغلنا اليوم انتكاسات وتجاوزات وعربدات أمنية وغلاء مستفحل وبطالة متفاقمة وشلل شامل في مرافق الإنتاج.
هل حقًا مرت إثنتا عشرة سنة على الحرب؟
ما أطول ما تتسكع المشاكل الرهيبة في عالمنا وتبقى طويلاً والعالم يتحرك ونحن نراوح مكاننا بين الرمل والنار في هذه المشاكل.
12 سنة على الحرب الأهلية في لبنان
أمس كان عمره تسع سنوات وبلغ اليوم سن الرشد
واحدة وعشرون سنة لم يعرف بلده لبنان
لم يعرف الوطن الذي يضم الجبل والحرش والسهل والبحر في لمحة عين.
لم يعرف إلا مدينة واحدة أو ضيعة أو حيًا أو حارة.
كل شبر عامر بالخنادق وبالخطوط الحمراء ومراكز القنص.
المسلم منهم لم يدخل بيت مسيحي والمسيحي لم يدخل بيت مسلم.
لقد شهدت بما أعرف وليس اكثر مما أعرف
وشهدت حيثما أمكنت الشهادة بما تراءى لي انه الحقيقة وبغيرها لم أشهد
فيبقى لي أن أئتمنكم امنية يروقها أن تكون موضوع تأمل وتبصر وقد أردتها على علم بانها تخرج عن موضوع الشهادة.
نحن شعب يريد ان يعيش.
وحياة هذا الشعب حريته
فإذا استقامت لنا مقاييس الحرية استقام لنا كل شيء فما من شك في اننا ولدنا نعيش أحرارًا من حرية نظفر بها هنيهة بعد هنيهة وجهدًا إثر جهد.
من حرية هي لنا ولكنها لا تجيء معنا من بطون امهاتنا
إذ المرء لا يخلق حرًا وإنما يصير ذلك أنه يجيء من العدم معدمًا فإن لا يربح لذاته يظل معدمًا ينقص إذا امكن النقصان ولا يزيد مهما توغل في السنين وعمر.
فعظمة هذا الإنسان ان يمتلك نفسه ويحترزها وان يتغلب على كل ما يحول بينه وبين الظفر بالحرية اجتماعية كانت أو سياسية تهدف أولاً وآخرًا إلى عتق ذاته حتى يستقل من كل إكراه أو شبه إكراه
طبيعيًا كان أو حكميًا
ولا يغربنّ عن بال أحد أن الحرية التي هي رأس عظمة الإنسان ليست في ان ياتمر غير امر هو ذلك تأليه للإنسان يجر حتمًا إلى تأليه الدولة وتأليه الجمهرة التي يتجسد منها الحاكم والويل من الآلهة الكاذبين.
وإنما الحرية التي هي رأس عظمة الإنسان ترتكز على استقلال إنسانه بحيث تصبح الطاعة في حدود الخير طريقًا إلى الحرية التي كتب علينا إدراكها فيبقى هكذا كل في مكانه
فلا الإنسان يستحيل إلهًا ولا الدولة تستحيل إلهًا
ويصبح من النتائج المحتومة ان يقوم الشعب بمطلق غرادته واختياره على تعيين ممثليه من يتولون عنه زمام أمره
من ضمن ذلك التعيين المنزه الحر فيعمل المعينون خاضعين أبدًا لمراقبة الشعب الفعلية المنتظمة ممارسين حق السلطة والامر بيد انهم يامرون احرارًا يكونون مدعوين جميعًا إلى المساهمة في الحياة السياسية العامة مساهمة رحبة فاعلة يتركون فيها لمؤهلاتهم وكفاءاتهم ما يستحقون.
ويصبح من النتائج المحتومة أن تجيء الضمانات الاجتماعية الكاملة تعويضًا للإنسان عما تفرض عليه الحاجة من تنازلات.
من الحقائق اللبنانية التي لامست حدود الثوابت لدى معظم اللبنانيين:
لبنان مساحة روحية لم يكن على مدى تاريخه الحديث ثابت الحدود ولا كان شعبه ثابت التركيب.
لبنان فخر الدين وصل إلى تدمر وعكا واللاذقية.
لبنان الإمارة الشهابية تقلّص إلى مثل حدود الجمهورية الحاضرة وزاد تقلصًا في عهد المتصرفية ثم عاد إلى حدود لبنان الإمارة في عهدي الإنتداب والإستقلال.
وتبعًا لتبدل حدوده تبدل تركيب الشعب اللبناني.
إن عنصر الحدود والسكان في لبنان عنصران ثانويان حيال حقيقة لبنان الكبرى التي تجعل منه مساحة روحية لا حد لها ولا حجم.
إذ لا فرق في جوهر كيانها وجوهر فاعليها بين أن تضيق رقعتها الأرضية وبين أن تتسع.
الجغرافيا هي التي مكنت لبنان من الولادة وأمنت له بقاءه عبر العصور.
لكل من الجبل والشاطئ دوره.
فالجبل أمن الخلوة السياسية والعسكرية التي ولدت من رحمها النزعة نحو الإستقلال.
وأبصرت النور الحريات الشخصية.
أما الشاطئ ومرافئه وسهوله إنما هي في أساس اقتصاده.
تقاطع الجو النفسي مع الجغرافي في ازدواجية مرصودة لهذا الوطن منذ بدء الحياة في تاريخه.
الأحداث المفجعة التي عصفت بلبنان كادت أن تطمس صورته الأصلية في الأذهان، وكادت أن تشوهها وتستبدلها بمشهدية نقيضة.
وكاد الذي يريد من اللبنانيين أن يخدم لبنان أو يدافع عنه أو يصلي من اجله أو يموت في سبيله ان يقع في حيرة حيال أي لبنان يخدم، وعن أي لبنان يدافع، ومن أجل أي لبنان يصلي.
وفي سبيل أي لبنان يموت.
لبنان كمكون سياسي وقومي هو وليد ثالوث الجغرافيا والتاريخ والروح الحضارية معًا.
هو حصيلة تطور الشعوب التي عاشت في هذا البلد منذ قبل التاريخ حتى اليوم.
أرضه تؤلف فرادة جغرافية طبيعية جعلت منه كيانًا جماعيًا وإقليميًا متميزًا تجتمع فيها جماعات طائفية مختلفة ارتضت ان تتعايش وتتعاون في سبيل الحياة بصرف النظر عن فكرة العرق والدين.
العوامل الطبيعية التي اتصف بها لبنان أي الجبل والبحر والمناخ والموقع الجغرافي خصته بواجهتين تجعلان منه في وقت واحد بلدًا بريًا وبحريًا شرقيًا ومتوسطيًا.
وهي ميزة خاصة ميّزت لبنان عن كامل بلدان الشرق الأدنى.
إن علاقات لبنان بالبلدان القارية الشرقية منها أو العربية كعلاقاته ببلدان ما وراء البحار.
فهي إلزامية في الإتجاهين معًا.
مفروضة عليه من خلال وجوده الحيوية.
إن الطابع الأصيل للنفسية اللبنانية يتأتى عن اختلاف العوامل الطبيعية لمحيطه الجغرافي وعن نمط الحياة الذي تفرضه هذه العوامل.
منذ ولادة لبنان على مسرح التاريخ يتجه في اتجاهين معاكسين نحو القارة الآسيوية من جهة ونحو البحر من جهة أخرى.
عندما نتكلم على وجه لبنان المزدوج وعلى طابعه الأصيل وخصوصيته لا نحصر ذلك بالوحدة السياسية لطائفتيه الكبيرتين المسيحية والإسلام.
إننا نتخطى هذه الوقائع لنغوص أكثر في حقيقة الحركة الإقتصادية والنفسية والثقافية والإجتماعية والسياسية للشعب اللبناني.
فهو منفتح في الإتجاهين بحرًا وبرًا.
شرقًا وغربًا.
هذه جميعًا تحمل حيوية للبنان مع أنها أيضًا ولّدت فيه الكثير من الإضطراب والتوتر لا بل لامست في بعض الأحيان النزاعات والحروب.
إلا أن هذه الروحية الحاضنة للحضارات الإنسانية تحتم على اللبنانيين أن يتعاونوا ويتضامنوا في سبيل التقدم في الحياة والحرص على استقلال وطنهم التام على تنوع شعبه يوم قسّموا بيروت إلى ثلاث دوائر انتخابية عبّروا عن عجزهم وأقرّوا بهذا العجز عن استيعابها ككتلة واحدة هويتها مضادة لمصالحهم ووزنها كفيل بإفشال ارتباطاتهم المشبوهة وادعاءاتهم المرتكزة على تشويه فاضح للتاريخ.
بيروت الثقافة تدحض مزاعمهم حول التعدد الثقافي والحضاري.
فهي المنبر والملتقى والمنتدى.
عربية الهوية والهوى.
المنفتحة على الدنيا تأخذ منها وتعطيها لكنها لا تهاجر ولا تغادر أهلها ولسانها وجلدها ولا تغدر بهم.
في بيروت الحرية والديمقراطية بيروت الفكر والكتاب والمطبعة.
بيروت الاحزاب والتنظيمات والحركات السياسية جميعًا من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ؤكد أصالة انتمائها لأمتها.
هذه البيروت اكبر من الطائفية والمذهبية وأكبر ايضًا من الكيانية والجهوية وأكبر من ان يستعملها الأجنبي وأخطر من ان يتحملها الإسرائيلي.
بيروت بهذا الكبر صار فيها أربع جامعات اثنتان للغرب واثنتان للعرب ولكن الحشد الأساسي من طلابها جميعًا عرب.
فيها المغاربة وأبناء وادي النيل كما فيها المشارقة من سائر أقطارهم المنداحة بين البحر الأبيض والمحيط الهندي.
كانت بيروت كبيرة على الكيانيين والإقليميين والجهويين وليس فيها قطعة سلاح واحدة.
كانت قاعدة للحركات الثورية العربية عمومًا ما انتصر منها وما فشل وليس فيها تنظيم مسلح واحد.
كانت منبرًا للدعوة القومية واقطاب الدعوة ومراكز حركتها وفي خارجها البعثيون من سوريا أساسًا والقوميون العرب من فلسطين ثم جاء جمال عبد الناصر فجب من قبله أو أنه احتواهم ضمن حركته الثورية الوحدوية بالضرورة.
صارت بيروت عاصمة ومنطلقًا للوحدة العربية دون أن تكون من دوليتها أو فيها أو منها.
وصارت الحاضنة للثورة الفلسطينية بإرادتها لحرة وبوعيها لدورها وليس لأنها أخضعت بقوة سلاح الفدائيين.
على مدى تاريخها المعاصر لم تسلم بيروت قيادها ولم ترتض بزعامة أو زعيم فيها من طبيعة كيانية أو طائفية أو مذهبية.
رياض الصلح لم يكن زعيمها بنفوذ عائلته أو بقوة طائفته أو بعراقة بيروتيته بل بحضوره العربي وبدوره وعلاقته بمختلف الحركات والنزعات الإستقلالية العربية.
بشارة الخوري صار زعيمًا في بيروت ولها بموقفه الإستقلالي.
بمعنى تأكيد الإبتعاد والغنفصال عن الغرب بالقدر الكافي لتاكيد الإتصال بالعرب والإنتماء إليهم.
لا ينقذ اللبنانيين إلا اتفاقهم بعد الحوار وإنصاف بعضهم البعض الآخر.
إذا ترك الشعب لحاله فإنه يريد التعاون.
أساس الفاهم والحوار يجب أن تكون المساواة والعدالة وتوزيع السلطة نوزيعًا عادلاً فينتفي الغبن لدى المسلمين والخوف لدى المسيحيين.
على اللبنانيين أن يميزوا أين مصالحهم وأين ضررهم وأن يعرفوا من هو الصديق ومن هو العدو.
نحن نقول بالمساواة والعدالة اولإنصاف بحيث يكون كل لبنان مطمئنًا إلى مصيره.
فلا يخشى المسيحيون بسبب التزايد الدائم في أعداد المسلمين أن يكونوا مواطنين م نالدرجة الثانية ولا يخشى المسلمون أن تكون هناك هيمنة عليهم.
والوصول إلى ذلك شأن السياسيين والدستوريين ورجال القانون.
لا أحد يريد الخير للبنان واللبنانيين أكثر ما يريدونه هم أنفسهم.
إن التطرف يستدعي التطرف فالصدام فالحرب أولها كلام.
يجب أن تنصف المشاركة جميع الناس وليس أفرادًا فحسب.
فلبنان مجموعة طوائف ويجب على كل طائفة أن تطمئن إلى مصيرها وإلى مشاركتها في الوطن وإلى تقاليدها وخصائصها وهذا ليس بمستحيل.
المطلوب أن يعيش اللبنانيون في جو ثقة متبادلة.
إذا كانت صيغة 1943 تضمن لهم ذلك فلا بأس بها.
وإذا كانوا يجدون أنها لم تعد صالحة ويمكن إيجاد بديل عنها فلا بأس أيضًا.
يجب الإعداد لإلغاء الطائفية السياسية من النفوس ومن النصوص وبالتمام.
ويجب أن تسود العلمنة بين المواطنين والروح المواطنية في العلاقات.
إن لم نكن قادرين على النظر إلى الحرب الأهلية على أنها مدرسة قائمة بذاتها قدمت العبر والدروس في ما يتصل بالسياسة والإقتصاد والدين والتربية والأخلاق، لنستفيد منها بما يمكن أن نستفيد.
فإننا لن نكون قادرين بعد الآن على أن نتعلم أبسط الدروس الدرس الأكبر الذي ينبغي أن نتعلمه هو الظاهرة الدينية في لبنان لأنها فيه متجذرة.
إذ نحن نبحث خارجها عن سائر الموضوعات في حين أنها هي ميدان الإستغلال السياسي.
وفي أسواقها تتم عمليات البيع والشراء.
لقد أثبتت الحرب في لبنان وما رافقها من تطورات إقليمية ودولية وما أحاط بها ومهد لها من اسباب قريبة وبعيدة أن الدين في النهاية هو الضحية وهو المسخّر وهو موضع الإمتهان والسخرة والتجارة في آن.
وعادة ما يأتي ذلك على يد الذين يزعمون الحرص عليه والدفاع عنه.
لبناننا الضيق الرقعة متعدد الاديان والطوائف والمذاهب مثال حي ومأساوي في آن واحد لما يمكن أن يصل إليه الدين من تسخير وامتهان وتجارة.
لقد رفع الساسة كلهم سواء اعتلوا الحكم أم نشطوا خارجه.
ورفعت الأحزاب كلها شعارات ومطالب نادت بالإصلاح السياسي وإقامة دولة عصرية تحترم فيها الحقوق والكرامات.
وحرصت على أن تكون نداءات الإصلاحات عندها نداءات لاطائفية ولا عنصرية تلتزم فيها بالمساواة والعدالة وكلها اكدت على مواقفها من العقيدة الدينية وتقديرها وكل الإحترام لعقائد الناس.
إلا أن الساسة والأحزاب معًا عمليًا أثبتوا أنهم يقولون ما لا يفعلون.
فهم في الوقت الذي حرصوا فيه على أن تخلو دعواتهم وتصاريحهم من الطائفية راحوا يمارسونها علنًا بيعًا وشراء في كل مناسبة وعلى كل صعيد.
لقد وجدوا على ما يبدو أن السياسة في مجتمع الأديات لا تسد رمقًا ولا تطعم خبزًا ولا تصلح عملة في سوق التداول.
فتحولوا إلى الدين لا ليأخذوا منه فيسمو بهم وإنما ليحتكروه ويصادروه ويمزقوه وينحدروا به إلى الدرك الأسفل من الإمتهان.
ادت اللعبة السياسية هذه إلى أن يتحول رجل السياسة إلى رجل دين بغير كفاية في الدين، وأن يتحول رجل الدين إلى رجل سياسة بغير كفاية في السياسة فكان ان فقدنا الإثنين معًا رجل الدين ورجل السياسة.
لقد أدّت هذه اللعبة القذرة عندنا على الرغم من مكابرة كل الساسة والأحزاب إلى أن تصبح للمارونية مرافئ ومطارات وللشيعة مرافئ ومطارات للدروز مرافئ ومطارات وللسنة قيادات وقيادات هي أكثر وأخطر من المرافئ والمطارات.
ومهما تكن الأسس السياسية سياسة خالصة عند الأحزاب في لبنان فإن تشكّلها في معظمها وتوجّهها في معظمها عاد إلى الدين.
كل حزب عاد إلى كهفه الطائفي والمذهبي باحثًا عن الضياء في حوالك لياليه وعن الحرية في بريق سلاسله وقيوده وعن المكاسب والمناصب فوق عروشه وكراسيه.
وهكذا سقط الإصلاح السياسي في كل البرامج الإصلاحية الوطنية والغنعزالية.
لا فرق بين هذه وتلك.
عندما أصبحت ورقة الإصلاح الوحيدة المتجولة بين الأطراف عبر دمشق هي ورقة التقاسم الطائفي والتناتش المذهبي والتكاذب الديني عند جميع الساسة والأحزاب الواقفين مباشرة في مواجهة العمل السياسي أو المتلطين جبنًا تحت جبب المشايخ ومسوح الرهبان.
هذا الواقع المرير يدفع المرء إلى التساؤل بالقول إذا كان الإصلاح السياسي قد سقط بسقوط كل الشخصيات والأحزاب السياسية مرة أخرى في البئر الطائفية فهل ذلك يعني أن فرص الإصلاح قد انعدمت في لبنان؟
أبدًا!
نقول ذلك بصوت أقوى من صوت السقوط نفسه.
لأن للإصلاح الف باب وباب.
والإصلاح الديني في المدتمع الديني يبقى هو المدخل المرتجى بعد سقوط مسيرة الإصلاح السياسي بالشكل الذي تسير نحوه التطورات.
وإذا كانت حركة الإصلاح السياسي عاجزة عن مقاومة الطائفية السياسية فإن حركة إصلاح ديني واعية يمكن من خلال نظرة شمولية وإنسانية معًا أن تقود حركة إصلاحية إجتماعية وتقتلع حركة الإتجار السياسي بالدين من الجذور والدعوة هنا هي دعوة دينية إسامية مسيحية معًا هدفها مقاومة الطائفية بالدين ومقاومة الفرقة بالتوحد ومقاومة الحرب بالسلام.
إن التهم التي وجهت للإسلام وللمسيحية معًا وحتى نكون صادقين نقول بل إن الممارسات المشينة التي التصقت بالمسيحية والإسلام ابتداء من مجازر السبت الأسود التي نفذها مسيحيون باسم الصليب وانتهاء بعمليات الخطف والقتل التي نفذها مسلمون باسم الإسلام هي وحدها كافية في حركة إصلاح ديني للقيام بانتفاضة حقيقية للدفاع عن كرامة الدين الذي امتهن على هذا النحو وذلك من أجل صياغة موقف ديني إسلامي مسيحي سياسي توحيدي يبعد السياسة عن الدين ويمنع الساسة من استغلاله وتسخيره ويضع أمام بصر الناس وبصيرتهم أفقًا إصلاحيًا جديدًا بديلاً عن الإصلاح السياسي الذي سقط.
ثمة مغالطة خطيرة وقع فيها معظم الناس وقوع اليائس الذي لا حياة له.
قوام هذه المغالطة أن التقدميين رأوا في بداية الحرب أن التقليديين سقطوا فحاولوا أن يكونوا البديل حتى إذا ما أصبحوا كذلك سقطوا مثلهم في ما كانوا قد سقطوا فيه من مذهبية وطائفية بشكل دفع الناس إلى القول ألف صلاة وسلام على التقليديين هاتوهم من جديد.
المعادلة ليست في هذه المبادلة.
إما التقليديون وإما التقدميون.
ولا حتى في تلك المداخلة التي يجتمع فيها التقدميون بالتقليديين.
كلهم دخل إلى الكهف الطائفي وأدلى بدلوه في بئره، وشرب من مائها الآسم.
إن حركة جديدة ليست صورتها واضحة بعد يمكن أن تشكل مخرجًا من هذا الإحراج ذي الطرفين التقدمي اليساري والمحافظ اليميني وأن هذه الحركة لا يمكن بالتأكيد أن تكون على منتصف المسافة بين هؤلاء وهؤلاء وإنما على خط آخر مما يقف عليه هؤلاء أو هؤلاء.
تجذّرت الليبرالية الاقتصادية في عمق الفكر اللبناني وصار للبنان تاريخ عريق في اختباره لهذا المفهوم.
وحده لبنان رفض تبني هذا النهج في نظامه وتمسّك بالحرية والليبرالية.
موقفه انعكس ازدهارًا حوّله إلى سويسرا الشرق ودفّق الرساميل والثروات الطائلة إلى قطاعه المصرفي.
فهل يمكن إعادة لبنان إلى موقعه السابق؟
مع اندلاع الحرب في لبنان تداعى الداخل وتزلزلت هيكلية الدولة على جميع الأصعدة وانهارت كل المقومات الاقتصادية والمالية أولاً والديمغرافية ثانيًا وتباعدت المنظومة الاجتماعية ودُمّرت البنى التحتية ليس فقط الإنشائية بل الاجتماعية أيضًا.
الليبرالية الاقتصادية لا تنهض وحدها بالمجتمع اللبناني .
فالمباردة الفردية لن تؤمن الخدمات العامة والضمانات الاجتماعية للمواطنين بل ستصبّ جهودها وقدرتها في سبيل المنفعة الخاصة فقط.
فإذا ما أردنا استعادة السلم الاجتماعي الداخلي ، علينا تنشيط دور الدولة ليس بهدف هيمنتها وتسييرها للاقتصاد اللبناني بل في سبيل خلق الانتاجية الضرورية لتأمين كل ما يحتاجه الشعب من خدمات عامة واجتماعية.
إنطلاقًا من هنا لا يجب إنهاء دور الدولة نهائيًا بل علينا تفعيل هذا الدور لجهة تطوير وظيفة الدولة لاسيما الاجتماعية منها والتنظيمية.
تتداخل في مجتمعاتنا البشرية عدة عناصر منها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي لإدخال الجزء الأكبر من سكان الأرض في نفق الفقر والعوز.
هذا الواقع الاجتماعي تحوّل ظاهرة ، ما من دولة في العالم بمنأى عنها.
فالفقر مع بداية القرن الواحد والعشرين أصبح ظاهرة عالمية تتعدّى جغرافية الدول وبالتالي هو قضية إنسانية عامة يتأثّر بها كل إنسان إلى أيّة طبقة انتمى أو جماعة أو وطن.
لبنان شأنه شأن كل دول العالم يرزح شعبه تحت نير الفقر.
صحيح أن الدراسات الإحصائية الدقيقة لإعطاء حجم دقيق لنسبة تفشّي الفقر في لبنان غير متوفرة إلا أن الأكيد أن هذه النسبة إلى ارتفاع وهي تتخطى الحجم الطبيعي.
في تعاون أجهزة الدولة مع المجتمع الأهلي تتولّد الحلول المعالجة لظاهرة الفقر.
لكن كل استراتيجيا تصبّ في هذا الهدف تبقى عاجزة إن لم تحصل تنمية بشرية عادلة ، علمية وإيجابية تطال الإنسان فردًا وأسرة ومجتمعًا.
يطال الفقر بنوع خاص من هم أصحاب الحالات الاجتماعية الصعبة لاسيما العجزة والأيتام والأرامل والمطلقات والمعوّقين إضافة إلى ذوي الدخل المحدود وأصحاب الحرف والمهن التي تشهد تراجعًا وانقباضًا.
الرعاية الاجتماعية لهؤلاء والخدمات التعليمية والتربوية والصحية والتأهيلية تحسّن من أوضاع هذه الفئة من المجتمع.
وكلّها خطوات تنفّذ نتيجة استراتيجيا متكاملة ترسمها الدولة بالتعاون مع مؤسسات اجتماعية أهلية محلية إقليمية ودولية ومنظمات عالمية وبالتنسيق مع الأمم المتحدة وسائر التجمعات والتكتلات الدولية.
الخطوة العلاجية الأبرز في هذا الإطار تكمن في خلق فرص عمل محلية يمكن أن تمارسها هذه الفئة من المجتمع في منزلها أو في مؤسسات تبنى لهذه الغاية.
في هذا الإطار تأتي الخطوات الهادفة لتنمية الريف وأحزمة الفقر التي تزنّر المدن، إضافة إلى وضع حل لمشكلة الانحراف في صفوف الأطفال والمراهقين والعمل لمحو الأمية.
في العالم يطال الفقر واحدًا من كل خمسة أشخاص وبالتالي 1،3 بليون نسمة يعيشون الفقر المدقع في العالم.
لبنان في هذا المجال يعتبر متفوقًا عن غالبية الدول العربية من ناحية نسبة الفقراء ، لكن الفقر في لبنان موجود ويتزايد حجمه سنة بعد سنة.
لا يحصر الفقر فقط في مستوى الدخل المتدني بل هو يشمل غياب الفرص للتمتع بحياة مليئة بالكرامة وغياب المستوى التربوي والصحي والخدماتي .
نسمع عن الكثير من المعالجات الميدانية المحلية لوضع حد لتفاقم الفقر ، في حين تسيّر شؤون العالم سياسة دولية ، اقتصادية ترتكز على تعميم ظاهرة الدين العام على كل الدول لاسيما النامية منها وبالتالي فرض منظومة تسديد فوائد هذا الدين عبر مضاعفة المداخيل الضرائبية في كل الدول.
إنطلاقًا من هذا الواقع، نرى أن كل المعالجات ستبدو عقيمة ما لم يتبدّل السيناريو الدولي وتتغيّر المفاهيم الاقتصادية التي فرضتها نظم العولمة على المجتمعات الإنسانية كافة.
بعد مرحلة تدمير شاملة طاولت كل القطاعات اللبنانية وقسمت الشعب اللبناني، جاءت مرحلة ما بعد الحرب لتدخل لبنان في نفق الدين العام وتهدد استقراره ونموه وازدهاره.
وبعد تفاقم هذا الدين العام، دخلنا دوامة الاغتيالات والتجاذبات الداخلية والإقليمية التي انتهت إلى حرب تموز الأخيرة لتؤكّد ارتباط الوضع اللبناني بأزمة الشرق الأوسط والتطورات الإقليمية، من جهة، وانعكاس الصراعات الطائفية والتشرذم داخل الطوائف لصدى الصراعات الدولية، من جهة أخرى.
يجب خلق حد أدنى من التفاهم، وإعادة تفعيل الحوار الوطني، والاهتمام بالمصلحة العامة والابتعاد عن المصالح الضيقة والشخصية.
جيل الشباب اللبناني الجديد، هذا الجيل الخارج من أتون الحرب، والذي ذاق مرارة المأساة بكل جوانبها، وإن هو يحافظ على علاقته المتينة بوالديه ووفائه لتضحياتهم، إلا أنّه يرفض التقيّد بتوجيهاتهم لرسم أطر مستقبله.
شباب اليوم يفضلون أن يشقوا طريقهم بأنفسهم ووفق قناعاتهم المستقلة.
أما المسؤولون اللبنانيون فإن بعضهم يثبت يومًا بعد يوم أنّه غير مؤهل لقيادة لبنان في هذه المرحلة الدقيقة التي تعيشها بلادنا والعالم العربي والأسرة الدولية".
سنة بعد سنة في زمن الحرب، لا الوعود الدولية تحققت ولا المبادرات الأممية أزاحت عن لبنان كبوته وأخرجت شعبه من مأساته.
وكل التصريحات الداعمة والخطابات الرنانة التي كانت تردنا من الخارج بددت فينا القلق وأراحت النفوس المضطربة.
عشنا بعيدين كل البعد عن العهود التي قطعت لنا وهي الدول الأجنبية أتت إلى لبنان من أجل أن تسهم في حماية استقلاله وبسط سيادة الدولة على جميع الأرض اللبنانية بعد إجلاء جميع القوات الغريبة إجلاء كاملاً عنه.
إلا أن عواصف الغير بقيت تهدر.
وبقي لبنان بين مخالب المؤامرة.
في 13 نيسان 1975 اندلعت النار واستمرت لعقد ونصف تضطرم لاهبة، واللبنانيون ينظرون إليها وكانها ككل نار ستنطفئ سريعًا كما كان اشتعالها سريعًا.
المراقبون الدوليون كانوا هم أيضًا ينظرون إليها هكذا.
ومثلنا مثل المراقبين كان يبدو لنا ان عواصم السياسة في العالم تنظر إليها هكذا أيضًا.
حتى اخذت الأيام تطول وأخذت الشهور تتوالى وتطوى السنون.
بادئ بدء كنا نظن أن النار التي اندلعت هي نتيجة مطالب لم يستمع إليها فلم تتحقق:
مطالب المغبونين، مطالب المحرومين، مطالب الطامعين، ومطالب الذين ليس لهم صوت يطالب.
فأخذنا نسعى بكل سذاجة وبساطة إلى رفع الحيف عن المحرومين والمغبونين والمقهورين، حتى كانت الوثيقة الدستورية في آذار 1976 التي صار الاتفاق عليها بين القصر الجمهوري وقمة عرمون ودمشق التي قيل إنها مكلفة الكلام باسم قمة عرمون وقد كانت لا تستقر على راي ولا تقف عند مطلب ولا تثبت على قول.
فالوثيقة الدستورية التي ما كادت تعلن في بيروت على لسان الرئيس فرنجية بمختلف وسائل الإعلام حتى قوبلت برصاص ابتهاج في بيروت الشرقية رد عليها برصاص امتعاض في بيروت الغربية.
فلم تعش اكثر من ربع ساعة.
وما كاد الرئيس فرنجيه ينهي كلامه عليها في التلفزيون حتى كانت الوثيقة قد انتهت.
ثم راحت الحوادث والاحداث تتوالى.
فالنار التي كانت قد بدأت كنار قيصر عامر اخذت تتحول شيئًا فشيئًا إلى نار فردانية او كالتي هطلت في اثناء الحرب العالمية الثانية على فرصوفيا وبرلين ولندن ودينكرك.
واخذت تتصاعد معها المطالب حتى لم تعد تعرف لها حدودًا.
ثم باتت مطالبة المطالبين وكأنها ليست مطالبة لمطالبة بل هي مطالبة لرؤوس ومطالبة البلد للخروج عن خطه.
ومطالبة حكامه الارتماء بين أيدي الفلسطينيين وفي احضان السوريين والعرب الذين كانوا يشدون ازرهم مطالبة بالتنكر للذات وبالاعتراف بذات هم غرباء عنها والانضمام إليها والعمل وإياها كأنهما ذات واحدة.
عندها بدأ اللبنانيون ومعهم الدول والمراقبون ينظرون إلى النار المشتعلة على أرض لبنان كنار تبتغي حرق البلد لا تبتغي محاولة حمله على التسليم بمطالب.
اما لماذا حرقه فهنا تبدت مخالب المؤامرة الكبرى التي مدبروها كبار ومنفذوها صغار.
فالاتحاد السوفياتي كان يدبر والفلسطينينون والإيرانيون والباكستانيون والمرتزقة ثم السوريون والليبيون والعالم الذين هم يديرون في فلكه أو هو يدور في فلكهم كلهم كانوا ينفذون.
وعلى صعيد آخر كانت إسرائيل وشركاء لها تدير حركة ثانية تلتقي مع المؤامرة الكبرى للتخريب وتفترق عنهم في الغاية.
حتى أدرك اللبنانيون ومن يهمهم الأمر من دول العالم أن ما يحدث في لبنان يجب أن يعالج معالجة المؤامرات الكبرى لا معالجة الفتن والحركات والحروب الأهلية على ما كان يروج الإعلام الكاذب آنذاك.
إذاك تغيرت الدواسة فاخذت الدول الكبرى تحرك مجلس الأمن لدى منظمة الأمم المتحدة وأخذ اللبنانيون المقيمون والمنتشرون يحركون الدول الصديقة حتى استصدرت الدول الكبرى قرارات عدة من مجلس الأمن بقيت بلا تنفيذ.
وتوصل اللبنانيون بوساطة جالياتهم والنافذين من رجالهم إلى الحصول على مساعدات.
وكانت فرنسا هي البادئة في التطلع إلى لبنان وفي الاهتمام لأمره ولا عجب لما بين لبنان وبينها من تاريخ ولما هي فارضة على نفسها أن تكون نصيرة الحق وجندي الله والحرية وقد بدأت البادرة الفرنسية على أحسن ما تكون المبادرات ولكن أمرها لم يطل إذ بدأها فاليري جيسكار ديستان وأنهاها فاليري جيسكار ديستان قبل انتهاء ولايته وعاد تحريكها فرنسوا ميتران وها هي تنتهي قبل ولايته هي أيضًا بوقت طويل.
حتى لكأنها بادرة شخصية لا مبادرة امة حيال امة صديقة.
بعدها أطلقت الولايات المتحدة الأميركية مبادرتها التي لم تلبث ان ادركت نهايتها أو تكاد قبل أن تنتهي ولاية رونالد ريغان.
تساءل حنين "من لا يعرف أن 4 في المئة من أبناء لبنان قتلوا، أو أعيقوا، من جراء الأعمال الحربية المستمرة منذ تسع سنوات، وأن 25 في المئة من اللبنانيين كانوا عرضة لإحدى الهجرتين:
القريبة من لبنان إلى لبنان، والبعيدة من لبنان إلى مختلف أنحاء العالم، وأن 30 في المئة من العمار اللبناني قد هد أو تضرر وأن 50 في المئة من أيام التدريس قد اهدرت سواء أكان في الجامعات أم في المدارس الثانوية أم الابتدائية ودور الحضانة، وأن 50 في المئة من طاقة الانتاج الصناعي والزراعي قد تولاها الوهن أو الشلل والتوقف، وأن 90 في المئة من هناء الناس قد تبخر و90 في المئة من قرف الناس قد ازداد؟
واعتبر أن التدهور الحاصل "ليس بسبب أولئك ولا بسبب هؤلاء، فالاولون هم السدان الذي تضرب عليه المؤامرة، والآخرون هم المطرقة التي بها تضرب المؤامرة".
ورأى أن المؤامرة "جذورها أبعد من سوريا وأبعد من إسرائيل".
وقال إن جذور المؤامرة في موسكو، وأن اليد التي تحاول تفكيك شباكها هي في واشنطن وباريس ولندن وبون وروما والفاتيكان.
ودعا اللبنانيين إلى "إعداد انفسهم للمقاومة والصبر على المقاومة ولترسيخها كل يوم وساعة".
مؤكدًا "أن لكم في المقاومة بقاء".
ورأى أن الأهم من المهم هو "أن لا يضع لبنان نفسه في الطريق الذي يخسر فيه نفسه" وقال:
"يوم يخسر لبنان حب الحياة، بعدما خسر فرحها، يخسر كل شيء ويخسر، أول ما يخسر نفسه".
قال النائب حنين "إن لبنان اليوم ورقة قابلة أن تكون رقعة لكل رقيم وقابلة كل كتابة.
فلتقدم الهيئة التأسيسية المقرر إنشاؤها في لوزان، على أن تجعل منه إمارة أو ديمقراطية أو اتحادية أو حيادًا أو محمية أو ما يمكن أن يبتدعه العقل السياسي من أشكال، شرط أن يسلم إثنان:
بقاء حر وكريم وشريف، ومساواة في العدل.
حتى إذا أمكن صرف النظر عن هذين الشرطين الكيانيين قبل لبنان صرف النظر عنهما، إذا استطاع الوجود أن يظل وجودًا وإذا بقي البقاء بقاء".
وأبدى ملاحظات على تشكيل الهيئة التأسيسية:
1 – يستحسن ألا يطلب من الطوائف اقتراح أسماء الذين ترغب كل طائفة في تمثيلها.
فإن التمثيل يتكون، على قدر الإمكان، إذ ليس لزامًا أن يكون التوازن كليًا في كل واحدة من هذه الهيئات لدى تشكيلها.
2 – ينظر، أولاً وقبل كل شيء، في الكفاية والاختصاص والخبرة والإخلاص.
3 – يجب ألا يؤخذ، في هذه الهيئة، أحد من داخل المجلس النيابي، لأن المجلس مدعو إلى المصادقة على مقررات هذه الهيئة.
4 – يجب ألا تنقص حقوق الاختصاصيين المعمرين لمصلحة الاختصاصيين الشباب، وألا تنتقص حقوق هؤلاء لمصلحة اولئك.
5 – يجب أن يكون رؤساء الوفود الذين كانوا في مؤتمر جنيف فمؤتمر لوزان، أعضاء طبيعيين في هذه الهيئة، إضافة إلى الأعضاءا لإثنين والثلاثين المعطى لرئيس الجمهورية تعيينهم، لا من أصلهم".
وأوضح أن "لكل صديق، كبر أم صغر، نظرة إلى لبنان الحاضر وموقف، ولكل عدو نظرة إليه وموقف، ولكل فئة او طائفة أو جهة لبنانية نظرة إلى لبنان الحاضر وموقف.
فسوريا تجد وراء استكمال انتصارها على الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، لتثبت أن ما لم تستطعه الولايات المتحدة في لبنان، وهو فرض السلام، استطاعته هي او هي واصلة إليه.
وهكذا ما لم تستطعه إسرائيل لتثبت أن الاتفاق الذي لم تتمكن إسرائيل من تثبيته بين لبنان بينها ستتمكن هي من وضعه وتثبيته.
وإسرائيل تلاحق في لبنان خطة مرسومة، وقد رسمت قبل أن تنشأ هي عام 1948، أما الولايات المتحدة الأميركية فمجال عملها العالم، وهي لا تهتم بلبنان إلا بمقدار ما تحتاج إليه في اللعبة التي تلعبها في الشرق الأوسط.
الذين يعرفون ماذا يريدون يصلون والذين لا يعرفون لا يصلون أبدًا.
وحدهم غير واصلين هم اللبنانيون.
وشر من الشر الذي فيه يعيشون هو انهم يأبون أن يضعوا أنفيهم على طريق المعرفة.
المناسبة الآن، عارضة لهم وقد لا تعرض لهم مرة ثانية وهي الهيئة التأسيسية المقرر إنشاؤها فإذا تعهدوا كلهم على أنهم يريدون لبنان كيانًا نهائيًا واجب الوجوب وإذا تعاهدوا على رفض كل ما لا يدعم هذا الكيان وقبول كل ما يدعمه وإذا تعاهدوا على إرجاء كل ما يجب إرجاؤه إلى وقت آخر.
وطلعوا من الهيئة التأسيسية الدستورية بقبضة من الحقائق اللبنانية الثابتة على أن يبنى عليها الدستور والقوانين والأنظمة ساعة تلح الحاجة إليها يكونون طلعوا بما من شانهم أن يقنع العالم بأنهم هم أيضًا يعرفون ماذا يريدون ويصير للهيكل أمل في ان يقوم وللبنان أمل في ان يبقى.
ورأى أن لبنان اليوم بعد السنوات التسع العجاف وبعد كل ما أصابه من خراب ودمار وبعدما أصبحت مؤسساته الدستورية على الأرض ومؤسساته الوطنية الجيش والضمان والجامعات وماله وأعماله واقتصاده وبعدما أرضًا صفصفاف ما بقي منها لا يصلح لشيء ويصلح لكل شيء في آن واحد فعلى القائمين على أمرها أن يتعدوا إنقاذ لبنان إلى خلق لبنان جديد، جديد بكل شيء وبإرادة جميع أبنائه ، فلم يعد فيه أصحاب امتيازان ولم يعد فيه مغبونون ولا عاد فيه محرومون ولا عاد فيه أصحاب حقوق مهضومة ولا عاد فيه غاصبون ولا مغتصبون.
ودعا إلى أن تكون البداية في بناءا لإنسان اللبناني الذي من اجله ينشأ هذا اللبناني الجديد.
وحذر من التفكك الذي أصاب لبنان.
فكأن أهل لبنان ضيعوا طريق بعبدا وضيعوا دروب بعضهم إلى بعضهم الآخر وهي أسهل الدروب.
فماذا بعد هذا التفكك؟
غني في انتظار ذلك لكي يكتمل الدمار والانهيار فنبدأ صفحة جديدة في بناء لبنان الجديد، صفحة جديدة هي ملكنا من الألف إلى الياء.
صفحة بيضاء تستطيع ان تكتب عليها كل شي من حد واحد من نشيد الغنشاد غلى حد واحد من مراثي إرميا.
ان جميع دول العالم شرقية وغربية سوريا من هنا وروسيا من هناك، تريد للبنان الاستقلال والاستقرار والحرية والسيادة على جميع أرضه، حرية في اخذ جميع المبادرات وحرية في تقرير المصير.
لم نلق دولة واحدة كانت بالفعل الى جانب تعهدها أمام العالم أحيانا وأحيانا أمامنا فقط لم نر دولة واحدة أمام تعهدها اتجاه العالم بأن تسعف لبنان في الوصول الى سيادته وحريته واستقلاله.
هناك بادرتان اثنتان في هذه السنوات الثماني، ظهرتا في طريق المساعدة والعون المبادرة الفرنسية أيام الرئيس الفرنسي جيسكار ديستان الذي عرضها وهو في واشنطن، فأعلن انه قادر على الاخذ بارادة بمساعدته وعونه، وانه عامل وحكومته في هذا السبيل، في الساعة نفسها "دي غرينغو" الشعب اللبناني مستغنيا عن طلب حكامه وزير الخارجية في باريس تحفظ حيال هذا القول.
وما ان عاد الرئيس جيسكار ديستان الى باريس حتى مشى في مخطط وزير خارجيته وانقلب على ما كان قد وعد به وأعلنه في واشنطن وتبخرت المبادرة الفرنسية كالحلم الجديد.
والمبادرة الثانية هي هذه التي نعيش، هي هذه التي بصددها وزير خارجيتنا ادلى ببيان هنا غير هذا البيان وقد سبق له ان ادلى بتصريحات في مقاماث عدة، دولية وداخلية، هذه التصريحات التي حملت الى الشعب اللبناني وانا واحد منه حملت التوهم والاقتناع بأن الولايات المتحدة الاميركية آخذة بيدنا للوصول ببلادنا، بشرعية حكمنا الى ما يؤمن للبنان حريته وسيادته واستقلاله.
بعد الرحلة الاخيرة التي كنا نتأمل منها خيرا عميما خاصة انها احتوت جميع المسؤولين في السلطة التنفيذية الاجرائية، هذه الرحلة عاد اصحابها في شيء لا اقول خيبة، بل بشيء من الفتور لمن تابع البادرة من شحوب وهزال، فوزير الخارجية الآن اراد ان يجعل مما ليس انتصارا انتصارات، ومما ليس نجاح نجاحا.
هذه المبادرة الاميركية التي نحن في شوطها الاخير مع المبعوث الاميركي الجديد.
فاذا لم يحقق هذا المبعوث الجديد الآمال المعلقة منا على اميركا والوعود التي كانت مقطوعة لنا من المسؤولين الكبار والثانويين بأن يكونوا جميعا حكومة وشعبا مع المسألة اللبنانية الى ان تحل، اذا لم يتوصل الى نتيجة نطمح اليها ونتوخاها، فلا يبقى يا دولة رئيس الحكومة ويا معالي وزير الخارجية سوى ان نفكر جديا ببديل وهذا البديل هو مؤتمر دولي يعقد في اي مكان من العالم في بيروت، في واشنطن، في نيويورك يضم اميركا، الاتحاد السوفياتي والدول الاعضاء الخمس الدائمين في مجلس الامن وممثل عن الجامعة العربية.
وكلنا نعرف ان هذا المؤتمر سيعيد القضية الى بدايتها، سنعود نمشي طريق الجلجلة من جديد، وقد يكون الى عشر سنين ولكن في نتيجة الامر مكتوب لنا ان نصل الى غاية الطريق.
اذا اخذنا هذا البديل وليس لنا بديل مجد سواه يكون من المؤمل لنا ان نصل ولو بعد سنوات طويلة الى ما نحن بعدما انقضى علينا ثمان سنوات في انتظاره.
دولة الرئيس،
ما من لبناني الا ويجد نفسه معكم في الاهداف، معكم في بلوغ هذه الاهداف، معكم في مصاعب الطريق، هذه هي قوتكم، انكم اقوياء بنا، وهذه هي قوتنا.
اننا اقوياء بكم فلا تدعونا نضعف ونقسم ان لا ندعكم تضعفون، كان الله في عوننا اجمعين.
بقي امر آخر لا بد ان أبدي رأي فيه، واعتقد انه رأي الاكثرية العظمى من اللبنانيين، وهذا الامر يتعلق بعلاقات لبنان الدولية، في الحاضر وفي المستقبل.
ان لبنان عضو في جمعية الامم المتحدة.
وله طبعا صداقات دولية عديدة، وهذا ما يوحي بعض الطمأنينة.
لكن الاهم هو ان لبنان السيد المستقل الحريص كل الحرص على استمرار حرياته الكاملة السياسية والاقتصادية والمالية.
اخطر ما يواجهه وطن من الاوطان، هو ان يصبح في نظر اهله منطقة من المناطق، اخطر ما يواجهه شعب من الشعوب، هو ان يصبح في علاقات ابنائه تجمعا من التجمعات، اخطر ما يواجهه دين من الاديان، هو ان يصبح في ايمان اتباعه طائفة من الطوائف، اخطر ما تبلغه حرب من الحروب، هو ان تصبح في ممارسة اطرافها حربا مستديمة بلا وعد، تأملاً بسيطاً يكفي لان ندرك حقيقة هذه الاخطار، انما هي اهداف ثابتة لعدو واحد،
ان استمرار المجلس النيابي رغم كل المصاعب والمحاولات الرامية الى شله وتعطيله، من كل صوب، يكفيان للتدليل على ان لبنان، لبنان المؤسسات الواحدة، لبنان الشعب الواحد، لبنان الارض الواحدة، امر ممكن، امر مطلوب، حقيقة تاريخية، وليس خطأ جغرافيا يعاد رسمه كل حين.
لا ينبغي ان ننخدع بدعاوى الواقعية المزيفة، التي تريد ان تجعل من انقسامنا، الحالة الطبيعية المناسبة لوجودنا، ان ما يدعو الى التفاؤل، هو ان اوهام الامن الذاتي، والمناطق المقفلة، قد تبددت وظهر انها ليست سوى سجن كبير، وان الحرية لن تكون الا لجميع اللبنانيين، ولن يحفظها الا نظام دولة، لن تكون الا دولة جميع اللبنانيين.
ان الارادة الوطنية، لا بد ان تتغلب وتظهر على غيرها من الارادات.
دورنا ان نستجيب لما تنطوي عليه الارادة الوطنية، من اتجاه توحيدي يجابه خطر الزوال اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا.
دورنا ان نستجيب للارادة الوطنية بما هي ارادة انتقال من حالة التمرد والفوضى، الى حالة الحرية والنظام.
من حالة الخوف، الى حالة الشعور بالامان، من الانقسام والانغلاق وحكم الميليشيات، الى الوحدة والانفتاح وسيادة القانون، من الحرمان والتهجير والتشريد، الى الاستقرار والعمل المنتج والعيش الكريم، من التسلط والفساد وتوزيع الحصص، الى الحكم والادارة والتكافل والتضامن، من الخراب والدمار، الى الانماء والاعمار.
ان نوع الرؤية، يحدد نوع الحل.
فبالرؤية الوطنية، نرى الحل الوطني.
وبالرؤية الفئوية، نعمى عن أي حل الا الحل الفئوي.
لقد قادتنا الرؤية الفئوية الى ما نراه من خراب ودمار، ولا يمكن لاي لبناني مخلص، الا ان يستفيد من دروس هذه الحرب التي دفع ثمنها غاليا.
ولا يمكن لاي لبناني مخلص، الا ان يقران الطائفية، التي يأبى ان يكون موصوفا بها لكونها افقارا للروح، والغاء للمواطن، وانغلاقا على التمدن، ومصدر استغلال داخلي وخارجي، واساس تمييز وتناحر دائم، ودروس تجاربهم، وحاجات بقائهم، ما دامت هذه الطائفية اساسا يبنى عليه.
فلا بد من اجل ذلك من اعتبارها حدا سلبيا، يتلاشى، كلما تقدم اللبنانيون في طريق العدل والاعتدال.
فلا بد من اجل ذلك من ان يرتسم ذلك على الطريق في مجال الدولة وعبر المؤسسات الشرعية، فلا نحكم مسبقا على نمو كل تيار وطني غير طائفي بأن يكون تيار رفض وحركة هدم للمؤسسات.
فلا بد من اجل ذلك من ان يكون الافق مفتوحا بدون ان نتجاهل الحاضر او ان نجعله مغايرا لكل مستقبل.
فلا بد من اجل ذلك من الانفتاح حقا على بناء الارادة الوطنية وعلى ممارسة الحياة الوطنية، في اطار دولة مدنية تستجيب، في عملها ومؤسساتها المتكاملة، لحدود الحاضر ومدى المستقبل.
فلا بد من اجل ذلك من تأمين السلطة القادرة وتأمين مسارها الوطني وشرعيتها الوطنية من خلال المؤسسات، لا ان نجعل الادارة حصصا، والسلطة المركزية قناعا لسلطات وسلطات.
ان أي لبناني مخلص، يدرك انه لن يجدينا شيئا ان نصطنع الفصل بين ما هو وطني واجتماعي وروحي، باسم حداثة امست شكل زيف وتجربة غربة.
ان أي لبناني مخلص، يدرك انه لن يجدينا شيئا ان نسخر الدين الدولة مجددا، باسم دولة دينية، لا بد ان تكون طائفية بحكم الواقع، يخضع الدين فيها لاحكام القوة الواقعية.
ان أي لبناني مخلص، يدرك ان الشكل المناسب لحياتنا الوطنية، هو في دولة تتجاوب مع حقيقة انتماءات اللبنانيين الروحية، فلا تعتبر المواطن مجرد كائن اجتماعي، منتج او مستهلك، قاهر او مقهور، بل وجودا روحيا اصيلا، توفر له شروط التفتح بلا تمييز او اكراه.
دولة تحفظ الجماعات والافراد وتوفر لهم شروط العيش الحر الكريم.
دولة تعمل على تحقيق ارادة اللبنانيين في الانفتاح والتقدم في مجرى المصير العربي.
دولة مدنية، لا تقوم على التعصب القومي، بل بالهوية العربية التي لا تميز بين عرق وعرق، او دين ودين.
ان التطرف من كل جهة هو الذي يؤدي الى هذه النتائج المريرة التي اودت بكل مجالات العمل والحياة في بلدنا الى الدمار والى الانهيار.
فالى متى سيظلون على هذا النحو يعملون هدما وتدميرا في هذا المجتمع وفي هذا الشعب؟
ولم نستطع امام كل هذا ان نردع اولئك او ان نضع حدا لهذا الواقع الذي يتفاقم يوما بعد يوم.
حتى بلغت الامور الخطوط الحمر التي يجب ان ننبه اليها، ان الدولة والمؤسسات، الخزينة والاقتصاد والانسان في لبنان لم يعد في استطاعته ان يتحمل اكثر مما تحمل.
ونحن عندما نجد من يقوم بمحاولات صادقة من اجل لجم التطرف وجمع المتناقضات، من اجل ان يكون التوفيق والوفاق نتيجة هذه المساعي الاخوية الخيرة يجب الا يكون هذا مبعثا للقلق او للشك لانه عندما تكون للتطرف نهاية تكون نهاية هذه الازمة المحنة.
ولا اخال احدا فينا الا ويتمنى ان نصل وبأسرع وقت الى ما يضع حدا نهائيا لما يتخبط فيه لبنان.
الظاهرة الإيجابية تكمن في بروز قوة شعبية مستقلة تمردت على رغبات القوى السياسية المسيطرة على مفاصل الحياة الوطنية، والظاهرة السلبية تبلورت في تسلل الرشوة السياسية من الساحة النيابية والسياسية العامة إلى الساحة المحلية ما يؤكد فسادا في البيئة السياسية في لبنان على مستوى البنية القاعدية والبنية السلطوية على حد سواء.
ان منطقة الشرق الأوسط تمر في مخاض سياسي عسير تتعزز في إطاره تشكلات سياسية اجتماعية جديدة بين الكيانات السياسية القائمة في هذه المنطقة منذ بداية القرن الماضي"، مشيرا الى "ان إعادة تشكل هذا الشرق قد يؤدي إلى الاحتكاك، في الحدود القصوى، بين المكونات الاجتماعية الكبرى فيه، وإلى فرز وقائع اجتماعية سياسية تعكس حقيقة التوازنات السياسية والإجتماعية المستحدثة.
إن من حق لبنان أن يساهم في رسم خريطة طريق تؤسس لسلام عادل بين جميع مكونات هذا الشرق.
وهو إذ يلتزم هذه القضية كثمرة للعدالة ونتيجة لإنماء الشخص البشري والمجتمع، يعمل على توطيدها على أسس الحقيقة والمحبة والعدالة والحرية،
إن هذه الدعوة موجهة إلى كل اللبنانيين دون استثناء، وأن التضامن فيما بينهم للإسهام في بناء سلام عادل وشامل في المنطقة، يرتكز على المبادرة العربية التي انطلقت من القمة العربية في بيروت، يعيد إلى لبنان دورا ووظيفة كان قد افتقدهما يوم عزل نفسه خوفا من الاتهام بباطل وخيانة مارسهما غيره على حساب هويته، وحريته، وسيادته.
إن لبنان قادر لوحده على صياغة مشروع ثقافة سلام بين مكونات هذا الشرق نظرا لما يختزل في مساره التاريخي من تعددية وتمرس في قبول الآخر والانفتاح عليه.
لكي يتمكن لبنان من استرجاع هويته وحماية حريته، وجب على اللبنانيين، مسؤولين، قادة، وشعبا، أن يقتنعوا ضمنا أنهم شعب بلغ فعلا سن الرشد الوطني، وأن يضعوا في سلم أولوياتهم العمل على استرجاع سيادة الدولة كاملة على تراب الوطن.
إن استرجاع السيادة يتطلب حلا جذريا ونهائيا لوجود السلاح الفلسطيني داخل وخارج المخيمات، خصوصا بعدما تعطل دوره في الدفاع عن فلسطين وشعبها وساهم بتحويل المخيمات ملجأ لجماعات مشبوهة تعمل على زعزعة الأمن والاستقرار داخل المجتمع الفلسطيني نفسه، وفي لبنان والعالم.
إن استكمال السيادة يتطلب أيضا وحدة القرار الأمني على كامل تراب الوطن، كما يتطلب وجود سياسيين أحرارا وأسيادا، ومسؤولين مؤمنين بحق اللبنانيين بإدارة شؤون بلدهم بعيدا عن أية وصاية أو ذمية سياسية تعودنا على مشاهدتها عقودا من الزمن.
نوجه الدعوة الى انتفاضة عقلانية على المستوى اللبناني، مؤسسة على تساؤلات وجودية سبق ان طرحها اللقاء وتشكل عنوانا لمرحلة جديدة في اطار مساره السياسي.
عندما تصطدم قوى الحديد والنار وصفيح الدبابات بلحوم البشر، فان الذي ينتصر هي الروح التي تغلفها تلك اللحوم.
روح البطولة والاستشهاد، بل ارواح اؤلئك المقاومون الابطال الذين يصدون العدو لتحرير لبنان من الاحتلال.
نريد ان نعرف لماذا التأخير في البت بقضية المخطوفين الإنسانية، فاذا كان هناك اناس يتعذبون حيث هم مخطوفون، فان هناك اهالي ايضا لا يقلون عنهم عذابا في تحمل اختفاء ابنائهم وذويهم.
مما لا شك فيه ان لقضية المخطوفين أهمية قصوى، نظرا لان هذه القضية لا تزال تتفاعل يوميا، خاصة وان هناك من يخطف ونجهل مصيره حتى اليوم.
لقد آن الاوان ان تتخذ حكومة ما يسمى بحكومة الوحدة الوطنية ان تتخذ قرارا لملاحقة الخاطفين وليس ان تتخذ قرارا بالافراج عن مخطوفين، فلنقر واقعة حقيقية، ذلك ان المواطن اللبناني بلغ بنتيجة التدهور الامني ، بلغ حد طلب لقمة العيش الكريمة فقط، طلب الامن على حياته كي لا يسرق ويقتل، لكي يتمكن من العيش الكريم.
اني اسأل بهذه المناسبة ما هي التدابير التي لجأت اليها الحكومة حتى الآن لمعالجة هذا التدهور الدراماتيكي في امكانية تلبية الحاجات الاجتماعية للعائلات اللبنانية، فاما انكم تشجعون الناس على السرقة لتمكينهم من توفير حاجات عائلاتهم، واما ان تواجهوا هذه الازمة فتضعوا حدا لهذا التدهور وانتم قادرون في حال توحدتم وفي حال ظهرتم للرأي العام فريق عمل موحد منسجم مؤمن برسالته وبالمهمات الملقاة على عاتقه.
من صفات الشرق عامة ومنطقة العرب خاصة انها تتعاطى السياسة بالعاطفة والتعاطي بالامور السياسية وقد اصبحت حتى في البلدان المتأخرة، علما يقاس كما تقاس الارقام، ونحن منذ عشر سنوات نقيس الامور بالعاطفة، العاطفة حملتنا الى البكاء والتباكي وعند ذلك يصبح بلدنا حائط مبكى للعالم، حتى ان العالم اليوم لا يهمه ما يحدث في لبنان، ومجلس الامن عنده الخير اليقين.
لنتجرد لمرة من العاطفة ونقول رأيا عقلانيا بدءا بقضية المخطوفين، فمن خطف ولمن ومن يمثل الخاطفين ، اذا كانوا خارج الحكم، فنحن والحكومة عليهم سواء، اما وانهم داخل الحكم حماة الخاطفين وممثلوهم، فقبل ان نعاقب ونطلب تغيير أو الغاء او توقيف قانون العقوبات يا حضرة الزميل، فلنتجه الى معاقبة حماة عدم تطبيق القانون الذين هم الحامون للخاطفين.
لكن نرى ان هناك اكثرية في الحكومة لا شأن لها بالخاطفين ونريحها ان نحن اعتمدنا وقررنا ان نحاسب حماة الخاطفين، فتعالوا من باب الواقع نتفاهم والحياديين في قضية المخطوفين في الحكومة كما يراد ان يكون الامن بالتفاهم والتراضي.
لا يمكن ان يكون، والحكم على ما هو عليه اليوم الا وان يكون الامن بالتراضي والتوافق بين اعضاء الحكومة.
ومشكلة المخطوفين هي جزء من كل في الوضع العام لهذا البلد.
المناخ العام الذي يحيط بالمسار الوطني والسياسي في لبنان، يتطلب من كل مسؤول في اي موقع كان، ان يعتمد المبدأ المذهبي في تعامله مع الاحداث في لبنان، الذي يقوم على الدفاع عن كل مستضعف طاولته الاذية وأثخنته جراح، خلفها ضغط او اكراه ناجم عن استعمال قوة السلاح ام سلاح الاستقواء.
المرحلة الحالية التي نعيشها اليوم، تتصف بضبابية سياسية مطبقة، ولو تشكلت ستبقى مسرحا للكباش السياسي في ظل توازن رعب اقليمي ودولي قد يؤدي الى زعزعة الاستقرار في الداخل ضمن مشروع يطاول منطقة الشرق الاوسط بكاملها.
اية حكومة تولد من رحم هذا المناخ الطائفي والمذهبي ستكون قاتلة للامال ولن تستطيع حل هذه الاشكاليات، لارتباط المتنفذين على المستوى السياسي اللبناني بعواصم القرار الاقليمية والدولية ولانصياعهم لاملاءات القناصل وثقافتهم من جهة، ولغرائزهم السلطوية الالغائية القاتلة من جهة اخرى.
يبدو لبنان اليوم منقسما حكما الى فئتين متنازعتين:
فئة متسلحة بشرعية دستورية صورية، خاوية من أي مضمون، تحكم بدستور الامر الواقع، وفئة متسلحة بمشروعية الامر الواقع، تفتقر سلطتها الى غطاء داخلي وعربي أو دولي جامع، وفي هذا الاطار يتضح للعيان ان هاتين الفئتين باتتا عاجزتين عن الحكم، كما عن المعارضة بالوسائل الديموقراطية الحقة، وعاجزتين كذلك عن إخراج البلد من المأزق الذي أوصلتاه اليه اليوم، بقصد أم بغير قصد، نتيجة انسياق معظم القوى السياسية في سياسة المحاور الاقليمية التي ترسخت في منطقة الشرق الاوسط.
هذا الواقع الاليم يفرض على القوى السياسية المتنازعة الاقرار بعجز كل منها منفردة عن حكم البلد، بل عن التحكم فيه، وضرورة التخلي فورا عن منطق الاستئثار ولغة القتال، وعن التصعيد الاعلامي، والانتقال العاجل عبر مؤتمر وطني عام، يعقد برعاية عربية ودولية، الى حوار معمق وهادىء بمشاركة جميع القوى السياسية وهيئات المجتمع المدني، يستهدف الاتفاق على عقد وطني جديد يضفي على الشرعية الدستورية مضمونا تمثيليا، بحيث تنطلق البلاد مجددا في حياة عامة ذات مرتكزات دستورية راسخة ومواثيق حكم قابلة للاستمرار والديمومة، حوار يعيد الحياة الى الميثاق الوطني الذي أرسى التسوية التاريخية الفريدة التي يجسدها لبنان، والتي يكمن جوهرها في الاعتراف بالآخر بكل خصوصياته، وفي قبول شراكة الحياة معه بندية في هذه البقعة المتميزة من العالم.
بالنسبة الى التهميش المسيحي فانه عندما "أقرت تسوية الطائف اعتقد واضعوها أن مجلس الوزراء الذي صار بموجبها إدارة جماعية ديموقراطية توافقية" ستحقق المساواة وتزيل الهواجس وتأخذ بيد اللبنانيين نحو الوفاق المنشود، ولكن الادارة الجماعية الديموقراطية التوافقية في دولة مركزية، بالاضافة الى سوء تطبيق الطائف وما شاب هذا الاتفاق في الاساس من ثغرات مهمة جدا أثرت سلبا على فصل السلطات وتوازنها ودفعت بالدولة المركزية الى العجز وإيصال شعبها الى ما وصلت اليه من تمزق.
قول مأثور معلوم يردده العالم، ونحن في لبنان اكثر ما نردد هذا القول.
في البدء كانت الكلمة، والكلمة هي الفعل الذي بواسطته خاطب الخالق المخلوق، ومنها تجسدت الكلمة في الكتب السماوية.
فالكلمة اذا، وهي بدء الكون، وقيد في الكتب السماوية، تأتي في قدسيتها كأعلى ما خلق الله، ومنها على الانسان المخلوق ان يضبط مفهوم الكلمة بقدر ما يستطيع، وبقدر ما يضبط مفهوم الكلمة، بقدر ما يتقرب من الله عز وجل.
ونحن في لبنان عندنا انجيل وقرآن، فكيف فهمنا الكلمة المجسدة فيهما؟
فوالله، بعد البحث والتدقيق والواقع، ترى ان اكثرنا عطل احكام الانجيل، وعطل احكام القرآن، وجعل الخطف والقتل والسجن وسيلة للتقرب الى الله.
فوالله ان الله براء منا.
فأخشى ان يكون براء منذ مجموعنا جميعا.
اذا كانت هذه حالنا في الانجيل والقرآن، فما هي حالنا امام الدستور الذي هو يجسد قول الشرف عند الدول لتنضبط وتتقيد فيه.
يقول "دوغيه" في مجلده الرابع "العلم الدستوري":
"الدستور لا يقيده في مفاهيمه سوى حسن نية وشرف وامانة من يطبق الدستور".
فاذا ما رجعنا الى ضمائرنا، هل اننا منذ سلمنا الاستقلال سنة 1943، حافظنا على كلمة الدستور؟
فمن الخير أن نحدد ما هو مفهوم الدستور؟
العالم كله يعلم مفهوم الدستور.
ما كتب وما تم التعارف عليه، وما استمر عليه الاجتهاد.
لا يمكن لدساتير العالم ان تفصل جميع الاحكام.
اما وان الحالة على ما هي عليه في لبنان، وما تم التعارف عليه في تفسير الدستور، فأرى انه لا بد من الانطلاق من مبدأ واضح، ان يتم تعديل الدستور لا تغيير الدستور، على ان تضاف حرفية الاعراف الدستورية وما امكن ضم حرفية ما تم واستمر عليه الاجتهاد الدستوري في العالم.
اذا ما اردنا ان نستعرض دساتير العالم المجسدة في انظمة العالم، نرى ان هناك النظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني، وهناك النظام الملكي الجمهوري البرلماني، وهناك الانظمة التوتاليرية، وهناك الانظمة الرئاسية، والانظمة الشبه الرئاسية في الجمهورية الخامسة.
وليس ثمة انظمة غير ما ذكرت.
وباجماع فقهاء الدساتير في العالم، يقولون:
"ان دستور الجمهورية الثالثة الفرنسية الذي استقى دستورنا منه اكثر احكامه، ان لم يكن كلها هو على سوءه افضل من جميع دساتير العالم، ومن جميع الانظمة".
ولكن عجبا.
نتعارف على هذا المفهوم، وترانا بأكثريتنا، ان لم يكن باجماعنا، نتعارف على ان العلة في الدستور، فنقول:
الدستور كان سبب الهيمنة، فأقول ان الهيمنة اتت نتيجة عدم تطبيق الدستور بمفهومه الذي ذكرت.
يقول "اسمن" الامر الوحيد الذي بامكان رئيس الجمهورية ان يفعله منفردا هو ترأس الحفلات الرسمية فقط لا غير.
ويقول غيره من فقهاء الدستور، وكل من كتب دستورا وعلل دستورا:
"ان رئيس الوزراء هو الذي يعطي الكلام في مجلس الوزراء، وهو الذي يقرر جدول الاعمال".
يقولون ان الهيمنة وليدة الدستور فقلت ما هي صلاحيات رئيس الجمهورية؟
في العرف والنص والفقه، جميع قرارات رئيس الجمهورية يجب ان يوقع عليها وزير واتى الشرع واستمر على الاطلاق ان يسبق توقيع الوزير بتوقيع رئيس الوزراء او ما عبر عنه بالوزير الاول.
يقولون ان الدستور لا يؤمن المشاركة.
فيا غيرة الدين، ويا قميص عثمان.
الدستور ومفهومه واحكامه واعرافه تحصر جميع الصلاحيات بمن يتحمل المسؤوليات.
ينتج عن ذلك ان رئيس الوزراء هو الاول في تحمل المسؤولية ويتبعه الوزراء، ورئيس الجمهورية ليس في مجلس الوزراء الا صمام امان، حكم، اذ ان الوزارة يمكن ان تكون لحزب او لاكثرية مجلسية، ومركز رئيس الجمهورية لكل الوطن ولجميع الناس، فهو يكون صمام امان ليكون محل الغائب عن مجلس الوزراء، فيوجه حتى يستقيم الحكم، لا اكثر ولا اقل.
واذا ما اصر الوزراء ورئيس الوزراء على امر، عليه ان يحضر ويحتكم الى المجلس النيابي، والمجلس يحكم بينهما، فاما ان يستقيل واما ان يقال واما ان يحل المجلس فيعاد الانتخاب.
ونحن نعلم في التاريخ ان الشعب كان دائما في اغلب الاحيان مع المجالس التي حلت.
"وغامبيتا" مثله مع اشهر رئيس جمهورية، اول رئيس جمهورية في الجمهورية الثالثة "ماك ماهون" معروف:
واذ "بماك ماهون" خضع ومن ثم اعتزل.
هكذا حكمنا ايها الزملاء.
يقولون الدستور ورث الحرمان، فنقول الدستور فرض العدالة، فرض المساواة، ليس فقط بين الافراد، انما بين المناطق.
فاذا بنا منذ 1943 نعهر الدستور واحكامه، فنوزع الاعتمادات دون عدالة ودون مساواة حتى ان المتنفس الوحيد اي الدستور اصبح كبش الفداء، هذا الدستور الذي لا ناقة له ولا جمل بما صنعت ايدينا وقلة مطالعاتنا وقراءاتنا.
نحن قوم بأكثريتنا لا نقرأ، واذا قرأنا لا نفقه، واذا فقهنا فبغير ما فقهنا نعمل، لان رائدنا مصالحنا الشخصية لا شعورنا الوطني.
وهذا كلام صادق، يجب ان نعترف به ونردده كل يوم اناء الليل والنهار.
قالوا الدستور والقوانين قسمت الجيش، فأوجدوا المادة الخامسة في قانون الدفاع، وارادوا ان يفهموا منها ان امرة الجيش تنحصر في رئاسة الدولة.
فأقول ان كان هذا النص وجد عندنا بقانون، ففي فرنسا كرمى لعيون "ماك ماهون" وجد في الدستور.
فأتى فورا المجلس النيابي والفقه الدستوري ليقول:
هذا قول مخزي، لان رئيس الجمهورية لا يملك اطلاقا امرة الجيش، وامرة الجيش محصورة بالحكومة، برئيس الحكومة ووزير الدفاع ثم بعده بمجلس الوزراء.
غابت عنا هذه المفاهيم، فاذا برؤساء الجمهورية يصنعون من الجيش جيوشا خاصة، وقد استمرينا على هذه البدعة حبا بالجيش.
قالوا ان دستورنا فيه احكام طائفية، والطائفية مقيتة.
واذا ما رجعوا الى الدستور، نرى ان عدم فهم الدستور، وعدم قراءة الدستور، تسخير الدستور بعدم تطبيق الطائفية، كما فرضها الدستور، وكما يجب ان تفرض، جعلتنا نقع بهيمنة التطييف والطائفية.
اذ ما معنى الطائفية في الدستور؟
يقول الدستور اذا ما قضت الحاجة عادة، الا اذا خولفت احكام منفعة الوطن.
وبما ان الدستور فرض المساواة والعدالة، فنرى ولسوء الحظ ما نرى، كان بودنا ورغبتنا واصرارنا ان نستغني عن الطائفية، من هرم الدولة حتى اسفل الهرم لو كان عندنا احزاب سياسية برلمانية تحمي المواطن من هيمنة الطوائف على بعضها البعض، حتى تقيض لنا قوانين انتخابية ترتكز على اساس احزاب سياسية، فلا بد الا ان نطبق الطائفية في الدولة، ليس فقط في وظائف الفئة الاولى، انا اقول في جميع الوظائف من ذروة الهرم حتى اسفله، ولكن على ان تؤمن العدالة وان تكون المناصب مداورة كما اقرت في عهد فخامة الرئيس سليمان فرنجية، وعندها نرى ان كل من ينادي اليوم بالغاء الطائفية، سيتبنى الطائفية لانها تحفظ استمرارية الوطن مؤقتا وعلى مضض، ريثما تهيء لنا قوانين انتخابية صحيحة.
والبدعة الكبرى حين نقول:
الدستور، اياكم ان يمس الدستور، ونرى بعض الامور، فنقول عنها انها امور صغيرة لا تستأهل والضرورة لها احكام فنصوت على الموازنة بمادة وحيدة خلافا لنص صريح واضح.
ثم في قانون الموازنة، العلم المالي ومفاهيم الدستور الديمقراطية لا تجيز وضع اي مادة تخرج عن نطاق احكام تنفيذ الموازنة.
ماذا يتم؟
نهرب القوانين عن طريق لجنة المال والموازنة من امام مجلس النواب بالذات فنحرمه، ان صوتنا على الموازنة بمادة وحيدة نحرمه حق مناقشة هذه القوانين والتوقف عندها، فعلتنا يا سادة.
لا من المؤامرات الخارجية، علتنا بأنفسنا، نحن استأهلنا الحالة التي وصلنا اليها؟
فاذا اردتم يا دولة الرئيس والكلام لك ولدولة رئيس المجلس النيابي ان تتداركوا الامر ولو في آخر الطريق فتعمدوا الى فرض عقد لجان دائمة للتباحث في امر توقيع وتعديل وانشاء دستور مستقى من احكام الدستور الحالية فتستقيم الامور ويعرض على الحكومة، فان قبلت به، كان بها والا وجب علينا ان نحجب الثقة، والا وصلنا الى ما لا نريد ولا نشتهي، لاننا بالفعل لا نستأهل الديمقراطية، ولا نستحق وطنا وحذار ان يكون في هذه الايام بالذات في ايام المحن ان نعمل على تسهيل ما سموه بالمؤامرة والتي نحن بدأنا بتسهيل دخولها من ابوابنا وافواهنا وعقولنا، فبيدنا تشاريع في اساسها ومفهومها، واحكام، هي لؤلؤة الاحكام الديمقراطية في العالم ثم حذار ان نصل الى الندامة فنضيع ونضيع الوطن ولا نستأهله وشكرا.
سمعنا نداء نواب زحله والبقاع الموجه الى المسؤولين، لا من اجل مواسم تبور، بل من اجل ارض تدنس وشعب يهجر.
ونسمع النداء من الشمال ومن الجنوب:
لا نريد بعد اليوم احتلالات او عدوانات- هذا موقف، اشكر دولة رئيس المجلس اذ دعانا اليوم لنعلنه ونقول اننا مع هذا التحرك الرائع الذي تقوم به الدولة لانها تهز ضمير العالم بتذكيره بالقضية اللبنانية لكي تستقطب الاهتمام، فلا يبقى على قارعة التسكع والسؤال فهو صاحب حق وليس مستعطفا.
لا نريد ان نكون ساحة حرب، او ان نبادل احدا بحرب.
ولكن حذار للذين يصرون على محاربتنا وعلى ملاحقة كل مواطن في اي درب او شارع او منزل او قرية، حذار لهؤلاء لاننا لن نكتفي بالرد صلاة وصياما واعتصاما، بل لعلنا سنكون اسرع المبادرين الى الرد على المعتدين بالنوع والكمية والتوقيت الذي نحدد نحن.
شهدنا بالامس عيد الجيش اللبناني الذي يسير بخطى قوية واثقة مؤمنة ليستعيد المبادرة ويحمي الوطن من المعتدين ويساعد الديبلوماسية النشطة على تحرير الارض.
اننا مع فخامة الرئيس عندما اعلن امس ان البندقية الشرعية وحدها التي يجب ان تعم كل المناطق اللبنانية.
ولا يبقى في لبنان علم غير العلم اللبناني ولا قوة غير قوة الشرعية.
نحن مع فخامة الرئيس في رهانه على المستقبل، الذي يسعد كل لبناني وينعم بكرامته وأمنه، وانه من الواجب ان نواكب مسيرة الجيش على انها مسيرة الدولة والاستقلال والسيادة الوطنية.
لذلك فاننا نعاهد الشعب اللبناني على أن نتابع هذه المسيرة وندعم الحكم الشرعي الوطني، ونظل ملتفين حوله لا من اجل اشخاص او انتماءات بل من اجل وطن.
وعلى الرغم من الرئيس سلام قاطعني، فلن اكتم نفسي موافقة على ما سمعته منه عن وحدة الصف اللبناني او اي طائفة او منطقة او حزب انتموا.
كلنا حزب الوطن لا نؤمن باستئثار ولا بأثره، ولا بتفرد واستفراد، بل نؤمن ان يد الله مع الجماعة ونحن جماعة، لن نكون افرادا او شيعا، كلنا من شيعة ومذهب وحزب لبنان.
نرفض بعد اليوم اي مزايدة على وطنية وأي امثولة في الوطنية.
خلاصنا الذي اعلناه لا نقبل من احد ان يعلمنا او يراجعنا فيه فنحن الذين نمتنع كما امتنعنا ابدا عن التدخل في شؤون غيرنا.
نرفض للغير اي كان ان يزج بأنفه في شؤوننا، لا اريد ان اسأل الذي يطالب باسقاط الاتفاق عن البديل، لانه لو كان لديه بديل لقدمه ولو كانت لديه رغبة قتال لقاتل.
فالقتال ليس مزايدا على الشاشات الفضية وعبر موجات الاثير، بل شهادة في الخنادق وعلى الجبهات الممتدة مئات الكيلومترات مشرعة للذين يريدون القتال.
فما بالهم لا يقاتلون الا في لبنان وبالنتيجة لا يتوخون قتلا الا للبنان، يعلنون من وراء الحدود انهم يريدون مقاتلة العدو الاسرائيلي في لبنان، أليس هناك من اماكن وجبهات احق بقتالهم من لبنان؟
الا فليتقوا الله في مزاعم وصرخات القتال، وما هي لا طعن برمح ولا ضرب بسيف او رشق بوردة.
نعرف اي مؤامرة حيكت ضد لبنان، واي تواطؤ حصل على مصلحته، وبماذا كان مهددا مصيره ونعرف ماذا يحدث من اتصالات وراء ظهر لبنان.
وبماذا يساوم المساومون، وبماذا يحلم المتقاتلون مصممون على ان لا تكون لاحد نقطة ماء أو حبة تراب من هذا الوطن.
نعلنها بالفم الملآن اننا الى جانب ما تقوم به الحكومة وعلى رأس العهد فخامة الرئيس الشيخ امين الجميل، اننا مع هذا التوجه نحضنه، نلتف حوله، ندافع عنه، نفتديه، لاننا لا نحلم بمكاسب ولا باشياء نأخذها لانفسنا او لاحزابنا او لطوائفنا او لمناطقنا بل نحام بوطن يكون فيه كل انسان مرفوع الرأس مصان الكرامة والمصلحة والحقوق، هذا ما نحلم به ونعمل له ويد الله مع الجماعة ومع لبنان.
في السياسة لا يوجد ترتيب مسؤولية على هذا أو ذاك، الا اذا وجد قاضيا يحكم فيقول:
الحق معك.
هذا ليس له وجود في السياسة المفاوضة هي أن تتكلم ثم تسمع الجواب، ثم تعود فترد، ثم تبدل الاسلوب.
وربما تغير الشخص.
عندما يكون الهدف انقاذ الوطن، فكل الرؤوس لا قيمة لها.
القيمة، للنتيجة وللبنان، ويسلم رأسك وخدماتك مشكورة، فكلامنا هذا نظريا.
أعود الى موضوع يتعلق بالسياسة الخارجية ويبدو أن الدول الكبرى قد أدخلته هو موضوع اتفاق اللبنانيين.
يخطىء من يدعي أننا كنا خلال سنوات الحرب في حرب أهلية لم يتقاتل اللبنانيون في ما بينهم، وهذا موقفنا ونصر ونعطي عليه الادلة.
كانت الحرب بين لبنانيين وغير لبنانيين مسلحين على أرض لبنان.
هذا لا يجوز في أن تأتي الحوادث فتكذبه.
يعني أن اللبنانيين والاصدقاء لا يريدون رؤية جيش من اللبنانيين يحارب جيشا من اللبنانيين، الحرب الاهلية والتذابح بين اللبنانيين أمر لا يجوز أن يقع على ارض مهما يكن السبب.
وأعلم أن ليس كل الناس في المثالية التي نريدها، ولكن عندما تكون الداهية أن نقع في تذابح في ما بيننا، فشيء من سعة الصبر ومن التفهم ومن الوقوف في موقف الفريق الآخر ينفع ولا يضر.
ولا أظن أن الذين في هذه الجهة من لبنان أو تلك من النواحي السلبية لا يصغون الى صوت مخلص ومسلك عادل يجعلهم يعودون ويسترشدون بأن لا مناص لهم في أن يكون لهم وطن وأنه في أن تعيش في وطنك مستقلا خير من أن تناصر البعيد الغريب على أخيك القريب متى من الحلم من لين الكلام، لكي نقنع قاضيا بدعوة الحق كم تحوزه بالبرهان، بالكلام الحسن، بالاسباب التخفيفية الخ.
والجماعة ليسوا اولئك الاشهر ولا هم أولئك النافرين عن لبنان.
عندما تنسحب من بعض المواقع القوات السورية انتظر اللبنانيون أن يروا ما سبق أن سمعوه في بعض الصحف، ولتسلم الصحف تنبؤاتها.
ان جبهة الشمال ستعد جيشا من المقاتلين وستحارب الشرعية وستعلن نفسها أنها هي الشرعية.
احترق كوخ على الميناء في طرابلس، فخافوا أن تكون بادرة أولى بأن تحتل الجبهة، المواقع اللبنانية التي تعود للدولة.
فلما انسحبت بعض القوات السورية اجتمعت طرابلس بجميع زعمائها وأحزابها طالبة ادخال قوات الدولة اللبنانية من الامن الداخلي واذا لزم الامر فلا بئس أن يعاونها الجيش.
فالعميد عثمان عثمان وقواته العشرين الف قوات شرعية لبنانية.
القادة والسياسيون في طرابلس الم يجمعوا في قرار أعلنوه في أن تتقدم قوات الشرعية اللبنانية وتتسلم المسؤولية فنحن جزء من الوطن ونخضع للشرعية وللدولة.
أتيت بذلك لابرهن بأنهم ليسوا البعداء الذين يجب أن نطرحهم ونقطعهم من الجماعة اللبنانية.
أيضا نقرأ في بعض الصحف بيانا لحزب له قوته ومدى تمثيله في البلد، يقول فيه:
نحذر، وان الباب لم يقفل والوقت لم يفت ومستعدون للتفاهم.
اخلص من هذا، الى أن المجيء بالخروف الضال والركض وراءه وترك التسعة والتسعين افضل من 99 بارا.
بقدر ما يهم اللبنانيين اليوم أن تنجح المفاوضات وأكثر من ذلك يهمهم أن لا يتطور الامر الى حدود اشعال الحرب الأهلية بين اللبنانيين وهذا لا اخال انكم تجهلون ذلك.
وقبل أن أختم الكلام اريد أن ألفت الى أمر هام وان لم يكن من صميم السياسة الخارجية ولكن من صميم العمل لكف القلوب وجمعها حول الحكم.
السلطات التشريعية التي اعطيت للحكومة، انما اعطيناها ونحن مدركون خطورتها، لكننا كنا نثق بحكمة الحكم واعوانه وبكفاءة الوزراء وعدلهم.
في هذه المراسيم التشريعية مآخذ يمكن ان تنتظر التعديل في هذا المجلس، لاننا كما قلنا فالمرسوم التشريعي مهما يكن له من قوة لا يعدو كونه قانونا، وكل قانون يخضع للتعديل والمراجعة نجد أن صدور مرسومين قانونيين يمكن أن يشلا القضاء والادارة ويثيروا في الرأي العام قلقا وخوفا وتساؤلا وهموما والحكم الآن في أمور تشغله عن أن يخلق لنفسه هذه المشكلة.
صدر المرسومان رقم 41 و42، تقضي هذه القوانين بأن لكل موظف ولكل قاض الحق في ان يقدم استقالته خلال مهلة عينها القانون ويتقاضى تعويضاته.
هذا لا بأس به، لكن في كل قانون مادة تجيز للحكومة بمرسوم في مجلس الوزراء أن تصرف من الخدمة أي موظف وليس هذا الامر فقط حيث كان الامر يهون، أقفل باب المراجعة في وجه كل متظلم.
النص القانوني يقول لا تقبل التدابير المتخذة استنادا الى أحكام هذا المرسوم الاشتراعي أي طريق من طرق المراجعة بما ذلك الطعن بسبب تجاوز حد السلطة.
اريد أن اتكلم في المبدأ، وأعترف معكم أن الادارة والقضاء بحاجة الى تطهير واصلاح، لكن هل انتهينا من وضع الملاكات وهل وضعنا سيادة الدولة وبسطنا سلطاتها على الاراضي اللبنانية؟
اذا ما شئتم أن تعينوا قاضيا في بعلبك من الذي يذهب معه ليسلمه؟
وكيف تنفذون حكما يصدره باسم الشعب اللبناني تحت أعمدة بعلبك؟
واذا شئتم ن ترسلوا آخر الى عكار أو لمنطقة اخرى، هل انتهينا من تكوين وتمديد المنزل حتى نبدأ التفكير في أن هذه الحلية أو تلك الصورة تصلح أو لا تصلح؟
أنا لا اقول يجب التطهير، انما في لبنان وهذا يجب أن يكون منذ الآن والى الابد مهما كان السبب وأيا تكن المبررات لا يجوز في لبنان أن يقفل باب القاضي أمام متظلم أي كان.
يقول لي القضاة:
أين العقل؟
تأتون بالقاتل، بالسارق، بالمخرب، بالمحتال، تقولون يجب أن يمثل أمام القاضي ومعه محامي يدافع ثم أمام قاضي التحقيق ثم امام الهيئة الاتهامية، ثم البداية، فالاستئناف فالجنايات فالتمييز، خمس مراجع يمثل أمامها المجرم وبجانبه وكيله يدافع عنه ويتظلم لينتظر أن ينصف عن طريق الفضاء والحكم.
وانتم لا تسمحون لنا الذين نقيم العدل ونحكم باسم الشعب اللبناني القوة الرابعة حسب نص الدستور.
لا تسمحون لنا اذا نزل بنا حي ممن أساء حد السلطة أن تمثل أمام مرجع قضائي نقول له انصفنا، والحكم الذي يصدر عليه صحيح ليس بالاعدام المادي أي الشنق.
ولانه ليس بالحبس عشر سنوات، لكنه اعدام معنوي، غير الذي نعدمه ماديا فتفيض روحه بدقيقتين وتذهب الى ربه.
أما الذي تعدمونه يبقى كل يوم يقاسي ويعاني ويستطعم طعم الاعدام كلما واجه الناس.
كيف هذا؟
أتكلم عن هذا الموضوع الآن لانه لا نستطيع أن نناقش ذلك الا في دورات بعد تشرين.
فالموضوع ليس على جدول جلسة الخميس، فيجب أن نسمع الآن من معالي وزير العدل تصريحا بأن هذا المرسوم سيعدل ان لم نقل سيجمد.
والى ان يصار اعلاه أن نعدله وأن لا نتقدم الآن باقتراح مادة وحيدة مستعجل مكرر يوقف العمل بالمرسومين رقم 41 و42 هذا اذا بخل علينا بهذا التصريح.
الامر يخص كل أركان الدولة، وكل موظف، وكل من ينتمي اليه وقد يحجب من النقمة على الحكم وعلى المسؤولين تنفيذيا وتشريعيا ما نحن بغنى عنه في هذا الظرف العصيب.
أختم بأننا كلنا جنود الشرعية، ونرجو الشرعية أن تتقيد بالكلمة التي يشتق منها اسمها الشرعية القانون الدستور، التزموا بقدر المستطاع حدود القوانين والعدالة، وأنتم تذكرون الان في بيان معالي وزير الخارجية الحسنات وقبل الرحلة الى الخارج وهذا أمر مقدور مشكور لكن في نظري الذي يستحق التقدير والتنويه كلمة صدرت عن رئيس البلاد يقول:
ان الذي منع الجيش في السابق من أن يقوم بواجبه وأن يكون له شرف الموت في سبيل لبنان، لم يكن تصادم الجيش ولا خطر انقسامه بل كان غيبة القرار السياسي.
ومن الآن الى الامام القرار السياسي في أن يقوم الجيش بكل ما يستطيع من أجل انقاذ لبنان.
هذا عهد يجدر ان يكون هو المسجل والكلمة الثانية وهي العظمى، وتكاد ان تكون تسبيحا لانها الدواء الفعال لجرحنا الدامي الذي نعاني منه قوله:
لن يكون سلاح الا سلاح السلطة الشرعية التي هي في يد الجيش والدولة واننا لمنتظرون التنفيذ ان محور تحرك الحكم منذ الاجتياح الاسرائيلي هو انسحاب القوات الغريبة عن أرض لبنان واعادة الشرعية على كل شبر من أراضيه.
ولتحرير الارض فاوضت الدولة اللبنانية مع اسرائيل ووقعت اتفاقية 17 أيار 1983 التي بموجبها تنسحب القوات الاسرائيلية من الاراضي اللبنانية والاتفاقية تتضمن تعهدا اسرائيليا باحترام سيادة لبنان واستقلاله السياسي وسلامة اراضيه.
وقد أقر مجلسكم الكريم، بأكثرية ساحقة، الاجازة للحكومة بابرام الاتفاق المذكور.
الحكومة لم تبرم الاتفاق ولم يحصل بعد تبادل وثائق الابرام ليصبح الاتفاق نافذا.
تطالب الحكومة بالانسحابات الشاملة (وفقا لاتفاق غير نافذ) ونحن معها عندما ترفض الانسحاب الجزئي لاننا نعلم أن الانسحاب الجزئي يؤدي الى تفتيت الوطن واقتسام اجزائه.
وقبل ابرام الاتفاق عمدت اسرائيل إلى استعمال شكل آخر من الانسحاب وهو اعادة الانتشار.
لا شك بأن الوفد الرئاسي قد عالج في واشنطن هذه النقطة الحساسة، وفي هذا الحقل اود أن اسأل الحكومة:
هل صحيح أن وزير الخارجية الاميركي قد طلب من الوزيرين الاسرائيليين شامير وآرنز الاعلان عن جدول زمني للانسحاب النهائي من لبنان بحيث تشمل 4 مراحل:
1- الانسحاب حتى نهر الاولي.
2- الانسحاب حتى نهر الزهراني.
3- الانسحاب حتى نهر الليطاني.
4- الانسحاب النهائي الى الحدود.
هل هذا واقع؟
أعربت أوساط سياسية في اسرائيل، رددتها اذاعات العالم، بأن اسرائيل قد توافق على تحديد جدول زمني لمراحل الانسحاب واعادة الانتشار، بناء على طلب الادارة الاميركية بعد المباحثات التي أجراها وزير الخارجية والدفاع مع كبار المسؤولين في الولايات المتحدة منذ أيام قليلة:
فما هي المعلومات لدى الحكومة عن نتائج هذه المساعي؟
فما رأي الحكومة بما اعلنه وزير الخارجية الاسرائيلية السيد شامير منذ يومين بأن الانسحاب الجزئي حتى نهر الاولي هو بمثابة مرحلة أولى للانسحاب الكامل؟
لا سيما وقد فسرت الولايات المتحدة عن لسان وزير خارجيتها بأنها هذه هي أول خطوة في سبيل الانسحاب الكامل؟
"ويأمل السيد شولتز أن يكون لذلك تأثير ايجابي على انسحابات اخرى من لبنان وخاصة من جانب سوريا".
ومن جهة اخرى أود أن اطرح السؤال التالي على الحكومة:
من التأكيدات التي سمعناها مؤخرا أن الدولة سوف تكن قسما من برنامج الانسحاب الشامل.
هل هذا يعني أن الدولة سترفض الانسحاب الاسرائيلي التلقائي عن الشوف وعاليه؟
وهل سترفض بالتالي استلام مسؤولية الامن في تلك المنطقتين؟
؟
2- الموضوع الثاني:
الوضع الاقتصادي قال لنا معالي وزير الخارجية في بيانه بأنه من جملة النتائج القيمة التي حققتها زيارة فخامة الرئيس الى واشنطن اقناع الادارة الاميركية بعد أن منحت لبنان قرضا بمبلغ /260/ مليون دولارا أن تحول مبلغ /150/ مليون دولار الى هبة بدلا من قرض اذ يتبقى /110/ ملايين قرضا.
هذا عمل مشكور جدا ولكن ألا ترى يا معالي الوزير انه يتوجب على الحكومة معالجة فورية للتدهور الاقتصادي الذي يشهده هذا البلد؟
بعض المصانع على وشك اغلاق أبوابها وصرف موظفيها.
. التجار لا يمكنهم دفع استحقاقاتهم وهم على شفير الافلاس.
ومن هنا انتقل الى الجبل المحاصر الجائع، يا دولة الرئيس، بعض القرى في قضاءي عاليه والشوف جائعة بسبب الحصار المضروب عليها، طرقها مقطوعة لا يصلها الطحين والمحروقات للافران والادوات الطبية.
هذه المناطق ضمن احتلال الجيش أن يؤمن للشعوب تحت احتلاله الامن والعيش والطبابة.
وهذه الحالة تدوم منذ أكثر من شهرين، فماذا فعلت الحكومة في سبيل هؤلاء المواطنين المحاصرين في قراهم في قضاءي الشوف وعاليه؟
3- الموضوع الثالث:
المصالحة في الجبل عندما نسمع بالاذاعات، "أن ادارة الرئيس ريغن تريد أن تؤمن أن يكون بامكان الجيش اللبناني أن يأخذ على عاتقه مهام الاشراف على المنطقة التي تخليها القوات الاسرائيلية قبل البدء بعملية الانتشار"، ويضيف الناطق باسم الادارة الاميركية بأن الخطوة الاولى يجب ان تكون التوصل الى اتفاق لوقف الاشتباكات في الجبل.
وختم قائلا:
وضع حد لهذه الاشتباكات، يكون الموضوع الاول في جدول أعمال المبعوث الخاص الجديد للرئيس ريغن السيد "روبرت ماك فرلان".
وبالاضافة الى كل هذا:
نقلت الانباء أن كل من الوزيرين الاسرائيليين شامير وآرينز قد أصرا على ضرورة حل جميع المشاكل من الاطراف المتنازعة في الجبل واقترحوا في واشنطن أن تقدم اسرائيل مساعيها لاصلاح ذات البين بين القوات اللبنانية وانصار السيد وليد جنبلاط في الشوف وعاليه؟
السؤال- ماذا فعلت الدولة حتى الآن في اعادة اللحمة بين المقاتلين في الجبل؟
وما هي الخطوات التي تنوي اعتمادها في مصالحة الجبل قبل الانسحاب الاسرائيلي لا سيما وان جبل لبنان كان مدى الاجيال مثالا للعيش المشترك بين جميع عائلاته الروحية بكل محبة واخلاص.
نريد الحكم قويا ثابتا في تصنيع القرار وتثبيته وتنفيذه دونما تأثر بالعقد والمعقدين ان عهد تركيز القرارات وتصنيعها على عقد خوف هذا الفريق من ذاك او على عقد ذاك من هذا مضى وانقضى.
ان العصب الحاقد يفتل قدرة العقل على تصنيع قرار سليم وفاعل واننا على ثقة في ان اعصاب العهد هي اعصاب هادئة لم ولن تتأثر بوتور عصب من هنا ووتور عصب من هناك.
هي اعصاب القيادة المرتاحة التي تتحكم بتصنيع القرار اللبناني واستقلاليته بعيدا عن الحقد واهل الحقد عن الاتباع واتباع الاتباع واتباع اتباعهم الذين رهنوا الوطن ارضا وشعبا ومطامح وقيما لمصالح الآخرين ابتغاء مصلحة شخصية دنيا اعوذك بالله منهم ومنها.
ايها السادة.
اذن لا يجوز الخطأ.
ولا يجوز أن نتأثر سلبا كذلك وايجابا بأعصاب المحيط التي تكمن وراء قرارات انانية جاهلية مشرذمة اقل ما يقال فيها انها ان استهدفت امرا فانما تستهدف القومية والقضية العربية والقيم والمثل واصابتها في الصميم وهي اذ تحاول اليوم الاجهاز على لبنان قصدا او عن غير قصد فانما سترتد لتصيب الاوطان العربية كلها وتمزقها وتزرع الخراب والبلاء فيها.
على الحكم ان يكون سيدا قويا نافذا بعيد النظر قليل الخطأ يستدرك ابعاد وردود القرارات العربية الخاطئة محاولا بالمنطق والديبلوماسية منطق وحضور ذهني ان يلفت اصحابها الى اخطار ما توصل اليه لتلافيها ودرء شرورها.
ان اميركا تحاول ان ترى لبنان واحدا.
ان اميركا تحاول ان ترى عروبة واحدة بقرار قومي واحد.
ان اميركا ريغن كانت ربما تعلل نفسها بالوصول الى ذلك فهل نحن فاعلون لبنانيا؟
وهل العرب سيوحدون قرارهم؟
وفي حال اليأس من ذلك فمن هو المستفيد؟
اليس اسرائيل، بخطتها الواحدة الثابتة وقرارها الواحد الثابت وجيشها القوي وآلته الضخمة واميركا ساعتئذ عليها ان تعمل مصلحتها وتختار الانسب لهذه المصلحة؟
لنقف لبنانيا موحدين. طالما نحن يائسون من وحدة العرب.
والسبيل الى التوحيد هو في القضاء على السوس وعلى ما يقتات عليه السوس.
وللقضاء على السوس يجب ان نقف وراء الجيش.
والتشكيك بالجيش اليوم هو جريمة وخيانة عظمى.
نحن ضد الانسحاب الجزئي ولا نرضاه .
سننادي ونحارب صفا واحدا لتطهير الارض ونحررها ومنع الانسحابات الجزئية التي تكرس بقاء العدو واحتلال الارض.
واذا غلبنا على امرنا وانسحب العدو لغاية في نفسه فلتكن وثبة الجيش في مستوى طموحات المواطنين وليملأ الفراغ.
بشكل يصدم اعداء لبنان في الداخل والخارج وفي اي مكان.
ان تحرير شبر واحد من الارض اللبنانية هو كسب للقضية ومتراس نطل منه لبنانيا لتحرير شبر آخر موحدي الصف والكلمة.
القرار الآخر، القرار بالاتفاق اخذناه ووقعناه، ونحن على ثقة بجدواه، فلا يجوز اطلاقا ان نتوقف عن التعاطي حتى يكون لهذا الاتفاق قيمة على صعيد التنفيذ الوطني السليم.
دولة الرئيس، لا اريد ان اطيل، فأصر على طلب توضيحات على اسئلتنا، متمنيا ان تكون واضحة، لتبقى الحجة قوية في أيدينا في هذه الفترة المصيرية التي نمر فيها.
ان مصير الوطن ليس على كف عفريت واحد وانما على اكف عفريت، وشكرا لكم.
يجوز ويحق لمن؟
المادة للمتعاقدين وليس للجامعة، ابقيت كلمة يحق ام حذفت واستبدلت بكلمة يجوز، النتيجة واحدة طالما أن الحق للمتعاقد.
اذا يجوز للمتعاقد وهذا مدون كأسباب لتقول ان الحق لصاحب العلاقة وليس للجامعة واللغة العربية دقيقة يا استاذ محمود بشكل توضح التمييز وتعطي الحق لصاحبه.
اما قضية "حاليا" فطالما ان الجواز للمتعاقد وطالما ان كلمة "حاليا" ستؤدي الى ادخال حتما من لا يستحق ونكون قد حرمنا في المستقبل بالاضافة الى ما تفضل به حضرة الزميل الاستاذ نجاح واكيم امكانية اختيار العناصر الكفوءة، طالما ان معالي الوزير ومعالي الوزير يعتبر ان الحق للجامعة في هذا الاختيار، فلماذا نغلق الباب دون امكانية ادخال اصحاب الكفاءة في المستقبل.
اذا هناك تعمد بالاكتفاء بما هو موجود.
واعود لقضية الاقتراح في المادة نفسها لاقول:
غيرة معالي الوزير على بقاء مستوى التعليم الثانوي وعلى بقاء مستوى التفتيش، كأننا في ذات المنطق يقول:
من ليس على مستوى الاساتذة الداخلين في التعليم الثانوي من هذا العيار ومن الداخلين في التفتيش التربوي لا يحق ان يكونوا في التفتيش، لان التفتيش يجب أن يعزز وتعلا درجاته.
واذكر معالي الوزير الاستاذ السابق ان عدد هؤلاء كلهم في الادارة اللبنانية لا يتجاوز الخمسة عشر استاذا اكثرهم لا يمارس لا التعليم الثانوي ولا التفتيش، انما منتدب لادارة اخرى للتوجيه والابحاث، فلماذا نبقي، هؤلاء خارج ملاكات الجامعة ولا يمكن لواحد من زملائهم واظن في طليعتهم معالي الوزير، ينكر ان من قضى اكثر من ست سنوات وصرف ست سنوات في التعليم وحصل بعد ان كان استاذا للتعليم الثانوي على دكتوراه دولة وله مؤلفات والجامعة بحاجة اليه، لماذا نتركه خارجا؟
هل لتعزيز التعليم الثانوي؟
للتعليم الثانوي يا دولة الرئيس، ظروف تختلف كليا عن ظروف التعليم الجامعي العالي.
