أما لبنان فهو الذي حددته الجبهة اللبنانية، مرارًا، في بياناتها، ومذكراتها الديبلوماسية المرفوعة إلى قداسة الحبر الأعظم بولس السادس، والسيد فانس وزير الخارجية الأميركية، ووزير خارجية فرنسا لدى مرورهما في لبنان، وهو هذا:
1 – إن لبنان الذي يحيا اللبنانيون من أجله ومن أجله يموتون، هو الذي لم يعتد ولم يتآمر على أحد، ولا هو واطأ أحدًا على شر. إذ كان في التاريخ كله وبخاصة مجتمعه المسيحي، مصدر خير وخدمة وسلام لذاته، لمحيطه، وللعالم أجمع.
2 – وهو الذي كانت فيه المسيحية دائمًا حرة سيدة أمينة على قيمها وتراثها ومصيرها. وهي تعتزم، اليوم، أكثر من كل يوم آخر، أن تبقى حرة – سيدة، أمينة على قيمها وتراثها وما تنشد لنفسها من مصير.
3 – وهذه المسيحة في لبنان تذكّر بأنها لم ترد لنفسها، يومًا في الماضي ولا تريد، الآن، لنفسها، وتعتزم ألا تريد في المستقبل ما لا تريده لغيرها من الجماعات الروحية التي تتكون منها الأسرة اللبنانية، على أنها لا تريد لنفسها، كذلك، أن تصبح في مطلق حال، مسودة، أو أن تقبل لنفسها ما لم تقبل به لغيرها.
4 – ولبنان الذي يريده اللبنانيون هو لبنان المنسجم الحب، القادر على تحقيق ذاته في بقاء كريم.
لبنان الحر، المنفتح، المتعدد المجتمعات.
وهو لبنان الذي يؤمن إيمانًا نابعًا من كيانه ومن تراثه، هو، الذي يؤمن بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
فهذه الصورة – الهدف هي، عند القادة اللبنانيين، المقياس الذي به يقيسون ليقروا أو يرفضوا ما هو مبحوث، اليوم أو سيبحث غدًا، من حدود ونُظُم واتجاهات سياسية، وعلاقات.
5 – تلك هي قواعد ترتكز على حقائق من ثوابت التاريخ اللبناني، غير أن قواعد أخرى ترتكز على حصاد التجارب وهي من حتمية الفكر والمنطق يجب أن يُعرف بعضها وأن يُعلن:
أ – إن لبنان الذي من أجله يحيا اللبنانيون ومن أجله يموتون هو موطن اللبنانيين جميع اللبنانيين، المقيمين فيه، ووطن جميع اللبنانيين المتحدرين من أصل لبناني والمنتشرين في العالم، وهو وطن المسيحيين العائشين في العالم الإسلامي المحيط، وهو وطن المناضلين من كل دين ومذهب المروّعين، في هذا العالم المشرقي، الفازعين من بلادهم إليه.
ب – لبنان هذا يجب أن يبقى مختبرًا حضاريًا فذًا فيه تعالَج وتُنقَد النُظُم والمذاهب والتيارات الروحية، وفيه يُحك الناس.
جـ - ولأن لبنان قيمة بحد ذاته فهو يستطيع أن يكون ملتقى تفاعل وتبادل بين حضارات الشرق والغرب والمتخيّر الأمثل لروائعها جميعًا.
د – من هنا وصلت الجبهة اللبنانية إلى التأكيد أن البنيان السياسي الجديد للبنان الموحّد، المعزز للولاء المطلق له والمانع للتصادم بين اللبنانيين، يجب أن يعتمد تعددية المجتمع اللبناني بتراثاته وحضاراته الأصيلة، بحيث ترعى كل مجموعة حضارية فيه جميع شؤونها، وبخاصة ما يتعلق منها بالحرية وبالشؤون الثقافية والتربوية والمالية والأمنية والعدالة المجتمعية، وما يتعلق بعلاقاتها الثقافية والروحية مع الخارج، وفقًا لخياراتها الخاصة.
وهنا، بعد مسيرة الشرف هذه، لا بد من أن يقف سائل ليسأل: لمن كانت هذه البادرة في بناء هذا لبنان الحضاري هذا؟
بل من كان بناته الأصليون؟!
الموارنة ليسوا وحدهم الذين وصلوا بلبنان إلى ما هو عليه الآن، بل هي الأقلية الدرزية والمسلمة والمسيحية، وعلى أنواعها، هي التي أرادته معقلاً لحريتها في هذا الشرق.
إن الطائفية، في لبنان، هي عصارة لبنان الطبيعي والبشري، وليس العكس هو الصحيح.
فلبنان سبب لا نتيجة،
فاعل لا منفعل.
