إدوار حنين
المفكر والسياسي
السيرة الذاتية أرشيف الصور أرشيف الأفلام ارشيف الصوت
 

إدوار حنين السياسي والمشرع

العميد وأولويات المرحلة

من الاقطاب بين النواب المسيحيين العميد ريمون إده. ولقّب العميد الذي لازم الاستاذ إدّه ليس رتبة بلغها من تدرّجه في سلك الجندية، كما ليس مقتبسّا من عمادةٍ أكاديمية شغلها منصبًا في إحدى الكليات في إحدى الجامعات العلمية علمًا أنه محامٍ قدير، إنه عميد حزب الكتلة الوطنية، حزبه الذي خدمه بإخلاصٍ متبادل في عمر نيابته المديد. ولا يستطيع أحد أن ينكر على العميد إده مكانته الإجتماعية كإبن رئيس الجمهورية الأسبق إميل إده، ولا أن يجهل برلمانيته المميزة، أو يغفل عمّا لديه من "كاريزما" قيادية، و "خفّة دمّه وإن كانت أحيانًا جارحة. ولقد شهدت بعضها في مناسبات مختلفة . ولعلّ أقسى ما كان لسعًا في تعامله لسان ذرب يطاوعه، طيب الله ثراه، في ما كان يكيله لخصمه من انتقاد مرّ ليرى نفسه فيه أنه دائمًا على حق. والى جانب ذلك كان مشهورًا ب "حنفيته" التي حين يفتحها يصعب عليه أن يسدّها أو يسيطر عليها ليمنع ما ينطلق منها من أسهم كثيرًا ما كانت تصيب مقتلًا في أهدافه السياسية. ولم يكن ليهتمّ إذا ما خلقت له سيول "حنفيّته" أعداء كثيرين. والممتع حقًا أن قلوب أعدائه لم تضحر له يومًا حقدًا أسود، بل كان محبوبًا حتى من مبغضيه. الواقع أن الساحة السياسية، والمسرح البرلماني قد افتقد العميد إده، حمه الله، هذا العميد العنيد الذي ترك فراغًا لا يستطيع ملأه سواه...

ولم يكن الاستاذ ريمون إده ، ذلك العميد الصلب العنيد، ليكل في محاولاته حشد التاييد لنظريته في استدعاء بوليس دولي، ينتشر على الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة،

بموجب إتفاقات دولية، بل أقصد الفدائيين الذين يتسللون الى لبنان من الخارج." وقال إده أنه يعترف بأن إسرائيل ستضرب لبنان بوجود الفدائيين أو بدونهم (وقد أثبتت إسرائيل ذلك بمناسبات عدة بعد ذلك!.) ولكن السماح للفدائيين بالعمل داخل لبنان يعطيها المبرر الكافي لمهاجمة لبنان (وحتى كانت إسرائيل تتويل المبررات في عدوانها على كل الشعوب؟؟!..). وأضاف العميد: "ولذلك أصر على مطلبي الأساسي هو طلب قوات دولية لأنها وحدها التي تستطيع منع إسرائيل من مهاجمة لبنان." (ألم تسبت الأيام فيما بعد، أن إسرائيل، من أجل تنفيذ مخططاتها العدوانية، لا تعير قوات الطوارئ الدولية أي إعتبار، وتضرب بعرض الحائط بجميع قرارات الشرعية الدولية، وتخالف بعناد ومكايرة وصلق أوامر سيدتها ووليّة نعمتها "الإمبراطورية" الأميركية الجديدة؟!...)

وفي 18 حزيران 1969، كتبت جريدة الدنيا، بأن الحلف الثلاثي (شمعون، الجميل، إده) سيجتمع ظهر ذلك اليوم "يستمع الى الأستاذ إميل إده يتحدث عن زيارته لرئيس الجمهورية (شارل الحلو) الذي كان قد وجّه الى اللبنانيين في 31 أيار 1969 كلمة أعلن فيها أنه لن يرضى بالأمر الواقع (واقع وجود الفدائيين على الاراضي اللبنانية) وأصر على رأيه بوجوب إخراجهم من لبنان، الأمر الذي أثار رد فعل سلبي لدى قسم كبير من اللبنانيين (مسلمين ومسيحيين) وأدى الى أزمة وزارية حادة وطويلة حين استقال رئيس الوزراء لبنان الأستاذ رشيد كرامي. الذي لم يوافق على وجهة نظر رئيس الجمهورية القائلة الإتفاق مسبقًا على كيفية التخلّص من "الأمر الواقع"، وقبل تأليف الحكومة. (وقد رأى الشيخ بيار الجميل، أحد أقطاب الحلف الثلاثي، أن المصلحة الوطنية تقضي بالإتفاق حول رئيس الجمهورية ولو تطلّب ذلك مزيدًا من الصبر والتريّث والإنتظار"