وكذلك للتفتيش، فخير للجامعة ادخال مثل هؤلاء واعطاء الاولوية لاعادة النظر في الكفاءات في الجامعة اللبنانية.
وهنا يحضرني، الواقع لاقول يا دولة الرئيس، مع الرغبة في انشاء فروع الجامعة في أي مكان من لبنان في نفس التعليم الجامعي، الا اننا نقع يا دولة الرئيس واقعيا كمن يلحس من المبرد اذ ان الكفاءات العليا لا تترك بيروت وفي الملحقات وفي باقي فروع الجامعات نرى ان المستوى الجامعي تدنى الى ادنى من مستوى التعليم الثانوي في لبنان وهذا لا يجوز، فاذا كانت نظرة وزارة التربية اصلاحية فعلا للجامعة اللبنانية فعليها ان تعيد بالاشتراك مع لجنة تنسيق من اساتذة الجامعة اللبنانية اعادة النظر في تصنيف هؤلاء، ونرى ان المشروع ان لم يد ل مثل هؤلاء المتعاقدين الذين قضوا في التعليم الجامعي اكثر من ست سنوات فيخطىء، ويطبق المثل الاقتصادي، العملة الفاسدة تهرب العملة الجيدة، وكذلك سيحصل في الجامعة اللبنانية اذا ما استمرينا على هذه النظرة الى الجامعة نتغنى باطلاقها وتوسيعها ولكن ندفع الثمن من مستوى التعليم الجامعي وهذا لا يجوز يا دولة الرئيس، ان تكون الشهادة المعطاة في فرع زحله تختلف قيمة وقدرا عن المعطاة في بيروت او في سائر المناطق، هنا العلة في الجامعة اللبنانية وليست العلة في كلمة "حاليا" وفتح الباب، او ادخال المتعاقدين بالساعة وعددهم لا يتجاوز العشرة او الخمسة عشر استاذا، هذه العلة ومن هنا يجب أن ننطلق بمداواتها يا اصحاب المعالي وخاصة معالي الوزير الاستاذ السابق في الجامعة، ارجو ان يقول كلمته بشأن فروع الجامعة ومستوى الاساتذة في الفروع.
كنت اردد قولا ما زلت اؤمن به، ان لكل عمل في الحياة غاية.
ولكل غاية قيمتها، والانسانية تسمو بسمو الغايات.
والمعارضة في الجسم الديمقراطي، ان كانت موضوعية واقعية فهي انبل غاية واشرف رسالة.
الديمقراطية ليست بالامر الحديث، واساليب المعارضة لم تكن جديدة.
فلتسمح لي الحكومة، وفي طليعتها دولة رئيسها، ان المعارضة، عندما تكون مجردة وجب ان يتقبلها الحاكم، لا على صعيد شخصي، انما من باب الحدب والانتقاد للتشجيع على الاتيان بالأفضل.
ولقد تأملت وأملت ان يأتي بيان رئيس الحكومة فاتحا لي بابا من امل يخفف لهجتي وانتقادي وشجب الوقائع.
واذا بهذا البيان يخيب ظني وظن لبنان وظن المواطن.
فهو كناية عن دموع تزرف امام حائط مبكى، وبعد قليل توهمت انني انا وزملائي في المجلس والناس في الشارع هم المسؤولون عما حدث ويحدث، ولا شأن للحكومة به اطلاقا.
دولة الرئيس، منذ الف واربعماية سنة وقف عمر بن الخطاب وقال:
من رأى بي اعوجاجا فليقومه.
فوقف اعرابي وقال، والله، لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بحد السيف.
فلا دولة رئيس الحكومة بعمر، ولا انا بذلك الاعرابي.
ومع هذا، انشرحت اسارير عمر وقال، والحمد لله ان في الرعية من يسأل علي ليوجهني.
السياسي المسؤول، شخص من زجاج، والمقصود بهذا القول الثابت ديمقراطيا، انه يحق لاي مواطن، فكيف به اذا كان نائبا وكيلا عن الشعب.
ان يعرف كل شاردة وواردة في شخص الحاكم لها تأثير على مسيرته في الحكم.
سمعت استغراب بعض اساليب النقد وبعض استعمال الكلمات، واخال وأنا مؤمن ان هذا الاعتراض صاحبه غير مقتنع به ويقوله لمجرد درء التمادي في وضع النقاط على الحروف في الانتقاد ولكن لا بأس، وقلت النيابة والمعارضة رسالة وواجب وطني فأقول مجرد اخلاصا مني لانسانيتي ولوطني ولامتي.
استغرب دولة رئيس مجلس الوزراء توجيه النقد المتكرر له فاريد ان اطمأنه انه ليس اول رئيس وزراء اوجه له نقدي.
من يذكر انني منذ دخلت هذه الندوة حتى اليوم اعتبر، باسم دستوري واعرافي ان رئيس الحكومة هو الذي يتولى اكثر صلاحيات الحكم، ان لم يكن كلها، وهو، بحكم هذه الصلاحيات، تتوجب عليه مسؤوليات.
فليسمح لي باستعراض مواقف رئيس الحكومة منذ ان تولى مسؤولياته بصورة غير رسمية اولا، ثم بصورة رسمية واحدة بعد الاخرى قدر ما مكنتني ذاكرتي من تذكر ما حدث وما تم.
تذكرون ان دولة رئيس الحكومة تولى مسؤولية غير معلنة رسميا، في مؤتمر القاهرة، وبالرجوع الى مؤتمر قمتي الرياض والقاهرة نراها حتما انها افضل ما يمكن ان تعطي وتدعم الحكم.
وهذه المقررات لم تتدخل، في حينها بشؤون لبنان الداخلية، انما اقتصرت بصورة خاصة على اوضاع الجنوب خاصة وعلى قضايا مساعدة الحكم في تأمين الامن بوضع قوات الردع العربية تحت تصرف الحكومة.
وما ان تسلم دولة رئيس الحكومة، في التاسع من كانون الاول سنة 1976، منذ ذاك التاريخ واجهنا رئيس الحكومة باصرار ووعد على تنفيذ هذه القرارات، كما ورد في هذه المقررات.
وبتعزيز وضع قوات الردع العربية تحت تصرف فخامة رئيس الجمهورية لتأمين الامن ضمن تفاصيل عدة.
منها تسيير الادارات، منها الامن منها جمع الاسلحة، الحاضرة، ولم يكن لهذه القوات شأن في التدخل في الامور اللبنانية، انما هي بتصرف رئيس الدولة فأتى الرئيس الحص يعلن في اول بيان وزاري وعدا وتمسكا جازما بأنه ليس فقط مقتنع بهذه المقررات انما هو واعد بتنفيذها بحرفيتها.
ونسأل، ماذا نفذ من هذا الوعد؟
انا لا اقول، بيان رئيس الحكومة قال انه لم ينفذ.
فيمكن العذر لتبرير عدم وفاء الوعد بانه كان داخلا مجددا على السياسة.
وكان ظانا ان بامكانه ان ينفذ.
اما وقد عرف انه ليس بامكانه ان ينفذ فكان عليه ان لا يكرر الوعد ثانية، وهو المسؤول والملزم بذلك، الا يعد ان لم يكن مطمئنا الى امكانية التنفيذ.
واتت بعد ذلك الوثيقة البرلمانية التي نظمت من قبل اربعة عشر عضوا مثلت جميع فئات اللبنانيين دون استثناء، فاذا بالجميع، وجميع من في المجلس النيابي يوافق على كليات وجزئيات هذه الوثيقة التي وضعت معالم واضحة لخط السبيل الصحيح لمسيرة الوطن.
وتعهد رئيس الحكومة على اثرها بتنفيذ مضمون هذه الوثيقة والتعهد لم ينفذ.
ثم تنادي المجلس النيابي وكتله على وجوب عقد مؤتمر عربي حددت معالمه باكثر من توصية ووثيقة.
وعلم المطلوب، وهو وضع العرب امام مسؤولياتهم فيما يعود لجميع لبنان.
وكان ان سمعت معالي وزير الخارجية يؤكد ويجزم انه من الواجب حصر مسؤولية العرب بما يعود للقضية الفلسطينية على الارض اللبنانية.
وهذا حق.
ولكن ماذا حدث.
في مؤتمر بيت الدين الذي حصل بين 15 و17 تشرين الاول من سنة 1978، صدرت مقررات، والمقررات اذيع يومها انها من وضع ونص دولة رئيس الحكومة، فلو استعرضنا بعضها، نرى ان هذه المقررات لم تحدد بدقة، مسؤولية العرب، وكان المطلوب من الجميع، واوردت امورا كثيرة هي في واقعها من محض صلاحية الحكومة ومسؤوليتها واتتنا في نهاية المقررات بلجنة متابعة، والمفروض ان تكون لجنة المتابعة استمرارا للجنة المتابعة المقررة في مؤتمري الرياض والقاهرة، وكانت في هذين القرارين، الرياض، والقاهرة مهامها محددة واضحة، محصورة بالتعاطي مع قضية الجنوب والدفاع عن لبنان في المحافل الدولية لدعم تخليص جنوبه، فاذا بالحكومة، وكان يرأسها الدكتور سليم الحص، كان منها ان جعلت من لجنة المتابعة وصيا علينا جميعا فبدأت اللجنة بدل ان تعمل بما كان عليها ان تعمله بدأت بخيارات فيما بين الفرقاء بغية التوثيق والتكليف اتى اما علنا واما ضمنا بموافقة الحكومة على ان يأتي مهما علا شأنهم وغيرتهم.
فليسمحوا لنا ان لا نعتبرهم بمستوى معرفتنا في امورنا ونحن اولى بوضعنا الداخلي، فكانوا يركبون الطائرات وتضرب الهيلوكوبترات ليلتقوا في اجتماع من الاجتماعات ليوفقوا بين بطرس ومحمد او بين بطرس وحنا وبين محمد وحسين، وضاعت الغاية.
لم نكتف، ولو كان الامر خارجا عن وعي وادراك الحكومة لهان الامر وعذرنا، الا ان مجلس الوزراء اجتمع واقر قرارا نظمه ودبجه دولة رئيس الحكومة، وصدر بتاريخ 25/10/1978.
ما ورد في قرارات مجلس الوزراء هذه؟
منها اعطاء التعليمات لقوات الردع والجيش وقوى الامن الداخلي بمنع أي ظهور مسلح والامر للحكومة، فهل اعطي الامر؟
اذا كان قد اعطي فعلا فكان على الحكومة ان تقول اعطينا الامر ولم يلب، حتى نتدارك جميعا مسؤولية رفض تلبية الطلب، اما وان شيئا من هذا لم يعلن فلا يحق لنا الا ان نحصر المسؤولية بالحكومة التي تعهدت باعطاء الامر وحتى اليوم لم تعطيه.
وقرار مجلس الوزراء وجوب وضع خطة زمنية حددها باسبوعين لجميع الاسلحة نهائيا من كل المناطق، فهل لبت هذه القوات على اقل تعديل، امر تنظيم الخطة.
ونذكر انه منذ تسعة اعوام، عام 1972 اعتدت اسرائيل على الجنوب ودخلت فتصدى لها الجيش اللبناني في معركة مشرفة.
ثم تضافرت الجهود المحلية والدولية على اخراج اسرائيل، وبقيت الثكنات، وبقيت الحدود، ورد المعتدى خارج الحدود.
كما نذكر انه قبل ذلك، وفي عام النكبة بالذات كان للجيش اللبناني موقف مشرف ومعركة مشرفة، يطيب لنا ان نحيي هنا احد الذين صنعوها، اعني بذلك معركة المالكية.
ان الجيش اللبناني لم يقصر مرة في التصدي لاسرائيل، حتى بما يفوق امكاناته.
والواقع في الجنوب، كما قلنا، ليس ناشئا عن عمل منفرد فقط، وانما عن وضع مركب ومتعدد الوجوه، يجب ان نلم بها جميعا لكي نستطيع ان نتصدى لها.
فكم كنا نتمنى لو ان البيان وضع اصبعه على الجرح وقال كل ما يجب قوله، لكنا صفقنا له من الاعماق.
على اننا نفهم ايضا الحرج الذي قد يقع فيه واضعو البيان من جراء قول كل الحقيقة.
على اننا كذلك، لا يمكن، في معرض مواجهتنا للموضوع ان نكتفي بجزء من الحقيقة.
ارى عسيرا علي ان انقل جو المجلس من الجو الذي خلفه زميلي الاستاذ ادمون رزق، فكان بادبه العالي قد جعل من الجلسة سوق عكاظ، وانا ساعود بهذا المجلس الى المرير.
دولة الرئيس،
تصفحت هذا الصباح، مرة ثانية، بيان الحكومة، والغريب ان تراءى لي انه يشبه الى حد بعيد خطاب بني صدر رئيس الجمهورية الايرانية عندما كان يشكو من الوقوف في وجه صلاحياته.
بيان الحكومة يقف الى جانب المعارضة ولكن، نحن، وان كنا نعرف الاحداث الذي سردها هذا البيان، اصبحنا في ايمان من ان لدى الحكومة مخططا نجهله.
والنظام الديمقراطي الذي نعيش فيه يجبر الحكومة على اعلان كل ما تعرف، ان من علاقات خارجية او محادثات وحوارات داخلية.
وقد اصبحنا نؤمن ان الحكومة تخفي عنا اشياء.
ودليلي على ذلك:
لو اخذنا بيانات هذه الحكومة، منذ البيان الاول حتى اليوم، نجد انها تعدد الاسباب والمسببات والاشكالات، حتى تجد عذرا لمسيرة الوفاق ومسيرة تحرير الجنوب اللبناني من الاحتلال الاسرائيلي.
فمن اصعب الامور ان تقنع ضميرك اذا كان ضميرك لا يستمع.
عندما نتصفح هذا البيان نرى ان هناك امورا كثيرة لم تذكرها الحكومة.
وقد كانت سياستها الخارجية احدى هذه العلل.
اعطي مثلا على ذلك:
علاقاتنا مع سوريا.
اذكر جيدا اني واجهت معالي وزير الخارجية مرة وقلت له انك تتنازل عن صلاحياتك عندما يقوم بالحوار غير السلطة اللبنانية.
وهكذا كان على اثر دخول الجيش السوري الى لبنان.
وكانت العلاقات طيبة بين لبنان وسوريا.
تركت هذه الحكومة جميع الفرقاء يحاورون الدولة السورية مكانها.
هنا اساس العلة.
لم تقل يوما الحكومة للدولة السورية، المخاطب الوحيد في لبنان هو انا، السلطة الشرعية.
ومنذ اسبوع تقريبا رأينا ان الخارجية بذاتها والحكومة تقع في ذات الخطأ.
فوجئنا على التلفزيون بوزير دولة للشؤون الخارجية في لبنان، لم نكن نعلم بتعيينه هو الاستاذ كريم بقرادوني.
قد تقول الحكومة بانه حر ان يتعامل مع سوريا، وانا اقول، كل انسان حر ان يحاور من يريد في سوريا، ولكن ان يعطى لحواره وضعا قانونيا وتشجيعا اعلاميا، فهذا ما نؤاخذ الخارجية عليه.
جاء على شاشة التلفزيون وطمأن اللبنانيين ان محادثاته كانت ناشطة ومثمرة، وان المحادثات الرسمية ستلي محادثاته، الى اخر الاغنية واخر الحوار.
واتساءل، هل نحن سنعود الى هذا الحوار عن طريق الفئات المختلفة، والدولة ساكنة ساكتة لا تبدي اعتراضا، لا بل تبدي تشجيعا لهذه الحوارات التي تقوم خارج نطاق الدولة.
انا اجزم بان اول صفة عند اية حكومة دستورية هي ان تحصر بنفسها سائر السلطات والصلاحيات.
قلت مرة لدولة الرئيس في اجتماع التكتل المستقل.
اذا كان من منفعة ان يذهب وفد النواب لزيارة بعض العواصم العربية والدولية، اجاب، لا، ليس لنا صفة رسمية السلطة هي في يد الحكومة.
واذا بهذه الحكومة تسلم السلطة لغيرها.
من هنا ابدأ بالقول ان سبب تعثر الحكم هو انها لا تؤمن بانها حكومة، وانها اذا امنت بانها حكومة فلا تكون سيئة النية، اذا كانت تعطينا كل هذه الاعذار حتى لا يذهب الجيش الى الجنوب.
تنازلتم يا دولة الرئيس عن الامن.
وقد احصيت عدد القتلى من اول الشهر حتى اليوم فوجدت انه يزيد عن الخمسين قتيلا.
ان قطعان الاغنام لا تذبح بهذا الشكل الذي يذبح به اللبنانيون.
والحكومة لا تحرك ساكنا، لا عدل، لا درك، لا جيش، لا شيء.
الحكومة بوضع انتظار.
هذا الانتظار، انا ارى انه وبال على لبنان.
لان الزمن ليس في مصلحة هذا البلد، ولا في مصلحة استقلاله وسيادته.
تنازلت الحكومة عن السلطة الخارجية لغيرها، وتنازلت عن الامن لجميع الفئات وتنازلت عن القضاء لفئات اخرى ايضا.
فاصبحت الاحزاب تماما، كالهيئات الثورية في ايران، هي التي تقبض على اللبنانيين، وهي التي تحاكم وهي التي تسجن.
دولة الرئيس، من واجبي ان احاسبك على ما ينص الدستور، فالدستور لا يسمح بان يكون القضاء الا في ايدي القضاة، وبموجب القوانين.
وان لا يوقف مواطن الا عن طريق الدولة، وان لا تدفع ضريبة الا عن طريق الدولة.
فاذا بكم قد تنازلتم عن الضرائب، عن صلاحيات الامن، عن صلاحيات الدولة.
انا اعجب كيف ان الحكومة عندما تواجه هذا المجلس تتمسك بان تسبغ على كل هذا نوعا من عدم الامكان، وانا ارى فيه نوع من الافهام الاخلاقي.
الدستور قال في المادة 8، الحرية الشخصية مصونة في حمى القانون، ولا يمكن ان يقبض على احد او يحبس او يوقف الا وفاقا لاحكام القانون، ولا يمكن تحديد جرم او تعيين عقوبة الا بمقتضى القانون، فهل للبناني واحد حرية في هذا البلد؟
التوقيف الكيفي، من جميع الفئات، من هنا وهناك، وضع اليد على الدوائر العقارية، وضع ضرائب جديدة.
وفي مراكز الدوائر العقارية.
والحكومة لاهية مكتوفة الايدي.
وكانها تريد ان تربح الوقت، ولا اقول انها لا تتجرأ على الاقدام، بامكانها، اذا هي شاءت، ان تعيد كل هذه الامور الى نصابها.
محاكمة الناس وسجنهم.
المادة العشرون من الدستور تقول:
السلطة القضائية تتولاها المحاكم على اختلاف درجاتها ضمن نظام ينص عليه القانون.
ويحفظ بموجبه للقضاة وللمتقاضين الضمانات اللازمة.
ثم، يا دولة الرئيس، المادة 64 من الدستور تقول:
يتولى الوزراء ادارة مصالح الدولة، ويناط بهم تطبيق الانظمة والقوانين كل بما يتعلق بالامور العائدة الى وزارته وبما خص به.
في حياتنا الدستورية، كانت المجالس، لاقل من واحد بالمليون مما يحصل اليوم، كانت تقوم ثورة اللبنانيين، لان اللبناني متشبع بروح الديمقراطية وبغيرتها على حريته وقضيته فاين نحن من كل هذا.
الا ترى يا دولة الرئيس انكم خرقتم الدستور، وهذا الدستور مقدس بنظر الحكومة ونظر الدولة ونظر هذا المجلس.
ثم، تعود الى الوفاق.
عندما اعلنت الحكومة الوفاق، وجاءت رسالة رئيس الجمهورية تعلن هذا الوفاق المكون من 14 بندا، لم تبق فئة في هذا البلد الا وايدت هدا الوفاق.
ساعطي مثلا على ذلك:
كنا نناقش هذه الحكومة واذا بي اقول لرئيس الحكومة، اننا نأخذ الامن بالتراضي، انما الامن يفرض علينا فرضا، وكان موقفه انه بالتراضي.
وانا اعطي مثلا اليوم، منذ خمسة ايام، بعد احداث "الصفرا" جاءت ثلاثة تصاريح للرئيس شمعون، في كل واحدة من هذه التصاريح، يطلب من الحكومة ان تأتي وتتسلم بواسطة الجيش المنطقة، وان تتسلم الاسلحة.
انتظرت الى اليوم الثاني لاقرأ في الصحف ردود الفعل عند الحكومة.
فلم يكن من ردود فعل من قبلها.
فاعاد الرئيس شمعون الكرة، تفضلوا شرفوا، ما في ثلاثة تصاريح، والحكومة ساكتة.
ولماذا؟
لان الحكومة لا تريد.
قد تقول ان هذا لا يمكن الا اذا قبلت جميع الناس ان تذهب الى الصفرا.
اقول لدولة الرئيس، يوم الجلسة، نهار الثلاثاء، واذا نظرنا الى قمة الهرم وتصريح كميل شمعون يطالب بدخول الجيش الى الصفرا، كان هنا امام المجلس عمال المرفأ يصرخون هنا على باب هذا المجلس:
لا شرقية ولا غربية، بدنا الدولة اللبنانية، لا ميليشيات والا احزاب بدنا العسكر عالابواب، يا حرية يا حرية وين السلطة الشرعية.
نحن عمال المينا، بدنا الدولة تحمينا.
دولة الرئيس، عندما القاعدة الشعبية تتوافق مع الهرم وكل الناس تطالب بالجيش والسلطة وانتم لا تنفذون ولا تتحركون.
ماذا تريدون أن اتصور موقف الحكم بكل هذه القضية؟
امر واحد، هو ان هنالك سياسة مبيتة للابقاء على الوضع حتى يأتي وقت ترى هذه الحكومة الثوب الذي سيفصل لنا.
نحن نرفض هذا يا دولة الرئيس، نحن نريد ان نلبس الثوب الذي نفصله لانفسنا.
لسنا محمية، ولسنا مستعمرة، نحن دولة مستقلة يا دولة الرئيس.
اقذف بهذا الكلام في وجه سفراء الدول الكبرى، ولا اخشى.
دولة الرئيس، قضية الجنوب.
اود اليوم ان ابعث بتحية الى اهل الجنوب، الى ترابه، الى شعبه والمه، لان الانسان يعرف بالمحنة، اثناء المحنة.
الانسان الذي يتحمل المحنة، لقد اثبت، وقد توافقون معي، على ان الجنوبي كان اكثر منا ولاء للبنان.
واذا قيست الولاءات فعلينا ان نقول ان الجنوبي هو في صف الولاء الاكبر لهذا البلد.
الرجل الذي يموت في ارضه، ولا يترك ارضه، والاطفال والمسنين يهجرون من الجنوب.
ونحن نتوقف عندما يقول فلان وشو بيقول فلان وشو بيعمل فلان اذا رحنا عالجنوب.
يا سيدي دولة الرئيس، والله العظيم، اصبحنا نخجل ان نكون من رجال السياسة في هذا البلد.
يا سيدي، تقولون ان قضية الجيش، لك تصاريح في هذا المجلس، ان الجيش بعد قانون الدفاع، وهو الاساسي، وليس المرسوم، التنظيمي الذي نتكلم عنه، ان قانون الجيش قد بعث الامل والثقة عند جميع الفئات، وهذا تصريح من لدنك.
فاذا بنا اليوم، ونريد ان نرسل الجيش الى الجنوب.
تعود وتبعث الشك فتقول:
مرسوم تنظيمي.
هنا، جاءت في مخيلتي كلمة قالها الرئيس صائب سلام في التجمع المستقل، بحثت قضية المراسيم التنظيمية.
قال:
هذا شيء غير مهم، المهم هو تحرير الجنوب من الاغتصاب الاسرائيلي وليذهب هذا الجيش مباركا من الجميع.
يا سيدي، هل تتوقف عن تحرير الجنوب لانكم لم تستطيعوا عمل مرسوم تنظيمي.
لا اعرف، اجلك يا دولة الرئيس، ولا تتصور ان انتقادي لك هو شخصي، فانا احترمك واقدر مواهبك.
ولكن اسف ان اقول، اما للحكم ارباب، وللقرار والموقف فاعلية بقدر ما للجيش فاعلية.
هل اتوقف عن ارسال الجيش الى الجنوب لاننا لم نعمل مرسوم تنظيمي يا دولة الرئيس؟
في هذا البيان، سردتم جميع الوقائع ولكن نسيتم ناحية امتدت معكم من تونس الى اليوم عندما تحفظتم في تونس تجاه مقررات مجلس الامن عن بقاء الوجود الفدائي الفلسطيني المسلح في الجنوب.
وقد انتقدت كلمة "تحفظ" لانه حسب ميثاق جامعة الدول العربية، اما القبول واما عدم القبول، وليس التحفظ.
ولكن تحفظكم كان يشكل عدم القبول.
واذا بهذا البيان لا يذكر شيئا عن هذا الوجود.
ثم جاءت بنود الوفاق الاربعة عشر، تقولون فيها:
وتنفيذ الاتفاقات، واتفاق القاهرة، الى آخره، ايضا الناس وافقوا وهنا اطرح عليك سؤالا يا دولة الرئيس.
وفي قلبي غصة وحرقة، يجب ان تجاوب هل ان الوجود الفلسطيني في صور وصيدا وتبنين والنبطية هو من ضمن اتفاق القاهرة؟
انا يا دولة الرئيس، اسأل هذا، لاني في الاساس كانت ارادتي ان تلغى هذه الاتفاقية.
لان لا مصلحة عملية منها.
لانك ان الغيتها او ابقيت عليها.
فالفدائي الفلسطيني سيبقى في الجنوب.
انما بقاء هذه الاتفاقية هي قوة شرعية في يده، وتساعد على ارتهان الجنوب لاسرائيل ولغير اسرائيل.
وانا بالواقع، وافقت على ان تنفذ اتفاقية القاهرة.
لقد قلتم في بيانات عديدة انكم ستنفذون هذه الاتفاقية.
فانا اسأل وقد قرأت هذه الاتفاقية، واسأل الحكومة اذا كانت تعتبر ان هذه الاتفاقية تشمل صور وصيدا وتبنين والنبطية، الى اخره.
دولة الرئيس، من نكد الجنوبيين ان يقعوا ضحية هذه الاتفاقية.
وعندما نطلب في كل مرة الى الحكومة، تقول انها تنسق، وهناك وعد بتنفيذ هذه الاتفاقية.
فانا اطلب من الرئيس، واقول له:
لماذا لا تنفذ هذه الاتفاقية حسب مضمونها.
ولو كنت مكانك يا دولة الرئيس لارسلت الجيش الى الجنوب بدون سؤال احد.
لان ارض الجنوب ارض لبنانية، وهي اليوم الارض المغتصبة من العدو الاسرائيلي.
ابعث بالجيش بدون المرسوم التنظيمي.
لا تلهينا بالمرسوم التنظيمي يا دولة الرئيس.
دولة الرئيس، اذا كانت هذه الحكومة تريد ان تكفر عما تألم الجنوبيون من جراء هذا التخاذل، اطلب منك ان تواجه هذا المجلس الان بقرار فوري تقول فيه:
سارسل الجيش الى الجنوب، وسارسل الجيش الى الاسواق، والى الاشرفية، وسامنع المتطاولين على القانون، ان كان في الدوائر المالية العقارية او في اية دائرة.
واني ساضع في السجن كل من يسمح لنفسه بتوقيف لبناني.
التوقيف هو من صلاحياتي.
وانا ارى ان المسؤولية جسيمة لدرجة، وخاصة فيما يتعلق بالجنوب والاسواق.
عندما نقل، يا دولة الرئيس، اننا ننسق مع السوريين طيب، ما قدرنا ننسق معهم ما منقدر ننزل الجيش الى الاسواق؟
وما بقا كنت احكي متلك على المرافئ غير الشرعية، لانها اصبحت مثل حائط مبكى.
انا اطلب منك العمل، ولا اطلب منك موقفا.
وانا اتكلم الان مع رئيس الحكومة لاني ابرئ كثيرا من الامور السياسية باقي الوزراء.
لان المسؤول عنها الرئيس الحص والوزير فؤاد بطرس.
لا يمكن لنا بعد اليوم ان نجابه المواطنين عندما يلتقوننا ويسألوننا الا يمكن ان تطلبوا من الحكومة ان تحتل خمسمئة متر مربع من البرج الى فندق فينيسيا.
يا دولة الرئيس، انا لا افهم كيف يكون التنسيق.
نحن نريد ان نأخذ موقفا مع سوريا.
اما ان نقف معها واما ان نقف ضدها.
فاذا كانت سوريا هي التي تمنع الجيش اللبناني من النزول الى الاسواق، فنحن ضدها.
واذا كان ليس ذلك فنحن مع سوريا.
انا اقول، منذ الان، ان دولة الرئيس يعرف ان عدم ارسال الجيش الى الاسواق لا يتعلق بسوريا.
والتنسيق ملهاة، ونحن لا يمكن لنا ان نواجه، بعد اليوم.
المواطن بذات الطريقة وبذات الاساليب التي تستعملها الحكومة مع المجلس، اولا ومع المواطنين ثانيا.
وشكرا.
نحن هنا لأن الدولة في مأزق والوطن في خطر، وعندما يكون الوطن في خطر، نلتقي في ملتقاه كجنود ارتباط وانضباط، للعمل على انقاذه، ولأن لبنان هو أرض التلاقي والتفاعل بين الأديان والحضارات والإتنيات، علينا العناية به لننطلق من التسويات الى الحل، وبالتالي الى وطن نموذجي، ضامن للسلام والأمان والطمأنينة لشعبه ولشعوب المشرق.
جميعنا مدعوون افرادا وفئات الى قراءة علامات الازمنة لنستشف دورنا فيها، ولا يجب ان تختلف الاراء وتتباين الاقتناعات وتتمايز الاقتراحات لما في قواعد التفكير والتطلعات من تنوع وفي الاحداث المحلية والعالمية من اضطرابات وفي الافق من غموض.
والفطنة في الا يستكبر احد على احد ولا تستخف فئة بفئة، والحكمة في الاصغاء والتفاعل بغية التكامل.
  من القضايا التي تستحق ان تستحوذ كل الاهتمام التربية والتعليم بما فيه الجامعي.
بقدر ما هو التعليم رسالة روحية ووطنية وإنسانية، بقدر ما يتوجب التحسس بمستقبل الاجيال اللبنانية الناشئة والحفاظ على مصلحتهم ومصلحة الأهل والوطن ومعالجة مسألة الزيادات الدائمة على الأقساط المدرسية.
تفاقم القلق وازدياد المشاكل الحياتية والاقتصادية والاجتماعية في هذه المرحلة الحساسة يتطلب الكثير من الوعي والحكمة والصراحة.
على الحكومة إيلاء الحالة الاقتصادية الاجتماعية اقصى درجات الاهتمام لأن وجع الناس وصراخهم يزداد ولأن القلق على المستقبل خاصة عند الشباب من ابرز اسباب الهجرة التي هي عدونا الابرز.
بات ملحًا اليوم اعلان حالة طوارئ اقتصادية اجتماعية لأن الاستحقاقات المالية داهمة، والشعب يئن من البطالة وصرف العمال والغلاء والاقساط وندرة الاستثمار.
وصل الوضع الاقتصادي الاجتماعي الى درجة تستدعي ليس فقط حلقات حوار ولا خلوات وزارية دائمة بل حتى حالة طوارئ سياسية يكون بندها الوحيد كيفية معالجة الهجرة واليأس والهدر والفساد والدين العام.
الاصلاح الاقتصادي صار امرًا واجب الوجود، وإلا سيستمر الوطن في نزيفه وانهياره.
من الضروري أن يكون برنامج الإصلاح المالي الاقتصادي على رأس الاهتمامات لن يتحمل اللبنانيون ولن يقبلوا أن يدفعوا ثمن أخطاء الطبقة السياسية.
تحريك الجمود والالتفات إلى قضايا الناس الحياتية من عمل وبنى تحتية وكهرباء وسواها، أولوية أساسية إذا ما أردنا قيامة حقيقية لواقع المجتمع اللبناني.
ثمة قلق جدي بفعل تراجع الوضع الاقتصادي وارتفاع حجم المديونية العامة، لما ينعكس ذلك على الوضع العام في البلاد.
إلى الأزمات الاقتصادية والدين العام وواقع الإدارة غير المتوازي، تأتي ملفات الفضائح التي تطاول أكثر من مرفق لتزيد الواقع سوءً وسوادًا.
مطلوب جردة حساب رسمية على واقع التعيينات والتعاقد، ليتسنى للرأي العام أن يعرف حقيقة الأمور وإصلاح اي خلل.
مع رفض وجود السلاح في أيدي الفلسطينيين، خارج وداخل المخيمات، يأتي التخوّف من التوطين ليزيد الواقع ضبابية.
إن رفض التوطين هو من المسلمات الوطنية التي جاءت في مقدمة الدستور وهو يرتدي الأهمية نفسها التي ارتدتها مقاومة الاحتلال الإسرائيلي.
إن لبنان الذي استضاف اللجوء الفلسطيني، عملاً بالواجب الإنساني والقومي، والذي تحمّل التضحيات القصوى في سبيل نصرة القضية الفلسطينية، المتمثلة بحق العودة، أصبح هدفًا لمؤامرة خطيرة يوم طرح وطنًا للفلسطينيين، بديلاً عن فلسطين.
هذه المؤامرة معززة بالكثافة الفلسطينية في لبنان، وحالة التسلّح بذريعة "العمل الفدائي"، كانت من الأسباب المباشرة، لاندلاع الحرب في لبنان عام 1975، ولتحريك الطروحات القصوى التي هددت وحدة الشعب والأرض، وقد تمثلت بمؤامرة التقسيم.
أصدرت جامعة الدول العربية، قرارات عدة حظّرت بموجبها على الدول العربية المضيفة للشتات الفلسطيني، منح جنسيتها للأخوة اللاجئين، حفاظًا على قضيتهم، وحفظًا لحقهم بالعودة، ومنعًا لذوبان هويتهم عبر توطّنهم الدائم في هذه البلدان.
كما أن ثمّة قرارات دولية خاصة بالحقوق الفلسطينية، أبرزها القرار 194، والقرار 242، اللذان يكرسان حق العودة، وحق جمع شمل العائلات، التي شرّدتها نكبة فلسطين والحروب التي تلت تاريخ النكبة.
إن اعتبار حاجة العالم العربي، للسلام العادل والشامل، موازية لحاجة إسرائيل والغرب، وسائر دول العالم لهذا السلام إياه، وما لم يكن الأمر على هذا النحو، فلا حاجة به للبنان وسوريا، ولا لبلدان المنطقة العربية، ولا للأسرة الدولية جمعاء.
تمسّك لبنان بإسقاط مؤامرة التوطين مطلب داخل في صميم محادثات السلام، وبند أساسي في جدول أعمال هذه المحادثات، وشرط وطني، يوازي بأهميته تحرير لبنان.
وبقدر التعاطف مع معاناة الشعب الفلسطيني والتأييد لنضاله من أجل إقامة دولته والاستنكار لما يتعرّض له الفلسطينيون من تنكيل، بقدر ما هي مرفوضة عودة الفلسطينيين في لبنان إلى خطاب تصعيدي أو انفلات أمني تحت أي حجة تفتح بابًا على حرب لسنا مهيئين لها.
على مستوى مسيحيي الشرق الأوسط، نحن بأمس الحاجة إلى مزيد من اللحمة بين الكنائس الناطقة باللغة السريانية ومزيد من التوحّد مع الكنائس الشقيقة ومزيد من الحوار المسيحي – الإسلامي، لأن الخشية الحقيقية أن يشهد هذا القرن نهاية الحضور المسيحي المشرقي إذا استمرت وتيرة الهجرة على ما هي، وإذا بقيت المشاكل السياسية والحياتية والاقتصادية تمنع الفرد الإنسان من الشعور بالحرية الكاملة والكرامة والراحة وعدم الأمان للمستقبل".
التمثيل المسيحي المشرقي، مع الأسف، يصبح رمزياً يومًا بعد يوم.
كيف يمكن أن تظهر العروبة الحضارية وجهاً ناصعاً إذا لم تكن تلحظ المشاركة المسيحية في صنع قرارها.
تتحمل الحكومات في المنطقة كل المسؤولية وراء عدم استيعاب الحضور المسيحي.
مشيرًا إلى دورها وأدائها على هذا الصعيد من حق المسيحيين العيش بكرامة وسلام وأن يتساووا مع أشقائهم في المواطنة وان ينعموا بالحرية.
من الضروري مضاعفة الجهود من اجل الا تبقى صورة التكفيريين والإلغائيين هي الطاغية.
دور الكنائس في تثبيت المسيحيين في ارضهم التاريخية رغم الحروب والوضع الاقتصادي الصعب وتنامي الارهاب والاصوليات الالغائية وغياب الديموقراطية واحترام حقوق الانسان يبقى من اولويات واجباتها، لا سيما وأن أرض لبنان مقدسة لأن السيد المسيح مرّ فيها.
مخاطر جمة تحيط بالمسيحيين ولبنان، لا يمكن مواجهتها إلا بمزيد من توحيد الجهود والرؤية والأهداف وتعزيز العيش المشترك ودور لبنان في المنطقة.
يطاول الإجحاف الشارع المسيحي بسبب أداء الدولة المشبوه على هذا الصعيد.
ظاهرة لا يمحوها إلا النضال من اجل التوحد لقيام استراتيجية مسيحية وطنية تأكيدا للتضامن بين الاحزاب والقوى والتيارات وحفاظا على القرار المستقل.
من الضروري استنهاض القوى الحية لدى المسيحيين، ودفعها إلى المشاركة الحيّة والفاعلة في الحياة العامة ورفض اليأس والانكفاء،
العمل في اتجاه فرض إعادة التوازن، والمثول بقوة في آلية صنع القرار في الدولة، ومواجهة المحادل السياسية التي تستفيد من الغياب المسيحي لتكريس امر واقع لا يمكن في أي حال من الأحوال أن يعكس حقيقة لبنان القائمة على التوازن، والمشاركة والتفاعل، فيستقيم العيش المشترك، ويأتي تعبيرًا وتجسيدًا لواقع قائم.
كذلك التراشق المسيحي العنيف بين التيارات والقوى والشخصيات في زمن نحن أحوج ما يكون فيه المجتمع الى تناغم مسيحي وتوافق وطني، هو امر مستهجن.
من الملح طي صفحة الخلافات والخصومات والتنافر المسيحي، بين كل الاطراف والاحزاب والشخصيات، لأننا امام مفترق خطير وأمام تحديات عظيمة، ولأن مستقبلنا كمجموعة وكشعب وكطوائف وكدور طليعي رهن بطريقة تلاقينا وإدارتنا لتنوعنا وتعددنا.
ومن الملح أيضًا التلاقي حول ثوابت مسيحية ووطنية تعزز استقلالنا وتعيدنا الى قلب القرار الوطني، بالشراكة التامة مع كل اللبنانيين، مثالا حقيقيا لعيش مشترك.
على المسيحيين ان يتوحّدوا في الرؤيا وفي الثوابت، ليس ضد أحد ولا في مواجهة أحد، بلْ مع كل اللبنانيين لخلاص الوطن.
كل الأطراف مدعوة إلى إبقاء الخلافات السياسية ضمن منطق الحوار والديمقراطية واحترام الآخر.
فنقدّم للعالم العربي نموذجًا حضاريًا هو بامس الحاجة إليه في زمننا الحاضر.
على الجميع ان يفكروا معًا بمحبة واحترام حول أفضل السبل لتأمين السيادة الكاملة، الحرية التامة، والمشاركة المتوازنة.
شعبنا لن يرحم اذا خسرنا حضورنا بسبب خلافاتنا وتفككنا، لأنه يمر في فترة حرجة جدًا من تاريخه ومصيره ومستقبله وكل ما يرمز إليه من تاريخ وحضور، يقف اليوم على المحك.
على المسيحيين ان يجتمعوا ويتضامنوا مع كافة اخوتهم في الوطن.
ان المسيحيين واللبنانيين يفتقدون في هذه المرحلة العصيبة الى الحكمة والفكر ورجال الدولة والمؤسسات.
العودة الى الطائفية والمذهبية ولغة الشوارع والحقد لن يربح أحداً.
ومنطق العقل والوحدة يجب ان ينتصر وإلا خسرنا كل ما نملك.
اختلاف الرأي السياسي بين المسيحيين نعمة ولكن تدمير الذات والتقاتل ينهي اي امكانية لاي نهضة ودور.
المسيحيون لا يمكن ان يكونوا الا صنّاع قرار في الوطن.
لا ملحقين ولا مهمشين ولا مراقبين ولا ذميين.
ولا تنازل عن دورهم في الدولة وحضورهم وتوازنهم ولا يمكن ان يستمر الوضع وكأنهم ليسوا موجودين.
ليس لدى المسيحيين إلا مشروع الدولة الواحدة القوية العادلة السيدة الحرّة المستقلة القائمة على المساواة التامة والتوازن الكامل.
من واجبي التذكير ببعض الثوابت اللبنانية، التي تشكل ضمانة لكل الطوائف اللبنانية وتؤمن العدالة بين اللبنانيين.
لبنان وطن نهائي، بحدوده المبينة في المادة الاولى من الدستور اللبناني والمتعرف به دوليًا.
اللبنانيون:
المقيمون منهم والمنشرون في العالم، يؤلفون الأمة اللبنانية، المبنية تاريخيًا على التعددية الاثنية والدينية، وعلى التنوع الحضاري، والثقافي، والتراثي، واللغوي، والمتكونة من مجتمعين رئيسيين متحدين:
المسيحي والاسلامي، وهما متساويان في الحقوق والواجبات.
لبنان بواقعه الاجتماعي والسياسي والوطني، وبحقيقته التاريخية، هو :
اتحاد طوائفي" بين مجتمعين الاساسيين، مما يحتم اشراك طوائفهما في ادارة شؤون الدولة.
لبنان دولة حرة مستقلة، ذات سيادة تامة، وذات نظام جمهوري ديمقراطي برلماني تعددي يقوم على مبدأ فصل السلطات، ويرتكز على ديمقراطية التوازن والعدالة بين الطوائف.
تضمن الدولة اللبنانية وتصون حريات وحقوق الافراد والجماعات التي يكرسها الدستور اللبناني، وايضاً كل الحقوق والحريات التي تكرسها شرعة حقوق الانسان.
لبنان، في محيطه الاقليمي متعدد الانتماآت:
(مشرقي، وشرق ادنوي – وشرق اوسطي _ وشرق عربي – وبحر متوسطي) وهو من الوجهة الحضارية والثقافية والتراثية، حصيلة الحضارات والديانات الديمة والحديثة، التي عاشت على ارضه وتفاعلت مع شعبه عبر تاريخه الطويل، وعالميًا فهو ينتمي الى الحضارة الغربية الانسانية العالمية، التي هي ايضًا جزء منه.
وبفعل هذا، فقد تكونت للبنان الوطن، وللأمة اللبنانية، هوية وطنية قومية لبنانية خاصة بهما.
الدولة اللبنانية، بحد ذاتها، كشخص معنوي وقانوني، هي دستوريا (المادة 9 من الدستور)، دولة علمانية (زمنية)، اي غير دينية، وبالتالي حيادية بين الاديان، تمتنع عن اتخاذ اي دين رسمي لها، ان علمانية الدولة، وواجب احترام وضمان حرية الاشخاص، توجب علىالدولة اقامة الزواج المدني الاختياري، ووضع قانون مدني اختياري للاحوال الشخصية، يطبق على كل من يختاره من اللبنانيين.
يجب اعلان لبنان دولة حيادية، تلتزم الحياد الدولي الدائم، وتبعا لذلك فهي تعمل للسلام العالمي، وتبتعد عن المحاور والاحلاف السياسية والعسكرية، وعن الحروب، وهي تمارس هذا الحياد من خلال عضويتها في جامعة الدول العربية، وفي منظمة الامم المتحدة، وفي سياستها الخارجية مع كافة دول العالم.
تنتسب الدولة اللبنانية، كعضو عامل وفعال، في المؤسسات والمنظمات الثقافية، والاقتصادية، والعلمية، الاقليمية منها والدولية، فتعمق بذلك مساهمة لبنان في التعاون الدولي الانساني.
تتعامل الدولة اللبنانية في علاقاتها مع كل دول العالم، على اساس مبدأ السيادة التامة، والمساواة، والمعاملة بالمثل، وعلى أساس التعاون، والاحترام المتبادل لاستقلال كل دولة، وسيادتها، وأنظمتها، وقوانينها.
نظام لبنان الاقتصادي حر، وعلى الدولة رعايته، ويجب عليها أن تضمن للمؤسسات وللأشخاص وللرساميل حرية التحرك والعمل، بعيدًا عن التجاوز والاحتكار والاستغلال.
المبادرة الفردية مصونة بما لا يتعارض مع النظام العام والمصلحة العامة.
اي مشروع اصلاح او تطوير للنظام اللبناني، يجب ان يكون توافقيًا بين المجتمعين اللبنانيين الرئيسيين، وأن يقوم على أساس الثوابت الواردة في هذه المذكرة، كما يجب ان يحافظ على الحقوق والضمانات التاريخية العائدة للطوائف اللبنانية.
وذلك عن طريق الحوار بين اللبنانيين، وفي اطار من السلم الحقيقي، والحرية التامة.
ان بحث واقرار اي اقتراح او مشروع يتعلق بتطوي النظام اللبناني، يجب ان يتم بواسطة المؤسسات والسلطات الدستورية الحالية، وفقًا للأصول المحددة في الدستور اللبناني، ومن قبل مجلس نيابي منتخب.
وجوب ممارسة اصول الديمقراطية الصحيحة في اختيار نواب الامة، مما يعني رفض مبدأ تعيين النواب بأي شكل كان.
"مما لا جدال فيه ان الحضور المسيحي في المشرق العربي يتراجع يوما بعد يوم، وأسبابه عديدة ومتفرعة،
الحرية الايمانية هي حق مقدس كفلته شرعة حقوق الانسان،
الاديان السماوية التي انطلقت من هذا الشرق تدعو الى المحبة والسماح والغفران،
من غير الجائز ان يشعر احد انه مرفوض او مضطهد بسبب دينه او مذهبه او معتقده،
الانسان اما ان يكون حرا او لا يكون انسانا.
في غمرة موجات التطرف والتصعب والاستفزاز والكراهية ما يمكن ان يسمى احيانا "بالارهاب الديني" الذي يغزو العالم، وفي ظل الاستنكار العارم للدعوات والممارسات المشينة ضد اي دين من الاديان، لا بد من تأكيد حق كل ديانة بتمسك اتباعها بخياراتهم الحرة في معتقداتهم وشعائرهم والتعبير عنها وفقا للقيم والمبادىء الاخلاقية التي هي جوهر انسانية الانسان.
ان اللبنانيين بأكثريتهم الساحقة، مسلمين ومسيحيين، مؤمنون بان هذا الوطن اذا خسر تنوعه الايماني والثقافي والحضاري، واذا فقد حرية انسانه الفردية فانما يخسر مبرر وجوده وديمومته لان هذا اللقاء الفذ بين اديانه ومذاهبه وهذا التفاعل الخلاق بين معتقدات ابنائه، هو الذي يعوض عن مساحته وعدد سكانه ويحوله الى وطن ذي دور ورسالة.
الخوض في متطلبات الحضور المسيحي الفاعل في الشرق العربي، قضية شائكة، الجزء الاهم من متطلبات هذا الحضور هو ما ينشده كل انسان في هذه المنطقة، وليس فقط المسيحيون.
السلام والاستقرار وحقوق الانسان والازدهار والحرية والديمقراطية، هي مطالب جميع مواطني دول هذه المنطقة.
الهجرة بسبب غياب هذه الحقوق، تطاول اعدادا كبيرة من ابنائها المسلمين قبل المسيحيين، غير ان انعكاس هذا الغياب على اتباع الديانة المسيحية اكبر بكثير.
اولا، لان اعدادهم قليلة بالاساس، وبالتالي فان التناقص سريعا ما يبرز للعيان.
وثانيا، لان وقع التهميش على الاقليات اكثر وطأة عليها منه على سائر فئات المجتمع التي لا يمكنها ان تعزو سبب تهميشها الى كونها أقلية.
هذا فضلا عن سعي المجموعة او الفرد الحاكم الى استرضاء الاكثرية من خلال تدابير ومواقف غالبا ما تستهدف الاقليات، وبخاصة الدينية منها" .
وليس من يجهل ان المجتمعات المزدهرة والمطمئنة الى حاضرها ومستقبلها، والمتمتعة بحقوق مدنية واجتماعية وسياسية من شأنها ان تصبح حاضنة لنوعية راقية من المواطنين قابلة بالآخر المغاير وبحقه بالاختلاف.
وهذا بتقديري او ما يطلبه المسيحيون في المجتمعات العربية التي يعانون فيها منذ عقود من اسقاطات متنوعة واحكام مسبقة من جانب الاكثريات في مجتمعاتهم التي تريدهم ان يتبنوا عادات اجتماعية ومعتقدات سياسية، وفي بعض الاحيان دينية، مخالفة لعاداتهم وتقاليدهم ومعتقداتهم.
بالتأكيد ان عملية تشكل الدول وفق الشكل الذي يستجيب لمعايير حقوق الانسان والمواطنة القائمة على المساواة بين جميع افراد الشعب ومجموعاته الاثنية والطائفية، يفترض ان تكون نابعة من داخل هذه الدول.
العالم العربي سلك طريقا معاكسة، ادت في شكل طبيعي الى نتيجة معكوسة، لقد صهرت النخب الحاكمة خلال العقود الستة المنصرمة، باجراءات فوقية، مجتمعاتها وطوائفها ونخبها، وانصهرت هذه المجتمعات والطوائف، بشكل طوعي في معظم الاحيان، في قالب ايديولوجي واحد تطغى عليه، ان لم تسد فيه، ألوان ومعتقدات وتطلعات ونمط حياة الاكثرية الاسلامية.
متطلبات الحضور المسيحي الفاعل في دول الشرق العربي تبدأ بإعادة الاعتبار الى التجربة اللبنانية، بأبعادها القائمة على الديمقراطية والعيش المشترك والمساواة بين جميع المجموعات الطائفية، ومحاولة تعميمها، بالقدر الممكن على الدول العربية، كل بحسب اوضاعه وظروفه الداخلية.
فلبنان شكل قبلة لمسيحي الشرق ومقرا لكنائسهم وجامعاتهم ومؤسساتهم وفي بعض الاحيان ملجأ لهم، عندما كان وجودهم مهددا.
وكل مبادرة باتجاهه سرعان ما تنعكس، في شكل او آخر عليهم.
لعل المناخ السياسي والتبدل في الذهنيات هو اكثر القضايا إلحاحا بالنسبة الى الحضور المسيحي الفاعل في الشرق العربي، لانه المدخل الالزامي للتنمية المستدامة والشاملة لمختلف نواحي الحياة الانسانية التي تجتذب المسيحي المشرقي الى الدول الغربية حيث تسود المساواة والفرص المتاحة امام الجميع.
المسيحيون يريدون البقاء في الشرق العربي، والدليل انهم لا يزالون مقيمين فيه، وان بعض من يهاجرون منه يعودون اليه على رغم المغريات في دول الغرب.
غير انهم يريدون ان يعيشوا بكرامتهم وبمساواة مع غيرهم من ابناء المنطقة، وبشيء من الحرية.
ان كل مبادرة رسمية او حتى فردية، أكان على مستوى مادي، كمثل انتهاج سياسات او تقديم دعم، ام معنوي، كمثل اعلان مواقف ايجابية من الدور المسيحي في العالم العربي، تجد دائما وقعا لافتا في صفوف المسيحيين في كل دول المشرق العربي.
فكيف اذا تنسقت هذه المبادرات وتتابعت في اطار جامعة الدول العربية ومؤسساتها، او في غيرها من الاطراف الموجودة او تلك التي يمكن استحداثها، وصارت منحى ثابتا في السياسات الرسمية والمناهج التربوية.
المتطلبات للحفاظ على الدور المسيحي الفاعل في المشرق العربي ليست صعبة التوافر متى توافرت النيات الرسمية الحسنة والانتباه المطلوب من المسؤولين في دول هذه المنطقة التي لن تجد نفسها، في حال غياب الحضور المسيحي التام، الا ساحة لنزاع دام مفتوح الى ما شاء الله بين الاسلام واليهودية.
نزاع سوف يؤدي الى مزيد من الكراهية والموت والدمار ولكن ايضا المزيد من الفقر والتخلف والحرمان، وتراجع لحقوق الانسان" .
دور الانظمة العربية يفترض ان يتزامن مع التزام دولي بالاحجام عن السياسات التي تشعر اي فئة من فئات منطقة الشرقين الاوسط والادنى بالغبن والاستهداف او بالخضوع لعدالة الكيل بمكيالين.
فهذه السياسات أدت، خلال العقود الماضية، الى بروز تيارات راديكالية مناهضة للقيم العالمية التي تتبناها دول العالم، لاختبارها إجحافها او عدم الالتزام بمقتضياتها لدى تعاطي هذه الدول مع القضايا التي تهمها.
وفي مجتمعات تقودها هذه التيارات الراديكالية الرافضة للشرعة العالمية لحقوق الانسان وغيرها من المواثيق الدولية، من الصعب توقع بقاء مسيحيين فيها.
ولعل تجربة القضية الفلسطينية التي لم تزل جرحا مفتوحا لا يجد طبيبا متجردا يعالجه منذ اكثر من ستين عاما، وتجربة العراق بالامس القريب، وما أفضتا اليه من هجرة للاقليات المسيحية منهما، خير دليل على الانعكاسات السلبية لهذه السياسات على وضع المسيحيين في الشرق العربي" .
الموضوع الذي يجب ان يطرح هو:
ما هو مصير العرب كشعب تاريخي في حال زوال التعارف من بينهم مع الاخر بالاعتبار بان مثل هذا الزوال للنصارى العرب امر يمكن تخليه؟
لبنان بالنسبة الى العرب، هو اخر معاقل النصرانية، في ديارهم، ومنذ عشرين سنة تقريبا، عندما بدا للعرب من اقصى مشارفهم الى اقصى مغاربهم، ان النصرانية في لبنان توشك على الانهيار تملكهم الخوف وهبوا جميعا لوضع حد لهذا الانهيار.
المسيحيون الباقون حتى اليوم في ديارهم العربية، والى جانب رهطهم، هم وحدهم من حماة هذه الديار ان هم ارادوا ذلك فعليا، المطلوب منهم فقط استمرار وجودهم حيث هم، حتى تستمر الظاهرة التاريخية التي اسمها العرب النصارى، التي بدونها لن يكون هناك شيء اسمه عرب، فهل ندرك عمق المسؤولية التاريخية والحضارية المنوطة بنا وخطورتها؟
".
أول ما يثار اليوم هو المسألة الديموغرافية.
الحديث اليوم عن تراجع ادوار المسيحيين متصل اتصالا وثيقا بضعف الدولة أو اضعافها ومعها المواطنة والمساواة.
لكن الرد على تراجع الدولة والمواطنة لا يكون إلا في التمسك بالدولة وبتأكيد المواطنة، بديلا من اعادة اختراع العصبية الطائفية، ردا على العصبيات الأخرى.
الخوف من تراجع أدوار المسيحيين، والتفجع بأحوالهم يستعجل تحقيق ما يخافون منه.
لا مستقبل للمنطقة من دون العيش الواحد، وأن تراجع الحضور المسيحي من حيث العدد.
التحديات التي تواجه المسيحيين كتنامي الحركات التكفيرية الاسلامية والتي تسعى الى إلغاء الآخر المسيحي والاسلامي الذي لا يطابقها النظرة، وانزلاق بعض الفئات المسيحية الشرقية الى منطق انعزالي كمخرج وحيد لحمايتهم، كلها عوامل تدعو المسيحيين اليوم وأكثر من السابق إلى استعادة مواجهة هذه التحديات بترسيخ هويتهم كرسل حضارة.
وجود كنائسنا في هذه المنطقة من العالم يشير الى أصالة كنيسة المسيح الواحدة الجامعة المقدسة الرسولية في سياق التاريخ الانساني والجغرافية، ويشهد استمرارها، رغم الصعوبات على اختلافها والانقسامات التي عرفتها عبر مراحل التاريخ المعاقبة، على أمانتها للمسيح منذ يوم العنصرة.
أي انتكاس يصيب وجود المسيحيين، واي انحسار لدورهم، هما بمثابة شهادة مضادة لتجذر المسحية في منطقتنا منذ ايام الرسل وحتى اليوم".
يحمل المسيحيون في منطقتنا تراثا مسيحيا فريدا تكوّن بفعل خبرة تاريخية طويلة اتسمت بتفاعلنا كمؤمنين بالمسيح مع حضارات قديمة متنوعة انطبعت بها هوياتنا الكنسية كالآرامية (السريانية) والمصرية والهلينية والرومانية".
نحن مأزومون، نحن شعب ضائع مفتت.
ظلمه التاريخ والقدر والغزوات والحروب.
لا دولة له لا سلطة لا تحالفات لا مشروع.
نحن كلنا كمسيحيين غير متفقين حتى على الحد الادنى من الثوابت مع روعة تنوع حضاراتنا والثقافات.
ان انقسامنا المذهل طوائف ومذاهب واحزابا، ثم داخل طوائفنا من انانياتنا والفوضى، مأساوي كأننا غير مدركين لحجم المخاطر.
لقد تطبعنا عبر قرون، وحين عصف عصر حقوق الانسان والقوميات خفنا، في عالم تهمه المصالح وليس المبادىء أليس مذهلا ان يسمينا بيان حكومي عراقي "الجالية المسيحية" بعد ألفي سنة من حضورنا في بلاد الرافدين.
علينا ان نكون واضحين.
لسنا صليبيين ولا أحصنة طروادة لاحد.
لا نقبل أصلا اي اتهام او تشكيك في انتمائنا، دون وجل دون خوف.
جزء من هذا العالم الاسلامي والعربي والتركي والايراني والكردي.
جزء من تنوع منطقة ضاجة.
لكننا مع حقوق كل انسان، مع الحريات.
لا يمكن ان نكون على الحياد مع قضية حق الفلسطيني بدولة، مع سلام عادل شامل، مع حق العودة للاجئين، لكن ايضا مع الحق الكردي بان يشعر بالامن والمساواة، مع حق المسيحيين في كل هذه البلاد، بان يعترف بهم ، بقومياتهم، بلغاتهم، بمؤسساتهم، بتمثيلهم، بأحزباهم".
موجة الاصوليات التكفيرية الالغائية المتخذة من النموذج الاسرائيلي راية، عبر نموذج إنشاء دول دينية على أنقاض الآخر، وعبر رفع فتاوى لا يقبلها لا عقل ولا منطق ولا دين هي أخطر ما يواجه المسيحي.
ان هذا الارهاب الذي يغتال مطرانا، ويكفر جارا، ويهجر سكانا اصلييين هو آفة لا يمكن معالجتها فقط بالامن، بل بالفكر والاقتصاد والاعلام.
سكوت الانظمة العربية، واحيانا تواطؤها، عبر محاباة الفكر المتأسلم، لترضيته على حساب حقوق الانسان وحقوق المسيحيين هو طعنة في صميم جوهر تكوينها.
أليس غريبا ان يكون المسيحي دائما ضحية وفي أغلب الاحيان نسمع عن تبرئة القتل عبر تنسيب الجرائم الى مجنون؟
ان عدم جرأة الانظمة، بدءا من دساتيرها، في الاعتراف بالمساواة التامة بين المواطنين، لا يساعد على إعطاء اي بصيص أمل للمسيحي، صحيح ان الانظمة متفاوتة في تعاملها مع المسيحي، ففي بعض البلدان المواطنة فقط للمسلم، في بعضها دين رئيس الدولة الاسلام، وفي بعضها دين الدولة الاسلام.
ان هذا الغرب الخبيث يعامل قضية الحضور المسيحي بمكيال المتجاهل المتواطىء.
اصلا هو مسؤول مباشر عبر احتلاله العراق في زعزعة كيان دولة عربية - مهما كان رأي الناس في قيادتها او ممارساتها - في غياب الامن والمرجعية.
وهو مسؤول مباشر عن دعم احتلال فلسطين مما هجر ايضا المسيحيين من الارض المقدسة وأشعل غضبا اسلاميا عارما.
ما زلنا كمسيحيين، من دون وجه حق، ندفع أثمان اخطاء الغرب وخطاياه رغم اننا معارضين لسياساته.
هذا الغرب ليس لديه ما يقدمه لمسيحيي العراق الا تسهيل سمات دخول لمزيد من التهجير.
أصلا، ليس هناك على اي أجندة غربية ملف عنوانه بقاء او حضور او دور او مستقبل المسيحيين في الشرق.
هل الصورة قاتمة الى هذا الحد؟
انها كذلك، نتراجع في الديموغرافيا وفي الجغرافيا، اين طور عابدين، لم يبق فيها الا من يعد مقابرنا ربما ألفان فقط.
القدس فيها 9 آلاف مسيحي فقط.
اين القامشلي، انها عاصمة لما يسمونه كردستان الغربية، اين المصيطبة الآن، بقي فيها اقل من مئة عائلة سريانية, في طرفة عين تبخر نصف مسيحيي العراق.
عدد المسيحيين على اختلاف طوائفهم في الشرق الاوسط هو سبعة عشر مليونا.
ان المسيحيين المشرقيين يعانون في مختلف مناطق وجودهم من الضغوط والتمييز، وتتفاقم الهجرة في صفوفهم.
المسيحيون اللبنانيون وضعهم افضل من اوضاع المسيحيين الاخرين، لكنهم منقسمون دينيا وسياسيا.
السبب الاول في مشكلات الحضور المسيحي والحضور العربي العام هو الانسداد الفظيع في التجربة السياسية العربية طوال العقود الاربعة الماضية، وهو انسداد نال من الحراك السياسي والاقتصادي والاجتماعي كما نال من فكرة الدولة حضورا وممارسة، ولا شك في ان الاكثريات العربية انكسرت تحت وطأته، وعانت ولا تزال معاناتها شديدة، وربما صمد المسيحيون العرب تحت تلك الوطأة الانسدادية اكثر مما صمدت نخب الاكثرية، لكن في النهاية ومنذ الثمانينيات من القرن الماضي ظهر الانكسار لدى النخب المسيحية العربية ايضا، ولو تأملنا المشهد انذاك لوجدنا ظواهر تدل على ما نحاول اثباته في ثلاثة مواطن:
الحرب الاهلية في لبنان وما خلفه الصراع عليه وفيه، وتفاقم الهجرة المسيحية من فلسطين المحتلة، والوجود المسيحي في العراق وسط الحروب المتكاثرة منه وعليه والتي بلغت ذروتها في الغزو الاميركي الثاني في العام 2003.
الدولة العربية ما عادت حامية وضامنة للسلم الاهلي ولعيش المواطنين وحرياتهم بل تحولت بسبب تخليها عن ادنى شروط الوجود والشرعية الى عبء هائل وضاغط، والسبب الثاني للمشكلات الحاضرة هو الاصولية الاسلامية التي صارت في وجه من وجوهها المعارضة الرئيسة للانظمة القائمة، وهي معارضة تختلف عن الانقلابات والمعارضات السياسية العادية، لانها تختزن حمولات ثقافية شاسعة وعميقة، وهي لم تقف في وجه الانظمة السياسية السائدة وحسب بل نشرت ايضا عالما مختلفا اقل ما يقال فيه انه يجرف في طريقه تقاليد وممارسات العيش المشترك".
اذا كانت التجربة السياسية العربية قد كسرت الضمانات والحقوق فإن الثوران الاسلامي كسر في الوعي والتصرف قيما ومحرمات اجتماعية واخلاقية لدى المسلمين وتجاه المسيحيين.
اما السبب الثالث للمشكلات المسيحية في هذا المشرق فهو يتصل بالمسيحيين انفسهم اي في افعالهم وردود افعالهم ازاء الظاهرتين السياسية والاصولية وازاء الامكانات المتاحة والحراك الممكن وغير الممكن، وقد تصرفت النخب المسيحية ليس في لبنان وحسب بل في مصر وسوريا تصرفا انكماشيا في الغالب، وثورانيا في بعض الاحيان، وفي الحالتين ولكل منهما اسبابها وظروفها فأدى ذلك الى المزيد من التآكل والتناقص.
تطورات الحرب اللبنانية.
باختصار إنطلاق شرارة الحرب اللبنانية في 13 نيسان 1975، وضع الإقتصاد اللبناني في مهب الريح.
إستمرت سنوات الحرب عقدًا ونصفًا ونيّف من الزمن.
وشهدت فترات من تصاعد الأمل معدودة.
إرتفعت فيها حركة الهجرة حتى بلغ عدد المهاجرين نسبة 30 إلى 35% من أهله.
إلا أن الوضع المالي استمر على استقراره حتى العام 1982 وميزانية الدولة لم تسجل عجزًا ملحوظًا.
في أواخر 1968، دخل الأراضي اللبنانية عدد من الفلسطينيين المسلحين.
أحدث هذا الأمر اضطرابات داخلية ليس بالنسبة لعدد الذين دخلوا وكان لا يتجاوز الخمسين، بل لمبدأ وجود فدائيين على الأراضي اللبنانية.
أما الاضطرابات الداخلية فكان سببها الانقسام بالرأي حول مبدأ وجود فلسطيني مسلح:
فريق يؤيد وفريق يرفض.
الفئة التي أيدت لجأت إلى مختلف وسائل الضغوط:
الاضطرابات والمظاهرات والمهرجانات الخطابية والعراقيل التي كانت تضعها لدى تشكيل الحكومات.
الفئة التي رفضت اقتصر نشاطها على إسداء النصح للفريق المؤيّد بعدم الذهاب بعيدًا بالتأييد خشية التصادم.
أخذ عدد الفلسطينيين المسلحين يتزايد يومًا بعد يوم.
تفاعلت إسرائيل مع التضخّم الفلسطيني العبثي في الساحة اللبنانية، وحدث خرق أمني على الاراضي اللبنانية بتوقيع إسرائيلي هو الأول من نوعه.
الغارة على مطار بيروت الدولي في 28 كانون الأول 1968، كانت باكورة ردود الفعل الإسرائيلية على التطورات اللبنانية والتمدد الفلسطيني المسلّح.
شهدت السنتين 1968 و1969 تحركات ميدانية وقرارات محورية غيّرت وجهة الأحداث اللبنانية تغييرًا جذريًا.
في نيسان 1968، إنطلقت تظاهرة من ساحة كلية المقاصد في بيروت باتجاه المجلس النيابي.
حصل إطلاق نار وسقط 14 قتيلاً وبعض الجرحى.
قدّم رشيد كرامي استقالة الحكومة التي كان يرئسها، وتعذر تشكيل حكومة جديدة بسبب استمرار الخلاف حول وجود الفدائيين في الوقت الذي كان عدد هؤلاء يتزايد.
رفض رئيس الجمهورية يومذاك الرضوخ للأمر الواقع والتسليم للوجود الفلسطيني المسلّح على الأراضي اللبنانية ووجه رسالة بتاريخ 31 آيار 1969 بهذا المعنى أثارت ردود فعل مختلفة ولاسيما من جهة الفريق المؤيد للوجود الفلسطيني المسلّح.
رفض رئيس الجمهورية تشكيل حكومة ترضخ للأمر الواقع وبقيت البلاد دون حكومة.
فاستمرت الحكومة المستقيلة تصرّف الاعمال سحابة سبعة أشهر.
في اواخر شهر تشرين الأول 1969 حصل اصطدام مسلح بين الفلسطينيين والجيش اللبناني في مجدل سلم في منطقة الجنوب تسبب فيه الفدائيون.
وما هي إلا أيام معدودة حتى اشتعلت المناطق الحدودية وكان عدد الفدائيين فيها قد تجاوز الثلاثة آلاف.
من أبرز الاصطدامات بين الفلسطينيين والجيش إصطدام أول وقع في ليل 10 – 11 نيسان 1973، حين قُتِلَ ثلاثة مسؤولين فلسطينيين في شارع فردان.
إتهم رئيس الحكومة يومذاك قائد الجيش بالتقصير واشترط إقالته أو استقالة الحكومة.
أما الاصطدام الثاني فحصل في 2 آيار 1973 على أثر حجز ثلاثة عسكريين على حاجز فلسطيني.
أنذر الجيش الفلسطينيين بإعادة المحجوزين خلال مهلة محددة وإلا لجأ إلى القوة.
وبعد انقضاء هذه المهلة دون نتيجة، توجهت دورية من الجيش لاستعادتهم بالقوة.
وجرى تبادل إطلاق نار تبعه قصف ثكنات الجيش المجاورة من قبل فلسطينيين بالمدافع والصواريخ.
عمّت الاشتباكات العاصمة ومناطق عدة من لبنان.
وأخذ الفلسطينيون يقصفون الأحياء السكنية والمرافق العامة ومنها مطار بيروت الدولي بمختلف أنواع الأسلحة الصاروخية والمدفعية، ما اضطر الحكومة يومذاك إلى اتخاذ تدابير أمنية مشددة بما فيها منع التجوّل.
ما ان أخذت الأمور تعود إلى الحالة الطبيعية حتى عادت وانفجرت عند الساعة العاشرة من ليل السابع من آيار وكان مجلس الوزراء لا يزال منعقدًا.
تساقطت القذائف المدفعية والصاروخية وسواها بصورة عشوائية على جميع أحياء بيروت وضواحيها وتسببت بوقوع ضحايا بريئة عدة مما حمل مجلس الوزراء بناء على اقتراح رئيس الحكومة إلى إعلان حالة الطوارئ.
قضت بيروت وضواحيها تلك الليلة دون ان يهدأ دوي انفجارات القذائف وأزيز الرصاص.
قبل بزوغ الفجر بعد تلك الليلة الرهيبة كان رئيس الحكومة يقدّم استقالته لانه لم يصمد امام الضغوط التي تعرّض لها على أثر إعلان حالة الطوارئ قبل ساعات معدودة ولكن ذلك لم يمنع من اتخاذ التدابير العسكرية ومنها سلاح الطيران والذي بفضله توقفت موجة العنف.
إذ تهافت السفراء العرب طالبين وقفها متوسطين بين السلطة اللبنانية والفلسطينيين داعين إلى ضرورة توضيح العلاقات بين السلطة وما أسموه "المقاومة" وكان اتفاق ملكارت.
لكنّه، لا اتفاق القاهرة ولا اتفاق ملكارت، ما كان يرمي إليه الفلسطينيون.
إستمرت أعمال الشغب وتصاعدت ولم يكن مهرجان خطابي يحصل في أي منطقة يتواجد فيها فلسطينيون إلا ويشترك هؤلاء فيه ويحملون على السلطة ويتهمونها بشتى الاتهامات ولا يكتفون بذلك بل يحملون على نظام الحكم وعلى مؤسسات الدولة الدستورية منها والوطنية ولاسيما الجيش ألخ.
إلى أن كان يوم 26 شباط 1975 حيث قامت تظاهرة في صيدا اشترك فيها النائب السابق المرحوم معروف سعد.
أطلق النار عليه فأصيب بجراح بالغة نقل على أثرها إلى المستشفى حيث توفي بعد أسبوعين تقريبًا.
حدثت أعمال شغب بعد إصابة النائب سعد وبعد وفاته.
عشية اندلاع الحرب اللبنانية، حاولت الحكومة برئاسة رشيد الصلح معالجة ذيول الأحداث الامنية، وما إن أخذت اجواء الهدوء تعود إلى البلاد حتى كان يوم 13 نيسان 1975 تاريخ وقوع حادثة عين الرمانة المعروفة.
سارعت الحكومة يومذاك إلى العمل على تدارك الامر بعد أن تبين لها أن أجواء غير طبيعية تسود البلاد فأجرت الاتصالات بجميع الأطراف المعنية للوقوف على حقيقة هذه الحادثة وعلى أسبابها ودوافعها ولكن دون جدوى.
بذريعة اتهام حزب الكتائب بأنه يعمل على تصفية الفلسطينيين، أقيمت الحواجز المسلحة وجرى خطف بعض المنتسبين للحزب أو المتعاطفين معه حيث كانوا يمرون بمناطق مختلفة من العاصمة ولم يكونوا قد علموا بعد بما حصل.
ففقد بعضهم ولا يزال مفقودًا.
وعمت الاشتباكات بمختلف الأسلحة الخفيفة منها والثقيلة ووقع ضحايا، وقطعت الطرقات العامة وتمّ الإعتداء على منازل ومكاتب ومتاجر ومصانع ولم تتمكن الحكومة من وقف إطلاق النار إلا بعد أربعة أيام على بدء القتال.
وما أن أخذت الأحوال تهدأ تدريجيًا حتى قامت حملات تتهم السلطة بشتى التهم.
منها التآمر على المقاومة وبأنها تنفذ مخططًا لتصفيتها من اجل فرض حل سلمي في منطقة الشرق الأوسط ومنها أن أسباب الحوادث هي محض اجتماعية.
شعر الفلسطينيون انهم أصبحوا تحت الأضواء فعمدوا إلى توجيه إعلامهم على أنهم يلتزمون حيادًا مطلقًا تجاه ما يجري في لبنان ناسبين ذلك مرة إلى أنه صراع بين يمين ويسار ومرة أخرى إلى أنه صراع بين طوائف حول مطالب مختلفة إلى آخر المعزوفة.
تحت وطأة هذه الحوادث اضطرت الحكومة برئاسة رشيد الصلح إلى الاستقالة.
وفي الوقت الذي كان رئيس الجمهورية يجري استشارات نيابية لتشكيل حكومة جديدة استؤنفت الاشتباكات في ضواحي بيروت وتحديدًا في منطقة تل الزعتر - الدكوانة وما لبثت أن اتسعت رقعة الاقتتال بسرعة جنونية لا عهد لنا بها في لبنان وأخذت قذائف المدافع والصواريخ تتساقط بصورة عشوائية في كل مكان على الناس والممتلكات مخلفة وراءها الضحايا والخراب.
قدمت الحكومة التي ضمت العسكريين استقالتها بعد يومين من تأليفها وجرى تكليف الرئيس كرامي تشكيل حكومة جديدة.
لكن الاشتباكات لم تتوقف بل كانت رقعة الاقتتال تتسع فيزداد معها عدد الضحايا والخراب والدمارو الخسائر والتعقيدات إلى أن تم الاتفاق بعد مرور اكثر من شهر على تكليفه على تشكيل حكومة برئاسته، بتاريخ أول تموز 1975.
مع ولادة الحكومة الجديدة، مالت الأوضاع إلى الهدوء وأخذت الحياة الطبيعية تعود إلى البلاد والأحوال تتحسن يومًا بعد يوم.
وسارت الحكومة في عملها تنفيذًا للبيان الوزاري وتوالت الاجتماعات واللقاءات من أجل تحقيق مصالحة وطنية بين جميع الأطراف تجمع الشمل وتضع مصلحة لبنان فوق كل مصلحة.
لم تؤثر الحرب على معنويات وديع الخازن، ولم تحبط عزيمته، بل ظلّ طوال الوقت، يدعم أكثر من نشاط يتجه في سبيل خدمة المجتمع ونهضته من كبوته، وأحيانًا من موقع القائد والمحرك والملهم والمبادر.
أثّرت الحرب وتداعياتها بشكل عميق في تحديد أولوياته، كما أنّ مشاهد المعاناة التي اختبرها الشعب اللبناني في يومياته لعبت الدور الأبرز في دفعه إلى البحث عن وسائل علمية وحديثة للتخفيف من حدّة المآسي والآلام.
صحيح أنّه في فترة فتوته إنخرط في الكتلة الوطنية، إلا أن نشاطه الإنساني تجلّى في مساهماته الفاعلة في تفعيل عدد من الاندية الاجتماعية والرياضة والثقافية إضافة إلى الجمعيات الخيرية.
واكب كل المراحل التي مرّت بها البلاد في النصف الأخير من القرن الماضي لاسيما فترة الحرب وتداعياتها، وهي المرحلة التي أثّرت جذريًا في بلورة فكره الوطني ونهجه الإصلاحي والإنمائي وسعيه الدائم نحو مجتمع مستقر متكامل وناهض.
تزامنت هذه المرحلة مع اندلاع الحرب ودخول لبنان في النفق المظلم.
وكانت بيروت ومنطقة الرميل تحديدًا، قد منحته ثقافة مثلثة الأبعاد، ترسخت عميقًا مع توالي السنين:
البعد الأول محوره القومية اللبنانية بجذورها الضاربة عميقًا في الزمن وحضورها الفاعل في الأسرة الدولية عبر الانتشار اللبناني.
البعد الثاني محركه الحرص على رقي المجتمع والسهر على وحدته وسلامته.
والبعد الثالث اندفاعه في سبيل قضية الوطن واستقلاله وسيادته.
الجنوب اللبناني هو خط تماس التاريخ والجغرافيا مع القضية الفلسطينية وأزمة الشرق الأوسط.
مساحة الجنوب 2010 كلم2 تشكل 20% من مساحة لبنان.
عدد سكانه في أواخر السبعينيات، حوالي 600 ألف نسمة من مختلف الطوائف اللبنانية.
حدوده، نهر الأولي وجزين ومشغرة شمالاً ويمتد جنوبًا إلى الزيب ووادي القرن ووادي قاره وفي الشرق مرجعيون وحاصبيا.
وهو يقسم إلى قسمين جنوبي وشمالي يفصل بينهما نهر الليطاني.
العام 1923 اقتطعت سلطات الإنتداب 17 قرية جنوبية ونزعت ملكية اللبنانيين في سهل الحولة وحولتها للحركة الصهيونية وفقد لبنان 23 ألف دونم من الاراضي المزروعة الخصبة.
وفي العام 1967 إستولت إسرائيل على مزارع شبعا الـ14 وحوّلتها إلى منطقة عسكرية.
العام 1973 وأثناء حرب تشرين ضمّت قسمًا من أراضي عيترون وبليدا وعيتا الشعب وعلما الشعب وبعض الأراضي المحيطة بنبع الوزاني وسهل الخيام.
وفي العام 1978 إجتاحت لبنان في آذار في عملية أسمتها، "عملية الليطاني" بنتيجة هذه التطورات، صدر القرار القرار 425 عن مجلس الأمن.
في مطلع السنة 1980، كانت محور السياسة مسألة دخول الجيش إلى الجنوب وتسهيل مهمته وتحديد أطرها وتسلمه مواقع المسلحين لإسقاط ذرائع إسرائيل ومنعها من القيام باجتياح وشيك.
وكانت تشكلت لجنة المتابعة العربية لحل هذه الإشكالية ترجمة لوساطة عربية، وكانت إتصالات أجرتها اللجنة مع رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات وبعض الأطراف غير الرسميين المعنيين بقضية الجنوب.
في الثالث من كانون الثاني 1982، إلتقت لجنة المتابعة العربية برئيس الجمهورية الياس سركيس فترأس الإجتماع وكان الثالث في سلسلة اجتماعات ستعقدها اللجنة في إطار وساطتها لإيجاد حل بين الحركة الوطنية من جهة والجبهة اللبنانية من جهة أخرى والتوافق على صيغة الوفاق وتحقيق المصالحة الوطنية، وإسقاط الذرائع التي تحول دون انتشار الجيش على طول الشريط الحدودي وتسلّمه أسلحة الميليشيات في كلا الجبهتين وتواجهه منفردًا مع إسرائيل.
في مطلع شباط 1980، كانت حصلت انسحابات لجيش الردع انزعجت منها السلطة اللبنانية لأنها تمت قبل إحاطتها علمًا بها من مناطق لم تكن قوة الردع مطالبة بالإنسحاب منها.
وكانت العلاقة بين السلطات السورية والسلطات اللبنانية قد شابها بعض التوتر وعدم التنسيق في مسائل مطروحة على الساحة الداخلية والدولية وصار التنسيق بين الطرفين غير فاعل لا سيما على المستوى الدفاعي والأمني وعلى مستوى السياسة الخارجية حيث أن لبنان أيد قرار الأمم المتحدة في شأن التدخل السوفياتي في أفغانستان بينما سوريا امتنعت عن التصويت، كما أن لبنان حضر المؤتمر الإسلامي في باكستان بينما تغيبت عنه سوريا.
وفي وقت طالب لبنان بانسحاب قوات الردع من منطلق أمني ضيق ومنظار محلي محدود، ربطت سوريا وجودها في لبنان بدور قومي لها يتخطى الواقع اللبناني الضيق.
في بداية حزيران 1980، أعلن وزير خارجية فرنسا، جان فرنسوا، من واشنطن، عن مبادرة تتعلق بالشرق الأوسط، ستتخذها قريبًا دول السوق المشتركة.
طلبت المراجع الرسمية اللبنانية الحصول على معلومات وافية عن المبادرة الأوروبية.
في ليل الأحد الإثنين 30 حزيران – 1 تموز 1980، شهدت منطقة القاسمية قرب صور عملية إنزال عسكرية إسرائيلية هي الأوسع في الجنوب منذ الغارة على منطقة أرنون في كانون الثاني 1979.
نفّذ الإنزال رجال الكومندوس الإسرائيلي مع تغطية من قصف بحري ورمايات جوّية واستغرقت العملية أربع ساعات.
تحدث الإعلام الإسرائيلي عن العملية مشيرًا إلى تدمير قاعدة للفدائيين الفلسطينيين في جنوب لبنان.
في 1 آب 1980 إحتفل لبنان بعيد الجيش للمرة الأولى منذ حرب السنتين.
جرى الإحتفال في ثكنة شكري غانم في الفياضية مع تخريج 204 ضباط في الجيش وقوى الأمن الداخلي.
سلّم الرئيس الياس سركيس الضباط المتخرجين سيوفهم في حضور أركان الدولة ودعاهم إلى جعلها سيوف حق وعدل وكرامة يجردونها من أجل الدفاع عن لبنان.
في 27 كانون الأول 1981، تفاقم الوضع الأمني في الشطر الغربي من بيروت، بعد التدهور الخطير، وموجة التفجيرات، وارتفاع عدد الضحايا، ما جعل من المقررات التي كانت اتخذتها اللجنة الأمنية قبل شهرين غير ذي فائدة.
أمام هذا الوضع المتدهور، تم التوافق على تقييد حركة المرور بين شطري العاصمة، وساد اتجاه نحو الطلب من قوات الردع العربية الإشراف على تنفيذ الخطة الأمنية المرتقبة مع تحديد أدوار كل من الردع وقوى الأمن الداخلي واللجنة الأمنية العليا.
يوم الجمعة 4 حزيران 1982، وبذريعة محاولة اغتيال السفير الأميركي في لندن، وقبيل وصول الموفد الأميركي فيليب حبيب إلى المنطقة في مهمة جديدة، شنت إسرائيل حربًا ضد لبنان، شملت بيروت والجنوب.
يوم الإثنين 23 آب، عقد مجلس النواب جلسة في المدرسة الحربية في ثكنة الفياضية، حضرها 62 نائبًا أمنوا النصاب القانوني لها، وقاطعها ثلاثون نائبًا، مع رئيس الحكومة شفيق الوزان والوزراء المسلمون.
في هذه الجلسة، إنتخب بشير الجميل رئيسًا للجمهورية بأكثرية 57 صوتًا في مقابل خمسة أوراق بيضاء في دورة الإقتراع الثانية.
ما إن أعلن النتيجة رئيس مجلس النواب كامل الأسعد، حتى عمّت الشوارع في المنطقة الشرقية من بيروت موجة من الإبتهاج.
في هذه الأثناء غادرت بيروت الغربية إلى عدن، على متن الباخرة اليونانية ألكييون، في إطار خطة الحل السياسي لأزمة بيروت، الدفعة الثالثة من المقاتلين الفلسطينيين، ضمت سبعمئة مقاتل ينتمون إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقاطية لتحرير فلسطين وجبهة التحرير الفلسطينية وجبهة النضال الشعبي الفلسطيني وحركة مال.
في 9 شباط 1982، كانت قضية خطف القائم بأعمال سفارة الأردن في لبنان هشام المحيسن، تدخل يومها الرابع والبحث عنه مستمر، لكنه يدور في حلقة مفرغة.
في هذه الأثناء، وفي الولايات المتحدة الأميركية، أصدرت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأميركي ولجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ التقرير السنوي الذي رُفع إلى الكونغرس ليكون جزءًا من الوثائق التي يطلبها الكونغرس عادة قبل إقرار موازنة المساعدات الخارجية.
تناول التقرير أوضاع حقوق الإنسان في 153 دولة.
في حديثه عن لبنان قال "إنه أظهر تقليديًا إحترامًا كبيرًا لحقوق الإنسان لكن قدرته على تنفيذ احترام هذه الحقوق تضاءلت في السنوات الأخيرة بسبب الحرب الأهلية واستعمال الفدائيين وقوات عسكرية أجنبية الأراضي اللبنانية.
إن هذا الوضع قلص إلى حد كبير حجم المنطقة من البلاد التي هي تحت السيطرة الفعلية للحكومة.
أوضح التقرير أن قسمًا كبيرًا من البلاد هو الآن تحت سيطرة الجيش السوري الموجود في لبنان منذ العام 1976 كجزء من قوات حفظ السلام التابعة للجامعة العربية وتحت سيطرة مجموعات الفدائيين الفلسطينيين وقوات الميليشيات اللبنانية التابعة لمختلف الفئات الدينية.
يوم الإثنين 30 آب 1982، غادر ياسر عرفات بيروت عند الحادية عشرة قبل الظهر، بحرًا، على متن الباخرة اليونانية أطلنتيس إلى ميناء ديراييس في أثينا.
يوم الثلاثاء 14 أيلول 1982، إستشهد رئيس الجمهورية الثالث عشر المنتخب بشير الجميل بعد 23 يومًا من انتخابه رئيسًا، في عملية تفجير وحشية أودت بحياة أكثر من ستين شخصًا كان يلتقيهم في بيت حزب الكتائب في الأشرفية.
إستخدم في التفجير 200 كلم من المواد الشديدة الإنفجار الذي دوى عند الساعة الرابعة بعد الظهر، وقد استنكرته مختلف الجهات اللبنانية.
يوم الخميس 16 أيلول، واصلت إسرائيل تقدمها نحو العاصمة اللبنانية، في وقت رشّح حزب الكتائب النائب أمين الجميّل لرئاسة الجمهورية.
يوم السبت 18 أيلول 1982، بعد مئة وسبعة أيام من الإجتياح الإسرائيلي، وبعد ثلاثة أيام من احتلال بيروت، وقعت المخيمات الفلسطينية فريسة مذابح رهيبة حيث لقي 1400 فلسطيني حتفهم، تدخل على أثرها المجتمع الدولي مطالبًا إسرائيل بالإنسحاب الفوري.
يوم الثلاثاء 22 أيلول 1982، وبعد مرور أسبوع على اغتيال الرئيس بشير الجميّل، إنتخب مجلس النواب النائب أمين الجميّل رئيسًا للجمهورية بأكثرية 77 صوتًا من أصل ثمانين نائبًا حضروا الجلسة التي عقدت في المدرسة الحربية في الفياضية ووجدت ثلاث أوراق بيضاء.
في اليوم التالي، الأربعاء 22 أيلول، عقدت جلسة القسم في المدرسة الحربية.
توجه بعدها الرئيس المنتخب إلى القصر الجمهوري حيث أقيم حفل التسليم والتسلم بينه وبين الرئيس الياس سركيس الذي تنتهي ولايته يوم الخميس 23 أيلول تاريخ وصول 25 مراقبًا دوليًا إلى بيروت في مهمة دولية، هم طلائع القوة الأميركية الفرنسية الإيطالية، وذلك تنفيذًا لقرار مجلس الأمن الدولي المطالب بإنهاء الإحتلال الإسرائيلي لبيروت وسحب القوات الإسرائيلية منها.
يوم الأربعاء 22 أيلول 1982، بعد سبعة أيام من اجتياح بيروت، بدأت القوة الأميركية الفرنسية الإيطالية المتعددة الجنسية، في الإنتشار في العاصمة بشطريها الغربي والشرقي، وبدأت إسرائيل بالإنسحاب من البسطا والأسواق وبرج أبي حيدر ووادي أبو جميل وحوض الولاية والقنطاري تنفيذًا لما تقرر في اجتماعات اللجنة العسكرية اللبنانية الإسرائيلية وقام الجيش اللبناني بالتمركز في مواقع الإنسحاب.
يوم الخميس 23 أيلول إنتهى عهد الرئيس الياس سركيس وتسلم خلفه الرئيس أمين الجميل مقاليد الحكم.
الأربعاء 22 أيلول 1982، بعد سبعة أيام من اجتياح بيروت بدأت تنتشر طلائع القوة الأميركية الفرنسية الإيطالية في عمق العاصمة بشطريها الغربي والشرقي.
في وقت بدأ إنسحب الإسرائيليون من بيروت.
يوم الأحد 31 تشرين الأول 1982، شهد لبنان تطورات متسارعة على الصعيدين السياسي والأمني.
تصعيد أمني في مناطق الجبل، تزامنًا مع استكمال تنفيذ خطة بيروت الكبرى ودخول الجيش والقوات المتعددة الجنسية إلى المنطقة الشرقية، لاسيما في عين الرمانة وفرن الشباك وتعزيز القوة الموجودة في محيط بلدة الحدت، ثم الإنتشار مع القوة المتعددة الجنسية في الأشرفية.
في هذه الأجواء إنعقدت جلسة مجلس الوزراء الإستثنائية برئاسة الرئيس أمين الجميل وحضور الرئيس شفيق الوزان والوزراء، عشية سفر الرئيس الجميّل.
يوم الثلاثاء 17 آيار 1983 جرى توقيع الإتفاق اللبناني الإسرائيلي في كل من خلدة وكريات شمونة برعاية أميركية.
وقّع في لبنان على نسختين من الإتفاق باللغتين العربية والفرنسية ، في خلدة.
وباللغتين الإنكليزية والعبرية في كريات شمونا.
كانت الوفود التي أجرت المفاوضات طيلة أربعة أشهر وعشرين يومًا برئاسة السفير الدكتور أنطوان فتّال والسفير الأميركي موريس درايبر ومدير عام الخارجية الإسرائيلية دايفيد كمحي.
وفي 18 آيار 1983، وصل المبعوث الأميركي فيليب حبيب إلى بيروت لمتابعة البحث في المراحل اللاحقة لتوقيع الإتفاق اللبناني الإسرائيلي.
يوم الأربعاء 31 آب 1983، عاد الجيش اللبناني لينتشر في المنطقة الغربية من بيروت بعد ثلاثة أيام من الإنهيار الأمني الذي ضرب العاصمة وضواحيها كما الجبل إمتدادًا حتى سواحل كسروان.
مع عودته إلى الضاحية شهدت شوارعها بعضًا من المواجهات المسلحة في عدد من الأحياء.
إنتشار الجيش كان بمثابة عملية هي الأولى من نوعها في عهد الرئيس أمين الجميّل منذ الحرب.
وقد رافق عملية الإنتشار هذه إستنفار أمني لكافة الأجهزة في الدولة من سياسية وأمنية وإعلامية، لتأمين نجاحها.
وهي ما كانت لتتم لولا التغطية الإسلامية لها مع تأييد الخطوة من الرئيس صائب سلام ومع الصمت تجاهها من البارزين من القيادات الروحية والسياسية.
يوم الأحد 23 تشرين الاول 1983، عمليتا تفجير إرهابيتان نفذهما إنتحاريتان إستهدفتا القوات المتعددة الجنسيات العاملة في بيروت، أسفرت عن مصرع 169 جنديًا (145 أميركًا و24 فرنسيًا) وجرح 69 آخرين مع بقاء مصير 63 جنديًا مجهولاً حتى ساعة متأخرة من الليل.
نفذت عمليتا التفجير بواسطة سيارتي نقل بيك أب مفخختين، إقتحمت الأولى مقر قيادة مشاة البحرية الأميركية (المارينز) في مبنى المديرية العامة للطيران المدني المؤلف من ثلاث طبقات، والثانية مقر سرية المظليين الفرنسيين قرب مستشفى بيروت في منطقة بئر حسن والمؤلف من تسع طبقات، بفارق زمني ثلاث دقائق.
أدى الإنفجاران إلى تدمير للمبنيين بشكل كامل.
وكان مجهول اتصل بمكاتب شركة فرانس برس في بيروت متحدّثًا باسم حركة الثورة الإسلامية الحرة وهي المرة الأولى التي يُسمع فيها بهذه الحركة، وأعلن مسؤوليتها عن العمليتين.
توفي في العملية الأولى منفذا العملية، الأول يدعى أبو مازن (26 عامًا) والثاني أبو سيجعان (24 عامًا).
تلت ذات الحدث الجلل، انتكاسة للوضع الأمني في محاور عاليه والشحار الغربي وتعرضت مواقع الجيش اللبناني في سوق الغرب وضهر الوحش لقصف مدفعي، وتجددت الإشتباكات ليلاً على جميع محاور إقليم الخروب.
تلقت الولايات المتحدة بذهول نبأ التفجير الذي أوقع أكبر خسارة بشرية في صفوف القوات الأميركية في عملية واحدة، منذ حرب فييتنام.
وأعلن وزير الدفاع كاسبار وينبرغر عن إمكانية نقل القيادة إلى سفينة قبالة الساحل اللبناني، ووجّه أصبع الإتهام إلى إيران دون أن يستبعد السوفيات.
أما الرئيس رونالد ريغن الذي كان يقضي عطلة نهاية الأسبوع في أوغوستا في ولاية جورجيا، فدعا مجلس الأمن القومي للإجتماع.
من جهتها، لم توجه فرنسا الإتهام لأي طرف، مكتفية بإدانة الحادث وإعلان استمرار قواتها في لبنان وأوفدت وزير دفاعها شارل إرنو إلى بيروت لمعاينة مكان الحادث.
يوم الخميس 1 كانون الأول 1983، قمة لبنانية أميركية هي الثالثة بين الرئيس رونالد ريغن وأمين الجميل الذي زار أميركا واجرى مباحثات تناولت حسبما أعلن للإعلام، الإلتزام باتفاق 17 آيار والبحث في آلية تطبيقه.
أما الإسرائيليون فلا يزالون يهيمنون على الواقع السياسي في بيروت وترتبط بهم كل محادثات محلية وإقليمية ودولية.
وقد أعلم الأميركيون الجانب اللبناني استعداد الإسرائيليين على المباشرة بانسحابات جزئية وعلى مراحل من العاصمة لا تتزامن بالضرورة مع انسحابات سورية مماثلة، مع تكليف واشنطن مهمة ملء الفراغ الناتج عن الإنسحاب الجزئي.
في وقت كان انعقد في جنيف مؤتمر الحوار الوطني اللبناني دون أن يصل إلى نتائج مفيدة، بعد أن خسرت الدولة المركزية القوية مناعتها، والمصالحة الوطنية باتت صعبة وثمة تشنج حاد في العلاقات بين مختلف الأطراف المحليين.
وكانت القضية الشيعية مع بروز حزب الله، قد فرضت نفسها على الواقع السياسي.
بدأت أميركا تتعاطى مع الطوائف اللبنانية كافة في اتجاهات ثلاثة:
فئة تعتبرها منضبطة ضمن قواعد اللعبة وفي طليعتها المسيحيون بقيادة الموارنة، والمسلمون السنة أصحاب المصلحة في استمرار صيغة 1943 من دون تعديل.
وفئة خطرة، تطالب بإعادة نظر شاملة في النظام السياسي وفي أسس التوازن الديمغرافي وفي طليعتهم الشيعة.
وفئة ثالثة من الطوائف من هم حائرون كالدروز والأورثذكس، يعملون على إعادة بناء الصيغة بما يحقق مزيدًا من المكاسب.
هذه الفسيفساء، بدأت تتشكل منذ فجر تولي الرئيس الجميل رئاسة الجمهورية، وتفرض روحيتها على الساحة الإقليمية والدولية.
الأحد 25 كانون الأول 1983، إتفاق جديد لوقف إطلاق النار أنهى القتال في الضاحية الجنوبية وحول مخيمي صبرا وشاتيلا راح ضحيته أكثر من 63 قتيلاً و244 جريحًا فضلاً عن الأضرار المادية والخراب نتيجة القصف العشوائي على الأحياء السكنية.
إلتقط المواطنون أنفاسهم بعد اشتباكات دامية صارت تتقطع من حين إلى آخر ثم عادت لتشتعل مجددًا يوم الإثنين 26 كانون الأول، ليُعلن مجددًا وقف النار بعد اتصال هاتفي بين الرئيس أمين الجميل ووزير الخارجية السوري عبد الحليم خدّام، كان سبقه اتصال بين الأخير ورئيس حركة أمل نبيه بري.
في هذه الأجواء أعرب وزير الدفاع الفرنسي شارل إيرنو عن قلقه من الوضع في لبنان الذي يتطور بسرعة إلى حرب أهلية علنية.
تصريح جاء بعد عودته من زيارة تفقدية للوحدة الفرنسية في بيروت برفقة سكرتير الدولة الفرنسي للدفاع جان جانيل.
يوم الأربعاء 29 كانون الأول 1983، عادت إلى الواجهة المواجهات ضد الإسرائيليين.
في وقت تفقد وزير الدفاع الإسرائيلي موشي أرينز الأمكنة التي وقعت فيها ثلاث هجمات ضد المظليين الإسرائيليين في صيدا يوم الثلاثء 27 كانون الأول وأدت إلى مقتل ثلاثة، بينهم ضابط، وجرح أربعة آخرين.
في هذه الأثناء فوجئت بيروت بسلسلة عمليات تفجير متلاحقة طالت شطرها الغربي، إستهدفت ممتلكات المواطنين بشكل عشوائي، في الأوذاعي وشارع السادات المتفرع من شارع الحمراء وسواهما.
الإثنين 5 آذار 1984، ألغى لبنان رسميًا الإتفاق اللبناني الإسرائيلي بعد تسعة أشهر و21 يومًا من موافقة مجلس الوزراء عليه في 14/5/1983 وبعد تسعة أشهر و18 يومًا على توقيعه في 17/5/1983، و8 أشهر و21 يومًا على إجازة مجلس النواب للحكومة إبرامه في 14/6/1983.
أعربت الولايات المتحدة عن أسفها للقرار الذي اتخذه لبنان وطالبت رافضيه بإيجاد صيغة بديلة لتامين الإنسحاب الإسرائيلي مبدية إستعدادها للتوسط بين لبنان وإسرائيل إذا ما كلبتا منها ذلك.
وكان انعقد مجلس الوزراء اللبناني يوم الإثنين 5 آذار 1984 برئاسة أمين الجميل وأعلن بطلان الإتفاق الموقع مع إسرائيل وكأنه لم يكن وألغى كل ما يمكن أن يكون قد ترتب عليه.
وأبلغ قراره هذا إلى الفرقاء الموقعين عليه إسرائيل وأميركا.
وتضمن القرار قيام الحكومة بالخطوات اللازمة لوضع ترتيبات وتدابير أمنية تؤمن السيادة والأمن والإستقرار في الجنوب، والإلتزام بمنع التسلل عبر الحدود الجنوبية، وطالب بانسحاب القوات الإسرائيلية من جميع الأراضي اللبنانية.
