فلما كنت أرى ما لهذه المباحث من الأهمية على الحزب وعلى مستقبله واستمراره وقد رأيت أن أدون ملاحظاتي في الموضوع تدوينًا خطيًا راجيًا من حضرتكم أن يصار إلى عرضها في الجلسة المقبلة للمناقشة والتقرير.
في ماهية حزب الكتلة الوطنية اللبنانية
وقبل أن أتناول الناحيتين العقائدية والتنظيمية فيا لجزب وهما الناحيتان اللتان دار البحث عليهما، أرى من الضرورة اللازمة أن أبدأ بإيضاح أحدد فيه ما هية حزب الكتلة الوطنية اللبنانية.
انشئ حزب الكتلة الوطنية في الأصل ليكون حزبًا سياسيًا لبنانيًا فهذا يعني انه حزب شعبي أي انه حزب فئة من الشعب اللبناني لها أهدافها الساسية ومفروض أن تكون لها وسائلها الخاصة لتحقيق هذه الاهداف فليس حزبنا إذًا منظمة شباب.
وليس هو على الأخص تكتل نفعي بين ضمة من الرجال الذين يرون فيه أفضل مركبة يركبونها للوصول إلى النيابة ومقاعد الحكم.
من هنا ينتج:
اولاً: إنه يجب ان يكون للحزب منهاج سياسي لبناني واضح.
ثانيًا: ان تكون له طريقة للعمل تليق بالاحزاب السياسية الكبيرة.
ثالثًا: أن يعمل الحزب على حشد اكبر جمهرة لبنانية ممكنة من اللبنانيين ، جميع اللبنانيين، من مقيمين ومغتربين، من أطفال وشيوخ، من نساء ورجال.
رابعًا: وما دام حزبنا حزبًا فيجب أن ينظم هذا الحشد الشعبي تنظيمًا حزبيًا صحيحًا بدونه لا تكون رابطة بين المحتشدين وبدونه لا تستنبط القوة التي من أجلها تعمل الأحزاب.
على ضوء هذا الواقع الحزبي أعود غلى بحث النقاط التي أثيرت في اجتماع نهار الإثنين الفائت:
الناحية العقائدية:
ان يكون حزب الكتلة الوطنية اللبنانية حزبًا سياسيًا في الأصل هذا لا يمنع عليه ان تكون له مبادئ عقائدية.
بل أذهب إلى أبعد فأقول: إن السياسة التي لا ترتبط بمبادئ عقائدية تنقلب حتمًا إلى ميكيافيلية كريهة وإلى اتجاه رخيص.
هذا فضلاً على أنه لم تقم قائمة لحزب سياسي كبير لا صوفية فيه.
فالصوفية الحزبية إنما هي بمثابة الروح للجسد.
فمن اجل ذلك اجد ان لا مفر لحزبنا من أن تكون له صوفية معلومة مميزة فارقة وهي على ما أعتقد ما ذهب المجتمعون نهار الإثنين الفائت إلى تسميته بالمبادئ العقائدية.
وأول سؤال يطرح بهذا الصدد هو هذا:
هل لحزب الكتلة الوطنية اللبنانية مبادئ عقائدية؟
انا ممن يؤمنون بان المبادئ العقائدية في حزبنا كائنة منذ ان كان ومنذ أن طلع إلى الوجود.
وإذا كان بعض الكتلويين لم يتحسسوا صوفية حزبنا تحسسًا واضحًا فمرد ذلك إلى أن الاشتغال في السياسة وفي شؤونها الطارئة كان يصرف بعض الكتلويين عن الجوهر إلى العرض وعن اللب إلى القشور.
وقد يكون من أسباب ذلك أيضًا أن بعض الكتلويين لم يعملوا جديًا على نشر حزبهم بالدعاية له وبالترويج لمبادئه ولو فعلوا لكان محتمًا عليهم أن يقفوا وجهًا لوجه أمام تعطش الناس غلى معرفة حقيقة حزب الكتلة.
وحيال هذا التعطش لما كانوا وجدوا سبيلاً غلى الفرار من إرواء غلة المتعطشين وهي غلة لا ترتوي إلا بأن تقدم للعطاش تفصيلاً واضحًا عما اوجب ان يقوم في لبنان...
... يؤمن الحزب بأنه يمثل الروحية المستمرة عبر الأجيال والعصور لانه يعبر عن أماني اللبنانيين وتوقهم.
من هنا اعتقاده أنه حزب الاستمرار اللبناني....
... وإن أهم ما ألفت النظر إليه في ما يتعلق بالمنهاج هو إعطاء الشروح والتفاصيل لبعض البنود الغامضة وأهمها قولنا في المنهاج إن حزب الكتلة الوطنية اللبنانية حزب اشتراكي. كما انه يجب أن يعمد إلى وضع المشاريع التي تحقق تنفيذ البنود الوارد تعدادها في المنهاج وأهمها تعديل الدستور وتعديل قانون الانتخاب وتعديل قانون الصحافة وما إليه.
التنظيم
وأصل الآن إلى الناحية التنظيمية للحزب وهي التي تقلق بال الأعضاء الإخوان بنوع خاص.
الحق غن التنظيم في حزبنا هو اهم ما يهتم له الكتلويون المخلصون وهو ما يستحق منا العناية والجهد في المقام الأول.
إن حزب الكتلة الوطنية اللبنانية كان إلى يومنا الحاضر فكرة اكثر منه حزب.
وكان حزبنا فعل إيمان بلبنان أكثر منه مؤسسة نظامية لخدمة لبنان.
فمن اجل ذلك اجد أن الحاجة ملحة لجعل الفكرة حزبًا نظاميًا والإيمان مؤسسة نظامية.
لقد كان حزب الكتلة الوطنية إلى الأيام الأخيرة كيانين مستقلين.
الكيان الأول وهو جمعية الإخوان التي اطلقت على نفسها اسم حزب الكتلة الوطنية اللبنانية وهي الجمعية التي تجتمع في بيت الأمة أو في مكتب العميد للمباحثة وإصدار البيانات.
والكيان الثاني وهو جمهرة اللبنانيين الذين يدينون بدين الكتلة الوطنية والمنتشرون في كل مكان من أرض الجمهورية اللبنانية ومن أراضي المهاجر اللبنانية.
والكيانان مستقلان الواحد منهما عن الآخر وهو ما كان السبب في تفككنا الحزبي وفي عدم ارتباطنا كرجال حزب واحد.
فبداية التنظيم يجب ان تكون في توحيد الكيانين هذين...
... وإنني اشدد على ضرورة الاتصال بالمغتربين ولا أدخل في تعداد الفوائد المعنوية والمادية التي تتوفر لنا من جراء هذا الاتصال.
تنظيم الإدارة
لقد تجاوزت عن تعمد وقصد تفاصيل التنظيم الثانوية لأنها من بديهيات الامور.
وعندما يبدأ بحركة التنظيم يجب ان يبدأ بتنظيم الإدارة أولاً.
وفي سبيل ذلك أقترح ان يصار إلى حل هيئة الحزب كاملة وانتقال الصلاحيات جميعها إلى يد العميد شرط ألا يتجاوز ذلك الثلاثة أشهر. فيعمد العميد في الحال إلى تشكيلات حزبية جديدة بمطلق صلاحياته ثم يلجأ إلى طرق الحزب القانونية لتثبيت تشكيلاته وتكريسها.
وإن للعميد من الإخلاص للحزب ومن القدرة على فهم حاجاته والعمل من أجلها ما يحملنا على الاعتقاد بانه سيضرب عرض الحائط للاعتبارات الصداقية العاطفية وسوف لا يراعي في تشكيلاته سوى مصلحة الحزب التي عليه معلقة مصلحة اللبنانيين. فتجيء تشكيلاته الجديدة بان تضمن للحزب حياة جديدة قوية في هذا الصراع الهائل الذي تتصارعه الأحزاب على اختلاف أهدافها وألوانها في لبنان.
مجلس الشيوخ
وما دام حزبنا حزب الاستمرار اللبناني فيجب أن يكون إلى جانب الهيئات الحزبية العاملة مجلس للشيوخ تتمثل فيه المناطق ويكون في الحزب، صوت الحكمة اللبنانية ووجه الاستمرار اللبناني.
ويوضع لمجلس الشيوخ هذا نظام خاص تحدد فيه صلاحياته ومواعيد اجتماعه والدواعي التي من أجلها يجب أن يجتمع في غير مواعيده المعينة...
الانتخابات
ولما كان حزبنا حزبًا سياسيًا، في الأصل، كانت الانتخابات غاية من غاياته.
وهي الانتخابات يا سيدي العميد، التي كانت كاشفًا لنا ولغيرنا عما نحن فيه من المعايب.
فمن اجل ذلك، لا بد من كلمة – في معرض حديثنا عن التنظيم – اتناول فيها الانتخابات.
إن المعركة الانتخابية في لبنان إما أن تكون معركة تزوير – كما حصل في السنة 1947 – وإما أن تكون معركة مال – كما حصل في السنة 1951 – وإما أن تكون شيئًا ثالثًا ستكشف لنا عنه الانتخابات في السنة 1955.
فمعركة التزوير ومعركة المال كلاهما لا يدفع اذاهما عنا سوى التنظيم.
إذ التزوير يجب ان يقاوم بالقوة.
والمال يجب أن يقاوم بالمال.
فالقوة والمال كلاهما لا يتوفران لنا إلا بالتنظيم.
وهذا التنظيم يجب أن يهدف إلى أن يكون لنا في كل مركز قلم اقتراع:
1- فرقة من الفرق الرياضية تكون مستعدة دائمًا لمجابهة العدوان بالقوة.
2- لجنة من 11 رجلاً – هذا الرقم يصح عن المتن خاصة – يعين إثنان منهم وكيلين في مكتب قلم الاقتراع والتسعة الآخرون يعين كل واحد منهم وكيلاً عن أحد المرشحين التسعة.
إدوار حنين ونهضة الكتلة الوطنية
قلّما كنت أرى ما لهذه المباحث من الأهمية على الحزب وعلى مستقبله واستمراره وقد رأيت أن أدون ملاحظاتي في الموضوع تدوينًا خطيًا راجيًا من حضرتكم أن يصار إلى عرضها في الجلسة المقبلة للمناقشة والتقرير.
في ماهية حزب الكتلة الوطنية اللبنانية:
وقبل أن أتناول الناحيتين العقائدية والتنظيمية في الحزب وهما الناحيتان اللتان دار البحث عليهما، أرى من الضرورة اللازمة أن أبدأ بإيضاح أحدد فيه ماهية حزب الكتلة الوطنية اللبنانية. أنشئ حزب الكتلة الوطنية في الأصل ليكون حزبًا سياسيًا لبنانيًا فهذا يعني أنه حزب شعبي أي أنه حزب فئة من الشعب اللبناني لها أهدافها الساسية ومفروض أن تكون لها وسائلها الخاصة لتحقيق هذه الأهداف فليس حزبنا إذًا منظمة شباب. وليس هو على الأخص تكتل نفعي بين ضمّة من الرجال الذين يرون فيه أفضل مركبة يركبونها للوصول إلى النيابة ومقاعد الحكم. من هنا ينتج :
اولاً: إنه يجب ان يكون للحزب منهاج سياسي لبناني واضح.
ثانيًا: أن تكون له طريقة للعمل تليق بالأحزاب السياسية الكبيرة.
ثالثًا: أن يعمل الحزب على حشد أكبر جمهرة لبنانية ممكنة من اللبنانيين، جميع اللبنانيين، من مقيمين ومغتربين، من أطفال وشيوخ، من نساء ورجال.
رابعًا: وما دام حزبنا حزبًا فيجب أن ينظم هذا الحشد الشعبي تنظيمًا حزبيًا صحيحًا بدونه لا تكون رابطة بين المحتشدين وبدونه لا تستنبط القوة التي من أجلها تعمل الأحزاب.
على ضوء هذا الواقع الحزبي أعود إلى بحث النقاط التي أثيرت في اجتماع نهار الإثنين الفائت:
الناحية العقائدية:
أن يكون حزب الكتلة الوطنية اللبنانية حزبًا سياسيًا في الأصل هذا لا يمنع عليه ان تكون له مبادئ عقائدية. بل أذهب إلى أبعد فأقول: إن السياسة التي لا ترتبط بمبادئ عقائدية تنقلب حتمًا إلى ميكيافيلية كريهة وإلى اتجاه رخيص. هذا فضلاً على أنه لم تقم قائمة لحزب سياسي كبير لا صوفية فيه. فالصوفية الحزبية إنما هي بمثابة الروح للجسد. من أجل ذلك أجد أن لا مفر لحزبنا من أن تكون له صوفية معلومة مميزة فارقة وهي على ما أعتقد ما ذهب المجتمعون نهار الإثنين الفائت إلى تسميته بالمبادئ العقائدية.
وأول سؤال يطرح بهذا الصدد هو هذا: هل لحزب الكتلة الوطنية اللبنانية مبادئ عقائدية؟
أنا ممن يؤمنون بأن المبادئ العقائدية في حزبنا كائنة منذ أن كان ومنذ أن طلع إلى الوجود. وإذا كان بعض الكتلويين لم يتحسسوا صوفية حزبنا تحسسًا واضحًا فمرد ذلك إلى أن الاشتغال في السياسة وفي شؤونها الطارئة كان يصرف بعض الكتلويين عن الجوهر إلى العرض وعن اللب إلى القشور. وقد يكون من أسباب ذلك أيضًا أن بعض الكتلويين لم يعملوا جديًا على نشر حزبهم بالدعاية له وبالترويج لمبادئه ولو فعلوا لكان محتمًا عليهم أن يقفوا وجهًا لوجه أمام تعطش الناس إلى معرفة حقيقة حزب الكتلة. وحيال هذا التعطش لما كانوا وجدوا سبيلاً إلى الفرار من إرواء غلة المتعطشين وهي غلة لا ترتوي إلا بأن تقدم للعطاش تفصيلاً واضحًا عما اوجب ان يقوم في لبنان... يؤمن الحزب بأنه يمثل الروحية المستمرة عبر الأجيال والعصور لانه يعبر عن أماني اللبنانيين وتوقهم. من هنا اعتقاده أنه حزب الاستمرار اللبناني... وإن أهم ما ألفت النظر إليه في ما يتعلق بالمنهاج هو إعطاء الشروح والتفاصيل لبعض البنود الغامضة وأهمها قولنا في المنهاج إن حزب الكتلة الوطنية اللبنانية حزب اشتراكي. كما انه يجب أن يعمد إلى وضع المشاريع التي تحقق تنفيذ البنود الوارد تعدادها في المنهاج وأهمها تعديل الدستور وتعديل قانون الانتخاب وتعديل قانون الصحافة وما إليه.
التنظيم
وأصل الآن إلى الناحية التنظيمية للحزب وهي التي تقلق بال الأعضاء الإخوان بنوع خاص.
الحق إن التنظيم في حزبنا هو اهم ما يهتم له الكتلويون المخلصون وهو ما يستحق منا العناية والجهد في المقام الأول.
إن حزب الكتلة الوطنية اللبنانية كان إلى يومنا الحاضر فكرة اكثر منه حزب. وكان حزبنا فعل إيمان بلبنان أكثر منه مؤسسة نظامية لخدمة لبنان. فمن أجل ذلك اجد أن الحاجة ملحة لجعل الفكرة حزبًا نظاميًا والإيمان مؤسسة نظامية. لقد كان حزب الكتلة الوطنية إلى الأيام الأخيرة كيانين مستقلين.
الكيان الأول وهو جمعية الإخوان التي أطلقت على نفسها اسم حزب الكتلة الوطنية اللبنانية وهي الجمعية التي تجتمع في بيت الأمة أو في مكتب العميد للمباحثة وإصدار البيانات. والكيان الثاني وهو جمهرة اللبنانيين الذين يدينون بدين الكتلة الوطنية والمنتشرون في كل مكان من أرض الجمهورية اللبنانية ومن أراضي المهاجر اللبنانية. أما الكيانان هذان فقد كانا مستقلين الواحد منهما عن الآخر وهو ما كان السبب في تفككنا الحزبي وفي عدم ارتباطنا كرجال حزب واحد. بداية التنظيم يجب ان تكون في توحيد الكيانين هذين... وإنني اشدد على ضرورة الاتصال بالمغتربين ولا أدخل في تعداد الفوائد المعنوية والمادية التي تتوفر لنا من جراء هذا الاتصال.
تنظيم الإدارة
لقد تجاوزت عن تعمد وقصد تفاصيل التنظيم الثانوية لأنها من بديهيات الامور. وعندما يبدأ بحركة التنظيم يجب ان يبدأ بتنظيم الإدارة أولاً. وفي سبيل ذلك أقترح ان يصار إلى حل هيئة الحزب كاملة وانتقال الصلاحيات جميعها إلى يد العميد شرط ألا يتجاوز ذلك الثلاثة أشهر. فيعمد العميد في الحال إلى تشكيلات حزبية جديدة بمطلق صلاحياته ثم يلجأ إلى طرق الحزب القانونية لتثبيت تشكيلاته وتكريسها.
وإن للعميد من الإخلاص للحزب ومن القدرة على فهم حاجاته والعمل من أجلها ما يحملنا على الاعتقاد بانه سيضرب عرض الحائط للاعتبارات الصداقية العاطفية وسوف لا يراعي في تشكيلاته سوى مصلحة الحزب التي عليه معلقة مصلحة اللبنانيين. فتجيء تشكيلاته الجديدة بان تضمن للحزب حياة جديدة قوية في هذا الصراع الهائل الذي تتصارعه الأحزاب على اختلاف أهدافها وألوانها في لبنان.
مجلس الشيوخ
وما دام حزبنا حزب الاستمرار اللبناني فيجب أن يكون إلى جانب الهيئات الحزبية العاملة مجلس للشيوخ تتمثل فيه المناطق ويكون في الحزب، صوت الحكمة اللبنانية ووجه الاستمرار اللبناني.
ويوضع لمجلس الشيوخ هذا نظام خاص تحدد فيه صلاحياته ومواعيد اجتماعه والدواعي التي من أجلها يجب أن يجتمع في غير مواعيده المعينة...
الانتخابات
ولما كان حزبنا حزبًا سياسيًا، في الأصل، كانت الانتخابات غاية من غاياته. وهي الانتخابات يا سيدي العميد، التي كانت كاشفًا لنا ولغيرنا عما نحن فيه من المعايب. فمن اجل ذلك، لا بد من كلمة – في معرض حديثنا عن التنظيم – اتناول فيها الانتخابات. إن المعركة الانتخابية في لبنان إما أن تكون معركة تزوير – كما حصل في السنة 1947 – وإما أن تكون معركة مال – كما حصل في السنة 1951 – وإما أن تكون شيئًا ثالثًا ستكشف لنا عنه الانتخابات في السنة 1955.
معركة التزوير ومعركة المال كلاهما لا يدفع اذاهما عنا سوى التنظيم. إذ التزوير يجب ان يقاوم بالقوة. والمال يجب أن يقاوم بالمال.
فالقوة والمال كلاهما لا يتوفران لنا إلا بالتنظيم. وهذا التنظيم يجب أن يهدف إلى أن يكون لنا في كل مركز قلم اقتراع:
1 – فرقة من الفرق الرياضية تكون مستعدة دائمًا لمجابهة العدوان بالقوة.
2 – لجنة من 11 رجلاً – هذا الرقم يصح عن المتن خاصة – يعين إثنان منهم وكيلين في مكتب قلم الاقتراع والتسعة الآخرون يعين كل واحد منهم وكيلاً عن أحد المرشحين التسعة.
إدوار حنين وكتابات تعود إلى حقبة الكتلة الوطنية
فلما كنت أرى ما لهذه المباحث من الأهمية على الحزب وعلى مستقبله واستمراره وقد رأيت أن أدون ملاحظاتي في الموضوع تدوينًا خطيًا راجيًا من حضرتكم أن يصار إلى عرضها في الجلسة المقبلة للمناقشة والتقرير.
في ماهية حزب الكتلة الوطنية اللبنانية
وقبل أن أتناول الناحيتين العقائدية والتنظيمية فيالجزب وهما الناحيتان اللتان دار البحث عليهما، أرى من الضرورة اللازمة أن أبدأ بإيضاح أحد فيه ماهية حزب الكتلة الوطنية اللبنانية.
انشئ حزب الكتلة الوطنية في الأصل ليكون حزبًا سياسيًا لبنانيًا فهذا يعني انه حزب شعبي أي انه حزب فئة من الشعب اللبناني لها أهدافها الساسية ومفروض أن تكون لها وسائلها الخاصة لتحقيق هذه الاهداف فليس حزبنا إذًا منظمة شباب.
وليس هو على الأخص تكتل نفعي بين ضمة من الرجال الذين يرون فيه أفضل مركبة يركبونها للوصول إلى النيابة ومقاعد الحكم.
من هنا ينتج :
اولاً: إنه يجب ان يكون للحزب منهاج سياسي لبناني واضح.
ثانيًا: ان تكون له طريقة للعمل تليق بالاحزاب السياسية الكبيرة.
ثالثًا: أن يعمل الحزب على حشد اكبر جمهرة لبنانية ممكنة من اللبنانيين ، جميع اللبنانيين، من مقيمين ومغتربين، من أطفال وشيوخ، من نساء ورجال.
رابعًا: وما دام حزبنا حزبًا فيجب أن ينظم هذا الحشد الشعبي تنظيمًا حزبيًا صحيحًا بدونه لا تكون رابطة بين المحتشدين وبدونه لا تستنبط القوة التي من أجلها تعمل الأحزاب.
على ضوء هذا الواقع الحزبي أعود إلى بحث النقاط التي أثيرت في اجتماع نهار الإثنين الفائت:
الناحية العقائدية:
ان يكون حزب الكتلة الوطنية اللبنانية حزبًا سياسيًا في الأصل هذا لا يمنع عليه ان تكون له مبادئ عقائدية.
بل أذهب إلى أبعد فأقول: إن السياسة التي لا ترتبط بمبادئ عقائدية تنقلب حتمًا إلى ميكيافيلية كريهة وإلى اتجاه رخيص.
هذا فضلاً على أنه لم تقم قائمة لحزب سياسي كبير لا صوفية فيه.
فالصوفية الحزبية إنما هي بمثابة الروح للجسد.
فمن اجل ذلك اجد ان لا مفر لحزبنا من أن تكون له صوفية معلومة مميزة فارقة وهي على ما أعتقد ما ذهب المجتمعون نهار الإثنين الفائت إلى تسميته بالمبادئ العقائدية.
وأول سؤال يطرح بهذا الصدد هو هذا:
هل لحزب الكتلة الوطنية اللبنانية مبادئ عقائدية؟
انا ممن يؤمنون بان المبادئ العقائدية في حزبنا كائنة منذ ان كان ومنذ أن طلع إلى الوجود.
وإذا كان بعض الكتلويين لم يتحسسوا صوفية حزبنا تحسسًا واضحًا فمرد ذلك إلى أن الاشتغال في السياسة وفي شؤونها الطارئة كان يصرف بعض الكتلويين عن الجوهر إلى العرض وعن اللب إلى القشور.
وقد يكون من أسباب ذلك أيضًا أن بعض الكتلويين لم يعملوا جديًا على نشر حزبهم بالدعاية له وبالترويج لمبادئه ولو فعلوا لكان محتمًا عليهم أن يقفوا وجهًا لوجه أمام تعطش الناس غلى معرفة حقيقة حزب الكتلة.
وحيال هذا التعطش لما كانوا وجدوا سبيلاً إلى الفرار من إرواء غلة المتعطشين وهي غلة لا ترتوي إلا بأن تقدم للعطاش تفصيلاً واضحًا عما اوجب ان يقوم في لبنان...
... يؤمن الحزب بأنه يمثل الروحية المستمرة عبر الأجيال والعصور لانه يعبر عن أماني اللبنانيين وتوقهم.
من هنا اعتقاده أنه حزب الاستمرار اللبناني....
... وإن أهم ما ألفت النظر إليه في ما يتعلق بالمنهاج هو إعطاء الشروح والتفاصيل لبعض البنود الغامضة وأهمها قولنا في المنهاج إن حزب الكتلة الوطنية اللبنانية حزب اشتراكي. كما انه يجب أن يعمد إلى وضع المشاريع التي تحقق تنفيذ البنود الوارد تعدادها في المنهاج وأهمها تعديل الدستور وتعديل قانون الانتخاب وتعديل قانون الصحافة وما إليه.
التنظيم
وأصل الآن إلى الناحية التنظيمية للحزب وهي التي تقلق بال الأعضاء الإخوان بنوع خاص.
الحق إن التنظيم في حزبنا هو اهم ما يهتم له الكتلويون المخلصون وهو ما يستحق منا العناية والجهد في المقام الأول.
إن حزب الكتلة الوطنية اللبنانية كان إلى يومنا الحاضر فكرة اكثر منه حزب.
وكان حزبنا فعل إيمان بلبنان أكثر منه مؤسسة نظامية لخدمة لبنان.
فمن اجل ذلك اجد أن الحاجة ملحة لجعل الفكرة حزبًا نظاميًا والإيمان مؤسسة نظامية.
لقد كان حزب الكتلة الوطنية إلى الأيام الأخيرة كيانين مستقلين.
الكيان الأول وهو جمعية الإخوان التي اطلقت على نفسها اسم حزب الكتلة الوطنية اللبنانية وهي الجمعية التي تجتمع في بيت الأمة أو في مكتب العميد للمباحثة وإصدار البيانات.
والكيان الثاني وهو جمهرة اللبنانيين الذين يدينون بدين الكتلة الوطنية والمنتشرون في كل مكان من أرض الجمهورية اللبنانية ومن أراضي المهاجر اللبنانية.
أما الكيانان هذان فقد كانا مستقلين الواحد منهما عن الآخر وهو ما كان السبب في تفككنا الحزبي وفي عدم ارتباطنا كرجال حزب واحد.
فبداية التنظيم يجب ان تكون في توحيد الكيانين هذين...
... وإنني اشدد على ضرورة الاتصال بالمغتربين ولا أدخل في تعداد الفوائد المعنوية والمادية التي تتوفر لنا من جراء هذا الاتصال.
تنظيم الإدارة
لقد تجاوزت عن تعمد وقصد تفاصيل التنظيم الثانوية لأنها من بديهيات الامور.
وعندما يبدأ بحركة التنظيم يجب ان يبدأ بتنظيم الإدارة أولاً.
وفي سبيل ذلك أقترح ان يصار إلى حل هيئة الحزب كاملة وانتقال الصلاحيات جميعها إلى يد العميد شرط ألا يتجاوز ذلك الثلاثة أشهر.
فيعمد العميد في الحال إلى تشكيلات حزبية جديدة بمطلق صلاحياته ثم يلجأ إلى طرق الحزب القانونية لتثبيت تشكيلاته وتكريسها.
وإن للعميد من الإخلاص للحزب ومن القدرة على فهم حاجاته والعمل من أجلها ما يحملنا على الاعتقاد بانه سيضرب عرض الحائط للاعتبارات الصداقية العاطفية وسوف لا يراعي في تشكيلاته سوى مصلحة الحزب التي عليه معلقة مصلحة اللبنانيين. فتجيء تشكيلاته الجديدة بان تضمن للحزب حياة جديدة قوية في هذا الصراع الهائل الذي تتصارعه الأحزاب على اختلاف أهدافها وألوانها في لبنان.
مجلس الشيوخ
وما دام حزبنا حزب الاستمرار اللبناني فيجب أن يكون إلى جانب الهيئات الحزبية العاملة مجلس للشيوخ تتمثل فيه المناطق ويكون في الحزب، صوت الحكمة اللبنانية ووجه الاستمرار اللبناني.
ويوضع لمجلس الشيوخ هذا نظام خاص تحدد فيه صلاحياته ومواعيد اجتماعه والدواعي التي من أجلها يجب أن يجتمع في غير مواعيده المعينة...
الانتخابات
ولما كان حزبنا حزبًا سياسيًا، في الأصل، كانت الانتخابات غاية من غاياته.
وهي الانتخابات يا سيدي العميد، التي كانت كاشفًا لنا ولغيرنا عما نحن فيه من المعايب.
فمن اجل ذلك، لا بد من كلمة – في معرض حديثنا عن التنظيم – اتناول فيها الانتخابات.
إن المعركة الانتخابية في لبنان إما أن تكون معركة تزوير – كما حصل في السنة 1947 – وإما أن تكون معركة مال – كما حصل في السنة 1951 – وإما أن تكون شيئًا ثالثًا ستكشف لنا عنه الانتخابات في السنة 1955.
فمعركة التزوير ومعركة المال كلاهما لا يدفع اذاهما عنا سوى التنظيم.
إذ التزوير يجب ان يقاوم بالقوة.
والمال يجب أن يقاوم بالمال.
فالقوة والمال كلاهما لا يتوفران لنا إلا بالتنظيم.
وهذا التنظيم يجب أن يهدف إلى أن يكون لنا في كل مركز قلم اقتراع:
1 – فرقة من الفرق الرياضية تكون مستعدة دائمًا لمجابهة العدوان بالقوة.
2 – لجنة من 11 رجلاً – هذا الرقم يصح عن المتن خاصة – يعين إثنان منهم وكيلين في مكتب قلم الاقتراع والتسعة الآخرون يعين كل واحد منهم وكيلاً عن أحد المرشحين التسعة.
سيداتي سادتي
لا كما المسك في الختام. بل كلقمة الزيتون بها يختم على الطيبات. حتى بعد الحلوى، تجد حبة الزيتون لها مكاناً. وقد أكد لي ذلك جبلي وبيروتي، من أكابر أبناء الجبل وبيروت. وكنت احسبني وأهلي، وحدنا، معودين هذا.
ولأني في ختام المتكلمين، وفي قيرتي، أستميح نادي الغدير عذراً ان أنا شكرت باسمه، وبإسم أبناء برج البراجنة، جميع الذين تقدموني على هذا المنبر المستجد فاقتتعوا من وقتهم وقتاً ثميناُ ليطعموا من قلبهم وروحهم جماعة طالما أطعمت الناس من قلبها وروحها فزاد ما فيهما ولم ينقص.
وللمناسبة أتوجه لنادي الغدير بنداء أخوي حار وهو أن يستمر، قدماً في طريقه حتى يعرف أن في برج البراجنة صناعة للكلام (وما أحلاها) كما في بيت شباب صناعة للأجراس، في الذوق صناعة للنسيج، في جزّين للسكاكين، في معدوشا للفخار، في الفاكهة للسجاد، وفي زحلة للعرق، ذاكرين أبدا، ان العتبة نصف الطريق (وقد اجتزتموها) وان الطريق طويل.
جامعة الدول العربية
في التسمية
للمعاهدات الدولية تسميات متنوعة روّجتها الحياة العملية وأقرّها القانون الدولي العام، أعمّها: معاهدة وميثاق وتصريح وموافقة واتفاق وبراءة عامة وبروتوكول وتبادل مذكرات وغيرها...
في التحديد
سمّي الاتفاق فيصبح "معاهدة" سواء معاهدة أم بروتوكولاً أم غير ذلك: كال اتفاق معقود بين دول حرة مستقلة بواسطة رجالها الرسميين (رؤساؤها عادة) على أن يكونوا مكلّفين للقيام بالأعمال الدولية تلك شرط أن يتم عملهم وفقًا للدستور. فإذا كانت كل هذه الصفات متوفرة في دول المؤتمر الإسكندري ورجاله وإذا كانت صلاحياتهم مستمرة من دساتير بلدانهم فيكون ما نتج عنهم في ذلك المؤتمر "معاهدة" سارية على جميع الموقعين بالسواء.
في انواع المعاهدات
وليست كل المعاهدات الدولية من فصيلة واحدة فهي إما أن تكون "زوجية" وإما أن تكون "جامعية" وبين هذهمنها ما هو معاهدة بمثابة عقد ومنها ما هو معاهدة بمثابة قانون. فالمعاهدة التي هي بمثابة عقد يقوم بها اثنان فأكثر، غاية كل منهم تختلف من غاية الآخر، والقصد منها إيصال كل متعاقد من المتعاقدين إلى مطلبه أو إلى بعضه. أما المعاهدة التي هي بمثابة قانون، فعلى العكس، يقوم بها اثنان فأكثر من ذوات الغاية الواحدة، في الأصل، للوصول إلى نتيجة تفضي إلى خير المجموع فهي تقرر الطرائق القانونية الملائمة لتكون شريعة المستقبل المرجو منه إيصال المتعاقدين إلى غايتهم المشتركة. يكون بروتوكول الإسكندرية، إذًا، معاهدة اجتماعية بمثابة قانون.
في إبرام بروتوكول الإسكندرية
أما وقد حددنا منزلة بروتوكول الإسكندرية من "ألعلم" وقبل أن ننتقل إلى بحثه لجهة "ألواقع" يحسن أن يعرف شيء عن قيمة هذا البروتوكول القانونية. من الثابت، علمًا، أن ليست كل معاهدة بحاجة إلى مصادقة الحكومة المركزية لتبرم فقد يولّى المتعاقدون حق إبرام المعاهدة التي أوفدوا إليها ولكنه من الثابت أيضًا أن هناك بعض المعاهدات التي تستلزم مصادفة الهيئات الخاصة في الحكومة المركزية لتبرم وتصبح نافذة على البلاد الموقّعة. فهل أبرم بروتوكول الإسكندرية أم أنه لم يزل في الطريق؟
في الدستور اللبناني
الجواب على هذا: إن المادة الثانية والخمسين من الدستور اللبناني المعدّلة بالمادة الثالثة من القانون الدستوري الأخير نصّت على ما يلي: يتولى رئيس الجمهورية المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها ويطلع المجلس عليها حينما تمكنّه من ذلك مصلحة البلاد وسلامة الدولة. أما المعاهدات التي تنطوي على شروط تتعلق بمالية الدولة والمعاهدات التجارية وسائر المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة فلا تعد مبرمة إلا بعد موافقة المجلس عليها." والحال أن المعاهدة الحاضرة هي من التي لا يجوز فسخها سنة فسنة، فيقتضي لها إذًا موافقة المجلس.
في حق التعديل
وليلاحظ أنه قبل موافقة المجلس، فهل للمجلس حق التعديل في بنود هذه المعاهدة أم انه عليه قبولها برمّتها أم أرفضها برمّتها. من الجاري عليه الرأي أن المجلس يقبل أو يرفض وليس للمجلس حق التعديل. وعلى هذا القانون الدستوري الفرنسي (المادة 73 من نظام مجلس الشيوخ والمادة 93 من نظام مجلس النواب)
في التحفظات
إلا أنه لا بد من ملاحظة واقع: وهو أنه يعترف للدول المتعاهدة بحق إبداء بعض التحفظات وقد لاحظ العلامة نيبوييه انه من 14 معاهدة وُقّعت في "لاهاي" السنة 1907 – 12 منها ألحقت بتحفظات. وقد بلغ عدد تلك التحفظات الـ 65 عدًا وقد صدرت عن 28 دولة من أصل 45 دولة موقّعة.
ملاحظة
إن موافقة المجلس النيابي على مشروع المعاهدة لا تلزم رئيس الجمهورية على المصادقة الإبرام. فهو، وإن وافق المجلس النيابي. حر في إنفاذ المعاهدة أو عدم إنفاذها.
ملاحظة ملحقة
إن كل معاهدة تستلزم موافقة المجلس ومصادقة رئيس الدولة لتنقذ تحمل مهلة يجب أن تتم فيها الموافقة والمصادقة وإذا كانت خلوًا من تعيين المهلة وفي سبيل الاقتصاد بالوقت ومحايدة الإزعاج الناتج عن تبادل الوثائق يصار إلى نص يتفق فيه على أن مخابرة هاتفية أو تلغرافية تكفي لحمل المصادقة اللازمة. والحال أن بروتوكول الإسكندرية لم يحدد مهلة ما، ولم يلجأ إلى النص المشار إليه. فكأن في نيّة المتعاقدين أن البروتوكول الإسكندري نافذ لمجرد توقيعهم عليه وأنه ليس بحاجة إلى موافقة المجالس النيابية ومصادقة رؤساء الدول لينفذ ويلزم البلدان المشتركة في توقيعه. على أن دولة رئيس الوزراء اللبناني قال في بيانه لدى المجلس النيابي: "خرجنا أيها السادة من اجتماع الإسكندية حاملين نصوصًا وقرارات كلّها يجب أن ترجع إلى لجان فإلى الحكومات فإلى المجالس النيابية وبعدئذ يصار إلى التوقيع عليها بصورة نهائية..." وقال في مكان آخر من بيانه. "...هذا البروتوكول الذي سيحوّل إلى لجان وحكومات ومجالس ويتطلّب توقيقًا ودروسًا نقدّمها إليكم في حينه ولكم الحق والحرية في إقراره ليصبح جرمًا." هذا هو الصواب والحق.
في ماهية بروتوكول الإسكندرية
لقد اقتصرنا في كل ما أوردنا في مقدمة هذا البحث على الأمور الشكلية المتعارفة بين علماء القانون الدولي العام وثقاته. فلا بد لنا الآن من التعرض إلى ماهية هذا البروتوكول من حيث الأساس ومن حيث هو ومن حيث المقاصد المرجوة منه. والنتائج الممكن صدورها عنه مستندين في تفهّم كل ذلك إلى نص البروتوكول المذكور وبيان دولة رئيس مجلس الوزرا في لبنان وبيانات رؤساء وفود الأقطار العربية الذين اشتركوا في هذا المؤتمر وفي توقيع هذا البروتوكول والذين قضت عليهم دساتير بلادهم أن يدلوا بتصريحات حول المشاورات والبروتوكول الذي أسفرت عنه تلك المشاورات. أما أبرز ما في هذا البروتوكول فبنده الاول ، فقرته الاولى، إذ جاء فيها انه: "تؤلف جامعة الدول العربية من الدول العربية المستقلة التي تقبل الانضمام إليها ويكون لهذه الجامعة مجلس يسمى "مجلس جامعة الدول لاعربية" تمثّل فيه الدول المستركة في الجامعة على قدم المساواة." وأراد دولة رئيس مجلس الوزراء في بيانه أن يشرح حقيقة الاسم ولماذا وقع الاختيار على اسم "ألجامعة" مستبعدين سواه من أسماء فقال: ولقد رأينا واستمعنا أسماء كثيرة حتى اهتدينا إلى اسم الجامعة وأقول كما ذكر أنطون الجميل بك رئيس تحرير الأهرام، لقد أغنانا المجتمعون في الإسكندرية عن جهود كبيرة في التفتيش وراء الأسماء فأعطوا لاجتماعهم اسم "جامعة" فوفقوا بذلك توفيقًا كاملاً... إن كلمة جامعة قد استبعدت الوحدة والاتحاد على ما قال الأستاذ أنطون الجميل وأراد دولة الرئيس أن يشرح حقيقة المسمى فقال: "فالجامعة، وهناك درس حقوقي سيتلى عليكم، ليست دولة، ولا دولة فوق الدولة، ولا كونفدراسيون، ولا أريد الدخول في التفاصيل..."
في الإسم الجامعة
أما الإسم فقد يحلو لبعضهم، وقد يكون المؤتمر قد وفق إلى اختياره – وهذا فضل يسجّل – إلا أن ليس كل "جورج" ملكًا لإنكلترا، ولا كل "ونستون" تشرشلاً. وكما أنه ليس كل اسم يدل على مسماه هكذا ليس كل مسمى يصدق فيه اسمه. وقد يكون لدولة الرئيس خاصة تمكنه من تمييز النصوص المغفلة وتبيّن أصحابها فيعرف مثلاً أن المقال الوارد في الأهرام عدد الإثنين 9 أكتوبر 1944 رقم 21458 – الصفحة الثالثة تحت العنوان "جامعة الدول العربية" والذي به أستشهد، يعرف أنه للشيخ أنطون الجميل مع أنه خلو من الإمضاء وليس هو بمقام المقال الرئيس في العدد المشار إليه. وقد ورد في المقطع المستشهد فيه على أنه للشيخ أنطون الدميل ما حرفيته... "وفقت اللجنة التحضيرية في اختيار الإسم "جامعة الدول العربية" وكفتنا بذلك مؤونة الجدل والنقاش في اختيار اسم المولود قبل أن يولد من الوحدة إلى الاتحاد إلى الحلف إلى العصبة والاجتلاف على مدلول كل لفظة من هذه الألفاظ في العرف وفي القانون الدولي". الحق ان ابتهاج صاحب المقال في الإسم المحظوظ يحتاج غلى كثير من التحفظ وأن سبب البهجة بحاجة إلى تحفظ اكثر. فإن كان سبب البهجة هو ان اللجنة التحضيرية قد كفت الكاتب مؤونة الجدل والنقاش في مدلول كل لفظة من هذه الألفاظ وهي الوحدة والاتحاد والحلف والعصبة في العرف وفي القانون الدولي . على أن العلم حدد بصراحة مدلول هذه الألفاظ. فحري به أن لا يبتهج لاختيار اللجنة التحضيرية اسم الجامعة لأن هذه اللفظة لم يتبناها العلم بعد ولم يعطها القانون مدلولها الواضح ولم يفرق العلم بعد بين المسمى المنطبقة عليه وبين ما تنظبق عليه الألفاظ المحايدة لوحدة واتحاد وحلف وعصبة من مسميات أصبحت في العرف وجلاها التاريخ وبلورها العلم فباتت تعرف بميزاتتها جميعًا وخصائصها جميعًا من اسمها كما تعرف الأعلام البارزة من أسمائها. ولو ان حضرة الكاتب رجع غلى استشارة الأئمة في القانون الدولي العام لتبين له انهم مجمعون على أن تلك المواثيق الدولية التي من شأنها أن تجمع بين دول متقاربة تعود بالنتيجة إلى أصناف مصنفة. أصناف عينها العلم وحددها. فهي معروفة عدًا. ما زادت من قبل ولن تزيد. بأن تلك المواثيق التي تحمل جدة وابتكارًا وطرافة تعيش بجدتها وطرافتها وابتكارها ولكن إلى حين، إلى أن يعود بها الاستمرار وتعود بها قوة الناموس إلى العادي من الأصناف المصنفة. هكذا أثبت وافع التاريخ وهكذا أقر علماء القانون وهكذا يوجب المنطق. لو عدنا إلى العقود التي تجمع بين الأفراد والتي هي شريعة الأفراد لوجدنا أن كل بند منها لا ينسجم مع ما يدور عليه التعاقد عادة يظل مهملاً غير معمول به. وهكذا كل مادة في قانون عام فهي تترك في الاستعمال اليومي وتهمل فتبقى في ذمة الشارع وفي ذمة النص إلى أن يقيد لها الله شارعًا حكيمًا يمن عليها بالإلغاء والإبطال إذ لا يحيا من التشريع سوى ما مكنت علاقته بالشرع الأصيل وما انبثق منه عنه. ومثل هذا مصير البنود التي تخرج بالمعاهدات الدولية عما قرر لها الاستمرار في كيان معين. فهي وإن عاشت إلى حين مقضي عليها بالموت والزوال شأنها شان النواة في كرة اعدت للتدحرج أبدًا. إنها طريق إلى وقت ثم تزول بحكم الحاجة والناموس.
في المسمى
أما وقد استغرق كلامنا على الإسم وقتًا طال وقد اخطرنا لاستيعابه ان ننعطف إلى المسمى مرارًا فإننا نوجز مكتفين بقول ما لم نقله بعد.غن دولة الرئيس في كلامه عن حقيقة الجامعة إنه لا يريد الدخول في التفاصيل فنحن معه إلى ان يدخل ومتى دخل فندخل إثره. إلا أنه قال مع ذلك إن الجامعة ليست دولة ولا دولة فوق الدولة ولا هي كونفدراسيونًا، قلنا وما هي إذًا؟ ومعلوم أن السلب لا يفيد الإيجاب. فإن هي لم تكن تلك ولا تلك فما هي إذًا؟ قال "وانتم تعلمون إنه قامت هناك مؤسسة اسمها دامعة الأمم انضوت تحتها كل الدول المستقلة ولم يصب استقلال واحدة منها بوهن. وما تشكلت من هذا الانضمام. أجل إلا أننا نعلم في الوقت ذاته غنه ليس سوى الإسم الجامعة يجمع بين جامعتنا وجامعة الأمم. وهل فات دولة الرئيس أن هذه جامعة دول وتلك جامعة أمم ؟ وهل تقرنا اللجنة التحضيرية على استبدال اسم باسم؟
الغاية من هذا البروتوكول
يريد العقل أن يجعل من القول ومن صاحب القول واحدًا. ويعز على الفكر أن يفرق بين القائل وما يجب ان يقال. لذلك نرى أن بروتوكول الإسكندرية الذي هو من وضع موقفيه وحدة مستمرة هو وموقعوه فإن ما فيه يشرحه ويكمله اتباع سياسة خارجية تضر بسياسة جامعة الدول العربية او أية دولة منها. وننظر فنرى أن دولة الجابري بعد أن عدد الأدوار التي مرت على البلاد التي انتهت إلى كيانها تحدث عن مؤتمر مشاورات الوحدة والبحوث التي دارت فيه بما فيها والكلام كله لألف باء عمرو 13 تشرين الأول 1944، بعث سوريا الكبرى، سوريا ولبنان وفلسطين وشرقي الأردن وغيرها... وقال "إن كل هذه الأبحاث لها أجوبتها ونتائجها وبإمكانكم الاطلاع عليها ولكن لا يجوز نشرها". ثم قال: "قد يكون لكل بلد أسبابه الخاصة، ولذلك اضطررنا للتساهل والمشي معهم. ولكن هناك مبادئ عامة قررناها، احتفظنا بحقنا فيها. فهناك وحدة عربية لا بد أن نصل إليها ووحدة سورية نريدها". أين هذا من القرار الخاص المتعلق بلبنان ومن الفقرة الثانية من البند الاول. وننظر فنرى ان دولة سمير الرفاعي باشا ساعة سلم مقاليد الحكم قال في حضرة أعضاء الوزارة وأعضاء المجلس التشريعي وكبار موظفي الدولة: "إننا نعتمد على حليفتنا بريطانيا العظمى ونثق بها في معاونتنا على تحقيق امانينا القومية". فأين هذا من الفقرة الخامسة من البند الاول وأين هذا من موقف دولة الجابري الذي أعلن في بيانه: "وبينما نحن في انتظار تسليم الجيش وإذ بطلب يأتينا من الحكومة الفرنسية لكي نعقد معها معاهدة يكون لها فيها المركز الممتاز فلم تقبل به الحكومة ورفضته."؟ ومن موقف دولة الرئيس اللبناني "كما اننا لا نريد ان نعقد معاهدة مع دولة معينة معلومة كذلك لا نريد أن نعقد معاهدة مع دولة معلومة اخرى. بل نريد أن نذهب إلى مؤتمر السلام أحرارًا طلقين". فأين كل هذا من بعض ذاك؟ ولماذا أللهم يعتمدون هناك حليفتهم العظمى ويثقون في معاونتها لهم على تحقيق امانيهم القومية؟
روحية الشعوب هي ما يقابل بالتسمية عندي شخصية الأفراد. فعلى نحو ما يتكون للرجل من مجمل ما يرث ويكتسب شخصية يتفرد بها في الناس. هكذا روحية الشعوب تتكون مما يرثون ويكتسبون إن عن طريق مناخ بلادهم الروحي ومناخ بلادهم الإقليمي وإن عن طريق التفاعل والتماذج. بعضهم من راح يستقرئ روحية الشعوب من خلال أجناسهم وألوانهم. وبعضهم من راح يتلمس روحية الشعوب من خصائص أقاليمهم وبلدانهم. وبعضهم من توقف في تبيّن روحية الشعوب عند الحياة التي يحيونها وفنونهم، مستندين في ذلك إلى تواريخهم وآدابهم وفنونهم. إلى مأكلهم وملبسهم. إلى تقاليدهم وعاداتهم. فنتج لنا عن كل ذلك علم تعينت له معالم وحدود، وارتسمت له قواعد وأصول. وكاد أن يصير الرأي واحدًا في البيض والسود في الآريين والساميين في الأوروبيين والآسيويين، في الفرنسيين واليهود، في الشاطئيين والجبليين والصحراويين. أما نحن وليس من علم العلماء ما يمكننا أن نمعن في بحاهم فقد حاولنا أمس ان نقعد الشخصية اللبنانية على ما تراءى لنا أنه قواعدها وها نحن اليوم نحاول مستعينين بتاريخ اللبنانيين بتقاليدهم وعاداتهم وبمجمل مظاهر حياتهم ان نعين أبرز ما يظهر لنا من ظاهرات روحية لبنانية وشخصية اللبنانيين. وسنقصر الكلام اليوم على ظاهرة من تلك الظواهر التي تجمد في رأينا أبرز ما في الشخصية اللبنانية من خطوط. أريدني إذا ما وجدت إلى ذلك سبيلاً مالكًا نفسي عن الانسياق وراء ما صار في الدارج من انتحال المكارم والامجاد ثم التفاخر بها ادعاء. فالتبجح على غير حق. وأريدني بعد هذا لإلفات وهو أن روحية الشعوب تظهر تتألق وتخبو على نحو ما تظهر الشموس في الأبكار وتتألق في الاظهار وتخبو في العشيات، بيد أنها تبقى مستمرة الوجود مهما تألبت عليها الأعراض وأحاطت بها الظلمات. فإذا ما جئنا في سياق الحديث على ذكر ما لا تجودن له أثرًا في الحاضر او ما تجدون له أثرًا خافيًا فليس في ذلك ما يعني اننا نزور على الحقيقة أو نحمّل الحقيقة فوق ما تحتمل. وبعد فها نحن والموضوع وجهًا إلى وجه.
من زمن الإنتداب الفرنسي للبنان:
في صيف 1919، جرى لقاء تاريخي بين رئيس الحكومة الفرنسية جورج كليمونصو والزعيم الروحي للموارنة البطريرك الياس الحويك، وقد حضر إلى باريس للمطالبة بالإستقلال الذاتي وضم الأقضية الأربعة إلى جبل لبنان. أبحر البطريرك الحويك من جونيه على رأس وفد من رجال الإكليروس فوق بارجة حربية. حدد الرئيس الفرنسي موعدًا للإجتماع مع الآتي من الشرق وتسلّم مذكرته حول الصيغة المطلوبة للبنان تحت الرعاية الفرنسية. وقف كليمنصو ومدّ يده إلى غبطة البطريرك الحويّك، وأكد للبطريرك أن لبنان سينال منفذًا إلى البحر أسوة بغيره من البلدان. فرد البطريرك مصححًا ما التبس على رئيس وزراء فرنسا وقال: لكن لبنان غني بالشواطئ وكلّه منافذ إلى البحر. فاعتذر كليمنصو لهذا الإلتباس ثم أصغى باهتمام إلى كلام البطريرك.
إنحسر المد العثماني إلى حدود تركيا الحالية، وكانت رحلة البطريرك الحويك إلى باريس بمثابة الخطوة الأولى نحو ولادة لبنان الكبير الذي أبصر النور في السنة 1920 تحت إشراف الدولة الفرنسية مفتتحًا مرحلة من الإنتداب الدولي على بلاد الأرز. بمناسبة ولادة دولة لبنان الكبير أقيم احتفال في قصر الصنوبر تصدّره الجنرال غورو أول مندوب سامي فرنسي في لبنان وقد جلس عن يمينه البطريرك الياس الحويك وعن يساره مفتي بيروت الشيخ مصطفى نجا. مع انتقال لبنان وسوريا إلى قبضة الإنتداب الفرنسي، إستولى الفرنسيون على إدارة مرافق البلدين. إستفادت طبقة من السياسيين والعسكريين الفرنسيين من هذا الظرف وراحت تنشر نفوذها وتأخذ مكانتها في مواقع القرار إلى درجة صار كل لبناني متخرّج من أوروبا أو من غيرها يحتاج إلى ضوء أخضر من المندوب السامي الفرنسي حتى يحصل على وظيفة، وإلا فالأبواب مغلقة في وجهه. وكان في واجهة المفوضية العليا مستشار قضائي إسمه الموسيو بواش. وكان المحامي شارل دباس خريج جامعات باريس، متزوجًا من فرنسية. فاختاره بواش ليعاونه ويكون همزة الوصل بينه وبين المحامين اللبنانيين. وبجهد الرجلين نُظّمت مهنة المحاماة واختير لرئاسة النقابة المحامي وديع دوماني، ولعضويتها المحامون بشارة خليل الخوري وعوني اسحق ونجيب عبد الملك وغيرهم... وكانت لشارل دباس غرفة في المفوضية العليا، ثم لاحقًا في سراي بيروت القديمة وكان موقعها مكان سينما ريفولي في ساحة الشهداء.
في أيار (مايو) 1924، جرت الإنتخابات النيابية في فرنسا وفازت كتلة اليسار والراديكاليين الإشتراكيين والحزب الإشتراكي وحلفائهما. إختير "هيريو" لرئاسة الوزارة الجديدة، فأبرق إلى الجنرال "ويغان" يعفيه من مهامه في لبنان وسوريا، ويعيّن مكانه الجنرال سيراي، وكان شرس الطباع غير حافل بالتقاليد الدينية. أقيم وداع مهيب للجنرال ويغان في مرفأ بيروت، نظّمه جوزف شيحا، وكانت العادة أن يقام احتفال للترحيب بالمفوض العام الجديد. كان نقولا بسترس، رئيس التشريفات السابق في وزارة الخارجية موجودًا في فرنسا فزار الجنرال ويغان في منزله ليقدّم إليه نفسه. وجده يعيش ببساطة وبلا بذخ، إلا أنه كان شرس الطباع، لا تعرف الإبتسامة موقعًا فوق ثغره. فاستقبله بالقول: من أنت وماذا تريد؟ أجابه: علمت بتعيينكم مفوضًا ساميًا لبلادنا فجئت أسلم عليك، وأعرض خدماتي". فرد بالشراسة نفسها: "أخذت علمًا بذلك. وحذار أن يكون لي حفلة تكريم عند مجيئي. أنا ضد حفلات التكريم. تذكر ذلك جيدًا".
تحدد يوم الثاني عشر من كانون الثاني (يناير) موعدًا لترشيح الأسماء الثلاثة. كان سيراي يريد إبعاد إميل إده المقرّب من الصرح البطريركي عن المنصب. لكنه لم يعثر على الإسم البديل. فكان يفضل التريث. وبالتالي كان يريد تعطيل الجلسة فأوكل المهمة لأيوب تابت وبترو طراد وشارل دباس. والمسيو روزور. ضرب إميل إده المنصة بمطرقته الخشبية معلنًا بدء الإقتراع للأسماء الثلاثة. بين النواب تيار يريد اختيار إميل إده. وكان فيه المسيحي والمسلم. فاللعبة الطائفية في بدايات الإنتداب لم تكن نافرة في لبنان. أعلن إميل إده أن الجلسة مخصصة لانتخاب مرشحين لحاكمية لبنان. طلب النائبان أيوب تابت وبترو طراد الكلام. لفتهما إميل إده بأن الجلسة مخصصة للإنتخاب لا للمناقشة. مع ذلك أصرّا على الكلام. وأيّدهما النائب الجديد يوسف السودا الذي خلف المرحوم نعوم لبكي. وطلب بدوره الكلام. ساد المجلس جو بلبلة. وقف شارل دباس ومعه الموسيو روزور وأعلنا بأن الأصول البرلمانية غير مرعية، ثم يقول دباس وهو يزرر جاكتته علامة الإنسحاب: "إننا ننسحب من الجلسة صونًا لحرمة التقاليد البرلمانية". كان ذلك كافيًا لتعطيل الجلسة ولتفويت فرصة المجيء إلى حاكمية لبنان على إميل إده. وجدها سيراي فرصته فاختار في اليوم الثالث عشر من ذلك الشهر، ليصدر قرارين تاريخيين: الأول بحل المجلس النيابي لطغيان السلبية على جلساته، والثاني بعزل الجنرال فان دنبرغ وتسمية ليون كيلا حاكم جبل العلويين خلفًا له.
بعد خمس سنوات من إعلان دولة لبنان الكبير، كانت البلاد حاكمية إدارية، وكان الحاكم فرنسيًا يختاره المفوض السامي بالإتفاق مع باريس. يلعب ضمنًا دور رئيس الجمهورية، بينما كان مجلس النظار أو المديرين يلعب دور الحكومة. كان أعضاء هذا المجلس: شارل دباس مدير العدلية، الشيخ محمد الجسر مدير الداخلية، الأمير جميل شهاب مدير المال، نجيب عبد الملك مدير المعارف، ابراهيم حيدر مدير الزراعة، ألفونس أيوب مدير الشؤون الإقتصادية، إدمون بشارة مدير الأشغال، الدكتور يوسف منصور مدير الصحة والإسعاف العام. وانتقلت هذه الحاكمية من الجنرال ترابو في عهد الجنرال غورو، إلى الجنرال فان دن برغ ثم إلى ليون كيلا... بالإضافة إلى مجلس النظار أو المديرين كان هناك مجلس الشورى الذي أنشئ في السادس من أيلول 1924، واختار الجنرال فان دن برغ لرئاسته السيد حبيب باشا السعد رئيس مجلس النواب السابق، بعدما قدّم استقالته من مجلس النواب، وانتخب مكانه وديع عقل. ويبدو أن حبيب باشا كان محبوبًا عند جميع الحكّام الإداريين الفرنسيين، بدليل أنّه ما إن استتبت المقاليد في قبضتَيْ "كيلا" حتى عيّن حبيب باشا أمين سر عام رئيس مجلس النظار، وهو، مع بعض الفوارق، منصب يساوي الآن منصب رئيس مجلس الوزراء.
كان سيراي عدو التقاليد الدينية. كانت تبدأ الدروس الصباحية في مدارس الرهبان والآباء اليسوعيين وكل معهد علمي أو تربوي يديره أو يشرف عليه إكليريكيون بدقيقة صمت حدادًا على وجود الجنرال سيراي كممثل لفرنسا. خفّف الجنرال من علمانيته، كما خفّف من علمانية مساعده الحاكم كيلا. وقسّم منطقة النفوذ بينه وبين رجل إداري فرنسي يدعى الموسيو ديمون، كان مندوب المفوض السامي في لبنان بحيث تولى كيلا الشؤون الإدارية فقط وتولى ديمون الشؤون السياسية ومنها الإشراف على الإنتخابات التي عين الجنرال موعدها في تموز 1925، والإشراف كما يفهمه المفوض السامي، لا الإعداد لانتخابات حرة نزيهة بل اختيار اللوائح الإنتخابية من أسماء الذين يدينون بالولاء للإنتداب الفرنسي. يوسف سالم الذي كان قد قرر نزول الإنتخابات عن الجنوب ولو منفردًا، يقول: "قبل موعد الإنتخابات بأسابيع قليلة طلب إلي مدير شركة المياه الكومندون دوبوريغان أن أقابل السيد ديمون مندوب المفوض السامي في لبنان بناء على رغبته... ففعلت. وقال لي الموسيو ديمون وأنا أصل إليه في سراي البرج: أعرف عنك من صديقي الكومندون دوبويغار أنك شاب نشيط مثقف، وأنك أهل لأن تكون عضوًا في المجلس التمثيلي. لكن ألا ترى معي أنك لا تزال فتيًا. أقول لك هذا وأريد أن تأخذ علمًا بأن لائحة الجنوب قد أقفلت واكتملت بأعضائها السبعة ووافق عليها المفوض السامي، وليس من سبيل للرجوع عنها أو إجراء أي تعديل فيها. وهذا ببساطة يعني أن لا أمل لك بالنجاح.... كما جرّب الموسيو ديمون طريقة الترغيب والترهيب مع يوسف سالم جربها مع آخرين وكل مراده ومراد المفوض السامي أن يوظفا نوابًا وإن كانت العملية عملية انتخاب. فإذا جاء دور النواب لانتخاب رئيس الجمهورية كان مرشح الإنتداب الفرنسي هو المؤهل للنجاح أي تعيين النواب الذين يهيئون للمفوض السامي بواسطتهم تعيين رئيس الجمهورية اللبنانية وبالتحديد أول رئيس لهذه الجمهورية. اللعبة مسلية ولكنها محفوفة بالمخاطر والمفاجآت.
الإنتداب الفرنسي بدأ يأخذ أبعادًا عميقة في لبنان، وبدأ ينقسم حوله اللبنانيون: منهم من بدأ يعتبر بيروت جزءًا لا يتجزأ من فرنسا، ومنهم من حمل لواء العروبة والوحدة العربية التي جسّدها الملك فيصل. منهم من طالب للبنان بنظام ملكي يحكمه أحد أفراد عائلة بوربون الفرنسية، ومنهم من اقترح جعل لبنان إمارة على رأسها أحد أبناء الشريف حسين. كان ميشال شيحا ينكبُّ إلى وضع الصيغة المناسبة للدستور اللبناني مستلهمًا دستور الجمهورية الثالثة الصادر في السنة 1875، وسعى لتكييفها مع العقلية الشرقية ومع طبيعة اللبنانيين. وفرنسا كانت الجمهورية الوحيدة ذات النظام الديمقراطي في اوروبا، فأراد أن يستلهم ميشال شيحا منها دستورًا للجمهروية اللبنانية. نواب اللجنة المكلفة بصياغة الدستور على رأسهم موسى نمور رئيس المجلس ناقشوا مسودة الدستور، هكذا قيل... ومنهم من يقول إنّهم بصموا عليه بصمًا دون قراءته، لأن كثيرين منهم أميون غير مؤهلين للمناقشة وللترجمة من الفرنسية إلى العربية. من هنا أتت المادة 95 ذكرت بصورة مؤقتة والتماسًا للعدل والوفاق تمثل الطوائف بصورة عادلة في الوظائف العامة وبتشكيل الوزارة دون أن يؤول ذلك إلى الإضرار بمصلحة الدولة. هذه الصورة المؤقتة لا تزال حيّة بعد مرور مئة عام على ولادتها.
في 19 آيار 1926 صدّق على الدستور اللبناني لم يعرقل المفوض السامي دو جوفنيل ولادته سيما وأنه نسخة عن دستور فرنسا، فأصدر قرارًا بتحويل المجلس التمثيلي إلى مجلس نواب في 23 آيار 1926 وأصدر قرارًا آخر بتعيين أعضاء مجلس الشيوخ وانتخب الشيخ محمد الجسر رئيسًا لهذا المجلس.
بيروت قُبيل فجر الإستقلال
في التاسع من أيلول 1936، جرى التداول في معاهدة بين الحكومة الفرنسية ولبنان، في ظاهرها اعتراف بالإستقلال وفي باطنها استمرار للإنتداب لمدة خمس وعشرين سنة قابلة للتجديد. في الثالث من تشرين الثاني تم التوقيع على هذه المعاهدة في بيروت بين الكونت دو مارتيل المفوض السامي الفرنسي وإميل إده رئيس الجمهورية اللبنانية. إلا أن مجلس النواب الفرنسي رفض التصديق عليها. كذلك رفضها البيروتيون بمعظمهم، وأيّدهم في موقفهم أبناء المناطق التي ألحقها الجنرال غورو بجبل لبنان لتشكل لبنان الكبير منذ أول أيلول 1920. في العاشر من آذار 1936، إجتمع زعماء بيروت الذين يطالبون بالوحدة مع سوريا في قصر عمر بك بيهم وأطلق على ذاك الإجتماع إسم مؤتمر الساحل. أصدر في أعقابه المجتمعون بيانًا جددوا فيه مطالبتهم الإنضمام إلى سوريا والإستقلال عن الفرنسيين. ووقّع على هذا البيان التاريخي جميع الحاضرين بمن فيهم ممثلون عن بيروت وطرابلس وصيدا وصور وجبل عامل والأقضية الأربعة بعلبك وراشيا وحاصبيا والبقاع. وحده قاظم الصلح إمتنع عن التوقيع وأذاع بيانًا مستقلاً برر فيه موقفه. في أيلول 1939 إندلعت الحرب العالمية الثانية فأصدر المفوض السامي قرارًا أوقف بموجبه الدستور في لبنان وأعلن الأحكام العرفية وحالة الطوارئ واسترد الفرنسيون حكمهم المباشر وألغوا كل شكليات الحكم الوطني.
عراقة الحكم الجمهوري
نحن والجمهورية اثنان في لبنان. فعلى ان اللبنانين من أعرق شعوب الأرض في الحكم الجمهوري، اذ رعوا الجمهورية، منذ عهد الفينيقيين الأول، على أرض مدائنهم: طرابلس، بيروت، صيدون، وصور، فعلى أرض قرطاجة، وفي الزمن الأخير على أرض الامارة، والمتصرفية، ثم في ظل الإنتداب، والإستقلال.
حتى كان منهم من ناد في الجمهورة أداة حكم لهم، منذ ما يزيد على 113 عاماً أبان ثورة طانيوس شاهين الملتهبة. هذه الجمهورية الحديثة نحن واياها إثنان في لبنان. على أنها الأصلح ما يكون لنا بين الأنظمة والمعروفة جميعاً. فمنذ أن نشأت في ربوعنا أول عهد الإنتداب، راحت تمنى بإمتهان الدستور، تعليقاً، وتعديلاً وإفتئات، بحيث كنا نكيّف الجمهورية على قدنا فلا نحاول أن نصبح، نحن، على قد الجمهورية.
ثم أخذت تنتابها موجات فتتسلط عليها، حيناً، قوى من خارج النظام، وتقوى عليها، أحياناً، أجهزة من قلبها فتهزل حتى الأمحاء.
وكثيراً ما أصيبت جمهوريتنا الناشأة أيام الإنتخابات خاصة، بالتلاعب والتزوير والضغط والإرهاب. فبالتجاوزات على أنواعها، بعد ذلك.
الأموجات التب انتابت الجمهورية اللبنانية لم تستطع، في يوم، أن تدك ركائزها. ذلك بفضل أصالة الجمهورية في الروح اللبنانية وقد مهرت بها منذ أقدم العصور.
ولم تستطيع ذلك أي عاهة مهما تفاحل شرّها.
غير أن واحدة لازمت الجمهورية اللبنانية، لخمسين سنة خلت، عند أول نشأتها في الزمن الحاضر، هي أكثر ما يخشى منها عليها.
هذه العاهة هي موضوع حديثنا الليلة في طريقنا "نحو الجمهورية".
واني لأرجو ان ينبري لها على طرح الصوت، جماعات من اصل الأصليين وأرسخ الراسخين بالفضل – ومن يدري فقد يكون بعضهم بيننا الآن – فيسلخ هذه العاهة من جمهوريتهم. ثم يغسلوها من العيوب التي بدونها تتكامل عافيتها ويتألف لبنان.
طموح لبنان
أخواني
ما كان الطموح يوماً، بحجم أصحابه
فقد تطمح أمة الى ما يزيد على حجم أرضها وعدد أبنائها. ولبنان، هذا الصغير الكبير في الأرض، لا حد لطموحه في متاهات الحق والخير والجمال.
وأنه ليطمح بوثمة من جميع أبنائه المقيمين منهم في أي من بقاعه، والمغتربين تحت كل سماء. وهو يطمح في رعاية الله، سبحانه، وقد جعله على خير طريق .
... غداً يتكامل بين أيدينا بناء لبنان. "وان غداً لناظره قريب"
وحدة العالم
في هذا العالم الدائخ في سرعة، الصاعد أبداً ولا يتوقف، الذي فلق الذرة وشك أعلامه في القمر، كان يجدر ظان نتطلع الى المستقبل، فعلى أني فعلت ذلك، منذ خمس سنين، في محاضرة موضوعها "لبنان الغد"، اعود، اليوم، فأتطلع الى ماض لنا قريب، علّنا نرجع فنلمح النور الذي على هديه كانت مسيرة اللبنانيين، منذ ستت آلاف سنة، وبخاصة مسيرتهم في الألف الأخير.
في هذا العالم المتزايد عدد أبنائه بنسبة 2 ونصف % كل عام، والمتزايدة الهجرة الى مدائنه بنسبة 10%، في الأونة الاخيرة، والذي لا تتزايد أرضه بمثل هذه النسبة، ولا انتاجه، بل تتزايد مطالب أبنائه وحاجاتهم 100%، وينشدون العدالة في توزيع خيرات الأرض، كان يجب أن ننظر الى حالنا الحياتية لا الى تاريخنا الكياني... لو كان ممكناً ان نعيش يومنا على غير ما أعد لنا أمسنا، وما يعد به المستقبل.
في هذا العالم الذي يهد الحواجز بين الدول في القالرة الواحدة، ثم يهدها بين القارات جميعاً، بغية الوصول الى وحدة عالمية ينظر فيها الى الإنسان في حاضره وتوقه ومراميه، تحقيقاً لإنسانيته الفضلى، وإمتلاكاً لكرامته، يطيب لنا أن نعلن: أننا نهيء أنفسنا للسير في الوحدانية. ولكننا لن نسعى اليها الا بعد أن يثبت لنا أن الحدود بين البلدان والشعوب قد انهارت نهائياً ليقوم مكانها العالم الواحد الأحد اسعاداً لإنسانه.
ومن الآن الى أن يتحقق حلم الإنسانية هذا، حلمنا جميعاً، سنظل في طريقنا الى الحفاظ على لبنان سيداً حراً كريماً ولو اضطرنا ذلك الى إحكام الأظام والنواجز.
قواعد الجمهورية اللبنانية
لن أطيل المقدمات قصد الوصول الى موضوع الليلة الذي هو اقتراح في ضرورة التوافق على وضع قواعد الجمهورية اللبنانية الحديثة:
كانت لجبل لبنان قواعد. وهي التي تمشى عليها اللبنانيون، عمرهم فحفظوه لنا سالماً معافى.
وكنت قواعد هذا الجبل تتبدل وتتنوع، من ضمن البقاع اللبناني، بحسب ما يكون نظام لبنان نظام عشائر، أو يكون امارة، أو حكماً مباشراً، أو متصرفية، أو انتداباً، أو جمهورية مستقلة، وبحسب ما يكون عدد أبنائه نحوا من نصف مليون، او يكون عددهم نحوا من ثلاثة ملايين. المتأخرون لم يعطوا الجبل واحدة من قواعد التي وضعت له. ان هم الا آباؤنا وأجدادنا الذين بينوها فوضعوها على تساوق الايام. وما عمله المتأخرون ليس سوى التغني بالكيان، الذي بقي بفضل المتقدمين، وليس سوى الاشادة بالحلاوات التي هي من صنع الله وصنع يد الآباء تبارك وتباركوا الى الأبد. لقد غنت أجيالنا لبنان من صوت جديد. ومشينا، مخلصين، نحو الامل، نستنهض الهمم، ونشحذ العزائم.
اما أن تكون أجيالنا قد تطلعت الى الجمهورية الناشئة فتبصر في سبل بقائها، وتقدمها وازدهارها، وعملت على ترسيخها كما عمل الاجداد لجبلهم فرسخ، فهذا ما سنبحثه أمامكم، الليلة متنقلين بين التقاسيم الكبيرة التالية:
لبنان صغيراً وكبيراً
الجمهورية اللبنانية
القواعد – الحلول
حدود لبنان في أيام فخر الدين
اسارع فأقول أن الحدود الجمهورية اللبنانية لم ترتجل ارتجالاً ان هي الا ترجيع لحدود بلغها لبنان في عهود له سابقة.
كان يوم، عهد فخر الدين المعني الثاني، اتسع فيه حدود لبنان حتى بلغت الشاطئ الفينيقي بما في ذلك طرطوس، طرابلس، بيروت، صيدا، صور، وعكا. وشملت في الداخل بلاد البشاره، الجليل، القيصرية، الحولة، حاصبيا، راشيا، مرجعيون، بعلبك، البقاع وحوران، حتى استفاق في يوم من السنة 1609، حافظ باشا، والى دمشق، على الخيول اللبنانية تصهل قبالة قصره، فشهد بأم العين، كما يقول جو بلان، اللبنانيين يتحدون، باعتزاز على أرض الشام، جميع اعدائهم.
وكان يوم عادت فيه الامارة فاتسعت بعد تقلص، عهد الأمراء الشهابيين اذ أدخل الأمير حيدر، في امارته، بلاد البشارة، حاصبيا، راشيا، البقاع، مرجعيون، الضنية، بيروت، والقسم الاكبر من امارة فخر الدين.
لبنان في عهد المتصرفية
وقد ظل لبنان يضيق ويتسع وتترجرج حدوده حتى كانت المتصرفية فكسرت جبل لبنان الصغير بحدوده التالية:
شمالاً: الضنية
شرقاً: بعلبك والبقاع
جنوباً: قضاء صيدا
وغرباً: البحر المتوسط ومدينة بيروت.
ثم أنشأت المتصرفية الأقضية التالية:
1- قضاء جزين، وهو يقسم الى مديريتين: جبل الريحان، واقليم التفاح.
2- قضاء الشوف وهو يقسم الى اثنتي عشر مديرية، الشوفين، اقليم الخروب، العرقوب الاعلى، العرقوب الشمالي، العرقوب الجنوبي، المناصف، الجرد الشمالي، الجرد الجنوبي، الغرب الاعلى، الغرب الشمالي، الغرب الاقصى، والشحار.
3- قضاء المتن وهو يقسم الى خمس مديريات: المتن الاعلى، بسكنتا، الشوير، القاطع، الساحل.
4- قضاء زحلة: مديرية واحدة.
5- قضاء كسروان وهو يقسم الى تسع مديريات: جبيل السفلى، جبيل العليا، جرد جبيل، المنيطر، الفتوح، غوسطا، جونيه، الذوق، جرد كسروان.
6- قضاء البترون وهو يقسم الى تسع مديريات: البترون السفلى، البترون الوسطى، البترون العليا (تنورين)، قنات، حصرون، بشري، اهدن، الزاوية، الهرمل.
7- قضاء الكورة، وهو يقسم الى ثلاث مديريات: الكورة الشمالية، الكورة الوسطى، القويطع.
8- ومديرية دير القمر المستقلة.
وكانت مساحة ارض المتصرفية ثلاثة آلاف وخمسمائة كيلومتر مربع (لبنان، اسماعيل حقي بك، الصفحة 10) أي، تماماً، ثلث مساحة الجمهورية اللبنانية التي تبلغ، اليوم، عشرة آلاف وخمسمائة كيلومتر مربع.
يلاحظ هنا ان امتصرفية قد أسقطت من لبنان الإمارة، حاصبيا، راشيا، البقاع، بعلبك، مرجعيون، بلاد البشارة، الجليل، القيصرية، الضنية، الضنية، طرابلس، بيروت، صيدا، صور، وغيرها.
فيكون لبنان الجمهورية قد استعاد بعض ما اغتصب من أرضه ولا يكون، يوم أعلنت حدوده الطبيعية، قد اغتصب، هو، أرض غيره.
أما عدد سكان المتصرفية فكان 358000 نسمة موزعين هكذا:
235000 المسيحيون
121000 المحمديون
2000 اليهود
358000 المجموع
أي سبع مرات أقل من المجموع الحالي.
وسنرى عندما يجيء الالكلام على ذلك، كيف اصبحت الحدود، وكيف صارت تتساوق الامور.
نضال الشعب اللبناني
كانت ولادة الجمهورية اللبنانية، بعد الحرب العالمية الأولى، عسيرة.
اللبنانيون، أبناء الجبل، رأوا بلادهم تتسع، أيام فخر الدين، حتى عكا والجليل وحوران.
ورأوها تصل الى مثل هذه الحدود، تقريباً أيام الامير حيدر شهاب.
ولا تنقص كثيراً، عن ذلك طوال الأمارة الشهابية.
ثم رأوها تتقلص، حيناً بعد حين، فتعود وتتسع بحسب ما يكون على رأس لبنان حاكم هزيل أو قادر، أو يكون في الولايات العثمانية المحيطة، وبخاصة طرابلس، بيروت، صيدا، عكا، دمشق، حمص، والغافل او الساهر.
ثم ان اللبنانين كانوا قد أطلقوا في لبنان وخارج لبنان (القاهرة، باريس، نيويورك، خاصة) دعوات لحركات منوعة منها ما هو مقنع بمصلحة السلطنة العثمانية، ومنها ما هو مقنع بمصلحة العرب ومنها ما هو سافر لا قناع عليه تستهدف، جميعاً تعزيز الإستقلال اللبناني الإداري، والإقتصادي والسياسي، والإتفاق نهائياُ، على حدود لبنان في الأرض.
ولقد ناضل الشعب اللبناني الجبلي، على مختلف مشاربه ونزاعانه في سبيل إستقلال بلاده نضال الأبطال فكانت المعاهدات والإتفاقات الدولية، وكانت الثورات، اهمها ثورة السنة 1840 التي اطلقت في وجه ابراهيم باشا الفاتح، وكانت العاميات التي أهمها في لحفد، والسمقانية، والباروك، وكانت الجمعيات الحزبية.
وقد تكلل كل ذلك، بعد الحرب العالمية الأولى، بالمساعي الرسمية التي بذلها المسؤولون اللبنانيون، ومشى بها الشعب، +وقامت بها وفودهم الى مؤتمرات الصلح. ومما يجب أن يذكر في هذا السبيل الوقوعات التالية:
مؤتمر الصلح في باريس
في 9 كانون الأول 1918 اجتمع مجلس ادارة جبل لبنان (المتصرفية) في بعبد وقرر توجيه وفد الى مؤتمر الصلح في باريس مؤلف من داوود بك عمون أحد أعضائه مندوباً أولاً، ومحمود بك جنبلاط عضوه الآخر، وعبدالله بك الخوري ترجمان الحكومة، وكل من الأفندية اميل اده، ابراهيم بك بو خاطر، وعبد الحليم الحجار، وتامر بك حماده مندوبين عن جبل لبنان للمطالبة بالإستقلال ولاعادة الأراضي المفصولة، ومما جاء في هذا القرار التاريخي الخطير ما حرفيته:
"من حيث ان جبل لبنان لم يزل، منذ القديم، متمتعاً بحكومة وطنية مستقلة تشمل جبل لبنان بحدوده الجغرافية والإقتصادية، وقد امتدت في عهد بعض امرائه كالأمير فخر الدين المعني الى حدود عكا والقيصرية.
"وحيث ان هذا الإستقلال الإداري ما برح مسلماً به من الجميع بدون منازع...
"وبما أن المندوب العثماني (فؤاد باشا) في المؤتمر الذي عقدته الدول الأوروبية ببيروت، السنة 1861، قد استفاد من منافسة الدول، حنذاك، بجعل حق لبنان في الإستقلال حقاً صورياً فقط بان فصل عنه من جهة موالي بيروت وصيدا وطرابلس وملحقاتها، ومن جهة أخرى سهل البقاع، وبعلبك، جبل الشيخ بما فيه حاصبيا وراشيا، مما اضطر اللبنانين الى التشتت في أطراف المعمور...
"وبما أن لبنان الحالي لا يغل من الحبوب الا ما يقوم بحاجة أهله لمدة شهرين فقط ...
"وبما أن العمل الذي توخته الدول سنة 1861 بقي ناقصاً: فإن الذي قصدته الدول هو أن تضمن لجبل لبنان استقلالاً إدارياً واقتصادياً واقياً لا صورياً. ولذلك يجب اتخاذ الأسباب التي تمكنه من تحقيق الإستقلال المذكور تحقيقاً فعلياً.
"فالآن بمناسبة طرح أماني الشعوب في مؤتمر الصلح أمام أعظم هيئة عادلة أسستها البشرية حتى الآن فقد قرر هذا المجلس توجيه وفد من ومن... مندوبين عن جبل لبنان ليعرضوا في المؤتمر المشار اليه الطلبات الآتية:
المطالب اللبنانية أمام المؤتمر
1. توسيع نطاق جبل لبنان الى ما كان معروفاً به من التخوم تارخياً وجغرافياً وما تقتضيه منافعه الإقتصادية بحيث يكون بلاداً قادراً على القيام بحياة شعوبها ومنافعهم وثورتهم وبحكومة راقية منظمة.
2. تأييد إستقلال هذا البلد اللبناني بإدارة شؤونه الإدارية والقضائية بواسطة رجال من أهله.
3. يكون لهذه البلاد اللبنانية مجلس نيابي يؤلف على مبدأ التمثيل النسبي، حفظاً لحقوق الأقلية، وينتخب من الشعب. ويكون لهذا المجلس حق التشريع ووضع القوانين الملائمة للبلاد، وسائر ما للمجالس النيابية في البلدان الديمقراطية".
كان النواب الذين وقعوا هذا القرار:
حبيب السعد، رئيساً، سعدالله الحويك، شديد عقل، سليمان كنعان، داوود عمون، محمود جنبلاط، فؤاد عبد الملك، الياس الشويري، نقلا غصن، محمد الحاج محسن، ونعوم باخوس، أعضاءً.
وغاب محمد صبرا الأعور ويوسف البريدي عن هذا الإجتماع بسبب مرضهما. وكان المقعد السني شاغراً بوفاة النائب حسين الحجار الذي خلفه في النيابة ابنه عبد الحليم الحجار (والد النائب الحالي عصام الحجار).
ثم كان الوفد الذي شخص، فعلاً، الى باريس مؤلفاً من: داوود عمون، مندوباً أولاً، إميل إده، نجيب عبد الملك، عبد الحليم الحجار مندوبين آخرين.
فبعد أن أقام الوفد مدة في باريس رجع الى بيروت دون نتيجة (يوسف السودا، في سبيل الإستقلال)
قرار مجلس إدارة جبل لبنان
على أثر ذلك عاد مجلس إدارة جبل لبنان فاجتمع في العشرين من أيار 1919
مؤكداً المطالب الوطنية الأساسية.
"لما كان جبل لبنان مستقلاً منذ القدم بحدوده التاريخية والجغرافية، والقطع التي فصلت عنه قد سلخت عنوةً واغتصاباً من الدولة التركية...
"ولما كان لا يتسع للبنان العيش والرقي ما لم تعد اليه القطع المفصولة عنه.
"ولما كانت دول الحلفاء أعلنت أنها تساعد على تحرير الشعوب المظلومة، وأعادت الأراضي المغصوبة لبلادها الأصلية، وكانت القطع المغتصبة من لبنان تعتبر قسماً منه ومعظم سكانها من اللبنانيين أصلاً.
"فبناءً عليه قد اجتمع هذا المجلس بصفته ممثلاً للشعب اللبناني وأصدر القرار الآتي:
أولاً- المناداة باستقلال لبنان السياسي والإداري بحدوده الجغرافية والتاريخية، واعتبار البلاد المغصوبة منه بلاداً لبنانية كما كانت قبل سلخها عنه.
ثانياً- جعل حكومة لبنان هذه ديمقراطية مؤسسة على الحرية والإخاء والمساواة مع حفظ حقوق الأقلية وحرية الأديان.
ثالثاً- مباشرة درس وتنظيم القانون الأساسي (الدستور) بطريقته الأصولية.
رابعاً- تقديم هذا القرار لمؤتمر الصلح العام.
خامساً- إعلان هذا القرار في الجريدة الرسمية...
الوفد الثاني الى باريس برئاسة البطريرك حويك
في 4 حزيران 1919 قامت، في بعبدا، تظاهرة كبرى تقاطر اليها الناس من كل أنحاء لبنان، تطالب بإرسال وفد آخر الى مؤتمر الصلح برئاسة البطريرك الحويك لملاحقة تنفيذ القرار الذي كان قد اتخذه مجلس الإدارة في العشرين من أيار الفائت.
وفي 16 حزيران 1919 وضع مجلس الإدارة قراراً بانتداب البطريرك الحويك الى مؤتمر الصلح للمطالبة بتنفيذ قرار المجلس الصادر في 20 أيار، ولمساندة المطالب الوطنية الأساسية.
وبعد أن تسلم البطريرك كتاب مجلس الإدارة، وجاءته الوكالت من الهيئات اللبنانية على اختلاف الطوائف والمناطق سافر غبطته على رأس وفد لبناني ثاني الى مؤتمر الصلح بباريس. وقد أبحر الوفد من جونيه على مدرعة حربية فرنسية ليعود في 23 كانون الأول 1919 في يوم عاصف خشي فيه على الباخرة وركابها.
وقد كان هذا الوفد، بالإضافة الى البطريرك الحويك رئيسه، مؤلفاً من: المطران اغناطيوس مبارك، المطران بطرس الفغالي، الأب اسطفان الدويهي، السيد لاوون الحويك، والشماس ابراهيم خليل.
وقد انضم الى الوفد في باريس: المطران كيرللس مغبغب، والمطران يوسف الخازن، والأب تيودوسيوس معلوف.
وقد تميزت أعمال الوفد الثاني بالمذكرة التي رفعها البطريرك الحويك بتاريخ 25 تشرين الأول 1919 الى مؤتمر الصلح والتي يرد فيها التأكيد بضرورة "الإعتراف للبنان بالإستقلال الذي نادت به الحكومة اللبنانية والشعب اللبناني في 20 أيار 1919" وبضرورة "إعادة لبنان الى حدوده التاريخية والطبيعية بإرجاع البقع التي سلختها عنه تركيا". وأشفع غبطته هذه المطالب ببيان أتى فيه على لمحة تاريخية واعتبارات سياسية وثقافية وقانونية.
الضمانات الفرنسية
وكان أبرز ما حصل عليه هذا الوفد الجواب المطمئن الذي تلقاه البطريرك من كليمنصو رئيس الوزارة الفرنسية. وقد جاء فيه:
"ان رغبة اللبنانيين بالإحتفاظ بحكومة ذاتية وبنظام وطني مستقل، يتفق اتفاقاً تاماً مع التقاليد الحرة لفرنسا.
"فبمعونة فرنسا وبمساعدتها يستطيع اللبنانيون – وهم مستقلون عن كل تجمع وطني آخر – أن يكونوا على ثقة بأنهم يحتفظون بتقاليدهم، ويوسعون أنظمتهم السياسية والإدارية، ويعملون بأنفسهم لتقديم بلادهم، ويرون أخيراً أبنائهم مهيئين في مدارسهم الخاصة للوظائف العامة في لبنان.
"على أن فرنسا التي بذلت جهدها سنة 1860 لتضمن للبنان مساحة من الأرض أوسع لا تنسى أن تضييق الحدود الحاضرة هو تنيجة ظلم عاناه لبنان طويلاً... فإن فرنسا عند تحديد لبنان تعنى كل العناية بما يجب الإحتفاظ به للجبل من سهول ومنفذ الى البحر تأميناً لازدهاره".
الوفد اللبناني الثالث في باريس
غير أن التأكيدات التي أعطيت للبطريرك الحويك من كليمنصو لم تقترن بنتائجها طوال المدة التي مكث فيها الوفد بباريس فألجأت الحال الى ارسال وفد ثالث مهمته حمل الحلفاء، وفرنسا خاصةً، على تنفيذ ما ورد في رسالة كليمنصو الى البطريرك. سافر الوفد الثالث، فجأةً، الى باريس في 2 شباط 1920، وكان مؤلفاً من المطران عبدالله الخوري، رئيساً، وإميل إده، وباترو طراد، ويوسف الجميل، وتوفيق إرسلان أعضاء.
فتكلل مسعاه بالنجاح.
قد قام الوفد الثالث بالمهمة التي أوكلت اليه وكان من جملة ما قام به أنه استحصل في 24 آب 1920، من السيد ميلران، رئيس الوزارة الفرنسية آنذاك على تأكيدات أهمها:
"يجب أن يحتوي لبنان على سهول عكار في الشمال، وأن يمتد الى حدود فلسطين في الجنوب، وأن ترتبط به مدينتا طرابلس وبيروت ارتباطاً تاماً...
"... ولم يعد من حاجة الى أن أؤكد لكم استقلال لبنان الذي أعلنه كليمنصو وأعلنته أنا أيضاً.
"وأن قانون لبنان الأساسي يجب أن يكون مطابقاً للحاجات الجوهرية ولمجموع المصالح في البلاد التي يناط به أمرها بعد إنشاء لبنان الكبير".
الجنرال غورو في لبنان
وفي غضون ذلك أوفدت فرنسا الى لبنان الجنرال غورو، قائد حملة الدردنيل في أثناء الحرب العالمية الكبرى، مفوضاً سامياً، للدرس والتنفيذ، فوصل الى بيروت في أوائل تشرين الثاني 1919.
وقد أحاط الجنرال غورو نفسه بمعاونين ومستشارين، فرنسيين ولبنانيين أكفاء، فانكب وإياهم، يبحث ويناقش حتى خرج، بعد عشرة أشهر، بسلسلة قرارات خطيرة تستجيب، جميعها، للمواقع التاريخي والإرادة اللبنانية. فكان من نتيجتها لبنان الكبير أي الجمهورية اللبنانية الحاضرة.
ففي 3 آب 1920 أصدر الجنرال غورو، بزحلة، قراراً رقم 299 ب "ضم أقضية حاصبيا، وراشيا، وبعلبك، والمعلقة (البقاع) الى لبنان في ما يتعلق بنظامها الإداري (مادة أولى).
اعلان لبنان الكبير
وفي 31 آب أصدر، بيروت، القرار رقم 318 بتعيين حدود لبنان الكبير، ومما جاء فيه، كما عينتها الإدارة اللبنانية:
المادة الاولى: تشكلت حكومة باسم دولة لبنان الكبير تشتمل:
أولاً- على منطقة لبنان الإدارية الحالية.
ثانياً- على أقضية بعلبك، والبقاع، وراشيا، وحاصبيا، وفقاً للأوامر الصادرة في القرار رقم 299 المؤرخ في 3 آب 1920.
ثالثا- على أراضي ولاية بيروت المفصّلة في ما يلي:
أ. سنجق صيدا خلا ما ألحق منه بفلسطين بحسب الإتفاقات الدولية.
ب. سنجق بيروت.
ت. قسم من سنجق طرابلس يشتمل على أراضي قضاء عكار الواقعة جنوبي النهر الكبير، وقضاء طرابلس (مع مديريتي الضنية والمنية وقسم من قضاء حصن الأكراد).
المادة الثانية: إن حدود لبنان الكبير هي كما يأتي:
شمالاً: من مصب النهر الكبير الى خط يرافق مجرى النهر الى نقطة اجتماعه بنهر وادي خالد الصاب فيه على علو جسر القمر.
شرقاً: خط القمة الفاصل بين وادي خالد ووادي نهر العاصي، ثم حدود أقضية بعلبك، البقاع، حاصبيا، وراشيا الشرقية.
جنوباً: حدود فلسطين كما هي معينة في الإتفاقات الدولية.
وغرباً: البحر المتوسط.
وفي اليوم ذاته أصدر، بيروت، قراراً رقم 321 جاء فيه مادته الأولى:
"تلغى المنطقة الإدارية لأراضي لبنان المستقلة ونظاماتها ومصالحها الإدارية العمومية والمحلية".
وهذا يعني إلغاء المتصرفية وبروتوكولات 1860 – 1864 وما يليها.
ثم جاء دور إعلان لبنان الكبير الذي حصل في اليوم التالي (1 أيلول 1920)، بقصر الصنوبر في بيروت، اذ ألقى الجنرال غورو خطابه الشهير في حشد حافل من أهل السياسة والمجتمع والناس يقف عن يمينه البطريرك الياس الحويك وعن شماله الشيخ مصطفى نجا، وهو شهيد.
وهذه أهم المقاطع التي وردت فيه:
يا أهل لبنان الكبير
ان اليوم الذي انتظره آباؤكم عبثاً والذي ستكونون أنتم، أحسن حظاً منهم فترون فجره قد دنا.
هذا هو ذلك اليوم.
أمام هذا الشعب المحتشد المتقاطر من جميع البلدان التي يشرف عليها لبنان، وكانت، أمس، متاخمة فأصبحت متحدة في وطن قوي بماضيه عظيم بمستقبله.
أمام أرباب الحكومة اللبنانية وأبناء أشهر الأسر والرؤساء الروحيين من جميع المذاهب والطوائف...
وبمشهد من ممثلي الدول التي جاهد أكثرها معنا ذلك الجهاد الطويل إنتصاراً للحق والحرية.
وتجاه هذه الجبال الشامخة التي كانت قوة بلادكم إذ لم تزل الحصن المنيع لإمانها وحريتها.
وعلى شاطئ البحر الشهير بغرائبه الذي شاهد مراكب فينيقيا واليونان، ورومه، وحمل الى أقطار المعمور أجدادكم الذين عرفوا بالحذق وبالمقدرة التجارية وفصاحة اللسان، وهو الآن، بعود حميد، يحمل اليكم تثبيت مواثيق ود عظيم قديم ومنافع الصلح الفرنسي.
فعلى مرأى ومسمع من هؤلاء الشهود جميعاً، شهود أمانيكم ومكافحاتكم وانتصاركم، وبالإشتراك في فرحكم وافتخاركم أعلن أمام الملأ:
لبنان الكبير
وباسم حكومة الجمهورية الفرنسية أحييه في عظمته وقوته من النهر الكبير الى أبواب فلسطين وقمم لبنان الشرقي.
ذلك هو لبنان
بجبله حيث يخفق قلب هذه البلاد المضطرم
بسهل البقاع الخصيب...
بمدينة بيروت المرفأ الأعظم للدولة الجديدة ومقر حكومتها. بمدينتي صيدا وصور صاحبتي الماضي الشهير اللتين ستجددان شبابهما باتحادهما بوطن كبير.
هذا هو الوطن الذي هتفتم له وحييتموه"
ثم تكرس لبنان الحاضر في شرعة جمعية الأمم سنة 1922، في معاهدة لوزان السنة 1923، في الدستور اللبناني تاريخ 23 أيار 1926، في الحركات الإستقلالية العديدة، وفي إجماع اللبنانيين على بعث لبنان المعنيين والشهابيين حراً سيداً كريماً.
المجالس الإدارية والنيابية
لبنان الكبير هذا صارت مساحة أرضه عشرة آلاف وخمسمائة كيلومتر مربع (أي، تماماً، ثلاثة أضعاف مساخة أرض المتصرفية)، وصار عدد سكانه نحوا من مليون ومائة ألف نسمة (أي ما يزيد على ثلاثة أضعاف سكان المتصرفية).
وفي 22 أيلول 1920 أصدر الجنرال غورو، تنفيذا لقراره رقم 336 تاريخ أول أيلول، قراراً يعين فيه أعضاء اللجنة الإدارية الأولى (الخمسة عشر) التي استمرت حتى 1922. وقد ورد أسماء أعضائها، في قرار التعيين، على الترتيب التالي:
ابراهيم أبو خاطر، عثمان علم الدين، داوود عمون، نصري العازوري، حسن بيهم، عمر الداعوق، أنطون عرب، يوسف الجوهري، ابراهيم حيدر، توفيق مجيد ارسلان (وقد خلفه رشيد جنبلاط بعد أن عين متصرفاً للبنان الجنوبي، بطرس بشاره كرم، يوسف الخازن، نعوم اللبكي، ابراهيم الصراف، باترو طراد، الحاج حسن الزين.
وقد توالت المجالس النيابية المنتخبة كلها، ثم المنتخب بعضها والمعين بعضها الآخر، في السنوات 1922، 25، 29، 34، 37، 43، 47، 51، 53، 57، 60، 64، 1968 الذي ما زال يجلس سعيداً.
وكان فيها من رجالات البلاد أبرزهم: نخله التويني، عبدالله أبو خاطر، شبل دموس، موسى نمور، مسعود يونس، خالد شهاب، نخله الأشقر، فؤاد ارسلان، نعوم باخوس، ابراهيم المنذر، حبيب السعد، جورج ثابت، عمر بيهم، ميشال شيحا، جميل وسليم تلحوق، روكز أبو ناضر، عبد اللطيف الأسعد، يوسف الزين، نجيب عسيران، يوسف سالم، صبحي حيدر، صبري حماده، نقولا غصن، يوسف اصطفان، البير قشوع، محمد الجسر، محمد الكستي، ميشال زكور، جبرائيل نصار، قبلان فرنجية، بشارة الخوري، يوسف السودا، حسين الأحدب، أحمد الحسيني، هنري فرعون، خير الدين الأحدب، كميل شمعون، حميد فرنجية، شارل دباس، حبيب أبو شهلا، عبدالله اليافي، سليم تقلا، يواكيم البطار، قازم الخليل، جواد بولس، الياس عاد، شارل عمون، كمال جبر، محي الدين النصولي، جبران التويني، خليل كساب، غبريال خباز، سامي الصلح، ألفرد نقاش، أمين السعد، جورج عقل، أسعد البستاني، كمال جنبلاط، وديع نعيم، اميل لحود، فؤاد الخوري، عبد الحميد كرامي، شارل الحلو، اميل البستاني، عادل عسيران، أحمد الأسعد، رياض الصلح، صائب سلام، يوسف الهراوي، رشيد كرامي، سليمان فرنجية، شارل مالك، ريمون اده، بهيج تقي الدين، غسان تويني، أنور الخطيب، فؤاد غصن، فيليب بولس، تقي الدين الصلح، قازم الخليل، ميرنا البستاني، سليم لحود، جوزف أبو خاطر، عثمان الدنا، عبدالله المشنوق، بيار الجميل، جوزف شادر، ادمون رزق، نصري معلوف، لويس أبو شرف، خليل الخوري، كامل الأسعد، نسيم مجدلاني، نهاد بويز، محمود عمار، اميل سلهب، نديم نعيم، وكثيرون غيرهم.
وكان في الحكومات المتوالية رؤساء ووزراء غير الذين عرفوا من النواب اكفاء بارزون أمثال: أوغست أديب، نجيب القباني، يوسف أفتيموس، نجيب أبو صوان، صبحي أبو النصر، جميل شهاب، كامل غرغور، أسبيريدون أبو الروس، رامز سركيس، ألفريد سكاف، جورج كفوري، وغيرهم.
وكان في أهل الفكر والصحافيين الذين بحثوا في السياسية من سرت لهم شهرة كبيرة.
وكانت في الأحزاب والتكتلات ما قوي حتى صارت تشكل أملاً دائماً.
وخطر في رئاسة الجمهورية أو في مقامها، نخبة من أكبر اللبنانيين:
شارل دباس، حبيب السعد، أميل اده، الفريد نقاش، باترو طراد، أيوب تابت، بشارة الخوري، كميل شمعون، فؤاد شهاب، شارل حلو.
ومع ذلك، فإن واحداً من هؤلاء السادة، سواء أكان في الموالين لقيام الجمهورية أو في المعارضين، لم يثر، ترسيخاً لها أو تعجيزاً، مسألة وضع قواعد لهذه الجمهورية الطريئة والناشئة.
ضرورة وضع قواعد لجمهورية لبنان الكبير
ان ما كان، وما ظل، وما سيظل (الى وقت أرجو الا يكون بعيداً) من أمر رقعة أرض صغيرة واتسعت حتى شملت مقاطعات وأناساً لا هي تعودت، لوقت طويل، ولا هم، ينتسب رضاء، للبنان.. ان كان هذا لم يحرك واحداً من السياسيين والمفكرين والمسؤولين لوضع هذه القواعد.
هذه المضمومات، حديثاً، الى جبل لبنان – وان كان ضمها الى الجمهورية اللبنانية ترجيعاً لحدود قديمة اغتصبت منه اغتصاباً – ما برحت تنتظر المبررات التي توحدها، من ضمن الجمهورية، مع باقي الأجزاء اللبنانية سواء منها القديمة أو الحديثة. انها لا تبتغي مبرراً تاريخياً، أو منطقياً. لأنها قابلة بما ما هو صائر. ولكنها ترغب في أن ترى قواعد على أساسها يحصل الرضى والقبول بين جميع أجزاء الجمهورية ان لم يكن لشيء إلا لإيجاد الحجة الواحدة المقنعة الدامغة التي على زعماء المقاطعات المضمومة ان يعطوها لأنصارهم لكي يلحقوا بهم الى بيروت. هذه القواعد تفرضها اعتبارات صارت واضحة من سياق هذا الكلام:
أولاً- إعلان الجمهورية اللبنانية بدون تهيئة نفسية كافية تتناول على الأخص، أبناء الأقضية المضمومة، بعد أن كان قد انقضى وقت طول على انفصال بعض الأجزاء المضمومة عن الإمارة اللبنانية وعن المتصرفية، بوجه خاص.
ثانياً- الجمهورية اللبنانية، بما ضم اليها من السكان، كانت سبباً في خلخلت التوازن الذي كان سائداً في جبل لبنان.
لقد كان عدد السكان، آخر أيام المتصرفية، في جبل لبنان 358000 نسمة، فأصبح عددهم في الجمهورية اللبنانية نحوا من مليون ومائة ألف نسمة (اي ثلاثة أضعاف ما كان عليه عددهم أيام المتصرفية).
وهو، اليوم، نحو من سبعة أضعاف. اذ بسبب الإحصاءات الأخيرة، يزيد عدد سكان الجمهورية اللبنانية، اليوم، على 2387000 نسمة.
ثم كان المسيحيون في جبل لبنان نحوا من 235000 نسمة والمحمديون نحوا من 121000 نسمة.
فإذا المحمديون والمسيحيون، اليوم، نصف بنصف. أو بزيادة تكاد لا تذكر.
ثالثاً- كان سكان جبل لبنان، على مختلف أديانهم ومذاهبهم قد حصلوا على لبنانهم بتكديس البطولات في الكر والفر والمقاومة العنيدة والمواقف الجريئة الواعية. وكانوا يحرصون عليه حرصهم على كنوزهم. لأنهكان لهم ملجأ وملاذاً. وكان سكان الجبل، جميعاً، من الأقليات والمضطهدين الذين هرعوا اليه هرباً من مواطنيهم وجيرانه. أما الجمهورية اللبنانية فقد تغيرت أسسها اذ أدخلت، في عداد أبنائها، جماعات ليسوا في الأقلية بالنسبة الى عالمهم المحيط. ولا هم كانوا في المضطهدين.
رابعاً- ارتباط شعور أبناء بعض المقاطعات المضمومة بشعور اناس ظلت مقاطعاتهم المتاخمة (أوالمقسومة الى اثنين) ضمن حدود دولة مجاورة كسوريا وفلسطين وقد اوجد هذا الشعور المشترك تعامل وزواج وجوار وعادة لا ينفع إلا الوقت بإيجاد مثله في بيئتهم الجديدة.
خامساً- إعطاء حجة، قوية مقنعة لزعماء المقاطعات المضمومة في قيادة أتباعهم للدخول في الجمهورية الناشئة راضين مقتنعين على أساس أن الإنضمام يرضي كبريائهم القومي ويزيد في نفعهم (كرامتهم الإنسانية، حريتهم، ورخاء عيشهم).
وهنا لا بد من كلام يفرض نفسه بحكم الظرف:
لو أن قواعد الجمهورية اللبنانية وضعت في حينه لكانت الوحدة الوطنية التي ننشد جميعاً حقيقة واقعية فاعلة لا كلاماً يخبىء فراغاً عظيماً ولعباً على الواقع.
ولو أن قواعد الجمهورية اللبنانية وضعت في حينه لما كنا نقاسي، اليوم، ما نقاسيه من اختلاف في الرأي، وتباعد في الصف، وتباين في الهدف.
ثم كان التغلب على الصعاب التي تعترضنا نوعاً من التلهي، أو هو، على الأقل، من العاديات الأمور. اذ كان يقف لبنان، آنذاك، بشيبه وشبابه، ليرفض، مجمعاً مخلصاً واثقاً، كل اعتداء على أرضه، على نظامه، على مؤسساته، أو على أي معنى من معانيه العتاق.
محاولات لوضع قواعد الجمهورية اللبنانية
سيداتي سادتي
انه لمن الإجحاف أن نقول: ان محاولات لم تجر في هذا السبيل. فالميثاق الوطني كان محاولة، ومحاولة كان القول "بالوحدة الوطنية"، ومحاولات كان الدستور اللبناني، وكانت الأحزاب والتكتلات والتحركات، وكانت المعاهدات والإتفاقات.
ولكن واحدة من هذه المحاولات لم تنظر الى أبعد من يومها. فلم تنظر الى أرساء قواعد عامة، شاملة، يكون لها نفاذ في المستقبل، وتكون، بالفعل، قد وضعت قواعد أساسية للجمهورية اللبنانية يرجع اليها في بحث كل قضية طارئة، ولدى اتخاذ أي قرار.
وبتواضع كلي أعلن أنني لست أنا، الليلة، واضع هذه القواعد.
فوضع هذه القواعد يقتضي له جماعات من أهل الرأي والعلم والثقافة، والخبرة والسياسة، والتمثيل الشعبي القوي، جماعات له من رصيدها الشعبي ما تستطيع معه أن تقبل بتنازلات، وأن يقبل منها ذلك. لأن أي اتفاق بدون ما تنازل من كل من الفرقاء لا يمكن أن يحصل.
لست أنا الليلة كل هذه الجماعات في آن معاً. ولا أستطيع أن أكون.
ولكن لا بد من بداية.
القواعد المقترحة
والبداية، في هذا الباب، هي مجرد طرح الفكرة. وما ابداء بعض الملاحظات، تصدر عني الآن، حول هذه الفكرة سوى من قبيل الزيادة التي هي، هذه المرة، من لزوم ما يلزم، فمن قبيل هذه الزيادة – المشاركة أقول:
أولاً- يتفق المجتمعون – وقد ذكرنا من هم – على رورة حصول اتفاق بينهم. وعلى أن يتناول هذا الإتفاق وضع قواعد الجمهورية اللبنانية. اذ أن وطنا لا قواعد له كبيت ليس له رأس. فإنه مدعو الى الخراب.
ثم أن قواعد الجهورية اللبنانية تحفظ الجمهورية اللبنانية كما حفظت قواعد اللغة العربية، مثلاً، اللغة العربية.
ثانياً- ان لم يكن الإتفاق ممكناً، في المجتمعين، بين مواطن ومواطن، كلاهما قابل بالجمهورية اللبنانية فليكن الإتفاق بين المجتمعين، كما الإتفاق بين مستأجر ومؤجر في سبيل تأمين السكن، في الجمهورية اللبنانية، على أفض وجه من ضمن الإمكانات القائمة لدى كل من الفريقين.
اذ ليس شرطاً أساسياً أن يكون اللبنانييون من أصل بشري واحد لكي يتمكنوا من الحياة معاً، على أرض واحدة، في وطن واحد. فالسويسريون من أصل الماني، وايطالي، وفرنسي، وسويسري. ومع ذلك يتعايشون على أحسن حال، ويؤلفون أمة واحدة في وطن واحد.
كما أنه ليس شرطاً أساسياً أن يبحث المجتمعون أصل اللبنانيين، وأن يعلنوا ذلك. فالشعب الأميركي (في الولايات المتحدة الأميركية)، وهو أكبر شعوب الأرض، لا يبحث أصله. والأمر سيان لدى الأميركي الفرنسي، والأميركي البريطاني، أو الإلماني، أو الإسباني، أو الإيطالي، أو الإرلندي، أو الهولندي، أو غير ذلك. على أنه شعب يتألف من جماعات يرجع أصلها الى هذه الشعوب جميعاً. فمع ذلك فإن فئاته تتعايش على أحسن حال. وهو يستطيع كشعب ان يدل على أعظم الشعوب وأعرقهم أصلاً، وأكثرهم كرامة وتشوفاً. اذ الإقليم وحده يؤقلم. وهو، وحده، يطبع الشعوب بطابع واحد أو شبه.
مثل هذه المباحث الشاردة شروداً مكنت فيليب المكدوني من احتلال بيزانطيا في ما كن علماؤها تحت عين الشعب يبحثون جنس الملائكة: أذكور هي أم إناث؟ ولا أدري ماذا يفيد المتعبد أن يعرف ذلك؟! وما بحث الشؤون العرقية والدينية، والطائفية، وما اليها سوى شيء من هذا. وأنه لآسفين في بنية التوافق والإتفاق، وسبب للتفرقة، طالما توصله المغرضون.
وفي سبيل الوصول الى اتفاق لا يعهد الى اي لبناني بشأن عام، وعلى الأخص احدى الئاسات الثلاث، أو عضوية الحكومة أو المجالس النيابية إلا إذا كان صاحب اقتراح أو ملاحظة جدية تقرب هذا الإتفاق، أو تخدم التقرب على الأقل. وليس الأمر غريباً. ففي بعض دول العالم لا يعهد الى أي مواطن برئاسة الدولة ما لم يكن صاحب كتاب في موضوع الدولة التي يرئس.
هذا فضلاً عن اي انصراف اهل القلم والسياسة الى ايجاد حل من الحلول لمثل هذا الموضوع الحيوي أنفع للبلاد وللعباد من أي بحث آخر، الموقف آخر، أو اهتمام آخر. عل هذا يخفف من كثرة تحرك لا ينفع.
ثاثاً- الإتفاق يجب أن يستمد من توق المواطن الى إرضاء كبريائه القومي وإشباع حاجاته الحياتية بدون ما عناء وعنت وفناء.
أما الكبرياء القومي فليس مشروطاً لإرضائه ان يكون لبنان أكبر دولة على الأرض، ولا أن يكون أسبق الدول الى فلق الذرة والوصول الى القمر، ولا أن يكون صاحب الأسبقيات في العلوم والفنون وشؤون الفكر والحياة. بل يستطيع أن يكون بلد صغير، متواضعاً وان يكون كبرياؤه القومي موفوراً، ورأسه عالياً، بأن يكون الإنسان فيه كريماً على أرضه، حراً، سيد أمره، يتمتع برخاء وبعيش هنيء وبأن تكون مؤسساته قادرة سليمة، من جيشه، الى ادارته، الى حكومته، الى مجلسه، الى قضائه، كما انه ليس ضرورياً أن يكون الإنسان بحجم الإسكندر، وهانيبعل، ونابليون، وعمرو بن العاص، أو بحجم أرسطو وديكارت، وكانت، والغزالي وجبران، أو بحجم المتنبي وغوته وفاليري لكي يكون الإنسان نبيلاً كريماً يفرض احترامه.