"وكان إده قد زار الرئيس (الحلو) أمس (ذلك اليوم) وطلب منه إستدعاء القوات الدولية لحماية لبنان... ولكن الرئيس رفض طلبه. وطلب إده من الرئيس إخراج الفدائيين فأجابه الرئيس أنه لا يمكنه إخراجهم وحده لأن هذا الإخراج يوجب قيام إجتماعٍ وطني غير متوافر اليوم. وقال الرئيس إده أن المسؤولية تقع على الذين يعارضون تنفيذ رسالة رئيس الجمهورية. فالقضية ليست قضية طائفية بل قضية وطنية..."

وفي 22 تشرين الثاني 1968 استقالت حكومة عبد الله الاليافي على أثر مظاهرات طلابية. وكان رئيس المجلي النيابي صبري حماده قد دعا الى عقد إجتماع للمجلس لم يكتمل فيه النصاب، فستبدل بجلسة نيابية "لأن البلاد تعيش الآن ظروفًا غير عادية وحتى لا يعتبر الرأي العام أن عدم إجتماع المجلس هو نتيجة انقسام بينه وخلافات حول الأحداث الطلابية الأخيرة "كما قال الرئيس حماده. ورفض الرئيس اليافي حضور الإجتماع لأنه اعتبر نفسه مستقيلًا وإن لم يكن بعد قد قدم استقالته خطيًا. وتحدث النواب المجتمعون في الوضع السياسي العام فكان اجتماع على ضرورة التعاون في سبيل تخطي هذه المرحلة محافظةً على "مصلحة البلاد العليا واعتبار كل الذي جرى كأنه لم يكن"

وتكلم الشيخ بيار الجميل، وزير الداخلية، موجهًا سلسلة من الإنتقادات للعمل الطلابي بالصورة التي تم بها وتساءل عن الايدي التي تحرك مثل هذه التظاهرات (المحرر تاريخ 12 تشرين الثاني 1968). ووقعت مشادة بين بعض النواب والوزير الجميل عندما تعرض الأخير في حديثه الى أمور وطنية حساسة أثارت استنكار النواب.

ثم تكلم الررئيس رشيد كرامي فشرح الموقف وبين الواجب الذي يجب أن تقوم به الحكومة إزاء القضايا السياسية وخاصة تحصين الحدود بفتح المستوصفات وحفر الخنادق وبناء الملاجئ. وأجمع الرأي على ضرورة إسهام مجلس النواب بتهددئة الوضع وإصدار بيان يساعد على ذلك. في هذه الأثناء أجرى الشيخ بيار، وزير الداخلية ، اتصالات أدت الى إلغاء تظاهرات في المنطقة الشرقية (من بيروت). بعد ذلك صدر عن المجتمعين بيان أكدوا فيه "أن الصورة التي أعطيت عن الأحداث جاءت مضخّمة ومغلوطتًا فيها، وأجمعوا بالتالي على مواجهة الحالة ضمن إطارها الواقعي بروحٍ إيجابية مستمرة من وحدة اللبنانيين البناءة الواعية المدركة لأبعاد القضايا الوطنية المصيرية وفي طليعتها قضية فلسطين وتقديس العمل الفدائي وصون فعاليته. كما عبر الحاضرون عن تقديرهم موقف الطلاب في هذا المجال وشددوا جميعًا على وجوب فرض سيادة القانون واحترامه مناشدين المواطنين كافةً الإعتصام بالوعي والمحبة والتعاون لما فيه خير الوطن" (المرجع السابق نفسه، جريدة النهار، وصوت العروبة، والبيرق، والأنوار وغيرها).

الحاجة الى ثورة بيضاء .