أما مخرج إلغاء الإتفاق فجاء في خطوة اعتمدت تعويمًا مؤقتًا لحكومة الرئيس شفيق الوزان المستقيلة ما سمح لمجلس الوزراء أن ينعقد إلى حين انعقاد الحلقة الثانية من الحوار الوطني وتشكيل حكومة الوفاق الوطني.
هذا المخرج سمح لمجلس الوزراء بالإنعقاد وإسقاط اتفاق 17 آيار.
بعد أسبوع من الإجتماعات، انعقدت يوم الأحد 18 آذار جلسة العمل السابعة والثامنة من مؤتمر الحوار الوطني في لوزان في سويسرا، تبعتهما جلسات ثنائية انتهى بها المؤتمر بتعثر الإتفاق بين الأفرقاء بحضور المراقبين السوري والسعودي عبد الحليم خدام ومحمد المسعود وفضت أعمال المؤتمر وتعليقه حتى إشعار آخر مع تمسك كل طرف بما طرحه منذ اليوم لافتتاح المؤتمر.
حضر المؤتمر فريق الجبهة اللبنانية بيار الجميل وكميل شمعون، يقابله الفريق الثاني ويضم الرؤساء عادل عسيران وصائب سلام ورشيد كرامي إضافة إلى نبيه بري ووليد جنبلاط كما شارك فيه الرئيس سليمان فرنجيه والرئيس أمين الجميل.
شارك في المؤتمر جورج سعادة وجميل كبه ومحمد المشنوق وعادل قانصوه.
يوم الإثنين 11 حزيران 1984، مجزرة حصدت 93 قتيلاً و293 جريحًا.
قصف عنيف تعرضت له بيروت بشطريها والضاحية الجنوبية والمتن وكسروان وصولاً حتى جونيه.
موجة القصف هذه التي استمرت اثنتي عشرة ساعة لم يشهدها لبنان منذ حزيران 1982.
بالتوازي انعقدت جلسة الثقة بحكومة الوحدة الوطنية وطلب الصلاحيات الإستثنائية.
وقد خاطر 26 نائبًا بحياتهم لتأمين نصاب الجلسة.
يوم الجمعة 7 أيلول 1984، مع نهاية عطلة عيد الأضحى، انعقدت قمة ثنائية بين الرئيسين أمين الجميل وحافظ الأسد في العاصمة السورية أسفرت عن اتفاق على تنفيذ المرحلة الأولى من خطة الجبل وانتشار اللواء الأول بقيادة العميد ابراهيم شاهين على الطرق الرئيسة الممتدة من صوفر حتى سوق الغرب وتمركز كتيبة اللواء الثامن بقيادة العقيد سليم كلاس في الجهة المقابلة لقصر بعبدا وكتيبة من اللواء الحادي عشر بقيادة المقدم أمين القاضي من الجهة المقابلة لمواقع الحزب التقدمي الإشتراكي.
بدأت يوم الجمعة 7 أيلول اجتماعات عسكرية للبحث بالموضوع بين عسكريين من الجيش للبناني والجيش السوري والحزب التقدمي الإشتراكي وحركة أمل.
يوم السبت 20 أيلول 1984، وقعت عملية انتحارية ضد السفارة الأميركية أسفرت عن تسع إصابات بين قتيل وجريح.
تمت العملية بواسطة سيارة مفخخة إقتحم سائقها المبنى الجديد للسفارة في عوكر.
بين الجرحى السفيران الأميركي ريجينالد بارتولوميو والبريطاني دايفيد مايرز.
يوم الخميس 8 أيلول 1984، إنتهت المرحلة الاولى من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية برعاية الأمم المتحدة والتي استغرقت أربعة أيام، واتفق على استئنافها يوم الإثنين 24 أيلول.
جرت المفاوضات العسكرية اللبنانية الإسرائيلية برعاية الأمم المتحدة في مقر قيادة الطوارئ الدولية في الناقورة لترتيب الإنسحاب الإسرائيلي الشامل من لبنان.
كانت أجواء الجلسة الاولى حادة.
رفض خلالها الوفد اللبناني مصافحة الوفد الإسرائيلي وتمسك باعتبار الإجتماع برعاية قائد القوات الدولية في الجنوب الجنرال وليم كالاهان.
كما رفض تبني خطة للجنوب طرحها الجانب الإسرائيلي تقضي بتقسيمه إلى منطقتين الأولى تمتد من الحدود الدولية حتى نهر الزهراني والثانية من الزهراني حتى الأولي وبعض مناطق إقليم الخروب حتى الباروك.
يوم السبت 24 تشرين الثاني 1984، استقبل الرئيس أمين الجميل في قصره في بكفيا نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام زيارة أدت إلى ترطيب الأجواء بين رئيس الجمهورية ووزير الأشغال العامة والسياحة وليد جنبلاط وساهمت في إعادة الأمور إلى نصابها داخل مجلس الوزراء وأنهت القطيعة بين الرجلين.
إستهداف جديد لمدينة صيدا نفّذته إسرائيل في المهندس مصطفى معروف سعد الذي أصيب بجروح بليغة في وجهه وعينيه إستدعت نقله ليلاً إلى مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت.
في السادسة والنصف مساء دوى في صيدا انفجار هز المدينة وعلت على أثره سحب الدخان.
سرعان ما تبين أنه استهدف منزل مصطفى سعد الكائن مقابل ساحة الشهداء إلى جانب مدرسة الراهبات في حي البرغوث.
في هذه الأثناء أكد لبنان ربطه أي ترتيبات أمنية يجري البحث فيها خلال مفاوضات الناقورة التي استؤنفت يوم الثلاثاء 28 كانون الثاني بما ستقدمه إسرائيل من برمجة لانسحاباتها التي بدأت مرحلتها الأولى من منطقة صيدا حيث أخلت الإثنين 21 كانون الثاني مواقعها في مار الياس وشرحبيل والحبيبية وا[قت على وحدات قليلة في إطار خط إعادة الإنتشار الذي يطوق صيدا والزهراني شرقًا وجنوبًا.
وكانت الحكومة قد عقدت جلسة إستثنائية في قصر بعبدا استمرت ثلاث ساعات بحثت خلالها في استكمال تنفيذ خطة الساحل وتثبيت الوضع الأمني في العاصمة منعًا لأي انتكاسات مفاجئة.
يوم الإثنين 20 آيار 1985، وقعت في المخيمات وحولها اشتباكات بين أمل وتنظيمات فلسطينية أسفرت عن مقتل 45 شخصًا وجرح 382 ثم جرى اتفاق ليلاً على وقف الإقتتال ليدخل بعده اللواء السادس المخيمات.
إقتتال المخيمات الفلسطينية وضواحيها في بيروت وفي الضاحية الجنوبية، ترجم حجم الإهتراء الذي تآكل العلاقات بين الطرفين، وزاد في نسب الحقد.
يوم الأحد 29 أيلول 1985، إنتقل القتال إلى طرابلس التي احترقت بين نارين ووقع من جراء الإقتتال مئات الضحايا نتيجة معارك ضارية واقتحامات وتراشق مدفعي وهجوم واسع شنته قوات حزبية ضد جماعة التوحيد.
لليوم الثاني على التوالي تعارك أطراف اللقاء الإسلامي من جهة وبعض أحزاب جبهة الإتحاد الوطني من جهة أخرى.
شن مقاتلو الأحزاب المتحالفة هجومًا واسعًا على محاور ثلاثة مخترقين دفاعات اللقاء الإسلامي وناقلين المعركة إلى وسط طرابلس والميناء.
ونجحوا في قطع طريق الإمداد الوحيد لحركة التوحيد الإسلامي عبر المرفأ.
يوم السبت 28 كانون الأول 1985 تمّ توقيع الإتفاق الثلاثي، كخلاصة اجتماعات عقدها عبد الحليم خدام مع نبيه بري ووليد جنبلاط وإيلي حبيقة في دمشق.
حالة من البلبلة سادت الشارع المسيحي.
بدء برئيس الجمهورية أمين الجميل مرورًا بالقوات اللبنانية وانتهاء بعدد من القيادات السياسية والنواب.
بعد ثلاثة أشهر وأربعة أيام على بدء المحادثات في شأنه، وأربع عشرة جلسة رسمية، بين حركة أمل والحزب التقدمي الإشتراكي والقوات اللبنانية.
تم توقيع الإتفاق وحملت كل نسخة من النسخ الاربعة تواقيع خدام ونبيه بري ووليد جنبلاط وإيلي حبيقة بحضور الوزير جوزف سكاف وأركان جبهة الإتحاد الوطني وعدد من الفاعليات المسيحية التي رافقت وفد القوات.
في كانون الثاني 1986، إنقلاب في القوات اللبنانية يقصي إيلي حبيقة عن القيادة ويقضي على الإتفاق الثلاثي بعد 16 ساعة من القمة الاخيرة في دمشق.
أسفرت المعارك عن مئتي قتيل و600 جريح.
إنقلاب أعاد الوضع إلى البداية.
في نهاية المطاف أعلن إيلي حبيقة ومن تبقى له من مقاتلين حوالي 300 عنصر قبولهم بضمانات السلامة التي تلقوها من قائد الجيش العماد ميشال عون.
وغادروا مجلس الأمن القومي في الكرنتينا إلى مقر وزارة الدفاع في اليرزة حيث جرت صياغة المخرج الكريم لاقتتال رفاق السلاح القدامى في الحزب الواحد.
غصت مستشفيات المنطقة الشرقية بالجرحى الذين سقطوا خلال الإشتباكات التي تمحورت على جبهتين الأولى في المتن الشمالي من ضهور الشوير في اتجاه بكفيا والثانية في الشمال من جرود البترون والساحل في اتجاه حاجز البربارة وثكنة جعجع في القطارة في بلاد جبيل.
جبهتان للمرة الأولى تشتعلان منذ 1976.
القوى المهاجمة كانت أحزاب منضوية تحت لواء جبهة الإتحاد الوطني وهي الطرف الثاني في الإتفاق الثلاثي وضمت الحزب التقدمي الإشتراكي والشيوعي والقومي وحزب البعث وحركة أمل.
يوم الثلاثاء 4 شباط 1986 إرتفع الدولار الأميركي حتى لامس 2750 ليرة.
حفل يوم الثلاثاء 25 شباط 1987، بمجموعة من التطورات على صعيد انتشار القوات السورية في بيروت الغربية.
إنتشار أدى في منطقة البسطة إلى اشتباك سقط نتيجته اثنان وعشرون قتيلاً.
في اليوم التالي تسلم السوريون مركز جل البحر من الحزب التقدمي الإشتراكي وسائر المراكز التابعة لحركة أمل وباقي الأحزاب، ووسعوا رقعة انتشارهم في العاصمة وفي منطقة الأوزاعي وجسر المطار.
جرت اتصالات مع حزب الله لإخلاء مركز فتح الله بالطريقة ذاتها التي تمت مع برج المر وجل البحر مع أمل والتقدمي.
فوافق الحزب على التسليم والتسلّم.
لكن مع توجه قوات سورية إلى المحلة لتتسلم المركز، وقع إشكال.
يوم الإثنين 1 حزيران 1987، إغتيل الرئيس رشيد كرامي أثناء توجهه من طرابلس إلى بيروت على متن طوافة عسكرية تابعة للجيش اللبناني بعد أن دست عبوة مضادة للأفراد إلى جانب المقعد الذي يجلس عليه عادة الرئيس أثناء تنقله في الطوافة.
نجا من العملية كل الذين رافقوا الرئيس على متن الطوافة وبينهم وزير الداخلية الدكتور عبد الله الراسي الذي أصيب بجروح وحروق بسيطة.
تمكن قائد الطوافة من السيطرة عليها بعد انفجار العبوة وقادها من فوق منطقة رأس الشقعة إلى مدرج حالات وهبط بها على بطنها بسبب الخلل الذي حل بالإطارات.
يوم الخميس 20 آب 1987، إختراق أبيض لخط التماس عن المتحف.
إلتقى الشعب على رفض الحرب والجوع.
في وقت تعطلت السياسة حكمًا وحكومة وقيادات ومبادرات ولامس الدولار حدود 2500 ليرة لبنانية والمشاكل المعيشية إلى مزيد من التفاقم وعودة قضية المخيمات إلى الواجهة وتوتر شرقي صيدا، تجمهر الشعب بالعشرات وللمرة الاولى، مشاركين من المنطقتين الغربية والشرقية تحت شعار اليوم الأبيض.
تشاركوا في لقاء وطني فتقابلوا وتعانقوا واخترقوا خط التماس احتجاجًا على الحرب الأهلية وحرب التجويع والذل.
كانت نقطة بيضاء صغيرة تحيطها ثلاث نقاط سوداء كبيرة.
محاولة خجولة متواضعة شارك في تنظيمها مئات المواطنين الذين تجمعوا في الأشرفية وفي البربير وارتدى معظمهم اللباس الأبيض وتقدموا في اتجاه الحاجز الرملي الذي يشطر العاصمة في محلة المتحف وهم يهتفون لا شرقية ولا غربية بدنا وحدة وطنية.
كانت هذه التظاهرة الحدث الأبرز في ظل ذاك القحط السياسي والعجز القيادي في مواجهة الازمات الإقتصادية والنقدية والمعيشية.
يوم الأحد 8 آيار 1988 دخلت الضاحية الحنوبية في حرب مدمرة بين حركة أمل وحزب الله لثلاثة أيام متواصلة حصدت زهاء 125 قتيلاً وأكثر من 400 جريح معظمهم من المدنيين، حيث جرت معارك ضاربة واقتحامات وعمليات كر وفر شملت الاحياء المكتظة بالسكان ناقضة مجموعة اتفاقات لوقف إطلاق النار توصلت إليها اللجنة المشتركة التي تضم ممثلين من الحركة والحزب والسفارة الإيرانية والمراقبين السوريين.
يوم الإثنين 18 تموز 1988، عاشت المنطقة الشرقية على أعصاب سياسية متوترة وهي تترقب حدثين.
الأول يتعلق بنتائج زيارة الرئيس سليمان فرنجية إلى دمشق واحتمال ترشيحه لرئاسة الجمهورية والثاني يتصل بأبعاد حادث إطلاق نار تعرض له الرئيس أمين الجميل يوم الأحد 17 تموز في مسبح طبرجا بيتش وجرى حديث عن إمكان انتشار الجيش اللبناني في مناطق سيطرة القوات اللبنانية.
يوم الخميس 18 آب 1988، سقطت الجلسة الأول لانتخاب رئيس جديد للجمهورية بالضربة القاضية.
ودخلت البلاد في طور آخر من المفاجآت مع الإعلان عن موعد الجلسة الثانية.
فقطعت الطريق أمام الرئيس سليمان فرنجية للوصول إلى الرئاسة من دون أن تنتهي ورقته كمرشح أول.
إذ ثمة قرار في استمراره لخوض الجولة الثانية من المعركة.
يوم الأحد 18 أيلول 1988 بقي من الزمن أربعة أيام من عهد الرئيس أمين الجميل ولبنان تتجاذبه رياح التعطيل.
أجواء التفاهم الناجم عن المحادثات السورية الأميركية في شأن الإنتخابات الرئاسية أصيبت بنكسة نتيجة موقف القيادات السياسية والعسكرية والروحية في المنطقة الشرقية التي رفضت نتائج المحادثات.
الوفد الأميركي برئاسة مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط ريتشارد مرفي توصل مع القيادة السورية إلى تفاهم على ضرورة إنجاز الإنتخابات قبل 23 أيلول، مع دعم لمساندة النائب مخايل الضاهر لانتخابات رئاسة الجمهورية، المقررة في 22 أيلول 1988.
غادر مورفي بيروت على متن طوافة تابعة للجيش اللبناني إلى لارنكا بعد فشله في إقناع الجهات العسكرية والسياسية في المنطقة الشرقية باتفاقه مع السوريين.
وأول المبادرين إلى ضرب التفاهم كان قائد الجيش العماد ميشال عون الذي عمل على أن يحظى بإشارة أميركية تعتبره مرشح الإجماع.
يوم الخميس 22 أيلول 1988، فاجأ الرئيس أمين الجميل اللبنانيين بتوقيعه مراسيم تشكيل حكومة عسكرية برئاسة قائد الجيش العماد ميشال عون.
أعلنت المراسيم من القصر الجمهوري في بعبدا قبل ثماني دقائق من منتصف الليل الأخير من ولاية الجميّل، على أثر اجتماعات نيابية وسياسية وعسكرية، ودخل لبنان عهد الحكومتين الأولى مقرها القصر الجمهوري في الصنائع والثانية مقر قيادة الجيش في اليرزة.
إعتذر كل من اللواء محمود طي أبو ضرغم والعقيد نبيل قريطم والعقيد لطفي جابر عن مشاركتهم في الحكومة العسكرية التي اقتصرت على العماد ميشال عون والعميد إدغار معلوف والعقيد عصام أبو جمره.
أما الحكومة الثانية فكانت برئاسة الرئيس سليم الحص.
الإطار الدولي لولادة لبنان الكبير ليس الهدف من هذا البحث وضع دراسة مسهبة للصراعات الدولية التي أدّت في نهاية الحرب العالمية الأولى إلى سقوط سلطنة بني عثمان وإلى اقتسام ولاياتها العربية بين الحلفاء المنتصرين تحت غطاء نظام الانتداب.
حسبنا رسم الخطوط الكبرى لأوضاع الشرق الأوسط خلال تلك الحقبة والتوقف فقط عند بعض المحطات، محاولين إلقاء أضواء جديدة عليها، إستنادًا إلى الدراسات الحديثة المخصصة لتاريخ تلك المنطقة وإلى بعض ما يحتوي الأرشيف الأوروبي من وثائق لها علاقة مباشرة بموضوعنا.
تعتبر السنوات الممتدة من 1914 حتى 1920 منعطفًا أساسيًا في تقرير مصير المشرق العربي.
ولكن ما حصل خلالها يشكّل امتدادًا طبيعيًا للتحولات التي عرفتها السلطنة العثمانية منذ عهد التنظيمات وللهيمنة الأوروبية عليها.
لذا سنعالج بإيجاز:
في القسم الأول من بحثنا، المنحى الخطر الذي آلت إليه العلاقات، في مطلع القرن العشرين، بين تلك السلطنة والدول الأوروبية، سنكرّس القسم الثاني لسنوات الحرب وللصراع العلني بين الحلفاء على تركة "الرجل المريض" وسندرس أخيرًا في الثالث مرحلة الحسم التي تمتد على سنتين تقريبًا:
تبدأ بتاريخ انهيار دولة بني عثمان في تشرين الثاني 1918 وتنتهي بولادة دولة لبنان الكبير في 31 آب 1920.
1 – الوهن العثماني والأطماع الأوروبية عشية اندلاع الحرب العالمية الأولى.
إن موقع سلطنة بني عثمان الستراتيجي وامتدادها الجغرافي وكثرة مواردها، جعلتها محط أنظار الدول الغربية، لا سيما منذ مطلع القرن التاسع عشر بعد أن دبّ الضعف في جسمها، وبعد أن فقدت المناعة التي تميّزت بها في القرون الأولى من تاريخها.
وقد سعت حكومات أوروبا مرارًا لاقتسامها.
لكنّها لم تفلح بسبب عجزها عن التوصّل إلى اتفاق حول حصّة كل منها.
فاكتفت في النهاية بالاستيلاء على ولايات السلطنة الإفريقية وبتشجيع الحركات التحررية في البلقان وبالضغط على الباب العالي للحصول على مزيد من الامتيازات.
أ – المضائق، قناة السويس والخليج:
مناطق تصادم المصالح الأوروبية.
تمحور الصراع في البدء بين الدول الكبرى حول منطقتين حسّاستين:
المضائق وقناة السويس.
وكانت روسيا منذ عهد بطرس الأكبر تنظر بجشع إلى المضائق وإلى القسطنطينية عاصمة الأورثوذكسية.
وقد ازداد ضغطها في القرن التاسع عشر إذ خاضت ضد العثمانيين ثلاث حروب خطيرة:
الأولى في عامي 1828 – 1829 وأدّت إلى استقلال بلاد اليونان،
الثانية بين 1854 و1856 وهي حرب القرم الدامية،
الثالثة في سنتي 1877 – 1878 وقد وصلت خلالها الجيوش الروسية إلى أبواب العاصمة العثمانية وفرضت على الباب العالي اتفاقية سان ستيفانو المذلّة.
ولكن في كل مرّة كانت الدول الأوروبية الأخرى تتدخّل إما عسكريًا، كما فعلت في حرب القرم، وإما دبلوماسيًا، كما فعلت عام 1878 في مؤتمر برلين، لتُنقِذ السلطان من مخالب القيصر، وذلك خوفًا من أن يسيطر هذا الأخير على الحوض الشرقي للمتوسط.
كانت بريطانيا أكثر الدول تصلّبًا تجاه روسيا، وكان الباب العالي يرى في حكومة لندن المدافع الأول عن كيان السلطنة وعمّا تبقّى لها من ممتلكات.
لذا تنازل السلطان طوعًا للإنكليز عن جزيرة قبرص بعد مؤتمر برلين، ليكونوا على مقربة من المضائق وليراقبوا تحركات الروس في تلك المنطقة.
بعد أن انجزت ألمانيا وحدتها، أخذت بدورها تعير منطقة البلقان أهمية كبرى، فدفع بسمارك أولاً بالنمسا باتجاه الشرق ثم نصّب نفسه محاميًا عن وحدة الإمبراطورية العثمانية وعن حرية الملاحة في المضائق.
ارتاح عبد الحميد لموقف حكومة برلين المستجد، فاستعان بخبراء ألمانيين لإعادة تنظيم الجيش والإدارة.
وقد أبدى هؤلاء مقدرة وفعالية فائقتين في عملهم.
في تلك الظروف وُلد مشروع الخط الحديدي بين برلين وبغداد وقد حصلت شركة ألمانية على امتياز الجزء الأول منه عام 1888.
بعد استقالة بسمارك، تابع غليوم الثاني السياسة نفسها.
قام عام 1898 بزيارة عبد الحميد في اسطنبول، ثم انتقل إلى فلسطين فدمشق حيث ألقى خطبة في السابع من تشرين الثاني أعلن فيها نفسه صديقًا للثلاثمائة مليون مسلم المنتشرين في العالم.
أثارت سياسة غليوم الثاني هذه حفيظة بريطانيا وزادت من خشيتها من أن تصل ألمانيا عبر الخط الحديدي إلى منطقة الخليج ومن ثم إلى الهند.
كانت بريطانيا قد أحكمت قبضتها على المداخل الجنوبية للمتوسط بعد أن استولت على مضيق جبل طارق عام 1704 ثم على مالطة عام 1801 فقبرص عام 1878 وأخيرًا على مصر عام 1882.
لذا رأت أن مصلحتها تقضي التخلّي عن سياستها التقليدية تجاه العثمانيين والتنسيق مع القيصر لدرء الخطر الألماني.
قد أدى هذا التوجّه الجديد عام 1907 إلى ولادة الحلف الثلاثي الذي ضمّ فرنسا وروسيا وبريطانيا.
كانت حكومة لندن قد اتخذت عددًا من الإجراءات لمنع خط برلين – بغداد من النفاذ إلى منطقة الخليج، فعقدت عام 1899 اتفاقًا مع أمير الكويت تعهّد هذا الأخير بموجبه بعدم السمّاح للشركة الألمانية ببناء المحطة الأخيرة لهذا الخط في أراضيه دون موافقة الإنكليز.
وكانت الكويت، على عكس الساحل العراقي الضيّق حيث يصبّ شط العرب، تشكّل على الخليج المنطقة الوحيدة الملائمة لبناء مثل هذه المحطة.
عندما اندلعت الحرب العالمية الأول، فصلت بريطانيا الكويت نهائيًا عن الإمبراطورية العثمانية وفرضت عليها حمايتها وهكذا فعلت بقبرص وبمصر.
بـ - الهيمنة الاقتصادية والثقافية على السلطنة.
إن الضعف العسكري والسياسي الذي أصاب دولة بني عثمان رافقه شلل اقتصادي بلغ ذروته في عهد عبد الحميد الثاني وتزامن مع الهجمة الإمبريالية الاوروبية على العالم.
فكانت السلطنة إحدى ضحاياها.
أخذ الأوروبيون يمدّون الباب العالي بالقروض ويوظفون رؤوس أموالهم في المشاريع العامة والخاصة.
نذكّر هنا بأن حصّة فرنسا من الدين العام العثماني كانت تفوق الستين بالمئة.
وبان أموالها الموظفة داخل السلطنة بلغت، قبيل اندلاع الحرب الكبرى، 53% من مجموع الاستثمارات الأجنبية.
ونشير أيضًا إلى أن فرنسا، ابتداء من عام 1911، أخذت توجّه توظيفاتها بصورة أولية، إلى الولايات السورية وإلى متصرفيّة جبل لبنان.
بالإضافة إلى هذه الهيمنة الاقتصادية، فقد بسط الأوروبيون نفوذهم على القطاع التعليمي.
ففي عام 1914، كانت المدارس الفرنسية المنتشرة في ولايات السلطنة الآسيوية وفي مصر تعدّ تسعين ألف طالب، مقابل 23500 طالب للمدارس الانكلو – أميركية.
وقد حافظت فرنسا، إلى جانب ذلك، على حقّها في حماية كاثوليك الشرق وفي حماية الأماكن المقدّسة في فلسطين.
عشية اندلاع الحرب العالمية الأولى، كانت الدول الإمبريالية قد أحكمت قبضتها على ما تبقّى من ممتلكات للدولة العثمانية، فتقاسمتها وحوّلتها إلى مناطق نفوذ اقتصادي، فكانت الولايات السورية مع سنجق القدس ومتصرّفية جبل لبنان من نصيب فرنسا.
جـ - فشل التنظيمات.
إن الهجمة الإمبريالية على السلطنة العثمانية أتت كنتيجة للتفكك الداخلي وللوهن اللذين أصاباها ولم تكن سببًا لهما.
يضاف إلى ذلك أن برامج الإصلاح المعروفة بالتنظيمات والتي نادت بالمساواة بين الرعايا دون النظر إلى العرق أو الدين أو المذهب، بقيت بمجملها حبرًا على ورق، وظلّت صبغة الدولة إسلامية وظل العرق التركي هو المسيطر.
وبعد أن اعتمد عبد الحميد على الرابطة الدينية واضطهد الأقليات غير الإسلامية، لا سيما الأرمن، قام الاتحاديون من بعده بتطبيق سياسة عنصرية جعلت الشعوب غير الطورانية، ومن بينها العرب، تنفر من حكمهم.
بالإضافة إلى العدالة والمساواة، هدفت التنظيمات إلى إصلاح أوضاع السلطنة وإدخال الحداثة إليها.
ولكن التحسّن البسيط الذي أصاب بعض القطاعات أتى مخيّبًا للآمال، لذا قام عدد من المفكّرين يفتشون عن حلول جديدة تخرج شعوب الإمبراطورية من التخلّف والسبات، وكان مبدأ القومية المعتمد في أوروبا قد توغّل داخل الدولة العثمانية وفرض نفسه كأحد الحلول الممكنة.
تجدر الإشارة هنا إلى أن التيار الإصلاحي نشط بشكل خاص في بيروت حيث برزت الجمعية الإصلاحية البيروتية، وكان قسم من أعضائها يسعى للحصول على الاستقلال الإداري بدعم من أوروبا.
بينما هال بعض المنتسبين إليها من المسيحيين التنكيل الذي كان يتعرّض له النصارى العثمانيون، لا سيما بعد حرب البلقان، فأخذوا يتّصلون سرًا بممثلي فرنسا مطالبين بإلحاق مدينتهم بيروت بالجبل وبفرض الحماية الفرنسية على كافة الولايات السورية.
نذكّر هنا بأن فكرة الاستقلال عن السلطنة قديمة في لبنان، تعود إلى عهد الإمارة المعنية، وقد ترسّخت خلال حكم بشير الثاني وتبلورت في عهد المتصرّفية، وقد ساعد على ظهورها عدد من العوامل أهمها التركيبة السكانية المعقّدة والفريدة وطبيعة التضاريس والموقع الجغرافي المميز.
2 – الحرب ومصير الشرق الأوسط:
أضواء جديدة على الصراع بين الحلفاء.
عندما اندلعت الحرب قرّر الحلفاء وضع حد نهائي للمسألة الشرقية بتجزئة الأراضي العثمانية، فكانت موجة الاتفاقيات السرية، وما يهمّنا منها هي اتفاقية سايكس بيكو التي أُبرمت عام 1916 والتي نصّت على اقتسام الولايات العربية بين فرنسا وبريطانيا في نهاية الحرب، فيكون لبنان مع الساحل السوري وكيليكيا من نصيب فرنسا وجنوب العراق من نصيب بريطانيا وفلسطين تحت إشراف دولي.
أما الداخل فيحكمه العرب ويقسم بدوره إلى قسمين:
- في الشمال منطقة "أ" وتكون تحت النفوذ الفرنسي، - وفي الجنوب منطقة "ب" وتكون تحت النفوذ البريطاني.
إلى جانب تلك الاتفاقية هناك المراسلات التي تبودلت في عامي 1915 و1916 بين الشريف حسين والمفوّض البريطاني في مصر، هنري مكماهون، وقد تعهّد فيها هذا الأخير، باسم حكومته، مساعدة العرب على بناء دولة مستقلّة إن هم ثاروا على الترك؛
هناك أخيرًا وعد بلفور الذي صدر عام 1917 وقد تعهّدت فيه لندن العمل على إنشاء الوطن القومي للشعب اليهودي في فلسطين.
أما اتفاقيتا القسطنطينية (1915) وسان جان دي موريان (1917) اللتان نصّتا على تجزئة {سيا الصغرى، فقد سقطتا بعد انسحاب البولشفيك من القتال وتوقيعهم صلح برست – ليتوفسك مع الدول الوسطى في ربيع 1918 وبعد أن تصدّى مصطفى كمال للحلفاء ولمعاهدة سيفر ورفض أن تمس وحدة الأناضول.
أ – بريطانيا وخيار القضاء على الدولة العثمانية.
عند اندلاع الحرب، كانت بريطانيا أكثر الدول الحليفة اهتمامًا بالشرق الأوسط لأن مصير إمبراطوريتها كان يتعلّق إلى حد كبير بمصير تلك المنطقة وبمستقبل الدولة العثمانية.
وقد اخافتها الدعوة إلى الجهاد التي وجهها السلطان إلى الشعوب الإسلامية، لذا قررت، منذ أواخر 1914، الاعتماد على العرب لإبطال مفعول تلك الدعوة.
وكانت تربطها علاقات طيّبة ومعاهدات بعدد من أمراء شبه الجزيرة لا سيما بابن سعود.
لكنها اختارت الحسين حليفًا مفضّلاً لأنها رأت فيه الشخصية الأوفر حظًا لقيادة حركة عربية مناهضة للأتراك.
كانت الإدارة البريطانية في مصر تحبّذ فكرة توسيع المملكة المصرية باتجاه الشرق وضم ولايات الهلال الخصيب وشبه الجزيرة إليها، مع إقامة سلطة روحية عربية في الحجاز.
لكن تبني خيار كهذا لم يكن بالأمر السهل خصوصًا وأن نتائج الحرب لم تكن قد تبلورت بعد.
أما حكومة الهند البريطانية فاقترحت إلحاق الولايات العراقية بشكل نهائي بالإمبراطورية.
لكن لندن تروّت في إعلان أهداف كهذه خوفًا من ردّات الفعل العربية والدولية ولكنّها أسرعت في خريف 1914 واستولت على جنوب بلاد ما بين النهرين لكي تحكم قبضتها على منطقة الخليج.
بين ربيع 1915 وصيف 1916 واجه البريطانيون في الشرق الأوسط صعوبات عسكرية لم تكن في الحسبان.
حملتهم على المضائق انتهت بفشل ذريع وكذلك عملية الإنزال في شبه جزيرة غاليبولي.
وفي العراق اضطرّت قواتهم إلى الاستسلام في العمارة، في نيسان 1916، إلى القائد العثماني خليل بك.
فقط على جبهة السويس استطاع البريطانيون أن يردّوا الهجومين اللذين شنّهما جمال باشا في شباط 1915 وفي آب 1916.
إن هذا الوضع العسكري المقلق جعل حكومة لندن تتخوّف من أن تنتهي الحرب دون حسم عسكري في الشرق الاوسط، فيقع الباب العالي حتمًا تحت وصاية برلين وينهي الألمان آنذاك بناء خط بغداد فيلجون بواسطته منطقة الخليج.
لذا انطلقت الحكومة البريطانية، منذ حزيران 1915، في المفاوضات مع حلفائها للقضاء نهائيًا على سلطنة بني عثمان ولاقتسام ما تبقّى من أراضيها، وقد وضعت نصب عينيها الاستيلاء على فلسطين وبلاد ما بين النهرين وضمّهما إلى الإمبراطورية.
لم يتردد الإنكليز في استعمال الشريف حسين وأولاده لتغطية أكبر عملية ابتزاز تعرّض لها العرب في تاريخهم المعاصر.
كما استعملوا الحركات القومية السورية والحركة الصهيونية على حد سواء لإزاحة فرنسا من طريقهم بعد أن صوّروها للمسلمين ولليهود بأنها تعمل فقط لحماية النصارى ولرفع شأنهم في الشرق.
وكانت فرنسا الدولة الوحيدة القادرة على الوقوف في وجه المخططات البريطانية في فلسطين وذلك لاعتبارات لا مجال للتوقف عندها في هذه الدراسة.
بـ - التنافس على سورية ولبنان
في المحادثات التي مهّدت لاتفاقية سايكس – بيكو حاول المفاوضون الإنكيز ان يبعدوا الفرنسيين عن لبنان بهدف إضعاف وجودهم في المتوسط الشرقي بعد الحرب.
ففي أول جلسة عقدها بيكو في لندن، في 21 كانون الأول 1915، مع ممثلي الحكومة البريطانية، أصرّ هؤلاء على أن لا تتعدّى المنطقة التي ستقع تحت الحماية الفرنسية المباشرة الساحل السوري الممتد من الإسكندرونة حتى طرطوس، على ان تلحق المناطق الأخرى بما فيها الساحل اللبناني والجبل، بالدولة العربية التي سيحكمها الشريف حسين.
رفض بيكو هذا الاقتراح مؤكدًا أنّه لا يجوز أن يعاد لبنان إلى الوراء بعد أن تمتّع بإدارة ذاتية تحت الحكم التركي، وأن اللبنانيين لن يقبلوا بالتخلّي عن وضعهم المميز ولا بالتراجع عن مطلبهم الحيوي وهو ضم بيروت وطرابلس والبقاع إلى الجبل.
تابع بيكو قائلاً إن الأتراك عندما رسموا حدود المتصرفية وحصروها في المنطقة الجبلية الصخرية الوعرة كانوا يهدفون إلى تهجير السكان وقد نجحوا في ذلك.
جرت المفاوضات اللاحقة فقط بين سايكس وبيكو، وقد استطاع ممثل فرنسا أن يقنع زميله الإنكليزي بوجهة نظره.
فوضعا سوية نص الاتفاقية التي عُرفت باسميهما.
تعتبر هذه الاتفاقية في نظرنا تراجعًا تكتيكيًا لبريطانيا أمام حليفتها ومنافستها فرنسا.
لم يتردد عدد من المسؤولين البريطانيين في التصريح علنًا أنها حل دبلوماسي مؤقت وانها ستعدّل حتمًا في المستقبل.
جـ - التطلعات الإمبريالية الجديدة لبريطانيا.
في كانون الأول 1916، انتقلت السلطة في لندن إلى حكومة إئتلافية يترأسها لويد جورج.
فقررت هذه مضاعفة مجهودها الحربي في منطقة الشرق الأوسط، وقد تزامن انتقال المسؤولية إليها مع ثورة شباط في روسيا.
خشي البريطانيون انسحاب الجيش الروسي من القتال، لذا اقترحوا على حكومة اسطنبول عقد صلح منفرد، من شروطه استقلال الحجاز ووضع العراق وفلسطين تحت الحماية البريطانية وإعطاء مصر وأرمينيا حكمًا ذاتيًا.
رفض الاتحاديون هذه الشروط واستمرت الحرب بين الدولتين.
في نيسان 1917، أوكلت حكومة لويد جورج إلى لجنة خاصة من أعضائها البارزين اللورد كورزون والجنرال سمطس، وضع دراسة حول المقاطعات التي يجب أن تلحق بالإمبراطورية البريطانية في نهاية الحرب.
رفعت هذه اللجنة تقريرها إلى الحكومة في الأول من آيار 1917، وقد طالبت فيه بوضع فلسطين والعراق تحت الرقابة البريطانية وتعديل اتفاقية سايكس بيكو بشكل يجعل من فلسطين محمية إنكليزية تمتد حدودها حتى نهر الليطاني وحتى شمال حوران.
بعد هذا التقرير حدث تحوّل جذري في سياسة لندن تجاه الشرق، فولدت عند بعض المسؤولين فكرة ربط مصر والعراق بشبكة من الخطوط الحديدية وإخضاع المنطقة بكاملها للسيطرة البريطانية المباشرة أو غير المباشرة، واقتلاع فرنسا نهائيًا منها.
هنا بدأ صراع علني بين الدولتين كان مسرحه في بادئ الأمر فلسطين.
د – فلسطين، أول امتحان لصدق النوايا.
كانت الحكومة الفرنسية قد اتخذت الإجراءات اللازمة منذ ربيع 1917 للمشاركة ولو بقوات رمزية في الهجوم على فلسطين وقد جعلت من بور سعيد قاعدة خلفية لها، وعيّنت الكولونيل دوبييباب قائدًا للفرقة الفرنسية التي سترافق الجيش البريطاني في زحفه نحو الشمال، كما عينت فرنسوا جورج – بيكو مندوبًا لها في فلسطين وسوريا.
في خريف 1917 شنّ اللنبي هجومه المرتقب انطلاقًا من مصر واستولى على القدس في التاسع من كانون الأول.
وتقيدًا للتوجيهات التي تلقّاها من حكومته، حاول بيكو ان يتصرّف في فلسطين كممثل رسمي لبلاده وأن يشارك في إدارة الأراضي المحتلة وأن يعيد لفرنسا المكانة التي كانت لها قبل الحرب كحامية للأماكن المقدسة المسيحية.
لكنه اصطدم بعدد من العقبات أهمها التصدي العنيد الذي واجهه به الإيطاليون وكانوا هم أيضًا يشاركون بفرقة رمزية في الحملة على فلسطين.
كانت إيطاليا تسعى آنذاك لتحل محل فرنسا في حماية الأراضي المقدّسة ولا سيما أن باريس كانت على خلاف عميق مع الكنيسة الرومانية وقد ادّى هذا الخلاف إلى فصل الدين عن الدولة وإلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع الكرسي الرسولي.
لذا لم يدعم البابا موقف فرنسا في فلسطين.
بالإضافة إلى هذه الصعوبات التي كانت تخدم الأهداف الإنكليزية فإن القائد العام للقوات الحليفة الجنرال اللنبي، منع بيكون عن التدخّل بشؤون الإدارة المحلية وبشؤون الأراضي المقدّسة، ورفض أن يعترف به ممثلاً لفرنسا في فلسطين، وأفهمه أنّه يعتبره مستشارًا له، ليس إلا.
وهدده، إن هو لم يرضخ لأوامره، بإبعاده عن القدس إلى يافا.
ثارت ثائرة جورج بيكو وأدرك أن ما حصل في فلسطين هو مقدمة لما سيحصل في سوريا ولبنان، إن تابعت الجيوش البريطانية زحفها نحو الشمال، وأن فرنسا قد خسرت مكانتها في الشرق وأن اتفاقية 1916 لا قيمة لها إن لم تدعمها قوى مسلّحة على الأرض.
لذا، أخذ يرسل البرقية تلو الأخرى، يطلب من حكومته زيادة عدد أفراد الفرقة الفرنسية العاملة في فلسطين ويصف الوضع بأنه مأساوي، وقد تجاوب وزير الخارجية بيشون مع بيكو وكتب مرارًا إلى زميله وزير الحربية بهذا الشأن.
لكن القيادة العسكرية كانت منهمكة في القطاع على الجبهة الغربية، فأهملت الموضوع وترددت في فصل قوات إضافية لترسل إلى الشرق الأوسط.
في العشرين من كانون الثاني 1918، أبرق بيكو إلى حكومته يقول:
"لا نستطيع أن نحافظ على حقنا في الحماية الدينية في الشرق ونقطع في الوقت نفسه علاقاتنا مع الكرسي الرسولي.
لا نستطيع أن نحكم فلسطين وأن نكتفي من أجل ذلك بإرسال مفوّض سام يرافقه معاونان اثنان فقط.
لا نستطيع أن ننفذ اتفاقيات كالتي توكل إلينا الإشراف على إدارة سوريا وإرمينيا وان نترك لسوانا عملية تحرير شعوب هذه البلدان، علينا أن نختار (.
.
.
) نحن معرضون في الوقت الحاضر لهزيمة وعلينا أن نرضخ للواقع وأن نعي الهزائم اللاحقة.
غدًا سنخسر نفوذنا في فلسطين، ولكن بعد غد سنخسره في سوريا (.
.
.
) وإذا لم تعمل الحكومة على تغيير الوضع العسكري القائم فمن الأفضل أن يوضع حد لوجود بعثتنا لأن هذا الوجود أصبح بلا فائدة".
يعبر هذا النداء اليائس عن حقيقة الوضع على الأرض ولكن العاصفة هدأت نسبيًا ابتداء من شهر آذار 1918 حيث قبل الكرسي الرسولي بعد أن ضغط عليه بعض الأساقفة الفرنسيين بتجميد مسألة الأماكن المقدّسة حتى نهاية الحرب وطلب من الرهبانيات الكاثوليكية الاعتراف من جديد بالامتيازات التي كان يتمتع بها ممثل حكومة باريس.
لكن موقف الكرسي الرسولي المبدئي لم يتغيّر:
إن الحماية الفرنسية بنظره قد زالت مع زوال الحكم التركي.
ويبدو أن البابا كان يميل إلى إيكال أمر الإشراف على فلسطين إلى الحكومة البلجيكية.
اما الفرقة الفرنسية فرفض الإنكليز زيادة عدد أفرادها بحجة أن القيادة العامة في فلسطين تفتقر إلى وسائل النقل وإلى المؤن فلا يمكنها بالتالي استقبال قوات إضافية.
في النهاية ألانت لندن موقفها.
ألحق الفرنسيون عناصر جديدة بفرقتهم فارتفع عدد رجالها من 3675 إلى مايقارب 7000.
اما البريطانيون فكانوا يحشدون اكثر من مئتي ألف مقاتل على الجبهة نفسها.
هـ - الحلفاء يطلعون الحسين على مضمون اتفاقية سايكس – بيكو.
على رغم مشاركتها المحدودة في القتال على الجبهة الفلسطينية السورية، ظلت فرنسا متمسكة باتفاقية سايكس بيكو وما كانت تسميه "حقوقها التاريخية في سوريا".
في مطلع 1917 قررت حكومتا لندن وباريس إرسال كل من مارك سايكس وفرنسوا جورج بيكو إلى الحجاز ليطلعا الحسين على مضمون الاتفاقية المعقودة بينهما.
فوصلا إلى جدّة في 18 آذار 1917 واجتمعا في اليوم التالي بالملك وتبع هذا اللقاء الاول لقاءات اخرى شارك في معظمها الأمير فيصل.
بعد خمسة أيام من المفاوضات أبرق بيكو إلى حكومته يقول:
"إن الملك يعرف الآن مضمون اتفاقيتنا ولم يبد متأثرًا إلى الحد الذي كنّا نخشاه.
إن المنطقة الأرمنية الواقعة إلى الشمال من الأسكندرونة وأورفا لا تهمه.
يمكننا منذ الآن أن نقول إن الدور الفرنسي في سوريا سيكون في خطوطه الكبرى شبيهًا بالدور الإنكليزي في العراق.
سنتعاون مع ممثلي الملك في المناطق الإسلامية من سوريا، بواسطة مستشارين.
اما المناطق المسيحية فإن استولينا عليها قبل نهاية الحرب فسننشئ فيها دولة تكون تحت حمايتنا".
بعد أن اطلع وزير الخارجية الفرنسية على برقية بيكو، طلب إليه أن يعهد إلى شرشلي، ممثل فرنسا في الحجاز، أن يوضح للحسين ما المقصود بعبارة "المناطق الإسلامية من سوريا" التي استُعملت خلال المحادثات وأن يؤكد له أن هذه التسمية تنطبق فقط على المناطق الداخلية، أي على منطقة "أ" من اتفاقية سايكس بيكو ولا تنطبق على المنطقة الزرقاء أي الساحل وكيليكيا.
فما كان من جورج بيكو إلا أن أبرق إلى شرشلي في 13 حزيران 1917 يقول:
"خلال محادثاتي الأخيرة مع ملك الحجاز، أطلعته على اتفاقيتنا المتعلقة بالولايات الآسيوية العربية.
قلت له إننا سنحتفظ بحرية التصرّف في المنطقة الساحلية حيث سننشئ دولة لبنان الكبير تحت الحماية الفرنسية وأبلغته أن الشرط الأساسي لتعاوننا مع العرب في المناطق الداخلية من سوريا هو تعيين مستشارين فرنسيين في مختلف الإدارات يتمتعون بسلطة إجرائية وذلك لمدة محدودة".
ثم يطلب بيكو من شرشلي أن ينتهز الفرصة أن يستعمل الحسين أمامه عبارة "سوريا الإسلامية" ليفهمه أنّها تعني المنطقة الداخلية لا الساحل.
هكذا ظن الفرنسيون أن الأمور أصبحت واضحة بالنسبة إلى العرب وأنهم يستطيعون في المستقبل تنفيذ اتفاقية سايكس بيكو.
لكن بعض المسؤولين الإنكليز كانوا يضعون خططًا متناقضة.
أما لورنس فقد أقنع فيصلاً بأن أفضل وسيلة للتخلص من تلك الاتفاقية تكمن في توطيد التحالف مع بريطانيا لأن هذه الاخيرة في نهاية الحرب "ستخجل ولن تلجأ إلى السلاح لإزاحة أحد حلفائها إن هو وقف في وجه الاتفاقية".
و – السلطة في دمشق بين الجزائريين والفيصليين.
في 19 أيلول 1918، أحرز اللنبي ((Allenby انتصاراً حاسماً على الجيش العثماني في فلسطين، ودفع بقواته نحو الشمال.
فغادر الأتراك دمشق وبيروت في 30 أيلول وألّف الأمير سعيد الجزائري وأخوه عبد القادر في العاصمة السورية حكومة مؤقتة باسم الشريف الحسين، وحذا حذوهما عمر الداعوق في بيروت.
أبرق الجزائري إلى البطريرك الماروني يطلب منه تأليف حكومة عربية في الجبل.
تريّث البطريرك في اتخاذ موقف وأرسل يستشير الفرنسيين في جزيرة إرواد، فكان جوابهم:
"إننا قادمون".
في الأول من تشرين الأول وصلت إلى دمشق فرقة من جيش اللنبي وتبعتها قوات عربية يقودها الشريف ناصر يرافقه الضابط الإنكليزي لورانس.
نصّب هذا الأخير نفسه ممثلاً لفيصل وعزل الأميرين الجزائريين بعد صدامات مع انصارهما في الشوارع وعيّن مكانهما رضا الركابي حاكمًا عسكريًا على المدينة.
في الحقيقة كان لورانس وعملاء الإنكليز عمومًا ومؤيدو فيصل يخشون أن تفلت السلطة في دمشق من أيديهم خصوصًا وأن الأخوين الجزائريين، حفيدي عبد القادر الكبير، كانا يشكلان خصمين خطيرين للهاشميين.
فأسرتهما الكريمة النسب وتاريخ جدهما العريق ومكانتهما في العالم الإسلامي ووزنهما السياسي في سوريا وعلاقاتهما الطيّبة بفرنسا كانت تخوّلهما الطموح إلى الحكم والوقوف في وجه المخططات الإنكليزية – الحجازية، وهذا ما دفع بلورانس إلى الإسراع في التخلّص منهما.
أما فيصل فلم يشعر بالطمأنينة إلا بعد أن قتل رجاله الأمير عبد القادر في 9 تشرين الثاني 1918 ونفوا أخاه سعيدًا إلى فلسطين.
في تلك الأثناء كان جورج – بيكو يفاوض البريطانيين في لندن حول مستقبل الأراضي العربية المحتلة.
كان السفير الفرنسي كامبون، بعد أن تلقّى تعليمات من حكومته قد طلب من الإنكليز أن يتعهّدوا باحترام اتفاقية 1916.
وقد صدر عن بلفور، في 23 أيلول، وعد رسمي بهذا الخصوص.
أخيرًا في 30 أيلول، عقدت الحكومتان اتفاقًا بشأن الإدارة المؤقتة للولايات السورية حددتا فيه الدور الذي يعود إلى كل منهما.
في 3 تشرين الأول دخل دمشق كل من اللنبي وفيصل والكابيتن كولوندر نائب جورج – بيكو، ففوجئ الثلاثة بالإجراءات التي اتخذها لورانس.
اعترف اللنبي بالركابي حاكمًا عسكريًا على منطقتي "أ" و"ب" من اتفاقية سايكس – بيكو ولكنه اوضح أنّه يحتفظ لنفسه بالقيادة العليا في كافة الأراضي المحتلة وأن العلاقات بينه وبين الحكومة المحلية تتم بواسطة ضابطي ارتباط، أحدهما إنكليزي والثاني فرنسي.
غادر اللنبي دمشق بسرعة وعاد إلى فلسطين.
اما فيصل فقرر، ومن المرجح بإيعاز من لورانس، إرسال شكري الأيوبي إلى بيروت.
وحين وصل هذا الأخير أعلن أن الولاية الساحلية تعتبر جزءًا من الدولة العربية وأنها تابعة لحكومة دمشق.
ثم زار بعبدا حيث دعا مجلس الإدارة إلى الاجتماع وأوكل إلى حبيب باشا السعد تأليف حكومة مؤقتة في الجبل باسم ملك الحجاز.
حاول كولوندر أن يتصدّى للترتيبات التي اعتمدتها حكومة دمشق، فاتصل أولاً بالجنرال الإنكليزي كلايتون، المسؤول عن الشؤون السورية، وطلب منه أن يتدخل شخصيًا ليمنع فيصلاً عن تعيين حكام في المنطقة الساحلية، إذ إن هذا الحق ينحصر باللنبي وحده.
تحاشى كلايتون الخوض في هذا الموضوع.
فاجتمع كولوندر شخصيًا بفيصل محتجًا على إرساله الأيوبي إلى بيروت دون أن يكون للقائد العام علم بذلك.
أجاب الأمير أن هدفه من ذلك هو طرد الأتراك من الأراضي العربية وأنّه اعتبر نفسه مخولاً اتخاذ إجراء كهذا لأن اللنبي سبق له ووافق على تعيين الركابي حاكمًا على دمشق.
أبلغ كولوندر وزارة الخارجية الفرنسية جواب الأمير وأكد أن فيصلاً وأتباعه يحاولون وضع الحلفاء في المنطقة الساحلية أمام الأمر الواقع كما فعلوا في الداخل.
لم يكتف كولوندر بذلك بل ألحّ على حكومته بالإسراع في إرسال قوات فرنسية إلى المنطقة الزرقاء من اتفاقية 1916، ثم غادر إلى فلسطين حيث استقبله اللنبي وطمأنه إلى أن الحكّام الذين عيّنهم فيصل في المدن الساحلية سيُعزلون قريبًا.
اعتبرت فرنسا أن اتفاق 30 أيلول يشكّل نقطة انطلاق جديدة في علاقاتها مع بريطانيا في الشرق وكذلك في علاقاتها مع فيصل والحكومة السورية.
فبدأت بعد ذلك عملية صراع بين خمسة قوى تحاول كل منها فرض خياراتها، هذه القوى هي بريطانيا وفرنسا وفيصل مع جماعته والتيارات الوطنية السورية المتصلّبة وأخيرًا التيار اللبناني الاستقلالي.
3 – مرحلة الخيارات الصعبة:
تشرين الأول 1918 – أيلول 1920.
ابتداءً من تشرين الأول 1918 أخذت الأمور تتشابك والصراعات تحتدم.
لن نعالج كل النواحي التاريخية لهذه الحقبة، سنمسك فقط ببعض الخيوط المتعلّقة بموضوع بحثنا وسنتتبّعها متوقفين عند ست محطات نعتبرها أساسية لرسم الإطار الدولي لولادة لبنان الكبير.
أ – تمركز الفرنسيين في المنطقة الساحلية وفي متصرفية جبل لبنان.
على أثر الاتصالات المكثّفة التي جرت بين لندن وباريس أرسل الفرنسيون إلى بيروت قطعًا من أسطولهم بقيادة الإميرال فارنيه، فأنزلت هذه، في 7 تشرين الأول، بعض القوات إلى البر.
وبعد يومين وصلت فرقة بريطانية قادمة من فلسطين يرافقها الكولونيل دي بياباب.
ثم نقل الفرنسيون قوات إضافية من حيفا إلى بيروت عن طريق البحر، ولكن القسم الأكبر من أفراد المفرزة العاملة في فلسطين لم يصلوا إلى المدينة إلا في العشرين من الشهر.
اما الأيوبي، فمُنع من الدخول إلى سراي الحكومة وطُلب منه مغادرة البلاد، ولما لم يمتثل للأمر هدّده الجنرال الإنكليزي بلفين باستعمال القوة ضدّه، فرضخ.
بعد انسحابه، سلّمت كل المراكز الإدارية في المنطقة الساحلية إلى ضباط فرنسيين.
في تلك الظروف، أبلغ اللنبي فيصلاً أن سهل البقاع سيلحق بلبنان.
ثم أعلن القائد الأعلى، في 23 تشرين الأول، التقسيم الرسمي المؤقت للأراضي المحتلة، فأوكل بإدارة المنطقة الشرقية، أي سوريا الداخلية، إلى فيصل، وبالمنطقة الجنوبية، أي فلسطين، إلى البريطانيين، وبالساحل حتى الاسكندرونة مع جبل لبنان وسهل البقاع إلى الفرنسيين.
بعد يومين توجّه دي بياباب إلى بعبدا حيث أعلن أن المتصرفية أصبحت كباقي المناطق خاضعة للحكم العسكري، وقد وُلّيَ عليها الكومندان بوشير.
على الرغم من تلك الإجراءات، ظلّت الأجواء مشحونة إذ تابع مؤيدو الوحدة السورية الدعاية للأمير الحجازي.
وقد وقع أول حادث مسلّح في 19 تشرين الثاني في بيروت بين الشرطة المحلية والقوات الفرنسية أسفر عن سقوط أربعة قتلى وستة عشر جريحًا.
وفي دمشق، كانت الحكومة في تصرفاتها اليومية تظهر الإزدراء لضباط الارتباط الفرنسيين.
أما البريطانيون فبدأوا يستعدّون لتعديل اتفاقية سايكس – بيكو بشكل يخدم مخططاتهم الجديدة.
بـ - صراع الكبار وانتظار الصغار، عشرة أشهر من المفاوضات والمماطلة:
كانون الأول 1918 – تشرين الأول 1919.
قبل أن ينعقد مؤتمر الصلح، التقى لويد جورج في العاصمة البريطانية بزميليه كليمنصو وأورلندو.
كان الهم الأكبر لرئيس الوزراء الفرنسي تأمين الدعم البريطاني لبلاده ضد ألمانيا خلال مفاوضات السلام.
وقد انتهز لويد جورج الفرصة ليطلب من كليمنصو، فيلقاء جانبي، التخلّي للإنكليز عن الموصل وعن فلسطين.
قبل كليمنصو بذلك لأنه لم يكن باستطاعته، في تلك الظروف، الوقوف في وجه بريطانيا.
كانت هذه تحشد في نهاية الحرب، على مختلف جبهات الشرق الأوسط، ما لا يقل عن المليون جندي، وكانت تحظى بتأييد واسع في صفوف العرب وفي صفوف الصهاينة.
أما فرنسا، فوجودها العسكري الضعيف في المنطقة والدعاية التي وجّهتها ضدّها اجهزة الاستخبارات البريطانية وأخيرًا الموقف العدائي العلني الذي اتخذه منها الهاشميون كما اتّخذته الحركات القومية العربية والمنظمة الصهيونية جعلت مجال المناورة أمام حكومتها ضيقًا.
بينما كان مصير فلسطين يقرر في العاصمة البريطانية، وصل فيصل إلى فرنسا ليمثّل والده في مؤتمر الصلح.
قبل افتتاح المؤتمر، انتقل في كانون الأول 1918، برفقة لورانس، إلى لندن حيث اجتمع بالزعيم اليهودي وايزمن، وكان قد التقى به مرة أولى في حزيران في فلسطين.
ركّز فيصل في محادثاته مع وايزمن على "تبيان الخطر الذي تتعرّض له المصالح اليهودية والعربية من جرّاء السياسة الفرنسية" في الشرق الاوسط ثم وقّع معه اتفاقًا اعترف فيه بضرورة اتخاذ جميع الإجراءات لتنفيذ وعد بلفور ولتشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين.
في 29 كانون الأول 1918، أي قبل انعقاد مؤتمر الصلح بعشرين يومًا، رسم بيشونن وزير خارجية فرنسا، أمام مجلس النواب الخطوط الرئيسة للسياسة التي تنوي حكومته الدفاع عنها في الشرق الأوسط فقال:
"إننا في الإمبراطورية العثمانية حقوق واضحة سندافع عنها.
لنا حقوق في سوريا ولبنان وفلسطين وكيليكيا.
إنها مبنية على مستندات تاريخية وعلى اتفاقيات وعقود (.
.
.
) إنها مبنية على أماني السكان وإرادتهم (.
.
.
) سنثابر في الدفاع عنها.
إننا نعتبر أن الاتفاقيات المعقودة بيننا وبين بريطانيا ما زالت تلزمنا كما تلزم أيضًا بريطانيا".
في مؤتمر الصلح دافع فيصل عن استقلال الشعوب العربية الآسيوية وعن سيادتها.
وقد لعب الأمير الورقة الولسونية حتى النهاية.
وكان الدكتور هوارد بليس، رئيس الكلية الغنجيلية في بيروت، قد أقنع ولسون بضرورة إرسال لجنة استقصاء إلى الشرق.
لم يكن كليمنصو من مؤيدي هذه الفكرة لذا حاول أن يتفاهم مع فيصل ليقنعه بالعدول عنها وبالقبول بالوصاية الفرنسية، لكن المفاوضات بين الجانبين لم تسفر عن أية نتيجة لأن الأمير كان مقتنعًا بأنه في موقع قوة بفضل دعم الرئيس الاميركي له.
يضاف إلى ذلك أن الضابط لورانس الذي كان يرافقه في العاصمة الفرنسية كان يحثّه على مزيد من التصلّب.
عاد فيصل إلى سوريا ليُعدّ الأجواء لمجيء لجنة كينغ – كراين.
وكان لموقفه الرافض في مفاوضات باريس ولإصرار ولسون على إرسال تلك اللجنة وللمنحى المعادي لفرنسا الذي اتخذته مشاورات هذه الأخيرة في سورية الداخلية أثر عميق في نفوس المسؤولين الفرنسيين، فأخذ بعضهم يتساءل إذا لم تكن مصلحة بلادهم تقضي بالتخلي عن لبنان لإرضاء السوريين وكسب صداقتهم.
في تقرير رُفع إلى وزير الخارجية بيشون في نيسان 1919 نقرأ ما يلي:
"إننا ننظر بحزن عميق إلى الانهيار السريع الذي أصاب كل الإنجازات الفرنسية في سورية.
"إن المسلمين في سورية يشكّلون اكثرية السكان وقد تزيد نسبتهم عن الثلثين.
علينا أن نكثّف نشاطنا في أوساطهم لكسب مودتهم.
أما المجموعات المسيحية، فهي من طبيعتها موالية لنا وهي تلتجئ تلقائيًا إلينا ولا يمكنها التخلّي عنا لأنها لا تشعر بالطمأنينة إلا من خلال وجودنا.
إن لبنان سيموت إن نحن غادرنا المنطقة فمن الحماقة إذًا أن نعتبره نقطة ارتكاز لنا.
إن هذا التوجّه الجديد في السياسة الفرنسية أثار قلقًا شديدًا عند اللبنانيين.
يبدو أن خيار الاستقلال التام ازداد عدد مؤيديه خلال تلك الفترة بالذات.
في برقية إلى حكومته مؤرخة في 23 أيار 1919 يتهم جورج بيكو البطريرك الماروني ورئيس مجلس الإدارة بالترويج لهذا الخيار.
في هذه الأجواء أصدر المجلس المذكور، في 20 أيار، قراره رقم 561 الشهير وقد جاء في مادته الأولى:
"المناداة باستقلال لبنان السياسي والإداري بحدوده الجغرافية التاريخية واعتبار البلاد المغصوبة منه بلادًا لبنانية كما كانت قبل سلخها عنه".
وفي مادته الثالثة:
"إن الحكومة اللبنانية والحكومة الفرنساوية المساعدة تتفقان على تقرير العلائق الاقتصادية بين لبنان والحكومات المجاورة".
نذكّر هنا بان مجلس الإدارة كان قد ركّز في القرار رقم 80 الذي اتخذه في 9/12/1918 على الاستقلال الإداري فقط.
في 16 حزيران 1919 صدر عن مجلس الإدارة قرار جديد يقضي بإرسال وفد ثان إلى مؤتمر الصلح برئاسة البطريرك حويك.
إن المطالب الواردة في القرار 561 هي نفسها التي قدّمها المنادون بالاستقلال إلى لجنة كينغ – كراين في شهر تموز وهي نفسها التي قدّمها البطريرك الماروني مفصّلة إلى مؤتمر الصلح في الخامس والعشرين من تشرين الأول.
لم يكن باستطاعة الفرنسيين أن يمنعوا البطريرك عن المثول أمام مؤتمر الصلح ولا عن تقديم مذكرته.
ولكنهم كانوا مستائين من إلحاحه على الاستقلال وقد وجّه كليمنصو إليه رسالة جاء فيها:
"إن رغبة اللبنانيين في المحافظة على حكومة ذاتية ونظام مستقل تتفق كل الاتفاق مع تقاليد فرنسا التحررية".
أما مسألة الحدود، يتابع رئيس الوزراء الفرنسي، "فلا يمكن بتّها قبل أن يقر الانتداب على سوريا".
ولما عاد البطريرك إلى لبنان وأطلع مجلس الإدارة على نتائج اتصالاته في باريس ازداد قلق اللبنانيين من الموقف الفرنسي المتردد.
جـ - بريطانيا تتخلى عن فيصل وترمي به في أحضان الفرنسيين في غضون ذلك، كان الخلاف بين لندن وباريس بشأن الشرق الأوسط قد بلغ ذروته وكان ممثلو فرنسا يرسلون إلى حكومتهم التقرير تلو الآخر متهمين أجهزة الاستخبارات البريطانية المنتشرة في مختلف المناطق السورية بتغذية الدعاية المعادية لبلادهم.
وكان الرأي العام الفرنسي شديد الاغتياظ من هذا الوضع.
ومنذ ربيع 1919 بدأت تظهر في الصحف مقالات تهدّد الحكومة إن هي تقاعست عن الدفاع عن حقوق فرنسا التاريخية في تلك المنطقة.
في 7 نيسان مثلاً كتبت جريدة لو طان Le Temps تقول:
"إذا ما اكتشفت الأمة يومًا انها قد أقصيت عن الشرق غدرًا، فستعرف كيف تحاسب الذين يتحمّلون مسؤولية ذلك.
إنهم عهدوا بالحفاظ على أقدم إرث لنا في الخارج إلى أناس عاجزين".
لن تلبث تلك الحملة الصحافية أن ازدادت حدة وأخذت توجّه أسهمها علانية باتجاه بريطانيا متهمة إياها بانها طعنت حليفتها فرنسا في الظهر، وقد شارك فيها عدد من الشخصيات ذات الصفة الرسمية من بينها روبير دي كاي، مستشار وزارة الخارجية، وقد ورد في إحدى مقالاته العنيفة ما يلي:
"علينا ان نجهر بالحقيقة دون مراعاة أحد؛ وهذه الحقيقة تضطرنا إلى فضح العمل المنظّم الذي يقوم به عملاء السياسة البريطانية في الشرق ليمنعوا فرنسا من الحصول على الانتداب على سوريا".
ثم يؤكد الكاتب ان حكومة لندن تستعمل النظام الفيصلي كوسيلة لمقاتلة فرنسا وهي تمدّه بالمال مما يسمح له بالاستمرار، وإنها، بالإضافة إلى ذلك، تهيّج عواطف الجماهير الإسلامية، لا سيما الفئات الجاهلة منها، ضد الفرنسيين مؤكدة انهم حماة المسيحيين وأنهم سيسلّمون هؤلاء حكم البلاد.
يتابع دي كاي De Caix مقاله الطويل على نفس اللهجة ليخلص إلى القول إن المصيبة تكمن في استمرار الاحتلال العسكري البريطاني للمنطقة المخصصة لفرنسا في اتفاقية سايكس – بيكو.
شكّلت تلك الحملة الصحافية صدمة عنيفة للشعب الإنكليزي فأيقنت حكومة لندن أنّه أصبح من مصلحتها إيجاد حل سريع لخلافها مع فرنسا.
يضاف إلى ذلك أن بريطانيا كانت تواجه في تلك الحقبة صعوبات عديدة في الشرق الأوسط منها الثورة المصرية التي اضطرت اللنبي إلى نقل قسم من جيشه من سوريا إلى وادي النيل، ثم انتفاضة مصطفى كمال في آسيا الصغرى في وقت كان فيه الرأي العام البريطاني يطالب بتخفيض عدد المجندين وبالحد من الإنفاق.
إن هذه العوامل مجتمعة دفعت بالبريطانيين إلى الاقتراح على الفرنسيين سحب جيشهم من سوريا لتحل محلّه القوات الفرنسية في الساحل وفي كيليكيا والقوات العربية في المنطقة الداخلية.
وقد وجّه لويد جورج في 13 أيلول مذكرة بهذا الخصوص إلى كليمنصو، فوافق عليها هذا الأخير.
فما كان من الحكومة الإنكليزية إلا أن استدعت فيصلاً إلى لندن وأطلعته على مضمون اتفاقها الجديد مع باريس.
ولما أبدى الامير استياءه وخيبة أمله ذكّره اللورد كورزن بان تعهدات حكومة جلالته للشريف حسين كانت محدودة ومرفقة بتحفظات.
في أثناء محادثات فيصل مع البريطانيين، وجّه كليمنصو، في العاشر من تشرين الأول، جوابًا رسميًا إلى الحكومة الإنكليزية بشأن اقتراحها سحب جيشها من سوريا، ثم أتبعه مذكرة عنيفة اللهجة طلب فيها من لندن وقف دعمها لفيصل وعدم التدخل في شؤون سوريا، لأن فرنسا لا تتدخل في شؤون العراق، وأصرّ أخيرًا على ان يتفاهم فيصل مباشرة مع الحكومة الفرنسية دون اللجوء إلى اية وساطة بريطانية.
لم يكن باستطاعة الإنكليز آنذاك فتح معركة جانبية مع الفرنسيين لا سيما وأن الأمير الهاشمي كان قد خسر الورقة الأساسية التي لعبها وهي الورقة الأميركية، إذ إن الرئيس ولسون كان قد أصيب بشلل في 2 تشرين الثاني ورفض مجلس الشيوخ التوقيع على معاهدات الصلح، وعادت أميركا إلى سياسة العزلة.
اما تقرير لجنة كينغ- كراين King-Crane فوضع في الأرشيف.
د – اتفاق فيصل – كليمنصو وانعكاساته
هكذا بدا فيصل يتيمًا، فدفع به الإنكليز إلى أحضان كليمنصو فانتقل إلى باريس حيث بدأ مفاوضات عسيرة مع ممثلي وزارة الخارجية.
حاول كليمنصو، بعد أن أصبح سيّد الموقف، أن يوفّق بين أماني اللبنانيين، أصدقاء فرنسا التاريخيين، وبين تطلعات الحركات القومية في سورية.
ولكنه كان يرغب في تركيز نفوذ بلاده في الشرق على قاعدة شرعية، لذا كان يرى أن عقد اتفاق مع فيصل طبقًا للأصول هو ضرورة.
وكان رئيس الوزراء الفرنسي يدرك أن الأمير يواجه معارضة قوية داخل سوريا، لذا حاول أن يسهّل عليه المهمة، فطلب من المفوّض السامي الجديد، الجنرال غورو Gouraud، أن يؤجّل احتلال البقاع، شرط أن تُسحب القوات العربية من السهل وأن يُعهد بالإشراف على الأمن فيه إلى الجندرمة المحلية.
وعلى الرغم من إصرار غورو على ضرورة الاستيلاء على البقاع لتقوية مركز فرنسا في المنطقة ولفرض هيبتها على معارضيها، أمره كليمنصو بحزم بتجميد الوضع وبعدم القيام بأي تحرّك عسكري.
تم التوقيع على الاتفاق بين الفريقين في السادس من كانون الثاني 1920.
اهم ما جاء فيه:
- تعترف الحكومة الفرنسية باستقلال سورية.
- يقبل فيصل بالوصاية الفرنسية.
- يعترف الأمير باستقلال لبنان تحت الانتداب الفرنسي على ان يبت مؤتمر الصلح مسألة الحدود وفقًا لرغبات السكان ولمصالحهم.
- تعتبر العربية لغة رسمية، أما الفرنسية فتدرّس إلزامًا.
- دمشق هي عاصمة الدولة السورية.
اما المندوب السامي فيستقر في حلب ليكون على مقربة من كيليكيا حيث ستتجمّع القوات الفرنسية.
في اليوم نفسه الذي وقّع فيه الاتفاق، وجّه فيليب برتلو Philippe Berthelot باسم وزارة الخارجية الفرنسية، رسالة إلى فيصل يدرج فيها إيضاحات إضافية حول بعض النقاط الواردة في النص لا سيما تلك المتعلقة بحدود لبنان التي سترسم وفقًا "لحقوق اللبنانيين التاريخية" ولمصالحهم الاقتصادية ولخيارهم الحر.
اما مدينة بيروت فيقترح برتلو إعطاءها كما الاسكندرونة إدارة بلدية مستقلة ويؤكد أخيرًا على ضرورة الاعتراف بالوضع المميز لدروز حوران وباستقلالهم الإداري ضمن الوحدة السورية.
ما إن صلت أخبار هذا الاتفاق إلى دمشق حتى ثارت ثائرة العناصر الوطنية وارتفعت أصوات عديدة تنادي بالجهاد، وتعددت الحوادث بين الفرنسيين والسوريين على حدود مناطق الاحتلال وقامت فئات تطالب بالتنسيق التام مع الثوار الكماليين في آسيا الصغرى بينما أخذ البعض يطالب جهرًا بالعودة إلى الحكم التركي.
رجع فيصل إلى دمشق وسط أجواء مشحونة، فاتهمه معارضوه بأنه باع البلاد إلى الفرنسيين، ونُظّمت تظاهرات نُدّد خلالها بحكمه وطولب باستقالته، ووقعت صدامات مع حرس الأمير سقط من جرّائها عدد من القتلى في شوارع المدينة.
ومنذ ذلك التاريخ لم يعد فيصل يسيطر على الوضع وكان أمامه خيارات ثلاثة:
إما التخلّي عن الاعتدال، والانجراف وراء التيار الاستقلالي المتصلّب والقبول بفكرة الصدام المسلّح مع الفرنسيين، وإما تطبيق الاتفاق المعقود في باريس والتصدي بالقوة لمعارضيه وإما الاستقالة.
فاختار الحل الأول وبعد ذلك تسارعت الأحداث ودخلت المنطقة مرحلة سادها التوتر حاول خلالها كل من الأفرقاء تدعيم مواقعه.
هـ - أربعة أشهر من التحدّيات : آذار – حزيران 1920
في السادس من آذار 1920، اجتمع المؤتمر السوري في دمشق، وفي اليوم التالي صوّت بالإجماع على قرار يعلن استقلال البلاد وقد جاء فيه:
"وبصفتنا الممثلين للامة السورية في جميع انحاء القطر السوري تمثيلاً صحيحًا نتكلم بلسانها ونجهر بإرادتها، فقد أعلنّا بإجماع الرأي استقلال بلادنا السورية ومن ضمنها فلسطين بحدودها الطبيعية استقلالاً تامًا لا شائبة فيه (.
.
.
) مع مراعاة جميع أماني اللبنانيين الوطنية المتعلقة بلبنان في حدوده الحاضرة بشرط أن يكون بمعزل عن كل نفوذ أجنبي، ورفض مزاعم الصهيونيين في جعل فلسطين وطنصا قوميًا لليهود أو محل هجارة لهم.
"وقد اخترنا سمو الأمير فيصل ملكًا دستوريًا على سورية واعلنّا انتهاء الحكومات الاحتلالية العسكرية الحاضرة في المناطق الثلاث ونحن نطلب استقلال القطر العراقي استقلالاً تامًا، على أن يكون اتحاد سياسي اقتصادي بين القطرين الشقيقين.
بإصراره على الوحدة بين فلسطين وسورية وبمطالبته باستقلال العراق أثار المؤتمر السوري حفيظة البريطانيين وحفيظة الحركات الصهيونية.
وبمحاولته فرض نفسه وصيًا على اللبنانيين وحصر تطلعاتهم في حدود المتصرفية الضيّقة دفع بهؤلاء إلى مضاعفة جهودهم من أجل توسيع رقعة البلاد والحصول على الاستقلال، وأخيرًا بإعلانه انتهاء الاحتلالات العسكرية في المناطق الثلاث جعل المؤتمر الحلفاء عامة يعتبرون أنه قد تجاوز الصلاحيات التي يمكن أن يعترف له بها.
أما فيصل فأصبح موقفه حرجًا ولم يكن راضيًا عن القرارات المتخذة ولكن المبادرة كانت قد أفلتت من يده، وقد اصطدم مرارًا بأعضاء المؤتمر السوري لا سيما برئيسه رشيد رضا وكذلك باللجنة الوطنية العليا وبرئيسها الشيخ كامل القصّاب، وكان هؤلاء جميعًا يعتبرون أنهم الممثلون الحقيقيون للأمة وأن سلطتهم هي فوق سلطة الملك والحكومة.
في لبنان كان دعاة الاستقلال قد أرسلوا في مطلع شباط 1920 الوفد الثالث إلى مؤتمر الصلح برئاسة المطران عبد الله الخوري.
وبعدها طيّروا برقيات الاحتجاج على قرار المؤتمر السوري إلى العواصم الأوروبية وإلى المفوضية الفرنسية في بيروت وإلى الصرح البطريركي في بكركي.
وفي 22 آذار عقد اجتماع في بعبدا ضمّ، إلى جانب أعضاء مجلس الإدارة، رؤساء البلديات والمخاتير وشخصيات مختلفة اختير خلاله العلم اللبناني ثم صوّت المجتمعون على عدد من الاقتراحات تؤكّد على الاستقلال وعلى ضرورة توسيع الحدود.
على الصعيد الإقليمي، كان الحلفاء في مطلع 1920 يواجهون مقاومة عنيفة لمخططاتهم قي آسيا الصغرى، فأراد الإنكليز في شهر آذار أن يوجهوا ضربة قاسية إلى المعارضة، فقاموا باعتقال عدد من زعمائها، فما كان من الباقين إلا أن التقوا حول مصطفى كمال في انقرة وأعلنوا الثورة، ثم حاولوا التفاهم مع الفرنسيين.
رد الحلفاء على المؤتمر السوري بدعوة مجلسهم الأعلى إلى الاجتماع في سان ريمو في إيطاليا، حيث أُقرّ في 25 نيسان 1920، الانتداب الفرنسي على لبنان وسورية والانتداب البريطاني على فلسطين والعراق.
وفي المناسبة نفسها وقّع ممثلو الدولتين على اتفاق عام بشأن البترول تعهّدت فيه بريطانيا بإعطاء فرنسا 25% من نفط العراق مقابل تخلّي باريس عن منطقة الموصل.
أثارت مقررات سان ريمو استياءً شديدًا في أوساط الحركات القومية السورية، وقد احتجّ عليها رسميًا وفد الحجاز إلى مؤتمر الصلح لافتًا النظر إلى أن رأي السكان لم يؤخذ بعين الاعتبار لا في اختيار الدولة المنتدبة ولا في سلخ فلسطين عن سوريا، وذلك خلافًا لما نصّت عليه الفقرة الرابعة من المادة الثانية والعشرين من ميثاق عصبة الأمم.
في 27 نيسان أبرق اللنبي Allenby إلى فيصل يطلعه على ما اتفق عليه في سان ريمون ويدعوه، باسم الحكومة البريطانية، إلى السفر إلى باريس لكي يعترف مؤتمر الصلح بشرعية ملكه على سوريا.
أجاب فيصل مبديًا تحفظاته ومعلنًا أن السوريين يرفضون الانتداب لأنه يشكّل خطرًا على سيادتهم وعلى استقلالهم ويرفضون كذلك فصل فلسطين عن سوريا.
ويضيف أنه مستعد للسفر إلى أوروبا شرط أن يصدر قبل ذلك عن الحلفاء تصريح يطمئن الشعب بشأن هذين الموضوعين.
وقد نقل غورو، باسم الحكومة الفرنسية، إلى فيصل تصريحًا بهذا المعنى ولكن هذا الأخير اعتبره غير كاف وكرر رفضه السفر إلى أوروبا قبل أن يحصل على جواب مرض.
في تلك الأثناء تشنّجت المواقف في سورية واتهمت العناصر المعتدلة في الحكومة بالخيانة وهيّج المتطرفون الشارع مما اضطر الركابي إلى تقديم استقالته، فخلفه الأتاسي الذي ألف في 3 أيار حكومة دخلتها العناصر الاكثر كراهية للفرنسيين أمثال العظمة وشهبندر، فأعلنت الحكومة الجديدة خدمة العلم وأخذت تشجّع اعتداءات العصابات على المنطقة الساحليّة.
و – ميسلون، لبنان الكبير والدويلات السورية
إن المماطلة في اتخاذ قرار بشأن حدود لبنان واستقلاله والهيمنة الفرنسية شبه الكاملة على المؤسسات الرسمية في المتصرفية وتّرت العلاقات بين اعضاء مجلس الإدارة والسلطات الفرنسية.
يضاف إلى ذلك أن خلافًا حادًا وقع بين قائد الجند اللبناني، سعيد البستاني، والمستشارين العسكريين الفرنسيين، فاستقال البستاني من وظيفته وتقرّب من السوريين وأخذ يعمل على إيجاد صيغة تفاهم بين فيصل واللبنانيين.
وأسفرت المساعي عن اتفاق عقد بين عدد من اعضاء مجلس الإدارة وضابط الارتباط السوري في بيروت، جميل الألشي، يقضي بوضع مضبطة تطالب باستقلال لبنان التام، بالتنسيق مع الحكومة الفيصلية، وبتأليف وفد يلاحق القضية في أوروبا وأميركا، وقد تعهدت دمشق بتأمين نفقات السفر إلى أعضاء الوفد.
في العاشر من تموز وُضعت المضبطة المذكورة ووقّعها سبعة من أعضاء مجلس الإدارة.
إنها تتلخّص بالمطالبة باستقلال لبنان المطلق وبحياده السياسي وبإعادة "المسلوخ منه سابقًا بموجب اتفاق يتم بينه وبين حكومة سورية" وبالتعاون بين الحكومتين في المجال الاقتصادي وعلى الصعيد الدولي.
حاول الموقعون السبعة السفر إلى دمشق ولكن السلطات الفرنسية كانت على علم بمسعاهم فاعتقلتهم وهم في الطريق ثم اتهمتهم بالخيانة العظمى مدّعية أنهم باعوا وطنهم مقابل مبلغ من المال، وبعد ذلك جرّدتهم من حقوقهم السياسية ونفتهم إلى جزيرة كورسيكا.
وقد أبرق غورو إلى حكومته يقول إن فيصلاً كان على استعداد للاعتراف "بلبنان الكبير" شرط أن يرفض اللبنانيون الانتداب الفرنسي.
لذا خشيت حكومة باريس أن يتخلى سكان الجبل عن تعلّقهم بفرنسا فقررت الإسراع في إيجاد حل جذري لخلافها مع السوريين.
في تلك الأثناء، كانت الصعوبات التي يواجهها الحلفاء في الشرق الأوسط تزداد حدّة.
فبالإضافة إلى ثورتي مصر والعراق واضطرابات القدس، كان الوضع في آسيا الصغرى ينذر بالخطر.
وقد اضطر الإنكليز إلى الانسحاب من منطقة القفقاص بسبب الضغط المشترك الذي مارسه عليهم الاتراك البولشفيك.
وفي شبه الجزيرة العربية كان الخلاف على أشدّه بين الشريف حسين وابن سعود وكلاهما حليف لبريطانيا.
أخذ الفرنسيون يستعدّون، بموافقة بريطانيا، لحسم الوضع في سوريا بالوسائل العسكرية.
ولكنه كان يصعب عليهم القتال على جبهتين، الجبهة السورية والجبهة التركية، لذا وقّعوا، في 28 أيار، هدنة مؤقتة مع مصطفى كمال تخلّوا بموجبها عن بعض مواقعهم في كيليكيا.
ثم دخلوا في مفاوضات مع الاتراك للانسحاب كليًا من تلك المنطقة.
كان السوريون آنذاك يمنعون الفرنسيين عن استعمال الخط الحديدي ريّاق – حلب لإيصال الإمدادات إلى قواتهم في تركيا.
ولما علموا بأن هؤلاء اتفقوا مع الكماليين على وقف إطلاق النار، أدركوا أن المجابهة العسكرية معهم أصبحت وشيكة.
حاول فيصل آنذاك أن يستدرك الامر، فأبرق إلى غورو مبديًا خشيته من ان يتحوّل تراجع الفرنسيين في كيليكيا إلى حافز يشجّع الأتراك على التوغّل داخل الأراضي السورية ومقترحًا عليه التعاون معه ووضع القوات العربية في تصرّفه للدفاع عن حدود سورية كما رسمها مؤتمر سان ريمو
انهى فيصل برقيته معلنًا أنّه متأكد من أن الحكومة الفرنسية التي يثق بها ستبرّ بتعهداتها تجاهه وتجاه السوريين.
اجاب غورو سلبًا على مبادرة فيصل ووجّه إليه اللوم لأنه لم يضع خط ريّاق – حلب في تصرّف الجيش الفرنسي في الوقت المناسب.
ثم أبرق المفوّض السامي إلى حكومته يقول إن فيصلاً يحاول أن ينصب له فخًا وأن هدف هذا الأخير ما زال إخراج الفرنسيين من سوريا ولبنان.
تابع غورو بعد ذلك استعداداته العسكرية واستمر التوتر بين المنطقتين الساحلية والداخلية إلى أن وقعت معركة ميسلون، في 24 تموز، فدخل الجيش الفرنسي دمشق وطُلب من فيصل مغادرة البلاد.
بقي على الحلفاء أن يستعجلوا توقيع معاهدة الصلح مع تركيا، فتم ذلك في سيفر Sèvres في العاشر من آب 1920 وقد اعترف السلطان في مادتها الرابعة والتسعين باستقلال الولايات العربية المسلوخة عن امبراطوريته شرط أن تخضع لنظام الانتداب الدولي.
استنادًا إلى ما ورد في معاهدة Sèvres وإلى ما اتفق عليه في سان ريمو، نظّم غورو إدارة المناطق التي وضعت تحت الانتداب الفرنسي، فاتخذ قرارًا في 3 آب يقضي بضم الأقضية البقاعية الأربعة إلى لبنان، ثم انشأ في 18 آب، بموجب قرار آخر، دولة دمشق، وفي 31 منه انشأ دولة العلويين، وفي اليوم نفسه أصدر ثلاثة قرارات جديدة، حل بموجب الأول، ولاية بيروت العثمانية وأجهزتها، وأنشأ بموجب الثالث، لبنان الكبير ورَسَم حدوده.
وفي اليوم التالي، أي في الأول من أيلول، انشأ غورو دولة حلب.
اما دولة الدروز فلم تر النور إلا في الرابع من آذار 1921.
خاتمة
نستطيع ان نقول، في ختام هذه الدراسة، إن فيصلاً والسوريين لعبوا ورقتين خاسرتين:
الأولى هي ورقة ولسون، ولكن هذا الأخير انسحب من مؤتمر الصلح وسقطت معه آمالهم، الثانية هي الورقة البريطانية، ولكن حكومة لندن كانت تعمل لتأمين مصالحها ولم تتردد في التخلّي عن حلفائها بعد أن نالت منهم مأربها.
أما فرنسا، فقد رأت في هذه الحركات الوطنية السورية خطرًا على كيان الأمة، لذا ناصبتها العداوة بلا هوادة، فدفع هذا بالدولة المنتدبة إلى التقرّب من الكماليين وإلى تقديم التنازلات لهم.
هكذا أُدخلت تعديلات، في أكثر من مرة، على خارطة الحدود بين تركيا وسوريا.
وكانت هذه التعديلات تصبّ دائمًا في مصلحة الأتراك.
إن التصلّب في مواقف الفئات المتطرّفة أسقط اتفاق 6 كانون الثاني 1920 بين فيصل وكليمنصو ودفع بالبلاد إلى صدام عسكري مع الفرنسيين لم تكن فيه القوى متكافئة.
إن هزيمة ميسلون أنهت الحكم الفيصلي المعتدل وقضت على الاستقلال التام الذي كان يسعى له السوريون.
لم تع تلك الفئات اهمية التحوّلات التي طرأت على الوضع الدولي بين تشرين الأول 1918 وحزيران 1920 ولم تقوّم بموضوعية وبُعد نظر انعكاسات تلك التحولات على مصير الشرق الأوسط، كما أنها لم تدرك الخطورة القصوى التي كانت تشكّلها السياسة البريطانية على مستقبل المنطقة.
أما التيار الاستقلالي اللبناني، فقد أفاد بلا شك من الخلافات الدولية والإقليمية لفرض خياراته، وقد نجح في ذلك بفضل الجهود الجبارة التي بذلها مناصروه من اللبنانيين المقيمين والمغتربين، وأيضًا بفضل تعاطف بعض القيادات الفرنسية مع تطلعاته.
ولكن قسمًا من سكان المناطق التي ضُمّت إلى المتصرفية اعتبر نفسه مظلومًا لأن آماله الوحدوية قد خُيّبت، لذا رفض الكيان الجديد وعمل على تقويضه، وقد استمرّ في موقفه الرافض هذا حتى ميثاق 1943.
بيانات اختيار الجنسية:
نهاية نصف سعيدة
معاهدة لوزان والجنسية اللبنانية
في 24 تموز 1923، تم توقيع معاهدة لوزان بين لبنان وفرنسا وتركيا، أُتيح بموجبها أن يصبح لبنانيًا، لكل من كان من أصل لبناني ومن رعايا الدولة العثمانية ومقيمًا بتاريخ 30 آب 1924 على الأراضي اللبنانية، تاريخ بدء العمل بهذه المعاهدة التي كرّست رسميًا وضع لبنان تحت انتداب فرنسا.
في هذا التاريخ المحدد لبدء تنفيذ معاهدة لوزان، أصدر المفوض السامي الفرنسي في لبنان قرارًا تشريعيًا حمل الرقم 2825 أعلن بموجبه تطبيق أحكام معاهدة لوزان المتعلقة بالجنسية اللبنانية، وعدّد شروط فقدان التابعية العثمانية.
استنادًا إلى أحكام المادة الخامسة من القرار 2825 إن رعايا الدولة العثمانية الذين هم من أصل لبناني وكانوا بتاريخ 30 آب سنة 1924 خارج الأراضي المنسلخة عن الإمبراطورية العثمانية أو خارج أراضي تركيا – وهم المغتربون اللبنانيون – يكتسبون الجنسية اللبنانية بشرط اختيار الجنسية اللبنانية بخلال سنتين ابتداءً من 30 آب سنة 1924.
ونظرًا لضيق الوقت، تم لاحقًا تمديد مهلة الاختيار الممنوحة للمغتربين من اجل اكتسابهم الجنسية اللبنانية.
أما الاختيار فيجوز أن يكون إما صريحًا وإما ضمنيًا.
وحق اختيار الجنسية اللبنانية أعطي للمغتربين دون شرط نقل مسكنهم إلى الأراضي اللبنانية.
في حال توفر الشروط القانونية التي وضعتها الدولة لمنح احد الأفراد جنسيتها، هي ملزمة بالتقيد بهذه الشروط.
وفي حال رفضت إعطاء الجنسية إلى من تتوفر فيه الشروط التي تؤهله لاكتسابها، نكون عندها أمام تجاوز حد السلطان، يحق لمن اختار الجنسية اللبنانية وهو خارج الأراضي العثمانية بتاريخ 30 آب سنة 1924، مقاضاة الدولة.
تمديد مهلة الاختيار
بعد إحصاء سنة 1932، مددت مهلة الاختيار مرة أولى، بموجب الاتفاق المعقود بين تركيا وسلطة الانتداب الفرنسي، سنة جديدة بدأت في 29 آيار 1937، حسب البند الثاني من الكتابين المتبادلين بين سفير فرنسا في تركيا ووزير خارجية تركيا.
وهذا نصه:
"إن الأشخاص الذين أصلهم من سوريا أو لبنان وكانوا مقيمين في البلاد الأجنبية بتاريخ 30 آب سنة 1924 فأهملوا في المهلة المعينة في المادة 34 من معاهدة لوزان اختيار الجنسية المقررة لبلادهم الأصلية يمكنهم ممارسة حق الاختيار في مهلة سنة واحدة اعتبارًا من يوم تقرير هذه الأحكام".
التمديد الثاني لمهلة الاختيار للمغتربين جاء في 7 كانون الأول سنة 1946، بموجب كتابين تبادلهما سفير تركيا في لبنان ووزير الخارجية اللبنانية بالوكالة.
مدة التمديد سنتان تبدأ من تاريخ العمل بهذا الاتفاق في 29 أيلول سنة 1952.
وقد نص البند الأول من الاتفاق المكرّس بالكتابين المشار إليهما على ما يلي:
"إن الأشخاص الذين هم من أصل لبناني، الذين كانوا مقيمين في الخارج بتاريخ 30 آب سنة 1924، وأغفلوا خلال المهل المحددة بالمادة 34 من معاهدة لوزان أو الفقرة 2 من الكتابين المتبادلين بتاريخ 29 آيار سنة 1937، بين السيد نعمان منجمي اوغلو وسعادة السيد هنري بونسو، اختيار الجنسية الراهنة في بلدهم الأصلي، يستطيعون أن يمارسوا حق الاختيار هذا خلال مهلة سنتين تبدأ من تاريخ إنفاذ أحكام هذا الكتاب".
وكان قد صدر قانون في 31 كانون الثاني 1946 أجاز بمادته الثانية للبناني الأصل استعادة جنسيته، ثم أعقب هذا القانون مرسوم يبيّن الطرق الواجب اعتمادها في استعادة الجنسية اللبنانية.
لاحقًا مددت المهلة سنتين جديدتين بصورة آلية بموجب كتابين متبادلين بين الحكومة اللبنانية والحكومة التركية كما حصل في الاتفاق السابق.
ومددت المهلة مرة أخيرة بتاريخ 8 كانون الثاني سنة 1956، حيث جرى تبادل كتابين بالمعنى عينه بين رئيس وزراء لبنان وسفير تركيا في لبنان، على أن تبدأ المهلة الجديدة في التاسع والعشرين من شهر أيلول سنة 1956.
بعد هذا التاريخ الأخير لم يحدث أي تمديد لمهلة الاختيار.
مع العلم أن قسمًا من معاملات اختيار الجنسية تمّ تنفيذها في عهد الرئيس كميل شمعون، ولم يتم استكمال الطلبات الباقية بسبب تردي الوضع الأمني في البلاد. فجمّدت القضية حتى سنة 1968 تاريخ صدور القانون رقم 68/67
القانون رقم 68/67
في 4/12/1967، صدر عن مجلس النواب اللبناني القانون رقم 68/67.
بموجب نص الفقرة 2 من المادة الثالثة من هذا القانون تعتبر نافذة ونهائية منذ تاريخ 4/12/1967، و"دون أية معاملة أخرى"، قرارات "المعتمدين الديبلوماسيين والقنصليين وبيانات اختيار" الجنسية المقدمة قبل 29/9/1958 الوارد إلى "وزارة الخارجية والمغتربين والمودعة المديرية العامة "للأحوال الشخصية حتى تاريخه".
إلا أن آلافًا منها تكدست لدى المديرية العامة للأحوال الشخصية، ولم تنفذ وفق الأصول.
فتعالت أصوات المغتربين احتجاجًا على عدم إعطاء هذه المعاملات مجراها التنفيذي من منطلق أن قيدهم حق حتمي وليس استنسابيًا مما دفع العديد من المرجعيات السياسية إلى تسليط الضوء على الموضوع ومنها الرابطة المارونية التي وجّهت في 20/6/1996 كتابًا إلى وزير الداخلية ميشال المر تطالبه بـ:
"الإيعاز إلى المديرية العامة للأحوال الشخصية وخاصة دائرة المغتربين للكشف على هذه المعاملات وإعطائها المنحى القانوني"، وآخر إلى وزير الخارجية فارس بويز بالمعنى نفسه.
في 3/3/1997، وجهت وزارة الخارجية، كتابًا إلى مدير عام الأحوال الشخصية، موقّعا من أمين عام الوزارة ظافر الحسن تلفت نظره إلى حتمية وسرعة إنجاز هذه المعاملات وإفادة وزارة الخارجية بالسرعة المطلوبة لتتمكن الوزارة من إفادة أصحاب العلاقة عن مصير معاملاتهم.
وفي 3/3/1997، تلقى وزير الداخلية ميشال المر من وزارة الخارجية كتابًا تأكيديًا حول مصير هذه المعاملات.
في مجلس النواب
كل هذه الخطوات لم تسهم في تقدّم الملف خطوة واحدة، بل استمر الجمود والإهمال يحكمانه.
ففي 18/6/2003، وجّه النائب نعمة الله أبي نصر سؤالاً إلى الحكومة، حول الموضوع، حوّله في 30/9/2003 إلى استجواب.
لكنّ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وتعليق اجتماعات مجلس النواب حالا دون انعقاد جلسة المساءلة، فبقي الموضوع معلّقًا، إلى أن وجّه النائب أبي نصر كتابًا في 11/3/2008، إلى هيئة التفتيش المركزي القاضي جورج عواد يطالب فيه بالتحقيق وتحديد المسؤولية.
الوضع الحالي في 2 أيلول 2008، وجّه وزير الداخلية زياد بارود إلى رئيس هيئة التفتيش المركزي كتابًا يعلن فيه:
"المباشرة في درس هذه المعاملات، للتأكد من صحة المستندات المرفقة بها".
كذلك أعطى الوزير بارود التعليمات لتحريك الملف من جديد لدى مديرية الأحوال الشخصية التي عكفت على مراجعة الطلبات والمعاملات والتدقيق بها ودراسة محتوياتها وإعطاء الرأي النهائي فيها، وكلّها واردة من البعثات القنصلية اللبنانية والمحفوظة منذ عشرات السنين لدى دائرة المغتربين في هذه الإدارة، فإذا بعددها يناهز السبعة آلاف ومعظمها لا يزال مربوطًا بمستنداته وفقًا للحالة التي كانت عليها حين ورودها. في حين أنّ قلة منها مبعثرة.
لم تقف العملية عند هذه الحدود بل أصر الوزير بارود على متابعتها حتى النهاية، ووضع الملفات المكتملة التكوين في طريق التنفيذ.
وهكذا وصلت بيانات اختيار الجنسية إلى نهاية نصف سعيدة، عندما بادر الوزير بارود إلى إنجاز حوالي 4241 ملف في مسألة استعادة الجنسية وصدر عن وزارة الداخلية في 11/2/2009 تصريح بهذا الشأن.
قلنا نهاية "نصف سعيدة" لأن أصحاب الحقوق التي نُفّذت أخيرًا طلبات اختيارهم الجنسية اللبنانية، من المؤكّد انهم باتوا اليوم في دنيا الحق.
مما يعني:
1 – على وزارة الداخلية إبلاغ وزارة الخارجية بإنجاز هذه المعاملات المرفقة بإخراجات قيد أصحابها.
2 – على وزارة الخارجية إبلاغ بعثاتها الدبلوماسية والقنصلية هذه النتيجة.
3 – على هذه البعثات إبلاغ أصحاب العلاقة بأنهم أصبحوا حاملين للجنسية اللبنانية وبحق أولادهم الحتمي بتسجيلهم في القيود اللبنانية.
القانون رقم 68/67.
نص القانون على المواد التالية:
المادة الأولى:
تختص المحاكم البدائية دون سواها بالنظر في دعاوى قيد المكتومين المسندة إلى أحكام معاهدة لوزان والقرار رقم 2825 الصادر في 30 آب 1924.
تحال إداريًا الدعاوى العالقة بهذا الشأن أمام الحكام المنفردين إلى المحاكم البدائية.
المادة الثانية:
لا تسمع الدعاوى المنصوص عليها في المادة السابقة إلا بوجه الدولة اللبنانية كفريق أصلي في الدعوى وتعتبر النيابة العامة فريق فريقًا منضمًا.
المادة الثالثة:
تعتبر نافذة ونهائية ودون أية معاملة أخرى القرارات الصادرة قبل وضع هذا القانون موضع التنفيذ عن المحاكم ولو كانت موضوع طعن.
وتعتبر نافذة ونهائية أيضًا ودون أية معاملة أخرى قرارات المعتمدين الديبلوماسيين والقنصليين وبيانات اختيار الجنسية المقدمة قبل 29 أيلول سنة 1958 المودعة جميعها وزارة الخارجية والمغتربين والمديرية العامة للأحوال الشخصية حتى تاريخه.
المادة الرابعة:
تنظر المحاكم العدلية في المنازعات الطارئة المتعلقة بالجنسية ولا تأثير للأحكام الصادرة عن هذه المحاكم في اكتساب الجنسية اللبنانية.
المادة الخامسة:
يعمل بهذا القانون فور نشره في الجريدة الرسمية.
الصراع على السلطة في دمشق وبيروت ومتصرفية جبل لبنان في تشرين الأول 1918.
في 19 أيلول 1918، أحرز الجنرال اللنبي (Allenby) انتصارًا حاسمًا على العثمانيين في فلسطين، فانفتحت أمامه أبواب سوريا، فما كان منه إلا أن دفع بقواته نحو الشمال.
ذُعر الموظفون الأتراك، فأخلوا دمشق وبيروت ومتصرفيّة جبل لبنان في 13 أيلول، فيما كانت فلول الجيش التركي تنسحب باتجاه حلب والأناضول.
هنا بدأ صراع للاستيلاء على السلطة في بيروت ومتصرّفية جبل لبنان ودمشق وبقيّة المدن السوريّة بين قوات عربيّة ثلاث، الأولى هي الأسرة الهاشميّة على رأسها الأمير فيصل ابن الشريف حسين ملك الحجاز ومطلق الثورة العربية عام 1916، والثانية هي أسرة عبد القادر الجزائري، بزعامة اثنين من أحفاده، هما الأمير محمد سعيد وأخوه عبد القادر؛ وتمثّلت الثالثة بعدد من الوجهاء القياديين الوطنيين السوريين.