وأما الحاجات الحياتية فيجب أن تكون موفرة لكل إنسان بلبنان فلا تعطل عن العمل، ولا شيخوخة ولا عجز مانع، ولا طبابة مكلفة، ولا تعليم مرهق، ولا معيشة صعبة، ولا حرية مكبوتة، ولا إجراءات اعتباطية، ولا قهر للكرامة،
رابعاً- لا إتفاق ما لم تؤخذ بالإعتبار حقائق لبنانية صارخة، من هذه الحقائق ما هو وارد في أقوالنا السابقة وفي أقوال غيرنا، وما نذكر ببعضه تذكيراً الآن:
1. ان لبنان نظراً لموقعه الجغرافي لعلى مفرق طرق عالمية، وهو ساحة عمومية. انه بلد متوسطي منه تبدأ واليه تنتهي دنيا العرب.
2. وفي لبنان تتصافح المدنيات، وتتبادل المعتقدات واللغات والطقوس شعائر الإحترام. وهو ذو حضارتين متوسطية وعربية.
3. لبنان متعدد اللغات كما اللبنانيون متعددو الطبائع.
4. لبنان بلد مضياف وإنساني.
5. لبنان بلد مكوّن من تداخل الجبل والبحر.
6. لبنان بلد تزحف اليه المطامع يدفعها في طريقها مناخه، مياهه، خضاره، بحره، وكونه أحد أحلى بلدان الارض قاطبة.
7. لبنان، في الاصل، جبل قديم له قواعده الذاتية، ضمت اليه حديثاً مقاطعات كانت مفصولة عنهوتأخذ بقواعد الآخرين فصار محتوماً أن تكون له قواعد خاصة.
8. لبنان ملجأ وملاذ، ملجأ للأقليات القلقة، وملاذ للمخلوعين، والمضطهدين، والمنفيين.
9. ليس لبنان مع اليمين المتحجر، ولا هو مع اليسار المتطرف. ان هو الا مع العصر في تطوره الصاعد ومع الإنسان في تأمين كرامته وعيشه.
10. شعب لبنان شعب مجنّح دائم الشوق الى الإرتحال. لا يهنأ له بال، أو تستقر له حال، الا إذا أحب العالم وقرّب العالم اليه.
11. ان مستقبل لبنان منوط، أساساً، بالحرية: حرية في العقيدة، وحرية في العمل والدأب. وهو منوط برحابة البصر والبصيرة في النظامين الساسي والإجتماعي، وبتسديد الأخلاق والعوائد، أخذاً باحترام الحريات الشرعية، ومنوط، اخيراً، بإزالة القيود والعوائق على مدى وسيع.
12. لبنان، أبداً، مع ضيعته، مع حاكورته، ومدرسته، وسنديانته، لبنان مع نفسه، مع بقائه حراً سيداً كريماً ما بقيت نسمة من نفس في جباله وشطآنه.
وهو لكذلك لأنه في مصلحة العرب أجمعين أن يبقى هكذا وفي مصلحة العالم كله.
نحو لبنان الغد
عندما ترسى القواعد التي هي لنفع الجمهورية يصبح لا بد من القواعد التي هي لنفع الناس.
وهنا، أيضاً، لا أريد أن أنشيء جمهورية مماثلة لجمهورية أفلاطون، ولا أختا لمدينة الفارابي الفاضلة.
بل أقول بإيجاز كلي،
لكي تحيا الجمهورية فيحيا فيها الناس، على ما يجب أن يحيوا، لا بد من أن تعي الجمهورية ذاتها.
لا بد من أن تتبين طريقها فتتحرك وتمشي صعداً نحو الأحدث والامثل.
لا بد من أن تصمم لغدها
لا بد من ان يكون لديها:
في وجه كل محارب رسول محارب رسول
في وجه كل كلام مدور كلام مدور
في وجه كل تعليم مدروس تعليم مدروس
لكل "سلوغان" و "كاتيشيسم" سلوغان وكاتيشيسم من نوع آخر.
وفي وجه كل وعد كاذب وأمل خالب وعد وأمل صحيحان.
لكل ضمان منجز ضمان منجز من نوعه.
ولكل تدبير حياتي تدبير حياتي آخر.
... ثم استباق
استباق ينشيء في عالمنا ما لم يفكر بمثله عالم آخر.
بحيث يصبح انسان الجمهوريات الديمقراطية افضل انسان:
كرامته أسلم كرامة، حريته أرسخ حرية، وعيشه أطيب عيش.
فكل ما يعمل في لبنان، اليوم، وغداً وبعد غد، بعيداً عن مواجهة العصر المائج ومجابهة الثور الهائج اضاعة لوقت هو، في الزمن الحاضر، أثمن وقت.
بل هو مواطئة في الإنكسار.
مسؤولية الشباب
والآن، وفي هذا الجو العابق برائحة الشباب – ولنا منهم في بيتنا أفلاذ – أقول لأولادنا:
ليس في ساحة المجلس النيابي الخارجية تشترع القوانين، بل في قدس أقداسه.
ليس في الشارع تنطلق المطالب الحقة، بل في الخلوة المعطرة.
ليس بالصراخ تنال الحقوق. بل بالهمس الرفيق الناعم. فكل ما يعمل اليوم في لبنان، لا يجوز إلا بقصد واحد هو زيادة مدماك على بناء الوطن الشاهق.
الحق الذي يطالب به أصحابه المزايدة على مطالب آخر ليس حقاً. بل ادعاء باطل.
والكلمة التي تساند هذا الحق ليست كلمة بل جعجعة خرقاء، ولا البادرة بادرة.
فلبنان، بالنظر لموقعه من العالم، تهتز أرضه كلما داس جبار أديم الأرض ولو في أطراف الدنيا.
فمن كل مكان يدركنا الإرتجاج.
الغاية، اذاً، هي أن نسمّر الارض تحت أقدامنا، ان نسمرها بالقصد الصالح، بالتطلع البعيد، بالحكمة الواعية، وبالحزم الظافر.
وكل ما يخر ج عن ذلك مساندة منا، لا واعية، للجبار لذي يتبختر ويتكبر.
وهو توغل في الكيد... الكيد للبنان.
... وعن أية يد؟!
" ان كنت لا تدري فتلك مصيبة
أو كنت تدري فالمصيبة أعظم"
الغد ولبنان حلمان لا أدري أيهما أحب وأروع. أهو لبنان أم الغد؟ فكيف اذا اجتمعا في حلم واحد: لبنان وغده!
بيد اني كنت كلما عدت الى موضوعي الليلة: "لبنان الغد" كان يمثل أمام عيني قولان:
واحد للويس – فردينان سيلين يؤكد فيه أن: "ابله كل من يتكلم عن المستقبل، لأن حاضرنا هو المستقبل"،
وآخر لسانت أكزوبري جاء فيه: "تحضير المستقبل هو العمل للحاضر. أما الذي ينجذبون وراء التخيلات البعيدة فإنهم يفنون في تتبع المحال".
قولان كانا يغمراني بمثل برودة الثلج، فأتسمر مكاني، ويجمد الوثب حد حدود الواقع.
... وبعد افليس واقع العالم، اليوم، نوعا من الحلم الذي لا تحده نهاية؟
سرعة التطور
سيداتي، سادتي،
الذي يبده اجيالنا، اليوم، لم يبده أي جيل قبلنا منذ فجر الخليقة حتى يومنا الحاضر.
لقد مشت الإنسانية، بطريقها الصعدي، في نصف هذا القرن الأخير، شوطاً لم تقو على بعضه منذ أن قيل للإنسان كن فكان. ثم تسلم طريقه.
على سبيل التذكير والمثال نورد ما يلي:
من السنة 1700 الى السنة 1960 تكبير الأشياء بواسطة المجهار (ميكروسكوب) قد انتقل من 200 مرة ازيد من الحجم الطبيعي الى300000 مرة.
في السنة 1830 كانت الطاقة المحركة في حدود ال 200 ميليار كيلوات، فأصبحت في السنة 1960 تزيد على ال 30000 ميليار كيلوات.
في السنة 1830 كانت السرعة القصوى لا تزيد عن العشرين كيلومتراً في الساعة فأصبحت، اليوم، موازية لسرعة الصوت.
قوة المتفجرات كانت قد زادت، حتى السنة 1945، 750 ضعفاً على ما كانت عليه في السنة 1860. وقد بلغت مع القنبلة الذرية 6 ميليار و500000 ضعف، ومع القنبلة الهيدروجينية 4 ميليار و800 مليون ضعفاً. (أي لو شئنا ان نجمع من البارود مقدار ما يفعل فعل القنبلة الهيدروجينية لما اتسعت له جميع أساطيل العالم التجارية والحربية مجتمعة للغرض الواحد).
والخطير في الأمر هو: ما أن تضع الإنسانية يدها على مبدأ علمي حتى يليه التطبيق في سنوات معدود:
فبين اكتشاف النوترون وانشاء أول بطارية ذرية عشر سنوات، وبين اكتشاف الموجات القصيرة واختراع الردار عشر سنوات، ثم بين فلق الذرة وأول قنبلة ذرية خمس سنوات.
وعلى صعيد آخر:
ما الذي لم يحدث على يد التلفون، والسينما، والراديو، والتلفزيون؟ مخاطب نيويورك في باريس كم كان عليه أن ينتظر جوابه، وقد صار يهمس، اليوم، فيسمع؟ صوت الحجاج، ونابوليون، ولنكولن كم كان يطول، في حينه، من المستمعين، وما هو عدد الذين يستمعون، اليوم، الى "صوت العرب" وديغول؟ المستمتعون بباخ، وبيتهوفن وموزار، كم كان عددهم حتى أواخر القرن الفائت، وما هو عددهم اليوم؟ البيوت التي كان يخترق خدورها، أمس، صورة أو صوت ما هي؟ وكم هي؟ وكم صارت، اليوم، البيوت التي لا يستطيع حاجز أن يرد عنها الصور والأصوات؟
أما وهذه هي الحال، فمن أين نبدأ في بناء لبنان الغد؟
هنا نخبط في الحيرة التي ما برح العالم كله يضرب، الآن في مثلها:
عالم قفز قفزة عملاق، فانقطع الذي بين حاضره وماضيه، وإنسان سبق عقله كيانه حتى كأن الإنسام لم يعد يقوى على اللحاق بذاته. ثم أوضاع، وأجهزة، وإدارات ما مازلت على قدميها، في أيدي القدامى، تساس بعقلية ليست من العصر الحاضر.
ومع ذلك يجب أن يلحق العالم بالزمن، وإن يلحق الإنسان بذاته، وأن نكون جميعاً، بقوة الزوبعة التي تعصف في العصر.
كل ذلك على تطور لا تهور، لكي لا ينهار كل شيء، ولكي يعطى للإنسان ان يكيف كيانه على مدوات عصره وعقله، وما بلغ العصر والعقل اليه.
لبنان قاعة استقبال كبرى
سيداتي، سادتي،
تجدون، معي، أننا في عالم مذهل وفي عصر لم تسمع بمثله أذن، ولم تقع عين على مثله.
وتجدون أن لبنان الراغب، أبدا، في العيش على مستوى طموح، والطامح، أبدا، الى مجاراة العصر، ينام ويستفيق على ذهول، ولكنه لا يقبل أن يضل طريقه، وهو يحاول، اليوم، أن يتبين معالمها. فإن لم يوفق، سريعاً، الى ذلك فهو مقبل، بإذن الله على التوفيق في غد. وما غد الإصحاء ببعيد!
لبنان الغد لا بد له من مرتكز وتطلع. أما المرتكز فيجب أن يربطه بمحور الأرض. وأما التطلع فبروحية العصر. وهو ما سنحاول توضيحه، ما أمكن، في حديثنا، الليلة.
يعقد لبنان على رقعة من الأرض يحلو للشرق والغرب أن يلتقيا عليها. وهي بنسبة ما يجد فيها الغربان: الأوروبي والأميركي راحتهما بنسة ذاك يجد فيها الشرقان: الآسيوي والأفريقي راحتهما، أيضاً.
فبما هو لبنان ملتقى العالمين، فملتقى الحضارتين، وجب أن يكون المكان اللائق لإجتماعهما ليظل إجتماعهما فيه حلواً، فاعلاً كثير العطاء.
وعلى هذا وجب أن يكون لبنان قاعة استقبال كبرى تليق بالمضاف وبالمضيف في آن معاً، ثم وجب أن يسهل لبنان تماس العالم بعضه بيعضه الآخر، وأن يسهل التبادل الحر بين مختلف أجزائه.
من هنا ترتسم طريق لبنان في غده، فماذا نجد في الطريق؟
من أجل أن يكون لبنان تلك القاعة الدولية الكبرى، التي تليق بالمضاف وبالمضيف، يكفي أن يكون علم المسؤولين فيها كعلم واحدة من ربات البيوت اللواتي يحسنّ استقبال ضيوفهنّ.
ربة البين الأنيقة المدعوة الى استقبال ضيوف يفدون اليها بلا انقطاع، تأبى إلا أن يكون بيتها نظيفاً، ومثله حرم البيت، لذلك فهي تكنس وتغسل أرض بيتها، وأدراجه، وساحاته، وأرصفته، ومسالكه، كل يوم. وقد يكون أكثر من مرة بحسب كثرة الوافدين اليه.
ربة البيت، في "أمستردام"، تشطف بيتها، وأدراج بيتها، والأرصفة المحيطة به، كل يوم مرة، بحيث أن الرصيف يشطف، مرات كل يوم، تبع عدد الطوابق التي في البيت الذي يعلوه، ومثله الأدراج.
في كيطو، عاصمة اليابان القديمة، يظل كنس الشوارع قائماً، ما زالت الشمس مشرقة، على يد فتيات في لباسهن الأبيض، كالممرضات.
في البندقية، على أنها مدينة بحرية عرضة للتوسخ، وعلى أن طرقاتها قنالات تبتلع كل ما يزج فيها... في البندقية قوارب محكمة الصنع والإغلاق تتولى نقل النفايات الى أفرانها لتحرق.
ذلك أنه، في اعتقاد الناس هناك، ان الشارع عنوان الأمة، وان الطريق حرم الشعب، بمقدار ما هو البيت حرم العائلة. وفي اعتقادهم، هناك، ان الأقذار والأوساخ، ما لم تحرق في محارق للنفايات، تظل أقذاراً وأوساخاً، وإن هي اغتربت من حي الى حي، أو تناثرت نتفاً في كل مكان، بعد أن كانت أكداساً في مكان واحد.
ربة البيت الأنيقة تأبى الا أن يكون بيتها باسماً من زهر، وغنياً من لوحات وتماثيل وبيبلوهات مختارة. فلا أقل، في المدينة المضيفة، من حدائق عامة، من شوارع مشجرة – مزهرة، من ساحات تقوم عليها الأنصاب والتماثيل، وتترقرق المياه في أحواضها.
روما، فيينا، فلورنسا، بروسيل، جنيف وباريس، بتماثيلها وأنصابها وأحواضها، وبعض مبانيها، متاحف مشرّعة الأبواب ليل نهار.
مدائن الألب النمساوية، والإيطالية، والسويسرية، مزهريات منورة. حتى أن أحواض الأزهار معلقة في النوافذ، في الشرفات، وفي أعمدة المصابيح كالمصابيح وأضوى. ذلك أن الناس، هناك، يؤمنون إيمان "كنكزلي" "بأن الجمال هو توقيع الله على الأرض".
ربة البيت الأنيق تأبى الا أن يكون خدم البيت في لباس نظيف، لائق، فلا تأذن لهم في أن يفرطوا في التأنق لكيلا يختلط خدم البيت بأهل البيت، ولا بأن يفرطوا في اللامبلاة حتى كأنهم شحاذون.
شرطة المدينة في روما، سواء الذين منهم على سير بثيابهم البيضاء المهفهفة، أم الذين منهم على أمن الناس ببزات العيد وسيوفهم، كلم في خدمة بناء المدينة وضيوف المدينة كأنهم يخدمون في قصر مترف.
في فيينا وواشنطن وهنولولو وفرنكفورت وفي الشاطئين اللازورديين الإيطالي والفرنسي تشغل نواطير المدينة مثل هذه الإهتمامات.
في سان فرنسيسكو بالإضافة الى كل ذلك مضيفات المدينة، وهن صفوة نسائها، يطوفن في الطرقات لإزالة المؤذيات، ثم يطفن زوارها في معالمها المبهجات، على أروع ما يكون العلم بالشيء واللطف معاً.
لشرطة المدائن، هناك، تربية ومدارس. وللسواقين تربية ومدارس. وأن تربيتهم هذه حملت أحدهم على أن يقول لي يوماً: "الدولاب المخالف يوجعني كأنه يكر على صدري".
وبما هو لبنان قاعة لاستقبال العالم وجب أن يجد فيه كل أبناء العالم مناخهم الروحي. أما المناخ الذي يطيب لكل إنسان فهو مناخ السكينة، والطمأنينة، والأمان.
في جنيف لشهرين خليا فرغت أذننا المريضة من زمرة زامر، وصرخة صارخ، وقول يطلق عالياً من فم قائل. وفي جنيف تتناول جريدتك من صندوق تضع فيه بعض الدريهمات، فلا رقيب ولا حسيب، ولا من يغافل فيسرق. وفي جنيف ساعات، ومجوهرات، وثروات من وراء الزجاج، في واجهات لا هي في حراسة الحديد، ولا هي في حمى العتمة، كأنها مطروحة في عرض الطريق لا حارس لها إلا ذمة الناس.
انفتاح لبنان على الحضارات
يبقى ان لبنان، الذي عين له موقعه الجغرافي ان يكون تلك القاعة الدولية لاستقبال شعوب الأرض، هو معين لتسهيل تماس العالم بعضه ببعضه الآخر، وتسهيل التبادل الحر بين مختلف أجزائه.
من هنا ان شعبه مدعو اليوم، أكثر من كل يوم سابقاً، الى أن يكون منفتحاً على جميع الحضارات، قابلاً لهضم جميع التيارات الروحية والفكرية التي تعصف فيه، آخذاً بتعدد اللغات ليظل قادراً على أن يرحب ويتوسط، ويفهم ويفهم.
ومن هنا ان سياسة لبنان الخارجية لا يمكن أن تكون الا سياسة الحياد: حياد من الشرق، وحياد من الغرب. حياد من الخلافات الأخوية العربية، ومن المنازعات العالمية والدولية، وحياد حتى حدود الخير والشر واللذين لا حياد حيالهما.
وفي سبيل هذا الحياد، على سياسة لبنان الخارجية أن تحظى بتأييد الفرقاء جميعاً.
ثم أن تكيف الذهنية اللبنانية، بفعل التوعية الساهرة المجدة، على مراس الحياد، وهو أصعب مراس، على ما ورد في محاضرتنا: "بعد العاصفة".
هذا، وأن البلد الذي عينه موقعة وواقعه على أن يكون صالة العالم لن يطول به الزمن ليصبح واحداً من بلدان الطليعة في العالم السياحي. ولما لا؟ وهو البلد الأوحد الذي، بالإضافةالى ندرة مناخة وجمال طبيعته، تتراءى فيه عظمة الفينيقيين والرومان والصليبيين على السواء. وهو البلد الأوحد الذي ينظر فيه الرائي الى أول حرف سار به لسان، والى أول بناء نهض في الأرض، والى أول مرفأ اطلق في اليم أول شراع. وفيه ينظر الرائي ما لا ينظر في غيره، الى خمس حضارات تنام جنب الى جنب على زند أرض لبنانية في صور. فضلاً عن أنه حلقة من سلسلة حواضر شرقية ولد في بعضها اله ونبي وأولياء، وولد في بعضها الآخر حضارات فرعونية، فارسية، عثمانية، وعربية.
فكل جهد يبذل بسبيل ادخال لبنان في نطاق السياحة الدولية يكون جهداً مستجاباً ومثمراً. ويوم يصبح لبنان في النطاق لا يعود ينزل عن عرشه اذ تكون قد زالت، في غضون ذلك، البشاعات المؤذية، وبدأت ترث مكانها الحلاوات.
هكذا أتصور لبنان الغد بالنسبة الى المكان الذي يقتعد من الأرض.
أما لبنان المتطلع الى غده فعليه أن ينطلق في طريقه الصعيدي المتمادي أبداً، من بعد اعتبارات ومبادىء تفرضها عليه مستلزمات الطريق، ثم أن ينصرف، في الحال، الى بعض اجراءات وأعمال يوكون التنكر لها، اليوم، تنكراً للغد المرتقب.
منطلقات الغد:
أما هذه المعتقادات والمبادىء فأهمها:
1- ان قضايا الإنسان، في العصر الحاضر، كبر حجمها بحيث تغير نوعها. وان كل بلد يريد أن يبقى في حلبة السباق عليه أن يجعل طموحه في حجه هذه القضايا الجديدة.
2- ان خلل حضارة القرن العشرين ناتج من تخلف الأجهزة عن التجهيز. وان التوفيق بين الأجهزة والتجهيز يتطلب قلب المقاييس جميعاً. ذلك التطوير لم يعد كافياً في معظم الأحيان، لأن القواعد المفروضة علينا، الآن ترجع الى يوم كانت المجتمعات تواجه القضايا في بساطتها العادية. وقت لم تكن للجماعات، بعد، حقوق تتزايد يوماً بعد يوم. وان اصعب ما في التنظيم الجديد انه لا يقبل من بلد الى بلد وهو سليم معافى، كما التقنية التي لا تحدها حدود. اما ابلغ ما فيهو ان لا الحق في العمل، ولا الحق في الضمانات الإجتماعية، ولا الحق، بالتالي، في العدل والعدالة ميسورة المنال الا من ضمن تنظيم ملائم. وأما أخطر ما فيه فهو ان الناس محمولون على أن يطلبوا من العنف ما لم ينلهم اياه العمل الهادىء المنظم.
3- ان نؤمن بالتقنية ضرورة ملحة، وان لا شيء يستطيع أن يعيقها في الطريق. ذلك أننا لا نستطيع أن نتحمل تكاثر السيارات والطيارات والصواريخ، ونحن لا نزل في ذهنية أصحاب الطنابر، وبهذا الصدد قال جاك برجيه: "اننا لا نزال نعيش على أفكار، ومبادىء، وعقائد، وفلسفات تمت الى القرن التاسع عشر، حتى كأن كل واحد منا هو الجد الأعلى لنفسه".
4- ان نؤمن بأن لا موقف الا موقف التطلع الى غد، وان مجرد التطلع الى غد موقف جريء، وان الخوف اياً كان المخيف جبن يجب أن يقهر. ثم ان نؤمن بأن العظيم، اليوم، هو من يكون على رأس جماعة في عمل يتطلع أصحابه، جميعاً، الى المستقبل بهوس وفرح. أما الذين عينهم على الماضي السعيد ينوحون عليه، فقد قال لهم جوريس: "من مذبح الجدود فلنحافظ على الشعلة لا على الرماد".
ويقول لهم آخر: يا أيها النواحون على الماضي السعيد، لولا البنسلين هل كنت عشتم الى اليوم للنحواح على الأمس الذي مضى؟
5- ان العصر الذي نعيش فيه هو عصر البحبوحة والإنتاج الوفير. وجد، اذاً، ان يكون عصر التوزيع العادل، وتقاسم خيرات الأرض بحق. على أن العطاء فن هو أصعب من فن التمتع بالحرية.
6- ان نظل نؤمن ان الديمقراطية الكثيرة الأزمات تتغلب على أزماتها كما الجسم على أمراضه، وأن ليس غير الديمقراطية نظام يتسع لمكاسب هذا العصر، ويستطيع أن يجاري قصده المذهل.
7- ان عقل الإنسان يجب أن يترك حراً ليستطيع أن يتجه في كل اتجاه يتراءى له فيه الأمل.
على ان الحريةليست في ان يحيا الإنسان على هامش المجتمع، وكما يعن له، ان هي الا القبول، بإرادة كلية واعية، بالتنظيم الذي يجعل التقدم ممكناً. ولا يكون التقدم مضموناً الا اذا وثق المواطن في الدولة، واذا جعلت الدولة نفسها خليقة لثقة الناس.
8- ان الثورات لم تعد قادرة على أن تحقق التحول المنشود بالسرعة المنشودة. ذلك أن الثورة تهدم لتبني، فإذا هي تنقضي فيبقى الهدم ولا يقوم البناء.
9- ان نثق بأن المجتمع اللبناني مجتمع سليم – صحيح – متحرك. وأنه، وحده، المريض أو الضعيف يخاف المشي والتحرك. ثم أن نحمل المجتمع اللبناني على أن يوفق بين سيره وسرعة العصر، جاعلاً في اعتباره ان للسرعة شروطاً أقله حدة البصر وامعان النظر في معارج الطريق، تماماً كما يجب أن تكون أنوار السيارة المسرعة قوية بنسبة قوة السرعة التي تعتمد في سيرها.
10- ان رجل السياسة، في العصر الحاضر، يجب أن يكرس نفسه بما هو أنبل ما في العلوم الإنسانية. لأن إنسان القرن العشرين أصبح الهدف الأول والأخير للسياسة الواعية الرشيدة. فكل نضال خارج نطاق الإنسان هدر قوى ووقت. وما مبرر المعارضة السياسية، بعد اليوم، سوى استنهاض الحاكم على تطوير أوضاع الإنسان تطويراً لا وقفة فيه ولا تلكؤ.
11- ان نعود انفسنا أن نرى كبيراً، وان نفكر كبيراً، على الرغم مما عودناه في مدى عصور المظالم. ذلك أن الجور والطغيان عودانا ان نكتفي في البيت الصغير، والحاكورة الصغيرة، والدكان الصغير، والمرامي الصغيرة التي في عقبها، جميعاً، اذ عندما تكبر حاجاتنا تكبر متطلباتنا، تكبر امكاناتنا، تكبر أمانينا، فنصبح بمستوى العصر والطموح. ثم أن يظل ماثلاُ امامنا ان الشعوب ليست في أن نكون كباراً، بل في أن نعرف كيف نكبر.
12- ان نسارع الى اختيارنا نريد لئلا نجد أنفسنا ملزمين على القبول بما يراد لنا.
13- ان المرء بقدر ما يكون منسجماً في عمله قدر ذلك تكون رجة المعاكسات التي تستهدفه ضئيلة، وبالنسبة ذاتها لا يضج، شأنه شأن الدولاب في المركبة الذي بنسبة ما لا يكون مرتكزاً في مكانه، أو غير محكم الوضع بنسبة ذاك يكون قلقاً ضجاجاً.
14- ان اجتراءات الشباب، بالغاً ما بلغت من الشأو والعنفوان، يجب ألا تخيفنا. ذلك أن الأمل في اجتراءات الشباب.
وآخراً لا أخيراً ان تحاب أبناء الشعب الواحد لات يكون الا عن طريق عمل كبير واحد.
"أقيموهم على بناء كاتدرائية، يقول سانت أكزوبري، اذ ذاك يحبون بعضهم بعضاً".
القاعدة في اختيار المسؤولين
سيداتي، سادتي،
هذه هي بعض الإعتبارات والمبادىء التي نرى أن تكون في قاعدة انطلاق لبنان في اتجاه غده. ويبقى أن نتوقف، قليلاً، عند بعض الاعمال والإجراءات التي تنبثق، من هذه الإعتبارات والمبادىء في انشاء لبنانى الغد.
يطيب لي، في ساعات الشرود والتأمل، ان أنقل خيالي في بعض جوانب من لبنان كما اتصوره في غده فأرى:
ان عزم الشعب اللبناني، في مستقبل أيامه، على استنان قاعدة في اخيار حكامه كأن يكون كل مسؤول في لبنان، من رئيس الجمهورية، الى رئيس مجلس النواب، الى رئيس مجلس الوزراء، فإلى الوزراء جميعاً... ان يكون المسؤول في لبنان صاحب كتاب يتجسد فيه تفكيرهالإجتماعي، والإقتصادي، والتربوي، والسياسي، بحيث يكون الكتاب كاشف النقاب عما في الألباب، فيدل، في أقل ما يدل عليه، على أن صاحبه يحبالحكم كفنان، على نحو ما يحب عازف الكيثارة كيثارته، ليصعد منه أنغاماً وألحاناً تكون متعة المواطنين، كما كان يحلو نابليون ان يقول.
ثم يكون الكتاب عهداً على صاحبه حيال الرعية، فلا يقبل الشعب أن يولي امره لمجهول يقفز به في عالم المجهول.
ويكون الكتاب، أخيراً، مرآة صاحبه بالذات، فيعطي الدليل على أن صاحبه واحد من اللبنانية التي يمخر شراعها تحت كل سماء في لآفاق الفكر والروح متهادياً بين الفنون والآداب والعلوم حيث لهم، في القديم وفي الحديث، كواكب تلمع، فيعرف فيه المثقف نفسه، أو صنوا لنسه، ثم يخلد ابن الشعب مطمئناً، الى ظله الوارف. وهذا الدليل لا يستطيع أن يعطيه انتخاب. لأن الرئيس الرئيس هو عطية من الله لا من أكثرية ناخبة.
الإدارة اللبنانية
ثم أنظر فأرى:
ان الإدارة اللبنانية، وقد جعلت نفسها من مستوى العصر، باتت آلة من آلات الزمن الأخير، المحكمة الصنع، التي قوتها من دقة لا من ضخامة، مجردة من الزخارف والزوائد، تسير نحو الهدف الأوحد الذي هو احقاق الحق وإسعاد الإنسان، فنتبوأ معها مكاننا اللائق في جوقة الأمم التي تجهد، هي أيضاً، في احقاق الحق وخدمة الإنسان.
اداة تكون في رأس دوائرها دوائر الإحصاء الذي، بدونه، لا يعرف لمن تعمل الإدراة، وكيف تعمل. احصاء يتبين منه، لدى كل خطوة، عدد أبناء الرعية مع نسبة تزايدها، على الأيام ليعرف من تخدم اليوم، ومن ستخدم غداً.
وتتبين منه حركة الهجرتين الى خارج البلاد، والى المدينة. وتتبين من الموازنات العائلية عند مختلف فئات الشعب، وفي مختلف الأنحاء اللبنانية. ويتبين منه تكوين أسعار السلع والحاجات من حد انتاجها، أو استيرادها، الى حد وقوعها في يد المستهلكين. وتتبين منه البنية الإقتصادية العامة، الأموال المشغلة والأموال التي هي في الإحتياط، الإنتاج، الأجور، الأرباح، والمختزانات. ويتبين منه الدخل الوطني بكامل تنوعاته وتفرعاته، ليعرف كيف يصير الإنتقال، عندنا، من الميزان التجاري غير المتوازن الى ميزان المدفوعات المتوازن. وتتبين منه، بدقة، موازنة الدولة، بما في ذلك موازنات المصالح المستقلة، والنفاقات التي تجري من خارج الموازنة العامة، على ما فصل ذلك ميشال شيحا، فان زيلند، والأب لوبريه.
ثم ننتهي، بنتيجة الإحصاء، وعلى يد دوائر مختصة، الى وضع الحسابات والإحتمالات والترجيحات والدراسات والإقتراحات، التي تجعل القيام بحركة للتنمية في البلاد أمراً ممكناً مكفول النتائج.
ادارة يصير التوفيق بين مختلف مديرياتها، ومصالحها، ودوائرها، ابتداء من درس المشاريع، مروراً بإقرارها، وانتهاء بوضعها في التنفيذ، تفادياً للمتناقضات ولهدر الوقت والجهود، وحقنا لمال الخزينة، فلا نظل نرى طريقاً تعبد، اليوم، لتحفر غداً في مدى خطوط الكهرباء، ثم تحفر بعد غد في مد خطوط التلفون، ثم بعده في مد قساطل المياه، ثم تعود فتحفر في أغراض المجارير.
ادارة يكون على رأسها دماغ يفكر عنها، لأنه ليس للإدارة دماغ، فيتولى التخطيط في أغراض تنمية شاملة بعيدة المدوات، تخطيطاً تتناسق فيه المشاريع لتحقيق نهضة تتجاوب وحاجات الشعب، وتستخدم فيها جميع طاقات الأمة المادية والبشرية. فلا يكون تخطيطاً، والحالة هذه، أي مجموعة من المشاريع، ولو غير مرتجلة، ولا تربط بينها رابطة التنمية الشاملة والإنهاض الكامل. على ما ذهبت في شرحه بحثة "أرفد" في تقريرها المسهب.
دماغ الإدارة هذه، وهو مجلس التخطيط الذي يجب ان يعبأ بالكفاءات العلمية – العملية – الفاعلة. ثم يربط، مباشرة، برئيس مجلس الوزراء الذي يجب الا تسند اليه مهام غير مهامه لينصرف، بكلية مستوعبة واعية، الى مختلف شؤون هذا المجلس التي هي، بحق، شؤون الدولة أجمع.
اما هذه الكفاءات فقد صار لزاماً أن نهيىء لها بالإعداد الرصين الجدي الحيوي، بغية الحصول على أفواج جديدة من المخططين اللبنانيين، الذي يقوى عمل التخطيط على يدهم، ويستمر، وينتج، فيطمئن قلب البلاد اليهم.
ادارة تعتمد الكفاءة، تتحرر من اللامبالاة، تخنق الرشوة، وتثيب الخدمة والموهبة والإخلاص. لأنه ايا كانت أجهزة الإدارة، والنظم التي تخضع لها، وأيا كان نصيبها من الأحكام والإنتظام فهي لن تكون ادارة الغد المنشود، حلمنا جميعاً، الا اذا كان العنصر البشري الذي يعهد بها اليه عنصراً سليماً، قادراً، مبتغياً خير العباد والبلاد.
أتصور رجل الإدارة، في لبنان الغد، رب عيلة صالح أبعد ما يكون عن سمسار وأقرب ما يكون الى رسول، رجلاً يتعبد لعمله، يتجهد له، يعايشه، يؤاكله، ويشرب معه، يقوم له في الليل كما الراهبين لصلاتهم، ويظل ينحت فيه حتى يستقيم وينجز.
الإقتصاد اللبناني
ثم أنظر الى لبنان الغد، وقد انتظم الحكم فيه، فأراه يسلم للدولة شؤوناً يخاف منها، اليوم، عليها، فلا يعود يجفل من تدخلها حتى في شؤونه الإقتصادية العامة.
بديهي ان الإقتصاد في لبنان الغد، مثله في لبنان الحاضر، يجب أن يظل قائماً على الملكية الخاصة، والمبادرة الشخصية، والمخاطرة، والمزاحمة، والكسب، في اطار من الحرية نتمسك بها تمسكنا الثبت بمجمل حرياتنا، لأنها من مقومات الكيان الأساسية.
على أنه، والعصر هو ما هو، وموقفنا من العصر هو ما يجب ان يكون، والمبادىء التي آلينا على أنفسنا أن ندين بها هي ما ذكر، لا بد من الأخذ، في هذا الصدد، ببعض الإعتبارات التي أهمها:
1- أمران يجب الإحتراز منهما:
أضعاف الكسب الشخصي،
وتضليل الإقتصاد القومي في سبل الإنماء.
2- الكسب الشخصي الذي يقوم على الملكية الخاصة، والمبادرة الشخصية، وروح المخاطرة والتزاحم، هو أقوى عامل في ضبط سير المجتمع، اذ هو الدافع الأمثل الى العمل والخلق. فهو عندما يفضي الى تكثير خيرات البلاد يكون عامل ارتقاء. أما عندما يغني القلة ليفقر الكثرة فيكون عائقاً في سبيل الإرتقاء، واذ ذاك تجب إعادة النظر فيه.
ذلك أن الملكية الخاصة، والمبادرة الشخصية، وروح المخاطرة والتزاحم التي هي عناصر الكسب الأصلية، مرتبطة، كلها، بأوثق رباط في القيم الإنسانية المقدسة التي يجب الا تمس في هذا العصر الإجتماعي، عصر البحبوحة والإقتسام العادل، الا إذا رئي، في آخر المطاف، انها تركب، إعتباطاً وتجبراً، لتنيل راكبها غرشاً فتخسر الجماعة ألف غرش.
3- كثيراً ما يحسب الناس أن المزاحمة الكاذبة مزاحة مشروعة، وكثيراً ما يحسبون الربح الحلال ربحاً محرماً. فلكي يكون الكسب كسباً منسجماً مع روحية العصر وجب أن يكون بعضه كسباً للجماعة يستفيد منه الأفراد بعد أن يتحقق. ذلك أن قسط الجماعة من نشاطات هذا العصر بات يجب أن يكون القسط الأول والأهم.
4- وبخاتمة هذه الإعتبارات لا بد من الإشارة الى أن الإقتصاد، ككل قوة متحركة كبيرة، كالنهر، كالآلة، كالجماعة، لا بد له من ساهر، أ, ضابط، أو معدل والا خيف منه وعليه من الإنحراف والتهور.
وقد يكون، هنا، مجال القول في أن الضرائب إذا أحسن فرضها، وأحسنت جبايتها، وأنجزت توعية المواطنين الى ضرورتها، وعظيم فاعليتها وشأنها لدفع الأذى عن الأثرياء دفعه عن أصحاب الحال المتوسط والحال المعسور سواء بسوء، استقامت بين أيدينا وسيلة عمل لإسعاد الجماعات قد يكون فيها الغنى عن وسائل أخرى تجر في أعقابها القلق، أو تجر الى أكثر منه. ينتج من هذه الإعتبارات ان الإقتصاد المنور – المتحرر، الإقتصاد الذي يقبل النصح ويرفض الإستسلام، الإقتصاد الذي يصون مصلحة الفرد دون أن يغفل مصلحة الجماعة. الإقتصاد الذي يظل ماثلاً لديه: أن ثلث البلاد للدولة بواسطة أملاكها الأميرية،ومشاعات القرى، والحدائق العامة، والأبنية الرسمية، كالسرايات والمتاحف والمدارس والمستشفيات والمستوصفات والمختبرات، ومختلف المرافىء والتجهيزات كالمرافىء، والطرق، والمياه، والكهرباء، ووسائل النقل.
وماثلاً لديه: أن من حق الدولة أن تستمتع بأشياء الفرد بنسبة ما يستمتع الفرد بأشيائها وأن حرية الفرد في العمل والتصرف والكسب هي من الحريات الركائز التي بدونها لا تكون قيم انسانية أخيرة.
كل اقتصاد من هذا النوع، سواءاً كان اسمه اقتصاداً موجها أو حراً، أم كان اسمه اقتصاداً منوراً أو متحرراً، كل اقتصاد تسلم فيه حرية الفرد ولا يضيع معه نفع الجماعة ، ثم تأخذ بيده إدارة تقنية – لينة – متعافة – سليمة، لتكون لنا سوق تضعف فيه شوكة الوسيط فلا يتضاعف ثمن الحاجة ثلاثة من إنطلاقها من مكان الإنتاج حتى وصولها الى يد المستهلك، سوق تتوزع بعدل بين التعاونيات والهالات والتجار فلا يموت التاجر ولا يفنى المستهلكون،
ثم تكون لنا معها تأمينات وضمانات تقينا شر غلاء التعليم والتطبيب وشر التعطل والشيخوخة والحوادث والكوارث والآفات، كل إقتصاد يهدف الى هذا هو الإقتصاد الذي يطيب لي ان أراه مستقيماً على عرشه في لبنان الغد.
ولقد آن الأوان لنعتبر ان الجدل في الإقتصاد الحر والإقتصاد الموجه هو من نوع الجدل الذي كان يدور على جنس الملائكة، اذ المهم الآن هو أن يكون لنا ملاك، ذكراً كان أم أنثى، وأن يكون ملاك رحمة في حراسة الساعين الى نعيم فردوسهم الأرضي حيث الإطمئنان والبحبوحة والرخاء.
وعلى هذا نجد أنه من خير لبنان الغد أن يكف بعضنا عن دغدغة طفولة العقل احتراماً لقدسية العقل العاقل، فيكف عن التأكيد أن توزيع الثروة الموجودة في أيدي الناس هو خير من إيجاد ثروة جديدة تزيد فينا نعماء الناس، ان تأميم المعامل والمؤسسات هو أفضل من إنشاء معامل ومؤسسات جديدة، ويكف عن التأكيد أن وضع فلاح غافل في مكان ملاك مجرب هو أجدى للإنتاج وأضمن، ان موظفاً حكومياً هو أكثر كفاءة في إدارة العمل من صاحب العمل الذي أنشأه بالذات.
ومن خير لبنان الغد أن يكف بعضنا عن إقناع الناس بأن العمائم والقلانس عملت لأقدامهم، والأحذية لرؤوسهم. ثم أن يكف هذا البعض عن الإتجار ببضاعة الامل، عن المضاربة بآلام الناس وبؤسهم وشقائهم، وعن الإفتتان في إطلاق الأكاذيب بقوالب الوعود والإغراء والتقوى الوطنية.
ونذكر، هنا، كلمة "لجوزف له ميتر" الذي قال:
"الآراء الخاطئة كالعملة الزائفة التي يبدأ صكها مجرمون كبار. ثم يتولى تصريفها ناس طيبون فيتمادى الجرم على يدهم وهم لا يعرفون ماذا يفعلون".
ما لا يقتنع وجدان الأمة بصواب أمر فعبثاً يحاول المحاولون.
وعبثاً يحاول المحاولون أن يشبعوا الناس من كلام طيب.
يحكى أن أحدى الصحفيين، في باريس، كان يقلب بين يديه في مكتبة كتاباً يشتريه، عنوانه "كيف تصبح غنياً". وكان هذا الصحفي صديقاً لفيدو الروائي الشهير. فوقعت عين فيدو على الكتاب فاقترب يهمس في أذن مشتريه قائلاً:
"أنصحك أن تشتري مع هذا الكتاب قانون العقوبات أيضاً".
نعرف كذلك عن بعض الثروات والأثرياء. غير أننا، قبالة هذا، نعرف أن الرئيس عبد الناصر في خطابه أمام مجلس الأمة، مساء الخميس الواقع في 12 تشرين الثاني 1964 قد قال:
"ان بعض المصانع المؤممة، في الجمهورية العربية المتحدة، قد توقفت لسوء الإدارة... وأنه يوجد سرقة وتلاعب في المراكز الحكومية المخصصة لبيع المواد الغذائية...".
سرقة وأختها. أما أختها فأبشع.
يبقى أن المشكلة هي في كيف ننقذ الإنسان من نفسه والنظام منه!
نظام تربوي متطور
ثم يحلو لي أن أنظر فأرى لبنان الغد، وقد وضع نفسه في طريق إقناعه، عاجل الى الأخذ بالثروة التربوية التي بدأت تختمر في نفس بعض عظمائها في هذا العصر من أمثال الذين يرون أن التعليم يجب أن يكون متمادياً الى أكثر من فترته المعتادة من عمر الإنسان. لأنه ليس في الناس من يستطيع الإعتقاد أن المرء في عمر الفتوة والصبى قادر على استيعاب المعارف التي يحتاج اليه في مدى عمر كامل.
ولأن التعليم المتمادي يبقى رغبة الإنسان في الإطلاع بيقظة دائمة، فلا يطفأ في نفسه فرح المعرفة ولا يطمس بريقها.
وعندما يكون التعليم متمادياً يصير بالإماكن أن يعطى لكل عمر ما يناسبه من العلوم. فلا يعلم التلميذ التاريخ مع علم الأشياء، والفلسفة مع علم اللغة، والعلوم الإجتماعية مع العلوم الطبيعية، بل يصير الإكتفاء، في مراحل التعليم الأولى، بإرساء قواعد الأساس للمعرفة عامة، تلك التي يقتضي لها ذاكرة وحفظ كاللغات، وعلوم الأشياء، والطبيعيات، علم الحساب وما اليها.
وعندما يكون التعليم متمادياً يصير همّ المعلم ان يعلم التلميذ كيف يتعلم ، فيلقي بين يديه مفاتيح المعرفة يفتح بها الأبواب التي يريد، في الوقت الذي يراه مناسباً.
وعندما يكون التعليم متمادياً لا يعود السبق للأكثر اجتهاداً، على حساب الأكثر مواهب، ولا للأقوى ذاكرة على حساب الأمتن عقلاً، ولا للأكثر ركوداً على حساب الأكثر تحركاً، ولا للأشد صاعة على حساب الأشد تحرراً، ولا للأسرع أخذاً على حساب الأبعد تعمقاً، اذ ان كثرة ساحقة من الذين ينفعون في غربال المدارس كثيراً ما يكونون من زبدة الأمة.
وبهذا الصدد قال "آلان":
"اذ طلب منا أن نفهم أشياء كثيرة في فترة قصيرة، يجيء يوم نصبح فيه عرضة لأن نحفظ الأشياء الكثيرة دون أن نفهم". وهنا الطامة الكبرى.
هذا التبديل في استيحاء اسلوب التعليم يحتم تبديلاً أصلياً في المناهج. كل تعديل منهجي يبعد عن هذا الوحي – ولا أقول الأسلوب – يفضي، حتماً، الى تثقيل المناهج فقتل الرغبة في العلم بحشو العقول على أن تخفيفها يفضي، حتماً، الى إحياء الرغبة في العلم فتعميقه في النفوس.
أعلام متطور
ثم أتطلع فأجد أن جهاز النشر والأنباء، وقد رسخ انه اقوى جهاز وأنفع جهاز، بات يحتل مركز الصدارة في لبنان الغد، لأن بالنشر والأنباء يمكن تطوير الجماعات حتى مستوى التجهيز العصري. وبالنشر والأنباء تستطيع الديمقراطية ان تعمل وتنمو، اذ بنسبة ما تكون حركة الأنباء الجيدة العميق متسعة كثيفة بنسبة ذلك تكون الديمقراطية متينة سليمة. ذلك أن الديمقراطية هي، في اعمق ما هي، تفاعل صحيح بين الناس وعدد كبير من القضايا التي تتصل بمصلحة المجموع.
على يد الأنباء، بالإضافة الى ذلك، نستطيع أن نضع الفكر في طريق سموه، أن نكثف المعرفة، ان ننمي الوح الإجتماعية، روح التعاون والمحبة، وأن نقرب التفاهم بين الفئات المتباعدة بسبب أنها لم تضع يدها، بعد، على لغة تكون مشتركة بينها جميعاً. وتكون فاعلية الأنباء منقطعة النظير في البيئة التي بدأ يدخل اليها الصوت والصورة وقد كانت مغلقة، من قبل دونهما.
هذا الكائن البشري الذي صار باستطاعته أن يسمع، من وراء الجدران، صوتاً يتحدث اليه في شؤون الفكر والجمال والسياسة والإجتماع، والذي صار باستطاعته أن يرى ألواناً وأزياء ووجوها وحركات لم يكتن يحظى بمثلها من قبل. هذا المخلوق المغلق صار، اليوم، منفتحاً لتيارات جديدة راحت تمخر في نفسه، فصار قابلاً لكل تحول.
وقد ازدادت أهمية الأبناء في الزمن الحاضر، لأن الجريدة والمجلة والكتاب قد بلغت، بفضل الإنتصار على الأمة وإزدهار الطباعة، مدى واسع في الإنتشار. يقرأ اليوم بلزاك في السنة الواحدة أكثر من قريء في مدى عمره الكامل. والجريدة التي تطول، منذ خمسين سنة خمسين ألف قارىء باتت تطول، اليوم، خمسة ملايين.
ولأن حركة الأنباء أصبحت تدرك الطفل والأمي والمحتسب والمحتجب على يد الراديو، والتلفزيون، ولأن الراديو والتلفزيون صارا في عادات الناس فصارت لهما فاعلية عبر الأذن والعين وهما غافلتان. وصار حامل الترانزيستور، مثلاً، يعرف على الرغم منه.
فلأن الأمر كذلك أتصور أن لبنان الغد، مدركاً خطورة الأنباء، قد اسلم أمره الى مجتمع تحتشد فيه المواهب – المواهب في العلوم، في الفنون، في الآداب، وفي التقنية الحديثة – قادر بواسطة أعضائه على ان يتناول كل فن ومطلب وأمر بالبحث والتنفيذ، قادراً على تبسيطه، قادراً على إخراجه ضاحكاً أو عابساً، جاداً أو هازلاً، مسهباً أو مختصراً، جامداً أو متحركاً، موقعاً أو مغفلاً، بلغة الناس أو بلغة القاموس، في أسلوب الحوار أو في أسلوب الدراسة، في مستوى الأطفال أو في مستوى الرجال، مجمع يوازي بالأهمية مجلس التخطيط، دعوته رسالة والداعون اليها رسل يقومون ويقعدون على وقر المسؤولية، مسؤولية المسؤول عن فكر وقلب، وعن مستقبل ديمقراطية، واسعاد جماعة، وتوطيد أمة. مجمع، وقد ألهبه روح العصر، لا يهدأ قبل أن ينقل اللهب الى كل جماعة، وبيت وإنسان.
مثل هذا المجمع يجل نفسه عن الكذب والغش والخداع، يترفع عن التمويه والتخدير، يجابه الواقع، يفجر الحقائق، يخدم الحق، يبده الشعب، ينور عقله، يطهر نزواته، ويقدس مسعاه.
ومثل هذا المجمع قادر، في الأقل، على أن يجعل المواطن اللبناني العادي مواطناً حضرياً. "ولا يكون حضرياً"، على ما يقول "آلان" : "المواطن الذي لا يكون قد أدرك نبل التصرف فأصبح يستحيل عليه أن يعنف شحاذاً، أن يهزأ من أعمى، أن يضلل قاصراً، ان يتخلى عن مريض في الطريق أو أن يتعمد دهس هرة أو كلب أو دجاجة".
ثم لا يعود فرق بين أن تحتكر الدولة حركة الانباء أو أن تبقى مشاعاً بين الناس. أن الغلبة، بالنتيجة، هي للنوع وللجودة.
في جانب مجلس التخطيط ومجمع الانباء أتطلع الى ركن القيادة الذي تصور صديقي بشير العريضي قيامه في لبنان الغد من صفوة لبنانية – علمية – واعية – رسولية تستقطب الرأي والرجال، تبين، تنصح، ترشد، وتلقن مستمدة قواها من الهالة التي تكون قد عصبت بها رأسها المثقل بالخيرات.
ركن القيادة هذا قد تكون له نواة من اللفيف العفوي الذييتحلق عادة نحو الرئيس الأول، أو في ما يشبه الندوة. وقد لا يكون شبيهاً بأي شيء قائم فيكون طرفة بذاته. الامر الذي يزيدنا حدة في ترقب قيامه.
وأتصور لبنان الغد قد وثق فيه المواطن بدولته فبات يحرص على حصة الدولة بأرباحها منه حرصه على حصة نفسه فيها. فلا يتهرب من ضريبة أو رسم، ما دام دخلهما يقدم له الطبابة والدواء، المسكن والغذاء، المدرسة والكتاب مجاناً، أو بسعر الكلفة، وما دامت الدولة تختزن له المال الذي تعود أن يختزنه، هو، لمرض، أو شيخوخة، أو تعطل.
ثم أتصور لبنان الغد قد أحب فيه الفلاح أرضه فأحنى عليها، والعامل مصنعه فصار منه، والمستخدم متجره فلان له. وأحب الملاك والصناعي والتاجر عمالهم ومستخدميهم فوفوهم حقهم عليهم، وأثابوا انتاجهم، وعدلوا فيهم حتى سقط في الناس هتاف ليقول هتاف:
"أيها المنتجون في الأرض اتحدوا". اتحدوا، لأن اليد والمال مجتمعين على عدالة وعدل هما اللذان يبلغان بلبنان الى ما يستحق. واتحدوا في الكبيرة والصغيرة لأن الخراب يكون من باب الصغيرة التي لا تدخل، عادة في الحساب وفي التحسب.
وهنا استنزل الرحمة على فرنكلين الذي قال:
"لأن مسماراً فقد فقد فقدت النضوة، لأن النضوة فقدت فقد فقد الحصان، لأن حصاناً فقد فقد فقد الفارس، لأن فارساً فقد فقد فقدت المعركة، ولأن معركة فقدت فقد فقد الملك. ولم يفقد كل ذلك الا لأن مسماراً فقد".
لبنان المغترب
ثم أتطلع الى لبنان المغترب الذي أبناؤه أكثر عدداً وأوفر عدة فأراه مشدوداً الى لبنان المقيم بأوصال لا تفصم يقوم على توثيقها وزير للمغتربين، يطوف في الأرض بين الجاليات، يقف على شؤونهم، يستنهض، يحث، ويصمم لنا ولهم، ثم يظل يعمل ويجهد حتى تنفتق الإمكانات جميعاً، ويسطع الخير، فلا تبقى طاقة الا تكونقد أخذت مكانها من مجهود الامة جمعاء. اذ حرام ان لا نثمّر الوجود اللبناني في العالم، وهو أوسع انتشاراً من اي وجود آخر، لأي من شعوب الأرض. وحرام أن لا نضع في خدمة لبنان وأصدقائه وحلفائه جحافل من الشخصيات اللبنانية المهجرية التي هي في الحكم، في الإدارات، في المجالس النيابية، في عالم المال والاعمال، في المحافل العلمية والفنية والفكرية والإجتماعية، شخصيات بالغة الاثر في بيئتها تستطيع ان تنال للبنان الغد كل ما يرى انه لصالح لبنان. ثم حرام أن لا نجعل في خدمة لبنان الغد جهازاً دعائياً زاسع الإنتشار قوامه اللبنانيون المغتربون، جرائدهم، مجلاتهم، دور الطباعة والتلفزيون، والراديو، ومختلف وسائل النشر التي يملكون. وهو جهاز لا تملك مثله أي دولة من عظيمات دول الأرض، شرقية وغربية.
وبعد، فأية غضاضة في ان يكون الرئيس المنتخب للجماعة اللبنانية في العالم نائباً، حتمياً، في مجلس النواب اللبناني، يتمثل به المغتربون، رمزياً، في مجلس يشتاق الإستماع الى صوتهم، والوقوف على أحوالهم، وتبادل الرأي في جميع شؤوننا وشؤونهم؟
كل ذلك،ى وأن الذي أقوله الآن، كان يجل أن يقال في هذا المكان بالذات، على رأس الهرم الذي بلغنا اليه.
كل ذلك يحتم أن تكون الامة اللبنانية، بشقيها الإثنين، قد باتت وطيدة الإيمان بلبنان مرحلة نهائية في سعيها وطلابها وعيشها، وقيمة أخيرة بين القيم التي في ظلها أن تحيا، وفي غير ظلها لا تكون لها حياة.
فعلى نحو ما توجب الشفاعة إيماناً لا حد له بالله وبأوليائه، هكذا العمل للبنان الغد لا يمكن أن يقوم الا على إيمان لا نهاية لو بلبنان وبطاقاته جميعاً. وهي لا تحصى ولا تحد.
اما المشاكل اللبنانية الموروثة التي ما برح تعميق لبنان في طريق النمو والإرتقاء، فليس أفضل من الإرتفاع بها الى مستوى الحوار – على ما حاولت الندوة في العام الفائت – حيث للعقل سيادة على النزوات والأهواء، وحيث من المؤمل ان يطلع من الحوار ميثاق ترتضيه الأمة على مختلف فئاتها فيصبح، عندها، ديناً من الدين، او نسماً من مقدساً.
سيداتي، سادتي،
في السنة 1875 تقدم رئيس مكتب تسجيل الإختراعات في الولايات المتحدة الاميركية باستقالته قائلاً لوزيره:
"لماذا تريدني أن أبقى، ولم يعد بالإمكان اختراع أي شيء جديد؟".
من السنة 1875 حتى يومنا هذا مشت الإنسانية في طريق الإختراعات والإكتشافات شوطاً لم تقو على مثله من قبل.
ومن يدري فقد يكون لها، في الثلث الباقي من القرن الحاضر، شوط من أبعد من الشوط الذي اجتاوته من ثلثيه الأولين. فلم يعد علينا إذاً ان نضع أنفسنا في مستوى ما بلغ اليه العصر فحسب، بل علينا أن نهيىء أنفسنا لتكون في مستوى ما قد بلغ اليه العصر في المستقبل.
ان سبل التكيف والإرتقاء متشعبة، وعرة المسالك. لكن لا بد من طيها للوصول.
وحده تقدم في الروح الإجتماعية – المدنية موازى لتقدم التقنية يمكّن من بلوغ الأرب.
يعقد لبنان على رقعة من الأرض يحلو للشرق والغرب أن يلتقيا عليها. وهي بنسبة ما يجد فيها الغربان: الأوروبي والأميركي راحتهما بنسبة ذاك يجد فيها الشرقان: الآسيوي والأفريقي راحتهما، أيضاً.
فبما هو لبنان ملتقى العالمين، فملتقى الحضارتين، وجب أن يكون المكان اللائق لإجتماعهما ليظل إجتماعهما فيه حلواً، فاعلاً كثير العطاء.
وعلى هذا وجب أن يكون لبنان قاعة استقبال كبرى تليق بالمضاف وبالمضيف في آن معاً، ثم وجب أن يسهل لبنان تماس العالم بعضه بعضه الآخر، وأن يسهل التبادل الحر بين مختلف أجزائه.
من هنا ترتسم طريق لبنان في غده، فماذا نجد في الطريق؟
من أجل أن يكون لبنان تلك القاعة الدولية الكبرى، التي تليق بالمضاف وبالمضيف، يكفي أن يكون علم المسؤولين فيها كعلم واحدة من ربات البيوت اللواتي يحسنّ استقبال ضيوفهنّ.
ربة البيت الأنيقة المدعوة الى استقبال ضيوف يفدون اليها بلا انقطاع، تأبى إلا أن يكون بيتها نظيفاً، ومثله حرم البيت، لذلك فهي تكنس وتغسل أرض بيتها، وأدراجه، وساحاته، وأرصفته، ومسالكه، كل يوم. وقد يكون أكثر من مرة بحسب كثرة الوافدين اليه.
ربة البيت الأنيقة تأبى الا أن يكون بيتها باسماً من زهر، وغنياً من لوحات وتماثيل وبيبلوهات مختارة. فلا أقل، في المدينة المضيفة، من حدائق عامة، من شوارع مشجرة – مزهرة، من ساحات تقوم عليها الأنصاب والتماثيل، وتترقرق المياه في أحواضها.
ربة البيت الأنيق تأبى الا أن يكون خدم البيت في لباس نظيف، لائق، فلا تأذن لهم في أن يفرطوا في التأنق لكيلا يختلط خدم البيت بأهل البيت، ولا بأن يفرطوا في اللامبلاة حتى كأنهم شحاذون.
وبما هو لبنان قاعة لاستقبال العالم وجب أن يجد فيه كل أبناء العالم مناخهم الروحي. أما المناخ الذي يطيب لكل إنسان فهو مناخ السكينة، والطمأنينة، والأمان.
انفتاح لبنان على الحضارات
يبقى ان لبنان، الذي عين له موقعه الجغرافي ان يكون تلك القاعة الدولية لاستقبال شعوب الأرض، هو معين لتسهيل تماس العالم بعضه ببعضه الآخر، وتسهيل التبادل الحر بين مختلف أجزائه.
من هنا ان شعبه مدعو اليوم، أكثر من كل يوم سابقاً، الى أن يكون منفتحاً على جميع الحضارات، قابلاً لهضم جميع التيارات الروحية والفكرية التي تعصف فيه، آخذاً بتعدد اللغات ليظل قادراً على أن يرحب ويتوسط، ويفهم ويفهم.
ومن هنا ان سياسة لبنان الخارجية لا يمكن أن تكون الا سياسة الحياد: حياد من الشرق، وحياد من الغرب. حياد من الخلافات الأخوية العربية، ومن المنازعات العالمية والدولية، وحياد حتى حدود الخير والشر واللذين لا حياد حيالهما.
وفي سبيل هذا الحياد، على سياسة لبنان الخارجية أن تحظى بتأييد الفرقاء جميعاً.
ثم أن تكيف الذهنية اللبنانية، بفعل التوعية الساهرة المجدة، على مراس الحياد، وهو أصعب مراس، على ما ورد في محاضرتنا: "بعد العاصفة".
هذا، وأن البلد الذي عينه موقعه وواقعه على أن يكون صالة العالم لن يطول به الزمن ليصبح واحداً من بلدان الطليعة في العالم السياحي.
وهو البلد الأوحد الذي، بالإضافةالى ندرة مناخه وجمال طبيعته، تتراءى فيه عظمة الفينيقيين والرومان والصليبيين على السواء.
وهو البلد الأوحد الذي ينظر فيه الرائي الى أول حرف سار به لسان، والى أول بناء نهض في الأرض، والى أول مرفأ اطلق في اليم أول شراع.
وفيه ينظر الرائي ما لا ينظر في غيره، الى خمس حضارات تنام جنب الى جنب على زند أرض لبنانية في صور.
فضلاً عن أنه حلقة من سلسلة حواضر شرقية ولد في بعضها اله ونبي وأولياء، وولد في بعضها الآخر حضارات فرعونية، فارسية، عثمانية، وعربية.
فكل جهد يبذل بسبيل ادخال لبنان في نطاق السياحة الدولية يكون جهداً مستجاباً ومثمراً.
ويوم يصبح لبنان في النطاق لا يعود ينزل عن عرشه اذ تكون قد زالت، في غضون ذلك، البشاعات المؤذية، وبدأت ترث مكانها الحلاوات.
أما لبنان المتطلع الى غده فعليه أن ينطلق في طريقه الصعيدي المتمادي أبداً، من بعد اعتبارات ومبادىء تفرضها عليه مستلزمات الطريق، ثم أن ينصرف، في الحال، الى بعض اجراءات وأعمال يوكون التنكر لها، اليوم، تنكراً للغد المرتقب.
الإقتصاد اللبناني
بديهي ان الإقتصاد في لبنان الغد، مثله في لبنان الحاضر، يجب أن يظل قائماً على الملكية الخاصة، والمبادرة الشخصية، والمخاطرة، والمزاحمة، والكسب، في اطار من حرية نتمسك بها تمسكنا الثابت بمجمل حرياتنا، لأنها من مقومات الكيان الأساسية.
نظام تربوي متطور
لبنان الغد، عاجل الى الأخذ بالثروة التربوية التي بدأت تختمر في نفس بعض عظمائها في هذا العصر من أمثال الذين يرون أن التعليم يجب أن يكون متمادياً الى أكثر من فترته المعتادة من عمر الإنسان.
وعندما يكون التعليم متمادياً يصير بالإماكن أن يعطى لكل عمر ما يناسبه من العلوم.
وعندما يكون التعليم متمادياً لا يعود السبق للأكثر اجتهاداً، على حساب الأكثر مواهب، ولا للأقوى ذاكرة على حساب الأمتن عقلاً، ولا للأكثر ركوداً على حساب الأكثر تحركاً، ولا للأشد صاعة على حساب الأشد تحرراً، ولا للأسرع أخذاً على حساب الأبعد تعمقاً، اذ ان كثرة ساحقة من الذين ينفعون في غربال المدارس كثيراً ما يكونون من زبدة الأمة.
هذا التبديل في استيحاء اسلوب التعليم يحتم تبديلاً أصلياً في المناهج. كل تعديل منهجي يبعد عن هذا الوحي – ولا أقول الأسلوب – يفضي، حتماً، الى تثقيل المناهج فقتل الرغبة في العلم بحشو العقول على أن تخفيفها يفضي، حتماً، الى إحياء الرغبة في العلم فتعميقه في النفوس.
وأتصور لبنان قد وثق فيه المواطن بدولته فبات يحرص على حصة الدولة بأرباحها منه حرصه على حصة نفسه فيها. فلا يتهرب من ضريبة أو رسم، ما دام دخلهما يقدم له الطبابة والدواء، المسكن والغذاء، المدرسة والكتاب مجاناً، أو بسعر الكلفة، وما دامت الدولة تختزن له المال الذي تعود أن يختزنه، هو، لمرض، أو شيخوخة، أو تعطل.
ثم أتصور لبنان قد أحب فيه الفلاح أرضه فأحنى عليها، والعامل مصنعه فصار منه، والمستخدم متجره فلان له. وأحب الملاك والصناعي والتاجر عمالهم ومستخدميهم فوفوهم حقهم عليهم، وأثابوا انتاجهم، وعدلوا فيهم حتى سقط في الناس هتاف ليقول هتاف:
لبنان المغترب
ثم أتطلع الى لبنان المغترب الذي أبناؤه أكثر عدداً وأوفر عدة فأراه مشدوداً الى لبنان المقيم بأوصال لا تفصم يقوم على توثيقها وزير للمغتربين، يطوف في الأرض بين الجاليات، يقف على شؤونهم، يستنهض، يحث، ويصمم لنا ولهم، ثم يظل يعمل ويجهد حتى تنفتق الإمكانات جميعاً، ويسطع الخير، فلا تبقى طاقة الا تكونقد أخذت مكانها من مجهود الامة جمعاء.
حرام ان لا نثمّر الوجود اللبناني في العالم، وهو أوسع انتشاراً من اي وجود آخر، لأي من شعوب الأرض.
حرام أن لا نضع في خدمة لبنان وأصدقائه وحلفائه جحافل من الشخصيات اللبنانية المهجرية التي هي في الحكم، في الإدارات، في المجالس النيابية، في عالم المال والاعمال، في المحافل العلمية والفنية والفكرية والإجتماعية، شخصيات بالغة الاثر في بيئتها تستطيع ان تنال للبنان الغد كل ما يرى انه لصالح لبنان.
حرام أن لا نجعل في خدمة لبنان الغد جهازاً دعائياً واسع الإنتشار قوامه اللبنانيون المغتربون، جرائدهم، مجلاتهم، دور الطباعة والتلفزيون، والراديو، ومختلف وسائل النشر التي يملكون. وهو جهاز لا تملك مثله أي دولة من عظيمات دول الأرض، شرقية وغربية.
كل ذلك يحتم أن تكون الامة اللبنانية، بشقيها الإثنين، قد باتت وطيدة الإيمان بلبنان مرحلة نهائية في سعيها وطلابها وعيشها، وقيمة أخيرة بين القيم التي في ظلها أن تحيا، وفي غير ظلها لا تكون لها حياة.
اما المشاكل اللبنانية الموروثة التي ما برح تعميق لبنان في طريق النمو والإرتقاء، فليس أفضل من الإرتفاع بها الى مستوى الحوار. حيث للعقل سيادة على النزوات والأهواء، وحيث من المؤمل ان يطلع من الحوار ميثاق ترتضيه الأمة على مختلف فئاتها فيصبح، عندها، ديناً من الدين، او نسماً من مقدساً.
طريق المستقبل
علينا ان نخلق إدارة في مستوى التحول. علينا أن ننور الرأي العام، ونصدقه الخبر والرأي. وعلينا أن نثق بالدولة، بعد أن تربح الدولة معركة الثقة التي بينها وبيننا. وعلينا ان نتفلت من قيود ماضينا، من تحجر عاداتنا، من جمود فلسفاتنا، ومن تفاهة النطاق الذي ما زلنا نسرح فيه.
علينا ان نعيد النظر في أشيائنا جميعاً، وفي أنفسنا. علينا أن نثق بالشباب، أن نضارب بوثبهم، وأن لا تخيفنا جرأتهم وجسارتهم.
المسيحية في الشرق الأوسط
تميّز أتباع المسيح منذ فجر الإسلام بالأخلاق والمروءة. والتاريخ الإسلامي يحفظ للنجاشي ملك الحبشة حمايته أتباع الرسول العربي من بطش أعدائه.
أما المسيحيون من رعايا الدولة الإسلامية فكانت العلاقة معهم باستمرار قائمة على "ميثاق" هو أشبه ما يكون بعقد يعطيهم حقوقهم، ويرتب عليهم واجبات معينة. وفي القرآن الكريم تتردد لفظة "الميثاق" هذه في مواضع كثيرة، بل إنه ندر أن ورد ذكر الأديان الأخرى دون جعل الميثاق ضابط التعامل مع أبنائها، وواضح ان القرآن الكريم يلزم المسلم بالميثاقية في التعاطي مع غير المسلم من المسيحيين واهل الكتاب عامة.
وفي الزمن الذي ولدت فيه فكرة أهل الذمة نجد انها المرة الاولى في تاريخ البشرية تسلم فيه سلطة بخرق المبدأ الذي كان معمولاً به في كل اطراف العالم المعروف آنذاك، ومن ضمنه العالم المسيحي، وهو المبدأ القائل بان الناس على دين ملوكها، وهو بالأصل عبارة شرعية مكرسة كانت الجماعات والكنائس تأخذ بها دون نقاش.
مع ظهور الدعوة وقيام الدولة الإسلامية في شبه الجزيرة العربية ثم الفتوحات التي جرت لاحقا بدأ المسيحيون العرب يتلمسون تحولاً كبيرًا في واقعهم الذي اخذ يومًا بعد يوم يتحول غلبة فكرية وعددية في غير صالحهم.
المسيحيون العرب الأوائل الذين عاصروا الفتح الإسلامي انتقلوا فجأة من سلطة الدولة البيزنطية التي كانت تضطهدهم، إلى سلطان دولة إسلامية حافظت على أديارهم وكنائسهم وصلبانهم بعد أن خيرتهم بين اعتناق الإسلام والبقاء على دينهم شرط الدخول في ذمة المسلمين ورفض القتال إلى جانب أعدائهم.
والتاريخ يذكر أن عمرو بن العاص عندما فتح الإسكندرية للمرة الثانية وزع من بيت المال على الأقباط أموالا طائلة على عكس ما حصدوه من الدولة البيزنطية التي بسبب اضطهادها لجأ رهبانهم إلى الصحاري القاحلة.
يبقى الشرق موطن ولادة المسيح وانطلاقة المسيحية
يعتنق المسيحية اليوم ثلث سكان الكرة الأرضية وتشكل الديانة الأوسع انتشارًا في العالم.
تراجع نسبة المسيحيين المشرقيين يثير قلقًا بالغًا لدى المجتمع المسيحي العالمي.
المخاوف من إقفار الأماكن المسيحية المقدسة وخسارتها لأبنائها المؤمنين باتت جدية.
المسيحيون اضطلعوا بدور هناك في تحقيق المصالحة، وأن وجودهم خفف من حدة التوترات، وأن تضاؤل هذا الوجود بإمكانه الإسهام في تأجيج التطرف.
بطبيعة الحال، يغلب المسلمون حاليا على التركيب السكاني بمنطقة الشرق الأوسط. وفيما عدا إسرائيل، التي يسكنها ستة ملايين يهودي، لا توجد دولة بالمنطقة لا يشكل المسلمون غالبية سكانها، بما في ذلك لبنان، التي يقدر المسيحيون الآن بربع سكانها، علاوة على إيران وتركيا غير العربيتين.
في خضم هذا الوضع، يجد المسيحيون المحليون أنفسهم ممزقين بين الرغبة في دق ناقوس الخطر والتزام الصمت، الأمر الذي يرجع إلى عدم ثقتهم فيما إذا كان لفت الأنظار إلى المشكلة سيقلصها أم سيزيدها عبر دفع البقية الباقية من المسيحيين إلى الرحيل.
مع صعود الإسلام السياسي محل القومية، باعتباره القوة المحورية في صياغة سياسات الهوية، بات المسيحيون، الذين اضطلعوا بأدوار مهمة خلال العديد من النضالات الوطنية، مهمشين في الوقت الراهن.
ونظرا لأن الثقافة الإسلامية، خاصة في صورها الأكثر أصولية، غالبا ما تعرف نفسها بالتناقض مع الغرب، فقد تدنت منزلة المسيحية ببعض المناطق إلى منزلة ثقافة معادية ـ أو على الأقل دخيلة.
طالت معاناة المسيحيين العرب بفعل تحولهم إلى أقلية في العالم العربي.
في كل الأزمات، التي تخبط بها العالم العرب وعلى مدى القرون، سعت الكنائس جاهدة في سبيل الحفاظ على تماسكها على المستوى الداخلي، أما على مستوى علاقاتها بمحيطها الإسلامي فتحركت من اجل المصالحة والتعايش والاستقرار. كما دعمت استقلال الدول التي تعيش في كنفها وتبنت القضايا العربية المحقة، في توجهاتها، لا بل ساهمت في إيصال الحق العربي إلى اعلى المنابر الدولية.
مع ولادة مشروع الدولة اليهودية، اندلعت الحرب العالمية الأولى وبزغ فجر انهيار أوروبا مقابل نشوء الولايات المتحدة الأميركية، الأمر الذي دفع باليهود الهاربين من أوروبا إلى الانقسام في اتجاهين الأول نحو فلسطين والثاني باتجاه الولايات المتحدة الاميركية فتعايش المنحى الأيديولوجي مع البعد الاقتصادي.
وبفعل عمليات شراء الأراضي في فلسطين نشبت بعض المناوشات والمنازعات بين القادمين الجدد والفلاحين العرب، وبدأت اولى العلاقات العنفية بين الطرفين.
قامت السياسة الصهيونية ليس فقط على احتلال الأراضي الفلسطينية فحسب بل على الاستيلاء أيضًا على المقدرات المالية والصناعية والزراعية.
رغم نجاح الخطوة التأسيسية للإستيطان الصهيوني لأرض فلسطين، بقيت نسبة اليهود الاستيطانية ضئيلة إذا ما قيست بالملايين من اليهود الذين تقاطروا تزامنًا إلى الولايات المتحدة ومختلف دول أميركا اللاتينية.
تغيرت هذه المعادلة بعيد الحرب العالمية الاولى بفعل إقرار وعد بلفور فدخلت الحركة الصهيونية بعده مرحلة جديدة.
بعدما تحولت فلسطين إلى هدف الصهيونية العالمية الاوحد بعد استبعاد الأرجنتين وأنغولا نهائيًا، بدأت الخطوات العملية المتسارعة لتحقيق مقررات المؤتمرات الصهيونية لاسيما مؤتمر بازل الأول الذي دعا إلى إقامة وطن قومي للشعب اليهودي من خلال منهجية تسلسلية تقوم على تشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين وربط اليهود بالحركة الصهيونية وتأمين التأييد الدولي للمشروع الاستيطاني وتشكيل المنظمة الصهيونية العالمية والوكالة اليهودية المولجة تنفيذ قرارات المؤتمرات وجمع الأموال لشراء الأراضي وإقامة المستوطنات وإرسال المهاجرين إليها.
سنة 1948 نجحت المنظمة الصهيونية العالمية في إقامة الدولة اليهودية على أرض فلسطين.
بعد نكسة حزيران عام 1967، انعقد المؤتمر الصهيوني السابع والعشرون ليستنهض من جديد المشروع الصهيوني فأصدر "برنامج أورشليم" الذي تمسك بوحدة الشعب اليهودي ومركزية أرض إسرائيل، وجمع الشعب اليهودي في وطنه التاريخي عن طريق الهجرة من كل بقاع الأرض، والمحافظة على أصالة الشعب بتنمية التعليم اليهودي واللغة العبرية وبث القيم الروحية والثقافة اليهودية.
بفعل هذا المؤتمر بدأت المنظمة الصهيونية تخسر بعضًا من اختصاصاتها لصالح دولة إسرائيل.
سنة 1948 نشبت الحرب بين الإسرائيليين والعرب، انتهت بنكبة الفلسطينيين وتهجيرهم عن أرضهم، وبالمقابل قيام دولة إسرائيل.
بدأت القيادات الإسرائيلية بإعداد خططها العسكرية سنة 1945 وفي السنة اللاحقة بدأت الهاجاناه بإجراءاتها المضادة بما فيها الخدمة العسكرية. في وقت كان الفلسطينيون يفتقرون إلى التنظيم والدعم والقدرة اللوجستية.
اجتمعت الدول العربية في القاهرة سنة 1947 وأعلنت رفضها التقسيم، في حين وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على تقسيم فلسطين إلى دولتين الاولى يهودية والثانية فلسطينية.
في وقت رحب الصهاينة بالمشروع رفضه الفلسطينيون واستمرت الأحداث على تفاقمها، لاسيما بعدما تألف جيش الإنقاذ بقيادة فوزي القاوقجي، ولجوء الصهاينة إلى استخدام السيارات المفخخة، ما فتح الباب أمام تبادل كلا الطرفين عمليات النسف والتفخيخ والتفجير.
في صبيحة جلاء القوات البريطانية عن فلسطين سنة 1948 أصبح إعلان قيام دولة إسرائيل ساري المفعول ما اجج الحرب بين الكيان الجديد والدول العربية التي أرسلت الجيوش إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة.
في السنة التالية اعترفت الولايات المتحدة الأميركية بإسرائيل وتبناها مجلس الأمن الدولي عضوًا في الأمم المتحدة، وتوقفت الحرب المندلعة بين العصابات الصهيونية والجيوش العربية بتوقيع الهدنة الثانية التي لا تزال تحكم العلاقة بين الطرفين حتى تاريخه، في وقت بات ما نسبته 75 % من الشعب الفلسطيني بحكم اللاجئ والمهجّر والمقيم قسرًا خارج حدود فلسطين التاريخية.
حملات إبادة
في مطلع القرن العشرين تعرّض الأرمن والأشوريون "السريان" القاطنون في السلطنة العثمانية لحملة إبادة واسعة النطاق، على يد الجيش العثماني وبأوامر مباشرة من السلطان.
هذا التطهير العرقي الذي مارسه العثمانيون ضد المسيحيين يفسر ظاهرة تلاشي المسيحيين من مناطقهم التاريخية.
بالمقابل، لعب المسيحيون المشرقيون الدور البارز في إطلاق حركات التحرر القومي والوطني ضد الاحتلال العثماني في مختلف الأمصار العربية.
المجازر عمومًا هي صفحة سوداء في تاريخ الانسانية. والمسيحيون عبر تاريخهم وقعوا عرضة لأشرسها، سيما وأن ذيول بعضها لا تزال ملموسة حتى تاريخه وما تلك التي راح ضحيتها الأرمن المسالمون في الربع الأول من القرن العشرين سوى خير شاهد على ما حل على الجماعات المسيحية من نكبات وأهوال.
تعود مقدمات المجازر الأرمنية الى نهاية القرن التاسع عشر وبلغت ذروتها فيالسنوات 1915 و 1922، حيث ذهب ضحيتها حوالي المليون ونصف المليون، بعد عملية طرد واسعة النطاق طاولت جميع الشعب الأرمني المقيم في أرمينيا التركية.
والارمن وقعوا ضحية لمرتين، الأولى على يد الاتراك الطورانيين والثانية بسبب تنكر تركيا لتلك المجازر وعدم اعترافها بها، والأخطر في الموضوع أن غالبية دول العالم حتى اليوم لا تزال تتعاطى مع هذه المأساة بفتور ولا مبالاة.
المسيحيون والمسلمون
تاريخ الشرق الاوسط وواقعه لا يمكن فهمهما بدون تحليل الروابط العميقة التي ربطت مسيحييه ومسلميه عبر التاريخ.
لهاتين الديانتين السماويتين رصيد هام، ان بصورة مستقلة احيانا او مندمجة احيانا اخرى في تاريخ وحياة الشرق الاوسط الثقافية والاجتماعية والسياسية والحضارية.
الحوار الاسلامي - المسيحي يبدو في الشرق حقيقة ملموسة، فهم وعبر قرون متواصلة لم يتحاوروا فقط، بل تعايشوا معا، وجاهدوا معا، وتألموا معا في سبيل القيم الانسانية والاخلاقية السامية.
عمومًا تعاطى المسيحيون العرب بإيجابية مع الإسلام في الشرق بحيث أرادوا التمسك بصورة حضارية قائمة على تفاعل ثقافي.
المسيحيون والإرهاب
عبر التاريخ كان مسيحيو الشرق ومازالوا الضحية الأولى لكل الغزوات التي عاشتها المنطقة، من الغزو الروماني البيزنطي الى الغزو العربي الاسلامي مروراً بالغزو الفارسي والعثماني وصولاً الى الغزو الأوربي في القرن الماضي والغزو الأمريكي الغربي الجديد.
في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين استفادت "الشعوب العربية" من تدخل العالم الغربي ضد السلطنة العثمانية يوم أتت الجيوش الأوروبية وحررت شعوب المنطقة من الاحتلال العثماني المرابض على اكتاف العرب لاكثر من أربعة قرون باسم الخلافة الإسلامية، وتشكلت بفعل هذا التحول الدول العربية المعاصرة بحدودها الجغرافية ومكنوناتها السياسية والاجتماعية.
لم يحصد مسيحيو الشرق(آشوريون"سريان/كلدان"أرمن، موارنة،أقباط) أي مغنم من هذا التحول بل عانوا المزيد من الويلات والنكبات، ليس فقط على يد من يتقاسمهم الأرض والجغرافيا، بل من الغزاة الجدد أيضًا ولو انهم يتواصلون معهم في الفكر الديني والمعتقد.
الواقع المرفوض
الشعوب العربية عبر تاريخها كانت سباقة في حوار الحضارات. والحضارة العربية لم تكن ذا وجه إسلامي فقط بل كانت من نتاج عمل مشترك إسلامي مسيحي.
هذا الحضور المسيحي في الشرق اثر بعمق في نهج الإسلام ومعرفته وتحولاته.
لم يخدم الاستعمار الغربي للعالم العربي المسيحية في الشرق بقدر ما أساء إليها، وتسبب بمأزق في العلاقة بينها وبين الإسلام.
كيف يمكن لديانتين عاشتا قرونا طويلة وحسن جوار متبادل، ان تنتهي العلاقة بهما إلى هذا الدرك المخيف؟
لماذا الإرهاب يطال اليوم مسيحيي الشرق الذين ضحوا عبر التاريخ في سبيل نهضة بلادهم وازدهارها؟
أي عرقلة للتعايش المسيحي الإسلامي في الشرق هو ضربة مثلثة الأبعاد: فهي تطال سيادة البلدان العربية والسلام، كما تطيح بحقوق الانسان وحرية الاعتناق الديني وهي أيضًا تقضي على كل حلم بوحدة عربية متكاملة.
هذه العنصرية الهادفة إلى استئصال الوجود المسيحي من الجذور يتزايد مع صعود الاصولية المتطرفة من جهة وترسيخ التهويد الصهيوني للأرض الفلسطينية واستعمار الاقتصاد العربي.
هذا المخطط الهادف إلى إشعال نيران الفتنة الدينية بين المسلمين والمسيحيين يهدف إلى ترسيخ تلك المزاعم القائلة باستحالة التعايش بين الديانتين في مساحة جغرافية واحدة، ما يخدم منطق قيام الدولة الإسرائيلية وحججها، إن لجهة أحاديتها العرقية والدينية والعنصرية أو لجهة تبرير مخاوفها ودوافع حروبها مع محيطها.
عادة ما يضرب الإرهاب الحلقة الأضعف في تركيبة المجتمع وفي عالمنا الشرقي تبدو الجماعات المسيحية هي تلك الحلقة.
في كل مجتمع تغيب عنه مؤسسات ديمقراطية تمثيلية وأحزاب سياسية تترسخ حالة التخلف وتنمو ظاهرة الإستبداد والسيطرة العسكرية كما الأصولية المتطرفة.
انتشار التطرف والتزمت الدينيين بين المسلمين،واعتبار الإسلام هو وحده دين الله الحق، واعتبار غير المسلمين مجرد أهل ذمة لامواطنين متساوين مع غيرهم، ظواهر ووقائع معروفة ولها عواقبها على التعامل مع غيرالمسلمين. وحرق الكنائس والاعتداء عليها وعلى الرهبان وغير ذلك من أعمال العدوانتكاد تصبح ظواهر يومية في الشرق الأوسط.
يومًا بعد يوم، يتقلص عدد المسيحيين الشرقيين فيأوطانهم رغم أصالة جذورهم ورغم تضحياتهم وخدماتهم في مختلف الميادين والقطاعات من علم وأدب واقتصاد ومجتمع وفنون وثقافة وفكر وسياسة ونبل في الخصال والأخلاق والوفاء لأوطانهم وقضاياها المحقة.
تقع مسؤولية تراجع عدد المسيحيين في الشرق على البرلمانات والحكومات ورجال الدين المسلمين ومعظم المثقفين العرب والمسلمين،كذلك تتحمل الدول الغربية الجزء الكبير من المسؤولية بسبب عدم اتخاذها مواقف واضحة وصريحة أمام مأساتهم.
لقد آنالأوان للمفكرين والمثقفين المسلمين أن يقفوا في الصف الأمامي دفاعًا عن إخوتهم المسيحيين الشرقيين وجدير بهم التحرك من اجل التصدي كل انتهاك يطال حقوق المسيحيين، والمطالبة بدولة المواطنة والمساواةوحقوق الإنسان.
لا يجوز ان تبقى الدول العربية وجامعتهم ومنظماتهمعلى كافة انواعها ومستوياتها مكتوفة الايدي غير مبالية في دعم بقاء المسيحي العربيفي ارضه المقدسة.
التاريخ المعاصر يحفظ مآثر رواد مسيحيين كبار لمع نجمهم في الحركة القومية العربية لعل أبرزهم جورج حبش وكمال ناصر ونايف حواتمة ووفا الصايغ. وكثيرون سطروا نضالات وطنية وقومية تحولت مآثر تشرّف التاريخ العربي برمته.
والتاريخ اليوم يعيد نسج المشهد السابق فتحل كل الويلات على المسيحيين الفلسطينيين وعلى الآشوريين والكلدانيين والأقباط وعلى مسيحيي الشرق قاطبة والذين تعرضوا لسلسلة اعتداءات إرهابية لا تحصى اشتدت وتيرتها في الربع الاخير من القرن العشرين ولا تزال.
الاعتراف بالتمييز بوجود أهل ذمة هو بحد ذاته عنصرية وجريمة علنية ومتعمدة ضد الإنسانية وفق معايير العصر، هو محصلة طبيعية ونتيجة تلقائية لهذا الفكر المتطرف والمشحون بالعنصرية والحقد والتعسف.
المسيحيون العرب هم أشبه بمراكب تائهة وسط محيط صحراوي عاصف. جذور مأساتهم ضاربة في التاريخ، تعود إلى أواسط القرن السابع الميلادي، واستمرت حتى اليوم.
لعب المسيحيون العرب دورًا رياديًا في تأسيس الحركات القومية العربية الأحزاب السياسية وبرز منهم العديد من الوجوه الرموز كجورج حبش ونايف حواتمي وميشال عفلق وأنطون سعادة وغيرهم.
لقد زخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين بمفكرين كبار مسيحيين وناشطين أسهموا في ولادة الحركات الاستقلالية والمشاركة في قيادة البلاد نحو الاستقلال والديمقراطية.
ولم يخل قطاع إلا وتحرك فيه المسيحيون بمن فيهم الأرمن والسريان والأقباط والأشوريين والكلدان في سبيل النهوض بالحضارة العربية من حالة الرقاد والانحدار التي أدخلتها في نفقه السلطنة العثمانية طوال احتلالها للجغرافيا العربية.
فإذا بالأعلام المسيحيين ينهضون بالصحافة والفكر والسياسة والطب والعلم والثقافة والادب وتزهر من جراء نشاطهم النزعة الاستقلالية والديمقراطية والعلمانية.
نهضة الشرق تتوقف عن مدى الشراكة التي يبلغها المسيحي في علاقته بالمسلم وهي قناعة على الطرفين كلاهما ان يؤمنا بها من اجل بناء مستقبل مستقر ومنسجم مع تاريخه وتنوع مكنوناته وتكاملها.
هو مشروع يجب ان يحتل اولوية كل حوار عربي داخلي.
ليست المسيحية العربية حركة سياسية بل هي تجمع كنائس وجماعات بطريركية ذات هوية مسكونية تتكامل بالحوار والتعاون والشراكة والوحدة.
صحيح أن الاختلاف في صفوف المسيحيين الشرقيين يخفف من وهج حضارتهم ويضعف موقعهم وقدرتهم على التنسيق والتعاون والسهادة الحقيقية. إلا أنه تبقى على عاتقهم رسالة كبيرة تنبع من جوهر حضورهم الإنساني.
المسيحيون العرب هو جزء لا يتجزأ من العالم العربي يخدمونه ويدافعون عنه ويتجذرون فيه وينخرطون في مشاريع إصلاحه وتجدده ونهوضه وغنمائه وتقدمه. هذا هو تاريخهم وهذه هي رسالتهم وهذا ما قاموا به عبر العصور.
لقد شاركوا المسلمين في كل تطلعاتهم ومساعيهم نحو مستقبل زاهر.
تعاطفوا مع العرب عمومًا والتزموا بقضاياهم العادلة، وساهموا في تقريب وجهات النظر بين الذهنيتين الغربية والشرقية.
أما الحوار الجدي فهو الذي يقود العلاقة بين المسيحيين والمسلمين إلىالاعتراف بكرامة الإنسان وحقوقه وبالمساواة وتعزيز ثقافة الحرية والتعددية والديمقراطية وحق الاختلاف والاعتراف بالآخر ومعرفته والعيش معه والتعاون من أجل إقامة دولة الحق والقانون والشفافية والمؤسسات ودعم التنمية والامن والاستقرار وترسيخ القيم الأخلاقية والروحية.
على العلاقة بين الجانبين ان تتوجها الواقعية والاعتدال والعقلانية والحكمة وخصوصًا المحبة مع الثقة المتبادلة.
المسيحيون العرب اليوم يعيشون في بيئة عربية إسلامية وفي عصر تقوده العولمة.
هذه المسيحية في نشاتها والأصيلة في تجذرها تساهم في تطور الثقافة العربية.
لقد انتشرت المسيحية العربية قبل الإسلام بقرون وأسست أولى الممالك العربية. وفي زمن النهضة كان المسيحيون روادها وأول من أسس الأحزاب العقائدية.
المفهوم المسيحي في الضمير الإسلامي يكتنفه الغموض فكلمة مسيحيين لم ترد في القرآن بتاتًا. بل ذكروا بأهل الذمة يحظون بالحماية وبالتالي همشوا في الحياة الوطنية لاسيما في الانظمة التي اعتمدت الإسلام دين الدولة وطبقت الشريعة الإسلامية في قوانينها وحياتها المجتمعية.
هذه النظرة غير المتكافئة للمسيحيين في الإسلام خففت من وهج حماستهم في الانخراط داخل مجتمعاتهم وساهمت في ترسيخ خيارين لديهم إما الالتزام في الحيادية والإنعزال أو الانسحاب نحو الغربة.
رغم ان التاريخ لم ينصف المسيحيين المشرقيين، إلا أنهم حافظوا على دورهم وشكلوا عبر الزمن قوة حيوية أنعشت الشرق الأوسط.
المناصب اتي تبوأوها والمواقع التي نشطوا فيها والمبادرات التي تبنوها في مختلف الدول والأقاليم والقطاعات أثمرت نهضة وإصلاحًا ونموًا مطردًا.
المسيحيون الأثرياء خدموا بلادهم بتجرد وأسهموا في ازدهارها ومواكبتها للعصر وتنشيط اقتصادها وتنمية مجتمعها.
والجامعات العربية عجّت بالطلاب المسيحيين يأمونها للغوص في علوم العصر وأفكاره.
وفي البلاد التي توافر فيها مجتمع مسيحي عريق، علت جسور ربطت الشرق بمختلف اوصال المجتمعات الدولية الغربية والشرقية والجنوبية والشمالية.
هجرة المسيحيين
الوجود المسيحي في الشرق اليوم يضمحل سنة بعد سنة، والمجتمعات المسيحية آخذة بالانكماش.
الهجرة تكاد تكون الجامع الأكبر للشباب المسيحي المشرقي،
الاضطهاد السياسي سابقًا والعنف الطائفي اليوم عاملان كانا ولا يزالان يقضان مضاجع المسيحيين.
صعود الإسلام الراديكالي واتخاذ المسيحية هدفًا يصوب نحوه سهامه يزيد السواد في الافق.
إن الصمت العربي والاسلامي ازاء ما يتعرض له المسيحيون في بعض دول المنطقة غير مبرر. هذا الصمت يشجع التنظيمات الإرهابية على تماديها في اعتداءاتها على المسيحيين. والمؤسف ان الحكومات تقطع كل طريق نحو أي حوار وطني حول مأساة المسيحيين كونها أصلاً لا تعترف بوجود مثل هذه المأساة.
وكل حوار إسلامي مسيحي مشرقي نشهده لا يقتصر إلا على مسائل لاهوتية يدور بفعلها في حلقة مفرغة. اما الواقع المسيحي المتدهور فهو غير مطروح.
الشرق يخلو من مسيحييه يوماً بعد يوم.
ولدت المسيحية في الشرق الأوسط ومهدها في فلسطين الارض المقدسة التي تعيش حالة تفريغ من أهلها المسيحيين.
فمعظم المدن المسيحية كبيت لحم والناصرة والقدس تستنزف مواطنيها المسيحيين.
أما في بقية الأقطار العربية فتختلف أوضاع المسيحيين العرب من دولة إلى أخرى حسب طبيعة النظام السياسي والنظام القضائي والمجتمع والحضارة بصفة عامة.
مسيحيو الشرق، آشوريون وأرمن واقباط وموارنة وعرب، ارتضوا التخلي عن الكثير من حقوقهم القومية وخصوصياتهم الثقافية والاجتماعية والدينية وضحوا بها لأجل "حقوق المواطنة" في مسعى نحو بناء دولة ديمقراطية ليبرالية، نراها تصبح اليوم حلمًا يتبخر، وتسقط صريعًا على سندان التطرف الإسلامي.
بقاء المسيحيين في الشرق يحتاج الى تعميق روح المساواة بين المواطنين، وهو ما يتنافى مع مبادئ كل مشروع "دولة إسلامية".
وبسبب عدم استعداد الشرق ان يرتدي اليوم ثوب الإصلاح الحقيقي، سيبقى المسيحيون فيه عرضة لكل الأخطار بما فيها القتل والخطف والتهجير.
ليت التجربة اللبنانية من ناحية التعايش السلمي بين الأديان تعمم على سائر الأقطار العربية فنشهد حرية كاملة في الإيمان وممارسته، ومساواة في المواطنة.
لم تعد الحرب اللبنانية نموذجًا استثنائيًا في العالم العربي الكبير، لأن في الواقع ثمة ما بات يشبهها في العديد من الدول العربية في حين اصبح البعض الآخر الذي لا يزال بمناى عن هذه الظواهر يحمل في احشائه احتمالات انتقال العدوى إليه.
العالم العربي اليوم مفتوح على كل انواع التحولات الداخلية والخطير في الموضوع ان لا أفقًا واضحًا لهذا التحول.
العالم العربي اليوم المحيط بدولة إسرائيل في دوامة الضياع والقلق والاضطراب، أطرافه تقطتع منه قطعة تلو الاخرى، وقلبه المركزي مهدد بالتفتيت.
الدين في العالم العربي يتحول عند بعض الأطراف إلى طائفية ومذهبية اللتين هما عنصرا تفتيت لا وحدة.
والإجتهاد في الرأي يفقد اليوم طابعه الإثرائي الذي يغني الفكر والرسالات السماوية، ليصبح تعصبًا يفيض حقدًا وكراهية.
الحرية والديمقراطية قيمتان ساميتان تحافظان على كرامة الإنسان وتنظيم العلاقات الاجتماعية، تتحولان على يد من يسيء استعمالهما إلى فوضى وفلتان وانهيارات على مختلف الأصعدة.
والعدالة أيضًا التي تضمن المساواة بين المواطنين، تتحول على يد المتطرفين إلى دعوة للتناحر الدموي والبطش الفئوي.
الثورة بما هي تسريع لعملية التغيير والتقدم، وبما هي استئصال للعقبات والمصالح الفاسدة، هي هدف تتوحد حوله المجتمعات،
وقضية يجتمع الشعب تحت لوائها، لكنها على يد أصحاب النهج التفتيتي تتحول إلى تسلط وقمع وإرهاب غير مبرر...
الحوار بين المسيحيين والمسلمين حاجة ملحة.
في استمراره ضمانة لمستقبل مستقر.
بالطبع لا أحد ينكر دور المسيحيين في النهضة الثقافية العربية. ولا احد ينفي تجذرهم في هذه الأرض.
لقد حققوا عبر تاريخهم ورغم ما تعرضوا له من نكبات واضطهاد،
أنجزوا إنجازات متميزة على مر تاريخهم.
نشطوا في عهد الامويين والعباسيين، وفي الخلافة الفاطمية.
بفضلهم انتشرت البعثات التربوية والثقافية الأجنبية. فأنشئت المدارس واستقدمت المطابع، وأبصرت النور الصحافة الحرة،
استلهم المسيحيون ثقافة الغرب فادخلوا إلى البيئة العرية روحًا تحررية عصرية.
ليس التنوع في النسيج الاجتماعي هو وحده ما يميز لبنان، بل قبول الاختلاف في الرأي ونزعة الانفتاح على العالم بكامله وتقديس الحرية واحترام المجتمع المدني.
هذه هي بعض ملامح رسالة لبنان في هذا الشرق.
هذا البعد الحضاري دفع بالمسيحيين إلى الاهتمام الكبير بالثقافة وتعميم المدارس وإطلاق الجامعات ونشر العلوم وإحلال هذه القطاعات في صلب عمل الكنيسة.
ليس الوجود المسيحي في الشرق منة من أحد.
هذا التجذر قوي بفعل صمود المسيحيين ورفضهم لكل مشاريع التهجير التي عرضها عليهم الاستعمار منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم.
فالمسيحية تحتضن في باطنها روحًا مقاومة تنبع من شخصية المسيح المتالم الرافض للهزيمة أمام الخطيئة والشر والممتلئ من إيمان القيامة.
هي ثقافة الصبر في وجه الألم وريادة الثائرين في الحق نحو التحرر.
بهذه الثقافة يواجهون مخططات التهجير من الأراضي المقدسة ومن العراق ولبنان ومصر.
هو حضور المسيحيين في الشرق يضفي عليه نكهته وخصوصيته وقيمته الحضارية.
في مرحلة كانت العروبة مجالاً ثقافيًا للقاء المسيحية بالإسلام،
هذا البعد الحضاري يفقد مركزيته بفعل تنامي الأصوليات والتطرف والعنصرية والمذهبية.
عالمنا يحتاج غلى مبادرات وفتاوى تحرم التنازع واستخدام العنف وترسخ التسامح الديني وحرية المعتقد والاعتراف بالحق في الاختلاف والتنوع.
أمام عجز الأمم المتحدة عن تنفيذ قرارات مجلس الأمن المتصلة بحقوق المسيحيين والمسلمين في فلسطين ولبنان وسوريا والجولان، على المسيحيين والمسلمين أن يبادروا متضامنين من اجل استرداد حقوقهم.
ظاهرة العنف المستشري في العالم لا تمت بأي صلة إلى الأخلاق الإسلامية والمسيحية. هي تنبع من تلك النظرية التي تريد ان تدخل الأديان والحضارات في صراع دائم وتقضي على كل منحى حواري بينها.
لم يعد كافيًا استنكار المجازر والاعتداءات التي تطال المسيحيين الابرياء. يجب ان يقرن الكلام بالافعال وان تبادر المرجعيات الدينية الإسلامية إلى اتخاذ موقف جماعي واضح تمنع كل اعتداء يطال المسيحيين العزل في كنائسهم ومنازلهم ومراكز اعمالهم ومدارسهم وجامعاتهم.
السكوت عن هذا الإجرام لم يعد جائزًا.
المسيحيون لا يطالبون بامتيازات، ولا يحتاجون إلى شهادات حسن سلوك كي يثبتوا مواطنيتهم.
والمسيحيون لا يعتدون او ينتقمون او يطمعون.
من واجب الحكومات حماية المسيحيين ورعاية حقوقهم.
والتعاطي بالعدل معهم والإنصاف والمساهمة في تطوير قراهم ومناطقهم.
ثقافة التعددية هي رسالة حضارية وهي ركيزة كل جسر يجمع أطياف العالم بأسره ويوحد المجتمع الدولي.
الوجود المسيحي متجذر في تاريخ البلدان العربية وجغرافيتها رغم تحولهم اليوم إلى اقليات.
نشات المسيحية في الشرق وتفتحت براعمها في بيت لحم حيث ولد المسيح وتمددت نحو مصر والناصرة وقد عاش في أرض فلسطين ولجأ إلى أرض مصر وجنوب لبنان وأمضى فتوته في الناصرة وآخر لحظات حياته على جبل الزيتون.
كذلك سار على طريق الشام بولس والرسل ومن أنطاكيا انطلق المسيحيون وانتشروا في مختلف انحاء العالم القديم، وتمدد انتشارهم على كامل بقاع الأرض.
في جوهرها تبدو المسيحية رسالة ثقافة انعشت النهضة العربية التي اطلقتها شخصيات آمنوا بالإنسان والفكر الحر ورفضوا كل جمود وتخلف ورجعية.
المسيحيون رغم ما يعانون من اضطهاد، لا تزال رسالتهم هي هي، ومسؤوليتهم تاريخية.
هم رسل محبة وسلام وشهادة.
رغم كل شيء على المسيحي ان يتحرر من حالة الإحباط والخوف والضياع ويستعيد دوره الريادي.
فبقدر ما ان وجود المسيحيين ضمانة لاستقرار الشرق وتوازنه، بقدر ما على المسلمين العرب ان ينشطوا في سبيل حماية المسيحيين.
من الضروري ان يستعيد المسيحي إيمانه بأرضه ووجوده وحضوره ويسترجع حقوقه بالمواطنة وأن يمتنع عن بيع اراضيه والتخلي عن كل رابط يربطه بتاريخه وحضارته.
على المسلم ان لا يقف عائقًا أمام استعادة المسيحي لدوره الفاعل.
فالعلاقة بين الجانبين بغض النظر عن حجم كل منهما إلا أنها تبقى علاقة عضوية متكاملة.
في الماضي والحاضر، صدرت دعوات غربية لمسيحيي الشرق بالتقوقع وإقامة دويلاتهم المستقلة.
لكن عموم المسيحيين المشرقيين رفضوا هذه الدعوات ونبذوها وتمسكوا بتعايشهم مع إخوتهم .
أما في لبنان فالمسيحي مرّ بتجربة مرّة جعلته يقف في نهاية المطاف امام خيارات عدّة تجعله يحدد نطلعاته ورؤيته
عليه اليوم أن يتمسّك ويعمل من اجل بناء لبنان لا يتجزأ ودولة مستقلة ذات نظام جمهوري، ديمقراطي برلماني، حر، قائم، يختزن تنوّعًا حضاريًا وثقافيًا، وفي حركة تفاعل دائمة مع الحضارات العالمية.
دولة ترعى حقوق الطوائف وتؤمّن لهم الضمانات وتحافظ على تقاليدهم وأعرافهم التاريخية المتينة وتبني في إطارها مرتكزات التعاون الوطني في المجالات كافة.
عليه أن يقر بطابع لبنان الحضاري المميز، ويعمل في الوقت عينه في سبيل إيجاد صيغة مستقبلية من شأنها المحافظة على خصوصية لبنان وطابعه وواقعه وحضور تنوّع في وحدته.
لا يمكن للمسيحي أن يقف على الحياد، عليه أن يرصد الواقع اللبناني ويلفت إلى كل سوء عاينه وتلمسّه، في مسعى منه نحو تصحيح المسار وترتيب الأوضاع التي يعاني منها البلد في شتى الميادين. وهو قادر على تشخيص المعضلة اللبنانية والمرض الوطني والمشاكل الداخلية لاسيما في النواحي الاجتماعية والاقتصادية التي تهدد المواطن.
في أفكاره ترشيد إلى مكامن الخلل، وفي تحركه تقديم يد المساعدة لتضميد جراح الوطن وتوحيد ما تجزأ وتقريب ما تباعد.
عليه أن يرفض أن يكون جزءًا من اي مشروع إلا مشروع سيادة لبنان وحريته واستقلاله وعيشه المتوازن الكريم. وان يؤمن بان الولاء للبنان يعني أن نحب كل أرضه غير منتقص منها ولا حبة تراب ولا ضيعة. وأن نحب كل أهله، كل ابناء الوطن على تنوعهم غير منتقص منهم ولا مواطن أي الـ4 ملايين مهما اختلف عنا في العقيدة السياسية أو التوجه أو المذهب أو الطرح.
أن يرى لبنان دولة سيّدة على كامل أرضها، وأن تبقى هذه السيادة فوق كل اعتبار. وأن تكون دولتنا الأقوى، حاضنة وحدة الشعب وصاحبة العين الساهرة.
المطلوب نقلة نوعية ليس في الأداء السياسي فقط ولكن أيضًا في الفكر السياسي الذي يلبي طموحات الجميع وخصوصًا في التعاطي مع المرحلة الشديدة الدقة التي نحن مقبلون إليها.
التوافق الوطني والمحافظة على مقومات لبنان في الديمقراطية والحريات، حقيقتان يحفظان الوجود المسيحي ويرسخان منطق التفهم والتفاهم.
من هنا الحاجة إلى الوعي من قبل أركان السلطة والاعتراف بأن مسار الأمور في ازمة والمطلوب تغيير في الفكر والممارسة.
تحتاج الوحدة الوطنية إلى تحصين وحوار جدي وحقيقي بين كل اللبنانيين.والمحافظة على الروح الميثاقية تتطلب العمل مع جميع المسؤولين لتثبيت التوازن خدمة للبنان الواحد، وطن الرسالة، الذي يشكّل نقيضًا للرهانات التي تتحدث عن استحالة التعايش السمح بين الأديان السماوية على أرض واحدة، متأثرة بنظرية "صراع الحضارات" المستحدثة.
الدولة الواحدة العادلة لا يمكن أن تقوم إلا على المساواة والتوازن، وبالتالي ألا تشعر اية طائفة او فئة او مذهب او مجموعة أنها مغيبة عن المشاركة في صناعة القرار الوطني، او انها مبعدة عن دور اساسي في التوازن.
هم العرب عمومًا بحاجة إلى من يجمعهم لا إلى من يفرقهم، وإلى مزيد من الأمل والرجاء لا إلى مزيد من الإحباط.
ان الوطن ثابت ونهائي رغم كل المحن وهو ليس عرضة للمساومة ولا استقلاله مدار جدل.
اننا نتطلع الى وعي مسيحي أكبر لما يجري، فالمطروح ليس صراعاً بلدياً حول موقع، بل هو دورنا ومصيرنا ومستقبلنا في وطن سيد حر آمن لجميع العائلات الدينية وفي هذا الشرق العزيز.
اننا نعول على مبادرة من كافة المراجع الدينية لوضع الاسس والخطوط بما يثبت هذا الاستحقاق ويحفظ وحدة لبنان وديمومته ودوره ورسالته الحضارية.
لن يقوم لبنان على التراشق والتخوين والتهديد والتشنج ولا على بقائه ساحة صراع.
وكل تسلح طائفي أو مذهبي أو حزبي هو طعنة في صميم الكيان اللبناني ودعوة إلى حرب أهلية.
غياب التفاهم والتوافق بين اللبنانيين في ظل اوضاع صعبة اقليمية ودولية، وأحوال اقتصادية – اجتماعية تنذر بالخراب، يفتح البلاد إلى آفاق رمادية ضبابية غير مريحة.
يبقى الأمن هاجس المسيحيين ويومًا بعد يوم يتمسكون برفض كل محاولات إثارة الفتنة الطائفية والمذهبية ويطالبون بالتصدي لكل تنظيم يستعمل السلاح والعنف في التخاطب السياسي.
فإلى اعتبار السيادة والاستقلال والحرية ثوابت لا تنازل عنها أبداً، تأتي الأولوية أيضًا للأمن في كل المناطق، إذ هو ممنوع ان يشعر مواطن في أي منطقة انه مهدد.
فالأمن حق كل مواطن على كامل مساحة الوطن، وأول واجب على الدولة، وهو جزء لا يتجزأ من الوفاق الوطني لأن الصراع الداخلي على السلطة يشكل نافذة يدخل منها كل عابث بأمن الوطن.
لم يعد المسيحيون قادرين على تحمل الانفجارات أو الاغتيالات ولا الخطف أو العبوات. ولم يعد مسموحًا أي تقصير في هذا الإطار، ولا إخفاء الحقائق والمجرمين، ولا إبقاء الأوطان ساحة لأي، ما جعل المواطنين يكفرون بما آلت إليه الأوضاع.
يبقى الامن خطًا أحمر في أية عملية نهوض تخرجنا من هذه المحنة التي نتخبط بها.
إن الجيش الوطني الشرعي هو الضامن الأكيد وعنوان السيادة.
وبالتالي لا مكان في بلد مستقر، لجزر امنية أو بؤر خارجة على القوانين.
الجيش وحده صاحب قدسية حمل السلاح دفاعًا عن كل أبناء الوطن.
نتوقف بإجلال أمام الدماء التي تسقط من ابناء الوطن وأمام الجرحى والمشردين والمهجرين وكأن قدر أوطاننا ان تبقى معلقة على الصليب، وان تتعاقب المجازر والإجرام والبربرية والتدمير.
في هذه التضحيات قرابين مباركة، وهي، بكل براءتها وبكل قداستها، ذخيرة قد تساهم في ابقاء شعلة وطن يحاول اعداؤه طمسه وإلغاءه.
هلاّ تعلمنا كيف نحصّن هذه الأوطان، وكيف نوحّد جهود شعوبنا لنمنع عنا الأذية والدمار؟
مطلب الناس الأول هو الأمن والكرامة وهو حق لهم على الوطن والحكم.
على الدولة أن تتحمل مسؤولياتها كاملة في المناطق والقرى المحررة وأن تضع خطة متكاملة كي يتم تطبيقها في كل المجالات الأمنية والعسكرية والمدنية والإعمارية والاقتصادية.
نتمسك بالحريات العامة بكل أبعادها وعلى رأسها حرية الإعلام والتظاهر دون أي تجاوز للقوانين اللبنانية.
إبداء أي رأي هو حق أساسي لكل مواطن يضمنه الدستور شرط مراعاة أصول المخاطبة واحترام رأي الآخر.
وبقدر ما نتمسك بوجوب احترام الحريات السياسية والإعلامية، بقدر ما نخشى على مستقبلها بسبب ما تعانيه من انتقاص وكبت وتضييق وكأن هناك تحضيرًا لنظام آخر ومختلف.
كل استهداف لأية وسيلة اعلامية مستنكر.
نتبنى الديمقراطية الصحيحة نهجًا لممارسة الحكم.