ولكن، أتمنى أن تكون هذه الحكومة قادرة على إعطاء كل ما يمكن من عمل جدي مثمر يستطيع أن يجعل الشعب بمختلف فئاته يثق بها. إلا أن الواقع يمكن أن يكون عكس ذلك بالنظر إلى ما يعرفه الجميع عمّا يدور في خلد الشعب من أفكار، وما يعوّر نفوس الناس من مشاعر ومفطمها عدائية نحو الحكم الحالي في لبنان... لقد رأينا وسمعنا وقرأنا سواء على ألسنة الصحفيين، أو الطلاب أو المفكرين من أن الحكومة، أي حكومة، في واد والشعب في واد آخر... ممّا يظهر أنّ هناك طلاقاً بين الحكم والفئات المحكومة. إذ ان المصالح الشعبية المختلفة غير مؤمّنة، ولم تؤمّن بشكل مرض (بما عمّ) من قبل الحكومات التي تعاقبت على الحكم في لبنان منذ عهد الاستقلال. واعتقد أن هذا السبب الأكبر الذي ادى ويؤدي اليوم (آنذاك) بشكل واضح إلى وضعيته الرفض التي يستند إليها الناس في لبنان.. وكنت أتمنى، بل أرغب من أعماق نفسي، أن يثق الشعب بحكوماته ثقة تمكنه من التعاون معها بحيث تنتهي حالة الرفض، ويبدأ بعدها وضع آخر من شأنه أن يصهر اللبنانيين جميعًا في عمل بناء يعود على الجميع بالخير والطمأنينة والثقة.

واعتقد أن الدور الذي يمكن أن تلعبه الحكومة الى لية (آنذاك) في حال حصولها على الثقة الشعبية هو الذي يقرر تبديل وضعية الرفض بوضعية الثقة والاطمئنان.(وكانمن الأفضل) لو أمكن تأجيل إعطاء الحكومة الثقة فترة تحدد لها بحيث تنجز بعض الأعمال التي يتطلبها الشعب، فتكون الثقة، إذاً، عملية مدعومة بالأعمال البناءة التي تنجزها الحكومة بدلاً من أن تستند ال بيان وزاري قد يبقى حبراً على ورق.

(ثم قلت): اعتقد أن الوضع في لبنان سيبقى عرضة للأنواء والعواصف الشعبية ولعدم الطمأنينة والاستقرار إذا لم تبدل العقلية السياسية في لبنان. لقد أضحى من الواجب، بل من الضرورة الملحة، أن يعمد المسؤولون إلى وضع تخطيط شامل لبناء لبنان جديد تسود فيه عدالة اجتماعية تشمل خيراتها جميع الفئات، ويغيّر النطام التربوي من جذوره، فيستبدل بنظام علمي حديث يستطيع أن يؤمن للنشىء الطالع حاجاته النفسية والاجتماعية والعلمية.

لقد مضى حين من الدهر على النظام التعليمي السائد، وأصبح من الضروري تغييره، لعدم فائدته، وجعله متماشياً مع متطلبات العصر الحديث فيؤمن للأجيال اللبنانية انسجاماً نفسيّاً وتربويّاً مع المجتمع الذي يعيشون فيه، ويزودهم بالخبرات العلميّة والفنيّة التي تمكنهم من الانتاج والبناء وفاقاّ لمعطيات تكنولوجية لا يمكن ان يستفني عنها اليوم (آنذاك) أي بلد لا يرضى بان يبقى متحلّفاً.

ولا نستطيع أن نؤمن الإستقرار للبنانيين إلّا بعد القضاء على الإقطاع السياسي والديني (الطائفي) وبعد اعتماد الأسس العلمية في بناء تعوّماتنا السياسية والاجتماعية...

لقد أثبتت الهزات المختلفة التي توالت على لبنان في الحقبة الأخيرة من استقلاله، بان الديمقراطية في خطر. وإذا لم يبادر الذين يتغنون بالديمقراطية إلى صيانتها بتغيير الأساليب البالية في طرق الحكم ووسائله، فأشعر مع الشاعرين بان النظام الديمقراطي الذي لا أرض عنه بديلاً، تحيق به الأخطار من كل جانب... ولأنني أعلم حق العلم أن كل نظام سواه قد يؤدي بهذا البلد الى الخراب، وقد لا نتمكن من إعادة بناء بلدنا، مهما حسنت النيات، وحاول المخلصون... من أجل ذلك أرى أننا في حاجة الى ثورة بيضاء تصلح الأسلوب الديمقراطي (اللبناني) من الجذور... أجل، نحن في حاجة إلى إصلاح اجتماعي (وسياسي) يؤدي إلى جعل اللبنانيين جميعاً يشعرون بأنهم "لبنانيون" بكل ما في الكلمة من معنى. ومثل هذا الشعور فقط يمكن اللبنانيين كافة من محبة لبنان والتعلق به والدفاع عنه حتى النفس الأخير، لأنه بلدهم وأرضهم وكيانهم. وموطن أمنهم واستقرارهم ورخاء عيشهم.