أما سكان متصرّفيّة جبل لبنان فتوخّوا الحذر بانتظار تبلور الأوضاع.
كانت هذه القوى المحليّة تخشى أطماع الدول الكبرى المنتصرة في الحرب، لا سيّما أطماع بريطانيا وفرنسا، الدولتين الاستعماريتين اللتين كانت قد خططتا، منذ السنة 1916، من خلال اتفاق سايكس – بيكو، لاتفاق تركة الدولة العثمانية المحتضرة.
1- سيطرة الجزائريين على السلطة في دمشق وتنحيتهم
عشية انسحاب الأتراك من دمشق، نظم الأَخَوان محمد سعيد وعبد القادر الجزائريان ميليشيا من المغاربة المقيمين في العاصمة السورية.
ويؤكد محمد سعيد في مذكراته أنه فعل ذلك بموافقة جمال باشا الصغير المعروف بالمرسيني، قائد الجيش التركي.
كان هدفه حماية المدينة وحماية انسحاب الأتراك.
في 13 أيلول، اجتمع عدد من وجهاء دمشق في دار البلدية واختاروا الأمير محمداً سعيداً رئيساً للحكومة الموقتة، فرفع العلم العربي على الدار المذكورة مكان العلم العثماني، وابرق الى بيروت والى مختلف المدن السورية معلناً قيام حكومة عربية في دمشق باسم الشريف حسين داعياً الناس الى الهدوء والسكينة.
ابتدأ الأمير محمد سعيد، بعد إمساكه بزمام الأمور في العاصمة السورية في 30 أيلول كما ذكرنا، بأداء "قسم الولاء والإخلاص" للملك حسين وبرفع العلم العربي.
إنه يؤكد في مذكراته أنه اتفق مع الأمير فيصل على الأمر عندما اجتمع به في وهيد، غربي معان، في آب 1918، وهدفهما من ذلك إعلان الإستقلال قبل وصول الجيوش الأجنبية.
كما يؤكد أن الشريف ناصر الذي دخل دمشق صبيحة الأول من تشرين الأول (أوكتوبر)، فوّض إليه إدارة الحكومة ريثما يصل فيصل.
نجد تفاصيل أخرى في بعض المصادر حول نشأة حكومة محمد سعيد الجزائري، إن يوسف الحكيم، مثلاً، يروي في مذكراته أن فريقا من " الوجهاء والمفكرين الدمشقيين" إجتمعوا في بهو المجلس البلدي في دمشق "وقرروا إقامة حكومة موقتة تحول دون الفوضى، ريثما تصل الجيوش المظفّرة" واختاروا لرئاسة هذه الحكومة الأمير سعيد الجزائري.
لكن الرواية التي نجدها في كتابات لورانس وفي رسائله تختلف عما ذكرناه سابقاً إذ إنها تعطي انطباعاً بأن الأخوين الجزائريين إغتصبا السلطة في دمشق ولم يستلماها لا بموافقة فيصل ولا بناءً على طلب من الوجهاء الدمشقيين.
أمّا ما كتبه لورانس في أعمدة الحكمة السبعة وفي عدد من رسائله حول هذا الموضوع، فهو ينضح بحقده على الأخوين الجزائريين.
وفي رسالة وجهها الى الضابط الإنكليزي ستيرلنغ (Stirling) بتاريخ 28 حزيران 1919، يعطي لورانس تفاصيل إضافية عن الموضوع، ويؤكد أن فيصلاً هو الذي طلب منه "التخلص منهما".
ويختم رسالته بهذه الجمل :
"إذاً كان يوجد في سوريا آناذاك شخصان يستحقان الموت شنقاً أو رمياً بالرصاص، فهذان الشخصان هما دون شك الأخوان الجزائريّان.
آسف كثيراً للحرية التي تركت لمحمد سعيد.
لقد طالب فيصل بسجنه أكثر من مرة.
حال وصوله الى دمشق في الأول من تشرين الأول، نصّب لورانس نفسه ممثلاً للأمير فيصل، فعمد الى عزل الأمير محمد سعيد الجزائري من الحكم وإعلان قيامة حكومة عسكرية برئاسة شكري الأيوبي، نيابةً عن رضا الركابي الذي لم يكن قد عاد الى دمشق بعد.
إنسحب الأخوان الجزائريان على مضض.
ولكن بعد ظهر الأول من تشرين الأول بدأت الفوضى تدبّ في دمشق، وفي ليل 1 الى 2 تشرين الأول، إندلعت ثورة حقيقية في المدينة.
فتدفقت الى شوارعها قواتٌ درزية وبدوية وقامت بأعمال نهب.
لكن القوات العربية تدخلت بسرعة بطلب من لورانس وكسحت برشاشاتها الأحياء المضطربة، فقمعت حركة التمرد موقعة أكثر من 20 قتيلاً في صفوف المتسللين.
وقد إتهم لورانس في مؤلفاته وفي مراسلاته الأخوين الجزائريين بأنهما مسؤولان عن هذه الحركة، وبأنهما حرّضا أتباعهما كما حرّضا الدروز مدّعين أنّ الهاشميّين ومؤيّديهم هم دمى تحركهما بريطانيا كما تشاء وطالِبين من الجميع القيام بعمل ما دفاعاً عن الدين.
إن شهادات المعاصرين في حكومة محمد سعيد وعبد القادر الجزائريين لم تكن دائماً سلبية كما يصوّرها لورانس والمقرّبون من بريطانيا ومن الهاشميين.
إن عدداً من هؤلاء المعاصرين أثنوا على الإجراءات التي اتخذها الأخوان الجزائريان آنذاك.
نستخلص مّما سبق أن لورانس وعملاء الإنكليز بصورة عامة ومؤّيدي فيصل كانوا يخشون ان تفلت السلطة في دمشق من أيديهم، خصوصاً وان الأخوين الجزائريّين، حفيدي عبد القادر الكبير، كانا يشكلان خصمين خَطِرَيْن للهاشميّين:
فأسرَتُهما الكريمة النسب، وتاريخ جدّهما العريق ومكانتهما في العالم الاسلامي ووزنهما السياسي في سوريا وعلاقتهما بفرنسا كانت كلّها تخولهما الطموح الى الحكم والوقوف في وجه المخططات الإنكليزية-الحجازية، وهذا ما دفع لورانس الى الإسراع في التخلص منهما.
٢-دخول فيصل واللنبي دمشق
ما كانت هوّية الفِرَق العسكريّة التي دخلت دمشق توّاً بعد انسحاب العثمانيّين، أكانت عربية أم بريطانيّة؟
أثار الجواب عن هذا السؤال جدلاً بين المؤرخين لان له ابعاداً سياسية مهمة نوضحها بما يأتي:
في ربيع ١٩١٨، وجّه سبعة من الزعماء العرب المقيمين في مصر مذّكرة إلى الحكومة البريطانيّة، سُلّمت إلى المكتب العربي في القاهرة، يستوضحونها سياستها تجاه الأقطار العّربية ويسألون عن مصير هذه الأقطار بعد انتهاء الحرب.
في ١٦حزيران من السنة نفسها، أرسلت لندن جوابها وهو يعرف ب"التصريح الموّجه الى السبعة"، قسّمت فيه الحكومة البريطانية المنطقة التي كان يطالب الحسين باستقلالها إلى أربعة اقسام.
يضّم القسمان الأوّلان البلاد العربيّة التي كانت مستقلّة قبل الحرب والتي حررها العرب بانفسهم، تعترف بريطانيا بالسيادة التامة للعرب على هذه الأراضي.
أما القسم الثالث، فيضّم المناطق التي حرّرتها الجيوش الحليفة، فأكّدت لندن "أن الحكومة المقبلة لهذه الأقاليم يجب ان تقوم على مبدأ موافقة المحكومين".
يبقى القسم الرابع وهو يضّم الأراضي التي كانت لا تزال تحت النير التركي، اي الولايات السورية ومتصرفية جبل لبنان وولاية الموصل، فورد في التصريح"أنّ الشعوب المضطهدة في هذه الأراضي يجب ان تفوز بالحرية والإستقلال".
على الرغم من اهميّة ما ورد في التصريح عن القسمين الثالث والرابع، فإنّ العرب أبدوا اهتماماً خاصاً بما ورد بشأن القسم الثاني، اي الأراضي التي حرّروها بأنفسهم والتي يجب ان تتمتّع بالسيادة التامّة.
هنا تكمن أهمية القول إنّ القوات العربية هي التي دخلت دمشق قبل القوات البريطانيّة.
ولكن كيف جرت الأمور بالضبط؟
من المؤكّد ان فرقة الخيّالة الأوسترالية وفوجاً من الخّيالة السباهيّة الفرنسييّن وصلا الى ضواحي دمشق في٣٠ أيلول الساعة الواحدة بعد الظهر.
وللحال صدر أمرٌ من القيادة العامة البريطانيّة يطلب منهما وقف تقدمهما نحو المدينة.
لكّن السجل الميداني اليومي للقوات الأوستراليّة يظهر ان لواء الخيّالة الثالث الأوسترالي دخل دمشق في الأول من تشرين الأول حوالي الساعة السادسة صباحاً، وأنّ قائد الفوج العاشر الذي كان في الطليعة، عندما بلغ مبنى البلديّة، دخله ووجد فيه الأمير محّمد سعيد الجزائري محاطاً بمجموعة من الأعيان والوجهاء.
غادر الخيّالة الأوستراليّون دمشق حوالي السّاعة السابعة واتّجهوا شمالاً لمطاردة فلول الجيش التركي.
يؤكّد الأمير سعيد الجزائري دخول الأوسترالييّن دمشق قبل القوات العربية التي كان يقودها الشريف ناصر.
يبدو انّ هذا الأخير لم يصل الى المدينة إلا حوالي الساعة السابعة والنصف أو الثامنة صباحًا.
أما لورانس فلم يدخل دمشق إلا في الساعة التاسعة، فغضب غضباً شديداً عندما علم ان الأوسترالييّن كانوا اوّل الواصلين، لأن تصريح الحكومة البريطانية الموّجه الى السبعة كان في ذهنه، وكان يرغب في ان تحتل القوات العربية قبل سواها المدينة لكي تخضع سوريا للسيادة العربيّة.
بعده مباشرة وصا الجنرال شوفل (Chauvel)، القائد الأعلى للقوات الأوستراليّة، واتّجه فوراً نحو مبنى البلديّة حيث التقى لورانس والأيوبي.
ولماّ علم ان هناك حكومة عربيّة نصّبت باسم الملك حسين، رفض الإعتراف بها.
إن القوات الأوستراليّة قاتلت بضراوة في الأيّام التي سبقت انسحاب الأتراك، وتوجّت تضحياتها بدخول خياّلتها دمشق قبل سواهم، لذا كان شوفل يرفض ان يُسرق منه النصر وينسب الى العرب، وقد تسبب ذلك بتوّتر العلاقة بينه وبين لورانس.
في 2 تشرين الأول، دخل دمشق ألوف من الجنود البريطانييّن مع فرقة صغيرة من الجنود الفرنسيّين، فاخترقوا المدينة متجهين شمالاً لملاحقة الجيش التركي المنسحب.
وفي الثالث من الشهر نفسه، وصل اللنبي ونزل في فندق فيكتوريا، وثبّت الركابي-زكان قد عاد الى دمشق-في رئاسة الحكومة الموقتة في المنطقة الداخليّة.
وفي اليّوم عينه وصل الأمير فيصل في قطار من درعا، فكُلّف الضابط الإنكليزي هيوبرت يونغ (Young) باستقباله باسم اللنبي، وقصّد تواً فندق فيكتوريا حيث اجتمع بالقائد العام البريطاني لأّوّل مرّة.
وكان هذا الأخير قد تلقى تعليمات واضحة من حكومته بشأن علاقة الحلفاء بالأمير فيصل وبشأن مستقبل الأراضي العربية المحّررة من النير العثماني.
3- بيروت ومتصرفيّة جبل لبنان بين اتفاق سايكس-بيكو وتطّلعات الحكومة العربيّة في دمشق.
سلّم الوالي العثماني، اسماعيل حقي بك.
عند انسحابه من بيروت، شؤون الحكم الى رئيس البلدية عمر الداعوق.
وسلّم المتصرّف، ممتاز بك، إدارة الجبل في بعبدا، الى حبيب فياّض رئيس البلدّية.
وكان الأمير محمّد سعيد الجزائري، عقب توليّه السلطة، قد ابرق الى المدن السوؤية المختلفة والى بيروت، يخبر المسؤولين بانهزام الجيش التركي وبقيام حكومة عربيّة في دمشق بإسم الملك حسين، ويطلب منهم إنشاء حكومات مماثلة ويحثّ السكان على ااتزام الهدوء.
وقد تلقى البطريرك الماروني بدوره برقيّةً هذا نصُها:
"غبطة بطريرك الطائفة المارونيّة،
"إنه بعون الله تأسست الحكومة العربيّة المستقلة باسمنا. فنطلب منكم، بإسم العربيّة والوطنيّة، أن تؤسسوا الحكومة عندكم في جبل لبنان.
25 ذي الحجّة 1336،
رئيس الحكومة السوريّة، سعيد ابن الأمير علي باشا الجزائري".
لم يجب البطريرك على بل فضّل الإنتظار ريثما تتبلور الأمور.
لكنّ موظفي المتصرفيّة اجتمعوا في بعبدا وانتخبوا الأميرين مالك شهاب وعادل ارسلان لإدارة شؤون الجبل بصورة موقتة.
فأبرق الأميران الى البطريرك يطلعانه على ما جرى، فوجّه بدوره، في الخامس من تشرين الأوّل، برقيّة الى الأمير مالك شهاب يحثّه فيها على المثابرة على"إدارة الحكومة الموقتة بحزم وحكمة" ويطلب منه ان ينصح الأهالي بالخلود الى السكينة، و"بتوقيف كل مخابرة تتعّلق بشؤون البلاد مكتفين الآن بالحكومة الموقتة الى ان يكون تيّسر لنا ولهم تبادل الأراء بهذا الشأن لدى وصولنا قريباً الى مقرّنا في بكركي".
وكان مجلس الإدارة، بالاتفاق مع البطريرك، قد ارسل يستشير الفرنسييّن في جزيرة ارواد.
فكان جوابهم "إننا قادمون".
إن الاستيلاء على بيروت والمدن الساحليّة الأخرى ومتصرفيّة جبل لبنان كان يعتبر حيويّاً بالنسبة الى الزعماء الوطنيّين السوريّين، وكذلك بالنسبة الى فيصل ولورانس.
كانوا جميعاً يعلمون انّ لفرنسا مصالح تاريخيّة في المنطقة الساحلية لن تتخلى عنها بسهولة وأنها عقدت بشأنها اتفاقاً مع بريطانيا عام 1916، هو اتفاق سايكس- بيكو.
يضاف الى ذلك ان فيصلاً ولورانس كانا يعلمان، منذ ربيع 1917، الخطوط الكبرى لهذا الإتفاق، بعد ان قررت باريس ولندن، في مطلع هذه السنة، اطلاع الملك حسين على مضمونه، فأوفدتا الى الحجاز مارك سايكس وفرنسوا جورج – بيكو اللذين وصلا الى جدّة في18 آذار1917 واجتمعا في اليوم الثاني بالملك.
وتبعت هذا اللقاء لقاءات اخرى شارك في معظمها الأمير فيصل.
وبعد خمسة ايام من المفاوضات، ابرق جورج-بيكو الى حكومته يقول:
"ان الملك يعرف الآن مضمون اتفاقنا ولم يبد متأثراً الى الحّد الذي كنا نخشاه
يمكننا منذ الآن ان نقول ان الدور الفرنسي في سورية سيكون، في خطوطه الكبرى، شبيهاً بالدور الإنكليزي في العراق.
سنتعاون مع ممثلي الملك في المناطق الإسلاميّة من سوريا بواسطة مستشارينا.
أمّا المناطق المسيحيّة، فإن إستولينا عليها قبل تهاية الحرب، فسننشئ فيها دولة تكون تحت حمايتنا".
بعد ان اطّلع وزير الخارجية الفرنسي على برقية جورج-بيكو، طلب منه ان يعلن إلى ممثّل فرنسا في الحجاز، بأن يوضّح للحسين ما المقصود بعبارة "المناطق الإسلامية من سوريّة" التي استعملت خلال المحادثات، وأن يؤكد له أن هذه التسمية تنطبق فقط على المناطق الداخليّة، وبالتحديد على المنطقة "أ" من اتفاق سايكس - بيكو، ولا تنطبق على المنطقة الزرقاء، اي على الساحل وكيليكيا.
فما كان من جورج-بيكو إلاّ ان أبرق بهذا الخصوص الى شرشلي في 13حزيران1917.
بعد الإنتصار الذي أحرزه الجنرال اللنبي على الجيش العثماني بيومين، وبالتحديد في21 ايلول1918، أبرق ستيفن بيشون (Pichon)، وزير خارجيّة فرنسا، الى بول كامبون (Cambon)، سفير بلاده في لندن، يطلب منه أن يبلّغ الحكومة البريطانيّة إصرار فرنسا على تطبيق اتفاق سايكس – بيكو.
تسلّح كامبون بهذه التعليمات ودافع بعناد عن وجهة نظر حكومته أمام وزير خارجيّة بريطانيا اللورد بلفور، وحصل منه، في 23 ايلول، على تصريح يقول فيه ان بريطانيا لن تقبل بان تقع سوريّة تحت نفوذ دولة اوروبيّة غير الدولة الفرنسيّة، وأضاف بلفور انه يتمنى ان يُعْلَن هذا الموقف بوضوح في فرنسا وخارجها.
في 27 ايلول، أي قبل انسحاب الأتراك من دمشق وبيروت بثلاثة أيام، استقبل الجنرال اللنبي الكابيتان كولندر (Coulondre)، مساعد المندوب السامي الفرنسي فرنسوا جورج-بيكو، وأخبره أنّه تلقى تعليمات سريّة من وزارة الحربيّة تطلعه على مضمون الاتفاق المعقود بين باريس ولندن عام1916، وتطلب منه العمل على تنفيذه وعلى"إنشاء إدارة عربيّة مع ضابط ارتباط فرنسي في منطقة "أ" من اتفاق1916، وإدارة فرنسيّة في المنطقة الزرقاء".
في 30 ايلول، بينما كانت فلول الجيش التركي تغادر سوريّة، كان السفير الفرنسي في لندن يُعِدّ مع الحكومة البريطانيّة إتفاقاً حول ادارة اراضي العدو التركي التي تّم الإستيلاء عليها أو التي ستستولي عليها لاحقاّ الجيوش الحليفة.
وقد ورد فيه ان القائد العام، الجنرال اللنبي، يعترف بممثّل الحكومة الفرنسيّة مستشاراً سياسياً له في مناطق النفوذ الفرنسي من هذه الأراضي، ويعتبره "الوسيط الوحيد بينه وبين اية حكومة او حكومات عربيّة موقتة او دائمة، يمكن ان تنشأ في منطقة "أ" من اتفاق 1916 ".
كما يعهد اليه، بصفته هذه "ان يؤسس ادارة مدنيّة في المدن الساحليّة وفي المنطقة الزرقاء بصورة عامة
وان يختار الأشخاص المناسبين للوظائف المدنيّة في المدن الساحليّة وفي الأقسام الأخرى من المنطقة الزرقاء".
في الثاني من تشرين الأّول، وافقت الحكومة الفرنسيّة رسميّاً على هذا الإتفاق واصبح نافذاً.
بينما كان مصير الأراضي العثمانيّة المحتّلة يقرّر في لندن وباريس، كان لورانس وفيصل وزعماء الأحزاب والحركات الوطنيّة في دمشق يعتمدون حلولا مغايرة تماماً ويحاولون فرض الأمر الواقع على حكومات الدول الأوروبيّة المنتصرة.
وافق رضا الركابي، بعد استلامه السلطة في دمشق، في 2 تشرين الأوّل، على البرقيات التي ارسلها محمد سعيد الجزائري الى بيروت والمدن الساحليّة الأخرى، وعلى قيام حكومات عربيّة فيها.
انه قرّر، بالاضافة الى ذلك، ارسال شكري الأيوبي الى بيروت حاكماً عسكرياً مع قوّة عربيّة رمزيّة.
كان الركابي منتسباً الى جمعيّة العربيّة الفتاة ورئيساً لبلديّة دمشق، وكان من المدافعين عن العروبة، ولكنّه كان ينتمي الى تيار وطنّي قوّمي يتردّد في ترك القيادة للحجازييّن، وكان هذا التيّار يضّم عدداً من الشخصيات المقيمة في سوريا واخرى من الجاليات في بلاد الإغتراب.
وقد اتخّذ بعضها علانيّة موقفاً معادياً للهاشمييّن.
ففي تشرين الأوّل مثلاً، وُجّه نداءٌ الى "الدول الكبرى التي حرّرت سوريّة"، يحتّج فيه الموقعون على "دخول القبائل العربيّة دمشق وعلى تدخل الحجازيّين في شؤون سوريا"، ويؤكد انه "لا يوجد اي رابط قومي بين هذه القبائل ذات الأنطمة البدائيّة والشعب السوري".
وفي النهاية يرجو النداء من الدول الكبرى "ان تفصل القضيّة السوريّة عن القضيّة العربيّة" وان تنشئ دولة سورية موحدّة ومستقلّة و"منفصلة كلياً عن المناطق الأخرى الناطقة باللغة العربيّة".
يبدو ان الركابي لم يكن بعيداً عن هذه الأفكار، وقد قرّر، بالاتفاق مع عدد من قادة الحركة الوطنيّة، ارسال شكري الأيوبي الى بيروت ليضع فيصلاً والحلفاء امام الأمر الواقع، ربماّ لأنه كان يخشى ان يقدّم الهاشميّون تنازلات لفرنسا في المنطقة الساحليّة.
لم يكن باستطاعة فيصل ان يتنكّر لإجراء كهذا، فلو فعل لخسر شعبيته في سوريّة بكاملها.
نذكّر هنا بان جبل لبنان وساحله كانا خاليين من الجيوش الحليفة التي لم تدخلهما إلا في الثامن من تشرين الأوّل.
لذا اعتبر الركابي ورفاقه ان الإستيلاء عليهما، ولو بقوّة عسكريّة رمزيّة، قبل وصول القوات البريطانيّة، يخوّلهم ضمّهما الى الدولة العربيّة، طبقاً لما ورد في "التصريح الموّجه الى السبعة" الذي تكلمنا عنه سابقاً.
لقد اعترفت بريطانيا للعرب، في هذا التصريح، بالسيادة التامّة على الأراضي التي حرّروها بأنفسهم من النير العثماني.
لكن الجنرال الإنكليزي كلايتون (Clayton) رفض تطبيق هذا المبدأ على بيروت والساحل، وأبرق الى حكومته يقول:
"يمكننا التأكيد، بكل صدق، ان جلاء الأتراك عن بيروت اتى نتيجة لاستيلاء القائد الأعلى البريطاني ]اي اللنبي[ على دمشق، ولم يكن نتيجة لعمل عسكري قام به العرب".
دعم اللنبي، عن غير قصد، بالاجراءات التي اتخذها، موقف الركابي واضعف موقف فيصل.
كان هدفه في الأساس ابعاد الأمير عن الإدارة المحليّة ليتفرّغ لقيادة القّوات العربيّة.
لذا ثبّت الركابي في حكم منطقتي "أ" و"ب" من اتفاقيّة 1916، اي سوريا الداخليّة.
سرعان ما ادرك اللنبي انه اخطأ في قراره هذا لأن الركابي لم يكن مديناً بشيء لبريطانيا ولم يكن ملزماً بمراعاة الإتفاقات المعقودة بينها وبين حليفتها فرنسا.
4 - حسم الوضع في دمشق وفي المنطقة الساحليّة وتصفيّة الحسابات بين فيصل والجزائريّين.
قبل وصول اللنبي وفيصل الى دمشق، كان قرار ارسال الأيوبي الى بيروت قد اتخذ، وقد غادر مع مئة فارس وعدد من المرافقين، منهم جميل الألشي ورفيق التميمي ورستم حيدر، في ليل 3 إلى 4 تشرين الأول كما ذكرنا، وبات تلك الليلة في خان ميسلون، وتابع سيره في صباح اليوم التالي، 4 تشرين الأول، باتجاه راشيا، فحاصبيا، فصيدا، ووصل بيروت في السابع من تشرين الأول حيث استُقبل بحفاوة، وصعد في الثامن منه الى بعبدا حيث اعلن اعادة امتيازات المتصرفيّة التي كان الباب العالي قد ألغاها خلال الحرب، واجتمع بحبيب باشا السعد، رئيس مجلس الإدارة الذي كان جمال باشا قد حلّه في آذار1915، وعيّنه حاكماً مكان الأميرين مالك شهاب وعادل ارسلان، فأقسم السعد يمين الولاء للملك حسين ولحكومة فيصل.
ذكرنا ان اللنبي دخل دمشق في 3 تشرين الأول ونزل في فندق فيكتوريا حيث قصده فيصل حال وصوله.
اتسّمت المقابلة بين الرجلين بشيء من التوّتر وحضرها لورانس كمترجم، كما حضرها نوري السعيد والقائد الأوسترالي شوفيل وعدد من الضباط الإنكليز.
أفهم اللنبي الأمير انه تلقى تعليمات من حكومته تنصّ على ان الأراضي التي احتّلتها الجيوش الحليفة تعتبر"اراضي العدو" وهي تحت أمرته وان بريطانيا مسؤولة عن ادارتها، وأنه سيوكل الى فرنسا ادارة المنطقة الساحليّة، وذلك تطبيقاً للاتفاق المعقود بينها وبين بريطانيا العظمى.
لم يتوقف لورانس في "اعمدة الحكمة السبعة" عند هذا اللقاء.
انه يذكر فقط ان اللنبي سلّم فيصلاً برقية مرسلة من وزارة الخارجية في لندن تعترف فيها بريطانيا للعرب بصفة "حلفاء محاربين " و طلب منه ان يترجمها للامير.
أما الجنرال الأوسترالي شوفيل، فيصِف هذا اللقاء بإسهاب ويؤكد أنّ اللنبي قال ليفصل إن المنطقة العربية ستضم سوريا الداخلية فقط وستكون المنطقة الساحلية، باستثناء فلسطين، تحت الإدارة الفرنسية المباشرة، وانه يتوجب على الامير ان يتعامل مع الفرنسيين بواسطة ضابط ارتباط فرنسي، وان هذا الضابط سيتعامل مع لورانس.
احتج فيصل على حصر حدود الدولة العربية بالمنطقة الداخلية من سورية وأجاب انه على استعداد للتعاون مع الفرنسيين.
يقول شوفيل ان القائد العام البريطاني نظر انذاك إلى لورانس وسأله:
" أفلم تقل له ان سورية ستكون تحت الحماية الفرنسية؟
" اجاب لورانس “كلا، لاني لم اكن اعرف ذلك"، تابع النبي "كنت بالتأكيد تعرف انه غير مسموح لفيصل ان يتدخل بشؤون لبنان".
اجاب لورانس:
" كلا، وهذا لم اكن اعرفه".
استمر الحديث في هذا الجو الضاغط بعض الوقت، فانهاه اللنبي بقوله لفيصل انه هو القائد العام للجيوش الحليفة، وان الامير، قائد القوات العربية، وهو تحت إمرته، وعليه ان ينفذ ما يُطلب منه. أما مصير المنطقة الساحلية ومصير لبنان وحدود الدولة العربية، فكلها امور ستتم معالجاتها عند انتهاء الحرب
غادر فيصل للحال.
أما لورانس فتابع حديثه مع اللنبي لدقائق معدودة وقال للقائد العام انه يرفض ان يتعاون مع ضابط ارتباط فرنسي، وربما من الافضل له ان يعود إلى انكلترا.
اجاب اللنبي للحال:
" أنا اوافق على عودتك".
غادر لورانس دمشق في اليوم التالي، 4 تشرين الاول، وذهب إلى القاهرة ومنها إلى لندن في 15 من الشهر عينه.
في تلك الأثناء، كان الفرنسيون يمارسون شتى أنواع الضغط على الحكومة البريطانية لتمنع فيصلا وجماعة الركابي من الامساك بالمنطقة الزرقاء من اتفاق سايكس- بيكو.
ففي اليوم الذي توجه فيه شكري الأيوبي إلى بيروت، احتج مساعد المفوض السامي الفرنسي، الكابتن كولوندر، لدى الجنرال البريطاني كلايتون على هذا القرار، ولكن كلايتون تهرّب من الموضوع وغادر بسرعة إلى فلسطين حيث مركز القائد العام.
فما كان من كولندر الا ان طلب موعدًا من فيصل، وفي الوقت نفسه، ألحّ على حكومته كي تأمر الاسطول الفرنسي في المتوسط بالتوجه بسرعة إلى بيروت وبالقيام بعملية انزال في المدينة.
التقى كولندر فيصلا في 6 تشرين الاول ووجّه اليه اللوم لأنه وافق على ارسال الأيوبي إلى بيروت على الرغم من التفاهم الذي كان قد جرى بشأن المنطقة الساحلية في اذار1917، في جدة، مع مارك سايكس وفرانسوا جورج - بيكو والذي يفرض عليه، على أي حال، الحصول على موافقة الحكومة الفرنسية قبل الاقدام على خطوة من هذا النوع
اجاب فيصل أنّ همه الوحيد هو طرد الأتراك من البلاد العربية؛ أما المسائل السياسية فيترك معالجتها للسياسيّين.
أضاف الأمير أن الغاية من ارسال الأيوبي هي الحفاظ على الأمن ليس إلا .
خلال هذه الايام نشطت الاتصالات بين حكومتي باريس ولندن وبين هاتين الحكومتين وقادة الجيوش الحليفة المنتصرة في الشرق . ففي 5 تشرين الأوّل، تلقى الاميرال فارنيه(Varnier)، قائد المجموعة البحرية الفرنسية في سورية، أمرًا بمغادرة بور سعيد والتوجه إلى بيروت، فدخل المرفأ في السابع من تشرين الاول، فاستقبل بحماس شعبي . وفي اليوم التالي دخلت المدينة مقدّمة فرقة المشاة السابعة الهندية ودخل بعدها الجنرال بلفين (Bulfin) قائد الفيلق البريطاني الحادي والعشرين، يرافقه الكولونيل دو بيابات (De Piépape)، مع مفرزة من القوات الفرنسية.
وفي اليوم عينه، 8 تشرين الأول، أبرق وزير الخارجية الفرنسي إلى كلوندر يقول له:
"ان دخول الاميرال فارنيه بيروت والحفاوة التي استقبل بها يشكلان، بالنسبة الينا، نقطة ارتكاز لكي نرفض، بالاتفاق مع الجنرال اللنبي، اخضاع أي قسم من المنطقة الزرقاء لإدارة ممثلي الأسرة الهاشمية .
لا مجال للتفاوض حول هذه النقطة ولا يجب ان تناقشها مع الأمير فيصل.
علينا فقط ان نبلّغه قرارنا الذي سيلاقي دون شك الدعم اللازم من الجنرال اللنبي
أما فيما يخصّ لبنان، فعليك ان تجتمع بأعضاء مجلس الإدارة .
انهم يعلمون ان الحلفاء لا ينوون اضعاف السلطة اللبنانية
نحن مستعدون للاعتراف بسلطة مجلس الإدارة على بيروت والبقاع وطرابلس إذا رغب سكان هذه المناطق في الانضمام إلى لبنان.
التقى كولندر في ليل 8 إلى 9 تشرين الاول، الجنرال اللنبي في القدس، فقال له القائد العام إنه عيّن الكولونيل دو بيابات حاكمًا عسكريًا على بيروت ومسؤولاً عامًا عن الإدارة العسكرية في المنطقة الزرقاء من اتفاقية1916، وانه اصدر أوامره بهذا الشأن إلى الجنرال بلفن، ثم اضاف:
" ان الحاكم العسكري الذي عينه فيصل، مت دون ان يكون له حق في ذلك، لم يعد منذ الآن في الوظيفة"
لام اللنبي كولندر لانه فاوض فيصلا بشأن المنطقة الساحلية وكرر له ان مسألة تعيين الحكام هي من صلاحيات القائد العام وليست من صلاحيات فيصل الذي يعتبر فقط جنرالا من جنرالات الجيوش الحليفة.
في اليوم عينه، ابرق وزير الخارجية الفرنسي إلى كولندر يطلب منه الانتقال بسرعة إلى بيروت والعمل على تشجيع السكان على القبول بضم بيروت وطرابلس والبقاع ومتصرفيّة جبل لبنان في دولة واحدة ، مركزًا على المنافع التي يجنيها الجميع من هكذا عملية.
هكذا جزم الفرنسيون امرهم، ثم عينوا الجنرال هاملان(Hamelin)، قائدًا لقواتهم في سوريا بدلا من الكولونيل دو بيابات لان رتبة هذا الاخير لا تسمح له بأن يفاوض اللنبي ندًّا لند.
وبدأوا بتوزيع المساعدات الغذائية مباشرة على المعوزين في بيروت ودمشق دون المرور بالحكومة العربية .
نفّذ الجنرال بلفين بسرعة اوامر اللنبي :
ففي ليل10 إلى11 تشرين الاول استولت سريّة من الجيش البريطاني على سراي الحكومة في بيروت وانزلت العلم العربي .
أمّا الأيوبي فمُنع من دخول المبنى وطُلب منه مغادرة البلاد.
ولما رفض الامتثال للامر، هدده بلفين باستعمال القوة ضده، فرضخ .
أدرك فيصل ان هامش المناورة امامه اصبح ضيّقًا وأنّه من الصعب عليه الوقوف في وجه الحلفاء المنتصرين .
في المنطقة الساحلية، أُنزلت الأعلام العربيّة عن الأبنية الرسمية وحلّ ضبّاط فرنسيّون محل الضباط الذين عيّنتهم دمشق.
في المتصرفية، بقي حبيب باشا السعد في وظيفته مع أعضاء مجلس الإدارة.
وفي البقاع إستمر الموظَّفون السابقون في مراكزهم.
إنتظر كولندر ودو بياباب تعليمات القائد العام قبل اتخاذ أية خظوة بشأن الجبل.
إجتمع اللنبي بفيصل في دمشق وأبلغه أنه قسّم أراضي العدو العثماني المحتلّة إلى ثلاث مناطق:
جنوبية، أي فلسطين، بإدارة بريطانية، وشرقية، اي سوريا الداخلية، بإدارة عربية، وشمالية، أي الساحل، بإدارة فرنسية.
وفي الوقت عينه، حدّ اللنبي من صلاحيات الركابي وأطلق يد فيصل في إدارة منطقتي "أ" و"ب" من إتفاقية 1916.
وفي 22 تشرين الأول أصدر الحاكم قراراً سمّى فيه الأقضية التي تَضُمّ كلاً من هذه المناطق وعيّن، بصورة رسمية، حكّامها العسكريين:
الجنرال مونيه (Money) للمنطقة الجنوبية، والكولونيل دو بياباب للمنطقة الشمالية وعلي رضا الركابي، طبعاً تحت إشراف فيصل، للمنطقة الشرقيّة.
شكّلت متصرّفية الجبل ومعها سهل البقاع جزءاً من المنطقة الشمالية.
أصبح باستطاعة الفرنسيين – وكانت قواتهم التي شاركت في القتال على جبهة فلسطين قد وصلت الى بيروت في 20 تشرين الأول – أن يحسموا مسألة الحكم في المتصرّفية.
وفي النهاية قرّ الرأي على تعيين الكابيتان بوشير(Beuscher) قائد السرية اللبنانية – السورية في القوات الفرنسية القادمة من فلسطين، حاكماً عسكرياً، وعلى تثبيت مجلس الإدارة برئاسة حبيب باشا السعد.
صعد دو بياباب، في 25 تشرين الأول، الى بعبدا حيث استُقبل بحفاوة، فوضع هذه القرارات موضع التنفيذ7.
أما سهل البقاع، فطلب اللنبي من دو بياباب تأجيل الاستيلاء عليه وتأجيل ضمّه الى المنطقة الزرقاء الى وقت لاحق.
في 31 تشرين الأول، وقّع الأتراك على هدنة مودروس.
وفي الثامن من تشرين الثاني، أصدرت الحكومتان الفرنسية والبريطانية تصريحاً مشتركاً يتعلّق بمصير الأراضي المسلوخة عن الدولة العثمانية، كان الهدف منه تبديد مخاوف العرب وطمأنة الرئيس ولسون صاحب مبدأ حق تقرير المصير.
وممّا جاء في هذا التصريح:
"إن الهدف الذي عملت لأجله فرنسا وبريطانيا العظمى، في متابعتهما في الشرق الحرب التي أثارتها مطامح ألمانيا، هو التحرير التام والنهائي للشعوب التي طالما رزحت تحت النير التركي، وإقامة حكومات وإدارات وطنية تستمد سلطتها من مبادرة السكان الأصليين وخيارهم الحر.
لا تسعى الدولتان الى فرض أية مؤسّسات على هؤلاء السكان، وإن هاجسهما الوحيد هو توفير الدعم والمساعدة لهم لكي يؤمّنوا انتظام العمل في الحكومات والادارات التي يختارونها لأنفسهم.
إطمأنّ العرب لهذا التصريح، وكان اللنبي قد أكّد لفيصل أن التقسيمات الإدارية التي اعتمدها في الأراضي العثمانية المحتلّة هي موقتة وأن مصير هذه الأراضي سيقرره مؤتمر الصلح.
أخذ فيصل يستعد للسفر الى باريس للمشاركة في المؤتمر، ولكنّه كان يخشى أن يترك وراءه، في سوريا، الأخوين الجزائريين سعيد وعبد القادر اللذين كانا يحاولان التقرب من الفرنسيّين، لذا قرر تصفية حساباته معهما قبل سفره.
ففي 9 تشرين الثاني، أصدر حاكم سوريا العسكري، علي رضا الركابي، أمرًا باعتقال الأميرين وإرسالهما الى المنفى، مؤكّداً أنه يفعل ذلك بأمر من الحكومة البريطانية ومن الأمير فيصل.
أرسل اركابي رجال الأمن للقبض على الأميرين.
إنصاع محمد سعيد وسلّم نفسه وكان نصيبه بعد ذلك النفي الى فلسطين.
أمّا عبد القادر فتبادل إطلاق النار مع رجال الأمن وأدى الحادث الى مصرعه والى سقوط عدد من القتلى والجرحى.
هكذا تخلص فيصل من الأميرين الجزائريين.
لم يضع مقتل الأمير عبد القادر حدًاّ للصراع على السلطة بين القوى المحلية الثلاث التي ذكرناها في مطلع هذا البحث.
فالقيادات والأحزاب الوطنية القومية السورية التي قبلت على مضض زعامة الهاشميين كانت لهم في المرصاد تراقب تحرّكاتهم وأعمالهم لتنقضّ عليهم عند أول خطأ يرتكبونه.
هذه القوى هي التي أجهضت كلّ محاولات التقرب بين فيصل وفرنسا، منها اتفاق 6 كانون الثاني 1920، وكانت تسيطر على المؤتمر السوري وعلى اللجنة الوطنية العليا في دمشق.
أما فيصل، فكلّما مرت الأيام كلّما ضاق في وجهه هامش المناورة.
إنه دافع عن القضية العربية في مؤتمر الصلح وأحرز بعض النجاح في ربيع 1919، بفضل الدعم الذي كان يلقاه من الرئيس الأميركي ولسون ومن الحكومة البريطانية.
فاضطر الأمير الى مفاوضة الفرنسيين من جديد والتوصل معهم الى اتفاق 6 كانون الثاني 1920 ولكنّه عجز عن تنفيذه بسب رفض القيادات السورية له.
إما التخلّي عن الاعتدال، والانجراف وراء التيار الاستقلالي المتصلّب والقبول بفكرة الصدام المسلّح مع الفرنسيين، وإما تطبيق الاتفاق المعقود في باريس والتصدي بالقوة لمعارضيه وإما الاستقالة.
فاختار الحل الأول.
هذا ما وتر العلاقات بينه وبين الحلفاء وأدى الى معركة ميلسون في تموز 1920 والى سقوطه.
أما الأمير محمد سعيد الجزائري، فبعد مقتل أخيه، نُفي، كما ذكرنا، الى فلسطين، لكنه ظلّ يحلم بعرش سوريا.
فحاول التقرب من الفربسيين ولكن هؤلاء لم يدعموه ولم يكونوا يثقون به.
وبعد معركة ميلسون، وبالتحديد في شهر آب 1919، رشّح سعيد نفسه علانية لاعتلاء عرش سوريا، ووجه رسالة بهذا الخصوص الى ستيفن بيشون وزير خارجية فرنسا، ويذكّر بمقتل أخيه غدراً على أيدي عملاء الإنكليز وعلى أيدي أتباع فيصل أعداء الفرنسيين.
أثار تقرب الأمير محمد سعيد من الفرنسيين وترشيح نفسه لعرش سوريا غضب فيصل وغضب البريطانيين، فما كان من اللنبي إلا أن أصدر أمراً، في 16 آب 1919، باعتقال الأمير الجزائري من جديد ونفيه الى مصر.
فهاجمت منزله في بيروت قوة من الجيش البريطاني واعتقلته على الرغم من أنه كان يتمتع بالحماية الفرنسية وأن العملية تمت في قلب المنطقة الزرقاء الخاضعة للإدارة الفرنسية المباشرة.
كادت هذه الحادثة تتسبب بأزمة دبلوماسية بين باريس ولندن.
هذا كان مصير الأسرتين الجزائرية والهاشمية الطامحتين إلى العرش السوري.
أما زعماء الحركات الوطنية فتشتتوا بعد معركة ميسلون:
هاجر قسم منهم الى الأردن وفلسطين، وقسم الى مصر وقسم الى العراق.
وقد أفاد دعاة القومية اللبنانية والمنادون بلبنان الكبير من هذه الظروف لفرض خياراتهم.
أما البريطانيّون والفرنسيّون، فبعد مرحلة من الصراع المتّسم أحياناً بالحدّة والعدوانية، سوّوا خلافاتهم المتعلّقة بالشرق الأوسط في إطار مؤتمر سان ريمو حيث تم رسميًا، فرض الإنتداب الفرنسي على سوريا ولبنان والإنتداب البريطاني على فلسطين والعراق.
يبقى الشرق موطن ولادة المسيح وانطلاقة المسيحية
يعتنق المسيحية اليوم ثلث سكان الكرة الأرضية وتشكل الديانة الأوسع انتشارًا في العالم.
تراجع نسبة المسيحيين المشرقيين يثير قلقًا بالغًا لدى المجتمع المسيحي العالمي.
المخاوف من إقفار الأماكن المسيحية المقدسة وخسارتها لأبنائها المؤمنين باتت جدية.
المسيحيين اضطلعوا بدور هناك في تحقيق المصالحة، وأن وجودهم خفف من حدة التوترات، وأن تضاؤل هذا الوجود بإمكانه الإسهام في تأجيج التطرف.
بطبيعة الحال، يغلب المسلمون حاليا على التركيب السكاني بمنطقة الشرق الأوسط.
وفيما عدا إسرائيل، التي يسكنها ستة ملايين يهودي، لا توجد دولة بالمنطقة لا يشكل المسلمون غالبية سكانها، بما في ذلك لبنان، التي يقدر المسيحيون الآن بربع سكانها، علاوة على إيران وتركيا غير العربيتين.
في خضم هذا الوضع، يجد المسيحيون المحليون أنفسهم ممزقين بين الرغبة في دق ناقوس الخطر والتزام الصمت، الأمر الذي يرجع إلى عدم ثقتهم فيما إذا كان لفت الأنظار إلى المشكلة سيقلصها أم سيزيدها عبر دفع البقية الباقية من المسيحيين إلى الرحيل.
مع صعود الإسلام السياسي محل القومية، باعتباره القوة المحورية في صياغة سياسات الهوية، بات المسيحيون، الذين اضطلعوا بأدوار مهمة خلال العديد من النضالات الوطنية، مهمشين في الوقت الراهن.
ونظرا لأن الثقافة الإسلامية، خاصة في صورها الأكثر أصولية، غالبا ما تعرف نفسها بالتناقض مع الغرب، فقد تدنت منزلة المسيحية ببعض المناطق إلى منزلة ثقافة معادية ـ أو على الأقل دخيلة.
مما لا جدال فيه ان الحضور المسيحي في المشرق العربي يتراجع يوما بعد يوم، وأسبابه عديدة ومتفرعة، سيتناولها ولا شك المنتدون الكرام بمختلف اسبابها وجوانبها وارتداداتها وذيولها، انطلاقا من ان الحرية الايمانية هي حق مقدس كفلته شرعة حقوق الانسان، خصوصا وان الاديان السماوية التي انطلقت من هذا الشرق تدعو الى المحبة والسماح والغفران، وانه من غير الجائز ان يشعر احد انه مرفوض او مضطهد بسبب دينه او مذهبه او معتقده، فالانسان اما ان يكون حرا او لا يكون انسانا، واعني بالحرية، الحرية المسؤولة بعمق جوهرها وأسمى معانيها".
في غمرة موجات التطرف والتصعب والاستفزاز والكراهية ما يمكن ان يسمى احيانا "بالارهاب الديني" الذي يغزو العالم، وفي ظل الاستنكار العارم للدعوات والممارسات المشينة ضد اي دين من الاديان، لا بد من تأكيد حق كل ديانة بتمسك اتباعها بخياراتهم الحرة في معتقداتهم وشعائرهم والتعبير عنها وفقا للقيم والمبادىء الاخلاقية التي هي جوهر انسانية الانسان".
اما في لبنان فأخال ان اللبنانيين بأكثريتهم الساحقة، مسلمين ومسيحيين، مؤمنون بان هذا الوطن اذا خسر تنوعه الايماني والثقافي والحضاري، واذا فقد حرية انسانه الفردية فانما يخسر مبرر وجوده وديمومته لان هذا اللقاء الفذ بين اديانه ومذاهبه وهذا التفاعل الخلاق بين معتقدات ابنائه، هو الذي يعوض عن مساحته وعدد سكانه ويحوله الى وطن ذي دور ورسالة".
ان الخوض في متطلبات الحضور المسيحي الفاعل في الشرق العربي، قضية شائكة، وما تخصيص سينودس لاساقفة الكنيسة الكاثوليكية ومشاركة ممثلي الكنائس والطوائف والديانات المعنية بالمسألة، اضافة الى الخبراء، الا خير تعبير عن دقة وضع المسيحيين في هذه المنطقة من العالم.
ومن المتوقع، ان تشكل متطلبات هذا الحضور محورا اساسيا في النقاشات التي ستدور في السينودس.
لذلك اعتبر ان ما سأعرضه على حضراتكم هو اقرب الى نقاط للتفكير يفترض ان نبلورها جميعا.
وقبل ان أتلو عليكم بعض الافكار، يهمني ان اوضح لكم ان عمل الكنيسة الاساسي والسينودس من اجل مسيحيي الشرق يندرج في هذا الاطار - يقوم على التوجه الى الضمائر، والتحفيز على تبني اقتناعات مستندة الى الخير العام ورامية اليه، اكثر من اخذ قرارات تلزم أيا كان بموجباتها.
تماما كما هي حال مؤتمركم الكريم.
لا بد من الاشارة في البداية الى ان الجزء الاهم من متطلبات الحضور المسيحي في المشرق العربي، هو ما ينشده كل انسان في هذه المنطقة، وليس فقط المسيحيون.
فالسلام والاستقرار وحقوق الانسان والازدهار والحرية والديمقراطية، هي مطالب جميع مواطني دول هذه المنطقة.
والهجرة بسبب غياب هذه الحقوق، تطاول اعدادا كبيرة من ابنائها المسلمين قبل المسيحيين، غير ان انعكاس هذا الغياب على اتباع الديانة المسيحية اكبر بكثير.
اولا، لان اعدادهم قليلة بالاساس، وبالتالي فان التناقص سريعا ما يبرز للعيان.
وثانيا، لان وقع التهميش على الاقليات اكثر وطأة عليها منه على سائر فئات المجتمع التي لا يمكنها ان تعزو سبب تهميشها الى كونها أقلية.
هذا فضلا عن سعي المجموعة او الفرد الحاكم الى استرضاء الاكثرية من خلال تدابير ومواقف غالبا ما تستهدف الاقليات، وبخاصة الدينية منها.
قيام دول في منطقة الشرق العربي تحفظ الحقوق وتؤمن الازدهار، تديرها مؤسسات منبثقة من ارادة شعوبها هي الباب الالزامي لمعالجة الواقع الصعب للانسان العربي، وليس فقط المسيحي.
وليس من يجهل ان المجتمعات المزدهرة والمطمئنة الى حاضرها ومستقبلها، والمتمتعة بحقوق مدنية واجتماعية وسياسية من شأنها ان تصبح حاضنة لنوعية راقية من المواطنين قابلة بالآخر المغاير وبحقه بالاختلاف.
وهذا بتقديري او ما يطلبه المسيحيون في المجتمعات العربية التي يعانون فيها منذ عقود من اسقاطات متنوعة واحكام مسبقة من جانب الاكثريات في مجتمعاتهم التي تريدهم ان يتبنوا عادات اجتماعية ومعتقدات سياسية، وفي بعض الاحيان دينية، مخالفة لعاداتهم وتقاليدهم ومعتقداتهم.
بالتأكيد ان عملية تشكل الدول وفق الشكل الذي يستجيب لمعايير حقوق الانسان والمواطنة القائمة على المساواة بين جميع افراد الشعب ومجموعاته الاثنية والطائفية، يفترض ان تكون نابعة من داخل هذه الدول.
فتجارب فرض قيام مثل هذه الانظمة قليلا ما صادفت النجاح الحقيقي، اذ ما لم تتقبل المجتمعات طوعا وشيئا فشيئا هذه الافكار وتهضمها، فمن الصعب توقع تحولها الى ثقافة عامة، واسلوب حياة، ومن دون هذين الامرين، قد تبقى كل معالجة مفروضة فوقية، وربما قسرية على المجتمعات، ما يعني عرضة للسقوط عند اي تبدلات في التركيبة الحاكمة.
غير ان هذا لا يعني ان ليس على الحكومات الا تحاول بعض السياسات الشبيهة بالتمييز الايجابي المنتهج في الولايات المتحدة الذي أفضى، بعدما كان ممنوعا على السود مثلا التواجد في بعض الامكنة العامة قبل عقود ثلاثة او اربعة، الى وصول رئيس اسود للدولة الاعظم في العالم.
ان سياسات الكوتا في تمثيل الاعراق والطوائف والسيدات، أدت الى متغيرات مهمة على مستوى التركيبات الحاكمة وهيئات المجتمع المدني وقطاعات الاعمال.
لكنها ترافقت ايضا مع وعي شعبي او توعية لاهمية التنوع ومدلولاته.
العالم العربي سلك طريقا معاكسة، ادت في شكل طبيعي الى نتيجة معكوسة، لقد صهرت النخب الحاكمة خلال العقود الستة المنصرمة، باجراءات فوقية، مجتمعاتها وطوائفها ونخبها، وانصهرت هذه المجتمعات والطوائف، بشكل طوعي في معظم الاحيان، في قالب ايديولوجي واحد تطغى عليه، ان لم تسد فيه، ألوان ومعتقدات وتطلعات ونمط حياة الاكثرية الاسلامية.
وبعدما كنا نرى مسيحيين في مناصب سياسية وادارية وقضائية رفيعة في الدول العربية ايام كان السود الاميركيون لا يتمتعون بحق الدخول الى مطعم البيض ناهيك عن تبؤ مناصب ساسية او ادارية، اخذ الحضور المسيحي في هذه المناصب في الدول العربية يتلاشى في وقت انتخب الشعب الاميركي باراك اوباما الاسود رئيسا للولايات المتحدة الاميركية.
لقد قدم لبنان نموذجا مختلفا.
من ولادة دولة لبنان الكبير سنة 1920، حرص اسلافي الذين كانوا عرابه، البطريرك الياس الحويك، وحماته البطاركة انطون عريضة وبولس المعوشي وانطونيوس خريش، على تكريس مبادىء العيش المشترك والتساوي والتآخي بين المجموعات المقيمة على اراضيه، ولا يخفى على شخصيات مطلعة مثل افضالكم ان ايام البطريركين الحويك وعريضة، كانت اصوات تحذر من توسيع حدود لبنان الى النطاق الحالي خوفا من فقدان الاكثرية العددية الساحقة التي كانت للموارنة قبل العام 1920.
غير ان إصرار سلفي الكبيرين كان حازما وحاسما على ان فكرة لبنان التي لهج بها أسلاف كبار لهما ولي، لا تحتمل التقزيم والتقوقع، بل يجب ان تبقى متناغمة مع ديناميكية الموارنة ذات الامتداد الذي تخطى حدود 1920 الى مصر جنوبا وبلغ جنوب شرق تركيا الحالية.
وبالتالي رأوا في تصغير حدود لبنان تقزيما للدور الماروني خصوصا، والمسيحي عموما، لان الاكتفاء بحدود المعقل - الحصن اي جبل لبنان الذي حفظهم خلال قرون الاضطهاد الصعبة، سوف يجعلهم مواطني بلد ذي هوية طائفية - دينية مغايرة عن الاتجاه الديني السائد في المنطقة، لا بد ان تصبح في يوم من الايام سبب نزاع مع هذا المحيط، ما قد يعني تقلص الدور الماروني الى حدود جبل لبنان.
وهذا ما لم يكن يوما بالحسبان.
أدرك المسيحيون في ذلك الجيل ان فكرة لبنان الذي يريدونه لا تحتمل اي نزعة غير ديمقراطية او دينية.
لذلك حرصوا على دستور يحفظهما، وان أتت الممارسة اقل نقاوة من المبدأ، وعلى إشراك الجميع في لعبة ادارة الحيز العام وتكريس مواقع لها ثابتة فيه، وعلى إعطاء جميع الطوائف حقها في تكوين شخصيتها المستقلة دون اي تأثير عليها.
وهذا ما لم يكن متاحا في عدد كبير من الدول العربية حتى الآن، فكيف في منتصف القرن الماضي، لم يقع حكام البلد المسيحيون كذلك في تجربة الديكتاتورية السائدة في محيط لبنان، حتى وان بدت ممكنة، لاسباب مختلفة، في دول حكمتها ايضا اقليات، وبعض هذه الانظمة لا يزال قائما.
فالعهود الرئاسية اللبنانية الاكثر حرية وليبرالية، كانت تلك المتمتعة بشعبية في الاوساط المسيحية، فيما حظيت بدعم الاوساط الاسلامية عهود العسكريين الذين وصلوا الى الحكم المعتبرين الاقل حرصا على الحريات.
وهذا يعني انه كان ثمة إمكانية حقيقية لقيام ديكتاتورية عسكرية على رأسها مسيحي، ليس اذا سعى اليها المسيحيون فحسب، بل لو غضوا الطرف عنها.
ثمة من اعتبر في العقود الماضية انه كان على المسيحيين اللبنانيين ان يتبنوا نهجا مغايرا لما انتهجوه في لبنان، وبخاصة على مستوى التماهي مع الايديولوجيات السائدة في المجتمعات العربية، كما هي حال المسيحيين غير اللبنانيين، لان هذه هي الطريقة لضمان مستقبل الحضور المسيحي في المنطقة.
بيد ان التجربة دلت ان النموذج اللبناني، لم يحافظ على الحضور المسيحي في لبنان فحسب، على رغم ضرورة الاقرار بانه تراجع كما وتأثيرا، بل ساهم الى حد كبير في تأمين نوعية حياة وتربية واتساع أفق، وثقافة أفضل لجميع سكان لبنان.
في حين أدى ضرب الدور التربوي والثقافي المسيحي في الدول المحيطة بلبنان الى تراجع كبير على هذا المستوى لدى الجيل التالي لقرارات التأميم".
متطلبات الحضور المسيحي الفاعل في دول الشرق العربي تبدأ بإعادة الاعتبار الى التجربة اللبنانية، بأبعادها القائمة على الديمقراطية والعيش المشترك والمساواة بين جميع المجموعات الطائفية، ومحاولة تعميمها، بالقدر الممكن على الدول العربية، كل بحسب اوضاعه وظروفه الداخلية.
فلبنان شكل قبلة لمسيحي الشرق ومقرا لكنائسهم وجامعاتهم ومؤسساتهم وفي بعض الاحيان ملجأ لهم، عندما كان وجودهم مهددا.
وكل مبادرة باتجاهه سرعان ما تنعكس، في شكل او آخر عليهم.
المناخ السياسي والتبدل في الذهنيات هو اكثر القضايا إلحاحا بالنسبة الى الحضور المسيحي الفاعل في الشرق العربي، لانه المدخل الالزامي للتنمية المستدامة والشاملة لمختلف نواحي الحياة الانسانية التي تجتذب المسيحي المشرقي الى الدول الغربية حيث تسود المساواة والفرص المتاحة امام الجميع.
المسيحيون يريدون البقاء في الشرق العربي، والدليل انهم لا يزالون مقيمين فيه، وان بعض من يهاجرون منه يعودون اليه على رغم المغريات في دول الغرب.
غير انهم يريدون ان يعيشوا بكرامتهم وبمساواة مع غيرهم من ابناء المنطقة، وبشيء من الحرية.
ان كل مبادرة رسمية او حتى فردية، أكان على مستوى مادي، كمثل انتهاج سياسات او تقديم دعم، ام معنوي، كمثل اعلان مواقف ايجابية من الدور المسيحي في العالم العربي، تجد دائما وقعا لافتا في صفوف المسيحيين في كل دول المشرق العربي.
فكيف اذا تنسقت هذه المبادرات وتتابعت في اطار جامعة الدول العربية ومؤسساتها، او في غيرها من الاطراف الموجودة او تلك التي يمكن استحداثها، وصارت منحى ثابتا في السياسات الرسمية والمناهج التربوية.
المتطلبات للحفاظ على الدور المسيحي الفاعل في المشرق العربي ليست صعبة التوافر متى توافرت النيات الرسمية الحسنة والانتباه المطلوب من المسؤولين في دول هذه المنطقة التي لن تجد نفسها، في حال غياب الحضور المسيحي التام، الا ساحة لنزاع دام مفتوح الى ما شاء الله بين الاسلام واليهودية.
نزاع سوف يؤدي الى مزيد من الكراهية والموت والدمار ولكن ايضا المزيد من الفقر والتخلف والحرمان، وتراجع لحقوق الانسان.
دور الانظمة العربية المشار اليه في البند السابق يفترض ان يتزامن مع التزام دولي بالاحجام عن السياسات التي تشعر اي فئة من فئات منطقة الشرقين الاوسط والادنى بالغبن والاستهداف او بالخضوع لعدالة الكيل بمكيالين.
فهذه السياسات أدت، خلال العقود الماضية، الى بروز تيارات راديكالية مناهضة للقيم العالمية التي تتبناها دول العالم، لاختبارها إجحافها او عدم الالتزام بمقتضياتها لدى تعاطي هذه الدول مع القضايا التي تهمها.
وفي مجتمعات تقودها هذه التيارات الراديكالية الرافضة للشرعة العالمية لحقوق الانسان وغيرها من المواثيق الدولية، من الصعب توقع بقاء مسيحيين فيها.
ولعل تجربة القضية الفلسطينية التي لم تزل جرحا مفتوحا لا يجد طبيبا متجردا يعالجه منذ اكثر من ستين عاما، وتجربة العراق بالامس القريب، وما أفضتا اليه من هجرة للاقليات المسيحية منهما، خير دليل على الانعكاسات السلبية لهذه السياسات على وضع المسيحيين في الشرق العربي.
لم تكن الهجرة ومعها التناقص العددي، المطلق أحيانا والنسبي دائما، هاجسا طاغيا كما صارت في العقود الثلاثة الأخيرة.
ذلك أن الحديث عنها تلازم مع اتساع التعبير عن هموم مشاركة المسيحيين في الحياة السياسية وحقوقهم في المواطنة والمساواة ومخاوفهم مما يخبئه المستقبل.
إلا أن هذا التلازم ليس بذاته قرينة سببية.
فلا يخفى على أحد أن حجم المشاركة السياسية والتأثير الثقافي للمسيحيين لا يقاسان بالوزن العددي فحسب، بل يمكن النظر إليها أيضا، بالرغم من تعدد العوامل المؤثرة وأكثرها لا يختص بالمسيحييين وحدهم، في مرآة الأدوار الذي لعبتها، وتطلعت إليها أو اخفقت في القيام بها، النخب الثقافية والدينية والسياسية المسيحية.
غني عن القول أننا أمام أدوار للمسيحيين ولسنا بصدد دور واحد.
ولعل إحدى أوجه المشكلة يكمن في اصرار البعض على الإغلاق على المسيحيين والمسلمين في ثنائية الأغلبية المتكاثرة والأقلية المتناقصة والمتراجعة، وعلى تخصيص المسيحيين بدور واحد، في الوساطة الاقتصادية والثقافية، يستعان به أو يستغنى عنه، حسب ما تسمح به علاقات القوى الداخلية غالبا وعلاقات الداخل بالخارج في حالات قليلة.
لم تكن هذه الأدوار، التي تتنوع وان تشابهت، من فعل الزعامات والأحزاب السياسية.
كانت بالدرجة الأولى أدوارا اضطلعت بها شخصيات ومؤسسات ثقافية وتربوية واجتماعية ودينية.
وغالبا ما انشغلت، لا بأسئلة الهوية في غم الحداثة فحسب، بل بمسائل الدولة والمواطنة والاستقلال والحرية والديموقراطية وبهموم التقدم والعدالة الاجتماعية.
لذلك فإن الحديث اليوم عن تراجع ادوار المسيحيين متصل اتصالا وثيقا بضعف الدولة أو اضعافها ومعها المواطنة والمساواة.
لكن الرد على تراجع الدولة والمواطنة لا يكون إلا في التمسك بالدولة وبتأكيد المواطنة، بديلا من اعادة اختراع العصبية الطائفية، ردا على العصبيات الأخرى.
فالمواطنون أشخاص وليسوا مجرد أجزاء من جمهور مفترض يتكون بقوة العداء لجمهور آخر أو الخوف منه أو الصراع معه على السلطة.
ولأنهم أشخاص، ولأن التنوع في مواقفهم وأحاسيسهم مصدر غنى وتعبير عن فهم حديث وعقلاني للانخراط في الحياة العامة بالسياسة أو الثقافة، فإنه لا يقي المسيحيين عن التراجع في أدوارهم تحولهم إلى جمهور يسير وراء زعيم له أو زعماء.
بل على العكس من ذلك، فإن العمل على توحيدهم عن طريق تعزيز التماثل والمجانسة، وبحجة الدفاع عن حقوقهم، غالبا ما يحتمل المجازفة بمصائرهم.
ذلك أنه يرهنها، وان بصورة جزئية، لخيارات قادتهم السياسيين وتقلباتهم وأخطائهم.
ولعل المسيحيين يحتاجون إلى نخب تقودهم بدل أن تسودهم.
والقيادة تعني في هذا المجال، فتح المسالك المتعددة أمامهم.
وتعني أيضا ألا يصادر السياسيون أدوار النخب الثقافية والدينية وان لا يسعوا الى استتباعها، وألا يدفع الخوف من المستقبل أفرادا من هذه النخب كثيرين إلى أن يستتبعوا طائعين مختارين استنصارا بشعبية الزعماء أو طلبا لرعايتهم.
ثم إن الخوف من تراجع أدوار المسيحيين، والتفجع بأحوالهم يستعجل تحقيق ما يخافون منه.
غير أن محاذرة الخوف والتخويف لا تلغي أسبابه.
وأحسب أنها إضافة إلى مشكلات الدولة والمواطنة، فضلا عن دوافع الهجرة والإنكفاء المتعددة، تتضمن معاناتهم من موجات التعصب إلى حدود إلغاء الآخر المختلف.
والمعاناة هذه لا تشفى بواسطة الحماية، حماية الأقوياء للضعفاء، والتي تفترض نوعا من الدونية، ولا عن طريق تنصل المعتدلين من سوء أفعال المتطرفين.
فالتنصل ليس بعيدا عن اللامبالاة ولا يغير شيئا كثيرا، اللهم إلا ارتياحا عند أصحابه ورضا عن الذات عقيما.
ما لم نكف عن المجاملة وتشكيل وفود اسلامية تشكر للمسيحيين موقفهم من محاولة احراق المصاحف.
لنعتقد وتصبح لدينا عقيدة بان المسيحيين ضرورة اسلامية وان حمايتهم وحيويتهم وحضورهم وحريتهم مسؤولية اسلامية ايضا حتى لا يتنصل المسيحيون من مسؤوليتهم عن كل المشتركات ويكون المسلمون قد تنصلوا من مسؤوليتهم عن انفسهم وإسلامهم ضمنا.
يبدو لي ولكم قطعا، أن الدولة المدنية دولة الافراد، كانت هي الحل لانها تحفظ الجميع بالجميع للجميع، وتسهل تشغيل الدين في حراسة المدينة والمدينة في صاينة الدين، على اساس المواطنة والحرية تحت سقف القانون، وما زالت هي الحل ولكن قد يكون الاوان قد فات ليصدق علينا المثل العربي "الصيف ضيعت اللبن".
ودائما يمكن الاستدراك ولو بالحد من تمادي تضييع المسيحيين وإنفار المسلمين من مصدر عظيم من مصادر حيويتهم غير ان الاستدراك لا يتم بالرق والتعاويذ والخطب والادعية والمساعدات العينية والقداديس، مع احترامي لذلك كله، فلا بد من مأسسة العمل ورفعه الى مستوى مؤسسة قابضة وناظمة لحركة الورش المتخصصة في ما يعود الى الدمج الاجتماعي وتحصين التعدد بالوفاق، واللبنانيون مسؤولون اكثر من غيرهم عن تقديم المثال لائتلاف المختلف بعد الفصال لانهم هم الذين قدموا المثال السلبي وهذا المؤتمر يقول ان بامكان لبنان ان يحرر رسالة شافية ووافية لاوطان التعدد من طغيان الهويات الفرعية على الوطنية.
خفض التوترات والمشاكل الطائفية يحتاج الى معالجة بنائية تتصدى لجذور المشكلات على اختلافها انطلاقا من دولة القانون والحق واعمال مبادىء المواطنة والمساواة والحرية الدينية، في ظل تمييز خلاق بين المجالين الديني والسياسي حتى لا يؤدي الخلط والتوظيف المتبادل السياسي والديني الى انتاج واعادة انتاج المشكلات الطائفية.
لا شك في ان اعمال مبدأ المواطنة المنصوص عليه في المادة الاولى من دستور 1971 وتعديلاته الثلاثة المتعاقبة، وهو خطوة هامة على الطريق الطويل يتطلب اصلاح النظام القانوني ورفع اي تمييزات على اساس الانتماء الديني والمذهبي او الاجتماعي او الجنوسى الجندرى او المناطقى".
وختم:
"ثمة احتياج عميق لاصلاحات في مناهج التعليم والتنشئة السياسية تكرس المساواة والمواطنة والحرية الدينية من هنا نبدأ.
من شأن قيام هذا المجتمع وما يتعلق به من قيم وغايات ومطالب ان يكون مبدأ لعالم جديد يضمن العدل والمساواة والرخاء والسعادة للمسيحي العربي والمسلم العربي على حد سواء ومن شأن قيامه ان يضع حدا للنزيف والتآكل وان يرد الامور الى نصابها الطبيعي السليم.
المسؤولية الكبرى تقع على عاتق الشباب، الذين يؤدون دورا كبيرا في بقاء الكنيسة شابة، ويساهمون في تحفيز الواعظ والكاهن على الشهادة والعطاء"، معتبرا أن "لا كنيسة من دون شباب، ولا مستقبل للشباب بعيدا عن الكنيسة، ولا غد للكنيسة من دون الشباب.
ان رهاننا الدائم هو على استمرار الحضور المسيحي في لبنان والشرق، بالوفاق والتفاهم مع اخواننا المسلمين الذين هم شركاء حقيقيون في القيم الروحية والمصير الوطني، واقتلاع كل الرهانات الخاطئة على التحالف الاجنبي.
نحن ككنيسة لسنا جزيرة منعزلة في بيئتنا اللبنانية وفي محيطنا العربي، بل نحن جماعة مؤمنة تحتل موقعها الطبيعي الفاعل المؤثر في الأسرة البشرية، وتتفاعل باستمرار مع غيرها لتكون قادرة على تجديد نفسها، والاسهام في تجديد الآخرين بما يكفل خير الانسان والمجتمعات.
ازاء هذا الواقع الشاق الذي يعانيه عالمنا وشرقنا العربي ووطننا لبنان، تبرز الحاجة الى كنيسة قادرة على التكيف مع واقع الحضارة ومجريات الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية.
لقد برهن المسيحيون دائما عبر التاريخ انهم قادرون على العيش مع المسلمين وغيرهم وفي ممارسة حياتهم العامة، اذ ان فكرة العيش مع الآخرين والتفاعل معهم هي من صلب ايماننا المسيحي.
يمكن معالجة الوضع شرط التحرر من الخوف من طريق المحبة بين مختلف الأطراف، والامتزاج بالشعوب التي نعيش معها فلا ننظر إلى مصيرنا بالاستقلال عن مصير الآخرين، والعمل على مختلف الصعد السياسية والتربوية والخدمة الاجتماعية، واضعين نصب أعيننا المصلحة العامة.
التعاون بين شعوب منطقة الشرق الأوسط يجب أن يكون من أولويات المرجعيات الروحية المؤتمنة على إيمان شعوب المنطقة.
فلكل من الديانات السماوية مرتكزات عقائدية وتاريخ وعادات وتقاليد كانت في أساس النهضة الثقافية والاقتصادية والعمرانية.
والمسيحيون ادوا دورا مميزا في هذا المجال من خلال انغماسهم في تراثهم المشرقي وانفتاحهم على الغرب.
وكانوا رواد نهضة الأمة العربية.
علينا ان نكون واضحين.
لسنا صليبيين ولا أحصنة طروادة لاحد.
لا نقبل أصلا اي اتهام او تشكيك في انتمائنا، دون وجل دون خوف.
جزء من هذا العالم الاسلامي والعربي والتركي والايراني والكردي.
جزء من تنوع منطقة ضاجة.
لكننا مع حقوق كل انسان، مع الحريات.
لا يمكن ان نكون على الحياد مع قضية حق الفلسطيني بدولة، مع سلام عادل شامل، مع حق العودة للاجئين، لكن ايضا مع الحق الكردي بان يشعر بالامن والمساواة، مع حق المسيحيين في كل هذه البلاد، بان يعترف بهم، بقومياتهم، بلغاتهم، بمؤسساتهم، بتمثيلهم، بأحزباهم".
وتابع:
"ان موجة الاصوليات التكفيرية الالغائية المتخذة من النموذج الاسرائيلي راية، عبر نموذج إنشاء دول دينية على أنقاض الآخر، وعبر رفع فتاوى لا يقبلها لا عقل ولا منطق ولا دين هي أخطر ما يواجه المسيحي.
ان هذا الارهاب الذي يغتال مطرانا، ويكفر جارا، ويهجر سكانا اصلييين هو آفة لا يمكن معالجتها فقط بالامن، بل بالفكر والاقتصاد والاعلام.
ان سكوت الانظمة العربية، واحيانا تواطؤها، عبر محاباة الفكر المتأسلم، لترضيته على حساب حقوق الانسان وحقوق المسيحيين هو طعنة في صميم جوهر تكوينها.
أليس غريبا ان يكون المسيحي دائما ضحية وفي أغلب الاحيان نسمع عن تبرئة القتل عبر تنسيب الجرائم الى مجنون؟
ان عدم جرأة الانظمة، بدءا من دساتيرها، في الاعتراف بالمساواة التامة بين المواطنين، لا يساعد على إعطاء اي بصيص أمل للمسيحي، صحيح ان الانظمة متفاوتة في تعاملها مع المسيحي، ففي بعض البلدان المواطنة فقط للمسلم، في بعضها دين رئيس الدولة الاسلام، وفي بعضها دين الدولة الاسلام.
أحيانا، نسر بقليل من العطاءات مثل السماح بتشييد كنيسة، او مثل تعيين وزير او مدير.
لكن بالاجمال، الانظمة بعيدة عن فهم روح ومعنى عيش مشترك نموذجي متساو وربما هذه ليست فقط أزمة المسيحيين بل ازمة كل العرب.
ان حقوق المواطن ليست منة ولا هبة ولا تسولا.
ان صمت العرب عن ظواهر الاغتيالات والتهجير في العراق مثلا، وغياب جامعة الدول العربية عن اي رد فعل صريح، يضعها كثيرون في موقع غض النظر او التجاهل اذا لم يكن أكثر فلماذا؟
ان هذا الغرب الخبيث يعامل قضية الحضور المسيحي بمكيال المتجاهل المتواطىء.
اصلا هو مسؤول مباشر عبر احتلاله العراق في زعزعة كيان دولة عربية - مهما كان رأي الناس في قيادتها او ممارساتها - في غياب الامن والمرجعية.
وهو مسؤول مباشر عن دعم احتلال فلسطين مما هجر ايضا المسيحيين من الارض المقدسة وأشعل غضبا اسلاميا عارما.
ما زلنا كمسيحيين، من دون وجه حق، ندفع أثمان اخطاء الغرب وخطاياه رغم اننا معارضين لسياساته.
ان هذا الغرب ليس لديه ما يقدمه لمسيحيي العراق الا تسهيل سمات دخول لمزيد من التهجير.
أصلا، ليس هناك على اي أجندة غربية ملف عنوانه بقاء او حضور او دور او مستقبل المسيحيين في الشرق.
هذا هم زائد لا يريدونه.
لكنهم مصرون على تكريس اقليم للاكراد مثلا وعلى حمايته ودعمه.
لاننا كمسيحيين لسنا حاجة استراتيجية لهم.
لسنا نفطا، ولا قاعدة عسكرية، ولا مشروعا يساعدعم على الهيمنة.
هل الصورة قاتمة الى هذا الحد؟
انها كذلك، نتراجع في الديموغرافيا وفي الجغرافيا، اين طور عابدين، لم يبق فيها الا من يعد مقابرنا ربما ألفان فقط.
القدس فيها 9 آلاف مسيحي فقط.
اين القامشلي، انها عاصمة لما يسمونه كردستان الغربية، اين المصيطبة الآن، بقي فيها اقل من مئة عائلة سريانية, في طرفة عين تبخر نصف مسيحيي العراق.
هل يعني ذلك ان علينا ان نستسلم، ان نموت بصمت او نرحل بصمت؟
هل نحن آخر الآراميين، آخر الهنود الحمر، آخر مسيحيي الشرق، أم اننا أول المناضلين لكي نبقى ونستمر؟
كيف يمكن أن يشعر كل أبناء الشرق الأوسط بكرامتهم على قدر المساواة؟
هذه هي القضية التي حملها المسيحي المشرقي على كاهله منذ فجر زوال الاحتلال العثماني.
تبنى المسيحي مفهوم الدولة العادلة، والمتوازنة، والسيدة.
اعترض على التفرّد والأحادية والهيمنة، وكافح الإرهاب والأصوليات الرافضة للآخر وللحوار.
انتفض على كل ارتهان.
داخليًا واجه الأوضاع المتوترة التي تنذر بانقسامات لا تفيد أحدًا.
نادى بالتعقل والتهدئة والمناعة الوطنية والحوار.
تمسّك بالحريات العامة بكل أبعادها وعلى رأسها حرية الإعلام والتظاهر.
طالب بقوانين يسهر عليها قضاء حر نزيه وتشكل ضمانة للجميع.
رفض التهوّر ولغة التخوين، وأيّد التنوّع الحزبي والفكري والنضالي.
أبدى المسيحي المشرقي احترامًا لكل الأفكار والآراء والشخصيات.
في نهجه لم يكن عدائيًا ضد أحد ولم يرفع فيتو بوجه أحد.
لم يناور ولم يؤسس المحاور، بل سعى بصدق وانفتاح ومحبة لتلاقي الجميع وتعارفهم وتصارحهم والعمل من أجل توحيد الرؤيا عندهم.
يتمسّك المسيحي بلبنان وطنًا لا يتجزأ ودولة مستقلة ذات نظام جمهوري، ديمقراطي برلماني، حر، قائم، يختزن تنوّعًا حضاريًا وثقافيًا، وفي حركة تفاعل دائمة مع الحضارات العالمية.
يريده دولة ترعى حقوق الطوائف وتؤمّن لهم الضمانات وتحافظ على تقاليدهم وأعرافهم التاريخية المتينة وتبني في إطارها مرتكزات التعاون الوطني في المجالات كافة.
وإذ يقر بطابع لبنان الحضاري المميز، يعمل في الوقت عينه في سبيل إيجاد صيغة مستقبلية من شأنها المحافظة على خصوصية لبنان وطابعه وواقعه وحضور تنوّع في وحدته.
رغم كل ما أحاط لبنان من تحولات وتطورات دراماتيكية في الربع الأخير من القرن العشرين حتى اليوم، نجح المسيحي في بلورة نهج مستقل وخط وطني وفي لعب دور الشاهد الحر والضمير الحي.
لم يقف المسيحي على الحياد، بل رصد الواقع اللبناني ولفت إلى كل سوء عاينه وتلمسّه، في مسعى منه نحو تصحيح المسار وترتيب الأوضاع التي يعاني منها البلد في شتى الميادين.
وقد نجح في تشخيص المعضلة اللبنانية وتشخيص المرض الوطني والمشاكل الداخلية لاسيما في النواحي الاجتماعية والاقتصادية التي تهدد المواطن.
في أفكاره ترشيد إلى مكامن الخلل، وفي تحركه تقديم يد المساعدة لتضميد جراح الوطن وتوحيد ما تجزأ وتقريب ما تباعد.
رفض المسيحي أن يكون جزءًا من اي مشروع إلا مشروع سيادة لبنان وحريته واستقلاله وعيشه المتوازن الكريم.
فهو يفهم الولاء للبنان أن نحب كل أرضه غير منتقص منها ولا حبة تراب ولا ضيعة أي 10425كلم².
وأن نحب كل أهله، كل ابناء الوطن على تنوعهم غير منتقص منهم ولا مواطن أي الـ4 ملايين مهما اختلف عنا في العقيدة السياسية أو التوجه أو المذهب أو الطرح.
أراد أن يرى لبنان دولة سيّدة على كامل أرضها، وأن تبقى هذه السيادة فوق كل اعتبار.
لم يقبل بأقل من دولة قانون وسياسة متوازنة وبلد ذي سيادة.
وفي عرفه الدولة يجب أن تكون الأقوى حاضنة وحدة الشعب وصاحبة العين الساهرة.
وقد رأى أن المطلوب نقلة نوعية ليس في الأداء السياسي ولكن أيضًا في الفكر السياسي الذي يلبي طموحات الجميع وخصوصًا في التعاطي مع المرحلة الشديدة الدقة التي نحن مقبلون إليها.
تمسك بكل ما من شأنه أن يوحّد بين اللبنانيين.
أصر المسيحي على ضرورة التوافق الوطني وعلى المحافظة على مقومات لبنان في الديمقراطية والحريات.
شدد على ان لبنان لا يقوم إلا على التفهم والتفاهم والتوافق.
أكد ان المطلوب هو الوعي من قبل أركان السلطة والاعتراف بأن مسار الأمور على مستوى القرار الوطني والوفاق الحقيقي في ازمة والمطلوب تغيير في الفكر والممارسة.
اعتبر الوحدة الوطنية ضمانة لبنان وعزته ورأى تجليها في الجنوب.
ولفت إلى أنها تحتاج إلى تحصين وحوار جدي وحقيقي بين كل اللبنانيين.
ناشد رئاسة الجمهورية المؤتمنة على الدستور وروحه الميثاقية، "العمل مع جميع المسؤولين لتثبيت التوازن خدمة للبنان الواحد، وطن الرسالة، الذي يشكّل نقيضًا للرهانات التي تتحدث عن استحالة التعايش السمح بين الأديان السماوية على أرض واحدة، متأثرة بنظرية "صراع الحضارات" المستحدثة.
حرصًا على الوحدة الوطنية التامة والشراكة الكاملة رصد كل غبن في التعيينات والتطويع والتعاقد في مؤسسات امنية وعسكرية وإدارية وبلدية وإطفائية متنوعة.
مؤكدًا ان الدولة الواحدة العادلة لا يمكن أن تقوم إلا على المساواة والتوازن.
شجّع على تأليف حكومات وفاق وطني حقيقي معتبرًا هكذا خطوة مدخلاً للولوج إلى الحل المنشود والاستقرار الدائم.
عبّر عن رفضه ان تشعر اية طائفة او فئة او مذهب او مجموعة أنها مغيبة عن المشاركة في صناعة القرار الوطني، او انها مبعدة عن دور اساسي في التوازن.
اعتبر استقالة وزراء طائفة كبيرة، مهما كانت اسبابه وخلفياته، يشكل اهتزازاً خطيراً في وحدتنا الوطنية.
وان العيش المشترك اساس في دستورنا وهو ميثاقنا وعلة وجود لبنان.
ان العرب بحاجة إلى من يجمعهم لا إلى من يفرقهم، وإلى مزيد من الأمل والرجاء وليس من الإحباط.
"ان الرابطات والمجالس قلقة من تزايد الشرخ بين اللبنانيين ومن الكلام الصارخ عن استعدادات عسكرية او التفكير بحكومتين او توزيع سلاح وغيره وهي تطالب:
- بتدخل حاسم من المراجع المعنية لمنع اي تسلح خارج نطاق الدولة واي ظهور مسلح لأي فئة.
- العمل على وقف الاحتقان والتراشق بما فيه من تخوين وتهويل وتهديد.
وهي تشدد على ثوابتها:
- ان الوطن ثابت رغم كل المحن ونهائي وهو ليس عرضة للمساومة ولا حرياته ولا استقلاله مدار جدل.
- ان رئاسة الجمهورية ليست منصبا منّة من أحد، ولا يمكن ان نقبل بالفراغ، ولا بأي رئيس، ان لهذا الكرسي رمزية في الشرق كله، فهو عرفاً الموقع المسيحي الرسمي الاول الوحيد في المنطقة الممتدة من المغرب الى باكستان.
- اننا نتطلع الى وعي مسيحي أكبر لما يجري، فالمطروح ليس صراعاً بلدياً حول موقع، بل هو دورنا ومصيرنا ومستقبلنا في وطن سيد حر آمن لجميع العائلات الدينية وفي هذا الشرق العزيز.
- اننا نعول على حركة ومبادرة من كافة المراجع الدينية وخصوصاً المارونية منها لوضع الاسس والخطوط بما يثبت هذا الاستحقاق ويحفظ وحدة لبنان وديمومته ودوره ورسالته الحضارية.
- ان اللبنانيين بحاجة الى من يجمعهم لا الى من يفرقهم، والى مزيد من الامل والرجاء وليس من الاحباط.
لفت إلى أنّ "لبنان لن يقوم على قاعدة التراشق والتخوين والتهديد والتشنج ولا على بقائه ساحة صراع.
وان ادارة التنوع الوطني من صلب مسؤولية الدولة التي يجب ان تكون ممثلة للجميع.
هذا ليس زمن انتصارات في الداخل بل زمن وحدة وطنية.
من جهة أخرى يشير المسيحي إلى أن كل تسلح طائفي أو مذهبي أو حزبي هو طعنة في صميم الكيان اللبناني ودعوة إلى حرب أهلية.
ويسأل لماذا ننتظر تداعيات المنطقة ولا نحصن نفسنا؟
ولماذا لا يكون الحل "صنع في لبنان" بدل أن يأتينا جاهزاً من عواصم؟
فمع كل تقديرنا لجهود الأصدقاء والأشقاء فمن يفهمنا أكثر من أنفسنا ومن يهتم بمصالحنا أكثر منا؟
إحدى بيانات المسيحي صدرت تعليقًا على أحداث 7 آب وطرحت المسائل التالية:
أولاً:
يعرب المسيحي عن استنكاره العميق لتوقيف واعتقال مجموعة كبيرة من ناشطي بعض أحزاب المعارضة اللبنانية ولأجواء الاحتقان السياسي الكبير الذي خلفته، ما يعيد البلاد إلى الوراء بدل استثمار المناخ الايجابي الذي واكب زيارة البطريرك صفير إلى الجبل.
ودعا المسيحي إلى وقف هذه الموجة وإطلاق سراح الموقوفين الابرياء فوراً.
ثانيًا:
إن مبدأ صيانة الحريات الأساسية في الرأي والمعتقد وحقوق الانسان والتجمع السلمي يجب أن تبقى جامعاً مشركاً لكل اللبنانيين على اختلاف تنوعاتهم الطائفية والمناطقية والحزبية، على أن الدولة هي المسؤولة الأولى عن كل هذا والمؤتمنة عليه، لذلك يطالب المسيحي الحكومة بأخذ موقف واضح وصريح والشروع بكل التدابير التي تؤمن تطبيق القانون وتأمين الحريات والسلم الأهلي أو أن تعلن عن عجزها في هذا المجال.
ثالثاً:
يكرر المسيحي أن وحده الوفاق الوطني ومناخ الحوار والوحدة والمصالحة والتعالي عن الخصومات يوصل إلى المرتجى في موضوع إعادة السيادة والاستقلال.
وذلك لا يكون بالتحدي ولا بالاستفزاز أو بالتطرف، كما لا يكون قطعاً بالقمع أو بالاسبداد.
فالفكر والموقف لا يجادلان إلا بالفكر والموقف.
رابعاً:
من أجل ذلك، قرر المسيحي بتحرك سياسي جامع أن يبدأ غداً بلقاء مع غبطة البطريرك صفير كما قرر إبقاء اجتماعاته مفتوحة لمتابعة التطورات.
من جهة أحرى عبّر المسيحي عن رفضه لكل حملة تخوين من أي جهة أتت لأي كان.
ودعا الى كسر الجليد القائم في الخطاب التخويني فاذا كان نصف اللبنانيين عملاء لأميركا ونصفهم عملاء لإيران وسوريا كما يدعي بعض الغلاة فعلى اي وطن نتكلم؟
وعلى اي جمهورية؟
واستغرب كيف ان تأليف حكومة وفاق وطني يحتاج الى جولات دولية مكوكية في كل عواصم العالم؟
حذر من الحزازات في الجامعات والشارع والمنابر.
وأبدى قلقه من غياب التفاهم والتوافق بين اللبنانيين في ظل اوضاع صعبة اقليمية ودولية، وأحوال اقتصادية – اجتماعية تنذر بالخراب.
دعا إلى البحث عن المصلحة الوطنية العليا رغم وجود اختلافات متضاربة.
وفي هذا الإطار يقول:
"اننا في غاية القلق مما يجري، ونحن معنيون وملتزمون بالسعي الى تثبيت المصلحة اللبنانية العليا.
فهل يعقل ان تعمل كل الدول لمصالحها ولاستراتيجياتها بينما نختلف نحن حول مصيرنا".
وفي السياق نفسه أشار في بيان إلى "أن لبنان غائب.
نفتش عنه ولا نراه.
اننا نهدم بلدنا بأيدينا.
اننا نعاني من نقص في الجرأة، في الشفافية، وفي المناعة الوطنية".
أعرب المسيحي في تصريح نشرته الديار في 28/3/2001، عن قلقه الشديد الى ردود فعل متشنجة بعيدة عن مفهوم الوفاق الوطني وإلى خطابات تشكل تهديداً للسلم الأهلي.
ودعا النيابة العامة للتحرك الفوري بحزم وجدية لملاحقة مطلقي هذه الحملات.
كذلك دعا المسيحي أركان السلطة إلى الوعي والاعتراف بأن مسار الأمور في ازمة واعتبر أن المطلوب التغيير في الفكر والممارسة وأكد على متابعة انفتاحه واتصالاته للتوصل إلى تفاهم وطني.
في الشهداء والشهداء الأحياء
توقف في بياناته بإجلال أمام "الدماء التي تسقط من ابناء الوطن" وأمام "الجرحى والمشردين والمهجرين وكأن قدر لبنان ان يبقى معلقاً على صليبه، وان تتعاقب عليه المجازر والإجرام والبربرية والتدمير".
ورأى في هذه التضحيات قرابين مباركة واعتبرها، بكل براءتها وبكل قداستها، ذخيرة قد تساهم في ابقاء شعلة وطن يحاول اعداؤه طمسه وإلغاءه".
حيّى كل مقاوم وكل شهيد وكل جريح وكل معاق وكل سجين من كل المناطق والفئات ضحى من أجل سيادة لبنان وكرامة أهله.
رأى في استذكار الشهداء "عودة الى العطاء، الى تقديم أثمن وأروع ما في الإنسان دمه والحياة من أجل نظرته الى وطن سيد حر مستقل.
عن هذا دافع شعبنا فمنعنا التوطين وقاومنا الاحتلال".
إعتبر جرائم التفجير التي تطال الأبرياء ليست إلا رسالة جبانة ضد شعب آمن، ما زال مصلوباً على خشبة.
"ترتاح كل دول الدنيا ويبقى لبنان وحده ساحة صراعات مفتوحة تنهش من لحمنا ودمنا وأهلنا.
فهلاّ تعلمنا كيف نحصّن هذا الوطن، وكيف نوحّد جهود أبنائه لنمنع عنا الأذية والدمار؟
اننا نتقدم من أهل كل الشهداء بأحر التعازي ومن الجرحى بالمواساة، لكن هل يكفي بعد ان نكتب بيانات بهكذا مناسبات؟
وهل لدى كل الدولة والاحزاب والقوى ما تقوله للناس؟
هل تمسك الدولة ولو لمرة بمجرم واحد؟
تمتلك الجاليات اللبنانية في العالم نخبة من الأدمغة والوجوه التي برزت وتفوقت في أكثر من قطاع وميدان.
والدول التي احتضنت اللبنانيين في رحلة هجرتهم، عرفت كيف تستفيد من طاقاتهم وميزاتهم وعلمهم.
عالم الانتشار اللبناني متمدد جغرافيًا ومتنوع بحيث ظهرت في العالم جمعيات وتكتلات وحركات لبنانية منها المستقل ومنها الذي يستمد جذوره من أحزاب وتنظيمات ومرجعيات لبنانية ناشطة فوق الأراضي اللبنانية.
كذلك اللبنانيون المقيمون في الخارج نجحوا على المستوى الاقتصادي وكثيرون منهم تمكنوا من تأسيس إمبراطوريات وشركات ضخمة بلغت شهرتها أقاصي الأرض.
التفوق اللبناني لم يترك حقلاً إلا وتسلل إليه.
والانتليجنسيا اللبنانية لا تزال حتى اليوم تحظى باهتمام وتقدير من كل الدول ولا يزال لبنان مصدرًا هامًا للأدمغة المتوجهة إلى كل أرجاء الكرة الأرضية.
عمومًا الميزان التجاري اللبناني في عجز مزمن يمكن التعويض جزئيًا عنه من خلال التحويلات النقدية التي يرسلها لبنانيو الانتشار إلى ذويهم في لبنان.
في اليوم العالمي للمغترب اللبناني أتوجه لإخواني اللبنانيين المغتربين مقدراً دورهم المتنامي داخلياً وخارجياً بإعتبارهم جزءاً لا يتجزأ من هذا المجتمع اللبناني بجناحيه المقيم والمغترب.
إن للمغتربين ألدور الأساسي في إعادة البهجة والوحدة إلى الوطن كما أن عليهم المسؤولية الكبرى بالحفاظ على وحدة صفوفهم وجهودهم وإبقاء النزاعات الداخلية بعيدة عن مكوناتهم فكما هم أصحاب الجهد في بناء الثقة والتواصل مع شعوب الدول المستقبلة لهم نريدهم أن يكونوا جسر الوحدة لأبناء الوطن.
أيها المغتربون،
إننا نراهن عليكم لمستقبل لبنان فلبنان أمانة في قلوبكم وضمائركم ، وان لكم انجازات تاريخية وأياد بيضاء في اعمار وانماء بلدكم وفي اعمار البلدان التي هاجرتم اليها لذلك اني أدعوكم:
اولاً:
إلى العمل يداً واحدة من أجل وحدتكم ودعم مؤسستكم الأم الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم وإبعادها عن الشرذمة والتفكك.
ثانياً :
التأكيد على الحوار فيما بين المغتربين وذلك لتقريب وجهات النظر والتوفيق بين الآراء المتباينة وذلك رحمة بالاغتراب اللبناني لأن استمرار الخلاف يهدد العمل الاغترابي المنظم ويجعل المؤسسات الاغترابية اللبنانية غير فاعلة وغير موجودة في الوقت الذي نتطلع فيه لان يكون هناك نظرة جديدة ونظم حديثة لهذه المؤسسات تتماشى والدينامية الحديثة لمسألة الهجرة وتأثيرها على عمليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ثالثاً : إن المديرية العامة للمغتربين على إستعداد دائم للقيام بدورها التوحيدي في كل وقت وهي مؤمنة بإرادتكم للتلاقي إذ أن ما يجمعكم يفوق بكثير ما يفرقكم.
وكما كنتم أصحاب الافكار الخلاقة لنجاحاتكم فاننا على ثقة بانكم تملكون من هذه الافكار الشيء الكبير للانطلاق قدما نحو النجاح والازدهار والوحدة والتقدم.
توطئة تاريخية:
منذ البدء سعت الدولة الاموية الى ايجاد حالة من الفصل بين الانسان والعقيدة، في طريق تكريسها نظرية فصل الدين عن الدولة، فملوك بني امية مع انهم اصبحو ملوكا باسم الدين، إلا انهم لم يكونوا فقهاء على العكس من خلفاء العصر الاول الذين امتلك بعضهم فقها غير عليا عليه السلام، باب مدينة العلم، فالثلاثة الذين ادعو الخلافة ملكوا بعض العلم غير انهم لم يجاروا وصي الرسالة أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام فكانوا يرجعون اليه في عويص مسائلهم وعظيم مشكلاتهم فكان مجيبا للمسألات، وحلالا للمشكلات، بما وهبه الله من علم لدني، وولاية كلية، وبما طهره وأذهب عنه الرجس.
ففي تلك المرحلة كان الترابط بين الدين والدولة، ترابطا موضوعيا يرتكزعلى اسس الشريعة.
لكن معاوية ارادها دولة ملكية، فجعلها وراثية مما افقد الدولة شرعيتها الدينية، ففقدت قدسية ان تكون دولة اسلامية وإن تلبست بلباس الاسلام.
لقد جاء الاسلام ليعيد تنظيم العلاقة بين الانسان والوعي، فكان الاتجاه المعرفي سبيلا للارتقاء بالعقل وللخروج به من حالة الجمود باتجاه المعرفة الكلية، وهذه المعرفة لم تتخذ شكلا عرقيا او قبليا، بل أنها اتصفت بالشمولية نوعا وكما وجنسا.
لقد برهن الاسلام كشريعة خاتم على ان الاتجاه المعرفي لايتحدد بالاطر الوضعية بل ان الوحي يمثل الاصل المعرفي في علاقة الانسان بالسماء، ومن هنا فان نظرية الجعل الالهي ترتكز على أسس الوحي، ومن هنا يفترض بالحاكم ان يكون عالما.
لاشك ان الانظمة العربية الحالية تمثل الشكل اللامتناهي للانحطاط الفكري والسياسي، فكل المجاميع السياسية الحاكمة حاليا لاتمثل الحد الادنى من تطلعات رجل الانسان الذي هو ليس فقط الباحث عن لقمة العيش في ظل الامن، والنظام، ولكن الباحث عن القيادة التي ترتكز على اسس عقلانية ومنطقية كما هي واقعية، لتنتقل بالانسان الى مرحلة تحقيق الحل في الخلافة على الارض.
ثوابت لبنانية من واجبي التذكير ببعض الثوابت اللبنانية، التي تشكل ضمانة لكل الطوائف اللبنانية وتؤمن العدالة بين اللبنانيين.
لبنان وطن نهائي، بحدوده المبينة في المادة الاولى من الدستور اللبناني والمتعرف به دوليًا.
اللبنانيون:
المقيمون منهم والمنشرون في العالم، يؤلفون الأمة اللبنانية، المبنية تاريخيًا على التعددية الاثنية والدينية، وعلى التنوع الحضاري، والثقافي، والتراثي، واللغوي، والمتكونة من مجتمعين رئيسيين متحدين:
المسيحي والاسلامي، وهما متساويان في الحقوق والواجبات.
لبنان بواقعه الاجتماعي والسياسي والوطني، وبحقيقته التاريخية، هو :
اتحاد طوائفي" بين مجتمعين الاساسيين، مما يحتم اشراك طوائفهما في ادارة شؤون الدولة.
لبنان دولة حرة مستقلة، ذات سيادة تامة، وذات نظام جمهوري ديمقراطي برلماني تعددي يقوم على مبدأ فصل السلطات، ويرتكز على ديمقراطية التوازن والعدالة بين الطوائف.
تضمن الدولة اللبنانية وتصون حريات وحقوق الافراد والجماعات التي يكرسها الدستور اللبناني، وايضاً كل الحقوق والحريات التي تكرسها شرعة حقوق الانسان.
لبنان، في محيطه الاقليمي متعدد الانتماآت:
(مشرقي، وشرق ادنوي – وشرق اوسطي _ وشرق عربي – وبحر متوسطي) وهو من الوجهة الحضارية والثقافية والتراثية، حصيلة الحضارات والديانات الديمة والحديثة، التي عاشت على ارضه وتفاعلت مع شعبه عبر تاريخه الطويل، وعالميًا فهو ينتمي الى الحضارة الغربية الانسانية العالمية، التي هي ايضًا جزء منه.
وبفعل هذا، فقد تكونت للبنان الوطن، وللأمة اللبنانية، هوية وطنية قومية لبنانية خاصة بهما.
الدولة اللبنانية، بحد ذاتها، كشخص معنوي وقانوني، هي دستوريا (المادة 9 من الدستور)، دولة علمانية (زمنية)، اي غير دينية، وبالتالي حيادية بين الاديان، تمتنع عن اتخاذ اي دين رسمي لها، ان علمانية الدولة، وواجب احترام وضمان حرية الاشخاص، توجب علىالدولة اقامة الزواج المدني الاختياري، ووضع قانون مدني اختياري للاحوال الشخصية، يطبق على كل من يختاره من اللبنانيين.
المطالبة بالغاء "الطائفية السياسية" وبتطبيق قاعدة الاكثرية العددية، هو مخالف للواقع الوطني ولمنطق التاريخ اللبناني، ومناقض لمبادئ واصوف الديمقراطية الحقيقية.
يجب اعلان لبنان دولة حيادية، تلتزم الحياد الدولي الدائم، وتبعا لذلك فهي تعمل للسلام العالمي، وتبتعد عن المحاور والاحلاف السياسية والعسكرية، وعن الحروب، وهي تمارس هذا الحياد من خلال عضويتها في جامعة الدول العربية، وفي منظمة الامم المتحدة، وفي سياستها الخارجية مع كافة دول العالم.
تنتسب الدولة اللبنانية، كعضو عامل وفعال، في المؤسسات والمنظمات الثقافية، والاقتصادية، والعلمية، الاقليمية منها والدولية، فتعمق بذلك مساهمة لبنان في التعاون الدولي الانساني.
تتعامل الدولة اللبنانية في علاقاتها مع كل دول العالم، على اساس مبدأ السيادة التامة، والمساواة، والمعاملة بالمثل، وعلى أساس التعاون، والاحترام المتبادل لاستقلال كل دولة، وسيادتها، وأنظمتها، وقوانينها.