قانون الانتخاب جوهر النظام السياسي اللبناني وهو الذي يجب أن يؤسس لتمثيل صحيح لكل الطوائف، فلا يشعر أحد أنه مهمّش أو ملغى أو يفرض عليه نوابه.
من هنا أولوية قانون الانتخابات ومركزيته.
الاستحقاق النيابي فرصة حقيقية لتمثيل قوي حقيقي لكل اللبنانيين.
من منطلق القلق على مبدأ انتخابات حرة وديمقراطية تعطي الشعب كل الحق في اختيار ممثليه ومن منطلق الحرص على المشاركة العادلة والصحيحة في صنع القرارات، يأتي التمسك بمبدأ تحصين الانصهار الوطني وإشاعة جو من الارتياح ينعكس على كل لبنان، مع ضرورة المحافظة على الاعتدال والمشاركة والتوافق والتمثيل الصحيح ، بعيدًا عن الضغوطات والاستئثار.
أما الانتخابات النيابية فالأجدى أن تتحرر من اجواء الاثارة السياسية وان تراعى فيها دائما روحية الوفاق الوطني والتوازن.
التمسك بدولة القانون والمؤسسات وبالحريات العامة يجعلنا نقر أن لا قيامة حقيقية للبنان إلا بدولة مؤسسات تبسط سلطتها على كامل ترابها.
هو موقف ثابت باعتبار أن الشرعية للجميع ولا يمكن أحد أن يتجاهل وجودها أو ان يحل محلها.
المطلوب اليوم السير معًا نحو دولة حقيقية ملتزمة بدستورها وبكل أبنائها.
اجواء التنقية الاقليمية تساعد على البدء في حلول لبنانية.
اننا إذ ندرك تماما ترابط وضعنا مع ازمات المنطقة، نتمسك بوحدتنا وحوارنا واحترامنا التام للتعدد والتنوع احزابا وطوائف ومذاهب.
لماذا ننتظر تداعيات المنطقة ولا نحصن نفسنا؟
ان اللبنانيين كلهم، على اختلاف طوائفهم وأحزابهم عائلة واحدة فلماذا يسمحون بتدخل من الخارج في شؤون وطنهم وإدارته.
نحن نتحمل مسؤولية مصيرنا ومستقبلنا. علينا المبادرة الدائمة لصنع التوافق والحوار لاننا ادرى بشؤوننا من كل عواصم العالم ونحن نفهم على بعضنا اكثر مما يفهمنا السفراء والقناصل والقوى الخارجية.
أليست الطريق بين احزابنا وقياداتنا اقرب واقصر منها الى عواصم العالم؟
لا أحد يريد مصلحة لبنان اكثر من اهله ولا أحد يفهم حساسيات وضعنا اكثر منا.
فإذا كنا كمسيحيين لا نقدِّر حجم المخاطر التي تحيط بنا ومعنى حضورنا ودورنا ونتائج خلافاتنا على قضيتنا، ين فلن يرأف بمصيرنا أحد، ولن تكون لنا حقوق ولا مساواة ولا مشاركة حقيقية.
المسيحيون والمسلمون على السواء مطالَبون بالذهاب جميعًا إلى الحوار ليس من أجل الحوار بل من أجل التوصل إلى حلول.
الدعوة إلى الوفاق الوطني لا تنطلق من حب البعض لموقع او كرسي او مركز بل من غيرة على كل لبنان فلا تغيب اية قوة تمثيلية عن المشاركة في تحمل المسؤولية الوطنية.
والحوار وحده يمكن ان يجنب الوطن مخاطر كثيرة في ظل التنوع حتى الاختلاف في التوجهات والنظرة الى الهوية والانتماء. في حين ان الشارع ليس حلاً ولا التصادم ولا التراشق بل التوافق الدائم.
على الحوار أن يقدّم إلى اللبنانيين حلولاً بدلاً من أن نراه يغرق في تأجيل جلساته، كأن الشعب قادر على الانتظار. صحيح أن الأزمة متشابكة مع صراعات إقليمية ودولية، ولكن هل يمكن في ظل مناخ الانقسامات والأداء الرديء ونشر غسيل الخلافات على المنابر العربية وأمام الشاشات أن نكون نسير على الطريق الصحيح؟
صحيح أن لا حلولاً سحرية، إلا أنّ التوافق هو المدخل ولبنان هو بالضرورة وطن الحوار الدائم والحياة المشتركة. إن دولة واحدة قوية وسيدة وحدها هي الحل.
العيش المشترك من صميم ايماننا، إلا ان ابرز هواجسنا يبقى المشاركة الفعالة التامة بصنع القرار الوطني، وفي أولويات الوصول اليه قانون انتخابات يعكس صحة التمثيل وحقوق جميع العائلات الروحية.
جميع القوى السياسية مدعوة إلى الحوار. فيه وسيلة لخلق مناخ الوئام.
لا بديل عن "التفهم والتفاهم" بين كل اللبنانيين.
لا يكتمل عقد الوطنية إلا بشعور كل أبناء الوطن بالمساواة والعدالة.
لا قيامة للبنان الا بشعور كل ابنائه بأنهم متساوون وان لا غلبة لفئة واحدة على الآخرين.
التوازن الوطني ليس منّة من أحد ولا هبة وكل ما يُعمل دون مراعاته يخالف الميثاق الوطني والدستور.
التنوّع والديمقراطية هما في أساس تكوين لبنان. إلا أن الشعب اللبناني اليوم بأمس الحاجة إلى توحيد الاستراتيجيا، وإلى تضامن أحزابه وتياراته ومؤسساته.
أمام مصير مخيف وتحديات مذهلة وكوارث اقتصادية وإنسانية واجتماعية وبيئية، ثمة دعوة إلى الشفافية والصراحة والتضامن والقرار المشترك بين كل اللبنانيين من أجل التأسيس لبناء وطن ودولة راسختين.
الوحدة الوطنية ضمانة كل مستقبل، ومطلب التوازن والمشاركة الحقيقية الكاملة في الوزارات والادارات ليس طرحًا فئويًا او مذهبيًا، ولا هو أخذ حصص طائفية ضد آخر، بل هو في صميم رسالة الوطن وفي قلب روح وثيقة الوفاق الوطني، إذ لا شرعية لأي سلطة لا تراعي الميثاق الوطني كما جاء في مقدمة دستورنا.
الحوار ضرورة وواجب الدولة رعايته وإدارته عبر مؤسساتها بدءًا بمجلس الوزراء ومجلس النواب إلى مشاركة كل الفعاليات من دون استثناء.
وفي هذا الإطار تبدو المصالحة الوطنية أولوية وانخراط كل القوى والتيارات في مشروع الدولة حاجة ملحة.
الحوار وحده يمكنه ان يجنب الوطن مخاطر كثيرة في ظل التنوع حتى الاختلاف في التوجهات والنظرة الى الهوية والانتماء. ان الشارع ليس حلاً ولا التصادم ولا التراشق بل التوافق الدائم.
المطلوب تغليب العقل والمنطق والعودة الى الحوار الجدي الرصين العميق.
ليس لدينا خيار سوى ان نتفاهم. مهما تباعدنا لا بد من تسوية. فلماذا علينا ان ندفع من لحمنا ودمنا وأجسادنا واقتصادنا. ألم نتعلم من عبر الماضي؟
ان مصير لبنان على المحك، الخلافات السياسية الداخلية تنعكس سلبا على المناخ العام.
قدر اللبنانيين وخيارهم ان يثبتوا انهم تعلموا من عبر الحرب والخلافات وانهم قادرون على صناعة غدهم والمستقبل.
المطلوب وضوح الرؤية. لقد حان زمن إشراك كل لبنان في تقرير المصير.
حان وقت تلازم مسارات السيادة على كل الارض والحرية لكل الشعب والتوازن بين كل العائلات الروحية.
الانتشار اللبناني هو ثروة وطنية، رغم ان الارض خسرت ابناءها.
تثبيت اواصر اللحمة بين جناحي لبنان، المقيم والمغترب هو من واجبات الدولة بكل اجهزتها، على ان الطوائف والمؤسسات الاغترابية والاهلية يجب ان تلعب دورا رائدا في هذا المجال.
المنتشرون مطالبون بالتسجيل الدائم لكل ابنائهم في القنصليات لئلا ينقطع حبل الرحم مع لبنان.
على وزارة الخارجية تسهيل هذه المعاملات.
ان استعادة الجنسية للذين فقدوها يجب ان يكون على جدول اعمال الهيئات الاغترابية والسفارات والقنصليات في الخارج، وإن حق الانتخاب لكل المنتشرين هو من صميم مسؤوليات الدولة التي يجب ان ترعى ابناءها كلهم.
واللبنانيون المنتشرون مدعوون إلى المساهمة المادية الفعالة في دعم المؤسسات هنا والتي وصل الكثير منها الى حالات صعبة. ان تثبيت صمود الناس حتى لا يهاجروا يقع على عاتق اخوانهم الذين نعمت عليهم الاوطان الجديدة بأوضاع اقتصادية افضل.
على الانتشار ان يكون الصوت المدوي للقضية اللبنانية والعين الساهرة على لبنان، على كل تراب لبنان، ولكل اهل لبنان وأن يتعالى عن الخلافات المذهبية والدينية ويظهر الوجه الواحد للوطن الام. ان صوت الانتشار في عواصم القرار هو صوت لبنان الجريح الواحد.
كل عملية اغتيال أو خطف او ضغط يتعرض لها لبناني مغترب هي مأساة وطنية كبيرة تطال العائلة اللبنانية الشاملة التي اضطرتها ظروف الحرب والاقتصاد إلى الهجرة بحثًا عن أمن ومستقبل. فإذا بها تدفع خيرة ثمارها ضريبة للعنف والإرهاب.
على اللبناني ان يحمل لواء القضايا الاجتماعية ويبحث عن حلول لمسائل الفقر والبطالة وغياب فرص العمل، والطفولة المشردة على الطرقات، والعجزة والمتشردين والشحادين.
الالتفات الى قضايا الناس اليومية ومشاكلهم امر بديهي إذا ما أردنا بناء دولة العدالة والكرامة الإنسانية.
الأوضاع المتردية في لبنان والعالم العربي تولّد هواجس لدى الشباب اللبناني، وتزيد في نسبة القلق على المصير وموجات اليأس والهجرة.
لم يعد مقبولاً أن تستمر الخلافات والتجاذبات بين أهل الحكم، في وقت يئن اللبناني من أزمة اقتصادية خانقة، ويسأل عن الحق فيضيع.
ثمة خطر من ان تصل الامور إلى نقطة انفجار اجتماعي لا يرغب به أحد من اللبنانيين.
المطلوب من الدولة أن تؤكد وجودها قبل فوات الأوان.
من القضايا التي تستحق ان تستحوذ كل الاهتمام التربية والتعليم بما فيه الجامعي.
بقدر ما هو التعليم رسالة روحية ووطنية وإنسانية، بقدر ما يتوجب التحسس بمستقبل الاجيال اللبنانية الناشئة والحفاظ على مصلحتهم ومصلحة الأهل والوطن ومعالجة مسألة الزيادات الدائمة على الأقساط المدرسية.
تفاقم القلق وازدياد المشاكل الحياتية والاقتصادية والاجتماعية في هذه المرحلة الحساسة يتطلب الكثير من الوعي والحكمة والصراحة...
على الحكومة إيلاء الحالة الاقتصادية الاجتماعية اقصى درجات الاهتمام لأن وجع الناس وصراخهم يزداد ولأن القلق على المستقبل خاصة عند الشباب من ابرز اسباب الهجرة التي هي عدونا الابرز.
بات ملحًا اليوم اعلان حالة طوارئ اقتصادية اجتماعية لأن الاستحقاقات المالية داهمة، والشعب يئن من البطالة وصرف العمال والغلاء والاقساط وندرة الاستثمار...
وصل الوضع الاقتصادي الاجتماعي الى درجة تستدعي ليس فقط حلقات حوار ولا خلوات وزارية دائمة بل حتى حالة طوارئ سياسية يكون بندها الوحيد كيفية معالجة الهجرة واليأس والهدر والفساد والدين العام.
الاصلاح الاقتصادي صار امرًا واجب الوجود، وإلا سيستمر الوطن في نزيفه وانهياره.
من الضروري أن يكون برنامج الإصلاح المالي الاقتصادي على رأس الاهتمامات
لن يتحمل اللبنانيون ولن يقبلوا أن يدفعوا ثمن أخطاء الطبقة السياسية.
تحريك الجمود والالتفات إلى قضايا الناس الحياتية من عمل وبنى تحتية وكهرباء وسواها، أولوية أساسية إذا ما أردنا قيامة حقيقية لواقع المجتمع اللبناني.
ثمة قلق جدي بفعل تراجع الوضع الاقتصادي وارتفاع حجم المديونية العامة، لما ينعكس ذلك على الوضع العام في البلاد.
إلى الأزمات الاقتصادية والدين العام وواقع الإدارة غير المتوازي، تأتي ملفات الفضائح التي تطاول أكثر من مرفق لتزيد الواقع سوءً وسوادًا.
مطلوب جردة حساب رسمية على واقع التعيينات والتعاقد، ليتسنى للرأي العام أن يعرف حقيقة الأمور وإصلاح اي خلل.
مع رفض وجود السلاح في أيدي الفلسطينيين، خارج وداخل المخيمات، يأتي التخوّف من التوطين ليزيد الواقع ضبابية.
إن رفض التوطين هو من المسلمات الوطنية التي جاءت في مقدمة الدستور وهو يرتدي الأهمية نفسها التي ارتدتها مقاومة الاحتلال الإسرائيلي.
إن لبنان الذي استضاف اللجوء الفلسطيني، عملاً بالواجب الإنساني والقومي، والذي تحمّل التضحيات القصوى في سبيل نصرة القضية الفلسطينية، المتمثلة بحق العودة، أصبح هدفًا لمؤامرة خطيرة يوم طرح وطنًا للفلسطينيين، بديلاً عن فلسطين.
هذه المؤامرة معززة بالكثافة الفلسطينية في لبنان، وحالة التسلّح بذريعة "العمل الفدائي"، كانت من الأسباب المباشرة، لاندلاع الحرب في لبنان عام 1975، ولتحريك الطروحات القصوى التي هددت وحدة الشعب والأرض، وقد تمثلت بمؤامرة التقسيم.
أصدرت جامعة الدول العربية، قرارات عدة حظّرت بموجبها على الدول العربية المضيفة للشتات الفلسطيني، منح جنسيتها للأخوة اللاجئين، حفاظًا على قضيتهم، وحفظًا لحقهم بالعودة، ومنعًا لذوبان هويتهم عبر توطّنهم الدائم في هذه البلدان.
كما أن ثمّة قرارات دولية خاصة بالحقوق الفلسطينية، أبرزها القرار 194، والقرار 242، اللذان يكرسان حق العودة، وحق جمع شمل العائلات، التي شرّدتها نكبة فلسطين والحروب التي تلت تاريخ النكبة.
إن اعتبار حاجة العالم العربي، للسلام العادل والشامل، موازية لحاجة إسرائيل والغرب، وسائر دول العالم لهذا السلام إياه، وما لم يكن الأمر على هذا النحو، فلا حاجة به للبنان وسوريا، ولا لبلدان المنطقة العربية، ولا للأسرة الدولية جمعاء.
تمسّك لبنان بإسقاط مؤامرة التوطين مطلب داخل في صميم محادثات السلام، وبند أساسي في جدول أعمال هذه المحادثات، وشرط وطني، يوازي بأهميته تحرير لبنان.
وبقدر التعاطف مع معاناة الشعب الفلسطيني والتأييد لنضاله من أجل إقامة دولته والاستنكار لما يتعرّض له الفلسطينيون من تنكيل، بقدر ما هي مرفوضة عودة الفلسطينيين في لبنان إلى خطاب تصعيدي أو انفلات أمني تحت أي حجة تفتح بابًا على حرب لسنا مهيئين لها.
من واجبي التذكير ببعض الثوابت اللبنانية، التي تشكل ضمانة لكل الطوائف اللبنانية وتؤمن العدالة بين اللبنانيين.
لبنان وطن نهائي، بحدوده المبينة في المادة الاولى من الدستور اللبناني والمتعرف به دوليًا.
اللبنانيون: المقيمون منهم والمنشرون في العالم، يؤلفون الأمة اللبنانية، المبنية تاريخيًا على التعددية الاثنية والدينية، وعلى التنوع الحضاري، والثقافي، والتراثي، واللغوي، والمتكونة من مجتمعين رئيسيين متحدين: المسيحي والاسلامي، وهما متساويان في الحقوق والواجبات.
لبنان بواقعه الاجتماعي والسياسي والوطني، وبحقيقته التاريخية، هو :اتحاد طوائفي" بين مجتمعين الاساسيين، مما يحتم اشراك طوائفهما في ادارة شؤون الدولة.
لبنان دولة حرة مستقلة، ذات سيادة تامة، وذات نظام جمهوري ديمقراطي برلماني تعددي يقوم على مبدأ فصل السلطات، ويرتكز على ديمقراطية التوازن والعدالة بين الطوائف.
تضمن الدولة اللبنانية وتصون حريات وحقوق الافراد والجماعات التي يكرسها الدستور اللبناني، وايضاً كل الحقوق والحريات التي تكرسها شرعة حقوق الانسان.
لبنان، في محيطه الاقليمي متعدد الانتماآت: (مشرقي، وشرق ادنوي – وشرق اوسطي _ وشرق عربي – وبحر متوسطي) وهو من الوجهة الحضارية والثقافية والتراثية، حصيلة الحضارات والديانات الديمة والحديثة، التي عاشت على ارضه وتفاعلت مع شعبه عبر تاريخه الطويل، وعالميًا فهو ينتمي الى الحضارة الغربية الانسانية العالمية، التي هي ايضًا جزء منه. وبفعل هذا، فقد تكونت للبنان الوطن، وللأمة اللبنانية، هوية وطنية قومية لبنانية خاصة بهما.
الدولة اللبنانية، بحد ذاتها، كشخص معنوي وقانوني، هي دستوريا (المادة 9 من الدستور)، دولة علمانية (زمنية)، اي غير دينية، وبالتالي حيادية بين الاديان، تمتنع عن اتخاذ اي دين رسمي لها، ان علمانية الدولة، وواجب احترام وضمان حرية الاشخاص، توجب علىالدولة اقامة الزواج المدني الاختياري، ووضع قانون مدني اختياري للاحوال الشخصية، يطبق على كل من يختاره من اللبنانيين.
يجب اعلان لبنان دولة حيادية، تلتزم الحياد الدولي الدائم، وتبعا لذلك فهي تعمل للسلام العالمي، وتبتعد عن المحاور والاحلاف السياسية والعسكرية، وعن الحروب، وهي تمارس هذا الحياد من خلال عضويتها في جامعة الدول العربية، وفي منظمة الامم المتحدة، وفي سياستها الخارجية مع كافة دول العالم.
تنتسب الدولة اللبنانية، كعضو عامل وفعال، في المؤسسات والمنظمات الثقافية، والاقتصادية، والعلمية، الاقليمية منها والدولية، فتعمق بذلك مساهمة لبنان في التعاون الدولي الانساني.
تتعامل الدولة اللبنانية في علاقاتها مع كل دول العالم، على اساس مبدأ السيادة التامة، والمساواة، والمعاملة بالمثل، وعلى أساس التعاون، والاحترام المتبادل لاستقلال كل دولة، وسيادتها، وأنظمتها، وقوانينها.
نظام لبنان الاقتصادي حر، وعلى الدولة رعايته، ويجب عليها أن تضمن للمؤسسات وللأشخاص وللرساميل حرية التحرك والعمل، بعيدًا عن التجاوز والاحتكار والاستغلال.
المبادرة الفردية مصونة بما لا يتعارض مع النظام العام والمصلحة العامة.
اي مشروع اصلاح او تطوير للنظام اللبناني، يجب ان يكون توافقيًا بين المجتمعين اللبنانيين الرئيسيين، وأن يقوم على أساس الثوابت الواردة في هذه المذكرة، كما يجب ان يحافظ على الحقوق والضمانات التاريخية العائدة للطوائف اللبنانية. وذلك عن طريق الحوار بين اللبنانيين، وفي اطار من السلم الحقيقي، والحرية التامة.
ان بحث واقرار اي اقتراح او مشروع يتعلق بتطوي النظام اللبناني، يجب ان يتم بواسطة المؤسسات والسلطات الدستورية الحالية، وفقًا للأصول المحددة في الدستور اللبناني، ومن قبل مجلس نيابي منتخب.
وجوب ممارسة اصول الديمقراطية الصحيحة في اختيار نواب الامة، مما يعني رفض مبدأ تعيين النواب بأي شكل كان.
ان اللبنانيين بأكثريتهم الساحقة، مسلمين ومسيحيين، مؤمنون بان هذا الوطن اذا خسر تنوعه الايماني والثقافي والحضاري، واذا فقد حرية انسانه الفردية فانما يخسر مبرر وجوده وديمومته لان هذا اللقاء الفذ بين اديانه ومذاهبه وهذا التفاعل الخلاق بين معتقدات ابنائه، هو الذي يعوض عن مساحته وعدد سكانه ويحوله الى وطن ذي دور ورسالة.
السلام والاستقرار وحقوق الانسان والازدهار والحرية والديمقراطية، هي مطالب جميع مواطني دول هذه المنطقة.
الهجرة بسبب غياب هذه الحقوق، تطاول اعدادا كبيرة من ابنائها المسلمين قبل المسيحيين، غير ان انعكاس هذا الغياب على اتباع الديانة المسيحية اكبر بكثير. اولا، لان اعدادهم قليلة بالاساس، وبالتالي فان التناقص سريعا ما يبرز للعيان. وثانيا، لان وقع التهميش على الاقليات اكثر وطأة عليها منه على سائر فئات المجتمع التي لا يمكنها ان تعزو سبب تهميشها الى كونها أقلية. هذا فضلا عن سعي المجموعة او الفرد الحاكم الى استرضاء الاكثرية من خلال تدابير ومواقف غالبا ما تستهدف الاقليات، وبخاصة الدينية منها".
وليس من يجهل ان المجتمعات المزدهرة والمطمئنة الى حاضرها ومستقبلها، والمتمتعة بحقوق مدنية واجتماعية وسياسية من شأنها ان تصبح حاضنة لنوعية راقية من المواطنين قابلة بالآخر المغاير وبحقه بالاختلاف.
وهذا بتقديري او ما يطلبه المسيحيون في المجتمعات العربية التي يعانون فيها منذ عقود من اسقاطات متنوعة واحكام مسبقة من جانب الاكثريات في مجتمعاتهم التي تريدهم ان يتبنوا عادات اجتماعية ومعتقدات سياسية، وفي بعض الاحيان دينية، مخالفة لعاداتهم وتقاليدهم ومعتقداتهم.
بالتأكيد ان عملية تشكل الدول وفق الشكل الذي يستجيب لمعايير حقوق الانسان والمواطنة القائمة على المساواة بين جميع افراد الشعب ومجموعاته الاثنية والطائفية، يفترض ان تكون نابعة من داخل هذه الدول.
أول ما يثار اليوم هو المسألة الديموغرافية.
الحديث اليوم عن تراجع ادوار المسيحيين متصل اتصالا وثيقا بضعف الدولة أو اضعافها ومعها المواطنة والمساواة.
لكن الرد على تراجع الدولة والمواطنة لا يكون إلا في التمسك بالدولة وبتأكيد المواطنة، بديلا من اعادة اختراع العصبية الطائفية، ردا على العصبيات الأخرى.
الخوف من تراجع أدوار المسيحيين، والتفجع بأحوالهم يستعجل تحقيق ما يخافون منه.
لا مستقبل للمنطقة من دون العيش الواحد، وأن تراجع الحضور المسيحي من حيث العدد.
التحديات التي تواجه المسيحيين كتنامي الحركات التكفيرية الاسلامية والتي تسعى الى إلغاء الآخر المسيحي والاسلامي الذي لا يطابقها النظرة، وانزلاق بعض الفئات المسيحية الشرقية الى منطق انعزالي كمخرج وحيد لحمايتهم، كلها عوامل تدعو المسيحيين اليوم وأكثر من السابق إلى استعادة مواجهة هذه التحديات بترسيخ هويتهم كرسل حضارة.
وجود كنائسنا في هذه المنطقة من العالم يشير الى أصالة كنيسة المسيح الواحدة الجامعة المقدسة الرسولية في سياق التاريخ الانساني والجغرافية، ويشهد استمرارها، رغم الصعوبات على اختلافها والانقسامات التي عرفتها عبر مراحل التاريخ المعاقبة، على أمانتها للمسيح منذ يوم العنصرة.
أي انتكاس يصيب وجود المسيحيين، واي انحسار لدورهم، هما بمثابة شهادة مضادة لتجذر المسحية في منطقتنا منذ ايام الرسل وحتى اليوم".
يحمل المسيحيون في منطقتنا تراثا مسيحيا فريدا تكوّن بفعل خبرة تاريخية طويلة اتسمت بتفاعلنا كمؤمنين بالمسيح مع حضارات قديمة متنوعة انطبعت بها هوياتنا الكنسية كالآرامية (السريانية) والمصرية والهلينية والرومانية".
نحن مأزومون، نحن شعب ضائع مفتت. ظلمه التاريخ والقدر والغزوات والحروب. لا دولة له لا سلطة لا تحالفات لا مشروع. نحن كلنا كمسيحيين غير متفقين حتى على الحد الادنى من الثوابت مع روعة تنوع حضاراتنا والثقافات. ان انقسامنا المذهل طوائف ومذاهب واحزابا، ثم داخل طوائفنا من انانياتنا والفوضى، مأساوي كأننا غير مدركين لحجم المخاطر. لقد تطبعنا عبر قرون، وحين عصف عصر حقوق الانسان والقوميات خفنا، في عالم تهمه المصالح وليس المبادىء أليس مذهلا ان يسمينا بيان حكومي عراقي "الجالية المسيحية" بعد ألفي سنة من حضورنا في بلاد الرافدين.
علينا ان نكون واضحين. لسنا صليبيين ولا أحصنة طروادة لاحد. لا نقبل أصلا اي اتهام او تشكيك في انتمائنا، دون وجل دون خوف. جزء من هذا العالم الاسلامي والعربي والتركي والايراني والكردي. جزء من تنوع منطقة ضاجة. لكننا مع حقوق كل انسان، مع الحريات. لا يمكن ان نكون على الحياد مع قضية حق الفلسطيني بدولة، مع سلام عادل شامل، مع حق العودة للاجئين، لكن ايضا مع الحق الكردي بان يشعر بالامن والمساواة، مع حق المسيحيين في كل هذه البلاد، بان يعترف بهم ، بقومياتهم، بلغاتهم، بمؤسساتهم، بتمثيلهم، بأحزباهم".
موجة الاصوليات التكفيرية الالغائية المتخذة من النموذج الاسرائيلي راية، عبر نموذج إنشاء دول دينية على أنقاض الآخر، وعبر رفع فتاوى لا يقبلها لا عقل ولا منطق ولا دين هي أخطر ما يواجه المسيحي. ان هذا الارهاب الذي يغتال مطرانا، ويكفر جارا، ويهجر سكانا اصلييين هو آفة لا يمكن معالجتها فقط بالامن، بل بالفكر والاقتصاد والاعلام.
عدد المسيحيين على اختلاف طوائفهم في الشرق الاوسط هو سبعة عشر مليونا.
ان المسيحيين المشرقيين يعانون في مختلف مناطق وجودهم من الضغوط والتمييز، وتتفاقم الهجرة في صفوفهم.
لبنان منارة دفاع عن المسيحية المشرقية من منطلق الجسر والحوار والانفتاح.
لقد شهدت بما أعرف وليس اكثر مما أعرف
وشهدت حيثما أمكنت الشهادة بما تراءى لي انه الحقيقة وبغيرها لم أشهد
فيبقى لي أن أئتمنكم امنية يروقها أن تكون موضوع تأمل وتبصر وقد أردتها على علم بانها تخرج عن موضوع الشهادة.
نحن شعب يريد ان يعيش.
وحياة هذا الشعب حريته
فإذا استقامت لنا مقاييس الحرية استقام لنا كل شيء
فما من شك في اننا ولدنا نعيش أحرارًا من حرية نظفر بها هنيهة بعد هنيهة وجهدًا إثر جهد.
من حرية هي لنا ولكنها لا تجيء معنا من بطون امهاتنا
إذ المرء لا يخلق حرًا وإنما يصير ذلك أنه يجيء من العدم معدمًا فإن لا يربح لذاته يظل معدمًا ينقص إذا امكن النقصان ولا يزيد مهما توغل في السنين وعمر.
فعظمة هذا الإنسان ان يمتلك نفسه ويحترزها وان يتغلب على كل ما يحول بينه وبين الظفر بالحرية اجتماعية كانت أو سياسية تهدف أولاً وآخرًا إلى عتق ذاته حتى يستقل من كل إكراه أو شبه إكراه
طبيعيًا كان أو حكميًا
ولا يغربنّ عن بال أحد أن الحرية التي هي رأس عظمة الإنسان ليست في ان ياتمر غير امر هو ذلك تأليه للإنسان يجر حتمًا إلى تأليه الدولة وتأليه الجمهرة التي يتجسد منها الحاكم والويل من الآلهة الكاذبين.
وإنما الحرية التي هي رأس عظمة الإنسان ترتكز على استقلال إنسانه بحيث تصبح الطاعة في حدود الخير طريقًا إلى الحرية التي كتب علينا إدراكها فيبقى هكذا كل في مكانه
فلا الإنسان يستحيل إلهًا ولا الدولة تستحيل إلهًا
العرب والاستعمار الأوروبي:
نشط الاستعمار الأوروبي للعالم منذ القرن الخامس عشر. اهتمّ الأوروبيون بالموانئ المنتشرة على طول سواحل البحر المتوسط وتسابقوا للهيمنة عليها. زاد التزاحم الأوروبي على منطقة الشرق الأوسط بنوع خاص في القرن التاسع عشر في المرحلة المعروفة بمرحلة التوازن الأوروبي. شهد الشرق يومها وبنوع خاص صراعاً قوياً بين فرنسا وبريطانيا. الشرق الأوسط كان تابعاً للسلطنة العثمانية التي كانت على وشك الانهيار خلال القرن التاسع عشر وقد دعيت حينها بالرجل المريض. موقع الشرق الأوسط الاستراتيجي على البحر الأبيض المتوسط وقربه من أوروبا وإفريقيا (حيث المطامع الأوروبية) ودوره الجغرافي التاريخي كصلة وصل بين أوروبا والهند، جعل منه هدفاً للمخططات الاستعمارية للدول الأوروبية المتنافسة. وظهر هذا الاهتمام الأوروبي بالشرق بنوع خاص على مستوى الاقتصاد والاستراتيجيا. وجد الأوروبيون في الشرق الأوسط الطريق الأقصر إلى المستعمرات الأوروبية والمنطقة الأسهل لخنق السلطنة العثمانية. إقتصادياً، وجدت الدول الأوروبية بمنطقة الشرق الأوسط ممراً للعبور إلى أسواقها المنتشرة في مختلف أنحاء العالم القديم وبوابتها لاستيراد وتصدير السلع والبضائع. انتشرت على طول مناطق الشرق الأوسط شبكة مواصلات برية تقليدية قديمة ومستحدثة ثمّ ظهرت في بدايات القرن التاسع عشر الطرق المائية النهرية والملاحة في الأنهر كالفرات. ثمّ جاءت عملية شق قناة السويس كتتويج لهذا الموقع الاقتصادي وهذه الأهمية الاستراتيجية للشرق الأوسط. إلى جانب ضعف السلطنة العثمانية اختبر الشرق الأوسط ضراوة التنافس الأوروبي على الزعامة في أوروبا والهيمنة على العالم والسيطرة على طرق المواصلات العالمية والأسواق.
العرب والدولة العثمانية في عهد عبد الحميد الثاني:
عام 1876 خُلِعَ السلطان مراد وخلفه شقيقه عبد الحميد الثاني أثّرت هذه الأحداث في نفسيته (السلطان عبد الحميد الثاني) تأثراً عميقاً، وجعلته يخاف على عرشه وعلى حياته خوفاُ مرضياً. بعد أن كان مجيء عبد الحميد على أساس الدستور، مال إلى أعداء الحرية والمشروطية وأرسى حكماً استبدادياً مطلقاً. من أهم مظاهر حكمه الاستبدادي: مراقبة نشر الأخبار في الصحف، ومراقبة المطبوعات - وضع شبكة دقيقة وواسعة من الجواسيس يندسّون بين الناس، ويقدمون التقارير، وعلى أساسها يعتقل المتهم وينال الجزاء - هرب المفكرين خارج السلطنة - العجز المالي السنوي للدولة (64 مليون فرنك فرنسي تقريباً)، وكان هذا العجز يسدّ بالديون تارة وبعصر النفقات طوراً - هزيمة عسكرية كبيرة أمام الروس، خسرت نتيجتها السلطنة مناطق واسعة من أراضيها في البلقان وآسيا الصغرى – تردّي أوضاع الجيش العثماني، خاصة في المقاطعات - تراجع في مجال التعليم العالي، وخضوع الكتب الدينية للمراقبة - حدوث مذابح للبلغار والأرمن وسحب بعض الامتيازات القديمة للمسيحيين (خاصة في مجالات التعليم والزواج والطلاق - استمرار التدخلات الدولية في شؤون السلطنة: 1878 وقعت قبرص تحت النفوذ الإنكليزي - عام 1899 أعطيت كريت وضعاً قانونياً خاصاً - عام 1903 أعطيت مقدونيا وضعاً خاصاً - توسّع المؤسسات الاقتصادية والثقافية والدينية والخيرية للدول الأجنبية، واستحداث ما سمّي الضمانة الكيلومترية لشركات السكك الحديدة. - أما بالنسبة للخطوات الإيجابية التي قام بها السلطان عبد الحميد الثاني فتتجلّى في النقاط التالية: تشكيل المحاكم المدنية والعمل بمجلة الأحكام العدلية - القضاء على العديد من الإقطاعيات في بعض المناطق النائية عن عاصمة السلطنة - تنظيم دواوين البلاط (ما بين همايون) والنظارات والاستعانة باختصاصيين أجانب - إنشاء الخطوط الحديدية في بعض الولايات - محاولة الخطوط الحديدية في بعض الولايات - محاولة وضع سياسة إسلامية مستقلّة نسبياً، والحذر من الخطر الصهيوني.
معارضة الحكم الحميدي:
بدأت تتألّف الجمعيات المناهضة لسياسة السلطان عبد الحميد الثاني منذ عام 1889. أنشأ عدد من طلاب "الطبية العسكرية" جمعية سرية في اسطنبول تدعو لإعادة الحياة الدستورية إلى السلطنة العثمانية. أصدر أحمد رضا من باريس التي كان لجأ إليها جريدة "مشورت"، جذبت عدداً من الشبان العثمانيين الموجودين في فرنسا. نتيجة التنسيق بين المعارضين الموجودين في اسطنبول وباريس تألّفتا "جمعية الاتحاد والترقي العثمانية" وقد سعت "لإجبار عبد الحميد على ترك العرش، تبديل الإدارة من أساسها، إعادة العمل بالدستور.
المؤتمر العربي الأول في باريس عام 1913:
دعا لعقد هذا المؤتمر خمسة شبّان عرب يقيمون في باريس هم عبد الغني العريسي، عوني عبد الهادي، محمد المحمصاني، جميل مردم، وتوفيق المؤيّد. وقد انضم إليهم لاحقاً شكري غانم، ندرة مطران، شارل دبّاس وجميل معلوف. اجتمع هؤلاء جميعاً وألّفوا ما عرف باللجنة التحضيرية التي بدأت تتصل بمختلف الجمعيات العربية واللبنانية بهدف التحضير لعقد المؤتمر وقد وفّقوا في وضع جدول لأعماله. تضمّن جدول أعمال المؤتمر النقاط التالية: الحياة الوطنية ومناهضة الاحتلال - حقوق العرب في المملكة العثمانية - ضرورة الإصلاح على قاعدة اللامركزية - المهاجرة من سوريا وإليها. وجّهت الدعوة للمشاركة في جلسات المؤتمر إلى الجهات التالية: حزب اللامركزية (عبد الحميد الزهراوي، اسكندر عمّون) - جمعية بيروت الإصلاحية (سليم علي سلام، أحمد بيهم، خليل زينية، الشيخ أحمد طبارة، الدكتور أيوب تابت، ألبير سرسق) - عن العراق: توفيق السويدي، سليمان عنبر - عن بعلبك: محمد حيدر، إبراهيم حيدر - عن المهاجرين: الولايات المتحدة: نجيب دياب، نعوم مكرزل، الياس مقصود. المكسيك: عباس بجاني. جالية باريس: شكري غانم، عبد الغني العريس، ندرة مطران، عوني عبد الهادي، شارل دباس، خيرالله خيرالله، جميل مردم، محمد المحمصاني. جالية اسطنبول: عبد الكريم الخليل.
عبثاً حاول العثمانيون إفشال عقد هذا المؤتمر إلا أن محاولاتهم باءت بالفشل. وصل المدعوون إلى باريس، فافتتح المؤتمر جلساته في 18 حزيران 1913 وامتد حتى 23 منه. وقد عقد في قاعة الجمعية الجغرافية الواقعة في شارع سان جرمان في باريس. الخطب والمناقشات أظهرت أقلّه تيارين مختلفين في صفوف المدعوين: الأول تمثّل بنوع خاص بجماعة العربية الفتاة وجمعية النهضة اللبناني التي مثّلها نعوم مكرزل طالب بالاستقلال التام عن الإمبراطورية العثمانية. أما الثاني فقد حمل لواءه وفد الجمعية الإصلاحية في بيروت ودعا إلى التعاون مع الأتراك على أساس الحرية والمساواة انتهى المؤتمر بالتوصيات التالية: إنّ الاصلاحات الحقيقية واجبة وضرورية للمملكة العثمانية، فيجب أن تنفّذ بوجه السرعة - من المهم أن يكون مضموناً للعرب التمتع بحقوقهم السياسية وذلك بأن يشتركوا في الإدارة المركزية للمملكة اشتراكاً فعلياً - يجب أن تنشأ في كل ولاية عربية إدارة لا مركزية تنظر في حاجاتها وعاداتها - تنفسيذ مطالب ولاية بيروت - اعتبار اللغة العربية لغة رسمية في الولايات العربية، واستعمالها في مجلس النواب العثماني - تكون الخدمة العسكرية محلية في الولايات السورية والعربية إلا في الظروف القصوى - تحسين مالية متصرفية لبنان من قبل الحكومة العثمانية - إبلاغ هذه المقررات أيضاً للحكومات المتحابة مع الدولة العثمانية - يشكر المؤتمر الحكومة الفرنسية شكراً جزيلاً لترحابها الكريم بضيوفها - إضافة إلى: مصادقة المؤتمر على مطالب الأرمن العثمانيين القائمة على اللامركزية.
ألحقت بالمؤتمر المقررات التالية: إذا لم تنفّذ القرارات التي صادق عليها هذا المؤتمر فالأعضاء المنتمون إلى لجان الإصلاح العربية يمتنعون عن قبول أي منصب كان في الحكومة العثمانية إلا بموافقة خاصة من الجمعيات المنتمين إليها. ستكون هذه القرارات برنامجاً سياسياً للعرب العثمانيين، ولا يمكن مساعدة أي مرشح في الانتخابات التشريعية إلا إذا تعهّد من قبل بتأييد هذا البرنامج وطلب تنفيذه. المؤتمر يشكر مهاجري العرب على وطنيتهم في مؤازرتهم له، ويرسل لهم تحياته بواسطة مندوبيهم.
أرسل العثمانيون بعد انتهاء المؤتمر مندوباً عنهم إلى باريس هو "مدحت شكري" للتفاوض مع وفد يمثل أعضاء المؤتمر منهم "الخليل " و "الزهراوي" فتوصلوا إلى اتفاق تتعهد بموجبه الدولة العثمانية بتنفيذ بعض المطالب العربية منها ما يتعلق بالأوقاف والتجنيد الإلزامي وتدريس اللغة العربي ونسبة المواطنين العرب ووافقت على إعطاء العرب 3 وزراء في الحكومة المركزية و5 ولاة و10 متصرفين. وعلى هذا الأساس صدر مرسوم بتعيين بعض القيادات - بمن فيهم الزهراوي- في مجلس المبعوثان. إلا أن العثمانيين لم يطبّقوا وعودهم، الأمر الذي قوّى كفّة الانفصاليين عن السلطنة.
من صفحات الحرب العالمية الأولى:
ادّعت بريطانيا تحالفها مع العرب. في المنطقة الغربية من الجزيرة العربية، تسلّم الأمير فيصل قيادة قوّات الثورة العربية التي أطلقها الشريف حسين بن علي على العثمانيين وكانت تهدف لنقل الخلافة من الأتراك إلى العرب. الكولونيل لورنس قدّم للعرب الدعم وللشريف حسين الوعود الكاذبة إذ وعده بقيام مملكة عربية. تشمل مناطق الحجاز والشام والعراق. جمع الأمير فيصل قواته في وقت توصّل الإنكليز والفرنسيون سراً إلى توقيع اتفاقية سايكس بيكو تقاسما بموجبها منطقة الشرق الأوسط؛ كما وعد اللورد بلفورد قادة الصهيونية بإقامة دولة يهودية. حاول العثمانيون عبثاً طرد البريطانيين من قناة السويس ومصر. بالمقابل هجم الإنكليز انطلاقاً من مصر ووصلوا غزّة ثم القدس بقيادة الجنرال اللنبي وطردوا العثمانيين منها في 11 كانون الأول 1917. بعد دخول فلسطين عمد البريطانيون إلى القيام بكل ما يلزم لزرع اليهود فيها. انتصر الحلفاء على قوّات البلغار في البلقان وكان البلغار حلفاء لألمانيا. بذلك خسرت الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى ووقعت على معاهدة مودرس في تشرين الأول 1918 واستسلمت؛ فدخل الجنرال الفرنسي فرنشي غاسبريه اسطنبول.
الثورة البولشفية وأثرها على الشرق:
عندما اندلعت الثورة البولشفية في روسيا القيصيرية بقيادة لينين بدأ تحريض الشعوب للثورة على من يستعمرهم. كانت الثورة الشيوعية قد منحت الشعوب التي حرّرتها في الفولغا والفاقاس وتركستان ومعظمهم مسلمون حقوقهم. انعقد مؤتمر شعوب الشرق في باكو في الاتحاد السوفياتي في أيلول 1920، لكن الشعوب العربية والإسلامية لم تتجاوب مع طروحات المؤتمر.
مؤتمر الصلح في باريس
استضافت باريس مؤتمر الصلح في فرساي وقد حضره الرئيس ولسن الأميركي. وصلت عدة وفود عربية إلى العاصمة الفرنسية للمشاركة في مؤتمر فرساي، منهم الأمير فيصل في السادس من كانون الثاني 1920. وقّع الأمير فيصل اتفاقية مع كليمنصو رئيس الوزراء الفرنسي لإقامة مملكة عربية عاصمتها دمشق. في وقت كانت القوات الفرنسية بقيادة الجنرال غورو قد احتلّت بيروت قبل شهر من توقيع الاتفاقية ثم دمشق.
مؤتمر سان ريمو
في نيسان 1920 عقد مؤتمر سان ريمو في إيطاليا أعلن في انتداب فرنسا لسوريا وانتداب بريطانيا للعراق وفلسطين باسم عصبة الأمم وبهدف تحضير البلاد المنتدبة للاستقلال.
معركة ميسلون
عام 1920 وقعت معركة ميسلون. انهزمت في هذه المعركة الجيوش العربية.
الاحتلال البريطاني للشرق الأوسط
منذ عام 1918 والقوات البريطانية تحتل سوريا ولبنان؛ ثم انتقلت بعد مؤتمر سان ريمو إلى العراق وفلسطين.
بداية الانتداب الفرنسي لسوريا ولبنان
التقى الجنرال غورو في بيروت الأمير فيصل وطلب منه حل حكومته في دمشق ومغادرة سوريا.
تطورات شبه الجزيرة العربية
في الجزيرة العربية وسّع عبد العزيز بن سعود حدود إمارته. دخل مكّة عام 1924 وضمّ لاحقاً منطقتي عسير ونجران.
النزاع اليوناني العثماني
في آسيا الصغرى تنتهز اليونان فرصة ضعف السلطنة العثمانية وتحتل عام 1919 مدينة إزمير الساحلية وتتقدّم نحو الداخل وترتكب المجازر ضد المسلمين. لكن القوات العثمانية استجمعت قواتها وطردت القوات اليونانية عام 1920 من إزمير وطردت القوات الفرنسية أيضاً التي دخلت قيليقيا في جنوب البلاد.
الجولان:
في الزاوية الجغرافية بين شمال فلسطين وجنوب سوريا ولبنان وبمحاذاة السفوح الجنوبية لجبل الشيخ، تقع مرتفعات الجولان السورية التي تعلو عن سطح البحر بين 950 متراً و1300 متر. وتشرف تلالها على شمال فلسطين وسهولها بالقرب من مدينة حيفا، كما تشرف على بحيرة طبريا وبحيرة الحولة في فلسطين المحتلة، وتطل جنوباً على نهر اليرموك المحاذي للحدود السورية-الأردنية. ويؤكد المؤرخون والعلماء العرب، أمثال الأدريسي وياقوت الحموي والقلقشندي وسواهم، أن مرتفعات الجولان كانت تنقسم منطقتين، الأولى بانياس والثانية مركزها القنيطرة، وأن سكانها عرب أقحاح من الغساسنة والضجاغمة وكان لهم دور في مواجهة الروم أثناء الفتح العربي الإسلامي، وفي إحدى قرى الجولان القديمة "الجابية" وقف الخليفة عمر بن الخطاب مخاطباً المسلمين قبل توجهه إلى بيت المقدس، وبقيت "الجابية" مركز لقاء واجتماعات المسلمين. ظلّ الجولان ملتقى الطرق التجارية بالقرب من الأماكن المقدّسة وشهد مواجهات عسكرية مع الصليبيين الذين كانت قاعدتهم طبريا. وبعد انتهاء الحكم العثماني غدا الجولان إحدى المحافظات السورية وظلّت عشائره تنتقل من دون حواجز بين سوريا وفلسطين قبل عام 1948 وبعد قيام إسرائيل تحوّل الجولان منطقة الصدام العسكري بين سوريا والإسرائيليين. في 92 تشرين الثاني 1919 وجّه الزعيم الصهيوني حاييم وايزمان رسالة إلى رئيس وزراء بريطانيا لويد جورج، جاء فيها:"تود المنظمة الصهيونية أن تتوجّه إليك في موضوع يسبّب لها أعمق القلق" إلا أنّه مسألة حدود فلسطين الشمالية. لقد وضعت المنظمة الصهيوينة منذ البداية الحد الدنى من المطالب الأساسية لتحقيق الوطن القومي اليهودي، ولا داعي إلى القول أن الصهاينة لن يقبلوا في أي ظرف خط "سايكس بيكو" كأساس للتفاوض. إنّه لا يقسم فلسطين التاريخية ويقطع نبع المياه الذي يزود الليطاني والأردن فحسب بل يفعل أكثر من ذلك بكثير، إنّه يحرم الوطن القومي اليهودي بعض أجود حقول الاستيطان في الجولان وحوران التي يعتمد عليها إلى حد بعيد في نجاح المشروع بأسه. ويصف وايزمان مرتفعات الجولان إنها"موطن قبيلة دان (اليهودية) الجبلي" أما دايفيد بن غوريون أول رئيس حكومة إسرائيلي فبعث في نيسان 1920 مذكرة باسم اتحاد العمل الصهيوني إلى حزب العمال البريطاني جاء فيها: "من الضروري ألا تكون مصادر المياه التي يعتمد عليها مستقبل البلاد خارج حدود الوطن القومي في المستقبل، فسهول حوران التي هي بحق جزء من البلاد يجب ألا تسلخ عنها ولذلك طالبنا دائماً بأن تشمل أرض إسرائيل الضفاف الجنوبية لنهر الليطاني وإقليم حوران من منبع اللجاه جنوب دمشق وجميع الأنهار التي تجري في المنطقة من الشرق إلى الغرب أو من الشمال إلى الجنوب، وهذا يفسّر أهمية الجليل الأعلى وحوران للبلاد في مجموعها. كذلك قال مناحيم بيغن رئيس الحكومة الإسرائيلي أثناء غزو لبنان عام 1982: بالإضافة إلى أهمية سيناء والجولان ومضائق تيران وجبال غرب الأردن بالنسبة إلى إسرائيل من الناحية الاستراتيجية، فإن هذه الماطق تقع في قلب التاريخ اليهودي. وعام 1969 قال وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق دايان: آباؤنا صنعوا الحدود التي اعترف بها قرق التقسيم عام 1947 وجيلنا وصل إلى حدود عام 1919 وجيل حرب الأيام الستة حقق الوصول إلى قناة السويس ونهر الأردن ومرتفعات الجولان.
وهذه ليست النهاية. بعد خطوط وقف إطلاق النار الحالية ستكون هناك خطوط أخرى سوف تمتد إلى ما وراء الأردن وربما إلى لبنان وسوريا الوسطى." وقال وزير العملب الإسرائيلي الإسبق إيغال ألون: أن الجولان جزء من أرض إسرائيل القديمة ليس أقل من الخليل ونابلس. الملاحظ أن الآراء الواردة أعلاه تشمل زعماء صهاينة من اليمين واليسار على السواء أي نت تكتلي العمل والليكود. عام 1949 خرقت إسرائيل الهدنة الموقعة مع سوريا في محاولة لضم أراض جديدة خصوصاً في المناطق المنزوعة السلاح. وشرؤعت عام 1950 في تنفيذ مشروع تجفيفق بحيرة الحولة وقامت بمصادرة أراضي المزارعين هناك وطردهم، مما أدى إلى فرض السيطرة العسكرية الإسرائيلية على تلك المناطق تمهيداً لضمها إلى الكيان الصهيوني. احتلّت إسرائيل هضبة الجولان عام 1967 في نهاية حرب الأيام الستة وضمّتها عام 1981. وفي تفاصيل الحرب المذكورة أنّه "في شباط 1967 أبلغ ألون إلى الكنيست الكنيست الإسرائيلي أن نسبة البطالة في إسرائيل زادت للمرة الأولى على 10 % وضغفت حركة الهجرة وفترت إلى حد ما حماسة يهود العالم لدعم إسرائيل.
وكان في تلك الظروف مجتمعة ما دعا القادة الإسرائيليين إلى التفكير في حرب استباقية قبل أن يكتمل ستعداد العرب لمواجهة لا بد منها. وفي نيسان 1967 أمر رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ليفي أشكول بفلح الأراضي المجردة من السلاح على الجبهة السورية وفتح الجيش السوري النار على المتجاوزين. وجرت معركة جوية واسعة، وأخذت التقارير تصل إلى الرئيس المصري جمال عبد الناصر أن إسرائيل تحشد قواتها على الحدود السورية. وأيّد تلك الأنباء ما أبلغه الاتحاد السوفياتي إلى الرئيس المصري فأقدمت مصر على سحب قوات الطوارئ الدولية من الصبحة وشرم الشيخ وأغلقت خليج العقبة في وجه الملاحة الإسرائيلية. في الداخل شكّلت وزارة إسرائيلية ائتلافية شملت جميع الأحزاب ما عدا الحزب الشيوعي وعيّن موشيه دايان وزيراً للدفاع. وفي صباح 5 حزيران 1967 شنّ الطيران الإسرائيلي هجوماً كثيفاً صاعقاً على المطارات المصرية وفي ستةة أيام استطاعت القوات الإسرائيلية أن تهزم الجيوش العربية على ثلاث جبهات وأن تحتل كل سيناء وقطاع غزّة وكل الضفة الغربية و1250 كيلومتراً مربعاً من هضبة الجولان. كما احتل الإسرائيليون القسم الشرقي من مدينة القدس ثم أعلنوها عاصمة موحدة لدولتهم. وبهذا تكون إسرائيل كسبت ثلاثة أضعاف مساحتها عام 1949. وعلى الجبهة السورية أدى هذا الاحتلال إلى تهجير أكثر من 150 ألف سوري من القنيطرة والجولان إلى دمشق والداخل السوري. ما اعلنه وزير الخارجية الإسرائيلية شيمون بيريز أن السيادة هي لسورية على الجولان، لايحمل برأي سوريا أي جديد إذ غنه عقب نكسة العام 1967 أقر مجلس الأمن الدولي لسوريا حقّها في هذه السيادة على أراضيها، وعندما ضمّ الكنيست الإسرائيلي الجولان، لم يعترف في اليوم الثاني مجلس الأمن بهذا الضم مؤكداً على موقفه بحق سوريا في سيادتها على أراضيها في الجولان. وسيادة سوريا على الجولان في رأي دمشق هي ممارسة سواء من الشعب السوري في الجولان الذي رفض حتى الآن كل إجراءات الضم خاصة رفضه الهوية الإسرائيلية وتمسكه بالهوية السورية ومقاومته للاحتلال. فهذا الواقع يثبت ممارسة السوريين في الجولان لحقوقهم على أرضهم، وبالتالي فإن الوطن السوري لا يزال يرتبط بوشائح العروة الوطنية ما بين الداخل السوري والجولان، خاصة وأن الدولة تعطي سكان الجولان مميزات هذا الارتباط، من خلال الموظفين المعنييت في أنحاد الدولة السورية، الذين يتقاضون رواتبهم حتى ولو كانوا في الأراضي المحتلة في الجولان عند ذويهم وأقاربهم. فضلاً عن النازحين من الجولان إلى الداخل والذين يلقون المعاملة والدعم لصمودهم. فالأمر بنظر مدمشق لم يتبدّل كثراً لكونه راسخاً في ممارسة هذه السيادة السورية التي لم تنقطع عن الجولان المحتل. بينما وضعية الاحتلال الإسرائيلي قلقة وتعكس ضمناً اعترافاً بالسيادة السورية التي على الجولان المحتل، أو تصرّفاً يعكس احتمال العودة بالجولان كاملاً إلى السيادة السورية. فالمستوطنات في الجولان غير مثبتة ، وبعض المنازل المستوطنين كأنها عربات تستعد في يوم من الأيام للرحيل، وهؤلاء المستوطنون غير منغرسين في هذه الأرض، إذ تجنبوا منذ العام 1967 إقامة مقابر يهودية على أرض الجولان. رفضت دمشق عام 1994 العروض الإسرائيلية التي حملها وزير الخارجية الأميركية والتي تمثلت باستعداد اإسرائياي للانسحاب الجزئي من منطقة مجدل شمس، وتمسكت بالانسحاب الكامل من الأراضي العربية خاصة الجولان. كما رفضت من الاقتراحاتى الأمنية، أن تبقى إسرائيل على بعض مواقعها العسكرية على أرض الجولان خاصة شبكات المراقبة والرادارات. وأيضاً رفضت أن تكون المنطقة الدولية العازلة في الجولان، منطقة معزولة عن حقها في ممارسة سيادتها الكاملة على كل الأراضي السورية في الجولان. وتمسكت سوريا بتدابير أمنية على طرفي حدود الطرفين وبالعمق المتساوي نفسه. ورفضت اعتبار إسرائيل أن مطقة الحمة في الجولان هي منطقة إسرائيلية بحجة أن ياسر عرفات اعتبرها منطقة فلسطينية فسوريا لا ترى مبرراً أمامن ما حمله وزير الخارجية الأميركية من مقترحات إسرائيلية، على هذا المستوى كي تتنازل عن حقوقها في الجولان أو أن تتنازل عن الحقوق العربية الأخرى في كل الأراضي العربية. أصدر الكنيست الإسرائيلي قراراً نهائياً قضى باعتبار الجولان جزءاً لا يتجزّأ من دولة إسرائيل . ويوم الثلاثاء 26 أقر الكنيست اقتراح قانون قدّمه كتله حزب الطريق الثالث يجعل إعادة الجولان إلى سوريا والقدس إلى الفلسطينيين أمراً أكثر صعوبة . إذ يوصي هذا القانون اقتران أيّة إعادة لأراض ضمّتها إسرائيل مثل الجولان والقدس الشرقية بموافقة الغالبية المطلقة في الكنيست ( 61 ) وان تطرح بعد ذلك على استفتاء شعبي . وقد عرض هذا القانون ثلاثة نواب من الحزب الذي هو عضو في الائتلاف الحاكم والذي يمثّل " لوبي مستوطني الجولان " . اعتمد هذا القانون بغالبية 53 صوتاً في مقابل 30 من 120 نائباً وامتنع الآخرون عن التصويت أو لم يحضروا الجلسة . وقد صوت الكثير من نواب المعارضة عليه. وقد سعى حزب الطريق الثالث إلى اعتماد النص سريعاً قبل انتخابات 17 آيار لتفادي حصول أي انسحاب بعدها . وكان وزير الدفاع الإسرائيلي السابق اسحق موردخاي ، دعا إلى تقديم تنازلات جغرافية في الجولان من أجل التوصّل إلى اتفاق سلام مع سوريا يتيح أيضاً انسحاب إسرائيل من لبنان. استقرّ في الجولان نحو 15 ألف يهودي منذ عام 1967 . يقطن الجولان حوالي 17 ألف إسرائيلي يتوزعون على حوالي 42 مستوطنة "تتوزّع في نطاقين الأول على شكل قوس يبدأ من سفوح جبل الشيخ قرب مدينة بنياس السورية، ثم يسير بمحاذاة خط وقف إطلاق النار في 1 حزيران 1967 على امتداد المحور الرئيسي إي على طريق مسعدو-القنيطرة، الرفيد، الحمّة، ويتمركز النطاق الثاني في جنوب غرب الجولان وذلك عند حدود 4 حزيران 1967 بمحاذاة الشواطئ لبحيرة طبرية… فعلى امتداد مساحتها التي تصل 476 ميلاً مربعاً يحصد الإسرائيليون محاصيل وافرة من الفواكهه المزروعة هناك وخاصة التفاح والكرز ومزارع العنب، ومن المراعي الضخمة لماشية، وهي مصدر مهم للمياه التي تحصل عليها إسرائيل من بحيرة طبرية، التي تمتد على الجانب الشمالي الشرقي في الجولان. على ضوء كل انسحاب إسرائيلي من كل أرض عربية محتلة تبرز مسألتان حيويتان: المستوطنات والموارد الاستراتيجية.
الصراع العربي الإسرائيلي بعد الحرب العالمية الثانية:
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية اعتمد الصهيونيون خطة جديدة في فلسطين ارتكزت على: تنظيم هجرة كثيفة إلى فلسطين، القيام بأعمال شغب ضد السلطة البريطانية والضغط على بريطانيا بواسطة المنظمات الصهيونية العالمية وحلفائها لفتح أبواب الهجرة إلى فلسطين. كانت الجامعة العربية قد تألّفت عام 1945، وفي العام نفسه عقد الملوك والرؤساء العرب اجتماعاً أعلنوا فيه تمسّكهم بفلسطين بلداً عربياً. بريطانيا حاولت الخروج من المأزق بإشراك الولايات المتحدة اللأميركية في القشية فتشكّلت لجنة تحقيق أنجلو-أميركية وصلت إلى فلسطين في العام 1946 وأشارت بوجوب إدخال مئة ألف صهيوني إلى البلاد على اعترافها بوجود 65 ألف مسلح صهيوني في فلسطين. كما أشارت اللجنة بالسماح ببيع الأراضي لليهود. وهكذا استمرّت الهجرة اليهودية متزامنة مع شغب يهودي عنيف لم تجرؤ بريطانيا على قمعه حفاظاً على مصالحها مع أميركا، ويذكر أن بريطانيا كانت اشترطت حل المنظمات اليهودية المسلّحة مقابل تنفيذ توصيات اللجنة، لكن رئيس الوزراء المتحدة ترومان رفض الشرط.
تقسيم فلسطين:
عام 1947 اشتد الضغط العربي إثر مؤتمر الجامعة العربية في بلودان، وفشل مؤتمر لندن في العام نفسه في إيجاد حل مقبول للقضية الفلسطينية فقرّرت بريطانيا إحالتها إلى هيئة الأمم. وعلى أثر ذلك جاءت لجنة تحقيق دولية قرّرت تقسيم البلاد إلى دولتين. واحدة عربية وأخرى يهودية، وتدويل القدس. وأعطى المشروع لليهود 55% من مساحة البلاد بينما لم يكن لهم منها سوى 7%. ناقشت الأمم المتحدة المشروع ووافقت عليه في 27 تشرين الثاني عام 1947 بأكثرية ثلثي أعضائها على الرغم من معارضة جميع الدول العربية والشرقية. وأيّدت روسيا التقسيم بشكل حاسم. استقبل اليهود قرار التقسيم بالفرح والابتهاج بينما رفضه العرب واعتبروه تحدّياً لهم، فكانت الحرب التي بدأت بهجومات شنّها اليهود منذ إعلان قرار التقسيم، إذ رفضوا تدويل القدس، فهاجموا المدن والقرى العربية. وعزم عرب فلسطين على الدفاع عن أرضهم ووطنهم فألّفوا اللجان القومية في جميع أنحاء البلاد وعقدت الجامعة العربية في لبنان اجتماعات أواخر 1947 قررت فيها تشكيل جيش الانقاذ لمساندة الفلسطينيين، إضافة إلى إمدادهم بعشرة آلاف بندقية.
حرب التقسيم:
بين أواخر تشرين الثاني 1947 وآذار 1948، ثبت عرب فلسطين أمام هجمات اليهود الذين لم يتمكّنوا من احتلال شبر واحد بالرغم من كل الوسائل التي اعتمدوها، وليس أقلّها زرع الألغام في الأماكن العامة وإدخال السيارات المفخخة إلى الأسواق والأماكن المكتظة بالمدنيين والغارات على القرى. وقد تمكّن الفلسطينيون من عزل بعض المستعمرات والسيطرة على طرق المواصلات. إزاء صمود الفلسطينيين تراجعت الولايات المتحدة عن تأييدها لقرار التقسيم وأعلنت أنّها لا توافق على تطبيقه بالقوّة. وطالبت هيئة الأمم بالبحث عن حلول جديدة للقضية، في تلك الأثناء كان الاتحاد السوفياتي يصر على تنفيذ التقسيم ويمد اليهود بالأسلحة الثقيلة التي كان لها أثر حاسم في المعركة. وشكّل تراجع الولايات المتحدة وقرب موعد مغادرة بريطانيا لفلسطين واستعداد الدول العربية لإرسال جيوشها إليها عوامل أحرجت اليهود فقرّروا فرض أمر واقع على الأمم المتحدة والدول المعنية بالمسألة. خطتهم الجديدة قضت بشن حرب شاملة على المدنيين العرب لترويعهم وحملهم على مغادرة أراضيهم، فكانت مذبحة دير ياسين في ضواحي القدس. ثم سقوط مدينة حيفا بعد إخلاء البريطانيين لها فجأة وانقضاض اليهود على سكانها في 22 نيسان 1948. وبعد قتال عنيف استمر 30 ساعة تمكّن اليهود من إخلائها عبر دفع السكان إلى البحر، فغرق من غرق ولجأ الباقون إلى الساحل اللبناني.
حرب 1948
في 15 آيار 1948، أعلن اليهود قيام دولة إسرائيل فاعترفت بها الولايات المتحدة على الفور وكذلك الاتحاد السوفياتي. وفي اليوم التالي بدأت الحرب النظامية بين العرب وإسرائيل. بناءً على خطّة مرسومة تقدّمت الجيوش العربية باتجاه فلسطين، فكانت فترة من القتال امتدّت من 15 آيار إلى 11 حزيران تقدّم خلالها العرب على النحو الآتي: في الجبهة المصرية، احتلّ الجيش المصري غزّة وتقدّم إلى أسدود على بعد 20 كلم من تل أبيب ثمّ توغّل شرقاً باتجاه الخليل، ففصل النقب عن الخليل واحتل ثلاث مستعمرات محصّنة، كما تقدّمت وحدات منه وتمركزت جنوبي القدس - على الجبهة الأردنية، دخلت وحدات ضواحي القدس الشمالية واحتلّت الحي اليهودي داخل القدس القديمة كما احتلّت اللد والرملة - على الجبهة العراقية، احتلّت القوّات العراقية المنطقة الوسطى الممتدّة من نهر الأردن شرقاً إلى جنين وطول كرم غرباً وقلقيلية جنوباً. القوات السورية احتلّت بدورها مدينة سمخ والمستعمرات المجاورة لها، وتوغّلت داخل الحدود اليهودية لتشرف على الطريق المؤدّي إلى المطلّة - أمّا على الجبهة اللبنانية، فقد دخل الجيش اللبناني منطقة الجليل الأعلى وثبتت وحداته أمام هجوم مدرّع على الحدود منزلاً بالقوّات اليهودية خسائر فادحة. صعق الهجوم العربي اليهود فاتجهوا إلى الأمم المتحدة شاكين، وتعرّض العرب لضغوط من الدول الكبرى لحملهم على قبول الهدنة لقاء وعد بإرسال وسيط دولي هو الكونت برنادوت لحل المشكلة، فوافقوا على هدنة شهر واحد استغلّها اليهود لجلب الأسلحة من الاتحاد السوفياتي. بين 9 و 18 تموز، شنّ اليهود هجوماً على مدينتي اللد والرملة مستخدمين لواءين مدرّعين، فاحتلّوهما وطردوا السكان وشنّوا هجوماً على القوات السورية في مشمار هايردن، لكنّها ثبتت وأنزلت بهم خسائر كبيرة. أمّا على الجبهة اللبنانية فقد توغّلت القوات داخل الجليل واحتلّت الناصرة. ومن جديد ضغطت الدول على العرب لقبول الهدنة التي استمرّت من 18 تموز إلى 15 تشرين الأول، وخلالها جلب اليهود المزيد من الأسلحة من الاتحاد السوفياتي. وعندما شعروا بتفوّقهم شنّوا هجوماً جديداً بعد أن كانوا اغتالوا الكونت برنادوت لأنّه اقترح حلاً اعتبروه لمصلحة العرب. فشل اليهود في هجومات قتالية في اختراق الجبهة المصرية، غير أنّهم تمكّنوا منها بعد اغتيال رئيس وزراء مصر وحصول اضطرابات في البلاد، كما تمكّنوا من إجلاء جيش الانقاذ عن فلسطين والدخول إلى أراضٍ لبنانية متاخمة للحدود. على الأثر عقدت اتفاقيات هدنة بين الدول العربية (باستثناء العراق) وإسرائيل، ودخل الصراع العربي الإسرائيلي مراحل أخرى.
الصراع العربي الإسرائيلي بعد 1948:
منذ العام 1949 إلى يومنا هذا، أكثر من خمسين عاماً شهدت المنطقة خلالها حروباُ ومفاوضات، فشلت جميعها في إيجاد حلّ للصراع العربي الإسرائيلي، وأصدرت الأمم المتحدة سلسلة من القرارات ظلّت كلّها حبراً على ورق، أمّ أو ربّما أقل من حبر ع بالنسبة لإسرائيل . هنا عودة إلى المفاصل الأساسية حرباً وتفاوضاً. مطلع الخمسينيات انسحب بن غوريون من العمل السياسي وذهب ليعيش مع المستوطنين في إحدى المستعمرات، وهو كان يرى في المستعمرات دعامة إسرائيل، لكنّ انسحابه من الحياة السياسية لم يكن إلا ظاهرياً بحيث استمرّ في التخطيط وإعطاء الأوامر، وكان رئيس الوزراء موسى شاريت يحاول إرسال إشارات إيجابية إلى عبد الناصر رئيس مصر، فشاريت رأى أن التفاوض مع العرب هو وسيلة إسرائيل الوحيدة للعيش بسلام. في ذلك الوقت كان وزير الدفاع في الحكومة الإسرائيلية نافوت ورئيس أركان الجيش موشي دايان يعملان على خط آخر مع بن غوريون. في أواخر 1953، استغلّ هذا الأخير (بن غوريون) حصول عملية فدائية انطلقت من قرية أردنية وأدّت إلى مقتل امرأة وطفليهيا ، لتنفيذ مجزرة في القرية. حيث كانت الأوامر تقضي بالوصول ونسف أكبر عدد من الأبنية وقتل أكبر عدد ممكن من السكان. وهكذا دفنت في 13 تشرين الثاني 1953 عائلات بأكملها تحت أنقاض المباني التي دمّرتها المدفعية الإسرائيلية. لم تؤدٍّ هذه العملية إلى حرب ، لكنّها كانت إشارة تأكّدت دلالتها في ما بعد، فرئيس وزراء إسرائيل شاريت لم يكن على علم بها وكشف ذلك لعبد الناصر عبر وسيط. وسوف يتّضح لرئيس مصر بعد وقت غير طويل أن المعتدلين غير قادرين على حكم إسرائيل، فهؤلاء إمّا أن يتعرّضوا لمؤامرات الداخل التي تقضي على مساعيهم السلمية كما حصل مع شاريت نفسه، وإما أن يتم اغتيالهم كما حصل مع إسحق رابين في ما بعد.
حرب السويس:
في تموز 1954، أعلنت بريطانيا نيتها الانسحاب من قناة السويس. شعر اليهود أنّهم سيصبحون معرضين للمواجهات مع المصريين، فطانت خطّة أخرى من المتطرفين وجهت ضربة قاسية لمساعي شاريت. فقد وضع وزير الدفاع الإسرائيلي بالتنسيق مع رئيس مخابراته خطّة تقضي بزعزعة الوضع الداخلي في مصر، من خلال وضع قنابل ومتفجّرات في الأماكن العامة، وقد استخدم يهود موجودين في مصر لهذه الغاية. لم تلبث الأجهزة المصرية أن اكتشفت الخطة واعتقلت عدداً من المتورّطين. حاول شاريت مجدّداً تبرير موقفه نافياً علمه بالمؤامرة. لكن عبد الناصر فقد الثقة واعدم اثنين وحكم على آخرين بالسجن، ويومها قال: المعتدلون غير قادرين على حكم إسرائيل. وفي شباط 1955 عاد بن غوريون رئيساً للوزراء في إسرائيل، وفي تلك الأثناء كان عبد الناصر قد بدأ التعاون مع الاتحاد السوفياتي لتحديث الجيش المصري وتجهيزه. إسرائيل طلبت من واشنطن تزويدها بطائرات حربية ونفذت عملية ضد قوات سورية، وكان هدفها افتعال حرب قبل أن تتمكّن مصر من إعادة بناء جيشها. عام 1956 أعلن الرئيس جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس، فكانت مناسبة استغلّتها إسرائيل بعد أن أقنعت بريطانيا وفرنسا بذلك، إذ شنّت هجوماً على مصر تبعه آخر بريطاني-فرنسي، حرب السويس جعلت من إسرائيل قوة إقليمية في المنطقة. وبطلب من واشنطن وموسكو تمّ إقرار وقف إطلاق النار.
حرب حزيران 1967:
خلال عقد من السنوات امتدّ بين 1956 و1966 لم يظهر في الأفق ما يشير إلى إمكان قيام حل سلمي بين العرب وإسرائيل. وفي نيسان 1966 وقع اشتباك على الحدود السورية-الإسرائيلية بين قوات سورية وجموعة من المستوطنين، فردّت إسرائيل باستخدام المدافع والدبابات والطائرات. وقال رئيس وزراء إسرائيل ليفي أشكول: لا بد للدول الأجنبية الصديقة أن تتفهّم الوضع. كانت بداية حرب جديدة، حرب 1967، التي أظهرت فعلاً تفهّم العالم لإسرائيل وتغاضيه عن أعمالها. في الداخل شكّلت وزارة إسرائيلية ائتلافية شملت جميع الأحزاب ما عدا الحزب الشيوعي وعيّن موشيه دايان وزيراً للدفاع. وفي صباح 5 حزيران 1967 شنّ الطيران الإسرائيلي هجوماً كثيفاً صاعقاً على المطارات المصرية وفي ستة أيام استطاعت القوات الإسرائيلية أن تهزم الجيوش العربية على ثلاث جبهات وأن تحتل كل سيناء وقطاع غزّة وكل الضفة الغربية و1250 كيلومتراً مربعاً من هضبة الجولان. كما احتل الإسرائيليون القسم الشرقي من مدينة القدس ثم أعلنوها عاصمة موحدة لدولتهم. وبهذا تكون إسرائيل كسبت ثلاثة أضعاف مساحتها عام 1949. وعلى الجبهة السورية أدى هذا الاحتلال إلى تهجير أكثر من 150 ألف سوري من القنيطرة والجولان إلى دمشق والداخل السوري. ففي 5 حزيران 1967 شنّت 180 طائرة حربية إسرائيلية هجوماً واسعاً على مصر دمّر القواعد الجوية المصرية، وانسحب المصريون إلى غرب قناة السويس. على الجبهة الأردنية ردّ الملك حسين الذي كان قد وقّع معاهدة دفاع مشترك مع مصر (في 30 آيار أي قبل نشوب الحرب ببضعة أيام) لاقصف على طول الحدود. الجبهة الثالثة كانت الجبهة السورية حيث هاجم الطيران الإسرائيلي مرتفعات الجولان وأسقط عليها من النيران خلال 12 ساعة أكثر مما استخدمه في قصف القواعد الجوية المصرية. نتيجة حرب 1967 كانت خسارة مزيد من الأراضي: مصر خسرت صحراء سيناء وقطاع غزّة، سوريا خسرت الجولان وخسر الأردن الضفّة الغربية والقدس الشرقية، إلى ذلك نزح من جديد عدد كبير من الفلسطينيين. بالتنسيق بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي تمّ التوصّل إلى مسودّة قرار يقضي بالانسحاب الإسرائيلي من الأراضي التي احتلّتها إسرائيل مقابل الاعتراف بحقّها في الوجود. إسرائيل عرضت إعادة الجولان وسيناء بينما أعلنت رفضها أي قرار يدعو إلى الانسحاب من القدس والضفة الغربية ورفض عبد الناصر الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود.
حرب تشرين 1973:
بناء على مبادرة مصرية عرض بموجبها الرئيس السادات السلام مقابل عودة إسرائيل إلى ما قبل حدود 1967، جاء إلى المنطقة جوزف سيسكو موفداً من واشنطن وحاول إقناع رئيسة وزراء إسرائيل غولدا مائير بقبول المبادرة المصؤرية. لكنّها رفضت إعادة الأراضي التي احتلّتها إسرائيل. اقتنع السادات بعد فشل المساعي الأميركية بأن ليس أمامه سوى خيار واحد لاستعادة الأراضي: الحرب. وقال: نحن قادمون على معركة ولن نتراجع. عرض الرئيس المصري أنور السادات على الرئيس السوري حافظ الأسد تحالفاً لشن هجوم مشترك على إسرائيل. ومن خلال تنسيق سرّي جرى إعداد الخطة، على أن يتقدّم المصريون باتّجاه سيناء والسوريون باتجاه الجولان. وفي السادس من تشرين الأول 1973 تقدّم المصريون والسوريون. على الجبهة المصرية تقدّم الجيش المصري باتجاه سيناء، فدحر القوات الإسرائيلية وتقدّم 12 كلم قبل أن يتوقّف. أما على الجبهة السورية حيث كان الهجوم مفاجئاً لإسرائيل، فقد تقدّم الجيش السوري وأحرز انتصاراً. في اليوم الرابع للهجوم، عادت الأمور لتسير لصالح الإسرائيليين، وانتهت الحرب بوقف لإطلاق النار أقرّه مجلس الأمن في القرار 338 الذي قبلت به مصر وسوريا. وفي 23 حزيران اندلع القتال مجدّداً إذ تقدّم الإسرائيليون على الجبهة المصرية، وانتهت المواجهات بوقف جديد لإطلاق النار.
من الحرب إلى المفاوضات:
عام 1978 شهد تحولاً حاسماً في مسار الصراع العربي الإسرائيلي إذ تمّ في ذلك العام توقيع اتفاقية كمب دايفيد بين السادات ومناحيم بغن رئيس وزراء إسرائيل. وبذلك انهار الموقف العربي الموحّد حيال المسألة الفلسطينية، وأصبحت مصر أول دولة عربية تقيم سلاماً مع إسرائيل وتعترف بحقّها في الوجود. مطالب مصر كانت في الأساس، تراجع إسرائيل عن الأراضي التي احتلّتها على الجبهات كافة، المصرية، السورية، الأردنية والفلسطينية، وإزاء تصلّب الإسرائيليين، أصبحت هذه المطالب محصورة في نقطتين: عودة سيناء وإقامة دولة فلسطينية في الضفة وقطاع غزّة عاصمتها القدس. أما ما تحصّل فعلاً خلال كمب دائفيد، فلم يكن سوى استعادة سيناء وبثمن كبير.
فقد كان كمب دايفيد فاتحة لمفاوضات عقيمة على مسارات ثنائية جرت في ما بعد ولم تؤدّ في مجملها إلا إلى مزيد من خيبات الأمل المريرة، من أوسلو إلى الاتفاق الأردني – الإسرائيلي مروراً بمؤتمر مدريد الذي عقد تحت عناوين كبيرة متفائلة ولم يخرج عن هذا الإطار. مطلع العام 1988 وافق رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات على استراتيجية جديدة: التخلّي عن المطالب بكامل فلسطين والقبول باستعادة الضفة والقطاع والاعتراف بقراري مجلس الأمن 242 و338. وبعد فترة غير طويلة وافق قادة المنظمة الآخرون على هذا الطرح الذي رفضته فصائل أخرى من المقاومة. لكن هذا الطرح لم يشكّل أرضية كافية لانطلاق المفاوضات مع إسرائيل برعاية أميركية، إذ اشترط الأميركيون أن يعلن عرفات تخلّي عن الإرهاب. وهذا ما حصل، فكان ذلك خطوة نحو المفاوضات المتعدّدة الأطراف غير أن رئيس الو وزراء إسرائيل إسحق شامير لم يظهر مواقف إيجابية. تأخرت المفاوضات إلى أن عقد مؤتمر مدريد للسلام على أثر انتهاء حرب الخليج بإخراج القوات العراقية من الكويت أواخر العام 1990 وإعلان رئيس جمهورية أميركا جورج بوش أنّه قد آن الأوان لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي. مساعي بوش لعقد مؤتمر للسلام اصطدمت بعقبات يضعها إسحق شامير وبيكر الذي أتى إلى الشرق الأوسط موفداً من بوش واجهته إسرائيل بورقة المستوطنات. فكلّما أعلن في واشنطن عن زيارة لبيكر إلى المنطقة، أعلنت إسرائيل عن بناء مستوطنات جديدة. قبلت سوريا بالمشاركة في مؤتمر السلام وكذلك فلسطينيو الداخل الذين وافق عرفات على مشاركتهم، وظلّت العقدة في إسرائيل. شامير طلب من الميركيين ضمان قرض قيمته 10 مليارات دولار للمساعدة في استيعاب المهاجرين اليهود من الاتحاد السوفياتي. وعندما لم ينجح الأميركيون في إقناعه بصرف النظر عن بناء المزيد من المستوطنات ، أجّلوا القرض. من جديد لعب الإسرائيليون ورقة أصوات الناخبين اليهود في الولايات المتحدة. تصدّى بوش للمنظمات اليهودية التي تشكّل مجموعات ضغط وهدّد باستعمال حقّه بالنقض إذا لزم الأمر من أجل عدم إعاقة فرصة السلام. إزاء هذا الواقع وافق شامير على حضور مؤتمر مدريد الذي شارك فيه إلى العرب والإسرائيليين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. وعلى الرغم من كل الآمال والجهود، لم يحقّق مؤتمر مدريد غايته بسبب عدم استعداد إسرائيل لتقديم أي تنازل حقيقي في سبيل إقرار سلام عادل وشامل. وظلّ الجمود مسيطراً إلى أن تغيّرت حكومة وأتى إسحق رابين خلفاً لشامير على رأس الحكومة الإسرائيلية في حزيران 1993. تابعت حكومة رابين المفاوضات على المسار الفلسطيني، غير أن المسارين اللبناني والسوري ظلاّ عصيين على الاتفاقات الثنائية بعيداً عن حل عادل وشامل يعالج المسائل كافة.
محطّات التسوية:
شكّل اتفاق أوسلو نقطة الانطلاق في السلام الإسرائيلي الفلسطيني، غير أنّه منذ العام 1993 وحتى اليوم، ظلّت المفاوضات الأساسية عالقة من دون حل أو بداية حل: مسألة الحدود النهائية للدولة الفلسطينية الموعودة، مسألة اللاجئين، وضع القدس القانوني ومستقبل المستوطنات. غير أن القدس تبقى الموضوع الكثر تعقيداً وحساسية. أبرز محطات التسوية على المسار الفلسطيني منذ عام 1993: 13 أيلول 1993: تصافح رابين وعرفات في البيت الأبيض، وتعهّد الإسرائيليون بالانسحاب من غزّة وأريحا قبل 14 كانون الأول من العام نفسه، وإرساء حكم ذاتي فلسطيني في مناطق الانسحاب - 4 آيار 1994، وبرعاية الرئيس حسني مبارك، التقى عرفات ورابين مرّة أخرى في القاهرة، لمناقشة آلية تطبيق اتفاق أوسلو بعد أن تأخّر الانسحاب الذي تعهّد به الإسرائيليون. التفاهم الجديد قضى بإعطاء صلاحيات محدودة للسلطة الفلسطينية الجديدة، ومهلة خمس سنوات انتقالية قبل التوصّل إلى حل نهائي. - أوّل تموز 1994، وبعد 27 سنة من النفي القسري والرتحال وصل ياسر عرفات إلى غزّة واختار له مسكناً فيها. ورافقت عرفات بضعة آلاف من الكادرات الفلسطينية - 28 أيلول 1995، وقّع عرفات ورابين اتفاقاً جديداً حول توسيع رقعة الحكم الذاتي في الضفة الغربية، وحذف المجلس الفلسطيني من ميثاقه كل العبارات التي تقول بتدمير إسرائيل لكن توسيع الرقعة لم ينفّذ - 4 تشرين الثاني 1995، أحد الشبان اليهود المتطرفين يغتال إسحق رابين - 20 كانون الثاني 1996، جرت أول انتخابات تشريعية في الأراضي الفلسطينية حصل ياسر عرفات ورفاقه على ثلثي المقاعد - 15 كانون الثاني 1997، وفي أعقاب انتخاب نتنياهة عاد الاستيطان اليهودي إلى سابق عهده وعمّت الأراضي الفلسطينية موجة غضب واحتجاج. ولامتصاص النقمة عمد نتنياهو إلى توقيع اتفاق جديد في الخليل وتحديد موعد جديد هو 4 آيار 1999 لإنهاء مفاوضات الوضع النهائي - 23 تشرين الأول 1998، تفاهم عرفات ونتنياهو على مرحلة جديدة للانسحابات تقضي بإخلاء 13 في المئة من أراضي الضفة، على أن تمارس السلطة الفلسطينية منفردة سيادتها على 1 في المئة من هذه الأراضي ةتخضع ال12 في المئة الباقية لسيادة مشتركة. مقابل هذا التعهد التزم عرفات بوقف أعمال العنف ومناهضة المتطرفين . لكن الاتفاق لم ير النور - 5 أيلول 1999، عاد الحوار بين الفلسطينيين والإسرائيليين بعد فوز إيهودا باراك في الانتخابات، ووضعت روزنامة جديدة للانسحابات الإسرائيلية ةفتح المعار بين الضفة وغزة وإطلاق السجناء الفلسطينيين.كما قضت الروزنامة بتسوية كل القضايا العالقة في موعد أقصاه 13 أيلول 2000، واستئناف المفاوضات من أجل وضع حل نهائي لحالة العداء - 11 تموز 2000 وبطلب من بيل كلينتون تمت اجتماعات كمب دايفيد الثاني، وتبين من المناقشات أن روزنامة باراك ليست سوى كذبة، وبعد 14 يوماً أخفق الاجتماع في صياغة أي حل مقبول من الفلسطينيين - 10 أيلول 2000، أعلن المجلس المركزي الفلسطيني برئاسة عرفات إرجاء موعد إعلان الدولة الفلسطينية وتجاوباً مع المسعى الأميركي الجديد تمت لقاءات جديدة في واشنطن كانت نتيجتها كسابقاتها - 28 أيلول 2000، آرييل شارون يقوم بزيارة استفزازية إلى المسجد الأقصى إمعاناً في التأكيد على أن إسرائيل لن تتخلّى عن القدس، فكانت انتفاضة الأقصى التي سعت إسرائيل منذ اندلاعها إلى محاربتها بكل أساليب العنف حتى وصل بها الأمر إلى استعمال الطوافات العسكرية.
إسرائيل بالأرقام:
مطلع العام 1900 كان قد أصبح لليهود في فلسطين 22 مستعمرة. بلغ عدد السكان عام 1996 5,7 مليون نسمة. 80,8%يهود، 835000 مسلم يشكلون 41,6% و166000 مسيحي أي نسبة 2,9% و9500 درزي أي 1,7%. يسكن هضبة الجولان 17000 عربي. وصل إلى إسرائيل سنة 1996 746500 مهاجر. شهدت إسرائيل عام 1989 موجة هجرة كثيفة. سنة 1996 استقبلت إسرائيل 70500 مهاجر يهودي. 5800 من الاتحاد السوفياتي أو مجموعة الدول المستقلة أي 68% من مجموع المهاجرين، 4300 من أوروبا و2800 من شمالي أميركا.
إسرائيل والقدس :
القرار 252 الصادر عن مجلس الأمن الدولي هو قرار خاص بالقدس ، يفرض عدم إجراء أي تغيير في وضع المدينة. أعلن الاتحاد الأوروبي أنه لا يعترف بسيادة إسرائيل على أي جزء من القدس. إسرائيل تعتبر القدس الوحدة عاصمة أسرائيل الأبدية. الأسرة الدولية لم تعلن حتى الآن اعترافاً قانونياً بسيادة إسرائيل على القدس، بما فيها الشطر الغربي. اعترضت إسرائيل على عقد اجتماع لسفراء الاتحاد الأوروبي في "بيت الشرق" في القدس الشرقية مما أدى إلى إلغاء الاجتماع. استولت إسرائيل على القدس الغربية عام 1948 وشكّلت حينها أكثر من 66 في المئة من أراضي المدينة. أمّا القدس الشرقية والتي يطالب الفلسطينيون بانسحاب إسرائيل منها فهي لا تشكّل سوى 33 في المئة أو ثلث أراضي القدس لعام 1948. قرار تقسيم القدس رقم 181 تاريخ 29 / 11 / 1947 أوصى بتقسيم القدس إلى منطقة منفصلة بين الدولتين اليهودية والعبرية وتخضع لنظام دولي خاص زتديرها الأمم المتحدة بواسطة مجلس وصاية, وقد أكّدت قرارات لاحقة للأمم المتحدة منها القرا 194 تاريخ 11/12/1948 تدويل القدس. دول قليلة غير فاعلة فتحت لها في القدس الغربية سفارات. ظلّ موضوع القدس عالقاً حتى بعد توقيع اتفاق أوسلو الذي نصّ على حسم وضع المدينة في المفاوضات النهائية التي كان يفترض أن تبدأ في 4 آيار 1996. فور احتلالها للقدس ، قامت إسرائيل بضم المدينة وفقاً للقانون الإسرائيلي وعملت جاهدة على مصادرة الأراضي العربية الفلسطينية . أصدر الكنيست الإسرائيلي قراراً نهائياً قضى باعتبار القدس جزءاً لا يتجزّأ من دولة إسرائيل. ضمّت إسرائيل القدس الشرقية عام 1967 وأعلنتها عاصمتها الموحّدة. لكنّ معظم الدول تمتنع عن الاعتراف بوضعها إلى أن يتحقّق السلام الكامل في الشرق الأوسط. في القدس سفارتان فقط (كوستاريكا والسلفادور). أقرّ الكنيست الإسرائيلي اقتراح قانون قدّمته كتلة حزب الطريق الثالث يوم الثلاثاء 26 كانون الثاني يوصي أن تقترن أية إعادة لأراض ضمّتها الدولة العبرية مثل الجولان السوري والقدس الشرقية بموافقة الغالبية المطلقة في الكنيست ( 61 نائباً ) وان تطرح بعد ذلك على استفتاء شعبي. "الفلسطينيون اعتبروا أن القدس تشكّل الخط الحمر بالنسبة لهم بينما حذّرت إسرائيل بنسف المفاوضات إذا أصرّت المواقف الفلسطينية على إخضاع القدس للولاية الجغرافية للسلطة الفلسطينية التي ستقوم في الأراضي المحتلة. وحاول الإسرائيليون مقايضة القدس بالتخلّي عن غزّة أولاً ورفض الفلسطينيون.
سكان القدس
كانت تضم القدس مساحة 70 كلم مربع ، صودر منها 80% من مساحتها وأقيم 15 مستوطنة يهودية وأدخل 170000 مستوطن يهودي وتم إسكانهم في هذه المستوطنات . ثم عمدت إلى الحد من زيادة السكان العرب في القدس . فمنذ سنة 1967 لم تسمح ببناء أكثر من 500 بيت وأصدرت أوامر الهدم فهدمت بيوتاً عديدة ومنعت البناء لأكثر من طابقين ، فرضت ضرائب باهظة على مساكن وخلقت أزمة سكنية حادة . ففضل الفلسطينيون شراء المساكن في الضفة الغربية ، فعمدت عندها إلى سلب هؤلاء المتزوّجين هوياتهم الإسرائيلية ومُنعوا من العودة إلى القدس بحجّة أنّهم يسكنون خارج القدس . عدد اليهود في القدس الشرقية يزيد عن عدد الفلسطينيين . عدد الفلسطينيين في المدينة ارتفع رغم الإجراءات الإسرائيلية الصارمة للحد من عددهم من طريق سحب الهويات ومنعهم من دخول المدينة. وبلغ عدد المقدسيين الذين يعيشون في المدينة 233 ألفاً، في حين أن 40 ألف فلسطيني ينتظرون السماح لهم بالعودة إلى المدينة. وكانت السلطات الإسرائيلية سحبت هويات 2200 مقدسي في الأعوام الثلاثة الماضية. وإذا كان عدد الفلسطينيين في المدينة ككل قد وصل إلى 33 في المئة من إجمالي عدد السكان، فهي نسبة مرشحة للارتفاع كما حدث في الأعوام الماضية رغم موجات الاستيطان.
مسجد الأقصى:
تمسّكت القاهرة بإطار الشرعية الدولية لحل قضية المدينة من خلال معادلة عاصمتين لدولتين. في حين أن الرئيس الأميركي اقترح أربعة أنواع من السيادة على الحرم الشريف، الأولى فلسطينية على المسجد الأقصى ومسجد الحرم، والثانية إسرائيلية على حائط البراق، والثالثة فلسطينية فيباحة الحرم بوجود رمزي إسرائيلي، والرابعة إسرائيلية في الأنفاق التي تمر تحت المسجد الأقصى بوجود رمزي فلسطيني.
هيكل أورشليم:
عام 586 ق.م. تم تدمير أول هيكل يهودي على يد البابليين وعام 70 ب.م. دمّر الهيكل الثاني على يد الرومان.
إسرائيل والضفة الغربية :
إحتلّت إسرائيل الضفة الغربية سنة 1967 . أمّا قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242 فقد صدر في 22 / 11 / 1967 ونصّ على تسوية النزاع العربي ـ الإسرائيلي . بينما القرار رقم 252 الخاص بمدينة القدس فهو يفرض عدم إجراء أي تغيير في وضع المدينة .
إسرائيل والجولان :
في الزاوية الجغرافية بين شمال فلسطين وجنوب سوريا ولبنان وبمحاذاة السفوح الجنوبية لجبل الشيخ، تقع مرتفعات الجولان السورية التي تعلو عن سطح البحر بين 950 متراً و1300 متر. وتشرف تلالها على شمال فلسطين وسهولها بالقرب من مدينة حيفا، كما تشرف على بحيرة طبريا وبحيرة الحولة في فلسطين المحتلة، وتطل جنوباً على نهر اليرموك المحاذي للحدود السورية-الأردنية.
ويؤكد المؤرخون والعلماء العرب، أمثال الأدريسي وياقوت الحموي والقلقشندي وسواهم، أن مرتفعات الجولان كانت تنقسم منطقتين، الأولى بانياس والثانية مركزها القنيطرة، وأن سكانها عرب أقحاح من الغساسنة والضجاغمة وكان لهم دور في مواجهة الروم أثناء الفتح العربي الإسلامي، وفي إحدى قرى الجولان القديمة "الجابية" وقف الخليفة عمر بن الخطاب مخاطباً المسلمين قبل توجهه إلى بيت المقدس، وبقيت "الجابية" مركز لقاء واجتماعات المسلمين.
ظلّ الجولان ملتقى الطرق التجارية بالقرب من الأماكن المقدّسة وشهد مواجهات عسكرية مع الصليبيين الذين كانت قاعدتهم طبريا. وبعد انتهاء الحكم العثماني غدا الجولان إحدى المحافظات السورية وظلّت عشائره تنتقل من دون حواجز بين سوريا وفلسطين قبل عام 1948 وبعد قيام إسرائيل تحوّل الجولان منطقة الصدام العسكري بين سوريا والإسرائيليين.
في 29 تشرين الثاني 1919 وجّه الزعيم الصهيوني حاييم وايزمان رسالة إلى رئيس وزراء بريطانيا لويد جورج، جاء فيها:"تود المنظمة الصهيونية أن تتوجّه إليك في موضوع يسبّب لها أعمق القلق" إلا أنّه مسألة حدود فلسطين الشمالية. لقد وضعت المنظمة الصهيوينة منذ البداية الحد الدنى من المطالب الأساسية لتحقيق الوطن القومي اليهودي، ولا داعي إلى القول أن الصهاينة لن يقبلوا في أي ظرف خط "سايكس بيكو" كأساس للتفاوض. إنّه لا يقسم فلسطين التاريخية ويقطع نبع المياه الذي يزود الليطاني والأردن فحسب بل يفعل أكثر من ذلك بكثير، إنّه يحرم الوطن القومي اليهودي بعض أجود حقول الاستيطان في الجولان وحوران التي يعتمد عليها إلى حد بعيد في نجاح المشروع بأسه.
ويصف وايزمان مرتفعات الجولان إنها"موطن قبيلة دان (اليهودية) الجبلي" أما دايفيد بن غوريون أول رئيس حكومة إسرائيلي فبعث في نيسان 1920 مذكرة باسم اتحاد العمل الصهيوني إلى حزب العمال البريطاني جاء فيها: "من الضروري ألا تكون مصادر المياه التي يعتمد عليها مستقبل البلاد خارج حدود الوطن القومي في المستقبل، فسهول حوران التي هي بحق جزء من البلاد يجب ألا تسلخ عنها ولذلك طالبنا دائماً بأن تشمل أرض إسرائيل الضفاف الجنوبية لنهر الليطاني وإقليم حوران من منبع اللجاه جنوب دمشق وجميع الأنهار التي تجري في المنطقة من الشرق إلى الغرب أو من الشمال إلى الجنوب، وهذا يفسّر أهمية الجليل الأعلى وحوران للبلاد في مجموعها.
كذلك قال مناحيم بيغن رئيس الحكومة الإسرائيلي أثناء غزو لبنان عام 1982: بالإضافة إلى أهمية سيناء والجولان ومضائق تيران وجبال غرب الأردن بالنسبة إلى إسرائيل من الناحية الاستراتيجية، فإن هذه الماطق تقع في قلب التاريخ اليهودي.
وعام 1969 قال وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق دايان: آباؤنا صنعوا الحدود التي اعترف بها قرق التقسيم عام 1947 وجيلنا وصل إلى حدود عام 1919 وجيل حرب الأيام الستة حقق الوصول إلى قناة السويس ونهر الأردن ومرتفعات الجولان. وهذه ليست النهاية. بعد خطوط وقف إطلاق النار الحالية ستكون هناك خطوط أخرى سوف تمتد إلى ما وراء الأردن وربما إلى لبنان وسوريا الوسطى." وقال وزير العملب الإسرائيلي الإسبق إيغال ألون: أن الجولان جزء من أرض إسرائيل القديمة ليس أقل من الخليل ونابلس.
الملاحظ أن الآراء الواردة أعلاه تشمل زعماء صهاينة من اليمين واليسار على السواء أي نت تكتلي العمل والليكود.
عام 1949 خرقت إسرائيل الهدنة الموقعة مع سوريا في محاولة لضم أراض جديدة خصوصاً في المناطق المنزوعة السلاح. وشرعت عام 1950 في تنفيذ مشروع تجفيفق بحيرة الحولة وقامت بمصادرة أراضي المزارعين هناك وطردهم، مما أدى إلى فرض السيطرة العسكرية الإسرائيلية على تلك المناطق تمهيداً لضمها إلى الكيان الصهيوني.
احتلّت إسرائيل هضبة الجولان عام 1967 في نهاية حرب الأيام الستة وضمّتها عام 1981. وفي تفاصيل الحرب المذكورة أنّه "في شباط 1967 أبلغ ألون إلى الكنيست الكنيست الإسرائيلي أن نسبة البطالة في إسرائيل زادت للمرة الأولى على 10 % وضغفت حركة الهجرة وفترت إلى حد ما حماسة يهود العالم لدعم إسرائيل. وكان في تلك الظروف مجتمعة ما دعا القادة الإسرائيليين إلى التفكير في حرب استباقية قبل أن يكتمل ستعداد العرب لمواجهة لا بد منها.
وفي نيسان 1967 أمر رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ليفي أشكول بفلح الأراضي المجردة من السلاح على الجبهة السورية وفتح الجيش السوري النار على المتجاوزين. وجرت معركة جوية واسعة، وأخذت التقارير تصل إلى الرئيس المصري جمال عبد الناصر أن إسرائيل تحشد قواتها على الحدود السورية. وأيّد تلك الأنباء ما أبلغه الاتحاد السوفياتي إلى الرئيس المصري فأقدمت مصر على سحب قوات الطوارئ الدولية من الصبحة وشرم الشيخ وأغلقت خليج العقبة في وجه الملاحة الإسرائيلية.
في الداخل شكّلت وزارة إسرائيلية ائتلافية شملت جميع الأحزاب ما عدا الحزب الشيوعي وعيّن موشيه دايان وزيراً للدفاع. وفي صباح 5 حزيران 1967 شنّ الطيران الإسرائيلي هجوماً كثيفاً صاعقاً على المطارات المصرية وفي ستةة أيام استطاعت القوات الإسرائيلية أن تهزم الجيوش العربية على ثلاث جبهات وأن تحتل كل سيناء وقطاع غزّة وكل الضفة الغربية و1250 كيلومتراً مربعاً من هضبة الجولان. كما احتل الإسرائيليون القسم الشرقي من مدينة القدس ثم أعلنوها عاصمة موحدة لدولتهم. وبهذا تكون إسرائيل كسبت ثلاثة أضعاف مساحتها عام 1949. وعلى الجبهة السورية أدى هذا الاحتلال إلى تهجير أكثر من 150 ألف سوري من القنيطرة والجولان إلى دمشق والداخل السوري.
عقب هذه الحرب أصدر مجلس الأمن الدولي القرار الرقم 242 الذي أصبح مشهوراً باعتباره الحل الدولي المطروح والنص الأساسي لكل محاولات التسوية. ومنذ ذلك الحين دأب الإسرائيليون على تغيير المعالم الجغرافية والاجتماعية والسياسية لأرض الجولان وشعبه تمهيداً لضمّه، وبدأوا بشق الطرق وإقامة المستوطنات والمراكز والتحصينات العسكرية. وإثر ذلك قال ألون: "إنّ وجود إسرائيل الدائم في الجولان وسيلة لا يمكن الاستعاضة عنها لضمان أمننا في الجليل ووادي الأردن." وتحت ستار الأمن بنى الإسرائيليون المستوطنات واستقدموا اليهود واستغلّوا المياه والأراضي الزراعية وبنوا نقطة للمراقبة العسكرية على جبل الشيخ وأقاموا فيه كنيساً. ومنذ عام 1969 اتّسع التغلغل الإسرائيلي وامتد إلى عمق الجولان وصولاً إلى القرى فجرى بناء ضاحية يهودية في مجدل شمس وأنشئت قاعدة عسكرية جوية على بعد 40 كيلومتراً عن دمشق في المرتفعات، وعمدت القوات الإسرائيلية أيضاً إلى إزالة معالم قرى سورية عدّة في الهضبة بينها الغسانية والعدنانية والرفيد وسواها.
وقد برّر الإسرائيليون أعمالهم هذه بقولهم: "نحن ننشيء المستعمرات لحماية نسائنا وأطفالنا ما دمنا عاجزين عن إقناع العرب بمصالحتنا، وكلذما تأخّر العرب في عقد الصلح معنا أصبح الوصول إليه أكثر صعوبة إذ نكون أنشأنا المزيد من المستعمرات." وفي السياق نفسه قال بن غوريون:"إنّ إقامة عشرين مستعمرة يهودية في هضبة الجولان هي في نظري من أنجح الوسائل التي يمكن بواسطتها إبقاء هذه الهضبة تحت سيطرتنا وذلك لأن العالم لن يبادر حينذاك إلى طرد اليهود من هذه المنطقة". وسعى الإسرائيليون إلى استغلال الهخضبة منطقة سياحية للاستجمام والتزلج إضافة إلى استغلالها اقتصادياً وزراعياً ومائياً.
ما أعلنه وزير الخارجية الإسرائيلية شيمون بيريز أن السيادة هي لسورية على الجولان، لا يحمل برأي سوريا أي جديد إذ إنه عقب نكسة العام 1967 أقر مجلس الأمن الدولي لسوريا حقّها في هذه السيادة على أراضيها، وعندما ضمّ الكنيست الإسرائيلي الجولان، لم يعترف في اليوم الثاني مجلس الأمن بهذا الضم مؤكداً على موقفه بحق سوريا في سيادتها على أراضيها في الجولان. وسيادة سوريا على الجولان في رأي دمشق هي ممارسة سواء من الشعب السوري في الجولان الذي رفض حتى الآن كل إجراءات الضم خاصة رفضه الهوية الإسرائيلية وتمسكه بالهوية السورية ومقاومته للاحتلال. فهذا الواقع يثبت ممارسة السوريين في الجولان لحقوقهم على أرضهم، وبالتالي فإن الوطن السوري لا يزال يرتبط بوشائح العروة الوطنية ما بين الداخل السوري والجولان، خاصة وأن الدولة تعطي سكان الجولان مميزات هذا الارتباط، من خلال الموظفين المعنييت في أنحاد الدولة السورية، الذين يتقاضون رواتبهم حتى ولو كانوا في الأراضي المحتلة في الجولان عند ذويهم وأقاربهم. فضلاً عن النازحين من الجولان إلى الداخل والذين يلقون المعاملة والدعم لصمودهم.
فالأمر بنظر مدمشق لم يتبدّل كثراً لكونه راسخاً في ممارسة هذه السيادة السورية التي لم تنقطع عن الجولان المحتل.
بينما وضعية الاحتلال الإسرائيلي قلقة وتعكس ضمناً اعترافاً بالسيادة السورية التي على الجولان المحتل، أو تصرّفاً يعكس احتمال العودة بالجولان كاملاً إلى السيادة السورية. فالمستوطنات في الجولان غير مثبتة ، وبعض المنازل المستوطنين كأنها عربات تستعد في يوم من الأيام للرحيل، وهؤلاء المستوطنون غير منغرسين في هذه الأرض، إذ تجنبوا منذ العام 1967 إقامة مقابر يهودية على أرض الجولان.
في 6 تشرين الأول 1973 وقعت الحرب العربية المباغتة الأولى من نوعها.
بعد حرب 1973 تصاعدت وتيرة بناء المستعمرات الإسرائيلية في الجولان وحتى شباط 1982 بلغ مجموعها 32 متعمرة، وبدأ ت تظهر مشاريع إسرائئيلية عدّة ترمي إلى ضم الجولان إلى إسرائيل، بينها: أ – مشروع ألون الداعي إلى الاحتفاظ بمنطقة استراتيجية في الجولان لمنع سوريا من استعادة مصادر المياه ومنع حصول هجوم عسكري مفاجئ. واقترح ألون خطاً للحدود يمتد من جبل الشيخ حتى نهر اليرموك على شكل قوس يضمن الاحتفاظ بالقسم الأكبر من مساحة الجولان - ب – مشروع حزب المابام القاضي بأن تمر الحدود مع سوريا بهضبة الجولان على أن يعتبر القسم المتبقي من الهضبة منطقة منزوعة السلاح. وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين: حتى في نطاق تسوية شاملة ومعاهدة سلام فإنّ إسرائيل لن تنزل من الجولان - ج – وأعلن مناحيم بيغن في برنامج حكومته الثانية في تموز 1981:"إن إسرائيل لن تتخلى عن الجولان والحكومة هي التي ستبت في شأن التوقيت المناسب لتطبيق قانون الدولة وقضائها وإدارتها على هضبة الجولان". وفي تموز 1980 تم تعديل قانون الجنسية الإسرائيلية بحيث أخذت سلطات الاحتلال تفرض الجنسية الإسرائيلية على المواطنين السوريين وتزع عليهم الهويات الإسرائيلية - د – في 14/12/ 1981 أعلنت الحكومة الإسرائيلية قرار ضم مرتفعات الجولان وجاء فيه:"يسري قانون الدولة وقضاءها وغإدارتها على منطقة مرتفعات الجولان - ه – في 11/3/1982 وقّع وزير الداخلية يوسف بورغ قانوناً إدارياً يجبر السكان الدروز في الجولان على حيازة الهوية الإسرائيلية في غضون أسبوعين. وذلك في محاولة إثارة النعرات الطائفية بين السكان العرب. لكن الرفض الشعبي للقرار الإسرائيلي أتى سريعاً وقوياً: لا نعترف بأي قرار تصدره إسرائيل من أجل ضمّنا إلى الكيان الإسرائيلي. لا نعترف بشرعية المجالس المحلية والمذهبية لأنها عيّنت من الحاكم العسكري الإسرائيلي. وكل شخص من الهضبة السورية المحتلة تسوّل له نفسه استبدال جنسيته بالجنسية الإسرائيلية يسيء إلى كرامتنا العامة وشرفنا الوطني وانتمائنا القومي وديننا وتقاليدنا ويعتبر خائناً لبلادنا". بعد ضم الجولان أعلنت الحكومة السورية أن القرار الإسرائيلي يعني شن حرب على سوريا وإلغاء وقف إطلاق النار. وأعلن مجلس الأمن أن قرار إسرائيل فرض قوانينها وولايتها وإدارتها في مرتفعات الجولان السورية المحتلّة لاغٍ وباطل وليس له أي أثر قانوني دولي. رفضت دمشق عام 1994 العروض الإسرائيلية التي حملها وزير الخارجية الأميركية والتي تمثلت باستعداد إسرائيلي للانسحاب الجزئي من منطقة مجدل شمس، وتمسكت بالانسحاب الكامل من الأراضي العربية خاصة الجولان. كما رفضت من الاقتراحاتى الأمنية، أن تبقى إسرائيل على بعض مواقعها العسكرية على أرض الجولان خاصة شبكات المراقبة والرادارات. وأيضاً رفضت أن تكون المنطقة الدولية العازلة في الجولان، منطقة معزولة عن حقها في ممارسة سيادتها الكاملة على كل الأراضي السورية في الجولان. وتمسكت سوريا بتدابير أمنية على طرفي حدود الطرفين وبالعمق المتساوي نفسه. ورفضت اعتبار إسرائيل أن مطقة الحمة في الجولان هي منطقة إسرائيلية بحجة أن ياسر عرفات اعتبرها منطقة فلسطينية فسوريا لا ترى مبرراً أمامن ما حمله وزير الخارجية الأميركية من مقترحات إسرائيلية، على هذا المستوى كي تتنازل عن حقوقها في الجولان أو أن تتنازل عن الحقوق العربية الأخرى في كل الأراضي العربية. أصدر الكنيست الإسرائيلي قراراً نهائياً قضى باعتبار الجولان جزءاً لا يتجزّأ من دولة إسرائيل . ويوم الثلاثاء 26 أقر الكنيست اقتراح قانون قدّمه كتله حزب الطريق الثالث يجعل إعادة الجولان إلى سوريا والقدس إلى الفلسطينيين أمراً أكثر صعوبة . إذ يوصي هذا القانون اقتران أيّة إعادة لأراض ضمّتها إسرائيل مثل الجولان والقدس الشرقية بموافقة الغالبية المطلقة في الكنيست ( 61 ) وان تطرح بعد ذلك على استفتاء شعبي . وقد عرض هذا القانون ثلاثة نواب من الحزب الذي هو عضو في الائتلاف الحاكم والذي يمثّل " لوبي مستوطني الجولان " . اعتمد هذا القانون بغالبية 53 صوتاً في مقابل 30 من 120 نائباً وامتنع الآخرون عن التصويت أو لم يحضروا الجلسة . وقد صوت الكثير من نواب المعارضة عليه. وقد سعى حزب الطريق الثالث إلى اعتماد النص سريعاً قبل انتخابات 17 آيار لتفادي حصول أي انسحاب بعدها . وكان وزير الدفاع الإسرائيلي السابق اسحق موردخاي ، دعا إلى تقديم تنازلات جغرافية في الجولان من أجل التوصّل إلى اتفاق سلام مع سوريا يتيح أيضاً انسحاب إسرائيل من لبنان. استقرّ في الجولان نحو 15 ألف يهودي منذ عام 1967 . يقطن الجولان حوالي 17 ألف إسرائيلي يتوزعون على حوالي 42 مستوطنة "تتوزّع في نطاقين الأول على شكل قوس يبدأ من سفوح جبل الشيخ قرب مدينة بنياس السورية، ثم يسير بمحاذاة خط وقف إطلاق النار في 1 حزيران 1967 على امتداد المحور الرئيسي إي على طريق مسعدو-القنيطرة، الرفيد، الحمّة، ويتمركز النطاق الثاني في جنوب غرب الجولان وذلك عند حدود 4 حزيران 1967 بمحاذاة الشواطئ لبحيرة طبرية… فعلى امتداد مساحتها التي تصل 476 ميلاً مربعاً يحصد الإسرائيليون محاصيل وافرة من الفواكهه المزروعة هناك وخاصة التفاح والكرز ومزارع العنب، ومن المراعي الضخمة لماشية، وهي مصدر مهم للمياه التي تحصل عليها إسرائيل من بحيرة طبرية، التي تمتد على الجانب الشمالي الشرقي في الجولان. أثناء حرب 1967 سيطرت إسرائيل على نحو 70 في المئة من أراضي الجولان مع سكانه الذين يبلغ عددهم نحو 130 ألف نسمة وخلال أيام فرغ الجولان بأسره من الكان تقريباً ولم يبق سوى ست قرى تضمّ 6 آلاف شخص في الطرف الشمالي الغربي من المنطقة ونحو 250 مدنياً في المدينة مدينة القنيطرة. وأنشأت إسرائيل أول مستوطنة لها في الأراضي المحتلة في الجولان سمتها "ماروم هاغولان". وعزلت رؤساء بلديات قرى الجولان وحاولت تشجيع وإحياء التنافس العشائري وإقامة مجالس محلية مشابهة للمجالس القائمة داخل إسرائيل. وبلغ عدد الإسرائيليين الموجودين في الجولان في تموز 1991 نحو 11 ألفاً موزعين على 36 مستوطنة. وكان وزير الإسكان السابق آرييل شارون يرمي إلى توطين 22 ألف يهودي من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق ومن أثيوبيا في الجولان ولكن خطته باءت بالفشل. وتبيّن أن كثيرين من اليهود لا يرغبون في الإقامة في الجولان لأسباب أمنية وسياسية، وأخرى تتعلّق ببعد تلك المناطق عن المراكز السكنية الكثيفة داخل إسرائيل. وثبت أيضاً أن الكثير من العائلات التي أقامت في الجولان كانت تعمد إلى نقل موتاها ودفنهم خارج الجولان خوفاً من تكرار تجربة الانسحاب من ياميت في سيناء أو من مغامرة عسكرية مفاجئة. على ضوء كل انسحاب إسرائيلي من كل أرض عربية محتلة تبرز مسألتان حيويتان: المستوطنات والموارد الاستراتيجية. عتبر نهر بانياس أهم أنهار الجولان الذي تكثر فيه المياه الجوفية التي تصب في نهر الأردن الأعلى وفي بحيرة طبريا. كما تغذّي المياه السطحية نهر الأردن ونهر اليرموك ووادي الرقّاد. واكتسبت المنطقة التي تسمى الجولان الفلسطينية حيث ينابع الحمّة الحارة والمياه المعدنية، أهمية سياحية فكانت منذ فترة بعيدة مقصداً للسياح والمستجمين من داخل سوريا وخارجها.