الطائفية التي تولّدت عنه أسهمت، مجتمعة متعاونة متكاتفة، في تطويره، ورب قائل يقول في خلقه.
غير أن لبنان كان قبل الطائفية، وسيبقى بعدها.
إنما، هو، كيّف نفسه على ضرورات العيش معها في جميع متاعبها.
وقد يكون، هنا، مجال القول: إن المسلم في لبنان هو غير المسلم خارج لبنان، والمسيحي في لبنان هو غير المسيحي خارج لبنان.
عدوّهما المشترك هو الظلم، عدو حريتهما،
وليس للظلم دين، ولا عَصَب، ولا لون.
فاجتمع اللبنانيون كلهم على التحصّن ضدّه بالشكل الذي رُوي وتكشفت عنه أقوالهم... وذكاؤهم.
بُناة الحضارات ليس صدفة ينبرون إلى بنائها،
وليس صدفة يجيئون.
فبناة الحضارات خلائق مميزون،
تميّزهم أقاليمهم، بيئاتهم، مجتمعاتهم وكثير من الشؤون الأخرى، وبخاصة شؤون مثل هذه:
1 – بناة الحضارات أبناء شعوب تعيش في الأقاليم المعتدلة المناخات التي هبوب ريحها لا يجرف، واهتياج بحارها وأنهارها لا يطوف، أقاليم لا تكون شمسها محرقة ولا تجعلها غيومها في ليل دائم.
2 – بناة الحضارات أحرار قبل كل شيء، إذ لا حضارة نبعت من خارج الحرية، ونمت في غير ظلالها. تنسلخ من صلب الاحرار هؤلاء، من سليلتهم، كما ذاك اللبناني المتطوع في جيوش الحلفاء حرب 14/18، والذي أصيب بمقتل، وقبل أن يلفظ نفسه الأخير على أسوار فردان، كتب، بدمه على صخرة هناك، مات وراءها بعد حين يقول:
"أموت هنا من أجل أن يحيا لبنان حرًا".
وبناة الحضارات، من جراء ذلك، متفلتون من التراب، من المخاوف، من الأوهام والوساوس.
4 – بناة الحضارات يثقون بأن بناء الحضارة كبناء الإنسان، فهو يجوز من كل جانب، ومن أية يد ملهمة، وفي كل زمان، وهم يثقون بأن الحضارة هي بالنتيجة أروع كاتدرائية، ولكنها لا تُبنى بناء الكاتدرائيات، بدءًا من الأساس وانتهاءً بالقبب والمسلمات والقرميد.
5 – ثم إن بناة الحضارات يؤمنون بأن الحضارة نزوع لا تخطيط، حالة لا إنجاز: نزوع إنسان بكليته إلى الجمال، وحالة صفاء كلية تؤهّب إلى الخلق، بحيث أن بناة الحضارات يعيشون في مناخات ليس مثلها إلا عند بناة الحضارات، كما مناخات الفنانين والبحّارة والرهابين ليس مثلها إلا عند الفنانين، والبحارة، والرهابين.
6 – يؤمن بناة الحضارات بأن كل نتاج الإنسان هو لكل إنسان، في كل زمان وآن، وهو الخير الشائع الذي هو في مشاع الإنسانية.
7 – ويؤمنون بالمرأة موحية خلق وإيداع.
فأي مناخ يبزّ بالاعتدال مناخ لبنان؟
أي تفلّت من التراب يفوق تفلّت البحارين الذين يعيشون على تقاليد المركب التي تتغير عند كل هبوب ريح؟
أي مكان للتأمل خير من ضفة ساقية،
من شاطئ بحر،
من شرفة على المغيب، من شير على رقبة واد، من نسائم، من عصافير، وحفيف أوراق؟
أي خلق أروع من خلق الحرف، من خلق المجذاف، من خلق البناء المن حجر، من خلق زراعة القمح،
ثم من رفع المصلوب على الصليب الذي ظل نائبًا عنه قرونًا إلى أن رفعه اللبنانيون عليه؟
أي إيمان بالله أروع من الذي أنبت شربل، ورفقا،
أي إيمان بالجمال أشرف من الذي أعدّ كل ما أُعد لربات بيت الدين، وقصور الشوف والمتن وكسروان؟
أي ذوق أرفع من الذي تقوّل، وأنشد، ودَبَك، وشروَل، واخترع العَرَق والمازات؟
أي إنسان يجد وراء المعرفة أكثر من الذي صلاته منذ أن يولد: "اللهم أعطني المعرفة فأحيا"؟
وأي شعب أبدع وأعطى، في آن، أكثر من العطاء الذي تم على يد قدموس، على يد بحّارة صيدون، وعلى يد مغتربيه؟
وأي إنسان أصدق من اللبناني الذي يقول: "أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعنا، يا جرير، المجامع"؟