نظام لبنان الاقتصادي حر، وعلى الدولة رعايته، ويجب عليها أن تضمن للمؤسسات وللأشخاص وللرساميل حرية التحرك والعمل، بعيدًا عن التجاوز والاحتكار والاستغلال.
المبادرة الفردية مصونة بما لا يتعارض مع النظام العام والمصلحة العامة.
اي مشروع اصلاح او تطوير للنظام اللبناني، يجب ان يكون توافقيًا بين المجتمعين اللبنانيين الرئيسيين، وأن يقوم على أساس الثوابت الواردة في هذه المذكرة، كما يجب ان يحافظ على الحقوق والضمانات التاريخية العائدة للطوائف اللبنانية.
وذلك عن طريق الحوار بين اللبنانيين، وفي اطار من السلم الحقيقي، والحرية التامة.
ان بحث واقرار اي اقتراح او مشروع يتعلق بتطوي النظام اللبناني، يجب ان يتم بواسطة المؤسسات والسلطات الدستورية الحالية، وفقًا للأصول المحددة في الدستور اللبناني، ومن قبل مجلس نيابي منتخب.
وجوب ممارسة اصول الديمقراطية الصحيحة في اختيار نواب الامة، مما يعني رفض مبدأ تعيين النواب بأي شكل كان.
تراجع الحضور المسيحي
"مما لا جدال فيه ان الحضور المسيحي في المشرق العربي يتراجع يوما بعد يوم، وأسبابه عديدة ومتفرعة،
الحرية الايمانية هي حق مقدس كفلته شرعة حقوق الانسان،
الاديان السماوية التي انطلقت من هذا الشرق تدعو الى المحبة والسماح والغفران،
من غير الجائز ان يشعر احد انه مرفوض او مضطهد بسبب دينه او مذهبه او معتقده،
الانسان اما ان يكون حرا او لا يكون انسانا.
في غمرة موجات التطرف والتصعب والاستفزاز والكراهية ما يمكن ان يسمى احيانا "بالارهاب الديني" الذي يغزو العالم، وفي ظل الاستنكار العارم للدعوات والممارسات المشينة ضد اي دين من الاديان، لا بد من تأكيد حق كل ديانة بتمسك اتباعها بخياراتهم الحرة في معتقداتهم وشعائرهم والتعبير عنها وفقا للقيم والمبادىء الاخلاقية التي هي جوهر انسانية الانسان.
ان اللبنانيين بأكثريتهم الساحقة، مسلمين ومسيحيين، مؤمنون بان هذا الوطن اذا خسر تنوعه الايماني والثقافي والحضاري، واذا فقد حرية انسانه الفردية فانما يخسر مبرر وجوده وديمومته لان هذا اللقاء الفذ بين اديانه ومذاهبه وهذا التفاعل الخلاق بين معتقدات ابنائه، هو الذي يعوض عن مساحته وعدد سكانه ويحوله الى وطن ذي دور ورسالة.
الخوض في متطلبات الحضور المسيحي الفاعل في الشرق العربي، قضية شائكة، الجزء الاهم من متطلبات هذا الحضور هو ما ينشده كل انسان في هذه المنطقة، وليس فقط المسيحيون.
السلام والاستقرار وحقوق الانسان والازدهار والحرية والديمقراطية، هي مطالب جميع مواطني دول هذه المنطقة.
الهجرة بسبب غياب هذه الحقوق، تطاول اعدادا كبيرة من ابنائها المسلمين قبل المسيحيين، غير ان انعكاس هذا الغياب على اتباع الديانة المسيحية اكبر بكثير.
اولا، لان اعدادهم قليلة بالاساس، وبالتالي فان التناقص سريعا ما يبرز للعيان.
وثانيا، لان وقع التهميش على الاقليات اكثر وطأة عليها منه على سائر فئات المجتمع التي لا يمكنها ان تعزو سبب تهميشها الى كونها أقلية.
هذا فضلا عن سعي المجموعة او الفرد الحاكم الى استرضاء الاكثرية من خلال تدابير ومواقف غالبا ما تستهدف الاقليات، وبخاصة الدينية منها".
وليس من يجهل ان المجتمعات المزدهرة والمطمئنة الى حاضرها ومستقبلها، والمتمتعة بحقوق مدنية واجتماعية وسياسية من شأنها ان تصبح حاضنة لنوعية راقية من المواطنين قابلة بالآخر المغاير وبحقه بالاختلاف.
وهذا بتقديري او ما يطلبه المسيحيون في المجتمعات العربية التي يعانون فيها منذ عقود من اسقاطات متنوعة واحكام مسبقة من جانب الاكثريات في مجتمعاتهم التي تريدهم ان يتبنوا عادات اجتماعية ومعتقدات سياسية، وفي بعض الاحيان دينية، مخالفة لعاداتهم وتقاليدهم ومعتقداتهم.
بالتأكيد ان عملية تشكل الدول وفق الشكل الذي يستجيب لمعايير حقوق الانسان والمواطنة القائمة على المساواة بين جميع افراد الشعب ومجموعاته الاثنية والطائفية، يفترض ان تكون نابعة من داخل هذه الدول.
العالم العربي سلك طريقا معاكسة، ادت في شكل طبيعي الى نتيجة معكوسة، لقد صهرت النخب الحاكمة خلال العقود الستة المنصرمة، باجراءات فوقية، مجتمعاتها وطوائفها ونخبها، وانصهرت هذه المجتمعات والطوائف، بشكل طوعي في معظم الاحيان، في قالب ايديولوجي واحد تطغى عليه، ان لم تسد فيه، ألوان ومعتقدات وتطلعات ونمط حياة الاكثرية الاسلامية.
متطلبات الحضور المسيحي الفاعل في دول الشرق العربي تبدأ بإعادة الاعتبار الى التجربة اللبنانية، بأبعادها القائمة على الديمقراطية والعيش المشترك والمساواة بين جميع المجموعات الطائفية، ومحاولة تعميمها، بالقدر الممكن على الدول العربية، كل بحسب اوضاعه وظروفه الداخلية.
فلبنان شكل قبلة لمسيحي الشرق ومقرا لكنائسهم وجامعاتهم ومؤسساتهم وفي بعض الاحيان ملجأ لهم، عندما كان وجودهم مهددا.
وكل مبادرة باتجاهه سرعان ما تنعكس، في شكل او آخر عليهم.
لعل المناخ السياسي والتبدل في الذهنيات هو اكثر القضايا إلحاحا بالنسبة الى الحضور المسيحي الفاعل في الشرق العربي، لانه المدخل الالزامي للتنمية المستدامة والشاملة لمختلف نواحي الحياة الانسانية التي تجتذب المسيحي المشرقي الى الدول الغربية حيث تسود المساواة والفرص المتاحة امام الجميع.
المسيحيون يريدون البقاء في الشرق العربي، والدليل انهم لا يزالون مقيمين فيه، وان بعض من يهاجرون منه يعودون اليه على رغم المغريات في دول الغرب.
غير انهم يريدون ان يعيشوا بكرامتهم وبمساواة مع غيرهم من ابناء المنطقة، وبشيء من الحرية.
ان كل مبادرة رسمية او حتى فردية، أكان على مستوى مادي، كمثل انتهاج سياسات او تقديم دعم، ام معنوي، كمثل اعلان مواقف ايجابية من الدور المسيحي في العالم العربي، تجد دائما وقعا لافتا في صفوف المسيحيين في كل دول المشرق العربي.
فكيف اذا تنسقت هذه المبادرات وتتابعت في اطار جامعة الدول العربية ومؤسساتها، او في غيرها من الاطراف الموجودة او تلك التي يمكن استحداثها، وصارت منحى ثابتا في السياسات الرسمية والمناهج التربوية.
المتطلبات للحفاظ على الدور المسيحي الفاعل في المشرق العربي ليست صعبة التوافر متى توافرت النيات الرسمية الحسنة والانتباه المطلوب من المسؤولين في دول هذه المنطقة التي لن تجد نفسها، في حال غياب الحضور المسيحي التام، الا ساحة لنزاع دام مفتوح الى ما شاء الله بين الاسلام واليهودية.
نزاع سوف يؤدي الى مزيد من الكراهية والموت والدمار ولكن ايضا المزيد من الفقر والتخلف والحرمان، وتراجع لحقوق الانسان.
دور الانظمة العربية يفترض ان يتزامن مع التزام دولي بالاحجام عن السياسات التي تشعر اي فئة من فئات منطقة الشرقين الاوسط والادنى بالغبن والاستهداف او بالخضوع لعدالة الكيل بمكيالين.
فهذه السياسات أدت، خلال العقود الماضية، الى بروز تيارات راديكالية مناهضة للقيم العالمية التي تتبناها دول العالم، لاختبارها إجحافها او عدم الالتزام بمقتضياتها لدى تعاطي هذه الدول مع القضايا التي تهمها.
وفي مجتمعات تقودها هذه التيارات الراديكالية الرافضة للشرعة العالمية لحقوق الانسان وغيرها من المواثيق الدولية، من الصعب توقع بقاء مسيحيين فيها.
ولعل تجربة القضية الفلسطينية التي لم تزل جرحا مفتوحا لا يجد طبيبا متجردا يعالجه منذ اكثر من ستين عاما، وتجربة العراق بالامس القريب، وما أفضتا اليه من هجرة للاقليات المسيحية منهما، خير دليل على الانعكاسات السلبية لهذه السياسات على وضع المسيحيين في الشرق العربي.
الموضوع الذي يجب ان يطرح هو:
ما هو مصير العرب كشعب تاريخي في حال زوال التعارف من بينهم مع الاخر بالاعتبار بان مثل هذا الزوال للنصارى العرب امر يمكن تخليه؟
لبنان بالنسبة الى العرب، هو اخر معاقل النصرانية، في ديارهم، ومنذ عشرين سنة تقريبا، عندما بدا للعرب من اقصى مشارفهم الى اقصى مغاربهم، ان النصرانية في لبنان توشك على الانهيار تملكهم الخوف وهبوا جميعا لوضع حد لهذا الانهيار.
المسيحيون الباقون حتى اليوم في ديارهم العربية، والى جانب رهطهم، هم وحدهم من حماة هذه الديار ان هم ارادوا ذلك فعليا، المطلوب منهم فقط استمرار وجودهم حيث هم، حتى تستمر الظاهرة التاريخية التي اسمها العرب النصارى، التي بدونها لن يكون هناك شيء اسمه عرب، فهل ندرك عمق المسؤولية التاريخية والحضارية المنوطة بنا وخطورتها؟
" أول ما يثار اليوم هو المسألة الديموغرافية.
الحديث اليوم عن تراجع ادوار المسيحيين متصل اتصالا وثيقا بضعف الدولة أو اضعافها ومعها المواطنة والمساواة.
لكن الرد على تراجع الدولة والمواطنة لا يكون إلا في التمسك بالدولة وبتأكيد المواطنة، بديلا من اعادة اختراع العصبية الطائفية، ردا على العصبيات الأخرى.
الخوف من تراجع أدوار المسيحيين، والتفجع بأحوالهم يستعجل تحقيق ما يخافون منه.
لا مستقبل للمنطقة من دون العيش الواحد، وأن تراجع الحضور المسيحي من حيث العدد.
التحديات التي تواجه المسيحيين كتنامي الحركات التكفيرية الاسلامية والتي تسعى الى إلغاء الآخر المسيحي والاسلامي الذي لا يطابقها النظرة، وانزلاق بعض الفئات المسيحية الشرقية الى منطق انعزالي كمخرج وحيد لحمايتهم، كلها عوامل تدعو المسيحيين اليوم وأكثر من السابق إلى استعادة مواجهة هذه التحديات بترسيخ هويتهم كرسل حضارة.
وجود كنائسنا في هذه المنطقة من العالم يشير الى أصالة كنيسة المسيح الواحدة الجامعة المقدسة الرسولية في سياق التاريخ الانساني والجغرافية، ويشهد استمرارها، رغم الصعوبات على اختلافها والانقسامات التي عرفتها عبر مراحل التاريخ المعاقبة، على أمانتها للمسيح منذ يوم العنصرة.
أي انتكاس يصيب وجود المسيحيين، واي انحسار لدورهم، هما بمثابة شهادة مضادة لتجذر المسحية في منطقتنا منذ ايام الرسل وحتى اليوم.
يحمل المسيحيون في منطقتنا تراثا مسيحيا فريدا تكوّن بفعل خبرة تاريخية طويلة اتسمت بتفاعلنا كمؤمنين بالمسيح مع حضارات قديمة متنوعة انطبعت بها هوياتنا الكنسية كالآرامية (السريانية) والمصرية والهلينية والرومانية.
نحن مأزومون، نحن شعب ضائع مفتت.
ظلمه التاريخ والقدر والغزوات والحروب.
لا دولة له لا سلطة لا تحالفات لا مشروع.
نحن كلنا كمسيحيين غير متفقين حتى على الحد الادنى من الثوابت مع روعة تنوع حضاراتنا والثقافات.
ان انقسامنا المذهل طوائف ومذاهب واحزابا، ثم داخل طوائفنا من انانياتنا والفوضى، مأساوي كأننا غير مدركين لحجم المخاطر.
لقد تطبعنا عبر قرون، وحين عصف عصر حقوق الانسان والقوميات خفنا، في عالم تهمه المصالح وليس المبادىء أليس مذهلا ان يسمينا بيان حكومي عراقي "الجالية المسيحية" بعد ألفي سنة من حضورنا في بلاد الرافدين.
علينا ان نكون واضحين.
لسنا صليبيين ولا أحصنة طروادة لاحد.
لا نقبل أصلا اي اتهام او تشكيك في انتمائنا، دون وجل دون خوف.
جزء من هذا العالم الاسلامي والعربي والتركي والايراني والكردي.
جزء من تنوع منطقة ضاجة.
لكننا مع حقوق كل انسان، مع الحريات.
لا يمكن ان نكون على الحياد مع قضية حق الفلسطيني بدولة، مع سلام عادل شامل، مع حق العودة للاجئين، لكن ايضا مع الحق الكردي بان يشعر بالامن والمساواة، مع حق المسيحيين في كل هذه البلاد، بان يعترف بهم، بقومياتهم، بلغاتهم، بمؤسساتهم، بتمثيلهم، بأحزباهم.
موجة الاصوليات التكفيرية الالغائية المتخذة من النموذج الاسرائيلي راية، عبر نموذج إنشاء دول دينية على أنقاض الآخر، وعبر رفع فتاوى لا يقبلها لا عقل ولا منطق ولا دين هي أخطر ما يواجه المسيحي.
ان هذا الارهاب الذي يغتال مطرانا، ويكفر جارا، ويهجر سكانا اصلييين هو آفة لا يمكن معالجتها فقط بالامن، بل بالفكر والاقتصاد والاعلام.
سكوت الانظمة العربية، واحيانا تواطؤها، عبر محاباة الفكر المتأسلم، لترضيته على حساب حقوق الانسان وحقوق المسيحيين هو طعنة في صميم جوهر تكوينها.
أليس غريبا ان يكون المسيحي دائما ضحية وفي أغلب الاحيان نسمع عن تبرئة القتل عبر تنسيب الجرائم الى مجنون؟
ان عدم جرأة الانظمة، بدءا من دساتيرها، في الاعتراف بالمساواة التامة بين المواطنين، لا يساعد على إعطاء اي بصيص أمل للمسيحي، صحيح ان الانظمة متفاوتة في تعاملها مع المسيحي، ففي بعض البلدان المواطنة فقط للمسلم، في بعضها دين رئيس الدولة الاسلام، وفي بعضها دين الدولة الاسلام.
إن هذا الغرب الخبيث يعامل قضية الحضور المسيحي بمكيال المتجاهل المتواطىء.
اصلا هو مسؤول مباشر عبر احتلاله العراق في زعزعة كيان دولة عربية - مهما كان رأي الناس في قيادتها او ممارساتها - في غياب الامن والمرجعية.
وهو مسؤول مباشر عن دعم احتلال فلسطين مما هجر ايضا المسيحيين من الارض المقدسة وأشعل غضبا اسلاميا عارما.
ما زلنا كمسيحيين، من دون وجه حق، ندفع أثمان اخطاء الغرب وخطاياه رغم اننا معارضين لسياساته.
هذا الغرب ليس لديه ما يقدمه لمسيحيي العراق الا تسهيل سمات دخول لمزيد من التهجير.
أصلا، ليس هناك على اي أجندة غربية ملف عنوانه بقاء او حضور او دور او مستقبل المسيحيين في الشرق.
مقال
كان مستحيلأ هذا الوطن، لبنان، لو انه ليس لقاء حرًا! هو في ذاته، في تكوينه، في جوهره، في فلسفته، في بقائه، في قدره، في صراعه، في مغامرته، بل قل في رسالته، لقاء حر، توافق حر على العيش المشترك في دولة واحدة سيدة مستقلة.
هذا هو الثابت، أما الباقي، صيغة تترجم هكذا الميثاق، فهذه متحركة حسب السياسة، وقابلة للبحث والنقاش.
والثابت ان يكون لبنان حراً.
ان اصرارنا على كلمة "حر" ليس زيادة، ولا مزايدة، ولا لزوم ما لا يلزم، ولا كما يظن من بكاء على اطلالها.
بل هو توقنا الدائم لها، لأن لا معنى للبنان دونها، بل لا معنى للانسان نفسه دونها.
من أجل هذا، إن كل لبنان هو لجنة حوار دائمة، فإن كل مواطن عضو فيها، وكل منزل فرع لها، علماً ان للحوار أصولاً، أن نعرف الآخر ونريده ونحترمه، كما هو، لا كما نريده نحن أن يكون.
أن نتحلى بالصدق والشجاعة والانفتاح والعمق.
أن نحاول أن نمحو من ذاكرتنا ما نخجل منه في تاريخنا، وأن نحفر في عقلنا ما يشع.
أن ندرك أننا معاً، جزء لا يتجزأ من حضارة المنطقة.
ليس بيننا من ضيوف، ولا رهائن، ولا أقلية، ولا أولاد حارة! أن نقتنع أن بيننا ما يكفي لنتوحد حول الوطن، لنحصنه، وكذلك بيننا من الخلافات ما اذا استمرينا بتحريكها، تكفي لزعزعة وطن.
أن يكون خطابنا واحداً في العلن والسر.
أن لا نرى الحوار ترفاً فكرياً، بل شهادة حية.
أن نؤمن بأن فرادة لبنان ليست ابداً جباله ومياهه وأرزه، وهذه نحبها كما لا احد، لكن في هذا التحدي الحضاري.
أن نقبل الواقع كما هو، ولا نحاول إغفاله، حتى ننطلق منه الى حلم التغيير.
أن نتصارح حول الهواجس التي في البال، دون عقد.
أن أمامنا الكثير من العثرات والهوات.
لقد دفعنا غالياً جداً ثمن تفرقنا وعدم تلاقينا، من لحم ودم أبنائنا.
ورغم ذلك، وربما بسبب ذلك، علينا أن نتمسك أكثر بالرجاء.
إن لبنان يتسع لنا كلنا، لكل انسان.
أياً كانت ديانته.
هل يمكن أن نتقاسم معاً نعمة أن نكون لبنانيين، فنطل على الحضارة العالمية بالمشاركة الفعلية في صناعة مساحة حريات نقول فيها إن الإنسان يستحق الحياة الحرة ويقارب وجه الله؟
وهل يمكن أن نفتش عن نضال وقضية أسمى من هذه؟
هذا هو لبنان.
وهو يستحق.
لبنان وطنًا لا يتجزأ ودولة مستقلة ذات نظام جمهوري، ديمقراطي برلماني، حر، قائم، يختزن تنوّعًا حضاريًا وثقافيًا.
وفي حركة تفاعل دائمة مع الحضارات العالمية.
يريده دولة ترعى حقوق الطوائف وتؤمّن لهم الضمانات وتحافظ على تقاليدهم وأعرافهم التاريخية المتينة وتبني في إطارها مرتكزات التعاون الوطني في المجالات كافة.
وإذ نقر بطابع لبنان الحضاري المميز، نعمل في الوقت عينه في سبيل إيجاد صيغة مستقبلية من شأنها المحافظة على خصوصية لبنان وطابعه وواقعه وحضور تنوّع في وحدته.
رغم كل ما أحاط لبنان من تحولات وتطورات دراماتيكية في الربع الأخير من القرن العشرين حتى اليوم، نجح في بلورة نهج مستقل وخط وطني وفي لعب دور الشاهد الحر والضمير الحي.
لعلّه من القلّة الذين لم يغيبوا عن الساحة اللبنانية حتى بأحلك مراحلها، بل استمر على نشاطه وزخمه غير مستسلم أمام ما يتعرض له المجتمع اللبناني من قهر وظلم وإذلال وتهميش وتدمير.
المسيحية في الشرق الأوسط
تميّز أتباع المسيح منذ فجر الإسلام بالأخلاق والمروءة.
والتاريخ الإسلامي يحفظ للنجاشي ملك الحبشة حمايته أتباع الرسول العربي من بطش أعدائه.
أما المسيحيون من رعايا الدولة الإسلامية فكانت العلاقة معهم باستمرار قائمة على "ميثاق" هو أشبه ما يكون بعقد يعطيهم حقوقهم، ويرتب عليهم واجبات معينة.
وفي القرآن الكريم تتردد لفظة "الميثاق" هذه في مواضع كثيرة، بل إنه ندر أن ورد ذكر الأديان الأخرى دون جعل الميثاق ضابط التعامل مع أبنائها، وواضح ان القرآن الكريم يلزم المسلم بالميثاقية في التعاطي مع غير المسلم من المسيحيين واهل الكتاب عامة.
وفي الزمن الذي ولدت فيه فكرة أهل الذمة نجد انها المرة الاولى في تاريخ البشرية تسلم فيه سلطة بخرق المبدأ الذي كان معمولاً به في كل اطراف العالم المعروف آنذاك، ومن ضمنه العالم المسيحي، وهو المبدأ القائل بان الناس على دين ملوكها، وهو بالأصل عبارة شرعية مكرسة كانت الجماعات والكنائس تأخذ بها دون نقاش.
مع ظهور الدعوة وقيام الدولة الإسلامية في شبه الجزيرة العربية ثم الفتوحات التي جرت لاحقا بدأ المسيحيون العرب يتلمسون تحولاً كبيرًا في واقعهم الذي اخذ يومًا بعد يوم يتحول غلبة فكرية وعددية في غير صالحهم.
المسيحيون العرب الأوائل الذين عاصروا الفتح الإسلامي انتقلوا فجأة من سلطة الدولة البيزنطية، إلى سلطان دولة إسلامية خيرتهم بين اعتناق الإسلام والبقاء على دينهم شرط الدخول في ذمة المسلمين ورفض القتال إلى جانب أعدائهم.
والتاريخ يذكر أن عمرو بن العاص عندما فتح الإسكندرية للمرة الثانية وزع من بيت المال على الأقباط أموالا طائلة.
يبقى الشرق موطن ولادة المسيح وانطلاقة المسيحية يعتنق المسيحية اليوم ثلث سكان الكرة الأرضية وتشكل الديانة الأوسع انتشارًا في العالم.
تراجع نسبة المسيحيين المشرقيين يثير قلقًا بالغًا لدى المجتمع المسيحي العالمي.
المخاوف من إقفار الأماكن المسيحية المقدسة وخسارتها لأبنائها المؤمنين باتت جدية.
المسيحيون اضطلعوا بدور هناك في تحقيق المصالحة، وأن وجودهم خفف من حدة التوترات، وأن تضاؤل هذا الوجود بإمكانه الإسهام في تأجيج التطرف.
بطبيعة الحال، يغلب المسلمون حاليا على التركيب السكاني بمنطقة الشرق الأوسط.
وفيما عدا إسرائيل، التي يسكنها ستة ملايين يهودي، لا توجد دولة بالمنطقة لا يشكل المسلمون غالبية سكانها، بما في ذلك لبنان.
في خضم هذا الوضع، يجد المسيحيون المحليون أنفسهم ممزقين بين الرغبة في دق ناقوس الخطر والتزام الصمت، الأمر الذي يرجع إلى عدم ثقتهم فيما إذا كان لفت الأنظار إلى المشكلة سيقلصها أم سيزيدها عبر دفع البقية الباقية من المسيحيين إلى الرحيل.
مع صعود الإسلام السياسي محل القومية، باعتباره القوة المحورية في صياغة سياسات الهوية، بات المسيحيون، الذين اضطلعوا بأدوار مهمة خلال العديد من النضالات الوطنية، مهمشين في الوقت الراهن.
ونظرا لأن الثقافة الإسلامية، خاصة في صورها الأكثر أصولية، غالبا ما تعرف نفسها بالتناقض مع الغرب، فقد تدنت منزلة المسيحية ببعض المناطق إلى منزلة ثقافة معادية ـ أو على الأقل دخيلة.
طالت معاناة المسيحيين العرب بفعل تحولهم إلى أقلية في العالم العربي.
في كل الأزمات، التي تخبط بها العالم العربي وعلى مدى القرون، سعت الكنائس جاهدة في سبيل الحفاظ على تماسكها على المستوى الداخلي، أما على مستوى علاقاتها بمحيطها الإسلامي فتحركت من أجل المصالحة والتعايش والاستقرار.
كما دعمت استقلال الدول التي تعيش في كنفها وتبنت القضايا العربية المحقة، في توجهاتها، لا بل ساهمت في إيصال الحق العربي إلى اعلى المنابر الدولية.
رسائل بطاركة الشرق السنوية عبرت عن هذا الالتزام بقضايا العرب والرغبة الثابتة في العيش بسلام مع المسلمين والتفاعل الحضاري معهم.
ولعل الدور الذي لعبه لبنان في هذا المجال كان رائدًا ومثاليًا قبل اندلاع الحرب وفي المرحلة اللاحقة.
بدورهم، عمد معظم رجال الفكر المسلمين إلى التضامن مع المسيحيين في أزماتهم والمخاطر التي واجهوها وعلت أصوات مسلمة فاعلة تحذر من خطر نزوح المسيحيين من الشرق وتمسكت بالمشهد العرب الواحد الانساني الحضاري المحتضن للمسيحية العربية.
المؤتمر الصهيوني الأول المنعقد في مدينة بازل السويسرية عام 1897، برئاسة هيرتزل وحضور 204 يهوديًا يمثلون 15 دولة أسس لمشروع "خلق وطن للشعب اليهودي في فلسطين يضمنه القانون العام"، وحدد وسائل تحقيقه وأطلق ما عرف بـ"المنظمة الصهيونية العالمية".
إلى كون المؤتمر المذكور انعطافاً محوريًا في تاريخ الحركة الصهيونية، لا يمكن اعتباره إلا خطوة أولى على طريق طويل تمدد على طول عقود القرن العشرين ولا يزال.
وتظهر الوقائع التاريخية أن ثمة تقاطعًا اجتمع عند محوره كل من المنظمة الصهيونية العالمية وحركة الاستعمار الاوروبي فالأميركي العالميين.
على هامش هذا المؤتمر ولد مخطط بناء الدولة اليهودية بأدق تفاصيله بدءً بإقامة جمعية اليهود والشركات المالية مرورًا بعملية تهجير اليهود وتنظيم مستوطناتهم وتفعيل لغتهم وإنجاز دستورهم.
لاحقًا تم التوافق على اختيار أرض فلسطين موطنًا لإقامة الدولة اليهودية وقامت الشركة اليهودية بتصفية مصالح اليهود المهاجرين وإطلاق عجلة الاقتصاد في الكيان الجديد، واستقدام رؤوس الأموال لبناء المساكن وشراء الأراضي وإطلاق الحركة التجارية.
وعندما نعلم ان الشركة اليهودية التي بلغ رأسمالها الألف مليون مارك قد اتخذت لندن مركزًا لها وتوسعت لتشمل شركات مالية عدة اتحدت تحت لواء المنظمة الصهيونية المالية، ندرك الدور المركزي الذي ستلعبه المملكة البريطانية في دعم هذه المخططات الصهيونية والمساعدة في تحقيقها.
ترسخ النشاط الصهيوني البريطاني بعد المؤتمرين الثاني والثالث.
في الواقع تسابقت الدول في دعمها للمشروع الصهيوني كسبًا لتأييد اليهود ونفوذهم المالي العالمي، وتأمين النجاح لحركة التوسع الاستعماري، حتى أن ملك إيطاليا اقترح على اليهود استيطان طرابلس الغرب تحت الحماية الإيطالية، كما أن هرتزل سعى إلى حشد تعاطف الدول الأوروبية بكاملها مع المخططات الصهيونية بما في ذلك ألمانيا القيصرية وكسب دعمها المطلق لاعبًا على وتر التنافس الاستعماري من جهة وتحريك الآفاق الاقتصادية الجديدة من جهة اخرى أخرى.
لم تثمر المساعي في إقناع القيصر الألماني من جهة والسلطان العثماني من جهة أخرى في تأييد المخططات اليهودية، فتوجهت أنظار الصهيونية العالمية إلى بريطانيا.
في المؤتمر الصهيوني السابع المنعقد في بال سنة 1905 تم التخلي عن فكرة استيطان اوغندا والتوافق النهائي على أرض فلسطين.
فحصل أول انشقاق في صفوف الصهيونية حيث قرر إسرائيل زانغويل ومعه عدد كبير من الصهيونيين البريطانيين تأسيس "الاتحاد الإقليمي اليهودي" وهدفه تبني مشروع استيطان اليهود في أي جزء ملائم من العالم.
لاحقًا وبعدما وعدت بريطانيا وعدها المعروف باسم وعد بلفور عمد زانغويل إلى حل منظمته وعاد ليلتحق بركب الحركة الصهيونية العالمية.
تزامنت هذه الاستراتيجيا الصهيونية مع انتصار بريطانيا والحلفاء في الحرب العالمية الأولى والانطلاق بمرحلة الاستعمار الكولياني المرتدي ثوب الانتداب في البقاع التي كانت خاضعة للامبراطوريات المنهارة بما في ذلك القطر الفلسطيني.
مع ولادة مشروع الدولة اليهودية، اندلعت الحرب العالمية الأولى وبزغ فجر انهيار أوروبا مقابل نشوء الولايات المتحدة الأميركية، الأمر الذي دفع باليهود الهاربين من أوروبا إلى الانقسام في اتجاهين الأول نحو فلسطين والثاني باتجاه الولايات المتحدة الاميركية فتعايش المنحى الأيديولوجي مع البعد الاقتصادي.
بلغ عدد اليهود في الولايات المتحدة الاميركية سنة 1918 حوالي الأربعة ملايين.
في الوقت عينه بدأ ينمو باضطراد استيطان اليهود لمناطق عدّة داخل الأراضي الفلسطينية.
وبفعل عمليات شراء الأراضي في فلسطين نشبت بعض المناوشات والمنازعات بين القادمين الجدد والفلاحين العرب، وبدأت أولى العلاقات العنفية بين الطرفين.
قامت السياسة الصهيونية ليس فقط على احتلال الأراضي الفلسطينية فحسب بل على الاستيلاء أيضًا على المقدرات المالية والصناعية والزراعية.
رغم نجاح الخطوة التأسيسية للإستيطان الصهيوني لأرض فلسطين، بقيت نسبة اليهود الاستيطانية ضئيلة إذا ما قيست بالملايين من اليهود الذين تقاطروا تزامنًا إلى الولايات المتحدة ومختلف دول أميركا اللاتينية.
تغيرت هذه المعادلة بعيد الحرب العالمية الأولى بفعل إقرار وعد بلفور فدخلت الحركة الصهيونية بعده مرحلة جديدة.
بعدما تحولت فلسطين إلى هدف الصهيونية العالمية الاوحد بعد استبعاد الأرجنتين وأنغولا نهائيًا، بدأت الخطوات العملية المتسارعة لتحقيق مقررات المؤتمرات الصهيونية لاسيما مؤتمر بازل الأول الذي دعا إلى إقامة وطن قومي للشعب اليهودي من خلال منهجية تسلسلية تقوم على تشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين وربط اليهود بالحركة الصهيونية وتأمين التأييد الدولي للمشروع الاستيطاني وتشكيل المنظمة الصهيونية العالمية والوكالة اليهودية المولجة تنفيذ قرارات المؤتمرات وجمع الأموال لشراء الأراضي وإقامة المستوطنات وإرسال المهاجرين إليها.
سنة 1948 نجحت المنظمة الصهيونية العالمية في إقامة الدولة اليهودية على أرض فلسطين.
بعد نكسة حزيران عام 1967، انعقد المؤتمر الصهيوني السابع والعشرون ليستنهض من جديد المشروع الصهيوني فأصدر "برنامج أورشليم" الذي تمسك بوحدة الشعب اليهودي ومركزية أرض إسرائيل، وجمع الشعب اليهودي في وطنه التاريخي عن طريق الهجرة من كل بقاع الأرض، والمحافظة على أصالة الشعب بتنمية التعليم اليهودي واللغة العبرية وبث القيم الروحية والثقافة اليهودية.
بفعل هذا المؤتمر بدأت المنظمة الصهيونية تخسر بعضًا من اختصاصاتها لصالح دولة إسرائيل.
سنة 1948 نشبت الحرب بين الإسرائيليين والعرب، انتهت بنكبة الفلسطينيين وتهجيرهم عن أرضهم، وبالمقابل قيام دولة إسرائيل.
بدأت القيادات الإسرائيلية بإعداد خططها العسكرية سنة 1945 وفي السنة اللاحقة بدأت الهاجاناه بإجراءاتها المضادة بما فيها الخدمة العسكرية.
في وقت كان الفلسطينيون يفتقرون إلى التنظيم والدعم والقدرة اللوجستية.
اجتمعت الدول العربية في القاهرة سنة 1947 وأعلنت رفضها التقسيم، في حين وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على تقسيم فلسطين إلى دولتين الاولى يهودية والثانية فلسطينية.
في وقت رحب الصهاينة بالمشروع رفضه الفلسطينيون واستمرت الأحداث على تفاقمها، لاسيما بعدما تألف جيش الإنقاذ بقيادة فوزي القاوقجي، ولجوء الصهاينة إلى استخدام السيارات المفخخة، ما فتح الباب أمام تبادل كلا الطرفين عمليات النسف والتفخيخ والتفجير.
في صبيحة جلاء القوات البريطانية عن فلسطين سنة 1948 أصبح إعلان قيام دولة إسرائيل ساري المفعول ما أجج الحرب بين الكيان الجديد والدول العربية التي أرسلت الجيوش إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة.
في السنة التالية اعترفت الولايات المتحدة الأميركية بإسرائيل وتبناها مجلس الأمن الدولي عضوًا في الأمم المتحدة، وتوقفت الحرب المندلعة بين العصابات الصهيونية والجيوش العربية بتوقيع الهدنة الثانية التي لا تزال تحكم العلاقة بين الطرفين حتى تاريخه، في وقت بات ما نسبته 75% من الشعب الفلسطيني بحكم اللاجئ والمهجّر والمقيم قسرًا خارج حدود فلسطين التاريخية.
حملات إبادة
في مطلع القرن العشرين تعرّض الأرمن والأشوريون "السريان" القاطنون في السلطنة العثمانية لحملة إبادة واسعة النطاق، على يد الجيش العثماني وبأوامر مباشرة من السلطان.
هذا التطهير العرقي الذي مارسه العثمانيون ضد المسيحيين يفسر ظاهرة تلاشي المسيحيين من مناطقهم التاريخية.
بالمقابل، لعب المسيحيون المشرقيون الدور البارز في إطلاق حركات التحرر القومي والوطني ضد الاحتلال العثماني في مختلف الأمصار العربية.
المجازر عمومًا هي صفحة سوداء في تاريخ الانسانية.
والمسيحيون عبر تاريخهم وقعوا عرضة لأشرسها، سيما وأن ذيول بعضها لا تزال ملموسة حتى تاريخه وما تلك التي راح ضحيتها الأرمن المسالمون في الربع الأول من القرن العشرين سوى خير شاهد على ما حل على الجماعات المسيحية من نكبات وأهوال.
تعود مقدمات المجازر الأرمنية الى نهاية القرن التاسع عشر وبلغت ذروتها في السنوات 1915 و 1922، حيث ذهب ضحيتها حوالي المليون ونصف المليون، بعد عملية طرد واسعة النطاق طاولت جميع الشعب الأرمني المقيم في أرمينيا التركية.
والأرمن وقعوا ضحية لمرتين، الأولى على يد الاتراك الطورانيين والثانية بسبب تنكر تركيا لتلك المجازر وعدم اعترافها بها، والأخطر في الموضوع أن غالبية دول العالم حتى اليوم لا تزال تتعاطى مع هذه المأساة بفتور ولا مبالاة.
المسيحيون والمسلمون
تاريخ الشرق الاوسط وواقعه لا يمكن فهمهما بدون تحليل الروابط العميقة التي ربطت مسيحييه ومسلميه عبر التاريخ.
لهاتين الديانتين السماويتين رصيد هام، ان بصورة مستقلة احيانا او مندمجة احيانا اخرى في تاريخ وحياة الشرق الاوسط الثقافية والاجتماعية والسياسية والحضارية.
الحوار الاسلامي - المسيحي يبدو في الشرق حقيقة ملموسة، فهم وعبر قرون متواصلة لم يتحاوروا فقط، بل تعايشوا معا، وجاهدوا معا، وتألموا معا في سبيل القيم الانسانية والاخلاقية السامية.
عمومًا تعاطى المسيحيون العرب بإيجابية مع الإسلام في الشرق بحيث أرادوا التمسك بصورة حضارية قائمة على تفاعل ثقافي.
المسيحيون والإرهاب نشوء "الإسلام المتطرف" المسلح بثقافة الإرهاب يقض مضاجع المسيحيين ويضعهم وجهًا لوجه مع الموت والقتل والمذابح.
هذا الإسلام المتطرف ينظم بوحشية عمليات تطهير عرقي واجتثاث ديني بحق المسيحيين.
والاضطهاد عينه يطاول أقباط مصر فنشهد بشكل شبه يومي جرائم بحقهم وبحق كنائسهم وممتلكاتهم.
يحتاج عالمنا العربي إلى تحصين من نوع آخر إذا لا يجوز في كل مرة تنشب ازمة في اي دولة من العالم ذات وجه خلافي مسيحي إسلامي، تنعكس آثارها سلبًا على العلاقات المسيحية الإسلامية في العالم العربي.
بدت ثورات البلدان العربية ذات صبغة علمانية إلا أن الدعوة إلى قيام الخلافة الإسلامية يعطي بعدًا مختلفًا لا بل نقيضًا لهذه الظاهرة الجديدة في عالمنا العربي.
عبر التاريخ كان مسيحيو الشرق وما زالوا الضحية الأولى لكل الغزوات التي عاشتها المنطقة، من الغزو الروماني البيزنطي الى الغزو العربي الاسلامي مروراً بالغزو الفارسي والعثماني وصولاً الى الغزو الأوروبي في القرن الماضي والغزو الأمريكي الغربي الجديد.
في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين استفادت "الشعوب العربية" من تدخل العالم الغربي ضد السلطنة العثمانية يوم أتت الجيوش الأوروبية وحررت شعوب المنطقة من الاحتلال العثماني المرابض على اكتاف العرب لاكثر من أربعة قرون باسم الخلافة الإسلامية، وتشكلت بفعل هذا التحول الدول العربية المعاصرة بحدودها الجغرافية ومكنوناتها السياسية والاجتماعية.
لم يحصد مسيحيو الشرق (آشوريون"سريان/كلدان"أرمن، موارنة،أقباط) أي مغنم من هذا التحول بل عانوا المزيد من الويلات والنكبات، ليس فقط على يد من يتقاسمهم الأرض والجغرافيا، بل من الغزاة الجدد أيضًا ولو انهم يتواصلون معهم في الفكر الديني والمعتقد.
الواقع المرفوض
الشعوب العربية عبر تاريخها كانت سباقة في حوار الحضارات.
والحضارة العربية لم تكن ذا وجه إسلامي فقط بل كانت من نتاج عمل مشترك إسلامي مسيحي.
هذا الحضور المسيحي في الشرق اثر بعمق في نهج الإسلام ومعرفته وتحولاته.
لم يخدم الاستعمار الغربي للعالم العربي المسيحية في الشرق بقدر ما أساء إليها، وتسبب بمأزق في العلاقة بينها وبين الإسلام.
كيف يمكن لديانتين عاشتا قرونا طويلة وحسن جوار متبادل، ان تنتهي العلاقة بهما إلى هذا الدرك المخيف؟
لماذا الإرهاب يطال اليوم مسيحيي الشرق الذين ضحوا عبر التاريخ في سبيل نهضة بلادهم وازدهارها؟
أي عرقلة للتعايش المسيحي الإسلامي في الشرق هو ضربة مثلثة الأبعاد:
فهي تطال سيادة البلدان العربية والسلام، كما تطيح بحقوق الانسان وحرية الاعتناق الديني وهي أيضًا تقضي على كل حلم بوحدة عربية متكاملة.
هذه العنصرية الهادفة إلى استئصال الوجود المسيحي من الجذور يتزايد مع صعود الاصولية المتطرفة من جهة وترسيخ التهويد للأرض الفلسطينية واستعمار الاقتصاد العربي.
هذا المخطط الهادف إلى إشعال نيران الفتنة الدينية بين المسلمين والمسيحيين يهدف إلى ترسيخ تلك المزاعم القائلة باستحالة التعايش بين الديانتين في مساحة جغرافية واحدة، ما يخدم منطق قيام الدولة الإسرائيلية وحججها، إن لجهة أحاديتها العرقية والدينية والعنصرية أو لجهة تبرير مخاوفها ودوافع حروبها مع محيطها.
عشية عيد الميلاد الأسبق منع رئيس بلدية الناصرة العليا كل مظهر من مظاهر الاحتفال بما في ذلك تزيين الشوارع ورفع شجرة العيد.
إجراء كهذا ألا يدخل في فلك الاضطهاد والقمع الذي يطال المسيحيين في مختلف ارجاء العالم العربي؟
أليس وجهًا من وجوه التضييق عليهم حتى الاختناق ومغادرة أرض اجدادهم؟
الاعتداءات الإرهابية التي تطالهم بفعل إصرار تنظيم القاعدة في العراق وسائر دول العالم على شن حربه الشهواء على المسيحيين من الطبيعي ان ينعكس تدميرًا للتركيبة الاجتماعية العراقية التي اتسمت بالتنوع الديني والفكري.
عادة ما يضرب الإرهاب الحلقة الأضعف في تركيبة المجتمع وفي عالمنا الشرقي تبدو الجماعات المسيحية هي تلك الحلقة.
في كل مجتمع تغيب عنه مؤسسات ديمقراطية تمثيلية وأحزاب سياسية تترسخ حالة التخلف وتنمو ظاهرة الإستبداد والسيطرة العسكرية كما الأصولية المتطرفة.
ضرب الوجود المسيحي في فلسطين
عمومًا إن الوجود المسيحي العربي في فلسطين الارض التي ارتبط اسمها بالديانة المسيحية قد بدأ يتقلص الى ان وصل الى 50 الف فرد فقط وهي تمثل نسبة 1% من عدد الشعب الفلسطيني وقد يأتي زمن يختفي فيه المسيحيون من ارض السيد المسيح,
لا يجوز ان تبقى الدول العربية وجامعتهم ومنظماتهم على كافة انواعها ومستوياتها مكتوفة الايدي غير مبالية في دعم بقاء المسيحي العربي في ارضه المقدسة.
يرتكز التاريخ الفلسطيني المعاصر على المسيحيين الفلسطينيين أبناء الضفة الغربية وقطاع غزة في كثير من محطاته وحركاته الوطنية لما لعبوه من دور محوري في النشاط المقاوم منذ بدايات القرن الماضي وحتى تاريخه.
المسيحية تقتلع من المدن الفلسطينية الأصيلة لاسيما القدس وبيت لحم ورام الله وغزة وسواها.
أقباط مصر ضحايا الإرهاب
تعرض الأقباط في مصر لسلسلة اعتداءات إرهابية لا تحصى اشتدت وتيرتها في الربع الاخير من القرن العشرين.
سنة 1972 سجلت حوادث الخانكة، وسنة 1981 مذبحة الزاوية الحمراء، والجريمتنان كلتاهما حصلتا في عهد أنور السادات.
اما عهد محمد حسني مبارك فزخر بجولات مرعبة واعتداءات رهيبة راح ضحيتها الاقباط والمسيحيون، نذكر منها:
هيمن الصراع الاسرائيلي-الفلسطيني أكثر من 60 عامًا على تحولات الساحة العربية، ونشبت في ظلّه حروب وصراعات إقليمية عديدة.
مفهوم أهل الذمة في الفكر الإسلامي يشمل اليهود والنصارى والصابئة والمجوس وسواهم.
والمسيحيون العرب هم أشبه بمراكب تائهة وسط محيط صحراوي عاصف.
جذور مأساتهم ضاربة في التاريخ، تعود إلى أواسط القرن السابع الميلادي، واستمرت حتى اليوم.
حوار المسيحية والإسلام في الشرق
لعب المسيحيون العرب دورًا رياديًا في تأسيس الحركات القومية العربية الأحزاب السياسية وبرز منهم العديد.
لقد زخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين بمفكرين كبار مسيحيين وناشطين أسهموا في ولادة الحركات الاستقلالية والمشاركة في قيادة البلاد نحو الاستقلال والديمقراطية.
ولم يخل قطاع إلا وتحرك فيه المسيحيون بمن فيهم الأرمن والسريان والأقباط والأشوريين والكلدان في سبيل النهوض بالحضارة العربية من حالة الرقاد والانحدار التي أدخلتها في نفقه السلطنة العثمانية طوال احتلالها للجغرافيا العربية.
فإذا بالأعلام المسيحيين ينهضون بالصحافة والفكر والسياسة والطب والعلم والثقافة والادب وتزهر من جراء نشاطهم النزعة الاستقلالية والديمقراطية والعلمانية.
نهضة الشرق تتوقف عن مدى الشراكة التي يبلغها المسيحي في علاقته بالمسلم وهي قناعة على الطرفين كلاهما ان يؤمنا بها من اجل بناء مستقبل مستقر ومنسجم مع تاريخه وتنوع مكنوناته وتكاملها.
هو مشروع يجب ان يحتل اولوية كل حوار عربي داخلي.
ليست المسيحية العربية حركة سياسية بل هي تجمع كنائس وجماعات بطريركية ذات هوية مسكونية تتكامل بالحوار والتعاون والشراكة والوحدة.
صحيح أن الاختلاف في صفوف المسيحيين الشرقيين يخفف من وهج حضارتهم ويضعف موقعهم وقدرتهم على التنسيق والتعاون والسهادة الحقيقية.
إلا أنه تبقى على عاتقهم رسالة كبيرة تنبع من جوهر حضورهم الإنساني.
المسيحيون العرب هو جزء لا يتجزأ من العالم العربي يخدمونه ويدافعون عنه ويتجذرون فيه وينخرطون في مشاريع إصلاحه وتجدده ونهوضه وغنمائه وتقدمه.
هذا هو تاريخهم وهذه هي رسالتهم وهذا ما قاموا به عبر العصور.
لقد شاركوا إخوانهم المسلمين في كل تطلعاتهم ومساعيهم نحو مستقبل زاهر.
تعاطفوا مع العرب عمومًا والتزموا بقضاياهم العادلة، وساهموا في تقريب وجهات النظر بين الذهنيتين الغربية والشرقية.
أما الحوار الجدي فهو الذي يقود العلاقة بين المسيحيين والمسلمين إلىالاعتراف بكرامة الإنسان وحقوقه وبالمساواة وتزيز ثقافة الحرية والتعددية والديمقراطية وحق الاختلاف والاعتراف بالآخر ومعرفته والعيش معه والتعاون من أجل إقامة دولة الحق والقانون والشفافية والمؤسسات ودعم التنمية والامن والاستقرار وترسيخ القيم الأخلاقية والروحية.
على العلاقة بين الجانبين ان تتوجها الواقعية والاعتدال والعقلانية والحكمة وخصوصًا المحبة مع الثقة المتبادلة.
هذه المسيحية في نشأتها والأصيلة في تجذرها تساهم في تطور الثقافة العربية.
لقد انتشرت المسيحية العربية قبل الإسلام بقرون وأسست أولى الممالك العربية.
وفي زمن النهضة كان المسيحيون روادها وأول من أسس الأحزاب العقائدية.
المفهوم المسيحي في الضمير الإسلامي يكتنفه الغموض فكلمة مسيحيين لم ترد في القرآن بتاتًا.
بل ذكروا بأهل الذمة يحضون بالحماية وبالتالي همشوا في الحياة الوطنية لاسيما في الانظمة التي اعتمدت الغسلام دين الدولة وطبقت الشريعة الإسلامية في قوانينها وحياتها المجتمعية.
هذه النظرة غير المتكافئة للمسيحيين في الإسلام خففت من وهج حماستهم في الانخراط داخل مجتمعاتهم وساهمت في ترسيخ خيارين لديهم إما الالتزام في الحيادية والإنعزال أو الانسحاب نحو الغربة.
رغم ان التاريخ لم ينصف المسيحيين المشرقيين، إلا أنهم حافظوا على دورهم وشكلوا عبر الزمن قوة حيوية أنعشت الشرق الأوسط.
المناصب اتي تبوأوها والمواقع التي نشطوا فيها والمبادرات التي تبنوها في مختلف الدول والأقاليم والقطاعات أثمرت نهضة وإصلاحًا ونموًا مطردًا.
المسيحيون الأثرياء خدموا بلادهم بتجرد وأسهموا في ازدهارها ومواكبتها للعصر وتنشيط اقتصادها وتنمية مجتمعها.
والجامعات العربية عجّت بالطلاب المسيحيين يأمونها للغوص في علوم العصر وأفكاره.
وفي البلاد التي توافر فيها مجتمع مسيحي عريق، علت جسور ربطت الشرق بمختلف اوصال المجتمعات الدولية الغربية والشرقية والجنوبية والشمالية.
هجرة المسيحيين
الوجود المسيحي في الشرق اليوم يضمحل سنة بعد سنة، والمجتمعات المسيحية آخذة بالانكماش.
الهجرة تكاد تكون الجامع الأكبر للشباب المسيحي المشرقي، الاضطهاد السياسي سابقًا والعنف الطائفي اليوم عاملان كانا ولا يزالان يقضان مضاجع المسيحيين.
صعود الإسلام الراديكالي واتخاذ المسيحية هدفًا يصوب نحوه سهامه يزيد السواد في الافق.
تضاءلت نسبة المسيحيين في فلسطين من 20% سنة 1948 إلى 2% حاليًا.
إن الصمت العربي والاسلامي ازاء ما يتعرض له المسيحيون في بعض دول المنطقة غير مبرر.
هذا الصمت يشجع التنظيمات الإرهابية على تماديها في اعتداءاتها على المسيحيين.
والمؤسف ان الحكومات تقطع كل طريق نحو أي حوار وطني حول مأساة المسيحيين كونها أصلاً لا تعترف بوجود مثل هذه المأساة.
وكل حوار إسلامي مسيحي مشرقي نشهده لا يقتصر إلا على مسائل لاهوتية يدور بفعلها في حلقة مفرغة.
اما الواقع المسيحي المتدهور فهو غير مطروح.
الشرق يخلو من مسيحييه يوماً بعد يوم.
رسالة مؤثرة كتبها داود البوريني لأستاذ جامعي يدعى جورج يعبر فيها عن ألمه العميق بسبب المأساة التي يعيشها المسيحون في الشرق اليوم:
أنا أعرف جيداً ما هو شعورك بعد أن هزّت عواصف العدوان وضربت أعاصير النار بلادنا بكل قسوة في السنوات المائة الأخيرة.
لقد حاول أجدادنا بكل ما أوتوا من علم ومقدرة أن يخففوا من آثار الإعصار الغربي قدر استطاعتهم، هم أحياناً نجحوا لكن في معظم الحالات فشلوا على الرغم من ملايين الشهداء الذين توسدوا سهول هذه الأمة وجبالها وغاباتها من الأوراس الى عدن، لا أعتقد أنه توجد عائلة عربية واحدة لم تقدم واحداً أو أكثر من أبنائها على مذبح حرية هذه الأمة في تلك الفترة، ولقد تحمّلت أنت برجولة كما تحمّلت أنا، بكـَيتَ أنت من الهزائم تماماً كما بكيتُ أنا وفرحنا معاً لانتصارات أمتنا في الأوراس والسويس والجولان وعدن وغزة وبيروت، ولقد افتخرنا معاً بشهدائنا، كل شهدائنا ومجاهدينا، من سليمان الحلبي الى عمر المختار الى الشريف الحسين بن علي ويوسف العظمة وجمال عبدالناصر والملك فيصل بن سعود وجورج حبش وجورج حاوي، لن ننسى لا أنا ولا أنت دماء الشهداء في الكرامة وبيروت والجولان وابو زعبل وبغداد، كيف ننسى هذا وقد عشناه معاً بكل ما فيه، كما عملنا دوماً لنقدم لهذه الأمة كل مانستطيع.
أخي جورج، أستاذ التاريخ والمثقف مثلك يعلم تماماً أن أخاه العربي المسلم هو أخٌ حقيقيٌ له، إنه يعلم بأننا معاً كنا على هذه الأرض المباركة منذ آلاف السنين كنا وثنيين معاً ثم أصبحنا مسيحيين معاً ثم منا من ظل على مسيحيته مثلك ومنا من أصبح مسلماً مثلي، لكن هذا لم يغير في جوهر الأمر شيئاً فأنت أخي ودمك دمي ولحمك لحمي ولن تكون إلا هكذا.
أنت تعلم جيداً أنه على مدى ناريخنا لم تقم بيننا لا مذابح ولا مكاره ولم يتعمّد أيٌ منا أن يؤذي الآخر أو أن يطعنه في ظهره، وعندما حصل هذا في صبرا وشاتيلا لم يكن جورج هو القاتل بل كان العملاء والخونة هم القتلة، وهؤلاء لا دين ولا مذهب ولا وطن لهم، ولو ادّعوا خلاف ذلك وتعلّقوا بأستار الكعبة أو أجراس كنيسة القيامة.
إنّ مانتعرض له الآن من إيذاء واعتداء لم أقم به هنا أو أي من أصدقائك وجيرانك وأخوانك المسلمين الآخرين، فالمسيحيون في الشرق مثل المسلمين تماماً تعرّضوا للهجمة الغربية بعد الحرب العالمية الأولى ثم الهجمة الصهيونية المجرمة المدعومة مع المسيحية المتصهينة والتي لا علاقة لها أبداً بالمسيحيين العرب من أي مذهب كانوا، هم الذين قتلوكم كما قتلونا، سرقوكم كما سرقونا وهجّروكم كما هجّرونا وسيظلون كذلك اذا لم نقم أنا وأنت للدفاع عن أنفسنا، ندافع معاً كما كنا دوماً معاً.
أخي جورج، أنت توأم روحي فأنا لا أستطيع أن أتخيل دجلة بدونك أو شارع أبي نواس أو الشورجة، لن تكون حلب نفس حلب ولا صدنايا هي صدنايا ولا بيت لحم هي بيت لحم ولا مأدبا هي ذاتها ان لمم تكن أنت فيها معي، نأكل ونشرب ونعمل ونغني وعندما تموت تـُدفن مثلي في باطن أرض العرب المباركة، أمّنا جميعاً.
سمعت أنك تريد أن تهجر أرضك وأهلك وترحل يا جورج، لم أعرفك جباناً أبداً حتى تهرب، لم أعرفك بخيلاً حتى تبخل على وطنك-كل وطنك- بمالك وحياتك ودمك فلطالما كنت شجاعاً مقداماً وكريماً.
اذا هربت يا جورج وتركت أرضك لأي سبب فإنك تكون قد نفّذت مايريده أعداء أمتك منك، أوروبا وأمريكا لا يفتحون الأبواب لأنهم يحبونك، فلو كانوا يحبونك لقدّموا لك الحماية في العراق بدلاً من ان يقوموا بحماية وزارة النفط أو لقدموا لك الحماية في بيت المقدس وبيت لحم ويافا وحيفا وبيروت، ولما تركوك كما تركونا أهدافاً لبنادق اليهود وصيداً لطائراتهم، انظر إليهم كيف جعلوا من أبناء غزة أهدافاً لبنادقهم فبدلاً من أن يطاردوا الحيوانات ويصطادوها أصبحوا يتسلّون بأبناء العرب، كل العرب، مسلميهم ومسيحيهم، هل تذكر فيلم الجندي الأزرق Soldier blue أو صائد الغزلان؟
هكذا أصبحنا لهم صيداً، تماماً مثل الهنود الحمر.
لكن هل نحن هنود حمر مع احترامي للهنود الحمر، فنحن من طينة مختلفة ولطالما كنا مكافئين للغرب في القوة والبأس ولكنا لن نكون أبداً مثل الغرب في المكر والغدر والذرائع والإجرام.
تحمّل يا جورج واصمد في أرضك فإنّ الشجاعة صبر ساعة، تحمّل يا جورج وابقَ معي هنا لندافع عن وجودنا معاً، اذا قاومت فإنك تساعد نفسك أولاً والجميع بعدها سوف يقف معك، لكنك اذا هربت فلا أحد يستطيع أن يمنعك من الهروب، ابقَ يا جورج في بلادك ولا ترحل.
أنا أعلم بأنك غاضب لأن عملاء الأميركان قد هاجموا بنذالة كنيسة سيدة النجاة، ولا تنسَ يا أخي بأنهم قد أحرقوا المسجد الأقصى قبل ذلك بكثير وهدموا مئات المساجد على طول بلاد الشام وعرضها، إن رحلت يا جورج ستأخذ عائلتك معك فمع مـَن سيلعب ابني أحمد عندما يهاجر ابنك عيسى ومع مـَن ستلعب ابنتي مريم عندما تهاجر ابنتك مريم ومع مـَن ستتزاور زوجتي؟
قل لي بربك مع مـَن سنقضي ليلة عيد الميلاد ورأس السنة؟
مـَن سيشرب معي قمردين رمضان ويتناول معي خروف العيد؟
ولدت المسيحية في الشرق الأوسط ومهدها في فلسطين الارض المقدسة التي تعيش حالة تفريغ من أهلها المسيحيين.
فمعظم المدن المسيحية كبيت لحم والناصرة والقدس تستنزف مواطنيها المسيحيين.
أما في بقية الأقطار العربية فتختلف أوضاع المسيحيين العرب من دولة إلى أخرى حسب طبيعة النظام السياسي والنظام القضائي والمجتمع والحضارة بصفة عامة.
يتعايش في منطقة الشرق الأوسط مؤمنون من الديانات التوحيدية الثلاث.
الصراعات السياسية في المنطقة وفي مقدمتها الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية الذي يخنق الحياة اليومية ويقيدها ويولّد دوافع تستغلها الجماعات الأصولية.
وكما في الأراضي المقدسة كذلك في العراق انقلب الاحتلال الاميركي كارثة على الوجود المسيحي في تلك البلاد.
وتصاعد الإسلام السياسي في مصر يضيف على انعزال المسيحيين عزلة ويعرضهم لكل انواع المخاطر.
الحرية الدينية وحرية الضمير:
حيث أنهما غير متكافئتين بالنسبة للمسيحيين وسائر المواطنين.
المسيحيون وتطور الإسلام المعاصر:
لاسيما تصاعد الإسلام السياسي المتطرف الذي يسعى منذ العام 1970، إلى فرض حياة إسلامية على المجتمعات العربية والتركية والإيرانية، وعلى كل الذين يعيشون فيها من مسلمين وغير مسلمين.
هجرة المسيحيين العرب إلى الخارج:
هاجس كبير يهدد مستقبل المسيحيين في مهد حضارتهم.
الهجرة المسيحية الدولية الوافدة في الشرق الأوسط:
قادمة من إفريقيا وآسيا للعمل مع ما يواكب ذلك من عدم احترام للقوانين والاتفاقيات الدولية.
خاتمة
مسيحيو الشرق، آشوريون وأرمن واقباط وموارنة وعرب، ارتضوا التخلي عن الكثير من حقوقهم القومية وخصوصياتهم الثقافية والاجتماعية والدينية وضحوا بها لأجل "حقوق المواطنة" في مسعى نحو بناء دولة ديمقراطية ليبرالية، نراها تصبح اليوم حلمًا يتبخر، وتسقط صريعًا على سندان التطرف الإسلامي.
بقاء المسيحيين في الشرق يحتاج الى تعميق روح المساواة بين المواطنين، وهو ما يتنافى مع مبادئ كل مشروع "دولة إسلامية".
وبسبب عدم استعداد الشرق ان يرتدي اليوم ثوب الإصلاح الحقيقي، سيبقى المسيحيون فيه عرضة لكل الأخطار بما فيها القتل والخطف والتهجير.
حروب العالم العربي المعاصر
لم تعد الحرب اللبنانية نموذجًا استثنائيًا في العالم العربي الكبير، لأن في الواقع ثمة ما بات يشبهها في العديد من الدول العربية في حين اصبح البعض الآخر الذي لا يزال بمناى عن هذه الظواهر يحمل في احشائه احتمالات انتقال العدوى إليه.
العالم العربي اليوم مفتوح على كل انواع التحولات الداخلية والخطير في الموضوع ان لا أفقًا واضحًا لهذا التحول.
العالم العربي اليوم المحيط بدولة إسرائيل في دوامة الضياع والقلق والاضطراب، أطرافه تقطتع منه قطعة تلو الاخرى، وقلبه المركزي مهدد بالتفتيت.
الدين في العالم العربي يتحول عند بعض الأطراف إلى طائفية ومذهبية اللتين هما عنصري تفتيت لا وحدة.
والإجتهاد في الرأي يفقد اليوم طابعه الإثرائي الذي يغني الفكر والرسالات السماوية، ليصبح تعصبًا يفيض حقدًا وكراهية.
الحرية والديمقراطية قيمتان ساميتان تحافظان على كرانة الإنسان وتنظيم العلاقات الاجتماعية، تتحولان على يد من يسيء استعمالهما إلى فوضى وفلتان وانهيارات على مختلف الأصعدة.
والعدالة أيضًا التي تضمن المساواة بين المواطنين، تتحول على يد المتطرفين إلى دعوة للتناحر الدموي والبطش الفئوي.
الثورة بما هي تسريع لعملية التغيير والتقدم، وبما هي استئصال للعقبات والمصالح الفاسدة، هي هدف تتوحد حوله المجتمعات، وقضية يجتمع الشعب تحت لوائها، لكنها على يد أصحاب النهج التفتيتي تتحول إلى تسلط وقمع وإرهاب غير مبرر.
.
.
قراءتي لمستقبل الحضور المسيحي في الشرق الأوسط انطلاقًا من التجربة اللبنانية الحوار بين المسيحيين والمسلمين حاجة ملحة.
في استمراره ضمانة لمستقبل مستقر.
بالطبع لا أحد ينكر دور المسيحيين في النهضة الثقافية العربية.
ولا احد ينفي تجذرهم في هذه الأرض.
لقد حققوا عبر تاريخهم ورغم ما تعرضوا له من نكبات واضطهاد، أنجزوا إنجازات متميزة على مر تاريخهم.
نشطوا في عهد الامويين والعباسيين، وفي الخلافة الفاطمية.
بفضلهم انتشرت البعثات التربوية والثقافية الأجنبية.
فأنشئت المدارس واستقدمت المطابع، وأبصرت النور الصحافة الحرة، استلهم المسيحيون ثقافة الغرب فادخلوا إلى البيئة العرية روحًا تحررية عصرية.
ليس التنوع في النسيج الاجتماعي هو وحده ما يميز لبنان، بل قبول الاختلاف في الرأي ونزعة الانفتاح على العالم بكامله وتقديس الحرية واحترام المجتمع المدني.
هذه هي بعض ملامح رسالة لبنان في هذا الشرق.
هذا البعد الحضاري دفع بالمسيحيين إلى الاهتمام الكبير بالثقافة وتعميم المدارس وإطلاق الجامعات ونشر العلوم وإحلال هذه القطاعات في صلب عمل الكنيسة.
ليس الوجود المسيحي في الشرق منة من أحد.
هذا التجذر قوي بفعل صمود المسيحيين ورفضهم لكل مشاريع التهجير التي عرضها عليهم الاستعمار منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم.
فالمسيحية تحتضن في باطنها روحًا مقاومة تنبع من شخصية المسيح المتالم الرافض للهزيمة أمام الخطيئة والشر والممتلئ من إيمان القيامة.
هي ثقافة الصبر في وجه الألم وريادة الثائرين في الحق نحو التحرر.
بهذه الثقافة يواجهون مخططات التهجير من الأراضي المقدسة ومن العراق ولبنان ومصر.
هو حضور المسيحيين في الشرق يضفي عليه نكهته وخصوصيته وقيمته الحضارية.
لقد أعلن أساقفة الكنائس رفضهم عمليات تهويد القدس وتصدوا لكل نهج يهدف إلى تغيير التركيبة الديمغرافية ليس فقط في تلك المدينة المقدسة بل في كل انحاء العالم العربي.
في مرحلة كانت العروبة مجالاً ثقافيًا للقاء المسيحية بالإسلام، هذا البعد الحضاري يفقد مركزيته بفعل تنامي الأصوليات والتطرف والعنصرية والمذهبية.
عالمنا يحتاج إلى مبادرات وفتاوى تحرم التنازع واستخدام العنف وترسخ التسامح الديني وحرية المعتقد والاعتراف بالحق في الاختلاف والتنوع.
أمام عجز الأمم المتحدة عن تنفيذ قرارات مجلس الأمن المتصلة بحقوق المسيحيين والمسلمين في فلسطين ولبنان وسوريا والجولان، على المسيحيين والمسلمين أن يبادروا متضامنين من اجل استرداد حقوقهم.
تتعرض الآثار المسيحية لعمليات تهويد في فلسطين وتزوير في مختلف انحاء الجغرافيا العربية.
يتعرض المسيحيون كما المسلمين لضغوط نفسية واقتصادية وسياسية ودينية تحملهم على الهجرة.
ظاهرة العنف المستشري في العالم لا تمت بأي صلة إلى الأخلاق الإسلامية والمسيحية.
هي تنبع من تلك النظرية التي تريد ان تدخل الأديان والحضارات في صراع دائم وتقضي على كل منحى حواري بينها.
من هنا ضرورة أن يظهر ميثاق شرف إعلامي ديني يضع حدًا لكل عبث بأمن المجتمع ووحدته.
لم يعد كافيًا استنكار المجازر والاعتداءات التي تطال المسيحيين الابرياء.
يجب ان يقرن الكلام بالافعال وان تبادر المرجعيات الدينية الإسلامية إلى اتخاذ موقف جماعي واضح تمنع كل اعتداء يطال المسيحيين العزل في كنائسهم ومنازلهم ومراكز اعمالهم ومدارسهم وجامعاتهم.
السكوت عن هذا الإجرام لم يعد جائزًا.
هذا على المستوى الديني أما على المستوى السياسي فعلى الانظمة الحاكمة ان يرعى المسيحيين وتحميهم، وعلى الجامعة العربية أن تبادر فتحصن الوجود المسيحي بميثاقها وقوانينها وقراراتها.
وتمنح المسيحيين الاهتمام الكافي وتضمن شرعة حقوقهم، وتحصن موقعهم كمواطنين كاملي الحقوق والواجبات ومساوين لأشقائهم في المواطنة.
المسيحيون لا يطالبون بامتيازات، ولا يحتاجون إلى شهادات حسن سلوك كي يثبتوا مواطنيتهم.
والمسيحيون لا يعتدون او ينتقمون او يطمعون.
من واجب الحكومات حماية المسيحيين ورعاية حقوقهم.
والتعاطي بالعدل معهم والإنصاف والمساهمة في تطوير قراهم ومناطقهم.
ثقافة التعددية هي رسالة حضارية وهي ركيزة كل جسر يجمع أطياف العالم بأسره ويوحد المجتمع الدولي.
سكوتهم يدعو إلى القلق ويطرح الكثير من التساؤلات.
إلى متى سيبقى المسيحيون بحاجة إلى حماية؟
الوجود المسيحي متجذر في تاريخ البلدان العربية وجغرافيتها رغم تحولهم اليوم إلى اقليات.
نشأت المسيحية في الشرق وتفتحت براعمها في بيت لحم حيث ولد المسيح وتمددت نحو مصر والناصرة وقد عاش في أرض فلسطين ولجأ إلى أرض مصر وجنوب لبنان وأمضى فتوته في الناصرة وآخر لحظات حياته على جبل الزيتون.
كذلك سار على طريق الشام بولس والرسل ومن أنطاكيا انطلق المسيحيون وانتشروا في مختلف انحاء العالم القديم، وتمدد انتشارهم على كامل بقاع الأرض.
في جوهرها تبدو المسيحية رسالة ثقافة انعشت النهضة العربية التي اطلقتها شخصيات آمنوا بالإنسان والفكر الحر ورفضوا كل جمود وتخلف ورجعية.
المسيحيون رغم ما يعانون من اضطهاد، لا تزال رسالتهم هي هي، ومسؤوليتهم تاريخية.
هم رسل محبة وسلام وشهادة.
رغم كل شيء على المسيحي ان يتحرر من حالة الإحباط والخوف والضياع ويستعيد دوره الريادي.
فبقدر ما ان وجود المسيحيين ضمانة لاستقرار الشرق وتوازنه، بقدر ما على المسلمين العرب ان ينشطوا في سبيل حماية المسيحيين.
من الضروري ان يستعيد المسيحي إيمانه بأرضه ووجوده وحضوره ويسترجع حقوقه بالمواطنة وأن يمتنع عن بيع اراضيه والتخلي عن كل رابط يربطه بتاريخه وحضارته.
على المسلم ان لا يقف عائقًا أمام استعادة المسيحي لدوره الفاعل.
فالعلاقة بين الجانبين بغض النظر عن حجم كل منهما إلا أنها تبقى علاقة عضوية متكاملة.
في الماضي والحاضر، صدرت دعوات غربية لمسيحيي الشرق بالتقوقع وإقامة دويلاتهم المستقلة.
لكن عموم المسيحيين المشرقيين رفضوا هذه الدعوات ونبذوها وتمسكوا بتعايشهم مع إخوتهم.
في الشرق الاوسط ثماني عشرة دولة منها ثلاث عشرة عربية هي اليمن ومصر والمملكة العربية السعودية والمملكة الأردنية الهاشمية وسلطنة عمان والعراق والكويت والبحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة ولبنان وسوريا وفلسطين إلى جانب تركيا وإيران وباكستان وأفغانستان وقبرص.
يعيش في هذا الشرق 555 مليون ونصف المليون.
منهم 15،700 مليون مسيحي اي ما نسبته 2،8%.
و97،2% هم مسلمون يتوزعون بين 376 مليون سني و164 مليون شيعي.
إنعكس الاحتلال الأميركي للعراق مأساة على مسيحيين بدأت تلوح في الأفق مع انطلاق التفجيرات التي استهدفت دور العبادة عندهم ومنازلهم.
تلقائيًا أقفلت مدارسهم وقبع أطفالهم في المنازل ينتابهم الخوف والرعب.
وما زاد في الطين بلة تعرض احيائهم للرصاص والصواريخ في غياب تام لأية حماية امنية شرعية.
كيف يمكن أن يشعر كل أبناء الشرق الأوسط بكرامتهم على قدر المساواة؟
هذه هي القضية التي حملها المسيحي المشرقي على كاهله منذ فجر زوال الاحتلال العثماني.
تبنى المسيحي مفهوم الدولة العادلة، والمتوازنة، والسيدة.
اعترض على التفرّد والأحادية والهيمنة، وكافح الإرهاب والأصوليات الرافضة للآخر وللحوار.
انتفض على كل ارتهان.
داخليًا واجه الأوضاع المتوترة التي تنذر بانقسامات لا تفيد أحدًا.
نادى بالتعقل والتهدئة والمناعة الوطنية والحوار.
تمسّك بالحريات العامة بكل أبعادها وعلى رأسها حرية الإعلام والتظاهر.
طالب بقوانين يسهر عليها قضاء حر نزيه وتشكل ضمانة للجميع.
رفض التهوّر ولغة التخوين، وأيّد التنوّع الحزبي والفكري والنضالي.
أبدى المسيحي المشرقي احترامًا لكل الأفكار والآراء والشخصيات.
في نهجه لم يكن عدائيًا ضد أحد ولم يرفع فيتو بوجه أحد.
لم يناور ولم يؤسس المحاور، بل سعى بصدق وانفتاح ومحبة لتلاقي الجميع وتعارفهم وتصارحهم والعمل من أجل توحيد الرؤيا عندهم.
أما في لبنان فالمسيحي مرّ بتجربة مرّة جعلته يقف في نهاية المطاف امام خيارات عدّة تجعله يحدد نطلعاته ورؤيته عليه اليوم أن يتمسّك ويعمل من اجل بناء لبنان لا يتجزأ ودولة مستقلة ذات نظام جمهوري، ديمقراطي برلماني، حر، قائم، يختزن تنوّعًا حضاريًا وثقافيًا، وفي حركة تفاعل دائمة مع الحضارات العالمية.
دولة ترعى حقوق الطوائف وتؤمّن لهم الضمانات وتحافظ على تقاليدهم وأعرافهم التاريخية المتينة وتبني في إطارها مرتكزات التعاون الوطني في المجالات كافة.
عليه أن يقر بطابع لبنان الحضاري المميز، ويعمل في الوقت عينه في سبيل إيجاد صيغة مستقبلية من شأنها المحافظة على خصوصية لبنان وطابعه وواقعه وحضور تنوّع في وحدته.
رغم كل ما أحاط لبنان من تحولات وتطورات دراماتيكية في الربع الأخير من القرن العشرين حتى اليوم، على المسيحي ألا يفقد الامل في بلورة نهج مستقل وخط وطني وفي لعب دور الشاهد الحر والضمير الحي.
على المسيحي أن يرصد الواقع اللبناني ويلفت إلى كل سوء عاينه وتلمسّه، في مسعى منه نحو تصحيح المسار وترتيب الأوضاع التي يعاني منها البلد في شتى الميادين.
وهو قادر على تشخيص المعضلة اللبنانية والمرض الوطني والمشاكل الداخلية لاسيما في النواحي الاجتماعية والاقتصادية التي تهدد المواطن.
في أفكاره ترشيد إلى مكامن الخلل، وفي تحركه تقديم يد المساعدة لتضميد جراح الوطن وتوحيد ما تجزأ وتقريب ما تباعد.
عليه أن يرفض أن يكون جزءًا من اي مشروع إلا مشروع سيادة لبنان وحريته واستقلاله وعيشه المتوازن الكريم.
وان يؤمن بان الولاء للبنان يعني أن نحب كل أرضه غير منتقص منها ولا حبة تراب ولا ضيعة.
وأن نحب كل أهله، كل ابناء الوطن على تنوعهم غير منتقص منهم ولا مواطن أي الـ4 ملايين مهما اختلف عنا في العقيدة السياسية أو التوجه أو المذهب أو الطرح.
أن يرى لبنان دولة سيّدة على كامل أرضها، وأن تبقى هذه السيادة فوق كل اعتبار.
وأن تكون دولتنا الأقوى، حاضنة وحدة الشعب وصاحبة العين الساهرة.
المطلوب نقلة نوعية ليس في الأداء السياسي فقط ولكن أيضًا في الفكر السياسي الذي يلبي طموحات الجميع وخصوصًا في التعاطي مع المرحلة الشديدة الدقة التي نحن مقبلون إليها.
قراءتي لبعض الثوابت المسيحية في لبنان
التوافق الوطني والمحافظة على مقومات لبنان في الديمقراطية والحريات، حقيقتان يحفظان الوجود المسيحي ويرسخان منطق التفهم والتفاهم.
من هنا الحاجة إلى الوعي من قبل أركان السلطة والاعتراف بأن مسار الأمور في ازمة والمطلوب تغيير في الفكر والممارسة.
تحتاج الوحدة الوطنية إلى تحصين وحوار جدي وحقيقي بين كل اللبنانيين.
والمحافظة على الروح الميثاقية تتطلب العمل مع جميع المسؤولين لتثبيت التوازن خدمة للبنان الواحد، وطن الرسالة، الذي يشكّل نقيضًا للرهانات التي تتحدث عن استحالة التعايش السمح بين الأديان السماوية على أرض واحدة، متأثرة بنظرية "صراع الحضارات" المستحدثة.
الدولة الواحدة العادلة لا يمكن أن تقوم إلا على المساواة والتوازن، وبالتالي ألا تشعر اية طائفة او فئة او مذهب او مجموعة أنها مغيبة عن المشاركة في صناعة القرار الوطني، او انها مبعدة عن دور اساسي في التوازن.
هم العرب عمومًا بحاجة إلى من يجمعهم لا إلى من يفرقهم، وإلى مزيد من الأمل والرجاء لا إلى مزيد من الإحباط.
ان الوطن ثابت ونهائي رغم كل المحن وهو ليس عرضة للمساومة ولا استقلاله مدار جدل.
اننا نتطلع الى وعي مسيحي أكبر لما يجري، فالمطروح ليس صراعاً بلدياً حول موقع، بل هو دورنا ومصيرنا ومستقبلنا في وطن سيد حر آمن لجميع العائلات الدينية وفي هذا الشرق العزيز.
اننا نعول على مبادرة من كافة المراجع الدينية لوضع الاسس والخطوط بما يثبت هذا الاستحقاق ويحفظ وحدة لبنان وديمومته ودوره ورسالته الحضارية.
لن يقوم لبنان على التراشق والتخوين والتهديد والتشنج ولا على بقائه ساحة صراع.
وكل تسلح طائفي أو مذهبي أو حزبي هو طعنة في صميم الكيان اللبناني ودعوة إلى حرب أهلية.
لماذا ننتظر تداعيات المنطقة ولا نحصن نفسنا؟
لماذا لا يصنع الحل في لبنان بدل أن يأتينا جاهزاً من عواصم خارجية؟
أيجوز أن يحتاج تأليف حكومة وفاق وطني إلى كل هذا الوقت الضائع والى جولات دولية مكوكية في كل عواصم العالم؟
غياب التفاهم والتوافق بين اللبنانيين في ظل اوضاع صعبة اقليمية ودولية، وأحوال اقتصادية – اجتماعية تنذر بالخراب، يفتح البلاد إلى آفاق رمادية ضبابية غير مريحة.
الأمن والتسلّح والقوى العسكرية الشرعية يبقى الأمن هاجس المسيحيين ويومًا بعد يوم يتمسكون برفض كل محاولات إثارة الفتنة الطائفية والمذهبية ويطالبون بالتصدي لكل تنظيم يستعمل السلاح والعنف في التخاطب السياسي.
فإلى اعتبار السيادة والاستقلال والحرية ثوابت لا تنازل عنها أبداً، تأتي الأولوية أيضًا للأمن في كل المناطق، إذ هو ممنوع ان يشعر مواطن في أي منطقة انه مهدد.
الأجهزة المعنية المختصة بحفظ الأمن واجبها الترقب والحذر والبقاء عيناً ساهرة لضمان امن كل اللبنانيين.
فالأمن حق كل مواطن على كامل مساحة الوطن، وأول واجب على الدولة، وهو جزء لا يتجزأ من الوفاق الوطني لأن الصراع الداخلي على السلطة يشكل نافذة يدخل منها كل عابث بأمن الوطن.
لم يعد المسيحيون قادرين على تحمل الانفجارات أو الاغتيالات ولا الخطف أو العبوات.
ولم يعد مسموحًا أي تقصير في هذا الإطار، ولا إخفاء الحقائق والمجرمين، ولا إبقاء الأوطان ساحة لأي، ما جعل المواطنين يكفرون بما آلت إليه الأوضاع.
يبقى الامن خطًا أحمر في أية عملية نهوض تخرجنا من هذه المحنة التي نتخبط بها.
إن الجيش الوطني الشرعي هو الضامن الأكيد وعنوان السيادة.
وبالتالي لا مكان في بلد مستقر، لجزر امنية أو بؤر خارجة على القوانين.
الجيش وحده صاحب قدسية حمل السلاح دفاعًا عن كل أبناء الوطن.
إن المسيحي معني بالسيادة التامة ويعتبر ان انتشار الجيش الوطني على آخر نقطة من حدودنا علامة انتصار لمبدأ الحق في السيادة على كل التراب.
وكل تعد على الجيش أو الأجهزة اللبنانية من أي فئة أو طرف أو تنظيم هي مسألة مرفوضة.
في الشهداء والشهداء الأحياء
نتوقف بإجلال أمام الدماء التي تسقط من ابناء الوطن وأمام الجرحى والمشردين والمهجرين وكأن قدر أوطاننا ان تبقى معلقة على الصليب، وان تتعاقب المجازر والإجرام والبربرية والتدمير.
في هذه التضحيات قرابين مباركة، وهي، بكل براءتها وبكل قداستها، ذخيرة قد تساهم في ابقاء شعلة وطن يحاول اعداؤه طمسه وإلغاءه.
في استذكار الشهداء عودة الى العطاء، الى تقديم أثمن وأروع ما في الإنسان.
إن جرائم التفجير التي تطال الأبرياء ليست إلا رسالة جبانة ضد شعب آمن، ما زال مصلوباً على خشبة.
هلاّ تعلمنا كيف نحصّن هذه الأوطان، وكيف نوحّد جهود شعوبنا لنمنع عنا الأذية والدمار؟
في المقاومة والتحرير والاحتلالات
أن حق لبنان بكل قطرة من مياهه كما بكل حبة تراب من أرضه حق مقدّس غير قابل لأي مساومة أو تنازل.
لقد حذر الفكر المسيحي دومًا من الأطماع في أرض لبنان، والحكومة مطالبة بحملة ديبلوماسية ناشطة تهدف إلى إيضاح الموقف اللبناني في كل المحافل الدولية.
ألا تشكل هذه السيناريوهات والصراعات الجارية في المنطقة حافزًا عند الطبقة السياسية والحزبية والفكرية لاستنفار حقيقي لمواكبة ما يحصل، سعيًا إلى تثبيت دور رائد للبنان في ظل كلام متصاعد على صراع حضارات وتفتيت المنطقة.
حق لبنان في تحرير أرضه كلّها وفي سيادته عليها وفي المقاومة والصمود في وجه أي اعتداء، مسألة لا جدل حولها ولا مساومة.
المطلوب اليوم استراتيجية عربية شاملة يكون لبنان جزءًا منها، فلا يحمل وحده تبعات حروب العالم العربي.
والمطلوب المزيد من التماسك ودعم الدولة والجيش في مسيرة تحرير الأرض من الاحتلالات والدعوة إلى الصمود شعبيًا والمبادرة إلى التحرك دوليًا وفي كل المجالات لدعم القضية اللبنانية العادلة ووضع حد للعدوان.
استعادة لبنان لأرضه وسيادته علامة مشرقة في تاريخنا الوطني.
فالتحرير انتصار للإرادة الوطنية.
مطلب الناس الأول هو الأمن والكرامة وهو حق لهم على الوطن والحكم.
على الدولة أن تتحمل مسؤولياتها كاملة في المناطق والقرى المحررة وأن تضع خطة متكاملة كي يتم تطبيقها في كل المجالات الأمنية والعسكرية والمدنية والإعمارية والاقتصادية.
في الحريات والحقوق
نتمسك بالحريات العامة بكل أبعادها وعلى رأسها حرية الإعلام والتظاهر دون أي تجاوز للقوانين اللبنانية.
إبداء أي رأي هو حق أساسي لكل مواطن يضمنه الدستور شرط مراعاة أصول المخاطبة واحترام رأي الآخر.
وبقدر ما نتمسك بوجوب احترام الحريات السياسية والإعلامية، بقدر ما نخشى على مستقبلها بسبب ما تعانيه من انتقاص وكبت وتضييق وكأن هناك تحضيرًا لنظام آخر ومختلف.
كل استهداف لأية وسيلة اعلامية مستنكر.
في الديمقراطية والانتخابات والقانون الانتخابي
نتبنى الديمقراطية الصحيحة نهجًا لممارسة الحكم.
قانون الانتخاب جوهر النظام السياسي اللبناني وهو الذي يجب أن يؤسس لتمثيل صحيح لكل الطوائف، فلا يشعر أحد أنه مهمّش أو ملغى أو يفرض عليه نوابه.
من هنا أولوية قانون الانتخابات ومركزيته.
إن المسيحيين بشكل خاص يعلقون آمالاً عريضة على ان يأتي قانون يسمح لهم بان يوصلوا الى السدة النيابية من يمثلهم حقا دون ان يُفرض عليهم من لا يجسد طموحاتهم ورأيهم.
هذه الحقائق تفرض فتح باب حوار جدي على مستوى الوطن حول قانون الانتخابات على قاعدة العدالة والتوازن يحفظ حقوق الجميع ويؤمن التساوي بين الجميع، بعيدًا عن منطق المحادل الانتخابية والتزوير والتحريف.
الاستحقاق النيابي فرصة حقيقية لتمثيل قوي حقيقي لكل اللبنانيين.
من منطلق القلق على مبدأ انتخابات حرة وديمقراطية تعطي الشعب كل الحق في اختيار ممثليه ومن منطلق الحرص على المشاركة العادلة والصحيحة في صنع القرارات، يأتي التمسك بمبدأ تحصين الانصهار الوطني وإشاعة جو من الارتياح ينعكس على كل لبنان، مع ضرورة المحافظة على الاعتدال والمشاركة والتوافق والتمثيل الصحيح، بعيدًا عن الضغوطات والاستئثار.
أما الانتخابات النيابية فالأجدى أن تتحرر من اجواء الاثارة السياسية وان تراعى فيها دائما روحية الوفاق الوطني والتوازن.
في دولة المؤسسات
التمسك بدولة القانون والمؤسسات وبالحريات العامة يجعلنا نقر أن لا قيامة حقيقية للبنان إلا بدولة مؤسسات تبسط سلطتها على كامل ترابها.
هو موقف ثابت باعتبار أن الشرعية للجميع ولا يمكن أحد أن يتجاهل وجودها أو ان يحل محلها.
المطلوب اليوم السير معًا نحو دولة حقيقية ملتزمة بدستورها وبكل أبنائها.
آمن المسيحي بان الحل كي يكون جذريًا عليه أن يتولّد نتيجة قيام نهج جديد يؤسس لخلق حالة وطنية شاملة ويساهم في تنمية رأي عام واع للمسؤولية.
الأولوية ليست فقط في التواز الحقيقي والشراكة التامة، بل أيضًا في الدور الطليعي للمسيحيين في لبنان والمنطقة خاصة في مناخ الاصوليات وصراع الحضارات، الدور الذي هو جزء من تاريخهم ونهضتهم واشعاعهم.
التدخل الخارجي والتوافق والحوار
اجواء التنقية الاقليمية تساعد على البدء في حلول لبنانية.
اننا إذ ندرك تماما ترابط وضعنا مع ازمات المنطقة، نتمسك بوحدتنا وحوارنا واحترامنا التام للتعدد والتنوع احزابا وطوائف ومذاهب.
لماذا ننتظر تداعيات المنطقة ولا نحصن نفسنا؟
ان اللبنانيين كلهم، على اختلاف طوائفهم وأحزابهم عائلة واحدة فلماذا يسمحون بتدخل من الخارج في شؤون وطنهم وإدارته.
نحن نتحمل مسؤولية مصيرنا ومستقبلنا.
علينا المبادرة الدائمة لصنع التوافق والحوار لاننا ادرى بشؤوننا من كل عواصم العالم ونحن نفهم على بعضنا اكثر مما يفهمنا السفراء والقناصل والقوى الخارجية.
أليست الطريق بين احزابنا وقياداتنا اقرب واقصر منها الى عواصم العالم؟
لا أحد يريد مصلحة لبنان اكثر من اهله ولا أحد يفهم حساسيات وضعنا اكثر منا.
فإذا كنا كمسيحيين لا نقدِّر حجم المخاطر التي تحيط بنا ومعنى حضورنا ودورنا ونتائج خلافاتنا على قضيتنا، ين فلن يرأف بمصيرنا أحد، ولن تكون لنا حقوق ولا مساواة ولا مشاركة حقيقية.
المسيحيون والمسلمون على السواء مطالَبون بالذهاب جميعًا إلى الحوار ليس من أجل الحوار بل من أجل التوصل إلى حلول.
الدعوة إلى الوفاق الوطني لا تنطلق من حب البعض لموقع او كرسي او مركز بل من غيرة على كل لبنان فلا تغيب اية قوة تمثيلية عن المشاركة في تحمل المسؤولية الوطنية.
والحوار وحده يمكن ان يجنب الوطن مخاطر كثيرة في ظل التنوع حتى الاختلاف في التوجهات والنظرة الى الهوية والانتماء.
في حين ان الشارع ليس حلاً ولا التصادم ولا التراشق بل التوافق الدائم.
على الحوار أن يقدّم إلى اللبنانيين حلولاً بدلاً من أن نراه يغرق في تأجيل جلساته، كأن الشعب قادر على الانتظار.
صحيح أن الأزمة متشابكة مع صراعات إقليمية ودولية، ولكن هل يمكن في ظل مناخ الانقسامات والأداء الرديء ونشر غسيل الخلافات على المنابر العربية وأمام الشاشات أن نكون نسير على الطريق الصحيح؟
صحيح أن لا حلولاً سحرية، إلا أنّ التوافق هو المدخل ولبنان هو بالضرورة وطن الحوار الدائم والحياة المشتركة.
إن دولة واحدة قوية وسيدة وحدها هي الحل.
يصر المسيحيون على الحوار لأنه خيار لا يتوقف ومسار.
العيش المشترك من صميم ايماننا، إلا ان ابرز هواجسنا يبقى المشاركة الفعالة التامة بصنع القرار الوطني، وفي أولويات الوصول اليه قانون انتخابات يعكس صحة التمثيل وحقوق جميع العائلات الروحية.
لن يرضى المسيحيون بعد اليوم أن يتجاوزهم أحد، لا في الحكومات ولا في المجلس النيابي ولا في الإدارة.
لقد شجعوا كل مسعى يهدف إلى تمتين أواصر اللحمة الوطنية لإظهار الجدارة بالانتماء والقدرة على الحكم المستقل الذي يتطلب وعيًا تامًا وخطابًا توحيديًا وحكمة وانفتاحًا واعترافًا بالجميع وحوارًا مع الكل جميع القوى السياسية مدعوة إلى الحوار.
فيه وسيلة لخلق مناخ الوئام.
لا بديل عن "التفهم والتفاهم" بين كل اللبنانيين.
لا يكتمل عقد الوطنية إلا بشعور كل أبناء الوطن بالمساواة والعدالة.
ممثلو المسيحيين في الدولة مطالبون بتأمين التوازن الحقيقي في كل نواحي الحياة السياسية والادارية ثمة هاجس متزايد لدى المسيحيين ناتج من شعورهم بأنهم غرباء عن الادارة، ما يولد ضجة قائمة حول التوازن الغائب والتهميش الدائم والاستئثار الواضح.
لا قيامة للبنان الا بشعور كل ابنائه بأنهم متساوون وان لا غلبة لفئة واحدة على الآخرين.
التوازن الوطني ليس منّة من أحد ولا هبة وكل ما يُعمل دون مراعاته يخالف الميثاق الوطني والدستور.
التنوّع والديمقراطية هما في أساس تكوين لبنان.
إلا أن الشعب اللبناني اليوم بأمس الحاجة إلى توحيد الاستراتيجيا، وإلى تضامن أحزابه وتياراته ومؤسساته.
إصرار المسيحيين على مبدأ مركزي ثابت لا يمكن أن يحيدوا عنه، ألا وهو المشاركة الكاملة المتوازنة في صنع القرار الوطني، وفي كل مفاصل الدولة والحكومة والإدارة والبلديات، يجعل منه ميثاقًا للعيش المشترك يقوم على مبدأ المشاركة في صنع القرار الوطني وفي كل مفاصل الدولة والحكومة والإدارة والبلديات.
وحدتنا وحوارنا واحترامنا التام للتعدد والتنوع احزابا وطوائف ومذاهب هو جوهر الصيغة والنظام.
التقارب بين كل اللبنانيين لتشكيل شبكة أمان ضد كل ما قد يحضر من مخاطر.
كيف ندعِّم قيام دولة حقيقية سيدة حرة قوية تُشعر كل ابنائها بالأمن والكرامة والعزة بمساواة تامة بينهم؟
الحوار المطلوب بحث في العمق في كيفية تحصين الوطن أمام المخاطر المحدقة بالمنطقة.
سياسة الانفتاح على مختلف المسؤولين في الدولة وخارجها بهدف التوصّل إلى قواسم مشتركة بين الجميع، مطلب مسيحي ملح.
من هنا ضرورة لقاء مختلف القوى والعائلات اللبنانية وإحياء الحوار فيما بينهم فهو الذي يوصل إلى تفهّم اكبر وإلى بداية لحلحة المشاكل.
الاحزاب بدورهم لما لهم من أثر عميق في الفكر السياسي والمجتمع، مدعوة إلى تعميق التنسيق فيما بينها بهدف إيجاد مشروع وطني يضمن الحريات الأساسية والمساواة أمام القانون وحقوق جميع الطوائف والمذاهب.
المطلوب اليوم في هذا الظرف هو حوار عقلاني بعيد عن الحدّة وعن العنف ومجلس النواب يمكن ان يؤدي دورًا أساسيًا في هذا المضمار.
هناك مسؤولية تقع على عاتق الجميع اليوم والجو الذي تعيشه البلاد جو غير طبيعي.
هناك قلق وكأننا نسير بين الألغام وهذا غير مقبول.
العودة الى طاولة الحوار كاطار اساسي للاتفاق بين اللبنانيين على امورهم السياسية والوطنية وهمومهم الحياتية والاقتصادية ولتفعيل الدولة بكل مؤسساتها وادارتها، أمر مرغوب فيه بل مطلب ملح في الوقت الراهن.
وكل محاولة لحكم لبنان دون توافق كل ابنائه وتياراته وقواه واحزابه وطوائفه هي ضرب لمعناه وتاريخه وجوهر وجوده ونظامه، فلا بديل عن الوفاق اللبناني الذي هو وحده باب الخروج من كل ازماتنا.
أمام مصير مخيف وتحديات مذهلة وكوارث اقتصادية وإنسانية واجتماعية وبيئية، ثمة دعوة إلى الشفافية والصراحة والتضامن والقرار المشترك بين كل اللبنانيين من أجل التأسيس لبناء وطن ودولة راسختين.
الوحدة الوطنية ضمانة كل مستقبل، ومطلب التوازن والمشاركة الحقيقية الكاملة في الوزارات والادارات ليس طرحًا فئويًا او مذهبيًا، ولا هو أخذ حصص طائفية ضد آخر، بل هو في صميم رسالة الوطن وفي قلب روح وثيقة الوفاق الوطني، إذ لا شرعية لأي سلطة لا تراعي الميثاق الوطني كما جاء في مقدمة دستورنا.
الحوار ضرورة وواجب الدولة رعايته وإدارته عبر مؤسساتها بدءًا بمجلس الوزراء ومجلس النواب إلى مشاركة كل الفعاليات من دون استثناء.
وفي هذا الإطار تبدو المصالحة الوطنية أولوية وانخراط كل القوى والتيارات في مشروع الدولة حاجة ملحة.
الحوار وحده يمكنه ان يجنب الوطن مخاطر كثيرة في ظل التنوع حتى الاختلاف في التوجهات والنظرة الى الهوية والانتماء.
ان الشارع ليس حلاً ولا التصادم ولا التراشق بل التوافق الدائم.
المطلوب تغليب العقل والمنطق والعودة الى الحوار الجدي الرصين العميق.
ليس لدينا خيار سوى ان نتفاهم.
مهما تباعدنا لا بد من تسوية.
فلماذا علينا ان ندفع من لحمنا ودمنا وأجسادنا واقتصادنا.
ألم نتعلم من عبر الماضي؟
ان مصير لبنان على المحك، الخلافات السياسية الداخلية تنعكس سلبا على المناخ العام.
قدر اللبنانيين وخيارهم ان يثبتوا انهم تعلموا من عبر الحرب والخلافات وانهم قادرون على صناعة غدهم والمستقبل.
المطلوب وضوح الرؤية.
لقد حان زمن إشراك كل لبنان في تقرير المصير.
حان وقت تلازم مسارات السيادة على كل الارض والحرية لكل الشعب والتوازن بين كل العائلات الروحية.
مسؤوليتنا نحن، كلبنانيين اولا وكمسيحيين خاصة ان نبرهن اننا لسنا قصّاراً في إدارة شؤوننا ولا ننتظر دائما كلمة سر تأتي الينا من الخارج ولا نتفق إلا اذا اجبرنا الآخرون على ذلك.
في الانتشار اللبناني والدولة الإسلامية والحق اللبناني في المحافل الدولية
الانتشار اللبناني هو ثروة وطنية، رغم ان الارض خسرت ابناءها.
تثبيت اواصر اللحمة بين جناحي لبنان، المقيم والمغترب هو من واجبات الدولة بكل اجهزتها، على ان الطوائف والمؤسسات الاغترابية والاهلية يجب ان تلعب دورا رائدا في هذا المجال.
المنتشرون مطالبون بالتسجيل الدائم لكل ابنائهم في القنصليات لئلا ينقطع حبل الرحم مع لبنان.
على وزارة الخارجية تسهيل هذه المعاملات.
ان استعادة الجنسية للذين فقدوها يجب ان يكون على جدول اعمال الهيئات الاغترابية والسفارات والقنصليات في الخارج، وإن حق الانتخاب لكل المنتشرين هو من صميم مسؤوليات الدولة التي يجب ان ترعى ابناءها كلهم.
واللبنانيون المنتشرون مدعوون إلى المساهمة المادية الفعالة في دعم المؤسسات هنا والتي وصل الكثير منها الى حالات صعبة.
ان تثبيت صمود الناس حتى لا يهاجروا يقع على عاتق اخوانهم الذين نعمت عليهم الاوطان الجديدة بأوضاع اقتصادية افضل.
على الانتشار ان يكون الصوت المدوي للقضية اللبنانية والعين الساهرة على لبنان، على كل تراب لبنان، ولكل اهل لبنان وأن يتعالى عن الخلافات المذهبية والدينية ويظهر الوجه الواحد للوطن الام.
ان صوت الانتشار في عواصم القرار هو صوت لبنان الجريح الواحد.
كل عملية اغتيال أو خطف او ضغط يتعرض لها لبناني مغترب هي مأساة وطنية كبيرة تطال العائلة اللبنانية الشاملة التي اضطرتها ظروف الحرب والاقتصاد إلى الهجرة بحثًا عن أمن ومستقبل.
فإذا بها تدفع خيرة ثمارها ضريبة للعنف والإرهاب.
لبنان والأصولية الإسلامية والتطرف
مواقف بعض الفئات المتطرفة التي باتت تجاهر بأسلمة لبنان أرضًا وشعبًا وبفرض نظام الدولة الإسلامية على جميع أبنائه، يدفع كل إنسان شريف إلى التحرك لترسيخ قيم الحضارة اللبنانية، ومكافحة كل النيّات والخطط الرامية إلى إزالة المعالم المسيحية في لبنان.
التطرف يؤدي حتمًا إلى تمزيق لبنان وتقسيمه.