إسرائيل والدول العربية:
تقيم إسرائيل علاقات اقتصادية مع عمان وقطر والبحرين استقبلت وفوداً إسرائيلية خلال انعقاد مؤتمرات دولية نظمت في إطار عملية السلام في الشرق الأوسط. وقد أجرت عدّة شركات إسرائيلية مفاوضات مع بعض الشركات العربية لإقامة عدّة مشاريع مشتركة.
إسرائيل ومصر: أقامت إسرائيل على قناة السويس خط بارليف لحماية وجودها في سيناء.
في الداخل شكّلت وزارة إسرائيلية ائتلافية شملت جميع الأحزاب ما عدا الحزب الشيوعي وعيّن موشيه دايان وزيراً للدفاع. وفي صباح 5 حزيران 1967 شنّ الطيران الإسرائيلي هجوماً كثيفاً صاعقاً على المطارات المصرية وفي ستةة أيام استطاعت القوات الإسرائيلية أن تهزم الجيوش العربية على ثلاث جبهات وأن تحتل كل سيناء وقطاع غزّة وكل الضفة الغربية و1250 كيلومتراً مربعاً من هضبة الجولان. كما احتل الإسرائيليون القسم الشرقي من مدينة القدس ثم أعلنوها عاصمة موحدة لدولتهم. وبهذا تكون إسرائيل كسبت ثلاثة أضعاف مساحتها عام 1949. وعلى الجبهة السورية أدى هذا الاحتلال إلى تهجير أكثر من 150 ألف سوري من القنيطرة والجولان إلى دمشق والداخل السوري. إكتشف الجيش الإسرائيلي نفقاً سرياً محفوراً تحت الحدود بين مصر وقطاع غزّة في حزيران 1999 هو واحد من 23 نفق مشابه. تستخدم حسب رأي الجيش الإسرائيلي لتهريب الأسلحة والمخدرات والبضائع بين مصر والحكم الذاتي الذي تسيطر إسرائيل على حدوده. 4 آلاف فلسطيني يعيشون في مخيم " كندا" في مصر لم يعد منهم إلى غزّة سوى 145 عائلة في حزيران 1999.
إسرائيل والأردن:
قرار مجلس الأمن 242 طالب بإعادة أراضٍ احتلتها إسرائيل من الأردن عام 1967. يطالب الأردن إسرائيل بالمحافظة علىبعض مصالح المملكة "وفي مقدمها قضية أكثر من مليون ونصف مليون أردني من أصول فلسطينية يطالبون بحقوقهم في فلسطين، سواء بالحصول على حق العودة أو تعويضهم خسارة ممتلكاتهم وأراضيهم وتشريدهم ومعاناتهم قبل استقرارهم في المملكة. وفي الجانب الرسمي يطالب الأردن بتعويضه كلفة استيعاب اللاجئين الفلسطينيين وكلفة الاستمرار في تأهيلهم داخل المجتمع الأردني. وكان الأردن أصر على أن تتضمّن معاهدة السلام الأردنية-الإسرائيلية نصاً يؤكد ضرورة حل مشكلة اللاجئين وفق قرار مجلس الأمن رقم 194. كما حصل الأردن في المعاهدة على اعتراف إسرائيلي بدوره في الإشراف على الأماكن المقدّسة الإسلامية في القدس منذ عام 1950، وهو الحق الذي حافظت عليه بعد حرب 1967، وأجبرت إسرائيل على الإقرار به في المعاهدة. في الأردن مليون ونصف مليون أردني يتحدّرون من أصول فلسطينية. الأردن "لم يعلن فك ارتباطه بالضفة الغربية عام 1988 تحت ضغوط عربية". ويثير الموقف الأردني هذا بعض المخاوف في أوساط تيار فلسطيني يرى فيه محاولة أردنية للعودة إلى أجواء التنافس التي سادت بين المملكة ومنظمة التحرير الفلسطينية. وكانت سوريا ولبنان هدّدتا في مرحلة ساقة بإقامة منظمة فلسطينية منافسة لمنظمة التحرير للمحافظة على حقوق الفلسطينيين في الشتات. إلا أنّ العلاقات الأردنية-الفلسطينية شهدت تحسّناً مطرداً خلال الفنرة الأخيرة على نحو ساهم في إزالة بعض الشكوك بين الجانبين، رغم استمرار التذمّر الأردني من عدم رفع التنسيق بين الجانبين في سياق المفاوضات التي جرت في كمب دايفيد، وما تبعها من تحرّكات لاستئنافها. البند الثاني من المادة التاسعة من المعاهدة الأردنية الإسرائيلية يعترف بدور خاص للملكة الهاشمية في إدارة الأماكن الإسلامية في القدس القديمة. الاتحاد الأوروبي أعلن عن استعداده لتمويل مشاريع سدود أردنية – إسرائيلية مشتركة على نهر اليرموك. أجرت إسرائيل مع شركة البوتاس العربية في الأردن مفاوضات لاستغلال أملاح البحر الميت.
إسرائيل والبرنامج النووي :
15 آب 1948 أعلنت إسرائيل عن قيام مؤسسة الطاقة الذرية الإسرائيلية. في عهد الرئيس شارل ديغول سنة 1958 استحصلت إسرائيل من فرنسا على الخرائط والمعادلات والمعلومات الضرورية لانتاج القنابل الذرية كما نقلت بواسطة السلاح الجوّي الفرنسي إلى أراضيها أطناناً من الماء الثقيل وتمكّنت من تهريب 200 طن من اليورانيوم الخام البلجيكي. وقد تمّ بناء المفاعل الفرنسي الطراز جنوب شرق بئر سبع بقوّة 26 ميغاوات ، وبدأ نشاطه عام 1963 على شكل مصنع للنسيج ينتج نطير البلوتونيوم 239 ، وأصبح في إمكانه اليوم ( آذار !995 ) وبعدما ارتفعت قدرته إلى 70 ميغاوات ، من انتاج الوقود النووي الكافي لصناعة ثلاثة قنابل نووية انشطارية عيارية ( 200 كيلوطن ) في السنة الواحدة. تؤمن إسرائيل اليورانيوم الطبيعي من الولايات المتحدة الأميركية وبلجيكا وجنوب إفريقيا وفرنسا والأرجنتين والبرازيل وكندا والغابون والكونغو وإفريقيا الوسطى والنيجر. وتؤمن إسرائيل الماء الثقيل من فرنسا والنروج والولايات المتحدة الأميركية. تحتل إسرائيل المرتبة الخامسة في أسرة الدول النووية. لدى إسرائيل 290 سلاحاً نووياً ( 1 ) و" في إمكان إسرائيل نشر أكثر من 240 سلاحاً نووياً في 10 ساعات. المنشآت النووية الإسرائيلية: المفاعل النووية الإسرائيلية عددها خمسة وهي : مفاعل ديمونة ـ مفاعل يافيه / بوريلا ـ مفاعل ريشون ليزيون ـ مفاعل النبي روبين ـ مفاعل التننيون - مواقع الصواريخ النووية الإسرائيلية: موقع سوريق ـ موقع بالميكيم ـ موقع بئر يعقوب ـ موقع كيلبون ـ قاعدتا كفارزكريا.
بلدة حاقل وابراهيم الحاقلاني أول وزير خارجية لبناني في التاريخ والأسماك المتحجرة والمتحف الأول من نوعه في الشرق الأوسط
تقع بلدة حاقل في المنطقة الشمالية الشرقية لقضاء جبيل
تبعد عن مدينة جبيل 20 كلم تقريبًا.
ترتفع عن سطح البحر بين 650 و1100 متر.
تصل إليها من الطريق الساحلية الدولية انطلاقًا من موقعين:
- من مدينة جبيل مرورًا بـ"عمشيت، غلافين، حبالين، بيت حبّاق، عبادات، ثم حاقل".
- من بلدة جدّايل مرورًا بـ"الريحانه، غرزوز، معاد، غلبون، بجّه، الخاربه، ثم حاقل.
يعود اسم حاقل إلى اصل سرياني ويعني الحقل الكبير.
تحتوي بلدة حاقل وفي مساحة حوالي عشرة آلاف متر مربع منها، على أسماك متحجرة تعود في قدمها إلى العصر الجيولوجي الثاني، وقد تكوّنت بفضل عوامل طبيعية حوّلت الترسبات على مدى السنين إلى صخور، وهي خير دليل على أن لبنان كان مغمورًا بالمياه، بالإضافة إلى ذلك، إن نوعية الأسماك المتحجرة، بجودة صخرها ووضوح تجمّدها، تُعد الأفضل والأقدم في لبنان.
وقد قدّر الباحثون الجيولوجيون عمر هذه المتحجرات إلى الحقبة بين الثمانين والمئة مليون سنة.
كانت حاقل جغرافيًا تضم قرية الخاربة، وتبلغ مساحتها من 12 إلى 15 كلم تثريبًا حتى انفصلتا إثر الحرب العالمية الأولى.
في حقل ثلاثة ينابيع رئيسة في البلدة أشهرها نبع العين بمحاذاة الطريق العام وهو مقصد للمواطنين من كافة بلدات المنطقة.
أما على الصعيد السكاني فقد كانت حاقل أكبر بلدات ناحية جبيل على الإطلاق في أول إحصاء عثماني سنة 1519.
من رجالات حاقل التاريخيين: العلامة ابراهيم الحاقلاني المولود في 18 شباط 1605، الفيلسوف واللاهوتي والمترجم المحترف، الخبير في الشؤون العسكرية، المحاور بالأمور التجارية، الإختصاصي في العلاقات بين الغرب (باريس، روما، فلورنسا، توسكانة) والشرق الأوسط (لبنان).
تزوج، وزوجته من قرية بان في شمال لبنان، ولهما أربعة أولاد.
سافر إلى روما في السنة 1620، حيث بدأ دروسه في المدرسة المارونية هناك.
درّس اللغات السامية في المعهد الملكي الفرنسي بين 1645 و1664، بعدها درّس في جامعة "بيزا" في إيطاليا.
توفي في روما في الخامس عشر من تموز 1664 عن تسعة وخمسين عامًا إثر إصابته بمرض الغرغرينة.
استطاع الحاقلاني خلال حياته أن يكون منارة مشعّة تربط الشرق بالغرب وتضيء الدرب أمام نهضة فكرية رائدة.
حضنته روما في حياته ومماته وحفظت له تمثالاً على مدخل أحد معاهدها تخليدًا لذكراه.
ترك ابراهيم الحاقلاني واحدًا وخمسين عملاً فكرًا موزعة على الشكل التالي:
- ترجمات من العربية والسريانية إلى اللاتينية والفرنسية. وقد اتصف أسلوبه في الترجمة بميزات فريدة:
- اللاهوت: ونذكر على سبيل المثال كتابه الشهير: "دفاعًا عن العقيدة الكاثوليكية إبّان انتشار البروتستانتية":
- الجغرافيا: أهمها كتاب جغرافية جزيرة قبرص:
- الرياضيات: من أعماله ترجمة أحد كتب العالم الإغريقي PERGA بعد فقدان النسخة اليونانية الأصلية حيث لم يبق حينها سوى النسخة العربية:
- الإنجيل المقدّس La Bible Polyglotte: ترجمه ونقّحه إلى ست لغات ضمن مجلّد واحد. وذلك بالتعاون مع زميليه جبرائيل الصهيوني ويوحنا الحصروني. إبداع فريد من نوعه تحتضنه اليوم المكتبة الوطنية الفرنسية في باريس:
- كتاب قواعد اللغة السريانية. ألّفه الحاقلاني لتسهيل تعليم قواعد اللغة على المستشرقين وطلاب المدرسة المارونية في روما:
- العديد من الرسائل والخواطر التي تبادلها الحقلاني مع ملافنة ذلك العصر ومن بينهم ريشيليو ومازارين.
لعب ابراهيم الحاقلاني دور ممثل الأمير فخر الدين المعني الكبير لدى دوق ودوقة توسكانة. وقد كان بمثابة المستشار العسكري والإقتصادي للأمير في تلك الحقبة، معتمدًا على حنكته في تصريف المنتوجات اللبنانية، وخاصّة الحرير منها، مقابل استيراد الأسلحة وإرسالها بحرًا إلى الإمارة اللبنانية عن طريق مرفأ صيدا. وبالتالي يمكن اعتبار الحقلاني أول وزير خارجية للبنان في التاريخ.
لبنان عبر العصور
لبنان كان دومًا جسر عبور ولغة تخاطب، وسيبقى قلبًا حيًا بشطريه، المقيم والمغترب، المسيحي والمسلم، ينبض في الأرض، يحييها... وستبقى عروقه الممتدة في كل أنحاء العالم روافد خير تزرع الدنيا سلامًا وأخوّة ونهضة.
ثقافتنا اللبنانية رسالة سامية تبث شعاعها داخل المجتمعات العربية والعالمية كافة.
هي انعكاس لوطن الحريات وحقوق الإنسان وهي ترجمة لدولة قوية سيدة حرة مستقلة بكيانها وبقراراتها.
''تتمثل رسالة لبنان بأن يحضن العائلات الروحية ويؤمن لها المناخ المناسب كي تعيش حرة، متساوية، متعاونة، متفاعلة.
هي التعددية ميزة لبنان، في نجاحها أمثولة للأمم والشعوب والأديان، وخدمة للبشرية.
من عمق هذه الرسالة نكتسب ثقافتنا الإنسانية وأهمية وجودنا في الزمن والمكان والواقع.
صحيح أن الحرب اللبنانية وتداعياتها شوّهت هذه الصورة التي طبعت لبنان لقرون، لكن الحضارة لا تحدد بمرحلة ولا تعنونها بضع سنوات.
الشعب اللبناني لا يزال بمجمله يعاني من تقسيم داخلي، لأن فكرة لبنان الوطن لم تنضج عنده بعد. السبب في ذلك لا يعود إلى جوهر لبنان إنّما إلى ظواهر عديدة يتأثر بها الشعب اللبناني.
المذهبية والطائفية تسبق المواطنية في الأولويات، بشكل عام، مع العلم أن المذهبية والطائفية هما من أركان الشخصية اللبنانية. فلماذا لا يسيران معًا وبنفس الزخم مع المواطنية اللبنانية إن لم نقل لا يحتلان المرتبة الثانية بعدها؟
بناء الوطن، مشروعًا وكيانونة ومجتمعًا، يتم نسجه وإتمامه خلال فترة السلم.
لبنان دخل السلام الأهلي منذ عقدين، لكنه وحتى تاريخه لم يستثمر هذا السلام في بناء وطن عصري ومحصن.
لبنان الإسم السرمدي
تعتبر لفظة لبنان من أقدم الأسماء المعروفة عبر التاريخ. إنّه لفظ قديم العهد تمتد جذوره إلى أزمنة وعصور ضاربة في القدم. ورغم تعاقب الغزاة، حافظ لبنان على اسمه.
تكوّنت أرض لبنان بين 5 و 6 مليارات سنة أو ربما 25 مليار سنة. عرفت هذه الأرض خمسة أطوار جيولوجية. خلال الطور الجيولوجي الثاني بدأ لبنان يتكوّن ويرتفع فوق سطح البحر منذ حوالي 150 مليون سنة، وانقسم إلى ثلاث كتل منذ حوالي 50 مليون سنة.
تتكوّن أرض لبنان من قسم ساحلي خصب إنما ضيّق ومتقطّع وآخر جبلي وعر وموحش تحوّلت هضابه إلى ملجأ لكل هارب ومضطهد وطامح للتحرّر والحرية. فترعرعت في رياضه ديمقراطية خاصة هي أصغر ديمقراطيات العالم ولكنّها أغزرها حبكة وأشدّها أثرًا على الحضارة القديمة والحديثة.
لبنان أرض ذات خصوصية لا جدال فيها.
العالم تعامل مع هذه الجغرافيا كواقع خاص مستقل وسلّطت الأضواء عليه وعلى سكانه بشكل منفصل عن محيطه الجغرافي وذلك قبل أن يصبح لبنان جمهورية مستقلة بزمن.
لفظة لبنان لم ترتبط بإتنية أو شعب أو حضارة فقط بل أيضًا وهنا الأساس ارتبطت بموقع جغرافي محدد ومعروف، له ميزاته وخصوصيته وله ارتباط وثيق مع محيطه الإقليمي.
هذا الارتباط المزدوج التكوين تميز بالمتانة والثبات رغم كل االتطورات التاريخية والتحولات الإتنية والاجتماعية.
ارتبط لبنان بالجغرافيا في وقت كان الإنسان لا يزال قزمًا في التكنولوجيا والاقتصاد والسياسة.
منذ البدء وقبل أي بدء تأريخي، أعطى لبنان اسمه لرقعة جغرافية محددة وثابتة ومميزة رسالتها أن تكون قلب الكرة الأرضية النابض والموحد والمحيي.
لفظة لبنان مشتقة من اللغات السامية القديمة
ورد عند البابليين بلفظة "لَبنانا" La-ab-na-na
في نصوص إبيلا القديمة نلحظه بألفاظ ثلاث:
"لَبنان" La-ba-na-an
و"لُبانو"Libânu
و"لِباميم"Li-ba-mim
عرفه الأشوريون:
"لَبان" La-ab-a-an،
و"لَبناني" Lab-na-ni
و"لَبنانا" Lab-na-na.
الكلدان: "لبنانو" la-ab-na-nu
ورد في النصوص الحثّية كما يلي:
"لُبلانا" La-ab-la-na
"نبلاني" Nib-la-ni
في النصوص المصرية الفرعونية القديمة يتخذ شكلين:
"رَمَنَن" Rmnn
"رَبَرنَ" R(a) b(a) r(a) n(a)
الفينيقيون استخدموا لفظة "لبنن" Lbnn
العبرانيون والآراميون: لِبَنون Libanon،
أما اليونانيون وبعدهم الرومان فأسموه ليبانوس، Libanus وLibanos
في حين عرفه العرب بـ ''لِبنان'' أو ''لُبنان''.
إستنادًا إلى أبحاث المؤرخين المتخصصين بدراسة الأسماء، ثمة إجماع إلى أن لفظة لبنان مشتقة من جذر ثلاثي هو "لبن" ويعني اللون الأبيض أو الجبل الأبيض. وأن هذه التسمية تشترك في استخدامها جميع اللغات السامية التي تشمل اللغة السامية والأكادية والبابلية والأشورية والكنعانية الفينيقية والعبرية والآرامية والسريانية والعربية والحبشية.
تاريخيًا ظهر اسم لبنان قبل ظهور اسم كنعان وفينيقيا بآلاف السنين.
عُرف لبنان بجبل الطيوب، وعرف ببلاد العسل واللبن أي أرض الخير والبركة التي يجري فيها العسل واللبن أنهارًا.
أعطى المؤرخون معنيين لاسم لبنان،
الأول يعتبره مشتقًا من كلمة لبن السامية ومعناها الأبيض
والثاني يربطه بلفظة لبان التي تعني البخور.
أما الأسباب التي دفعت إلى هذه التسمية فثمة آراء ثلاثة:
منهم من يرى أن معنى لفظة لبنان "الجبل الأبيض" ومنهم من يؤكد انها تعني "جبل الطيوب" ومنهم يرّد معناها إلى "الحاكم الجبار"
لبنان أو "الجبل الأبيض"
تعود هذه التسمية إلى بياض الثلوج التي تكسو جبال لبنان وتغطي قممه معظم أيام السنة.
من دول العالم قاطبة وحدها لفظة لبنان وألبانيا تعنيان "الجبل الأبيض"
لبنان أو جبل الطيوب
يرد بعض الباحثين اسم لبنان إلى لفظة "اللبان" أو "اللبنى" Styrax officinale وهي تطلق على شجرة عطرية مشهورة ذات صمغ بلسمي رائحته طيبة كرائحة البخور، انتشرت بكثافة في لبنان في العصور القديمة وكانت مكرسة للإلهة عشتروت كما يؤكد عالم الطبيعيات الروماني بلين في القرن الأول الميلادي وكما يذكر القديس كيرلس الإسكندري (380 – 444).
مع الإشارة إلى أن البخور باللغة اليونانية يسمّى "ليبانوس" Libanos.
لبنان أو الحاكم الجبار
المعنى الثالث للفظة لبنان هو حاكم جبار كما ورد في كتابات المؤرخ فيلون الجبيلي في القرن الأول الميلادي الذي كتب باللغة اليونانية نقلاً عن كوسموغونية المؤرخ البيروتي سنخوني آتن الذي عاش في القرن الثالث عشر ق. م.
عمومًا، ورد اسم لبنان في النصوص القديمة عند كافة شعوب الشرق القديم وبمختلف أشكال الكتابة من التصويرية المقطعية المسمارية إلى الهيروغليفية المصرية، في كتابات الفراعنة وحكّام آكاد وبابل وآشور وفارس... وبالأبجدية الفينيقية بالشكل المسماري الاوغاريتي، وبالحرف الجبيلي ومشتقاته في النصوص العبرانية واليونانية واللاتينية في مرحلة التاريخ القديم، وبالعربية والكتابات الأوروبية في القرون الوسطى.
لبنان في نبوءة حزقيال في الكتاب المقدّس - العهد القديم:
"(1) وفي السنة الحادية عشرة في الشهر الثالث في الأول من الشهر ، كانت إليّ كلمة الرب قائلاً (2) يا ابن البشر قل لفرعون ملك مصر ولجمهوره من ماثلت في عظمتك. (3) هوذا أشور أرزة بلبنان بهيجة الأفنان غبياء الظل شامخة القوام وقد كانت ناصيتها بارزة بين أغصان ملتفّة. (4) ألمياه عظّمتها والغمر رفعها. أنهارها جرت من حول مغرسها ومجاريها أرسلتها إلى جميع أشجار الصحراء. (5) فلذلك عند نشاتها ارتفع قوامها فوق جميع أشجار الصحراء وكثرت أغصانها وامتدّت فروعها من كثرة المياه. (6) في أغصانها عشّشت جميع طيور السماء وتحت فروعها ولدت جميع وحوش الصحراء وفي ظلّها سكنت جميع الأمم الكثيرة. (7) فصارت بهيجة في عظمتها وفي طول عذاباتها لأن أصلها كان على مياه غزيرة. ( فالأرز لم يظلّ فوقها في جنّة الله والسرو لم يماثل أغصانها والدلب لم يكن كفروعها وكل شجر في جنّة الله لم يماثلها في بهجته. (10) لذلك هكذا قال السيد الرب بما أنك تشامخت بقوامك وأبرزت ناصيتها بين أغصان ملتفّة وترفّع قلبها في تشامخها (11) فقد جعلتها في يد جبّار الأمم فسيصنع بها صنيعًا فإني قد نفيتها لنفاقها. (12) فيقطعها الغرباء معتزّو الأمم ويطرحونها في الجبال فتسقط عذباتها في جميع الأودية وتكسّر فروعها في جميع مسايل الأرض وينزل من ظلّها جميع شعوب الأرض ويغادرونها. (13) على جثتها تسكن جميع طير السماء وبين فروعها تكون جميع وحش الصحراء (14) لئلاّ يتشامخ بقوامه كل شجر على المياه ولا يبرز ناصيته بين أغصان ملتفّة ولا يعتمد عليه كل مسقيّ بالماء عند شموخه لأنّه قد لأسلم الجميع إلى الموت إلى الأرض السفلى فيما بين بني البشر مع الهابطين في الجب. (15) هكذا قال السيد الرب إني في يوم هبوطها إلى الجحيم أقمت مناحة. غطّيت عليها الغمر ومنعت أنهاره فانسدّت المياه الغزيرة وألبست لبنان حدادًا عليها واكتأبت عليها جميع أشجار الصحراء. (16) من صوت سقوطها أرعشت الامم حين أهبطتها إلى الجحيم مع الهابطين في الجب فتعزّى في الأرض السفلى جميع أشجار عدن نخبة لبنان وخياره كل مسقي بالماء. (17) تلك أيضًا هبطت معها إلى الجحيم إلى قتلى السيف وكذلك أذرعتها الساكنون في ظلّها في وسط الأمم. (18) من ماثلت هذه المماثلة في المجد والعظمة بين أشجار عدن. فها إنّك قد أهبطت مع أشجار عدن إلى الأرض السفلى فتضجع بين الغلف مع قتلى السيف. هذا فرعون وجميع جمهوره يقول الرب."
إسم لبنان في ملحمة جلجامش
أجمع المؤرخون على اعتبار ملحمة جلجامش الوثيقة التاريخية الأقدم التي ورد فيها اسم لبنان.
إن الشعوب السومرية التي استوطنت المنطقة الممتدة بين جبال زغروس شرقًا والبحر المتوسط غربًا وبلاد الأناضول شمالاً حتى شبه الجزيرة العربية ومصر جنوبًا، هم أول من ذكر اسم لبنان في كتاباتهم المسمارية في ملحممة جلجامش، في نهاية الألف الرابع ق.م. مكتوبًا بالخط المسماري المقطعي على ألواح من الأجر المشوي.
هذه الملحمة هي أقدم ملحمة بطولية في التاريخ. تبلورت على مراحل. وجدت أحدث نصوصها في مكتبة الملك الأشوري أشوربانيبال 668 – 626 ق.م.، في مدينة نينوى، مدوّنة بالخط المسماري على اثني عشر لوحًا من الأجر المشوي.
تروي الملحمة أعمال جلجامش البطولية في سبيل تخليد ذكره بعد الممات. وقد قدم من الشرق برفقة صديقه البطل أنكيدو، ووصلا إلى غابة الأرز في جبل لبنان لينقلا خشب الأرز الثمين إلى مدينة أوروك.
في جبل لبنان، كان على جلجامش وصديقه مجابهة المارد "خمبايا" أو "هواوا" حارس الغابة، ذاك المقاتل القوي الذي لا ينام، ولا يُصدّ له هجوم، ولا يستطيع الصمود بوجهه أحدٌ في موطنه.
لبنان بحسب الملحمة هو الجبل الممتد "من جبل بعل حرمون إلى مدخل حماة، الناظر إلى دمشق، المطل على بحر أمورو العظيم، وقد نقش ملوك أشور وبابل لوحاتهم على صخور شاطئه عند مصب نهر الكلب.
التاريخ يحفظ كيف استنزف كبار حكام الشرق القديم غابات الأرز فيه.
وردت زيارة جلجامش وصديقه أنكيدو إلى بلاد الأرز في اللوح الرابع من الملحمة. وفي اللوح الخامس، نشهد مصرع حارس الغابة خمبايا على يد البطلين جلجامش وأنكيدو.
بعد موت المارد خمبايا، دخل جلجامشو أنكيدو الغابة، مقر الآلهة أنوناكي السري وقطعا من الأرز الثمين ونقلاه عبر مجري الفرات إلى مدينتهم أوروك.
إنجاز عظيم خلّدهما في سفر الآلهة والأبطال.
بابنيانوس وأولبيانوس 1
عند كتابتهم للتاريخ الرومان، نادرًا ما يتوقف المؤرخون عند سيرتي بابنيانوس وأولبيانوس، رغم أن الحضارة الإنسانية برمتها مدينة لفكرهما وتشريعاتهما وآرائهما الفقهية.
بابنيانوس وأولبيانوس علمان عالميان جمعهما أصلهما اللبناني ووحّدهما استشهادهما من أجل حرية الرأي والحق والخير. قُتل الأولُ بأمر من الإمبراطور كركلا والثاني على يد الجند. لكن الموت لم يغيب ذكرهما، فمؤلفاتهما التي اعتمدتها مدرسة بيروت وسائر المدارس الرومانية في تلك الأزمة خلّدت ذكرهما وحفظت مآثرهما، فتربت على مبادئهما الأجيال من طلاب التشريع والقانون في الإمبراطورية الرومانية. إلى أن جاء عهد جوستنيان فدوّن مآثرهما في الحق والحقوق والتشريع.
إميل بابنيانوس ودوميسيوس أولبيانوس جمعا بشخصيهما صفة المشترع ورجل الدولة. فالمشترع بعلمه تسند إليه أرفع المراكز ويرف إلى أعلى المراتب. ورجل الدولة يعتصم بالحق والعدل والصدق ويتفانى في خدمة دولته والشعب.
أما ولادة بابينيانوس ففي بيروت، دون شك، رغم أن أصل والده اللبناني لم يلق إجماعًا بين المؤرخين. في حين يرى البعض أن ولادته كانت في مصر وكان يشغل منصب كبير أحبار معبد الشمس، جاء شارل قرم وفايز الخوري وسواهما ليتمسكا بأصله البيروتي ويحددا تاريخ مولده في السنة 142 إستنادًا إلى اكتشافات ووثائق أثرية درسها الأب جيلابر في السنة 1906 وكتابة أخرى عثر عليها في مدينة زيلليهوسن في بتافيا تؤكد أصل عائلة بابنيانوس سنتيا البيروتي وولادة إميل بابنيانوس في بيروت.
أما بابنيانوس فتدرجّ في الوظيفة العامة من مدع عام في عهد القيصر ماركوس أورلوس ، إلى مستشار لمحافظ ديوان الإمبراطورية، إلى أمين سر الأوامر الإمبراطورية، قبل أن يُعَيَّنَ محافظ الديوان الإمبراطوري وهي الوظيفة الأكبر، ممسكًا بيديه قيادة جيوش إيطاليا وروما ونيابة الإمبراطور في آن. وقد أعطي أن يترأس مجلس الإمبراطور في غيابه وأن يفصل في الدعاوى التي تستأنف إلى الإمبراطور من غير تقيُّد بالأصول وأن يستأثر ببعض صلاحيات قضاة البريتور. أما سلطته فامتدت إلى كل أطراف الإمبراطورية.
كانت ثقة الإمبراطور سبتيم سيفر به تامة وكان يستشيره حتى في المسائل العائلية الخاصة.
وعندما بدأ النفور يستحكم بولديه كركلا وجيتا، حاول أن يعيد نسج الروابط الأخوية بينهما برعاية مستشاره المخلص رجل العلم والدولة والحق بابنيانوس. وقبل وفاته، طلب منهما التمسك بالتضامن والوحدة. وأوصى بابنيانوس برعايتهما. لكن كركلا ثار على وصية والده، فأمر الجند بقتله وهو بين يدي أمه جوليا دمنة، ثم قضى على نحو من عشرين ألف من أنصار أخيه. ودافع عن فعلته أمام مجلس الشيوخ مدعيًا أنّ ثمة محاولة اغتيال أراد أن يستدركها. وعندما رفض بابنيانوس تبرير جريمته أمام مجلس الشيوخ، أمر بقطع رأسه دون رحمة. فكان أن استشهد بابنيانوس استشهاد العظماء في التاريخ.
أما أولبيانوس فصوري من لبنان القديم، ولد في صور كما يذكر في مؤلفاته. ما يدحض أي شك أو تخمين أو اجتهاد. إستدعاه بابينيانوس وعينه مستشارًا. وفي عهد سبتيم سيفر وكركلا رفّع إلى وظيفة حافظ للأختام وأمين سر المراسيم الإمبراطورية.
لكن هاليغابال أبعده عن الوظائف العامة لفترة ثم أعاده بطلب من جوليا مازه جدّته، فعينه بادية، معاونًا لمحافظي الديوان الإمبراطوري فلافيانوس وكريستوس، قبل أن يحل محلهما في محافظة الديوان ويصير كبير النفوذ في عهد الإمبراطور اسكندر سيفر الذي كان يدعوه أبًا ومستشارًا.
كثرت المؤامرات والفتن في عهد اسكندر سيفر، كما في العهود الإمبراطورية التي سبقته أو لحقت به. ونشطت محاولات اغتصاب العرش. لكنّ الأخطر كان في ذاك العصيان الذي قام به الحرس الإمبراطوري في روما في السنة 228، والذي تحوّل حربًا أهلية بين الحرس والشعب.
وقف أولبيانوس إلى جانب الشعب ودعم حقوقهم فغدر به الحرس وقتلوه وعجز الإمبراطور عن إنقاذه. لكنه عاد وانتقم له من قاتله بعد حين.
بموته فقد الشعب الروماني عضدًا ومدافعًا عن حقوقه، فكان شهيد المبادئ والرحمة والحق.
بعد سفر عشرين ساعة مضاعفة، تبلّغ جلجامش وأنكيدو بقليل من الزاد وبعد ثلاثين ساعة مضاعفة توقفا ليمضيا الليل ثم انطلقا سائرين خمسين ساعة مضاعفة أثناء النهار (وقطعا مدى سفر) شهر ونصف الشهر في ثلاثة أيام إنهم سيصلون إلى جبل لبنان.
ونجح البطلان في اجتياز مدخل الغابة (في جبل لبنان).
ووصلا إلى داخلها،
فأبصر الجبال الخضر، وذهلا من منظر غابة الأرز وسحر جمالها...
ولما بدأ جلجامش بقطع أشجار الأرز بفأسه،
سمع "خمبايا" الضجيج، فغضب وهاج وزمجر صائحًا:
من القادم المتطفّل الذي كدّر صفو الغابة،
وأشجارها النامية في جبلي؟
من الذي قطع الأرز؟
ورد ذكر للبنان والأرز وملك جبيل في نص ون-أمون المصري الذي يعود إلى حوالي السنة 1000 ق.م.
عثر في السنة 1891 على إناء فخاري قديم فيه برديات مطوية تشكل ثلاث مخطوطات مختلفة.
في المخطوطة الثالثة، تدوينات تاريخية ذات أهمية في معرفة العلاقات السياسية والإقتصادية بين مصر وآسيا الغربية في عهد الأسرة الفرعونية الحادية والعشرين أي حوالي السنة 1000 ق.م.
هو تقرير حول رحلة إلى لبنان قام بها ون-أمون المصري بأمر من الفرعون هير-هور للحصول على أخشاب لبناء مركبة فخمة للإله أمون.
اعترض قراصنة البحر مركب وون أمون عند الشاطئ الفلسطيني واستولوا على حمولتها من البضائع التي أرسلت من مصر للمقايضة بأخشاب لبنان مع ملك مدينة جبيل.
إلا أن الموظف المصري تمكن من الوصول إلى صور ثم الإنتقال إلى جبيل التي رفض ملكها ذكر- بعل استقباله وهدده بالأسر كما هو مذكور في البردية.
وجاء موقف ملك جبيل ردًا على ما اعتبره وقاحة من قبل وون أمون وإصراره على تنفيذ المهمة دون أن يستوفي شروط المعاملة.
يقول وون أمون في تقريره:
"قضيت 19 يومًا في ميناء هذا الملك وكان يرسل إلي كل يوم قائلاً إنصرف عني".
ثم سمح ذكر بعل للرسول المصري بمقابلته.
فأظهر له السجلات اليومية التي يحتفظ بها عن أسلافه وهي تظهر الصدق والإحترام المتبادل في التعاون التجاري بين فراعنة مصر وملوك جبيل.
طلب وون أمون خشبًا لمركب أمون رع الفخم بدون مقابل. فرفض ملك جبيل الطلب وقال:
"أنا لست خادمك ولست بخادم للذي بعث بك إلي. إنني آسف فيما يختص بالأرز أو الصنوبر رَبْرَنْ الذي يخترق السماء. فإنني إذا ناديت لبنان تنفتح أبواب السماء وتتدحرج جذوع الأشجار الأرو رَبْرَن ملقاة هنا على الشاطئ"
فيجيبه المبعوث المصري:
ليس على النهر مركب واحد لا يخص أمون.
له البحر، له لبنان هذا البلد الذي تقول إنه ملكي
هو له أيضًا
جعلت هذا الإله الكبير ينتظر 29 يومًا في حين كان في مرفأك
لكنك أمسكته هنا وساومت بلبنان الإله أمون سيده.
ويذكر التاريخ أن وون أمون عاد وأرسل رسولاً إلى مصر ليجلب ثمن الخشب ذهب وفضة وأقمشة وورق بردي وجلد بقر وسمك وعدس وبصل.
وعندها تلقى من ملك جبيل ما يحتاجه من الأخشاب.
إسم لبنان في النصوص الحثية
نص الملك شبيليوليوما 1385 – 1346 ق.م.
على عهد الملك شبيليوليوما إسترجعت الدولة الحثية قوتها بعد فترة من الضعف.
سيطر هذا الملك على منطقة واسعة بعد احتلاله مملكة الميتانيين في شمالي سوريا، باسطًا سلطته على منطقة العاصي وأمراء حلب.
صارت مدينة كركميش على الفرات عاصمة للدولة الأقوى في غربي آسيا.
عقد الملك الحثي معاهدات مع الأمراء المحليين تعهد بمساعدتهم وحمايتهم في مواجهة فراعنة مصر.
من تلك المعاهدات واحدة مع أمير ميتاني واسمه كورتيوازا يرد فيها اسم لبنان بصيغة "نِبلاني" كحدود غربية لهذه الإمارة:
"أخضعت كل تلك البلاد في سنة واحدة وضممتها لأرض حتي من هذه الجهة جعلت من جبل نبلاني (لبنان) حدًا والفرات من الجهة الأخرى."
إسم لبنان في النصوص الحثية القديمة
نص الملك مورسولي 1345 – 1315 ق.م.
خلف الملك مورسولي الثاني والده الملك الحثي شبيليليوما في السنة 1345 ق.م.
تذكر إحدى النصوص المنسوبة إلى زمنه:
بعد أن جلست على عرش والدي أخضعت في خلال عشر سنين كل البلاد العدوة التي كانت تحيط بي وألحقت بأعدائي الهزيمة.
من المعاهدات التي أبرمها مع الملوك الذين احتل مملكاتهم، نذكر معاهدة الملك مورسولي مع الملك الأموري دوبي – تشوب 1339 – 1306 ق.م. وفي متن المعاهدة يستحضر جميع الآلهة كشهود على صدقيته ومن بينهم الإلهة جبل لبلانا (جبل لبنان:
الإله شمس... السماء... الإله عاصفة السماء إيا... عشتار... الإله المحارب أرزيا... سيدة لمدا... جبل لبلانا (لبنان)... جبل سريانا... أنو... أنتو... أبانتو... إيليل... ننليل... الجبال... الأنهار ... السهول ... البحر الكبير.... الأرض والسماء... الرياح والغيوم ليكونوا شهودًا على هذه المعاهدة.
الأشوريون، قوم سامي، كانوا الشعب الأول الذي استوطن أرض الرافدين العليا.
إعتمدوا نهجًا عسكريًا توسعيًا وجعلوا الحرب محور نشاطهم والعنف ضد الأعداء ميزتهم.
طمعوا بمنفذ على البحر، فسلكوا مسلك أسلافهم الأكاديين، وسعوا للإستيلاء على المدن الفينيقية الشاطئة على المتوسط، لا سيما صور وصيدا.
وكان الأكاديون قبلهم في الربع الأخير من الألف الثالث ق. م. قد تمكنوا من بسط سيطرتهم على المنطقة الممتدة بين الخليج العربي الفارسي والبحر المتوسط واحتلوا جبال لبنان وغابات الأرز والمدن الكنعانية الفينيقية.
يعتبر ملك الأكاديين، سرجون الأكادي، الذي عاش حوالي السنة 2250 ق.م. أول فاتح ساميّ في التاريخ.
إسم لبنان على نصب الملك الاشوري شمشي – أدد الأول
(1816 – 1783) ق.م
واصل الملك شمشي أدد الأول السياسة التوسعية الأشورية نحو الغرب حتى وصل أرض لبنان القديم، وأقام على شاطئه نصبًا له.
والعادة عن الملوك الأقدمين أيقيموا أنصابًا تخلّد فتوحاتهم على صخور لبنان لاسيما صخور نهر الكلب.
تعتبر الكتابة المسمارية المنقوشة على النصب الحجري للملك شمشي أدد الأول النص الأشوري الأول الذي ورد فيه اسم لبنان.
يتفاخر الملك الأشوري أنه وصل شاطئ البحر الكبير وأنه أقام نصبًا في أرض لبنان.
"نصبت اسمي العظيم ومسلّتي في أرض "لَبان" على شاطئ "البحر الكبير".
الملك الأشوري تغلت فلاصر الأول في غزوة جبال لبنان القديم
نص الملك تغلت فلأصّر الأول الأشوري (1114 – 1076) ق.م.
بين القرن العشرين والثاني عشر قبل المسيح، إحتدم الصراع بين الأشوريين وجيرانهم البابليين والميتانيين والحثيين والآراميين.
وبعد أن قضى شعوب البحر منهم الفلسطو على الإمبراطورية الحثية نحو السنة 1200 ق.م. وانحسار النفوذ المصري في الشرق، بدأ الأشوريون يتوسعون في اتجاه الغرب. فبسط الملك الأشوري تغلت فلاصر الأول سيطرته من أرمينيا حتى البحر الأبيض المتوسط.
وقد بلغ جبال لبنان الغنية فأعجبته بثرواتها الطبيعية وأخشاب غاباتها.
فدوّن في إحدى كتاباته:
"أتيت إلى لبنان قطعت خشب الأرز لهيكل أنو وأدد"
ويذكر في موضع آخر:
"بطلب من آنو وأدد الإلهين الكبيرين سيديّ، أتيت إلى جبال لبنان قطعت جذوعًا من الأرز لهيكل آنو وأدد".
لبنان في نص الملك أشور ناصربال الثاني (883 – 859) ق.م.
إفتتح الملك الأشوري أشور ناصر بال الثاني مرحلة جديدة من الفتح الأشوري للغرب وصولاً حتى شاطئ البحر المتوسط.
لقد افتتح موجة جديدة من حملات عسكرية لم تنته إلا بسقوط نينوى في السنة 612 ق.م.
إجتاز الملك أشور ناصربال الثاني الفرات واحتل كركميش ثم اتجه نحو لبنان القديم بهدف السيطرة على شواطئ البحر المتوسط.
أرّخ حملته هذه، في نقش على بلاط معبد نينورتا في كلخ نقرأ فيه:
"ملوك جميع البلدان المجاورة أتوا إليّ قبّلوا قدميّ، وأخذت منهم رهائن، وساروا معي في الطليعة (أمامي) في اتجاه لبنان...
ثم استوليت على كل جبل لبنان ووصلت إلى بحر أمورو العظيم وغسلت سلاحي في البحر العميق".
ثم ذكر الضرائب التي فرضها على مدن الساحل:
"صور وصيدون وجبيل ومحالاتا وميزا وكيزا وبلاد أمورو وجزيرة أرواد، الذين دفعوا (الجزية) ذهبًا وفضة وقصديرًا ونحاسًا وثيابًا مزركشة ومصبوغة وقرودًا صغيرة وكبيرة وأبنوسًا وصناديق خشب وعاجًا من أنياب عجول البحر..."
في نص آخر يذكر أشور ناصر بال الثاني مجيئه إلى لبنان وحصوله على خشب الأرز والشربين:
"إلى جبل لبنان ذهبت، وألواحًا من الأرز والشربين... قطعت".
لبنان في نص الملك الأشوري شلمنصّر الثالث (858 – 824) ق.م.
عُرف عهد الملك أشور ناصر بال بنزعة توسعية إستمرت بعد وفاته على يد خلفه الملك شلمنصّر الثالث الذي واجه حلفًا عسكريًا ترأسه ملك دمشق بن هدد الآرامي وضمّ اثني عشر ملكًا بينهم الملك الإسرائيلي أحاب وملك عربي اسمه جنديبو وملوك عرقة وإرواد وحماه وعمون وسواهم.
تواجه الجيشان في قرقر عند العاصي في السنة 855 ق.م. وادّعى الملك الأشوري النصر في المعركة.
وكان ملوك صور وصيدا وجبيل قد تحصّنوا بالقرب من مدينة البترون وبنوا ثلاثة حصون في "كيزا" وميزا" و"ماحالاتا" التي أطلق عليها الإغريق اسم طرابلس أي المدن الثلاث.
هاجم شلمنصر الثالث في السنة 842 ق.م. ملك دمشق الآرامي حزائيل الذي تحصّن في جبل سنير المواجه لجبل لبنان.
ويروي الملك الأشوري تفاصيل عن حملته العسكرية تلك:
"في السنة الثامنة عشرة لملكي، عبرت الفرات للمرة السادسة عشرة. إعتمد حزائيل (ملك) دمشق على كثرة جيشه واستدعى فرقه بأعداد كبيرة، واتخذ جبل سنير المواجه لجبل لبنان حصنًا له. حاربته فانتصرت عليه... وقد هدمت مدنًا لا عدّ لها وأحرقتها بالنار... ثم تقدّمت نحو بعلي راسي (رأس بعل) الجبل المشرف على البحر. هناك أقمت نصبًا ملكيًا لشخصي..."
من المرجح أن الملك شلمنصر الثالث قد نحت نصبًا أول له عند رأس الناقورة مقابل مملكة صور، قبل أن يتابه زحفه شمالاً ويصل إلى موقع نهر الكلب حيث نقش نصبه الثاني إذ يتابع في سرده تفاصيل الحملة العسكرية فيقول:
"وعند رجوعي، صعدت إلى جبل لبنان، ونقشت صورتي إلى جانب صورة تغلت فلأصّر الملك".
ويرد اسم لبنان بين أسماء البلاد التي احتلها وسيطر عليها في حملته والممتدة بين البحرين الأعلى ةالأدني أي بين جلة والبحر المتوسط:
"شلمنصّر... التنين الكبير، ملك آشور، فاتح البحرين الأعلى والأدنى وبلاد حتّي ولوهوتي وأدري، ولبنان..."
لبنان في نص الملك تَغِلَت – فلأصّر الثالث (745 – 727) ق.م.
إعتلى عرش نينوى أعظم ملوك الأشوريين تغلت لأصّر الثالث في السنة 745 ق.م.
سيطر على سوريا الشمالية في السنة 738 ق.م.
إحتل دمشق السنة 722 ق.م. وكانت مركز القوة الآرامية، فأحرقها.
فرض سيطرته على فلسطين وغزّة.
أما ملك جبيل شبتي بعل وملك صور وصيدا أحيرام الثاني فدفعا الجزية مقابل استقلالهما الداخلي.
يذكر الملك الأشوري أنه تلقى من صور وحدها 150 وزنة من الذهب.
في السجلات المنقوشة على بلاطات عثر عليها في كلخ، ورد اسم لبنان في تعداد المطن التي خضعت للملك الأشوري تغلت – فلأصّر ودفعت له الجزية:
"أوزنو، سيانو، صميرا، راشبونا... كذلك مدن جبل ساو، الجبل الذي يستند إلى لبنان..."
وفي نص آخر، نقش بالكتابة المسمارية على لوح يُعرف بلوح نمرود، معروض في المتحف البريطاني، يصف تغلت فلأصّر الثالث قصوره في كلخ، وقد أدخل في بنائها خشبًا من لبنان:
"بألواح طويلة من الأرز، الذي يوازي بطيب رائحته شجر السرو، إنتاج الأمانوس، ولبنان، وجبل أماناتا، بنيت سقوفًا لها (لقصوره) وأتممتها بشكل كامل".
لبنان في نص الملك أسرحدون( 689 –669) ق.م.
من الثورات التي اندلعت بوجه الحكم الأشوري، ثورة حرّض عليها فرعون مصر، وقعت في صيدا في السنة 676 ق.م. التي تزعمت المدن الفينيقية منذ عهد سنحريب (705 – 681 ) ق.م.
نظّم الملك الأشوري أسرحدون حملة عسكرية على صيدا ودمّرها تدميرًا كاملاً وبنى مكانها مدينة جديدة أسماها "كار أسرحدون".
ويروي أسرحدون على إحدى النقوش تفاصيل حملته على سوريا ولبنان وفلسطين والجزية التي فرضها على ملوك المنطقة وهي خشب لبناء قصره في نينوى:
"أرسلتهم جميعًا لينقلوا إلى نينوى... ألواحًا سميكة من الأرز والشربين منتوجات سيرارا ولبنان.
ثم يقرر أسرحدون الزحف على مصر، فعقد معاهدة مع بعلو ملك صور في السنة 671 ق.م. ورد فيها اسم لبنان، أمّن له الأسطول الصوري وحماية أموال الملك الأشوري في البحر.
إلا أن ملك صور نقض المعاهدة ورفض نقل الجنود الأشوريين إلى مصر.
فحاصر أسرحدون صور. لكنه لم يستطع أن يخضعها.
ثم زحف نحو مصر بمساعدة القبائل العربية في الصحراء، فسقطت بيده وأعلن نفسه ملكًا عليها.
ثم عاد أدراجه وعبر الساحل الفينيقي وخلّد انتصاراته على لوحة صخرية عند مصب نهر الكلب، إلى جانب لوحات الملوك والحكام السابقين له مثل رعمسيس الثاني وأشور ناصر بال الثاني وشلمنصر الثالث وسواهم...
لبنان في نص الملك أشوربانيبال (668 – 626) ق.م.
خلف الملك أشوربانيبال والده الملك أسرحدون على عرش الإمبراطورية الأشورية فبلغت في عهده أوج عظمتها.
سار على خط أسلافه في التوسع العسكري والإجتياحات.
إحتل مصر العليا ودمّر عاصمتها طيبة (663 ق.م.) بعد سيطرته على السامرة وبابل ومدن أخرى.
في طريق عودته من مصر، قدّم له الطاعة ملكا إرواد وصيدون.
أما صور فتمردت عليه. حاصرها لسنوات أربع، إنتهت بتسوية سلمية قضت بأن تدفع صور ضرائب جمّة وأن يصطحب الملك أشوربانيبال معه ابنة ملك صور، ويضمها إلى حريم العاهل الأشوري. وفي المقابل تحتفظ المدينة باستقلالها الداخلي وتستمر بنشاطها التجاري البحرير وتمتنع عن التحالف مع مصر.
يذكر أشوربانيبال في أحد سجلاته أن استعمل شجر غابات لبنان في بناء معبد الإلهة "سين في حرّان".
"الأرز العالي الذي ينمو في لبنان، والشربين الذي خلقه أدد في سيرار..."
بعد وفاة أشوربانيبال دخلت الإمبراطورية الأشورية مرحلة احتضار سمحت للكلدان والفرس أن ينقضّوا عليها ويدمروها في السنة 612 ق.م.
لبنان في نص الأمير كومّا الأشوري
(منتصف القرن السابع) ق.م
ورد اسم لبنان في نص بالخط المسامري مدوّن على لوح من الأجر المشوي، يعود لمنتصف القرن السابع ق.م.، عُثر عليه في مدينة أشور.
إنه قصيدة نثرية تروي حلم أمير أشوري، اسمه "كوما"، أراد أن يكوّن رؤيا للعالم السفلي، مملكة نرغال وأريشكيغال.
قام البروفسور الألماني ولفرام فون سودن بترجمة النص إلى الألمانية، وقد ورد اسم لبنان فيه في العبارة التالية:
"... الإحتفال المقدّس يمهرجان – السهل – للسنة الجديدة في روضة الخصب صورة لبنان... إلى الأبد".
دُمرت نينوى على يد الكلدانيين والميديين في السنة 612 ق.م.
إنتقلت السيادة على سوريا ولبنان القديم وفلسطين من الأشوريين إلى الكلدانيين.
إحتدم الصراع مجددًا بين بلاد ما بين النهرين وبلاد مصر الفرعونية.
في السنة 605 ق.م.، إنتصر الملك الكلداني تبوخذنصر الثاني (605 – 562 ق.م.) على الفرعون المصري نخاو الثاني في معركة كركميش على الفرات.
أكمل زحفه جنوبًا واحتل سوريا وفلسطين وسبى اليهود إلى بابل في السنة 586 ق.م.
إعترفت المدن الفينيقية بالأمر الواقع فاحتفظت باستقلالها مقابل دفع الجزية، باستثناء صور التي تمرّدت على البابليين.
وكان النبي حزقيال قد تنبّأ بحملة الملك الكلداني على صور في عهد ملكها إيتوبعل الثاني، فذكر في حزقيال 26: 2 – 10
"هأنذا أجلب على صور نبوخذنصر ملك بابل، ملك الملوك، من الشمال، بخيل وبمركبات وبفرسان وجمع وشعب كثير، فيقتل بناتك في الحقل بالسيف ويبني عليك معاقل، ويبني عليك برجًا ويقيم عليك مترسة... ولكثرة خيله يغطّيك غبارها، من صوت الفرسان والعجلات والمركبات تتزلزل أسوارك عند دخوله أبوابك كما تدخل مدينة مثغورة".
صدقت نبوءة حزقيال في صور البرية أما صور البحرية فقاومت الحصار ثلاث عشرة سنة، بدءً بالسنة 585 ق.م.، ثم وقعت مع الغزاة اتفاقية سلام في السنة 572 ق.م.
لبنان في نص الملك نبوخذنصّر الثاني
(605 – 562ق.م.
الحلقة الأولى
إتخذ الملك الكلداني نبوخذنصّر الثاني، قاعدة له، مدينة "ربلة" شمالي غربي منطقة الهرمل، عند نهر العاصي الشمالي.
في وادي بريسا، أقام نصبين على واجهتين صخريتين متقابلتين تشرفان على الممر الذي يعبر الوادي من الهرمل باتجاه سهلة مرجحين وجباب الحمر.
في النصب الأول يبدو الملك الكلداني واقفًا أمام شجرة كبيرة.
في الثاني يبدو وهو يصدّ أسدًا يهاجمه.
وفي كلا النصبين كتابة بالخط المسماري تشير إلى مآثر الملك الكلداني وإلى حملته العسكرية التي وصلت إلى لبنان.
يقول النص المسماري:
"من البحر الأعلى إلى البحر الأدنى... هذا ما أوكله لي مردوخ... لقد جعلت مدينة بابل مميزة بين الأقطار ومساكن الناس. كملك حكيم دائمًا رفعت اسمها ممجدًا بين المدن المقدسة... مع معابد الربّين نابو ومردوخ..."
في ذلم الزمن، كان لبنان، جبل الأرز، غابة مردوخ العنية، العابقة بالروائح العطرية، ذات الشجر العالي الذي أراده نابو ومردوخ زينة مناسبة لبيت ملك السماء والأرض، كان مُبتلى بعدو غريب متسلّط عليه ينهب خيراته ويشرّد بنيه فيهربون إلى مناطق عدة.
بالإتكال على سيدي نابو ومردوخ، نظّمت (جيشي) في (حملة) إلى لبنان. جعلت هذا البلد هانئًا واستأصلت أعداءه في كل مكان. أعدت المهجّرين إلى بيوتهم. وهذا ما لم يفعله أي ملك من قبل.
شققت مسالك في الجبال الوعرة وفتّتت الصخور ففتحت ممرات خلالها، وأنشأت طريقًا مستقيمًا لنقل أخشاب الأرز، التي حملها النهر معه إلى سيدي مردوخ. جذوع الأرز الطويلة المتينة ذات اللون الداكن والجمال الرائع، إنتاج لبنان الوفير، غدت محمولة في النهر كالأقصاب. وقد اختزنت الأخشاب في بابل".
وعملت على أن يعيش سكان لبنان معًا بأمان وألا يزعجهم أحد. ولكي يعتبر كل طامع في أرضهم فلا تحدّثه نفسه بالإعتداء عليهم، فإنني قد أقمت هناك نصبًا لي. ليشهد أنني الملك الذي لا يزول ملكه.
إلى نصبي وادي بريسا، ثمة نصبان آخران في وادي بريسا خلّفهما نبوخذنصّر الثاني وراءه منقوشان على واجهة صخرية قريبة من نبع ماء في وادي السبع غربي أكروم.
في النصب الأول يبدو الملك الكلداني وهو يطعن أسدًا، وفي الثاني يظهر واقفًا يصلي أمام صور رمزية تمثّل الآلهة.
كذلك عند محلة نهر الكلب في كسروان، لوحة عند الضفة اليمنى من النهر مشابهة لنقش وادي بريسا، خلّد فيها نبوخذ نصر الثاني عبوره فوق النهر.
ورد اسم لبنان في نص كلداني يعود للملك نابونيدس وهو آخر ملوك بابل.
إلى استغلاله كأسلافه موارد لبنان الطبيعية لا سيما الخشب، يذكر في سجلاته العائدة للسنة الخامسة 550 ق.م. والسادسة 549 ق.م. من حكمه، أنه كان يستقدم "الحديد من لبنان" ويحدد الكمية التي ينقلها إلى مملكته وكانت توازي 129 كلغ.
لبنان في نص الملك الفارسي داريوس الأول
(521 – 485 ق.م.
دفع لبنان للفرس ضريبته من ثرواته الطبيعية وخشب غاباته.
وأشرف الفرس على قسم كبير من الأحراج اللبنانية.
كانت الديانة الفارسية الزردشتية بسيطة. لم تتطلب طقوسها بناء الهياكل الضخمة بل اكتفت بمذابح حجرية للنار.
واستعمل الخشب في بناء الأساطيل وتشييد قصور برسيبوليس وبازاغاد وسوسه وأقباط.
ترك ملك الفرس داريوس الأول في مدينة سوسة العاصمة، نقشًا ذكر فيه كيفية بناء قصره الملكي والمواد التي استعملت في عملية البناء ومنها خشب أرز لبنان.
يقول النص:
"إله عظيم هو أهورامزدا، الذي خلق الأرض والسماء والإنسان، وجعل داريوس ملكًا...
كل ما فعلته برضى أهورامزدا فعلته...
هذا القصر الذي بنيته في سوسة من بعيد جلبت مواد زخرفه...
خشب الأرز هذا جلبته من جبل يسمى لبنان.
الشعب الأشوري أتى به من بابل
الكاريون والآيونيون نقلوه إلى سوسه.
في سوسة عمل ممتاز قد أنجز ليكن أهورامزدا حاميًا لي، لوالدي ولبلادي..."
الإسكندر المقدوني في لبنان
هزم الإسكندر المقدوني الملك الفارسي داريوس الثالث في معركة إيسوس السنة 332 ق.م. في كيليكيا، لكنّه لم يتابع زحفه نحو عاصمتهم برسيبوليس، بل اتجه جنوبًا واستولى على المدن الفينيقية التي كانت حليفة للفرس ضد المقدونيين: أرواد وجبيل وبيروت وصيدا التي استسلمت جميعها من دون اية مقاومة.
وحدها صور وكانت القاعدة البحرية للأسطول الفينيقي وأعظم قوة بحرية في المتوسط الشرقي، فقد طلبت عقد معاهدة مع الإسكندر وأرسلت من أجل ذلك وفدًا قدم له تاجًا من ذهب وكثيرًا من المؤن الغذائية لجنده.
قبل الإسكندر الهدايا واستقبل الوفد بحفاوة وأبلغ الرسل رغبته في تقديم القرابين لهرقل (ملقرت) في هيكله في جزيرة الصوريين.
لكن الصوريين رفضوا أن يدخل الإسكندر مدينتهم وطلبوا منه تقديم القرابين في هيكل صور البرية لأن هيكل الجزيرة من حقوق ملك الصوريين فقط.
قرر الإسكندر أن يسيطر على صور البحرية ويحتلها مهما كلّفه الأمر.
أمر ببناء سد يصل البر الصوري بالجزيرة المنيعة المحاطة بأسوار ترتفع مئة وخمسين قدمًا.
إستعمل الإسكندر ركام البيوت التي هدمها في صور البرية في عملية الردم.
صيدا وأول انتحار جماعي في التاريخ
إحتلت صيدا في ظل الحكم الفارسي المرتبة الأولى بين ممالك الساحل الفينيقي القديم.
زشملت سلطة ملكها المنطقة الواقعة بين نهر الدامور ونهر القاسمية أو الليطاني.
وكانت تحدها من الشمال مملكة جبيل التي تمتد منطقتها الساحلية من نهر الدامور حتى رأس شكا وتتبعها بيروت.
أما من الجنوب فمملكة صور التي تمتد من نهر القاسمية حتى عكا والكرمل.
من الأرجح أن أراضي مملكة صيدون إمتدت جنوبًا حتى مدينة يافا الساحلية في سهل شارون أو سارون.
إذ ورد في نص فينيقي منقوش على غطاء ناووس أشمون عازر الثاني ملك صيدون الذي حكم في الربع الأخير من القرن السادس قبل المسيح "إن الملك الفارسي داريوس سيد الملوك، قد وهبه مدينتي دور ويافا، مكافأة لأجل العظائم التي صنعها في إشارة إلى مشاركة الملك الصيدوني في حملة الفرس ضد مصر.
وجاء في النص ما يلي:
"وأعطانا سيد الملوك دأر ويافي أراضي دَجَن العظيمة التي في سهل شارُن لأجل العظائم التي فعلت. وأضفناها إلى تخم الأرض لتكون إلى الصيجونيين إلى الأبد".
وكانت ممالك صور وصيدا وجبيل وأرواد قد أنشأت فيما بينها اتحادًا مركزه مدينة طرابلس يجتمع أعضاؤه فيها سنويًا للتداول في شؤونهم المشتركة وعلاقاتهم بالملك الفارسي.
وجد الفينيقيون في الإمبراطورية الفارسية الشاسعة مجالاً رحبًا لنشاطهم التجاري. كما وجدوا في الفرس حليفًا مهمًا ضد منافسيهم التقليديين الإغريق.
وقد استفاد الفرس من مؤهلات اللبنانيين الفينيقيين في الملاحة وطلبوا منهم المشاركة في حملاتهم ضد الغريق منافسيهم التقليديين في التجارة البحرية.
وكان ملك صيدا قائدًا أعلى للأسطول الفارسي الذي بناه الفينيقيون بمعظمه من خشب غاباتهم وكان يحتل المركز الأول بين الملوك والقادة من حلفاء الفرس.
الحلف الفينيقي الفارسي لم يلبث أن سقط بسبب محاولة ملك صيدا عبد عشتروت ستراتون الخروج على طاعة الفرس للإنضمام إلى الحلف المصري الإغريقي فنشبت الثورة ضد الفرس في الحي الصيدوني في طرابلس ثم انتقلت إلى صيدا بقيادة الملك إبنيت أو تينيس.
وقطع أهل صيدا أشجار الحديقة الملكية فيها وأشعلوا النار في التبن والحشيش اليابس المخزون لخيالة الفرس.
فسير الملك الفارسي أرتحششتا الثالث حملة ضد صيدا في السنة 348 ق.م. قوامها مئتا ألف راجل وثلاثون الف فارس واسطول من 800 سفينة.
وبينما هو في طريقه لقمع ثورة صيدا إلتقى ببعض ولاته على سوريا وكيليكيا الذين حاولوا قبل ذلك قمع الثورة في لبنان لكن الفينيقيين هزموهم.
تقدمت الجحافل الفارسية ورفض الملك الفارسي التفاوض.
فضل الصيدانيون الموت على الإستسلام، فأغرقوا مراكبهم في الميناء ودخلوا بيوتهم وأقفلوا أبوابهم واستسلموا للموت حرقًا فسجلوا أول انتحار قومي في التاريخ.
في السنة 333 ق. م. إجتاح الغسكندر المقدوني الشرق فسقطت الإمبراطورية الفارسية تحت ضرباته وبدأ عهد جديد في العلاقات بين الشرق والغرب.
يذكر المؤرخ اللاتيني كوينتوس كورتيوس من القرن الأول للميلاد في تاريخه أن الخشب المستخدم في صناعة الأطواف والأبراج كان يجلب من لبنان.
ثمة منطقة جبلية قريبة من مدينة صور ترتفع فوق الألف متر كانت مصدرًا لخشب أشجار الصنوبر والسنديان والسرو والشربين والعرعر والشوح والأرز تقع في القسم الجنوبي من السلسلة الشرقية أي جبل حرمون.
وكان المؤرخ كورتيوس قد وصف المقاومة التي أبداها الصوريون في مواجهة مهاجميهم فقال: "إن عربًا من لبنان هاجموا المقدونيين فقتلوا ثلاثين منهم وأسروا عددًا آخر.
من المرجح أن هؤلاء العرب هم من الأيطوريين شبه الرحل، قدموا من أيطوريا في الجنوب الشرقي من دمشق أي من منطقة حوران وجبال اللجى وتوسعوا في اتجاه السلسلة الشرقية من جبال لبنان وجعلوا مدينة خلقيس عاصمة لمملكتهم العربية الشبيهة بالمملكة النبطية في البتراء.
توسعت هذه المملكة حتى البقاع الذي أطلق عليه المؤرخ اليوناني بوليبيوس حوض مارسياس أو ماسياس وفق المؤرخ سترابون.
وتمدد سلطانهم ليشمل بعض الحصون الجبيلة في لبنان مثل سيناس أو صنين وبوراما أو برمانا وجيغارتا ورأس الشقعا قرب البترون.
كان الأيطوريون ينطلقون من هذه الحصون ليهاجموا مدن الساحل اللبناني بين صيدا والبترون يسلبون وينهبون ثم يعودون إلى قواعدهم ظافرين.
يذكر المؤرخ اليوناني بلوتارك (50 – 125 م.) في كتابه حياة الإسكندر أن القائد المقدوني خلال حصاره لمدينة صور قام بحملة ضد العرب الذين كانوا يقيمون قرب الأنتيليبان.
جغرافية لبنان في العهد الهلنستي اليوناني السابق للعهد الروماني
يذكر المؤرخ اللاتيني كوينتوس كورتيوس من القرن الأول للميلاد في تاريخه أن الخشب المستخدم في صناعة الأطواف والأبراج كان يجلب من لبنان.
ثمة منطقة جبلية قريبة من مدينة صور ترتفع فوق الألف متر كانت مصدرًا لخشب أشجار الصنوبر والسنديان والسرو والشربين والعرعر والشوح والأرز تقع في القسم الجنوبي من السلسلة الشرقية أي جبل حرمون.
وكان المؤرخ كورتيوس قد وصف المقاومة التي أبداها الصوريون في مواجهة مهاجميهم فقال: "إن عربًا من لبنان هاجموا المقدونيين فقتلوا ثلاثين منهم وأسروا عددًا آخر.
من المرجح أن هؤلاء العرب هم من الأيطوريين شبه الرحل، قدموا من أيطوريا في الجنوب الشرقي من دمشق أي من منطقة حوران وجبال اللجى وتوسعوا في اتجاه السلسلة الشرقية من جبال لبنان وجعلوا مدينة خلقيس عاصمة لمملكتهم العربية الشبيهة بالمملكة النبطية في البتراء.
توسعت هذه المملكة حتى البقاع الذي أطلق عليه المؤرخ اليوناني بوليبيوس حوض مارسياس أو ماسياس وفق المؤرخ سترابون.
وتمدد سلطانهم ليشمل بعض الحصون الجبيلة في لبنان مثل سيناس أو صنين وبوراما أو برمانا وجيغارتا ورأس الشقعا قرب البترون.
كان الأيطوريون ينطلقون من هذه الحصون ليهاجموا مدن الساحل اللبناني بين صيدا والبترون يسلبون وينهبون ثم يعودون إلى قواعدهم ظافرين.
يذكر المؤرخ اليوناني بلوتارك (50 – 125 م.) في كتابه حياة الإسكندر أن القائد المقدوني خلال حصاره لمدينة صور قام بحملة ضد العرب الذين كانوا يقيمون قرب الأنتيليبان.
أنتي ليبان وهي المنطقة الشمالية للبنان اليوم، ذكرها المؤرّخ والجغرافي اليوناني سترابو (58 ق.م. – 21 م.) في كتابه "الجغرافيا" ، وجعل حدودها نهر أسماه الحريو وهو النهر الكبير الجنوبي الفاصل بين حدود لبنان الشمالي وسوريا.
كان هذا النهر في زمن سترابون يفصل بين سالوقيا من جهة وفينيقيا وسوريا المجوّفة من جهة أخرى.
وسوريا المجوّفة تقع بحسب سترابون بين سلسلة جبال لبنان الموازية للسلسلة الأخرى المسماة أنتي ليبون. أي أن هذا الإسم أطلق على سهل البقاع بعد فتوحات الإسكندر المقدوني.
وسها البقاع بالنسبة للمؤرخ بوليبيوس يُعرف بحوض مارسياس ويمتد بين جبال لبنان أي السلسلة الغربية وأنتي ليبان أي السلسلة الشرقية.
أما المؤرخ سترابون فذكر أن مقاطعة سهل مارسياسي أو ماسيساس تبدأ من مدينة اللاذقية وكانت تعرف بلاذقية لبنان بناها سالوقس الأول على العاصي تيمنًا باسم أمه، وفي هذا الموقع بالذات بنيت مدينة قادش القديمة وتعرف اليوم بتل النبي مدد جنوبي مدينة حمص.
من المرجح أنها سميت بلاذقية لبنان لتفرقتها عن اللاذقية الحالية الواقعة على ساحل البحر.
إن الحدود الجغرافية اللبنانية في العهد الهلنستي تمددت شمالاً حتى مشارف مدينة حمص شاملة السلسلتين الشرقية والغربية وهذه حقيقة تتواءم مع ما ورد في الكتاب المقدس – العهد القديم حول حدود جبل لبنان من الجنوب إلى الشمال من بعل حرمون إلى مدخل حماة وذلك في سفر القضاة 3:3.
إنتهى العمل ببناء السد الذي أمر به الإسكندر.
إقتحم المقدونيون أسوار صور المنيعة بعد أن بنوا أبراجًا يبلغ ارتفاع كل منها 53 مترًا لتشرف على الأسوار.
سقطت صور في الشهر السابع من بدء الحصار في آب 333 ق.م. بعد قتال ضار.
دمر الإسكندر أسوارها وقتل قسمًا من سكانها وشتت الآخرين.
حلّت مدينة الإسكندرية في مصر مكان صور وسلبتها دورها الإقتصادي والثقافي.
أكمل الإسكندر سيطرته على الأجزاء الغربية من الإمبراطورية الفارسية واحتل مصر.
ثم انتقل شرقًا ودخل عاصمة الفرس.
وأقام نفسه وريثًا شرعيًا لآخر ملوك فارس.
ثم تابع زحفه حتى وصل شمال شرقي الهند.
إستغل الإسكندر ثروة لبنان من خشب غاباته لبناء أساطيله.
أصدر أوامره إلى الحكام الذين أقامهم على ميزوبوتيميا أي بلاد ما بين النهرين بأن يقطعوا الخشب من لبنان ويجلبوه إلى مدينة تابساكوس على الفرات الأعلى لاستعماله في بناء أسطول من 700 سفينة ذات سبعة صفوف من المجاذيف وينقلوه بعد ذلك إلى بابل كما ورد في كتاب "التاريخ" لكوينتي كورسي.
يذكر المؤرخ اليهودي فلافيوس يوسيفوس في القرن الأول الميلادي أن اليهود دعموا أنطيوخوس الثالث في حملته على فلسطين ضد بطالسة مصر لطردهم من البلاد وساندوه وزودوا رجاله بالغذاء.
تعاطف أنطيوخوس مع اليهود وأصدر قراره بإكمال بناء معبد أورشليم وأمر بجلب الخشب المعفى من الرسوم من اليهودية من البلاد الأخرى ولاسيما من لبنان.
لبنان في آخر عهود الإغريق الهلنستيين
أنطيوخوس الرابع أكمل سياسة سلفه التوسعية وهاجم بطالسة مصر في ديارهم في السنة 169 ق.م.
قبل أن تدخل مملكته بعد وفاته في السنة 164 ق.م. في حال من التمزق والإنحلال.
نشبت نزاعات على العرش واندلعت ثورات داخلية.
إحتل الفرس بلاد الرافدين.
أقيمت إمارة آرامية مستقلة في منطقة الرها واسس الأنباط دولتهم عبر الأردن وجعلوا من البتراء عاصمتهم.
أما الأيطوريون فسيطروا على حوران وجبل لبنان الشرقي والبقاع وتسللوا غربًا إلى الساحل اللبناني.
إستقلت اليهودية.
إجتاح تيغرانس ملك أرمينيا سوريا الشمالية وكيليكيا وصولاً حتى عكا عاقدًا حلفًا مع حميّه ميتريدانس ملك بلاد البنطس الواقعة عند الشاطئ الجنوبي الشرقي من البحر الأسود.
في السنة 160 ق.م. إحتلت الجيوش الرومانية بقيادة بومبيوس الشرق وانتقلت السلطة من السلوقيين والبطالسة اليونان إلى الرومان ليبدأ عهد جديد.
خلال قرن من الزمن من 164 ق.م. حتى 64 ق.م. شهدنا انحلال الإمبراطورية الإغريقية السلوقية وتمكنت بعض المدن الفينيقية لاسيما صور وصيدا وبيروت من الإحتفاظ باستقلال ذاتي وخضعت لحكامها المحليين وحصلت على اعتراف بحصانتها ومارست نفوذها في صراع الملوك الإغريق المقدونيين في مصر وسوريا واحتفظت بعلاقات تجارية مع الفئتين. وكان لها حق الحصول على حكومات محلية مستقلة تحت ظل الحكم الهلنستي. فسكّت عملتها الخاصة.
لبنان في ملحمة الشاعر ننّوس – الديونيزياكا – القرن الرابع م.
يصف الشاعر ننوس بيروت في ملحمته فيقول:
إنها مدينة "بيروي"، سحر حياة الإنسان، مرفأ كل حب، الراسخة فوق البحر، ذات الجزر الرائعة، والخضرة الممرعة. إنها جسر ضيق لرأس مستطيل حيث العنق المرتفع بين بحرين تضربه الأمواج من جانبيه، تمتد من أحد الجوانب منتشرة تحت جسر كثيف من غابات لبنان... في الشرق المتوهّج، حيث يهب على سكّانها نسيم منعش للحياة، يوشوش عاليًا، وهو يحرّك أشجار السرو بنفحات من العطور... والجانب الآخر للمدينة يطل على البحر، حيث تقدّم صدرها لبوزيدون (إله البحر)، فيعانق الزوج المائي عنق المرأة المنفتح بذراع مبتلة، طابعًا قبلات رطبة على شفتي عروسه"...
الأبجدية الفينيقية
يكاد يجمع الباحثون على اعتبار مدينة جبيل مهدًا للأبجدية، بعد أن اكتُشفت فيها أوان حجرية وفخارية وخناجر مصقولة وفؤوس نُحتت عليها أحرف أبجدية تعود إلى ما قبل القرن الثامن عشر قبل الميلاد.
أما ناووس الملك أحيرام الحجري ذو الشهرة العالمية والذي يعود إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد، فقد عثر عليه بداية عمال الآثار في كانون الاول 1923 وهم ينقبون في أحد المدافن الملكية في مدينة جبيل.
على ناووس أحيرام نص يتشكل من عشرين حرفًا من أصل اثنين وعشرين حرفًا تؤلف الأبجدية الفينيقية. وكلها حروف ساكنة وصامتة.
أهمية هذا الناووس العالمية مردّها إلى الكتابة المنقوشة عليه والتي تُعبر النص الأبجدي الأقدم والأكمل من حيث عدد أحرف الأبجدية الفينيقية الجبيلية ما جعل المؤرخين وأهل العلم يعتبرونها أم جميع الأبجديات الحديثة.
إنطلقت الدراسة الأولى التي أعدها الدكتور ابراهيم كوكباني عن الأبجدية الفينيقية من الوثائق المتوافرة والمدونة على قطع أثرية معظمها محفوظ في المتحف الوطني. وهذه الكتابات مدوّنة على الحجر والخشب والحديد وورق البردي. يشكل بعضها قاعدة تماثيل، وبعضها الآخر مدوّن على النواويس الحجرية وعلى قطع من البرونز والرخام. وتكمن أهمية الإبداع الفينيقي بما أعطاه للعالم، وأن فينيقيا بحكم موقعها دفعها إلى ابتداع نمط من التعاطي الكتابي لتسهيل الأعمال.
وعليه فقد أتقن الفينيقيون التدوين بالهيروغليفية والمسمارية اللتين من خلالهما كان يلبي حاجات زبائنه في مصر وبلاد ما بين النهرين تجاريًا بطلبات مدونة باللغتين. وعن أهمية الأبجدية الفينيقية، يوضح الدكتور "كوكباني" أن الفينيقيين اختصروا الصورة بالصوت وابتدعوا ما يُعرف اليوم بالسمعي البصري. في البداية استعاضوا عن رسم آلاف الحروف بـ22 حرفًا ثم بـ28 حرفًا حسب الحاجة. وتلقفت بلدان اليونان ومصر وبلاد ما بين النهرين هذه الأحرف واعتمدت حاجتها منها لأنه كان فيها اختزال فكري. وعوضًا أن تكون الكلمة مصورة أصبح التعبير عنها بنبرة أحادية أي بالحروف الأبجدية.
ويوضح الدكتور "كوكباني" أن مجموع هذه اللوحات وما تضمنته من كتابات تشكل بحد ذاتها كتابًا مفتوحًا من تاريخ لبنان القديم والحديث، وقد شكلت إثباتًا موثقًا لضرورة إدراج لبنان في خريطة "ذاكرة العالم" وهذا ما يؤكد أن لبنان قائم منذ فجر التاريخ، وأن الأوطان ليست مساحة بل قيمة تاريخية وثقافية وحضارية.
في السنة 5000 ق.م. أسست جماعات من الصيادين مدينة جبيل بعدما سكنوا فيها داخل أكواخ مؤلفة من حجرة واحدة.
بذلك تكون جبيل القرية الأولى في العالم، سكنها الإنسان بعد أن هجر المغاور.
تبعد عن بيروت 37 كيلومترًا شمالاً.
أطلق عليها اليونان والرومان قديمًا اسم بيبلوس. وهي مدينة تجمع الحداثة والتاريخ في سحر دافئ، تلفّه أسرار وأحلام من صنع الآلهة.
لها حضور راسخ في التاريخ وشهرة جعلت منها جوهرة المتوسط.
في العصر الإنيوليتي، عصر النحاس، في الألف الرابع ق.م. كان المجتمع الجبيلي مجتمعًا مؤمنًا وكان الموتى يُدفنون في جرار كبيرة من الفخار مع بعضٍ من متاعهم.
إشتهرت جبيل بتجارة الأخشاب وبتصديرها إلى كل أنحاء المتوسط الشرقي وبنوع خاص إلى مصر الفرعونية.
إجتاحتها شعوب كثيرة أبرزها الأموريون وشعوب البحر والأشوريون والبابليون واليونان والرومان والبيزنطيون والعرب والصليبيون والمماليك والعثمانيون...
في ربوع مدينة جبيل ولدت أولى براعم العولمة، يوم اخترع الفينيقيون سكانها القدامى، الأبجدية التي فككت عقدة الإنسانية وسهلت التواصل وقرّبت المسافات اللغوية.
إنها الأبجدية، ثورة فينيقيا الفكرية!
لقد توصّل الجبيليون القدماء إلى اختراع الأبجدية مستنبطين رمزًا لكل صوت من الأصوات ومستبعدين الكتابة المسمارية والهيروغليفية.
بعد أن تلقى الإغريق والرومان الأبجدية الفينيقية اعتمدوها أساسًا للغتهم وبالتالي لجميع اللغات المعاصرة.
إن أقدم كتابة فينيقية تمّ العثور عليها مدوّنة على قبر أحيرام ملك جبيل.
يمكننا أن نعتبر هذا الناووس جوهرة المتحف الوطني وأصدق شاهد على سمو رسالة أرض لبنان وحضارة شعوبه.
للأبجدية الفينيقة مسار تاريخي تحدّث عنه بإسهاب وإعجاب كل مؤرخي الدنيا.
لقد أقدم الفينيقيون على ما لم يجرؤ أن يقدم عليه غيرهم.
قاموا بتحليل نبرات الصوت، فاتخذوا منها أبسط مركباتها وأنشأوا رموزًا لهذه المركبات، حصروها في اثنتين وعشرين نبرة لا غير، تعبر عن كل ما في اللغة من الرنات.
مما يثبت لنا حسن الطريقة الفينيقية هو أن هذا العدد بقي على ما كان عليه منذ آلاف السنين، فلم تر الإنسانية من حاجة إلى زيادته، ولم يضف إليه، رغم مرور الأزمان وتعدد لغات الشعوب التي اقتبست الأبجدية الفينيقية، سوى عدد قليل من الأحرف لا يتجاوز أصابع اليد.
اما الأحرف الفينيقية فهي : أ ب ج د ه و ز ح ط ي ك ل م ن "سامخ" ع ف ص ق ر ش ت.
لم يصل الفينيقيون إلى هذه المرحلة دفعة واحدة، فقد جرت محاولات عديدة للبحث عن أوفق الأشكال للتعبير عن الفكرة الأولى، كما أن الحوادث السياسية التي مرت بفينيقيا في عهد نشأة الأبجدية وترعرعها أثرت تأثيرًا بعيدًا في أشكال الأحرف.
كان نفوذ المصريين والحضارة المصرية سائدين في البلاد الفينيقية المتوسطة والجنوبية، في حين نرى البلاد الشمالية على احتكاك بالحضارة البابلية.
اتخذت الأحرف الأبجدية في المدن الشمالية أشكالاً مسمارية تختلف تمام الاختلاف عن الرموز المسمارية البابلية ولكنها تقترب منها من حيث شكلها المسماري. ولنا مثال على ذلك ملاحم أوغاريت وأناشيدها التي ترتقي إلى القرن الرابع عشر، كُتبت بأحرف فينيقية مسمارية.
اما المدن المتوسطة، كإرواد وجبيل، أو الجنوبية كصيدا وصور، فكانت أقرب إلى الحضارة المصرية. وقد ارتبطت بها بعلاقات عديدة منذ القرن الثلاثين قبل الميلاد. ما جعل الفينيقيين القاطنين في تلك المناطق يلجأون إلى الرسوم عند إقبالهم على الكتابة بأحرف لغتهم الفينيقية. فاتخذوا شكل حرف الباء المعروف بالبيت عن المسكن المؤلف من دار وغرفة، وشكل حرف الحاء أو الحيت عن الحائط، والجيم أو الجمل عن حدبة الجمل، والكاف عن الكف، والسين عن السن، والياء أو اليد عن اليد، والسامخ عن السمكة، وهكذا دواليك...
ولأن الفينيقي يميل إلى الإختزال، اختزل تلك الرسوم، فظهرت بأشكال أقرب إلى الأشكال الهندسية منها إلى الرسم. وقد ظهرت قبل القرن الثامن عشر. وأقدم نص لهذه الأبجدية هو النقش المنقوش على أنفس قطع في متحفنا، ناووس الملك أحيرام ملك جبيل في القرن الثالث عشر.
وهذا النص يقول:
ارنزن فعل ايتوبعل بن احرم ملك جبل لا حرم ابه كشته بعلم (الضريح هذا فعله ايتوبعل بن احيرام ملك جبيل لأحيرام أبيه كمسكن للأبد)
وال ملك بملكم وسكن بسنم وتما محنة على جبل وبجبل ارن زن (وإذا ملك بين الملوك وحاكم بين الحكام أقام المحنة على جبيل ونقل هذا الضريح)
تحتسف حطر مسفطه تهتفك كسي ملكه.
يحطم صولجان سلطته ويفكك عرش ملكه
وتحت تبرح على جبل وهو يمح سفره لفف شرل
والسلام يسود على جبيل وهو يمحى ذكره في فوهة دار الخلود
لهج اليونان الأقدمون بفضل الفينيقيين وأنشدوا مآثرهم وعددوها. فمن بنات صيدون اللواتي تغنى الشاعر هوميروس بحذقهن في صناعة الانسجة المزركشة الثمينة، إلى قدموس، ذاك الفينيقي الذي أسس طيبا اليونانية وحمل إلى اليونان الأحرف الأبجدية التي ستسمح لهم بتسطير بنات أفكارهم ونشرها في العالم، إلى هيرودوتز ذاك الرحالة اليوناني الشهير الذي ارتاد البلاد الفينيقية في القرن الخامس ق.م.، مستطلعًا البلاد التي انبثقت منها الحضارات القديمة.
رغم ما مضى على اقتباس الأبجدية من القرون، نرى اليونان يحتفظون ليس فقط بأشكال الأبجدية الفينيقية، فحسب بل أيضًا بأسمائها، فأحرفهم تدعى: ألفا بيتا جاما دلتا هيتا كايا الخ...
في أواخر القرن الرابع قبل الميلاد، يجمع الإسكندر شمل البلاد اليونانية ويهاجم بها البلاد الشرقية، ويحتك اب اليونان بالبلاد الرومانية، فتقتبس هذه البلاد الحضارة الرومانية وتأخذ عنها أشكال أحرفها. ثم تنتشر سلطة روما على البلاد الغربية اولاً، ثم على البلاد الشرقية.
فينتشر بانتشار سلطانها، استعمال أحرف الكتابة اللاتينية.
وترث هذه الأحرف الشعوب البربرية التي هاجمت البلاد الأوروبية والدولة الرومانية بين القرن الرابع والقرن السادس بعد الميلاد.
وتتمركز الشعوب البربرية في البلاد الأوروبية وتتحضر وتؤلف الدول الكبرى، وتصبح الأبجدية الفينيقية الأصل، أبجدية العالم الأوروبي بأجمعه. وفي غضون القرن الخامس عشر، يكتشف الأوروبيون البلاد الأميركية ويستوطنونها وينشئون فيها الدول الكبرى.
فتأخذ هذه الدول عن الأوروبيين طرق كتابتهم الفينيقية الأصل.
وهكذا بعد انقراض الحضارة الفينيقية بأجيال، نرى تراث حضارتهم ينتشر في العالم الجديد.
هذا في الغرب، أما في الشرق، فقد طلب الملك داود من أحيرام أن يسعفه ليس فقط بالمواد بل بالبنائين والفنانين. ولم يكد سليمان يعتلي عرش أبيه حتى عاود الكرة لدى أحيرام ملك صور وشدد عليه الطلب. فلباه، واحتل الفينيقيون مركزًا هامًا في أعمال سليمان البنائية والعمرانية. وما عتم سليمان أن طلب من الفينيقيين أن يثقفوا أهل بلاده على أمور الملاحة وأن يساعدوه على إعادة الخدود البحرية بين خليج العقبة وبلاد أوفير، أي الحبشة.
تتلمذ العبريون للفينيقيين وأخذوا عنهم أحرفهم الأبجدية فخطت هذه الأحرف خطة جديدة نحو الشرق.
ها إنا إذًا نرى الأبجدية الفينيقية في القرن التاسع قبل الميلاد منتشرة من شواطئ البحر الاطلسي إلى ضفاف الفرات وحدود البادية، يستعملها الفينيقيون والعبريون والآراميون والشعوب التي ستؤلف فيما بعد، المناطق التي سيرتادها النبطيون.
وقد اقتبس النبطيون الأبجدية الفينيقية، وتطورت بين أيديهم وبين أيدي الآراميين، خلافًا لما حدث لها في الغرب.
في هذا المحيط الشرقي تابعت الأبجدية سيرها نحو الاختزال رغمًا عن كونها مختزلة.
وعندما تدفق العرب إلى المعمور، نقلوا الأبجدية التي ورثوها إلى البلاد التي فتحوها، فانتشرت في بلاد الله الواسعة من أطراف إفريقية إلى أواسط آسيا، وأحيانًا إلى أطراف آسيا، كبلاد جاوه، وكل بلد انتقلت إليه الحضارة العربية أو الإسلامية.
هذه لمحة نقلناها بتصرّف عن دراسة مطوّلة للأمير موريس شهاب المدير المؤسس للمتحف الوطني اللبناني ومديره الأول، تُبيّن في أية ظروف ولدت الأبجدية الفينيقية، والمراحل التي مرت بها من الفينيقيين إلى أقطار العالم الحديث المختلفة.
ما من حضارة يحق لها أن تعتبر لبنان امتدادًا لحضارتها، أو ترى شعب لبنان شعبًا تابعًا لها أو ملحقًا بها.
ما من دولة يحق لها الإدعاء بأنها خلقت الكيان اللبناني.
قد تكون فرنسا مثلاً أظهرت حدود الجمهورية اللبنانية، لكنها لا تستطيع أن تدعي خلق لبنان.
لبنان موجود قبل ظهور فرنسا نفسها.
ليس لبنان ملتقى للحضارات فحسب بل هو حضارة قائمة بذاته ومستقلة أيضًا.
تاريخيًا ظهر اسم لبنان قبل ظهور اسم كنعان وفينيقيا بآلاف السنين.
عُرف لبنان بجبل الطيوب، وعرف ببلاد العسل واللبن أي أرض الخير والبركة التي يجري فيها العسل واللبن أنهارًا.
أعطى المؤرخون معنيين لاسم لبنان، الأول يعتبره مشتقًا من كلمة لبن السامية ومعناها الأبيض والثاني يربطه بلفظة لبان التي تعني البخور.
تعتبر لفظة لبنان من أقدم الأسماء المعروفة عبر التاريخ. إنه لفظ قديم العهد تمتد جذوره إلى أزمنة وعصور ضاربة في القدم.
ورغم تعاقب الغزاة، حافظ لبنان على اسمه.
الأشوريون عرفوه لبنانو، العبرانيون لبنون والآراميون أيضًا، أما اليونانيون وبعدهم الرومان فأسموه ليبانوس، في حين عرفه العرب بـ ''لِبنان'' أو ''لُبنان''.
لفظة لبنان لم ترتبط بإتنية أو شعب أو حضارة فقط بل أيضًا وهنا الأساس ارتبطت بموقع جغرافي محدد ومعروف، له ميزاته وخصوصيته وله ارتباط وثيق مع محيطه الإقليمي.
هذا الارتباط المزدوج التكوين تميز بالمتانة والثبات رغم كل التطورات التاريخية والتحولات الإتنية والاجتماعية.
ارتبط لبنان بالجغرافيا في وقت كان الإنسان لا يزال قزمًا في التكنولوجيا والاقتصاد والسياسة.
منذ البدء وقبل أي بدء تأريخي، أعطى لبنان اسمه لرقعة جغرافية محددة وثابتة ومميزة رسالتها أن تكون قلب الكرة الأرضية النابض والموحد والمحيي.
عوامل كثيرة تعطي لبنان خصوصيته الجغرافية وثوابته التاريخية وكينونته الفلسفية.
من هذه العوامل الأرض والإسم والتواصل التاريخي والمرتكز الحضاري.
للبنانيين تاريخ واحد، يسكنون فوق جغرافيا واحدة، يتفاعلون في مجتمع واحد.
تاريخ لبنان جعل منه خلاصة الحضارات الشرقية وتمازجها مع الحضارات الغربية.
التاريخ اللبناني هو تاريخ تلاقي الحضارات العالمية بأكملها، ظهرت بنتيجته الشخصية اللبنانية المنبثقة من الجميع والمستقلة عن الجميع والمكمّلة للجميع...
لبنان الجديد الذي يجب أن نطمح لبنائه وإعلاء مداميكه هو قمّة نضوج الدول ومرتجى كل الكيانات الدولية الساعية نحو استقرار شعوبها وتعايشهم ووحدتهم...
لبنان الجديد هو خلاصة كل شيء وبداية شيء مشترك ومتكامل ومميّز.
أما الجغرافيا اللبنانية فقد ظهرت نتيجة عاملين أساسيين:
أولاً : اندثار وانهيار ديكتاتوريات القوّة والظلم التي تحكّمت بالمجتمعات البشرية حتى الأمس القريب وقد كلف هذا الأمر اللبنانيين كثيرًا.
ثانيًا : الحاجة لخلق بقعة ديمقراطية حرّة في الشرق الأوسط تلخّص مراحل هذه المنطقة وتثبت قدرة أيديولوجياتها على الاشتراك في رسم وتوطيد أطر السلام والتعايش فيما بينها وبالتالي بين الشعوب كافة.
أما المجتمع اللبناني فقد تشكّل من خليط مجتمعات جسّدت هموم الإنسان الهارب من ظلمة الغابات ووحشة الصحاري وفساد الأنظمة، والساعي لبناء مدنية الكلمة وديمقراطية النظام، ولانبعاث الذات في حريتها وسلامها وإنسانيتها.
هذا المجتمع اللبناني يستمدّ جذوره من أعمق أعماق التاريخ العالمي ويتكوّن من تراكم طبقات حضارية هي خلاصة اختبارات أجيال من اللبنانيين، سجّلت بدمائها تاريخ ظهور الحضارات وتواجهها فتضاربها ثم تمازجها.
هنا تكمن خصوصية المجتمع اللبناني وميزته.
فالمسيحية اللبنانية تبقى مسيحية ولكنّها ذات صبغة خاصة ووجه خاص، خبرتها الحضارية تغني الحضارة المسيحية العالمية وتساعدها على تخطي كافة الحواجز والتأكيد العملي على واقعية المسيحية وعظمتها وعالميتها... إن المسيحية اللبنانية هي قمة نمو المسيحية وسر حيويتها وعظمتها وعالميتها.
وهكذا قل عن الإسلام اللبناني، والشيوعية اللبنانية والعلمانية اللبنانية والليبرالية اللبنانية وحتى الأصولية اللبنانية...
تميّزت الأمة اللبنانية بتعددية مصادر حضارتها واختلاف أيديولوجيات أبنائها...
هذه الحقيقة رغم أهميتها ومكامن غناها جُيِّرَت لترسيخ الإنقسام والشرذمة في الكيان اللبناني، مما أدّى إلى رسم لُبَيْنَنات متعددة داخل لبنان. فأصبحت للتاريخ اللبناني صيغ مختلفة وتحديدات متناقضة ومصادر متضاربة، مع أن الحدث التاريخي حدث واحد لا ازدواجية فيه، وهكذا المجتمع اللبناني أضاع هويته وجذوره ومعنى وجوده وقيمة حضوره الدولي.
لا يجوز أن نستغل ولادة الجمهورية اللبنانية على أنقاض السلطنة العثمانية نتيجة اتفاقية سايكس بيكو لندّعي بعدم أحقية وجود الكيان اللبناني كحقيقة قائمة بذاتها تتجسّد فيها روح الأمة اللبنانية.
ولادة هذه الجمهورية البكر والتي احتفلت بيوبيلها المئوي لا تعني مطلقًا أن لبنان ما هوى سوى بدعة رسمها الاستعمار.
كل دول العالم بكبيرها وصغيرها رسمت حدودها الجغرافية منذ زمن ليس ببعيد.
تذوّق لبنان نكهة العيش المشترك منذ دخول الإسلام إلى أرضه حيث وجد جماعة مسيحية كبيرة تنتشر بتجذر وقوة.
بدأ الحوار الإسلامي المسيحي في لبنان منذ تلك الحقبة، واختبر لبنان عبر تاريخه مختلف مراحل هذا الحوار الحضاري. لهذا السبب يمتلك اليوم خبرة طويلة ومعرفة عميقة في هذا الحقل.
الصراع المسيحي الإسلامي عبر التاريخ في لبنان كان صراعًا بين جماعة تلوذ في هذه الجبال الوعرة، وبين جيوش وسلطات غزاة.
لم يكن بغالبيته صراعًا مسيحيًا إسلاميًا داخليًا ببعد عقائدي. بل على العكس نجح اللبنانيون بمختلف طوائفهم في التغلب على المؤثرات الخارجية وبعد كل جولة تَدَخُّل من الخارج بشؤونهم، تمكنوا من الالتزام بالتعايش عبر ما كانوا يطرحونه في كل مرة من صيغة تعكس إرادة العيش المشترك.
مدخل مختصر لتاريخ لبنان الحديث
يبدأ تاريخ لبنان الحديث من عام 1516 تاريخ بداية الفتح العثماني للبنان ويمتد حتى سنة 1915 تاريخ إنهاء امتيازات المتصرفية مع جمال باشا ليبدأ تاريخ لبنان المعاصر الممتد حتى يومنا هذا. في بداية الفتح العثماني نتوقف عند حدثين بارزين يذكرهما التقليد التاريخي المكتوب والمتوارث، الحدث الأول هو معركة مرج دابق التي انتصر فيها العثمانيون والثاني هو لقاء الأمراء اللبنانيين بالسلطان سليم الأول العثماني أو السلطان الأحمر. بعد هذه المحطة تبدأ مرحلة الإمارة المعنية في الشوف فتمتد من سنة 1516 حتى سنة 1697 – 1698 وتقسم إلى ثلاث مراحل الأولى تبدأ في القرن السادس عشر مع تولي الإمارة الأمير فخر الدين الأول وابنه قرقماز أبرز ما في هذه المرحلة استمرار الحرب بين الدروز ووالي دمشق أما المرحلة الثانية فهي مرحلة تمتد طوال فترة إمارة الأمير فخر الدين الثاني من عام 1591 حتى عام 1633 والمرحلة الثالثة والأخيرة تمتد من عام 1633 حتى عام 1698 وقد شهدت صراعًا حزبيًا ضاريًا انتهت بها الإمارة المعنية وبدأت الأمارة الشهابية التي دامت من عام 1697 حتى 1841 . هذا الانتقال كان نتيجة ما عرف بالميثاق الشهابي بين الأمير الشهابي والأعيان الدروز الذي حدد أصول تنظيم الحكم في الجبل.
يقسم تاريخ الإمارة الشهابية إلى خمس مراحل
المرحلة الأولى هي مرحلة التحولات امتدت من عام 1697 حتى عام 1775 من أبرز محطاتها موقع الأمير الحرج بين الحكم والحاكم ، معركة عين داره والقضاء على الحزب اليمني عام 1711 ، ظهور حزبين جديدين هما الجنبلاطي واليزبكي.
أما المرحلة الثانية فهي مرحلة الصراعات والفوضى في الإمارة امتدت بين عام 1775 و1804 تميّزت بانفجار الوضع في الجبل وبروز أحمد باشا الجذّار ونزعة الاستقلال في عكا وانتهاء أزمة الجبل بوفاة الجذّار عام 1804 . أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة إصلاحات الأمير بشير الثاني وتمتد من عام 1804 حتى 1832 كالمحطة الأبرز في تلك الفترة إذ سجّلت وصول الحملة المصرية مع ابراهيم باشا إلى بلاد الشام وإلحاق الإمارة بالإمبراطورية المصرية. عام 1821 تاريخ عامية أنطلياس تحررت العامة من هيمنة الأعيان وبدأوا يدخلون في هيئة منظمة ثم التحق الأعيان بهم. في المرحلة الرابعة بدأت الهيمنة المصرية وامتدت من 1832 إلى 1840 وقد دعيت بالهيمنة لأن المصريين لم يحتلّوا الجبل عسكريًا. أما المرحلة الخامسة فهي مرحلة الثورة اللبنانية التي انلعت عام 1840 يوم ثار سكان المتن والجبل ضد المصريين. وإقالة بشير الثاني وتعيين بشير الثالث مكانه ثم انتهاء الإمارة الشهابية . أما المرحلة السادسة فهي مرحلة بشير الثالث تلاها مرحلة تعيين عمر باشا النمساوي عام 1841 - 1842 لحكم جبل لبنان واعتراض اللبنانيين من موارنة ودروز كما الدول الكبرى عليه ثم بدأت فترة نظام القائمقاميتين من عام 1842 إلى 1860 وقد مرّ في مراحل ثلاث. الأولى من عام 1842 حتى 1845 وقد شهدت تقاتلاً مسيحيًا درزيًا . الثانية من عام 1845 حتى 1859 تميّزت بإصلاحات شكيب أفندي والأخيرة من عام 1859 حتى 1860 تاريخ اندلاع الثورة الكبرى.
ثم بدأ عهد المتصرفيّة من عام 1861 حتى عام 1915. عرف لبنان فيه نظامًا فيدراليًا بين الطوائف إذ شارك كل الطوائف في نظامه.
وامتد هذا الحكم حتى تاريخ خسارة السلطنة العثمانية في الحرب العالمية الأولى.
لبنانيون خالدون مدى العصور
وصف هنري فيلد لبنان بمهد الإنسان العاقل بعد مطالعته لدراسات أعدّت حول الآثار الأيكيولوجية التي عثر عليها في مناطق لبنانية عدة بدء بأدوات تعود للعصر الحجري وأسلحة صيد صوانية وُجدت في العقيبة وعدلون ورأس الكلب وصولاً إلى بقايا إنسان كسار عقيل النياندرتالي الذي وجدت بقاياه في إحدى المغاور قرب أنطلياس وهي بقايا لفتى عاش منذ ثلاثين ألف سنة يُعتبر أقدم هيكل بشري اكتشف إلى حينه.
ولا عجب من قدم لبنان فاسمه مذكور في التوراة اليهودية والكنعانية وفي الميتولوجيا الإغريقية والفرعوينة وفي المخطوطات القديمة الأولى بما فيها كتابات المؤرخ سنخوني أتن 1300 ق.م. الذي حفظ لنا تدوينات تور الجبيلي مؤسس التاريخ كعلم تسجيل الأحداث عبر الزمن.
إنها ريادة لبنانية وقد تجلت في عطاءات كبار من رجالات برزوا في كل القطاعات والميادين، فخلّدهم التاريخ. منهم، قدموس ناشر الأبجدية في العالم، وزيون مطلق الفلسفة الرواقية المتشبثة بالقيم والأخلاق والمبادئ الإنسانية. وزينون مطلق الفلسفة الرواقية المتشبثة بالقيم والأخلاق والمبادئ الإنسانية. إلى إقليدس وبيتاغورس مبدعي علم الرياضيات والهندسة، وموخوس الصيدوني مؤسس نظريات علوم الذرة. وبابنيانوس وأولبيانوس وسواهما من معلمي جامعة بيروت الحقوقية الذين لهم جميعًا الفضل في نشر مبادئ الحرية والعدالة وحقوق الإنسان.
يشهد التاريخ على ريادة المدن الفينيقية في النزعة المدنية الإنسانية. فمدينة جبيل التي وهبت اسمها للكتاب المقدس، كانت مأهولة في الألفية الثامنة قبل المسيح، وهي المدينة الأقدم في العالم. واستحقت صيدا لقب المملكة الأولى في التاريخ وأم الإمبراطوريات وسيدة البحار. وهي إلى جانب صور أطلقتا في العالم القديم أسس الديمقراطية ونظام الحكم بمجلسين.
ليس غريبًا أن نتحدث عن لبنان القديم كحاضرة حضارية، ولد في رحاب مدنه نظام المجتمع بروحيته المدنية.
هزيمة هنيبعل القرطاجي الفينيقي وولادة الإمبراطورية الرومانية
كانت روما في معركة مستميتة ضد هنيبعل وجيوشه وهم يعيثون فسادًا في أراضي الوطن الروماني.
في نهاية المطاف في آب 216 ق.م. في كاناي جنوب إيطاليا تجمّع جيش روماني ضخم هو القوة الأكبر التي تُحشد يومًا في الميدان وكانت تتشكل من ثمانين ألف رجل ضعف قوة هنيبعل. كان القادة الرومان واثقين من النصر. لكن ما حدث بعد ذلك سيُعرف بأحلك ساعات روما ظلمة.
ذبح جيش هنيبعل أكثر من أربعين ألف رجل أي أكثر من نصف قوة روما القتالية.
يبرز انتصار هنيبعل في كاناي كأحد أفخر الإنتصارات العسكرية في التاريخ. لكن بالنسبة لليفي، أحد أعظم مؤرخي روما، برز من مجزرة كاناي المشينة بطل روماني حقيقي هو بابليوس كورنيليوس سكيبيو.
سيواجه هذا الرجل هنيبعل في سابا ويبرز للعالم مكانة روما الإستثنائية وكيف أنها ولدت لتحكم.
عام 216 ق.م. هُزمت روما هزيمة ساحقة على يدي هنيبعل.
يذكر المؤرخ الروماني ليفي أن الضابط سكيبيو تمكن من الهرب بعد المذبحة مع جندي مرافق له.
رفْضُ سكيبيو التخلي عن روما سيصبح جزءًا من التراث الروماني.
برزت في هذه الحرب شجاعة سكيبيو. وصار مثالاً على جميع المحاسن التي علا شأنها لدى الرومانيين.
عند وصول المذبحة إلى روما، إجتاح الرعب المدينة. سرت أخبار عن اقتراب هنيبعل من بوابات المدينة واقتحامها في أية لحظة.
خسرت كل عائلة فردًا منها تقريبًا، فسيطر النحيب في شوارع المدينة.
كان على السياسيين أن يعالجوا الوضع، وعلى مجلس الشيوخ أن يتولى إدارة المدينة. فدعا الأخير لاجتماع طارئ، وقرر طلب الإرشاد من أحد أفراد الطبقة الحاكمة وهو من إحدى عائلات روما الأكثر تميزًا ويدعى غوينتوس فابيوس ماكسيموس، رجل الدولة المعروف الذي كان قد نصح بعدم قتال هنيبعل في كاناي.
أول ما فعله فابيوس ماكسيموس هو منع النادبات الإناث من الخروج إلى الشوارع في سبيل استعادة الهدوء، فصار النحيب أثر ذلك، محدودًا.
لم يكن ذلك كافيًا، فقام ماكسيموس بإجراء إستثنائي، لا بل مروّع.
ثمة كاهنة معروفة بعذراء فستل إتهمت بممارسة الجنس ونكس العهد بطهارتها.
أعلن فابيوس ماكسيموس أنها أغضبت الآلهة الذين عاقبوا روما بالهزيمة في كاناي.
لاسترضاء الآلهة أمر بالحكم على عذراء فستل بمصير مروع والتضحية البشرية بها من خلال دفنها حية.
كانت جريمة قتلها هذه شعائرية، أقدم عليها شعب يسعى بائسًا لتجاوز صدمة الهزيمة.
عندما نفكر في الرومانيين، يبدو أمامنا مجتمعهم البدائي الغائص بالخرافات. ثمة آلهة وآلهات وأنصاف آلهة وأرواح في الأرجاء. خليط من ثقافة ووحشية ورومنسية وبرودة.
وكانت روما أيضًا مجتمعًا ذكوريًا حيث تتزوج الفتيات في عمر العشر سنوات.
أمل الرومان أن يساعدهم دفن امرأة على قيد الحياة على تطهير الدولة واستعادة روما وحيويتها.
جاءت كاناي ضربة نفسية قوية على العقل الروماني. إعتقد الرومان أن العلاقة بالآلهة قد اضطربت وقرروا أن يقدموا لها كبش فداء معتقدين أن دفن شخص على قيد الحياة مفيدًا بالنسبة للآلهة وهو يوحد الجميع ويشدهم نحو القضية المشتركة، نحو الحرب ضد هنيبعل.
في السنوات القليلة بعد هزيمة كاناي توسّعت حرب روما مع قرطاجة عبر العالم القديم واتخذت إطار الكر والفر بين القارات مع قتال عنيف بحرًا وبرًا.
إعتمدت روما مع قرطاجة حرب العصابات في إيطاليا مانعة هنيبعل من مهاجمة المدينة نفسها، ورسم الرومان خططًا لزعزعة الإمبراطورية القرطاجية الواسعة.
في العام 210 ق.م. أطلقوا هجمة مضادة على قاعدة قوة قرطاجة الرئيسية، هسبانيا.
بالنسبة إلى سكيبيو كانت هذه فرصته للإرتقاء صعودًا عبر الروتا. هو رجل وحيد شجاع بما يكفي لتولي قيادة قوة روما في هسبانيا، وهو عمل اعتبرته الغالبية العظمى حكمًا بالإعدام.
كان سكيبيو يبلغ من العمر 25 عامًا عندما تولى قيادة الجيوش الرومانية في هسبانيا.
على الفور حوّل الحرب ضد روما إلى حرب لصالحها، وراح يغير تباعًا على المدن القرطاجية في أوروبا ويأسر جنودها.