ونحن في حاجة إلى إصلاح جذري في الادارة يقضي على الاستزلام والمحسوبية، ويعتمد الكفاءات الخلقية والعلمية فيوضع الرجل الصالح في المكان الصالح في المكان الصالح.(كان هذا الكلام قد قيل من حوالى 33 سنة فقط !!..) وحينئذ فقط تصلح الإدارة ويستقيم العمل في مختلف القطاعات ويقضي على الرشوة والفساد(!) والإهمال واللامبالاة.

ونحن في حاجة ماسة إلى الغاء الطائفية (السياسية) إلغاءً تاماً في جميع الحقول، لأنه ثبت أن استخدام الطائفية وسيلة للحكم أمر شديد الخطر على هذا البلد. وفي رأيي أن الطائفية يجب أن تلغى من النفوس قبل أن تمسح من تذاكر النفوس. وهذا لا يتم الا بعد أن يشعر جميع المنتخبين إلى المذاهب الدينية المختلفة بان العدالة الاجتماعية المنشودة ستعم الجميع بحيث لا تشعر أي فئة من الفئات بأي إحجاف من اي نوع كان.

وهناك لا بد لي من أن أشير إلى ان الدين شيء والطمأنينة شيء والطائفية شيء آخر. إن الغاء الطائفية لا يتعارض مطلقاً مع ممارسة الطقوس الدينية في أي مذهب من المذاهب. بل على العكس تماماً، يجب أن تصان الحريات الدينية إلى أبعد مدى. ويجب ان تحقق القول:"الدين لله والوطن للجميع." فعلاً وواقعاً ملموساً ولا يبقى شعاراً فارغاً يستعمل في بعض المناسبات لحاجة في نفس يعقوب.

هذه هي الثورة التي نريد، لأنها هي التي تستطيع أن تحقق المحافظة على النظام الديمقراطي في لبنان، وهي التي تمكننا من الاحتفاظ بكياننا وتجعلنا مستعدّين دائماً للوقوف في وجه الأعداء أياً كان لونهم وكانت نزعتهم واتجاهاتهم.. إنها الثورة التي توفر على اللبنانيين عدم الإنزلاق الى صدام مسلّح، لا نستطيع التكهن بما يؤول إليه من خراب وتدمير للكيان اللبناني الذي نحرص عليه حرصاً على إرواض" (الطيار، الملحق:3 شباط 1969).

(هل كانت هذه شبه نبوءة بما حصل فيما بعد أثناء الحرب اللبنانية ؟!!؟)

إدوار حنين السياسي والمشرع

• إدوار حنين النائب
• إدوار حنين الوزير
• ادوار حنين والجبهة اللبنانية
• حزب الكتلة الوطنية
• إدوار حنين في الصحافة
• كتابات سياسية
• كتابات في السياسية
المجموعة الأولى

• كتابات في السياسية
المجموعة الثانية
ادوار حنين في الصحافة

• مجلة الفصول
• مقالات بو ابراهيم
• مقالات متفرقة
إدوار حنين المفكر والأديب

• أدب الرحلات
• أدب الرثاء
• محاضرات
• كتابات أدبية
• كتابات في مناسبات
الارشيف

• ارشيف الصوت
• أرشيف الصور
• أرشيف الأفلام
• ارشيف الكتب
ارسل لنا

• لمعلوماتك الاضافية
• لديك مخطوطات غير منشورة
• اتصل بنا
• ارسل هذه الصفحة
• أطبع هذه الصفحة
اطلقت هذا الموقع جمعية أندية الليونز في 30 حزيران 2013 من ضمن احتفاليات مئوية ولادة ادوار حنين.