مع الاحترام للإسلام كدين ورسالة، فكرة الدولة الإسلامية في لبنان مرفوضة لأنها تضع حكمًا خارج أطرها فريقًا كبيرًا وأصيلاً من اللبنانيين عميق الجذور في أرض لبنان وتاريخه ساهم مساهمة فاعلة في إرساء معالم الحرية والحضارة على ربوعه وهذا الفريق لن يقبل إطلاقًا بأن يصبح ذميًا في وطنه.
في قضايا الناس
على المسيحي ان يحمل لواء القضايا الاجتماعية ويبحث عن حلول لمسائل الفقر والبطالة وغياب فرص العمل، والطفولة المشردة على الطرقات، والعجزة والمتشردين والشحادين.
الالتفات الى قضايا الناس اليومية ومشاكلهم امر بديهي إذا ما أردنا بناء دولة العدالة والكرامة الإنسانية.
الأوضاع المتردية في لبنان والعالم العربي تولّد هواجس لدى الشباب اللبناني، وتزيد في نسبة القلق على المصير وموجات اليأس والهجرة.
لم يعد مقبولاً أن تستمر الخلافات والتجاذبات بين أهل الحكم، في وقت يئن اللبناني من أزمة اقتصادية خانقة، ويسأل عن الحق فيضيع.
ثمة خطر من ان تصل الامور إلى نقطة انفجار اجتماعي لا يرغب به أحد من اللبنانيين.
المطلوب من الدولة أن تؤكد وجودها قبل فوات الأوان.
من القضايا التي تستحق ان تستحوذ كل الاهتمام التربية والتعليم بما فيه الجامعي.
بقدر ما هو التعليم رسالة روحية ووطنية وإنسانية، بقدر ما يتوجب التحسس بمستقبل الاجيال اللبنانية الناشئة والحفاظ على مصلحتهم ومصلحة الأهل والوطن ومعالجة مسألة الزيادات الدائمة على الأقساط المدرسية.
في الاقتصاد
تفاقم القلق وازدياد المشاكل الحياتية والاقتصادية والاجتماعية في هذه المرحلة الحساسة يتطلب الكثير من الوعي والحكمة والصراحة.
.
.
على الحكومة إيلاء الحالة الاقتصادية الاجتماعية اقصى درجات الاهتمام لأن وجع الناس وصراخهم يزداد ولأن القلق على المستقبل خاصة عند الشباب من ابرز اسباب الهجرة التي هي عدونا الابرز.
بات ملحًا اليوم اعلان حالة طوارئ اقتصادية اجتماعية لأن الاستحقاقات المالية داهمة، والشعب يئن من البطالة وصرف العمال والغلاء والاقساط وندرة الاستثمار.
وصل الوضع الاقتصادي الاجتماعي الى درجة تستدعي ليس فقط حلقات حوار ولا خلوات وزارية دائمة بل حتى حالة طوارئ سياسية يكون بندها الوحيد كيفية معالجة الهجرة واليأس والهدر والفساد والدين العام.
الاصلاح الاقتصادي صار امرًا واجب الوجود، وإلا سيستمر الوطن في نزيفه وانهياره.
من الضروري أن يكون برنامج الإصلاح المالي الاقتصادي على رأس الاهتمامات لن يتحمل اللبنانيون ولن يقبلوا أن يدفعوا ثمن أخطاء الطبقة السياسية.
تحريك الجمود والالتفات إلى قضايا الناس الحياتية من عمل وبنى تحتية وكهرباء وسواها، أولوية أساسية إذا ما أردنا قيامة حقيقية لواقع المجتمع اللبناني.
ثمة قلق جدي بفعل تراجع الوضع الاقتصادي وارتفاع حجم المديونية العامة، لما ينعكس ذلك على الوضع العام في البلاد.
إلى الأزمات الاقتصادية والدين العام وواقع الإدارة غير المتوازي، تأتي ملفات الفضائح التي تطاول أكثر من مرفق لتزيد الواقع سوءً وسوادًا.
مطلوب جردة حساب رسمية على واقع التعيينات والتعاقد، ليتسنى للرأي العام أن يعرف حقيقة الأمور وإصلاح اي خلل.
الفلسطينيون في لبنان
مع رفض وجود السلاح في أيدي الفلسطينيين، خارج وداخل المخيمات، يأتي التخوّف من التوطين ليزيد الواقع ضبابية.
إن رفض التوطين هو من المسلمات الوطنية التي جاءت في مقدمة الدستور وهو يرتدي الأهمية نفسها التي ارتدتها مقاومة الاحتلال الإسرائيلي.
العبء الذي يتحمله لبنان، بفعل وجود ما يزيد عن أربعمائة ألف من اللاجئين الفلسطينيين، فوق أراضيه، هو عبء يفوق طاقة لبنان، من حيث الكثافة السكانية، ويضاعف مشكلة الاكتظاظ السكاني، مقارنة بمساحة لبنان الجغرافية، فيما ترى إحصاءات واقعية أن العدد يتجاوز ستماية ألف فلسطيني.
إن لبنان الذي استضاف اللجوء الفلسطيني، عملاً بالواجب الإنساني والقومي، والذي تحمّل التضحيات القصوى في سبيل نصرة القضية الفلسطينية، المتمثلة بحق العودة، أصبح هدفًا لمؤامرة خطيرة يوم طرح وطنًا للفلسطينيين، بديلاً عن فلسطين.
هذه المؤامرة معززة بالكثافة الفلسطينية في لبنان، وحالة التسلّح بذريعة "العمل الفدائي"، كانت من الأسباب المباشرة، لاندلاع الحرب في لبنان عام 1975، ولتحريك الطروحات القصوى التي هددت وحدة الشعب والأرض، وقد تمثلت بمؤامرة التقسيم.
إن القضية اللبنانية تصدّت لخطر التوطين، فرفضته، أسوة بخطر التقسيم، كمعادلة متلازمة تلازم السبب والنتيجة، فحلّت هذه المسلّمات الثوابت نصًا بارزًا في الدستور اللبناني.
أصدرت جامعة الدول العربية، قرارات عدة حظّرت بموجبها على الدول العربية المضيفة للشتات الفلسطيني، منح جنسيتها للأخوة اللاجئين، حفاظًا على قضيتهم، وحفظًا لحقهم بالعودة، ومنعًا لذوبان هويتهم عبر توطّنهم الدائم في هذه البلدان.
كما أن ثمّة قرارات دولية خاصة بالحقوق الفلسطينية، أبرزها القرار 194، والقرار 242، اللذان يكرسان حق العودة، وحق جمع شمل العائلات، التي شرّدتها نكبة فلسطين والحروب التي تلت تاريخ النكبة.
إن اعتبار حاجة العالم العربي، للسلام العادل والشامل، موازية لحاجة إسرائيل والغرب، وسائر دول العالم لهذا السلام إياه، وما لم يكن الأمر على هذا النحو، فلا حاجة به للبنان وسوريا، ولا لبلدان المنطقة العربية، ولا للأسرة الدولية جمعاء.
تمسّك لبنان بإسقاط مؤامرة التوطين مطلب داخل في صميم محادثات السلام، وبند أساسي في جدول أعمال هذه المحادثات، وشرط وطني، يوازي بأهميته تحرير لبنان.
وبقدر التعاطف مع معاناة الشعب الفلسطيني والتأييد لنضاله من أجل إقامة دولته والاستنكار لما يتعرّض له الفلسطينيون من تنكيل، بقدر ما هي مرفوضة عودة الفلسطينيين في لبنان إلى خطاب تصعيدي أو انفلات أمني تحت أي حجة تفتح بابًا على حرب لسنا مهيئين لها.
في المسيحية المشرقية
على مستوى مسيحيي الشرق الأوسط، نحن بأمس الحاجة إلى مزيد من اللحمة بين الكنائس الناطقة باللغة السريانية ومزيد من التوحّد مع الكنائس الشقيقة ومزيد من الحوار المسيحي – الإسلامي، لأن الخشية الحقيقية أن يشهد هذا القرن نهاية الحضور المسيحي المشرقي إذا استمرت وتيرة الهجرة على ما هي، وإذا بقيت المشاكل السياسية والحياتية والاقتصادية تمنع الفرد الإنسان من الشعور بالحرية الكاملة والكرامة والراحة وعدم الأمان للمستقبل".
التمثيل المسيحي المشرقي، مع الأسف، يصبح رمزياً يومًا بعد يوم.
كيف يمكن أن تظهر العروبة الحضارية وجهاً ناصعاً إذا لم تكن تلحظ المشاركة المسيحية في صنع قرارها.
تتحمل الحكومات في المنطقة كل المسؤولية وراء عدم استيعاب الحضور المسيحي.
مشيرًا إلى دورها وأدائها على هذا الصعيد من حق المسيحيين العيش بكرامة وسلام وأن يتساووا مع أشقائهم في المواطنة وان ينعموا بالحرية.
من الضروري مضاعفة الجهود من اجل الا تبقى صورة التكفيريين والإلغائيين هي الطاغية.
دور الكنائس في تثبيت المسيحيين في ارضهم التاريخية رغم الحروب والوضع الاقتصادي الصعب وتنامي الارهاب والاصوليات الالغائية وغياب الديموقراطية واحترام حقوق الانسان يبقى من اولويات واجباتها، لا سيما وأن أرض لبنان مقدسة لأن السيد المسيح مرّ فيها.
في الإحباط المسيحي
مخاطر جمة تحيط بالمسيحيين ولبنان، لا يمكن مواجهتها إلا بمزيد من توحيد الجهود والرؤية والأهداف وتعزيز العيش المشترك ودور لبنان في المنطقة.
يطاول الإجحاف الشارع المسيحي بسبب أداء الدولة المشبوه على هذا الصعيد.
ظاهرة لا يمحوها إلا النضال من اجل التوحد لقيام استراتيجية مسيحية وطنية تأكيدا للتضامن بين الاحزاب والقوى والتيارات وحفاظا على القرار المستقل.
من الضروري استنهاض القوى الحية لدى المسيحيين، ودفعها إلى المشاركة الحيّة والفاعلة في الحياة العامة ورفض اليأس والانكفاء، العمل في اتجاه فرض إعادة التوازن، والمثول بقوة في آلية صنع القرار في الدولة، ومواجهة المحادل السياسية التي تستفيد من الغياب المسيحي لتكريس امر واقع لا يمكن في أي حال من الأحوال أن يعكس حقيقة لبنان القائمة على التوازن، والمشاركة والتفاعل، فيستقيم العيش المشترك، ويأتي تعبيرًا وتجسيدًا لواقع قائم.
كذلك التراشق المسيحي العنيف بين التيارات والقوى والشخصيات في زمن نحن أحوج ما يكون فيه المجتمع الى تناغم مسيحي وتوافق وطني، هو امر مستهجن.
من الملح طي صفحة الخلافات والخصومات والتنافر المسيحي، بين كل الاطراف والاحزاب والشخصيات، لأننا امام مفترق خطير وأمام تحديات عظيمة، ولأن مستقبلنا كمجموعة وكشعب وكطوائف وكدور طليعي رهن بطريقة تلاقينا وإدارتنا لتنوعنا وتعددنا.
ومن الملح أيضًا التلاقي حول ثوابت مسيحية ووطنية تعزز استقلالنا وتعيدنا الى قلب القرار الوطني، بالشراكة التامة مع كل اللبنانيين، مثالا حقيقيا لعيش مشترك.
على المسيحيين ان يتوحّدوا في الرؤيا وفي الثوابت، ليس ضد أحد ولا في مواجهة أحد، بلْ مع كل اللبنانيين لخلاص الوطن.
كل الأطراف مدعوة إلى إبقاء الخلافات السياسية ضمن منطق الحوار والديمقراطية واحترام الآخر.
فنقدّم للعالم العربي نموذجًا حضاريًا هو بامس الحاجة إليه في زمننا الحاضر.
على الجميع ان يفكروا معًا بمحبة واحترام حول أفضل السبل لتأمين السيادة الكاملة، الحرية التامة، والمشاركة المتوازنة.
شعبنا لن يرحم اذا خسرنا حضورنا بسبب خلافاتنا وتفككنا، لأنه يمر في فترة حرجة جدًا من تاريخه ومصيره ومستقبله وكل ما يرمز إليه من تاريخ وحضور، يقف اليوم على المحك.
على المسيحيين ان يجتمعوا ويتضامنوا مع كافة اخوتهم في الوطن.
ان المسيحيين واللبنانيين يفتقدون في هذه المرحلة العصيبة الى الحكمة والفكر ورجال الدولة والمؤسسات.
العودة الى الطائفية والمذهبية ولغة الشوارع والحقد لن يربح أحداً.
ومنطق العقل والوحدة يجب ان ينتصر وإلا خسرنا كل ما نملك.
.
.
اختلاف الرأي السياسي بين المسيحيين نعمة ولكن تدمير الذات والتقاتل ينهي اي امكانية لاي نهضة ودور.
المسيحيون لا يمكن ان يكونوا الا صنّاع قرار في الوطن.
لا ملحقين ولا مهمشين ولا مراقبين ولا ذميين.
ولا تنازل عن دورهم في الدولة وحضورهم وتوازنهم ولا يمكن ان يستمر الوضع وكأنهم ليسوا موجودين.
ليس لدى المسيحيين إلا مشروع الدولة الواحدة القوية العادلة السيدة الحرّة المستقلة القائمة على المساواة التامة والتوازن الكامل.
من الفصول ادوار حنين المشكلة اللبنانية.
لم تعد بحاجة إلى التبسط فيها لتستقيم الصورة.
فلبنان البلد المزدهر الأمن، انتقل مع الايام، وبسرعة، من العمران الى الدمار، ومن الأمان إلى الفلتان العوامل التي افضت الى ذلك كثير ومتنوعة منها داخلية كالطائفية، والفساد، وتراخي الحكم، وعدم التحسب، والتطلع إلى مستقبل يجاري فيه لبنان التقدم والتطور، ومقتضيات العصر الصاعد ومنها خارجية كالمطامع السوفياتية والاسرائيلية، والسورية .
.
.
.
ثم المؤامرة الكبرى التي ينسب اليها كل شيء يحصل، والتي لا يظهر أحد من العاملين فيها.
الحالة التي يتوجع لبنان في برائتها، اليوم، ليست جديدة عليه، فهي تنتابه، كل عشرين سنة مرة، منذ السنة ١٨٤٠ الى يومنا الحاضر.
وقد تكون الاسباب متنوعة ولكن الحالة الواحدة، وهي هي على الدوام : انقضاض بعض اللبنانيين على بعضهم الآخر بسلاح معطى اليهم من الخارج، تارة من العثمانيين، وتارة من البريطانيين، وفي الحاضر من حيثما كان، وبخاصة من الاتحاد السوفياتي، وليبيا، وسورية، وإسرائيل.
يستعمله المسلم ضد المسيحي والمسيحي ضد المسلم، فيكثر الموت والدمار، وتبقى النار مشتعلة شهورا وسنين حتى تتجاوز التسع، كما في يومنا الحاضر.
كان أهون ما يثير اللبنانيين على اللبنانيين الدوافع الدينية - الطائفية كلما اصابها تأزم.
وكان أسهل ما يوقف هذه الإثارة تدخل غریب هكذا كان في السنوات ١٨٤٥/١٨٤٢ وهكذا كان في السنة ١٨٦٠ وهكذا كان في عهد الانتداب وهو ما هو جار اليوم فحوادث لبنان كانت تكون مربوطة، كلما حدثت بعوامل خارجية : ازالة الاستقلال الذاتي الذي كان قد توصل اليه جبل لبنان، ايام العثمانيين.
جعله طريقا سالكة للقوافل المرتحلة إلى الهند والعائدة منها.
جعله مركزا استراتيجيا في طريق الفتوحات في الشرقين الأوسط والادنى وتغييب وجه لبنان المسيحي، في جميع الحالات.
من هنا يستنتج المؤرخون، والسياسيون والمراقبون ان من يشعل النار هو الذي يستطيع اخمادها.
وما دامت النار قد اشعلتها يد اجنبية فهي اليد الأجنبية ذاتها التي تقوى على اطفائها طبيعي ان لا يكون احماد نار في لبنان الا بمساعدة جهة أو جهات اجنبية.
ولكنه طبيعي، في الوقت ذاته، أن لا يقوى الاجنبي على احماد النار فيه الا بالاستناد إلى جهة، أو جهات لبنانية.
لان اللبناني الذي ساعد الأجنبي على اشعال النار هو الذي يستطيع ان يساعده على اخمادها.
وكدت اقول : اللبناني هو الذي يستطيع ان يكره الاجنبي على اخمادها.
وذلك بان يسترجع نفسه من الأجنبي، بعد ان كان قد باعه اياها، أو أجرها منه.
وعندما تتوقف النار !! يصير من الممكن ان ندخل في حوار مع الاجنبي، ايا كان لوضع حد نهائي او شبه نهائي للحروب الجارية على ارضنا.
قد يكون الاجنبي الذي تمنعنا عن اعارته انفسنا هو نفسه الاجنبي الذي علينا ان نستعین به لتحقيق اهدافنا فقد تكون سورية !! او اسرائیل !! وقد لا يكون بد من مفاوضة هذه، او تلك، لاستدرار مساعدتها.
ولكن هذا اذا حال بيننا وبين احداهما بعض الوقت، لا يمكن ان يحول بيننا وبين احداهما كل الوقت.
واذا رؤي ان مساعدة سورية الفعلية الصادقة ممتنعة علينا او رؤي أن مساعدة اسرائيل الفعلية - الصادقة ممتنعة هي ايضا علينا.
لاسباب او لاخرى وربما لا تكون الاسباب ذاتها فما علينا الا ان نلجأ الى من كنا، وما كنا، نجد الخلاص على يدهم : ففي السنة ١٨٦٠ وجدنا الخلاص على يد مؤتمر دولي عقد، أولا، في بيروت، ثم استمر انعقاده في الآستانة، مؤلف من سفراء الدول الخمس : فرنسا، بريطانيا روسيا بروسيا والنمسا، بحضور السلطنة العثمانية.
وقد انضمت اليها ايطاليا، بعد حين.
وفي السنة ۱۹۱۸ ، حتى السنة ۱۹۲۰ وجدنا الخلاص على يد الحلفاء، مجتمعين في فرساي ».
وفي السنوات ١٩٨٤/١٩٧٥ كدنا نجد خلاصنا على يد القوات المتعددة الجنسية المؤلفة من الاميركيين والفرنسيين والايطاليين والبريطانيين وعلى به اسرائيل في فترة من اليمن !! اما اليوم فقد لا تجد مقراً ولا يجد العالم المهتم بامرنا مقرا من مؤتمر دولي يكون هو طريقنا إلى الخلاص.
هذا المؤتمر يجب ان تكون نواته الدول الدائمو العضوية في مجلس الأمن ( الولايات المتحدة الأميركية، الاتحاد السوفياتي فرنساء بريطانيا والصين ).
ويجب ان لا تغيب عنه : سورية والسعودية ومصر وتونس.
قد يقول معترض : ولكن هكذا تكون قد ربطنا قضيتنا اللبنانية بالقضية المشرقية وليس للقضية المشرقية حل قریب !! قلنا : اوليس من أجل الدخول الى حل القضية المشرقية، باب.
فماذا يمنع ان يكون هذا الباب من لبنان ؟! ثم ليس لزاما ان تربط حلول المسائل الشرقية بالحل اللبناني.
وبعد ! فمن يستطيع ان يؤكد : ان الحل اللبناني، لكي يكون نهائيا دائما، ليس بحاجة الى الحلول الشرقية التي بدونها ربما لا يكون استقرار في لبنان.
ادوار حنين دير عوكر الاربعاء ١١ تموز ١٩٨٤ إدوار حنين من المرحلة السورية بعد المحاولتين الأولى والثانية، وجر الأساطيل والجيوش الأميركية والفرنسية ، إلى الشواطئ اللبنانية، وإلى أرض لبنان.
بعد المحاولتين هاتين اللتين كانتا تعدان بالنجاح في الخلاص وإيصال الحق الى اهدافه!! وعلى مهل !! صار الغاء اتفاقية ١٧ آيار التي قال المسؤولون اللبنانون فيها قد ولدت ميتة .
.
واذا نحن وجها لوجه، امام سورية نتعاون معها على حل المشكلة التي نتخبط فيها، منذ ما يزيد على تسع سنوات.
المرحلة الفعلية الأخيرة في اللقاءات اللبنانية السورية التي بدأت في "جنيف - لوزان»، استؤنفت في دمشق ( لقاء الجميل الأسد )، ثم اخذ البحث يجرى، تارة في دمشق وتارة في بيروت ) الجميل - خدام - كرامي وبعض الوقت بين دمشق وبيروت حتى صار التوصل إلى تأليف حكومة الاقطاب السياسة : شمعون - كرامي .
واقطاب الحبيب ( الجميل - جنبلاط - بري.
هذه الحكومة كانت ولادتها صعبة.
وكانت الثقة التي نالتها من المجلس صحبة.
وبدأ سيرها صعبا، هو أيضاً، ولم يصل الغاية الاساسية التي من أجلها استقدمت الحكومة من أجلها.
الخطة الأمنية، حتى تاريخ هذه الساعة ترافقها تناقضات.
والحقيقة : هي : للمرة الأولى، يلعب الجيش رصيده وهذا يعني : ان المجلس العسكري، اذا لم يتوصل إلى وضع خطة امنية صالحة التنفيذ، فمن حق الناس ان يسألوا : من هو الذي يستطيع ذلك؟ الخطة الامنية المبحوثة الآن تهدف إلى توفير الأمن وتشديد قوائم الجيش.
أما الأمن فلا يكون قبل ان يكون لنا جيش قوي.
والجيش القوي لا يكون الا اذا صار الاتفاق على توفير الأمن فالقضيتان متلازمتان، وكأنهما قضية واحدة.
هنا مكان الطرح المصيري هل يستطيع الجيش ( ما دام ان القيادة والمجلس العسكري هما اللذان يتوليان وضع الخطة) أن يثبت نفسه، ام انه سيترك نفسه في دوامة الشكوك، وبين التيارات التي بعضها يقول بضرورة وجوده، وبعضها ينفي هذه الضرورة ؟ ورئيس الجمهورية، الشيخ امين الجميل، يقول : لن تعدم طريقة للوصول الى حل تحفظ معه سلامة الجيش .
.
ما دام اننا اخترنا التعاون مع سورية فالسؤال المطروح هو : اذا ارادت سورية ان تعاوننا بجد، أفلا تستطيع ان تجر الذين يقولون قولها ) والنافذون في المعارضة، جميعهم، يقولون قولها ) الى توحيد الرأي، مع الفريق الآخر على ما فيه المحافظة على الجيش، وتقويته توصلا الى توفير الأمن، وبالنتيجة : بقاء لبنان ؟ الجواب عن هذا السؤال لا يكون الا باستقراء النيات : هل سورية تريد، حقا، البقاء للبنان ؟! هل وضعت نفسها، حقا، في طريق مساعدة لبنان ؟! وهل حقا، لا تستطيع الوصول الى ما تريد مع المعارضة اللبنانية التي صار معظمها في الحكم ؟! ثم هل يطلب اللبنانيون الوصول الى غايتهم على يد سورية ؟! وهل يكون في هذا الوصول استقرار دائم، او طويل الأمد، على الأقل ؟! الأيام المقبلة، وحدها، كفيلة بالجواب.
هذا اذا كان الجواب في متناول الايام القريبة المقبلة !! فيما كنت اصحح هذه الكلمة بعد ان نضدت حروفها واصبحت في طريقها الى الطبع، كانت الخطة الأمنية في بدايات التنفيذ، وكانت الريح الطيبة تنفخ في شراعها.
فعسى ان تكتمل مسيرتها حتى مرفا الأمان.
دیر عوكر
الاثنين ٢ تموز ١٩٨٤
ادوار
الندوة اللبنانية
السنة العاشرة – النشرة السادسة
1 حزيران سنة 1956.
سيداتي ، سادتي،
ثلاث اتمدّها من ظاهر الموضوع:
1 – لولا أنها خواطر لما خطرت لي في بال.
لأني أتورّع أن أقبل على دراسة في موضوع الأدب اللبناني، وللدراسات الأدبية أصول قيادها في أيدي الذين انقطعوا إلى الدراسة انقطاع الرهبان إلى ربهم، وما نحن بالمنقطعين إلى دراسة الأدب انقطاع المتعبدين.
إن هي سوانح تمرّ في البال، لهذا السبب أو ذاك، تمر في بالكم وبالي، كما تمر النسائم في المرجة الخضراء، يموع لها الخاطر ميعة الأعشاب للنسم المندّى، ثم تنصرف ونحن أحسن حالاً، كأن إلهًا مرّ في الخاطر، فلا تترك كلمة في كتاب، او تدوينًا في ورق.
وما هذا الذي نحن فيه، الآن، سوى محاولة التقاط تنتهي منها إلى إثارة تقف دون حد الرأي الذي، وحده، يستحق أن يكون موضوع جدل ونقاش.
هذه الخواطر نوع من المواد الأولية التي يصلح بعضها للبناء، وبعضها للردم في معرض البناء، وبعضها للزخرفة دون البناء، وبعضها الأخير من النفايات التي لا يأبه بها البناؤون.
2 – أما الثانية فهي أن مجرّد قبولي موضوع "الخواطر في الأدب اللبناني" قبول مبدأ غقليمية الأدب.
وهو المبدأ الذي إعتنقناه، ضمنًا، يوم قلنا بإقليم من الأرض معيّن الحدود يرعى أمة من الناس مميزة الخصائل.
بيد أن هذا لا يعني – ولا يمكن أن يعني في مطلق حال – الاتفاق على تيارات الفكر والروح التي تمخر عباب الشعوب كما تمخر تموجات الأثير عباب العوالم، أشاء الناس أم أبوا.
ذلك أن من رواسب العصور تراثًا إنسانيًا، أصيلاً، واحدًا.
هذا التراث، هذه التركة، خلّفها عظماء الأرض لجميع أبناء الأرض، مشاعًا بين الناس جميعًا، تزيد ولا تنقص، ولا يفضل بعضنا فيها البعض الآخر إلا بنسبة ما يستطيع هذا البعض أن يغترف منها ويعب.
والقائلون بلا إقليمية الأدب – قولاً علميًا مسؤولاً – يقولون بهذا، أو بمثل هذا، ولا يقولون بغيره.
ذلك أن إقليمية الأدب نتيجة محتومة لأكثر من واقع راهن.
الإنسان – وما في ذلك شك – هو ابن الأرض التي سقط رأسه عليها، وحضنته طفلاً وأدمت قدميه صبيًا، وكانت مسرحًا لألعابه وأعماله فتى ورجلاً.
وهو ابن الإقليم الذي تقع أرضه فيه، ابن سمائه ومائه، ابن شمسه وهوائه، ابن نباته وحيوانه، ابن شطآنه ورواسيه.
باسم هذا الناموس أصبحت التفاحة الكليفورنية – وقد تأقلمت بإقليمنا – تفاحة لبنانية في اللون والنكهة والرائحة.
وباسم هذا الناموس تتقلّص ضخامة الأشجار الإفريقية، مثلاً، حتى تتسع لها أوعية الفخّار التي نستنبت فيها الحبق والفل والمنتور في احواض بيوتنا الآسيوية.
والإنسان هو ابن البيئة التي نشأ بين أبنائها، وترعرع فيها، فبادلهم أشياءهم باشيائه، وتفاعل وإياهم في الكبيرة والصغيرة، في السرّاء والضرّاء، تفاعلاً قرّب ما بينهم وبينه، ومايز بينهم جميعًا وبين غيرهم من الناس، في كل بيئة اخرى.
وما يصحّ في الإنسان يصحّ كلّه في الأدب، وتصحّ فيه الزيادة.
إذ إن للأديب – فوق مناخه الإقليمي – مناخًا روحيًا يتأتى له عن مجمل ما هو م منثور وشائع في مدوات حياته، وفي اجواء روحه وعقله: هنا رمّانة وبيلسانة.
هنا لون غروب.
هنا منديل وشال.
هنا خدّ وعين.
هنا أغان وأمثال.
هنا أحدوثة وقدوة.
وهناك أساطير آلهة وأخبار جن.
خربة، معبد، قبر.
خيمة، كأس.
صورة، تمثال، كتاب.
هذه المؤثرات خميرة في معجن.
تلقّح النفس التي تمسها كما تطلع الخميرة العجين الذي تمسه.
ئهي لا تطلع عجيننًا من خارج المعجن.
كما أن تلك المؤثرات لا تلقح نفوسًا من خارج بيئتها، التي يقطع بينها وبين غيرها انقطاع العمران، وانقطاع الصلات والمواصلات.
من هنا يصح قول القائلين: الطائر عشّه، والشاعر ابن بيئته، والآديب مرآة أهل زمانه.
حتى إني لا ارى كيف يجوز القول بالشخصية الأدبية، أو بالأسلوب الفني الشخصي، ولا يجوز القول بإقليمية الادب، أو بالأدب الإقليمي.
فبمقدار ما هو أدب الأديب أدب صاحبه الكاتب، وبمقدار ما هو أسلوب الكاتب أسلوب صاحبه الكاتب، بمقدار ذاك أدب المصريين هو أدب المصري، وأدب اللبنانيين أدب من لبنان، على أن في كل ذلك جامعًا مشتركصا واحدًا يرجع الفضل فيه إلى اثنين: النفس البشرية، الأزلية – الأبدية، الواحدة.
والشركة الروحية، الغنية الفاعلة، الواحدة.
فمن تكاملت مناقب نفسه، وانفتح له إرث واسع في تركة الناس الروحية… وأعطى… فهو يعطي من شعاب ادبه الإقليمي، من امتدادات ادبه الإقليمي، أدبًا إنسانيًا جامعًا يصح معه قول القائلين: أن لا حدود جغرافية للفكر، ولا مجامه أرضية للأدب.
فلو لم يكتب هوميروس قصة حرب طروادة التي عاش وأحس، فصوّر فيها من صور، على ما صوّر، من الدقّة والعمق والإتقان، ثم ساقها إلى أهل بيئته وزمانه… وقد يكون إلى الحبيبة التي احب… وليس إلى غير الحبيبة، ولو لم يكتب شكسبير، وراسين، وغوتيه، على هذا الوحي من الكتابة، لما كان بلغ واحد من هؤلاء مراتب الأدب العالمي الذي رقوا إليه على سلالم آدابهم الذاتية.
ولو لم يصوّر سرفنتس دون خيشوتيه يغالب طواحين الهواء في المزرعة الإسبانية النائية، أو يضوّر ألفونس دوديه ترترانه – الذي هو من ترسكون بالذات – لما وجدنا في كل قرية بلبنان دون خيشوتي، وترتران، او أكثر من دون خيشوتي وترتران واحد، ولما وجد الناس، في قراهم ونوازلهم دون خيشوتيين وترترانيين كثيرين، في كل جيل وجيل.
ولما كان دخل هذا وذاك في أقداس الآداب العالمية.
سيداتي سادتي،
انا لو أوتيت من لدن الله أن أكتب سيرة قرية ضائعة في جبال لبنان، أو سيرة إنسان ضائع في هذه القرية، أو سيرة سنديانة ضائعة في مشاعها، ووفقت في هذه الكتابة وأجدت، حتى عرف كل قروي قريته في قريتي، وكلإنسان إنسانه في غنساني، وكل جبلي سنديانته في سنديانتي،
فسموت من الخاصيات إلى العموميات، ومما هو لي، إلى ما هو لكم ولي ولكل إنسان…
انا لو أعطيت ضلك، وفعلت لوجدتموني، يومًا، ولا شك، في مراتب العالميين من رجال الأدب.
على أني أكون قد قصرت منتجعي وإعطائي وقلمي على موضوع من لبنان في ادب لبنان.
3 – وتتعلق الثالثة بمفهوم الأدب:
أكاد لا أعرف – فيما أعرف من أخبار الشعوب – شعبًا يتسع مفهوم الأدب عنده، الاتساع الذي وصل إليه مفهوم الأدب عند قدماء اللبنانيين.
كان يوم أدركت آخر انفاسه، في صباي، شغل مكانه في الأدب كل من جرى له قلم فيما يخرج قليلاً عن المألوف من شؤونهم ابتداءً في التندّر وبأخبار الأدباء ورواية شعرهم، وانتهاء بالدراسة الأدبية ونظم القريض، مرورًا بإنشاء الرسائل والمقالات.
حتى إن المتطوعين منهم لقراة رسائل المغتربين، وللرد عليها بالأسلوب التقليدي المعلوم، كانوا فر عرف بعضهم أدباء.
وأدباء جميع الذين يعنون بشؤون الأدب، حتى المادية منها، كالناشرين والطبّاعين والورّاقين.
وهي نزعة إن دلّت على شيء فعلى ما في صدور اللبنانيين من حرمة للكتاب وقدسية للقلم، أكثر ما تدل على جهل القيم وزيغة المقاييس.
كأن الأدب عندهم بعض من عبادة، والأديب خادم في هيكل العبادة، وكا ما يتصل بالأدب والأديب موصول بهذه العبادة.
شأنهم في ذلك شأنهم في معابدهم حيث تطول القداسة كل ما هو من المعبد وفيه.
في ذلك اليوم كان الباب إلى الأدب واسعًا، والوالجون فيه قلة.
ثم لم يلبث أن ضاق باب الادب، واتسع عدد الوالجين فيه.
وظل مفهوم الأدب يتصفّى عندهم على الأيام، وينعم، حتى أصبح الأديب في عرفهم، إنسانًا أصاب شيئًا من الثقافة، يحسن التبصّر والتذوّق، له في كل ما يسمع وما يرى رأي ذوّاق عليم، ويجيد التعبير عن ذاك، وعما يعقل ويحس، في أداء جميل انيق.
أما نحن فستجدنا عند هذه المقاهيم جميعًا.
لأن كلامنا سيدور على جميع هذه الحقبات من عمر الأدب في لبنان.
وليس من الحق أن نتناول بمقاييس هذا الزمن أشياء كانت تقاس بغيرها.
ولا هو من الأمانة في كل حال.
سيداتي، سادتي،
ويسأل، في مستهل هذا القول، سائل:
لماذا – وقد كانت أولى تمتمات الأدب في سفوح لبنان، وفي لبنان أوائل تباشيره – لماذا عاد فحوّل الأدب عاصمته عن قرى ومدائن لبنان إلى غير دنى ومدائن؟ لماذا، مثلاً، كانت عندنا أولى التشوّفات إلى المعرفة، فأنشأ أباءنا، وأصدقاء آبائنا، المدارس في الكنائس والجوامع، في الأديار والخلوات، تحت السنديانة، وفي ظل جدران الطرق؟ ونوع التدريس حتى كان يدور على اللغات، والادب، والخطابة، والعربية، والأرمنية، والتركية، والفارسية، والعبرية، واللاتينية، واليونانية، والإيطالية، والفرنسية، والغنكليزية، والالمانية؟ حتى كانت هذه المدارس تطلع إلى الحياة شبانًا يلمّون بسبع لغات كالمعلم بطرس البستاني، والشيخ سليمان البستاني، وجمهرة كبيرة من رجال الدنيا والدين.
ولماذا انكب آباؤنا على وضع أولى المؤلفات التي كانت تعتبر ، بحق، أولى السلالم إلى المعرفة؟ وهي التي بدأها، في قواعد اللغة، تلمطران جرمانوس فرحات في "بحث المطالب"، ثم استمر فيها المعلم بطرس البستاني في "مصباح الطالب في بحث المطالب" و"مفتاح المصباح"، والشيخ ناصيف اليازجي في "لمحة الطرف في أصول الصرف" (1854) و"الجمانة في شرح الخزانة" (1864) وطوق الحمامة" (1865) و"ألباب في أصول الإعراب"، و"نار القرى في شرح جوف القرا"، و"الجوهر الفرد"، و"فضل الخطاب في أصول لغة الإعراب"، والشيخ أحمد فارس الشدياق في "غثية الطالب ومنية الراغب"، والشيخ يوسف الأسير في : "إرشاد الورى لنار القرى"، وسليم تقلا في "الأجوبة الجليّة في الأصول الصرفيّة"، والشيخ ابراهيم اليازجي في "مختصر نار القرى في في شرح جوف الفرا"، و""مطالع السعد لمطالع جوهر الفرد"، والشيخ ظاهر خير الله في "الامالي التمهيدية في مبادئ اللغة العربية"، وجرجس صفا في ""الفرائد السنية في إيضاح الأجرومية"، والأب جبرائيل إده في "القواعد الجليّة في علم العربية"، والمعلم سعيد الشرتوني في "تمرين الطلاب في التصريف والإعراب"، وسعيد شقير ويوسف أفتيموس في : "طيب العرف في فن الصرف"، والمعلم شاهين عطيه في : "عقود الدرر في شرح شواهد المختصر"، وجبر ضومط في "الخواطر العراب في النحو والإعراب"، و"الخواطر الحسان في المعاني واليان"، والمعلم رشيد الشرتوني في "مبادئ اللغة العربية"، والشيخ عبد الله البستاني والخوري نعمة الله باخوس، فيما أضافه الاول على باب النحو، والثاني على باب الصرف من زيادات كثيرة، وإيضاحات مستفيضة لدى غعادتها طبع كتاب "بحث المطالب" في مطلع القرن العشرين (1900)، يوم كانت المدارس، على اختلاف أنواعها، "تعلّم اللغة في الكتب القديمة، كاأجروميّة، وابن عقيد، والأشموني، والصبّان، والحريري، ( جرجي زيدان – تاريخ آدابا للغة العربية، ج: 4 ص: 255).
ويوم كان في مصر ، وحده ن الشيخ محمد الدسوقي (1815 +) يحشّي بعض الكتب القديمة، ويعلّق عليها، وليس له في ذلك غير كتابين: "حاشية الدسوقي على مغني اللبيب" وهو "مغني اللبيب في كتب الأعاريب" لابن هشام، و"حاشية الدسوقي على التفتازاني" في المعاني والييان.
ثم هي التي بدأها، على التأليف في اللغة، الشيخ ناصيف اليازجي في "عقد الجمان"، و"أللامعة في شرح الجامعة"، و"الطراز المعلم"، و"مجمع البحرين، ثم استمر فيها: "ألشيخ أحمد فارس الشدياق في "الساق على الساق"، و"الجاسوس على القاموس"، و"سر الليال في القلب والإبدال"، و"جرجي زيدان في "ألفلسفة اللغوية"، والشيخ ظاهر خير الله في "المنهاج السوي في التخريج واللغوي"، و"اللمع النواجم في اللغة والمعاجم"، و"رسالة المفعلة"، و"رسالة جيّد"، والشيخ ابرهيم اليازجي في "نجعة الرائد، وشرعة الوارد ، في المترادف والمتوارد، و"أصل اللغات السامية"، و"أمالي لغوية"، و"اللغة والعصر"، و"لغة الجرائد" و"نقد لسان العرب"، و"أغلاط المولدين" و"ألمجاز" و"النبر" والشيخ سعيد الشرتوني في "دقائق عربية"، و"نجدة البراع"، و"رسائل الانتقاد"، والمعلم شاكر شقير في "أساليب العرب"، ثم هي التي بدأها، في نشر المخطوطات القديمة والتعليق عليها، الشيخ سعيد الشرتوني في "النوادر في اللغة وكتاب مسائيى" لأبي زيد الإنصاري، واستمر فيها الشيخ ابراهيم اليازجي في "تحفة المودود في المقصور والممدود" للإمام بن مالك، و"الغرائد الحسان"، والشيخ عبد الله البستاني "في الاقتضاب في شرح أدب الكتاب"، ثم الأب لويس شيخو والأب صالحاني وغيرهما…
ثم هي التي بدأها، في تسهيل معاجم اللغة، المعلم بطرس البستاني في "محيط المحيط"، و"قطر المحيط"
واستمر فيها الشيخ سعيد الشرتوني في "أقرب الموارد إلى فصح العربية والشوارد"، والمعلم جرجس همام في "معجم الطالب"،
والأب لويس المعلوف في "المنجد"، والمعلم جرجي عطيه في "المعتمد"، والشيخ عبد الله البستاني في "البستان"، و"فاكهة البستان".
ثم هي التي بدأها، في توسيع مدارك الناس، المعلم بطرس البستاني في "دائرة المعارف"، واستمر فيها: سليم البستاني، وسليمان البستاني، والأب شيخو، وجرجي زيدان.
ولماذا كانت لنا أول حركة تعنى بطبع الكتاب، لنشره، ولتعميم الفائدة منه، وهي الحركة التي بدأها الرهبان الموارنة، يوم انشأوا، السنة 1610 مطبعة دير قزحيا في شمالي لبنان؟
ثم استمر فيها الرهبان الروم الملكيين الشويريين، فأنشأ الراهب عبد الله الزاخر مطبعة مار يوحنا الصابغ في الشوير، (1733)، حتى انشئت مطبعة القديس جاورجيوس للروم الأورثوذكس، في بيروت، (1848)، قبل أن تكون قد أنشئت اللمطبعة الأهلية الأولى، في مصر، على يد الانبا كيرلس الرابع، بطريرك الأقباط، في السنة 1860، ثم مطبعة وادي النيل (1866).
اما مطبعة بولاق التي كان قد أنشأها محمد علي في السنة 1821 فقد أقام عليها، من أجل أنه يستقيم فيها العمل، المعلم نقولا مسابكي الماروني اللبناني.
لذلك انصرف الأدباء اللبنانيون منذ البدء إلىالعناية بأسلوبهم الكتابي عناية جد ورصانة وذوق، كانت جليلة الفوائد، إلا إذا ثبت أن هذا العطاء المنهمر وهذا التعاقب الفذ على الأساليب الأدبية المنوعة إنما هو من فيض الذات ومن انبثاقات رواسب الحضارات المتراكمة في نفوسهم الممتدة اصولها إلىأعمق اصول الشعب، فنضجت نظرتهم إلى الحياة والجمال نضجًا كيّغ أساليب عيشهم وتعاملهم وتعبيرهم.
حتى جاءت جميعًا يزاهيها التنوع ويؤصّلها الغنى ويتألق فيها الجمال ابتداء بالشيخ ناصيف اليازجي الذي تسلم لغة النثر في صدر الانبعاث مفككة التركيب ثقيلة الأداء مغمورة بالصناعة اللفظية التي كانت تضفي الغموض على أساليب الكتاب فأسلمها وقد بدأت تستحكم تراكيبها، ويرشق أداؤها وتنجلي ديباجتها وتغلب الصباحة إلى وجهها.
وابتداء بالمعلم بطرس البستاني الذي بسّط لغة الكتابة فقد لها ثوبًا على قدر المعاني وأطرح هنها كل فضفاض زائد، إلى الشيخ ابراهيم اليازجي والشيخ سليمان البستاني اللذين رجعا في الأصالة الكتابية إلى ابن المقفع وابن عبد ربو وأبي الفرج الأصفهاني والجاحظ فانقاد لهما أسلوب راقي سلس هادئ النبرة محكم اللفظة والتركيب سديد الخطى إلى غاياته وأغراضه.
فإلى جبران خليل جبران الذي كتب النغم واللون بالحرف وصوّر الفكرة ونقل العقدة من الكلمة إلى الروح فاعتمد اللفظة النابضة حياة وأهمل اللفظة التي جمّدها الموت.
وبعد بأسلوبه الكتابي عن كل أسلوب سابق.
حتى قال قائل فيه" لو قام صبي من قريش وقرأ لجبران لما فهم عليه شيئًا".
فإلى عمر فاخوري وبطرس البستاني، وأمين نخله وميخائيل نعيمه وأحمد مكي وخليل سركيس وأترابهم الذين كل واحد منهم صنع نفسه وصاحب طريقة في التعبير متروكة كلها لحكم الزمن.
وقد أستعصى ان يكون أسلوب في الكتابة التي هي أشبه شيء بالعمل اليدوي الشاق (أمين نخلة)
عاشت بين أهلها وماتت عند جدران الأزهر قبل أن تطلع إلى فسيح الدنيا ومصاحبة الناس.
أما طريقة المنفلوطي في الكتابة التي تميزت "بالإفراط في استعمال المرادفات ومعاقبة الجمل على المعنى الواحد والإسهاب المديد التي تفيض معه الألفاظ كالوابل المنهمر" (بطرس البستاني).
وطريقة مصطفى صادق الرافعي وابراهيم المويلحي في التزويق والترفيع والحبك والرصف والنقل عن الرف بين الغبار بدل الغرف من القلب بين الأضالع فكلها طرق أدركها الموت قبل أن يدرك أصحابها.
تبقى طريقة طه حسين التي نبت لها مائة رأس ورأس، هنا وهنا وفي كل مكان والتي تورطت جميعها في التطويل والتكرار حتى كانها تسير بالقارئ سيرًا عاديًا في منبسط من الأرض فتسليه مرة وتضجره مرة".
(بطرس البستاني) ويظل يصحبها على كل حال لانها لا تتعب ذهنًا ولا تكد في ذلك.
طريقة طه حسين هذه بنت أمتين الأصالة العربية المهلهلة والبيئة المصرية العريقة.
وبسبب هذا الأسلوب حدّث خليل ثابت (صاحب " المقطّم") قال:
"ألمصري محدث بارع.
ينقل المخبر الصحافي المصري الخبر فيرويه عليك فتستطيبه وتطرب وإذ يحمله إليك مكتوبًا تكون قد ضاعت روعته بين القلم والورق.
وشاء الله أن يزف إلى مصر أديبها الأكبر مكفوف النظر فكانت الطريقة المحتومة عليه في الكتابة ان يحدّث هو وان يسجل الحديث سواه، قطابقت براعة الكاتب فيه براعة المحدث.
وكان أسلوب طه حسين الكتابي أسلوب الحديث.
ومن خصائص هذا الأسلوب أني يمضي فيه صاحبه عفو الخاطر الدافق سهلاً لين المراس مسرعًا مستمهلاً مستوقفًا مستفهمًا جازمًا ساخرًا جادًا قافزًا مستطردًا مرددًا معيدًا.
همه الأول أن يظل ظافرًا بانتباه القارئ فلا يدع أذنه تفرغ من نبرة الصوت وتسكاب الكلام ولو جرّ ذلك إلى تجمد المعنى في اضطراد اللفظ أو جرّ إلى تعمّد خلق المفاجآن.
ولا أدري أفي هذه الطريقة أم في مثلها قال آلان في كتابه "خواطر في الأدب" قوله المأثور: "هناك عجز في التواصل يبدو كأنه تقصير في الإفهام وهو مرض يحمل صاحبه على الشك في انه قد فهم.
ثم يحمله على أن يتأكد باستمرار من أنه قد فهم".
هذا القول وإعادة هذا الشرح وتكرار الشرح والترداد المتواصل بغية الإفهام إنما هو نوع من السبة المستمرة يرشق بها وجه الكاتيز على أنه يبقى لأسلوب طه حسين ابتعاده عن جمود الأساليب العتيقة واقترابه من الحياة دون أن ينحرف إلى الركة والابتذال.
سيداتي سادتي،
قد يكون الأدب اللبناني أكثر الآداب العربية تنوعًا،
على أن عهد اللبنانيين بالعربية ليس بعيدًا.
فهو يرقى إلى الفتح العربي وهي لم تترسخ في جبالهم إلا مع المعنيين.
ومع ذلك يبقى الأدب اللبناني أكثر الأدابا لعربية انواعًا أدبية.
فقد نظم شعراؤهم في الملحميات والغنائيات والمثيليات ونظموا في الشعر القصصي والتاريخي والتعليمي ونظم بعضهم في الأحاجي والألغاز وسبك القصائد العواطل وعواطل العواطل والخيفاء والرقطاء والمعجمة والملمعة ما عجز في مثله الأقدمونز وألف أدباؤهم في القواعد والأصول، في فقه اللغة وفلسفتها، في التاريخ والأخبار واليوميات، وكتبوا في القصة والتمثيلية والمحاولات.
ووضعوا الدراسة الأدبية، وأنشأوا في الترسل والشذور.
وكان منهم خطباء طارت لهم شهرة بعيدة.
وانكبوا وحدهم على كتابة المقال السياسي الذي دشن عهده الأول المعلم سليم البستاني في مجلة "الجنان" تحت عنوان دائم "جملة سياسية.
ونجحوا وحدهم في ادب المحاضرة.
وهو نوع ادبي جديد روجت له الجامعتان اليسوعية والاميركية في بيروت ورسخت فنه هذه الندوة اللبنانية.
ثم هم نقلوا إلى العربية وعنها.
وانشأوا في كل لغات الأرض نثرًا وشعرًا.
حتى كان منهم شعراء وكتاب مجيدون في الفرنسية والإنكليزية والإسبانية.
وقد تميز الأدب اللبناني بالموضوعات ذات النفس الطويل وبالطتب الجامعة كـ"ألمحيط المحيط" و"أقرب الموارد" و"البستان" و"دائرة المعارف" و"الإلياذة" و"تاريخ الأدب العربي" و"ألروائع و"عيد الرياض".
ولم يكتب العمر الطويل إلى الجرائد والمجلات التي تعهدتها عزائم من لبنان كـ"الأهرام" و"لسان الحال" و"الهدى" و"المشرق" و"ألهلال" وقام على خدمة الأدب اللبناني رجال دنيا ودين من كل ناحية وصوب.
فلم تمنع السياسة سليمان البستاني النائب والسفير والوزير أن يتوفر على لانظم والتأليف والتعريب.
ولا متعت إسبر شقير وشكيب إرسلان ورشيد نخله وأيوب تابت وموسى نمور وعبد الحليم حجّار وشبلا دموس عن المضي في طريق الكتابة والتأليف.
ولم يمنع الطب والهندسة والمحاماة شبلي الشميل وشاكر الخوري ويعقوب صروف وفارس نمر ويوسف أفتيموس وجرجس الصفا أن ينصرفوا إلى الإنشاء والتأليف.
ولا حالة الحبروية عند الدويهي وفرحات وعواد والدبس وأبي كرم والفغالي وديب، أو حالت المشيخة عند مصطفى الغلاييني ورائف فاخوري ورئشيد رضا، او حالت الرسالة الروحية عند جمهرة كبيرة من رجال الرهبنة والدين دون انكبابهم على الكتابة والتأليف ولا قطعت التسوية طريق الكتابة على وردة اليازيج، مي زيادة، عفيفة كرم، سلمى صايغ، جوليا دمشقية، أفلين بسترس.
كان الادب يمازج النفس اللبنانية وهو منها بمثابة الروح .
لكل من اللبنانيين ردة آلية ولو طالت الردة.
ويعزز هذا الظن تعاظم عدد الشعراء الشعبيين القوالين في كل قرية من قرى الجبل وفي بعض سواحله ومدائنه.
وقد بدا على الأدب اللبناني في معظمه وعلى اختلاف فنونه وأنواعه ميل إلى البوهيمية الأدبية كأن يتحلق اسكندر وسليم العازار وبشارة الخوري وطانيوس عبدو ورفاقهم حول طاولة وكأس في حانوت لحام.
ثم ينضح ادبهم بروح هذه الحلقة.
وأن يتحلق آخرون في دكان وراق او بيت أحدهم على كأس ودردشة وكلام طيّع.
ثم ينم ادبهم على كل ذلك.
ولعل أطيب ما في أدب الياس أبو شبكو ويوسف غصوب وأمين نخلة تلك البوهيمية التي يندر أن تجتمع هي هي في نتاج متفلت ثائر ومتبحر ذاهل ومتشوف أنيق.
وهذه البوهيمية في ادب اللبنانيين إما تكون الحرية بالذات أو تكون الطريق إلى الحرية أو تكون من نتائجها.
إذ الأدب اللبناني تعبير عن الحرية اولاً وقد حاولنا أن نقيم الدليل غير مرة من فوق هذا المنبر على أن اللبناني رجل حر يكافح حتى الموت من أجل حريته.
فيصعب أن يكون ادب اللبنانيين وهو زبدة زبدتهم غير أدب الحرية.
ومن أبرز الأدلة على ذلك ميل الأدباء اللبنانيين في أول نهضتهم إلى المفكرين الذين وجدوا فيهم تطلعًا إلى التجدد ودعوة إلى التحرير وسعيًا وراء الحرية كفولتير وروسو ومونتيسكيو وداروين.
ثم ميلهم غلى الثورة الفرنسية والتعلم بتعاليمها والتعلق باهدابها.
وقد كان أول من حاول تاريخها في هذا الشرق جماعة من لبنان كالأمير حيدر شهاب (1761 – 1835) ونوفل نعمة الله نوفل والمطران يوسف الدبس.
وأول المتأثرين بها سليم البستاني وأحمد فارس الشدياق ود.
شاكر الخوري ود.
شبلي الشميّل.
وأديب اسحق وفرح أنطون وأمين البستاني وأمين الريحاني والشيخ رشيد رضا وجبران خليل جبران ود.
أيوب تابت والشيخ مصطفى الغلاييني وخليل مطران وبشارة الخوري والياس أبو شبكة على ما أثبت الأستاذ رئيف خوري في كتابه "الفكر العربي الحديث".
ومن الادلة على حرية اللبنانيين نفرتهم من الكبت والاضطهاد ونزولهم على الرحابة وإن نسبية كلما أوجسوا خيفة على أقلامهم.
من ذلك نزول شكري غانم وخير الله خيرالله وصحبهما إلى باريس، ونزول سليم وبشارة تقلا ويعقوب صروف وجرجي زيدان وسبلي الشميل وخليل تابت وخليل مطران وصحبهم على مصر ونزول تلك الكوكبات اللبنانية الحلوة على مختلف المهاجر.
ونزول أحمد فارس الشدياق على لاقسطنيطينية بالذات ليكون قريبًا من بيت الداء فيعرف كيف يتقيه.
ومن ذلك حمل اعناقهم إلى حبال المشانق.
وإنهم لا يابهون بالضطهادات والسجون فيتصدوا لها أباة ويدخلوا فيها اعزة وفد دلت على دروبهم في معارج الحرية معالم كثيرة الوضوح.
هنا "ذكرى وعبرة" لسليمان البستاني هنا "نيرون" لخليل مطران.
وهنا معظم الذي جرى على قلم جبران واسحق والريحاني والخازن ورضا والفاخوري وأبي شبكة وصلاح لبكي لألا نتجاوز طيب ذكر الغائبين.
وفي اساليب اللبنانيين الأدبية ما ينم على أثر الحرية الظافرة كخروجهم على سياق الأخطل في الكتابة واعتفائهم من لوازم التركيب المقيد وأطراح التسجيع والقوالب الجاهزة وإشاعة الصباحة والزفزفة غي الكلام والقفز إلى مختلف الأنواع الادبية، سواء أتطرق إليها العرب ام لم يتطرقوا إليها من قبل.
ثم القفز في حدود النوع الأدبي الواحد من الرومنطيفية إلى البرنساية إلى الكلاسيكية المستأخرة فإلى الرمزية قفزًا عجيبًا.
لا هو يضرهم أو يضر قراءهم ولا هم على وجوههم يهيمون.
لعل هذه الحرية المحيية من نتائج أصالة اللبنانيين في عالم الحضارة وقد تعاقبت عليهم على التوال حضارات كالفينيقية واليونانية واللاتينية والسريانية والعربية والأأوربية وكانت كل منها في عصرها خلاصة الفكر البشري.
او هي من نتائج شيوع الحضارة في مختلف اوساطهم شيوعًا جعل من حضارة اللبنانيين حضارة شعب لا حضارة طبقات او أفراد فبرزت هكذا.
قيمة الحرية الفردية التي تفشت في جميع أعمالهم وتصرفاتهم وأدائهم وهي نتيجة نلك الثقافة المركبة التي هي بدورها نتيجة تلك الحضارات المتعاقبة عليهم والتي هي أبعد ما تكون عن البساطة والتسطّح والبدائية تفرض العمل الطويل والاختبار الواسع.
فلا تصفق للبديهيات ولا تعجب بالابتدائبات ولا تثور حماسة لدى ما تتحمس له الشعوب الفطرية في جميع الفنون ولا تقف في طريق نموها صعوبات وعقبات على ما يقول الأستاذ فؤاد افرام البستاني في أبحاثه.
سيداتي سادتي،
كان بالإمكان – والحديث بيننا خواطر – ان نقف عند هذا الحد من الكلام فلا نستطرد فيه إلى نتائج.
نختم على هذه الملاحظات الخاطفة برأي ولكن ماذا يمنع أن نعقد الكلام على خلاصة:
ما دامت الحضارة اللبنانية عصارة حضارات كل منها في عصرها خلاصة الفكر البشري.
وما دامت حضارة اللبنانيين حضارة شعب لا حضارة طبقات وأفراد وثقافة اللبنانيين تلك الثقافة المركبة ووتراثًا إنسانيًا كثيفًا.
ولغة اللبنانيين تلك هي أقرب في الكتابة إلى الحاجة وأدل على الغرض وأسلس في الأداء وأرسخ في الجمال.
وما دام تطلعهم إلى الدنيا من فوق هذه الجبال، ودامت لهم قدم في الأزرق المتوسط يجرونها عليه كلما هتف في الصدر هاتف إلى الندوات البعيدة والدنياوات العنيقة الجديدة.
وما دام العناء والغنشاد على الحب والجمال حاجة ملحة في نفوسهم.
إن ماتت هي او ماتت الحسننة على مناقير اللبنانيين مات الحسن أسًى على هذه الشطآن.
وما دامت الحرية مطلبهم الأول، فلا تقوم على أرضهم سيادة لفرد ولا سيطرة لمذهب ولا تحكم لتوجيه.
فما دام كل ذلك قائمًا فستظل أرض لبنان أرضنا المنورة الحلوة ملتقى الحاضر بماضيه مصب الغرب في الشرق، مهد الانتفاضات والالتماعات الفذة، مطلع الفيض بلا عناء ينهد منها البساتنة واليازجيون الصبّاح وطربيه، جبران ومالك، شربل ورفقا، كما ينهد عبير الورد من الورد لا جهد ولا منة.
ثم لا ينفرد ناهد عن رهيله.
فتتحلف في كل فن أسرة الفن عليه ويمشي الجبل الملهم.
كوكبًا في أثر كوكبة.
إذا مات منهم سيد قام سيد تهني على الناس هناء حتى لا ينقطع المعين.
وفي الجبل الماشي جوقات تناشد الله وتنشد اللهم تباركت تباركت تباركت اعطنا المعرفة فنحيا.
سيداتي سادتي، "عبر من التاريخ اللبناني” موضوع محاضرة الليلة، حلقة من سلسلة محاضرات هذا الموسم التي عنوانها: ”في صميم الحاضر اللبناني”.
من عبر التاريخ في صميم الحاضر مظهر للتناقض الحبيب الذي يميز صديقي ميشال أسمر دون الرفاق جميعاً، أو هو أحد من وجوه العجب والاعجاب اللذين ما برح ميشال أسمر ينتزعهما انتزاعاً من رفاقه ومحبيه.
وهو، وحده، بين جميع من أعرف يقبل عليك وكأن رأسه مدار الى الوراء، أو يدبر عنك وكأن رأسه مدار اليك.
وهو، وحده، بين جميع من أعرف، أستطاع أن يلتقي كل انسان على كل شيء دون أن يحيد قيد شعرة عن طريقه، ودون أن يطرح مثقال ذرة من أطنان ما به يعتقد، وما به يؤمن ويدين.
عبر من التاريخ اللبناني.
هذا يفرض، بداهة، أن صاحب الكلام في مثل هذا الموضوع يؤمن بالتاريخ يرشد ويعلّـم، اذ يستخلص من صميم الماضي خطة في صميم الحاضر.
على أنّ التاريخ، في الرأي المعاصر، بعد أن قفزت الانسانية في عالم الغد قفزاً يكاد يكون مدوخاً فقارب أن تنقطّع أوصالها مع الأمس الذي عَبر، بات هذا التاريخ شيئاً من إنسان وضيع،
ابن نعمة تجاوزته النعمة، لا
عاجز على اللحاق بالذين سبقوه، في كل طريق،
مشغول بيومه وقاصر على التنبؤ بما سيكون غداً،
يقول عن نفسه ما تصور شارل بيغي أن يقول: ”يحسبون أني محكمة.
بئس المحكمة التي يحسبون! ويحسبون أني القاضي، على أني لست أكثر من كاتب ضبط أتولى تسجيل الوقائع”.
حتى أن بعضهم تمادى في الاعتقاد بأن الانسانية، في مشيها الصاعد أبداً الى عوالم جديدة، صار يعيقها التلفت الى الوراء، لحد ان راح أمثال تيودور مند يكتبون تاريخ المستقبل.
ومع ذلك، أنا من قضى عمره خادماً في هيكل التاريخ، ما زلت أجد طمأنينتي حيثما وجد الجدود طمأنينتهم، وقلقي حيثما كانوا يقلقون.
أنظر الى التاريخ نظرة الأبن الى أبيه.
فان لم يكن له مرشداً ومعلماً في كل شيء فهو المرشد والمعلم في شؤون عائلته وبيته، يعرف على ما أسست الدار والعماد عليها تقوم، يعرف ركائز القوة ومواضع الخور، يعرف منافذ الشمس ومسالك الهواء، جوانب البؤس ومطارح الهناء،
أين كان فراش الموت لبانيها، سرير الوضع، مهد الطفولة، ديوان العتاب، طرّاحة السمر، قاعة المصالحات لساكنيها.
أنظر الى التاريخ صلة وصل بين جيل وجيل، خبز السالف للخالف، شميم القدوة، طريق الاستمرار، وحكاية الأبرار الجدود والطيبات الأمهات التي هي أروع حكاية.
وأشم في التاريخ رائحة الحبيب،
إذ ما من محب ّلا يجد حلاوة في التعرف الى كيف جاء الحبيب الى الأرض؟ أين ومتى؟ كيف عاش وفي أي حال؟ أي درب مشى؟ أي سنديانة استظل؟ أي ينبوع غسل فيه وجهه وقدميه؟ على يد أي جدة غفا، على أي أمّ أفاق؟ أي أنشودة هدهدت غفوة في سريره؟ أي بشاعات حببت إليه الجمال، وأي جمال ترقرق في نفسه فراح يتعبّـد للجمال؟ هكذا أنظر الى التاريخ، تاريخ بلادي.
وهكذا ينظر معي رفيق العمر الاسمر الى موضوعه، موضوعي الليلة، فتعايش الأجيال التي سبقت، أجدادكم، وأجدادي، ساعة من الزمن، نتشمم فيها رائحة المروءات والحلاوات، نستقرئ، نستنتج، ونستدل، فتحلو لنا الساعة، وقد يكون لنا من التاريخ عبر.
أجمع الرحالة والمؤرخون العرب، صالح بن يحيى، أبن بطوطة، وابن عساكر، على أن كان لبنان، أوائل القرن الرابع عشر، كثيف الغابات، غزير المياه، يعيش أبناؤه من جنى الارض وصيد الحيوان الكثير الذي كان يؤهل أحراجه وغاباته.
يكثر في جباله وأوديته النساك والمتصوفون المتجردون من متاع الدنيا.
فكان، من أجل هذا، وبالاضافة الى وعورة جباله، وتعقّـد مسالكها، أرضاً نادرة المثيل تحتمي فيها الجماعات التي كانت لا تجد لها قدرة على الحماية في كثرة عدد أفرادها.
وهو ما استهوى الدروز في التسلّـل إليه عبر صحراء سيناء.
كما استهوى تلامذة مار مارون وأنصارهم في التسلّـل إليه عبر مفارز الشمال، واستهوى عشائر المتاولة في التسلّـل إليه عبر وادي الليطاني.
وإذا الزحف الشيعي يدفع الدروز من الجنوب الى الشمال، فيلجاْ هؤلاء الى الشوف، ثم يشتد دفع الشيعة للدروز فيلتووا على المتن وكسروان.
يقابل ذلك زحف من الشمال، وئيد، ناحية البترون وبلاد جبيل وكسروان، حتى يستقر الموارنة والمتاولة والدروز في مثل أوضاعهم، اليوم، تقريباً، من الجبل اللبناني.
وإذا لبنان، منذ ما يزيد على السبعمائة سنة، يتخذ الطابع الفريد الذي يجعل منه ملجأ الاقليات الفازعة من بلادها إليه.
كان طبيعيًا أن تسهم "ألفصول" في المؤتمر الماروني العالمي الثاني الذي ينعقد، في نيويورك من 8 إلى 12 تشرين الأول 1980، فتخصّه بواحد من اعدادها.
لأن عمل "ألفصول" يدور، في الأصل، على كل ما من شأنه أن يعمّق معرفة اللبنانيين بلبنان.
ذلك أن المعرفة، في اعتقادها، تبني المحبة وترسّخ جذورها في النفوس.
أوليس أنّ المرء عدو ما يجهل ومَن يجهل؟! فأية غضاضة في أن تعالج، اليوم، قضية الموارنة على أن تعالج، غدًا، قضايا الطوائف الاخرى، كما تعالج، على الدوم، القضايا المشتركة بينها جميعًا.
حتى لو لم يكن هذا المؤتمر لكان لزامًا على هذا العدد أن يكون، لأن الموارنة هم الذين كانوا أول من اختار لبنان ملجأ لهم، فتبعهم إليه الدروز، والشيعة، والسّنة، والطوائف الإسلامية والمسيحية الاخرى، فكان محتومًا أن يُعرف، على يد "ألفصول"، من هم الموارنة، وما كان عملهم، على مدى التاريخ، بدقة التاريخ.
لذا رأينا أن نفصّل الكلام عليهم في أبواب ستة:
1 – منشأ المارونية.
2 – موطن المارونية ودورها في بناء لبنان.
3 – الروحانية المارونية.
4 – الإشعاع الماروني.
5 – المارونية في العالم، والعالم في بلاد الموارنة.
6 – المراجع المارونية المهمة، وشهادات الموارنة فتكاد تتكامل، حول هذا العدد، المعرفة عمهم.
وبديهي أن لا يتسع عدد فرد لجميع هذه المطالب، وبخاصة عندما يتوخى الباحث الدخول في تفرعاتها، والتزام الإحاطة والإفصاح.
لذلك لن يرد في هذا العدد سوى بعض تفرّعات من كل مطلب.
على أن تجتمع كلّها في أعداد مقبلة حتى تستقيم.
وقد يستغرق عمل التأليف هذا زمنًا طويلاً.
ولكنه لن ينقطع حتى يكتمل.
على أنه من شأن هذا العدد بالذات، أن يرسم الخطوط الكبرى للعمل الكبير، وأن يلقي النور على بوارزها.
وهو حسبنا وما نبتغيه.
وفي ما يلي، من دراسات وأبحاث، سيتراءى الكثير مما يجب أن يكون معلومًا عن نشأة المارونية، وتكوّنها، وروحانيتها، وأعمالها.
فليس علينا، هنا، أن نستبق ما سيكتب في ذلك، تجنّبًا للإعادة والتكرار والملل.
غير أن فوائد مما لا بد أن يعرف، منذ البدء، في موضوعها يجري عليه القلم لمامًا في هذه المقدمة:
الموارنة، دينيًا ، أبناء مار مارون، وأبناء الفينيقيين، ثنيًا، وتاريخهم، طبيعيًا، امتداد لتاريخ الفينيقيين.
المارونية تمرّد على السلطان وخضوع للإيمان.
فكأن في ذلك تسليمًا لله ومقارعة للإنسان، وهي سيرتهم.
ليست المارونية دينًا، إن هي إلا طائفة من دين.
وليست هي لبنان، إن هي إلا ركن من أركانه.
وعلى صعيد الدين، فإنها تمثّل الانقطاع إلى التفكير اللاهوتي الذي حفظ المارونية في الخط المستقيم فحافظت، أبدًا معه، على علاقتها السليمة بالكرسي الرسولي.
فلا بدعة فيها ولا انحراف، بل انسجام متواصل دائم مع الكنيسة الرسولية – الرومانية – الكاثوليكية – الواحدة، في جميع الأزمان والعصور.
أما على صعيد لبنان فقد كانت المارونية حريصة، أبدًا، على أن يبقى لبنان ملجأ المروّعين، وموئل الحرية، ودار الامان، كلاً لكل أبنائه.
فالماروني أراد نفسه، في لبنان، إنسانًا حرًا:
حرًا في معتقده يستطيع أن يكون، ضمن المسيحية، حيثما يشاء أن يكون.
حرًا في تصرّفه: في ممارسة شعائر دينه، في إقامته وترحّله، في اختيار ومعاطاة عمله، في محازبة من يريد على من يريد، في التعبير عن معتقده وشؤون عمله، وعن كل ما يجول في خاطره.
وقد حضّ نفسه، إلى ذلك، بحرية لا حد لها في التعيّش والارتزاق حملته على فتح أبواب العالم من جهاته الأربع، فملأ الدنيا بولده ومآتيه.
وما أراده الماروني لنفسه أراد مثله لغيره من شركائه في الوطن الصغير.
من هنا يتضح، كما سيتبين من كل ما يجيء، أن المارونية كنيسة ووطن، وأنها حريصة على استقلال كنيستها، وعلى استقلال وطنها، تستميت، أبد الدهر، في الدفاع عنها وعنه.
ثم إن المارونية ليست كنيسة، ولا هي طائفة، فحسب، بل هي حزب سياسي متعدد الجناحات.
فيوم لم يكن في الإكليروس الماروني غير الرهبان، كان الرهبان ينتخبون، من بينهم، بطريركًا عليهم.
والبطريرك، بفعل هذا الانتخاب، كان الرئيس الأعلى للكنيسة المارونية الذي حُصرت في يده السلطة الروحية والسلطة الزمنية في آن معًا.
الكنيسة المارونية تحولت، هكذا، إلى كنيسة قومية.
فتحوّلت على التوالي إلى أمّة.
وحيث أن المارونية لم تكن وحدها في لبنان، بعد أن انضم إليه الدروز والشيعة والسنة، وجد الموارنة أنفسهم، في الدفاع عن حقوقهم، حزمة واحدة، تحولت، مع الزمن، إلى حزب سياسي له هيكليته، وأهدافه ومراميه، وخطّة عمله التي كانت تملي على أتباعه مواقفهم.
يشرفني أن أقدم اليكم الرجل الذي تحمل المسؤولية، بكل صدق وتجرد وإخلاص، الرجل الكبير في قلبه، الوفي بعهوده، الثابت في المبدأ، الجريء في قول الحق، نائب لبنان ووجه لبنان، وما يمثل في لبنان من محبة وتسامح، وصفاء، معالي الإستاذ إدوار حنين".
سيداتي سادتي
اني من قرية بين بلدتكم والازرق المتوسط تغفو، حالمة على الهضاب، عند كتف الغدير.
أيام الطفولة كانت لي سوق الغرب واحداً من حدود الدنيا التي كانت تحتضن الصبي: هي في الشرق العالي، الشويفات في الجنوب، الحدث في الشمال، وفي الغرب البحر الهدار المالح.
كنا نسهر، فوق سطح بيتنا في الربوة الخضراء، على قناديلها تموج على الأنسام في الليالي اللاهبة.
وكنا نطفئ قنديل بيتنا عندما تطفأ.
ولم يكن آخر النور، في سوق الغرب، بطويل.
ولا كان عندنا طويلاً.
وكان النهر الذي يغسل أقدام بيتنا في وادي الغدير كأنه يرشح من إبريقها، ثم يجف على جفافاه.
سقاك الغيث أيام كنا على مثل هذه المقاعد وكان عالمنا مثل هذا العالم !! فمن ذا يجرؤ، اليوم، ونحن في انتظار الأبعد، على القول: ان القمر حد من حدود العالم الحاضر؟!
ان شبيهات "بات"، في الدنيا، كثيرات، على ما جاء في الكتاب الفريد "صرعة المستقبل" و "بات" طفلة من نيويورك راحت تجهش بالبكاء عندما عرفت أن احدى رفيقاتها زارت أوروبا.
.
.
تجهش وتقول: "تكاد تنقضي التاسعة من عمري ولم ازر أوروبا بعد" !! العمر الطويل، يا ابنتي
فلم تجدل، بعد، الشعر الشائب.
سرعة التطور المذهلة
ويا إخوتي
أن هذا العالم الدائخ من سرعة، الذي اجتاز في السنوات الخمسين الأخيرة مسافات لم يكن قد اجتاز مثلها منذ يوم الخليقة حتى هذه الخمسين.
إن هذا العالم الذي بعض مدائنه تمتلىء وتفرغ كما الفنادق الكبرى تمتلىء وتفرغ كل يوم، أو تكاد.
إن هذا العالم الذي يميل الى تبديل كل شيء، كل يوم، على نحو ما صارت تتبدل، بعد كل استعمال، محرمة الكلينكس، صحون الكرتون، كباية الورق، ملعقة الخشب، وقميص النيلون، ان هذا العالم الذي أصبح ينطلق في صاروخ كان، الى خمسين سنة خلت، يسعى على ظهر جمل، وان اسرع فعلى متن طنبر أو على عربة خيل.
ولكن هذا العالم الدائخ من سرعة، المتبدل كل يوم، الجاثم على صدر القمر.
هذا العالم مهما ازداد من سرعة، مهما تبدل من حال، مهما ألف القمر، مهما توثب الى غيره من الكواكب.
عالم الإنسان
يظل، هذا العالم بالذات عالم الإنسان.
الإنسان المشدود الى قواعده، المنبثق من روح الله والعائد الى سمائه.
هذا الإنسان تجمعت له، على مرّ العصور، مقاييس فصارت، بعد بحث وتدقيق وتجارب وإختبار، قيماً إنسانية أخيرة.
مجنحاً أكان هذا الإنسان أما داباً على إثنين، في البيض، في السود، في الحمر، في الصفر، كان في المغارب أم في المشارق، في الجاهلين أم في العارفين، وفي المرفهين أم في الكادحين.
إنسانك، يا الله، أبداً، إنسانك.
وهو الذي ان أنا توجهت اليه هرما تجاوب معي امردا لأنك بينه وبيني سلكا من نور، وقاسما مشتركا فيه نخترف عليه نلتقي منذ أن ولد، سبحانك، الى أن قبرت، ثم بعثت حيا.
الإفادة من خبرة الآخرين
أعرف، يا اخواتي، ان الإنسان تعود الا يستفيد من خبرة الآخرين استفادته من حصاد العلم.
تجربة إنسان، مهما تكن فريدة وعميقة، لا تنفع انسانا آخر.
أما المكتشفات والإختراعات فلا تكتشف أو تخترع مرتين.
اليها تنتهي معرفة الإنسانية وبها يبدأ علم العالم.
وتعاد تجربة الإنسان مع كل إنسان.
من هنا ان العلم يتقدم، وإن الخبرة في مكانها لا يأخذ بيدها سوى صاحبها.
العلم يتراكم حتى يبلغ القمر، والخبرة يتبدد متجمعها في الحضيض.
ومع ذلك أدعوكم الى اثنين:  تجميع ما امكن من الخبرة.
 ثم السهر على الإفادة منها.
صحيح أن تجميع الماء على الماء لا يبني هرما.
الا أنه يخلق بحيرة.
وهو كاف.
اما الخبرة التي أدعوكم اليها فليست "تراكم الأيام على عمر الطفولة".
ان هي الا تعايش، ووعي وتبصر، وتأمل، ثم تجريد يجعل من الحادثة عبرة، ومن القصة مغزى، ومن العابر بقاء.
ثم اني أرى ان الذين يتصل عقلهم بخبرة آبائهم فيكون لها امتداداً هم أنفع لمجتمعهم، لوطنهم، وللإنسانية جمعاء من الذين يتقوقعون في زاويتهم فيحطمون الجسور التي بين الاجيال السابقة وبينهم.
اذ انقطاق الإنسان عن أصوله كإنقطاع الساقية عن ينبوعها قتضيع في الطريق، وتبتلعها الرمال.
في اواخر 1968، دخل الأراضي اللبنانية عدد من الفلسطينيين المسلحين أي الفدائيين.
احدث هذا الأمر اضطرابات داخلية ليس بالنسبة لعدد الذين دخلوا وكان لا يتجاوز الخمسين، بل لمبدأ وجود فدائيين على الأراضي اللبنانية.
أما الاضطرابات الداخلية فكان سببها الانقسام بالرأي حول مبدأ وجود فلسطيني مسلح: فريق يؤيد وفريق يرفض.
الفئة التي أيدت لجأت إلى مختلف وسائل الضغوط: الاضطرابات والمظاهرات والمهرجانات الخطابية والعراقيل التي كانت تضعها لدى تشكيل الحكومات.
الفئة التي رفضت اقتصر نشاطها على إسداء النصح للفريق المؤيّد بعدم الذهاب بعيدًا بالتأييد خشية التصادم.
أخذ عدد الفدائيين يتزايد يومًا بعد يوم.
ردود الفعل الإسرائيلية وكان أبرزها الغارة على مطار بيروت الدولي في 28 كانون الاول 1968.
في نيسان 1968، قامت تظاهرة انطلقت من ساحة كلية المقاصد في بيروت وسار المتظاهرون باتجاه المجلس النيابي.
حصل إطلاق نار وسقط 14 قتيلاً وبعض الجرحى الأمر الذي حمل السيد رشيد كرامي على تقديم استقالة الحكومة التي كان يرئسها.
تعذر تشكيل حكومة جديدة بسبب استمرارا لخلاف حول وجود الفدائيين في الوقت الذي كان عدد هؤلاء يتزايد.
رفض رئيس الجمهورية يومذاك الرضوخ للامر الواقع والتسليم للوجود الفدائي على الأراضي اللبنانية ووجه رسالة بتاريخ 31 آيار 1969 بهذا المعنى أثارت ردود فعل مختلفة ولاسيما من جهة الفريق المؤيد للوجود الفدائي.
رفض رئيس الجمهورية تشكيل حكومة ترضخ للأمر الواقع وبقيت البلاد دون حكومة.
فاستمرت الحكومة المستقيلة تصرّف الاعمال سحابة سبعة أشهر.
في اواخر شهر تشرين الأول 1969 حصل اصطدام مسلح بين الفدائيين والجيش اللبناني في مجدل سلم في منطقة الجنوب تسبب فيه الفدائيون .
فسار الفريق المؤيد.
وما هي إلا أيام معدودة حتى اشتعلت المناطق الحدودية وكان عدد الفدائيين فيها قد تجاوز الثلاثة آلاف.
ثم ثارت الدول العربية على رئيس لبنان لموقفه من الفدائيين ومارست تجاه لبنان مختلف أنواع الضغوط ولاسيما منها الإعلام العربي وأقفلت بعضها الحدود مع لبنان وتصاعدت الاشتباكات العسكرية بين الجيش والفدائيين وحلفائهم ومرت بضع أيام والامور تسير من سيء إلى أسوأ الامر الذي اضطر السلطة إنقاذًا للبلاد من الانقسام داخليًا إلى التسليم بالوجود الفدائي في لبنان وكان اتفاق القاهرة وقد تضمن نصًا يتعلق بسريته أعطى خطأ الانطباع بأن لبنان سُلّم للفدائيين.
ولكن الفلسطينيين لم يكتفوا بما تضمنه اتفاق القاهرة.
وخلافًا لهذا الاتفاق ادخلوا جميع أنواع الأسلحة والذخائر ولاسيما الثقيلة منها إلى المخيمات وأنشأوا المكاتب في العاصمة والضواحي والمناطق وكثرت التجاوزات التي كان يرتكبها عناصرهم وتعددت الاصطدامات بينهم وبين قوى الأمن والجيش وأخذوا بإيواء الخارجين على القانون من لبنانيينو فلسطينيين وغيرهم من عرب وأجانب.
وفي ليل 10 – 11 نيسان 1973، قتل 3 مسؤولين فلسطينيين في شارع فردان واتهم رئيس الحكومة يومذاك قائد الجيش بالتقصير واشترط إقالته أو استقالة الحكومةم.
وكان أبرز هذه الاصطدامات بين الفلسطينيين والجيش الاصطدام الذي حصل في 2 آيار 1973 على أثر حجز 3 عسكريين من قبل حاجز من فدائيين.
انذر الجيش الفلسطينيين بإعادة المحجوزين خلال مهلة محددة وإلا لجأ إلى القوة.
وبعد انقضاء هذه المهلة دون نتيجة، توجهت دورية من الجيش لاستعادتهم بالقوة.
وجرى تبادل إطلاق نار تبعه قصف ثكنات الجيش المجاورة من قبل فلسطينيين بالمدافع والصواريخ.
وعمت الاشتباكات العاصمة ومناطق عدة من لبنان.
وأخذ الفلسطينيون يقصفون الأحياء السكنية والمرافق العامة ومنها مطار بيروت الدولي بمختلف أنواع الأسلحة ومنها المدافع والصواريخ.
واضطرت الحكومة يومذاك إلى اتخاذ تدابير أمنية مشددة منها منع التجدد.
وما ان أخذت الأمور تعود إلى الحالة الطبيعية حتى انفجرت عند الساعة العاشرة من ليل 7 آيار وكان مجلس الوزراء لا يزال منعقدًا وتساقطت القذائف المدفعية والصاروخية وسواها بصورة عشوائية على جميع أحياء بيروت وضواحيها وتسببت بوقوع ضحايا بريئة عدة مما حمل مجلس الوزراء بناء على اقتراح رئيس الحكومة إلى إعلان حالة الطوارئ.
وقضت بيروت وضواحيها تلك الليلة دون ان يهدأ دوي انفجارات القذائف وأزيز الرصاص.
وقبل بزوغ الفجر بعد تلك الليلة الرهيبة كان رئيس الحكومة يقدّم استقالته لانه لم يصمد امام الضغوط التي تعرّض لها على أثر إعلان حالة الطوارئ قبل ساعات معدودة ولكن ذلك لم يمنع من اتخاذ التدابير العسكرية ومنها سلاح الطيران والتي بفضلها توقفت موجة العنف.
إذ تهافت السفراء العرب طالبين وقفها متوسطين بين السلطة اللبنانية والفلسطينيين الهجرة متأصلة في عمق وجدان المجتمع اللبناني وقد أقدم عليها اللبنانيون منذ أقدم العصور.
تعود جذورها إلى عهود الفينيقيين ومن سبقهم.
أما حديثًا فمن المتفق عليه بين المؤرخين أن عميد المهاجرين هو انطونيوس البشعلاني الذي افتتح الهجرة في أواسط القرن التاسع عشر، ثم أخذت تتضاعف سنة بعد سنة لتبلغ ذروتها في القرن العشرين.
من اللبنانيين من فرضت عليهم ظروفهم مغادرة بلادهم ومنهم من غادرها طوعًا دون أي ضغط سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي.
منهم من غادر الوطن نهائيًا ومنهم من يفكر في العودة إليه وفئة ثالثة تتنقل باستمرار بين لبنان والعالم.
الهجرة قائمة على قدم وساق وأسبابها عديدة منها اقتصادية ومنها سياسية.
تتجه قوافل المغتربين بشكل مكثف إلى بلدان الخليج اما الولايات المتحدة الأميركية وكندا فتستقطب بصورة خاصة العلماء والباحثين وذوي الاختصاص في الطب والصيدلة والكيمياء والذرّة والالكترونيات.
كلما اشتدت الأزمة الاقتصادية في لبنان اختناقًا كلما تضاعفت هجرة اللبنانيين لاسيما هجرة الأدمغة حيث يستنزف لبنان شبابه وخبراءه الضليعين بالفن وخبراءه الفنيين والمتخصصين في القطاعات المصرفية والتأمينية والسياحية والهندسية والطبية والعلمية.
كان للهجرة مضاعفات سلبية على الوضع في لبنان إذ تناولت كل شرائح المجتمع بمختلف طوائفه.
وكان لها أثر سيء على ديمغرافية البلد وخصوصًا بالنسبة للطوائف المسيحية.
تهجير المسيحيين وعدم تحقيق العودة كانا سببًا رئيسًا لهجرة القسم الأكبر منهم.
تميّز الاقتصاد اللبناني خلال النصف الأول من السبعينيات بنهضة القطاعات الاستيرادية والتجارية والسياحية والخدماتية بفعل تدفق الرساميل من شتى بلدان الاغتراب التي استقبلت المهاجرين اللبنانيين ووفرت لهم فرص عمل كثيرة ودرجات ربح عالية، لاسيما الدول العربية والخليجية بنوع خاص التي شهدت فورة نفطية أفرزت رساميل طائلة جذبتها السرية المصرفية في لبنان ومناخ الاستقرار السياسي والحرية الاقتصادية فيه، وقد وظفت في معظمها في الإنفاق السياحي وإنفاق تأمين الإقامة في الربوع اللبنانية.
لبنان هو أكثر البلدان حاجة لأبنائه المنتشرين في العالم وهو أكثر الدول إهمالاً لهم.
إصدار قانون يسمح للبنانيي الانتشار بالانتخاب إنطلاقًا من أماكن تواجدهم وتأسيس مجلس خاص بهم يحمي حقوقهم ويساهم في رسم استراتيجية التواصل العملية بينهم وبين الوطن الأم، بات عنوانًا عريضًا من سلسلة العناوين التي افتتح بها الرئيس ميشال سليمان عهده.
تفتقد المؤسسات الاغترابية إلى النظرة الجديدة والنظم الحديثة التي تساهم في استثمار مسألة الهجرة إيجابًا من أجل الدفع للأمام بعمليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم مدعوة كي تكون صوت الانتشار اللبناني.
واجبها أن تجمع الشمل اللبناني المنتشر في كل أنحاء الأرض وأن تنشر رسالة لبنان وتدعم قضاياه المحقة وتبث روح الوطنية في صفوف من غادروه قسرًا أو طوعًا وتشعل فيهم الحنين إليه وأن تزرع اللحمة بين اللبنانيين وتبعد عنهم خطر الانقسام الطائفي والمذهبي وتعيد نسج الامبراطورية اللبنانية وتجعل من كل الدول صديقة تعطف على اللبنانيين وتجد في بلدهم خير موطن يستثمرون فيه أموالهم ويقصدونه للسياحة والراحة والتعاون الثقافي والفني والاقتصادي والإنساني.
من واجب الجامعة السعي الدؤوب لتحويل لبنان إلى دولة قوية سيدة ذات سيادة غير منقوصة وموئل للحرية والعدالة وموطن للديمقراطية وحصن منيع بوجه كل الأطماع والاعتداءات والتعديات .
الأهواء الشخصية عطلت عمل الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم وانتقلت عدوى الشرذمة التي فككت صفوف اللبنانيين خلال الحرب إلى عالم الانتشار بحيث شهدنا تكتلات اغترابية متناقضة ومتخاصمة.
تمتلك الجاليات اللبنانية في العالم نخبة من الأدمغة والوجوه التي برزت وتفوقت في أكثر من قطاع وميدان.
والدول التي احتضنت اللبنانيين في رحلة هجرتهم، عرفت كيف تستفيد من طاقاتهم وميزاتهم وعلمهم.
عالم الانتشار اللبناني متمدد جغرافيًا ومتنوع بحيث ظهرت في العالم جمعيات وتكتلات وحركات لبنانية منها المستقل ومنها الذي يستمد جذوره من أحزاب وتنظيمات ومرجعيات لبنانية ناشطة فوق الأراضي اللبنانية.
كذلك اللبنانيون المقيمون في الخارج نجحوا على المستوى الاقتصادي وكثيرون منهم تمكنوا من تأسيس إمبراطوريات وشركات ضخمة بلغت شهرتها أقاصي الأرض.
التفوق اللبناني لم يترك حقلاً إلا وتسلل إليه.
والانتليجنسيا اللبنانية لا تزال حتى اليوم تحظى باهتمام وتقدير من كل الدول ولا يزال لبنان مصدرًا هامًا للأدمغة المتوجهة إلى كل أرجاء الكرة الأرضية.
الاميركيون من أصل لبناني المقيمون في الولايات المتحدة الأميركية يناهز عددهم الملايين الثلاثة، وهم يتوزعون أجيالاً أربعة.
حركة الاغتراب اللبناني إلى الولايات المتحدة بدأت منذ القرن التاسع عشر وازدادت وتيرتها بنوع خاص بين العامين 1970 و1980 لاسيما مع اندلاع الحرب اللبنانية واشتداد وطأتها.
منهم من دخل الكونغرس بعضهم يتولى مسؤوليات ومراكز في بعض الولايات والمناطق وفي الإدارات والشركات والمؤسسات العامة والخاصة وفي القضاء والجيش والشرطة والمصارف وفي مختلف القطاعات.
هم يشكلون عاملاً انتخابيًا بارزًا لا يمكن الاستهانة به، بل يؤخذ في عين الاعتبار.
بعض اللبنانيين الأميركيين نجح في الوصول إلى الكونغرس كما ان عددًا كبيرً منهم تبوأ مناصب عالية متقدمة في البيت الأبيض ان القديس مارون يعد "أبو الامة المارونية " ، لقد كان ايمان مارون، ايمان شخص كاثوليكي.
لا يمكننا الجزم في المكان الذي تنسك فيه القديس مارون، لكن العلماء الموارنة اتفقوا على انه ولد وتنسك في شمال غرب العاصي.
كما اتفق العلماء على انه كان سريانيـًا و اللغة التي تكلم بها، هي اللغة السريانية المنتشرة في منطقة أنطاكيا.
و لا نمتلك الكثير من المعلومات عن مولده، و لكنه من الممكن ان يكون قد ولد في مدينة " نابو " عاصمة تلك الارجاء، و لا نعلم عن صباه، الا انه بالتاكيد ترك الناس و المدينة، و انقطع على جبل " قوروش " القريب من مدينة " نابو " و كان يسمى جبل " نابو " نسبة إلى الاله " نابو " الذي كان يعبده سكان تلك المدينة، قبل المسيحية و لما اعتنقوا الايمان المسيحي تركوا الجبل مقفرًا خاليـًا صحراويـًا والبعض يظن كأن المشيئة الالهية قد رادت ان يقوم مارون باعادة غرسه بطريقة اخرى.
كلمة مارون في اللغة السريانية، تعني السيد، او السيد الصغير، في النواحي القورشية خرج مارون إلى الجبل ليتنسك وليعبد الله،وكان جبل نابو، محجـًا لسكان القرية، و مكان الذي يعبدون فيه الاله نابو و عندما هجر الجبل في القرون الاولى من المسيحية لاعتناق السكان المسيحية، اصبح المعبد خاليـًا و الجبل لم يعد الناس يحجون اليه، و لكن في الايام المقبلة سيعود الناس يحجون إلى ذلك الجبل و لكن من اجل التبرك .
ان العلامة و الاسقف الشهير، تيدورتيطس، يذكر الرهبان و النساك في تلك الاصقاع، و على راسهم، مارون او مارون الالهي كما يدعوه الاسقف! " لقد زين مارون " يقول تيدوروتيطس " طغمة الاباء و المتوحدين إلى الله و مارس ضروب التقشفات و الاماتات تحت جو السماء دون سقف سوى خيمة صغيرة لا يستظلها الا نادرًا".
" و كان هناك معبد وثني قديم لاله نابو، كرسه مارون " كما يقول المؤرخ للعبادة و الصلاة للرب يسوع المسيح، كان ذلك المعبد الحقير، إلى المكان الذي انطلقت منه المارونية إلى الشرق اولا ً و إلى العالم كله ثانيـًا".
إستنادا على عقيدة الكنيسة كان مارون يمتلك نعمة الشفاء و القيام بالاعاجيب الكثيرة، فذاع صيته و تقاطر البشر اليه لكي يشفو امراضهم الجسدية و النفسية على حد سواء ً حتى أن شهرته وصلت إلى كافة انحاء بلاد أنطاكيا.
لم يقتصر القديس مارون الكبير على شفاء امراض الجسد بل تعداه إلى شفاء امراض الروح و النفس، يقول المؤرخ " فوسجتر" و هو من ابرز المؤرخين في العالم، متحدثـًا عن القديس مارون فيقول : " أن القديس مارون كان أول من مارس العيش في العراء معرضـًا نفسه لقسوة عوامل الطبيعة، و أن بعض النساك في مقاطعة قوروش قد تبنوا هذا النمط من العيش، و خاصة الرهبان العموديين و على راسهم سمعان العمودي، أن القديس سمعان العمودي ما هو الا تلميذ في مدرسة النسك التي اسسها مارون".
لقد كان لدى مارون صداقة حقيقية مع " يوحنا الذهبي الفم " الذي كان اسقف دمشق و من ثم قرر الانتقال إلى ارمينيا حيث كانت تلك البلاد منفاه الاختياري الذي قضى به سنيه الاخيرة، و من الممكن أن الصداقة التي قامت بين مارون و يوحنا الذهبي الفم قد تكونت في انطاكية حيث من الممكن أن كلاهما قبل بدء دعوته قد زارا المدينة التي كانت تعد مركزًا للاهوت في الشرق، و هناك اصبحا صديقين.
و بعد تلك الصداقة، ارسل يوحنا الذهبي الفم من ارمينيا رسالة إلى القديس مارون، و هي رسالة نفيسة جدًا و تظهر بالعدد 36، و فيها تظهر روابط المحبة و الالفة الكبيرة و الشديدة، و الاخوة في المسيح التي تجمع بين القديسين.
يقول القديس يوحنا الدمشقي في تلك الرسالة : " إلى مارون الكاهن و الناسك، أن رباطات المحبة و المودة و الصداقة التي تشدنا اليك تقف نصب اعيننا كانك عندنا و بيينا لان عيون المحبة تخرق في طبعها الابعاد و لا يضعفها طول الزمان و كنا نود أن نكاتبك بكثرة لولا بعد الشقة و قلة المسافرين إلى نواحيكم .
اما الان فاننا نهدي اليك اطيب التمنيات و نحب أن تكون على يقين من اننا لا نفتر من ذكرك اينما كنا لما لك في ضميرنا من منزلة رفيعة فلا تضن انت ايضا ً علينا انباء صحتك لان اخبارك تولينا على البعد و تبعث فينا السرور و التعزية في منفانا و عزلتنا و تطيب نفسنا كثيرا ً .
اذ اننا نعلم انك في عافية نسالك أن تصلي إلى الله لنا من اجلنا .
امين .
" و الرسالة ماخوذة عن كتاب " مين " لاباء اليونان مجلد 72 .
لقد ارسلت تلك الرسالة في العام 403 او 404 على الاغلب!.
كان وفاة القديس مارون قرابة العام 410، و لما توفي القديس مارون دفن اولا ً في مغارة القديس زابيلا و هو من أحد تلاميذ القديس مارون الا انه توفي قبله، و كان مارون يحبه كثيرا ً و يقتدي به، فطلب أن يدفن عند وفاته فيه، و من ثم قامت مشاكل بين سكان قرى تلك الانحاء حول الاحتفاظ في الجثمان نظرًا لكونه مصدر خير للجميع، فقام سكان مدينة كفر نابو بسرقته و نقله إلى قريتهم حيث اشادوا كنيسة كبيرة على اسمه، و يقول تيدورتيطس أن الموارنة منذ ذلك الوقت قد عمدوا إلى تكريم القديس مارون، و انه كان يشارك ايضـًا في تذكار ذلك القديس.
و منذ القديم و قد عمد الموارنة إلى تكريم القديس مارون، فقد ورد في احدى الترنيمات المارونية القديمة جدا ً و التي تعود إلى القرون الوسطى عبارة : " أن الطوباوي مارون هيكل الروح القدس الطاهر قد تعب في كرم المسيح من الصباح إلى المساء"، ما أن انتشر خبر وفاة القديس مارون حتى تقاطر الناس لكي يتبركوا بثجمانه، و يرى البطريرك و الباحث الماروني اسطفان الدويهي بان قرية " المعرة " هي التي فازت بجثمان القديس مارون بين كافة القرى التي تنازعت على الاحتفاظ بجثمانه.
في البداية الكلام عن " دير القديس مارون "، لا بد من الاشارة إلى " كهف مارون " الموجود في لبنان في منطقة الهرمل، حيث يعتقد أن أحد تلامذة القديس مارون، قد تنسك في المغارة و اطلق اسم معلمه عليها كما أن المغارة الاخرى الموجودة على مطلع نهر " إبراهيم "، الموجودة في منطقة قريبة من بيروت في لبنان، قد تنسك بها أحد رهبان القديس مارون ايضـًا و اسمه " إبراهيم " من ما ادى إلى اطلاق هذه اسمه ليس فقط على المغارة بل على النهر ايضـًا.
و للدلالة على الاهمية الكبيرة التي كان بها دير القديس مارون، فقد كان اثنين من الرهبان يشاركان في اعمال المجامع المسكونية التي تعقد خلال كل فترة و فترة، و قد كان للرهبان الموارنة دور بارز في المجمع الخامس، حيث وجها رسالة إلى الامبرطور يوسطنيان الاول، و إلى البطريرك مينا، و كانت الرسالة مبدوئة بالعبارة: " من رهبان دير القديس مارون كبير أديرة الخلقيدونيين".
لقد كان هذا الدير معقلا ً للدفاع عن الخليقدونية.
بعد وفاة القديس مارون، شكل الرهبان الموارنة الذين كانوا يقطنون معه على ذلك الجبل ديرًا عظيم البنيان اشادوه حسب الطراز المعماري الذي كان سائدًا، في منطقة على نهر العاصي، يعتقد إنها كانت جنوب حلب بين حماة و شيزر، و قد رأس الدير عدد من الرهبان المتتاليين، و اطلقوا اسم معلمهم على هذا الدير لقد شكل هذا الدير، المكان الابرز في تاريخ الكنيسة المشرقية، و شكل نواة الكنيسة المارونية المعروفة اليوم و نظرًا للاهمية الكبيرة للموارنة، فقد امر الامبرطور مرقيان توسيع الدير و تشييده، و قد وصل عدد الرهبان فيه إلى ما يفوق الخمسمائة راهب و بعد أن تم بناء الدير، سافر " اغابيتس " و هو أحد تلاميذ مار مارون المقربين إلى منطقة " افاميا " و هي بلدة كبيرة إلى حد ما، و اقام ديرًا اخر، هو دير القديس سمعان.
و من ابرز رهبان مار مارون، و الذين وصلت الينا معلومات عنهم: يعقوب القورشي و هو كبير التلامذة، و إبراهيم القورشي، و كورا و مورا الشريفتان من مدينة حلب، و موسى الحلبي، و غيرهم، لقد كان هؤلاء مثالا ً حقيقيـًا للقداسة و التقشف و الاماتة خلال السنوات الاولى من المسيحية.
يقول اسطفان الدويهي : " أن البناء الجيد البناء يعرف من بناءه و كذلك مارون، فاذا وجدت الرهبان الموارنة عرفت انهم لباني حقيقي ذو خبرة كبيرة في البناء الروحي، و ذلك من الثمار الروحية الخاصة من ابنائه".
بدأت الخلافات اللاهوتية في الكنيسة، اولا ً في مجمع افسس العام 449 و قد كان النقاش في المجمع المذكور حول طبيعة المسيح الجسدية و الالهية، و قد انتهى الامر إلى التوصل إلى صيغة مفادها: " المسيح الاله الكامل و الإنسان الكامل، دون اللغط بين اللاهوت و الناسوت، و مع عدم الفصل بين اللاهوت و الناسوت".
لكن عددًا من البطاركة و الاساقفة رفضوا التعريف و انسحبوا من المجمع و على رأسهم بطريرك الاسكندرية القبطي، الذي كان ينادي بان لاهوت المسيح و ناسوته يتلاشيان بعد الاتحاد في طبيعة واحدة، و بدأ الشقاق الكنسي حول الطبيعة الواحدة و الطبيعتين!.
في البداية كان البيزنطيون (( الروم الارثوذكس))، مناؤئين للمجمع، و ذلك حتى البطريرك هرقل العام 628، حيث اعلن اتباع الجماعة الخليقدونية و ذلك بعد حادث جرى معه في مدينة الرها منذ تلك الفترة، و الموارنة مع كنيسة روما يؤمنون بأن الرب يسوع له طبيعتان و مشيئتان، مقتدين بذلك بكنيسة روما.