قام بتلك الغارات معتمدًا أسلوبًا بات يميز الاستراتيجية الرومانية.
هاجم بداية حصن أوليتورغيس الذين كانوا طعنوا روما في الظهر وأيّدوا القرطاجيين بحربهم ضد روما، عام 206 ق.م. فأبادها ودمرها وفتك بأهلها ولم يبق منهم حيًا يرزق. ونفذ إبادة جماعية عقابًا لها، ماسحًا من الوجود ذاكرتها التاريخية بالكامل.
كان سكيبيو قادرًا على ارتكاب المجازر بدم بارد بحق من تجرأ وعارض روما.
إنتشر خبر المجزرة وصار الخوف من البطش الروماني أداة الرومان الأقوى.
الرسالة واضحة: لا تعبثوا مع روما. أما تكونون معها أم ضدها.
إنه شكل مبكر من الإرهاب الذي ترعاه الدولة.
رسّخت انتصارات سكيبيو الدموية في هسبانيا صورته على أنه أمل روما الأكبر في هزيمة هنيبعا وجيوش قرطاجة.
صراع ضروس من أجل السيطرة بلغ ذروته.
في السنة 206 ق.م. بعد خمسة أعوام من القتال الطاحن كان سكيبيو قد هزم القوات القرطاجية في هسبانيا مؤمنًا الأرض والمواد الضرورية ومناجم الفضة لمدينته الأم.
عاد سكيبيو إلى روما كبطل، معتزم النصر في الحرب على هنيبعل الذي كان بعد 12 عشر عامًا من اجتياز جبال الألب لا يزال طليقًا في جنوب إيطاليا.
وكان قادة روما قد تجنبوا القيام بهجمة أخرى واسعة النطاق ضد هنيبعل خوفًا من تكرار أخطاء كاناي.
إقترح سكيبيو خططًا جذرية وجريئة بهدف سحب هنيبعل خارج إيطاليا ونصح بالإبحار مع جيشه إلى إفريقيا ومهاجمة قرطاجة نفسها.
إلا أن مجلس الشيوخ رفض تأييد مخططه في البداية. لكن بعد عامين حاز موافته، فأبحر سكيبيو صوب إفريقيا بجيش ضخم.
مع تعرض قرطاجة نفسها الآن للتهديد، وجد هنيبعل نفسه مرغمًا على الإنسحاب من إيطاليا والعودة إلى موطنه.
بدت حتى الآن خطط اسكيبيو ناجحة.
في تشرين الأول 202 ق.م. وعلى هضاب زاما على بعد 229 كلم من قرطاجة إصطدم الجيشان.
دامت المعركة يومًا كاملاً، تمكن الرومان في نهايتها من هزيمة جيش هنيبعل.
لقد عرف سكيبيو كيف يستدرج عدوّه ويضعه في المكان المناسب لمعركة حاسمة.
معركة زاما كانت عبارة عن حرب أحقاد شخصية بين القائدين الكبيرين هنيبعل وسكيبيو، في عصر علا فيه شأن المجد الشخصي إلى حد كبير.
المتتصر في هذه المعركة سيغير مسار التاريخ.
تواجه الجيشان.
كان في صف هنيبعل ستة وثلاثون ألف مقاتل وفي صف سكيبيو ثلاثون ألفًا.
لكن سكيبيو كان لديه امتياز بفضل مناورة سياسية اعتمدها تعلمها من هنيبعل، تقوم على استخدام جيوش أمم أخرى والمتخصصين في الحروب، فتحالف مع النوميديين ذوي القوة الفروسية المتفوقة على نطاق واسع من شمال إفريقيا، مع رماحهم الخفيفة وأحصنتهم السريعة التي كانت حاسمة في جميع حملات هنيبعل لستة عشر عامًا عبر إيطاليا، وهم يقاتلون إلى جانبه.
اليوم استدعاهم سكيبيو بدبلوماسية ذكية للمحاربة إلى جانبه.
انقلبت الأدوار. كان النوميديون سلاح هنيبعل السري. أما الآن فباتوا سلاح سكيبيو السري.
إصطدم الجيشان وانتصر الرومان رغم مقاتلة القرطاجيين بشراسة لحماية مدينتهم.
حرب حددت مصير الإمبراطوريتين العظيمتين.
نشبت المعركة عند الفجر وانتهت مع حلول الأصيل من اليوم حين عادت القوات النوميدية وهاجمت قوات هنيبعل التي تحاصر الرومانيين. تمامًا كما حصل قبل أربعة عشر عامًا في معركة كاناي حين أحاط هنيبعل جيش روما وبصورة معاكسة.
حظي سكيبيو بنصر مذهل.
عشرون ألف مقاتل قرطاجي ذبحوا وأزهقت أرواحهم. ودمر جيش هنيبعل بالكامل.
إنتصرت روما على قرطاجة.
هرب هنيبعل نفسه من المذبحة قاصدًا على خيله قرطاجة مباشرة، مدينته التي لم يرها منذ ستة وثلاثين عامًا.
نجا ليرى إذلال قرطاجة مدينته التي كانت فخره ذات يوم.
علم سكيبيو ما كان يعنيه ذلك النصر وقد رسخ صورته كقائد روما الأكثر نجاحًا، وغيّر توازن القوى في البحر المتوسط.
لم يكن لدى القرطاجيين خيار سوى التوسل من أجل السلام. لقد علموا أن البديل هو الإبادة.
أرغمت قرطاجة على دفع تعويض هائل: عشرة آلاف شخص ماهر وحوالي 250 طنًا من الفضة.
وسيطرة على جميع سفنها الحربية عدا عشرة منها.
شروط أكدت على أن قرطاجة لن ترتقي لتكون قوة عظيمة مجددًا.
وأخيرًا في عام 1046 للميلاد، قاد القوات الرومانية حفيد سكيبيو الذي محق قرطاجة تمامًا حيث ذبح السكان واستعبد الأحياء منهم.
وصور الرومان القرطاجيين المتحضرين كهمجيين إرهابيين لا يستحقون الرحمة في الهزيمة.
أقدمت في العام نفسه روما على سرقة مدينة كولنس اليونانية، جاعلة الحضارة اليونانية حضارتها.
إنه تفوق شعب يسعى إلى مشروع إمبريالي واسع النطاق.
إنتصار سكيبيو على هنيبعل هو نقطة تحول في تاريخ روما بعده أصبحت المدينة الإيطالية دولة استعمارية لا تقهر.
أقناع العالم، بوجوب وجود لبنان
من الآن الى أن توضع هذه القواعد التي يشعر في ظلها، كل لبناني أنه مسؤول عن لبنان بنسبة اقتناعه به بعد أن أصبح كاملاً، وبنسبة انتفاعه منه، بعد أن أصبح كلياً، لا بد من أن أتوجه بكلمة موجزة أخيرة الى جميع الذين يجدون في هذا الكيان كياناً واجباً.
أعلن وأردد، لم أتعب من اعلانه وترداده في المقالات والمحاضرات والخطب داخل المجلس النيابي وخارج هذا المجلس:
" أيها اللبنانينون! ماذا ينفع اللبناني لو ربح العالم كله وخسر لبنان"...
ولكن ليس باقتناع اللبنانيين، وحدهم، يبقى لبنان. علينا أن نقنع ببقائه جميع شعوب الأرض. وبنسبة ما يزيد عدد المقتنعين ببقاء لبنان بنسبة ذاك يبقى. فليس في القوة نقنع العالم بأننا واجبو الوجوب. بل بأن الخير والحق والجمال تنقض في الأرض اذا زال لبنان، وتنقض، على الأخص، الرحمة، والإنسانية، والحرية والكرامة والعدل. ونقنع العالم بالمحبة التي بدونها كل شيء يفرغ من معناه، وكل كلمة تخور.
المبدأ: إن لا يعادينا أحد لأننا لا نعادي أحداً.
أما اذا بدى لنا أعداء لأمر أو لآخر، فعلينا ألا نلين لهم، أو نلتوي أمامهم، فالنار بالنار والحديد بالحديد الى أن نباد أو نبيد.
وأجد، هنا، مكاناً لتكرار ما قلته في الجامعة العربية ببنغازي، السنة 1958:
"لن يستسلم لبنان ما دامت روح تخفق في صدر آخر لبناني في آخر قرية لبنانية".
وسنظل هكذا
الى أن ينبلج النور، ويعرف عنادنا في البقاء حتى انعدام الأرض وزوال السماء.
عشتم وعاش لبنان
لبنان الغد
محاضرة القيت في الندوة البنانية بتاريخ 8 تشرين الثاني 1965.
نتوجه بالشكر الى محاضر الليلة ادوار حينين.ونحن سعيدون في أن تبدأ الندوة سنتها العشرين معه تكريساً لجهاد مشترك، أدبي فكري وطني، يقوم بيننا على أوسع مدى وأخلص مودة، وكله يرمي الى الإسهام في تركيز لبنان اليوم على أمتن القواعد وفي ارساء غده على ما يتوافق ورسالته العظمى.
( من مقدمة مؤسس الندوة، ميشال أسمر)
طريق المستقبل
علينا ان نعي التحول الذي ألنا اليه. علينا ان نخلق إدارة في مستوى ذلك التحول. علينا أن ننور الرأي العام، ونصدقه الخبر والرأي. وعلينا أن نثق بالدولة، بعد أن تربح الدولة معركة الثقة التي بينها وبيننا. وعلينا ان نتفلت من قيود ماضينا، من تحجر عاداتنا، من جمود فلسفاتنا، ومن تفاهة النطاق الذي ما زلنا نسرح فيه. علينا ان نعيد النظر في أشيائنا جميعاً، وفي أنفسنا. علينا أن نثق بالشباب، أن نضارب بوثبهم، وأن لا تخيفنا جرأتهم وجسارتهم. وعلينا أن نؤمن بلبنان، وأن نقدم، أن نقدم اليوم لا غداً لأن الطريق الطويل، والعمل مقض، والرهان كثير الإغراء. "... لأن العمل سيكون طويلاً يجب أن نبدأ في الحال"، قال الماريشال ليوتي لمعاونيه عندما عزم على انهاض المغرب العربي.
سيداتي، سادتي،
مؤمن أنا اذا تهيأت ظروف العمل، وخفت صوت السياسة، وخجلت من نفسها المناورات، وتحطمت العصي التي تدس في الدواليب، ثم استراح من يجب أن يستريح ليعمل من يجب أن يعمل.
اذا تهيأت الظروف، وصار الإتكال على الله، ووثقنا بالعقل النيّر الذي يقودنا والإرادة الحسنة، والقصد الصالح، والعلم الاجح، والمثالية التي لا مثي لها.
اذا تهيأت الظروف،
كان طلوعنا الى طريق الغد غداً.
وكان لنا لبنان، هذا الذي يتحرك في عزمنا، يتوثب في أوصالنا، ويهدر. كان لنا "لبنان الغد" بعد غد.
ويا ايها السيدات والسادة،
أبعد مكا يبعد الإنسان هو عندما لا يعرف في أي اتجاه يتجه.
ففي سبيل اختصار الوقت والمسافات لنضع، نصب أعيننا، لبنان، ونمش. "وفي طريق الجهاد الحقيقي سنسبق آمالنا في طريق". لنمش.
نحن هنا لأن الدولة في مأزق والوطن في خطر، وعندما يكون الوطن في خطر، نلتقي في ملتقاه كجنود ارتباط وانضباط، للعمل على انقاذه، ولأن لبنان هو أرض التلاقي والتفاعل بين الأديان والحضارات والإتنيات، علينا العناية به لننطلق من التسويات الى الحل، وبالتالي الى وطن نموذجي، ضامن للسلام والأمان والطمأنينة لشعبه ولشعوب المشرق.
جميعنا مدعوون افرادا وفئات الى قراءة علامات الازمنة لنستشف دورنا فيها، ولا يجب ان تختلف الاراء وتتباين الاقتناعات وتتمايز الاقتراحات لما في قواعد التفكير والتطلعات من تنوع وفي الاحداث المحلية والعالمية من اضطرابات وفي الافق من غموض. والفطنة في الا يستكبر احد على احد ولا تستخف فئة بفئة، والحكمة في الاصغاء والتفاعل بغية التكامل.
المسيحية في الشرق الأوسط
تميّز أتباع المسيح منذ فجر الإسلام بالأخلاق والمروءة. والتاريخ الإسلامي يحفظ للنجاشي ملك الحبشة حمايته أتباع الرسول العربي من بطش أعدائه.
أما المسيحيون من رعايا الدولة الإسلامية فكانت العلاقة معهم باستمرار قائمة على "ميثاق" هو أشبه ما يكون بعقد يعطيهم حقوقهم، ويرتب عليهم واجبات معينة. وفي القرآن الكريم تتردد لفظة "الميثاق" هذه في مواضع كثيرة، بل إنه ندر أن ورد ذكر الأديان الأخرى دون جعل الميثاق ضابط التعامل مع أبنائها، وواضح ان القرآن الكريم يلزم المسلم بالميثاقية في التعاطي مع غير المسلم من المسيحيين واهل الكتاب عامة.
وفي الزمن الذي ولدت فيه فكرة أهل الذمة نجد انها المرة الاولى في تاريخ البشرية تسلم فيه سلطة بخرق المبدأ الذي كان معمولاً به في كل اطراف العالم المعروف آنذاك، ومن ضمنه العالم المسيحي، وهو المبدأ القائل بان الناس على دين ملوكها، وهو بالأصل عبارة شرعية مكرسة كانت الجماعات والكنائس تأخذ بها دون نقاش.
مع ظهور الدعوة وقيام الدولة الإسلامية في شبه الجزيرة العربية ثم الفتوحات التي جرت لاحقا بدأ المسيحيون العرب يتلمسون تحولاً كبيرًا في واقعهم الذي اخذ يومًا بعد يوم يتحول غلبة فكرية وعددية في غير صالحهم.
المسيحيون العرب الأوائل الذين عاصروا الفتح الإسلامي انتقلوا فجأة من سلطة الدولة البيزنطية التي كانت تضطهدهم، إلى سلطان دولة إسلامية حافظت على أديارهم وكنائسهم وصلبانهم بعد أن خيرتهم بين اعتناق الإسلام والبقاء على دينهم شرط الدخول في ذمة المسلمين ورفض القتال إلى جانب أعدائهم.
والتاريخ يذكر أن عمرو بن العاص عندما فتح الإسكندرية للمرة الثانية وزع من بيت المال على الأقباط أموالا طائلة على عكس ما حصدوه من الدولة البيزنطية التي بسبب اضطهادها لجأ رهبانهم إلى الصحاري القاحلة.
يبقى الشرق موطن ولادة المسيح وانطلاقة المسيحية
يعتنق المسيحية اليوم ثلث سكان الكرة الأرضية وتشكل الديانة الأوسع انتشارًا في العالم.
تراجع نسبة المسيحيين المشرقيين يثير قلقًا بالغًا لدى المجتمع المسيحي العالمي.
المخاوف من إقفار الأماكن المسيحية المقدسة وخسارتها لأبنائها المؤمنين باتت جدية.
المسيحيون اضطلعوا بدور هناك في تحقيق المصالحة، وأن وجودهم خفف من حدة التوترات، وأن تضاؤل هذا الوجود بإمكانه الإسهام في تأجيج التطرف.
بطبيعة الحال، يغلب المسلمون حاليا على التركيب السكاني بمنطقة الشرق الأوسط. وفيما عدا إسرائيل، التي يسكنها ستة ملايين يهودي، لا توجد دولة بالمنطقة لا يشكل المسلمون غالبية سكانها، بما في ذلك لبنان، التي يقدر المسيحيون الآن بربع سكانها، علاوة على إيران وتركيا غير العربيتين.
في خضم هذا الوضع، يجد المسيحيون المحليون أنفسهم ممزقين بين الرغبة في دق ناقوس الخطر والتزام الصمت، الأمر الذي يرجع إلى عدم ثقتهم فيما إذا كان لفت الأنظار إلى المشكلة سيقلصها أم سيزيدها عبر دفع البقية الباقية من المسيحيين إلى الرحيل.
مع صعود الإسلام السياسي محل القومية، باعتباره القوة المحورية في صياغة سياسات الهوية، بات المسيحيون، الذين اضطلعوا بأدوار مهمة خلال العديد من النضالات الوطنية، مهمشين في الوقت الراهن.
ونظرا لأن الثقافة الإسلامية، خاصة في صورها الأكثر أصولية، غالبا ما تعرف نفسها بالتناقض مع الغرب، فقد تدنت منزلة المسيحية ببعض المناطق إلى منزلة ثقافة معادية ـ أو على الأقل دخيلة.
طالت معاناة المسيحيين العرب بفعل تحولهم إلى أقلية في العالم العربي.
في كل الأزمات، التي تخبط بها العالم العرب وعلى مدى القرون، سعت الكنائس جاهدة في سبيل الحفاظ على تماسكها على المستوى الداخلي، أما على مستوى علاقاتها بمحيطها الغسلامي فتحركت من اجل المصالحة والتعايش والاستقرار. كما دعمت استقلال الدول التي تعيش في كنفها وتبنت القضايا العربية المحقة، في توجهاتها، لا بل ساهمت في إيصال الحق العربي إلى اعلى المنابر الدولية.
رسائل بطاركة الشرق السنوية عبرت عن هذا الالتزام بقضايا العرب والرغبة الثابتة في العيش بسلام مع المسلمين والتفاعل الحضاري معهم. ولعل الدور الذي لعبه لبنان في هذا المجال كان رائدًا ومثاليًا قبل اندلاع الحرب وفي المرحلة اللاحقة.
بدورهم، عمد معظم رجال الفكر المسلمين إلى التضامن مع المسيحيين في ازماتهم والمخاطر التي واجهوها وعلت اصوات مسلمة فاعلة تحذر من خطر نزوح المسيحيين من الشرق وتمسكت بالمشهد العرب الواحد الانساني الحضاري المحتضن للمسيحية العربية.
مع ولادة مشروع الدولة اليهودية، اندلعت الحرب العالمية الأولى وبزغ فجر انهيار أوروبا مقابل نشوء الولايات المتحدة الأميركية، الأمر الذي دفع باليهود الهاربين من أوروبا إلى الانقسام في اتجاهين الأول نحو فلسطين والثاني باتجاه الولايات المتحدة الاميركية فتعايش المنحى الأيديولوجي مع البعد الاقتصادي.
بلغ عدد اليهود في الولايات المتحدة الاميركية سنة 1918 حوالي الأربعة ملايين. في الوقت عينه بدأ ينمو باضطراد استيطان اليهود لمناطق عدّة داخل الأراضي الفلسطينية.
وبفعل عمليات شراء الأراضي في فلسطين نشبت بعض المناوشات والمنازعات بين القادمين الجدد والفلاحين العرب، وبدأت اولى العلاقات العنفية بين الطرفين.
قامت السياسة الصهيونية ليس فقط على احتلال الأراضي الفلسطينية فحسب بل على الاستيلاء أيضًا على المقدرات المالية والصناعية والزراعية.
رغم نجاح الخطوة التأسيسية للإستيطان الصهيوني لأرض فلسطين، بقيت نسبة اليهود الاستيطانية ضئيلة إذا ما قيست بالملايين من اليهود الذين تقاطروا تزامنًا إلى الولايات المتحدة ومختلف دول أميركا اللاتينية.
تغيرت هذه المعادلة بعيد الحرب العالمية الاولى بفعل إقرار وعد بلفور فدخلت الحركة الصهيونية بعده مرحلة جديدة.
بعدما تحولت فلسطين إلى هدف الصهيونية العالمية الاوحد بعد استبعاد الأرجنتين وأنغولا نهائيًا، بدأت الخطوات العملية المتسارعة لتحقيق مقررات المؤتمرات الصهيونية لاسيما مؤتمر بازل الأول الذي دعا إلى إقامة وطن قومي للشعب اليهودي من خلال منهجية تسلسلية تقوم على تشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين وربط اليهود بالحركة الصهيونية وتأمين التأييد الدولي للمشروع الاستيطاني وتشكيل المنظمة الصهيونية العالمية والوكالة اليهودية المولجة تنفيذ قرارات المؤتمرات وجمع الأموال لشراء الأراضي وإقامة المستوطنات وإرسال المهاجرين إليها.
سنة 1948 نجحت المنظمة الصهيونية العالمية في إقامة الدولة اليهودية على أرض فلسطين.
بعد نكسة حزيران عام 1967، انعقد المؤتمر الصهيوني السابع والعشرون ليستنهض من جديد المشروع الصهيوني فأصدر "برنامج أورشليم" الذي تمسك بوحدة الشعب اليهودي ومركزية أرض إسرائيل، وجمع الشعب اليهودي في وطنه التاريخي عن طريق الهجرة من كل بقاع الأرض، والمحافظة على أصالة الشعب بتنمية التعليم اليهودي واللغة العبرية وبث القيم الروحية والثقافة اليهودية.
بفعل هذا المؤتمر بدأت المنظمة الصهيونية تخسر بعضًا من اختصاصاتها لصالح دولة إسرائيل.
سنة 1948 نشبت الحرب بين الإسرائيليين والعرب، انتهت بنكبة الفلسطينيين وتهجيرهم عن أرضهم، وبالمقابل قيام دولة إسرائيل.
بدأت القيادات الإسرائيلية بإعداد خططها العسكرية سنة 1945 وفي السنة اللاحقة بدأت الهاجاناه بإجراءاتها المضادة بما فيها الخدمة العسكرية. في وقت كان الفلسطينيون يفتقرون إلى التنظيم والدعم والقدرة اللوجستية.
اجتمعت الدول العربية في القاهرة سنة 1947 وأعلنت رفضها التقسيم، في حين وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على تقسيم فلسطين إلى دولتين الاولى يهودية والثانية فلسطينية.
في وقت رحب الصهاينة بالمشروع رفضه الفلسطينيون واستمرت الأحداث على تفاقمها، لاسيما بعدما تألف جيش الإنقاذ بقيادة فوزي القاوقجي، ولجوء الصهاينة إلى استخدام السيارات المفخخة، ما فتح الباب أمام تبادل كلا الطرفين عمليات النسف والتفخيخ والتفجير.
في صبيحة جلاء القوات البريطانية عن فلسطين سنة 1948 أصبح إعلان قيام دولة إسرائيل ساري المفعول ما اجج الحرب بين الكيان الجديد والدول العربية التي أرسلت الجيوش إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة.
في السنة التالية اعترفت الولايات المتحدة الأميركية بإسرائيل وتبناها مجلس الأمن الدولي عضوًا في الأمم المتحدة، وتوقفت الحرب المندلعة بين العصابات الصهيونية والجيوش العربية بتوقيع الهدنة الثانية التي لا تزال تحكم العلاقة بين الطرفين حتى تاريخه، في وقت بات ما نسبته 75 % من الشعب الفلسطيني بحكم اللاجئ والمهجّر والمقيم قسرًا خارج حدود فلسطين التاريخية.
حملات إبادة
في مطلع القرن العشرين تعرّض الأرمن والأشوريون "السريان" القاطنون في السلطنة العثمانية لحملة إبادة واسعة النطاق، على يد الجيش العثماني وبأوامر مباشرة من السلطان.
هذا التطهير العرقي الذي مارسه العثمانيون ضد المسيحيين يفسر ظاهرة تلاشي المسيحيين من مناطقهم التاريخية.
بالمقابل، لعب المسيحيون المشرقيون الدور البارز في إطلاق حركات التحرر القومي والوطني ضد الاحتلال العثماني في مختلف الأمصار العربية.
المجازر عمومًا هي صفحة سوداء في تاريخ الانسانية. والمسيحيون عبر تاريخهم وقعوا عرضة لأشرسها، سيما وأن ذيول بعضها لا تزال ملموسة حتى تاريخه وما تلك التي راح ضحيتها الأرمن المسالمون في الربع الأول من القرن العشرين سوى خير شاهد على ما حل على الجماعات المسيحية من نكبات وأهوال.
تعود مقدمات المجازر الأرمنية الى نهاية القرن التاسع عشر وبلغت ذروتها فيالسنوات 1915 و 1922، حيث ذهب ضحيتها حوالي المليون ونصف المليون، بعد عملية طرد واسعة النطاق طاولت جميع الشعب الأرمني المقيم في أرمينيا التركية.
والارمن وقعوا ضحية لمرتين، الأولى على يد الاتراك الطورانيين والثانية بسبب تنكر تركيا لتلك المجازر وعدم اعترافها بها، والأخطر في الموضوع أن غالبية دول العالم حتى اليوم لا تزال تتعاطى مع هذه المأساة بفتور ولا مبالاة.
المسيحيون والمسلمون
تاريخ الشرق الاوسط وواقعه لا يمكن فهمهما بدون تحليل الروابط العميقة التي ربطت مسيحييه ومسلميه عبر التاريخ.
لهاتين الديانتين السماويتين رصيد هام، ان بصورة مستقلة احيانا او مندمجة احيانا اخرى في تاريخ وحياة الشرق الاوسط الثقافية والاجتماعية والسياسية والحضارية.
الحوار الاسلامي - المسيحي يبدو في الشرق حقيقة ملموسة، فهم وعبر قرون متواصلة لم يتحاوروا فقط، بل تعايشوا معا، وجاهدوا معا، وتألموا معا في سبيل القيم الانسانية والاخلاقية السامية.
عمومًا تعاطى المسيحيون العرب بإيجابية مع الإسلام في الشرق بحيث أرادوا التمسك بصورة حضارية قائمة على تفاعل ثقافي.
المسيحيون والإرهاب
عبر التاريخ كان مسيحيو الشرق ومازالوا الضحية الأولى لكل الغزوات التي عاشتها المنطقة، من الغزو الروماني البيزنطي الى الغزو العربي الاسلامي مروراً بالغزو الفارسي والعثماني وصولاً الى الغزو الأوربي في القرن الماضي والغزو الأمريكي الغربي الجديد.
في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين استفادت "الشعوب العربية" من تدخل العالم الغربي ضد السلطنة العثمانية يوم أتت الجيوش الأوروبية وحررت شعوب المنطقة من الاحتلال العثماني المرابض على اكتاف العرب لاكثر من أربعة قرون باسم الخلافة الإسلامية، وتشكلت بفعل هذا التحول الدول العربية المعاصرة بحدودها الجغرافية ومكنوناتها السياسية والاجتماعية.
لم يحصد مسيحيو الشرق(آشوريون"سريان/كلدان"أرمن، موارنة،أقباط) أي مغنم من هذا التحول بل عانوا المزيد من الويلات والنكبات، ليس فقط على يد من يتقاسمهم الأرض والجغرافيا، بل من الغزاة الجدد أيضًا ولو انهم يتواصلون معهم في الفكر الديني والمعتقد.
الواقع المرفوض
الشعوب العربية عبر تاريخها كانت سباقة في حوار الحضارات. والحضارة العربية لم تكن ذا وجه إسلامي فقط بل كانت من نتاج عمل مشترك إسلامي مسيحي.
هذا الحضور المسيحي في الشرق اثر بعمق في نهج الإسلام ومعرفته وتحولاته.
لم يخدم الاستعمار الغربي للعالم العربي المسيحية في الشرق بقدر ما أساء إليها، وتسبب بمأزق في العلاقة بينها وبين الإسلام.
كيف يمكن لديانتين عاشتا قرونا طويلة وحسن جوار متبادل، ان تنتهي العلاقة بهما إلى هذا الدرك المخيف؟
لماذا الإرهاب يطال اليوم مسيحيي الشرق الذين ضحوا عبر التاريخ في سبيل نهضة بلادهم وازدهارها؟
أي عرقلة للتعايش المسيحي الإسلامي في الشرق هو ضربة مثلثة الأبعاد: فهي تطال سيادة البلدان العربية والسلام، كما تطيح بحقوق الانسان وحرية الاعتناق الديني وهي أيضًا تقضي على كل حلم بوحدة عربية متكاملة.
هذه العنصرية الهادفة إلى استئصال الوجود المسيحي من الجذور يتزايد مع صعود الاصولية المتطرفة من جهة وترسيخ التهويد الصهيوني للأرض الفلسطينية واستعمار الاقتصاد العربي.
هذا المخطط الهادف إلى إشعال نيران الفتنة الدينية بين المسلمين والمسيحيين يهدف إلى ترسيخ تلك المزاعم القائلة باستحالة التعايش بين الديانتين في مساحة جغرافية واحدة، ما يخدم منطق قيام الدولة الإسرائيلية وحججها، إن لجهة أحاديتها العرقية والدينية والعنصرية أو لجهة تبرير مخاوفها ودوافع حروبها مع محيطها.
عادة ما يضرب الإرهاب الحلقة الأضعف في تركيبة المجتمع وفي عالمنا الشرقي تبدو الجماعات المسيحية هي تلك الحلقة.
في كل مجتمع تغيب عنه مؤسسات ديمقراطية تمثيلية وأحزاب سياسية تترسخ حالة التخلف وتنمو ظاهرة الإستبداد والسيطرة العسكرية كما الأصولية المتطرفة.
إحصائيات
تشير الإحصائيات إلى أن نسبة المسيحيين في البلاد العربية تراجعت من 20% في نهاية القرن التاسع عشر إلى حوالي 5% في نهايات القرن العشرين.
من أصل ملايين المسيحيين الذين كانوا يعيشون في تركيا لم يبق منهم اليوم سوى 150 ألف شخص.
علمًا أن المجلس الوطني والمؤسسة العسكرية يخلوان من أي أعضاء أو ضباط مسيحيين.
وفي القدس كان يشكل المسيحيون خمس سكان المدينة فباتت نسبتهم اليوم لا تتجاوز 5%.
وفي بيت لحم حيث كانت تبلغ 80% فيما مضى باتوا اليوم يشكلون أقل من ثلث السكان.
في بيت لحم مسقط رأس السيد المسيح، صار المسلمون أكثرية. كذلك في بيت جالا. وحدها بيت سحور، يحافظ فيها المسيحيون على نسبة الاكثرية في تعداد سكانها.
أما أقباط مصر، فمأساتهم تتجدد مع كل عدوان جديد يطالهم وكنائسهم.
انتشار التطرف والتزمت الدينيين بين المسلمين،واعتبار الإسلام هو وحده دين الله الحق، واعتبار غير المسلمين مجرد أهل ذمة لامواطنين متساوين مع غيرهم، ظواهر ووقائع معروفة ولها عواقبها على التعامل مع غيرالمسلمين. وحرق الكنائس والاعتداء عليها وعلى الرهبان وغير ذلك من أعمال العدوانتكاد تصبح ظواهر يومية في الشرق الأوسط.
يومًا بعد يوم، يتقلص عدد المسيحيين الشرقيون فيأوطانهم رغم أصالة جذورهم ورغم تضحياتهم وخدماتهم في مختلف الميادين والقطاعات من علم وأدب واقتصاد ومجتمع وفنون وثقافة وفكر وسياسة ونبل في الخصال والأخلاق والوفاء لأوطانهم وقضاياها المحقة.
تقع مسؤولية تراجع عدد المسيحيين في الشرق على البرلمانات والحكومات ورجال الدين المسلمين ومعظم المثقفين العرب والمسلمين،كذلك تتحمل الدول الغربية الجزء الكبير من المسؤولية بسبب عدم اتخاذها مواقف واضحة وصريحة أمام مأساتهم.
لقد آنالأوان للمفكرين والمثقفين المسلمين أن يقفوا في الصف الأمامي دفاعًا عن إخوتهم المسيحيين الشرقيين وجدير بهم التحرك من اجل التصدي كل انتهاك يطال حقوق المسيحيين، والمطالبة بدولة المواطنة والمساواةوحقوق الإنسان.
عمومًا إن الوجود المسيحي العربي في فلسطين الارض التي ارتبط اسمها بالديانة المسيحية قد بدأيتقلص الى ان وصل الى 50 الف فرد فقط وهي تمثل نسبة 1% من عدد الشعب الفلسطيني وقديأتي زمن يختفي فيه المسيحيون من ارض السيد المسيح,
لا يجوز ان تبقى الدول العربية وجامعتهم ومنظماتهمعلى كافة انواعها ومستوياتها مكتوفة الايدي غير مبالية في دعم بقاء المسيحي العربيفي ارضه المقدسة.
يرتكز التاريخ الفلسطيني المعاصر على المسيحيون الفلسطينيون أبناء الضفة الغربية وقطاع غزة في كثير من محطاته وحركاته الوطنية لما لعبوه من دور محوري في النشاط المقاوم منذ بدايات القرن الماضي وحتى تاريخه.
فالتاريخ المعاصر يحفظ مآثر رواد مسيحيين كبار لمع نجمهم في الحركة القومية العربية لعل أبرزهم جورج حبش وكمال ناصر ونايف حواتمة ووفا الصايغ. وكثيرون سطروا نضالات وطنية وقومية تحولت مآثر تشرّف التاريخ الفلسطيني والعربي برمته أمثال المطران ايلاريون كبوتشي والمطران عطا الله حنا والدكتور عزمي بشارة والعشرات من المثقفين والقادة.
المسيحية تقتلع من المدن الفلسطينية الأصيلة لاسيما القدس وبيت لحم ورام الله وغزة وسواها...
فى قطاع غزة 3600 مسيحي غالبيتهم من طائفة الروم الاثوذكس. أما المدارس المسيحية فخمسة اربع منها تتبع الكنيسة الكاثوليكية والخامسة للكنيسة الارثوذكسية.
في ما يتعلق بالجمعيات المسيحية، فثمة ثلاث يتوزعن النشاط الرسولي والخدمة التي لا تميز بين مسيحي ومسلم، وهي على التوالي: جمعية اتحاد الكنائس المسيحية وجمعية الشبان المسيحية ووجمعية كاريتاس.
يحكى في الصحافة الدولية عن ضغوط يتعرض لها مسيحيو قطاع غزة بهدف الاستيلاء على املاكهم وعقاراتهم خاصة في محافظتي بيت لحم ورام الله والبيرة.
يرد راعي طائفة اللاتين الاب ايمانويل مسلم سبب هجرة بعض المسيحيين من غزة إلى الظروف الاقتصادية التي يمر بها القطاع عمومًا بفعل الحصار المفروض عليه، وليس لها أي بعد آخر.
والمسيحيون في غزة يتوزعون إلى فئات ثلاث، الأصيلون سكان القطاع واللاجئون الذين استوطنوه عقب نكبتي 1948 و1967، والمسيحيون الذين قدموا إلى القطاع بتشجيع من الرئيس الراحل ياسر عرفات عشية تأسيس السلطة الوطنية.
ها هم الآشوريون يحرمون من إقامة كيانهم القومي في موطنهم التاريخي "بلاد ما بين النهرين".
إن المسيحيين العراقيين هم مستهدفون من قبل معظم الميليشيات المتصارعة وهم أكبر ضحايا حروبها، دون أن يكونوا طرفا فيها، وهنا المفارقة.
والتاريخ اليوم يعيد نسج المشهد السابق فتحل كل الويلات على الآشوريين والكلدانيين وعلى مسيحيي الشرق قاطبة.
الاعتراف بالتمييز بوجود أهل ذمة هو بحد ذاته عنصرية وجريمة علنية ومتعمدة ضد الإنسانية وفق معايير العصر، هو محصلة طبيعية ونتيجة تلقائية لهذا الفكر المتطرف والمشحون بالعنصرية والحقد والتعسف.
تعرض الأقباط في مصر لسلسلة اعتداءات إرهابية لا تحصى اشتدت وتيرتها في الربع الاخير من القرن العشرين ولا تزال.
سنة 1972 سجلت حوادث الخانكة، وسنة 1981 مذبحة الزاوية الحمراء، والجريمتنان كلتاهما حصلتا في عهد أنور السادات.
اما عهد محمد حسني مبارك فزخر بجولات مرعبة واعتداءات رهيبة راح ضحيتها الاقباط والمسيحيون،
مفهوم أهل الذمة في الفكر الإسلامي يشمل اليهود والنصارى والصابئة والمجوس وسواهم... والمسيحيون العرب هم أشبه بمراكب تائهة وسط محيط صحراوي عاصف. جذور مأساتهم ضاربة في التاريخ، تعود إلى أواسط القرن السابع الميلادي، واستمرت حتى اليوم.
لعب المسيحيون العرب دورًا رياديًا في تأسيس الحركات القومية العربية الأحزاب السياسية وبرز منهم العديد من الوجوه الرموز كجورج حبش ونايف حواتمي وميشال عفلق وأنطون سعادة وغيرهم.
لقد زخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين بمفكرين كبار مسيحيين وناشطين أسهموا في ولادة الحركات الاستقلالية والمشاركة في قيادة البلاد نحو الاستقلال والديمقراطية.
ولم يخل قطاع إلا وتحرك فيه المسيحيون بمن فيهم الأرمن والسريان والأقباط والأشوريين والكلدان في سبيل النهوض بالحضارة العربية من حالة الرقاد والانحدار التي أدخلتها في نفقه السلطنة العثمانية طوال احتلالها للجغرافيا العربية.
فإذا بالأعلام المسيحيين ينهضون بالصحافة والفكر والسياسة والطب والعلم والثقافة والادب وتزهر من جراء نشاطهم النزعة الاستقلالية والديمقراطية والعلمانية.
نهضة الشرق تتوقف عن مدى الشراكة التي يبلغها المسيحي في علاقته بالمسلم وهي قناعة على الطرفين كلاهما ان يؤمنا بها من اجل بناء مستقبل مستقر ومنسجم مع تاريخه وتنوع مكنوناته وتكاملها.
هو مشروع يجب ان يحتل اولوية كل حوار عربي داخلي.
ليست المسيحية العربية حركة سياسية بل هي تجمع كنائس وجماعات بطريركية ذات هوية مسكونية تتكامل بالحوار والتعاون والشراكة والوحدة.
صحيح أن الاختلاف في صفوف المسيحيين الشرقيين يخفف من وهج حضارتهم ويضعف موقعهم وقدرتهم على التنسيق والتعاون والسهادة الحقيقية. إلا أنه تبقى على عاتقهم رسالة كبيرة تنبع من جوهر حضورهم الإنساني.
المسيحيون العرب هو جزء لا يتجزأ من العالم العربي يخدمونه ويدافعون عنه ويتجذرون فيه وينخرطون في مشاريع إصلاحه وتجدده ونهوضه وغنمائه وتقدمه. هذا هو تاريخهم وهذه هي رسالتهم وهذا ما قاموا به عبر العصور.
لقد شاركوا إخوانهم المسلمين في كل تطلعاتهم ومساعيهم نحو مستقبل زاهر.
تعاطفوا مع العرب عمومًا والتزموا بقضاياهم العادلة، وساهموا في تقريب وجهات النظر بين الذهنيتين الغربية والشرقية.
أما الحوار الجدي فهو الذي يقود العلاقة بين المسيحيين والمسلمين إلىالاعتراف بكرامة الإنسان وحقوقه وبالمساواة وتزيز ثقافة الحرية والتعددية والديمقراطية وحق الاختلاف والاعتراف بالآخر ومعرفته والعيش معه والتعاون من أجل إقامة دولة الحق والقانون والشفافية والمؤسسات ودعم التنمية والامن والاستقرار وترسيخ القيم الأخلاقية والروحية.
على العلاقة بين الجانبين ان تتوجها الواقعية والاعتدال والعقلانية والحكمة وخصوصًا المحبة مع الثقة المتبادلة.
المسيحيون العرب اليوم يعيشون في بيئة عربية إسلامية وفي عصر تقوده العولمة.
هذه المسيحية في نشاتها والأصيلة في تجذرها تساهم في تطور الثقافة العربية.
لقد انتشرت المسيحية العربية قبل الإسلام بقرون وأسست أولى الممالك العربية. وفي زمن النهضة كان المسيحيون روادها وأول من أسس الأحزاب العقائدية.
المفهوم المسيحي في الضمير الإسلامي يكتنفه الغموض فكلمة مسيحيين لم ترد في القرآن بتاتًا. بل ذكروا بأهل الذمة يحضون بالحماية وبالتالي همشوا في الحياة الوطنية لاسيما في الانظمة التي اعتمدت الغسلام دين الدولة وطبقت الشريعة الإسلامية في قوانينها وحياتها المجتمعية.
هذه النظرة غير المتكافئة للمسيحيين في الإسلام خففت من وهج حماستهم في الانخراط داخل مجتمعاتهم وساهمت في ترسيخ خيارين لديهم إما الالتزام في الحيادية والإنعزال أو الانسحاب نحو الغربة.
رغم ان التاريخ لم ينصف المسيحيين المشرقيين، إلا أنهم حافظوا على دورهم وشكلوا عبر الزمن قوة حيوية أنعشت الشرق الأوسط.
المناصب اتي تبوأوها والمواقع التي نشطوا فيها والمبادرات التي تبنوها في مختلف الدول والأقاليم والقطاعات أثمرت نهضة وإصلاحًا ونموًا مطردًا.
المسيحيون الأثرياء خدموا بلادهم بتجرد وأسهموا في ازدهارها ومواكبتها للعصر وتنشيط اقتصادها وتنمية مجتمعها.
والجامعات العربية عجّت بالطلاب المسيحيين يأمونها للغوص في علوم العصر وأفكاره.
وفي البلاد التي توافر فيها مجتمع مسيحي عريق، علت جسور ربطت الشرق بمختلف اوصال المجتمعات الدولية الغربية والشرقية والجنوبية والشمالية.
هجرة المسيحيين
الوجود المسيحي في الشرق اليوم يضمحل سنة بعد سنة، والمجتمعات المسيحية آخذة بالانكماش.
الهجرة تكاد تكون الجامع الأكبر للشباب المسيحي المشرقي،
الاضطهاد السياسي سابقًا والعنف الطائفي اليوم عاملان كانا ولا يزالان يقضان مضاجع المسيحيين.
صعود الإسلام الراديكالي واتخاذ المسيحية هدفًا يصوب نحوه سهامه يزيد السواد في الافق.
إن الصمت العربي والاسلامي ازاء ما يتعرض له المسيحيون في بعض دول المنطقة غير مبرر. هذا الصمت يشجع التنظيمات الإرهابية على تماديها في اعتداءاتها على المسيحيين. والمؤسف ان الحكومات تقطع كل طريق نحو أي حوار وطني حول مأساة المسيحيين كونها أصلاً لا تعترف بوجود مثل هذه المأساة.
وكل حوار إسلامي مسيحي مشرقي نشهده لا يقتصر إلا على مسائل لاهوتية يدور بفعلها في حلقة مفرغة. اما الواقع المسيحي المتدهور فهو غير مطروح.
الشرق يخلو من مسيحييه يوماً بعد يوم.
رسالة مؤثرة كتبها داود البوريني لأستاذ جامعي يدعى جورج يعبر فيها عن ألمه العميق بسبب المأساة التي يعيشها المسيحون في الشرق اليوم:
"أخي جورج
أنا أعرف جيداً ما هو شعورك بعد أن هزّت عواصف العدوان وضربت أعاصير النار بلادنا بكل قسوة في السنوات المائة الأخيرة.
لقد حاول أجدادنا بكل ما أوتوا من علم ومقدرة أن يخففوا من آثار الإعصار الغربي قدر استطاعتهم، هم أحياناً نجحوا لكن في معظم الحالات فشلوا على الرغم من ملايين الشهداء الذين توسدوا سهول هذه الأمة وجبالها وغاباتها من الأوراس الى عدن، لا أعتقد أنه توجد عائلة عربية واحدة لم تقدم واحداً أو أكثر من أبنائها على مذبح حرية هذه الأمة في تلك الفترة، ولقد تحمّلت أنت برجولة كما تحمّلت أنا، بكـَيتَ أنت من الهزائم تماماً كما بكيتُ أنا وفرحنا معاً لانتصارات أمتنا في الأوراس والسويس والجولان وعدن وغزة وبيروت، ولقد افتخرنا معاً بشهدائنا، كل شهدائنا ومجاهدينا، من سليمان الحلبي الى عمر المختار الى الشريف الحسين بن علي ويوسف العظمة وجمال عبدالناصر والملك فيصل بن سعود وجورج حبش وجورج حاوي ، لن ننسى لا أنا ولا أنت دماء الشهداء في الكرامة وبيروت والجولان وابو زعبل وبغداد، كيف ننسى هذا وقد عشناه معاً بكل ما فيه، كما عملنا دوماً لنقدم لهذه الأمة كل ما نستطيع.
أخي جورج، أستاذ التاريخ والمثقف مثلك يعلم تماماً أن أخاه العربي المسلم هو أخٌ حقيقيٌ له، إنه يعلم بأننا معاً كنا على هذه الأرض المباركة منذ آلاف السنين كنا وثنيين معاً ثم أصبحنا مسيحيين معاً ثم منا من ظل على مسيحيته مثلك ومنا من أصبح مسلماً مثلي، لكن هذا لم يغير في جوهر الأمر شيئاً فأنت أخي ودمك دمي ولحمك لحمي ولن تكون إلا هكذا.
أنت تعلم جيداً أنه على مدى ناريخنا لم تقم بيننا لا مذابح ولا مكاره ولم يتعمّد أيٌ منا أن يؤذي الآخر أو أن يطعنه في ظهره، وعندما حصل هذا في صبرا وشاتيلا لم يكن جورج هو القاتل بل كان العملاء والخونة هم القتلة، وهؤلاء لا دين ولا مذهب ولا وطن لهم، ولو ادّعوا خلاف ذلك وتعلّقوا بأستار الكعبة أو أجراس كنيسة القيامة.
إنّ مانتعرض له الآن من إيذاء واعتداء لم أقم به هنا أو أي من أصدقائك وجيرانك وأخوانك المسلمين الآخرين، فالمسيحيون في الشرق مثل المسلمين تماماً تعرّضوا للهجمة الغربية بعد الحرب العالمية الأولى ثم الهجمة الصهيونية المجرمة المدعومة مع المسيحية المتصهينة والتي لا علاقة لها أبداً بالمسيحيين العرب من أي مذهب كانوا، هم الذين قتلوكم كما قتلونا، سرقوكم كما سرقونا وهجّروكم كما هجّرونا وسيظلون كذلك اذا لم نقم أنا وأنت للدفاع عن أنفسنا، ندافع معاً كما كنا دوماً معاً.
أخي جورج، أنت توأم روحي فأنا لا أستطيع أن أتخيل دجلة بدونك أو شارع أبي نواس أو الشورجة، لن تكون حلب نفس حلب ولا صدنايا هي صدنايا ولا بيت لحم هي بيت لحم ولا مأدبا هي ذاتها ان لمم تكن أنت فيها معي، نأكل ونشرب ونعمل ونغني وعندما تموت تـُدفن مثلي في باطن أرض العرب المباركة، أمّنا جميعاً.
سمعت أنك تريد أن تهجر أرضك وأهلك وترحل ياجورج، لم أعرفك جباناً أبداً حتى تهرب، لم أعرفك بخيلاً حتى تبخل على وطنك-كل وطنك- بمالك وحياتك ودمك فلطالما كنت شجاعاً مقداماً وكريماً.
اذا هربت ياجورج وتركت أرضك لأي سبب فإنك تكون قد نفّذت مايريده أعداء أمتك منك، أوروبا وأمريكا لا يفتحون الأبواب لأنهم يحبونك، فلو كانوا يحبونك لقدّموا لك الحماية في العراق بدلاً من ان يقوموا بحماية وزارة النفط أو لقدموا لك الحماية في بيت المقدس وبيت لحم ويافا وحيفا وبيروت، ولما تركوك كما تركونا أهدافاً لبنادق اليهود وصيداً لطائراتهم، انظر إليهم كيف جعلوا من أبناء غزة أهدافاً لبنادقهم فبدلاً من أن يطاردوا الحيوانات ويصطادوها أصبحوا يتسلّون بأبناء العرب، كل العرب، مسلميهم ومسيحيهم، هل تذكر فيلم الجندي الأزرق Soldier blue أو صائد الغزلان؟ هكذا أصبحنا لهم صيداً، تماماً مثل الهنود الحمر.
لكن هل نحن هنود حمر مع احترامي للهنود الحمر، فنحن من طينة مختلفة ولطالما كنا مكافئين للغرب في القوة والبأس ولكنا لن نكون أبداً مثل الغرب في المكر والغدر والذرائع والإجرام.
تحمّل ياجورج واصمد في أرضك فإنّ الشجاعة صبر ساعة، تحمّل ياجورج وابقَ معي هنا لندافع عن وجودنا معاً، اذا قاومت فإنك تساعد نفسك أولاً والجميع بعدها سوف يقف معك، لكنك اذا هربت فلا أحد يستطيع أن يمنعك من الهروب، ابقَ ياجورج في بلادك ولا ترحل.
أنا أعلم بأنك غاضب لأن عملاء الأميركان قد هاجموا بنذالة كنيسة سيدة النجاة، ولا تنسَ يا أخي بأنهم قد أحرقوا المسجد الأقصى قبل ذلك بكثير وهدموا مئات المساجد على طول بلاد الشام وعرضها، إن رحلت ياجورج ستأخذ عائلتك معك فمع مـَن سيلعب ابني أحمد عندما يهاجر ابنك عيسى ومع مـَن ستلعب ابنتي مريم عندما تهاجر ابنتك مريم ومع مـَن ستتزاور زوجتي؟قل لي بربك مع مـَن سنقضي ليلة عيد الميلاد ورأس السنة؟ مـَن سيشرب معي قمردين رمضان ويتناول معي خروف العيد؟
أخي جورج رجاءً لا ترحل…
لا تتركني وحيداً حزيناً ياجورج….
لا تهرب ياجورج لأن القتلة لن يطول بهم المقام بيننا فهذه أمة كالبحر تماماً تلفظ الجيف أو تحللها.."
ولدت المسيحية في الشرق الأوسط ومهدها في فلسطين الارض المقدسة التي تعيش حالة تفريغ من أهلها المسيحيين.
فمعظم المدن المسيحية كبيت لحم والناصرة والقدس تستنزف مواطنيها المسيحيين.
أما في بقية الأقطار العربية فتختلف أوضاع المسيحيين العرب من دولة إلى أخرى حسب طبيعة النظام السياسي والنظام القضائي والمجتمع والحضارة بصفة عامة.
يتعايش في منطقة الشرق الأوسط مؤمنون من الديانات التوحيدية الثلاث.
نختصر المعضلات التي يواجهها المسيحيون في الشرق بخمسة:
1- الصراعات السياسية في المنطقة وفي مقدمتها الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية الذي يخنق الحياة اليومية ويقيدها ويولّد دوافع تستغلها الجماعات الأصولية. وكما في الأراضي المقدسة كذلك في العراق انقلب الاحتلال الاميركي كارثة على الوجود المسيحي في تلك البلاد. وتصاعد الإسلام السياسي في مصر يضيف على انعزال المسيحيين عزلة ويعرضهم لكل انواع المخاطر.
2- الحرية الدينية وحرية الضمير: حيث أنهما غير متكافئتين بالنسبة للمسيحيين وسائر المواطنين.
3- المسيحيون وتطور الإسلام المعاصر: لاسيما تصاعد الإسلام السياسي المتطرف الذي يسعى منذ العام 1970، إلى فرض حياة إسلامية على المجتمعات العربية والتركية والإيرانية، وعلى كل الذين يعيشون فيها من مسلمين وغير مسلمين.
4- هجرة المسيحيين العرب إلى الخارج: هاجس كبير يهدد مستقبل المسيحيين في مهد حضارتهم.
5- الهجرة المسيحية الدولية الوافدة في الشرق الأوسط: قادمة من إفريقيا وآسيا للعمل مع ما يواكب ذلك من عدم احترام للقوانين والاتفاقيات الدولية.
مسيحيو الشرق، آشوريون وأرمن واقباط وموارنة وعرب، ارتضوا التخلي عن الكثير من حقوقهم القومية وخصوصياتهم الثقافية والاجتماعية والدينية وضحوا بها لأجل "حقوق المواطنة" في مسعى نحو بناء دولة ديمقراطية ليبرالية، نراها تصبح اليوم حلمًا يتبخر، وتسقط صريعًا على سندان التطرف الإسلامي.
بقاء المسيحيين في الشرق يحتاج الى تعميق روح المساواة بين المواطنين، وهو ما يتنافى مع مبادئ كل مشروع "دولة إسلامية".
وبسبب عدم استعداد الشرق ان يرتدي اليوم ثوب الإصلاح الحقيقي، سيبقى المسيحيون فيه عرضة لكل الأخطار بما فيها القتل والخطف والتهجير.
ليت التجربة اللبنانية من ناحية التعايش السلمي بين الأديان تعمم على سائر الأقطار العربية فنشهد حرية كاملة في الإيمان وممارسته، ومساواة في المواطنة.
لم تعد الحرب اللبنانية نموذجًا استثنائيًا في العالم العربي الكبير، لأن في الواقع ثمة ما بات يشبهها في العديد من الدول العربية في حين اصبح البعض الىخر الذي لا يزال بمناى عن هذه الظواهر يحمل في احشائه احتمالات انتقال العدوى إليه.
العالم العربي اليوم مفتوح على كل انواع التحولات الداخلية والخطير في الموضوع ان لا أفقًا واضحًا لهذا التحول.
العالم العربي اليوم المحيط بدولة إسرائيل في دوامة الضياع والقلق والاضطراب، أطرافه تقطتع منه قطعة تلو الاخرى، وقلبه المركزي مهدد بالتفتيت.
الدين في العالم العربي يتحول عند بعض الأطراف إلى طائفية ومذهبية اللتين هما عنصري تفتيت لا وحدة.
والإجتهاد في الرأي يفقد اليوم طابعه الإثرائي الذي يغني الفكر والرسالات السماوية، ليصبح تعصبًا يفيض حقدًا وكراهية.
الحرية والديمقراطية قيمتان ساميتان تحافظان على كرانة الإنسان وتنظيم العلاقات الاجتماعية، تتحولان على يد من يسيء استعمالهما إلى فوضى وفلتان وانهيارات على مختلف الأصعدة.
والعدالة أيضًا التي تضمن المساواة بين المواطنين، تتحول على يد المتطرفين إلى دعوة للتناحر الدموي والبطش الفئوي.
الثورة بما هي تسريع لعملية التغيير والتقدم، وبما هي استئصال للعقبات والمصالح الفاسدة، هي هدف تتوحد حوله المجتمعات، وقضية يجتمع الشعب تحت لوائها، لكنها على يد أصحاب النهج التفتيتي تتحول إلى تسلط وقمع وإرهاب غير مبرر...
الحوار بين المسيحيين والمسلمين حاجة ملحة.
في استمراره ضمانة لمستقبل مستقر.
بالطبع لا أحد ينكر دور المسيحيين في النهضة الثقافية العربية. ولا احد ينفي تجذرهم في هذه الأرض.
لقد حققوا عبر تاريخهم ورغم ما تعرضوا له من نكبات واضطهاد،
أنجزوا إنجازات متميزة على مر تاريخهم.
نشطوا في عهد الامويين والعباسيين، وفي الخلافة الفاطمية.
بفضلهم انتشرت البعثات التربوية والثقافية الأجنبية. فأنشئت المدارس واستقدمت المطابع، وأبصرت النور الصحافة الحرة،
استلهم المسيحيون ثقافة الغرب فادخلوا إلى البيئة العرية روحًا تحررية عصرية.
ليس التنوع في النسيج الاجتماعي هو وحده ما يميز لبنان، بل قبول الاختلاف في الرأي ونزعة الانفتاح على العالم بكامله وتقديس الحرية واحترام المجتمع المدني.
هذه هي بعض ملامح رسالة لبنان في هذا الشرق.
هذا البعد الحضاري دفع بالمسيحيين إلى الاهتمام الكبير بالثقافة وتعميم المدارس وإطلاق الجامعات ونشر العلوم وإحلال هذه القطاعات في صلب عمل الكنيسة.
ليس الوجود المسيحي في الشرق منة من أحد.
هذا التجذر قوي بفعل صمود المسيحيين ورفضهم لكل مشاريع التهجير التي عرضها عليهم الاستعمار منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم.
فالمسيحية تحتضن في باطنها روحًا مقاومة تنبع من شخصية المسيح المتالم الرافض للهزيمة أمام الخطيئة والشر والممتلئ من إيمان القيامة.
هي ثقافة الصبر في وجه الألم وريادة الثائرين في الحق نحو التحرر.
بهذه الثقافة يواجهون مخططات التهجير من الأراضي المقدسة ومن العراق ولبنان ومصر.
هو حضور المسيحيين في الشرق يضفي عليه نكهته وخصوصيته وقيمته الحضارية.
لقد أعلن أساقفة الكنائس رفضهم عمليات تهويد القدس وتصدوا لكل نهج يهدف إلى تغيير التركيبة الديمغرافية ليس فقط في تلك المدينة المقدسة بل في كل انحاء العالم العربي.
في مرحلة كانت العروبة مجالاً ثقافيًا للقاء المسيحية بالإسلام،
هذا البعد الحضاري يفقد مركزيته بفعل تنامي الأصوليات والتطرف والعنصرية والمذهبية.
عالمنا يحتاج غلى مبادرات وفتاوى تحرم التنازع واستخدام العنف وترسخ التسامح الديني وحرية المعتقد والاعتراف بالحق في الاختلاف والتنوع.
أمام عجز الأمم المتحدة عن تنفيذ قرارات مجلس الأمن المتصلة بحقوق المسيحيين والمسلمين في فلسطين ولبنان وسوريا والجولان، على المسيحيين والمسلمين أن يبادروا متضامنين من اجل استرداد حقوقهم.
تتعرض الآثار المسيحية لعمليات تهويد في فلسطين وتزوير في مختلف انحاء الجغرافيا العربية.
يتعرض المسيحيون كما المسلمين بفعل احتلال العراق وفلسطين لضغوط نفسية واقتصادية وسياسية ودينية تحملهم على الهجرة.
ظاهرة العنف المستشري في العالم لا تمت بأي صلة إلى الأخلاق الإسلامية والمسيحية. هي تنبع من تلك النظرية التي تريد ان تدخل الأديان والحضارات في صراع دائم وتقضي على كل منحى حواري بينها.
لم يعد كافيًا استنكار المجازر والاعتداءات التي تطال المسيحيين الابرياء. يجب ان يقرن الكلام بالافعال وان تبادر المرجعيات الدينية الإسلامية إلى اتخاذ موقف جماعي واضح تمنع كل اعتداء يطال المسيحيين العزل في كنائسهم ومنازلهم ومراكز اعمالهم ومدارسهم وجامعاتهم.
السكوت عن هذا الإجرام لم يعد جائزًا.
هذا على المستوى الديني أما على المستوى السياسي فعلى الانظمة الحاكمة ان يرعى المسيحيين وتحميهم، وعلى الجامعة العربية أن تبادر فتحصن الوجود المسيحي بميثاقها وقوانينها وقراراتها. وتمنح المسيحيين الاهتمام الكافي وتضمن شرعة حقوقهم، وتحصن موقعهم كمواطنين كاملي الحقوق والواجبات ومساوين لأشقائهم في المواطنة.
المسيحيون لا يطالبون بامتيازات، ولا يحتاجون إلى شهادات حسن سلوك كي يثبتوا مواطنيتهم.
والمسيحيون لا يعتدون او ينتقمون او يطمعون.
من واجب الحكومات حماية المسيحيين ورعاية حقوقهم.
والتعاطي بالعدل معهم والإنصاف والمساهمة في تطوير قراهم ومناطقهم.
ثقافة التعددية هي رسالة حضارية وهي ركيزة كل جسر يجمع أطياف العالم بأسره ويوحد المجتمع الدولي.
سكوتهم يدعو إلى القلق ويطرح الكثير من التساؤلات.
إلى متى سيبقى المسيحيون بحاجة إلى حماية؟
الوجود المسيحي متجذر في تاريخ البلدان العربية وجغرافيتها رغم تحولهم اليوم إلى اقليات.
نشات المسيحية في الشرق وتفتحت براعمها في بيت لحم حيث ولد المسيح وتمددت نحو مصر والناصرة وقد عاش في أرض فلسطين ولجأ إلى أرض مصر وجنوب لبنان وأمضى فتوته في الناصرة وآخر لحظات حياته على جبل الزيتون.
كذلك سار على طريق الشام بولس والرسل ومن أنطاكيا انطلق المسيحيون وانتشروا في مختلف انحاء العالم القديم، وتمدد انتشارهم على كامل بقاع الأرض.
في جوهرها تبدو المسيحية رسالة ثقافة انعشت النهضة العربية التي اطلقتها شخصيات آمنوا بالإنسان والفكر الحر ورفضوا كل جمود وتخلف ورجعية.
المسيحيون رغم ما يعانون من اضطهاد، لا تزال رسالتهم هي هي، ومسؤوليتهم تاريخية.
هم رسل محبة وسلام وشهادة.
رغم كل شيء على المسيحي ان يتحرر من حالة الإحباط والخوف والضياع ويستعيد دوره الريادي.
فبقدر ما ان وجود المسيحيين ضمانة لاستقرار الشرق وتوازنه، بقدر ما على المسلمين العرب ان ينشطوا في سبيل حماية المسيحيين.
من الضروري ان يستعيد المسيحي إيمانه بأرضه ووجوده وحضوره ويسترجع حقوقه بالمواطنة وأن يمتنع عن بيع اراضيه والتخلي عن كل رابط يربطه بتاريخه وحضارته.
على المسلم ان لا يقف عائقًا أمام استعادة المسيحي لدوره الفاعل.
فالعلاقة بين الجانبين بغض النظر عن حجم كل منهما إلا أنها تبقى علاقة عضوية متكاملة.
في الماضي والحاضر، صدرت دعوات غربية لمسيحيي الشرق بالتقوقع وإقامة دويلاتهم المستقلة.
لكن عموم المسيحيين المشرقيين رفضوا هذه الدعوات ونبذوها وتمسكوا بتعايشهم مع إخوتهم .
في الشرق الاوسط ثماني عشرة دولة منها ثلاث عشرة عربية هي اليمن ومصر والمملكة العربية السعودية والمملكة الأردنية الهاشمية وسلطنة عمان والعراق والكويت والبحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة ولبنان وسوريا وفلسطين إلى جانب تركيا وإيران وباكستان وأفغانستان وقبرص.
يعيش في هذا الشرق 555 مليون ونصف المليون. منهم 15،700 مليون مسيحي اي ما نسبته 2،8%. و97،2% هم مسلمون يتوزعون بين 376 مليون سني و164 مليون شيعي.
كيف يمكن أن يشعر كل أبناء الشرق الأوسط بكرامتهم على قدر المساواة؟
هذه هي القضية التي حملها المسيحي المشرقي على كاهله منذ فجر زوال الاحتلال العثماني.
تبنى المسيحي مفهوم الدولة العادلة، والمتوازنة، والسيدة.
اعترض على التفرّد والأحادية والهيمنة، وكافح الإرهاب والأصوليات الرافضة للآخر وللحوار.
انتفض على كل ارتهان.
داخليًا واجه الأوضاع المتوترة التي تنذر بانقسامات لا تفيد أحدًا.
نادى بالتعقل والتهدئة والمناعة الوطنية والحوار.
تمسّك بالحريات العامة بكل أبعادها وعلى رأسها حرية الإعلام والتظاهر.
طالب بقوانين يسهر عليها قضاء حر نزيه وتشكل ضمانة للجميع.
رفض التهوّر ولغة التخوين، وأيّد التنوّع الحزبي والفكري والنضالي.
أبدى المسيحي المشرقي احترامًا لكل الأفكار والآراء والشخصيات.
في نهجه لم يكن عدائيًا ضد أحد ولم يرفع فيتو بوجه أحد. لم يناور ولم يؤسس المحاور، بل سعى بصدق وانفتاح ومحبة لتلاقي الجميع وتعارفهم وتصارحهم والعمل من أجل توحيد الرؤيا عندهم.
أما في لبنان فالمسيحي مرّ بتجربة مرّة جعلته يقف في نهاية المطاف امام خيارات عدّة تجعله يحدد نطلعاته ورؤيته
عليه اليوم أن يتمسّك ويعمل من اجل بناء لبنان لا يتجزأ ودولة مستقلة ذات نظام جمهوري، ديمقراطي برلماني، حر، قائم، يختزن تنوّعًا حضاريًا وثقافيًا، وفي حركة تفاعل دائمة مع الحضارات العالمية.
دولة ترعى حقوق الطوائف وتؤمّن لهم الضمانات وتحافظ على تقاليدهم وأعرافهم التاريخية المتينة وتبني في إطارها مرتكزات التعاون الوطني في المجالات كافة.
عليه أن يقر بطابع لبنان الحضاري المميز، ويعمل في الوقت عينه في سبيل إيجاد صيغة مستقبلية من شأنها المحافظة على خصوصية لبنان وطابعه وواقعه وحضور تنوّع في وحدته.
لا يمكن للمسيحي أن يقف على الحياد، عليه أن يرصد الواقع اللبناني ويلفت إلى كل سوء عاينه وتلمسّه، في مسعى منه نحو تصحيح المسار وترتيب الأوضاع التي يعاني منها البلد في شتى الميادين. وهو قادر على تشخيص المعضلة اللبنانية والمرض الوطني والمشاكل الداخلية لاسيما في النواحي الاجتماعية والاقتصادية التي تهدد المواطن.
في أفكاره ترشيد إلى مكامن الخلل، وفي تحركه تقديم يد المساعدة لتضميد جراح الوطن وتوحيد ما تجزأ وتقريب ما تباعد.
عليه أن يرفض أن يكون جزءًا من اي مشروع إلا مشروع سيادة لبنان وحريته واستقلاله وعيشه المتوازن الكريم. وان يؤمن بان الولاء للبنان يعني أن نحب كل أرضه غير منتقص منها ولا حبة تراب ولا ضيعة. وأن نحب كل أهله، كل ابناء الوطن على تنوعهم غير منتقص منهم ولا مواطن أي الـ4 ملايين مهما اختلف عنا في العقيدة السياسية أو التوجه أو المذهب أو الطرح.
أن يرى لبنان دولة سيّدة على كامل أرضها، وأن تبقى هذه السيادة فوق كل اعتبار. وأن تكون دولتنا الأقوى، حاضنة وحدة الشعب وصاحبة العين الساهرة.
المطلوب نقلة نوعية ليس في الأداء السياسي فقط ولكن أيضًا في الفكر السياسي الذي يلبي طموحات الجميع وخصوصًا في التعاطي مع المرحلة الشديدة الدقة التي نحن مقبلون إليها.
التوافق الوطني والمحافظة على مقومات لبنان في الديمقراطية والحريات، حقيقتان يحفظان الوجود المسيحي ويرسخان منطق التفهم والتفاهم.
من هنا الحاجة إلى الوعي من قبل أركان السلطة والاعتراف بأن مسار الأمور في ازمة والمطلوب تغيير في الفكر والممارسة.
تحتاج الوحدة الوطنية إلى تحصين وحوار جدي وحقيقي بين كل اللبنانيين.والمحافظة على الروح الميثاقية تتطلب العمل مع جميع المسؤولين لتثبيت التوازن خدمة للبنان الواحد، وطن الرسالة، الذي يشكّل نقيضًا للرهانات التي تتحدث عن استحالة التعايش السمح بين الأديان السماوية على أرض واحدة، متأثرة بنظرية "صراع الحضارات" المستحدثة.
الدولة الواحدة العادلة لا يمكن أن تقوم إلا على المساواة والتوازن، وبالتالي ألا تشعر اية طائفة او فئة او مذهب او مجموعة أنها مغيبة عن المشاركة في صناعة القرار الوطني، او انها مبعدة عن دور اساسي في التوازن.
هم العرب عمومًا بحاجة إلى من يجمعهم لا إلى من يفرقهم، وإلى مزيد من الأمل والرجاء لا إلى مزيد من الإحباط.
ان الوطن ثابت ونهائي رغم كل المحن وهو ليس عرضة للمساومة ولا استقلاله مدار جدل.
اننا نتطلع الى وعي مسيحي أكبر لما يجري، فالمطروح ليس صراعاً بلدياً حول موقع، بل هو دورنا ومصيرنا ومستقبلنا في وطن سيد حر آمن لجميع العائلات الدينية وفي هذا الشرق العزيز.
اننا نعول على مبادرة من كافة المراجع الدينية لوضع الاسس والخطوط بما يثبت هذا الاستحقاق ويحفظ وحدة لبنان وديمومته ودوره ورسالته الحضارية.
لن يقوم لبنان على التراشق والتخوين والتهديد والتشنج ولا على بقائه ساحة صراع.
وكل تسلح طائفي أو مذهبي أو حزبي هو طعنة في صميم الكيان اللبناني ودعوة إلى حرب أهلية.
لماذا ننتظر تداعيات المنطقة ولا نحصن نفسنا؟
لماذا لا يصنع الحل في لبنان بدل أن يأتينا جاهزاً من عواصم خارجية؟
أيجوز أن يحتاج تأليف حكومة وفاق وطني إلى كل هذا الوقت الضائع والى جولات دولية مكوكية في كل عواصم العالم؟
غياب التفاهم والتوافق بين اللبنانيين في ظل اوضاع صعبة اقليمية ودولية، وأحوال اقتصادية – اجتماعية تنذر بالخراب، يفتح البلاد إلى آفاق رمادية ضبابية غير مريحة.
يبقى الأمن هاجس المسيحيين ويومًا بعد يوم يتمسكون برفض كل محاولات إثارة الفتنة الطائفية والمذهبية ويطالبون بالتصدي لكل تنظيم يستعمل السلاح والعنف في التخاطب السياسي.
فإلى اعتبار السيادة والاستقلال والحرية ثوابت لا تنازل عنها أبداً، تأتي الأولوية أيضًا للأمن في كل المناطق، إذ هو ممنوع ان يشعر مواطن في أي منطقة انه مهدد.
الأجهزة المعنية المختصة بحفظ الأمن واجبها الترقب والحذر والبقاء عيناً ساهرة لضمان امن كل اللبنانيين. فالأمن حق كل مواطن على كامل مساحة الوطن، وأول واجب على الدولة، وهو جزء لا يتجزأ من الوفاق الوطني لأن الصراع الداخلي على السلطة يشكل نافذة يدخل منها كل عابث بأمن الوطن.
لم يعد المسيحيون قادرين على تحمل الانفجارات أو الاغتيالات ولا الخطف أو العبوات. ولم يعد مسموحًا أي تقصير في هذا الإطار، ولا إخفاء الحقائق والمجرمين، ولا إبقاء الأوطان ساحة لأي، ما جعل المواطنين يكفرون بما آلت إليه الأوضاع.
يبقى الامن خطًا أحمر في أية عملية نهوض تخرجنا من هذه المحنة التي نتخبط بها.
إن الجيش الوطني الشرعي هو الضامن الأكيد وعنوان السيادة.
وبالتالي لا مكان في بلد مستقر، لجزر امنية أو بؤر خارجة على القوانين.
الجيش وحده صاحب قدسية حمل السلاح دفاعًا عن كل أبناء الوطن.
إن المسيحي معني بالسيادة التامة ويعتبر ان انتشار الجيش الوطني على آخر نقطة من حدودنا علامة انتصار لمبدأ الحق في السيادة على كل التراب. وكل تعد على الجيش أو الأجهزة اللبنانية من أي فئة أو طرف أو تنظيم هي مسألة مرفوضة.
نتوقف بإجلال أمام الدماء التي تسقط من ابناء الوطن وأمام الجرحى والمشردين والمهجرين وكأن قدر أوطاننا ان تبقى معلقة على الصليب، وان تتعاقب المجازر والإجرام والبربرية والتدمير.
في هذه التضحيات قرابين مباركة، وهي، بكل براءتها وبكل قداستها، ذخيرة قد تساهم في ابقاء شعلة وطن يحاول اعداؤه طمسه وإلغاءه.
في استذكار الشهداء عودة الى العطاء، الى تقديم أثمن وأروع ما في الإنسان.
إن جرائم التفجير التي تطال الأبرياء ليست إلا رسالة جبانة ضد شعب آمن، ما زال مصلوباً على خشبة.
هلاّ تعلمنا كيف نحصّن هذه الأوطان، وكيف نوحّد جهود شعوبنا لنمنع عنا الأذية والدمار؟
أن حق لبنان بكل قطرة من مياهه كما بكل حبة تراب من أرضه حق مقدّس غير قابل لأي مساومة أو تنازل.
لقد حذر الفكر المسيحي دومًا من الأطماع الإسرائيلية في مياه لبنان، والحكومة مطالبة بحملة ديبلوماسية ناشطة تهدف إلى إيضاح الموقف اللبناني في كل المحافل الدولية.
ألا تشكل هذه السيناريوهات والصراعات الجارية في المنطقة حافزًا عند الطبقة السياسية والحزبية والفكرية لاستنفار حقيقي لمواكبة ما يحصل، سعيًا إلى تثبيت دور رائد للبنان في ظل كلام متصاعد على صراع حضارات وتفتيت المنطقة.
التحرير انتصار للإرادة الوطنية والمقاومة التي أجبرت الإسرائيلي على الانسحاب دون قيد أو شرط. حق لبنان في تحرير أرضه كلّها وفي سيادته عليها وفي المقاومة والصمود في وجه أي اعتداء، مسألة لا جدل حولها ولا مساومة.
المطلوب اليوم استراتيجية عربية شاملة يكون لبنان جزءًا منها، فلا يحمل وحده تبعات الحرب.
والمطلوب المزيد من التماسك ودعم الدولة والجيش والمقاومة في مسيرة تحرير الأرض من الاحتلال الإسرائيلي والدعوة إلى الصمود شعبيًا والمبادرة إلى التحرك دوليًا وفي كل المجالات لدعم القضية اللبنانية العادلة ووضع حد للعدوان.
استعادة لبنان لأرضه وسيادته علامة مشرقة في تاريخنا الوطني. فالتحرير انتصار للإرادة الوطنية.
مطلب الناس الأول هو الأمن والكرامة وهو حق لهم على الوطن والحكم.
على الدولة أن تتحمل مسؤولياتها كاملة في المناطق والقرى المحررة وأن تضع خطة متكاملة كي يتم تطبيقها في كل المجالات الأمنية والعسكرية والمدنية والإعمارية والاقتصادية.
نتمسك بالحريات العامة بكل أبعادها وعلى رأسها حرية الإعلام والتظاهر دون أي تجاوز للقوانين اللبنانية.
إبداء أي رأي هو حق أساسي لكل مواطن يضمنه الدستور شرط مراعاة أصول المخاطبة واحترام رأي الآخر.
وبقدر ما نتمسك بوجوب احترام الحريات السياسية والإعلامية، بقدر ما نخشى على مستقبلها بسبب ما تعانيه من انتقاص وكبت وتضييق وكأن هناك تحضيرًا لنظام آخر ومختلف.
كل استهداف لأية وسيلة اعلامية مستنكر.
نتبنى الديمقراطية الصحيحة نهجًا لممارسة الحكم.
قانون الانتخاب جوهر النظام السياسي اللبناني وهو الذي يجب أن يؤسس لتمثيل صحيح لكل الطوائف، فلا يشعر أحد أنه مهمّش أو ملغى أو يفرض عليه نوابه.
من هنا أولوية قانون الانتخابات ومركزيته.
إن المسيحيين بشكل خاص يعلقون آمالاً عريضة على ان يأتي قانون يسمح لهم بان يوصلوا الى السدة النيابية من يمثلهم حقا دون ان يُفرض عليهم من لا يجسد طموحاتهم ورأيهم.
هذه الحقائق تفرض فتح باب حوار جدي على مستوى الوطن حول قانون الانتخابات على قاعدة العدالة والتوازن يحفظ حقوق الجميع ويؤمن التساوي بين الجميع، بعيدًا عن منطق المحادل الانتخابية والتزوير والتحريف.
الاستحقاق النيابي فرصة حقيقية لتمثيل قوي حقيقي لكل اللبنانيين.
من منطلق القلق على مبدأ انتخابات حرة وديمقراطية تعطي الشعب كل الحق في اختيار ممثليه ومن منطلق الحرص على المشاركة العادلة والصحيحة في صنع القرارات، يأتي التمسك بمبدأ تحصين الانصهار الوطني وإشاعة جو من الارتياح ينعكس على كل لبنان، مع ضرورة المحافظة على الاعتدال والمشاركة والتوافق والتمثيل الصحيح ، بعيدًا عن الضغوطات والاستئثار.
أما الانتخابات النيابية فالأجدى أن تتحرر من اجواء الاثارة السياسية وان تراعى فيها دائما روحية الوفاق الوطني والتوازن.
التمسك بدولة القانون والمؤسسات وبالحريات العامة يجعلنا نقر أن لا قيامة حقيقية للبنان إلا بدولة مؤسسات تبسط سلطتها على كامل ترابها.
هو موقف ثابت باعتبار أن الشرعية للجميع ولا يمكن أحد أن يتجاهل وجودها أو ان يحل محلها.
المطلوب اليوم السير معًا نحو دولة حقيقية ملتزمة بدستورها وبكل أبنائها.
آمن المسيحي بان الحل كي يكون جذريًا عليه أن يتولّد نتيجة قيام نهج جديد يؤسس لخلق حالة وطنية شاملة ويساهم في تنمية رأي عام واع للمسؤولية.
الأولوية ليست فقط في التواز الحقيقي والشراكة التامة، بل أيضًا في الدور الطليعي للمسيحيين في لبنان والمنطقة خاصة في مناخ الاصوليات وصراع الحضارات، الدور الذي هو جزء من تاريخهم ونهضتهم واشعاعهم.
اجواء التنقية الاقليمية تساعد على البدء في حلول لبنانية.
اننا إذ ندرك تماما ترابط وضعنا مع ازمات المنطقة، نتمسك بوحدتنا وحوارنا واحترامنا التام للتعدد والتنوع احزابا وطوائف ومذاهب.
لماذا ننتظر تداعيات المنطقة ولا نحصن نفسنا؟
ان اللبنانيين كلهم، على اختلاف طوائفهم وأحزابهم عائلة واحدة فلماذا يسمحون بتدخل من الخارج في شؤون وطنهم وإدارته.
نحن نتحمل مسؤولية مصيرنا ومستقبلنا. علينا المبادرة الدائمة لصنع التوافق والحوار لاننا ادرى بشؤوننا من كل عواصم العالم ونحن نفهم على بعضنا اكثر مما يفهمنا السفراء والقناصل والقوى الخارجية.
أليست الطريق بين احزابنا وقياداتنا اقرب واقصر منها الى عواصم العالم؟
لا أحد يريد مصلحة لبنان اكثر من اهله ولا أحد يفهم حساسيات وضعنا اكثر منا.
فإذا كنا كمسيحيين لا نقدِّر حجم المخاطر التي تحيط بنا ومعنى حضورنا ودورنا ونتائج خلافاتنا على قضيتنا، ين فلن يرأف بمصيرنا أحد، ولن تكون لنا حقوق ولا مساواة ولا مشاركة حقيقية.
المسيحيون والمسلمون على السواء مطالَبون بالذهاب جميعًا إلى الحوار ليس من أجل الحوار بل من أجل التوصل إلى حلول.
الدعوة إلى الوفاق الوطني لا تنطلق من حب البعض لموقع او كرسي او مركز بل من غيرة على كل لبنان فلا تغيب اية قوة تمثيلية عن المشاركة في تحمل المسؤولية الوطنية.
والحوار وحده يمكن ان يجنب الوطن مخاطر كثيرة في ظل التنوع حتى الاختلاف في التوجهات والنظرة الى الهوية والانتماء. في حين ان الشارع ليس حلاً ولا التصادم ولا التراشق بل التوافق الدائم.
على الحوار أن يقدّم إلى اللبنانيين حلولاً بدلاً من أن نراه يغرق في تأجيل جلساته، كأن الشعب قادر على الانتظار. صحيح أن الأزمة متشابكة مع صراعات إقليمية ودولية، ولكن هل يمكن في ظل مناخ الانقسامات والأداء الرديء ونشر غسيل الخلافات على المنابر العربية وأمام الشاشات أن نكون نسير على الطريق الصحيح؟
صحيح أن لا حلولاً سحرية، إلا أنّ التوافق هو المدخل ولبنان هو بالضرورة وطن الحوار الدائم والحياة المشتركة. إن دولة واحدة قوية وسيدة وحدها هي الحل.
يصر المسيحيون على الحوار لأنه خيار لا يتوقف ومسار.
العيش المشترك من صميم ايماننا، إلا ان ابرز هواجسنا يبقى المشاركة الفعالة التامة بصنع القرار الوطني، وفي أولويات الوصول اليه قانون انتخابات يعكس صحة التمثيل وحقوق جميع العائلات الروحية.
لن يرضى المسيحيون بعد اليوم أن يتجاوزهم أحد، لا في الحكومات ولا في المجلس النيابي ولا في الإدارة. لقد شجعوا كل مسعى يهدف إلى تمتين أواصر اللحمة الوطنية لإظهار الجدارة بالانتماء والقدرة على الحكم المستقل الذي يتطلب وعيًا تامًا وخطابًا توحيديًا وحكمة وانفتاحًا واعترافًا بالجميع وحوارًا مع الكل
جميع القوى السياسية مدعوة إلى الحوار. فيه وسيلة لخلق مناخ الوئام.
لا بديل عن "التفهم والتفاهم" بين كل اللبنانيين.
لا يكتمل عقد الوطنية إلا بشعور كل أبناء الوطن بالمساواة والعدالة.
ممثلو المسيحيين في الدولة مطالبون بتأمين التوازن الحقيقي في كل نواحي الحياة السياسية والادارية
ثمة هاجس متزايد لدى المسيحيين ناتج من شعورهم بأنهم غرباء عن الادارة، ما يولد ضجة قائمة حول التوازن الغائب والتهميش الدائم والاستئثار الواضح.
لا قيامة للبنان الا بشعور كل ابنائه بأنهم متساوون وان لا غلبة لفئة واحدة على الآخرين.
التوازن الوطني ليس منّة من أحد ولا هبة وكل ما يُعمل دون مراعاته يخالف الميثاق الوطني والدستور.
التنوّع والديمقراطية هما في أساس تكوين لبنان. إلا أن الشعب اللبناني اليوم بأمس الحاجة إلى توحيد الاستراتيجيا، وإلى تضامن أحزابه وتياراته ومؤسساته.
إصرار المسيحيين على مبدأ مركزي ثابت لا يمكن أن يحيدوا عنه، ألا وهو المشاركة الكاملة المتوازنة في صنع القرار الوطني، وفي كل مفاصل الدولة والحكومة والإدارة والبلديات، يجعل منه ميثاقًا للعيش المشترك يقوم على مبدأ المشاركة في صنع القرار الوطني وفي كل مفاصل الدولة والحكومة والإدارة والبلديات.
وحدتنا وحوارنا واحترامنا التام للتعدد والتنوع احزابا وطوائف ومذاهب هو جوهر الصيغة والنظام.
التقارب بين كل اللبنانيين لتشكيل شبكة أمان ضد كل ما قد يحضر من مخاطر.
كيف ندعِّم قيام دولة حقيقية سيدة حرة قوية تُشعر كل ابنائها بالأمن والكرامة والعزة بمساواة تامة بينهم؟
الحوار المطلوب بحث في العمق في كيفية تحصين الوطن أمام المخاطر المحدقة بالمنطقة.
سياسة الانفتاح على مختلف المسؤولين في الدولة وخارجها بهدف التوصّل إلى قواسم مشتركة بين الجميع، مطلب مسيحي ملح. من هنا ضرورة لقاء مختلف القوى والعائلات اللبنانية وإحياء الحوار فيما بينهم فهو الذي يوصل إلى تفهّم اكبر وإلى بداية لحلحلة المشاكل.
الاحزاب بدورهم لما لهم من أثر عميق في الفكر السياسي والمجتمع، مدعوة إلى تعميق التنسيق فيما بينها بهدف إيجاد مشروع وطني يضمن الحريات الأساسية والمساواة أمام القانون وحقوق جميع الطوائف والمذاهب.
المطلوب اليوم في هذا الظرف هو حوار عقلاني بعيد عن الحدّة وعن العنف ومجلس النواب يمكن ان يؤدي دورًا أساسيًا في هذا المضمار.
هناك مسؤولية تقع على عاتق الجميع اليوم والجو الذي تعيشه البلاد جو غير طبيعي. هناك قلق وكأننا نسير بين الألغام وهذا غير مقبول.
العودة الى طاولة الحوار كاطار اساسي للاتفاق بين اللبنانيين على امورهم السياسية والوطنية وهمومهم الحياتية والاقتصادية ولتفعيل الدولة بكل مؤسساتها وادارتها، أمر مرغوب فيه بل مطلب ملح في الوقت الراهن. وكل محاولة لحكم لبنان دون توافق كل ابنائه وتياراته وقواه واحزابه وطوائفه هي ضرب لمعناه وتاريخه وجوهر وجوده ونظامه، فلا بديل عن الوفاق اللبناني الذي هو وحده باب الخروج من كل ازماتنا.
أمام مصير مخيف وتحديات مذهلة وكوارث اقتصادية وإنسانية واجتماعية وبيئية، ثمة دعوة إلى الشفافية والصراحة والتضامن والقرار المشترك بين كل اللبنانيين من أجل التأسيس لبناء وطن ودولة راسختين.
الوحدة الوطنية ضمانة كل مستقبل، ومطلب التوازن والمشاركة الحقيقية الكاملة في الوزارات والادارات ليس طرحًا فئويًا او مذهبيًا، ولا هو أخذ حصص طائفية ضد آخر، بل هو في صميم رسالة الوطن وفي قلب روح وثيقة الوفاق الوطني، إذ لا شرعية لأي سلطة لا تراعي الميثاق الوطني كما جاء في مقدمة دستورنا.
الحوار ضرورة وواجب الدولة رعايته وإدارته عبر مؤسساتها بدءًا بمجلس الوزراء ومجلس النواب إلى مشاركة كل الفعاليات من دون استثناء.
وفي هذا الإطار تبدو المصالحة الوطنية أولوية وانخراط كل القوى والتيارات في مشروع الدولة حاجة ملحة.
الحوار وحده يمكنه ان يجنب الوطن مخاطر كثيرة في ظل التنوع حتى الاختلاف في التوجهات والنظرة الى الهوية والانتماء. ان الشارع ليس حلاً ولا التصادم ولا التراشق بل التوافق الدائم.
المطلوب تغليب العقل والمنطق والعودة الى الحوار الجدي الرصين العميق.
ليس لدينا خيار سوى ان نتفاهم. مهما تباعدنا لا بد من تسوية. فلماذا علينا ان ندفع من لحمنا ودمنا وأجسادنا واقتصادنا. ألم نتعلم من عبر الماضي؟
ان مصير لبنان على المحك، الخلافات السياسية الداخلية تنعكس سلبا على المناخ العام.
قدر اللبنانيين وخيارهم ان يثبتوا انهم تعلموا من عبر الحرب والخلافات وانهم قادرون على صناعة غدهم والمستقبل.
المطلوب وضوح الرؤية. لقد حان زمن إشراك كل لبنان في تقرير المصير.
حان وقت تلازم مسارات السيادة على كل الارض والحرية لكل الشعب والتوازن بين كل العائلات الروحية.
مسؤوليتنا نحن، كلبنانيين اولا وكمسيحيين خاصة ان نبرهن اننا لسنا قصّاراً في إدارة شؤوننا ولا ننتظر دائما كلمة سر تأتي الينا من الخارج ولا نتفق إلا اذا اجبرنا الآخرون على ذلك.
الانتشار اللبناني هو ثروة وطنية، رغم ان الارض خسرت ابناءها.
تثبيت اواصر اللحمة بين جناحي لبنان، المقيم والمغترب هو من واجبات الدولة بكل اجهزتها، على ان الطوائف والمؤسسات الاغترابية والاهلية يجب ان تلعب دورا رائدا في هذا المجال.
المنتشرون مطالبون بالتسجيل الدائم لكل ابنائهم في القنصليات لئلا ينقطع حبل الرحم مع لبنان.
على وزارة الخارجية تسهيل هذه المعاملات.
ان استعادة الجنسية للذين فقدوها يجب ان يكون على جدول اعمال الهيئات الاغترابية والسفارات والقنصليات في الخارج، وإن حق الانتخاب لكل المنتشرين هو من صميم مسؤوليات الدولة التي يجب ان ترعى ابناءها كلهم.
واللبنانيون المنتشرون مدعوون إلى المساهمة المادية الفعالة في دعم المؤسسات هنا والتي وصل الكثير منها الى حالات صعبة. ان تثبيت صمود الناس حتى لا يهاجروا يقع على عاتق اخوانهم الذين نعمت عليهم الاوطان الجديدة بأوضاع اقتصادية افضل.
على الانتشار ان يكون الصوت المدوي للقضية اللبنانية والعين الساهرة على لبنان، على كل تراب لبنان، ولكل اهل لبنان وأن يتعالى عن الخلافات المذهبية والدينية ويظهر الوجه الواحد للوطن الام. ان صوت الانتشار في عواصم القرار هو صوت لبنان الجريح الواحد.
كل عملية اغتيال أو خطف او ضغط يتعرض لها لبناني مغترب هي مأساة وطنية كبيرة تطال العائلة اللبنانية الشاملة التي اضطرتها ظروف الحرب والاقتصاد إلى الهجرة بحثًا عن أمن ومستقبل. فإذا بها تدفع خيرة ثمارها ضريبة للعنف والإرهاب.
مواقف بعض الفئات المتطرفة التي باتت تجاهر بأسلمة لبنان أرضًا وشعبًا وبفرض نظام الدولة الإسلامية على جميع أبنائه، يدفع كل إنسان شريف إلى التحرك لترسيخ قيم الحضارة اللبنانية، ومكافحة كل النيّات والخطط الرامية إلى إزالة المعالم المسيحية في لبنان.
التطرف يؤدي حتمًا إلى تمزيق لبنان وتقسيمه.
مع الاحترام للإسلام كدين ورسالة، فكرة الدولة الإسلامية في لبنان مرفوضة لأنها تضع حكمًا خارج أطرها فريقًا كبيرًا وأصيلاً من اللبنانيين عميق الجذور في أرض لبنان وتاريخه ساهم مساهمة فاعلة في إرساء معالم الحرية والحضارة على ربوعه وهذا الفريق لن يقبل إطلاقًا بأن يصبح ذميًا في وطنه.
على المسيحي ان يحمل لواء القضايا الاجتماعية ويبحث عن حلول لمسائل الفقر والبطالة وغياب فرص العمل، والطفولة المشردة على الطرقات، والعجزة والمتشردين والشحادين.
الالتفات الى قضايا الناس اليومية ومشاكلهم امر بديهي إذا ما أردنا بناء دولة العدالة والكرامة الإنسانية.
الأوضاع المتردية في لبنان والعالم العربي تولّد هواجس لدى الشباب اللبناني، وتزيد في نسبة القلق على المصير وموجات اليأس والهجرة.
لم يعد مقبولاً أن تستمر الخلافات والتجاذبات بين أهل الحكم، في وقت يئن اللبناني من أزمة اقتصادية خانقة، ويسأل عن الحق فيضيع.
ثمة خطر من ان تصل الامور إلى نقطة انفجار اجتماعي لا يرغب به أحد من اللبنانيين.
المطلوب من الدولة أن تؤكد وجودها قبل فوات الأوان.
المسيحية العربية اليوم تواجه خطرا وجوديا في العراق وفلسطين، كما تواجه مشكلات قاسية في لبنان وسوريا ومصر.
يتعرض اقباط مصر يوميا لشتى انواع الضغوط.
مهما حملنا الاجيال القديمة المسؤولية فهناك مسؤولية ذاتية يجب ان نعترف بها ويجب ان نتذكر انه عندما وقف قادة المسيحيين في لبنان في العام 1966 وقالوا "دعوا لبنان كي يكون مكانا للدعم الدبلوماسي والاعلامي" وقف الجميع ليصرخوا ضدهم.
ان المشكلة الاسلامية هي في الوجود الاصولي المتطرف.
القلق الذي ينتاب المسيحيون من اخبار متنقلة عنوانها دائما الهجوم والقتل والتهجير ضد المسيحيين في المنطقة لأسباب متنوعة من النزيف المستمر في العراق، الى الحوادث الطائفية في مصر، الى الهجوم على أبرياء في نيجيريا وتجدد العنف العرقي، الى تهديد رئيس الوزراء التركي بترحيل مئة الف أرمني من أسطمبول،
لبنان منارة دفاع عن المسيحية المشرقية من منطلق الجسر والحوار والانفتاح.
تكرار الأحداث الأليمة التي تعصف بمسيحيين الموصل والتي سبقها تعديات على المسيحيين ودور العبادة بالعراق بدءا من عام 2004 وحتى الآن، ليبعث في النفس القلق على مسيحيي العراق وان هناك مخطط لتفريغه من المسيحيين الذين هم مكون أساسي من مكونات النسيج الوطني العراقي ساهموا في بناء حضارته ويساهمون بإخلاص في نمو بلدهم متطلعين لوحدة وطنية من أخاء وتسامح ديني ومساواة في الحقوق والواجبات.
في الشرق الأوسط الدولة المدنية ستكون البداية، لكن في النهاية هذا يعني أن الإسلام سيكون منتصراً.
ولا تزال هجرة ونزوح المسيحيين من هناك مستمرة. ما يؤكد أن المجتمع المسيحي بدأ يشهد مرة أخرى حالة من التراجع.
رحب النائب إدوار حنين بلقاء سمار جبيل أمس بين الرؤساء كميل شمعون وشارل حلو وسليمان فرنجية، وشدد على ضرورة تكريس وحدة الصف المسيحي ووحدة الصف الوطني، مناشدًا سوريا العمل جاهدة على تقريب وجهات النظر بين اللبنانيين.
قال نائب عاليه تعليقًا على اللقاء: "إننا نرحب بهذا اللقاء وبكل اللقاءات التي تكرس وحدة الصف المسيحي ووحدة الكلمة لمصلحة الوفاق الوطني، وتضع حدًا لموجة العنف وتعمل على إعادة لبنان إلى حياته الطبيعية وإلى استقراره من خلال مسيرة الحوار والتفاهم. ذلك أن استعمال لغة القوة والعنف لم يؤد مرة إلى حل، وهو لن يؤدي إلى حل في المستقبل، ولن يوصل إلى الحلول التي يعمل كل لبنان من اجلها.
ونأمل في أن تجمع هذه اللقاءات الرأي على أسس وطنية صحيحة ترسخ الأمن أولاً وتفسح في المجال أمام الحوار ومناقشة مشاريع الإصلاح التي يلح عليها اللبنانيون سبيلاً لتخلصهم من الأزمة التي يتخبطون فيها منذ عشر سنين وطي الصفحة القديمة رحمة بهذا الشعب المعذب الذي كان ولا يزال يدفع غالبًا ثمن الخلافات التي لم تكن يومًا داخلية بل تعود إلى أسباب وتدخلات إقليمية ودولية.
إننا سنعمل على تكثيف هذه اللقاءات وتعزيزها بين جميع الأطراف المعنيين بالازمة وبالاقتتال، توصلاً إلى سلوك الطريق الصحيحة للخلاص التي هي طريق الحوار الوطني على الأسس العقلانية والهادئة والجدية والتي لا يمكن إلا أن تتم في مناخات أمنية هادئة بعيدًا عن لغة المدفع والقصف وأذية الأبرياء والآمنين.
وإننا في هذه المناسبة نناشد الشقيقة سوريا العمل جاهدة على تقريب وجهات النظر وبذل الحد الأقصى من جهدها لإنهاء المشكلة اللبنانية، خصوصًا أن أمن لبنان في مظاهره الإيجابية أو السلبية ينعكس حتمًا على أمن منطقة الشرق الأوسط".
وهل يتوقع أن تنتهي اللقاءات المسيحية إلى ورقة عمل موحدة تعبر عن الإرادة المسيحية للحل؟ أجاب: "إنني واثق أن لقاء سمار جبيل سيؤدي إلى توحيد الرؤية والإرادة المسيحية التي منها ستنبثق ورقة عمل تكون ذات مضامين لبنانية ووطنية شاملة وركيزة لحوار وتفاهم ما بين المسيحيين والمسلمين تضع حدًا للحرب اللبنانية".
عزا النائب إدوار حنين عضو الوفد النيابي اللبناني إلى المؤتمر البرلماني الدولي الرابع والسبعين الذي انعقد أخيرًا في اوتاوا – كندا سحب مناقشة القضية اللبنانية من جدول أعمال المؤتمر، إلى غياب التنسيق العربي الذي ضيّع ليس فقط أزمة لبنان وإنما كل القضايا العربية، وإلى طرحها في شكل هامشي وربطها بالقضية الفلسطينية "الأمر الذي نود تفاديه بعدما عانينا من جرائه الكثير من الويلات والمصائب".
تحدث حنين عن نتائج أعمال المؤتمر البرلماني الدولي قال: "إن لبنان والدول العربية لم يجنيا من المؤتمر ما كانا يتوقعانه. ليس لفشل المؤتمر كما يتبادر إلى ذهن البعض، إنما لطرح القضايا العربية في شكل هامشي وعادي من دون أن يكون هناك أي تنسيق سابق تلتقي حوله الدول العربية على دعم مشكلة أو قضية ما.
إن غياب التنسيق ينعكس سلبًا على القضايا العربية التي تطرح في المؤتمرات والاندية الدولية. فلو وجد مثل هذا التنسيق لكنا اوجدنا الحلول لكثير من الأزمات والقضايا العالقة التي لا تزال تطرح نفسها ونطرحها نحن بدورنا منذ عشرات السنين، بدءً بالقضية الأساسية، قضية الشرق الأوسط مرورًا بالأزمة اللبنانية والحرب العراقية – الإيرانية، إلى ما يتفرع من مشاكل عن كل هذه القضايا.
إن الأسرة الدولية ملّت سماع ما تكرره الإسكوانة العربية من دعوة إلى إعادة الحقوق المسلوبة للشهب الفلسطيني. هذه القضية التي طغت بدورها على القضايا الأخرى ومنها القضية اللبنانية. إن طرح المشاريع والمطالبة من خلال الأندية الدولية والمؤتمرات العالمية بحل قضية ما، لم يعد يلاقي الآذان الصاغية والتجاوب المطلوب ما لم يتوافر لعملية الطرح الدعم والضغط اللازمان.
سجب أن نكون واقعيين، فالأندية الدولية فشلت حتى الساعة في حل قضية الشرق الأوسط، إذ اتخذ في هذا المجال أكثر من مائة قرار، وكلها تدعو إلى حل القضية الفلسطينية وإعادة الشعب الفلسطيني إلى دياره. لكن القرارات تلك لم تجد السبيل إلى التنفيذ، ولم ير أي منها النور حتى الساعة وبقيت حبرًا على ورق.
لذلك من الضروري توفير توافق عربي وإقليمي ودولي سابق لكل قضية نريد طرحها، أكان ذلك في مجلس الأمن والأمم المتحدة أو في غيرهما من المؤتمرات الدولية، بغية الوصول إلى الهدف المنشود وتحقيق ما نسعى إليه. والدليل على ذلك عندما طرحت كوبا موضوع الديون الخارجية للدول النامية، حظي بالأكثرية الساحقة من الأصوات. وتم إدراجه في جدول الأعمال، ولقي النجاح المطلوب بعد مناقشته وعرضه على التصويت. ومرد نجاح المشروع أن كوبا سعت قبلاً إلى توفير الأصوات اللازمة لإنجاحه".
غياب التنسيق
ولماذا سحب لبنان مناقشة قضيته عن جدول أعمال المؤتمر؟ أجاب: "إن غياب التنسيق العربي من جهة وطرح القضايا العربية كلها دفعة واحدة على جدول اعمال المؤتمر، ضيّع ليس الازمة اللبنانية فحسب، إنما كل القضايا العربية التي طرحت. فعندما أثيرت تلك القضايا وجدنا أن كلاً من الأشقاء يسعى إلى إبراز قضيته من دون الاهتمام بالقضايا الأخرى. لذلك ارتأينا سحب القضية اللبنانية بعدما تبين لنا أننا لن نجني من طرحها في هذا الشكل الهامشي أية فائدة، بل على العكس إن الاستمرار في طرحها على هذا النحو يضر بها، لأننا نعلم أن القضية اللبنانية حظيت في مؤتمر لومي الذي انعقد في آذار الماضي بقرار ذي شأن وقيمة دولية، يقضي بإدانة إسرائيل وإرغامها على سحب قواتها من لبنان. ولكن الكل يذكر كيف عمدت الولايات المتحدة الأميركية إلى وضع فيتو لتعطيل مفعول هذا القرار.
لو قدر لقرار لومي أن يرى النور ويطبق لكان في الإمكان اعتباره من أفضل القرارات التي اتخذت لمصلحة الأزمة اللبنانية فهو لا يكتفي بإرغام إسرائيل على الإنسحاب من لبنان بناء على قراري مجلس الأمن 508 و509 إنما مضى إلى أكثر من ذلك بكثير، حيث استطعنا الحصول على اجماع دولي مؤيد لوجهة النظر اللبنانية التي طالبت إسرائيل يومذاك بضرورة تعويض كل الأضرار التي لحقت بلبنان أرضًا وشعبًا من جراء دخولها العسكري.
لذلك لجأنا في مؤتمر أوتاوا إلى إعادة تذكير الدول الأوروبية والغربية والعالم أجمع بما طرح وحظي به لبنان في مؤتمر لومي ، خصوصًا بعدما تبين لنا أن طرح القضية اللبنانية من ضمن القضية الفلسطينية كما تم إدراجها سيشكل ربطًا للأزمة اللبنانية بازمة الشرق الأوسط، هذا ما نود نحن تفاديه بعدما عانينا من جراء هذا الربط الكثير من الويلات والمصائب".
الإرهاب
وهل كان لموضوع خطف الديبلوماسيين السوفيات في بيروت من تأثير على مناقشات المؤتمر؟
أجاب: " ضمن المواضيع التي طرحت على التصويت طرح الوفد الألماني الغربي الذي رأسه الدكتور ستاركن موضوع الإرهاب من اجل معالجة هذه الظاهرة التي تفاقمت في المدة الأخيرة، وطاولت كل الدول بحيث لم يعد هناك من دولة واحدة بمنأى عن الأعمال الإرهابية. وبما أن المشروع كان طرحًا أميركيًا في صورة غير مباشرة، لم يلق التجاوب المطلوب من الدول الشرقية ودول عدم الانحياز التي أبدت تحفظها عن المشروع. لذلك عمد الوفد الألماني الغربي إلى سحب الاقتراح طالبًا تأجيله إلى المؤتمر المقبل.
وفي رأيي، من خلال ما ظهر لنا في المؤتمر، إن خطف الديبلوماسيين الشوفيات من شأنه أن يعجل في طرح موضوع الإرهاب على الأندية الدولية ويدفع الدول الشرقية بما فيها الاتحاد السوفياتي إلى أن تكون أشد حماسة في بحثه. فبعدما طاول الإرهاب موسكو اليوم، أتوقع للموضوع النجاح في حال طرحه للبحث ثانية، علمًا أن السوفيات أعلنوا إثر خطف رعاياهم للمرة الأولى إدانتهم للإرهاب".
وهل تم تنسيق لبناني – سوري في المؤتمر؟
أجاب: "على الصعيد اللبناني – السوري الكل يعلم أن التنسيق بيننا وبين الأشقاء في دمشق حاصل منذ زمن، إذ ليس هناك من مشكلة، بل على العكس فقد واجهنا الأمور بتنسيق تام وموقف واحد لما فيه مصلحة البلدين. وقد اجتمعت بدولة الرئيس الزعبي قبيل انعقاد المؤتمر، واتفقنا على طرح نقاط معينة. وهذا ما حصل بالفعل".
توطئة تاريخية:
منذ البدء سعت الدولة الاموية الى ايجاد حالة من الفصل بين الانسان والعقيدة، في طريق تكريسها نظرية فصل الدين عن الدولة، فملوك بني امية مع انهم اصبحو ملوكا باسم الدين، إلا انهم لم يكونوا فقهاء على العكس من خلفاء العصر الاول الذين امتلك بعضهم فقها غير عليا عليه السلام، باب مدينة العلم، فالثلاثة الذين ادعو الخلافة ملكوا بعض العلم غير انهم لم يجاروا وصي الرسالة أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام فكانوا يرجعون اليه في عويص مسائلهم وعظيم مشكلاتهم فكان مجيبا للمسألات، وحلالا للمشكلات، بما وهبه الله من علم لدني، وولاية كلية، وبما طهره وأذهب عنه الرجس. ففي تلك المرحلة كان الترابط بين الدين والدولة، ترابطا موضوعيا يرتكزعلى اسس الشريعة. لكن معاوية ارادها دولة ملكية، فجعلها وراثية مما افقد الدولة شرعيتها الدينية، ففقدت قدسية ان تكون دولة اسلامية وإن تلبست بلباس الاسلام.
لاشك ان الانظمة العربية الحالية تمثل الشكل اللامتناهي للانحطاط الفكري والسياسي، فكل المجاميع السياسية الحاكمة حاليا لاتمثل الحد الادنى من تطلعات رجل الانسان الذي هو ليس فقط الباحث عن لقمة العيش في ظل الامن، والنظام، ولكن الباحث عن القيادة التي ترتكز على اسس عقلانية ومنطقية كما هي واقعية، لتنتقل بالانسان الى مرحلة تحقيق الحل في الخلافة على الارض.
الاتجاهات الاستبدادية في النظام العربي الحالي:
تذهب الانظمة العربية الحالية الى تكريس الاشكال القبلية سواء في الحكم كما في الحكم الملكي (السعودية، الاردن، المغرب وامراء الخليج) وهو حكم وراثي وفق مناهج الحكم الملكية المعروفة، وحكم الجمهوريات الملكية وهو ماكان يسعى اليه صدام في العراق، وحققه الاسد في سوريا، ويسعى اليه الان كل من القذافي، ومبارك وسواهما. فالاستبداد يعد جزءا ظاهرا في عقيدة الحكم الملكي، باعتباره حكما وراثيا لاتتدخل المصلحة العامة في اختيار الملك، وهو يحمل في طياته رفضا للموقف الشعبي الذي يجد نفسه مضطرا لقبول الملك المرشح اصلا من قبل الملك السابق، وحيث ان هذه الفكرة تعني بالتالي ضمان بقاء الثروة و سدة الحكم بيد العائلة الحاكمة، فقد سعت بعض الجمهوريات العربية الحالية الى تبني نفس الموقف الملكي حتى صاروا ملوكا اكثر من الملك. لاشك ان الحفاظ على الثروة سيعني الحاجة الى الدخول في تحالفات مع كل الاطراف التي تهتم ببقاء هذه الثروات بيد مجموعة معينة ومحددة من البشر. من جانب آخر فان الانظمة العربية الحالية سعت منذ البداية الى تكريس الشكل القبلي في الاتجاهات الفكرية والعقائدية والى إستغلال الفكر الديني كغطاء يقدم موقفا شرعيا في الاستمرار، فنجد ظهور شخصيات ادعت الامامة الدينية كسعود بن عبد العزيز آل سعود (ت 1818) من اجل فرض الهيمنة الدينية والسياسية على العشائر المتناثرة، ثم التحضير للانتقال من مرحلة تشكيل الوعي الجمعي وفق مديات ضيقة، الى مرحلة اخضاعه لتنفيذ عقيدة الاستبداد. لايمكن انكار نجاح الغطاء الديني في مرحلة تاريخية معينة بعد ان تم شل العقل الجمعي وتوجيه الوعي القبلي باتجاه مفاهيم الجهاد التي طرحت في حينها لتبرير استمرار الغزو القبلي وقتل الاخر.
من هنا نجد ذلك التماهي بين الاشكال الاستبدادية لنظام الحكم السعودي كمثال عن الانظمة العربية، وبين العقيدة الاستبدادية في الفكر الوهابي الذي يدعو الى تكفير الاخر (خاصة الفكر الشيعي)، فحدث تزاوج بين العقيدتين الاستبداديتين لكل من ابن سعود، وابن عبد الوهاب مما ادرى الى ظهور منهج استبدادي لم يعرف له التاريخ مثيلا.
إن النجاح المؤقت للتجربة الاستبدادية لال سعود في الجزيرة العربية دفع الغرب الى ايجاد محاولات اخرى لتكرار التجربة في مناطق مححدة من الوطن العربي، ولو عن طريق عدد من الجمهوريات التي سستحول عبر حركة التاريخ الى جمهوريات ملكية كما يحدث الان. وفي ضوء هذه المعطيات فان الاتجاهات الاستبدادية تتمظهر بالاشكال التالية:
1- إتجاهات استبدادية سياسية: تتمثل في الحكم القبلي اوالعائلي.
2- إتجاهات استبدادية ذات خلفيات تدعي انها دينية وعقائدية.
3- إتجاهات استبدادية اقتصادية: تنحو منحى حصر الثروات بيد مجموعة محددة من البشر.
4- اتجاهات استبدادية ثقافية: تعمل على شل الوعي الجمعي وتوجيهه بشكل يخدم الحاكم.
5- اتجاهات استبدادية اجتماعية: تظهر في نشر فكر اجتماعي يتبنى قيما منحطة تقدم على انها مثل عليا.
السقوط وفشل النظام العربي:
تكشف البحوث التاريخية في نشأة الانظمة العربية الحالية ارتباط هذه الاخيرة بالسياسة الغربية التي كانت العامل الاول في إيجاد هذه الانظمة وإستمرار بقائها، وذلك الى جانب فشل العقل الجمعي في ايجاد مخرج للتخلص منها. بالطبع لايمكن انكار قيام بعض الثورات والانقلابات العسكرية هنا وهناك، لكنها ومن الناحية التاريخية كلها مرتبطة باطراف غربية قد تناقض الاطراف الغربية الاخرى الموجدة للانظمة العربية، وبالتالي فاي تغيير سياسي كان سيعني تغييرا من الخارج ( مثال الحكم الملكي في العراق فقد كان تحت الرعاية البريطانية والانقلابات العسكرية التي تلته جائت تحت رعاية شرقية مرة وغربية مرات اخرى حتى اعترف البعث انه جاء بالقطار الامريكي). لقد سعى العرب الى تدارك هذه الفشل بتشكيل ذلك المسخ الذي بات يعرف باسم الجامعة العربية والتي لم تكن في يوما من الايام إسما على مسمى، بل انها لم تقدم للعقل العربي شيئا يمكن له ان يعتمد عليه في عملية التطور، فالجامعة العربية لم تمثل يوما مصالح الانسان العربي المسلم او غير المسلم، بل انها لم تكن يوما ممثلة للحس العربي او الاسلامي، فالجامعة العربية كيان فاسد يخدم شلة الحكام، بل انه اقرب الى مقهى يلتقي فيه الحكام لبحث المزيد من مناهج احباط الانسان العربي وتقويض احلامة من اجل بقاء العروش اطول فترة ممكنة على حساب دماء واعراض وعقول الانسان الذي يفترض انه عربي، وانه من جاء بهذه الحثالة الى الحكم.
منذ قرون والهوة بين الحاكم والمحكوم تتسع حتى اصبح اللقاء مستحيلا، وحتى صار من الضروري ان يتحرك الانسان للاطاحة بكومة العفن هذه، فالهوة بين الفقر والغنى في دول الخليج ولاسيما السعودية ( ارض الجزيرة العربية) لايمكن ردمها بمليارات الدولارات التي تذهب صفقات لصالح الولايات المتحدة، ناهيك عن العمولات التي تحشى بها جيوب الامراء والمتنفذين للاستمرار في مسالك الخيانة وللقضاء على ما تبقى من عقل عربي اسلامي، فشلة الحكام لا تمثل المنهج الحضاري للطموح الانساني الحالي، فالتاريخ لن يذكر آل سعود إلا كما يذكر صدام بمنهجة الدكتاتوري الاستبدادي، لقد انغمس حكام آل سعود بالعهر السياسي، وتركوا امر الدين لحفنة من الشواذ من انصاف الرجال ومن الجهال ليديروا الفكر الديني كما تدار بيوتات البغاء، وليصبح الدين لعقة على الافواه كما كان ايام سيدهم معاوية وابنه يزيد، وكما هو ابدا عندما يتولى السلطة اولاد الزنى وابناء العواهر، لقد سقط النظام العربي ...
السلام الشجاع هو الجهاد الاكبر والتحدي الكفيل بأن يجيب على التحديات والمخاوف والهواجس التي تلف منطقتنا كلها، وهذا السلام هو وديعة في قلوبكم وافكاركم وقراراتكم.
أن ينعم لبنان بسيادته على كامل ارضه ويقوي وحدته الوطنية ويواصل دعوته الى ان يكون نموذجا في العيش الواحد بين المسيحيين والمسلمين من خلال حوار الثقافات والاديان وتعزيز الحريات العامة. وايضا التنديد بالعنف والارهاب من اي جهة اتى، وبكل تطرف ديني، وشجب كل اشكال العنصرية الاسلامية والمسيحية والاسلاموفوبيا، وندعو الاديان الى الاضطلاع بمسؤولياتهم لتعزيز حوار الثقافات في منطقتنا والعالم اجمع.
علينا مسيحيين ومسلمين ان نصل الى قناعات مشتركة منها ان تطور التيارات الاصولية على انواعها هو خطر علينا جميعا، على المسيحية والاسلام، وعلينا ان نسهر على القيم الايمانية والروحية والدينية الصحيحية، القيم الانسانية قيمة الانسان وكرامته وحريته. وكل ذلك مرتبط بتطور مجتمعنا العربي المسيحي والاسلامي.
المسلمون والمسيحيون في هذا الشرق امة واحدة وصنعوا معا دولا وطنية، مصيرهم واحد، ومعاناتهم واحدة، سواء جراء اتساع دائرة التطرف والغلو او من خلال التضييق على الحريات.
الهجرة تؤدي الى خسارة المجتمعات العربية للقوى الفكرية والاقتصادية وتؤدي الى ما هو أسوأ وأخطر، وتعريض نسيج المجتمعات العربية الى التمزق من الداخل، كما ان اللاتعايش في الشرق يؤدي الى اللاتعايش في الغرب.
عندما نجد كنائس الشرق بكل ما تمثل تتعرض للاذى والاعتداء والانتهاك وتصبح حياة المؤمنين من ابنائها في خطر على ايدي اخوة لهم في الوطن، على هذا النحو الذي توالى فصولا في العراق ، كيف تواصل اداء الدور التاريخي البناء الذي لعبته في السابق.
من المسؤولين من يرى الحكم قوة تضاف إلى علمه فيحالف قوة الحكم وينتحلها لنفسه ويطرحها مع القليل الذي له في شارع أرعن بين جماعة رعناء تسيّر من دونه الامور فيسير في ركابها بعد حين.
دينها دين لا دين له ولا رب شرعه هو لنفسه يقوم على الاستفادة والكسب
يعيش من الفوضى وعدم الانتظام ويحيا على رائحة النتن والبارودز
من المسؤولين من يجرد نظرية الحكم عن كل مستند فلسفي واجتماعي تقدمي ومن يباعد بينها وبين الخير فيجعل الحكم حربًا على من ليسوا منه وفيه ويجعل الحكم رزقًا لانصاره.
إرادة الحاكم تعلي وتميت وموالاة إرادة الحاكم تغني وتعز.
فتصبح الدولة حظيرة للمرتزقة المنافقين.
ووظائف الدولة شهادات تمنح للمبوقين الحادين
وخيرات السرايات هبات للمسبحين الدجالين.
ومن المسؤولين من يرى في الأخلاقيين المصلحين وفي الأخيار العقائديين مناوئين لحكمهم ومعادين فكلهم في رأي هؤلاء بوم تنعق وغربان تنوح وإنهم في غير زمانهم يعيشون ولغير خيرهم يعملون وفي المستحيلات يتخبطون ويهيمون.
ومن المسؤولين من يفصل بين السياسة وضميرها وبين التسوس وخيره وبين الغنسان وحقه وبين الرعية وخادمها
ومن يرى في الناس ازلامًا لشطرنج ومصدرًا لدرهم وأشياءبدونها لا يدوم حكم لحاكم.
فلا يعترف للناس بحق ولا ترعى لهم ذمة ولا يبقى لملهاتهم على امل او خيال امل فتحشد هند ذاك القوى لتدعم عرش خائر وتصبيج هيكل يتداعىز
ومن المسؤولين من هو كالدهر على الناس فما ترك لهم فضة إلا فضّها ولا ذهبًا إلا ذهب به ولا علفًا إلا علفه ولا عقارًا إلا عقره ولا ضيعة إلا أضاعها ولا مالاً إلى مال إليه ولا حالاً إلا حال عليه، ولا فرسًا إلا افترسه، ولا سبغًا إلا استبد به، ولا لبدًا إلا لبد فيه، ولا بزّة إلا بزّها، ولا عارية إلا ارتجعها، ولا وديعة إلا انتزعها، ولا خلعة إلا خلعها (بديع الزمان)
إلى هنا ينتهي السؤال فتبدأ الشهادة وهنا يشهد من يستطيع
أما أنا فلا أريد ان أسخط الله وأمنع أجره.
إلتقيت يومًا موظفًا غير مسؤول على الغالب بمجرد انه طليق فراح يحدثني حديث العفة والنزاهة بمثل هذا فقال:
"شر العيوب السرقة. يسرق المرء إذا شاء ملك نفسه كأن يأكل أب في السر مأكلاً اعد لأولاده من ماله.
سرقة أن يأخذ المرء أشياء غيره بإذنه إن لم يكن هو بحاجة فعلية لهذه الأشياء. إذ يحذّر علينا اقتناء ما لسنا بحاجة إليه.
فإذا أكلت فوق طاقتي فقد تجنيت وسرقت.
واستطرد فقال: "كثيرًا ما يغيب عن المرء مدى حاجته وكثيرًا ما تلتبس حقيقتها عليه فيبالغ بعضنا في حاجاته بدون ما مبرر فيركب المعصية من حيث لا يدري. ويسرق على غفلة وعدم احتراز.
بل أكثر من ذلك، اشتهاء مال الغير سرقة.
وسرقة التفكير في اقتناء شيء مقدم فمثل هذا الهاجس.
مصدر لسرقات جمة.
ذلك أن نقف في الحاضر عند حد الاشتهاء فلا نلبث أن نعمد غدًا إلى تدابير مشروعة إذا امكن، غير مشروعة إذا لزم الأمر بغية امتلاك ما وقع الاشتهاء عليه.
وعندي ليس من شك في ان صائم الدهر هذا سعادة الموظف غير المسؤول أراد من حديث العفة أن يسرق من حسن ظني ما لم تقع عليه يد سارق من قبل.
وقد بلغ حرص سعادة الموظف غير المسؤول على دخله حدًا أشاد معه من مرتبه الضئيل ثروة يذهب في تعليل وجودها بين يديه إلى فضل ربه.
هنيئًا مريئًا كل ما تأكل وتشرب
فليس هذا أول عهد الناس لأمثالك وأول عهد أمثالك للناس.
فإن لأسرة الوظيفة سيرة تمعن بعيدًا في التاريخ أراها دائمة الميلاد تكاد لا تطوى حتى تعود فتنتشر
اكتفي للتدليل عليها بمواقف لعمر بن الخطاب تبدت لنا أيام حكمه:
وكان أول ألفت عمر إلى شذوذ موظفيه أنه بينما كان يتجول على عادته في أحياء المدينة رأى بناء يتشامخ فسأل عن صاحب هذا البناء فأجيب إنه لأحد عماله فلان
فقال: "أبت الدراهم إلا أن تخرج أعناقه"
وراح يتربص في عماله يراقب، يزجر ويحاسب.
فإليكم مثلاً رسالة وجهها إلى عبد الله أبي موسى الأشعري يقول:
"لقد بلغ أمير المؤمنين أن خشت لك ولأهل بيتك هيئة في لباسك ومطعمك ومركبك ليس للمثلمين مثلها. فإياك يا عبد الله أن تكون كالبهيمة همها في الثمن والثمن حتفها. واعلم أن العامل إذا زاغ زاغت رعيته وأشقى الناس من يشقى به الناس والسلام.
بيد انها سيرة كانت لا تقف عند هذا الحد من المشاهدة والمعاينة بل تذهب إلى أبعد فلا تهدأ إلا بعد حساب.
فمن أخبار العرب ما دامت أخبار العرب طريق التفاهم بين بعضنا وبين بعضنا الآخر.
إن عمر بن الخطاب كتب إلى عمرو بن العاص يقول "سلام عليك فإنه بلغني أنه فشت لك فاشية من خيل وإبل وغنم وبقر وعبيدًا وعهدي بك قبل ذلك أن لا مال لك. فاكتب إلي من أين أصل هذا المال"
فأجاب عمرو بن العاص: "والله، لو رأيت خيانتك جلالاً ما خنتك. فأقصر أيها الرجل فإن لنا أحسابًا هي خير من العمل لك إن رجعنا إليها عشنا بها".
فاجاب عمر: "نسقك الكلام في غير مرجع لا يغني عنك أن تزكي نفسك وقد بعثت إليك محمد ابن سلمى فشاطره مالك فغنكم أيها الرهط الأمراء جلستم على عيون المال لم يزعكم عذر. تجمعون لأبنائكم وتمهدون لانفسكم. اما انكم تجمعون العار وتورثون النار والسلام".
ومن اخبارهم انه لما ولّى عمر بن الخطاب عتبة ابن أبي سفيان الطائف ثم عزله، تلقاه في بعض الطريق فوجد معه ثلاثين ألفًا فقال:
"أنا لك هذا؟"
فقال عتبة:
"والله ما هو لك ولا للمسلمين. ولكنه مال خرجت به لضيعة أشتريها.
فقال عمر:
"عاملنا وجدنا معه مالاً ما سبيله إلا بيت المال. ورفع منه المال.
فيا صاحب الدهر سيدي، في القريب حساب يجب إداؤه لعمر.
سيداتي سادتي،
درجت السياسة على أن تخلع جوًا من جوها على لابلد الذي تظله وأهله فكان لا بد في البداية لنصل وإياكم إلى الجهاز الذي يقوم على توزيع النصفة والعدل وإحقاق حق المتقاضين.
نعرف جميعًا ونحن على باب هذه الشهادة أي مركب موزع لحقوق الذي اجره اليوم يعدل اجران والذي قال فيه خبير عادل لاعتذاره عن عدم توليه القضاء "إذا وقع السابح في البحر فكم يقدر ان يسبح ونعرف جميعًا أي مركب هو مركب الشاهد على ما هو من ضمائر الناس لذلك أراني آخذًا بالظاهر الشائع تاركًا لله حسابًا وحده الله يجريه فأقول:
"إذا كانت الحاجة تلجئ غيرنا أحيانًا إلى استصدار قانون لينال كما هي الحالة في بريطانيا العظمى عندما يعمدون إلى الأصول المتبعة في ما أطلقوا عليه إسم ---- وهو قانون ذو مادة واحدة يجرم أمرؤًا لم تقم البينة الشخصية على أنه ارتكب ما يسند إليه من جرم ، قلت إن كانت الحاجة تلجئ غيرنا أحيانًا إلى استذدار قانون لينال فنحن هنا والحمد لله نعرف أقرب الطرق من الرغبة إلى الحكم.
أحب أن يكون كبير في القضاء قد قال لي ذورًا عندما قال "إما أن نظلم أولادنا أو نظلم الناس، فآثر بعضنا ظلم الناس".
كما أحب أن يكون كبير آخر من كبار القضاة المسقيلين قد قال لي ذورًا عندما قال "بين ان أخسر دنياي وبين ان أخسر الىخرة آثرت خسارة دنياي". ولكن ما حيلتي إذا كان القضاة قد أجمعوا في مذكرتهم التاريخية غن القضاء خاضه للسلطة التنفيذية والقضاة يتعرضون للمجاذفات كلما أرادوا إثبات استقلالهم. فهم لا يستطيعون أن يقاوموا المداخلات والضغط الموجه إليهم إلا باعتمادهم على قوة شخصيتهم وعلى مناعة اخلاقهم.
وهي شهادة من الأهل على الأهل ومن الظنين عليه.
فشهادة إقترنت بالتزكية. تزكية المسؤولين لهم بانهم لم يروا فيها سببًا لتسريح موقعيها من الخدمة وتزكية المحامين الذين أضربوا أربعين يومًا لرفع هذا الكابوس عن أقرانهم المساكين.
أما شهادتي في الموضوع فهي ان يحترم كل مشتغل في شؤون العدل علمه فيعليه على علم من لا علم له فيه. وأن يحترم ضميره فلا يسمح ان يتمسح به الآخرون وأن يحترم رسالته فمشعل الحق يجب أن يستمر فوق كل أرض وبين أية فئة كانت من الىدميين وأما ما يعترض طريق موزع العدل بيننا فمن اندراج العادي ودواؤه إرادة تعرف أن تقول لا أقبل.
وإن تعذرت فرغبة يرغب بها موزع العدل إلى صاحب التوصية في ان يحضر إليه بالذات عند كل توصية. فهو إن حضر مرة في الشهر فقد لا يحضر مرتين وإن حضر مرتين فليطرح غير مأسوف عليه أرضًا مع الخنازير.
وهل يخاف النافذ الموصي على شعبيته أن تتهدم لو كان يقول لأصحابا لحاجة من الناس "تقصر يدي أن تأمر يدًا في ان تخط حكمًا ينتزع من ملك زيد ويعطيك. وتقصر يدي على ان تقطع لك من الحق مشاع الامة وتراثها حصة دون الآخرين. فأول ما يجب أن يكون هو أن يقضى على شعبية قوامها هذا القوام قبل أن يقضي لمصلحتها قضاء.
إن استمرارها لذل وخدمتها مشاركة في الذل.
اما في عالم المحاماة فينبئك من تريد كيف يكبر المحامون ولا يد في ذلك للمواهب والعلم والاجتهاد وكيف يصغرون مع تقلص السلطة والسلطان من أجواء أوجارهم.
وينبئك من تريد كيف أن الصعاليك يعلون الإئمة الأساطين كيف يثري متدرج ويعوز نقيب.
كنت عرضًا ذات يوم في قصر العدل أتحدث غلى رفيق في شؤون المهنة فإذا صوت كجعجعة الطاحون يلفت إليه الواقفين جميعًا وإذا صاحب الصوت يقول "إذا كنت يا صاحبي تريد ان توكل إلي دعواك لان أخي نائب وأخي الثاني قاض وابن أخي قاض، والقضاة أصدقاء لنا ومعارف فلا أقبل منك الوكالة. أما إذا كنت تريد ان توكل إلي دعواك لانقضاء عشرين سنة علي في المحاماة فأهلاً بك.
إن الزميل الكبير ومن حوله الناس جماعات وأفرادًا، لم ير أفضل منها طريقة لتعداد شهاداته العلمية وألقاب بطشه ولم يلبث ان أكد لي شاهد ان الذي استحق هذه الموعظة رجل ساذج كان يسأل الزميل الكبير من أين تؤتى محكمة الاستئناف.
ونخرج من السرايات فإذا أمامنا المشتغلون في شؤون السرايات.
هنا المبوقون المطبلون المزمرون من رأيهم رأي البلاغات الرسمية بلاغات "يقرأ" و"يشاع" وبلغات "عار عن الصحة".
والمبوقون يتراوحون فئات بين سعادة البك الذي يتصدر المجالس "فيفلسف على طريقة مسكوكة كالعملة الخيانة والقحة والسرقة والاشتراء على القوانين والناس"
وبين من شهادته مسدس ينقل للتبرج والزينة فلا تطوله تدابير نزع السلاح من عمله الشهادة للزعامة الكاذبة في مناسبات الذهاب والإياب. إذا غابت عن الساحة مزيكة الإخوان.
وهنا من يبيع من الناس كلامًا ويعرف هؤلاء ما يعرفه الفرانون أن أحسن الكلام إحماه.
فيدفعون إلى السوق كلامًا حاميًا. إلى ان توجب "ألحال" فيعود كل واحد منهم إلى صفة هادئ اللهجة فارتها يتقيأها من فمه الرسول.
وهنا الحردون من يغضب إن فاتته حصة الأسد ومن إذا قسمت حصص الثعالب ادركتها الثعالب قبله.
إن ما بين هؤلاء والسرايات ما بين الحبيبة والحبيب في أيام الجفاء، نظرة فابتسامة فانزلاق. فلا يوجعون إذا ضربوا ولا هم يوجعون. وهنا الرسميون من هم في يد السرايات كالرسن والعناق إن أرخت بهم قربوا منالبعيدين والمتباعدين وإن قبضتهم إليها عادوا بأس الجواد أو مالوا بها الناحية التي يريدون.
فالرسنيون عنانون نقاقون يعطونك من طرف اللسان ما يقصر عنه لسانك ويماشونك في النقمة واللعنة إلى حيث تغيب حقيقتهم عن الخاطر الكريم وقلّما يعودون يوم يعودون منفردين.
أولئك هم شباك السرايات.
وتوصلنا الطريق إلى المعارضين من معارضة الشعب الصامتة إلى معارضة الأركان الصارخة.
أما معارضة الشعب فهي بنت حاجته تشتد أو تلين بنسبة ما يفقد حاجاته أو يجدها.
وللشعب حاجات تتجاوز المرق والرغيف.
فشعب لبنان غير قدره وبطنه.
غنه ابن بيت كبير يطمع في أكثر من مكفيات الخدم المرفهين. ويهدف إلى أبعد ما يهنئ الآدميين من تسهيل وسائل الحياة وإغداق الضمانات الاجتماعية فهو يرعى حرمة لإنسانه
هذا الذي له في الطين رجل وفي عباب السماء انف شامخ وله مع الله قصة وفيرة.
كان في لبنان شعب حده حدود الدنيا في المشارق والمغارب.
طريقه الثقة والامل
مركبته الأمل والنشاط.
وسيلته أنه هو الوسيلة.
كان في لبنان شعب يعلق القرايا فوق أوكار النسور فيدغم في الصخور بيوتات الحجر وفي النجوم اضواء المصابيح.
كان في لبنان شعب يعيش من حريته من شموخه وإبائه لحريته لشموخه وأبائه
يدفع عنها بالسيف إن لم تسعف الحيلة.
كان في لبنان شعب يساير ولا يخنع
يلين ولا يخضع
يتجاهل ولا يجهل
ويعرف حدود الكرامة والغنفة
كان في لبنان شعب يرى الشغل صلاة إذا قام إلى المعول غنى في الطريق إليه وغنى للمعول بين يديه وغنى مع المعول يفت عنجهية الصخور ويمرع التربة بالساعد والعافية.
كان في لبنان شعب يرى الشغل فضيلة وشغل اللبناني عمل لا استخدام.
عمل يبدأ مع الصبح ويغرب مع الغروب ويرتد ما ارتد الواجب في الأيام
عمل طروب فهو كالمغناة تنشد على التعب والعرق
كان في لبنان شعب يرى الغتقان شرطًا في كل ما يعمل.
يضرب المعول ضربة فوق ضربة. وينزل الثلم على الثلم فلا يبعد إلا بمقدار. ويرصف السلاسل ممشوقة هيفاء في صدر العريض تميل مع التربة والخصب تمايل خصور العذارى مع الحد الانيق.
ويجلو النجارون الخشب المخفية في الطاولات والخزائن جلوهم للخشبة الظاهرة فلا غش ولا استخفاف.
ثقة من اللبناني ان الشغل فضيلة وصلاة.
فعندما راى الشعب اللبناني ما أصابه ودهاه وانه انقلب غيره عمد غلى المعارضة الساكتة أبلغ معارضة في المعارضات.
وكما انه يهزا من بهلوانيات الحاكمين فهو يسخر في اعماقه من ألاعيب المعارضين.
فمن هنا إنه لا يمد إلى المعارضة يدًا سخية انف ان يساند بها الحكومات.
وهل ان اللبناني من الغباوة بحيث لا يدرك ان العرائض الإصلاحية كالبيانات الوزارية تعد ولا تفي، تقول ولا تفعل، وأن الإصلاح ذريعة إلى الوصول مثلما هي البيانات ذريعة إلى الثقة.
لاجل ذلك فليتند اللاعبون بالنار وليخلص العاملون باسم الشعب للشعب.
واما معارضة الأركان فعلى وافر تقديري وحبي لبعض كبار المعارضين ولبعض شبانهم فأنا لا أومن ان معارضة الأركان ركن المعارضة في لبنان وما لم تصبح معارضة الأركان تعبيرًا مخلصًا صادقًا عن كل ما يموج في نفس: الأمة اللبنانية من طوق وأمان وأمال، فعبثًا تدعي المعارضة الوكالة عن الأمة.
وما لم تدرك المعارضة في لبنان ان طوق الأمة اللبنانية واحد وأن امانيها واحدة وآمالها واحدة فتوحد هي شعثها والتلم إذ التعبير عن الحقيقة الواحدة واحد فعبثًأ تزعم المعارضة انها مرآة الأمة.
وما لم توقن المعارضة يوم تتحد والامة فتصبح واحدة كطوق الأمة إن للمعارضة وسائل وأساليب غير ما تعتمد من وسائل وأساليب فسيظل يطولها قول جرير "زعم الفرزدق أن سيقطن مربعًا أبشر بطول سلامة يا مربع.
أما أحزابا لشباب ومنظماتهم فقد فاق معزمها سوء الطالع على مطاوعة منها او على غير مطاوعة إلى تكتل طائفي حال دون تماذج عناصر الشعب المكتلة هنا بعناصر الشعب المكتلة هناك. فقد جاءت على غير انطباع لما في نفوس الشباب وجاءت تستثمر خزينًا يريد لنفسه الان--- فكانت أن صبت قوى الشباب في السدود فأثنت ولم تمرع وعندي ان الاحزاب والمنظمات التي لا تدرك أغراضها في مدى آحاد السنين المنظمات تدور على ذاتها بعد ذاك فتذوب صوفيتها ولا يبقى منها سوى ما يبقي الشباب للكهولة من عادات تلزم الرجل عمره ولا تبلغ به كهلاً أبعد ما بلغت به أيام الشباب.
ذلك أن المنظمة وسيلة وقد جعلنا من المنظمة غاية فأي عجب والحالة هذه في ان تموت ضمن جدرانها الأربعة شامخة مع الأيان عائشة على الذكريات حافرة قبرها بالتقاعس والإحجام.
سيداتي سادتي
في آخر المطاف وقد اجتزأنا ما اجتزأنا عالم الدراويش فنانين شعراء أدباء الذين لا نسخطهم إذا صدقنا ولا نسخط الله. والذين لا نثير أحقادهم
باركنا أو لعنا فساحة الدراويش ساحة الملوك الميامين لا تضيق برأي ولا تتبرم بدخيل تفلت فيها القلوب كبارًا والأحاسيس ألف لون ولون وألف نبضة ونبضة وتثبت منها الخواطر هدامة بانية مزهوة وازعة ناقمة راضية صاخبة ناعمة بعضها يطاول البعض الىخر. تتصارع تقتتل وتصمت أو تموت في غمرة من الدفق سخية وجو عامر بالتسامح والاديان.
فما ذنب إخوتي الدراويش إذا تجهمت من فوقهم السماء فحجبت عن عيونهم التماع النجوم. وما ذنبهم إذا عدت الذنوب أن تكون يد من غير أهلهم تعكر في اجوائهم الطمأنينة والصفاء وما ذنبهم إذا حطم انطلاقهم الظلمة والحديد. وما ذنبهم إذا صرفوا من الخير والجمال إلى عراك هائل مميت يبغون منه نصرًا أو لا يعودون.
وما ذنبهم إذا سدت في وجههم مناسم الوحي والنور فأطبقوا على ذواتهم ينحتون منها الصرخة إثر أختها، فيتذرعون عنادهم ويقاومون علمهم علهم يظفرون.
في النهاية
بالمنيعات الحصون يقيمونها من حول عالم يكون او لا يكونون؟
فما ذنبهم ودراويش لبنان أحفاد قريبون للعمالقة الجدود الذين عن يدهم حلم هذا الشرق بأول مطبعة فكانت وانزلق اول كتاب وهلت أول صحيفة وتخايلت اول مجلة ونهدت اول مدرسة وطنية وأول قاموس وأول دائرة معارف واول روزنامة وأول شعر شعر وأول أدب أدب وأول فن فن؟
فما ذنبهم وقد تطلعوا مليًا إلى العالم واغترفوه إن لم يعاون شاعرهم في الشعر العالمي وأديبهم في الادب العالمي وفنانهم في الفن العالمي وفيلسوفهم في الفكر العالمي
على أن لهم أجنحة تعرف كيف تجوب فضاء إثر فضاء ولهم في الوثبة تذعر النجوم.
ومع ذلك فإننا لعلى الطريق وقد ندرك المحجة قريبًا إن شاء الله وفي ظروف أفضل للانطلاق على جناح اللغة المؤاتية وعن يد جماعة أرجو أن لا يكون قد غام في عيونهم الغرور فقعد بهم عن التحفظ.
لقد شهدت بما أعرف وليس اكثر مما أعرف
وشهدت حيثما أمكنت الشهادة بما تراءى لي انه الحقيقة وبغيرها لم أشهد
فيبقى لي أن أئتمنكم امنية يروقها أن تكون موضوع تأمل وتبصر وقد أردتها على علم بانها تخرج عن موضوع الشهادة.
نحن شعب يريد ان يعيش.
وحياة هذا الشعب حريته
فإذا استقامت لنا مقاييس الحرية استقام لنا كل شيء
فما من شك في اننا ولدنا نعيش أحرارًا من حرية نظفر بها هنيهة بعد هنيهة وجهدًا إثر جهد.
من حرية هي لنا ولكنها لا تجيء معنا من بطون امهاتنا
إذ المرء لا يخلق حرًا وإنما يصير ذلك أنه يجيء من العدم معدمًا فإن لا يربح لذاته يظل معدمًا ينقص إذا امكن النقصان ولا يزيد مهما توغل في السنين وعمر.
فعظمة هذا الإنسان ان يمتلك نفسه ويحترزها وان يتغلب على كل ما يحول بينه وبين الظفر بالحرية اجتماعية كانت أو سياسية تهدف أولاً وآخرًا إلى عتق ذاته حتى يستقل من كل إكراه أو شبه إكراه
طبيعيًا كان أو حكميًا
ولا يغربنّ عن بال أحد أن الحرية التي هي رأس عظمة الإنسان ليست في ان ياتمر غير امر هو ذلك تأليه للإنسان يجر حتمًا إلى تأليه الدولة وتأليه الجمهرة التي يتجسد منها الحاكم والويل من الآلهة الكاذبين.
وإنما الحرية التي هي رأس عظمة الإنسان ترتكز على استقلال إنسانه بحيث تصبح الطاعة في حدود الخير طريقًا إلى الحرية التي كتب علينا إدراكها فيبقى هكذا كل في مكانه
فلا الإنسان يستحيل إلهًا ولا الدولة تستحيل إلهًا
ويصبح من النتائج المحتومة ان يقوم الشعب بمطلق غرادته واختياره على تعيين ممثليه من يتولون عنه زمام أمره
من ضمن ذلك التعيين المنزه الحر فيعمل المعنيون خاضعين أبدًا لمراقبة الشعب الفعلية المنتظمة ممارسين حق السلطة والامر بيد انهم يأمرون احرارًا يكونون مدعوين جميعًا إلى المساهمة في الحياة السياسية العامة مساهمة رحبة فاعلة يتركون فيها لمؤهلاتهم وكفاءاتهم ما يستحقون. ويصبح من النتائج المحتومة أن تجيء الضمانات الاجتماعية الكاملة تعويضًا للإنسان عما تفرض عليه الحاجة من تنازلات.
إدوار حنين السياسي والمشرع
نماذج من التصاريح والتقارير والمقابلات والأخبار المحفوظة في الصحافة اللبنانية
مشيدًا بـ"المبادرة الكتائبية" المرتقبة... حنين: المطلوب للحل في البداية إطلاق الأمن وترسيخه فالإنقاذ: رأى الأمين العام للجبهة اللبنانية النائب إدوار حنين أن أمرًا واحدًا يفضي إلى نتائج إيجابية لحل الأزمة. وهو "لقاء يجمع الأطراف الحقيقيين الذين ما زالوا يتشبثون بأن يقيموا عنهم أطرافًا مموهين". واعتبر أن البداية هي "إطلاق الامن، ثم ترسيخ الأمن، ثم الإنقاذ". قال حنين: "إن المشروع الأمني المتكامل الذي اقترحته المملكة العربية السعودية والذي يتابع تحقيقه السيد رفيق الحريري، بإقناع جميع الأطراف بصوابيته وبالموافقة عليه، هذا المشروع إذا كان اتجاهه في يدنا، لن تكتب له الحياة ما لم يبدأ من البدايات التي لا بدايات غيرها. وفي رأس هذه البدايات:
أن يعزم المعنيون جميعًا، عزمًا صادقًا، لا مكتومات فيه ولا بواطن، على الوصول وعلى التعاون المخلص في طريق الوصول. أن يكون الاقتناع بين المعنيين، جميعًا، أن مصلحة جميع اللبنانيين هي في تحقيق المصلحة اللبنانية الكلية المنزهة الواحدة. إن الأساس في المصلحة اللبنانية هذه هو إعادة الأمن إلى كل الأرض اللبنانية، وبين جميع اللبنانيين، فإن جعلت البداية من هذه البدايات، كف أي لبناني عن الانتصار لأي أجنبي، لأنه يكون قد وجد في أخيه اللبناني من يكون له عونًا يصون حقه، ويدرك ما يصبو إليه، وبطل أن يفتش المستضعف عن حماية تحميه، وأن يفتش المستقوى عن حماية يقيمها في وجه تلك الحماية. وما دام كل من الأطراف يركب موجة لا تطاول الطرف الآخر ولا هي تمر قريبًا منه، فسيظل العمل وستظل الوساطات وستظل الاتفاقات بعيدة عن الغاية التي يسعى إليها العمل، وتسعى إليها الوساطات وتسعى إليها الاتفاقات. أمر واحد يفضي إلى نتائج، هو لقاء بجميع الاطراف الحقيقيين الذين ما زالوا يتشبثون بأن يقيموا عنهم اطرافًا مموهين. فإطلاق الامن هو البداية وترسيخ الأمن هو النهاية والإنقاذ يجيء في عقب ذلك". ولاحظ حنين أن التراجع الأميركي "يبدو متوقعًا في المرحلة المقبلة"، وعزا ذلك إلى أن الولايات المتحدة "غير قادرة على أن تبقى مكانها"، وأضاف "ولكن نظرًا إلى المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة الأميركية في المنطقة، سيكون المتوقع المنطقي هو سحب "المارينز" من الأرض اللبنانية. والمحافظة على القوات البحرية في الشواطئ اللبنانية. فما دامت القوة المتعددة الجنسية على الأرض اللبنانية، أيًا تكن الدوافع التي حملت وحداتها على المجيء إلى بيروت، والتي حملتها على بعض التعديل في الموقف، فإن الحكم اللبناني لا يزال يستطيع ما من شأنه أن يبعد عن لبنان شبح ما يمكن أن يكون كارثة من كبيرات الكوارث التي نزلت به إلى الآن. ولقد وضع الحكم نفسه في هذه الطريق وليس كبيرًا عليه إن هو وصل". وأشاد حنين بـ "المبادرة الكتائبية" المرتقبة وتساءل: "من من اللبنانيين ومن أصدقاء اللبنانيين لا يستقبلها، عند إعلانها، بالمسرة والفرح والتهليل والتبجيل؟ طريق الإنقاذ، هي في أشد الحاجة، كي تستمر وتنجح، إلى مبادرات مثل هذه المبادرة، لكن بمقدار ما يكون النجاح مكتوبًا لمثل هذه المبادرة وأخواتها، تظل برفقتها المسرة وتقوى. فهل يكون النجاح مكتوبًا للمبادرة الكتائبية؟ إنه يكون إذا أتت المبادرة في وقتها، لا قبل وقتها أو متأخرة عنه".
إدوار حنين السياسي والمشرع
النهار 3/2/1984 صـ 3
أشاد بالمؤتمر المسيحي الذي عقد في بكركي إلا أنه رأى أن "انعقاد هذا اللقاء كان يجب أن يحصل على غير الطريقة التي حصلت في 14 وفي 31 كانون الثاني المنصرم، بحيث لا يكون للموارنة وحدهم، شرف نجاحه، أو يتحمل الموارنة، وحدهم، مسؤولية فشله. ثم بحيث لا يكون زخم هذا اللقاء زخم المارونية وحدها بل يكون زخمه زخم المسيحية العائشة في لبنان، كلها، وزخم المسيحية العالمية بعد ذاك". كذلك "ضرورة لعقد مؤتمر مسيحي إسلامي يكون فيه لكل رئيس مسيحي شرف المساهمة بالتساوي مع كل رئيس مسيحي ومسلم آخر، ولكل رئيس مسلم شرف المساهمة بالتساوي مع كل رئيس مسلم ومسيحي آخر، ويكون شرف النجاح للجميع ومسؤولية الفشل على الجميع. ويكون ما كان يجب أن يكون منذ زمن بعيد، وما صار الآن واجبًا أن يكون".
إدوار حنين السياسي والمشرع
النهار: 17/2/1984 صـ3.
طالب حنين الولايات المتحدة بترجمة وعودها للبنان بإسكات سوريا إما عسكريًا إذا استمرت بعنجهيتها وإما سياسيًا باتفاق صادق يمليه التعقل والحكمة والروية والرغبة في السلام. ودعا إلى ترك السلاح والتزام المعارضة حدود المعارضة الديمقراطية المنضبطة. "وإذا تداعى القوم إلى حوار لا دخل فيه لسوء النية"... أما إذا تعقد وتعذر فتكون الحوائل دونه حوائل أجنبية غريبة خارجية. فإذا كان الاول كفى الحوار مخرجًا. وإذا كان الثاني فلا بد في الصراع مع الأجنبي من أجنبي يقارع سيفه... وعن الوعد الاميركي بمساعدة لبنان قال "هذا الوعد الذي بوشر فورًا تنفيذه لا يكون الوعد الكبير الذي هو في حجم الولايات المتحدة او حجم شعبها ورئيسها إلا إذا تلا القصف الذي وجهته البحرية الأميركية إلى مراكز النار السورية في جبال لبنان ما يسكت نهائيًا هذا القصف الجاني. ولا يسكت هذا القصف إلا تدمير مراكزه تدميرًا كليًا يمنع قيامها من جديد أو إجراء اتفاق مع السوريين "اتفاق صادق"، على إلغاء هذه المراكز. فالامتناع قطعًا عن القصف أيًا يكون موجب العودة إليه، لأن الحوار حل محله. فلأي من الخيارين تكون الغلبة؟ واشار إلى التعايش الذي كان موجودًا في الضاحية إلى أن غلب "عدد الغرباء الذين لجاوا إليها على عدد أبنائها". ورأى أن ما جرى في بيروت الغربية حصل نتيجة زحف الغرباء من الضاحية. وقال: "هذا الزحف كيف سيلجم؟ ومتى سيتوقف؟ وماذا سيكون ثمن ذلك كله؟ فإما ان يكون جيش في امرة الدولة فوجهوه إليهم وإما ألا يكون فالشعب كله جيش الدولة فجيشوه. وصف موقف الحكم بانه صمود وانفتاح... فالطروحات التي أدلى بها فخامته وتتناول كل شأن تشكل انفتاحًا ولا أرحب وأن أداة الحكم الاولى هي الجيش فالجيش بما هو يعرف أن يموت فهو موجود وقادر. هذا الجيش الذي يموت من اجلنا اليوم مدعوون إلى أن نموت من أجله غدًا. وهذا يعني إلى أننا مدعوون من اجل أن نضحي في سبيله يوم يجيء دورنا حتى حدود الفاقة. فماذا بعد؟ أن ترفع عن لبنان يد المحركين ليلتقي اللبنانيون فيتفقوا ... لئلا يبقى لبنان بؤرة نار تهدد العالم شرقًا وغربًا بالاحتراق"...
إدوار حنين السياسي والمشرع
النهار 20/2/1984
أدلى بتصريح قال فيه "قياسًا على السابق إن ألمًا بعد من حيث النوعية قد لا يختلف كثيرًا عن ألم قبل. اما من حيث الكمية فقد يجيء مختلفًا جدًا. هذا يعني ان المدفع والصاروخ والبندقية ستظل أدوات الصراع هي هي أدوات القتل والقنص والتفجير والتقتيل والتدمير. لكن المدافع سيزداد عددها ويزداد عدد قنابلها. هكذا الصواريخ والبنادق والمتفجرات سواء اكان الاحتيار المنتظر لمصلحة سوريا أو كان لمصلحة إسرائيل. إلا أنه في هذه الحال يكون للطائرات مجال. هذا على الصعيد الميداني . أما على الصعيد السياسي والسياسة طويلة النفس، فستتواصل الاتصالات والمراجعات والتدخلات وستتكرر وستطرأ عليها تعديلات وابتكارات وستموت وستحيا إلى أن تصل إلى حل. قد يكون هذا الحل معلومًا منذ الآن لكنه سيظل في عالم الكتمان إلى ان تجيء ساعته... على كل حال المنتظر أن تظل الازمة آخذة في طريقها الصعودي إلى أن يكتمل الضيق إذاك يجيء دور القاعدة الكلية أن تفصل وهي القاعدة التي تقول إن كل امر إذا ضاق اتسع إذ لا انفراج في حكم هذه القاعدة إلا بعد أن يبلغ الضيق ذروته وإنا لا نزال في طريقنا إلى ذروة الضيق".
إدوار حنين السياسي والمشرع
النهار: 2/3/1984 صـ4
عن اللقاءات الروحية قال حنين: "هذه القمة الروحية سواء اكانت بين رؤساء روحيين فحسب، أم كانت رؤساء روحيين وقيادات زمنية، في آن، ماذا تبتغي؟ التوصل إلى حل أم تهيئة النفوس إلى تقبل حل؟ فإن كانت غايتها التوصل إلى حل، فمن من المواطنين اللبنانيين أو من الفئات اللبنانية الذين من أجلهم تعقد على الغالب هذه القمم فمن من اللبنانيين في يده العقدة ليحلها؟ أشار حنين إلى أن القرار في الحل ياتي من الخارج. "إن توصلت هذه القمم الروحية خصوصًا كبيرتها: القمة المسيحية – الإسلامية الشاملة التي بدأت عقد جلساتها في الأسبوع الفائت إلى قرار، فمن يلتزم تنفيذه؟ أما إذا كانت مؤتمرات القمة من أجل تهيئة النفوس إلى تقبل حل، فهذا عمل مبرر وهو من وحي السماء. وليس من يعرف، منذ الآن، وقبل أن يحدث الامر المنشود إلى أي حد تمشي الطوائف مع رؤسائها والجماهير مع بطاركتها ومع المفتين فيها. وإلى أي حد يستطيع المفتون والبطاركة الحكم على رعاياهم وجماهيرهم في أن يماشي بعضهم بعضهم الآخر. وليكن هدف المؤتمر الروحي والحال هذه بعد تصحيح أوضاع اللجنة، تحقيق الممكن، لا طلب المستحيل، فالممكن هو أن يتوصل المؤتمر إلى حمل من في يدهم النار على عدم إطلاقها انعدامًا كليًا، شهرًا كاملاً، (والذين في يدهم النار معروفون). يبقى أن المؤتمر إذا لزم هذا الخط يكون انه يبني لا إلى مخرج مؤقت، فحسب، بل إنه يبني حالاً نفسية قومية تلزم المساعي التي تستهدف الحل الأخير. وإن طريق الحل الأخير طويلة وشاقة ومتعرجة. وهي لا تنتهي فور انتهاء الحكم من الخيار. فالخيار، مهما يكن حكيمًا، ينه مرحلة عالقة لتبدأ مرحلة أصعب، لأن الكفاح الذي سيجر إليه الخيار، مهما يكن حكيمًا، سيكون أكثر مرارة من الكفاح الذي تكون طويت صفحته". وعن اتفاق 17 آيار قال: "اتفاق 17 آيار يقيم الدنيا ويقعدها، على أنه في الأرض لأنه إن لم يكن مجمدًا منذ أن ولد فقد ولد ميتًا، كما يقولون. وعلى كل حال لا يأبه به أحد: فإسرائيل تتصرف بمعزل عنه وبما هو أبعد مما يأذن به. ولبنان أعجز اليوم من أن يأخذ به أو لا يأخذ. وحدها سوريا تستخدمه كنقطة كبيرة، في العراقيل التي بين يديها. ومع ذلك يظل البحث دائرًا هنا وفي كل مكان في هذا الاتفاق. فأميركا الداعية إلى وضعه بل هي عرابته والشريكة الأصلية فيه تتنصل اليوم منه وتقول إنه لا يعنيها لا من قريب ولا من بعيد، أأبرم هذا الاتفاق أو ألغي. وإسرائيل تقول: إذا ألغي هذا الاتفاق ألغي لبنان معه. وسوريا تقول: إذا بقي فهي لا تخطو خطوة مهما تكن يسيرة في طريق الحل، ويبقى لبنان نارًا مشتعلة، لا ينطفئ لهيبها. ويظل لبنان حائرًا في حيار يبقي الاتفاق أم يسقطه. وحيال الخيار اللبناني الذي أخذ يعمل منذ الثامن عشر من آيار 1983 تبدو المواقف هكذا: اتفاق 17 آيار إذا بقي قال السوريون : اتفاق إذعان (إذعان لبنان لإسرائيل). وإذا ألغي قال الإسرائيليون : إلغاء إذعان (إذعان لبنان لسوريا). وإذا بقيت الحال على ما هي عليه، قيل :يذعن لبنان لسوريا فلا يجرؤ على إبرامه، ويذعن لإسرائيل فلا يجرؤ على إلغائه. ولبنان في هذه الحالات الثلاث ينشوي بين نارين. يبقى ان يختار الحكم التعاون مع سوريا، أو التعاون مع إسرائيل، لأن الحكم يرى ويرى الشعب معه ويرى المراقبون، أن بقاء لبنان بين نارين يذيبه، ويفنيه. فإن إسكات نار من النارين واجب لازم. وعندما نسكت واحدة من النارين اللتين تنصبان على لبنان تنضم النار التي تسكت إلى ناره، لتصب معها على النار التي تكون لم تسكت، بعد، إنها عملية حسابية سهلة – بسيطة – وقد تكون ساذجة، ولكن ، ليدرك منها نفعًا، وجب ان يرافقها هدوء وصفاء وتأمل في المكاسب والخسائر من هذا التعاون أو ذاك. "فالتعاون مع سوريا يؤمن: زقفًا ثابتًا لإطلاق النار، بسط سلطة الشرعية على كل الأراضي غير المحتلة من إسرائيل، التوصل إلى اتفاق عل ىالإصلاحات المطلوبة، قيام حكومة اتحاد وطني تتولى التنفيذ واستمرار الأمن والاستقرار، وبقاءنا في المحيط العربي... في مقابل ذلك نكون خسرنا الجنوب ، اثرنا إسرائيل، لتظل ماضية في أعمالها العدوانية على كل أرض لبنان التي في حكمنا، وأطلقنا يد سوريا، في شؤوننا الداخلية، وفي تحضير المستقبل الذي يتناسب مع غاياتها في لبنان. أما التعاون مع إسرائيل فينتج منه: بقاء الجيوش السورية حيثما هي الآن. وأزيد، الإبقاء على تفاعلنا مع العالم الغربي، إبقاء المدفع الإسرائيلي، واختيار الحليف الأقوى الآن. إلى الآن، كان العفال يتكلمون فلماذا لا تعطى الكلمة الساعة، لمجانين لعلها تكون الأجدى ، من يدري؟ ماذا بعد؟ سؤال يلقيه كل لبناني على نفسه ويتطارحه مع سواه، ويظل نهاره ، ويتأزق ليله، ينتظر عليه جوابًا، لأن المواطن اللبناني يعرف أن المسؤولين أكانوا حكامًا أم غير حكام من الذين يعالجون الشؤون العامة، يفتشون عن حل يكون الجواب وليس في يد أحد الآن، جواب يستطيع أن يعطيه أو يلطف به تحرق المتسائلين – المنتظرين. وطبعًا ليس في يدنا جواب. ولكن ما نستطيع أن نقوله الآن هو أن ألما بعد هذه الساعة قد لا يختلف كثيرًا عن ألما قبلها، وهو إن اختلف، وسيختلف!!، فسيكون اختلافًا كميًا، لا اختلافًا نوعيًا. هذا يعني: أن الجهة التي تستعجل القرار، قرار الخيار، وهي سوريا، ستظل تضغط وتتشدد في الضغط فيصبح مدفعها مدفعين وصاروخها صاروخين ... هذا على الصعيد الميداني. أما على الصعيد السياسي الذي يتقدم العمل فيه، تارة، ما يعمل على الصعيد الميداني وتارة يرافقه وأحيانًا يجيء في عقبه فإن ما يعمل على هذا الصعيد (وهو عمل ينبري له الفريقان السوري والإسرائيلي) فستظل الاتصالات والمراجعات والتدخلات والتوسطات وجس الانباض وسبر الأغوار، في دواوين الحكم ووراء الكواليس... ستظل كلها متواصلة ... غلى أن ينضج القرار. والقرار بعد أن يصدر تكون الحال حالين: فسيكون للبنان مع السوريين حال، ومع الإسرائيليين حال آخر، ومحال الكلام على هذا سبق أن أفسح وسيفسح له واسعًا في المستقبل".
إدوار حنين السياسي والمشرع
"النهار" 9/3/1984 صـ 3
أشار حنين إلى أنه بعد انسحاب القوة المتعددة الجنسية وتخليها عن لبنان وسقوط الاقتراح الفرنسي في مجلس الأمن، بات لبنان منفردًا بين سوريا وإسرائيل. وعاد كما كان وحده بين ولاية عكا وولاية دمشق وكما كان في الأعوام الثلاثين الأولى من عهد الاستقلال. إن كل شيء كان يجوز للشيخ أمين الجميّل إلا أن يبقى واقفًا ويوقف بلاده معه بين نارين: نار سوريا ونار إسرائيل. فإسرائيل التي وقّع معها اتفاق 17 آيار، لم تسكت نارها ولا عاونته في إسكات نار دمشق. قيل إن ذلك حصل لعدم إبرام الاتفاق وقيل للحؤول دون الإبرام والقولان عادلان. فلم يبق إلا أن يتجه إلى دمشق عله يسكت نارها وهو ما كان... وذكّر بما كان بين لبنان وسوريا منذ رحيل الانتداب الفرنسي والمضايقات التي رفعتها في وجه لبنان وحكاية القطيعة الصارمة بين البلدين في ذلك الحين. ناشد الرفاق الذين تستهويهم المعارضة ان يستمعوا إلى رفيق ظل في المعارضة نحوًا من ربع قرن يقول إنه محتوم عليكم تمثيل لبنان ومحتوم عليكم ان تظلوا حاضرين. إن الاتفاق الذي حصل بين الرئيسين الجميل والأسد قد لا يطول فهو مرتبط بعهد الرجلين وبعمرهما فلا تدعوا غيركم يبني لبنان.
"النهار" 23/3/1984 صـ 3. إكتفى إدوار حنين بالمطالبة من أهل الحوار في مؤتمر لوزان بأمرين: الاول تثبيت وقف النار الذي قرروه وأعلنوه والثاني وضع ورقة عمل واحدة مأخوذة من الأوراق ذات البنود المئة التي صارت بين أيدي المتحاورين تتضمن المواضيع الأساسية ليصار إلى درسها في بيروت على يد أهل الثقة والاختصاص في ضوء مبادئ عامة أربعة أو ستة يتفق عليها في لوزان ولا يجوز الرجوع عنها من مثل لبنان من حقه أن يعيش ويستمر، لبنان لكل اللبنانيين ، لبنان الكل للكل، لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية. لبنان وطن الحرية والكرامة والتفاهم. ورأى أنه عندما يضيق الأمل تضيق المطالب وكان المؤمل بعد تسع سنين من القصف المدفعي والصاروخي ومن القنص والخطف والتدمير أن يبتهج اللبنانيون لإقرار وقف النار غير أن البهجة لم تكن في حجم القرار. وكان المؤمل أن ينزل اللبنانيون إلى الشارع يرقصون ويهتفون ويغنون كما كان يفعل أهل أثينا في الامس البعيد عندما كانوا يفرحون على تحية صدور كتاب جديد لواحد من فلاسفتها أو كما يحيي اليوم البرازيليون عيد الكرنفال في الريودو جينيرو. وأضاف إن شيئًا من ذلك لم يحدث وبقيت فرحتهم دون الشفاه إما لأنهم تعودوا النار فألفوها وإما لانهم بعد المرة 180 لوقفها ولعودتها من جديد عادوا لا يثقون بأنها ستتوقف أو إذا توقفت إن وقفها سيطول... لوزان لوزانان: لوزان المتحاورين ولوزان اللبنانيين. تلك يثق بها أهلها وهذه بات لا يثق بها اللبنانيون. ففي لوزان اللبنانيين يعرف اللبنانيون ماذا بين المتحاورين. فهل تعرف لوزان المتحاورين كما يجب أن تعرف ماذا بين اللبنانيين؟ هل يعرف المتحاورون في لوزان أن الثقة التي يتمتعون بها بين انصارهم في لبنان لم تعد في تألقها كما هم تصوروا أن تكون وهل يعرف المتحاورون في لوزان ان أنصارهم في لبنان باتوا لا يلحقون بهم في تعرجات الطريق التي يقودونهم فيها فيبدو هؤلاء وأولئك كأنهم فيها يتوهون إن ما هم فيه اللبنانيون الذين يتتبعون اخبار لوزان من لبنان هي الخيبة التي ولدت في نفوسهم من قياسا لحاضر على الماضب. فهل من يشفي اللبنانيين من خيبات الماضي ليشفوا اليوم من خيبات الحاضر؟ وما الذي عمل من اجلهم ليتأملوا في المستقبل الموعود؟".
إدوار حنين السياسي والمشرع
"ألنهار" 30/3/1984 صـ 3.
قال النائب حنين "إن لبنان اليوم ورقة قابلة أن تكون رقعة لكل رقيم وقابلة كل كتابة. فلتقدم الهيئة التأسيسية المقرر إنشاؤها في لوزان، على أن تجعل منه إمارة أو ديمقراطية أو اتحادية أو حيادًا أو محمية أو ما يمكن أن يبتدعه العقل السياسي من أشكال، شرط أن يسلم إثنان: بقاء حر وكريم وشريف، ومساواة في العدل. حتى إذا أمكن صرف النظر عن هذين الشرطين الكيانيين قبل لبنان صرف النظر عنهما، إذا استطاع الوجود أن يظل وجودًا وإذا بقي البقاء بقاء". وأبدى ملاحظات على تشكيل الهيئة التأسيسية: 1 – يستحسن ألا يطلب من الطوائف اقتراح أسماء الذين ترغب كل طائفة في تمثيلها. فإن التمثيل يتكون، على قدر الإمكان، إذ ليس لزامًا أن يكون التوازن كليًا في كل واحدة من هذه الهيئات لدى تشكيلها. 2 – ينظر، أولاً وقبل كل شيء، في الكفاية والاختصاص والخبرة والإخلاص. 3 – يجب ألا يؤخذ، في هذه الهيئة، أحد من داخل المجلس النيابي، لأن المجلس مدعو إلى المصادقة على مقررات هذه الهيئة. 4 – يجب ألا تنقص حقوق الاختصاصيين المعمرين لمصلحة الاختصاصيين الشباب، وألا تنتقص حقوق هؤلاء لمصلحة اولئك. 5 – يجب أن يكون رؤساء الوفود الذين كانوا في مؤتمر جنيف فمؤتمر لوزان، أعضاء طبيعيين في هذه الهيئة، إضافة إلى الأعضاءا لإثنين والثلاثين المعطى لرئيس الجمهورية تعيينهم، لا من أصلهم". وأوضح أن "لكل صديق، كبر أم صغر، نظرة إلى لبنان الحاضر وموقف، ولكل عدو نظرة إليه وموقف، ولكل فئة او طائفة أو جهة لبنانية نظرة إلى لبنان الحاضر وموقف... فسوريا تجد وراء استكمال انتصارها على الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، لتثبت أن ما لم تستطعه الولايات المتحدة في لبنان، وهو فرض السلام، استطاعته هي او هي واصلة إليه. وهكذا ما لم تستطعه إسرائيل لتثبت أن الاتفاق الذي لم تتمكن إسرائيل من تثبيته بين لبنان بينها ستتمكن هي من وضعه وتثبيته. وإسرائيل تلاحق في لبنان خطة مرسومة، وقد رسمت قبل أن تنشأ هي عام 1948، أما الولايات المتحدة الأميركية فمجال عملها العالم، وهي لا تهتم بلبنان إلا بمقدار ما تحتاج إليه في اللعبة التي تلعبها في الشرق الأوسط... الذين يعرفون ماذا يريدون يصلون والذين لا يعرفون لا يصلون أبدًا... وحدهم غير واصلين هم اللبنانيون. وشر من الشر الذي فيه يعيشون هو انهم يأبون أن يضعوا أنفيهم على طريق المعرفة. المناسبة الآن، عارضة لهم وقد لا تعرض لهم مرة ثانية وهي الهيئة التأسيسية المقرر إنشاؤها فإذا تعهدوا كلهم على أنهم يريدون لبنان كيانًا نهائيًا واجب الوجوب وإذا تعاهدوا على رفض كل ما لا يدعم هذا الكيان وقبول كل ما يدعمه وإذا تعاهدوا على إرجاء كل ما يجب إرجاؤه إلى وقت آخر. وطلعوا من الهيئة التأسيسية الدستورية بقبضة من الحقائق اللبنانية الثابتة على أن يبنى عليها الدستور والقوانين والأنظمة ساعة تلح الحاجة إليها يكونون طلعوا بما من شانهم أن يقنع العالم بأنهم هم أيضًا يعرفون ماذا يريدون ويصير للهيكل أمل في ان يقوم وللبنان أمل في ان يبقى. ورأى أن لبنان اليوم بعد السنوات التسع العجاف وبعد كل ما أصابه من خراب ودمار وبعدما أصبحت مؤسساته الدستورية على الأرض ومؤسساته الوطنية الجيش والضمان والجامعات وماله وأعماله واقتصاده وبعدما أرضًا صفصفاف ما بقي منها لا يصلح لشيء ويصلح لكل شيء في آن واحد فعلى القائمين على أمرها أن يتعدوا إنقاذ لبنان إلى خلق لبنان جديد، جديد بكل شيء وبإرادة جميع أبنائه ، فلم يعد فيه أصحاب امتيازات ولم يعد فيه مغبونون ولا عاد فيه محرومون ولا عاد فيه أصحاب حقوق مهضومة ولا عاد فيه غاصبون ولا مغتصبون. ودعا إلى أن تكون البداية في بناء الإنسان اللبناني الذي من اجله ينشأ هذا اللبناني الجديد. وحذّر من التفكك الذي أصاب لبنان... فكأن أهل لبنان ضيعوا طريق بعبدا وضيعوا دروب بعضهم إلى بعضهم الآخر وهي أسهل الدروب. فماذا بعد هذا التفكك؟ إني في انتظار ذلك لكي يكتمل الدمار والانهيار فنبدأ صفحة جديدة في بناء لبنان الجديد، صفحة جديدة هي ملكنا من الألف إلى الياء. صفحة بيضاء تستطيع ان تكتب عليها كل شي من حد واحد من نشيد الإنشاد غلى حد واحد من مراثي إرميا.
إدوار حنين السياسي والمشرع
النهار: 6/4/1984 صـ 3
أعرب حنين عن إيمانه بأن اللبنانيين فريسة مؤامرة هي أكبر منهم وأكبر من أصدقائهم الكبار الذين يخفون إلى مساعدتهم. واعتبر أن الأحداث اللبنانية "مسألة لبنانية ولا أحد يستطيع أن يجد لها حلاً إلا اللبنانيين انفسهم. وأن "خلاصنا في يدنا، لا بالطرق التي كانت تطرح ولا بالطرق المحتومة على مجتمع تعددي، مجتمع مبني على التعددية، بل بما عقلنا الخلاق مقدر له أن يبدع. خلاصنا اليوم في أيدينا، من دون وساطة أي مساعد، ومن دون أي قدرة خارجية. لأن اليوم، في يدنا، اللهم نجنا مما هو في يد المؤامرة وفي يد السوريين! وطالب بمعاقبة المتقاعس من اعضاءا للجنة الأمنية العسكرية السياسية العليا، وقال: "يكفي أن يتخذ ثلثا الأعضاء قرارًا بإسقاطه من حقه في الكرامة وأن يعمم هذا القرار بكل وسائل الإعلام ليتجنب أي عضو من اللجنة أن يسوق نفسه إلى هذه المذلة، وليتعظ كل عضو آخر بما يكون قد نزل بالمخالف من عقاب مشين، إن الرجل الذي استطاع أن ينشئ حلفًا حول لبنان لم يسبق أن تمتع لبنان بمثله، حلفًا من الولايات المتحدة الأميركية وإداراتها وشعبها، من كبارها وقواها الخفية حرصًا من السوق الأوروبية المشتركة ولاسيما فرنسا وبريطانيا وإيطاليا حرصًا من الفاتيكان وكل ما يملك من حلفاء وأصدقاء وأنصار. حرصًا من المملكة العربية السعودية ومصر والمغرب وتونس وحرصًا من كندا وأوستراليا وبعض الدول العظمى في أميركا اللاتينية. وعن انتفاضة جبشيت قال: "اليوم أشرقت الحقيقة الأزلية الأبدية التي أرجو ألا تعود فتغيب وهي أن لا أقرب من الأخ إلى أخيه ولا أبقى ولا أصلح ولا أنفع. جبشيت يا أم الشهداء منجبة الأطفال والنساء والشيوخ الذي يسخون بدمائهم ولا يأبهون كأنهم يحملون دماءهم في اعراقهم ليسقوا بها التراب ، تراب المسك، ترابك. ويا أخوات جبشيت التي البطولات على أرضها زغاريد والاستشهاد صلاة، نشاركك ونشارك كل واحد من أبنائك الآلام التي تواسين ويواسون ومعك نتحسس الجروح التي تدميك فتتوجعين ولا تأبهين. بكت الحجارة عليك وبكينا معها واخذنا نضرع إلى الله من اجلك. نعرف اوجاعك وآلامك فلقد مررنا بها في شويت والعبادية في بمريم وصاليما ورأس الحرف والشبانية وحمانا وفالوغا. مررنا بها في بحمدون والمنصورية وسير وشرتون ووادي الست والكنيسة ودير دوريت ودير القمر ولا نزال نمر فيها في الضاحية الجنوبية وفي بيروت الشرقية وفي المتنين وفي كسروان وما مررنا به على أرضنا كان اكثر هولاً مما يمر بكم على أرضكم. إذ هنا على يد أشقاء كان يحدث ما يحدث أما هناك فعلى يد أعداء. وعزا عدم مد يد العون إليها إلى اننا اضعفنا لبنان والسلطة فيه إلى حد لم تعد قادرة على مد يد العون الذي من الأعماق نريده لك لأنه لم يعد لنا أصدقاء كبار. وقد يكون للذين يبكون عليك يد في قطع هذه الحبال التي كنا نعتمد لإنقاذ انفسنا وإنقاذ امثالك. وقال مخاطبًا جبشيت: "ألم تسمعي أمس الأربعاء قول موشي أرينز وزير الدفاع الإسرائيلي في الكنيست إن حرب إسرائيل في لبنان كلفت إسرائيل نحوًا من مليون دولار اميركي يوميًا ما يزيد على مليار دولار أميركي. هذا من دون ان نأخذ في الاعتبار الخسارة القائمة على ضياع الإنتاج الناتج من استدعاء آلاف الاحتياطيين إلى الخدمة العسكرية. اخشى ما نخشاه ان تكوني أنت بعض الثمن المعين لهذه النفقات الحربية والخسارة التي أصابت إسرائيل بالأرواح والممتلكات.
إدوار حنين السياسي والمشرع
النهار: 13/4/1984 صـ 4
أكد حنين أنه لا بد من ان يكون لنا جيش لأن لا بد من أن يكون لنا وطن. وبنسبة ما يكون جيشنا قويًا يكون وطننا". وقال: "تكاد تكون مطالبة اللبنانيين اليوم بين ان يكون لنا جيش او لا يكون، أو بين أن يكون لنا جيش في المطارح التي تفرض وجوده فيها مصلحة الأمن أو يكون في ثكنه. وأكبر المتبارين في هذه الساحة هم الذين في يدهم سلاح، والمقاتلون على انواعهم المتنوعة، كأن لا رأي للعزل في هذا الموضوع، وكان امن البلاد مقصورة المطالبة به على أصحاب المدافع والصواريخ"... في وطني يعيد المواطنون حكاية أهل القرية: 90 في المئة من المواطنين من الذين لا يملكون سلاحًا، بل يملكون حق التمتع بالامن، يريدون جيشًا لحماية أمنهم. و10 في المئة ولعلهم أقل من الذين يملكون سلاحًا يتنازلون عن حق التمتع بالأمن، لأن الأمن إذا ساد سقط السلاح من يدهم وبطل فعله... واضاف: "في الدفاع عن الوطن دفاع عن الطائفة والبيئة والقرية والمنطقة التي ينتمي إليها الجندي"... ورد حنين على المطالبين بعدم إقحام الجيش في المعارك الأهلية، فتسال "أي متى يدعى لبنان إلى مقاتلة عدو قادم إليه من خارج الحدود؟ أي متى نازلنا على أرضنا الروس والاميركان والفرنسيين والعرب؟ أو نازلناهم على أرضهم؟ فالمقاتلون في لبنان هم أبناء لبنان، ونريد ألا ننظر الآن إلى من يكون وراءهم، فعل من أن يفصل بين الإخوة المتقاتلين في لبنان؟ أفلا يجب ان يكون مصلح في لبنان مصلح قادر مصلح لا ترد له كلمة؟ افلا يجب أن يكون لنا جيش ذو جبروت وسطوة؟... أيها اللبنانيون، أصلحوا ما في نفوسكم يصلح جيشكم، إذ ذاك به تتمسكون. هذا الجيش الذي نؤمن أنه ضرورة لبنانية ستجدونه، مثلنا، غدًا، عندما تتطلعون فترون أن السياسة تدخلت في شأنه مرارًا ففسد، وأنه لم يتدخل في شؤون السياسة مرة فلم يصبها من هذا الباب عيب"... كذلك انتقد الحملة على رئيس الحكومة شفيق الوزان ودافع عنه مذكرًا "كيف انبرى هذا الرجل الطيب إلى تلقي الصواصف بصدره". وقال "مسيرة شفيق الوزان في الحكم، منذ الساعة الأولى التي تولى فيها رئاسة الوزراء إلى الساعة الحاضرة، مسيرة صراع مع البيئة التي نشأ فيها، والوطن الذي كلف خدمته. فكان غالبًا ما كان يتغلب الوطن على البيئة عنده، وكان رئيس الحكومة الوزان غالبًا ما يتغلب على الوزان رئيس المجلس الإسلامي . حتى أن للوتر المشدود أبدًا أن يرتاح خشية ان ينقطع. كلنا كنا شهودًا عن قريب أو بعيد على هذه الحال. وكلنا كان يعرف المأساة البطولية التي كان يتخبط الوزان في فصولها... والوزان بين الزعازع التي تجتاح لبنان التي منها ما يحاول أن يقوض كيانه، ومنها ما يحاول أن يقوض الدولة فيه، ومنها ما يحاول أن يحطم شخص رئيس الوزراء بالذات بأن يلزم مكانه صامتًا في ملامح لا تتغير كأبي الهول. فلا يهرب ولا يتحرك ولا يتململ أو يتنوح... لقد ظل في مكانه، ليقوم بالواجب النابع من صفاء نفسه، والواجب المعهود به إليه...
كذلك أشاد حنين أخيرًا بالمديرين السابقين للامن العام الامير فاروق أبي اللمع والسيد زاهي بستاني ، وتوقع النجاح للمدير الجديد بالوكالة الدكتور جميل نعمة.
إدوار حنين السياسي والمشرع
"النهار" 15/5/1984 صـ 4
أستغرب "القصف المستمر منذ مجيء حكومة الرئيس كرامي واستنكر قصف المستشفيات والمدارس : "إن الحكومة تضم جميع الذين في يدهم النار". وها إن النار لم تخمد فإما أن يخرج مشعلوها من الحكومة لتنصرف إلى مكافحة نارهم وإما أن يلتزموا وقف النار، علمًا أنهم إلى الآن لم يلتزموا فمتى سيلتزمون؟"
إدوار حنين السياسي والمشرع
النهار: 18/5/1985 صـ 3
تساءل حنين في حديثه الأسبوعي "ألم تر الدبلوماسية اللبنانية ان تعمل قبل قطع العلاقات مع كوستاريكا والسلفادور على سحب إسرائيل من الجنوب او الحصول على المزيد من القوات الدولية لمساعدة الجيش اللبناني على تولي امن الجنوب وسحب سوريا وتقوية الجيش عددًا وتدريبًا. وأضاف إن الدافع إلى هذا القرار قد يكون إبداء التضامن مع العالم العربي الذي لم يترك مناسبة إلا تضامن فيها مع لبنان فأنقذه من المواقف الصعبة ورد عنه النار. وها هي جيوشه اليوم تشارك الجيش اللبناني في إرغام إسرائيل على الانسحاب من جنوب لبنان ومن كل أراضيه. ألم يكن ممكنًا ان تكون بداية عمل الدبلوماسية اللبنانية – الكرامية غير هذه البداية؟ لم يكن لبنان في حاجة إلى أن تبادر دبلوماسيته الجديدة إلى تعزيز علاقات لبنان مع منظمة الأمم المتحدة ومجلس الامن لحملهما على التعاطف مع قضاياه. وحض وزارة الخارجية على ان تأخذ على الأقل في التقرير الذي رفعته القنصل في قبرص دونا بركات عن أوضاع اللبنانيين اللاجئين إلى الجزيرة والذي يتضمن عرضًا مسهبًا ومؤثرًا لنواحيهم الاجتماعية والمادية ولظروف العمل فيها". كما حضها على "توثيق العلاقات الثنائية بين لبنان ومصر وتعميق الدور الدبلوماسي الذي تمارسه القاهرة لدعم القضية اللبنانية في المحافل العربية والدولية وحركة دول عدم الانحياز. ودعا اللبنانيين إلى التباري في اختيار الأصلح من بين الاقتراحات الصادرة عن مؤتمري جنيف ولوزان وعن اللجان المنبثقة منهما والهيئات التي سبقتهما في هذا المجال وأوضح ان اختيار الأصلح من الصيغ المعروضة يضع اللبنانيين على طريق التسابق نحو الافضل والأفيد والاسلم لحياتهم وحياة عيالهم واحفادهم من بعدهم. وأكد أن مطلب اللبنانيين وغايتهم الاولى هو وقف الاقتتال وإطفاء النار المشتعلة والعودة إلى حياتهم العادية... وأشاد بالرسائل الثلاث التي وجهها البابا يوحنا بولس الثاني في مطلع الشهر المريمي إلى اللبنانيين واللبنانيين المسيحيين وأحبارهم ورؤسائهم الروحيين. ودعا اللبنانيين إلى إيصال رسالة البابا إلى العالم أجمع دولاً وشعوبًا وجامعات ومؤسسات وإنشاء هيئة لبنانية مميزة تنصرف إلى ترجمة نداء البابا الفريد في عمل منتظم دؤوب على الأرض اللبنانية وعلى كل أرض يقيم عليها لبنانيون منتشرون وهذه الهيئة يجب أن تكون مفتوحة لجميع العلمانيين".
إدوار حنين السياسي والمشرع
"النهار" 1/6/1984 صـ 3.
قال حنين "إن إنقاذ الجنوب مطلوب من كل لبناني ومن كل حاكم ومن كل فرد، ولن يكون إلا مسؤولية لبنانية مشتركة، وهو شغلنا الشاغل، وسيظل وقف الاقتتال المطلب الاول للحكم لأنه المطلب الأول للشعب. ونعلم ان لا وقف للاقتتال إلا إذا عزمنا، صادقين، وإلا إذا كانت لنا قوة فاصلة. هذه القوة القاصلة لن تكون قوة ردع عربية، ولن تكون قوة متعددة الجنسية وقد لا تكون قوة طوارئ دولية، بل ستكون الجيش النظامي اللبناني الذي تشرذم لكن لم تطلق ، وأشهد الله على ذلك، شرذمة منه النار على شرذمة أخرى. فإننا في طريقنا إلى تعويم هذا الجيش وهي طريق لا بد منها. 75 في المئة من الجيش قابل للتعويم السريع، فقد لا يوجب تعويمه أكثر من أسابيع معدودة. الجيش شرف الأمة ولم ينشأ الجيش ليوضع في المعلبات وفي "الفيترينات". مكان الجيش الساحة المضطربة القلقة التي يجري عليها الاقتتال. وصحيح أن الجيش لم ينشأ ليطلق النار على أهله، بل أنشئ ليطلق النار على لاذين يطلقون النار على اهله، حفاظًا على أرواحهم ومقتنياتهم وكل ما يملكون. ولكن عندما تطلق النار على الجيش، أية نار، وأيًا يكن مطلقها وعندما يقع على وقر هذه النار قتلى، ويحدث دمار ويشيع الذعر، فماذا يكون واجب الجيش أن يعمل؟ أوليس أن يسكت النار بالنار؟ فهل من مفر من ذلك أو عذرًا. مطلقو النار على الجيش لبنانيون من لبنان، لكنهم ليسوا جميعهم، لبنانيين فهناك المندسون بينهم. هناك الفلسطينيون والخمينيون والليبيون والباكستانيون والشذاذ المرتزقة. فإن كان لا يجوز أن يطلق الجيش اللبناني ناره على اللبنانيين، أفليس من واجبه أن يطلق ناره على أنصاف اللبنانيين الغرباء الذين يعملون في صف واحد لمقاتلة اللبنانيين؟" واعتبر أن الجيش اللبناني انشئ لا من أجل الفتوحات، بل من اجل الدفاع عن لبنان. وتساءل: "أفعندما تجيء ساعة الدفاع عن لبنان نقول له : قف وعد إلى ثكنك؟" وعن الحديث الدائر عن "إصلاح الجيش" فقال: "الجيش اللبناني لا يصلح بتغيير القيادات فيه، فإن قواده اشراف. لإصلاح الجيوش أصول وأرباب، فلنطبق هذه الأصول بإحكام ولنستدع هؤلاء الأرباب بإيمان يكن لنا ما نريد ويسلم شرف الأمة".
إدوار حنين السياسي والمشرع
"النهار" 13/7/1984 صـ 4
اعتبر أن مسيرة الإنقاذ تبدأ من اللبناني نفسه "لأنه مع إزالة خطوط التماس الميدانية تترتب إزالة خطوط التماس السياسية في آن. إذ لولا ما في النفوس لما كان ما على الأرض". ولاحظ "أن المانع الأول لحصول الوفاق الوطني هو انتماء بعض اللبنانيين إلى بعض الدول الخارجية، فيتعاملون معها ويطلبون مساعدتها وهي تمونهم بالسلاح والخبراء والعسكريين وتمدهم بالمال. ولا انفكاك عن هذه الانتماءات ما دامت روح الكسب تقدم على الروح الوطنية او تحل محلها. أما المانع الثاني فهو أن ولاء بعض اللبنانيين للعرب هو فوق ولائهم للبنان وبعضهم الآخر ولاؤهم للغرب بمقدار ولائهم للبنان". ودعا للاستفادة من زيارة الرئيس فرنسوا ميتران للمنطقة "لنضعه في جو التوسط ولنسلمه ملفًا يكون فيه من الوثائق والبراهين ما من شأنه إنجاح وساطته". أيّد تحرك ذوي المخطوفين والمفقودين مبديًا خشيته على الخطة الامنية "من تدخلات الشيوعيين والمأجورين الذين بدأوا نشاطاتهم على أوسع مدى".
إدوار حنين السياسي والمشرع
"النهار": 3/8/1984 صـ 3
تحدث عن سبل عودة المهجرين فقال: يعيد المهجرين إلى ديارهم الذين كانوا السبب في تهجيرهم منها، والذين كانوا السبب هم: الإسرائيليون بانسحابهم المفاجئ – الغادر من الشوف، والسوريون بالمسارعة إلى وضع يدهم على الأرض المهجورة، فور الانسحاب الإسرائيلي، أما الإسرائيليون فاستعانوا، على أمرهم، بالدروز والقوميين السوريين والفلسطينيين والشيوعيين وجميع الملتصقات الأخرى والمرتزقة. وأما السوريون فقد استعانوا على أمرهم الدروز أيضًا. والدروز استنفروا حلفاءهم في الحرب... فعودة المهجرين إما أن تكون قسرية وإما أن تكون بالتراضي. فإن كانت قسرية فللقسرية أهلها، ولسنا منهم. وإن كانت بالتراضي فلا بد من مراضاة ثلاث: إسرائيل وسوريا والدروز... أما العمل المجدي فهذه طريقه: أولا: تأليف لجنة اهلية، لا سياسية ولا حزبية عدد أعضائها سبعة: اثنان من الشوف واثنان من عاليه واثنان من المتن الأعلى، أما السابع فيكون رئيسها ويكون من خارج هذه الأقضية الثلاثة. ثانيًا: تجري هذه اللجنة اتصالات بإسرائيل وسوريا قبل كل شيء، فترى ما الذي يقنعها بضرورة إعادة المهجرين إلى منازلهم وما الذي يباعد بينهما وبين عرقلة العودة ثم يوضع هذا الذي يقنع الفريقين في التنفيذ. ثالثًا: الدروز إذا اقتنع هذان الفريقان يكونون قد اقتنعوا بالتبعية. رابعًا: ثم تجرى الترتيبات التي تعيد المسيحيين والدروز، سواء بسواء، إلى ديارهم. والطريقة مواجهة حرة – صريحة – شجاعة – للحقيقة، ومن دون مواجهة حرة – صريحة – شجاعة – لا تدرك النتائج، فإما أن نعتمد هذه الطريقة وإما أن نكف عن تحريك الأوجاع والآلام والدموع، فالمهجرون شبعوا أوجاعًا، وآلامًا ودموعًا".
إدوار حنين السياسي والمشرع
"النهار" 28/9/1984 صـ 3
قال في حديثه الأسبوعي "الخلوات التي أقيمت الأرض من اجلها وأقعدت، هل تكون الطريق إلى الحل أم تكون عقدة جديدة في مسيرة الحل؟ ورأى أن الاتصالات المستمرة والدائمة بين بيروت ودمشق تجر إلى التدخل بحيث لا يبت شأن في لبنان إلا بالموافقة السورية النابعة من خطة وضعها المخططون لإغراق لبنان في الأحضان السورية". وأعطى أمثلة على التدخل السياسي السوري: "اتفاق طرابلس الذي وقع في دمشق برعاية خدام، والاتفاق المنتظر أن يحصل بين أطراف الحكم المتباعدين في لبنان". وأعرب عن اعتقاده أن الاتفاق بين أطراف الحكم "لن يحصل إلا بعد استدعاء نائب الرئيس السوري ليشارك في الخلوات كما شارك في مؤتمري جنيف ولوزان". وأشار إلى أن لبنان "لا يتعرض لمثل هذه اللعبة أول مرة في تاريخه" وذكر باستقالة المتصرف أوهانس باشا بعد وضع السلطنة العثمانية يدها هلى لبنان، "لأنه لم يشأ أن يخون الأمانة". ودان حنين حادث تفجير السفارة الأميركية في عوكر، واعتبر أن لبنان "جعل بؤرة إرهاب"، ورأى "من واجبه أن يتخلص من هذه البؤرة".
إدوار حنين السياسي والمشرع
"النهار" 5/10/1984 صـ 3
قال حنين "منذ أن بدأت الحوادث في 13 نيسان 1975 بدأنا نعرف ما في ضمائر القوم وفي مقاصدهم ونياتهم. ثم اخذت المسائل تتضح على مر الحوادث والايام حتى ثبت في الزمن الأخير وأثبتت خلوات بكفيا، بما لا ريبة فيه، إن هدف الجماعة الأخير هو هذا: تجريد لبنان من لونه ومميزاته وجعله بلدًا عربيًا ككل بلد عربي، الحكم فيه للمسلم، وعلى المسيحي أن يخضع لحكم الذمية. هذا إذا استحالت أسلمته بالمعنى الإسلامي الكامل. وكانت للقوم، في هذا السبيل، أساليب وفنون منوعة كثيرة، حتى وصل بهم المطاف إلى الخلوات. ففي خلوات بكفيا ثبت للمجتمعين أن الجانب الآخر الذي في الحكم يسعى في هذا الصدد إلى تعطيل الدستور توصلاً إلى تعديله بما يؤمن المناصفة بين المسيحيين والمسلمين في كل شيء. ويسعى القوم إلى إلغاء الطائفية السياسية. فلماذا تعديل الدستور؟ التأمين المناصفة عن طريق القانون؟ ولماذا إلغاء الطائفية؟ أللمحافظة على الزيادة عن طريق الواقع؟ وعندما نعرف ماذا في الواقع نعرف مقدار الكسب الذي يتحقق للطوائف الإسلامية على حساب الطوائف المسيحية. نشير هنا فقط، إلى أمر واحد نتخذه من المديريات العامة، ومن السفارات اللبنانية في الخارج. فهناك عليم يؤكد أن للمسلمين اليوم 27 مديرًا عامًا وسفيرًا أزود مما للمسيحيين. وهو وضع لم يسبق أن توصل المسلمون إلى مثله. لذلك يسعون بكل الوسائل إلى تكريس هذا الوضع. فعندما يكون أهداف الوزراء المسيحيين الذين أهدافهم، هم، إنقاذ لبنان لهم ولنا؟ وكيف يمكن أن تصفو الضمائر والنيات وأن توحد العزائم ويوحد العمل ويصير الشد في اتجاه واحد؟ فالذي جاء ليخرب عام 1975 أعيد ليستكمل عملية التخريب، في السنة 1983. وما لم يستطع المخرب تهديمه في ولايته تلك، جاء لينجز تهديمه في ولايته الحاضرة... ولاحظ في السياسة العالمية "تحركًا يخرج عن حدود العادة"، وأشار إلى التقارب الأميركي – السوفياتي، وإلى إعادة الأردن علاقاته الديبلوماسية مع مصر، وتحرك مساعد وزير الخارجية الاميركي السيد ريتشارد مورفي في المنطقة . واعتبر أن التحرك الأميركي "هو تحرك فاعل لأنه لم ينتظر نتيجة الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة ولا يمكن أن يكون تحركًا دعائيًا". وتساءل: "ترى هل بدأت تطل طلائع يالطا جديد، أم هي طلائع انفراج جديد بعيدًا عن يالطات جديدة هي التي تطل، إذ لكل عصر زي ولكل عهد أسلوب".
إدوار حنين السياسي والمشرع
"النهار" 1/2/1985 صـ 3.
علق حنين على الانفجار الذي استهدف منزل الامين العام لـ"التنظيم الشعبي الناصري" في صيدا المهندس مصطفى سعد، فوصفه بأنه "لم يكن انفجارًا عاديًا"، واعتبر أنه "تفجير لعملية الانسحاب الذي تلوح به إسرائيل للعالم". وقال: "هذا الانفجار إما أن تكون إسرائيل هي التي قامت به عشية انسحابها من صيدا، وإما أن تكون جهة شيعية أو جهة درزية أو ملائكة السماء. فإن كانت إسرائيل هي الفاعلة، فيكون قد صار اللجوء إليه من أجل ان تعطي نفسها مصداقية في ما ذهبت إليه، وهو أن انسحابها يسلم الجنوب وأبناءه إلى فتنة طائفية كانت تحول دونها بوجودها في الجنوب، ولتعطي نفسها مصداقية في قولها إن الجيش اللبناني لا يستطيع أن يقيم الأمن في المطارح حيث كان الأمن مستتبًا على يدها، ولتحدث موجة من الرعب في نفس أبناءا لجنوب، فيكون الانفجار الصيداوي مؤشرًا على ما يمكن أن يعقبه من تفجيرات ومصائب أخرى. دعا إلى توحيد الصف وفق ما نادى به النائب نزيه البزري ومطران صيدا ودير القمر للموارنة ابرهيم الحلو، وقال: "يدعم هذا الموقف بالالتفاف حول الشرعية التي من دونها لا يكون عمل منقذ، وبمحض الجيش الثقة وتسليمه منفردًا مسؤولية حماية الدار، على أن تكون ثقة يجمع عليها جميع الأطراف اللبنانيين المتنازعين، وعلى أن يرافقها حل الميليشيات جميعًا، ثم نقل السلاح من يد هذه الميليشيات جميعًا إلى اليد المعنية وحدها لحمله وخلع الثياب المزركشة وعودة رجال الميليشيات إلى الأشغال التي كانوا يتعاطونها قبل معاطاتهم شغلة القتل والنهب والسرقة والإرهاب". ودان الاعتداء على منزل الرئيس صائب سلام ورأى أن المعتدي هو "جهة تزعجها صراحة الرجل وشجاعته ولبنانيته الصافية التي تطفو على كل شيء عندما تأتي الحاجة إليها، وجهة يضايقها أن يكون على الساحة اللبنانية عملاق سني يحجم صائب سلام، وأن يقف هذا العملاق فيعلن أن الطائفة السنية باقية إلى الأبد وهي باقية في بيروت ما دامت بيروت باقية". وقال: "صائب بك، إننا معك وإلى جانبك في المواقف التي تقف لأنها جميعها نابعة من صدق وإخلاص". وتطرق إلى القفزات المجنونة لسعر الدولار، وتساءل: "ماذا يمنع أن ننصرف إلى معالجة الوضع الاقتصادي المتدهور معالجة كلية فاعلة، وأن نعيد إلى الليرة اللبنانية عافيتها مئة في المئة، وأن نزيل قلق اللبنانيين على اقتصادهم ونقدهم... وأن نلجأ إلى إعلان حال الطوارئ الاقتصادية فنقبل ما تفرضه علينا من تدابير قد تكون خارجة عن مبادئ الاقتصاد الحر الذي نتمسك به كما نتمسك بالديمقراطية نفسها وأن ننشئ النيابة العامة المالية إلى جانب النيابة العامة التمييزية التي من شأنها أن تكافح المتلاعبين بالنقد والمضاربين؟" وانتقد التعيينات في حاكمية مصرف لبنان، واقترح الإسراع في إنشاء "الدولار الطالبي" أو "الليرة الطالبية" كما هو حاصل في العالم، للحؤول دون التدهور الثقافي الذي هو "شر ما يمكن أن تمنى به البلاد".
إدوار حنين السياسي والمشرع
"النهار" 22/2/1985 صـ 3
قال حنين: "الطريق التي أضاعها اللبنانيون، صيداويين وبيروتيين وطرابلسيين كانوا أم غيرهم، عادت اليوم إليهم وعادوا هم إليها، فسعدت بهم وسعدوا وصار راسخًا في إيمانهم أن أرضهم ليست إلا لهم وأنهم ليسوا إلا لها، وأنهم كلما افترقوا عن أرضهم وافترقت أرضهم عنهم حصلت الجفوة المميتة بينهم وبين مواطنيتهم وأهدافهم وطموحاتهم التي من دونها لا يكونون لبنانيين. كثيرًا ما طرأت هذه الطارئات على أنفس بعض اللبنانيين، فكانت تزعزع إيمانهم بوطنهم وأهدافهم وطموحاتهم، وكانت تغيب الصوامد في عقولهم وقلوبهم وتقف بهم على شفير الهاوية التي فيها يفقدون. وكثيرًا ما كان يجبه هذه الطارئات وعي مفاجئ يعيدهم إلى ذاتهم فيستفيقون، وكأن الذات لم تمس. هكذا كان أيام المماليك وأيام العثمانيين والفرنسيين وأيام الفلسطينيين الأواخر. وإذا اللبنانيون يعودون من جميع هذه الدروب مهمشين محطمين، لكنهم كانوا يعودون وعلى لسانهم ما يكون قد صار في انفسهم حقيقة راهنة يهتفون بها بالصوت الجهير الواحد. أيها اللبنانيون ماذا ينفع اللبناني إن ربح العالم وخسر لبنان؟ واعتبر أن الخطوة الأولى الفذة التي خطتها الدولة والجيش والمقاومة الوطنية أمس، في طريق التحرير والإنقاذ، يصعب ألا تكون طليعة خطى بطولية شهمة لن تقف قبل آخر الطريق". وحذر من عودة الفلسطينيين وقال: "الفلسطينيون الذين وعدوا بأنهم سيعودون إلى فلسطين، ها إنهم يعودون إلى لبنان بعدما طردوا منها فمنه. وفي ذلك أقوال متضاربة كثيرة: فمنهم من يقول إن أكثرية العائدين عرفاتيون، ومنهم من يقول بل إنهم موسويون من المنشقين الذين يقاومون عرفات. ومنهم من يقول إنهم يعودون إلى الشوف والجنوب، ومنهم من يقول بل إلى جميع أنحاء الجبل وبيروت يعودون. ومنهم من يقول إن الذين يعودون يعودون لأغراض عائلية سلمية، ومنهم من يقول بل لأغراض عسكرية يعودون. وأن أصحاب هذه الأقوال المتضاربة يجمعون على أن الفلسطينيين يعودون بكثافة إلى لبنان، وعلى أن أعدادهم تتكاثف كل يوم وعلى أنهم يعودون إلى المطارح التي طردوا منها بالتحديد. فماذا نعمل للحؤول دون هذه العودة؟ إن كنا لا نعمل شيئًا ضد هذه العودة فتلك مصيبة وإن كنا نعمل وتبقى النتيجة هي هي فالمصيبة أعظم". وأشار إلى ما يقال من "أن العائدين يعودون من دمشق، وأنهم يغادرون دمشق موسويين (انتفاضة) ويصلون إلى بيروت عرفاتيين، وأن أموالاً طائلة تنفق عليهم وفي سبيلهم، وأن أعدادهم تعزز في لبنان بأعداد من المرتزقة لبنانيين وغير لبنانيين، يدفع للواحد منهم 500 دولار أميركي في الشهر". وقال: إن العودة التي صمم ويصمم لها ياسر عرفات إلى لبنان وإلى بيروت تحديدًا، ليست عودة انتقامية من إسرائيل. فإن الفلسطينيين أوسع حيلة من أن يكون تصميمهم الانتقام من إسرائيل في حالهم الحاضرة. إن هي إلا للانتقام من اللبنانيين أنفسهم، وبخاصة أولئك اللبنانيين الذين كانوا قد باعوا انفسهم للفلسطينيين ثم عادوا فاسترجعوا أنفسهم منهم". ورأى أن على الحكم اللبناني مراقبة العائدين في مخيماتهم، واعتبر أنه "لم يعد من الصعب منعهم من الوصول إليها أو على الأقل منعهم من المكوث فيها". وحذر من "إهمال هذه العودة ومن نتائجها الوخيمة". واقترح وزارة للعمال وتساءل: "لماذا لا تسند إلى عامل وزارة يكون اختصاصها مكافحة الغلاء وحماية المستهلك والإسكان".
إدوار حنين السياسي والمشرع
"النهار" 28/2/1985 صـ 3
وجه حنين سؤالاً إلى الحكومة بواسطة رئاسة المجلس النيابي مهددًا بتحويله استجوابًا إذا لم تجب عنه ضمن المهلة القانونية. وهنا السؤال: "توافرت لدي معلومات دقيقة تشير إلى أن بين أسباب العجز الحاصل في موازنة الدولة، عدم استيفاء رسوم فواتير الهاتف والتلكس التي بلغت قيمتها مليارًا و120 مليون ليرة لبنانية، مما يضطر الحكومة إلى دفع ما يزيد على 400 مليون دولار قيمة مخابرات دولية تجرى من بيروت إلى الخارج ولا يسدد القائمون بها الفواتير بسبب التسيب الحاصل في مركز التخابر الدولي في سنترال رياض الصلح حيث وضع تنظيم مسلح يده على السنترال والعاملين فيه، وهو يؤمن المخابرات الدولية ويتقاضى رسومها لنفعه الخاص، من دون أن تعود إلى الخزينة أي فائدة أو دخل. وعلى رغم المحاولات التي بذلتها وزارة البريد والاتصالات لمعالجة هذا الوضع الشاذ، فإن الممارسات لا تزال مستمرة، والسيطرة على مركز التخابر الدولي تتزايد على الأيام وخسارة الدولة تتصاعد. وأن انتشار الجيش في منطقة المجلس النيابي لم يضع حدًا لهذه الممارسات، إذ استمر المسلحون يهيمنون على السنترال المركزي ويفرضون شروطهم. لذلك فإني أسأل الحكومة: 1 – ما هي التدابير المتخذة لجمع المتأخرات المستحقة من فواتير تلكس وهاتف والتي تبلغ قيمتها مليارًا و120 مليون ليرة؟ 2 – لماذا لم تتم إلى الآن استعادة مركز التخابر الدولي في شارع رياض الصلح لأشراف وزارة البريد والاتصالات؟ ولماذا لم تمنع بعد الهيمنة والمتاجرة بالمخابرات الدولية والإستيلاء على مردودها؟ 3 – لماذا لم يتول الوزراء المعنيون رفع يد التنظيم المسلح عن مركز رياض الصلح وإعادته إلى الدولة؟ ومعلوم أن لكل تنظيم قيادة وغالبًا ما يكون قائد هذا التنظيم وزيرًا في الحكومة؟ 4 – كيف ستتم تغطية المستحقات على الدولة اللبنانية للمنظمة العالمية للاتصالات التي تتولى التنسيق بين الدول لجهة تسديد قيمة المخابرات الدولية التيت تحمل الدولة اللبنانية قيمتها تجاه الغير؟ 5 – لماذا لا تفرض الدولة على هذا التنظيم المتاجر بالمخابرات الدولية ما فرضته على مستوى مستثمري المرافئ غير الشرعية؟ أو لماذا لا تعمل لحمله على ما حملت الكتائب اللبنانية نفسها عليه، فسلمت إلى الدولة كل ما كان في يدها، وتجندت لمؤازرة الدولة في تسلم المرافق التي سلمتها إليها فعليًا، كما تجندت لمساعدة الدولة في أعمال التنفيذ؟" وفي حديث إلى "وكالة الأنباء الصحافية" اقترح حنين لضبط الوضع الامني الآتي: - منع الوزراء الذين يخلون بالأمن بواسطة ميليشياتهم عن متابعة إخلالهم بالأمن، منعًا صارمًا بالوسائل الصارمة التي منها الإقالة والإحالة على القضاء. - حمل المحاكم العسكرية على القيام بمهمتها بالنسبة إلى كل مخل بالأمن. فحكم واحد من المحاكم العسكرية على مخل بالأمن، أيا كان، حكم يقترن بالتنفيذ فورًا، يكفي لإعادة الأمن إلى نصابه. - إطلاق يد الجيش لممارسة اعماله. ولكي يكون هذا الإطلاق فاعلاً يجب أن يكون على أساس قرار سياسي – عسكري نافذ. - وبالنتيجة إن كانت الدولة دولة كان أمن وكان تحرير".
إدوار حنين السياسي والمشرع
"النهار": 15/3/1985 صـ 4
شبه حنين التطورات الحاصلة في المناطق الشرقية بالتحركات التي كانت تفضي إلى العاميات، كما عامية لحفد، أو إلى المؤتمرات كما مؤتمر السمقانية، فتجيء كأنها "من عفوية الشعب كلما كان يلمح خطرًا يتهدد شيئًا من مقدساته أو مظهرًا يمس شأنًا من الشؤون العالقة في شفاف نفسه". تحدث عن التطورات في الشرقية وعن اللقاء المسيحي الذي "استؤذن رئيس الجمهورية أن يحصل في القصر برئاسته" وقال: "هؤلاء الذين اجتمعوا الأربعاء في 13 آذار 1985، في قصر الرئاسة، كان حافزهم ذاك الراقد في أعماق نفوسهم الذي كان يحفز أجدادهم الذين كان يشبه لهم أن شرًا يحوم في أجواء لبنان، أو شيئًا استثنائيًا يلوح في أفقهم. لم يكن ضروريًا أن يكون الشر المثير للخوف قد تكون ليحصل، ولا كان ضروريًا أن يكون الشر المتحسب له محتومًا عليه أن يحصل، بل كان يصير الاكتفاء بأن ذاك الشر الذي منه التخوف، ومن أجله التحسب كان حقيقة لا وهمًا، وكان ممكن الحدوث لا ممتنعه... وكان يكفي أن تلم به شرارة ليشتعل. إن ما هتف بالقوم أن يتحركوا عاملان: الحرص على وحدة البندقية واجتناب إراقة الدم. لأن الدم الذي كان يمكن أن يراق دمنا، والبندقية التي كان يمكن أن تنقسم اثنتين بندقيتنا، فالدم الذي نختزن في أعراقنا للشأن الجلل، نختزنه، والبندقية التي يهمنا أن تبقى واحدة، او تبقى ألفًا في واحدة هي البندقية التي تعد لمواجهة الأعداء. المجتمعون في قصر الرئاسة، كان همهم ألا يعادي رفاق السلاح اليوم، أصدقاء كانوا لهم البارحة رفاقًا للسلاح. لأن الحاجة إلى السلاح لم تنته، بعد، ولا الحاجة إلى الترافق في حمله. وكان همهم، وقد يكون همهم الأكبر، أن تبقى الدولة الدولة القادرة، والشرعية الشرعية الواقية، فلا تضعف الدولة ولا تهون الشرعية، لأن للدولة مهامها وللشرعية دورًا فلا انتهت المهام بعد، ولا الدور فرغ منه.
إدوار حنين السياسي والمشرع
"النهار" 29/3/1985 صـ3
قال حنين: "كنت دائمًا أؤمن وما زال إيماني يزداد يومًا بعد يوم، أن لبنان سينقذ نفسه بقوة مباشرة من الله الذي تعود أن يتدخل في إنقاذه أو بوحي منه ينزل على أحد أبناء لبنان فيضعه في الطريق التي تنقذ أو يضع في روحه الشعلة التي تنقذ". وقال "إن لله طرائق لا تعد ولا تحصى للوصول إلى تحقيق إرادته، ومن طرائقه: أن يقول للدنيا كوني، فتكون، أو يفجر من الصخر ماء فيروي به الصحراء، ويجهد الماء أرضًا يباسًا فيعبر عليها جنده، أو يضرب أعداء شعبه الراغب في إنقاذه بسيفه الذي لا يفل. "ومن طرائقه، أن ينزل، هو نفسه من السماء، فيتجسد إنسانًا، ويحيا حياة إنسانه، ويشفى معه، ويتعذب عذابه، ومن أجله يموت مصلوبًا على خشبة كما القتلة واللصوص. ومن طرائقه، وهي الأكثر شيوعًا: أن يرسل إلى شعبه واحدًا من الأنبياء والقديسين يقع عليه اختياره، أن يلهم أحد أبناء هذا الشعب سلوك الطريق الموصل، أو التلفظ بالكلمة المهدية. إن الله لا يزال إلى اليوم، وقد يكون اليوم أكثر من كل يوم سابق، مستعدًا أن يتجلى بواحدة من هذه الطرائق أو بغيرها التي لا تعد ولا تحصى. لكننا اليوم لا نطلب منه الخوارق. فإنقاذ لبنان، هذا العمل الجلل، يحدث إن شاء الله بإيماءة منه، بكلمة يقولها، بنور من عنده، فيكمل كل شيء. فلقد بات لبنان في حال تستدعي تدخله. وهو وعد أن يتدخل: أليست تدخلاته السابقة جميعًا وعدًا منه قاطعًا بالتدخل كلما أوجبت المال وحمت الآمال؟ فإن لبنان منتشر تحت كل سماء، ومن اللبنانيين، المقيمين والمنتشرين، من مشوا في ظلها، وكانوا أن يدركوا تخومها. فمن اللبنانيين من شارك السماء في نعمها، فكتب وألف في الفنون، وفي العلوم والآداب. ومن اللبنانيين من قادتهم السماء إلى أن يتسلم قيادة الجيوش، أن يعهد إليه قي شؤون العدل في كثير من الأمم، أن يرئس الجمعية العمومية في منظمة الأمم المتحدة، أن يشارك عظماء السياسة في مجلس الأمن الدولي، أن يرئس مؤسسات دولية فيجعل رغيف الناس بين يديه، أن يتولى في كثير من الأمم إدارة المصارف المركزية فتلقى إليه مفاتيح بيوت المال، أن يرئس مؤسسات ومنشآت مالية عالمية. ومن اللبنانيين من أطلقتهم السماء في العالم كما الشعاع فدخلوا سرايات الحكم ومنازل الحكام في عواصم الدنيا، فيقيمون وأقاموا مع أربابها علاقات تصبح هي المتحكمة بالمصائر. ومنهم من يعمل بتفوق في حقول النشاطات المختلفة. ومن هؤلاء اللبنانيين جميعًا ينتظر اللبنانيون أن يدل الله أحدهم إلى طريق الخلاص وكثيرًا ما يكون المخلص أكثر القوم تواضعًا... وفي بعض الحالات أقلهم مقامًا كما القديسون". وخلص "إيماني بالله الذي عبرت عنه بكليتي، وإليه أستند بكل إنسانيتي ومسيحيتي، وتقواي. يجب ألا ينظر إليه السطحيون على أنه دواء لليأس. بالعكس، هو قوة على قوة، به يعزز ما في النفس، وبه يقوى الاقتناع. وتقوى الإرادة الفاعلة. وبه يستعان في كل حين، وإنني بمقدار ما أنا مؤمن بخلاص لبنان الحاضر أبدًا أجدني مؤمنًا بالمخلص الذي يخلص لبنان الحاضر أبدًا. فكيف إذا كان المخلص موجودًا؟ وهو آخذ بزمام الإنقاذ بكلتي يديه كما هو مستعد ليأخذ بكل رأي تتراءى له فيه الخبرة والمعرفة والحكمة؟
ولن يستطيع أحد أن يؤكد أن تدخل الله أم يحصل يومًا إلا في الحالات اليائسة. بل كان تدخل الله يحصل في اللحظة التي كان يرى، سبحانه، أن من الخير أن يحصل في وقت معين، وعن طريقة معينة، فتسلم العناية من الشكوك، ويسلم الإنسان من الحيرة".
إدوار حنين السياسي والمشرع
"النهار": 12/4/1985 صـ3
قال حنين "المؤتمر الإسلامي – المسيحي ينعقد بعد أن ينجح المسلمون في عقد مؤتمرهم، ويبلغوا فيه المواقف التي وقفها المسيحيون في مؤتمرهم، وإذ ذاك يصب المؤتمر المسلم والمؤتمر المسيحي في الخانة التي يطلع منها المؤتمر الإسلامي – المسيحي الذي كثر الكلام عليه وبعد لقائه، وهو المؤتمر الذي بات لزامًا أن يكون، لأن منه متوقع أن ينبثق الفجر الجديد. وما الذي يعوق انعقاد المؤتمر المسيحي – الإسلامي؟ لا شيء! ما دمنا متشبثين ببقاء أرضنا كاملة غير منقوصة أو مقسمة، وبالعيش المشترك بيننا وجميعًا عليها، وما دام اقتناعنا أن لا أرض لنا سواها تستطيع أن تؤمن لنا الهناء، وما دامت على هذه الأرض مدارس أبنائنا وملاعبهم والحلاوات التي نعشق ويعشقون، وما دامت في قلب هذه الأرض مقابر أجدادنا وأبائنا وإخواننا واولادنا. ولا أعز من هذه المقامات مقام، وما دام قد ثبت لنا أن من الصفاء سعادة وازدهار، ومن العكرة تعاسة ودمار، وما دمنا مصرين على الحفاظ على تراثنا وتقاليدنا وعاداتنا وابتهاج العيش الذي وقع عليه اختيارنا. يبقى أن يصير واضحًا في نفوسنا جميعًا، أن الحقوق المهضومة لا تستعاد من حقوق الآخرين، وأن المواطن لا يصل إلى حقه كاملاً إذا تمتع الوطن بكامل حقوقه، وأن العمل لمكاسب حزبية، فئوية، طائفية، شخصية وإن أدركت، فهي تفقر، لأنها تدرك من ثروة الوطن، لأنها تدرك من ثروة الوطن، فتنتقص لتدخل في مقتنيات الأفراد، فلا تزيد مقتنياتهم. يكفي أن يتبصر العقال والمفكرون والمخلصون بهذه الحقائق البديهية، وأن يعلنوا ما توصلوا إليه ليستقيم ميزان القوم، وليكون أخاء ومساواة وعدل، فيبقى لبنان. وبعد، فاللقاات، بل المؤتمرات إذا ترجمت الأقوال التي ترد فيها والبيانات التي تصدر عنها أفعالاً وتحركًا ناشطًا في اتجاه الحل، هذه اللقاءات والمؤتمرات تفرض نفسها أن تكون معبرًا إلى الخلاص. وهل من معبر، إذا ما طرح السلاح جانبًا، غير هذا المعبر! وهل من شرف لقوم فوق هذا الشرف! وفي الختام، قرأت في "النهار" أنه انقضت عشر سنين على مقاطعتي الصرح البطريركي، فهالني ما قرأت! وما كنت أدري أن عشرًا من سنوات العمر تمر بمثل هذه العجلة. وكم من عشر سنين منتجة في عمر الإنسان! فعزمت، في الحال على أن أكف عن المقاطعة التي هي تعبير. ولا أقسى عن الاستياء. ثم لماذا المقاطعة؟ وقد عدت أرى الصرح الذي قاطعت ما زال قادرًا على عظائم الأمور، وهذا واحد منها".
إدوار حنين السياسي والمشرع
النهار: 2/8/1985 صـ 4.
إهتمام البابا يؤكد حياة المسيحيين... حنين: اللبنانيون الموارنة خير من يولى النظارة على لبنان.
أكد حنين أن لبنان لا يبقى إلا إذا بقي في عهدة الموارنة مشيدًا بجهود البابا يوحنا بولس الثاني لإنهاء ازمة لبنان وقال: "في الاجواء السائدة ما ينقض ما كان في الممارسات السابقة. ففي الممارسات (وقد امتنع اللبنانيون أن يجعلوا في دستورهم ما قبلوا أن يكون في ممارساتهم). إن رئاسة الجمهورية تسند إلى الموارنة ورئاسة المجلس النيابي إلى الشيعة ورئاسة الحكومة إلى السنة وفي الاجواء ما يحمل على الظن أن أعمالاً تعمل من اجل نقل رئاسة الجمهورية من الموارنة إلى غيرهم ورئاسة المجلس النيابي من الشيعة إلى غيرهم ونقل رئاسة الحكومة من السنة إلى غيرهم قد تكون في ذلك حكمة وقد لا تكون. غير أن النقل المحكى عنه تحت وابل الرصاص المنهمر في كل جانب وفي كل مكان ما يجعل هذا النقل في غير زمانه وفي غير مكانه. لأن كل تغيير في الممارسات التي باتت لها قوة الدستور يحمل على الاعتقاد أنه حصل بضغط القوة لا بقوة الاقتناع فإذًا هو لم يحدث بقوة الضرورة الوطنية ولا بحكم المصلحة العامة. هذا في العموم وفي التخصيص أقول إن رئاسة الجمهورية في لبنان بدأت مع شارل دباس وهو أورثذكسي ثم تولاها الموارنة ثم عادت وانتقلت إلى أورثذكسي وهو بترو طراد لتعود فتستقر في يد الموارنة. "كان يمكن ان تظل رئاسة الجمهورية في يد الأورثذكس، او أن تكون في يد غيرهم من المسيحيين. كما كانت رئاسة المتصرفية في يد الأرمن، طوال عمرها غير أن الملاحظ أن الارمن والأورثذكس كان يصير اللجوء إليهم في الظروف الاستثنائية. ففي أيام المتصرفية، ويوم كانت المتصرفية والبلاد في حماية الدول السبع لم يجد المسؤولون غضاضة في ان تكون رئاسة المتصرفية في يد ارمنية. وفي أيام الانتداب، يوم كانت الجمهورية والبلاد في حماية الحراب المنتصرة في "فردان" لم يجد المسؤولون غضاضة في إسناد رئاسة الجمهورية إلى لبناني اورثذكسي. أما كلما كانت الأمور تعود إلى مجراها، وكلما كان الحكم يسند إلى واحد من أبناءا لبلاد منقطعًا عن أية حماية، كان يرى المسؤولون أن لا بد من إسناد الحكم إلى يد تستطيع أن تحميه، فكان لا بد من إسناده إلى يد مارونية. أمراء لبنان، عهد الإمارتين المعنية والشهابية، ألم يروا اعتناق المارونية من أجل أن يهدأ الحكم بين أيديهم؟ نقول هذا لا تبجحًا، ولا اعتزازًا، بل نقوله تعبيرًا عن إخلاص للبنان وللبنانيين الذين يريدون الاستقرار للبنانهم. ونقوله تعبيرًا عن إخلاصنا للقضية المسيحية في الشرق الأوسط. "لبنان لا يبقى (يقول المؤرخون والمراقبون المطلعون على أعماق القضية اللبنانية والقضية المشرقية إلا إذا بقي في عهدة الموارنة ... أما اللبنانيون فإن اقتلعوا من لبنان فيكونون قد اقتلعوا من الأرض، إذ لا مكان لهم سواه على رحابها. لذا يرى المسيحيون اللبنانيون أن الموارنة هم خير من يولى النظارة على لبنان". وأعلن أن العلاقة بين الفاتيكان ولبنان "عمرها عمر المارونية ومتانتها متانة الصخور". ولم يستغرب اهتمام الكرسي الرسولي على يد ثلاثة بابوات في السنين العشر الأخيرة باللبنانيين وبوطنهم. وأشاد بجهود الكاردينال ألبر دوركورتريه والكاردينال روجيه اتشيغاراي، ورأى في هذا الاهتمام تأكيدًا للبابا يوحنا بولس الثاني "أن لا داعي إلى تخوف المسيحيين في لبنان على أمنهم وحياتهم ومستقبلهم".
إدوار حنين السياسي والمشرع
(*) راجع النهار 6/1/1984 صـ 4.