تقلب على البطريركية قبل الانقسام النهائي عدة بطاركة بعضهم مؤيدين لمجمع خليدوقنية و بعضهم الاخر غير مؤيدين للمجمع.
و للتاكيد بان الموارنة كانوا منذ البداية على ايمان كنيسة روما الخليقدوني و انهم لم يحيدوا عنه يومـًا نرى عدة مراسلات ممهورة بتوقيع الاخ " بولس " رئيس دير " المبارك مار مارون "، إلى الاباطرة في القسطنيطينة و البطاركة في انطاكية و البابوات إلى روما، و من هذه المراسلات الهامة جدًا في التاريخ، الرسالة إلى الامبرطور يوسطنيان الاول، و البطريرك مينا، و البابا اغابيتس الاول.
و لما وصل سويرس إلى كرسي انطاكية و هو من اشد المناوئين للمجمع، في العام 517، أي قبل اهتداء كنيسة القسطنطينية إلى العقيدة الكاثوليكية و التي هي الارثوذكسية اليوم، اراد القضاء على كافة المؤيدين للمجمع، ضمن بطريركية انطاكية في المشرق، كان الموارنة هم الوحيدين الذين يرون ذلك، حيث انهم فهمهم العميق للكتاب المقدس، و اتحادهم الكامل بكنيسة روما، منعهم سوى الاعتراف بذلك، يصف الاسقف الماروني جرمانوس فرحات، ذلك الحادث فيقول: " اليوم هو الحادي و الثلاثين من شهر تموز، و هو ذكرى احياء 350 راهب ماروني من تلاميذ القديس مارون، الذين قتلهم سويرس الاسقف الدخيل، و تلميذ اوطاخي الهرطوقي، في عهد الامبرطور الهرطوقي اتناسيوس لانهم كانوا من رهبان القديس البار مارون الناسك و يتمسكون بايمان مجمع خليقدونية المقدس، لقد حصلت هذه المجزرة العام 517".
لقد قتل الرهبان الموارنة اثناء سفرهم، او استعدادهم للسفر من دير القديس مارون مقرهم إلى دير القديس سمعان في مهمة كنسية، و قد احرق الدير، و شتت الرهبان الذين التجأ بعضهم إلى لبنان.
أرسل الرهبان الموارنة رسالة إلى الحبر الاعظم في روما البابا هرمزدا، يصفون به حال المؤمنين في الشرق، ويطلبون العون و الصلاة، و يؤكدون الاتحاد الكلي مع كرسي روما، و قد وقع على الرسالة كافة الرهبان الذين نجوا من الاضطهاد و على راسهم رئيس الدير، الراهب اسكندر، حيث يختم الرسالة بتوقيعه و بالقرب منه هذه العبارة : " انا الراهب اسكندر رئيس دير القديس مارون وقعت هذا الالتماس".
ارسل البابا رسالة إلى الرهبان يحثهم فيها على الصمود، و البقاء على الاعتراف بكنيسة روما و الايمان القوي، و يعزيهم، و يقوي من ارداتهم، وصلت الرسالة يوم 10 شباط 518!.
أن سبب هذه المجزرة و كما يؤكد المؤرخ " هونيغمان ": " انه بعد مجمع خليقدونية انقسمت الكنيسة إلى قسمين معارض له و مؤيد له، في الشرق لم يكن هناك من مؤيد له سوى الموارنة، الذين لاقوا مجزرة كبيرة من جراء معارضتهم ايمان سويرس".
و من الجدير ذكره أن سويرس هذا قديس، عند السريان الارثذكس، بينما يحتقره الموارنة و الكاثوليك لان يديه ملطخين بدماء القديسين!.
كما اشرف على العملية ايضـًا، اسقف " افاميا "، و الذي يدعى بطرس!.
لم يكن الصراع بين الخليقدونيين و الغير الخليقدونيين مقتصرًا على هذا الحد بل تعداه إلى أكبر من ذلك، لقد كان ذلك الانقسام الاول ضمن الكنيسة!.
و من رسالة الرهبان إلى البابا هرمزدا نقتبس: " لقد اقامك المسيح الهنا رئيسا ً على الرعاة و معلما ً طبيا ً للنفوس، فمن الواجب أن نشكو اليك من الذئاب التي تبدد قطيع المسيح لكي تستطيع بعصا سلطانك تبديد هذا الحقد البيزنطي.
انتم تعلمون ايها الاب الاقدس أن ساوريسرس بطريرك البيزنطين لم يحصي الكاثوليك بين عداد المسيحين، و قام بتدمير كافة كنائسنا الكاثوليكية و قتل من رهباننا و يجبرونا على احتقار المجمع المقدس لقد مات الكثير منها بحد السيف و نحن مشتتون البعض هرب إلى دير القديس سمعان في نواحي حلب، و القسم الاخر إلى جبال لبنان العالية.
" في العام 536، و بحضور العديد من الرهبان و المبعوثين الموارنة، و بعد حوالي ثلاثين عامـًا من المجزرة، عقد مجمع القسطنطينية و الذي ادان " المونوفيزية " أي الذين رفضوا مجمع خليقدونية و امر بفرض الايمان الخليقدوني على كنائسهم!.
وجه الموارنة إلى البابا في روما خلال المجمع رسالة وصفوه بها بانه " بطريرك المسكونة "، و صحيح أن الحبر الاعظم لم يستسيغ اللقب الذي اطلقه عليه الرهبان الا انه يشير إلى اعتراف الموارنة بتفوق كرسي روما على سائر البطريركيات!.
و بتاريخ 6 آب 536 صدر عن الامبرطور مرسومـًا بادانة سوريرس بالهرطقة و قتله، و قتل كل اتباعه، و كلمن يقتني كتبه، فهرب إلى الاسكندرية.
لا بد من الاشارة إلى ما قاله المؤرخ " جيبون " عن سويروس، اذ يقول: " أن طاغية سوريا (( أي سويروس)) قد فرض عقيدته بالقوة و كان حكمه ملطخـًا بالدم، فقد قتل ثلاثمائة و خمسين راهب قتلوا من دون مقاومة على اسوار افاميا".
كما عمد البابا بيندكتوس الرابع عشر في 12 آب 1744 إلى اصدار غفران كامل إلى الكنيسة الكاثوليكية جمعاء و منها الكنيسة المارونية المتحدة بها تحت بركة هؤلاء الرهبان، لقد كانت هذه الاشارة من البابا للدلالة على اهميتهم، و منذ ذلك التاريخ و قد عمدت الكنيسة المارونية إلى اقامة اعياد خاصة في تذكار المجزرة لهؤلاء القديسين.
لـسنا ندعي ان العصا السحرية بين ايدينا لنلغي اسباب هذه المأسـاة وتداعياتها ، ولسنا ندعي اننا نملك كلمة السر التي بها تكون خاتمة درب الالام التي مشيناها صليبا صليبا ، وتوكأنا على جراحنا حتى بلغنا سدة الالم .
.
.
ولسنا ندعي ايضا ، اننا نملك من حطام هذه السياسة اللبنانية الفانية ، الا التغيب الدائم عنها ، حتى لا نشارك بلغتها العنيفة ، في قتل الضحية كل يوم .
لـسنا ندعي كل هذه المعطيات ، الا اننا نملك الايمان بالارض والشعب ، وبلبنان المقاوم والمتطلع الى غد افضل والمحصن بوحدته وقدرة شعبه على المواجهة والصراع .
ولا خـوف على لبنان ، ان كان اكثر ابنائه ، يعيشون هذا الايمان ، ولاننا كذلك ، مؤمنون بلبنان في المستقبل ، نقول دائما : انه سينتصر في النهاية على جميع اعدائه والمتربصين به .
لنقل الاشياء بصراحة ووضوح ، فلم يعد مجديا ان نخبيء علتنا واسبابها وآثامها فمن كتم علته قتلته فلا نختبىء خلف بريق الكلمات ، ووهج الشعارات ، وعدد المظاهرات فالحقيقة ليست هنا .
ليسـت الحقيقة في ان لبنان طوائف يجب ان نأخذ (مصالحها) و (طموحاتها) بعين الاعتبار ، حتى لا نفجر الكيان .
وليسـت الحقيقة كل هذه التسميات والمسميات بل هي اعمق وابرز ، والجواب عنها ، يشكل بداية الخلاص .
ان لبنان واقع وكيان .
الذين ينظرون الى لبنان على انه واقع مفصول عن الكيان السياسي الحقوقي القانـوني ، يخبطون خبط عشواء ، ويسيئون الى لبنان ، واقعا وكيانا
والذين ينظرون الى لبنان ، على انه كيان مفصول عن واقعه الجغرافي الحياتي البشري وعن محيطه ، يهوون بلبنان الى القعر ، ويسيئون الى لبنان ، كيانا وواقعا .
وبتفسير يصل الى حدود التبسيط نقول : ان واقع لبنان التاريخي والجغرافي والسكاني ، ليس منفصلا عن محيطه العربي البعيد ، وليس منفصلا ، ولا يمكن ان ينفصل عن محيطه العربي القريب .
فواقع الحياة اقوى من وقائع السياسة . الحياة باقية ، والسياسة تتبدل وتتغير ، ومنطق الحياة اقوى من منطق السياسة .
فلماذا الوقوف ضد منطق الحياة .
وضد منطق الواقع ؟ الـواقع اللبناني ، ليس منفردا ، بل هو متفاعل طبيعيا مع محيطه العربي ، الداني والقاصي ، وهو في هذا المجال ، كما كان مرارا ، سيد من اسياد العمل والفعل ، لغة وحضارة ، اقتصادا وثقافة ، ابداعا وتضحية ، ولا يستطيع ان يلغي هذا التفاعل الحضاري الطبيعي، غير الالزامي ، قرار سياسي ، او تعديل قانوني ، او حتى قيام كيان سياسي حر وسيد ومستقل .
فالعائلات اللبنانية لا يتكون منها المجتمع اللبناني ، بل ان الكثير من جذور وفروع هذه العائلات يمتد الى ابعد من ارض وكيان لبنان .
ان الحياة ممتدة بشكل طبيعي على المحيط ليس فقط عائليا ، بل اقتصاديا وثقافيا وحضاريا .
ان من يضرب هذا الواقع ، باسم الكيان اللبناني السيد المستقل ، يضرب اسس الكيان اللبناني ، لان اقامة التناقض بين الكيان والواقع يعني تمزيق الواقع والكيـان معا .
فـي مواجهة هذه الحقيقة التاريخية ، حقيقة الواقع اللبناني المتصل بمحيطه والمتفاعل معه ، والرائد في مجالاته ، تقوم حقيقة اخرى ثابتة هي حقيقة الكيان السياسي اللبناني .
فـلبنان دولـة مستقلة .
ولبنان دولة ذات سيادة .
ولبنان دولة معترف بها عربيا ، ودوليا ، وعضو فاعل في الاسرة العربية والمجتمع الدولي .
بمعنى آخر ، لبنان كيان سياسي جزء من واقع المنطقة السياسي ، فليس طارئـا عليها ، ولا هو دخيل ، ولا هو غريب عنها .
فمن يقوم باسم الواقع الحياتي ، ليضرب هذا الكيان ، الذي له اشقاء يشبهونه سياسيا ، يضرب الواقع الحالي ايضا .
وليس المطلوب ، الغاء هذا اللبنان ، الذي هو ضرورة سياسية وحضارية ، في ظل ظروف سياسية اقليمية ودولية خطيرة جدا ، بل المطلوب ، اقامة العدل بالقسطاس ، بين الواقع والكيان .
وليس المطلوب ان نضع الكيان ضد الواقع ، ولا ان نقاوم الكيان بعقيدة الواقع ، فهذا الامر قد حصل على مدار هذه السنين المضطربة مرات عديدة ، بل المطلوب ان نزاوج بين عقيدة الواقع الحياتية وعقيدة الكيان السياسية .
فلبنان هو هذه التوأمة الحضارية الخلاقة التي يجب المحافظة عليها ، والتي من دونها يتمزق نسيج الواقع الحياتي ، الى طوائف متنابذة ،ويتقسم الكيان السياسي على قياس هذه الطوائف المعطلة لنمو الواقع الحياتي بشكل طبيعي والتي تحرف المسار الحياتي عن طريقه الصحيح من هنا يجب ان نبدأ .
من احترام الواقع اللبناني الممتد عربيا ، ومن احترام الكيان اللبناني المستقل والسيد ، والمتصل بمحيطه اتصالا طبيعيا ، من دون الزام او اكراه .
فلا اكراه في الوطنية ، ولا اكراه في اللبنانية ، ولا اكراه في العروبة .
اذا ساد هذا المنطق ، واذا انكشفت هذه الحقيقة ، فانه لا يجوز بعدها ان نقع في التباس ، كأن نسوي ، بين الوجود السوري في لبنان ، والخطر الاسرائيلي الجاثم على حدوده ، كما لا يجوز ان نقع في التباس آخر ، يقضي بالتضحية بالكيان ، من اجل مواءمة الواقع الذي مزقته السياسة .
فلا واقع لبنان الجغرافي ، التاريخي ، قابل للتغير قسرا : لانه ضد قوانين الحياة .
ولا كيان لبنان السياسي والحقوقي ، قابل للتبديل قسرا ، ولو بالحرب لانـه ، ضد قوانين السياسة السائدة اليوم في العالم .
فلا الغاء ، ولا تعديل ، الا ان هذين الامرين لا يعفيان ضرورة اجراء اصلاحات اساسية اعلنا عنها مرارا ، وصلب الاصلاحات التي طرحناها ، يقوم على المواءمة بين الواقع الحياتي والكيان السياسي للبنان الحضاري .
انطلاقا من هذه الحقيقة وتأسيسا على هذا الفهم ، لواقع وكيان لبنان ، نقول لمن يهمهم الامر اليوم ، ولمن وضع مصير لبنان بين ايديهم : نحن معكم ، واذهبوا في المعالجة ، حيث الداء : اي الى تمكين اللبنانيين من ان يعترفوا جميعا ، بان هذا الكيان اللبناني هو التعبيـر الاسمى ، عن واقعهم وعن طموحاتهم .
الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان كان انتصارا رائعا للمقاومة وللشعب اللبناني بأجمله ولاعادة الحياة الى هذا الكيان السيد المستقل ، الذي يقيم اطيب العلاقات واكثرها صدقا ، مع اخوته العرب واقربهم اليه السوريون .
اننا نقول ذلك ، ونحن نشد على ايماننا ، لاننا مقتنعون بان الحياة اقوى من الموت ، والسلام مهما نأى ، اقوى من الحرب ، ولبنان اقوى من قاتليه .
بحثي في الشؤون الخطيرة دائماً بحثّ كياني.
هذا الضرب من البحث يضع الانسان الموجود بالفعل، المصارع الحياة والموت، في مركز النظر.
البحث الكياني لا يحوم حول الموضوع، ولا يتهرّب منه الى أطرافه وهوامشه.
انما يرسو فوراً على الموضوع الموضوع، الذي هو في كلّ شيء الانسان الحيّ المائت.
اذ لا قيمة ولا معنى لأيّ شيء الاّ بالمركز الذي يحتلّه، وبالوظيفة التي يشغلها، في كيان الانسان.
فانا أرى الانسان الموجود الحيّ، وبالتالي الانسان المائت، وراء كلّ شيء.
بالنسبة لبحث لبنان كيانياً، فهو يتناول لبنان كياناً ومصيراً، كما يتناول لبنان تراثاً وأزلاً.
ولقد سبق أن عالجت موضوع لبنان كياناً ومصيراً في السابق، وأنا الآن أبحث في لبنان تراثاً وأزلاً.
ولدى بحث لبنان كياناً ومصيراً، حددت أولاً، خصائص كيانه، وما يتألف منه، وعينّت الأعمدة العشرة لهذا الكيان : هذا الجبل الفريد، القرية اللبنانية الفذّة، مركز لبنان السياحي المميّز، تجارته العالمية الفريدة، ظاهرة الاغتراب اللبناني بكل ما تعنيه تاريخياً وكيانياً، التواجد المسيحي الاسلامي السمح الرائع، الحرية الشخصية الكيانية المسؤولة، الانفتاح على العالم في بعدي الزمان والمكان، معنى لبنان الفكري المتواضع في الشرق الأوسط وفي العالم، اسهام لبنان في المعترك الدولي، على محدوديّته وتواضعه.
وقد حددت القيم الأساسية الأخيرة، ثانياً، وهي القيم التي لا مصير للبنان الاّ بوجودها حيّة فاعلة فيه، وعينّت هذه القيم على أنها قيم ستّ : الحقيقة، العقل، الانسان، الحرية، المحبة، الله.
أما بحثي الآن فينحصر في لبنان تراثاً وأزلاً، أي انه يتعلق بالتراث اللبناني، وما يتألّف منه، وما يفترضه، وما يعنيه، وهل ثمة نظرة أزلية للبنان، ينبع منها ويؤول اليها كيانه ومصيره وتراثه معاً.
الاّ أن الأبحاث الأربعة، في الكيان، والمصير، والتراث، والأزل، تتداخل وتتكامل فيما بينها، حتى اذا وفينا هذه الأبحاث حقها، غايةً ومادة، نكون قد اتممنا بحثنا الكياني في الشأن اللبناني.
نكون قد عرفنا أنفسنا بالفعل.
التراث في كونه الشيء الموروث عن الجدود، يتضمن بعد الماضي في حدّ ذاته.
ولكنّ التراث شيء حي، أي أن الحاضر يحياه ويحفظه، ولولا ذلك لما كان.
أما التراث الذي ينطوي على نفسه، ويقبع في ماضيه، دون أن يتطلع الى مستقبل، فلا يعرف، حتى أهلوه، أنه تراث.
الوجود الحقيقي هو المستقل الفاعل في الحاضر والمتبنّي التراث.
فمن لا مستقبل له يحيى حاضره كأنّه ميت، وليس له، بالتالي، أيّ تراث.
انّ تواصل الزمن، دون تقطّعه وتناوبه، هو المبدأ الذي انطلق منه في تحديد الأفكار والأشياء.
أما المستقبل المترامي بأبعاده فهو الحاسم في أمر هذا التواصل.
ولذلك فان تطلعي كلّه مستقبلي.
من المستقبل استمدّ قوتي وحماستي، فالمستقبل يحيى الحاضر، ويغرف من الماضي ما يحتاج اليه.
المستقبل يحسم حياة الحاضر وتراث الماضي في آن معاً.
والتراث الحيّ هو تواصل الزمن الذي يقرّره المستقبل المترامي بأبعاده، وكل ما ليس يؤتي نفعه مستقبلياً، مما عفى عليه الدهر، ليس من التراث في شيء.
فالتطلّع الى الماضي وحده نوع من الموت، والعيش في الاوان الحاضر وحده عيش حيواني، لأن الحيوان فقط ليس له بعد ماض ولا بعد مستقبل.
أما الانسان، فيعيش أولاً في مستقبله، وثانياً في ماضيه، وثالثاً في حاضره.
من هنا أهمية ما اسمّيه " بالمؤسسة "، التي يتجسّد فيها التراث، ويتطلع الى المستقبل.
وأعني " بالمؤسسة " نمطاً مشتركاً مستقراً من العيش والحكم والتعبير، يرمي الى هدف معين، ويتراضى عليه الناس، وينظّمون وجودهم على أساسه.
الحاسم بشأن " المؤسسة " هو المشاركة، والاستقرار، والتراضي، والهدف الواحد، والتنظيم على أساس أصول وقواعد.
" المؤسسة " اذن تجسيد التراث.
واذا قلت تراثاً، دون أن تقول " مؤسسة "، فأنت لا تقول شيئاً معّيناً واضحاً.
ولا بدّ لك، ان كنت تبحث عن تراثك، ان تبحث أولاً عن مؤسّساته.
فلا تراث على الاطلاق في الخيال أو التصّور الفردي، بل أنه يتجسد في المؤسسة الجماعية.
لذلك، فان بحثنا عن التراث اللبناني، هو بحث عن المؤسسات اللبنانية التي ينصب فيها التراث ويكون.
حيث لا مؤسسة، فلا تراث، وحيث تراث، فثمّة حتماً مؤسسة.
ينتج عن هذا أن القول باحياء التراث هو القول بتعزيز المؤسسات التراثية، أن بخلق مؤسسات تراثية جديدة، لأنّ كلّ ما هو تراث يكمن في " المؤسسة " وينبع منها.
تأكيدي اذن على أمرين أساسيين : المستقبل الذي يحسم كل شيء بشأن التراث.
والمؤسسة التي يتجسد فيها التراث، والتي لا مستقبل، أي لا وجود، للتراث الاّ في اطارها.
التراث اللبناني يتجسّد في سبع مؤسسات.
اولاها القرية اللبنانية التي تجسّد تراثاً حياً عظيماً، فهي تحتل مكانها في واصل الزمن، والتطلع الهنيء الواثق الى المستقبل.
ويتألف تراث القرية من التعلّق الحميم بالأرض، والتراب، والشجرة، والداجن الأليف من الحيوان والأشياء، ثم التكيّف الكياني على الطبيعة، بفصولها الأربعة، وبما يأتي به كلّ فصل من نفحات خاصة يطبع بها الوجود، وما هي عليه دورة الحياة الطبيعية هذه من بساطة وبراءة.
كذلك يتألّف تراث القرية من التقاليد العائلية الراسخة، والعادات والمآكل والمشارب المتوارثة، والصداقة الخالصة المتواصلة، واللقاءات الحلوة في المناسبات المختلفة، من اجتماعية ودينية وموسمية، والسهرات والغدوات وما تعنيه من سمر وحديث، وصفو معشر، ورفقة ووصال، والأغاني، والرقص، والشعر، والحبّ في القرية، وما ينقله الآباء والأمهات والجدود والجدّات والأعمام والعمّات والأخوال والخالات الى الأبناء والحفداء، مما انتهى اليهم عن آبائهم وأجدادهم، من أشياء الحلال والحرام، ودوافع الحمد وشواهد العار.
وكذلك الحكم والأمثال المتداولة النابعة من معين حياتي كثيف سحيق، وهي تنظم الحياة وتنير سبيلها باطمئنان.
القرية تعني الخلق الصامد السليم.
القرية تعني الوجود المرح الطلق المنيع.
القرية تعني الطمأنينة في الكيان.
القرية تعني الركون الى قواعد ثابتة مجرّبة في الحياة.
القرية تعني فرح الحياة العميق.
القرية اللبنانية هي اذن مجتمع تراثي عريق أصيل، في جذوره وتقاليده، وعاداته، مجتمع ثبات ورسوخ وصمود، مجتمع أخلاق، وحرية، وألفة ومحبة، وطلاقة، وتطلع، واحترام.
أتريدون احياء التراث ؟ اذن عزّزوا القرية اللبنانية، ووطّدوا أركان العيش فيها، عندئذ نهديها الى المستقبل، مؤسسة تراث أصيل.
2- مؤسسة التراث الثانية هي الوساطة، أو أدب المعاملة.
وهنا أيضاً نجد أنفسنا حيال تقليد عريق، يرجع الى ألوف السنين.
فالتجارة وساطة بين المنتج والمستهلك، أياً كان الانتاج المادي الذي تتوسط بينهما لتصريفه.
والتعاطي الثقافي والحضاري وساطة بين الآخذ والمعطي.
وكما ان اللبناني توسّط منذ القدم، في نقل البضائع التجارية بين الشعوب، كذلك توسّط في نقل الفكر ونتاج العقل، والنظر في الأشياء والكائنات والماورائيات.
وليست بيروت اليوم ذلك المركز الدولي لتبادل السلع التجارية وحسب، بل انها مركز التبادل والمعاملة في ميادين الفكر والروح، وهي النافذة التي يطلّ منه الشرق على الغرب، والغرب على الشرق.
ثم ان حركة النقل والترجمة اللبنانية الرائعة من العربية واليها من لغات اوربة، هي أيضاً من ضروب الوساطة.
فاللبناني عندما يكتب أو حتى عندما يتكلم، يقع فعل ترجمة في ذهنه من لغة الى أخرى، سواء أوعى ذلك أم لم يعه.
أما الكيان اللبناني، فهو كيان وسيط " بين " الكيانات.
انه قضاؤه، وقدره، ومصيره.
وهذه " البينية " الكيانية أصبحت تراثاً يتجسّد في مؤسسات، مادية تجارية، أو فكرية ثقافية، أو حضارية روحية.
البيوت التجارية الذائعة الصيت ظاهرة وساطة، كذلك المصارف التي تعمل باقدام وبعد نظر في اطار مواثيق الشرف.
حتى العقلية اللبنانية هي عقلية " بينية " وسيطة متوسّطة، أكثر انسانيةً وأعمق حضارةً من العقلية البدوية أو العقلية الزراعية، أو حتى العقلية الصناعية، لأن هذه العقليات تتفاعل مع الطبيعة من حيوان ونبات وجماد، أما كمالات العقلية " البينية " فهي في النهاية كمالات انسانية، دبلوماسية، تقوم على أدب المعاملة.
فالخلق الوساطي يهدف الى اكتساب الثقة عند الآخرين، والخلوص الى اتفاق يرضى به الفريقان، وذلك عن طريق المفاوضة الكّيسة والاقناع المجرد.
واذا كانت الدبلوماسية هي، كما يحدّدها علماؤها، " فن المفاوضة " ( ) ، فيمكن القول ان الفينيقيين الأوائل هم الذين أسّسوا الدبلوماسية في التاريخ، وهي مأثرة لا تقلّ أهمية عن اختراعهم للأبجدية.
واعتقد أن حفداءهم اليوم هم كذلك امراء كياسة ومعاملة ودبلوماسية، ان بالمعنى الضيق للكلمة، أو بالمعنى الأوسع.
أتريدون احياء التراث ؟ اذن أرهفوا أدب الوساطة والمعاملة، وطهّروه، وارفعوه فوق كل شبهة، عندئذ نورثه الى الأجيال القادمة، مؤسسة تراث عزيز.
3- مؤسسة التراث الثالثة هي اللغة.
واللغة كنز حيّ باق تكدّست فيه تجارب الأجيال والقرون.
أما اللبنانيون فقد أخذوا اللغة العربية بعد السريانية واليونانية، وقبلها الآرامية، وغيرها مما يتصدر فناء العصور القديمة، وانكبوا على احياء تراثها، فاذا " بالضاد " تكتسب ليونة شطآنهم، وترتدي حلة هذا الجبل الأخضر، فتزداد روعة وتألقاً.
لن أذكر ما اشتقّه اللبنانيون في عصور النهضة المتأخرة وقبلها، من ألفاظ، وما اغنوا به اللغة العربية من تعابير، وما استكشفوا من بحارها الواسعة وابعادها الغنية المشرقة، وما حقّقوا من معاجمها، ودقّقوا من فصولها الخالدة نثراً وشعراً.
لن اعدّد ما شرحوه من دواوين، وما نشروه من آثار العرب والمسلمين، وما اختزنته مكتبات أديارهم ومناسكهم من لآليء الفقه والشريعة، وحماسات الجاهلية، وصدر الاسلام، ومعلّقات، ونقائض، ورسائل ومقامات، وما عكفوا عليه من معاني الحديث النبوي والسيرة، وأخبار العرب وأيامها، وما ألفوه في المعاني، والبيان، والعروض، والأدب، والأنساب، والتاريخ.
ان الكلام ليعجز عن وصف هذا العطاء خلال ما يقرب من ثمانمائة عام، وعن تحديد ما عربه اللبنانيون من روائع الفكر الأوربي، وما قدّموه للعالم من تراث هذا المشرق العربي، بالصورة البهية والحلة القشيبة، وما أحيوه من معاهد العلم، وصروح المعرفة، وصحائف الحرية والنور، في مصر والشام والعراق، وما أدخلوه على فنون الطباعة والتنضيد، وما استهلكوا من جهد في تقويم الهنات اللغوية، ومحو الرطانة التي عصفت باللغة خلال أزمنة الانحطاط.
كل ذلك يصعب وصفه وتعداده، وتسمية روّاده من البستانيين الى اليازجيين، الى غيرهم من جهابذة القلم وأساتذة البيان، وأكتفي الآن في هذه العجالة بتقرير واقع، وهو ان اللغة العربية مؤسسة لبنانية يتجسد فيها التراث، وعلينا أن نحب هذه المؤسسة ونعمل على حفظها وصيانتها بكل ما نملك من وسائل.
ان ما كتبناه نثراً ونظماً وشعراً باللغة العربية قلما يجاريه، في حجمه وجودته، أي نتاج آخر في العالم العربي.
وان ما أكدناه بالبحث والدليل الاختباري من شمول هذه اللغة، واتساعها الفائق، وقدرتها على استيعاب العصر، وأي عصر آخر.
لقد جعلنا من اللغة العربية، بما فيها الاسلام، مؤسسة تراثية لبنانية.
ولا عبرة بصغار بعض النفوس وتفاهة بعض العقول التي تظن أن المشكلة هي في اللغة، والمشكلة انما تكمن في ذلك الصغار وتلك التفاهة.
فاللغة أكبر وأشمل وأعمق من الظنون والأباطيل والانفعالات.
اللغة تعكس تجربة الشعوب التي حملتها وحضنتها.
وهي اليوم تعكس تجربة الشعب اللبناني، من روائع الفصحى الى روائع العامية، في ما تعبر به أمثالها – على ما يقول أنيس فريحة – من صور التمزّق الذي حلّ بالنفس اللبنانية عبر القرون، ومن صور الطموح الذي يدفع بالنفس اللبنانية الى أبعد الآفاق.
النفس اللبنانية المتمزقة الطامحة التي امتصّت أرفع التراثات، هي التي تكيّف اللغة وتحملها الخلق المجيد والابداع المترفع السامي، وهي في طموحها الى الأرفع والأمثل، تفتش عن كمال الاتصال بالحضارة ومواكبها الأصيلة والمستجدة.
ولذلك فان النفس اللبنانية تسعى الى اعتناق لغات أخرى بالاضافة الى العربية تنهل من معينها الروحي والكياني الحي.
واستدرك هنا فأقول ان لبنان يتعقم أن هو انعزل على صعيد اللغة.
أما اذا وثق وثوقاً تاماً من لغته العربية، وعانق أسمى وأرفع ما في الوجود الانساني من قيم، باتقانه لغات الحضارة الحية، وأعني بالدرجة الأولى، الفرنسية، والانكليزية، والألمانية، والروسية، فان آفاق الخلق التراثي التي تنفتح أمامه عندئذ لا حدود لها، وقد لا تنفتح لسواه.
أتريدون احياء التراث ؟ اذن، حمّلوا اللغة العربية، التي بامكانها أن تحمل كل شيء، أعمق القيم والمعاني في الوجود، وصبّوا فيها قيماً ومعاني لم توجد بعد، عندئذ نقدمها الى المستقبل، في لبنان وفي العالم العربي كله، مؤسسة تراث حضاري كريم.
4- مؤسسة التراث الرابعة هي الشخصية المذهبية السمحاء.
فمع أن القرية اللبنانية تتميّز عموماً بطابع مستقلّ عن المذاهب الدينية، ومع ان الوساطة اللبنانية تتبع أصولاً وقواعد وتجسد تراثاً مستقلاً تماماً عن دعاتها وعناصرها، سواء أكانوا مسلمين أم دروزاً أم مسيحيّين، ومع أن اللغة العربية هي مؤسسة تراثية مستقلة في حدّ ذاتها، مع كل ذلك أقول، ان كلّ طائفة، سواء في القرية أو في المدينة، تحافظ على شخصيتها وتراثها الخاص، وتغار عليها كل الغيرة، في الطقوس والفرائض؛ وفي الأحوال الشخصية، والحياة العائلية، والشؤون التربوية، والعلائق الاجتماعية، في الأسماء والأزياء، أسماء الأفراد والعائلات، وأزياء رجال الدين، وحتى في الكتب المدرسية، وأساليب التعليم، وحياة المجتمع.
ففي هذه جميعاً تتميّز ا لبيئات الطائفية بعضها عن بعض، بتقاليد وعادات ونزعات ذاتية مستقلة.
البيئة السنية تتميّز الى حدّ ما عن البيئة الشيعية، وكلاهما تتميزان عن البيئة الدرزية، والبيئات الثلاث تتميّز عن البيئات المسيحية، سواء أكانت مارونية أو ارثوذكسية، أو ما عدا هاتين من طوائف شرقية أو غربية.
فالواضح في الواقع اللبناني أن كل طائفة تتمسك بشخصيتها، وتحتفظ بقيمها الخاصة، وتحاذر أن تطغى عليها أي قيم أخرى.
الشخصية المذهبية اذن هي مؤسسة لبنانية يتجسّد فيها كلّ من الطوائف بخصائصه المستقلة، ولذلك يتعيّن علينا، لدى البحث في التراث اللبناني، على أنه شيء حقيقي باق وحيّ، ان نشدد ونؤكد على ما تختصّ به كل طائفة لبنانية من تقاليد وقيم غنية رائعة ومميزة، وان نشدّد ونؤكد في الوقت نفسه على النظام المستقّر في تعايش هذه الطوائف.
فاذا كانت الشصخية المذهبية في لبنان شخصية مستقلة، فان صفتها الأساسية هي في كونها شخصية سمحاء تقوم على التعايش، والتعاون، والتسامح الخلاّق في اطار الاحترام المتبادل.
ان لبنان بلد مؤلف من طوائف متعددة، وهذه ا لمجتمعات المذهبية ذات شخصيات مستقلة تحرص عليها كل الحرص.
ان لبنان – كما يحدده جواد بولس – هو نظام فدرالي طائفي، أو اتحاد طائفي النظام الاتحادي المتسامح، المنسجم، المتعايش بسلام، الناقض للحقد والتعصب والكراهية والعنصرية الدينية، هو أيضاً جزء لا يتجزأ من التراث اللبناني، يجب المحافظة عليه، والتخطيط المستقبلي لانماء فضائله.
أتريدون احياء التراث ؟ اذن، قوّوا روح الألفة والاحترام المتبادل بين الطوائف في لبنان، بالشعور الذاتي، وبالفكر والقول والفعل، وفي كل مناسبة، عندئذ نترك لأولادنا وأحفادنا مؤسسة تراث اجتماعي مستقر ثابت.
5- مؤسسة التراث الخامسة هي الدولة.
وهنا لابدّ من التأكيد أن دستورنا هو أقدم دستور حيّ في الشرق الأدنى، لم تعصف به نوازع التبديل والنقض.
ومع أن نظامنا الديموقراطي البرلماني مقتبس من نظام الجمهورية الفرنسية الثالثة، الاّ ّ أن حياتنا السياسية عريقة في الديموقراطية.
فالشعب في لبنان هو في نهاية النهايات مصدر السلطة بالفعل.
وعند كل قرار سياسي يتعلّق باختيار الشعب لممثليه، سواء في الانتخابات البلدية أو في الانتخابات النيابية أو حتى الانتخابات الرئاسية، يختار الناخب من يشاء بين عدة مرشحين.
أما المنافسة السياسية فهي منافسة حرّة وحادّة.
وكل هذا يقع بالطبع في اطار التوازن الطائفي الذي يؤلّف هو أيضاً جانباً من التراث.
وأما القضاء فهو عريق مستقل منزه، وافر التقاليد، غني المنابع من شرائع العالم المتمدّن.
وفي كلّ ظاهرة من حياتنا السياسية والقضائية في لبنان نجد الأثر الواضح للسابقة، والتقليد، والعرف؛ ونحتكم أخيراً الى ما هو في صميم عاداتنا الأصيلة.
ولعلّ الخاصة المميزة للنظام اللبناني بالدرجة الأولى، هي ان الدولة ليست " مؤسسة المؤسسات "، كما هي الحال في كثير من البلدان، بل أن الدولة مؤسسة بين المؤسسات.
وقد يكون في عداد مؤسّساتنا ما هو أقوى وأعظم وأعرق من مؤسسة الحكم.
فالنظم، والعهود، والحكومات، تمرّ على مسرح الحياة الوطنية، ثم تتوارى، أما القرية، والشخصية المذهبية، والوساطة، وغيرها من مؤسّسات التراث، فقائمة لا تبرح ولا تزول، وكثيراً ما برهنت هذه المؤسسات أنها أقوى من الدولة، بل أن الدولة سرعان ما تتعرض لخطر الانهيار ان هي دخلت معها في صراع التحدي.
ثم ان هذه المؤسّسات ليست أعضاء في جسم الدولة، بل أن الدولة نفسها عضو يشارك المؤسّسات التراثية الأخرى في الجسم الحضاري اللبناني المتناسق الرائع العجيب.
ومن هنا أنّ ردود الفعل التي تريد أن تحمل الدولة مسؤولية كلّ شيء ليست من لبنان وتراثه في شيء.
والذين لا يرون في لبنان الاّ مؤسّسة واحدة هي الدولة ينتقدون أو يمتدحون، يعيشون بعقلية غير لبنانية، هي أقرب الى النزعة البيروقراطية البوليسية الكلية، منها الى النزعة الديموقراطية الأصيلة التي شاءت أن تكون الدولة، وهي مؤسّسة خدمة الشعب والتراث، لا أكثر ولا أقل، وأن تكون بنظمها وقوانينها وفروعها المتعددة مؤسسة يتجسد فيها تراثنا السياسي الحيّ الديموقراطي الحرّ.
أتريدون احياء التراث ؟ اذن، لتحقّق الدولة معاني وجودها، في توطيد الأمن والحرّية، في رفع الظلم، في اشاعة العدالة، في تعزيز الخير العام فوق النفع الخاص، ولنساعدها جميعاً كمواطنين أحرار، بتوقّعاتنا المنضبطة، ان تعطي ما تستطيع اعطاءه في نطاقها المحدود، عندئذ نسلّم للمستقبل مؤسسة تراث انساني أصيل.
6- المؤسسة اللبنانية السادسة في عداد مؤسسات التراث، هي المدرسة : المدرسة الابتدائية، والمتوسطة، والثانوية، والمدرسة الجامعية العليا.
اني لأسأل عن منشأ التراث فأراه في مدارس لبنان الأولى، تحت السنديانة، في جوار الكنائس والأديار، أو في حلقات المساجد والكتاتيب، حتى تجسّد بعد ذلك في المدارس الخاصة الى يومنا، من دور الحضانة والروضة الى عشرات الثانويات والكلّيات التي نفاخر بها تقدّماً وتنظيماً، وبعضها نشأ منذ قرون.
وما برح ينمو ويزدهر ويتحّول الى وسط فكري وثقافي وتربوي، نموذجي في الشرق العربي بأسره.
أما تراثنا الفكري البعيد الأثر والانطلاق، فهو يتجسد في الجامعات.
وهنا لا بدّ من الاقرار بفضل المؤسّسات العلمية الأجنبية على تراثنا المدرسي، وكل تهّرب من الاقرار بهذا الفضل هو عقوق ليس من اخلاقنا اللبنانية في شيء.
فان المدارس والجامعات ذات المنشأ الوطني أو الأجنبي في لبنان أسهمت معاً في بناء تراث فكري عظيم يدخل في كيان التراث اللبناني بوجه عام.
ولا أغالي اذا قلت ان لبنان سيواجه في السنوات العشر القادمة مشكلة التنسيق بين الجامعات القائمة على أرضه، والربط والتطوير في مناهجها، والتقريب فيما بينها على أسس موضوعية بعيدة عن المكابرة والتحزّب والارتجال.
وعندها سيكون القرار المتعلق باللغات الأجنبية وانفتاحنا على الثقافات العالمية الحية قراراً حاسماً.
فقد سبق، وأشرت، في الحديث على مؤسسة اللغة، الى أن أي انتقاص من الانفتاح اللبناني على التراثات الانسانية الكبرى بلغتها الحية، هو تنازل من جانب لبنان عن مركزه الفذّ، ودعوته الخاصة في الشرق الأدنى، وأضيف هنا أن هذا التنازل هو بمثابة كارثة ليس من المعقول أن يقدم لبنان على انزالها بنفسه، واضيف كذلك ان كل شوفينية في أمور الفكر والروح ليست من تراث لبنان في شيء على الاطلاق، فان لبنان واحد مع هوميروس، وأفلاطون، والكتاب، والاكويني، ودانته، وشكسبير، وغوته، وكانت، ودوستويفسكي، كما انه واحد مع القرآن، وعلي بن أبي طالب، وابن سينا، وابن رشد، والمتنبي، والجاحظ، وابي العلاء.
تراثنا الفكري الجامعي الذي يتعين ان نعمقه أضعافاً مضاعفة عما كان حتى الآن، يجب أن يرمي الى اكتناه الحقيقة التامة، في ميادين الوجود كافة، بالحرية المطلقة والانفتاح التام، بالمناقشة والحوار المسؤول، وبالمقاييس والاحكام العقلية المأثورة والمعترف بها في التاريخ، كل ذلك بقصد الوصول الى خلق عقلي عالمي جديد.
أتريدون احياء التراث ؟ اذن، بثّوا روح الجدّ والمسؤولية والرسالة في المدرسة والجامعة، في صفوف الطلاّب والمعلمين، واربطوا مؤسسة التربية والعقل بأرفع مراكز الخلق والابداع في العالم، في العلم والفكر والفنّ، عندئذ نخلق للأجيال الطالعة مؤسسة تراث مبدع عظيم.
7- المؤسسة اللبنانية السابعة التي تجسد التراث هي الكنيسة.
واذا كانت الطوائف اللبنانية جميعاً تتفاعل متعايشة في قلب التراث، في اطار الشخصية المذهبية السمحاء، واذا كان النظام السياسي القائم في لبنان يستند الى هذا التوازن والتعاون الطائفي الذي يؤمن الاستقرار انطلاقاً من الاعتراف بالحقوق السياسية والاجتمتاعية لكل طائفة من الطوائف، فان الكنيسة التي تبدو ذات علاقة بالوجود الطائفي في لبنان، هي بطبيعتها وتراثها مستقلّة تمام الاستقلال عن أيّ شخصية مذهبية، سواء أكانت مسيحية أم غير مسيحية، وسواء أكان ذلك في لبنان أم في أي بلد آخر.
فلو زال النظام الطائفي بكامله من لبنان، تبقى مع ذلك الكنيسة مؤسسة تراث حيّ فاعل.
ذلك ان الكنيسة هي " المؤسسة "، بأل التعريف، على الصعيد الانساني، وهي في لبنان المؤسسة التراثية المثلى، نظراً لقدمها وتأصلها واستمرارها، ومسكونية انتمائها.
ولو انعمنا النظر في مؤسسات البشر كافة، لرأيناها تنهل من معين الكنيسة وتتأّثر بها حضارياً وتنظيمياً، بدرجات متفاوتة.
الكنيسة مستقلّة تماماً عن أيّ نظام اقتصادي أو اجتماعي أو سياسي، وتراثها قائم في حدّ ذاته، بل انه معطى من خارج هذه الأنظمة جميعا.
أما أهمية الكنيسة الأم في التراث اللبناني، فهي انها وجدت في لبنان منذ أن وجدت، ولم تنفصل منذ وجودها، وخلال الألفي سنة من تاريخ وجودها في لبنان، عن مركزيها العالمّيين : القسطنطينية في الشرق، ورومة في الغرب.
هذا الاتصال العضوي، الذي لم ينفصم اطلاقاً، بالمركزين الرئيسيين نكاد الاّ نجده في بلد آخر غير لبنان، ليس في الشرق الأدنى وحسب، بل في العالم بأسره.
الكنيسة لا تبتغي شيئاً من الاقتصاد أو الاجتماع أو السياسة، بل أن كل ما تبتغيه هو أن يسمح لها بالوجود والعمل الحرّ، وهي لا تتحمل مسؤولية أيّ قرار سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي، فلديها مسؤولياتها الخاصة، في الحفاظ على الوديعة الغالية التي تسلمتها، وفي تقديم بشراها الى العالم، وفي تعهد بيعتها وصون حريتها.
انها تنبه للخطأ، وتنهي عن الظلم، ولكن على المخطئين والظالمين، ومن يقع عليهم فعل الخطأ والظلم، أن يتحمّلوا مسؤولياتهم في الزمان والمكان.
فللكنيسة ميدانها الخاص، ومصدر سلطتها هو مصدر آخر مستقل.
غايتها انقاذ النفوس من ربقة الشرّ والفساد، واخراج العقول من الظلمة الى النور، أياً كانت الظروف أو الأنظمة التي تعايشها.
ان تراث الكنيسة العظيم لا يدانيه أي تراث آخر من صنع البشر، تراث يتصل بألوف الشهداء، والقديسين، والفلاسفة، والمعلمين، والأدباء، والعلماء، والمفكّرين، والفنّانين، وأهل الخير من بناة صروح العلم، ودور التمريض، وملاجيء العجزة والبؤساء والمعذّبين في الأرض، كما يتصل بمواكب لا نهاية لها من المؤمنين بالعدالة، العاملين في اطار المحبة، الساعين الى الخير والصلاح، المنشئين هياكل الايمان والمرسين قواعد السلطان من رجال الدين والدنيا.
ولا يمكنني بعد أن أتصوّر التراث اللبناني بدون الكنيسة، هذه المؤسسة العظمى، في مسكونيتها، وقدمها، ورسوخها، وغناها، وفي كونها أسهمت كبير الاسهام في أن يظّل لبنان مطلاً مشرفاً على أبعد آفاق المعمورة، شرقاً وغرباً.
أتريدون احياء التراث ؟ اذن، صونوا حقّ الكنيسة التام في انماء ذاتها وفقاً لقوانينها وتقاليدها المستقلة، وليشترك بالفعل ابناؤها المؤمنون، بعيداً عن كل سياسة، في استحضار دفق جديد من الروح القدس عليها، عندئذ تقدّم ذاتها في لبنان، كما تقدّم ذاتها في كل مكان، بركة لكل انسان، لأنها مؤسسة تراث زاخر عريق باق الى الأبد.
قررنا، في مطلع هذا البحث، امرين أساسيين : قررنا أولاً ان ما نسميه تراثنا يجب أن يكون حياً باقياً فينا.
لذلك لا يحقّ لنا أن ندعي ارثاً لا نتعهد اليوم بالفعل، حتى ولو نشأ على أرضنا في غياهب الماضي السحيق، فتلك محاباة كاذبة، ومفاخرة في غير موضعها.
وقررنا ثانياً أن التراث الحيّ الباقي لا يكمن في الخيال والتصوّر والادّعاء، بل يتجسد في مؤسسات قائمة تسمى بأسمائها، وقد تبين لنا انها سبع مؤسسات : القرية اللبنانية، الوساطة اللبنانية، الشخصية المذهبية السمحاء، اللغة العربية وتراثها، الدولة، المدرسة، الكنيسة.
والمهّم في هذه جميعاً ليس انها توحي بتأمّلات وأفكار، بل المهّم هو كونها موجودةً بالفعل، حيّة، باقية، مستمرّة.
انها تختلف ولا ريب، أصالةً، وتواصلاً، وتأصلاً، وغنى وقوة، ومراتب، وابعاداً، وبتفاوت ما تمثله في الوجود اللبناني، وما تعنيه وما تحتويه، ولكنها هي المؤسسات التراثية الحية الحقيقية التي يتعين انماؤها حاضراً ومستقبلاً.
هنالك مؤسّسات أخرى، كالأحزاب السياسية، والنقابات، والهيئات الاجتماعية، والصحافة، وبعض العائلات اللبنانية، وبعض الجمعيات والتنظيمات الأهلية، وغيرها مما لا مجال الى تعداده، ولكن هذه المؤسّسات لا يمكن أن تقارن عمقاً، واتساعاً، وشمولاً، وبعد أثر، بالمؤسسات التراثية السبع التي ذكرنا.
فاذا قلنا " لبنان تراثاً " فنحن نعني هذه المؤسسات السبع بالذات، واذا قلنا باحياء التراث، فعلينا أن نعنى بهذه المؤسسات قبل أيّ شيء آخر.
والآن، ما هو الطابع الذي يطبع هذه المؤسسات التراثية جميعاً ؟ وما هي روحها المتأصّلة فيها ؟ وما هو سرها المكنون ؟ انه طابع الحرّية، وروح الاحترام، لأن الحرية المسؤولة تفترض الاحترام.
لبنان التراث هو الحرية والاحترام.
يوم عانى لبنان ما عاناه في الأمم المتحدة لاثبات كرامة الانسان، وحقوقه، وحرّياته الأساسية، في الاعلان العالمي لحقوق الانسان، بصيغته الفريدة الرائعة، كانت أعماق الوجود اللبناني هي التي تنطق بأفواه ممثليه.
ان قصة هذه المعاناة لم تكتب بعد، وهي، في خفاياها وأسرارها الكيانية، لن تكتب أبداً.
يبدأ الاعلان العالمي لحقوق الانسان كما يلي : " أما وان الاعتراف بكرامة الانسان المتأصّلة في كيان أعضاء الأسرة البشرية جميعاً، وبحقوقهم المتساوية، التي لا انتزاع لها عنهم، انما هو أساس الحرية والعدل والسلم في العالم. وتقول مادته الأولى : " يولد البشر كلهم أحراراً، متساوين، في الكرامة وفي الحقوق، وقد وهبوا عقلاً وضميراً، وعليهم أن يعامل بعضهم بعضاً بروح الاخاء.
" والحقّ انه لولا هذه الكرامة وهذه الحقوق، ولولا هذه الحريةوهذا الاخاء، ولولا هذا العقل وهذا الضمير، لما كان لبنان، ولا تمكّن أن يتحدى الأزمنة والعصور حياةً وديمومة.
هذا هو الذي قلناه، وأعلنّاه، وسجّلناه أمام العالم بأسره، مراراً، وهذا ما عملنا على تجسيده أخيراً في هذه النصوص.
وأؤكّد لكم ان احتفال العالم كلّ عام، في العاشر من كانون الأول، بذكرى الاعلان العالمي لحقوق الانسان هو احتفال بعيد لبنان.
العالم بأسره يعرف الصنيع اللبناني، ويشهد له في هذا اليوم، ونحن لم نجعله بعد، مع الأسف، في طليعة أعيادنا الوطنية الرسمية.
أعود الى الحرية والاحترام، فأقول :
الحرية ليست فكرة أو عاطفة أو خيالاً.
بل ان الحرية ليست أيّ شيء، ما لم تتجسّد في الأحرار.
الحرية هي الانسان الكائن الحرّ.
والانسان الحرّ المسؤول هو أعظم وأهمّ مؤسسة في التراث اللبناني.
ففي قمة التراث اللبناني يوجد الانسان الحرّ، ان هو وجد بالفعل.
الحرّ لا يكذب ولا ينافق.
الحرّ يعرف فضيلة الصمت.
الحرّ لا يغلب على أمره غوغائياً، ولا طموحياً، ولا شهوانياً.
أما شهوة الحكم والتسلّط فأبعد ما تكون عنه.
الحقد والنكاية، والبغضاء والنميمة، وصغار النفس، والدس والتآمر في الظلام، كل هذه يفهمها الأحرار تماماً حين تمرّ بهم، لكنهم يمّرون بها دون أن تترك فيهم أيّ أثر.
الحرّ يخلق في كل لحظة – يخلق نفسه حرّاً.
الأحرار يقسون على أنفسهم حتى يتفجر الخلق فيهم تفجيراً.
همّهم أن يرتفعوا الى ملأ الاشراف الخلق، وفي فعل الخلق أن يوجدوا.
وهم اذ يرمقون لحظة الخلق بصبر وطول أناة، يخلقون ان هي جاءت، وان هي لم تجيء، يسجدون ويصلّون.
الأحرار يقبلون الصلب، وفي اليوم الثالث يقومون.
الأحرار لا يسألون عن الموت، ولا يهابون الحياة.
يرحّبون بالموت، اذا كان فيه الحياة، واذا اقتضت الحياة الحرّة الشريفة موتاً، فانهم يحيونها.
همّهم أن يبقوا هم الأسياد، ليس على الآخرين، بل على كلّ ظلام وخسّة في نفوسهم.
هل يضبطون أفكارهم، هل ينظّمون تخيلاتهم، هل يكبحون جماح عواطفهم، هل يلجمون ألسنتهم، هل يتحملون آلامهم، هل يقبلون أقدارهم، هل ينتقدون أنفسهم – تلك هموم الأحرار.
الماضي لا يكّبلهم الاّ ما يكونون تائبين.
والتوبة الصادقة تحرّرهم حتى من الماضي.
تحرّرهم لأنها لا تنبع منهم.
تحررّهم لأنها من لدن اللّه.
يقتنصون الوجود لأنّ الوجود وجدهم قبل أن يجدوه.
وجدهم وترّبع فيهم، واستقّر، واستوى.
الأحرار لا يحلّلون، ويمحّصون، ويرفضون – الأحرار يعجبون ويحّبون.
الأحرار يقرّون بالأفضال، ويعترفون بالمصادر.
الأحرار يعلنون الى من هم مدينون.
اذا عنت الحرية ضرورة السقوط أصبح الحرّ عبداً لما يسقط اليه.
أما الأحرار فيفسّرون حرّيتهم بأنها الابقاء على امكان السقوط، دون الوقوع بالسقوط بالفعل.
الحرّ يعرف تماماً أن الوجود لا يتوقّف عليه، بل على العكس، يعرف ويقّر أن وجوده هو يتوقف على الوجود الحقيقي الموجود.
الأحرار يعيشون في العالم، لكنهم ليسوا من العالم.
الحرية قبس متعال آت من فوق.
الأحرار يقرون بما هو فوق، ويعترفون بمن هم متكلون عليه، ولذلك هم أحرار.
الأحرار يعنشون، ويونعون مع الأحرار، دون أن ينسخ بعضهم بعضاً، واذا كان حرّ ما نسخة تامة طبق الأصل عن أي حرّ آخر، فهو عبد.
انها الصداقة، والمعاشرة، والمشاركة، والمحبة، التي تعزّز الحرية في الأحرار.
يفتش الأحرار عن الأحرار في كل زاوية من زوايا الكون، في الزمان وفي المكان، وحين يجد بعضهم بعضاً، أيّاً كانت فوارق اللغة، والعصر، والتراث، والجنس، والدين، فكأنّهم وجدوا اللّه في وجوههم.
الوجود كله يحصر في النهاية في الانسان الشخص الكائن الحرّ.
وكل تراث لا ينهض على أحرار، ولا يخلق أحراراً، هو تراث عقيم.
الانسان الشخص الحرّ الكائن هو مؤسسة التراث الأولى، وكل مؤسسة أخرى انما تنحدر منه، وتؤول اليه.
هو أمل الوجود، وهو قبلة المستقبل.
هو الذي يبّرر كلّ ثقافة وكلّ تراث.
وما لم تتمكن مؤسساتنا من خلق الانسان الشخص المسؤول، فباطل التبجح بالحرية، وعبث القول بالتراث.
وأخيراً انتقل الى " لبنان، أزلاً.
" لقد خصّ التراث العربي لبنان بأجمل الأوصاف.
ففي الحديث " أن من جبال الجنة أحد، وطور سيناء، ولبنان.
" وفي رواية للطبري عن ابن عباس ان آدم بنى البيت من خمسة أجبل : من طور سيناء، وطور زيتون، ولبنان، والجودي، وبنى قواعده وروي عن كعب الأحبار قوله : " لبنان أحد الجبال السبعة التي تحمل العرش يوم القيامة.
" وقد ذكر المؤرّخون العرب قول اللّه لابراهيم الخليل عندما صعد جبل لبنان : " انظر، فما أدرك بصرك فهو مقدّس.
" أما الشعراء العرب، من أمثال المتنبي، وابي نوءاس، والبحتري، والنابغة الشيباني، ونابغة بني ذبيان، وابي تمام، وابن خفاجة الاندلسي، وغيرهم، فقد تغنوا بجمال لبنان، ومنعته، وصموده، ودوامه، وبجباله المعّلقة في السماء، وضيافة أهليه، وتغزّلوا بحسانه، وخمره، وتفاحه، ومائه العليل، وشبّهوه بالبأس والعلاء.
ولعل أروع ما جاء في ذكر لبنان آيات " الكتاب " ، الذي كان الأسبق الى ذكراه بما لا يفوقه غير ذكر اللّه.
فقد ذكر لبنان في " الكتاب " 71 مرة، والأرز 74 مرة، وصور 58 مرة، وصيدا 35 مرة، والصيدونيون 14 مرة.
هذا ليس بالأمر التافه اذا علمنا ما هو " الكتاب.
هذا الحكم الرهيب الهائل أطلقه حزقيال على صور، وقد نفذ الحكم تاريخياً بالفعل.
وهو ذاته يطلق اليوم، والى الأبد، على كل مادّية، وكل جشع، وكلّ ظلم، وكلّ استكبار، وكلّ اكتفاء ذاتي زائف، وكل " تفشيط "، وكلّ تأليه للانسان دون اللّه الخالق.
واذا كان لعصرنا، في العالم كله، صفة مميزة، فهي بالضبط صفة المادّية، والجشع، والظلم، والاستكبار، والاكتفاء الذاتي، والابتعاد عن اللّه، أعني الصفة الصورية القديمة.
لذلك فالحكم على صور أصبح حكماً أزلياّ على كل مادّية، وجشع، وجور، واكتفاء ذاتي.
وهكذا يفرح لبنان اليوم، بخوف ورعدة، لأن اللّه استخدم وجهاً من وجوه الحياة في لبنان بالذات للحكم على أخطر انحراف روحي معاصر : المادّية، والالحاد، والاكتفاء الانساني.
هذا من حيث استخدام لبنان، أزلياً، للحكم على كل ابتعاد عن اللّه، وكل اكتفاء بالمادة والانسان.
قلت ان لبنان ذكر 71 مرة والأرز 74 مرة.
وأهمّ من مجرد ذكر الشيء القرينة والجوّ اللذان يذكر فيهما.
فاذا حصرنا بحثنا في لبنان والأرز فقط ( ما عدا الشاهد الأخير )، فالغريب في أمر ذكرهما في الكتاب أنهما لم يذكرا مرة واحدة في قرينة أو مناسبة يشتم منها أيّ نقد أو ادانة أو أيّ قدح أو تحقير.
القرينة في معظم الأحيان تعبق بالمحبة والتكبير، والجوّ في معظم الأحيان يوحي الوقار والتفخيم.
أوحى وعنى الجنات، والثلج، والأنهار، والمياه الحية، والمياه المنفجرة الباردة الجارية.
أوحى وعنى العروس الجميلة التي فاق جمالها كلّ تصور.
أوحى وعنى البر الصامد لأن " الصديق مثل أرز لبنان ينمي .
" أوحى وعنى " بيت الرب "، " ديار الهنا .
" أوحى البهاء، والمجد، والضياء، والرفعة، والطلعة المشرقة.
أوحى الفرح، والبهجة، والترنيم.
أوحى اشراق الرب.
أوحى النسر العظيم.
أوحى الايمان العظيم.
ولو علمنا ما هو الكتاب، وان وضعه استغرق ألفي سنة، وان هذه الشهادة عن لبنان واحدة فيه غير متقطعة من أوله الى آخره، وانه أكثر الكتب انتشاراً في العالم، ولو دققنا في كثافة هذه الشهادة ونوعيتها ومضمونها – لو فعلنا كل هذا، لاعترانا شعوران غريبان متناقضان.
الشعور الأول فرح كبير، لأن هذا الكتاب العظيم يعطي هذه الشهادة الفائقة عن هذا البلد الصغير.
والشعور الثاني خجل كياني عميق، لأن ما يعنيه لبنان في " الكتاب " وما يعنيه " الكتاب " بالنسبة للبنان، لا ينطبقان، مع الأسف، على وجوه بعض الواقع في لبنان.
وفي التوتر والمشادة الكئيبين بين ذلك الفرح وهذا الخجل، يقضي اللبناني الفاهم المخلص المسؤول حياته كلها.
لا ريب في أن الأزل هو القديم، ونحن قررنا في البداية الاّ نعكف على الماضي القديم، بل أن نتطلع الى المستقبل الآتي.
ولكن المستقبل لا يخلق من العدم.
المستقبل يرسمه الأزل.
والكتاب يحتلّ بين كتب الأزل مركزاً خاصاً، لذلك فان شهادته ستبقى الى الأبد، وستبقى معها الصورة التي رسمها للبنان.
أي ان كل من يقرأ الكتاب، من الآن والى الأبد، سيتأمل في رسمه الأزلي للبنان.
نحن في لبنان نعيش في ظلّ ما كتبه الأزل لنا، وما توقعه منا، وما لن ينفك عنا حتى نكونه بالفعل.
الأزل اذن ليس حيادياً بالنسبة الينا، ونحن لا نقع خارج حكمه.
لقد خصّنا بعناية فريدة.
وفرحنا بهذه العناية لا يعادله الاّ شعورنا بحملها الثقيل الملقى على عاتقنا.
لكن اللّه لا يكلف نفساً الاّ وسعها.
الإنسان جزء لا يتجزّأ من الكون.
ربما هو الوحيد الذي يستطيع أن ينظر إلى الحياة ويتصرّف بها بطريقة فيها الكثير من الحرية والوعي لما يفعله ويقوله.
يستطيع الإنسان أن يتطوّر بعقله وعاطفته وأحاسيسه وميوله.
في حين أن غيره من الكائنات إنّما يتصرّف دون وعي كوعي الإنسان ودون أن يكون حرًا كالإنسان.
لذلك اتصفت الكائنات بأوصاف تختلف في كثير من أحوالها عما يتّصف به الإنسان.
فهي محكومة بالغريزة ومسيّرة بطباعها.
في حين أن الإنسان هو الذي يتحكّم بطباعه ويمكنه أن يحوّلها أو أن يتعامل معها بتحكّمه فيها.
ذلك لأنه يستطيع أن يعيَ وجوده وما يفعله.
صحيح أن الإنسان في كثير من أفعاله وتصرفاته كان سيّد طباعه وأعماله.
غير أنّه، مع سيادته على أعماله، هو واع لذاتيته.
ذلك لأنه يتصرّف من وحي هذه الذاتية.
هذا الأمر يجعله عرضة لهذه الذاتية التي كثيرًا ما تتحوّل إلى "أنا".
وربما نستطيع القول إن هذا الإنسان، بما أنّ "الأنا" تتحكّم به، يضع تبعة هذا التحكّم على قوى خارجية، كثيرًا ما ينظر إليها على أنّها أقوى منه وأفعل.
فيظن انّ التبعة في ذلك هي عائدة إلى ما يسمّيه "الله".
فيقول إنّه مسيّر من الله في اعماله أو على الأقل إن الله هو القادر القوي الذي يجعله يفعل ما يفعل، لأن له الدور الكبير في ذلك.
فهو الأقوى والأعظم.
والله أكبر.
أجل إن الله أكبر.
غير أن هذا الإنسان ينظر إلى الله على أنّه هو الصانع البارئ الخالق.
وهو المكوّن.
وكأنه يريد أن يقول إن ما يفعله، إنّما هو مرتكز على هذه القوة العظمى التي لا يستطيع أن يتصرّف من دونها.
غير أنني أنظر إلى الله بطريقة مع انها ترتكز في أساسها إلى هذا الأمر، ولكنها تختلف عن ذلك في كثير من الأحوال.
فالله في نظري، ليس ذا ذاتية يتصرّف بهذه الطريقة أو بتلك.
الله هو المحيط.
(ألا إنّه بكل شيء محيط) كما يقول القرآن الكريم.
وهذه الإحاطة تجعل من الله، في نظري، هذا الكائن المطلق الذي لا يخرج عن ملكوته شيء والذي لا نستطيع أن نفصله أو ننزهه كليًا عن الأشياء.
فهو إذًا إذ يخلق، لا يفعل ذلك خارج ملكوته أي خارج ذاته.
ذلك أنّ مطلقية الله تعني أن لا شيء يخرج عنه وهذا الأمر إنما يعني أننا لا نستطيع القول إن الله خالق الأشياء بمعنى أنها غيره.
فلا غيرية في المطلق.
إذًا، هذا الكون بمن فيه الإنسان ليس في ملكوت غير ملكوت الله.
وذلك يعني أن الله ليس منزهًا عن الإنسان بمعنى أن الإنسان خارج عنه.
فما هو هذا الإنسان؟ وبالتالي ما هو هذا الكون كلّه إذا لم يكن خارج الله؟ إنّ مَثَل هذا الكون من الله، كمثل العبارة من المعنى.
أو قل كمثل الكلمة من المعنى.
فالكلمة ليست المعنى ولكنّها هي المعنى أيضًا.
ذلك أن المعنى لا يتحقق معنىً إلا بالكلمة.
فالكلمة هي امتداد المعنى أو قل هي عبارة المعنى.
كذلك هو الكون.
تجلى المعنى كلمة كما تجلّى الله كونًا.
لم يتجلّ الله في الكون بل تجلّى الكون.
هذا الكون هو شأن الله، هو تجلّيه، هو عبارته.
هكذا أفهم الخلق.
هو ليس صنعًا صنعه الله خارج ذاته.
بل هو تجلّي الله، تَمَظْهرُهُ".
من هنا كان الإنسان، الذي هو أتمّ ما في الكون وأسمى ما فيه، تَمَظْهُرَ الله.
وإذا كان الله لا ذاتية له، إذ هو المطلق، كان الإنسان له ذاتية، لأن التمظهر يختلف عن حقيقته بأن له ذاتية.
من هنا كان الإنسان، من حيث هو الكلمة، هو الحق متمظهرًا، وهو في الوقت ذاته يختلف عن الحق بأنه عبارة الحق.
فالعنصر الذي يجعل الإنسان غير الحق، أي الله، هو هذه الذاتية.
فإذا ما استعمل الإنسان ذاتيته ليكتشف حقيقته الإلهية ويسعى بها إلى التحقق بالله، كان على الطريق الصواب.
أما إذا استعمل ذاتيته لكي يمعن في الاختلاف عن الله، تحوّلت ذاتيته هذه إلى "أنا" تجعله يسعى إلى الدوران حولها بدلاً من الدوران حول حقيقته.
من هنا كانت "الأنا" في الإنسان، أصل كل شر.
هي العنصر الذي يبعد الإنسان عن حقيقته.
من هنا كان الإنسان بخلاف الكون ينزع إلى الشر كما ينزع إلى الخير، قابل للشر كما هو قابل للخير.
في حين أن الكون لا يعي ذاتيته.
فلذلك نراه قائمًا على نظام لا تعتريه الفوضى ولا يعتريه الخلل.
أما الإنسان فهو قابل للخلل، إن هو لم يتخلّص من أنائيته.
هذا هو وجه الخلل في الإنسان: هذه الأنائية التي تتحوّل في تصرّفه إلى أنانية تفرق الإنسان عن الإنسان وتفرّقه عن الحق وتبعده عن الحقيقة تائهًا، ضائعًا، حائرًا، يدور دون أن يتخذ من الله مركزًا لدائرته تلك، أو نقطة مركز لدائرته تلك.
الشر في الإنسان هو رفضه أن يكون تجليًا لله، وسعيه أن يكون تجليًا لأناه.
إذًا، هنا اختلف مفهوم الحرية.
الحرية ليست مقدرة الإنسان أن يفعل الشيء وضدّه، بل الحرية هي أن يتحقق الإنسان في الله، أن يتبع الله، وهذا هو معنى العبادة.
ليست العبادة أن أعبد الله لكي أحقق ذاتيتي الأنانية.
بل العبادة الحق أن أعبد الله لكي أتحقق به، أن أعبده فتنكشف الحقيقة لي دون أن يكون ذلك راجعًا إلى أن أحوز "أناي".
هذا هو مفهوم الإنسان الحق: أن يحقق إنسانيته، أن يصل في تصرّفه وفي تعقله وفي فعله ومعرفته إلى تحقيق ذاته، إلى تخليص ذاتيته من الأنا التي هي أساس كل شر لأنها أساس كل باطل.
الحرية إذًا، هي أن تحقق ذاتك، لا أن تحقق أناك.
أن تحقق ذاتك في الحق لا أن تحقق ذاتك في الأنا الواهمة الباطلة.
وفي الواقع، إن استعرضنا هذا العالم نرى كيف تتحكم الأنانية في الفرد كما تتحكم في المجتمعات والدول.
فكل فرد يضع مصلحته قبل كل مصلحة، ويتعاطى مع مصالح دولته ومعتقده كأولوية تغلب باقي الأولويات والمصالح.
هذه الأنائية هي سبب كل خلل في هذا الكون.
الوجود الإلهي وبالتالي وجود هذا الكون ومن ضمنه الإنسان هو النظام.
أما الأنا فهي عنصر الخلل والفوضى.
من هنا لا يمكننا أن نقول إن ضد الوجود هو العدم.
ذلك لأننا بمجرّد تفكيرنا بالعدم أصبح للعدم وجود ذهني، وعاد غير عدم.
ضد الوجود ليس إذًا العدم بل الوجود الفوضوي، هو الخلل، هو تحكّم الأنا في الإنسان.
وهذا التحكّم هو الذي يجعله يعيش في الفرق بدلاً من أن يعيش في الجمع ، في الله.
هذا هو عنصر الشر في عالم اليوم: الفوضى القائمة على الأنا.
لا يمكن أن يتخلّص الإنسان من هذه الفوضى طالما هو ينظر إلى أنّه إنسان فرد، يختلف عن غيره ويسعى إلى مصلحته على حساب مصلحة غيره.
لا يمكن الإنسان أن يحقق الحق إلا بأن يتخلّص من هذه الأنا فينكشف الحق له انكشافًا.
من هنا قول الحلاّج، إذ سئل كيف الطريق إلى الله، فأجاب: الطريق خط بين اثنين وليس مع الله أحد.
رحلة التحقق هذه هي رحلة دون طريق.
لأن الطريق كما قال هي بين نقطتين.
إذا بدأت من الأنا لا تصل إلا إلى الأنت.
والأنا والأنت نسبيتان.
أما الله فيتعالى عن النسبية، إذ هو المطلق والمطلق لا غيرية له.
هكذا تكون الأنا في الإنسان هي العدم.
واتباع الأنا هو اتباع العدم.
والعدم هو الفوضى والفوضى ضد النظام.
هكذا أفهم دكتور الإنسان.
غير أن حتمية الكون هو النظام والطبيعة التي تقوم على النظام ترفض الفوضى.
بل إنّ الطبيعة القائمة على النظام الإلهي تتمتع بآلية الدفاع عن النظام.
إذًا، لا بد من أن تتخلّص هذه الطبيعة الإلهية من الفوضى الإنسانية وتقيمَ النظام.
إذ عندما تسود الفوضى، لا بد أن يُبْعَثَ النظام، فينهي كل خلل وعدم توازن.
وهذا معنى البعث الذي هو القيامة: قيامة الحق، قيامة النظام.
ما الفرق بين الجنّة وجهنّم؟ طلب أحدهم من الله أن يريه جهنم.
فأراه الله طبيعة ربيعية رائعة وطاولات تزخر بأشهى الأطايب جلس عليها الناس يحملون ملاعق ضخمة، يحاولون عبثًا أن يغرفوا من الطعام ويضعونه في أفواههم دون جدوى.
فتعجب الرجل كيف أن جهنم تبدو على صورة الجنة.
فطلب من الله أن يريه الجنة.
فأراه الله اللوحة نفسها مع فارق وحيد هو أن كل من يجلس على طاولة الطعام، بدلاً من أن يحاول أن يأكل من ملعقته ، يطعم من هو في الجهة المقابلة.
الفرق بين الجنة وجهنم يكمن في الموقف.
في وأد الأنا.
إذا فهم الإنسان إنسانيته على أنها فردية، وصل إلى الشقاء.
أما إذا فهمها على أنها سعي إلى الناس وليس إلى الإنسان الفرد حقق الجنّة.
الإنسان ليس وجه الله.
الناس هم وجه الله.
يصبح الإنسان وجه الله إذا تخلّص من فرديته الأنانية وتحلّى بناسوتيته.
هذا القول إن الله خلق الإنسان على صورته، على صورة مفهوم الناس لا مفهوم الأفراد.
فالله يظهر في الناسوت كما يظهر في الكون لكنّه لا يظهر في الفرد.
كون الفرد ليس وجه الله بل الناس بمجموعهم هم وجهه تعالى.
القول إن المسيح هو ناسوت الله.
لا يعني أن المسيح يمثل فردًا مخالفًا معاديًا، بل يعني أنّه يمثل حقيقة الإنسان، أي ناسوتيته.
عندما تنظر إلى أنني مختلف عنك وأنك لا ترى القاسم المشترك بيننا ، يولد الشر.
وعندما تنظر إلى الله تشعر أن الله فيك وأنت فيه وهو في الكون وفيك ، عندها تمثل الناسوتية.
لأن الله في الجمع وليس في الفرق.
مأساة الإنسان أنه ينظر إلى الله على أنّه منزه عنه.
يشعر بأنه في مكان مغاير عن مكانه.
وفي الحقيقة إن الله مطلق .
وكل مكان هو في الله.
لا تنظر إلى الإنسان بالفرق بل انظر إليه بالجمع.
ولا تنظر إلى الله بعيدًا عنك، انظر إليه فيك.
فأنت لست غريبًا عن الله شرط أن تعي موقفك.
هذا هو عذاب الإنسان: أن يخالف فكرُه حقيقتَه، وأن يخالف ظاهرُه باطنَه.
هذا هو جوهر كل العذاب.
أما إذا انسجم ظاهرك مع باطنك انسجامًا كليًا، وانسجمت مع الإنسان الآخر، انسجمت تلقائيًا مع الله.
لا يمكنك أن تحب الله وأنت تكره غيرك.
هذا هزء بذاتك وخداع ذاتك.
لا يمكنك أن تحب الله إلا إذا شعرت أن الله يحبك.
لا يمكنك أن تشعر أن الله يحبك إلا إذا أحببت غيرك في الحق.
ربما يسأل أحدهم سؤالاً" كيف يمكنك ألا تكره الإنسان الشرير؟ لا تكرهه، بل تبرّأ من شرّه.
لا يمكنك أن تقول إنني أحب ولكنني أكره شيئًا ما.
يمكنك أن تقول إنني أحب وأتبرّأ من شر ما.
إذا تخلصت من الأنا وإذا جعلت التبرؤ بدلاً من الكراهية، عند ذاك تحقق ناسوتيتك.
إن العذاب هو أن يخالف فكر الإنسان، حقيقته ظاهره باطنه، تلك هي النار ويصل الانسان الى النار، الى جهنم، إذا كان الحقُّ مخالفًا لما تَطَبَّعَ عليه.
أما إذا كان الانسان منسجمًا مع الحق في حياته، وساد الحق، فيصبح هذا الحق جنَّة له.
نعيمًا ينعم به.
من هنا، كانت الجنة أو النار نتيجة لما هيّأ الإنسان نفسه له في حياته.
فإذا رضي في حياته بقوانين الطبيعة، أي بالقوانين الإلهية، وقبلها وعَمِلَ على سلامة روحه وجسده، وعلى سلامة ماله وولجه، وفكرة وفعٍلٍه وعمله، أي جعل هذه الأمور منسجمة مع الحق، سلّمها الى الله.
أما إذا لم يعمل على سلامتها، رفض الله تسٍّلمها, إذا الله لا يقبل ما هو فاسد.
من هنا، كان التسليم فعلاً في الله، وانسجاماً معه.
وهذا التسليم من الله هو السعادة القصوى، وقد يكون الألم ناتجاً في بعض الأحيان عن كون المتألم صالحاً.
ولكن ما يحيط به فاسد هذا التناقش ربما أدى الى الألم ولكن هذا الألم سرعان ما يصبح مدعاة لتحفُزّ الانسان الى الصلاح بدلاً من النظر إلى ذاته.
إذا لا يمكن ان يكون المجتمع الذي يحيط بالإنسان، فاسداً إذا كان هذا الإنسان صالحاً بالحقيقة.
إذا الصلاح هو أمن وسلام.
فإذا كان هذا الانسان، حقيقة متمتعاً بالأمن والسلام فلا بد أن يشع الأمن منه والسلام من ذاته الى الخارج، فيؤثر في مجتمعه.
لذلك فلا صلاح في المجتمع إلا إذا صَلحَ الإنسان وكمال الصلاح إنما هو بالدعوة اليه والسعي إلى تحقيقه.
وهكذا فإن الألم لا يشعر به إلا الفاسد أو ذلك الذي صلاحه غير كامل.
إذاً فإن ما يشعر به المرء من عذاب هو في حقيقة الأمر عائد إما كلياً وإما جزئياً إليه.
هذا إذا كان المرء حقيقة يشعر بالألم.
وذلك أن الألم يتحوّل عند الصالح الحق إما الى أن يكون قربى من الحق او تهذيباً للنفس، أو تأديباً لها، ولا يكون ألماً وهذا ما يذكرني بما قاله محي الدين إبن عربي، إذا ربط العذاب بالعذوبة – فالعذاب لا يكون عذاباً إلا من هو أهل العذاب أما من ليس أهلاً بالعذاب أما ما يلاقيه في حياته من صعوبة يحولها إلى عذوبة في نفسه، يتخذ منه درساً يؤدي الى عذوبة النفس.
وهذا ما تعنيه الآية الكريمة التي تقول، "وهم من القصاص حياة يا أولي الألباب".
فالقصاص مهما كان صعباً على نفس المرء يصبح حية لؤلي الألباب والحياة حركة ونشاط وسعادة ولذّة لمن هو بالحقيقة.
وهكذا فإن الألم هو موقف نفسي قد يكون من القوة بمكان حتى أنه يؤثّر على الجسد.
أما الإنسان الحق فهو الذي يتخذ مما يسمى بالألم مدعاة للسعادة واللذة والنعيم وهكذا يتحرر من رٍبقة الألم فتتسع نفسه من الخير ويقوى على هذا الألم، ولنا في ذلك عٌبر من عدد كبير من المصلحين وأهل الخير والحق الذي تغلبوا على الألم وأصبح عندهم برداً وسلاماً كسقراط والحلاّج ويوحنا المعمدان على سبيل العد لا الحصر.
هذا هو ما أفهمه من الألم.
فطالما أن الإنسان يشعر به فهو أما جدير به وأما لأنه أصبح في طريق التخلّص منه.
والسعي إلى تحقيق الحقيقة في ذاته.
على دوي الحق ان يكونوا أقوياء في نفوسهم.
يقوون على كل شيء إلا على الحق ويتحررون من كل شيء إلا من الحق.
وهذا هو الحرية بعينها إذا الحرية هي أتباع الحق، وتحقيق اللإنسان كما له ---- به.
وهكذا نرى أن كثيراً من الذين هم على طريق الحق ما يزالون يتألمون إذ هم لم يصلوا بعد إلى الحق أي إلى الحرية الكبرى من كل أمر غير الحق.
وبما أن الحق هو مطلق فما هو غير الحق هو وهم ومن لم يستطع ان يتحرر بعد من الوهم ما يزال على حمى الوهم يتخبط به ويحار في مما له.
ولا يستطيع ان يكتشف ما هو حق.
أما إذا قُيّدَت له الحرية قُيّد له أن يتحرر من الوهم فيمثل الحق أمامه وينخرط به ويتحد، فَتُزَمّ له الأ---- ويحقق التوحيد بالحق.
وهكذا نستطيع القول أن العذاب هو عدم الانسجام مع الحقيقة في حين أن النعيم هو انسجام كلي مع الحق.
الصدق هو رأس الفضائل.
وليس الصدق صدقًا باللسان وحسب.
الصدق هو سعي الإنسان إلى الوصول إلى حقيقته.
وحقيقة الإنسان هي أن يكون واحدًا مع الواحد الأحد.
ذلك أن الواحد الأحد، أي الحقَّ، هو الذي لا غير له.
وبالتالي فهو الواحد الذي يضم في ملكوته كل شيء.
أو ربما يكون من الافضل ان نقول إن الواحد الأحد لا غير له.
وما الأشياء إلا انعكاسٌ لنوره.
ولا أعني بالانعكاس أنّ هنالك أمرأ آخر ينعكس عليه.
ذلك لأن الله هو الواحد الأحد، هو ذاته، هو حقيقته.
فالانعكاس هو حقيقته وهو فعله وهو تمظهره، إن صحّ القول.
ولا أعني بالتمظهر ان الواحد الأحد له ظاهر أو باطن.
وإنما هو الظاهر والباطن على السواء.
فهذا التمظهر إذًا الذي هو هذا الكون، إنما هو انعكاسه الحتمي.
من هنا كان هذا الوجود واحدًا مع الله.
هو تعبيره الذي عبر منه إليه.
ولذلك، فهذه الوحدة إنما هي الصدق.
أما الإنسان فلا يكون صادقًا إلا إذا حقق هذا الصدق في ذاته.
أي إلا إذا حقق الوحدة مع الحق.
فكان عبارة الحق وتمظهره وانعكاسه.
إذًا، صِدْقُ الإنسان إنما يتجلى إذا تيقّن الإنسانُ أن الله هو أصله وأنّه صورته.
أي إذا تيقّن الإنسان أن هذه الصلة بينه وبين الحق هي ما يجعله إنسانًا ويجعله متألهًا على السواء.
فالصدق إذًا هو صلة مع الله.
إذ تتصل الصورة والأصل كما تتصل الكلمة والمعنى.
من هنا كان الصدق هو ما يهدي الإنسان إلى حقيقته.
من هنا كان الصدق رأس الفضائل.
هو الذي يجعل الإنسان متألهًا كما سبق القول.
فإذا الله يتانّس له تانّسًا.
وإذا الإنسان هو من الله كالكلمة من المعنى.
نستطيع أن نفصل في ذهننا الكلمة عن معناها.
ولكن في حقيقة الأمر لا فصل بين الكلمة والمعنى.
ولكن كما أن الكلمة تبقى كلمة والمعنى يبقى معنى.
كذلك الإنسان يبقى إنسانًا والله يبقى في ملكوته واحدًا فردًا.
هنا نستطيع أن نقول إن الإنسان لا يبلغ فضيلة الصدق إلا إذا بلغ فضيلة التصديق.
بهذه الحقيقة التي لا ريب فيها.
ذلك هو اليقين.
أو قل حق اليقين.
فلا فصل بين الصادق والصدق.
ولا فصل بين الصدق والحق.
تلك هي الوحدة الإنسانية التي تعكس صورة الله.
فإذا هذه الصورة هي ناسوتية الله التي يتمثل اللاهوت بها على قدر مقدرة الإنسان على التحقق في الحق.
هذا الصدق إذًا في حقيقته يجعل الإنسان متوحدًا مع الله.
أي يجعل هذا الإنسان خليفة الله على الأرض.
أما إذا فاتت الإنسانَ هذه الحقيقة، فإنه يكون في حالة من الضياع وفي حالة من الفوضى وفي حالة من العدم.
ذلك أن العدم ليس ضد الله اللاهوت وإنما هو ضد الإنسان الذي لم يفقه حقيقته ولم يعرف أنّه واحد مع الله.
وكيف يكون الإنسان مفروقًا عن الله؟ إنّ ما يجعله مفروقًا هو هذا الشعور بالأنا التي هي عنصر الكثرة الواهمة.
هي التي تجعل الإنسان بعيدًا عن الصدق.
إذ تجعله هائمًا.
في مهامه الوهم.
يرى نفسه مفروقًا عن الله.
فيرى نفسه مفروقًا عن الإنسان الحق.
تلك هي مأساة الإنسان على مرّ العصور.
تاه عن حقيقته واتخذ الكثرة حقيقة فغلبت عليه أناه.
وإذا بهذه الأنا تتلهى بالمصالح الشخصية الأنانية وسرعان ما تنقسم إلى أنوات.
كل أنا منها تنافس غيرها.
فإذا الناس كلهم يبتعدون عن حقيقتهم ويتخبطون متصارعين متنافسين متقاتلين.
تلك هي مأساة هذا الإنسان.
وتلك هي مأساة الحضارة التي قامت على التنازع والعداوة والبغضاء.
كثير من الناس، يخلطون بين الحرية وحرية الاختيار.
غير أن حرية الاختيار تختلف عن مفهوم الحرية بمعناها الحقيقي، ولو كان لحرية الاختيار ارتباط بالحرية.
إذ حرية الاختيار ضرورية للحرية.
ولكن الحرية تتجاوزها إلى مفهوم الحق والخير.
قد يستطيع الإنسان أن يختار بين أمرين سيئين، ولكنه لا يستطيع أن يبلغ الحرية إذا كان في سعيه نحوها أي سوء.
الحيوان يستطيع ان يكون له حرية الاختيار، ولكن الحيوان لا يمكنه أن يبلغ الحرية من تلقاء نفسه.
يستطيع الحيوان مثلاً ان يختار بين الأكل أو غيره ولكنه أن يبلغ الحرية بفعل واعِ، فلا.
ذلك ان الحرية هي مختصة بالإنسان ووحده الذي يستطيع ان يبلغها.
الحرية هي أن يحقق الإنسان كماله الأخص به.
أما حرية الاختيار فإنها لا تتعلّق بكماله.
الحرية هي الفضيلة.
الحرية هي السعي إلى حقيقة الإنسان.
حقيقة الإنسان هي أن يحقق الإنسانية فيه.
لا أن يحقق الجمادية أو النباتية أو الحيوانية.
غير أن تحقيق الإنسانية، أي بلوغ الإنسان حقيقته، لا يستسيغه الناس.
بل نراهم في كثير من الأحيان يتجنبون السعي إلى حقيقتهم، ويتلهون بغرائزهم التي تقرّبهم إلى الجماد او النبات أو الحيوان.
صفة الجماد هي السكون لا الفعل.
هكذا نرى كثيرًا من الناس ساكنين لا يفعلون.
أو أنّهم يقتربون إلى النبات.
والنبات أيضًا إنما ينمو ولكنه لا يفكر ولا يسعى.
إنما تسيّره الغريزة.
وهكذا أيضًا كثير من الناس يبقون في حمى نباتيتهم.
والكثير من الناس أيضًا إنما يحققون حيوانيتهم، أي يسعون إلى شهواتهم ورغائبهم بطريقة غريزية، ليس للمحبة ولا للعقل ولا للعاطفة إلى الخير دورٌ.
الحيوان لا يميل إلا للغريزة.
فهو مسيّر بها لا ينظر إلى الخير بوعي وكذلك كثير من الناس.
فهم تسيّرهم الغريزة.
وتسيّرهم شهواتهم ورغباتهم وانفعالاتهم.
ولذلك فلا نستطيع ان نصفهم بأنهم أحرار ولو كانوا يمارسون حرية الاختيار في كثير من الأمور.
أما الإنسان الحق فهو ذلك الذي يسعى كما ذكرنا من قبل إلى الحق، إلى تحقيق الخير في نفسه وإلى تحقيق الجمال.
ولذلك عليه أن يتخلّص من تحكّم الغريزة فيه وتحكّم النباتية والجمادية والحيوانية.
من هنا صعوبة الوصول إلى الحقيقة.
أي من هنا صعوبة الوصول إلى الحرية.
فهو لا يريد ان يعترف في كثير من الأحيان بما وجد له.
لا يريد ان يعترف بما هو كماله.
لا يريد ان ينظر إلى الله على أنّه الوجود الحق، وأن الإنسان عليه أن يحقق وجوده لكي يقترب إلى هذا الوجود الحق ويصير هذا الحق حقيقة له يعترف بها.
من هنا يميل الإنسان عادة أن يخلط بين الحرية وحرية الاختيار.
ولذلك يراه يمارس قوته العاقلة أو قوته العاطفية أو قوته الغريزية.
وفي ممارسته تلك، كثيرًا ما يخلط بين هذه القوى، فإذا هو مضطرب غير متوازن ولا مستقيم.
أما الحرية فهو بعيد عنها لأنها تتطلب منه نبذ أناه.
وبالتالي نبذ تحكّم العواطف والرغبات والشهوات فيه.
ولذلك فهو يميل إلى أن يفهم الحرية بانها القدرة على فعل الشيء وضدّه.
فيختار بين الفعل وضد الفعل، ظنًا منه أنه بلغ الحرية في حين أنه يكون محكومًا بما يفعله، عبدًا لما يقوم به.
أما الحرية فهي أن لا يكون عبدًا لأمر، أن لا يكون عبدًا لأناه.
ولا يكون عبدًا لرغبة.
ولا يكون عبدًا لشهوة.
بل يكون متحكمًا بها، سيّدًا عليها.
الحرية هي نبذ العبودية.
نبذ هذه الأنا.
من هنا نرى كثيرًا من الناس تستعبدهم غاياتهم إذ يتوسلون بأمور سرعان ما تصبح غاية لهم.
من هنا يستعبدهم المال، وتستعبدهم العاطفة، ويستعبدهم العقل، وتستعبدهم كل وسيلة يتخذونها للوصول إلى أناهم.
فإذ هم عبيد ليس للأنا فقط، وإنما أيضًا لما يتوسلون به لبلوغ هذه الأنا.
أما الحرية فإنها تبدأ بأنهم يتحكمون بأناهم، ويتحكمون بما تتوسل أنواتهم به، ليصلوا إلى حقيقتهم التي هي الإنسانية بمعناها الحقيقي.
هذه الإنسانية التي هي انعكاس الله الحق والخير والجمال.
ولا ننسى أن الغنسان وجد على صورة هذا الحق والخير والجمال.
والصورة هنا ليس الشكل.
ذلك أن الحق والخير والجمال، أي الله، يتنزّه أن يكون له شكل.
الصورة هنا إنما هي الفعل، على غرار ما عرّفها أرسطو.
هي حقيقة الشيء ومعناه.
من هنا كان الفعل الحقيقي الإنساني هو صورة الله.
عدم النظر إلى ذلك هو ما تتخبّط به الحضارة اليوم.
هذه الحضارة القائمة على أنانية الفرد من جهة، وعلى أنائية الدول من جهة أخرى.
تلك هي مأساة الإنسانية اليوم.
أنانية تقوم على عدم الاعتراف بالغير أو بالآخرين.
أنانية تقوم على ضرب كل من يقف في وجهك.
من هنا نرى المعارف الإنسانية والعلوم التي توصّل إليها الناس إنما تسخّر في غالبيتها إلى الدمار، إلى التجويع، إلى السيطرة على الآخرين.
يتميّز الإنسان عن الحيوان بمميزات كثيرة منها العقل والذوق والإيمان والحب والتعبير.
ولا أعني بذلك أن الحيوانات الأخرى غير الإنسان محرومة من هذه الأمور كليًا، وإنما الإنسان يتميّز عنها بكونه مالكًا لهذه الأمور بطريقة راقية.
أما عند الحيوانات الأخرى فإن هذه الامور على شيء من البدائية.
فالحيوانات في معظم الأحيان لا تعرف الحب إلا إذا كان مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالحس.
فالهرّة مثلاً، كما غيرها من الحيوانات تحدب على جراها طالما هي بحاجة إلى الإرضاع.
فإن انعدمت هذه الحاجة عندها عادت لا تنظر إلى جراها بشيء من العاطفة، بل أصبحت تتخذها أعداء لها.
أما الإنسان فإنّه يبقى محبًا لغيره طالما هو على قيد الحياة.
وربما بقي هذا الحب إلى ما بعد موت المحبوب لزمان طويل.
غير أن الحب الإنساني هذا، إنما ينقسم إلى أنواع كثيرة.
فهناك حب الهوى، أي حب مبني على الأنا.
وهذا هو الحب المنتشر بين الناس.
وقلّما يخلو منه إنسان.
حب الهوى هذا يظهر في كثير من العلاقات الإنسانية وقد يراوح بين حب خسيس قائم على شهوة كشهوة الجنس أو شهوة المال أو غير ذلك من الشهوات.
وربما يسمو إلى أمور أخرى، كحب الأم لطفلها.
فهذا الحب يصل إلى درجة عالية من السمو، حتى يقارب الإيثار.
فإذا الأم تضحي بنفسها أمام أولادها.
ولكنّ هذا الحب لا يعدو كونه حبًا قائمًا على شيء من الأنا.
إذ الأم في حبّها ذاك السامي، لا تستطيع أن تحيا دون ابنها، فتؤثره على نفسها.
وهنالك أيضًا، حب الله.
فكثير من الناس إنما يعبدون الله، أو يقومون بأعمال على غاية من التضحية في سبيل دخول الجنة أو خوفًا من دخول النار.
وقد يكون هذا الحب من أعلى درجات الحب في الإنسان.
إذ يأخذه هذا الحب إلى الأعمال الحسنة التي يضحي لها بحياته، أو يقف حياته من أجلها.
غير أن هناك نوعًا من الحب آخر خاليًا من كل أنا، وهو قائم على الانجذاب الكلي إلى المحبوب دون أن يكون للمحب فيه أية مصلحة مهما كانت هذه المصلحة سامية شريفة.
ولا يتحقق هذا النوع من الحب إلا إذا كان المحب قد تخلّص من كل أنا وطهّر ذاتيته من أي وعي لها.
وهذا الحب لا نراه إلا عند هؤلاء الصوفية العرفانيين الذين خطفهم المحبوب إليه فعادوا منجذبين إليه كل الانجذاب دون أن يكون لحبهم ذاك أيّة علاقة قائمة على ذواتهم الخاصة بهم.
وربما تكون المتصوفة الشهيرة "رابعة العدوية" قد عبّرت عن الحب بمعنييه، أي حب الهوى وهذا الحب الخالص بالأبيات الشعرية التالية، إذ قالت مخاطبة الله: "أحـبّك حبّين، حب الهـوى وحـبًا لأنـك أهـل لذاكـا فأمـا الذي هو حـب الهوى فشغلي بذكـرك عمّن سواكا وأما الـذي أنت أهـل له فكشفك للحـجب حتى أراكا فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي ولكن لك الحمد في ذا وذاكا" وقد روي البيت الثالث كما يلي: "وأما الذي أنت أهل له فلست أرى الكون حتى أراكا" فحب الهوى إنما يعترف بوجود غير المحبوب ولكن المحب قد شُغل بمحبوبه فلا يذكر إلا إيّاه.
وهذا حب يختص به الناس بعضهم لبعض.
وربما أحب الإنسان الله بهذا الحب فهو يعترف بغيرية لله ولكنّه أُخذ بحبّه تعالى فلا يذكر غيره.
أما الحب الآخر، أي الحب الذي يكون المحبوب فيه أهلاً لهذا الحب فقد عدّتْه "رابعة العدوية" على أنّه مرادف للمعرفة، فوصفته بانّه كشفٌ للحجب ومعرفةٌ لله خالصة.
وربما وصل هذا الحب إلى غايته فإذا المحب لا يرى إلا الله.
أما الأكوان فإنما تتلاشى أمام سطوع نوره الذي يُعمي المحبَّ ويُصمّه، كما يقول الحديث النبوي: "حبُّك الشيءَ يُعمي ويُصم".
أو كما يقول الشاعر : "أصَمَّني الحبُّ إلا عن تَسامُرِه فَمَنْ رأى حُبَّ حِبٍّ يورثُ الضَمَمَا وكَفَّ طرْفِيَ إلا عن رِعايَتِه والحُبُّ يُعمي وفيه القتل إنْ كُتِمَا" وهذا إنما يعني أن المحب إذ وصل إلى هذا النوع من الحب لا يرى ولا يسمع إلا حبيبه الإلهي.
ذلك لأن هذا النوع من الحب هو انجذاب في حين أن حب الهوى، مع ما يمكنه أن يكون عليه من سمو، لا يعدو كونه اجتذابًا لا انجذاب.
هذا الحب الحق إذًا هو انجذاب إلى المحبوب.
أما الاجتذاب فهو اجتذاب المحبوب إلى الأنا.
حب الإنجذاب إذًا هو الحب الحق.
فإذا ما انجذَبْتَ إلى الله تركت الأنا خلفك ودخلت في ملكوته دونها.
كما قال "أبو يزيد البسطامي": "كُتِب على باب المحبة "اترك نفسك وتعال".
هذا الحب إذّا لا يعترف إلا بوحدة المُحِب والمحبوب.
فإذا بقي المُحِبُّ غير المحبوب يبقى في الثنائية ويبقى إذًا منفصلاً عن المحبوب قريبًا إليه ربما، ولكنّه على مسافة منه.
وهذا ليس بحب حق.
فالقُربُ لا يعدو كونه بعدا، كما ذكر العارف بالله "أبو الحسين النوري"، إذ قال: "قُربُ القُربِ بُعدُ البعد".
فأنت إذًا لا تحب الله إلا إذا استهلكك الله فتلاشت أنائيتك، فعدت لا ترى ذاتك قريبًا أو بعيدًا، بل تصبح وقد انخطفت إليه واضمحللت في عزِّ ملكوته، كما قال "الحسين بن منصور الحلاّج": "يا نسيم الريح قولي للرشا لم يزدني الورد إلا عطشا لي حبيب حبّه وسط الحشا إن يشا يمشي على خدّ مشى روحه روحي وروحي روحه إن يشا شئت وإن شئت يشا".
ذلك لأن هذا المحب يعود وقد تلاشت إرادته بإرادة الله.
فإذا شاء الله شاء، وإذا شاء شاء الله، لأنه لا يشاء إلى بمشيئة الله.
كما ذكر الحديث النبوي : "إن لله قومًا إذا أرادوا أراد.
" فهذا المحب تخلّص من أنائيته فعاد لا يريد إلا ما يريد الله ولا يشاء إلا ما يشاء الله.
أصبح كالقلم بيد الكاتب، أو كما قال "الجُنَيْد": "كالميت بيد الغاسل".
وهذا لا يدركه إلا من تحقق بالله، فبلغ إنسانيته الكاملة، أو حقق ناسوتيته.
ذلك هو الحب الحق الذي يوحّد المُحبَّ بالحبيب.
فإذا المحب، وقد تخلّص من كل أنا، تلاشت صفة المُحبِّ منه، وإذا المحبوب، إذ تلاشت الأنا من مُحبِّه، عاد غير محبوب من غيره.
وهو لا غيرية له.
فتلاشت صفة المُحب وتلاشت صفة المحبوب، ولم يبق إلا الحبُّ وحده سبحانه وتعالى، لا غيرية له.
ذلك هو التحقق.
من هنا قول "محيي الدين ابن عربي": "لقد صار قلبي قابلاً كل صورة فمرعى لغزلان ودير لرهبان وبيت لأوثان وكعبة طائف وألواح توراة ومصحف قرآن أدين بدين الحب انّ توجهت ركائبُه، فالحب ديني وإيماني".
إدوار حنين في معاركه السياسية الانتخابية كان يمتنع عن تعليق صوره ويبدّل بها شعارات ذات وقع في النفوس.
.
.
كان نائبًا مقدامًا من طليعة نخبة البرلمانيين الذين فتحوا في الحياة الديمقراطية اللبنانية ثلومًا من المكرمات، وتركوا فيها بذور إشعاعهم وبلاغتهم وآياتهم.
لم يكن يخشى تأييد الحاكم ولا معارضته.
كان يتقدم باقتراحات مشاريع قوانين أو يشارك في تقديمها كلما رأى ضرورة لمصلحة وطنية.
له اليد الطولى في صدور العديد من القوانين.
بذل جهودًا جبارة في حقل التشريع في الندوة النيابية صيانة لمصلحة لبنان ولراحة اللبنانيين وطمأنينتهم ورفاهيتهم واقتصادياتهم.