الرصاص على الطلاب "قنص لمستقبلنا" - حنين: مؤتمر بكركي تأخر 10 سنين وهو ضروري للقاء مسيحي – إسلامي: إعتبر الأمين العام للجبهة اللبنانية النائب إدوار حنين أن المؤتمر اللبناني العام بين المسلمين والمسيحيين "يجب أن يكون"، وأن قيامه لا يمكن أن يتم "إلا إذا قام، على أحسن حال، المؤتمر المسيحي العام". وأكد أن انعقاد المؤتمرين "ليس بمستصعب". ووصف القنص الذي تعرضت له سيارة تقل الطلاب في بلدة كفرشيما بأنه قنص لمستقبلنا. مشيرًا إلى أن القنص يعرف طريقه، وعد العمل "منتهى الوحشية والإيذاء وأقصى حدود البربرية في الإبادة". قال حنين في حديثه الأسبوعي: "اللبقاء الذي حصل يوم السبت 14 كانون الثاني في بكركي، تأخر عن موعد انعقاده عشر سنين، ومع ذلك يظل هذا اللقاء – المؤتمر واجب الانعقاد. لكن لقا انقضى عليه عشرة أعوام ولما ينعقد، فعقد، كان يجب أن يحضر لانعقاده أكثر مما حضر. ومع ذلك، فإن الفرصة لم تفت بعد، سواء أكان عين له أن يكون لقاء مسيحيًا عاديًا أو كان معينًا له أن يكون مؤتمرًا مسيحيًا عامًا، فإن الوقت ما زال يتسع لهذا ولذاك، شرط ان نقرر. وفي توقع الناس أن يكون المؤتمر المنوي عقده مؤتمرًا مسيحيًا عامًا، فلهذا وجب: أن يكون الداعون إليه جميع البطاركة ورؤساء الطوائف المسيحية العائشة، أو العائش بعضها في لبنان، فلا ينقص واحد من بطاركتها ولا من المطارنة الذين يمثلونها ولا من رؤساء هذه الطوائف. قبل توجيه الدعوة، يجتمع البطاركة والرؤساء ويضعون مشروعًا لجدول أعمال المؤتمر، يتدارسون هذا المشروع مع رؤساء الجمهورية السابقين ومع المسيحيين من رؤساء الأحزاب، فيقررون الجدول. ومن أجل الشمولية يضع المجتمعون جميعًا، المقياس الواجب اعتماده لتعيين الذين تجب دعوتهم إلى حضور المؤتمر. ثم يعينون لجنة فاعلة مصغرة للتحضير والتنفيذ. أن يحضر البيان الخاتمي، فيقره البطاركة والرؤساء واللجنة. ثم يناقش في المؤتمر العام لإقراره في الصيغة الأخيرة. وتقرر اللجنة بعد موافقة البطاركة الرؤساء، وسائل نشره عالميًا. أن تبقى بعد انفضاض المؤتمر، هيئة تنفيذية دائمة لملاحقة تنفيذ مقرراته، وأن تكون للمؤتمر بكل أعضائه أو بقسم معين منهم، اجتماعات دورية غير متباعدة. فإن كانت النية، عند الذين خططوا للقاء بكركي، التوصل إلى عقد مؤتمر مسيحي عام فتلكم هي الطريق، أو ما يماثلها من الطرائق التي تدرج عليها عادة المؤتمرات العامة. وأن لا، فيبقى اللقاء على مستوى الذين خططوا له وبحجمهم، فهو لا يشبع ولا يقيت. أما المؤتمر اللبناني العام الذي يجمع بين المسلمين والمسيحيين، فيجب ان يكون، ولن يكون إلا إذا قام، على أحسن حال، المؤتمر المسيحي العام. وإن قيام المؤتمرين العامين ليس بمستصعب، ويجب أن لا يكون مستصعبًا". واعتبر حنين أن القنص الذي استهدف سيارة نقل الطلاب في كفرشيما هو "قنص لمستقبلنا" وقال: "قبلاً تعرضت مدارسنا ومعاهدنا وجامعاتنا للقصف فقلنا: ليست للعشوائية عيون! فإنها تدك المدارس كما تدك الكنائس والمستشفيات ولا يندى لها جبين! اما أن يوجه القنص – والقنص يعرف طريقه – إلى الأطفال والصبية والفتيان وهم في طريقهم إلى مدارسهم، أو في طريق العودة منها، فهذا منتهى الوحشية في الإيذاء، وأقصى حدود البربية في الإبادة". وتساءل "هل لم يزل العالم يبصر وهل تبصر الإنسانية والحضارة؟ وألام يظل العالم والإنسانية تبصر، ولا ردة فعل لها على ما تبصر! أما نحن، حيال هذه الموجة العارمة من الإجرام، لم نعد نملك سوى الصلاة والاستمرار غير المحدود وغير المشروط، في فتح المدارس". وعلق حنين على زيارة البابا يوحنا بولس الثاني للإرهابي التركي الذي حاول اغتياله محمد علي أقجا، في سجن "بريبيا"، فوصفها بأنها "مبادرة مذهلة"، واستبعد أن يكون في الزيارة "لون عدائي"، مؤكدًا أن المسيحية هي "ديانة الغفران". وخلص : "لولا قلة من الناس لما كان يظن أن الإنسان ما زال موجودًا على الأرض، ولولا القديسون لما كان يظن أن للمسيحية أتباعًا ما زالوا موجودين على الأرض".
إدوار حنين السياسي والمشرع
(*) النهار: 27/1/1984 صـ 3
معتبرًا جذور المؤامرة في موسكو ، حنين: على اللبنانيين إعداد أنفسهم للمقاومة والصبر عليها وترسيخها : دعا أمس الامين العام للجبهة اللبنانية النائب غدوار حنين اللبنانيين إلى إعداد أنفسهم للمقاومة والصبر على المقاومة"، ودان الإجرام الذي ينشط يومًا بعد يوم و"يهزأ بالقوى النظامية التي في العالم كله". واعتبر أن التدهور الحاصل ليس "بسبب أمين الجميل والمجلس النيابي وشفيق الوزان ووليد جنبلاط ونبيه بري والشيخ سعيد شعبان" مؤكدًا أن "جذور المؤامرة في موسكو". تساءل حنين "من لا يعرف أن 4 في المئة من أبناء لبنان قتلوا، أو أعيقوا، من جراء الأعمال الحربية المستمرة منذ تسع سنوات، وأن 25 في المئة من اللبنانيين كانوا عرضة لإحدى الهجرتين: القريبة من لبنان إلى لبنان، والبعيدة من لبنان إلى مختلف أنحاء العالم، وأن 30 في المئة من العمار اللبناني قد هد أو تضرر وأن 50 في المئة من أيام التدريس قد اهدرت سواء أكان في الجامعات أم في المدارس الثانوية أم الابتدائية ودور الحضانة، وأن 50 في المئة من طاقة الانتاج الصناعي والزراعي قد تولاها الوهن أو الشلل والتوقف، وأن 90 في المئة من هناء الناس قد تبخر و90 في المئة من قرف الناس قد ازداد؟ أبسبب أمين الجميل والمجلس النيابي وشفيق الوزان هذا التدهور الامني الذي كاد يصل إلى حضيض المنزلق؟ أم بسبب وليد جنبلاط ونبيه بري والشيخ سعيد شعبان؟ أم هو بسبب غير أولئك وغير هؤلاء؟! واعتبر أن التدهور الحاصل "ليس بسبب أولئك ولا بسبب هؤلاء، فالاولون هم السدان الذي تضرب عليه المؤامرة، والآخرون هم المطرقة التي بها تضرب المؤامرة". ورأى أن المؤامرة "جذورها أبعد من سوريا وأبعد من إسرائيل". وقال إن جذور المؤامرة في موسكو، وأن اليد التي تحاول تفكيك شباكها هي في واشنطن وباريس ولندن وبون وروما والفاتيكان. ودعا اللبنانيين إلى "إعداد انفسهم للمقاومة والصبر على المقاومة ولترسيخها كل يوم وساعة". مؤكدًا "أن لكم في المقاومة بقاء". ورأى أن الأهم من المهم هو "أن لا يضع لبنان نفسه في الطريق الذي يخسر فيه نفسه" وقال: "يوم يخسر لبنان حب الحياة، بعدما خسر فرحها، يخسر كل شيء ويخسر، أول ما يخسر نفسه". وأشاد حنين بالخطاب الأخير الذي ألقاء رئيس الحكومة السيد شفيق الوزان في مؤتمر القمة الإسلامية في الدار البيضاء وقال: "إن لبنان لا يستطيع اليوم ولن يستطيع غدًا أن يواجه وحده الجيوش الإسرائيلية. فإما أن ينضم إليه العرب جميع العرب، فيم واجهة إسرائيل حربيًا، أو ان يساعدوه للتوصل إلى الحياد الذي ينشد، أو يسكتوا عنه في إجراء التحالف الذي ينقذه. أما وأن لا حل غير واحد من هذه الحلول الثلاثة فاختاروا له واحدًا منها أو دعوه يختار بملء إرادته الحل الذي يريد".
واستنكر اغتيال رئيس الجامعة الاميركية الدكتور مالكولم كير "ليس لأنه كبير في عالم التربية بل لأن الغجرام الذي طاوله إجرام ينشط يومًا بعد يوم، وهو يشتد ويتعاظم، ويهزأ بالقوى النظامية التي في العالم كله معتبرًا أنها جميعًا ومجتمعة لا تستطيع أن تقطع عليه الطريق، وأن تحد على الأقل من فداحة فتكه".
إدوار حنين السياسي والمشرع
(*) النهار 3/2/1984 صـ3
دعا إلى محاكمة الضباط غير الملتحقين - حنين: سوريا ابتلعت إسلاميًا مثلما كان لبنان يبتلع عربيًا: وصف النائب إدوار حنين تسوية أوضاع العسكريين غير الملتحقين بالقيادة بانها "هرطقة وطنية". وأخذ على السلطة قبولها بهذه التسوية "بدلاً من إحالة هؤلاء على القضاء العسكري وإنزال العقوبات الصارمة بهم"... رأى ان الصلاحيات الاستثنائية لم تعط إلا في سبيل التحسين والتحديث ومكافحة المفاسد ابتغاء للإنقاذ في آخر المطاف. فسواء كانت في المراسيم الاشتراعية مراسيم تجاوزت فيها الحكومة نطاق التقويض أو خالفت الدستور في وضعها أو مست بها الحريات، أو كان في المراسيم التي لا تجاوز فيها نواقص في الاشتراع أو الصيغة، أو كان فيها ما يخالف شيء من ذلك، فإن رفض المراسيم التي تجاوزت الحدود والمخالفة للمصلحة العامة والمسيئة إلى المواطن، رفضًا إجماعيًا وإبطال مفعولها كلها، أمر يجب ألا يرد". ودعا إلى عرضها على المجلس النيابي "ليصحح ويعدل ويسقط ويبقي ويصادق عليها لتصبح نافذة". ولاحظ أن مؤتمر القمة الإسلامي انعقد في الدار البيضاء "وكأن الله كان غائبًا فيه عن سوريا التي كانت منذ غياب عبد الناصر قلب مؤتمرات القمة العربية، بل قمة القمة في المؤتمرات العربية. سوريا هذه كانت بالكاد تجد لنفسها مقعدًا في الدار البيضاء(...) ومثلما كان لبنان يبتلع في مؤتمرات القمة العربية، هكذا ابتلعت سوريا في مؤتمر القمة الإسلامية. ومثلما كان لبنان لا يبدو عربيًا في المؤتمرات العربية، هكذا لم تبد سوريا إسلامية في القمة الإسلامية". ودعا سوريا إلى "الإسراع في التحرك لمحاولة فك الطوق عنها، وقد لا تجد سوى لبنان وحلفائه من يستطيع أن يخرجها من هذه الهوة التي سقطت فيها ومن هذا الاحتواء الذي أذابها في الأوقيانوس الإسلامي الهائل الذي الداخل فيه مفقود والخارج منه مولود".
مقال
كان مستحيلأ هذا الوطن، لبنان، لو انه ليس لقاء حرًا! هو في ذاته، في تكوينه، في جوهره، في فلسفته، في بقائه، في قدره، في صراعه، في مغامرته، بل قل في رسالته، لقاء حر، توافق حر على العيش المشترك في دولة واحدة سيدة مستقلة. هذا هو الثابت، أما الباقي، صيغة تترجم هكذا الميثاق، فهذه متحركة حسب السياسة، وقابلة للبحث والنقاش. والثابت ان يكون لبنان حراً.
ان اصرارنا على كلمة "حر" ليس زيادة، ولا مزايدة، ولا لزوم ما لا يلزم، ولا كما يظن من بكاء على اطلالها. بل هو توقنا الدائم لها، لأن لا معنى للبنان دونها، بل لا معنى للانسان نفسه دونها. من أجل هذا، إن كل لبنان هو لجنة حوار دائمة، فإن كل مواطن عضو فيها، وكل منزل فرع لها، علماً ان للحوار أصولاً، أن نعرف الآخر ونريده ونحترمه، كما هو، لا كما نريده نحن أن يكون. أن نتحلى بالصدق والشجاعة والانفتاح والعمق. أن نحاول أن نمحو من ذاكرتنا ما نخجل منه في تاريخنا، وأن نحفر في عقلنا ما يشع. أن ندرك أننا معاً، جزء لا يتجزأ من حضارة المنطقة. ليس بيننا من ضيوف، ولا رهائن، ولا أقلية، ولا أولاد حارة! أن نقتنع أن بيننا ما يكفي لنتوحد حول الوطن، لنحصنه، وكذلك بيننا من الخلافات ما اذا استمرينا بتحريكها، تكفي لزعزعة وطن. أن يكون خطابنا واحداً في العلن والسر. أن لا نرى الحوار ترفاً فكرياً، بل شهادة حية. أن نؤمن بأن فرادة لبنان ليست ابداً جباله ومياهه وأرزه، وهذه نحبها كما لا احد، لكن في هذا التحدي الحضاري. أن نقبل الواقع كما هو، ولا نحاول إغفاله، حتى ننطلق منه الى حلم التغيير. أن نتصارح حول الهواجس التي في البال، دون عقد. أن أمامنا الكثير من العثرات والهوات.
لقد دفعنا غالياً جداً ثمن تفرقنا وعدم تلاقينا، من لحم ودم أبنائنا. ورغم ذلك، وربما بسبب ذلك، علينا أن نتمسك أكثر بالرجاء. إن لبنان يتسع لنا كلنا، لكل انسان. أياً كانت ديانته. هل يمكن أن نتقاسم معاً نعمة أن نكون لبنانيين، فنطل على الحضارة العالمية بالمشاركة الفعلية في صناعة مساحة حريات نقول فيها إن الإنسان يستحق الحياة الحرة ويقارب وجه الله؟ وهل يمكن أن نفتش عن نضال وقضية أسمى من هذه؟ هذا هو لبنان. وهو يستحق.
لبنان وطنًا لا يتجزأ ودولة مستقلة ذات نظام جمهوري، ديمقراطي برلماني، حر، قائم، يختزن تنوّعًا حضاريًا وثقافيًا. وفي حركة تفاعل دائمة مع الحضارات العالمية. يريده دولة ترعى حقوق الطوائف وتؤمّن لهم الضمانات وتحافظ على تقاليدهم وأعرافهم التاريخية المتينة وتبني في إطارها مرتكزات التعاون الوطني في المجالات كافة. وإذ نقر بطابع لبنان الحضاري المميز، نعمل في الوقت عينه في سبيل إيجاد صيغة مستقبلية من شأنها المحافظة على خصوصية لبنان وطابعه وواقعه وحضور تنوّع في وحدته.
رغم كل ما أحاط لبنان من تحولات وتطورات دراماتيكية في الربع الأخير من القرن العشرين حتى اليوم، نجح في بلورة نهج مستقل وخط وطني وفي لعب دور الشاهد الحر والضمير الحي. لعلّه من القلّة الذين لم يغيبوا عن الساحة اللبنانية حتى بأحلك مراحلها، بل استمر على نشاطه وزخمه غير مستسلم أمام ما يتعرض له المجتمع اللبناني من قهر وظلم وإذلال وتهميش وتدمير.
المسيحية في الشرق الأوسط
تميّز أتباع المسيح منذ فجر الإسلام بالأخلاق والمروءة. والتاريخ الإسلامي يحفظ للنجاشي ملك الحبشة حمايته أتباع الرسول العربي من بطش أعدائه.
أما المسيحيون من رعايا الدولة الإسلامية فكانت العلاقة معهم باستمرار قائمة على "ميثاق" هو أشبه ما يكون بعقد يعطيهم حقوقهم، ويرتب عليهم واجبات معينة. وفي القرآن الكريم تتردد لفظة "الميثاق" هذه في مواضع كثيرة، بل إنه ندر أن ورد ذكر الأديان الأخرى دون جعل الميثاق ضابط التعامل مع أبنائها، وواضح ان القرآن الكريم يلزم المسلم بالميثاقية في التعاطي مع غير المسلم من المسيحيين واهل الكتاب عامة.
وفي الزمن الذي ولدت فيه فكرة أهل الذمة نجد انها المرة الاولى في تاريخ البشرية تسلم فيه سلطة بخرق المبدأ الذي كان معمولاً به في كل اطراف العالم المعروف آنذاك، ومن ضمنه العالم المسيحي، وهو المبدأ القائل بان الناس على دين ملوكها، وهو بالأصل عبارة شرعية مكرسة كانت الجماعات والكنائس تأخذ بها دون نقاش.
مع ظهور الدعوة وقيام الدولة الإسلامية في شبه الجزيرة العربية ثم الفتوحات التي جرت لاحقا بدأ المسيحيون العرب يتلمسون تحولاً كبيرًا في واقعهم الذي اخذ يومًا بعد يوم يتحول غلبة فكرية وعددية في غير صالحهم.
المسيحيون العرب الأوائل الذين عاصروا الفتح الإسلامي انتقلوا فجأة من سلطة الدولة البيزنطية، إلى سلطان دولة إسلامية خيرتهم بين اعتناق الإسلام والبقاء على دينهم شرط الدخول في ذمة المسلمين ورفض القتال إلى جانب أعدائهم.
والتاريخ يذكر أن عمرو بن العاص عندما فتح الإسكندرية للمرة الثانية وزع من بيت المال على الأقباط أموالا طائلة.
يبقى الشرق موطن ولادة المسيح وانطلاقة المسيحية
يعتنق المسيحية اليوم ثلث سكان الكرة الأرضية وتشكل الديانة الأوسع انتشارًا في العالم.
تراجع نسبة المسيحيين المشرقيين يثير قلقًا بالغًا لدى المجتمع المسيحي العالمي.
المخاوف من إقفار الأماكن المسيحية المقدسة وخسارتها لأبنائها المؤمنين باتت جدية.
المسيحيون اضطلعوا بدور هناك في تحقيق المصالحة، وأن وجودهم خفف من حدة التوترات، وأن تضاؤل هذا الوجود بإمكانه الإسهام في تأجيج التطرف.
بطبيعة الحال، يغلب المسلمون حاليا على التركيب السكاني بمنطقة الشرق الأوسط. وفيما عدا إسرائيل، التي يسكنها ستة ملايين يهودي، لا توجد دولة بالمنطقة لا يشكل المسلمون غالبية سكانها، بما في ذلك لبنان.
في خضم هذا الوضع، يجد المسيحيون المحليون أنفسهم ممزقين بين الرغبة في دق ناقوس الخطر والتزام الصمت، الأمر الذي يرجع إلى عدم ثقتهم فيما إذا كان لفت الأنظار إلى المشكلة سيقلصها أم سيزيدها عبر دفع البقية الباقية من المسيحيين إلى الرحيل.
مع صعود الإسلام السياسي محل القومية، باعتباره القوة المحورية في صياغة سياسات الهوية، بات المسيحيون، الذين اضطلعوا بأدوار مهمة خلال العديد من النضالات الوطنية، مهمشين في الوقت الراهن.
ونظرا لأن الثقافة الإسلامية، خاصة في صورها الأكثر أصولية، غالبا ما تعرف نفسها بالتناقض مع الغرب، فقد تدنت منزلة المسيحية ببعض المناطق إلى منزلة ثقافة معادية ـ أو على الأقل دخيلة.
طالت معاناة المسيحيين العرب بفعل تحولهم إلى أقلية في العالم العربي.
في كل الأزمات، التي تخبط بها العالم العربي وعلى مدى القرون، سعت الكنائس جاهدة في سبيل الحفاظ على تماسكها على المستوى الداخلي، أما على مستوى علاقاتها بمحيطها الإسلامي فتحركت من أجل المصالحة والتعايش والاستقرار. كما دعمت استقلال الدول التي تعيش في كنفها وتبنت القضايا العربية المحقة، في توجهاتها، لا بل ساهمت في إيصال الحق العربي إلى اعلى المنابر الدولية.
رسائل بطاركة الشرق السنوية عبرت عن هذا الالتزام بقضايا العرب والرغبة الثابتة في العيش بسلام مع المسلمين والتفاعل الحضاري معهم. ولعل الدور الذي لعبه لبنان في هذا المجال كان رائدًا ومثاليًا قبل اندلاع الحرب وفي المرحلة اللاحقة.
بدورهم، عمد معظم رجال الفكر المسلمين إلى التضامن مع المسيحيين في أزماتهم والمخاطر التي واجهوها وعلت أصوات مسلمة فاعلة تحذر من خطر نزوح المسيحيين من الشرق وتمسكت بالمشهد العرب الواحد الانساني الحضاري المحتضن للمسيحية العربية.
المؤتمر الصهيوني الأول المنعقد في مدينة بازل السويسرية عام 1897، برئاسة هيرتزل وحضور 204 يهوديًا يمثلون 15 دولة أسس لمشروع "خلق وطن للشعب اليهودي في فلسطين يضمنه القانون العام"، وحدد وسائل تحقيقه وأطلق ما عرف بـ"المنظمة الصهيونية العالمية".
إلى كون المؤتمر المذكور انعطافاً محوريًا في تاريخ الحركة الصهيونية، لا يمكن اعتباره إلا خطوة أولى على طريق طويل تمدد على طول عقود القرن العشرين ولا يزال.
وتظهر الوقائع التاريخية أن ثمة تقاطعًا اجتمع عند محوره كل من المنظمة الصهيونية العالمية وحركة الاستعمار الاوروبي فالأميركي العالميين.
على هامش هذا المؤتمر ولد مخطط بناء الدولة اليهودية بأدق تفاصيله بدءً بإقامة جمعية اليهود والشركات المالية مرورًا بعملية تهجير اليهود وتنظيم مستوطناتهم وتفعيل لغتهم وإنجاز دستورهم...
لاحقًا تم التوافق على اختيار أرض فلسطين موطنًا لإقامة الدولة اليهودية وقامت الشركة اليهودية بتصفية مصالح اليهود المهاجرين وإطلاق عجلة الاقتصاد في الكيان الجديد، واستقدام رؤوس الأموال لبناء المساكن وشراء الأراضي وإطلاق الحركة التجارية.
وعندما نعلم ان الشركة اليهودية التي بلغ رأسمالها الألف مليون مارك قد اتخذت لندن مركزًا لها وتوسعت لتشمل شركات مالية عدة اتحدت تحت لواء المنظمة الصهيونية المالية، ندرك الدور المركزي الذي ستلعبه المملكة البريطانية في دعم هذه المخططات الصهيونية والمساعدة في تحقيقها.
ترسخ النشاط الصهيوني البريطاني بعد المؤتمرين الثاني والثالث.
في الواقع تسابقت الدول في دعمها للمشروع الصهيوني كسبًا لتأييد اليهود ونفوذهم المالي العالمي، وتأمين النجاح لحركة التوسع الاستعماري، حتى أن ملك إيطاليا اقترح على اليهود استيطان طرابلس الغرب تحت الحماية الإيطالية، كما أن هرتزل سعى إلى حشد تعاطف الدول الأوروبية بكاملها مع المخططات الصهيونية بما في ذلك ألمانيا القيصرية وكسب دعمها المطلق لاعبًا على وتر التنافس الاستعماري من جهة وتحريك الآفاق الاقتصادية الجديدة من جهة اخرى أخرى.
لم تثمر المساعي في إقناع القيصر الألماني من جهة والسلطان العثماني من جهة أخرى في تأييد المخططات اليهودية، فتوجهت أنظار الصهيونية العالمية إلى بريطانيا.
في المؤتمر الصهيوني السابع المنعقد في بال سنة 1905 تم التخلي عن فكرة استيطان اوغندا والتوافق النهائي على أرض فلسطين. فحصل أول انشقاق في صفوف الصهيونية حيث قرر إسرائيل زانغويل ومعه عدد كبير من الصهيونيين البريطانيين تأسيس "الاتحاد الإقليمي اليهودي" وهدفه تبني مشروع استيطان اليهود في أي جزء ملائم من العالم.
لاحقًا وبعدما وعدت بريطانيا وعدها المعروف باسم وعد بلفور عمد زانغويل إلى حل منظمته وعاد ليلتحق بركب الحركة الصهيونية العالمية.
تزامنت هذه الاستراتيجيا الصهيونية مع انتصار بريطانيا والحلفاء في الحرب العالمية الأولى والانطلاق بمرحلة الاستعمار الكولياني المرتدي ثوب الانتداب في البقاع التي كانت خاضعة للامبراطوريات المنهارة بما في ذلك القطر الفلسطيني.
مع ولادة مشروع الدولة اليهودية، اندلعت الحرب العالمية الأولى وبزغ فجر انهيار أوروبا مقابل نشوء الولايات المتحدة الأميركية، الأمر الذي دفع باليهود الهاربين من أوروبا إلى الانقسام في اتجاهين الأول نحو فلسطين والثاني باتجاه الولايات المتحدة الاميركية فتعايش المنحى الأيديولوجي مع البعد الاقتصادي.
بلغ عدد اليهود في الولايات المتحدة الاميركية سنة 1918 حوالي الأربعة ملايين. في الوقت عينه بدأ ينمو باضطراد استيطان اليهود لمناطق عدّة داخل الأراضي الفلسطينية.
وبفعل عمليات شراء الأراضي في فلسطين نشبت بعض المناوشات والمنازعات بين القادمين الجدد والفلاحين العرب، وبدأت أولى العلاقات العنفية بين الطرفين.
قامت السياسة الصهيونية ليس فقط على احتلال الأراضي الفلسطينية فحسب بل على الاستيلاء أيضًا على المقدرات المالية والصناعية والزراعية.
رغم نجاح الخطوة التأسيسية للإستيطان الصهيوني لأرض فلسطين، بقيت نسبة اليهود الاستيطانية ضئيلة إذا ما قيست بالملايين من اليهود الذين تقاطروا تزامنًا إلى الولايات المتحدة ومختلف دول أميركا اللاتينية.
تغيرت هذه المعادلة بعيد الحرب العالمية الأولى بفعل إقرار وعد بلفور فدخلت الحركة الصهيونية بعده مرحلة جديدة.
بعدما تحولت فلسطين إلى هدف الصهيونية العالمية الاوحد بعد استبعاد الأرجنتين وأنغولا نهائيًا، بدأت الخطوات العملية المتسارعة لتحقيق مقررات المؤتمرات الصهيونية لاسيما مؤتمر بازل الأول الذي دعا إلى إقامة وطن قومي للشعب اليهودي من خلال منهجية تسلسلية تقوم على تشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين وربط اليهود بالحركة الصهيونية وتأمين التأييد الدولي للمشروع الاستيطاني وتشكيل المنظمة الصهيونية العالمية والوكالة اليهودية المولجة تنفيذ قرارات المؤتمرات وجمع الأموال لشراء الأراضي وإقامة المستوطنات وإرسال المهاجرين إليها.
سنة 1948 نجحت المنظمة الصهيونية العالمية في إقامة الدولة اليهودية على أرض فلسطين.
بعد نكسة حزيران عام 1967، انعقد المؤتمر الصهيوني السابع والعشرون ليستنهض من جديد المشروع الصهيوني فأصدر "برنامج أورشليم" الذي تمسك بوحدة الشعب اليهودي ومركزية أرض إسرائيل، وجمع الشعب اليهودي في وطنه التاريخي عن طريق الهجرة من كل بقاع الأرض، والمحافظة على أصالة الشعب بتنمية التعليم اليهودي واللغة العبرية وبث القيم الروحية والثقافة اليهودية.
بفعل هذا المؤتمر بدأت المنظمة الصهيونية تخسر بعضًا من اختصاصاتها لصالح دولة إسرائيل.
سنة 1948 نشبت الحرب بين الإسرائيليين والعرب، انتهت بنكبة الفلسطينيين وتهجيرهم عن أرضهم، وبالمقابل قيام دولة إسرائيل.
بدأت القيادات الإسرائيلية بإعداد خططها العسكرية سنة 1945 وفي السنة اللاحقة بدأت الهاجاناه بإجراءاتها المضادة بما فيها الخدمة العسكرية. في وقت كان الفلسطينيون يفتقرون إلى التنظيم والدعم والقدرة اللوجستية.
اجتمعت الدول العربية في القاهرة سنة 1947 وأعلنت رفضها التقسيم، في حين وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على تقسيم فلسطين إلى دولتين الاولى يهودية والثانية فلسطينية.
في وقت رحب الصهاينة بالمشروع رفضه الفلسطينيون واستمرت الأحداث على تفاقمها، لاسيما بعدما تألف جيش الإنقاذ بقيادة فوزي القاوقجي، ولجوء الصهاينة إلى استخدام السيارات المفخخة، ما فتح الباب أمام تبادل كلا الطرفين عمليات النسف والتفخيخ والتفجير.
في صبيحة جلاء القوات البريطانية عن فلسطين سنة 1948 أصبح إعلان قيام دولة إسرائيل ساري المفعول ما أجج الحرب بين الكيان الجديد والدول العربية التي أرسلت الجيوش إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة.
في السنة التالية اعترفت الولايات المتحدة الأميركية بإسرائيل وتبناها مجلس الأمن الدولي عضوًا في الأمم المتحدة، وتوقفت الحرب المندلعة بين العصابات الصهيونية والجيوش العربية بتوقيع الهدنة الثانية التي لا تزال تحكم العلاقة بين الطرفين حتى تاريخه، في وقت بات ما نسبته 75% من الشعب الفلسطيني بحكم اللاجئ والمهجّر والمقيم قسرًا خارج حدود فلسطين التاريخية.
حملات إبادة
في مطلع القرن العشرين تعرّض الأرمن والأشوريون "السريان" القاطنون في السلطنة العثمانية لحملة إبادة واسعة النطاق، على يد الجيش العثماني وبأوامر مباشرة من السلطان.
هذا التطهير العرقي الذي مارسه العثمانيون ضد المسيحيين يفسر ظاهرة تلاشي المسيحيين من مناطقهم التاريخية.
بالمقابل، لعب المسيحيون المشرقيون الدور البارز في إطلاق حركات التحرر القومي والوطني ضد الاحتلال العثماني في مختلف الأمصار العربية.
المجازر عمومًا هي صفحة سوداء في تاريخ الانسانية. والمسيحيون عبر تاريخهم وقعوا عرضة لأشرسها، سيما وأن ذيول بعضها لا تزال ملموسة حتى تاريخه وما تلك التي راح ضحيتها الأرمن المسالمون في الربع الأول من القرن العشرين سوى خير شاهد على ما حل على الجماعات المسيحية من نكبات وأهوال.
تعود مقدمات المجازر الأرمنية الى نهاية القرن التاسع عشر وبلغت ذروتها في السنوات 1915 و 1922، حيث ذهب ضحيتها حوالي المليون ونصف المليون، بعد عملية طرد واسعة النطاق طاولت جميع الشعب الأرمني المقيم في أرمينيا التركية.
والأرمن وقعوا ضحية لمرتين، الأولى على يد الاتراك الطورانيين والثانية بسبب تنكر تركيا لتلك المجازر وعدم اعترافها بها، والأخطر في الموضوع أن غالبية دول العالم حتى اليوم لا تزال تتعاطى مع هذه المأساة بفتور ولا مبالاة.
المسيحيون والمسلمون
تاريخ الشرق الاوسط وواقعه لا يمكن فهمهما بدون تحليل الروابط العميقة التي ربطت مسيحييه ومسلميه عبر التاريخ.
لهاتين الديانتين السماويتين رصيد هام، ان بصورة مستقلة احيانا او مندمجة احيانا اخرى في تاريخ وحياة الشرق الاوسط الثقافية والاجتماعية والسياسية والحضارية.
الحوار الاسلامي - المسيحي يبدو في الشرق حقيقة ملموسة، فهم وعبر قرون متواصلة لم يتحاوروا فقط، بل تعايشوا معا، وجاهدوا معا، وتألموا معا في سبيل القيم الانسانية والاخلاقية السامية.
عمومًا تعاطى المسيحيون العرب بإيجابية مع الإسلام في الشرق بحيث أرادوا التمسك بصورة حضارية قائمة على تفاعل ثقافي.
المسيحيون والإرهاب
نشوء "الإسلام المتطرف" المسلح بثقافة الإرهاب يقض مضاجع المسيحيين ويضعهم وجهًا لوجه مع الموت والقتل والمذابح.
هذا الإسلام المتطرف ينظم بوحشية عمليات تطهير عرقي واجتثاث ديني بحق المسيحيين.
والاضطهاد عينه يطاول أقباط مصر فنشهد بشكل شبه يومي جرائم بحقهم وبحق كنائسهم وممتلكاتهم.
يحتاج عالمنا العربي إلى تحصين من نوع آخر إذا لا يجوز في كل مرة تنشب ازمة في اي دولة من العالم ذات وجه خلافي مسيحي إسلامي، تنعكس آثارها سلبًا على العلاقات المسيحية الإسلامية في العالم العربي.
بدت ثورات البلدان العربية ذات صبغة علمانية
إلا أن الدعوة إلى قيام الخلافة الإسلامية يعطي بعدًا مختلفًا لا بل نقيضًا لهذه الظاهرة الجديدة في عالمنا العربي.
عبر التاريخ كان مسيحيو الشرق وما زالوا الضحية الأولى لكل الغزوات التي عاشتها المنطقة، من الغزو الروماني البيزنطي الى الغزو العربي الاسلامي مروراً بالغزو الفارسي والعثماني وصولاً الى الغزو الأوروبي في القرن الماضي والغزو الأمريكي الغربي الجديد.
في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين استفادت "الشعوب العربية" من تدخل العالم الغربي ضد السلطنة العثمانية يوم أتت الجيوش الأوروبية وحررت شعوب المنطقة من الاحتلال العثماني المرابض على اكتاف العرب لاكثر من أربعة قرون باسم الخلافة الإسلامية، وتشكلت بفعل هذا التحول الدول العربية المعاصرة بحدودها الجغرافية ومكنوناتها السياسية والاجتماعية.
لم يحصد مسيحيو الشرق (آشوريون"سريان/كلدان"أرمن، موارنة،أقباط) أي مغنم من هذا التحول بل عانوا المزيد من الويلات والنكبات، ليس فقط على يد من يتقاسمهم الأرض والجغرافيا، بل من الغزاة الجدد أيضًا ولو انهم يتواصلون معهم في الفكر الديني والمعتقد.
الواقع المرفوض
الشعوب العربية عبر تاريخها كانت سباقة في حوار الحضارات. والحضارة العربية لم تكن ذا وجه إسلامي فقط بل كانت من نتاج عمل مشترك إسلامي مسيحي.
هذا الحضور المسيحي في الشرق اثر بعمق في نهج الإسلام ومعرفته وتحولاته.
لم يخدم الاستعمار الغربي للعالم العربي المسيحية في الشرق بقدر ما أساء إليها، وتسبب بمأزق في العلاقة بينها وبين الإسلام.
كيف يمكن لديانتين عاشتا قرونا طويلة وحسن جوار متبادل، ان تنتهي العلاقة بهما إلى هذا الدرك المخيف؟
لماذا الإرهاب يطال اليوم مسيحيي الشرق الذين ضحوا عبر التاريخ في سبيل نهضة بلادهم وازدهارها؟
أي عرقلة للتعايش المسيحي الإسلامي في الشرق هو ضربة مثلثة الأبعاد: فهي تطال سيادة البلدان العربية والسلام، كما تطيح بحقوق الانسان وحرية الاعتناق الديني وهي أيضًا تقضي على كل حلم بوحدة عربية متكاملة.
هذه العنصرية الهادفة إلى استئصال الوجود المسيحي من الجذور يتزايد مع صعود الاصولية المتطرفة من جهة وترسيخ التهويد للأرض الفلسطينية واستعمار الاقتصاد العربي.
هذا المخطط الهادف إلى إشعال نيران الفتنة الدينية بين المسلمين والمسيحيين يهدف إلى ترسيخ تلك المزاعم القائلة باستحالة التعايش بين الديانتين في مساحة جغرافية واحدة، ما يخدم منطق قيام الدولة الإسرائيلية وحججها، إن لجهة أحاديتها العرقية والدينية والعنصرية أو لجهة تبرير مخاوفها ودوافع حروبها مع محيطها.
عشية عيد الميلاد الأسبق منع رئيس بلدية الناصرة العليا كل مظهر من مظاهر الاحتفال بما في ذلك تزيين الشوارع ورفع شجرة العيد.
إجراء كهذا ألا يدخل في فلك الاضطهاد والقمع الذي يطال المسيحيين في مختلف ارجاء العالم العربي؟ أليس وجهًا من وجوه التضييق عليهم حتى الاختناق ومغادرة أرض اجدادهم؟
الاعتداءات الإرهابية التي تطالهم بفعل إصرار تنظيم القاعدة في العراق وسائر دول العالم على شن حربه الشهواء على المسيحيين من الطبيعي ان ينعكس تدميرًا للتركيبة الاجتماعية العراقية التي اتسمت بالتنوع الديني والفكري.
عادة ما يضرب الإرهاب الحلقة الأضعف في تركيبة المجتمع وفي عالمنا الشرقي تبدو الجماعات المسيحية هي تلك الحلقة.
في كل مجتمع تغيب عنه مؤسسات ديمقراطية تمثيلية وأحزاب سياسية تترسخ حالة التخلف وتنمو ظاهرة الإستبداد والسيطرة العسكرية كما الأصولية المتطرفة.
إحصائيات
تشير الإحصائيات إلى أن نسبة المسيحيين في البلاد العربية تراجعت من 20% في نهاية القرن التاسع عشر إلى حوالي 5% حاليا.
من أصل ملايين المسيحيين الذين كانوا يعيشون في تركيا لم يبق منهم اليوم سوى 150 ألف شخص.
علمًا أن المجلس الوطني والمؤسسة العسكرية يخلوان من أي أعضاء أو ضباط مسيحيين.
وفي القدس كان يشكل المسيحيون خمس سكان المدينة فباتت نسبتهم اليوم لا تتجاوز 2%.
وفي بيت لحم حيث كانت تبلغ 80% فيما مضى باتوا اليوم يشكلون أقل من ثلث السكان.
لم يعد المسيحيون يشكلون سوى 2% من مجموع الفلسطينيين المقيمين في الضفة الغربية وقطاع غزة، بعد هجرة كثير منهم بسبب البطالة وتردي الوضع السياسي.
وحدها بيت سحور، يحافظ فيها المسيحيون على نسبة الاكثرية في تعداد سكانها.
في العراق، انخفض عدد المسيحيين من مليون و800 ألف إلى نحو 400 ألف فقط. تعرضت 51 كنيسة عراقية، قبل سيدة البشارة، للحرق والدمار، وخطف مطران و3 قساوسة وقتلوا جميعًا، وتجاوز عدد من قتل من مسيحيي العراق 800 ضحية.
أما أقباط مصر، فمأساتهم تتجدد مع كل عدوان جديد يطالهم وكنائسهم.
انتشار التطرف والتزمت الدينيين بين المسلمين، واعتبار الإسلام هو وحده دين الله الحق، واعتبار غير المسلمين مجرد أهل ذمة لا مواطنين متساوين مع غيرهم، ظواهر ووقائع معروفة ولها عواقبها على التعامل مع غير المسلمين. وحرق الكنائس والاعتداء عليها وعلى الرهبان وغير ذلك من أعمال العدوان تكاد تصبح ظواهر يومية في الشرق الأوسط.
يومًا بعد يوم، يتقلص عدد المسيحيين الشرقيين في أوطانهم رغم أصالة جذورهم ورغم تضحياتهم وخدماتهم في مختلف الميادين والقطاعات من علم وأدب واقتصاد ومجتمع وفنون وثقافة وفكر وسياسة ونبل في الخصال والأخلاق والوفاء لأوطانهم وقضاياها المحقة.
تقع مسؤولية تراجع عدد المسيحيين في الشرق على البرلمانات والحكومات ورجال الدين المسلمين ومعظم المثقفين العرب والمسلمين، كذلك تتحمل الدول الغربية الجزء الكبير من المسؤولية بسبب عدم اتخاذها مواقف واضحة وصريحة أمام مأساتهم.
لقد آن الأوان للمفكرين والمثقفين المسلمين أن يقفوا في الصف الأمامي دفاعًا عن إخوتهم المسيحيين الشرقيين وجدير بهم التحرك من اجل التصدي كل انتهاك يطال حقوق المسيحيين، والمطالبة بدولة المواطنة والمساواة وحقوق الإنسان.
ضرب الوجود المسيحي في فلسطين
عمومًا إن الوجود المسيحي العربي في فلسطين الارض التي ارتبط اسمها بالديانة المسيحية قد بدأ يتقلص الى ان وصل الى 50 الف فرد فقط وهي تمثل نسبة 1% من عدد الشعب الفلسطيني وقد يأتي زمن يختفي فيه المسيحيون من ارض السيد المسيح,
لا يجوز ان تبقى الدول العربية وجامعتهم ومنظماتهم على كافة انواعها ومستوياتها مكتوفة الايدي غير مبالية في دعم بقاء المسيحي العربي في ارضه المقدسة.
يرتكز التاريخ الفلسطيني المعاصر على المسيحيين الفلسطينيين أبناء الضفة الغربية وقطاع غزة في كثير من محطاته وحركاته الوطنية لما لعبوه من دور محوري في النشاط المقاوم منذ بدايات القرن الماضي وحتى تاريخه.
المسيحية تقتلع من المدن الفلسطينية الأصيلة لاسيما القدس وبيت لحم ورام الله وغزة وسواها...
أقباط مصر ضحايا الإرهاب
تعرض الأقباط في مصر لسلسلة اعتداءات إرهابية لا تحصى اشتدت وتيرتها في الربع الاخير من القرن العشرين.
سنة 1972 سجلت حوادث الخانكة، وسنة 1981 مذبحة الزاوية الحمراء، والجريمتنان كلتاهما حصلتا في عهد أنور السادات.
اما عهد محمد حسني مبارك فزخر بجولات مرعبة واعتداءات رهيبة راح ضحيتها الاقباط والمسيحيون، نذكر منها:
هيمن الصراع الاسرائيلي-الفلسطيني أكثر من 60 عامًا على تحولات الساحة العربية، ونشبت في ظلّه حروب وصراعات إقليمية عديدة.
مفهوم أهل الذمة في الفكر الإسلامي يشمل اليهود والنصارى والصابئة والمجوس وسواهم... والمسيحيون العرب هم أشبه بمراكب تائهة وسط محيط صحراوي عاصف. جذور مأساتهم ضاربة في التاريخ، تعود إلى أواسط القرن السابع الميلادي، واستمرت حتى اليوم.
حوار المسيحية والإسلام في الشرق
لعب المسيحيون العرب دورًا رياديًا في تأسيس الحركات القومية العربية الأحزاب السياسية وبرز منهم العديد.
لقد زخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين بمفكرين كبار مسيحيين وناشطين أسهموا في ولادة الحركات الاستقلالية والمشاركة في قيادة البلاد نحو الاستقلال والديمقراطية.
ولم يخل قطاع إلا وتحرك فيه المسيحيون بمن فيهم الأرمن والسريان والأقباط والأشوريين والكلدان في سبيل النهوض بالحضارة العربية من حالة الرقاد والانحدار التي أدخلتها في نفقه السلطنة العثمانية طوال احتلالها للجغرافيا العربية.
فإذا بالأعلام المسيحيين ينهضون بالصحافة والفكر والسياسة والطب والعلم والثقافة والادب وتزهر من جراء نشاطهم النزعة الاستقلالية والديمقراطية والعلمانية.
نهضة الشرق تتوقف عن مدى الشراكة التي يبلغها المسيحي في علاقته بالمسلم وهي قناعة على الطرفين كلاهما ان يؤمنا بها من اجل بناء مستقبل مستقر ومنسجم مع تاريخه وتنوع مكنوناته وتكاملها.
هو مشروع يجب ان يحتل اولوية كل حوار عربي داخلي.
ليست المسيحية العربية حركة سياسية بل هي تجمع كنائس وجماعات بطريركية ذات هوية مسكونية تتكامل بالحوار والتعاون والشراكة والوحدة.
صحيح أن الاختلاف في صفوف المسيحيين الشرقيين يخفف من وهج حضارتهم ويضعف موقعهم وقدرتهم على التنسيق والتعاون والسهادة الحقيقية. إلا أنه تبقى على عاتقهم رسالة كبيرة تنبع من جوهر حضورهم الإنساني.
المسيحيون العرب هو جزء لا يتجزأ من العالم العربي يخدمونه ويدافعون عنه ويتجذرون فيه وينخرطون في مشاريع إصلاحه وتجدده ونهوضه وغنمائه وتقدمه. هذا هو تاريخهم وهذه هي رسالتهم وهذا ما قاموا به عبر العصور.
لقد شاركوا إخوانهم المسلمين في كل تطلعاتهم ومساعيهم نحو مستقبل زاهر.
تعاطفوا مع العرب عمومًا والتزموا بقضاياهم العادلة، وساهموا في تقريب وجهات النظر بين الذهنيتين الغربية والشرقية.
أما الحوار الجدي فهو الذي يقود العلاقة بين المسيحيين والمسلمين إلىالاعتراف بكرامة الإنسان وحقوقه وبالمساواة وتزيز ثقافة الحرية والتعددية والديمقراطية وحق الاختلاف والاعتراف بالآخر ومعرفته والعيش معه والتعاون من أجل إقامة دولة الحق والقانون والشفافية والمؤسسات ودعم التنمية والامن والاستقرار وترسيخ القيم الأخلاقية والروحية.
على العلاقة بين الجانبين ان تتوجها الواقعية والاعتدال والعقلانية والحكمة وخصوصًا المحبة مع الثقة المتبادلة.
هذه المسيحية في نشأتها والأصيلة في تجذرها تساهم في تطور الثقافة العربية.
لقد انتشرت المسيحية العربية قبل الإسلام بقرون وأسست أولى الممالك العربية. وفي زمن النهضة كان المسيحيون روادها وأول من أسس الأحزاب العقائدية.
المفهوم المسيحي في الضمير الإسلامي يكتنفه الغموض فكلمة مسيحيين لم ترد في القرآن بتاتًا. بل ذكروا بأهل الذمة يحضون بالحماية وبالتالي همشوا في الحياة الوطنية لاسيما في الانظمة التي اعتمدت الغسلام دين الدولة وطبقت الشريعة الإسلامية في قوانينها وحياتها المجتمعية.
هذه النظرة غير المتكافئة للمسيحيين في الإسلام خففت من وهج حماستهم في الانخراط داخل مجتمعاتهم وساهمت في ترسيخ خيارين لديهم إما الالتزام في الحيادية والإنعزال أو الانسحاب نحو الغربة.
رغم ان التاريخ لم ينصف المسيحيين المشرقيين، إلا أنهم حافظوا على دورهم وشكلوا عبر الزمن قوة حيوية أنعشت الشرق الأوسط.
المناصب اتي تبوأوها والمواقع التي نشطوا فيها والمبادرات التي تبنوها في مختلف الدول والأقاليم والقطاعات أثمرت نهضة وإصلاحًا ونموًا مطردًا.
المسيحيون الأثرياء خدموا بلادهم بتجرد وأسهموا في ازدهارها ومواكبتها للعصر وتنشيط اقتصادها وتنمية مجتمعها.
والجامعات العربية عجّت بالطلاب المسيحيين يأمونها للغوص في علوم العصر وأفكاره.
وفي البلاد التي توافر فيها مجتمع مسيحي عريق، علت جسور ربطت الشرق بمختلف اوصال المجتمعات الدولية الغربية والشرقية والجنوبية والشمالية.
هجرة المسيحيين
الوجود المسيحي في الشرق اليوم يضمحل سنة بعد سنة، والمجتمعات المسيحية آخذة بالانكماش.
الهجرة تكاد تكون الجامع الأكبر للشباب المسيحي المشرقي،
الاضطهاد السياسي سابقًا والعنف الطائفي اليوم عاملان كانا ولا يزالان يقضان مضاجع المسيحيين.
صعود الإسلام الراديكالي واتخاذ المسيحية هدفًا يصوب نحوه سهامه يزيد السواد في الافق.
تضاءلت نسبة المسيحيين في فلسطين من 20% سنة 1948 إلى 2% حاليًا.
إن الصمت العربي والاسلامي ازاء ما يتعرض له المسيحيون في بعض دول المنطقة غير مبرر. هذا الصمت يشجع التنظيمات الإرهابية على تماديها في اعتداءاتها على المسيحيين. والمؤسف ان الحكومات تقطع كل طريق نحو أي حوار وطني حول مأساة المسيحيين كونها أصلاً لا تعترف بوجود مثل هذه المأساة.
وكل حوار إسلامي مسيحي مشرقي نشهده لا يقتصر إلا على مسائل لاهوتية يدور بفعلها في حلقة مفرغة. اما الواقع المسيحي المتدهور فهو غير مطروح.
الشرق يخلو من مسيحييه يوماً بعد يوم.
رسالة مؤثرة كتبها داود البوريني لأستاذ جامعي يدعى جورج يعبر فيها عن ألمه العميق بسبب المأساة التي يعيشها المسيحون في الشرق اليوم:
"أخي جورج
أنا أعرف جيداً ما هو شعورك بعد أن هزّت عواصف العدوان وضربت أعاصير النار بلادنا بكل قسوة في السنوات المائة الأخيرة.
لقد حاول أجدادنا بكل ما أوتوا من علم ومقدرة أن يخففوا من آثار الإعصار الغربي قدر استطاعتهم، هم أحياناً نجحوا لكن في معظم الحالات فشلوا على الرغم من ملايين الشهداء الذين توسدوا سهول هذه الأمة وجبالها وغاباتها من الأوراس الى عدن، لا أعتقد أنه توجد عائلة عربية واحدة لم تقدم واحداً أو أكثر من أبنائها على مذبح حرية هذه الأمة في تلك الفترة، ولقد تحمّلت أنت برجولة كما تحمّلت أنا، بكـَيتَ أنت من الهزائم تماماً كما بكيتُ أنا وفرحنا معاً لانتصارات أمتنا في الأوراس والسويس والجولان وعدن وغزة وبيروت، ولقد افتخرنا معاً بشهدائنا، كل شهدائنا ومجاهدينا، من سليمان الحلبي الى عمر المختار الى الشريف الحسين بن علي ويوسف العظمة وجمال عبدالناصر والملك فيصل بن سعود وجورج حبش وجورج حاوي، لن ننسى لا أنا ولا أنت دماء الشهداء في الكرامة وبيروت والجولان وابو زعبل وبغداد، كيف ننسى هذا وقد عشناه معاً بكل ما فيه، كما عملنا دوماً لنقدم لهذه الأمة كل مانستطيع.
أخي جورج، أستاذ التاريخ والمثقف مثلك يعلم تماماً أن أخاه العربي المسلم هو أخٌ حقيقيٌ له، إنه يعلم بأننا معاً كنا على هذه الأرض المباركة منذ آلاف السنين كنا وثنيين معاً ثم أصبحنا مسيحيين معاً ثم منا من ظل على مسيحيته مثلك ومنا من أصبح مسلماً مثلي، لكن هذا لم يغير في جوهر الأمر شيئاً فأنت أخي ودمك دمي ولحمك لحمي ولن تكون إلا هكذا.
أنت تعلم جيداً أنه على مدى ناريخنا لم تقم بيننا لا مذابح ولا مكاره ولم يتعمّد أيٌ منا أن يؤذي الآخر أو أن يطعنه في ظهره، وعندما حصل هذا في صبرا وشاتيلا لم يكن جورج هو القاتل بل كان العملاء والخونة هم القتلة، وهؤلاء لا دين ولا مذهب ولا وطن لهم، ولو ادّعوا خلاف ذلك وتعلّقوا بأستار الكعبة أو أجراس كنيسة القيامة.
إنّ مانتعرض له الآن من إيذاء واعتداء لم أقم به هنا أو أي من أصدقائك وجيرانك وأخوانك المسلمين الآخرين، فالمسيحيون في الشرق مثل المسلمين تماماً تعرّضوا للهجمة الغربية بعد الحرب العالمية الأولى ثم الهجمة الصهيونية المجرمة المدعومة مع المسيحية المتصهينة والتي لا علاقة لها أبداً بالمسيحيين العرب من أي مذهب كانوا، هم الذين قتلوكم كما قتلونا، سرقوكم كما سرقونا وهجّروكم كما هجّرونا وسيظلون كذلك اذا لم نقم أنا وأنت للدفاع عن أنفسنا، ندافع معاً كما كنا دوماً معاً.
أخي جورج، أنت توأم روحي فأنا لا أستطيع أن أتخيل دجلة بدونك أو شارع أبي نواس أو الشورجة، لن تكون حلب نفس حلب ولا صدنايا هي صدنايا ولا بيت لحم هي بيت لحم ولا مأدبا هي ذاتها ان لمم تكن أنت فيها معي، نأكل ونشرب ونعمل ونغني وعندما تموت تـُدفن مثلي في باطن أرض العرب المباركة، أمّنا جميعاً.
سمعت أنك تريد أن تهجر أرضك وأهلك وترحل يا جورج، لم أعرفك جباناً أبداً حتى تهرب، لم أعرفك بخيلاً حتى تبخل على وطنك-كل وطنك- بمالك وحياتك ودمك فلطالما كنت شجاعاً مقداماً وكريماً.
اذا هربت يا جورج وتركت أرضك لأي سبب فإنك تكون قد نفّذت مايريده أعداء أمتك منك، أوروبا وأمريكا لا يفتحون الأبواب لأنهم يحبونك، فلو كانوا يحبونك لقدّموا لك الحماية في العراق بدلاً من ان يقوموا بحماية وزارة النفط أو لقدموا لك الحماية في بيت المقدس وبيت لحم ويافا وحيفا وبيروت، ولما تركوك كما تركونا أهدافاً لبنادق اليهود وصيداً لطائراتهم، انظر إليهم كيف جعلوا من أبناء غزة أهدافاً لبنادقهم فبدلاً من أن يطاردوا الحيوانات ويصطادوها أصبحوا يتسلّون بأبناء العرب، كل العرب، مسلميهم ومسيحيهم، هل تذكر فيلم الجندي الأزرق Soldier blue أو صائد الغزلان؟ هكذا أصبحنا لهم صيداً، تماماً مثل الهنود الحمر.
لكن هل نحن هنود حمر مع احترامي للهنود الحمر، فنحن من طينة مختلفة ولطالما كنا مكافئين للغرب في القوة والبأس ولكنا لن نكون أبداً مثل الغرب في المكر والغدر والذرائع والإجرام.
تحمّل يا جورج واصمد في أرضك فإنّ الشجاعة صبر ساعة، تحمّل يا جورج وابقَ معي هنا لندافع عن وجودنا معاً، اذا قاومت فإنك تساعد نفسك أولاً والجميع بعدها سوف يقف معك، لكنك اذا هربت فلا أحد يستطيع أن يمنعك من الهروب، ابقَ يا جورج في بلادك ولا ترحل.
أنا أعلم بأنك غاضب لأن عملاء الأميركان قد هاجموا بنذالة كنيسة سيدة النجاة، ولا تنسَ يا أخي بأنهم قد أحرقوا المسجد الأقصى قبل ذلك بكثير وهدموا مئات المساجد على طول بلاد الشام وعرضها، إن رحلت يا جورج ستأخذ عائلتك معك فمع مـَن سيلعب ابني أحمد عندما يهاجر ابنك عيسى ومع مـَن ستلعب ابنتي مريم عندما تهاجر ابنتك مريم ومع مـَن ستتزاور زوجتي؟ قل لي بربك مع مـَن سنقضي ليلة عيد الميلاد ورأس السنة؟ مـَن سيشرب معي قمردين رمضان ويتناول معي خروف العيد؟
أخي جورج رجاءً لا ترحل…
لا تتركني وحيداً حزيناً يا جورج….
لا تهرب يا جورج لأن القتلة لن يطول بهم المقام بيننا فهذه أمة كالبحر تماماً تلفظ الجيف أو تحللها.."
ولدت المسيحية في الشرق الأوسط ومهدها في فلسطين الارض المقدسة التي تعيش حالة تفريغ من أهلها المسيحيين.
فمعظم المدن المسيحية كبيت لحم والناصرة والقدس تستنزف مواطنيها المسيحيين.
أما في بقية الأقطار العربية فتختلف أوضاع المسيحيين العرب من دولة إلى أخرى حسب طبيعة النظام السياسي والنظام القضائي والمجتمع والحضارة بصفة عامة.
يتعايش في منطقة الشرق الأوسط مؤمنون من الديانات التوحيدية الثلاث.
الصراعات السياسية في المنطقة وفي مقدمتها الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية الذي يخنق الحياة اليومية ويقيدها ويولّد دوافع تستغلها الجماعات الأصولية. وكما في الأراضي المقدسة كذلك في العراق انقلب الاحتلال الاميركي كارثة على الوجود المسيحي في تلك البلاد. وتصاعد الإسلام السياسي في مصر يضيف على انعزال المسيحيين عزلة ويعرضهم لكل انواع المخاطر.
الحرية الدينية وحرية الضمير: حيث أنهما غير متكافئتين بالنسبة للمسيحيين وسائر المواطنين.
المسيحيون وتطور الإسلام المعاصر: لاسيما تصاعد الإسلام السياسي المتطرف الذي يسعى منذ العام 1970، إلى فرض حياة إسلامية على المجتمعات العربية والتركية والإيرانية، وعلى كل الذين يعيشون فيها من مسلمين وغير مسلمين.
هجرة المسيحيين العرب إلى الخارج: هاجس كبير يهدد مستقبل المسيحيين في مهد حضارتهم.
الهجرة المسيحية الدولية الوافدة في الشرق الأوسط: قادمة من إفريقيا وآسيا للعمل مع ما يواكب ذلك من عدم احترام للقوانين والاتفاقيات الدولية.
خاتمة
مسيحيو الشرق، آشوريون وأرمن واقباط وموارنة وعرب، ارتضوا التخلي عن الكثير من حقوقهم القومية وخصوصياتهم الثقافية والاجتماعية والدينية وضحوا بها لأجل "حقوق المواطنة" في مسعى نحو بناء دولة ديمقراطية ليبرالية، نراها تصبح اليوم حلمًا يتبخر، وتسقط صريعًا على سندان التطرف الإسلامي.
بقاء المسيحيين في الشرق يحتاج الى تعميق روح المساواة بين المواطنين، وهو ما يتنافى مع مبادئ كل مشروع "دولة إسلامية".
وبسبب عدم استعداد الشرق ان يرتدي اليوم ثوب الإصلاح الحقيقي، سيبقى المسيحيون فيه عرضة لكل الأخطار بما فيها القتل والخطف والتهجير.
حروب العالم العرربي المعاصر
لم تعد الحرب اللبنانية نموذجًا استثنائيًا في العالم العربي الكبير، لأن في الواقع ثمة ما بات يشبهها في العديد من الدول العربية في حين اصبح البعض الآخر الذي لا يزال بمناى عن هذه الظواهر يحمل في احشائه احتمالات انتقال العدوى إليه.
العالم العربي اليوم مفتوح على كل انواع التحولات الداخلية والخطير في الموضوع ان لا أفقًا واضحًا لهذا التحول.
العالم العربي اليوم المحيط بدولة إسرائيل في دوامة الضياع والقلق والاضطراب، أطرافه تقطتع منه قطعة تلو الاخرى، وقلبه المركزي مهدد بالتفتيت.
الدين في العالم العربي يتحول عند بعض الأطراف إلى طائفية ومذهبية اللتين هما عنصري تفتيت لا وحدة.
والإجتهاد في الرأي يفقد اليوم طابعه الإثرائي الذي يغني الفكر والرسالات السماوية، ليصبح تعصبًا يفيض حقدًا وكراهية.
الحرية والديمقراطية قيمتان ساميتان تحافظان على كرانة الإنسان وتنظيم العلاقات الاجتماعية، تتحولان على يد من يسيء استعمالهما إلى فوضى وفلتان وانهيارات على مختلف الأصعدة.
والعدالة أيضًا التي تضمن المساواة بين المواطنين، تتحول على يد المتطرفين إلى دعوة للتناحر الدموي والبطش الفئوي.
الثورة بما هي تسريع لعملية التغيير والتقدم، وبما هي استئصال للعقبات والمصالح الفاسدة، هي هدف تتوحد حوله المجتمعات، وقضية يجتمع الشعب تحت لوائها، لكنها على يد أصحاب النهج التفتيتي تتحول إلى تسلط وقمع وإرهاب غير مبرر...
قراءتي لمستقبل الحضور المسيحي في الشرق الأوسط انطلاقًا من التجربة اللبنانية
الحوار بين المسيحيين والمسلمين حاجة ملحة.
في استمراره ضمانة لمستقبل مستقر.
بالطبع لا أحد ينكر دور المسيحيين في النهضة الثقافية العربية. ولا احد ينفي تجذرهم في هذه الأرض.
لقد حققوا عبر تاريخهم ورغم ما تعرضوا له من نكبات واضطهاد،
أنجزوا إنجازات متميزة على مر تاريخهم.
نشطوا في عهد الامويين والعباسيين، وفي الخلافة الفاطمية.
بفضلهم انتشرت البعثات التربوية والثقافية الأجنبية. فأنشئت المدارس واستقدمت المطابع، وأبصرت النور الصحافة الحرة،
استلهم المسيحيون ثقافة الغرب فادخلوا إلى البيئة العرية روحًا تحررية عصرية.
ليس التنوع في النسيج الاجتماعي هو وحده ما يميز لبنان، بل قبول الاختلاف في الرأي ونزعة الانفتاح على العالم بكامله وتقديس الحرية واحترام المجتمع المدني.
هذه هي بعض ملامح رسالة لبنان في هذا الشرق.
هذا البعد الحضاري دفع بالمسيحيين إلى الاهتمام الكبير بالثقافة وتعميم المدارس وإطلاق الجامعات ونشر العلوم وإحلال هذه القطاعات في صلب عمل الكنيسة.
ليس الوجود المسيحي في الشرق منة من أحد.
هذا التجذر قوي بفعل صمود المسيحيين ورفضهم لكل مشاريع التهجير التي عرضها عليهم الاستعمار منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم.
فالمسيحية تحتضن في باطنها روحًا مقاومة تنبع من شخصية المسيح المتالم الرافض للهزيمة أمام الخطيئة والشر والممتلئ من إيمان القيامة.
هي ثقافة الصبر في وجه الألم وريادة الثائرين في الحق نحو التحرر.
بهذه الثقافة يواجهون مخططات التهجير من الأراضي المقدسة ومن العراق ولبنان ومصر.
هو حضور المسيحيين في الشرق يضفي عليه نكهته وخصوصيته وقيمته الحضارية.
لقد أعلن أساقفة الكنائس رفضهم عمليات تهويد القدس وتصدوا لكل نهج يهدف إلى تغيير التركيبة الديمغرافية ليس فقط في تلك المدينة المقدسة بل في كل انحاء العالم العربي.
في مرحلة كانت العروبة مجالاً ثقافيًا للقاء المسيحية بالإسلام،
هذا البعد الحضاري يفقد مركزيته بفعل تنامي الأصوليات والتطرف والعنصرية والمذهبية.
عالمنا يحتاج إلى مبادرات وفتاوى تحرم التنازع واستخدام العنف وترسخ التسامح الديني وحرية المعتقد والاعتراف بالحق في الاختلاف والتنوع.
أمام عجز الأمم المتحدة عن تنفيذ قرارات مجلس الأمن المتصلة بحقوق المسيحيين والمسلمين في فلسطين ولبنان وسوريا والجولان، على المسيحيين والمسلمين أن يبادروا متضامنين من اجل استرداد حقوقهم.
تتعرض الآثار المسيحية لعمليات تهويد في فلسطين وتزوير في مختلف انحاء الجغرافيا العربية.
يتعرض المسيحيون كما المسلمين لضغوط نفسية واقتصادية وسياسية ودينية تحملهم على الهجرة.
ظاهرة العنف المستشري في العالم لا تمت بأي صلة إلى الأخلاق الإسلامية والمسيحية. هي تنبع من تلك النظرية التي تريد ان تدخل الأديان والحضارات في صراع دائم وتقضي على كل منحى حواري بينها.
من هنا ضرورة أن يظهر ميثاق شرف إعلامي ديني يضع حدًا لكل عبث بأمن المجتمع ووحدته.
لم يعد كافيًا استنكار المجازر والاعتداءات التي تطال المسيحيين الابرياء. يجب ان يقرن الكلام بالافعال وان تبادر المرجعيات الدينية الإسلامية إلى اتخاذ موقف جماعي واضح تمنع كل اعتداء يطال المسيحيين العزل في كنائسهم ومنازلهم ومراكز اعمالهم ومدارسهم وجامعاتهم.
السكوت عن هذا الإجرام لم يعد جائزًا.
هذا على المستوى الديني أما على المستوى السياسي فعلى الانظمة الحاكمة ان يرعى المسيحيين وتحميهم، وعلى الجامعة العربية أن تبادر فتحصن الوجود المسيحي بميثاقها وقوانينها وقراراتها. وتمنح المسيحيين الاهتمام الكافي وتضمن شرعة حقوقهم، وتحصن موقعهم كمواطنين كاملي الحقوق والواجبات ومساوين لأشقائهم في المواطنة.
المسيحيون لا يطالبون بامتيازات، ولا يحتاجون إلى شهادات حسن سلوك كي يثبتوا مواطنيتهم.
والمسيحيون لا يعتدون او ينتقمون او يطمعون.
من واجب الحكومات حماية المسيحيين ورعاية حقوقهم.
والتعاطي بالعدل معهم والإنصاف والمساهمة في تطوير قراهم ومناطقهم.
ثقافة التعددية هي رسالة حضارية وهي ركيزة كل جسر يجمع أطياف العالم بأسره ويوحد المجتمع الدولي.
سكوتهم يدعو إلى القلق ويطرح الكثير من التساؤلات.
إلى متى سيبقى المسيحيون بحاجة إلى حماية؟
الوجود المسيحي متجذر في تاريخ البلدان العربية وجغرافيتها رغم تحولهم اليوم إلى اقليات.
نشأت المسيحية في الشرق وتفتحت براعمها في بيت لحم حيث ولد المسيح وتمددت نحو مصر والناصرة وقد عاش في أرض فلسطين ولجأ إلى أرض مصر وجنوب لبنان وأمضى فتوته في الناصرة وآخر لحظات حياته على جبل الزيتون.
كذلك سار على طريق الشام بولس والرسل ومن أنطاكيا انطلق المسيحيون وانتشروا في مختلف انحاء العالم القديم، وتمدد انتشارهم على كامل بقاع الأرض.
في جوهرها تبدو المسيحية رسالة ثقافة انعشت النهضة العربية التي اطلقتها شخصيات آمنوا بالإنسان والفكر الحر ورفضوا كل جمود وتخلف ورجعية.
المسيحيون رغم ما يعانون من اضطهاد، لا تزال رسالتهم هي هي، ومسؤوليتهم تاريخية.
هم رسل محبة وسلام وشهادة.
رغم كل شيء على المسيحي ان يتحرر من حالة الإحباط والخوف والضياع ويستعيد دوره الريادي.
فبقدر ما ان وجود المسيحيين ضمانة لاستقرار الشرق وتوازنه، بقدر ما على المسلمين العرب ان ينشطوا في سبيل حماية المسيحيين.
من الضروري ان يستعيد المسيحي إيمانه بأرضه ووجوده وحضوره ويسترجع حقوقه بالمواطنة وأن يمتنع عن بيع اراضيه والتخلي عن كل رابط يربطه بتاريخه وحضارته.
على المسلم ان لا يقف عائقًا أمام استعادة المسيحي لدوره الفاعل.
فالعلاقة بين الجانبين بغض النظر عن حجم كل منهما إلا أنها تبقى علاقة عضوية متكاملة.
في الماضي والحاضر، صدرت دعوات غربية لمسيحيي الشرق بالتقوقع وإقامة دويلاتهم المستقلة.
لكن عموم المسيحيين المشرقيين رفضوا هذه الدعوات ونبذوها وتمسكوا بتعايشهم مع إخوتهم.
في الشرق الاوسط ثماني عشرة دولة منها ثلاث عشرة عربية هي اليمن ومصر والمملكة العربية السعودية والمملكة الأردنية الهاشمية وسلطنة عمان والعراق والكويت والبحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة ولبنان وسوريا وفلسطين إلى جانب تركيا وإيران وباكستان وأفغانستان وقبرص.
يعيش في هذا الشرق 555 مليون ونصف المليون. منهم 15،700 مليون مسيحي اي ما نسبته 2،8%. و97،2% هم مسلمون يتوزعون بين 376 مليون سني و164 مليون شيعي.
إنعكس الاحتلال الأميركي للعراق مأساة على مسيحيين بدأت تلوح في الأفق مع انطلاق التفجيرات التي استهدفت دور العبادة عندهم ومنازلهم.
تلقائيًا أقفلت مدارسهم وقبع أطفالهم في المنازل ينتابهم الخوف والرعب.
وما زاد في الطين بلة تعرض احيائهم للرصاص والصواريخ في غياب تام لأية حماية امنية شرعية.
كيف يمكن أن يشعر كل أبناء الشرق الأوسط بكرامتهم على قدر المساواة؟
هذه هي القضية التي حملها المسيحي المشرقي على كاهله منذ فجر زوال الاحتلال العثماني.
تبنى المسيحي مفهوم الدولة العادلة، والمتوازنة، والسيدة.
اعترض على التفرّد والأحادية والهيمنة، وكافح الإرهاب والأصوليات الرافضة للآخر وللحوار.
انتفض على كل ارتهان.
داخليًا واجه الأوضاع المتوترة التي تنذر بانقسامات لا تفيد أحدًا.
نادى بالتعقل والتهدئة والمناعة الوطنية والحوار.
تمسّك بالحريات العامة بكل أبعادها وعلى رأسها حرية الإعلام والتظاهر.
طالب بقوانين يسهر عليها قضاء حر نزيه وتشكل ضمانة للجميع.
رفض التهوّر ولغة التخوين، وأيّد التنوّع الحزبي والفكري والنضالي.
أبدى المسيحي المشرقي احترامًا لكل الأفكار والآراء والشخصيات.
في نهجه لم يكن عدائيًا ضد أحد ولم يرفع فيتو بوجه أحد. لم يناور ولم يؤسس المحاور، بل سعى بصدق وانفتاح ومحبة لتلاقي الجميع وتعارفهم وتصارحهم والعمل من أجل توحيد الرؤيا عندهم.
أما في لبنان فالمسيحي مرّ بتجربة مرّة جعلته يقف في نهاية المطاف امام خيارات عدّة تجعله يحدد نطلعاته ورؤيته
عليه اليوم أن يتمسّك ويعمل من اجل بناء لبنان لا يتجزأ ودولة مستقلة ذات نظام جمهوري، ديمقراطي برلماني، حر، قائم، يختزن تنوّعًا حضاريًا وثقافيًا، وفي حركة تفاعل دائمة مع الحضارات العالمية.
دولة ترعى حقوق الطوائف وتؤمّن لهم الضمانات وتحافظ على تقاليدهم وأعرافهم التاريخية المتينة وتبني في إطارها مرتكزات التعاون الوطني في المجالات كافة.
عليه أن يقر بطابع لبنان الحضاري المميز، ويعمل في الوقت عينه في سبيل إيجاد صيغة مستقبلية من شأنها المحافظة على خصوصية لبنان وطابعه وواقعه وحضور تنوّع في وحدته.
رغم كل ما أحاط لبنان من تحولات وتطورات دراماتيكية في الربع الأخير من القرن العشرين حتى اليوم، على المسيحي ألا يفقد الامل في بلورة نهج مستقل وخط وطني وفي لعب دور الشاهد الحر والضمير الحي.
على المسيحي أن يرصد الواقع اللبناني ويلفت إلى كل سوء عاينه وتلمسّه، في مسعى منه نحو تصحيح المسار وترتيب الأوضاع التي يعاني منها البلد في شتى الميادين. وهو قادر على تشخيص المعضلة اللبنانية والمرض الوطني والمشاكل الداخلية لاسيما في النواحي الاجتماعية والاقتصادية التي تهدد المواطن.
في أفكاره ترشيد إلى مكامن الخلل، وفي تحركه تقديم يد المساعدة لتضميد جراح الوطن وتوحيد ما تجزأ وتقريب ما تباعد.
عليه أن يرفض أن يكون جزءًا من اي مشروع إلا مشروع سيادة لبنان وحريته واستقلاله وعيشه المتوازن الكريم. وان يؤمن بان الولاء للبنان يعني أن نحب كل أرضه غير منتقص منها ولا حبة تراب ولا ضيعة. وأن نحب كل أهله، كل ابناء الوطن على تنوعهم غير منتقص منهم ولا مواطن أي الـ4 ملايين مهما اختلف عنا في العقيدة السياسية أو التوجه أو المذهب أو الطرح.
أن يرى لبنان دولة سيّدة على كامل أرضها، وأن تبقى هذه السيادة فوق كل اعتبار. وأن تكون دولتنا الأقوى، حاضنة وحدة الشعب وصاحبة العين الساهرة.
المطلوب نقلة نوعية ليس في الأداء السياسي فقط ولكن أيضًا في الفكر السياسي الذي يلبي طموحات الجميع وخصوصًا في التعاطي مع المرحلة الشديدة الدقة التي نحن مقبلون إليها.
قراءتي لبعض الثوابت المسيحية في لبنان
التوافق الوطني والمحافظة على مقومات لبنان في الديمقراطية والحريات، حقيقتان يحفظان الوجود المسيحي ويرسخان منطق التفهم والتفاهم.
من هنا الحاجة إلى الوعي من قبل أركان السلطة والاعتراف بأن مسار الأمور في ازمة والمطلوب تغيير في الفكر والممارسة.
تحتاج الوحدة الوطنية إلى تحصين وحوار جدي وحقيقي بين كل اللبنانيين. والمحافظة على الروح الميثاقية تتطلب العمل مع جميع المسؤولين لتثبيت التوازن خدمة للبنان الواحد، وطن الرسالة، الذي يشكّل نقيضًا للرهانات التي تتحدث عن استحالة التعايش السمح بين الأديان السماوية على أرض واحدة، متأثرة بنظرية "صراع الحضارات" المستحدثة.
الدولة الواحدة العادلة لا يمكن أن تقوم إلا على المساواة والتوازن، وبالتالي ألا تشعر اية طائفة او فئة او مذهب او مجموعة أنها مغيبة عن المشاركة في صناعة القرار الوطني، او انها مبعدة عن دور اساسي في التوازن.
هم العرب عمومًا بحاجة إلى من يجمعهم لا إلى من يفرقهم، وإلى مزيد من الأمل والرجاء لا إلى مزيد من الإحباط.
ان الوطن ثابت ونهائي رغم كل المحن وهو ليس عرضة للمساومة ولا استقلاله مدار جدل.
اننا نتطلع الى وعي مسيحي أكبر لما يجري، فالمطروح ليس صراعاً بلدياً حول موقع، بل هو دورنا ومصيرنا ومستقبلنا في وطن سيد حر آمن لجميع العائلات الدينية وفي هذا الشرق العزيز.
اننا نعول على مبادرة من كافة المراجع الدينية لوضع الاسس والخطوط بما يثبت هذا الاستحقاق ويحفظ وحدة لبنان وديمومته ودوره ورسالته الحضارية.
لن يقوم لبنان على التراشق والتخوين والتهديد والتشنج ولا على بقائه ساحة صراع.
وكل تسلح طائفي أو مذهبي أو حزبي هو طعنة في صميم الكيان اللبناني ودعوة إلى حرب أهلية.
لماذا ننتظر تداعيات المنطقة ولا نحصن نفسنا؟
لماذا لا يصنع الحل في لبنان بدل أن يأتينا جاهزاً من عواصم خارجية؟
أيجوز أن يحتاج تأليف حكومة وفاق وطني إلى كل هذا الوقت الضائع والى جولات دولية مكوكية في كل عواصم العالم؟
غياب التفاهم والتوافق بين اللبنانيين في ظل اوضاع صعبة اقليمية ودولية، وأحوال اقتصادية – اجتماعية تنذر بالخراب، يفتح البلاد إلى آفاق رمادية ضبابية غير مريحة.
الأمن والتسلّح والقوى العسكرية الشرعية
يبقى الأمن هاجس المسيحيين ويومًا بعد يوم يتمسكون برفض كل محاولات إثارة الفتنة الطائفية والمذهبية ويطالبون بالتصدي لكل تنظيم يستعمل السلاح والعنف في التخاطب السياسي.
فإلى اعتبار السيادة والاستقلال والحرية ثوابت لا تنازل عنها أبداً، تأتي الأولوية أيضًا للأمن في كل المناطق، إذ هو ممنوع ان يشعر مواطن في أي منطقة انه مهدد.
الأجهزة المعنية المختصة بحفظ الأمن واجبها الترقب والحذر والبقاء عيناً ساهرة لضمان امن كل اللبنانيين. فالأمن حق كل مواطن على كامل مساحة الوطن، وأول واجب على الدولة، وهو جزء لا يتجزأ من الوفاق الوطني لأن الصراع الداخلي على السلطة يشكل نافذة يدخل منها كل عابث بأمن الوطن.
لم يعد المسيحيون قادرين على تحمل الانفجارات أو الاغتيالات ولا الخطف أو العبوات. ولم يعد مسموحًا أي تقصير في هذا الإطار، ولا إخفاء الحقائق والمجرمين، ولا إبقاء الأوطان ساحة لأي، ما جعل المواطنين يكفرون بما آلت إليه الأوضاع.
يبقى الامن خطًا أحمر في أية عملية نهوض تخرجنا من هذه المحنة التي نتخبط بها.
إن الجيش الوطني الشرعي هو الضامن الأكيد وعنوان السيادة.
وبالتالي لا مكان في بلد مستقر، لجزر امنية أو بؤر خارجة على القوانين.
الجيش وحده صاحب قدسية حمل السلاح دفاعًا عن كل أبناء الوطن.
إن المسيحي معني بالسيادة التامة ويعتبر ان انتشار الجيش الوطني على آخر نقطة من حدودنا علامة انتصار لمبدأ الحق في السيادة على كل التراب. وكل تعد على الجيش أو الأجهزة اللبنانية من أي فئة أو طرف أو تنظيم هي مسألة مرفوضة.
في الشهداء والشهداء الأحياء
نتوقف بإجلال أمام الدماء التي تسقط من ابناء الوطن وأمام الجرحى والمشردين والمهجرين وكأن قدر أوطاننا ان تبقى معلقة على الصليب، وان تتعاقب المجازر والإجرام والبربرية والتدمير.
في هذه التضحيات قرابين مباركة، وهي، بكل براءتها وبكل قداستها، ذخيرة قد تساهم في ابقاء شعلة وطن يحاول اعداؤه طمسه وإلغاءه.
في استذكار الشهداء عودة الى العطاء، الى تقديم أثمن وأروع ما في الإنسان.
إن جرائم التفجير التي تطال الأبرياء ليست إلا رسالة جبانة ضد شعب آمن، ما زال مصلوباً على خشبة.
هلاّ تعلمنا كيف نحصّن هذه الأوطان، وكيف نوحّد جهود شعوبنا لنمنع عنا الأذية والدمار؟
في المقاومة والتحرير والاحتلالات
أن حق لبنان بكل قطرة من مياهه كما بكل حبة تراب من أرضه حق مقدّس غير قابل لأي مساومة أو تنازل.
لقد حذر الفكر المسيحي دومًا من الأطماع في أرض لبنان، والحكومة مطالبة بحملة ديبلوماسية ناشطة تهدف إلى إيضاح الموقف اللبناني في كل المحافل الدولية.
ألا تشكل هذه السيناريوهات والصراعات الجارية في المنطقة حافزًا عند الطبقة السياسية والحزبية والفكرية لاستنفار حقيقي لمواكبة ما يحصل، سعيًا إلى تثبيت دور رائد للبنان في ظل كلام متصاعد على صراع حضارات وتفتيت المنطقة.
حق لبنان في تحرير أرضه كلّها وفي سيادته عليها وفي المقاومة والصمود في وجه أي اعتداء، مسألة لا جدل حولها ولا مساومة.
المطلوب اليوم استراتيجية عربية شاملة يكون لبنان جزءًا منها، فلا يحمل وحده تبعات حروب العالم العربي.
والمطلوب المزيد من التماسك ودعم الدولة والجيش في مسيرة تحرير الأرض من الاحتلالات والدعوة إلى الصمود شعبيًا والمبادرة إلى التحرك دوليًا وفي كل المجالات لدعم القضية اللبنانية العادلة ووضع حد للعدوان.
استعادة لبنان لأرضه وسيادته علامة مشرقة في تاريخنا الوطني. فالتحرير انتصار للإرادة الوطنية.
مطلب الناس الأول هو الأمن والكرامة وهو حق لهم على الوطن والحكم.
على الدولة أن تتحمل مسؤولياتها كاملة في المناطق والقرى المحررة وأن تضع خطة متكاملة كي يتم تطبيقها في كل المجالات الأمنية والعسكرية والمدنية والإعمارية والاقتصادية.
في الحريات والحقوق
نتمسك بالحريات العامة بكل أبعادها وعلى رأسها حرية الإعلام والتظاهر دون أي تجاوز للقوانين اللبنانية.
إبداء أي رأي هو حق أساسي لكل مواطن يضمنه الدستور شرط مراعاة أصول المخاطبة واحترام رأي الآخر.
وبقدر ما نتمسك بوجوب احترام الحريات السياسية والإعلامية، بقدر ما نخشى على مستقبلها بسبب ما تعانيه من انتقاص وكبت وتضييق وكأن هناك تحضيرًا لنظام آخر ومختلف.
كل استهداف لأية وسيلة اعلامية مستنكر.
في الديمقراطية والانتخابات والقانون الانتخابي
نتبنى الديمقراطية الصحيحة نهجًا لممارسة الحكم.
قانون الانتخاب جوهر النظام السياسي اللبناني وهو الذي يجب أن يؤسس لتمثيل صحيح لكل الطوائف، فلا يشعر أحد أنه مهمّش أو ملغى أو يفرض عليه نوابه.
من هنا أولوية قانون الانتخابات ومركزيته.
إن المسيحيين بشكل خاص يعلقون آمالاً عريضة على ان يأتي قانون يسمح لهم بان يوصلوا الى السدة النيابية من يمثلهم حقا دون ان يُفرض عليهم من لا يجسد طموحاتهم ورأيهم.
هذه الحقائق تفرض فتح باب حوار جدي على مستوى الوطن حول قانون الانتخابات على قاعدة العدالة والتوازن يحفظ حقوق الجميع ويؤمن التساوي بين الجميع، بعيدًا عن منطق المحادل الانتخابية والتزوير والتحريف.
الاستحقاق النيابي فرصة حقيقية لتمثيل قوي حقيقي لكل اللبنانيين.
من منطلق القلق على مبدأ انتخابات حرة وديمقراطية تعطي الشعب كل الحق في اختيار ممثليه ومن منطلق الحرص على المشاركة العادلة والصحيحة في صنع القرارات، يأتي التمسك بمبدأ تحصين الانصهار الوطني وإشاعة جو من الارتياح ينعكس على كل لبنان، مع ضرورة المحافظة على الاعتدال والمشاركة والتوافق والتمثيل الصحيح، بعيدًا عن الضغوطات والاستئثار.
أما الانتخابات النيابية فالأجدى أن تتحرر من اجواء الاثارة السياسية وان تراعى فيها دائما روحية الوفاق الوطني والتوازن.
في دولة المؤسسات
التمسك بدولة القانون والمؤسسات وبالحريات العامة يجعلنا نقر أن لا قيامة حقيقية للبنان إلا بدولة مؤسسات تبسط سلطتها على كامل ترابها.
هو موقف ثابت باعتبار أن الشرعية للجميع ولا يمكن أحد أن يتجاهل وجودها أو ان يحل محلها.
المطلوب اليوم السير معًا نحو دولة حقيقية ملتزمة بدستورها وبكل أبنائها.
آمن المسيحي بان الحل كي يكون جذريًا عليه أن يتولّد نتيجة قيام نهج جديد يؤسس لخلق حالة وطنية شاملة ويساهم في تنمية رأي عام واع للمسؤولية.
الأولوية ليست فقط في التواز الحقيقي والشراكة التامة، بل أيضًا في الدور الطليعي للمسيحيين في لبنان والمنطقة خاصة في مناخ الاصوليات وصراع الحضارات، الدور الذي هو جزء من تاريخهم ونهضتهم واشعاعهم.
التدخل الخارجي والتوافق والحوار
اجواء التنقية الاقليمية تساعد على البدء في حلول لبنانية.
اننا إذ ندرك تماما ترابط وضعنا مع ازمات المنطقة، نتمسك بوحدتنا وحوارنا واحترامنا التام للتعدد والتنوع احزابا وطوائف ومذاهب.
لماذا ننتظر تداعيات المنطقة ولا نحصن نفسنا؟
ان اللبنانيين كلهم، على اختلاف طوائفهم وأحزابهم عائلة واحدة فلماذا يسمحون بتدخل من الخارج في شؤون وطنهم وإدارته.
نحن نتحمل مسؤولية مصيرنا ومستقبلنا. علينا المبادرة الدائمة لصنع التوافق والحوار لاننا ادرى بشؤوننا من كل عواصم العالم ونحن نفهم على بعضنا اكثر مما يفهمنا السفراء والقناصل والقوى الخارجية.
أليست الطريق بين احزابنا وقياداتنا اقرب واقصر منها الى عواصم العالم؟
لا أحد يريد مصلحة لبنان اكثر من اهله ولا أحد يفهم حساسيات وضعنا اكثر منا.
فإذا كنا كمسيحيين لا نقدِّر حجم المخاطر التي تحيط بنا ومعنى حضورنا ودورنا ونتائج خلافاتنا على قضيتنا، ين فلن يرأف بمصيرنا أحد، ولن تكون لنا حقوق ولا مساواة ولا مشاركة حقيقية.
المسيحيون والمسلمون على السواء مطالَبون بالذهاب جميعًا إلى الحوار ليس من أجل الحوار بل من أجل التوصل إلى حلول.
الدعوة إلى الوفاق الوطني لا تنطلق من حب البعض لموقع او كرسي او مركز بل من غيرة على كل لبنان فلا تغيب اية قوة تمثيلية عن المشاركة في تحمل المسؤولية الوطنية.
والحوار وحده يمكن ان يجنب الوطن مخاطر كثيرة في ظل التنوع حتى الاختلاف في التوجهات والنظرة الى الهوية والانتماء. في حين ان الشارع ليس حلاً ولا التصادم ولا التراشق بل التوافق الدائم.
على الحوار أن يقدّم إلى اللبنانيين حلولاً بدلاً من أن نراه يغرق في تأجيل جلساته، كأن الشعب قادر على الانتظار. صحيح أن الأزمة متشابكة مع صراعات إقليمية ودولية، ولكن هل يمكن في ظل مناخ الانقسامات والأداء الرديء ونشر غسيل الخلافات على المنابر العربية وأمام الشاشات أن نكون نسير على الطريق الصحيح؟
صحيح أن لا حلولاً سحرية، إلا أنّ التوافق هو المدخل ولبنان هو بالضرورة وطن الحوار الدائم والحياة المشتركة. إن دولة واحدة قوية وسيدة وحدها هي الحل.
يصر المسيحيون على الحوار لأنه خيار لا يتوقف ومسار.
العيش المشترك من صميم ايماننا، إلا ان ابرز هواجسنا يبقى المشاركة الفعالة التامة بصنع القرار الوطني، وفي أولويات الوصول اليه قانون انتخابات يعكس صحة التمثيل وحقوق جميع العائلات الروحية.
لن يرضى المسيحيون بعد اليوم أن يتجاوزهم أحد، لا في الحكومات ولا في المجلس النيابي ولا في الإدارة. لقد شجعوا كل مسعى يهدف إلى تمتين أواصر اللحمة الوطنية لإظهار الجدارة بالانتماء والقدرة على الحكم المستقل الذي يتطلب وعيًا تامًا وخطابًا توحيديًا وحكمة وانفتاحًا واعترافًا بالجميع وحوارًا مع الكل
جميع القوى السياسية مدعوة إلى الحوار. فيه وسيلة لخلق مناخ الوئام.
لا بديل عن "التفهم والتفاهم" بين كل اللبنانيين.
لا يكتمل عقد الوطنية إلا بشعور كل أبناء الوطن بالمساواة والعدالة.
ممثلو المسيحيين في الدولة مطالبون بتأمين التوازن الحقيقي في كل نواحي الحياة السياسية والادارية
ثمة هاجس متزايد لدى المسيحيين ناتج من شعورهم بأنهم غرباء عن الادارة، ما يولد ضجة قائمة حول التوازن الغائب والتهميش الدائم والاستئثار الواضح.
لا قيامة للبنان الا بشعور كل ابنائه بأنهم متساوون وان لا غلبة لفئة واحدة على الآخرين.
التوازن الوطني ليس منّة من أحد ولا هبة وكل ما يُعمل دون مراعاته يخالف الميثاق الوطني والدستور.
التنوّع والديمقراطية هما في أساس تكوين لبنان. إلا أن الشعب اللبناني اليوم بأمس الحاجة إلى توحيد الاستراتيجيا، وإلى تضامن أحزابه وتياراته ومؤسساته.
إصرار المسيحيين على مبدأ مركزي ثابت لا يمكن أن يحيدوا عنه، ألا وهو المشاركة الكاملة المتوازنة في صنع القرار الوطني، وفي كل مفاصل الدولة والحكومة والإدارة والبلديات، يجعل منه ميثاقًا للعيش المشترك يقوم على مبدأ المشاركة في صنع القرار الوطني وفي كل مفاصل الدولة والحكومة والإدارة والبلديات.
وحدتنا وحوارنا واحترامنا التام للتعدد والتنوع احزابا وطوائف ومذاهب هو جوهر الصيغة والنظام.
التقارب بين كل اللبنانيين لتشكيل شبكة أمان ضد كل ما قد يحضر من مخاطر.
كيف ندعِّم قيام دولة حقيقية سيدة حرة قوية تُشعر كل ابنائها بالأمن والكرامة والعزة بمساواة تامة بينهم؟
الحوار المطلوب بحث في العمق في كيفية تحصين الوطن أمام المخاطر المحدقة بالمنطقة.
سياسة الانفتاح على مختلف المسؤولين في الدولة وخارجها بهدف التوصّل إلى قواسم مشتركة بين الجميع، مطلب مسيحي ملح. من هنا ضرورة لقاء مختلف القوى والعائلات اللبنانية وإحياء الحوار فيما بينهم فهو الذي يوصل إلى تفهّم اكبر وإلى بداية لحلحة المشاكل.
الاحزاب بدورهم لما لهم من أثر عميق في الفكر السياسي والمجتمع، مدعوة إلى تعميق التنسيق فيما بينها بهدف إيجاد مشروع وطني يضمن الحريات الأساسية والمساواة أمام القانون وحقوق جميع الطوائف والمذاهب.
المطلوب اليوم في هذا الظرف هو حوار عقلاني بعيد عن الحدّة وعن العنف ومجلس النواب يمكن ان يؤدي دورًا أساسيًا في هذا المضمار.
هناك مسؤولية تقع على عاتق الجميع اليوم والجو الذي تعيشه البلاد جو غير طبيعي. هناك قلق وكأننا نسير بين الألغام وهذا غير مقبول.
العودة الى طاولة الحوار كاطار اساسي للاتفاق بين اللبنانيين على امورهم السياسية والوطنية وهمومهم الحياتية والاقتصادية ولتفعيل الدولة بكل مؤسساتها وادارتها، أمر مرغوب فيه بل مطلب ملح في الوقت الراهن. وكل محاولة لحكم لبنان دون توافق كل ابنائه وتياراته وقواه واحزابه وطوائفه هي ضرب لمعناه وتاريخه وجوهر وجوده ونظامه، فلا بديل عن الوفاق اللبناني الذي هو وحده باب الخروج من كل ازماتنا.
أمام مصير مخيف وتحديات مذهلة وكوارث اقتصادية وإنسانية واجتماعية وبيئية، ثمة دعوة إلى الشفافية والصراحة والتضامن والقرار المشترك بين كل اللبنانيين من أجل التأسيس لبناء وطن ودولة راسختين.
الوحدة الوطنية ضمانة كل مستقبل، ومطلب التوازن والمشاركة الحقيقية الكاملة في الوزارات والادارات ليس طرحًا فئويًا او مذهبيًا، ولا هو أخذ حصص طائفية ضد آخر، بل هو في صميم رسالة الوطن وفي قلب روح وثيقة الوفاق الوطني، إذ لا شرعية لأي سلطة لا تراعي الميثاق الوطني كما جاء في مقدمة دستورنا.
الحوار ضرورة وواجب الدولة رعايته وإدارته عبر مؤسساتها بدءًا بمجلس الوزراء ومجلس النواب إلى مشاركة كل الفعاليات من دون استثناء.
وفي هذا الإطار تبدو المصالحة الوطنية أولوية وانخراط كل القوى والتيارات في مشروع الدولة حاجة ملحة.
الحوار وحده يمكنه ان يجنب الوطن مخاطر كثيرة في ظل التنوع حتى الاختلاف في التوجهات والنظرة الى الهوية والانتماء. ان الشارع ليس حلاً ولا التصادم ولا التراشق بل التوافق الدائم.
المطلوب تغليب العقل والمنطق والعودة الى الحوار الجدي الرصين العميق.
ليس لدينا خيار سوى ان نتفاهم. مهما تباعدنا لا بد من تسوية. فلماذا علينا ان ندفع من لحمنا ودمنا وأجسادنا واقتصادنا. ألم نتعلم من عبر الماضي؟
ان مصير لبنان على المحك، الخلافات السياسية الداخلية تنعكس سلبا على المناخ العام.
قدر اللبنانيين وخيارهم ان يثبتوا انهم تعلموا من عبر الحرب والخلافات وانهم قادرون على صناعة غدهم والمستقبل.
المطلوب وضوح الرؤية. لقد حان زمن إشراك كل لبنان في تقرير المصير.
حان وقت تلازم مسارات السيادة على كل الارض والحرية لكل الشعب والتوازن بين كل العائلات الروحية.
مسؤوليتنا نحن، كلبنانيين اولا وكمسيحيين خاصة ان نبرهن اننا لسنا قصّاراً في إدارة شؤوننا ولا ننتظر دائما كلمة سر تأتي الينا من الخارج ولا نتفق إلا اذا اجبرنا الآخرون على ذلك.
في الانتشار اللبناني والدولة الإسلامية والحق اللبناني في المحافل الدولية
الانتشار اللبناني هو ثروة وطنية، رغم ان الارض خسرت ابناءها.
تثبيت اواصر اللحمة بين جناحي لبنان، المقيم والمغترب هو من واجبات الدولة بكل اجهزتها، على ان الطوائف والمؤسسات الاغترابية والاهلية يجب ان تلعب دورا رائدا في هذا المجال.
المنتشرون مطالبون بالتسجيل الدائم لكل ابنائهم في القنصليات لئلا ينقطع حبل الرحم مع لبنان.
على وزارة الخارجية تسهيل هذه المعاملات.
ان استعادة الجنسية للذين فقدوها يجب ان يكون على جدول اعمال الهيئات الاغترابية والسفارات والقنصليات في الخارج، وإن حق الانتخاب لكل المنتشرين هو من صميم مسؤوليات الدولة التي يجب ان ترعى ابناءها كلهم.
واللبنانيون المنتشرون مدعوون إلى المساهمة المادية الفعالة في دعم المؤسسات هنا والتي وصل الكثير منها الى حالات صعبة. ان تثبيت صمود الناس حتى لا يهاجروا يقع على عاتق اخوانهم الذين نعمت عليهم الاوطان الجديدة بأوضاع اقتصادية افضل.
على الانتشار ان يكون الصوت المدوي للقضية اللبنانية والعين الساهرة على لبنان، على كل تراب لبنان، ولكل اهل لبنان وأن يتعالى عن الخلافات المذهبية والدينية ويظهر الوجه الواحد للوطن الام. ان صوت الانتشار في عواصم القرار هو صوت لبنان الجريح الواحد.
كل عملية اغتيال أو خطف او ضغط يتعرض لها لبناني مغترب هي مأساة وطنية كبيرة تطال العائلة اللبنانية الشاملة التي اضطرتها ظروف الحرب والاقتصاد إلى الهجرة بحثًا عن أمن ومستقبل. فإذا بها تدفع خيرة ثمارها ضريبة للعنف والإرهاب.
لبنان والأصولية الإسلامية والتطرف
مواقف بعض الفئات المتطرفة التي باتت تجاهر بأسلمة لبنان أرضًا وشعبًا وبفرض نظام الدولة الإسلامية على جميع أبنائه، يدفع كل إنسان شريف إلى التحرك لترسيخ قيم الحضارة اللبنانية، ومكافحة كل النيّات والخطط الرامية إلى إزالة المعالم المسيحية في لبنان.
التطرف يؤدي حتمًا إلى تمزيق لبنان وتقسيمه.
مع الاحترام للإسلام كدين ورسالة، فكرة الدولة الإسلامية في لبنان مرفوضة لأنها تضع حكمًا خارج أطرها فريقًا كبيرًا وأصيلاً من اللبنانيين عميق الجذور في أرض لبنان وتاريخه ساهم مساهمة فاعلة في إرساء معالم الحرية والحضارة على ربوعه وهذا الفريق لن يقبل إطلاقًا بأن يصبح ذميًا في وطنه.
في قضايا الناس
على المسيحي ان يحمل لواء القضايا الاجتماعية ويبحث عن حلول لمسائل الفقر والبطالة وغياب فرص العمل، والطفولة المشردة على الطرقات، والعجزة والمتشردين والشحادين.
الالتفات الى قضايا الناس اليومية ومشاكلهم امر بديهي إذا ما أردنا بناء دولة العدالة والكرامة الإنسانية.
الأوضاع المتردية في لبنان والعالم العربي تولّد هواجس لدى الشباب اللبناني، وتزيد في نسبة القلق على المصير وموجات اليأس والهجرة.
لم يعد مقبولاً أن تستمر الخلافات والتجاذبات بين أهل الحكم، في وقت يئن اللبناني من أزمة اقتصادية خانقة، ويسأل عن الحق فيضيع.
ثمة خطر من ان تصل الامور إلى نقطة انفجار اجتماعي لا يرغب به أحد من اللبنانيين.
المطلوب من الدولة أن تؤكد وجودها قبل فوات الأوان.
من القضايا التي تستحق ان تستحوذ كل الاهتمام التربية والتعليم بما فيه الجامعي.
بقدر ما هو التعليم رسالة روحية ووطنية وإنسانية، بقدر ما يتوجب التحسس بمستقبل الاجيال اللبنانية الناشئة والحفاظ على مصلحتهم ومصلحة الأهل والوطن ومعالجة مسألة الزيادات الدائمة على الأقساط المدرسية.
في الاقتصاد
تفاقم القلق وازدياد المشاكل الحياتية والاقتصادية والاجتماعية في هذه المرحلة الحساسة يتطلب الكثير من الوعي والحكمة والصراحة...
على الحكومة إيلاء الحالة الاقتصادية الاجتماعية اقصى درجات الاهتمام لأن وجع الناس وصراخهم يزداد ولأن القلق على المستقبل خاصة عند الشباب من ابرز اسباب الهجرة التي هي عدونا الابرز.
بات ملحًا اليوم اعلان حالة طوارئ اقتصادية اجتماعية لأن الاستحقاقات المالية داهمة، والشعب يئن من البطالة وصرف العمال والغلاء والاقساط وندرة الاستثمار...
وصل الوضع الاقتصادي الاجتماعي الى درجة تستدعي ليس فقط حلقات حوار ولا خلوات وزارية دائمة بل حتى حالة طوارئ سياسية يكون بندها الوحيد كيفية معالجة الهجرة واليأس والهدر والفساد والدين العام.
الاصلاح الاقتصادي صار امرًا واجب الوجود، وإلا سيستمر الوطن في نزيفه وانهياره.
من الضروري أن يكون برنامج الإصلاح المالي الاقتصادي على رأس الاهتمامات
لن يتحمل اللبنانيون ولن يقبلوا أن يدفعوا ثمن أخطاء الطبقة السياسية.
تحريك الجمود والالتفات إلى قضايا الناس الحياتية من عمل وبنى تحتية وكهرباء وسواها، أولوية أساسية إذا ما أردنا قيامة حقيقية لواقع المجتمع اللبناني.
ثمة قلق جدي بفعل تراجع الوضع الاقتصادي وارتفاع حجم المديونية العامة، لما ينعكس ذلك على الوضع العام في البلاد.
إلى الأزمات الاقتصادية والدين العام وواقع الإدارة غير المتوازي، تأتي ملفات الفضائح التي تطاول أكثر من مرفق لتزيد الواقع سوءً وسوادًا.
مطلوب جردة حساب رسمية على واقع التعيينات والتعاقد، ليتسنى للرأي العام أن يعرف حقيقة الأمور وإصلاح اي خلل.
الفلسطينيون في لبنان
مع رفض وجود السلاح في أيدي الفلسطينيين، خارج وداخل المخيمات، يأتي التخوّف من التوطين ليزيد الواقع ضبابية.
إن رفض التوطين هو من المسلمات الوطنية التي جاءت في مقدمة الدستور وهو يرتدي الأهمية نفسها التي ارتدتها مقاومة الاحتلال الإسرائيلي.
العبء الذي يتحمله لبنان، بفعل وجود ما يزيد عن أربعمائة ألف من اللاجئين الفلسطينيين، فوق أراضيه، هو عبء يفوق طاقة لبنان، من حيث الكثافة السكانية، ويضاعف مشكلة الاكتظاظ السكاني، مقارنة بمساحة لبنان الجغرافية، فيما ترى إحصاءات واقعية أن العدد يتجاوز ستماية ألف فلسطيني.
إن لبنان الذي استضاف اللجوء الفلسطيني، عملاً بالواجب الإنساني والقومي، والذي تحمّل التضحيات القصوى في سبيل نصرة القضية الفلسطينية، المتمثلة بحق العودة، أصبح هدفًا لمؤامرة خطيرة يوم طرح وطنًا للفلسطينيين، بديلاً عن فلسطين.
هذه المؤامرة معززة بالكثافة الفلسطينية في لبنان، وحالة التسلّح بذريعة "العمل الفدائي"، كانت من الأسباب المباشرة، لاندلاع الحرب في لبنان عام 1975، ولتحريك الطروحات القصوى التي هددت وحدة الشعب والأرض، وقد تمثلت بمؤامرة التقسيم.
إن القضية اللبنانية تصدّت لخطر التوطين، فرفضته، أسوة بخطر التقسيم، كمعادلة متلازمة تلازم السبب والنتيجة، فحلّت هذه المسلّمات الثوابت نصًا بارزًا في الدستور اللبناني.
أصدرت جامعة الدول العربية، قرارات عدة حظّرت بموجبها على الدول العربية المضيفة للشتات الفلسطيني، منح جنسيتها للأخوة اللاجئين، حفاظًا على قضيتهم، وحفظًا لحقهم بالعودة، ومنعًا لذوبان هويتهم عبر توطّنهم الدائم في هذه البلدان.
كما أن ثمّة قرارات دولية خاصة بالحقوق الفلسطينية، أبرزها القرار 194، والقرار 242، اللذان يكرسان حق العودة، وحق جمع شمل العائلات، التي شرّدتها نكبة فلسطين والحروب التي تلت تاريخ النكبة.
إن اعتبار حاجة العالم العربي، للسلام العادل والشامل، موازية لحاجة إسرائيل والغرب، وسائر دول العالم لهذا السلام إياه، وما لم يكن الأمر على هذا النحو، فلا حاجة به للبنان وسوريا، ولا لبلدان المنطقة العربية، ولا للأسرة الدولية جمعاء.
تمسّك لبنان بإسقاط مؤامرة التوطين مطلب داخل في صميم محادثات السلام، وبند أساسي في جدول أعمال هذه المحادثات، وشرط وطني، يوازي بأهميته تحرير لبنان.
وبقدر التعاطف مع معاناة الشعب الفلسطيني والتأييد لنضاله من أجل إقامة دولته والاستنكار لما يتعرّض له الفلسطينيون من تنكيل، بقدر ما هي مرفوضة عودة الفلسطينيين في لبنان إلى خطاب تصعيدي أو انفلات أمني تحت أي حجة تفتح بابًا على حرب لسنا مهيئين لها.
في المسيحية المشرقية
على مستوى مسيحيي الشرق الأوسط، نحن بأمس الحاجة إلى مزيد من اللحمة بين الكنائس الناطقة باللغة السريانية ومزيد من التوحّد مع الكنائس الشقيقة ومزيد من الحوار المسيحي – الإسلامي، لأن الخشية الحقيقية أن يشهد هذا القرن نهاية الحضور المسيحي المشرقي إذا استمرت وتيرة الهجرة على ما هي، وإذا بقيت المشاكل السياسية والحياتية والاقتصادية تمنع الفرد الإنسان من الشعور بالحرية الكاملة والكرامة والراحة وعدم الأمان للمستقبل".
التمثيل المسيحي المشرقي، مع الأسف، يصبح رمزياً يومًا بعد يوم.
كيف يمكن أن تظهر العروبة الحضارية وجهاً ناصعاً إذا لم تكن تلحظ المشاركة المسيحية في صنع قرارها.
تتحمل الحكومات في المنطقة كل المسؤولية وراء عدم استيعاب الحضور المسيحي.
مشيرًا إلى دورها وأدائها على هذا الصعيد
من حق المسيحيين العيش بكرامة وسلام وأن يتساووا مع أشقائهم في المواطنة وان ينعموا بالحرية.
من الضروري مضاعفة الجهود من اجل الا تبقى صورة التكفيريين والإلغائيين هي الطاغية.
دور الكنائس في تثبيت المسيحيين في ارضهم التاريخية رغم الحروب والوضع الاقتصادي الصعب وتنامي الارهاب والاصوليات الالغائية وغياب الديموقراطية واحترام حقوق الانسان يبقى من اولويات واجباتها، لا سيما وأن أرض لبنان مقدسة لأن السيد المسيح مرّ فيها.
في الإحباط المسيحي
مخاطر جمة تحيط بالمسيحيين ولبنان، لا يمكن مواجهتها إلا بمزيد من توحيد الجهود والرؤية والأهداف وتعزيز العيش المشترك ودور لبنان في المنطقة.
يطاول الإجحاف الشارع المسيحي بسبب أداء الدولة المشبوه على هذا الصعيد.
ظاهرة لا يمحوها إلا النضال من اجل التوحد لقيام استراتيجية مسيحية وطنية تأكيدا للتضامن بين الاحزاب والقوى والتيارات وحفاظا على القرار المستقل.
من الضروري استنهاض القوى الحية لدى المسيحيين، ودفعها إلى المشاركة الحيّة والفاعلة في الحياة العامة ورفض اليأس والانكفاء،
العمل في اتجاه فرض إعادة التوازن، والمثول بقوة في آلية صنع القرار في الدولة، ومواجهة المحادل السياسية التي تستفيد من الغياب المسيحي لتكريس امر واقع لا يمكن في أي حال من الأحوال أن يعكس حقيقة لبنان القائمة على التوازن، والمشاركة والتفاعل، فيستقيم العيش المشترك، ويأتي تعبيرًا وتجسيدًا لواقع قائم.
كذلك التراشق المسيحي العنيف بين التيارات والقوى والشخصيات في زمن نحن أحوج ما يكون فيه المجتمع الى تناغم مسيحي وتوافق وطني، هو امر مستهجن.
من الملح طي صفحة الخلافات والخصومات والتنافر المسيحي، بين كل الاطراف والاحزاب والشخصيات، لأننا امام مفترق خطير وأمام تحديات عظيمة، ولأن مستقبلنا كمجموعة وكشعب وكطوائف وكدور طليعي رهن بطريقة تلاقينا وإدارتنا لتنوعنا وتعددنا.
ومن الملح أيضًا التلاقي حول ثوابت مسيحية ووطنية تعزز استقلالنا وتعيدنا الى قلب القرار الوطني، بالشراكة التامة مع كل اللبنانيين، مثالا حقيقيا لعيش مشترك.
على المسيحيين ان يتوحّدوا في الرؤيا وفي الثوابت، ليس ضد أحد ولا في مواجهة أحد، بلْ مع كل اللبنانيين لخلاص الوطن.
كل الأطراف مدعوة إلى إبقاء الخلافات السياسية ضمن منطق الحوار والديمقراطية واحترام الآخر. فنقدّم للعالم العربي نموذجًا حضاريًا هو بامس الحاجة إليه في زمننا الحاضر.
على الجميع ان يفكروا معًا بمحبة واحترام حول أفضل السبل لتأمين السيادة الكاملة، الحرية التامة، والمشاركة المتوازنة.
شعبنا لن يرحم اذا خسرنا حضورنا بسبب خلافاتنا وتفككنا، لأنه يمر في فترة حرجة جدًا من تاريخه ومصيره ومستقبله وكل ما يرمز إليه من تاريخ وحضور، يقف اليوم على المحك.
على المسيحيين ان يجتمعوا ويتضامنوا مع كافة اخوتهم في الوطن.
ان المسيحيين واللبنانيين يفتقدون في هذه المرحلة العصيبة الى الحكمة والفكر ورجال الدولة والمؤسسات.
العودة الى الطائفية والمذهبية ولغة الشوارع والحقد لن يربح أحداً. ومنطق العقل والوحدة يجب ان ينتصر وإلا خسرنا كل ما نملك...
اختلاف الرأي السياسي بين المسيحيين نعمة ولكن تدمير الذات والتقاتل ينهي اي امكانية لاي نهضة ودور.
المسيحيون لا يمكن ان يكونوا الا صنّاع قرار في الوطن. لا ملحقين ولا مهمشين ولا مراقبين ولا ذميين. ولا تنازل عن دورهم في الدولة وحضورهم وتوازنهم ولا يمكن ان يستمر الوضع وكأنهم ليسوا موجودين.
ليس لدى المسيحيين إلا مشروع الدولة الواحدة القوية العادلة السيدة الحرّة المستقلة القائمة على المساواة التامة والتوازن الكامل.
ثوابت لبنانية
من واجبي التذكير ببعض الثوابت اللبنانية، التي تشكل ضمانة لكل الطوائف اللبنانية وتؤمن العدالة بين اللبنانيين.
لبنان وطن نهائي، بحدوده المبينة في المادة الاولى من الدستور اللبناني والمتعرف به دوليًا.
اللبنانيون: المقيمون منهم والمنشرون في العالم، يؤلفون الأمة اللبنانية، المبنية تاريخيًا على التعددية الاثنية والدينية، وعلى التنوع الحضاري، والثقافي، والتراثي، واللغوي، والمتكونة من مجتمعين رئيسيين متحدين: المسيحي والاسلامي، وهما متساويان في الحقوق والواجبات.