كان إنتاجه في حقل التشريع إنتاجًا صفق له اللبنانيون وارتاحوا إليه، نجح مع الكتلة الوطنية في استصدار قانون سرية المصارف في 3 أيلول 1956، وشرعة المباني الفخمة في قانون الإيجار الاستثنائي، ومشروع تعديل قانون الانتخاب، وتعديل قانون الأسلحة والذخائر، وإصدار القانون المتعلق باعتبار أول آيار عيدًا رسميًا، والمرسوم الاشتراعي رقم 31 المختص بتشديد العقوبة على كل قائد سيارة يتعاطى المخددرات، والمرسوم الاشتراعي رقم 27 المختص بتشديد عقوبة الخطف وحرمان الحرية.
كان في مجلس النواب أول الثائرين على الأصفاد تكبل بها الأقلام.
وفي الجلسة 25 آيار 1959 خطب في المجلس النيابي داعيًا إلى فتح اعتماد ينفق في تحسين أوضاع السجون والمساجين فتُنشأ فيها المصانع والمدارس وتعمل على توفير الشروط الصحية والتربية البدنية .
إدوار حنين الوزير عين وزيرًا خمس مرات بين 1958 و1976 في عهود الرؤساء شهاب وحلو وفرنجيه.
تسلم وزارات التربية والاقتصاد والعمل والشؤون الاجتماعية والرياضة والتصميم.
وكان عضوًا في اللجان الخمس التي وضعت البيانات الوزارية في الحكومات الخمس المذكورة.
في 21 تشرين الأول عام 1961 عُيّن وزيرًا للعمل والشؤون الاجتماعية واستمر في منصبه حتى 20 شباط 1964.
بين 19 تشرين الثاني 1964 و20 تموز 1965 تولى وزارة الشؤون الاجتماعية.
في السنة 1966 عين وزيرًا للتصميم والسياحة (من 10 نيسان حتى الثاني من كانون الأول 1966).
في 8 شباط 1968 عين وزيرًا للاقتصاد والعمل والشؤون الاجتماعية.
وفي 27 آيار 1972 تسلّم وزارة للتربية الوطنية.
كلّما تولى حقيبة وزارية كانت رواسب العهود السابقة تتبخّر لتحلّ محلها ركائز ودعائم حكومية مرسّخة على قواعد جديدة ثابتة ينجلي معها وجه الحكم وتستقر الأوضاع.
في الاقتصاد حرص على حماية الصناعات الوطنية وعلى تقوية جهاز حماية المستهلك.
في العمل والشؤون الاجتماعية استصدر قوانين لترسيخ قيام الضمان الاجتماعي بعد أن أشبعه درسًا وتخطيطًا لتجنيبه ما وقع به من أخطاء، حتى في أرقى الدول الأوروبية، ولتقوية جهاز المراقبة على صندوق الضمان ولتفعيل النقابات والاتحادات العمالية وصيانة اليد العاملة اللبنانية.
في السياحة وضع مشروع قانون ينهض بهذا القطاع ويجعل لبنان بمستوى البلدان العالمية كإيطاليا وفرنسا وسويسرا، كما أنشأ جوائز سياحية كثيرة وكبيرة بلغت قيمة بعضها ستين ألف ليرة لبنانية.
في وزارة التصميم وضع دراسة لمشروع قانون يخص وزارة التصميم بملاك قادر أن يقوم بالمهام الملقاة على هذه الوزارة.
في التربية الوطنية سعى إلى إطلاق ورشة العمل في التربية الوطنية في السنة 1972، وعمل من أجل وضع مشروع لتجديد المناهج التعليمية ورعاية الفنون وتحسين الانتاج الفردي ساعيًا إلى تأمين حياة كريمة للفنانين.
قدّم استقالته ثلاث مرات من الوزارة بعد أن رأى في الاستقالة واجبًا.
في كتابه "حكمت باسمكم" ذكر العديد من الإنجازات التي قام بها في الوزارات التي تولاها.
مثّل لبنان في اجتماع الجامعة العربية في بنغازي في ليبيا وفي مجلس الأمن الدولي المنعقد في نيويورك وفي مؤتمر وزراء العمل في بغداد، وفي المؤتمر الاقتصادي العربي المنعقد في الجامعة العربية في القاهرة.
انتدب لمؤتمرات دولية، كان لقضايا لبنانية ضلع في مهامها، فلم تسطع مرة شخصية لبنان، في إبائها وشموخها، وعدالة قضاياها، مثلما سطعت بعد مواقف إدوار حنين العنيدة الحاسمة القاصمة.
من مؤلفاته وضع مجموعة من خمسة اجزاء بعنوان "على دروب لبنان" تناول فيها مواضيع لبنانية شتى.
نقرأ فيها تصوره لمستقبل لبنان الجديد.
من كتبه: "كتبت باسمكم – حاضرت باسمكم – حكمت باسمكم – إلى ذلك، له عدد من المؤلفات الأخرى منها: * الكذّاب (رواية) * شوقي على المسرح * جريمة 25 آيار (بالاشتراك مع جورج عقل).
ترك مئات المخطوطات القيّمة والشيّقة وآلاف المقالات والتقارير والندوات المنشورة في أكثر من صحيفة عريقة.
في كل ما كتب لم يخرج مرة عن أسلوبه البليغ الرائع، الذي يجمع بين الحكمة ووميض الإشراق.
من أقواله: "إن لبنان منذ ما يزيد على السبعماية سنة، ملجأ الأقليات الفازعة من بلادها إليه: استهوى الدروز فتسللوا إليه عبر صحراء سيناء، استهوى تلامذة مارون فتسللوا إليه عبر مفارز الجبال، واستهوى عشائر المتاولة فتسللوا إليه عبر وادي الليطاني".
"لبنان أرض الحرية ومعقل الأحرار".
رأى في الطائفية "مزيجًا من قشور الدين دون لبه، ومن شعائر الإيمان دون الإيمان، ومن غيرة القساوسة والمشايخ دون رأفتهم واستلهام ربهم، ومن سذاجة اللبناني دون فطنته وذكائه، ومن عمل السياسة دون وعيها وضميرها، أو من خبث السياسيين وقساوة قلبهم، ومن جحود الكثيرين للبنان. عصبية هي وتآزر بين أبناء الطائفة الواحدة، وتباغض بينهم وبين الخارجين عنها".
"لبنان مفطور على الديمقراطية الشعبية، تنتقل فيه الإمارة من أسرة إلى أسرة، بفعل الإرادة الشعبية، مائة سنة قبل الثورة الفرنسية".
"باب السلامة للبنان، الحياد عن المنازعات الإقليمية، وانتصار القضية اللبنانية وتخاذل هذه القضية منوطان بقيمة شخص الحاكم.
فاللبنانيون شعب يحكم مع الحاكم ولا يمحى في وجه الحاكم، والحكم في لبنان ضرب من التوازن العجيب الذي يجب أن يتقنه الحاكم ببراعة نادرة ودهاء فائق، ليظل التناغم كاملاً بين معركة الكيان ومعركة الاستقلال، بين الحياد وما هو من المحالفة في ثياب الحياد، بين نشدان البقاء العزيز الكريم السيد والابتعاد عن الأصحاء، في معركة إثبات الوجود".
إدوار حنين اللبناني الأصيل هو القائل: "ماذا ينفع اللبناني لو ربح العالم كله وخسر لبنان؟" إدوار حنين المتمسك بمارونيته والمؤمن بمسيحيته وبلبنان، يعيش مسيحيته كما يفهمها محبة وصفحًا.
تمسك بالقيم الإنسانية وكان أكثر ما يؤلمه الظلم وأكثر ما يسعده العدل.
عرفناه سياسيًا حكيمًا وصحافيًا جريئًا، ومحاميًا لامعًا، وأديبًا متألقًا، بطلاً من أبطال القلم، خطيبًا كبيرًا وقف على كل المنابر في لبنان والعالم العربي والعالم الخارجي.
عطاؤه الأدبي والفكري لم يَفُقْهُ أي عطاء.
اليابانيات يساعدن الرجال على خلع ملابسهم ليالي الغيشة هي من ليالي العمر في طوكيو نقدّم فيما يلي الرسالة الخامسة للنائب الأستاذ إدوار حنين التي يعرض فيها لانطباعاته عن اليابان.
وهي رسالة تضم ملاحظات طريفة ودقيقة تشمل نواح شتّى عن مظاهرا لحياة فيبلاد الشمس المشرقة.
وبوسع القارئ ان يكون فكرة شاملة عنها وهو يتابع عرض شريط الأستاذ حنين.
للمرة العاشرة أهم بالكتابة إليك في طوكيو فأتهيب وأعدل.
وكلما عدت إلى الكتابة عدت امتدح نفسي لأني تهيبت فعدلت.
لان بين العزم والعدول أشياء كثيرة تكون قد توضحت في خاطرتي وأشياء كثيرة اخرى تكون قد وثبت إلي جديدًا.
غير اني بين هذا وذاك لا أعرف أين أبدأ وأين انتهي وكيف سيكون تسلسل الكلام وسياقه.
اليس القصد أن أكون لك كيف وجدت طوكيو وكيف وجدتني فيها؟ طوكيو: مدينة التنافر المتجاذب.
لقد مررت في نيويورك وباريس وروما واسطنبول وعشرات المدن الكبرى في العالم.
فلم تكن الواحدة تشبه أختها إلا بنسبة ما يشبه غنسان إنسانًا.
اما طوكيو فتشبه هذه الدائن جميعًا ولا تشبه واحدة منها طوكيو.
إن فيها من نيويورك وباريس وروما واسطنبول وليس في هذه شيء من طوكيو.
ذلك أن كل ما أخذته هذه المدينة من المدائن، كل ما يمكن ان تأخذه، يضيع في رحابها.
وكل ما هو غريب عنها يصبح منها.
فهي مدينة التنافر المتجاذب.
في صورة فوتوغرافية، جزئية او شاملة، نعرف باريس من تناسق شوارعها وبنائها وتقاطيع قرميدها! ونعرف نيويورك من شوامخها وناطحات سحابها.
ونعرف اسطنبول من بوسفورها ومآذنها وقبابها التي تظل قصورها وبيوتها.
وتعرف روما مت تلالها السبع والخرائب الألف تعاند الدمار والزمن البائد.
أما في صورة فوتوغرافية فلا تعرف طوكيو.
وجهها مخبوء وراء مرآياتها.
هنا شامخات بنائها وهنا البناء الوضيع.
هنا الجادات الطويلة والوسيعة وهنا الازقة والزواريب.
هنا الحديث الاحدث في العمارة وهنا الروماني والفرعوني والإغريقي.
وهنا الاكواخ والبيوت من الخشب، وهناك الحائر الذاهل في حيرته.
ونرى في الوجوه إلى جانب الاميركي والأوروبي والمشرقي والصيني والياباني الوجوه الخليطة من كل هذا معًا وهي روعة في الوجود.
ناهيك عن المطاعم والمطابخ والمقاهي والملاهي التي فيها من كل أزياء الأرض وطعامها ونسائها وأساليبها.
فأين هي طوكيو القديمة التي تهدمت في الحرب من كل هذا! وماذا تكون طوكيو إن لم تكن كل هذا التنافر الذي يجذب بعضه البعض الىخر فيتآلف في السمة وينصهر في العظمة التي تأبى عليك أن تنظر في التفاصيل.
ألا ترى نفسك مشدودًا إلى الكل، ماخوذًا بهذا الكل، ومندهشًا عنده؟ طوكيو: شيخة المدائن صحيح أننا دخلنا المدينة تحت جنح الليل التي لم يتح لنا رؤية شاملة لمجمل أنحاء المدينة.
بيد أن الليل كان صافيًا وكانت الانوار تتلألأ من تحتنا ألف لون ولون، مكدسة هنا منفرجة هناك، على مدوات لم نر مثلها لمثلها.
ثم طلع النهار فطلعنا على المدينة من شاهق فيها.
وجبنا شوارعها وحاولنا أن نقطع احياءها من الحد إلى الحد.
وتجولنا في جنباتها، فإذا هي مدينة تتسع في الأرض وفي الفضاء معًا.
تمتد زاحفة "في مكان" وتعتد متعالية في آخر حتى تسائل نفسك: أغدًا أم بعد غد ستصبح هذه المدينة بيتًا لعشرين مليون نسمة وهي تخيم اليوم على نصفهم فلا هي تضيق بهم صدرًا ولا هم يشتكون من الضيق.
قلب المدينة وبيت القصيد والغريب من هذه المدينة التي هي أوسع رقعة من أي مدينة اخرى ان لها ألف قلب وقلب.
هذا الذي تعودنا ان نسميه قلب المدينة لا تجد له أثرًا في طوكيو.
كل شارع من شوارعها قلب المدينة.
إذ في كل شارع من المطاعم والمقاهي والبارات والسينماوات والمحال التجارية وزحمة الناس ما يحملك على الاعتقاد أنك في قلب المدينة.
لقد ضاع قلب المدينة في طوكيو كما ضاع في الشعر بيت القصيد.
ولعمري لا تكون المدينة مدينة إلا إذا كانت قلبًا كلها.
كما لا يكون الشعر شعرًا إلا إذا كان كل بيت بيت القصيد في القصيد الواحد.
طوكيو: مناخ روحي يطابق مناخ أنفسنا على هذا التتنافر العجيب، على فارق اللغة والجنس، وعلى سعتها وبعدها، لقد طابق مناخ طوكيو الروحي والحياتي المناخ الذي أرغب وأرتاح إليه.
وقد يكون المساعد في ذلك ان كلنا في الأصل شرق.
إن زحمة الناس فيها لا تزعج الناس.
غن صوت الضجة خافت.
إن المتفرج فيها مأخوذ فيما يرى.
اما الأصيل فمتزن الحركات، حلو التصرف، هادئ الطبع، بعيد عن الإزعاج.
وقد يكون المساعد في ذلك أن كل ما فيها يشغل "حشرية" الإنسان، يمد لخياله في التصور، يلهي فضوله، سيحمله على التساؤل، يزيده رغبة في الاكثر، والأكثر لا يتخمه، يعيده طفلاً إذ كل ما يرى جديد، ثم هو يرى الجديد ويستزيد، فيتلهى عما يضج ويزعج.
تركيب فائق وغزل البنات كنت أذهب في الظن، قبل أن عرفت الصين واليابان، معرفة سائح، ولكنها معرفة من رأى على كل حال أن هذه الشعوب – وهي خمس سكان الأرض – مكدسة أكداسًا، وأن أبناءها مصكوكون صك النقد الواحد، أو هم كالدمى صنع معمل في "استوتغرت" تنطلق من قالب واحد.
.
.
كنت أذهب في الظن هذا المذهب الخاطئ حتى جئت ورأيت فإذا الإنسان إنسانًا حيثما كان.
أبدًا كثير التنوع، غني بمواهبه، عظيم بمفارقاته، غزير بشخصيته المميزة.
وجوههم – النساء خاصة – أكثر دقة في التكوين من وجوه البيض.
خطوط متناهية في النعومة.
ملامح بعيدة في التنوع، تفاصيل في الجبهة والذثن، ملامح هذا الشعب طبيعي اننا لم نغادر طوكيو إلى الريف ولم نتغلغل في اواسط الشعب.
حتى الشعب الذي وقعت عيننا عليه لا نستطيع ان ندخل إلى قلبه.
فهو يجهل ما نعرفه من لغات ونحن نجعل لغته.
طبيعي، والحلة هذه أن تكون ملامح هذا الشعب كما رأيتها انا، في سطحية الملامح التي تعطيها عين الكاميرا – ألة التصوير – عندما تنقل من الحياة إلى الورق أشخاصًا وأشياء.
ونعلم، يا أخي رشدي، أنني أكتب إليك احاسيس، فقد تكون خاطئة وقد لا تكون، وهي إن أصابت فلا أنا أزعم لها ولا أنت تقبل أن تجيء بدقة الدروس، إذ الدرس ليس من شأن المسافر.
ولم يكن على كل حال من شأن إبن بطوطة، في أسفاره رحمة الله عليه، وقد أدرك الصين، وبعض الصينيين يعرف ذلك.
وقد رووا لنا من اخبار أخباره ما يعجب.
اليابانيون كالصينيين دون الربعة إجمالاً.
أعداء السمنة على الغالب.
نحن الذين ربينا على معرفة قبضايات القرى والأحياء عندنا نستغرب أن تلجأ البطولة إلى مثل هذه الهياكل.
كأن البطولة هنا لا ترغب في الإعلان عن نفسها.
او كأنها عندنا تلجأ إلى الإعلان الكاذب.
إذ ليس من الضروري على ما رأيت، أن يكون البطل في اليابان متلبسًا جسر الأمير مجيد، أو ابن عفيف او غيرهما من الذين نعرف.
على أن هذا الشعب شعب بطل.
وهي بطولة مجازفة.
فهم ينمّون في أبنائهم روح المغامرة.
حتى ان ألعاب اللونابارك في اليابان تختلف عن ألعاب اللونابارك التي شاهدناها إلى اليوم في خارج اليابان.
هناك تسلي وتدهش وتأرجح وتدغدغ وهنا تربي شعور المجازفة والمغامرة والإقدام لكثرة ما فيها من المخاطرة والاخطار.
وقد رأيت على باب برج يتهافت الناس عليه تصاوير وصفت هناك للتشويق أو توق الناس بمثلها حيثما كان من العالم لأبوا الدخول في ذاك البرج.
وهذه التصاوير تدلل على ان المتفرج على أشياء هذا البرج مشارك في أشيائه.
يقف الداخل إليه على اسطوانة تدور بسرعة فائقة ثم تأخذ قدماه تعلو عن الأرض شيئًا فشيئًا حتى يكاد يصل إلى آخر الجدار المستدير المركز على الاسطوانة.
وتظل الإسطوانة تدور فمن لا تكون له قدمان ثابتتان ينثر في الفضاء ليقع شكًا على رأسه ويدوّخ الجميع.
كل ذلك، بين الضحك والبهجة والسرور.
ثلاثة كانوا في صفوف المتفرجين غير المشاركين: لبنانيان وأوروبي في جنبها.
ولا يتهافت الصبية والشباب إلا على الالعاب التي تغلب فيها المفاجآت الخطرة والتحسس القوي لما هو فوق المألوف.
وأكثر ما يلفت النظر في هذا الشعب البطل انه يبالغ في الإنحناءات إن سلّم أحدهم أو ودع او جرى تعريفه إلى من لا يعرف.
انحناءة رأس، وانحناءة صدر، وعين لا تجبه العين!! إنها بعض العجب في نظر قوم يرون في البطولة شموخًا، بل تحديًا، بل فجورًا في التحدي وفي الشموخ.
على أن البطولة موهبة كالجميلات المواهب، وهي ككل موهبة ترتاح إلى التواضع.
لقد أجلسوا هذه الموهبة العظيمة في مكانها الرائع وأبعدوا عنها كل ما يسيء إلى روح البطولة.
.
.
سلمت يدهم.
واليابانيون شعب مكد، مجد، ساكت.
لغة تتقلص من الصين إلى الفيليبين إلى هونكونغ إلى طوكيو لم أقع على واحد يحسن الفرنسية.
أربعة أو خمسة الذين يلمون بها إلمامًا خفيفًا.
كل من يعرف لغة إلى جانب بلاده يعرف الإنكليزية.
من لا يعرف الإنكليزية في هذا القطاع من الأرض يمكن أن يبيت على الطوى لأنه قد لا يجد من يفهم عليه أنه جائع يريد أن يأكل.
وفي السنة الفائتة لم أستطع ان أعثر في إيطاليا الاخت اللاتينية الأولى لفرنسا، على من يتحدث الفرنسية.
الإيطالي الذي يتعلم لغة إلى جانب لغة بلاده يتعلم ما تيسر له من الإنكليزية.
لغة الناس في مطلع القرن لغة القلة في منتصف القرن.
وقد لا تصبح إلا لغة أبنائها في اواخره.
طوكيو مدينة الإعلان التجاري يسعون إليه بكل طريق.
بالأضواء، بالمطبوعات، بالبالونات المجمدة في الفضاء.
على الجدران، على هامات المباني، على السيارات، في قلب الشارع، على علب الكبريت، في المسارح والملاهي، في الورق، في الأقمشة.
على كل شيء وفي كل مكان.
باريس ونيويورك مقصران عن طوكيو في هذا المجال “Plus je Connais les homes moins je les aime” في شارع من شوارع طوكيو خطرت بنا فتاة أوروبية او أميركية هيفاء شقراء حلوة الطلعة وسيمة المحيى وكثيرة الأناقة.
كانت تشد وسطها بحزام كتب عليه بالفرنسية وبالحرف المذهب: “Plus je Connais les homes moins je les aime” فتقدم الصديق ناظم القادري يتحدث إليها بالفرنسية.
فردت بلطف وبالفرنسية تقول انها تجهلا لفرنسية.
فأشار إلى حزامها فقالت لا أعرف بالفرنسية غير هذا.
وقد نالت ذلك بفرنسية صافية.
فليس غريبًا أن كانت فرنسية.
Apeu pres التقينا رجلاً صينيًا يلم بالفرنسية.
دار الحديث بيننا على الأديان .
فدهش عندما عرف أن الدين الإسلامي يجيز للرجل أكثر من إمرأة.
بعدها سأل أحدنا الرجل: * هل أنت متزوج؟ * نعم.
* من امراة واحدة؟ * تقريبًا.
A peu pres ثم أغرقنا جميعنا في الضحك.
ليلة الغيشا من ليالي العمر في طوكيو ليالي الغيشا.
ما أصل الكلمة؟ ماذا تعني بالضبط.
حاولت أن أعرف ولم أفلح.
وليس هذا الذي يهم على كل حال.
في قلب المدينة وأطرافها وضاحيتها، في منازل عادية وغير عادية.
وفي حدائق خاصة، "غيشيات" يحيين ليال طريفة حلوة هذا وصف واحدة منها: وراء الجادة التي يقوم عليها الفندق الذي نزلناه شارع ضيق.
سعينا فيه على الأقدام حتى وصلنا إلى مفرق أشد ضيقًا فسلكناه.
بعض خطوات وإذا في ميسرة الزاروب باب من القضبان الخشب شدها الدليل بيسراه ففتحت.
ودخلنا.
رواق سقفه أغصان وأرضه بلاط مشطوف تلتمع عليه النظافة، يفضي إلى رواق آخر سقفه من حجر وينتهي بالمدورة العادية حيث تنتظر الرواد شابات جدل خيوط الليف كالمسك الأشقر.
خلعنا أحذيتنا.
وانتعل كل واحد منا واحدة منها.
ورحنا نجتاز المماشي أرضها خشب وجدرانها خشب.
ثم تسلقنا سلمًا من خشب اوصلنا إلى غرفة رحبة سعة البهو الكبير في بيوتنا ممدودة بالحصير الناعم مسدول على شبابيكها وأبوابها وبعض حيطانها ستارات من الحرير المزركش ترتقص عليها الأنوار المشعة من قناديل مخبأة ككنوز النجلاء تحت الستائر.
في وسط الغربة إيوان تحيط به سبعة مقاعد.
وهو عددنا.
اما المقعد فطراحة على الأرض نصف متر مربع علو المخدة وأرخم.
يحتضنها من اليمين زند من الخشب ولناحية الظهر مسند في إطار من الخشب مربوط إلى الزند لا ينفصلان.
تقعد وتتربع او تمد قدميك تحت الإيوان.
بين المقعد والآخر مكان لواحدة من الفتيات تجلس فيه على الحصير ثم تبدأ الحفلة.
تقدم بطبق صغير منشفة بيضاء مبلولة بالماء الساخن تلهث دخانًا أبيض.
تمسح بها إحدى الغيشيات يديك ووجهك وجبينك.
ثم تحمل إلى شفتيك كأسًا فيها سائل مثلج كماءا لزهر.
بعدها تدار الخمور لكل نوع منها نوع من الكؤوس، تارة من زجاج ناعم وتارة من صيني ناعم وتارة من معدن او فخار.
وبين هذه الخمور ما يشرب ساخنًا وما يشرب باردًا.
اما إذا شئت ان تشرك الغيشيات في خمرك فتفرغ الكأس في جرعة واحدة وتغسله في كوب من الماء غطة واحدة، وتعطيه للغيشة التي تريد ان تشركها في شربك، فتبقيه في يدها حتى تملأ لها، فتفرغه، بدورها جرعة واحدة.
فإذا ما غسلته ونقرت عليه بأصبعها واعادته إليك كان عليك أن تشرب من جديد.
وهكذا إلى أن يرى أحد الشاربين وضع الكأس على الإيوان دون غسل ونقر فتهدأ المناوبة إلى حين.
ثم تستأنف على طلب الغيشية عادة.
في غضون ذلك تكون قد دارت أطباق الطعام، ألف لون ولون، من اللحوم والأسماك والطيور والخضار والأرز والمرق على أنواعه، فتتناوله الغيشيه بين قضيبين وتدنيه من فمك فتأكل.
اما المرق (الشورباء) فيشرب من الطاس شرب الماء من الأكواب حتى ينفد.
وتظل الأطباق تدار.
أكلت أم لم تأكل حتى ىخر السهرة بعد أربع ساعات من بدئها.
غير أن الوقت ينقضي كالسعادة فلا تفيق إلا وقد انتهى إذ يون قد تخلل الطعام والشراب عزف وغناء ورقص زاوجت التقاليد بين كل لون ولون.
أما العزف فعلى آلات ذات اوتار منها ما يشبه العود عندنا ومنها ما يشبه البزق والكمان.
وأما الرقص ففيه من مشق الزعرورة في لبنان.
يغلب عليه الدلال دون هز الأرداف والكتفين.
تمثله الغيشيات منفردات بثيابهن اليابانية المزركشة الحلوة حتى كأنهن فراشات الربيع في جوقة الصباح.
عندما يبدأ الرقص تهدأ كل حركة، وتغلق الأفواه، كأن الجميع في صلاة.
للرقص عندهم لون القداسة.
وما إن تنتهي الغيشية من رقصها حتى تعود الحركة سيرتها الأولى: أكل وشرب وضحك وكلام والعاب خفيفة ساحتها الإيوان واللاعبون فيها الغيشيات اللواتي يدعونك لمشاركتهن.
كان تنصب سيكارة كالعمود وتلقي عليها سيكارة أخرى بشكل أفقي.
ثم تدعى إلى نسف السيكارة الأفقية دون ان تقع السيكارة العمودية.
او كأن يوضع عود من الثقاب في طرف الإيوان وعود آخر في وضع عمودي في الطرف المقابل.
ثم يقذف العود المنبطح بواسطة علبة الكبريت في اتجاه العود الواقف فيصيب الأول الثاني فيقع وغير هذا الكثير.
وفي ىخر المطاف – وآخر المطاف في يدك – يقف الجميع، وتحلق المقاعد في شكل دائرة، ويتحلق حولها الموجودون، رجل فامرأة، وتعزف إحدى الغيشيات معزوفة رقص، ويدعى الجميع إلى الرقص حول الطراريح، حتى إذا ما انقطع العزف وجب أن يركع كل راقص على الطراحة التي أمامه (الطراريح تنقص واحدة عن عدد الراقصين) فيبقى راقص بدون طراحة فيخرج من الحلقة.
وهكذا دواليك ففي كل دورة تنقص الطراريح طراحة وينقص الراقصون راقصًا حتى يبقى التزاحم بين راقصين على طراحة واحدة.
فمن يصيبها يصب النجاح فتسلم إليه العازفة تطاوعه في كل ما يريد.
أربع ساعات لم ينقطع فيها الطعام ولا انقطع الكلام ولا هدات الأنغام.
أربع ساعات لا يفهم واحد من المدعوين على واحدة من الغيشيات ما تقول ولا هي تفهم ما يقول ويظل التفاهم قائمًا على أساس الفهم.
حتى ان النكتة كانت تفهم وتفعل.
وأغرب ما في الأمر ان ليالي الغيشيات تمثل تمثيلاً صفحة رائعة من الحياة اليابانية العريقة.
ويظل دائرًا في خلدك انها من الأصالة في مكان رفيع، فلا الشعر بالسأم الذي يتملك بفينيسيا في ليالي الغوندول.
وهو السأم المتأتي من إحساسك بأن ليالي الغوندول التي تحيي صفحة من أروع صفحات الحب والجمال والشرق والاستمتاع قد انحطت على يد الغينيين إلى درك التجارة والاستثمار الدنيء.
هنا كسب وهناك كسب.
غير أن هنا مع الكسب روح، أو إجادة في التمثيل توهم بأن الروح لم تمت.
.
.
.
وبعد فهل سمعت ان عشاء يكلف مئة وعشر ليرات لبنانية على الرجل واحد!! لقد عدنا الليلة، إلى عشاء جديد مع الغيشيات وذلك بدعوة من السيد كوهنو سفير اليابان في لبنان الذي استدعي حديثًا إلى وظيفة أخرى.
إنه يعرف الفرنسية وزوجته تجيدها.
وقد نقلت إلى الفرنسية قصة يابانية عنوانها السكين Le couteau وهي على ما تقول من روائع الأدب الياباني الحديث.
المراسم التي جرت في عشاء الامس قد عادت هي هي في عشاء الليلة.
مما يعطي الدليل على أنها مدروسة وعلى أنها فن.
بعد المغايرات التي رأينا بين الحفلتين تتعلق بالتفاصيل وخاصة في ألعاب السلوى التي تجري بين شكل من الطعام وآخر.
كان تملأ كأس بالخمرة اليابانية المسخنة ثم تطلب إحدى الغيشيات من الضيف الذي تتعهد ان يزيد على خمر الكأس نقطة دون ان تطفح.
فإذا تيسر له ذلك دون ان تطفح صار عليها أن تفعل بدورها وهكذا دوليك حتى يطفح الكأس على يد واحد من المتباريين.
(إذ يمكن ان يشترك في اللعبة آخرون) يكون هو الخاسر.
وعلى الخاسر آنذاك ان ينكب على شرب ما في الكأس دون ان يترك منه شيئًا وإلا ألزم بشرب كأس آخر.
لعبة اخرى: تؤخذ كأس فارغة فتلصق على فوهة الكأس ورقة ناعمة كالكلينكس الرفيع مثلاً.
توضع على الورقة قطعة نقد معدنية صغيرة.
تشعل سيجارة وتبدأ الغيشيه بان تشعل السيجارة المشتعلة جانبًا من الورقة.
بين القطعة النقدية وشفة الكأس.
ثم تعطيك السيجارة فتمج منها مجة وتحرق جانبًا آخر وتعيد إليها السيجارة لتحرق هي بدورها جانبًا آخر.
وهكذا حتى تسقط قطعة النقد في الكأس.
فمن سقطت على يده كان الخاسر والخاسر يلزم على استجابة رفيقته الغيشيه أيًا كان طلبها.
لعبة أخرى: يعطى إلى الغيشيه لوحة وريشة رسم تغمز باللون الأسود ويعطى مثلها إلى ضيفها.
فيجلسان في صدر القاعة ويتولى أحد الحاضرين أن يأمر "أرسم الأنف، العين اليمنى، الأذن اليسرى، الفم ألخ.
.
.
فيرسم كل منهما الجزء من الرأس الذي أمر برسمه.
وذلك دون أن يى هو بعينه ماذا يفعل.
إذ اللوحة والورقة مدارتان نحو الحضور لا نحو الرسام.
فينتج من هذا أشكال مضحكة حقًا أكثرها توفيقًا يحرز جائزة لصاحبها.
وأكثر الناجحين من الضيوف والغيشيات يفتتحان حفلة الرقص ويكونان المقدمين لكل شيء بعد هذا.
وقد كنت في هذا العشاء إلى جانب السفير وكان في جانبي الآخر شاعر لامع يشغل مركزًا مرموقًا في وزارة الخارجية فطلبت منهما إيضاحات كثيرة لشؤون كثيرة.
وطلبت فيما طلبت إيضاحات حول الغيشيات فعرفت : أن لفظة "غيشة" لفظة مركبة من كلمتين: أما غي فتعني فن.
وأما كلمة شا فتعني إنسان.
فيكون معنى الكلمة إنسان الفن، فنان، فنانة.
كأن تقول غي لغتنا أهل الفن.
قديمًا كانت المرأة اليابانية في العائلات العريقة لا تبدو امام زوار زوجها.
وكأن يلزم الرجل في اجتماعاته في ليالي السمر في الولائم والحفلات نسوة يقمن على خدمتهم والاعتناء بهم.
فصارت ربات البيوت يدبرن بعض البنات من بناتهم او أقاربهم على القيام بهذه المهمة فنشأت هكذا طائفة من النساء أطلق عليهن هذا الإسم.
ثم راحت مدارس خاصة تتعهد تعليم الفتيات أصول هذه الخدمة.
بحيث صارت تفرض مواد الدرس التي على أساسها تفرض الامتحانات.
وكان في طليعة هذه المواد العزف والغناء والرقص وتدبير المنزل وتحضير الطعام والشراب وتقديمهما واستقبال الضيوف ألخ.
.
.
فباتت هذه المدارس تخرّج الفتيات الغيشيات كما تخرّج مدارس الهندسة والطب والمحاماة المهندسين والأطباء والمحامين.
وباتت لا تؤخذ غيشية لخدمة عائلة إلىإذا كانت حائزة شهادة.
هذه المدارس ما برحت تعمل ولكن الراغبين في هذا الفن قد انحدرت منزلتهم، ومستوى هذا الفن قد تدنى.
حتى باتت الغيشيات نوعًا من الفنانات اللواتي تعرف.
منهن من يحافظ على رفعة شرف المهنة ومنهن من انحدر بها إلى أسفل.
وهكذا باتت الغيشيات الأصيلات في منازل العظماء.
ولا يرى رواد طوكيو غير الصنف الثاني منهن.
وقد ساعد على هذا الإنحدار ان المرأة اليابانية خرجت من حجابها وصارت تقوم بنفسها باستقبال ضيوف زوجها وإكرامهم.
حديقة بول كلوديل سبق أن قلت لك عن سمة حديقة القصر الغمبراطوري وموقعها في مكان رائع في المدينةز وقد تسنى لي اليوم، أن اطوف في انحائها برفقة السفير الذي تحفظ له كرامة كبرى في بلاده.
مشينا في دروبها ساعتين.
ولو شئنا أن نأتي عليها جميعًا لضاق بنا النهار.
غير أن مشينا في الدروب التي كان يحبها بول كلوديل ويصرف وقت فراغه فيها، إنها، حقًا، من أروع ما في الحدائق: سما وتنوع أرض وغرس.
فيها التلال المفتعلة والدروب المتعرجة والسواقي والجسور والاكواخ والأدراج وأحواض الزهور واسطبلات الخيول والساحات والميادين والبحيرات وبسطات العشب الأخضر والجدران المشقوعة شقعًا من الحجر المقصب الكبير الذي لولا لونه الأسود لكان يشابه بشقعه وحجمه الكبير من حجر القلعة في بعلبك.
أما الزاوية التي كان يقصدها كلوديل ليستريح فأجمل زاوية.
تلة تتعرج فيها طريق صعدية تلة ضيقة تغمرها الممار من كل جانب حتى كأنها نفق من أغصان تنتهي إلى مرجة خضراء تقوم من فوقها دارة حلوة كانت دارة إحدى بنات الإمبراطور التي اخرجت نفسها منها لأنها تزوجت برجل أعمال ليس من الأشراف.
في قلب هذه الحديقة قصر الإمبراطور.
قصر الحكم، قصر الضيافة، قصور أعضاء العائلة المالكة جميعًا، منازل الخدم، الكاراجات، اليواخير، وأكواخ وأبراج في الزوايا الجميلة.
لقد استطعنا أن نرى كل شيء إلا قصر الإمبراطور الذي يزنره حائط شاهق من حجر ودرجات.
عظماء الأرض عندما يقدمون إلى طوكيو ينزلون في قصر الضيافة الذي نزل فيه أيزنهاور وسوكارنو وغيرهما.
وتجرى المقابلات بين الإمبراطور وبينهم في قصر الحكم القائم في متوسط الطريق بين قصر الإمبراطور وقصر الضيافة.
وقد قال الدليل الظريف الذي كان يرافقنا عندما أشار غلى باب القصر من بعيد: "لا يفتح هذا الباب من الناس سوى الطهاة البارعين والبارعين في الجودو أولئك لتحضير طعام الإمبراطور وهؤلاء لحمايته.
" وعندما شاهدت السور العالي فهمت لماذا تقول العامة عندنا عن المتواضع المسكين ان حيطه واط.
هذا القصر حرق في الحرب دون القصور والدور جميعًا المحيطة به.
وغن عمال التعمير أخذوا ببنائه على نسق جديد.
في أثناء تجولنا في حديقة القصر رأينا أسرابًا من القرويات في ثياب العمل الحقلي، أسرابًا داخلة وأسرابًا خارجة.
فقال لنا الدليل: "إنهن قرويات يتطوعن للعمل في حديقة القصر خدمة للإمبراطور وتبركًا بارضه".
أمجاد المدينة على مرتفع من أرض المدينة ، ليس بعيدًا من الفندق الذي نحن فيه، وفي جوار بعضها البعض الآخر، مجلس الديانة، المكتبة الوطنية، جامعة القديسة صوفيا والمدينة الرياضية، ونصب قتلى الحرب.
لا أعرف مدينة في العالم مثل هذه المدينة تجمع في ربعة صغيرة من أرضها أمجاد المدينة جميعها.
أما مجلس النواب فقد حرص اليابانيون على أن تكون جميع المواد التي استعملت في بنائه من أرض يابانية أو من صنع ياباني.
على أن يجمع خير ما في الأقضية اليابانية من مواد.
مثل البلاط المستخرج من هيروشيما وهو الأفضل في البلاد.
وأن يكون أعظم بناء وأرفع بناء.
لأنه يرمز إلى الشعب الياباني (علو قبابه 225 قدمًا) وأما المكتبة الوطنية فقد صممت على هندسة قصر فرساي في فرنسا.
ومد امامها حدائق الخضرة والزهور.
فبقي أن نصب قتلى الحرب يرمز ببساطة إلى اليطولة والشموخ.
وهو يقوم حول عمود يناطح السحاب.
وتمتد المدينة الرياضية التي يتسع بناؤها الأساسي لمئة ألف متفرج جالس بين الحدائق التي تحتضن الملاعب على أنواعها.
وهي مترامية الأطراف.
حفلة الشاي وترتيب الزهور وقد دعينا إلى حضور حفلة شاي يرافقها ترتيب الزهور.
أما حفلة الشاي فتقوم على مراسم متناهية الدقة والتباطوء المقصود.
وكل بادرة تؤتيها طابخة الشاي تعني شيئًا معينًا أو ترمز إلى شيء معين.
يكفي ان تعرف مثلاً إذا قدّم لك الشاي في فنجان عليه صور ورسوم وجب ان تدير وجهه المصور ناحية المضيفة وهذا إكرامًا لها.
لانك هكذا تتيح لها أن تتمتع بالنظر إلى التصاوير التي بعد أن تفرغ من احتساء الشاي وعند آخر جرعة وجب ان تطلق شرقة كبيرة تسمعها المضيفة عاليًا فتسر لانك استطيبت شايها.
وأما ترتيب الزهور فهو فن من الفنون تعنى به الصينيات أكبر عناية.
كيف تاخذ الزهرة بيدها؟ كيف تقص من غصنها؟ كيف تسقط بعض اوراقه؟ ثم كيف تلويه يمنى ويسرى قبل أن تضعه في مكانه من الوعاء.
فإن شرحه يطول.
غير أن ما لا شبه فيه هو ان المزهرية بعد أن يتكامل عمل شك الزهور فيها تبدو زكأنها لوحة من لوحات أهم الرسامين وقد لحظت أنهم يتجنبن أن تحذو زهرة زهرة اخرى من أي ناحية من نواحي النظر إلى المزهرية.
تأكل معنا العصافير وقد تناولنا ، اليوم، طعام الغداء في حديقة يابانية فائقة المثيل فأكلت معنا العصافير.
هذا المشهر من أنس العصافير لم أر مثيلاً له إلا في اسطنبول.
إذ كانت تحط بيننا لتشرب من نوافير المياه في حديقة الفندق على ضفاف البوسفور.
غدًا في المساء سنترك طوكيو إلى الولايات المتحدة الأميركية وساترك شيئًا من قلبي على حجرها الأسود.
  مقالات متفرقة
لم يجمع اللبنانيون مرة كاجماعهم على ان لبنان لا يمكن ان يكون من دون ديمقراطية.
فايماننا جميعا راسخ في هذا المجال، وانطلاقته يجب ان يقترن الفعل فيها بالقول.
وبدء الانطلاقة هو في الامور التي يعتبرها العامة من الامور الثانوية وتكون في واقعها واساسها الصحيح الدعامة والركيزة الاساسية لكل حياة ديمقراطية.
في المفهوم الديمقراطي، بقدر ما نعزز السلطة التشريعية بقدر ما تستقيم الديمقراطية وبقدر ما يكون وضع لبنان وضعا ديمقراطيا سليما يمكننا ان نتجرأ وننادي بديمومته، الا اذا افترضنا ان الديمومة تكون بافتئات السلطات على بعضها فالسلام على لبنان.
منذ الان نؤكد ان لا مجال لبقاء لبنان في العالم.
  لو احصينا ما طالب به هذا المجلس جماعيا وافراديا، لوازن ما طالب به النواب بشأن المخطوفين بالاطنان من وزن الصحف.
انني اعلم كيف ان الحكومة تهمل قضية المخطوفين، في اعتقادي ان السبب سياسة التراضي، لانه لن يسلم احد مخطوفا بالتراضي.
اما اذا كان لي من اقتراح على الحكومة الكريمة فان الذين يجتمعون في اللجنة التي تبحث قضية المخطوفين والتسليم والاستلام، فما على الحكومة الا ان تطلب من النيابات العامة ملاحقة هؤلاء المسؤولين لان القانون صريح يلاحق الخاطف والحاجز.
فعندما يكون هناك من يمثل الخاطف، فلماذا لا تدعي النيابة العامة على هؤلاء الممثلين في اللجنة لملاحقتهم.
لقد أصبح الوضع مخزيا ومثيرا للغاية، ويخلق التوتر عندما يقوم أهل المخطوفين بقطع الطرقات واثارة الشغب.
لذلك اطالب الحكومة بكل جدية ومسؤولية ان تنهي هذه القضية التي اعتقد انها توازي قضية الامن ولدى رئيس الحكومة من الحكمة والروية والاقدام خاصة اليوم في انهاء هذه القضية.
فالقانون الجزائي يقضي بالاشغال الشاقة المؤبدة للخاطف، لماذا لا يطبق هذا القانون؟ اذ لا يمكن للحكومة، ان تستعيد هيبة الحكم وهيبة المجلس والدستور الا بالخروج من هذا المأزق و بتطبيق هذا القانون.
الحمد لله على نعمة الوطن الذي وهبنا، وعلى منة اللقاء الذي أتاح لنا، وما اسبغ علينا من وفاق هو أساس البنيان، وجوهر الكيان، وعهد مقدس امام الشعب والتاريخ.
والتحية الى شعبنا الحبيب، الذي عانى اشد الالام وتكبد افدح الخسائر، وظل صامدا عالي الجبهة، ابيا متمسكا بأرضه، وتراث اجداده، مدافعا عن حريته وسيادته.
انني انحني بخشوع، امام تضحيات شهداء الوطن الابرار، من كل منطقة، ومن أي انتماء، وقد ادوا ضريبة الدم، وتركوا في القلوب جراحا لا تندمل، وفي المآقي دموعا لا تجف.
اذكرهم اليوم جميعا، واشعر بمقدار الخسارة التي مني بها لبنان، في طاقاته البشرية، وأشارك في الحزن الذي أصاب كل بيت وعائلة.
  لقد كنت دائما، وعرفتموني، في حياتي ومسلكي، رجل وفاق وتوفيق، اعمل لجمع الكلمة، وتوحيد الصف، وارفض التفريق، واعتبر اليوم ان رهان عمري هو انجاز المصالحة بين اللبنانيين، على اختلاف المشارب والاتجاهات.
فالمصالحة الوطنية لا تستثني احدا، حتى ولا اولئك الذين يصرون على استثناء انفسهم منها، المصالحة ملك الجميع، وتتسع للجميع.
انني أوجه دعوة حارة ملحة، الى كل اللبنانيين، اينما كانوا، للانضمام الى مسيرة السلام والبناء، تحت شعار الوفاق وتكافؤ الفرص، والعدالة والمساواة.
أدعو جميع القادة، والزعماء، والفاعليات، واصحاب المواقع والمواقف، لان يستوحوا مصلحة الوطن العليا، ويستلهموا ضمائرهم، فيضعوا ايديهم في يدي، واكتافهم الى كتفي، لان الحصاد كثير، والفعلة قليلون، مهما كثروا وابتهل من الاعماق الى رب الحصاد، لكي يرسل فعلة لحصاده.
وليعلم كل واحد منا، انه سيظل ناقصا، اذا اصر على البقاء وحده، ورفض اخاه، وتنكر له، وانكر عليه دوره في الخدمة.
ففي صدر الوطن واحضانه مكان للجميع، ونحن اليوم احوج ما نكون الى دفء الوطن وفيئه، في صقيع الزمن وصحراء التجرية.
ان الوطن بحاجة الينا، فلنضع حدا نهائيا للعنف والاقتتال، وليكف الجميع عن الاحتكام الى السلاح، ولنعد الى الكلمة السواء.
فمن حق شعبنا أن يستعيد فرح الحياة، ومن حق اطفالنا ان يولدوا في اجواء الامن والحرية والسلام، وان نعيش كلنا في هناء وصفاء.
  ان دور المؤسسات الدستورية والوطنية يأخذ ابعادا متجددة في جمهوريتنا، وضمن اطار نظامنا الديمقراطي البرلماني الحر، الذي يلائم طبيعتنا وينسجم مع الشخصية اللبنانية، وها نحن بعد خمسة عشر عاما من القتل والتدمير، بحاجة الى التقاط انفاسنا، وجمع طاقاتنا لفتح صفحة المستقبل، وسنعمد الى تأليف حكومة الوفاق الوطني، التي تضم العائلة اللبنانية، فتعيد وصل ما انقطع، وتوحيد ما تقسم.
واذ أشدد على أهمية الدور الذي ستضطلع به مؤسساتنا الامنية من جيش، وقوى أمن داخلي، وامن عام، فاني استجيب لعاطفة متأصلة في نفسي، واعلن ثقتي الكاملة بجيشنا اللبناني، مدرسة الشهامة والمناقب، المدافع عن الحق، والملتزم واجبه الوطني.
  ان الهموم اللبنانية اكثر من ان تحصى، واني لست هنا بصدد تعدادها، ولكن ثمة أولويات لا بد من التركيز عليها، فالمسألة الاساسية هي جمع اجزاء الوطن، جزءا جزءا، واستعادة السيادة عليها، واحلال السلام فيها، واكثر ما يلح علينا في هذه المرحلة، ازالة الاحتلال عن الجنوب، بتنفيذ قرارات مجلس الامن الدولي، لان الامعان في العدوان على حق الشعوب بالسيادة على ارضها، يتعارض مع ابسط قواعد القانون الدولي، ويتحدى المجتمع الانساني بأسره.
  ان علاقات لبنان الخارجية، يجب ان تعود الى سابق صفائها، يجب ان تزول الاسباب التي عكرت بعضها، وادت الى انقطاع بعضها، ويجب ان تعود بيروت مركزا للمؤسسات الاقليمية والدولية، وللبعثات الدبلوماسية، والممثليات العالمية.
  الظرف عصيب، ولبنان اليوم مهدد، أكثر من اي يوم مضى، بعظيم الاخطار واللبنانيون قلقون على المصير، حائرون يتلمسون الخلاص حينا وتخيب آمالهم احيانا.
خيار اللبنانيين بين وحدة لبنان وشعبه ومؤسساته وبين تقسيمه واقتسامه وشرذمته وزواله، وقد اخترنا باسمهم الوحدة.
وخيار اللبنانيين بين بناء مجتمع العدالة المتطور ديمقراطيا وبين الاستمرار في الاقتتال العبثي وتسعير الاحقاد واذكاء روح التعصب والتفرقة، وقد اخترنا باسمهم البناء ووقف التدمير والهدم.
وخيار اللبنانيين بين نظام ديمقراطي مصدر سلطاته ارادة الشعب اللبناني وبين انظمة الديكتاتورية حيث لا قيمة للانسان وحرياته وحقوقه، وقد اخترنا باسمهم النظام الديمفراطي الحر.
وخيار اللبنانيين بين دولة المؤسسات الحديثة ذات الصلاحيات الواضحة والمسمؤوليات الناتجة عنها بحيث يطال القانون كل اللبنانيين مهما علا شأنهم، وبين الدولة السائبة التي تتضارب فيها الصلاحيات وتضيع في طياتها المسؤوليات.
.
.
فلا من يحاسب او يعاقب مما يجعل المقدسات الوطنية والاموال العامة وحقوق المواطنين عرضة لكل طامع وفاسد، وقد اخترنا باسمهم دولة المؤسسات.
وخيار اللبنانيين بين دولة تقوم على الاخلاق والكفاءة وبين دولة تقوم على المحسوبية وانعدام الاخلاق، وقد اخترنا باسمهم دولة الاخلاق.
وخيار اللبنانيين بين دولة تحقق العدالة الاجتماعية الشاملة على أساس الانماء المتوازن للمناطق وبين دولة الحرمان والاجحاف والتمييز بين المواطنين وقد اخترنا باسمهم دولة العدالة.
وخيار اللبنانيين بين أن يبقى قسم كبير وعزيز منهم مهجرا ضمن وطنه او مهجرا خارجه وبين ان تحل قضية المهجرين اللبنانين جذريا فيعود كل منهم الى المكان الذي هجر او هاجر منه ليعيش فيه بأمان وكرامة وحرية، وقد اخترنا باسمهم عودة المهاجرين والمهجرين.
وخيار اللبنانيين بين ان نبقى دولة عاجزة عن بسط سلطتها على كامل اراضيها وبين ان نسرع ببناء قواتنا الشرعية الذاتية لنستعيد قدراتنا على بسط سلطة القانون ونستغني عن اي وجود عسكري غير لبناني، وقد اخترنا باسمهم بناء الدولة القادرة على بسط سلطتها على كامل اراضيها والا تبقى مرتفعة في لبنان سوى البندقية الشرعية اللبنانية.
وخيار اللبنانيين بين ان نتنكر لتراثنا في الانفتاح والتفاعل الحضاري ولدورنا الطليعي في محيطنا فنعيش منعزلين متقوقعين اسرى الهواجس والاوهام، وبين ان نتفاعل مع عائلتنا العربية ملتزمين قضاياها المصيرية ومواثيقها، وقد اخترنا باسمهم تعزيز انتمائنا العربي المتوافق مع تاريخنا وتطلعاتنا الوطنية والمتلاقي مع العاطفة العربية الصادقة التي تجلت في الجهود المشكورة التي تبذلها اللجنة العربية الثلاثية العليا باسم العرب جميعا وفي الضمانات التي قدمتها لحسن تنفيذ وثيقة الوفاق الوطني، خصوصا في الشق المتعلق باستعادة السيادة الوطنية واعادة اعمار لبنان.
  مما لا شك فيه ان لقضية المخطوفين أهمية قصوى، نظرا لان هذه القضية لا تزال تتفاعل يوميا، خاصة وان هناك من يخطف ونجهل مصيره حتى اليوم.
وكنا دعونا الحكومة، بواسطة الاعلام، لانه لم يتسن لنا حتى اليوم مواجهة الحكومة في المجلس النيابي، فدعونا الحكومة الى الانتهاء من وصمة العار هذه، فمن غير الجائز ان تستمر هذه المهزلة التي تصيبنا يوميا والتي تستغل يوميا لتعكير الاجواء الامنية والسياسية.
لقد آن الاوان ان تتخذ حكومة ما يسمى بحكومة الوحدة الوطنية ان تتخذ قرارا لملاحقة الخاطفين وليس ان تتخذ قرارا بالافراج عن مخطوفين، واننا نأمل أن يصدر مرسوم اشتراعي والحكومة ما زال لديها امكانية اصدار المراسيم، مرسوم اشتراعي يعلق فيه تطبيق قانون العقوبات اللبناني، فانه من غير الجائز أن يلجأ من ينتسب الى هذه الحكومة الى الوزراء بالذات من ميليشيات وتنظيمات حزبية مسلحة، ان يلجأوا الى ممارسة اعمال الخطف بحق الابرياء.
فاما ان تعلقوا قانون العقوبات اللبناني، واذ ذاك تسود شريعة الغاب فعلا وقانونا، واما ان يطبق هذا القانون وتلاحقون الخاطفين ايا كانوا وتخلون سبيل المخطوفين.
  ان المواطن اللبناني بلغ بنتيجة التدهور الامني وفقدان الثقة السياسية بهذه الحكومة بالذات، بلغ حد طلب لقمة العيش الكريمة فقط، طلب الامن على حياته كي لا يسرق ويقتل، لكي يتمكن من العيش الكريم.
اني اسأل بهذه المناسبة ما هي التدابير التي لجأت اليها الحكومة حتى الآن لمعالجة هذا التدهور الدراماتيكي في امكانية تلبية الحاجات الاجتماعية للعائلات اللبنانية، فاما انكم تشجعون الناس على السرقة لتمكينهم من توفير حاجات عائلاتهم، واما ان تواجهوا هذه الازمة فتضعوا حدا لهذا التدهور وانتم قادرون في حال توحدتم وفي حال ظهرتم للرأي العام فريق عمل موحد منسجم مؤمن برسالته وبالمهمات الملقاة على عاتقه.
  من صفات الشرق عامة ومنطقة العرب خاصة انها تتعاطى السياسة بالعاطفة والتعاطي بالامور السياسية وقد اصبحت حتى في البلدان المتأخرة، علما يقاس كما تقاس الارقام، ونحن منذ عشر سنوات نقيس الامور بالعاطفة، العاطفة حملتنا الى البكاء والتباكي وعند ذلك يصبح بلدنا حائط مبكى للعالم، حتى ان العالم اليوم لا يهمه ما يحدث في لبنان، ومجلس الامن عنده الخير اليقين.
لنتجرد لمرة من العاطفة ونقول رأيا عقلانيا بدءا بقضية المخطوفين، فمن خطف ولمن ومن يمثل الخاطفين ، اذا كانوا خارج الحكم، فنحن والحكومة عليهم سواء، اما وانهم داخل الحكم حماة الخاطفين وممثلوهم، فقبل ان نعاقب ونطلب تغيير أو الغاء او توقيف قانون العقوبات يا حضرة الزميل، فلنتجه الى معاقبة حماة عدم تطبيق القانون الذين هم الحامون للخاطفين.
لكن نرى ان هناك اكثرية في الحكومة لا شأن لها بالخاطفين ونريحها ان نحن اعتمدنا وقررنا ان نحاسب حماة الخاطفين، فتعالوا من باب الواقع نتفاهم والحياديين في قضية المخطوفين في الحكومة كما يراد ان يكون الامن بالتفاهم والتراضي.
لا يمكن ان يكون، والحكم على ما هو عليه اليوم الا وان يكون الامن بالتراضي والتوافق بين اعضاء الحكومة.
ومشكلة المخطوفين هي جزء من كل في الوضع العام لهذا البلد.
  من خلال ما وصلنا اليه من انخفاض في قيمة الليرة اللبنانية ادت الى أوضاع اقتصادية ومعيشية مرعبة.
ولا ابالغ اذا قلت ان الشعب اصبح بأكثريته في حالة جوع وعوز.
فان ما يطالب به البعض من عمال في البلدية او موظفين في شركة طيران عبر المتوسط وانصاف غيرهم من الموظفين ان في القطاع العام او الخاص ليس الا القليل حيث يتوجب على الحكومة اصدار مرسوم يمنع الصرف من الخدمة او العمل ومنع اخلاء المأجور في الظروف الحاضرة.
لان المستأجرين بغالبيتهم هم من الذين ينتمون الى الطبقة العاملة والذين يتقاضون مرتبا لا يكفيهم مدة عشرة ايام من الشهر.
لذا اطالب بمنع الصرف من العمل وكذلك اطالب بانصاف عمال البلدية وموظفي وعمال القطاع الخاص.
  تعودت طوال سنين عديدة ان اتكلم واترافع في ظل القانون وهذه المرة اريد ان اتكلم دفاعا عن القانون.
ذكر الزميل الدكتور البير مخيبر ان على النيابات العامة ان تتحرك وهذا كلام جميل يرد دائما في الصحف ويقع في اذهان الناس، فيظن القارىء او السامع انه عندما تتحرك النيابة تتحقق العدالة.
عمليا كيف تتحرك النيابة؟ ورقة مطبوعة تقول: مدعي عام الاستئناف من محكمة ندعي على مجهول دائما منذ عشر سنوات الادعاء على مجهول والخوف ان يصبح هذا المجهول معلوما.
يتحرك النائب العام بالادعاء على مجهول وفقا للمواد من قانون العقوبات الذي يطلب ايضا احد الزملاء القانونيين الغاؤه.
فتحرك النائب العام يجب ان يفهمه الناس، انه ورقة موقعة باسم مجهول فأين تكتمل العدالة.
عندما يصبح هناك قوة تنفذ القانون، يعني يتحرك النائب العام يصدر مذكرة التوقيف يحملها جندي يحمل سلاح الدولة ويتوجه الى مغارة المطلوب فيلقي القبض عليه ليمكن القاضي وينفذ حكمه، العدالة لا تقوم على نقص في كتاب وعلى مادة في قانون، العدالة ان المجتمع يعيش في ظل القوة التنفيذية القادرة التي هي اقوى من كل مسلح والتي اذا تصدى لها سلاح غير شرعي تسحقه سحقا، هذه هي العدالة، وهنا يعيش الناس في مجتمع، اين نحن من هذا؟ اذا كانت النظرية الحاكمة، انه يجب ومن الحكمة ان لا تقع مواجهة بين قوات الدولة الشرعية التي تحمي المجتمع وبين المسلح، فقد تعطلت الاركان الاساسية للدولة للمجتمع.
من هو المسلح؟ المسلح هو الذي يقتل ويسرق والمسلح الذي يقطع الطرق وينهب الناس، هذا هو المسلح؟ فاذا كنا قد اعطيناه التطمين ليكافح انه لن تقع مواجهة بينه وبين قوات الدولة فانخلي يا ام عامر قيل: ان رجلا سرق الطحين وبدأت امرأته بالعجن والنخل، واذ جاء شرطي الامير وقال لها: الامر ينقضي دائما عند العرب شعرا عاطفيا او غير عاطفي.
اذا عزبوني جئتهم بدقيقهم، وان حلفوني فانخلي يا ام عامر.
نحن نحلف ولا نعاقب، ونخل ام عامر مستمر.
ان المخطوفين يا سيدي ،هم العذاب الاكبر، اقول فيه لا هو حي يرزق ولا هو ميت يسجى، فأي عذاب للامهات في القلوب، واذا كان لا يزال حيا اي عذاب يلاقي على اني ارى ان السلطة تتبع طريق الحكمة في ذلك.
ما الفائدة ان نعمل على الاتيان بعشرة من المخطوفين ونحن كل يوم نزود اماكن المخطوفين بالعشرات وارى من الحكمة انهم يتريثون الى ان يكشف المجرى عن سقف الناس الى حيث المخطوفين.
هناك تجتمع جماعات المخطوفين، فاذا جئنا بهؤلاء فماذا نعمل بالذين يأتون اليوم او غدا.
فنحن ننتظر لنحل المشكل مرة واحدة.
واني اتساءل كم يجب ان تكون واقعة هذه المغاور أو السجون او الدهاليز التي يدكونهم فيها، كان الله بعونهم وفي عوننا.
اما الغاء قانون العقوبات فقد تم عمليا وتكرس رسميا، لقد وقع في هذه الحرب الاف القتلى ولكل قتيل قاتل ولسنا في كل مرة امام قاتل مجهول، الخاطف ليس مجهولا لاننا نتطلب منه احيانا المخطوف فنتفاهم معه ونتكلم معه نحن سبب الخطف ونستلم المخطوف اذا وفقنا، يعود هو الى منزله ونعود نحن الى البكاء على الاطلال.
  نحن جنود لبنان ونحن اوفياء للوطن والدولة والشرعية، واوفياء لهذا المجتمع الذي اذا خيل لقسم منه او بعض فئاته انهم بالغاء الفئات الاخرى يستأثرون بالحصص مجمعة الا فليعرف انه اذا قسم كائن حي فانه يموت ولا يبقى منه شيء لاحد، اذا خيل لمتوهم انه يستطيع ان يأخذ رأسا من هنا وذراعا من هناك، الا فليعلم ان ما سيحصل عليه لن يكون سوى اشلاء في جثة لا بد ان تنتن وتهترىء، فاما ان يكون لبنان كله لجميع اللبنانيين واما ان لا يكون شيء لاحد.
لنجهر في هذه الوقفة وفي هذا الموقف بوجه الذين ينكلون اليوم بلبنان من الداخل ومن الخارج، ولنصمم على ان لا نتراجع عن شهادتنا فتكون تلك بارقة الامل في عودة لبنان الذي تبتلعه الامواج شيئا فشيئا.
  يقولون ان الهيمنة ولية الدستور فقلت ما هي صلاحيات رئيس الجمهورية؟ في العرف والنص والفقه، جميع قرارات رئيس الجمهورية يجب ان يوقع عليها وزير واتى الشرع واستمر على الاطلاق ان يسبق توقيع الوزير بتوقيع رئيس الوزراء او ما عبر عنه بالوزير الاول.
يقولون ان الدستور لا يؤمن المشاركة.
فيا غيرة الدين، ويا قميص عثمان.
الدستور ومفهومه واحكامه واعرافه تحصر جميع الصلاحيات بمن يتحمل المسؤوليات.
ينتج عن ذلك ان رئيس الوزراء هو الاول في تحمل المسؤولية ويتبعه الوزراء، ورئيس الجمهورية ليس في مجلس الوزراء الا صمام امان، حكم، اذ ان الوزارة يمكن ان تكون لحزب او لاكثرية مجلسية، ومركز رئيس الجمهورية لكل الوطن ولجميع الناس، فهو يكون صمام امان ليكون محل الغائب عن مجلس الوزراء، فيوجه حتى يستقيم الحكم، لا اكثر ولا اقل.
واذا ما اصر الوزراء ورئيس الوزراء على امر، عليه ان يحضر ويحتكم الى المجلس النيابي، والمجلس يحكم بينهما، فاما ان يستقيل واما ان يقال واما ان يحل المجلس فيعاد الانتخاب.
ونحن نعلم في التاريخ ان الشعب كان دائما في اغلب الاحيان مع المجالس التي حلت.
"وغامبيتا" مثله مع اشهر رئيس جمهورية، اول رئيس جمهورية في الجمهورية الثالثة "ماك ماهون" معروف: واذ "بماك ماهون" خضع ومن ثم اعتزل.
هكذا حكمنا ايها الزملاء.
يقولون الدستور ورث الحرمان، فنقول الدستور فرض العدالة، فرض المساواة، ليس فقط بين الافراد، انما بين المناطق.
فاذا بنا منذ 1943 نعهر الدستور واحكامه، فنوزع الاعتمادات دون عدالة ودون مساواة حتى ان المتنفس الوحيد اي الدستور اصبح كبش الفداء، هذا الدستور الذي لا ناقة له ولا جمل بما صنعت ايدينا وقلة مطالعاتنا وقراءاتنا.
نحن قوم بأكثريتنا لا نقرأ، واذا قرأنا لا نفقه، واذا فقهنا فبغير ما فقهنا نعمل، لان رائدنا مصالحنا الشخصية لا شعورنا الوطني.
وهذا كلام صادق، يجب ان نعترف به ونردده كل يوم اناء الليل والنهار.
قالوا الدستور والقوانين قسمت الجيش، فأوجدوا المادة الخامسة في قانون الدفاع، وارادوا ان يفهموا منها ان امرة الجيش تنحصر في رئاسة الدولة.
فأقول ان كان هذا النص وجد عندنا بقانون، ففي فرنسا كرمى لعيون "ماك ماهون" وجد في الدستور.
فأتى فورا المجلس النيابي والفقه الدستوري ليقول: هذا قول مخزي، لان رئيس الجمهورية لا يملك اطلاقا امرة الجيش، وامرة الجيش محصورة بالحكومة، برئيس الحكومة ووزير الدفاع ثم بعده بمجلس الوزراء.
غابت عنا هذه المفاهيم، فاذا برؤساء الجمهورية يصنعون من الجيش جيوشا خاصة، وقد استمرينا على هذه البدعة حبا بالجيش من أيام المرحوم، المغفور له فخامة الرئيس فؤاد شهاب، الذي بنى الجيش على احسن ما يبنى، فحبا به جيره الى نفسه فأصبح عادة.
  انتهينا من الخصوصيات، اقول مفاهيم عامة.
قالوا ان دستورنا فيه احكام طائفية، والطائفية مقيتة.
واذا ما رجعوا الى الدستور، نرى ان عدم فهم الدستور، وعدم قراءة الدستور، تسخير الدستور بعدم تطبيق الطائفية، كما فرضها الدستور، وكما يجب ان تفرض، جعلتنا نقع بهيمنة التطييف والطائفية.
اذ ما معنى الطائفية في الدستور؟ يقول الدستور اذا ما قضت الحاجة عادة، الا اذا خولفت احكام منفعة الوطن.
وبما ان الدستور فرض المساواة والعدالة، فنرى ولسوء الحظ ما نرى، كان بودنا ورغبتنا واصرارنا ان نستغني عن الطائفية، من هرم الدولة حتى اسفل الهرم لو كان عندنا احزاب سياسية برلمانية تحمي المواطن من هيمنة الطوائف على بعضها البعض، حتى تقيض لنا قوانين انتخابية ترتكز على اساس احزاب سياسية، فلا بد الا ان نطبق الطائفية في الدولة، ليس فقط في وظائف الفئة الاولى، انا اقول في جميع الوظائف من ذروة الهرم حتى اسفله، ولكن على ان تؤمن العدالة وان تكون المناصب مداورة كما اقرت في عهد فخامة الرئيس سليمان فرنجية، وعندها نرى ان كل من ينادي اليوم بالغاء الطائفية، سيتبنى الطائفية لانها تحفظ استمرارية الوطن مؤقتا وعلى مضض، ريثما تهيء لنا قوانين انتخابية صحيحة.
  الدستور، اياكم ان يمس الدستور، ونرى بعض الامور، فنقول عنها انها امور صغيرة لا تستأهل والضرورة لها احكام فنصوت على الموازنة بمادة وحيدة خلافا لنص صريح واضح.
ثم في قانون الموازنة، العلم المالي ومفاهيم الدستور الديمقراطية لا تجيز وضع اي مادة تخرج عن نطاق احكام تنفيذ الموازنة.
ماذا يتم؟ نهرب القوانين عن طريق لجنة المال والموازنة من امام مجلس النواب بالذات فنحرمه، ان صوتنا على الموازنة بمادة وحيدة نحرمه حق مناقشة هذه القوانين والتوقف عندها، فعلتنا يا سادة.
.
.
لا من المؤامرات الخارجية، علتنا بأنفسنا، نحن استأ هلنا الحالة التي وصلنا اليها؟ فاذا اردتم يا دولة الرئيس والكلام لك ولدولة رئيس المجلس النيابي ان تتداركوا الامر ولو في آخر الطريق فتعمدوا الى فرض عقد لجان دائمة للتباحث في امر توقيع وتعديل وانشاء دستور مستقى من احكام الدستور الحالية فتستقيم الامور ويعرض على الحكومة، فان قبلت به، كان بها والا وجب علينا ان نحجب الثقة، والا وصلنا الى ما لا نريد ولا نشتهي، لاننا بالفعل لا نستأهل الديمقراطية، ولا نستحق وطنا وحذار ان يكون في هذه الايام بالذات في ايام المحن ان نعمل على تسهيل ما سموه بالمؤامرة والتي نحن بدأنا بتسهيل دخولها من ابوابنا وافواهنا وعقولنا، فبيدنا تشاريع في اساسها ومفهومها، واحكام، هي لؤلؤة الاحكام الديمقراطية في العالم ثم حذار ان نصل الى الندامة فنضيع ونضيع الوطن ولا نستأهله   نعلم ان صلاحيات الدولةممزقة.
فاذا كان رفع الحد الادنى للاجور يحتاج الى مرسوم، فهناك تشريعات تتطلب مرسوما مع العلم ان معظم الصلاحيات في ما خص الوزارات يمارسها الوزير.
واذا كان لها علاقة بمالية الدولة يوافق عليها وزير المالية.
واذا كانت تتعلق بالسياسة العامة تتطلب مرسوما من حيث المبدأ.
اما عندما يعطي المجلس النيابي صلاحية للوزير، فيمكن لوزير العمل بموافقة وزير المال رفع الرواتب.
لان هذه السياسة مفروضة من زمان، لان كلما تقرر رفع الحد الادنى للرواتب، هناك لجنة مؤشر تحدد ذلك.
يعدل الاقتراح وتعطى الصلاحية لوزير العمل.
  اعداد مزارعين مهنيين وتدريبهم عمليا على احدث الاعمال الزراعية في حقل أو أكثر من حقول الزراعة وتربية الحيوان وفن العمل في المختبر، لرفع مستواهم المهني واعلامهم عمليا بالمستجدات في حقل الزراعة التطبيقي، وذلك بتنظيم دورات تدريب تتراوح مدتها من الشهر حتى السنة.
وتحدد بقرار من وزير الزراعة، بناء على اقتراح مصلحة الشؤون الفنية المشتركة في وزارة الزراعة، مناهج التدريب وموعد اقامة الدورات ومدتها ويعطى الناجحون في هذه الدورات شهادة التدريب المهني الزراعي.
يمكن قبول اشتراك المزارعين البالغين في دورات تدريب خاصة بهم، تدوم شهرا واحدا على الاكثر، لتدريبهم عمليا على أحدث الاعمال في مختلف حقول الزراعة وتربية الحيوان قصد رفع مستواهم المهني، ويعطى المشتركون في هذه الدورات افادات تثبت اشتراكهم.
تجري دورات التدريب على اختلافها في مراكز المدارس الزراعية الثانوية في المحافظات، وتتولى ادارة المدرسة الزراعية والهيئة التعليمية فيها اعداد وتنفيذ مناهج هذه الدورات ويمكنها لهذه الغاية الاستعانة باخصائيين من القطاعين العام والخاص وذلك بموجب قرار يصدر عن وزير الزراعة يحدد شروط هذه الاستعانة.
  كلنا يقدر اهمية الزراعة خاصة في بلد كلبنان، وبصورة أخص في هذه الظروف التي نجتازها حاليا.
ولذلك يتوجب علينا أن نقوم بتخصيص كل ما تحتاجه الزراعة من مشاريع واموال بغية استغلالها وعلى أحسن وجه، ذلك لان هناك أراضي كثيرة غير مستغلة الاستغلال الصحيح بحيث لا يجوز ان تبقى هذه الثروة مهدورة والى ما شاء الله، واظن بأن افضل استثمار هو الذي يوظف في سبيل التحصيل والعلم.
لذلك نحن أحوج ما نكون الى مثل هذه المدارس وفي هذه الاوقات بالذات من اجل توفير الخبرات العلمية والمادية والتقنية لهؤلاء الفتية والناشئين من اجل اولا أن نشد الناس للبقاء في القرى وبالتالي للعمل في الارض حتى يكون انتاج كل ذلك مما يساهم في زيادة الدخل الوطني.
  وزارة الزراعة ليس لها وجود في هذه الايام.
لكن لا نستطيع ان ننكر ان وزارة الزراعة من قبل سنة 1975 كانت تعطي نتائج ملموسة هي والمشروع الاخضر.
اعطت مشاريع وانتاجا طيبا.
وما يطالب به اليوم بعض الزملاء بانشاء مدارس زراعية والبعض الآخر يقول ان المال غير متوافر، فهذه ليست مشكلة.
فعلى المجلس ان يشرع وسوف يأتي يوم يتوافر فيه المال لانشاء هذه المدارس، عندما تقر هذه المشاريع فعندها نقول ان هنالك وزارة زراعة بالفعل.
يجب ان نعتني اليوم بوزارة الزراعة أكثر من كل الوزارات.
  بالنسبة الى موضوع الامتحانات الرسمية والى ما قاله معالي وزير التربية اعتقد اننا مررنا بتجربة اشار اليها معالي وزير التربية.
فيوم خفض المعدل الى خمسة على عشرين اعلن وزير التربية ان هذا اليوم هو يوم حداد تربوي ولا يجوز من الان وصاعدا ان نلجأ الى حدوث المزيد من القضايا التربوية، ومن هذا المنطلق اجرينا الامتحانات فيما بعد وكانت شبه سليمة بنسبة كبيرة .
ولا أريد أن أعود الى الاسباب او الى الذي حدث.
نحن كمجلس نيابي مسؤولون عن محاسبة الحكومة عن اعمالها.
اذا لم يبلغ وزير التربية بحصول مخالفات جماعية حصلت في مراكز معينة، فقوله بأنه لم يبلغ وبأنه لا يصنع النتائج هو قول سليم ولا يجوز التحقيق فيه.
كان يفترض باللجان الفاحصة ان تبلغ وزير التربية بحصول مخالفة ليتخذ الاجراء الملائم في هذا الشأن بالنسبة للموضوع هناك تلامذة موضوعهم لم يبت اصبحنا في شهر نيسان وموضوعهم لم يبت وعدد التلاميذ الذين انتسبوا الى الجامعات ضئيل جدا هذا اذا كان وما يزال يوجد احد منهم.
وهنا اسمح واقول لنفسي بأن هذا الموضوع عولج معالجة سيئة فتعطلت سنة على ابنائنا.
وبعد ان بحثنا مع وزارة التربية ولجنة التربية ألنيابية، بحثنا مع اجهزة الوزارة ما اذا كان بالامكان اجراء دورة لهؤلاء التلاميذ فكان الجواب بأن لا امكانية لديهم لذلك.
بالنسبة الى تخفيض المعدل كما حصل سنة 1679 رفضناه كليا في لجنة التربية النيابية ورحنا نبحث عن حل يحفظ المبدأ وذلك بأن لا يترفع التلميذ الا اذا نجح ولا يترتب له اي حق الا اذا نجح دون ان نسد ذلك في وجه التلميذ.
أنا أريد ان اقول ان ما توصلت اليه لجنة التربية النيابية، لو كان لي ولد في وضع من اوضاع التلميذ فأنا أكسر له رجله ولا اتركه يدخل الجامعة دون ان يحصل على الشهادة.
اي البكالوريا القسم الثاني.
ان ما قدمته لجنة التربية النيابية هنا ليس الا ترضية معنوية وانا هنا اريد ان اسجل بانني ارفض كلمة توازن بين هذه المنطقة او تلك المنطقة.
القضية التربوية هي قضية علمية واذا خرجنا بها عن المبادىء الاساسية التي ترعى مبدأ الكفاءة في الاساس لاعطاء الشهادة نكون قد خالفنا هذه المبادىء.
ما اقترحته لجنة التربية النيابية من حل لا يورط وليس على حساب المبادىء التربوية، انما هو افساح في المجال وترضية معنوية، وبالرغم من انني وافقت مرغما على هذا الاقتراح، كنت اقول بانه حرام على اي أب أن يوافق ابنه على دخول الجامعة وهو بعد لم يحصل على البكالوريا القسم الثاني.
وهي قضية معنوية.
لذلك فان الاقتراح الذي تقدم به الزميل الدكتور ألبير مخيبر، جاء الاقتراح وكأنه لا يفيد أحدا واذا كنا نريد اقراره لعشرة طلاب يا معالي الوزير فأنا اعتبره خروجا على القاعدة.
والذي يصير عشرة يصير الفا ويصير الفين.
وما دام اننا سنطلع بنتيجة انه لا يترتب اي حق لهذا الطالب من دخول الجامعة الا بعد استحصاله على البكالوريا القسم الثاني في السنة الاولى أو الثانية انا اعتبر اننا لم نخرق المبادئ التربوية والتي يعرف الرئيس الحص كم ناضلت وضحيت في سبيل المحافظة عليها سواء في البيت أو عندما كنت في وزارة التربية.
الرئيس: حضرات الزملاء الكرام،
اعتقد ان هذا الامر بما فيه الكفاية، هناك اقتراح باعادة الاقتراح الى اللجان المختصة.
  هناك طلاب دخلوا الجامعات سواء في الداخل أو في الخارج، وهناك طلاب لم ينتسبوا لاي جامعة، فيا دولة الرئيس، دعنا نميز بين هذين النوعين من الطلاب.
الذين دخلوا الى الجامعة في العام الدراسي 1986 و1987 دعنا نصدق هذا الاقتراح من اجلهم:
دعونا نثبت لهم هذا الحق، على ان نبحث موضوع التلاميذ الذين لم ينتسبوا الى الجامعات في اللجان.
بطرس حرب: نحن نرتكب جريمة بحق الطلاب اذا نحن اجلنا بحث هذا الموضوع.
ان المجلس يمثل ارادة الشعب اللبناني، فأما ان يقول للطلاب انتسبوا الى الجامعة على أن تحصلوا على البكالوريا القسم الثاني في ما بعد أو ان يقول لا يحق لكم الدخول الى الجامعة.
يجب أن تنتهوا من هذا الموضوع ولا تؤجلوا بحثه.
حرام عليكم أن تخربوا بيوتهم.
قولوا لهم لسنا موافقين على هذا المشروع افضل من أن نحول مشروعهم الى اللجان من جديد.
  انا لي كلمة اقولها في هذا الموضوع وان نأخذ عبرة من الذي حصل وأوجه نصيحتي الى كل وزير تربية يمر في ظروف دقيقة كالتي يمر فيها الرئيس الحص وهي ان نتجنب اجراء امتحانات يفصل التلاميذ فيها عن بعضهم.
سنقع في نفس المشكلة طالما اننا سنجري الامتحانات في هذه المنطقة الثانية.
فان شاء الله تمكننا الظروف في الامتحانات القادمة فتجرى امتحانات واحدة في مراكز واحدة وبترتيب واحد والا فاننا سنظل نعلق دائما في نفس المشكلة وهي مضرة بالمستوى الثقافي والتعليمي في لبنان.
لقد مررت بمثل هذه التجربة وقد وفقني الله واجريت امتحانات موحدة.
فان شاء الله نتوفق في هذا المجال يا معالي الوزير.

في قلب الحرب التي عصفت بلبنان، ووسط الدمار الذي اجتاح المدن والقرى، برزت الجبهة اللبنانية كصرخة هوية، وكملاذ لفكرة الوطن الذي كان يُمزَّق بين مشاريع الآخرين.
لم تكن الجبهة حزباً سياسياً فحسب، بل كانت حالة وجود، وصوتاً أراد أن يقول إن لبنان، رغم ضعفه وتعدده، لا يزال يستحق الحياة.
ومع تفكك الدولة وتصدّع مؤسساتها، تحوّلت الجبهة إلى درعٍ سياسي وفكري يسعى إلى تثبيت الكيان اللبناني، فيما كانت النار تأكل أطراف البلاد، وتغمرها العواصف القادمة من فلسطين وسوريا والعالم العربي.
كانت المواجهة في بدايتها دفاعاً عن فكرة لبنان الحر، السيد، المستقل، في وجه سلاحٍ فلسطيني تمدّد خارج السيطرة، وفي وجه مشاريعٍ إقليمية أرادت تحويل لبنان ساحةً للحروب بالوكالة.
في تلك المرحلة العاصفة، حملت الجبهة اللبنانية عبء القرار، بين خيار المقاومة والبقاء، وبين واجب الحوار مع دولةٍ كانت تنهار تحت وطأة الانقسامات.
فكان الاستحقاق الأول سياسياً بامتياز: هل يُحافَظ على الكيان أم يُسلَّم إلى الرياح؟ اختارت الجبهة أن تبقى، وأن تقاتل على أرضٍ رأت فيها معنى الوطن.
ومن رحمها وُلدت القوات اللبنانية، الذراع العسكرية التي تحوّلت إلى تنظيمٍ منضبط يقاتل من أجل البقاء.
كانت القوات في بداياتها تجمّعاً لمقاتلين من أحزاب متعددة: الكتائب، الأحرار، التنظيم، حراس الأرز… جمعتهم فكرة الدفاع عن البيت اللبناني حين تهاوى سقف الدولة.
خاضت القوات اللبنانية معارك شرسة في بيروت والجبل والجنوب، حيث كانت الجغرافيا تختصر الصراع كله بين الحياة والموت.
لم تكن المعارك فقط ضد الفلسطينيين أو اليساريين أو السوريين، بل كانت أيضاً معارك داخل الذات، بين الحلم والواقع، بين الإيمان بالوطن والشك بقدرته على النهوض من تحت الركام.
ومع صعود بشير الجميل، ازداد الأمل بأن يتحوّل النضال العسكري إلى مشروع دولة، دولة القانون والمؤسسات والسيادة.
فكان انتخابه رئيساً للجمهورية عام 1982 لحظة مفصلية، بدت فيها الجبهة وكأنها تلامس حلمها الوطني الأكبر.
لكنّ رصاص الغدر باغت الحلم في بدايته، فاغتيل بشير قبل أن يجلس على كرسي الرئاسة، وانكسر جناح الحلم في لحظة واحدة.
بعد رحيله، واجهت الجبهة اللبنانية مرحلة من التشتت والانقسام، فيما بقيت القوات اللبنانية تحاول الحفاظ على وجودها ودورها.
وجدت نفسها أمام أسئلة كبرى: كيف تتعامل مع الاحتلال الإسرائيلي الذي تمدّد بعد الاجتياح؟ وكيف توازن بين رفض الوصاية السورية وبين الحفاظ على ما تبقّى من الكيان؟ وجاء اتفاق 17 أيار عام 1983 ليشكّل امتحاناً عسيراً؛ انقسمت الصفوف بين مؤيدٍ يراه باباً نحو الاستقلال، ومعارضٍ يراه تنازلاً للعدو.
فاهتزّت الجبهة في أعماقها، وبدأت مرحلة من الصراعات الداخلية.
ومع ذلك، لم تمت الفكرة.
بقيت الجبهة اللبنانية والقوات اللبنانية في ذاكرة اللبنانيين رمزاً لمقاومةٍ وُلدت من رحم الخوف، ومشروعاً وُئد قبل أن يكتمل، لكنها تركت بصمتها في ضمير وطنٍ كان يبحث عن خلاصه.
لقد واجهت تلك المرحلة استحقاقاتٍ سياسية وأمنية وفكرية كبرى، فاختارت أن تدافع عن فكرة لبنان، حتى حين خسرَت الحرب.
لأنّ الحروب، في ميزان التاريخ، لا تُقاس بعدد المعارك، بل بقدرة الفكرة على البقاء… وفكرة لبنان التي حملتها الجبهة والقوات ما زالت، رغم كل شيء، تنبض في الوجدان.
  الاستحقاقات السياسية والأمنية التي واجهتها الجبهة اللبنانية والقوات اللبنانية خلال الحرب في لبنان كانت من أكثر المراحل تعقيداً في التاريخ اللبناني المعاصر، إذ تداخل فيها الصراع الوجودي مع الحسابات السياسية الداخلية والإقليمية والدولية.
في ما يلي عرض شامل لأبرز هذه الاستحقاقات: أولاً: الاستحقاقات السياسية
1. تحديد الموقف من الكيان اللبناني
منذ اندلاع الحرب عام 1975، حملت الجبهة اللبنانية شعار الدفاع عن لبنان الكيان والسيادة والهوية، في وجه مشاريع التقسيم أو الذوبان في المحيط.
فكانت معركة الجبهة في جوهرها سياسية – فكرية تهدف إلى تثبيت فكرة "لبنان الوطن النهائي لجميع أبنائه" كما ورد لاحقاً في اتفاق الطائف.
2. المواجهة مع مشروع اليسار الفلسطيني والسوري
وجدت الجبهة نفسها أمام استحقاق مواجهة النفوذ الفلسطيني المسلح الذي تمدّد داخل الدولة ومؤسساتها، مدعوماً من قوى يسارية وبدعم سوري في مرحلة لاحقة.
فاضطرت إلى بلورة موقف سياسي يوازن بين رفض الاحتلال والدفاع عن السيادة، وبين المطالبة بإصلاح النظام من دون المسّ بجوهر الكيان.
3. محاولات إقامة سلطة بديلة في المناطق الشرقية
في ظل انهيار مؤسسات الدولة، واجهت الجبهة تحدي تنظيم الإدارة المحلية، فتولّت إدارة شؤون المناطق الواقعة تحت سيطرتها، ما فرض عليها استحقاقات سياسية ودستورية خطيرة، أبرزها كيفية التعامل مع الحكومة المركزية، والعلاقة مع رئاسة الجمهورية، والموقف من المجتمع الدولي.
4. العلاقة مع الرئاسة اللبنانية
عرفت الجبهة مواقف متباينة تجاه الرؤساء الذين تعاقبوا على الحكم، من سليمان فرنجية إلى بشير الجميل وأمين الجميل.
وقد شكّل انتخاب بشير الجميل عام 1982 ذروة هذا المسار، إذ سعت الجبهة من خلاله إلى تحقيق مشروع الدولة السيادية الواحدة، لكن اغتياله أعاد خلط الأوراق.
5. الموقف من الاحتلال الإسرائيلي واتفاق 17 أيار
بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، واجهت الجبهة والقوات اللبنانية استحقاقاً دقيقاً في تحديد العلاقة مع إسرائيل: بين من رأى فيها حليفاً ظرفياً ضد الوجود الفلسطيني والسوري، ومن اعتبرها قوة احتلال تهدد السيادة اللبنانية.
وقد أثار اتفاق 17 أيار 1983 انقساماً حاداً داخل الجبهة وأوساط القوات.
6. إعادة التموضع بعد الانسحاب الإسرائيلي وعودة النفوذ السوري
مع انسحاب إسرائيل من مناطق عدة عام 1985 وعودة السيطرة السورية التدريجية، وجدت الجبهة والقوات نفسيهما أمام استحقاق إعادة تحديد الدور والموقع، في ظل ميزان قوى داخلي وإقليمي جديد فرضته دمشق.
ثانياً: الاستحقاقات الأمنية والعسكرية
1. مواجهة التنظيمات الفلسطينية والقوى اليسارية
خاضت القوات اللبنانية، المنبثقة عن الجبهة، معارك قاسية ضد المنظمات الفلسطينية والقوى اليسارية في بيروت والجبل، دفاعاً عن الوجود المسيحي في لبنان الشرقي.
2. تنظيم القوة العسكرية وتوحيدها
واجهت القوات استحقاق توحيد الفصائل العسكرية المسيحية المتعددة (الكتائب، الأحرار، حراس الأرز، التنظيم، إلخ) تحت قيادة واحدة، وهو ما تحقق تدريجياً حتى تأسيس “القوات اللبنانية” بقيادة بشير الجميل، ثم لاحقاً إيلي حبيقة وسمير جعجع.
3. المعارك الداخلية والانقسامات العسكرية
واجهت القوات اللبنانية نزاعات داخلية أبرزها الصراع بين إيلي حبيقة وسمير جعجع بعد توقيع “اتفاق طرابلس” و”اتفاق دمشق”، ما أدى إلى معارك داخل الصف المسيحي نفسه، وانقسام سياسي – عسكري حاد داخل الجبهة.
ثالثاً: الأبعاد الفكرية والوطنية
كانت الجبهة اللبنانية والقوات اللبنانية في نظر مؤيديها التعبير الأبرز عن “المقاومة اللبنانية” في وجه التهميش والهيمنة، وفي نظر خصومها مشروعاً انعزالياً.
لكنّها بلا شك لعبت دوراً محورياً في تحديد هوية لبنان المعاصر، وفي فرض النقاش حول السيادة، والحياد، والعيش المشترك، وهي قضايا بقيت إلى اليوم في صلب الحياة السياسية اللبنانية.
  المقارنة بين القومية اللبنانية والقوميات العربية والسورية
أولاً: في النشأة والسياق التاريخي
نشأت القومية اللبنانية في بيئة جبل لبنان التي تمتّعت، منذ العهد الشهابي والمتصرفية، بنوع من الاستقلال الذاتي ضمن الدولة العثمانية، ما خلق شعوراً محلياً مميّزاً بالهوية والخصوصية.
بينما نشأت القومية العربية في أواخر القرن التاسع عشر كردّ فعل على التتريك العثماني، ودعوةً إلى وحدة الشعوب الناطقة بالعربية على أساس لغوي وثقافي.
أما القومية السورية، فقد تبلورت في مطلع القرن العشرين على يد مفكرين مثل أنطون سعادة، الذين رأوا في بلاد الشام الطبيعية (سوريا الكبرى) وحدة تاريخية وجغرافية وثقافية تتجاوز الحدود السياسية التي رسمها الاستعمار.
إذن، يمكن القول إنّ القومية اللبنانية نشأت من رحم تجربة سياسية محلية ناجحة (المتصرفية)، بينما انطلقت القوميتان العربية والسورية من مشروعَي وحدة وانبعاث يتجاوزان الكيانات القائمة.
ثانياً: في الأساس الفكري والمرجعية
ترتكز القومية اللبنانية على مفهوم الخصوصية التاريخية والثقافية، وعلى فكرة أن لبنان كيان متنوّع يعبّر عن تلاقي الشرق والغرب، لا عن صراع الحضارات.
في المقابل، تقوم القومية العربية على وحدة اللغة والتاريخ والمصير العربي، وتعطي الأولوية للانتماء القومي على حساب الانتماءات المحلية.
أما القومية السورية فترتكز على وحدة الجغرافيا التاريخية (سوريا الطبيعية) باعتبارها مهد الحضارة، وعلى فصل الهوية السورية عن الانتماء العربي الديني أو العرقي.
بالتالي، فإنّ القومية اللبنانية ذات طابع إنساني – ثقافي، بينما العربية ذات طابع لغوي – قومي، والسورية ذات طابع جغرافي – حضاري.
ثالثاً: في الهوية والدين والتعدّدية
القومية اللبنانية تميّزت منذ نشأتها بتعدديتها الدينية والمذهبية، وبمحاولة تحويل هذا التنوع إلى ركيزة للهوية الوطنية.
أما القومية العربية، فحاولت في بداياتها تجاوز الفوارق الدينية تحت شعار "العروبة الجامعة"، لكنها بقيت مرتبطة بالعالم الإسلامي وبالهوية العربية الواسعة.
في حين أن القومية السورية، رغم طابعها العلماني، سعت إلى تأسيس هوية “مدنية” تنفي الطائفية لكنها أحياناً همّشت الخصوصيات الدينية.
وعليه، تَبرز القومية اللبنانية كنموذج للتنوّع المشرقي الإيجابي، حيث يُعتبر الاختلاف مصدر غنى، لا عامل تفكّك.
رابعاً: في الهدف السياسي
هدف القومية اللبنانية هو تثبيت كيان لبنان المستقلّ بحدوده المعترف بها عام 1920، وضمان سيادته ووحدته الداخلية ضمن صيغة العيش المشترك.
أما القومية العربية فهدفها الوحدة بين الدول العربية وتحريرها من الاستعمار، في حين تسعى القومية السورية إلى إقامة دولة واحدة تشمل سوريا الكبرى (لبنان، سوريا، فلسطين، الأردن، قبرص وأجزاء من العراق).
من هنا، يتضح أن القومية اللبنانية تحافظ على حدود الكيان، بينما القوميتان العربية والسورية تتجاوزان الحدود نحو مشروع وحدوي أوسع.
خامساً: في الموقف من الغرب
القومية اللبنانية اتخذت موقفاً منفتحاً على الغرب، مستفيدة من الثقافة الفرنكفونية، ومن إرث التواصل مع أوروبا منذ عهد المتصرفية، معتبرة نفسها "جسراً بين الشرق والغرب".
أما القومية العربية فحملت غالباً نزعة تحرّرية مناهضة للاستعمار الغربي، في حين اتخذت القومية السورية موقفاً ثقافياً مستقلاً يرفض الذوبان في الغرب كما في العروبة الدينية.
إذن، القومية اللبنانية تميّزت بكونها تصالحية مع الغرب وليست صدامية، وهو ما جعلها أكثر ارتباطاً بالفكر الليبرالي والديمقراطي.
سادساً: في الواقع والتطبيق
في الواقع السياسي، استطاعت القومية اللبنانية أن تتجسّد في دولة قائمة فعلاً – دولة لبنان الكبير – بينما بقيت القوميتان العربية والسورية مشروعين فكريين لم يتحققا على الأرض بوحدة سياسية.
لكن القومية اللبنانية واجهت في المقابل تحديات داخلية مزمنة، أبرزها الطائفية والانقسامات حول الهوية والانتماء العربي، ما جعلها تسعى دوماً إلى التوازن بين الانفتاح والانتماء، وبين السيادة والوحدة الوطنية.
سابعاً: في المنظور الحضاري
يرى الفكر القومي اللبناني أن لبنان ليس مجرّد وطن، بل رسالة حضارية وإنسانية كما وصفه البابا يوحنا بولس الثاني لاحقاً، إذ يجسّد إمكانية تعايش الأديان والثقافات في مجتمع واحد.
أما الفكر القومي العربي فيركّز على النهضة والوحدة ضد الاستعمار والتجزئة، بينما يرى الفكر القومي السوري في بلاده مهد الحضارة الإنسانية الأولى، ذات رسالة قومية مستقلة عن العروبة الدينية.
وعليه، يمكن القول إنّ القومية اللبنانية هي قومية إنسانية رمزية، في حين أنّ القومية العربية تحريرية وحدوية، والقومية السورية ثقافية – حضارية شاملة.
الخلاصة المقارنة
القومية اللبنانية تميّزت عن غيرها بكونها قومية كيان وحرية وتنوّع، وليست مشروع توسّع أو وحدة سياسية.
فهي تسعى إلى ترسيخ الهوية الوطنية ضمن حدود الدولة اللبنانية، وإلى حماية التعدد الديني والثقافي بوصفه جوهر وجودها.
بينما القوميتان العربية والسورية تسعيان إلى تجاوز الحدود نحو وحدة أوسع قائمة على العروبة أو الجغرافيا التاريخية.
بهذا المعنى، يمكن القول إنّ القومية اللبنانية هي قومية دولة – حضارة، في حين أنّ القومية العربية قومية أمة – لغة، والقومية السورية قومية حضارة – أرض.
  حوار
الصحافي: شكرًا لمنحنا هذا اللقاء، وهو موضوع بالغ الأهمية.
بداية، كيف تنظر إلى العلاقة التاريخية بين الموارنة والدروز في لبنان؟
النائب أدوار حنين: شكراً لكم.
العلاقة بين الموارنة والدروز تاريخيًا هي واحدة من أبرز ركائز النسيج اللبناني.
تعود إلى قرون عدة، منذ القرن السابع عشر حين استقر الموارنة في مناطق جبلية كانت تسكنها القبائل الدرزية.
في ذلك الزمن، شكلت العلاقة توازنًا سياسيًا واجتماعيًا هشًا لكنه حقيقي.
كان هناك تبادل مصالح واضح: الدروز يحافظون على زعامتهم، والموارنة يطلبون الاستقرار والتنمية.
الصحافي: وما الذي أدى إلى تصاعد التوتر بينهما في القرنين التاسع عشر والعشرين؟
النائب أدوار حنين: تصاعد التوتر بدأ مع تغير التوازنات الديموغرافية والسياسية.
في القرن التاسع عشر، بدأ الموارنة بالازدياد في مناطق الجبل، ما أدى إلى صراعات على السلطة مع العائلات الدرزية الكبرى.
نظام القائمقاميتين حاول توزيع الحكم بين الطائفتين، لكنه في الواقع عمّق الانقسامات.
ذروة هذا التصعيد كانت في مجازر 1860، التي تركت جروحاً عميقة في الذاكرة الجماعية للطائفتين.
الصحافي: برأيك، كيف أثرت هذه التجارب التاريخية على السياسة اللبنانية الحديثة؟
النائب أدوار حنين: بعد تلك الأحداث، ومع الانتداب الفرنسي والاستقلال، تشكل نظام سياسي مبني على التوازن الطائفي، وخاصة بين الموارنة والدروز في الجبل.
هذا النظام حاول ضمان تمثيل الجميع، لكن هشاشته ظلت واضحة، وظل الانقسام قائمًا في الخلفية، متى ما انطلقت شرارة التوترات.
الصحافي: كيف تفسر لنا الصدامات العنيفة التي وقعت بين الموارنة والدروز في ثمانينيات القرن الماضي؟
النائب أدوار حنين: الحرب اللبنانية أعادت إلى السطح كل الخلافات القديمة التي لم تُعالج.
دخول الفصائل الفلسطينية إلى الجبل، والتحالفات الإقليمية المتغيرة، والاشتباكات المسلحة، كلها عوامل أدت إلى تدهور العلاقة إلى حد المواجهة الدامية.
مجازر دير القمر وعين زحلتا ليست فقط حوادث عابرة، بل تعبير عن تراكمات تاريخية أعمق.
الصحافي: هل كانت هناك أسباب أخرى دفعت إلى هذه التصادمات؟
النائب أدوار حنين: بالتأكيد.
تراكم الذاكرة المؤلمة، استغلال الزعامات الطائفية لمشاعر الانتماء الطائفي لأغراض سياسية، التدخل الخارجي، فضلاً عن الاختلافات الدينية التي تحولت إلى أداة تعبئة سياسية.
هذه كلها عناصر جعلت الصراع أكثر تعقيدًا وأصعب في الحل.
الصحافي: في ظل هذه الصورة، ما هو أفق المصالحة بين الموارنة والدروز؟
النائب أدوار حنين: لا بد من إدراك أن المصالحة الحقيقية لا يمكن أن تتم إلا من خلال الاعتراف بالجرح والعدالة التاريخية، بعيدًا عن التناسي أو التهوين.
علينا أن نستعيد الثقة، وأن نؤسس على تجربة الجبل درسًا عمليًا للبنان كله.
هذه ليست رفاهية بل ضرورة للبقاء.
الصحافي: كلمة أخيرة تود توجيهها لأبناء الجبل والمكونات اللبنانية؟
النائب أدوار حنين: أقول لهم إن لبنان وطننا المشترك، لا يمكن لأحد أن يحيى فيه بمفرده.
التاريخ علمنا أن التعايش ممكن، لكنه يحتاج إلى إرادة شجاعة، وإلى تجاوز الجراح الماضية.
لا نريد تكرار نفس الأخطاء، وعلينا أن نبني معًا مستقبلًا يليق بتاريخ هذه الأرض وتراثها.
إدوار حنين السياسي والمشرع

• إدوار حنين النائب
• إدوار حنين الوزير
• ادوار حنين والجبهة اللبنانية
• حزب الكتلة الوطنية
• إدوار حنين في الصحافة
• كتابات سياسية
• كتابات في السياسية
المجموعة الأولى

• كتابات في السياسية
المجموعة الثانية
ادوار حنين في الصحافة

• مجلة الفصول
• مقالات بو ابراهيم
• مقالات متفرقة
إدوار حنين المفكر والأديب

• أدب الرحلات
• أدب الرثاء
• محاضرات
• كتابات أدبية
• كتابات في مناسبات
الارشيف

• ارشيف الصوت
• أرشيف الصور
• أرشيف الأفلام
• ارشيف الكتب
ارسل لنا

• لمعلوماتك الاضافية
• لديك مخطوطات غير منشورة
• اتصل بنا
• ارسل هذه الصفحة
• أطبع هذه الصفحة
اطلقت هذا الموقع جمعية أندية الليونز في 30 حزيران 2013 من ضمن احتفاليات مئوية ولادة ادوار حنين.