لبنان بواقعه الاجتماعي والسياسي والوطني، وبحقيقته التاريخية، هو :اتحاد طوائفي" بين مجتمعين الاساسيين، مما يحتم اشراك طوائفهما في ادارة شؤون الدولة.
لبنان دولة حرة مستقلة، ذات سيادة تامة، وذات نظام جمهوري ديمقراطي برلماني تعددي يقوم على مبدأ فصل السلطات، ويرتكز على ديمقراطية التوازن والعدالة بين الطوائف.
تضمن الدولة اللبنانية وتصون حريات وحقوق الافراد والجماعات التي يكرسها الدستور اللبناني، وايضاً كل الحقوق والحريات التي تكرسها شرعة حقوق الانسان.
لبنان، في محيطه الاقليمي متعدد الانتماآت: (مشرقي، وشرق ادنوي – وشرق اوسطي – وشرق عربي – وبحر متوسطي) وهو من الوجهة الحضارية والثقافية والتراثية، حصيلة الحضارات والديانات الديمة والحديثة، التي عاشت على ارضه وتفاعلت مع شعبه عبر تاريخه الطويل، وعالميًا فهو ينتمي الى الحضارة الغربية الانسانية العالمية، التي هي ايضًا جزء منه. وبفعل هذا، فقد تكونت للبنان الوطن، وللأمة اللبنانية، هوية وطنية قومية لبنانية خاصة بهما.
الدولة اللبنانية، بحد ذاتها، كشخص معنوي وقانوني، هي دستوريا (المادة 9 من الدستور)، دولة علمانية (زمنية)، اي غير دينية، وبالتالي حيادية بين الاديان، تمتنع عن اتخاذ اي دين رسمي لها، ان علمانية الدولة، وواجب احترام وضمان حرية الاشخاص، توجب علىالدولة اقامة الزواج المدني الاختياري، ووضع قانون مدني اختياري للاحوال الشخصية، يطبق على كل من يختاره من اللبنانيين.
المطالبة بالغاء "الطائفية السياسية" وبتطبيق قاعدة الاكثرية العددية، هو مخالف للواقع الوطني ولمنطق التاريخ اللبناني، ومناقض لمبادئ واصوف الديمقراطية الحقيقية.
يجب اعلان لبنان دولة حيادية، تلتزم الحياد الدولي الدائم، وتبعا لذلك فهي تعمل للسلام العالمي، وتبتعد عن المحاور والاحلاف السياسية والعسكرية، وعن الحروب، وهي تمارس هذا الحياد من خلال عضويتها في جامعة الدول العربية، وفي منظمة الامم المتحدة، وفي سياستها الخارجية مع كافة دول العالم.
تنتسب الدولة اللبنانية، كعضو عامل وفعال، في المؤسسات والمنظمات الثقافية، والاقتصادية، والعلمية، الاقليمية منها والدولية، فتعمق بذلك مساهمة لبنان في التعاون الدولي الانساني.
تتعامل الدولة اللبنانية في علاقاتها مع كل دول العالم، على اساس مبدأ السيادة التامة، والمساواة، والمعاملة بالمثل، وعلى أساس التعاون، والاحترام المتبادل لاستقلال كل دولة، وسيادتها، وأنظمتها، وقوانينها.
نظام لبنان الاقتصادي حر، وعلى الدولة رعايته، ويجب عليها أن تضمن للمؤسسات وللأشخاص وللرساميل حرية التحرك والعمل، بعيدًا عن التجاوز والاحتكار والاستغلال.
المبادرة الفردية مصونة بما لا يتعارض مع النظام العام والمصلحة العامة.
اي مشروع اصلاح او تطوير للنظام اللبناني، يجب ان يكون توافقيًا بين المجتمعين اللبنانيين الرئيسيين، وأن يقوم على أساس الثوابت الواردة في هذه المذكرة، كما يجب ان يحافظ على الحقوق والضمانات التاريخية العائدة للطوائف اللبنانية. وذلك عن طريق الحوار بين اللبنانيين، وفي اطار من السلم الحقيقي، والحرية التامة.
ان بحث واقرار اي اقتراح او مشروع يتعلق بتطوي النظام اللبناني، يجب ان يتم بواسطة المؤسسات والسلطات الدستورية الحالية، وفقًا للأصول المحددة في الدستور اللبناني، ومن قبل مجلس نيابي منتخب.
وجوب ممارسة اصول الديمقراطية الصحيحة في اختيار نواب الامة، مما يعني رفض مبدأ تعيين النواب بأي شكل كان.
تراجع الحضور المسيحي
"مما لا جدال فيه ان الحضور المسيحي في المشرق العربي يتراجع يوما بعد يوم، وأسبابه عديدة ومتفرعة،
الحرية الايمانية هي حق مقدس كفلته شرعة حقوق الانسان،
الاديان السماوية التي انطلقت من هذا الشرق تدعو الى المحبة والسماح والغفران،
من غير الجائز ان يشعر احد انه مرفوض او مضطهد بسبب دينه او مذهبه او معتقده،
الانسان اما ان يكون حرا او لا يكون انسانا.
في غمرة موجات التطرف والتصعب والاستفزاز والكراهية ما يمكن ان يسمى احيانا "بالارهاب الديني" الذي يغزو العالم، وفي ظل الاستنكار العارم للدعوات والممارسات المشينة ضد اي دين من الاديان، لا بد من تأكيد حق كل ديانة بتمسك اتباعها بخياراتهم الحرة في معتقداتهم وشعائرهم والتعبير عنها وفقا للقيم والمبادىء الاخلاقية التي هي جوهر انسانية الانسان.
ان اللبنانيين بأكثريتهم الساحقة، مسلمين ومسيحيين، مؤمنون بان هذا الوطن اذا خسر تنوعه الايماني والثقافي والحضاري، واذا فقد حرية انسانه الفردية فانما يخسر مبرر وجوده وديمومته لان هذا اللقاء الفذ بين اديانه ومذاهبه وهذا التفاعل الخلاق بين معتقدات ابنائه، هو الذي يعوض عن مساحته وعدد سكانه ويحوله الى وطن ذي دور ورسالة.
الخوض في متطلبات الحضور المسيحي الفاعل في الشرق العربي، قضية شائكة، الجزء الاهم من متطلبات هذا الحضور هو ما ينشده كل انسان في هذه المنطقة، وليس فقط المسيحيون.
السلام والاستقرار وحقوق الانسان والازدهار والحرية والديمقراطية، هي مطالب جميع مواطني دول هذه المنطقة.
الهجرة بسبب غياب هذه الحقوق، تطاول اعدادا كبيرة من ابنائها المسلمين قبل المسيحيين، غير ان انعكاس هذا الغياب على اتباع الديانة المسيحية اكبر بكثير. اولا، لان اعدادهم قليلة بالاساس، وبالتالي فان التناقص سريعا ما يبرز للعيان. وثانيا، لان وقع التهميش على الاقليات اكثر وطأة عليها منه على سائر فئات المجتمع التي لا يمكنها ان تعزو سبب تهميشها الى كونها أقلية. هذا فضلا عن سعي المجموعة او الفرد الحاكم الى استرضاء الاكثرية من خلال تدابير ومواقف غالبا ما تستهدف الاقليات، وبخاصة الدينية منها".
وليس من يجهل ان المجتمعات المزدهرة والمطمئنة الى حاضرها ومستقبلها، والمتمتعة بحقوق مدنية واجتماعية وسياسية من شأنها ان تصبح حاضنة لنوعية راقية من المواطنين قابلة بالآخر المغاير وبحقه بالاختلاف.
وهذا بتقديري او ما يطلبه المسيحيون في المجتمعات العربية التي يعانون فيها منذ عقود من اسقاطات متنوعة واحكام مسبقة من جانب الاكثريات في مجتمعاتهم التي تريدهم ان يتبنوا عادات اجتماعية ومعتقدات سياسية، وفي بعض الاحيان دينية، مخالفة لعاداتهم وتقاليدهم ومعتقداتهم.
بالتأكيد ان عملية تشكل الدول وفق الشكل الذي يستجيب لمعايير حقوق الانسان والمواطنة القائمة على المساواة بين جميع افراد الشعب ومجموعاته الاثنية والطائفية، يفترض ان تكون نابعة من داخل هذه الدول.
العالم العربي سلك طريقا معاكسة، ادت في شكل طبيعي الى نتيجة معكوسة، لقد صهرت النخب الحاكمة خلال العقود الستة المنصرمة، باجراءات فوقية، مجتمعاتها وطوائفها ونخبها، وانصهرت هذه المجتمعات والطوائف، بشكل طوعي في معظم الاحيان، في قالب ايديولوجي واحد تطغى عليه، ان لم تسد فيه، ألوان ومعتقدات وتطلعات ونمط حياة الاكثرية الاسلامية.
متطلبات الحضور المسيحي الفاعل في دول الشرق العربي تبدأ بإعادة الاعتبار الى التجربة اللبنانية، بأبعادها القائمة على الديمقراطية والعيش المشترك والمساواة بين جميع المجموعات الطائفية، ومحاولة تعميمها، بالقدر الممكن على الدول العربية، كل بحسب اوضاعه وظروفه الداخلية. فلبنان شكل قبلة لمسيحي الشرق ومقرا لكنائسهم وجامعاتهم ومؤسساتهم وفي بعض الاحيان ملجأ لهم، عندما كان وجودهم مهددا. وكل مبادرة باتجاهه سرعان ما تنعكس، في شكل او آخر عليهم.
لعل المناخ السياسي والتبدل في الذهنيات هو اكثر القضايا إلحاحا بالنسبة الى الحضور المسيحي الفاعل في الشرق العربي، لانه المدخل الالزامي للتنمية المستدامة والشاملة لمختلف نواحي الحياة الانسانية التي تجتذب المسيحي المشرقي الى الدول الغربية حيث تسود المساواة والفرص المتاحة امام الجميع. المسيحيون يريدون البقاء في الشرق العربي، والدليل انهم لا يزالون مقيمين فيه، وان بعض من يهاجرون منه يعودون اليه على رغم المغريات في دول الغرب. غير انهم يريدون ان يعيشوا بكرامتهم وبمساواة مع غيرهم من ابناء المنطقة، وبشيء من الحرية. ان كل مبادرة رسمية او حتى فردية، أكان على مستوى مادي، كمثل انتهاج سياسات او تقديم دعم، ام معنوي، كمثل اعلان مواقف ايجابية من الدور المسيحي في العالم العربي، تجد دائما وقعا لافتا في صفوف المسيحيين في كل دول المشرق العربي. فكيف اذا تنسقت هذه المبادرات وتتابعت في اطار جامعة الدول العربية ومؤسساتها، او في غيرها من الاطراف الموجودة او تلك التي يمكن استحداثها، وصارت منحى ثابتا في السياسات الرسمية والمناهج التربوية.
المتطلبات للحفاظ على الدور المسيحي الفاعل في المشرق العربي ليست صعبة التوافر متى توافرت النيات الرسمية الحسنة والانتباه المطلوب من المسؤولين في دول هذه المنطقة التي لن تجد نفسها، في حال غياب الحضور المسيحي التام، الا ساحة لنزاع دام مفتوح الى ما شاء الله بين الاسلام واليهودية. نزاع سوف يؤدي الى مزيد من الكراهية والموت والدمار ولكن ايضا المزيد من الفقر والتخلف والحرمان، وتراجع لحقوق الانسان.
دور الانظمة العربية يفترض ان يتزامن مع التزام دولي بالاحجام عن السياسات التي تشعر اي فئة من فئات منطقة الشرقين الاوسط والادنى بالغبن والاستهداف او بالخضوع لعدالة الكيل بمكيالين. فهذه السياسات أدت، خلال العقود الماضية، الى بروز تيارات راديكالية مناهضة للقيم العالمية التي تتبناها دول العالم، لاختبارها إجحافها او عدم الالتزام بمقتضياتها لدى تعاطي هذه الدول مع القضايا التي تهمها. وفي مجتمعات تقودها هذه التيارات الراديكالية الرافضة للشرعة العالمية لحقوق الانسان وغيرها من المواثيق الدولية، من الصعب توقع بقاء مسيحيين فيها. ولعل تجربة القضية الفلسطينية التي لم تزل جرحا مفتوحا لا يجد طبيبا متجردا يعالجه منذ اكثر من ستين عاما، وتجربة العراق بالامس القريب، وما أفضتا اليه من هجرة للاقليات المسيحية منهما، خير دليل على الانعكاسات السلبية لهذه السياسات على وضع المسيحيين في الشرق العربي.
الموضوع الذي يجب ان يطرح هو: ما هو مصير العرب كشعب تاريخي في حال زوال التعارف من بينهم مع الاخر بالاعتبار بان مثل هذا الزوال للنصارى العرب امر يمكن تخليه؟
لبنان بالنسبة الى العرب، هو اخر معاقل النصرانية، في ديارهم، ومنذ عشرين سنة تقريبا، عندما بدا للعرب من اقصى مشارفهم الى اقصى مغاربهم، ان النصرانية في لبنان توشك على الانهيار تملكهم الخوف وهبوا جميعا لوضع حد لهذا الانهيار.
المسيحيون الباقون حتى اليوم في ديارهم العربية، والى جانب رهطهم، هم وحدهم من حماة هذه الديار ان هم ارادوا ذلك فعليا، المطلوب منهم فقط استمرار وجودهم حيث هم، حتى تستمر الظاهرة التاريخية التي اسمها العرب النصارى، التي بدونها لن يكون هناك شيء اسمه عرب، فهل ندرك عمق المسؤولية التاريخية والحضارية المنوطة بنا وخطورتها؟".
أول ما يثار اليوم هو المسألة الديموغرافية.
الحديث اليوم عن تراجع ادوار المسيحيين متصل اتصالا وثيقا بضعف الدولة أو اضعافها ومعها المواطنة والمساواة.
لكن الرد على تراجع الدولة والمواطنة لا يكون إلا في التمسك بالدولة وبتأكيد المواطنة، بديلا من اعادة اختراع العصبية الطائفية، ردا على العصبيات الأخرى.
الخوف من تراجع أدوار المسيحيين، والتفجع بأحوالهم يستعجل تحقيق ما يخافون منه.
لا مستقبل للمنطقة من دون العيش الواحد، وأن تراجع الحضور المسيحي من حيث العدد.
التحديات التي تواجه المسيحيين كتنامي الحركات التكفيرية الاسلامية والتي تسعى الى إلغاء الآخر المسيحي والاسلامي الذي لا يطابقها النظرة، وانزلاق بعض الفئات المسيحية الشرقية الى منطق انعزالي كمخرج وحيد لحمايتهم، كلها عوامل تدعو المسيحيين اليوم وأكثر من السابق إلى استعادة مواجهة هذه التحديات بترسيخ هويتهم كرسل حضارة.
وجود كنائسنا في هذه المنطقة من العالم يشير الى أصالة كنيسة المسيح الواحدة الجامعة المقدسة الرسولية في سياق التاريخ الانساني والجغرافية، ويشهد استمرارها، رغم الصعوبات على اختلافها والانقسامات التي عرفتها عبر مراحل التاريخ المعاقبة، على أمانتها للمسيح منذ يوم العنصرة.
أي انتكاس يصيب وجود المسيحيين، واي انحسار لدورهم، هما بمثابة شهادة مضادة لتجذر المسحية في منطقتنا منذ ايام الرسل وحتى اليوم.
يحمل المسيحيون في منطقتنا تراثا مسيحيا فريدا تكوّن بفعل خبرة تاريخية طويلة اتسمت بتفاعلنا كمؤمنين بالمسيح مع حضارات قديمة متنوعة انطبعت بها هوياتنا الكنسية كالآرامية (السريانية) والمصرية والهلينية والرومانية.
نحن مأزومون، نحن شعب ضائع مفتت. ظلمه التاريخ والقدر والغزوات والحروب. لا دولة له لا سلطة لا تحالفات لا مشروع. نحن كلنا كمسيحيين غير متفقين حتى على الحد الادنى من الثوابت مع روعة تنوع حضاراتنا والثقافات. ان انقسامنا المذهل طوائف ومذاهب واحزابا، ثم داخل طوائفنا من انانياتنا والفوضى، مأساوي كأننا غير مدركين لحجم المخاطر. لقد تطبعنا عبر قرون، وحين عصف عصر حقوق الانسان والقوميات خفنا، في عالم تهمه المصالح وليس المبادىء أليس مذهلا ان يسمينا بيان حكومي عراقي "الجالية المسيحية" بعد ألفي سنة من حضورنا في بلاد الرافدين.
علينا ان نكون واضحين. لسنا صليبيين ولا أحصنة طروادة لاحد. لا نقبل أصلا اي اتهام او تشكيك في انتمائنا، دون وجل دون خوف. جزء من هذا العالم الاسلامي والعربي والتركي والايراني والكردي. جزء من تنوع منطقة ضاجة. لكننا مع حقوق كل انسان، مع الحريات. لا يمكن ان نكون على الحياد مع قضية حق الفلسطيني بدولة، مع سلام عادل شامل، مع حق العودة للاجئين، لكن ايضا مع الحق الكردي بان يشعر بالامن والمساواة، مع حق المسيحيين في كل هذه البلاد، بان يعترف بهم، بقومياتهم، بلغاتهم، بمؤسساتهم، بتمثيلهم، بأحزباهم.
موجة الاصوليات التكفيرية الالغائية المتخذة من النموذج الاسرائيلي راية، عبر نموذج إنشاء دول دينية على أنقاض الآخر، وعبر رفع فتاوى لا يقبلها لا عقل ولا منطق ولا دين هي أخطر ما يواجه المسيحي. ان هذا الارهاب الذي يغتال مطرانا، ويكفر جارا، ويهجر سكانا اصلييين هو آفة لا يمكن معالجتها فقط بالامن، بل بالفكر والاقتصاد والاعلام.
سكوت الانظمة العربية، واحيانا تواطؤها، عبر محاباة الفكر المتأسلم، لترضيته على حساب حقوق الانسان وحقوق المسيحيين هو طعنة في صميم جوهر تكوينها.
أليس غريبا ان يكون المسيحي دائما ضحية وفي أغلب الاحيان نسمع عن تبرئة القتل عبر تنسيب الجرائم الى مجنون؟
ان عدم جرأة الانظمة، بدءا من دساتيرها، في الاعتراف بالمساواة التامة بين المواطنين، لا يساعد على إعطاء اي بصيص أمل للمسيحي، صحيح ان الانظمة متفاوتة في تعاملها مع المسيحي، ففي بعض البلدان المواطنة فقط للمسلم، في بعضها دين رئيس الدولة الاسلام، وفي بعضها دين الدولة الاسلام.
إن هذا الغرب الخبيث يعامل قضية الحضور المسيحي بمكيال المتجاهل المتواطىء. اصلا هو مسؤول مباشر عبر احتلاله العراق في زعزعة كيان دولة عربية - مهما كان رأي الناس في قيادتها او ممارساتها - في غياب الامن والمرجعية. وهو مسؤول مباشر عن دعم احتلال فلسطين مما هجر ايضا المسيحيين من الارض المقدسة وأشعل غضبا اسلاميا عارما. ما زلنا كمسيحيين، من دون وجه حق، ندفع أثمان اخطاء الغرب وخطاياه رغم اننا معارضين لسياساته.
هذا الغرب ليس لديه ما يقدمه لمسيحيي العراق الا تسهيل سمات دخول لمزيد من التهجير. أصلا، ليس هناك على اي أجندة غربية ملف عنوانه بقاء او حضور او دور او مستقبل المسيحيين في الشرق.
هل الصورة قاتمة الى هذا الحد؟
إنها كذلك، نتراجع في الديموغرافيا وفي الجغرافيا.
عدد المسيحيين على اختلاف طوائفهم في الشرق الاوسط هو سبعة عشر مليونا.
ان المسيحيين المشرقيين يعانون في مختلف مناطق وجودهم من الضغوط والتمييز، وتتفاقم الهجرة في صفوفهم.
المسيحيون اللبنانيون وضعهم افضل من اوضاع المسيحيين الاخرين، لكنهم منقسمون دينيا وسياسيا.
السبب الاول في مشكلات الحضور المسيحي والحضور العربي العام هو الانسداد الفظيع في التجربة السياسية العربية طوال العقود الاربعة الماضية، وهو انسداد نال من الحراك السياسي والاقتصادي والاجتماعي كما نال من فكرة الدولة حضورا وممارسة، ولا شك في ان الاكثريات العربية انكسرت تحت وطأته، وعانت ولا تزال معاناتها شديدة، وربما صمد المسيحيون العرب تحت تلك الوطأة الانسدادية اكثر مما صمدت نخب الاكثرية، لكن في النهاية ومنذ الثمانينيات من القرن الماضي ظهر الانكسار لدى النخب المسيحية العربية ايضا، ولو تأملنا المشهد انذاك لوجدنا ظواهر تدل على ما نحاول اثباته في ثلاثة مواطن: الحرب الاهلية في لبنان وما خلفه الصراع عليه وفيه، وتفاقم الهجرة المسيحية من فلسطين المحتلة، والوجود المسيحي في العراق وسط الحروب المتكاثرة منه وعليه والتي بلغت ذروتها في الغزو الاميركي الثاني في العام 2003.
الدولة العربية ما عادت حامية وضامنة للسلم الاهلي ولعيش المواطنين وحرياتهم بل تحولت بسبب تخليها عن ادنى شروط الوجود والشرعية الى عبء هائل وضاغط، والسبب الثاني للمشكلات الحاضرة هو الاصولية الاسلامية التي صارت في وجه من وجوهها المعارضة الرئيسة للانظمة القائمة، وهي معارضة تختلف عن الانقلابات والمعارضات السياسية العادية، لانها تختزن حمولات ثقافية شاسعة وعميقة، وهي لم تقف في وجه الانظمة السياسية السائدة وحسب بل نشرت ايضا عالما مختلفا اقل ما يقال فيه انه يجرف في طريقه تقاليد وممارسات العيش المشترك".
إذا كانت التجربة السياسية العربية قد كسرت الضمانات والحقوق فإن الثوران الاسلامي كسر في الوعي والتصرف قيما ومحرمات اجتماعية واخلاقية لدى المسلمين وتجاه المسيحيين.
أما السبب الثالث للمشكلات المسيحية في هذا المشرق فهو يتصل بالمسيحيين انفسهم اي في افعالهم وردود افعالهم ازاء الظاهرتين السياسية والاصولية وازاء الامكانات المتاحة والحراك الممكن وغير الممكن، وقد تصرفت النخب المسيحية ليس في لبنان وحسب بل في مصر وسوريا تصرفا انكماشيا في الغالب، وثورانيا في بعض الاحيان، وفي الحالتين ولكل منهما اسبابها وظروفها فأدى ذلك الى المزيد من التآكل والتناقص.
المسيحية العربية اليوم تواجه خطرا وجوديا في العراق وفلسطين، كما تواجه مشكلات قاسية في لبنان وسوريا ومصر.
يتعرض اقباط مصر يوميا لشتى انواع الضغوط.
مهما حملنا الاجيال القديمة المسؤولية فهناك مسؤولية ذاتية يجب ان نعترف بها ويجب ان نتذكر انه عندما وقف قادة المسيحيين في لبنان في العام 1966 وقالوا "دعوا لبنان كي يكون مكانا للدعم الدبلوماسي والاعلامي" وقف الجميع ليصرخوا ضدهم.
ان المشكلة الاسلامية هي في الوجود الاصولي المتطرف.
القلق الذي ينتاب المسيحيون من اخبار متنقلة عنوانها دائما الهجوم والقتل والتهجير ضد المسيحيين في المنطقة لأسباب متنوعة من النزيف المستمر في العراق، الى الحوادث الطائفية في مصر، الى الهجوم على أبرياء في نيجيريا وتجدد العنف العرقي، الى تهديد رئيس الوزراء التركي بترحيل مئة الف أرمني من أسطنبول،
لبنان منارة دفاع عن المسيحية المشرقية من منطلق الجسر والحوار والانفتاح.
لم تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا موجة اضطرابات كتلك التي وقعت أخيراً، منذ أن أنشأت بريطانيا وفرنسا دولاً هناك في نهاية الحرب العالمية الأولى.
وما زال من المبكر الحديث عن الشكل والطابع الذي ستتخذه الأنظمة السياسية، في تلك المرحلة الجديدة التي ستعيشها بلدان المنطقة بعد الأحداث الأخيرة.
لكن في الوقت الذي بدأت تتنافس فيه جماعات عدة في تشكيل أحزاب بغية خوض غمار الانتخابات، بدأت تلوح في الأفق إشارات تتحدث عن أن الطائفة المسيحية الصغيرة والمتضائلة في منطقة الشرق الأوسط لن تكون من المستفيدين.
الدولة المدنية ستكون البداية، لكن في النهاية هذا يعني أن الإسلام سيكون منتصراً. كما إن الرغبة المعلنة بالنسبة إلى جماعة الإخوان، التي تعتبر أكثر الجماعات تنظيماً، هي أن ترى استمرارية الحكم العلماني في مصر يتعارض مع ميثاقها. ورأت الصحيفة أن هذا يضع تصوراً بشأن إقامة دولة إسلامية في كل أنحاء الشرق الأوسط، في حين تهدف جماعة الأخوان داخلياً إلى نقل رسالة الإسلام إلى الشعب ككل، من دون أن يتم لفت الانتباه إلى واجب الإسلام في حماية أهل الكتاب.
لكن عن طريق تشكيل أحزابهم – المبنية على معتقدات دينية – تتطابق الجماعات الإسلامية فقط مع النمط في أماكن أخرى في العالم العربي، حيث توجد الديمقراطية بالفعل. هذا وتهمين الانقسامات الطائفية على المشهد السياسي في العراق ولبنان. فبينما يتناحر السنة والشيعة في العراق من أجل السلطة، لا تزال الدولة في حالة من الانهيار. وأولئك الموجودون في القاع – بمن فيهم الأقلية المسيحية – غير ممثلين ويتسمون بالضعف.
ولا تزال هجرة ونزوح المسيحيين من هناك مستمرة. وفي لبنان، تشكل القوة المتزايدة لحزب الله الشيعي تحدياً للمؤسسة السنية وللمسيحيين المتعصبين بشكل متزايد. ما يؤكد أن المجتمع المسيحي بدأ يشهد مرة أخرى حالة من التراجع.
واتضح أن ما تحتاجه الآن صفحة السياسة العربية البيضاء الجديدة هي حركة يمكنها أن تضم تنوع هؤلاء المتظاهرين، والابتعاد عن الانقسامات الطائفية. وقالت الصحيفة إنه في ظل غياب مثل هذه الحركة، ستظل مخاطر تهميش المسيحيين العرب قائمة، بينما سيتنافس السنة والشيعة المسلمين للظفر بالهيمنة والنفوذ.
توطئة تاريخية:
منذ البدء سعت الدولة الاموية الى ايجاد حالة من الفصل بين الانسان والعقيدة، في طريق تكريسها نظرية فصل الدين عن الدولة، فملوك بني امية مع انهم اصبحو ملوكا باسم الدين، إلا انهم لم يكونوا فقهاء على العكس من خلفاء العصر الاول الذين امتلك بعضهم فقها غير عليا عليه السلام، باب مدينة العلم، فالثلاثة الذين ادعو الخلافة ملكوا بعض العلم غير انهم لم يجاروا وصي الرسالة أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام فكانوا يرجعون اليه في عويص مسائلهم وعظيم مشكلاتهم فكان مجيبا للمسألات، وحلالا للمشكلات، بما وهبه الله من علم لدني، وولاية كلية، وبما طهره وأذهب عنه الرجس. ففي تلك المرحلة كان الترابط بين الدين والدولة، ترابطا موضوعيا يرتكزعلى اسس الشريعة. لكن معاوية ارادها دولة ملكية، فجعلها وراثية مما افقد الدولة شرعيتها الدينية، ففقدت قدسية ان تكون دولة اسلامية وإن تلبست بلباس الاسلام.
لقد جاء الاسلام ليعيد تنظيم العلاقة بين الانسان والوعي، فكان الاتجاه المعرفي سبيلا للارتقاء بالعقل وللخروج به من حالة الجمود باتجاه المعرفة الكلية، وهذه المعرفة لم تتخذ شكلا عرقيا او قبليا، بل أنها اتصفت بالشمولية نوعا وكما وجنسا. لقد برهن الاسلام كشريعة خاتم على ان الاتجاه المعرفي لايتحدد بالاطر الوضعية بل ان الوحي يمثل الاصل المعرفي في علاقة الانسان بالسماء، ومن هنا فان نظرية الجعل الالهي ترتكز على أسس الوحي، ومن هنا يفترض بالحاكم ان يكون عالما. لاشك ان الانظمة العربية الحالية تمثل الشكل اللامتناهي للانحطاط الفكري والسياسي، فكل المجاميع السياسية الحاكمة حاليا لاتمثل الحد الادنى من تطلعات رجل الانسان الذي هو ليس فقط الباحث عن لقمة العيش في ظل الامن، والنظام، ولكن الباحث عن القيادة التي ترتكز على اسس عقلانية ومنطقية كما هي واقعية، لتنتقل بالانسان الى مرحلة تحقيق الحل في الخلافة على الارض.
الاتجاهات الاستبدادية في النظام العربي الحالي:
تذهب الانظمة العربية الحالية الى تكريس الاشكال القبلية سواء في الحكم كما في الحكم الملكي (السعودية، الاردن، المغرب وامراء الخليج) وهو حكم وراثي وفق مناهج الحكم الملكية المعروفة، وحكم الجمهوريات الملكية وهو ماكان يسعى اليه صدام في العراق، وحققه الاسد في سوريا، ويسعى اليه الان كل من القذافي، مبارك وعبد الله صالح. فالاستبداد يعد جزءا ظاهرا في عقيدة الحكم الملكي، باعتباره حكما وراثيا لاتتدخل المصلحة العامة في اختيار الملك، وهو يحمل في طياته رفضا للموقف الشعبي الذي يجد نفسه مضطرا لقبول الملك المرشح اصلا من قبل الملك السابق، وحيث ان هذه الفكرة تعني بالتالي ضمان بقاء الثروة و سدة الحكم بيد العائلة الحاكمة، فقد سعت بعض الجمهوريات العربية الحالية الى تبني نفس الموقف الملكي حتى صاروا ملوكا اكثر من الملك. لاشك ان الحفاظ على الثروة سيعني الحاجة الى الدخول في تحالفات مع كل الاطراف التي تهتم ببقاء هذه الثروات بيد مجموعة معينة ومحددة من البشر. من جانب آخر فان الانظمة العربية الحالية سعت منذ البداية الى تكريس الشكل القبلي في الاتجاهات الفكرية والعقائدية والى إستغلال الفكر الديني كغطاء يقدم موقفا شرعيا في الاستمرار، فنجد ظهور شخصيات ادعت الامامة الدينية كسعود بن عبد العزيز آل سعود (ت 1818) من اجل فرض الهيمنة الدينية والسياسية على العشائر المتناثرة، ثم التحضير للانتقال من مرحلة تشكيل الوعي الجمعي وفق مديات ضيقة، الى مرحلة اخضاعه لتنفيذ عقيدة الاستبداد. لايمكن انكار نجاح الغطاء الديني في مرحلة تاريخية معينة بعد ان تم شل العقل الجمعي وتوجيه الوعي القبلي باتجاه مفاهيم الجهاد التي طرحت في حينها لتبرير استمرار الغزو القبلي وقتل الاخر. من هنا نجد ذلك التماهي بين الاشكال الاستبدادية لنظام الحكم السعودي كمثال عن الانظمة العربية، وبين العقيدة الاستبدادية في الفكر الوهابي الذي يدعو الى تكفير الاخر (خاصة الفكر الشيعي)، فحدث تزاوج بين العقيدتين الاستبداديتين لكل من ابن سعود، وابن عبد الوهاب مما ادرى الى ظهور منهج استبدادي لم يعرف له التاريخ مثيلا.
إن النجاح المؤقت للتجربة الاستبدادية لال سعود في الجزيرة العربية دفع الغرب الى ايجاد محاولات اخرى لتكرار التجربة في مناطق مححدة من الوطن العربي، ولو عن طريق عدد من الجمهوريات التي سستحول عبر حركة التاريخ الى جمهوريات ملكية كما يحدث الان. وفي ضوء هذه المعطيات فان الاتجاهات الاستبدادية تتمظهر بالاشكال التالية:
1- إتجاهات استبدادية سياسية: تتمثل في الحكم القبلي اوالعائلي.
2- إتجاهات استبدادية ذات خلفيات تدعي انها دينية وعقائدية.
3- إتجاهات استبدادية اقتصادية: تنحو منحى حصر الثروات بيد مجموعة محددة من البشر.
4- اتجاهات استبدادية ثقافية: تعمل على شل الوعي الجمعي وتوجيهه بشكل يخدم الحاكم.
5- اتجاهات استبدادية اجتماعية: تظهر في نشر فكر اجتماعي يتبنى قيما منحطة تقدم على انها مثل عليا.
السقوط وفشل النظام العربي:
تكشف البحوث التاريخية في نشأة الانظمة العربية الحالية ارتباط هذه الاخيرة بالسياسة الغربية التي كانت العامل الاول في إيجاد هذه الانظمة وإستمرار بقائها، وذلك الى جانب فشل العقل الجمعي في ايجاد مخرج للتخلص منها. بالطبع لايمكن انكار قيام بعض الثورات والانقلابات العسكرية هنا وهناك، لكنها ومن الناحية التاريخية كلها مرتبطة باطراف غربية قد تناقض الاطراف الغربية الاخرى الموجدة للانظمة العربية، وبالتالي فاي تغيير سياسي كان سيعني تغييرا من الخارج ( مثال الحكم الملكي في العراق فقد كان تحت الرعاية البريطانية والانقلابات العسكرية التي تلته جائت تحت رعاية شرقية مرة وغربية مرات اخرى حتى اعترف البعث انه جاء بالقطار الامريكي). لقد سعى العرب الى تدارك هذه الفشل بتشكيل ذلك المسخ الذي بات يعرف باسم الجامعة العربية والتي لم تكن في يوما من الايام إسما على مسمى، بل انها لم تقدم للعقل العربي شيئا يمكن له ان يعتمد عليه في عملية التطور، فالجامعة العربية لم تمثل يوما مصالح الانسان العربي المسلم او غير المسلم، بل انها لم تكن يوما ممثلة للحس العربي او الاسلامي، فالجامعة العربية كيان فاسد يخدم شلة الحكام، بل انه اقرب الى مقهى يلتقي فيه الحكام لبحث المزيد من مناهج احباط الانسان العربي وتقويض احلامة من اجل بقاء العروش اطول فترة ممكنة على حساب دماء واعراض وعقول الانسان الذي يفترض انه عربي، وانه من جاء بهذه الحثالة الى الحكم.
فمنذ قرون والهوة بين الحاكم والمحكوم تتسع حتى اصبح اللقاء مستحيلا، وحتى صار من الضروري ان يتحرك الانسان للاطاحة بحكومة العفن هذه، فالهوة بين الفقر والغنى في دول الخليج ولاسيما السعودية (ارض الجزيرة العربية) لايمكن ردمها بمليارات الدولارات التي تذهب صفقات لصالح الولايات المتحدة، ناهيك عن العمولات التي تحشى بها جيوب الامراء والمتنفذين للاستمرار في مسالك الخيانة وللقضاء على ما تبقى من عقل عربي اسلامي، فشلة الحكام لا تمثل المنهج الحضاري للطموح الانساني الحالي، فالتاريخ لن يذكر آل سعود إلا كما يذكر صدام بمنهجة الدكتاتوري الاستبدادي، لقد انغمس حكام آل سعود بالعهر السياسي، وتركوا امر الدين لحفنة من الشواذ من انصاف الرجال ومن الجهال ليديروا الفكر الديني كما تدار بيوتات البغاء، وليصبح الدين لعقة على الافواه كما كان ايام سيدهم معاوية وابنه يزيد، وكما هو ابدا عندما يتولى السلطة اولاد الزنى وابناء العواهر، لقد سقط النظام العربي لانه تخلى عن عروبته اولا، ولانه اتبع الفكر الصهيوني ثانيا، ولانه وليس آخرا تخلى نهائيا عن العقيدة الالهية، فلم تعد ثمة اواصر بين الحاكم العربي والله، وبالتالي فهو لايمثل عقيدة الجعل الالهي.
لقد استبدل الحاكم العربي نظرة الشفقة والرحمة تجاه المواطن بالسوط، والكلمة بالرصاصة، والمحاورة لاسجن والاعتقال، وبدل ان يستورد خبراء في مناهج التعليم استورد خبراء في مسالك التعذيب والقهر، وصرفت المليارات من اجل بقاء الحكام على عروشهم عوضا عن ان تصرف في تطوير مناهج ازالة الفقر، والخروج بالانسان من مرحلة النفي والابعاد الى مرحلة المشاركة. لقد كانت وما زالت الجامعة العربية مجرد مقهى لشلة الحكام بل انها اشبه بـ (غرزة – على رأي المثل المصري - ) حيث تصدر القرارات تافهة وغير مجدية بسبب ان الحكام كانوا او كما هم قد اصدروها وهم في حالة النشوة من اثر الحشيش وحبوب الهلوسة، ولهذا انصح شرطة مكافحة المخدرات ان تقوم بتفتيش مباني الجامعة العربية في مصر.
الأقليات
تعبير الأقلية، في الأدب السياسي والدستوري، يشير إلي مجموعة غريبة تعيش في حمي وطن أو قوم يرعونها وهي، بالضرورة، منقوصة الحقوق والواجبات. وفي بلد بوتقة لا يعني هذا التعبير شيئا، فأنت لا تستطيع، بهذا الفهم، الحديث – من الناحية الدستورية – عن الأقلية الزنجية في أمريكا، أو الأقلية الملايوية في سنغافورة، أو الأقلية الويلشية في المملكة المتحدة، فهؤلاء أصحاب حق في الأرض لهم ما لأهلها كلهم من حقوق وعليهم ما علي أهلها جميعا من واجبات.
علي ان تعبيري الأقلية والأغلبية أيضا اصطلاحان احصائيان لا معني لأي واحد منهما دون توصيف : فقد تشير الأقلية والأغلبية إلي الدين، وقد تشير إلي اللغة، وقد تشير إلي المنبت العرقي، وقد تشير إلي الجنس ( الرجال والنساء ). لهذا فإن الاختيار الانتقائي لمثل هذه الاصطلاحات لن يفيد الحوار الوطني في شئ بل يوقع الناس في محنة أبدية، فإن اختيار واحد، مثلا، الدين لتمييز أهل البلد فما الذي يمنع الآخر من اختيار الأصل العرقي.
وللأسف الشديد مازالت معظم دول منطقة الشرق الأوسط تقلل من شأن التطورات العالمية المتسارعة، وتتجاهل عن عمد القضايا الإنسانية الناجمة عن عدم حل مشكلة الأقليات بل وتنكر وجود هذه الأقليات أصلا بزعم أن هذه الأقليات من نسيج واحد ولحمة واحدة مع الأغلبية في الوطن، مؤكدة علي أن الدستور ينص ويقرر مساواة جميع المواطنين أمام القانون، بصرف النظر عن اللون أو الدين أو الجنس.
بيد أن هناك فارق كبير بين النص والواقع، فقد يتضمن الدستور وهو أسمى القوانين وأعلاها شأنا نصوصا عن المساواة والحرية واحترام حقوق كل الأفراد، ثم يكشف لنا الواقع والتطبيق عن انتهاك هذه النصوص الدستورية وبالتالي يتأكد الانفصال بين الواقع ونصوص القانون.
ان نجاح نصوص القانون تقاس دائما بمدى أثرها وتعبيرها عن الواقع، فكيف يمكن لهذه النصوص أن تحقق الإنصاف والمساواة في ظل انتهاك شبه يومي في الواقع المعاش، فيحدث الفصل بين النص والواقع.
جوهر السياسة الدولية يقوم على احترام سيادة الدول واستقلاليتها في شؤونها السياسية والاقتصادية والخارجية والداخلية. وليس في جوهر تلك السياسة تدخل دولة أو دول في شؤون دولة بأي شكل كان ذلك التدخل عسكرياً أو سياسياً وغير ذلك من أشكال التدخل.
إن من حق أية دولة أن تعتز بسيادتها واستقلالها، والمساس بالسيادة والاستقلال هو بمثابة اعتداء على تلك الدولة. وقد ولىّ مفهوم الاستعمار الذي ساد لسنين طويلة وبموجبه استعمرت دول وارتهنت إرادتها وسلبت سيادتها ونهبت خيراتها.
وقد عانت منطقتنا العربية خاصة وشعوبنا الإسلامية من السيطرة الاستعمارية وبموجب تلك السيطرة جزئت البلاد العربية والإسلامية إلى أجزاء يسهل السيطرة عليها وإخضاعها لإرادة المستعمر، ولا أحد ينسى سايكس بيكو ولا أحد ينسى فلسطين وما جرى من تفتيت لجسد الوطن العربي الذي قطع إلى أشلاء يسهل ابتلاعها.
تطور التيارات الاصولية على انواعها خطر على المسيحية والاسلام
السلام الشجاع هو الجهاد الاكبر والتحدي الكفيل بأن يجيب على التحديات والمخاوف والهواجس التي تلف منطقتنا كلها، وهذا السلام هو وديعة في قلوبكم وافكاركم وقراراتكم.
ان ينعم لبنان بسيادته على كامل ارضه ويقوي وحدته الوطنية ويواصل دعوته الى ان يكون نموذجا في العيش الواحد بين المسيحيين والمسلمين من خلال حوار الثقافات والاديان وتعزيز الحريات العامة. وايضا التنديد بالعنف والارهاب من اي جهة اتى، وبكل تطرف ديني، وشجب كل اشكال العنصرية الاسلامية والمسيحية والاسلاموفوبيا، وندعو الاديان الى الاضطلاع بمسؤولياتهم لتعزيز حوار الثقافات في منطقتنا والعالم اجمع.
نشدد على خطوات جريئة لتطوير عالمنا العربي، وأهمها مفهوم الدين والدولة وعلاقة الدين بالدولة والحداثة وحقوق الانسان وحقوق المرأة وحرية العبادة والعقيدة ومقولة الدين الافضل.
علينا مسيحيين ومسلمين ان نصل الى قناعات مشتركة منها ان تطور التيارات الاصولية على انواعها هو خطر علينا جميعا، على المسيحية والاسلام، وعلينا ان نسهر على القيم الايمانية والروحية والدينية الصحيحية، القيم الانسانية قيمة الانسان وكرامته وحريته. وكل ذلك مرتبط بتطور مجتمعنا العربي المسيحي والاسلامي.
العقبة الاساس أمامنا هو الصراع الاسرائيلي - الفلسطيني ولا بد من احلال السلام في منطقتنا العربية الذي سيؤثر على تطور كل القيم وعلى تخفيف وطأة الهجرة التي ينزف منها مجتمعنا العربي المسيحي خصوصا.
المسلمون والمسيحيون في هذا الشرق امة واحدة وصنعوا معا دولا وطنية، مصيرهم واحد، ومعاناتهم واحدة، سواء جراء اتساع دائرة التطرف والغلو او من خلال التضييق على الحريات.
ان الهجرة تؤدي الى خسارة المجتمعات العربية للقوى الفكرية والاقتصادية وتؤدي الى ما هو أسوأ وأخطر، وتعريض نسيج المجتمعات العربية الى التمزق من الداخل، كما ان اللاتعايش في الشرق يؤدي الى اللاتعايش في الغرب.
عندما نجد كنائس الشرق بكل ما تمثل تتعرض للاذى والاعتداء والانتهاك وتصبح حياة المؤمنين من ابنائها في خطر على ايدي اخوة لهم في الوطن، على هذا النحو الذي توالى فصولا في العراق، كيف تواصل اداء الدور التاريخي البناء الذي لعبته في السابق.
أدعو المسلمين إلى أن يبادروا اليوم، لأن التأخير يوحي بقلة الاهتمام، فالهجرة تتسارع وعدم فهم الإسلام على حقيقته يتفاقم.
إن تأخر المسلمين في الرد الاستنكاري على جريمة 11 ايلول 2001 ادى الى تفويت الفرصة لتعميم كلمة الارهاب على المسلمين والاسلام كله. وكان ذلك خطأ ما زلنا ندفع ثمنه.
رغم ان التاريخ لم ينصف المسيحيين المشرقيين، إلا أنهم حافظوا على دورهم وشكلوا عبر الزمن قوة حيوية أنعشت الشرق الأوسط قاطبة.
المناصب اتي تبوأوها والمواقع التي نشطوا فيها والمبادرات التي تبنوها في مختلف الدول والأقاليم والقطاعات أثمرت نهضة وإصلاحًا ونموًا مطردًا.
المسيحيون الأثرياء خدموا بلادهم بتجرد وأسهموا في ازدهارها ومواكبتها العصر وتنشيط اقتصادها وتنمية مجتمعها.
والجامعات العربية عجّت بالطلاب المسيحيين يأمونها للغوص في علوم العصر وأفكاره.
وفي البلاد التي توافر فيها مجتمع مسيحي عريق، علت جسور ربطت الشرق بمختلف اوصال المجتمعات الدولية الغربية والشرقية والجنوبية والشمالية.
الوجود المسيحي في الشرق اليوم يضمحل سنة بعد سنة، والمجتمعات المسيحية آخذة بالانكماش.
الهجرة تكاد تكون الجامع الأكبر للشباب المسيحي المشرقي،
الاضطهاد السياسي سابقًا والعنف الطائفي اليوم عاملان كانا ولا يزالان يقضان مضاجع المسيحيين.
صعود الإسلام الراديكالي واتخاذ المسيحية هدفًا يصوب نحوه سهامه يزيد في الافق السواد.
يبقى الشرق موطن ولادة المسيح وانطلاقة المسيحية
يعتنق المسيحية اليوم ثلث سكان الكرة الأرضية وتشكل الديانة الأوسع انتشارًا في العالم.
تراجع نسبة المسيحيين المشرقيين يثير قلقًا بالغًا لدى المجتمع المسيحي العالمي.
المخاوف من إقفار الأماكن المسيحية المقدسة وخسارتها لأبنائها المؤمنين باتت جدية.
المسيحيين اضطلعوا بدور هناك في تحقيق المصالحة، وأن وجودهم خفف من حدة التوترات، وأن تضاؤل هذا الوجود بإمكانه الإسهام في تأجيج التطرف.
بطبيعة الحال، يغلب المسلمون حاليا على التركيب السكاني بمنطقة الشرق الأوسط. وفيما عدا إسرائيل، التي يسكنها ستة ملايين يهودي، لا توجد دولة بالمنطقة لا يشكل المسلمون غالبية سكانها، بما في ذلك لبنان، التي يقدر المسيحيون الآن بربع سكانها، علاوة على إيران وتركيا غير العربيتين.
في خضم هذا الوضع، يجد المسيحيون المحليون أنفسهم ممزقين بين الرغبة في دق ناقوس الخطر والتزام الصمت، الأمر الذي يرجع إلى عدم ثقتهم فيما إذا كان لفت الأنظار إلى المشكلة سيقلصها أم سيزيدها عبر دفع البقية الباقية من المسيحيين إلى الرحيل.
مع صعود الإسلام السياسي محل القومية، باعتباره القوة المحورية في صياغة سياسات الهوية، بات المسيحيون، الذين اضطلعوا بأدوار مهمة خلال العديد من النضالات الوطنية، مهمشين في الوقت الراهن.
ونظرا لأن الثقافة الإسلامية، خاصة في صورها الأكثر أصولية، غالبا ما تعرف نفسها بالتناقض مع الغرب، فقد تدنت منزلة المسيحية ببعض المناطق إلى منزلة ثقافة معادية ـ أو على الأقل دخيلة.
مما لا جدال فيه ان الحضور المسيحي في المشرق العربي يتراجع يوما بعد يوم، وأسبابه عديدة ومتفرعة، سيتناولها ولا شك المنتدون الكرام بمختلف اسبابها وجوانبها وارتداداتها وذيولها، انطلاقا من ان الحرية الايمانية هي حق مقدس كفلته شرعة حقوق الانسان، خصوصا وان الاديان السماوية التي انطلقت من هذا الشرق تدعو الى المحبة والسماح والغفران، وانه من غير الجائز ان يشعر احد انه مرفوض او مضطهد بسبب دينه او مذهبه او معتقده، فالانسان اما ان يكون حرا او لا يكون انسانا، واعني بالحرية، الحرية المسؤولة بعمق جوهرها وأسمى معانيها".
في غمرة موجات التطرف والتصعب والاستفزاز والكراهية ما يمكن ان يسمى احيانا "بالارهاب الديني" الذي يغزو العالم، وفي ظل الاستنكار العارم للدعوات والممارسات المشينة ضد اي دين من الاديان، لا بد من تأكيد حق كل ديانة بتمسك اتباعها بخياراتهم الحرة في معتقداتهم وشعائرهم والتعبير عنها وفقا للقيم والمبادىء الاخلاقية التي هي جوهر انسانية الانسان".
اما في لبنان فأخال ان اللبنانيين بأكثريتهم الساحقة، مسلمين ومسيحيين، مؤمنون بان هذا الوطن اذا خسر تنوعه الايماني والثقافي والحضاري، واذا فقد حرية انسانه الفردية فانما يخسر مبرر وجوده وديمومته لان هذا اللقاء الفذ بين اديانه ومذاهبه وهذا التفاعل الخلاق بين معتقدات ابنائه، هو الذي يعوض عن مساحته وعدد سكانه ويحوله الى وطن ذي دور ورسالة".
ان الخوض في متطلبات الحضور المسيحي الفاعل في الشرق العربي، قضية شائكة، وما تخصيص سينودس لاساقفة الكنيسة الكاثوليكية ومشاركة ممثلي الكنائس والطوائف والديانات المعنية بالمسألة، اضافة الى الخبراء، الا خير تعبير عن دقة وضع المسيحيين في هذه المنطقة من العالم. ومن المتوقع، ان تشكل متطلبات هذا الحضور محورا اساسيا في النقاشات التي ستدور في السينودس. لذلك اعتبر ان ما سأعرضه على حضراتكم هو اقرب الى نقاط للتفكير يفترض ان نبلورها جميعا. وقبل ان أتلو عليكم بعض الافكار، يهمني ان اوضح لكم ان عمل الكنيسة الاساسي والسينودس من اجل مسيحيي الشرق يندرج في هذا الاطار - يقوم على التوجه الى الضمائر، والتحفيز على تبني اقتناعات مستندة الى الخير العام ورامية اليه، اكثر من اخذ قرارات تلزم أيا كان بموجباتها. تماما كما هي حال مؤتمركم الكريم.
لا بد من الاشارة في البداية الى ان الجزء الاهم من متطلبات الحضور المسيحي في المشرق العربي، هو ما ينشده كل انسان في هذه المنطقة، وليس فقط المسيحيون. فالسلام والاستقرار وحقوق الانسان والازدهار والحرية والديمقراطية، هي مطالب جميع مواطني دول هذه المنطقة. والهجرة بسبب غياب هذه الحقوق، تطاول اعدادا كبيرة من ابنائها المسلمين قبل المسيحيين، غير ان انعكاس هذا الغياب على اتباع الديانة المسيحية اكبر بكثير. اولا، لان اعدادهم قليلة بالاساس، وبالتالي فان التناقص سريعا ما يبرز للعيان. وثانيا، لان وقع التهميش على الاقليات اكثر وطأة عليها منه على سائر فئات المجتمع التي لا يمكنها ان تعزو سبب تهميشها الى كونها أقلية. هذا فضلا عن سعي المجموعة او الفرد الحاكم الى استرضاء الاكثرية من خلال تدابير ومواقف غالبا ما تستهدف الاقليات، وبخاصة الدينية منها.
قيام دول في منطقة الشرق العربي تحفظ الحقوق وتؤمن الازدهار، تديرها مؤسسات منبثقة من ارادة شعوبها هي الباب الالزامي لمعالجة الواقع الصعب للانسان العربي، وليس فقط المسيحي. وليس من يجهل ان المجتمعات المزدهرة والمطمئنة الى حاضرها ومستقبلها، والمتمتعة بحقوق مدنية واجتماعية وسياسية من شأنها ان تصبح حاضنة لنوعية راقية من المواطنين قابلة بالآخر المغاير وبحقه بالاختلاف. وهذا بتقديري او ما يطلبه المسيحيون في المجتمعات العربية التي يعانون فيها منذ عقود من اسقاطات متنوعة واحكام مسبقة من جانب الاكثريات في مجتمعاتهم التي تريدهم ان يتبنوا عادات اجتماعية ومعتقدات سياسية، وفي بعض الاحيان دينية، مخالفة لعاداتهم وتقاليدهم ومعتقداتهم. بالتأكيد ان عملية تشكل الدول وفق الشكل الذي يستجيب لمعايير حقوق الانسان والمواطنة القائمة على المساواة بين جميع افراد الشعب ومجموعاته الاثنية والطائفية، يفترض ان تكون نابعة من داخل هذه الدول. فتجارب فرض قيام مثل هذه الانظمة قليلا ما صادفت النجاح الحقيقي، اذ ما لم تتقبل المجتمعات طوعا وشيئا فشيئا هذه الافكار وتهضمها، فمن الصعب توقع تحولها الى ثقافة عامة، واسلوب حياة، ومن دون هذين الامرين، قد تبقى كل معالجة مفروضة فوقية، وربما قسرية على المجتمعات، ما يعني عرضة للسقوط عند اي تبدلات في التركيبة الحاكمة.
غير ان هذا لا يعني ان ليس على الحكومات الا تحاول بعض السياسات الشبيهة بالتمييز الايجابي المنتهج في الولايات المتحدة الذي أفضى، بعدما كان ممنوعا على السود مثلا التواجد في بعض الامكنة العامة قبل عقود ثلاثة او اربعة، الى وصول رئيس اسود للدولة الاعظم في العالم. ان سياسات الكوتا في تمثيل الاعراق والطوائف والسيدات، أدت الى متغيرات مهمة على مستوى التركيبات الحاكمة وهيئات المجتمع المدني وقطاعات الاعمال. لكنها ترافقت ايضا مع وعي شعبي او توعية لاهمية التنوع ومدلولاته.
العالم العربي سلك طريقا معاكسة، ادت في شكل طبيعي الى نتيجة معكوسة، لقد صهرت النخب الحاكمة خلال العقود الستة المنصرمة، باجراءات فوقية، مجتمعاتها وطوائفها ونخبها، وانصهرت هذه المجتمعات والطوائف، بشكل طوعي في معظم الاحيان، في قالب ايديولوجي واحد تطغى عليه، ان لم تسد فيه، ألوان ومعتقدات وتطلعات ونمط حياة الاكثرية الاسلامية. وبعدما كنا نرى مسيحيين في مناصب سياسية وادارية وقضائية رفيعة في الدول العربية ايام كان السود الاميركيون لا يتمتعون بحق الدخول الى مطعم البيض ناهيك عن تبؤ مناصب ساسية او ادارية، اخذ الحضور المسيحي في هذه المناصب في الدول العربية يتلاشى في وقت انتخب الشعب الاميركي باراك اوباما الاسود رئيسا للولايات المتحدة الاميركية. لقد قدم لبنان نموذجا مختلفا. من ولادة دولة لبنان الكبير سنة 1920، حرص اسلافي الذين كانوا عرابه، البطريرك الياس الحويك، وحماته البطاركة انطون عريضة وبولس المعوشي وانطونيوس خريش، على تكريس مبادىء العيش المشترك والتساوي والتآخي بين المجموعات المقيمة على اراضيه، ولا يخفى على شخصيات مطلعة مثل افضالكم ان ايام البطريركين الحويك وعريضة، كانت اصوات تحذر من توسيع حدود لبنان الى النطاق الحالي خوفا من فقدان الاكثرية العددية الساحقة التي كانت للموارنة قبل العام 1920. غير ان إصرار سلفي الكبيرين كان حازما وحاسما على ان فكرة لبنان التي لهج بها أسلاف كبار لهما ولي، لا تحتمل التقزيم والتقوقع، بل يجب ان تبقى متناغمة مع ديناميكية الموارنة ذات الامتداد الذي تخطى حدود 1920 الى مصر جنوبا وبلغ جنوب شرق تركيا الحالية. وبالتالي رأوا في تصغير حدود لبنان تقزيما للدور الماروني خصوصا، والمسيحي عموما، لان الاكتفاء بحدود المعقل - الحصن اي جبل لبنان الذي حفظهم خلال قرون الاضطهاد الصعبة، سوف يجعلهم مواطني بلد ذي هوية طائفية - دينية مغايرة عن الاتجاه الديني السائد في المنطقة، لا بد ان تصبح في يوم من الايام سبب نزاع مع هذا المحيط، ما قد يعني تقلص الدور الماروني الى حدود جبل لبنان. وهذا ما لم يكن يوما بالحسبان.
أدرك المسيحيون في ذلك الجيل ان فكرة لبنان الذي يريدونه لا تحتمل اي نزعة غير ديمقراطية او دينية. لذلك حرصوا على دستور يحفظهما، وان أتت الممارسة اقل نقاوة من المبدأ، وعلى إشراك الجميع في لعبة ادارة الحيز العام وتكريس مواقع لها ثابتة فيه، وعلى إعطاء جميع الطوائف حقها في تكوين شخصيتها المستقلة دون اي تأثير عليها. وهذا ما لم يكن متاحا في عدد كبير من الدول العربية حتى الآن، فكيف في منتصف القرن الماضي، لم يقع حكام البلد المسيحيون كذلك في تجربة الديكتاتورية السائدة في محيط لبنان، حتى وان بدت ممكنة، لاسباب مختلفة، في دول حكمتها ايضا اقليات، وبعض هذه الانظمة لا يزال قائما.
فالعهود الرئاسية اللبنانية الاكثر حرية وليبرالية، كانت تلك المتمتعة بشعبية في الاوساط المسيحية، فيما حظيت بدعم الاوساط الاسلامية عهود العسكريين الذين وصلوا الى الحكم المعتبرين الاقل حرصا على الحريات. وهذا يعني انه كان ثمة إمكانية حقيقية لقيام ديكتاتورية عسكرية على رأسها مسيحي، ليس اذا سعى اليها المسيحيون فحسب، بل لو غضوا الطرف عنها. ثمة من اعتبر في العقود الماضية انه كان على المسيحيين اللبنانيين ان يتبنوا نهجا مغايرا لما انتهجوه في لبنان، وبخاصة على مستوى التماهي مع الايديولوجيات السائدة في المجتمعات العربية، كما هي حال المسيحيين غير اللبنانيين، لان هذه هي الطريقة لضمان مستقبل الحضور المسيحي في المنطقة. بيد ان التجربة دلت ان النموذج اللبناني، لم يحافظ على الحضور المسيحي في لبنان فحسب، على رغم ضرورة الاقرار بانه تراجع كما وتأثيرا، بل ساهم الى حد كبير في تأمين نوعية حياة وتربية واتساع أفق، وثقافة أفضل لجميع سكان لبنان. في حين أدى ضرب الدور التربوي والثقافي المسيحي في الدول المحيطة بلبنان الى تراجع كبير على هذا المستوى لدى الجيل التالي لقرارات التأميم".
متطلبات الحضور المسيحي الفاعل في دول الشرق العربي تبدأ بإعادة الاعتبار الى التجربة اللبنانية، بأبعادها القائمة على الديمقراطية والعيش المشترك والمساواة بين جميع المجموعات الطائفية، ومحاولة تعميمها، بالقدر الممكن على الدول العربية، كل بحسب اوضاعه وظروفه الداخلية. فلبنان شكل قبلة لمسيحي الشرق ومقرا لكنائسهم وجامعاتهم ومؤسساتهم وفي بعض الاحيان ملجأ لهم، عندما كان وجودهم مهددا. وكل مبادرة باتجاهه سرعان ما تنعكس، في شكل او آخر عليهم.
المناخ السياسي والتبدل في الذهنيات هو اكثر القضايا إلحاحا بالنسبة الى الحضور المسيحي الفاعل في الشرق العربي، لانه المدخل الالزامي للتنمية المستدامة والشاملة لمختلف نواحي الحياة الانسانية التي تجتذب المسيحي المشرقي الى الدول الغربية حيث تسود المساواة والفرص المتاحة امام الجميع. المسيحيون يريدون البقاء في الشرق العربي، والدليل انهم لا يزالون مقيمين فيه، وان بعض من يهاجرون منه يعودون اليه على رغم المغريات في دول الغرب. غير انهم يريدون ان يعيشوا بكرامتهم وبمساواة مع غيرهم من ابناء المنطقة، وبشيء من الحرية. ان كل مبادرة رسمية او حتى فردية، أكان على مستوى مادي، كمثل انتهاج سياسات او تقديم دعم، ام معنوي، كمثل اعلان مواقف ايجابية من الدور المسيحي في العالم العربي، تجد دائما وقعا لافتا في صفوف المسيحيين في كل دول المشرق العربي. فكيف اذا تنسقت هذه المبادرات وتتابعت في اطار جامعة الدول العربية ومؤسساتها، او في غيرها من الاطراف الموجودة او تلك التي يمكن استحداثها، وصارت منحى ثابتا في السياسات الرسمية والمناهج التربوية.
المتطلبات للحفاظ على الدور المسيحي الفاعل في المشرق العربي ليست صعبة التوافر متى توافرت النيات الرسمية الحسنة والانتباه المطلوب من المسؤولين في دول هذه المنطقة التي لن تجد نفسها، في حال غياب الحضور المسيحي التام، الا ساحة لنزاع دام مفتوح الى ما شاء الله بين الاسلام واليهودية. نزاع سوف يؤدي الى مزيد من الكراهية والموت والدمار ولكن ايضا المزيد من الفقر والتخلف والحرمان، وتراجع لحقوق الانسان.
دور الانظمة العربية المشار اليه في البند السابق يفترض ان يتزامن مع التزام دولي بالاحجام عن السياسات التي تشعر اي فئة من فئات منطقة الشرقين الاوسط والادنى بالغبن والاستهداف او بالخضوع لعدالة الكيل بمكيالين. فهذه السياسات أدت، خلال العقود الماضية، الى بروز تيارات راديكالية مناهضة للقيم العالمية التي تتبناها دول العالم، لاختبارها إجحافها او عدم الالتزام بمقتضياتها لدى تعاطي هذه الدول مع القضايا التي تهمها. وفي مجتمعات تقودها هذه التيارات الراديكالية الرافضة للشرعة العالمية لحقوق الانسان وغيرها من المواثيق الدولية، من الصعب توقع بقاء مسيحيين فيها. ولعل تجربة القضية الفلسطينية التي لم تزل جرحا مفتوحا لا يجد طبيبا متجردا يعالجه منذ اكثر من ستين عاما، وتجربة العراق بالامس القريب، وما أفضتا اليه من هجرة للاقليات المسيحية منهما، خير دليل على الانعكاسات السلبية لهذه السياسات على وضع المسيحيين في الشرق العربي.
لم تكن الهجرة ومعها التناقص العددي، المطلق أحيانا والنسبي دائما، هاجسا طاغيا كما صارت في العقود الثلاثة الأخيرة. ذلك أن الحديث عنها تلازم مع اتساع التعبير عن هموم مشاركة المسيحيين في الحياة السياسية وحقوقهم في المواطنة والمساواة ومخاوفهم مما يخبئه المستقبل. إلا أن هذا التلازم ليس بذاته قرينة سببية. فلا يخفى على أحد أن حجم المشاركة السياسية والتأثير الثقافي للمسيحيين لا يقاسان بالوزن العددي فحسب، بل يمكن النظر إليها أيضا، بالرغم من تعدد العوامل المؤثرة وأكثرها لا يختص بالمسيحييين وحدهم، في مرآة الأدوار الذي لعبتها، وتطلعت إليها أو اخفقت في القيام بها، النخب الثقافية والدينية والسياسية المسيحية.
غني عن القول أننا أمام أدوار للمسيحيين ولسنا بصدد دور واحد. ولعل إحدى أوجه المشكلة يكمن في اصرار البعض على الإغلاق على المسيحيين والمسلمين في ثنائية الأغلبية المتكاثرة والأقلية المتناقصة والمتراجعة، وعلى تخصيص المسيحيين بدور واحد، في الوساطة الاقتصادية والثقافية، يستعان به أو يستغنى عنه، حسب ما تسمح به علاقات القوى الداخلية غالبا وعلاقات الداخل بالخارج في حالات قليلة. لم تكن هذه الأدوار، التي تتنوع وان تشابهت، من فعل الزعامات والأحزاب السياسية. كانت بالدرجة الأولى أدوارا اضطلعت بها شخصيات ومؤسسات ثقافية وتربوية واجتماعية ودينية. وغالبا ما انشغلت، لا بأسئلة الهوية في غم الحداثة فحسب، بل بمسائل الدولة والمواطنة والاستقلال والحرية والديموقراطية وبهموم التقدم والعدالة الاجتماعية.
لذلك فإن الحديث اليوم عن تراجع ادوار المسيحيين متصل اتصالا وثيقا بضعف الدولة أو اضعافها ومعها المواطنة والمساواة. لكن الرد على تراجع الدولة والمواطنة لا يكون إلا في التمسك بالدولة وبتأكيد المواطنة، بديلا من اعادة اختراع العصبية الطائفية، ردا على العصبيات الأخرى. فالمواطنون أشخاص وليسوا مجرد أجزاء من جمهور مفترض يتكون بقوة العداء لجمهور آخر أو الخوف منه أو الصراع معه على السلطة. ولأنهم أشخاص، ولأن التنوع في مواقفهم وأحاسيسهم مصدر غنى وتعبير عن فهم حديث وعقلاني للانخراط في الحياة العامة بالسياسة أو الثقافة، فإنه لا يقي المسيحيين عن التراجع في أدوارهم تحولهم إلى جمهور يسير وراء زعيم له أو زعماء. بل على العكس من ذلك، فإن العمل على توحيدهم عن طريق تعزيز التماثل والمجانسة، وبحجة الدفاع عن حقوقهم، غالبا ما يحتمل المجازفة بمصائرهم. ذلك أنه يرهنها، وان بصورة جزئية، لخيارات قادتهم السياسيين وتقلباتهم وأخطائهم. ولعل المسيحيين يحتاجون إلى نخب تقودهم بدل أن تسودهم. والقيادة تعني في هذا المجال، فتح المسالك المتعددة أمامهم. وتعني أيضا ألا يصادر السياسيون أدوار النخب الثقافية والدينية وان لا يسعوا الى استتباعها، وألا يدفع الخوف من المستقبل أفرادا من هذه النخب كثيرين إلى أن يستتبعوا طائعين مختارين استنصارا بشعبية الزعماء أو طلبا لرعايتهم.
ثم إن الخوف من تراجع أدوار المسيحيين، والتفجع بأحوالهم يستعجل تحقيق ما يخافون منه. غير أن محاذرة الخوف والتخويف لا تلغي أسبابه. وأحسب أنها إضافة إلى مشكلات الدولة والمواطنة، فضلا عن دوافع الهجرة والإنكفاء المتعددة، تتضمن معاناتهم من موجات التعصب إلى حدود إلغاء الآخر المختلف. والمعاناة هذه لا تشفى بواسطة الحماية، حماية الأقوياء للضعفاء، والتي تفترض نوعا من الدونية، ولا عن طريق تنصل المعتدلين من سوء أفعال المتطرفين. فالتنصل ليس بعيدا عن اللامبالاة ولا يغير شيئا كثيرا، اللهم إلا ارتياحا عند أصحابه ورضا عن الذات عقيما.
ما لم نكف عن المجاملة وتشكيل وفود اسلامية تشكر للمسيحيين موقفهم من محاولة احراق المصاحف. لنعتقد وتصبح لدينا عقيدة بان المسيحيين ضرورة اسلامية وان حمايتهم وحيويتهم وحضورهم وحريتهم مسؤولية اسلامية ايضا حتى لا يتنصل المسيحيون من مسؤوليتهم عن كل المشتركات ويكون المسلمون قد تنصلوا من مسؤوليتهم عن انفسهم وإسلامهم ضمنا.
يبدو لي ولكم قطعا، أن الدولة المدنية دولة الافراد، كانت هي الحل لانها تحفظ الجميع بالجميع للجميع، وتسهل تشغيل الدين في حراسة المدينة والمدينة في صاينة الدين، على اساس المواطنة والحرية تحت سقف القانون، وما زالت هي الحل ولكن قد يكون الاوان قد فات ليصدق علينا المثل العربي "الصيف ضيعت اللبن". ودائما يمكن الاستدراك ولو بالحد من تمادي تضييع المسيحيين وإنفار المسلمين من مصدر عظيم من مصادر حيويتهم غير ان الاستدراك لا يتم بالرق والتعاويذ والخطب والادعية والمساعدات العينية والقداديس، مع احترامي لذلك كله، فلا بد من مأسسة العمل ورفعه الى مستوى مؤسسة قابضة وناظمة لحركة الورش المتخصصة في ما يعود الى الدمج الاجتماعي وتحصين التعدد بالوفاق، واللبنانيون مسؤولون اكثر من غيرهم عن تقديم المثال لائتلاف المختلف بعد الفصال لانهم هم الذين قدموا المثال السلبي وهذا المؤتمر يقول ان بامكان لبنان ان يحرر رسالة شافية ووافية لاوطان التعدد من طغيان الهويات الفرعية على الوطنية.
خفض التوترات والمشاكل الطائفية يحتاج الى معالجة بنائية تتصدى لجذور المشكلات على اختلافها انطلاقا من دولة القانون والحق واعمال مبادىء المواطنة والمساواة والحرية الدينية، في ظل تمييز خلاق بين المجالين الديني والسياسي حتى لا يؤدي الخلط والتوظيف المتبادل السياسي والديني الى انتاج واعادة انتاج المشكلات الطائفية.
لا شك في ان اعمال مبدأ المواطنة المنصوص عليه في المادة الاولى من دستور 1971 وتعديلاته الثلاثة المتعاقبة، وهو خطوة هامة على الطريق الطويل يتطلب اصلاح النظام القانوني ورفع اي تمييزات على اساس الانتماء الديني والمذهبي او الاجتماعي او الجنوسى الجندرى او المناطقى". وختم: "ثمة احتياج عميق لاصلاحات في مناهج التعليم والتنشئة السياسية تكرس المساواة والمواطنة والحرية الدينية من هنا نبدأ.
من شأن قيام هذا المجتمع وما يتعلق به من قيم وغايات ومطالب ان يكون مبدأ لعالم جديد يضمن العدل والمساواة والرخاء والسعادة للمسيحي العربي والمسلم العربي على حد سواء ومن شأن قيامه ان يضع حدا للنزيف والتآكل وان يرد الامور الى نصابها الطبيعي السليم.
المسؤولية الكبرى تقع على عاتق الشباب، الذين يؤدون دورا كبيرا في بقاء الكنيسة شابة، ويساهمون في تحفيز الواعظ والكاهن على الشهادة والعطاء"، معتبرا أن "لا كنيسة من دون شباب، ولا مستقبل للشباب بعيدا عن الكنيسة، ولا غد للكنيسة من دون الشباب.
ان رهاننا الدائم هو على استمرار الحضور المسيحي في لبنان والشرق، بالوفاق والتفاهم مع اخواننا المسلمين الذين هم شركاء حقيقيون في القيم الروحية والمصير الوطني، واقتلاع كل الرهانات الخاطئة على التحالف الاجنبي.
نحن ككنيسة لسنا جزيرة منعزلة في بيئتنا اللبنانية وفي محيطنا العربي، بل نحن جماعة مؤمنة تحتل موقعها الطبيعي الفاعل المؤثر في الأسرة البشرية، وتتفاعل باستمرار مع غيرها لتكون قادرة على تجديد نفسها، والاسهام في تجديد الآخرين بما يكفل خير الانسان والمجتمعات.
ازاء هذا الواقع الشاق الذي يعانيه عالمنا وشرقنا العربي ووطننا لبنان، تبرز الحاجة الى كنيسة قادرة على التكيف مع واقع الحضارة ومجريات الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية.
لقد برهن المسيحيون دائما عبر التاريخ انهم قادرون على العيش مع المسلمين وغيرهم وفي ممارسة حياتهم العامة، اذ ان فكرة العيش مع الآخرين والتفاعل معهم هي من صلب ايماننا المسيحي.
يمكن معالجة الوضع شرط التحرر من الخوف من طريق المحبة بين مختلف الأطراف، والامتزاج بالشعوب التي نعيش معها فلا ننظر إلى مصيرنا بالاستقلال عن مصير الآخرين، والعمل على مختلف الصعد السياسية والتربوية والخدمة الاجتماعية، واضعين نصب أعيننا المصلحة العامة.
التعاون بين شعوب منطقة الشرق الأوسط يجب أن يكون من أولويات المرجعيات الروحية المؤتمنة على إيمان شعوب المنطقة. فلكل من الديانات السماوية مرتكزات عقائدية وتاريخ وعادات وتقاليد كانت في أساس النهضة الثقافية والاقتصادية والعمرانية. والمسيحيون ادوا دورا مميزا في هذا المجال من خلال انغماسهم في تراثهم المشرقي وانفتاحهم على الغرب. وكانوا رواد نهضة الأمة العربية.
علينا ان نكون واضحين. لسنا صليبيين ولا أحصنة طروادة لاحد. لا نقبل أصلا اي اتهام او تشكيك في انتمائنا، دون وجل دون خوف.
جزء من هذا العالم الاسلامي والعربي والتركي والايراني والكردي. جزء من تنوع منطقة ضاجة. لكننا مع حقوق كل انسان، مع الحريات. لا يمكن ان نكون على الحياد مع قضية حق الفلسطيني بدولة، مع سلام عادل شامل، مع حق العودة للاجئين، لكن ايضا مع الحق الكردي بان يشعر بالامن والمساواة، مع حق المسيحيين في كل هذه البلاد، بان يعترف بهم، بقومياتهم، بلغاتهم، بمؤسساتهم، بتمثيلهم، بأحزباهم".
وتابع: "ان موجة الاصوليات التكفيرية الالغائية المتخذة من النموذج الاسرائيلي راية، عبر نموذج إنشاء دول دينية على أنقاض الآخر، وعبر رفع فتاوى لا يقبلها لا عقل ولا منطق ولا دين هي أخطر ما يواجه المسيحي. ان هذا الارهاب الذي يغتال مطرانا، ويكفر جارا، ويهجر سكانا اصلييين هو آفة لا يمكن معالجتها فقط بالامن، بل بالفكر والاقتصاد والاعلام. ان سكوت الانظمة العربية، واحيانا تواطؤها، عبر محاباة الفكر المتأسلم، لترضيته على حساب حقوق الانسان وحقوق المسيحيين هو طعنة في صميم جوهر تكوينها. أليس غريبا ان يكون المسيحي دائما ضحية وفي أغلب الاحيان نسمع عن تبرئة القتل عبر تنسيب الجرائم الى مجنون؟ ان عدم جرأة الانظمة، بدءا من دساتيرها، في الاعتراف بالمساواة التامة بين المواطنين، لا يساعد على إعطاء اي بصيص أمل للمسيحي، صحيح ان الانظمة متفاوتة في تعاملها مع المسيحي، ففي بعض البلدان المواطنة فقط للمسلم، في بعضها دين رئيس الدولة الاسلام، وفي بعضها دين الدولة الاسلام. أحيانا، نسر بقليل من العطاءات مثل السماح بتشييد كنيسة، او مثل تعيين وزير او مدير. لكن بالاجمال، الانظمة بعيدة عن فهم روح ومعنى عيش مشترك نموذجي متساو وربما هذه ليست فقط أزمة المسيحيين بل ازمة كل العرب. ان حقوق المواطن ليست منة ولا هبة ولا تسولا. ان صمت العرب عن ظواهر الاغتيالات والتهجير في العراق مثلا، وغياب جامعة الدول العربية عن اي رد فعل صريح، يضعها كثيرون في موقع غض النظر او التجاهل اذا لم يكن أكثر فلماذا؟
ان هذا الغرب الخبيث يعامل قضية الحضور المسيحي بمكيال المتجاهل المتواطىء. اصلا هو مسؤول مباشر عبر احتلاله العراق في زعزعة كيان دولة عربية - مهما كان رأي الناس في قيادتها او ممارساتها - في غياب الامن والمرجعية. وهو مسؤول مباشر عن دعم احتلال فلسطين مما هجر ايضا المسيحيين من الارض المقدسة وأشعل غضبا اسلاميا عارما. ما زلنا كمسيحيين، من دون وجه حق، ندفع أثمان اخطاء الغرب وخطاياه رغم اننا معارضين لسياساته. ان هذا الغرب ليس لديه ما يقدمه لمسيحيي العراق الا تسهيل سمات دخول لمزيد من التهجير. أصلا، ليس هناك على اي أجندة غربية ملف عنوانه بقاء او حضور او دور او مستقبل المسيحيين في الشرق. هذا هم زائد لا يريدونه. لكنهم مصرون على تكريس اقليم للاكراد مثلا وعلى حمايته ودعمه. لاننا كمسيحيين لسنا حاجة استراتيجية لهم. لسنا نفطا، ولا قاعدة عسكرية، ولا مشروعا يساعدعم على الهيمنة.
هل الصورة قاتمة الى هذا الحد؟ انها كذلك، نتراجع في الديموغرافيا وفي الجغرافيا، اين طور عابدين، لم يبق فيها الا من يعد مقابرنا ربما ألفان فقط. القدس فيها 9 آلاف مسيحي فقط. اين القامشلي، انها عاصمة لما يسمونه كردستان الغربية، اين المصيطبة الآن، بقي فيها اقل من مئة عائلة سريانية, في طرفة عين تبخر نصف مسيحيي العراق. هل يعني ذلك ان علينا ان نستسلم، ان نموت بصمت او نرحل بصمت؟ هل نحن آخر الآراميين، آخر الهنود الحمر، آخر مسيحيي الشرق، أم اننا أول المناضلين لكي نبقى ونستمر؟
كيف يمكن أن يشعر كل أبناء الشرق الأوسط بكرامتهم على قدر المساواة؟
هذه هي القضية التي حملها المسيحي المشرقي على كاهله منذ فجر زوال الاحتلال العثماني.
تبنى المسيحي مفهوم الدولة العادلة، والمتوازنة، والسيدة.
اعترض على التفرّد والأحادية والهيمنة، وكافح الإرهاب والأصوليات الرافضة للآخر وللحوار.
انتفض على كل ارتهان.
داخليًا واجه الأوضاع المتوترة التي تنذر بانقسامات لا تفيد أحدًا.
نادى بالتعقل والتهدئة والمناعة الوطنية والحوار.
تمسّك بالحريات العامة بكل أبعادها وعلى رأسها حرية الإعلام والتظاهر.
طالب بقوانين يسهر عليها قضاء حر نزيه وتشكل ضمانة للجميع.
رفض التهوّر ولغة التخوين، وأيّد التنوّع الحزبي والفكري والنضالي.
أبدى المسيحي المشرقي احترامًا لكل الأفكار والآراء والشخصيات. في نهجه لم يكن عدائيًا ضد أحد ولم يرفع فيتو بوجه أحد. لم يناور ولم يؤسس المحاور، بل سعى بصدق وانفتاح ومحبة لتلاقي الجميع وتعارفهم وتصارحهم والعمل من أجل توحيد الرؤيا عندهم.
يتمسّك المسيحي بلبنان وطنًا لا يتجزأ ودولة مستقلة ذات نظام جمهوري، ديمقراطي برلماني، حر، قائم، يختزن تنوّعًا حضاريًا وثقافيًا، وفي حركة تفاعل دائمة مع الحضارات العالمية.
يريده دولة ترعى حقوق الطوائف وتؤمّن لهم الضمانات وتحافظ على تقاليدهم وأعرافهم التاريخية المتينة وتبني في إطارها مرتكزات التعاون الوطني في المجالات كافة.
وإذ يقر بطابع لبنان الحضاري المميز، يعمل في الوقت عينه في سبيل إيجاد صيغة مستقبلية من شأنها المحافظة على خصوصية لبنان وطابعه وواقعه وحضور تنوّع في وحدته.
رغم كل ما أحاط لبنان من تحولات وتطورات دراماتيكية في الربع الأخير من القرن العشرين حتى اليوم، نجح المسيحي في بلورة نهج مستقل وخط وطني وفي لعب دور الشاهد الحر والضمير الحي.
لم يقف المسيحي على الحياد، بل رصد الواقع اللبناني ولفت إلى كل سوء عاينه وتلمسّه، في مسعى منه نحو تصحيح المسار وترتيب الأوضاع التي يعاني منها البلد في شتى الميادين. وقد نجح في تشخيص المعضلة اللبنانية وتشخيص المرض الوطني والمشاكل الداخلية لاسيما في النواحي الاجتماعية والاقتصادية التي تهدد المواطن.
في أفكاره ترشيد إلى مكامن الخلل، وفي تحركه تقديم يد المساعدة لتضميد جراح الوطن وتوحيد ما تجزأ وتقريب ما تباعد.
رفض المسيحي أن يكون جزءًا من اي مشروع إلا مشروع سيادة لبنان وحريته واستقلاله وعيشه المتوازن الكريم. فهو يفهم الولاء للبنان أن نحب كل أرضه غير منتقص منها ولا حبة تراب ولا ضيعة أي 10425كلم². وأن نحب كل أهله، كل ابناء الوطن على تنوعهم غير منتقص منهم ولا مواطن أي الـ4 ملايين مهما اختلف عنا في العقيدة السياسية أو التوجه أو المذهب أو الطرح.
أراد أن يرى لبنان دولة سيّدة على كامل أرضها، وأن تبقى هذه السيادة فوق كل اعتبار.
لم يقبل بأقل من دولة قانون وسياسة متوازنة وبلد ذي سيادة. وفي عرفه الدولة يجب أن تكون الأقوى حاضنة وحدة الشعب وصاحبة العين الساهرة.
وقد رأى أن المطلوب نقلة نوعية ليس في الأداء السياسي ولكن أيضًا في الفكر السياسي الذي يلبي طموحات الجميع وخصوصًا في التعاطي مع المرحلة الشديدة الدقة التي نحن مقبلون إليها.
تمسك بكل ما من شأنه أن يوحّد بين اللبنانيين.
أصر المسيحي على ضرورة التوافق الوطني وعلى المحافظة على مقومات لبنان في الديمقراطية والحريات.
شدد على ان لبنان لا يقوم إلا على التفهم والتفاهم والتوافق.
أكد ان المطلوب هو الوعي من قبل أركان السلطة والاعتراف بأن مسار الأمور على مستوى القرار الوطني والوفاق الحقيقي في ازمة والمطلوب تغيير في الفكر والممارسة.
اعتبر الوحدة الوطنية ضمانة لبنان وعزته ورأى تجليها في الجنوب.
ولفت إلى أنها تحتاج إلى تحصين وحوار جدي وحقيقي بين كل اللبنانيين.
ناشد رئاسة الجمهورية المؤتمنة على الدستور وروحه الميثاقية، "العمل مع جميع المسؤولين لتثبيت التوازن خدمة للبنان الواحد، وطن الرسالة، الذي يشكّل نقيضًا للرهانات التي تتحدث عن استحالة التعايش السمح بين الأديان السماوية على أرض واحدة، متأثرة بنظرية "صراع الحضارات" المستحدثة.
حرصًا على الوحدة الوطنية التامة والشراكة الكاملة رصد كل غبن في التعيينات والتطويع والتعاقد في مؤسسات امنية وعسكرية وإدارية وبلدية وإطفائية متنوعة. مؤكدًا ان الدولة الواحدة العادلة لا يمكن أن تقوم إلا على المساواة والتوازن.
شجّع على تأليف حكومات وفاق وطني حقيقي معتبرًا هكذا خطوة مدخلاً للولوج إلى الحل المنشود والاستقرار الدائم.
عبّر عن رفضه ان تشعر اية طائفة او فئة او مذهب او مجموعة أنها مغيبة عن المشاركة في صناعة القرار الوطني، او انها مبعدة عن دور اساسي في التوازن.
اعتبر استقالة وزراء طائفة كبيرة، مهما كانت اسبابه وخلفياته، يشكل اهتزازاً خطيراً في وحدتنا الوطنية. وان العيش المشترك اساس في دستورنا وهو ميثاقنا وعلة وجود لبنان.
ان العرب بحاجة إلى من يجمعهم لا إلى من يفرقهم، وإلى مزيد من الأمل والرجاء وليس من الإحباط.
"ان الرابطات والمجالس قلقة من تزايد الشرخ بين اللبنانيين ومن الكلام الصارخ عن استعدادات عسكرية او التفكير بحكومتين او توزيع سلاح وغيره وهي تطالب:
- بتدخل حاسم من المراجع المعنية لمنع اي تسلح خارج نطاق الدولة واي ظهور مسلح لأي فئة.
- العمل على وقف الاحتقان والتراشق بما فيه من تخوين وتهويل وتهديد.
وهي تشدد على ثوابتها:
- ان الوطن ثابت رغم كل المحن ونهائي وهو ليس عرضة للمساومة ولا حرياته ولا استقلاله مدار جدل.
- ان رئاسة الجمهورية ليست منصبا منّة من أحد، ولا يمكن ان نقبل بالفراغ، ولا بأي رئيس، ان لهذا الكرسي رمزية في الشرق كله، فهو عرفاً الموقع المسيحي الرسمي الاول الوحيد في المنطقة الممتدة من المغرب الى باكستان.
- اننا نتطلع الى وعي مسيحي أكبر لما يجري، فالمطروح ليس صراعاً بلدياً حول موقع، بل هو دورنا ومصيرنا ومستقبلنا في وطن سيد حر آمن لجميع العائلات الدينية وفي هذا الشرق العزيز.
- اننا نعول على حركة ومبادرة من كافة المراجع الدينية وخصوصاً المارونية منها لوضع الاسس والخطوط بما يثبت هذا الاستحقاق ويحفظ وحدة لبنان وديمومته ودوره ورسالته الحضارية.
- ان اللبنانيين بحاجة الى من يجمعهم لا الى من يفرقهم، والى مزيد من الامل والرجاء وليس من الاحباط.
لفت إلى أنّ "لبنان لن يقوم على قاعدة التراشق والتخوين والتهديد والتشنج ولا على بقائه ساحة صراع. وان ادارة التنوع الوطني من صلب مسؤولية الدولة التي يجب ان تكون ممثلة للجميع. هذا ليس زمن انتصارات في الداخل بل زمن وحدة وطنية.
من جهة أخرى يشير المسيحي إلى أن كل تسلح طائفي أو مذهبي أو حزبي هو طعنة في صميم الكيان اللبناني ودعوة إلى حرب أهلية. ويسأل لماذا ننتظر تداعيات المنطقة ولا نحصن نفسنا؟ ولماذا لا يكون الحل "صنع في لبنان" بدل أن يأتينا جاهزاً من عواصم؟ فمع كل تقديرنا لجهود الأصدقاء والأشقاء فمن يفهمنا أكثر من أنفسنا ومن يهتم بمصالحنا أكثر منا؟
إحدى بيانات المسيحي صدرت تعليقًا على أحداث 7 آب وطرحت المسائل التالية:
أولاً: يعرب المسيحي عن استنكاره العميق لتوقيف واعتقال مجموعة كبيرة من ناشطي بعض أحزاب المعارضة اللبنانية ولأجواء الاحتقان السياسي الكبير الذي خلفته، ما يعيد البلاد إلى الوراء بدل استثمار المناخ الايجابي الذي واكب زيارة البطريرك صفير إلى الجبل. ودعا المسيحي إلى وقف هذه الموجة وإطلاق سراح الموقوفين الابرياء فوراً.
ثانيًا: إن مبدأ صيانة الحريات الأساسية في الرأي والمعتقد وحقوق الانسان والتجمع السلمي يجب أن تبقى جامعاً مشركاً لكل اللبنانيين على اختلاف تنوعاتهم الطائفية والمناطقية والحزبية، على أن الدولة هي المسؤولة الأولى عن كل هذا والمؤتمنة عليه، لذلك يطالب المسيحي الحكومة بأخذ موقف واضح وصريح والشروع بكل التدابير التي تؤمن تطبيق القانون وتأمين الحريات والسلم الأهلي أو أن تعلن عن عجزها في هذا المجال.
ثالثاً: يكرر المسيحي أن وحده الوفاق الوطني ومناخ الحوار والوحدة والمصالحة والتعالي عن الخصومات يوصل إلى المرتجى في موضوع إعادة السيادة والاستقلال. وذلك لا يكون بالتحدي ولا بالاستفزاز أو بالتطرف، كما لا يكون قطعاً بالقمع أو بالاستبداد. فالفكر والموقف لا يجادلان إلا بالفكر والموقف.
رابعاً: من أجل ذلك، قرر المسيحي بتحرك سياسي جامع أن يبدأ غداً بلقاء مع غبطة البطريرك صفير كما قرر إبقاء اجتماعاته مفتوحة لمتابعة التطورات.
من جهة أحرى عبّر المسيحي عن رفضه لكل حملة تخوين من أي جهة أتت لأي كان. ودعا الى كسر الجليد القائم في الخطاب التخويني فاذا كان نصف اللبنانيين عملاء لأميركا ونصفهم عملاء لإيران وسوريا كما يدعي بعض الغلاة فعلى اي وطن نتكلم؟ وعلى اي جمهورية؟
واستغرب كيف ان تأليف حكومة وفاق وطني يحتاج الى جولات دولية مكوكية في كل عواصم العالم؟
حذر من الحزازات في الجامعات والشارع والمنابر.
وأبدى قلقه من غياب التفاهم والتوافق بين اللبنانيين في ظل اوضاع صعبة اقليمية ودولية، وأحوال اقتصادية – اجتماعية تنذر بالخراب.
دعا إلى البحث عن المصلحة الوطنية العليا رغم وجود اختلافات متضاربة.
وفي هذا الإطار يقول:
"اننا في غاية القلق مما يجري، ونحن معنيون وملتزمون بالسعي الى تثبيت المصلحة اللبنانية العليا. فهل يعقل ان تعمل كل الدول لمصالحها ولاستراتيجياتها بينما نختلف نحن حول مصيرنا".
وفي السياق نفسه أشار في بيان إلى "أن لبنان غائب. نفتش عنه ولا نراه. اننا نهدم بلدنا بأيدينا. اننا نعاني من نقص في الجرأة، في الشفافية، وفي المناعة الوطنية".
أعرب المسيحي في تصريح نشرته الديار في 28/3/2001، عن قلقه الشديد الى ردود فعل متشنجة بعيدة عن مفهوم الوفاق الوطني وإلى خطابات تشكل تهديداً للسلم الأهلي. ودعا النيابة العامة للتحرك الفوري بحزم وجدية لملاحقة مطلقي هذه الحملات.
كذلك دعا المسيحي أركان السلطة إلى الوعي والاعتراف بأن مسار الأمور في ازمة واعتبر أن المطلوب التغيير في الفكر والممارسة وأكد على متابعة انفتاحه واتصالاته للتوصل إلى تفاهم وطني.
الأمن والتسلّح والقوى العسكرية الشرعية
رفض كل محاولات إثارة الفتنة الطائفية والمذهبية وشدد على التصدي لكل تنظيم يستعمل السلاح والعنف في التخاطب السياسي.
وفي بيان أصدره في 6/2/2007، بُعيد لقاء رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع في بزمار، تناول ظاهرة التسلح وتوقيف شحنات عند جهات متنوعة. واعتبر أن "كل تسلح طائفي او مذهبي او حزبي هو طعنة في صميم الكيان اللبناني ودعوة الى حرب اهلية".
فإلى اعتباره السيادة والاستقلال والحرية ثوابت لا تنازل عنها أبداً، وضع الأولوية للأمن في كل المناطق لأنه ممنوع ان يشعر مواطن في أي منطقة انه قلق او مهدد وهذه مسؤولية الدولة.
في تصريح نشرته الديار في 28/3/2001 دعا الأجهزة المعنية المختصة بحفظ الأمن للترقب والحذر والبقاء عيناً ساهرة لضمان امن كل اللبنانيين.
"فالأمن حق كل مواطن على كامل مساحة الوطن، وأول واجب على الدولة".
لطالما اعتبر ان الامن جزء من الوفاق الوطني لأن الصراع الداخلي على السلطة يشكل نافذة يدخل منها كل عابث بأمن الوطن.
أبدى قلقًا من المشاكل الأمنية التي شهدها الجنوب والتي أعطت انطباعًا بعدم اكتمال حضور السلطة محذرًا من أي استغلال لهذا الجو ومن جر لبنان إلى منزلق تستفيد منه إسرائيل في سعيها إلى الاقتصاص من صمود لبنان وتحقيق التحرير.
إثر زيارة وزير الداخلية الدكتور احمد فتفت في 18/5/2006، عبّر المسيحي عن قلقه، من بعض الحوادث الأمنية المتفرقة، من اكتشاف عبوة هنا، وإطلاق نار هناك، وطالب بتكثيف الجهود لطمأنة الناس. كما استعرض مع معاليه حادثة الأحد الاسود في الأشرفية وتداعياتها وبقاء مؤسسات متضررة ومغلقة ومحروقة، واستمع منه الى شرح واف عن ما قامت به الاجهزة وعن احالة كل الملفات الى القضاء المختص.
ندد بمسلسل التفجيرات التي طاولت مؤسسات تجارية عدة.
ومع تماهي التفجيرات والاغتيالات والإرهاب المتنقل بين المدنيين، عقد اتحاد الرابطات اللبنانية المسيحية اجتماعه الدوري برئاسة الأمير حارس شهاب في مقر الرابطة المارونية وإثر اللقاء صدر عن المجتمعين البيان التالي:
بعدما جرى بالامس والامس القريب لم يعد الكلام يجدي ولا البيانات ولا صرخات الاستنكار التي نرفعها عالياً بل المطلوب فوراً أن يعود الأمن إلى ربوع كل لبنان، وأن يتحمل المسؤولون تبعات ما يجري وعليهم أن يطلوا على الرأي العام بأجوبة مقنعة وتطمينات تستند الى تدابير فاعلة ورادعة.
لسنا قادرين على تحمل الانفجارات أو الاغتيالات ولا الخطف أو العبوات كما أننا لم نعد نقبل بأي تقصير، ولا تجهيل للفاعل، ولا إبقاء الوطن ساحة لأي كان بعد أن كنا قد اعتقدنا انها خلت من لاعبين يريدون إبقاءها أرضاً خصبة للقلاقل والاضطرابات. لقد سبق أن أدنا اختطاف المهندس رمزي عيراني واليوم ندين بشدة ما آل إليه هذا الخطف والتفجير الذي حصل بالأمس. إن التزامن في وقوع الاحداث المروعة تسبب بصدمة في الشارع اللبناني وبث المخاوف من أن يكون ما جرى مؤشراً لعبث أمني قد تتواصل حلقاته وفصوله، بينما نحن بحاجة الى أقصى درجات الاستقرار.
والمسيحي ينبه إلى أن المواطن بات يكفر بما آلت إليه الأوضاع، والامن خط أحمر في أية عملية نهوض تخرجنا من هذه المحنة التي نتخبط بها.
وفي بيان مواز لفت إلى أنّ "المواطن لم يشف غليله من الحقيقة، ولم تنكشف أمامه تفاصيل ما جرى، ومسؤولية القوى والأفرقاء".
بعد زيارة الرئيس فؤاد السنيورة في السرايا الكبير صدر بيان في 18/9/2007، تناول فيه موضوع الأمن معتبرًا أنّه رغيف الناس.
ومؤكدًا، بعد القضاء على وكر إرهابي كبير بتضحيات الجيش من دم ضباطه والجنود، أن كل دعم يجب أن ينصب على تجهيز مؤسساتنا العسكرية لأنها وحدها ضامنة الأمن لكل اللبنانيين. ومجددًا رفضه بشكل تام أي تسلح لأي فئة أو حزب وطالبنا الجهات المختصة بمزيد من الضبط لهذا الملف.
في لقاء مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري أشارت الرابطات إلى دعم الديمقراطية حتى أبعد الحدود وأن المسيحي في المبدأ يعارض تولي العسكر زمام السياسة. لكنّه بالمقابل عبّر عن دعمه لمؤسسة الجيش وطالب بصيانتها.
في بيان أصدره المسيحي في 6/2/2007، بُعيد لقائه برئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع في بزمار اعتبر ان الجيش هو الضامن الاكيد وهو عنوان السيادة من اقصى الجنوب الى اقصى الشمال، دون اي عائق لا من جزر امنية ولا من بؤر خارجة عن سلطة القانون، رافضًا كل هجوم عليه او محاولة لضرب معنوياته او دوره او هيبته.
في هذا السياق، تتابعت زيارات المسيحي إلى قيادة الجيش بهدف إظهار الدعم المطلق للجيش اللبناني ولقيادته وإجلالاً لدماء الجنود الذين سقطوا دفاعًا عن كل لبناني.
في عرفه، الجيش هو الضامن الأكيد وهو عنوان السيادة من أقصى الجنوب الى أقصى الشمال، دون أي عائق. لا من جزر أمنية ولا من بؤر خارجة عن سلطة القانون. معلنًا رفضه كل هجوم عليه أو محاولة لضرب معنوياته أو دوره أو هيبته.
وفي هذا الإطار، ندد بأحداث الشمال وبيروت الهادفة إلى توتير الأمن وتمسك بالدولة صاحبة قرار الأمن والمسؤولة عن كل شبر
كما رأى في انتشار الجيش الوطني، اداة السلطة ورمزها، على الحدود اللبنانية وفي الجنوب بعد غياب ثلاثين عاماً خطوة تعيد الثقة بقيامة الدولة.
وفي بياناته دعا كي يكون الجيش وحده صاحب قدسية حمل السلاح دفاعًا عن كل لبنان وعن كل اللبنانيين وتنسيق عمل المقاومة في الجنوب.
فالمسيحي معني "بالسيادة التامة ويعتبر ان انتشار الجيش الوطني على آخر نقطة من حدودنا علامة انتصار لمبدأ الحق في السيادة على كل التراب.
رفض بشكل قاطع اي تعد على الجيش أو الأجهزة اللبنانية من أي فئة أو طرف أو تنظيم وعارض أي وجود عسكري إلا الذي "الأرزة تكلل رأسه".
مؤكدًا وقوفه بقوة وحزم وراء مؤسسة الجيش الوطنية رافضًا بشكل قاطع اي مساس بها واي تعد عليها من اي جهة، معتبرًا انها وحدها رمز سيادة الوطن على كل ارضه.
في الشهداء والشهداء الأحياء
توقف في بياناته بإجلال أمام "الدماء التي تسقط من ابناء الوطن" وأمام "الجرحى والمشردين والمهجرين وكأن قدر لبنان ان يبقى معلقاً على صليبه، وان تتعاقب عليه المجازر والإجرام والبربرية والتدمير". ورأى في هذه التضحيات قرابين مباركة واعتبرها، بكل براءتها وبكل قداستها، ذخيرة قد تساهم في ابقاء شعلة وطن يحاول اعداؤه طمسه وإلغاءه".
حيّى كل مقاوم وكل شهيد وكل جريح وكل معاق وكل سجين من كل المناطق والفئات ضحى من أجل سيادة لبنان وكرامة أهله.
رأى في استذكار الشهداء "عودة الى العطاء، الى تقديم أثمن وأروع ما في الإنسان دمه والحياة من أجل نظرته الى وطن سيد حر مستقل.
عن هذا دافع شعبنا فمنعنا التوطين وقاومنا الاحتلال".
إعتبر جرائم التفجير التي تطال الأبرياء ليست إلا رسالة جبانة ضد شعب آمن، ما زال مصلوباً على خشبة.
"ترتاح كل دول الدنيا ويبقى لبنان وحده ساحة صراعات مفتوحة تنهش من لحمنا ودمنا وأهلنا. فهلاّ تعلمنا كيف نحصّن هذا الوطن، وكيف نوحّد جهود أبنائه لنمنع عنا الأذية والدمار؟ اننا نتقدم من أهل كل الشهداء بأحر التعازي ومن الجرحى بالمواساة، لكن هل يكفي بعد ان نكتب بيانات بهكذا مناسبات؟ وهل لدى كل الدولة والاحزاب والقوى ما تقوله للناس؟ هل تمسك الدولة ولو لمرة بمجرم واحد؟
من أهداف الجامعة الثقافية في العالم:
- دعم كيان لبنان واستقلاله وسيادته وطنًا نهائيًا لجميع أبنائه.
- إعطاء المنتشرين حقهم في جنسية أجدادهم وإعادة رابطة الدم والنسب بينهم وبين أبناء وطنهم حق مشروع لا بد من إقراره.
انشقاقات داخل الجامعة اللبنانية الثقافية:
كان المؤتمر العاشر الذي عقدته الجمعية العمومية للجامعة الثقافية في ساو باولو في البرازيل قد أقر تعديلاً للقانون الأساسي للجامعة في أيلول 1994 سمح بانتخاب السيد جورج أنطون رئيسًا دوريًا لمدة سنتين بدل سنة واحدة دعمًا للبرازيل بعد أن انتسبت للمرة الأولى في الجامعة وطلب من المجلس الرئاسي إعادة وحدة الجامعة وتنظيمها.
مع نهاية ولاية أنطون ظهرت الانشقاقات في الجامعة ولاح خطر وقوعها في فراغ قانوني بالنسبة للرئاسة الدورية فعقد اجتماع عام 1996 في ساو باولو أعيد خلاله انتخاب جورج أنطون استثنائيًا لمدة أقصاها ستة أشهر حتى 15 آذار 1997 فانتهت المدة ولم يتم انتخاب خلف لأنطون في وقت عقد اجتماع اغترابي في لوس أنجلوس أطلق عليه إسم المؤتمر الحادي عشر للجامعة انتهى بانتخاب السيد ناجي نعيم رئيسًا للمجلس الرئاسي، والمهندس جوزيف يونس أمينًا عامًا له.
في العام 1998، استقبل فندق الكورال بيتش لقاء اغترابيًا نظمته وزارة المغتربين. ومع انّ المؤتمر كان باكورة نشاط هذه الوزراة المستحدثة إلا أن نتائجه كانت عكسية، بحيث انّه أنتج شرخًا كبيرًا داخل الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم. إذ رفضت فئة من المغتربين سياسة الحكومة اللبنانية حيال الانتشار اللبناني واتهمتها بالتسلط والاستبداد وبأنها تدفع بالجامعة الثقافية إلى الإنحراف عن المبادئ والأهداف التي يحتضنها دستورها.
معارضوا مؤتمر الكورال بيتش اعتبروا أن الحضور لم يكن كافيًا لتمثيل الجامعة والدعوة لم تشمل جميع المسؤولين. ولم يحضره سوى عضوين من أصل ثمانية من أعضاء المجلس الرئاسي.
لبنان بأمس الحاجة اليوم إلى منتشريه، والمنتشرون بأمس الحاجة لوطنهم ودعم الحكومة المركزية فيه.
الجامعة اللبنانية الثقافية في العام مدعوة كي تكون صوت الانتشار اللبناني. واجبها أن تجمع الشمل اللبناني المنتشر في كل أنحاء الأرض وأن تنشر رسالة لبنان وتدعم قضاياه المحقة وتبث روح الوطنية في صفوف من غادروه قسرًا أو طوعًا وتشعل فيهم الحنين إليه وأن تزرع اللحمة بين اللبنانيين وتبعد عنهم خطر الانقسام الطائفي والمذهبي وتعيد نسج الامبراطورية اللبنانية وتجعل من كل الدول صديقة تعطف على اللبنانيين وتجد في بلدهم خير موطن يستثمرون فيه أموالهم ويقصدونه للسياحة والراحة والتعاون الثقافي والفني والاقتصادي والإنساني.
من واجب الجامعة السعي الدؤوب لتحويل لبنان إلى دولة قوية سيدة ذات سيادة غير منقوصة وموئل للحرية والعدالة وموطن للديمقراطية وحصن منيع بوجه كل الأطماع والاعتداءات والتعديات .
الأهواء الشخصية عطلت عمل الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم وانتقلت عدوى الشرذمة التي فككت صفوف اللبنانيين خلال الحرب إلى عالم الانتشار بحيث شهدنا تكتلات اغترابية متناقضة ومتخاصمة.
تمتلك الجاليات اللبنانية في العالم نخبة من الأدمغة والوجوه التي برزت وتفوقت في أكثر من قطاع وميدان. والدول التي احتضنت اللبنانيين في رحلة هجرتهم، عرفت كيف تستفيد من طاقاتهم وميزاتهم وعلمهم.
عالم الانتشار اللبناني متمدد جغرافيًا ومتنوع بحيث ظهرت في العالم جمعيات وتكتلات وحركات لبنانية منها المستقل ومنها الذي يستمد جذوره من أحزاب وتنظيمات ومرجعيات لبنانية ناشطة فوق الأراضي اللبنانية.
كذلك اللبنانيون المقيمون في الخارج نجحوا على المستوى الاقتصادي وكثيرون منهم تمكنوا من تأسيس إمبراطوريات وشركات ضخمة بلغت شهرتها أقاصي الأرض.
التفوق اللبناني لم يترك حقلاً إلا وتسلل إليه. والانتليجنسيا اللبنانية لا تزال حتى اليوم تحظى باهتمام وتقدير من كل الدول ولا يزال لبنان مصدرًا هامًا للأدمغة المتوجهة إلى كل أرجاء الكرة الأرضية.
عمومًا الميزان التجاري اللبناني في عجز مزمن يمكن التعويض جزئيًا عنه من خلال التحويلات النقدية التي يرسلها لبنانيو الانتشار إلى ذويهم في لبنان.
في اليوم العالمي للمغترب اللبناني أتوجه لإخواني اللبنانيين المغتربين مقدراً دورهم المتنامي داخلياً وخارجياً بإعتبارهم جزءاً لا يتجزأ من هذا المجتمع اللبناني بجناحيه المقيم والمغترب.
إن للمغتربين ألدور الأساسي في إعادة البهجة والوحدة إلى الوطن كما أن عليهم المسؤولية الكبرى بالحفاظ على وحدة صفوفهم وجهودهم وإبقاء النزاعات الداخلية بعيدة عن مكوناتهم فكما هم أصحاب الجهد في بناء الثقة والتواصل مع شعوب الدول المستقبلة لهم نريدهم أن يكونوا جسر الوحدة لأبناء الوطن.
أيها المغتربون،
إننا نراهن عليكم لمستقبل لبنان فلبنان أمانة في قلوبكم وضمائركم ، وان لكم انجازات تاريخية وأياد بيضاء في اعمار وانماء بلدكم وفي اعمار البلدان التي هاجرتم اليها لذلك اني أدعوكم:
اولاً: إلى العمل يداً واحدة من أجل وحدتكم ودعم مؤسستكم الأم الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم وإبعادها عن الشرذمة والتفكك.
ثانياً :التأكيد على الحوار فيما بين المغتربين وذلك لتقريب وجهات النظر والتوفيق بين الآراء المتباينة وذلك رحمة بالاغتراب اللبناني لأن استمرار الخلاف يهدد العمل الاغترابي المنظم ويجعل المؤسسات الاغترابية اللبنانية غير فاعلة وغير موجودة في الوقت الذي نتطلع فيه لان يكون هناك نظرة جديدة ونظم حديثة لهذه المؤسسات تتماشى والدينامية الحديثة لمسألة الهجرة وتأثيرها على عمليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ثالثاً :إن المديرية العامة للمغتربين على إستعداد دائم للقيام بدورها التوحيدي في كل وقت وهي مؤمنة بإرادتكم للتلاقي إذ أن ما يجمعكم يفوق بكثير ما يفرقكم. وكما كنتم أصحاب الافكار الخلاقة لنجاحاتكم فاننا على ثقة بانكم تملكون من هذه الافكار الشيء الكبير للانطلاق قدما نحو النجاح والازدهار والوحدة والتقدم.
أيها المغتربون،
إن لبنان أكثر من وطن إنه رسالة كما وصفه الحبر الأعظم وإنكم أصحاب هذه الرسالة، لترسيخ مزايا هذا الوطن العظيم لبنان في تلاقي الحضارات ونشر المحبة على العالم.
ما من نظام على وجه الكرة الأرضية اليوم يقدر على اتخاذ قرار استراتيجي بالتغريد خارج سرب . فهي صارت أمرًا واقعًا لا مفر منه والتكيّف مع فروضها أولوية تضعها في عين الاعتبار كل حكومات العالم عندما ترسم سياساتها الداخلية والخارجية.
بموت جون كندي، بدأ عصر جديد، لا قدرة لزعماء العالم أيا يكن موقعهم أو حجمهم على فرض نفوذهم.
تحكمت بالسياسة الدولية منظومة خفية، حوّلت مع الوقت كل الزعماء إلى دمى تخدم مصالحها وتنفذ سياستها وتتبنى استراتيجيتها.
مع اغتيال جون كنيدي لم تعد من مظلة تحمي أي إنسان في العالم.
جون كنيدي، كان رئيسًا مخلصًا لأميركا ومصالحها. في عهده عرف المجتمع الأميركي ازدهاره ورقيه. مع سقوطه، كان على المخابرات أن تكشف لغز اغتياله، فلماذا لم يتضح اللغز؟ ولماذا أتى الملف معقدًا، غامضًا وضخمًا؟
معظم دول العالم اليوم ترزح تحت وطأة ضغط الديون. إنه انعكاس الواقعي على شعوبنا. هذه الديون هي عبء من المستحيل تخطيه دون مساعدة الدول الكبرى ولا سيما الولايات المتحدة الأميريكة.
الذين أوقعوا الدول الفقيرة والنامية تحت ضغط الديون الهائلة لا يفكرون حتمًا في استعادة هذه الأموال، بل في شفط فوائدها من جيوب المواطنين. هذه الظاهرة هي عصب الحقيقي.
مدينة بيروت أنهكتها الحرب التي اندلعت عام 1975 وتزلزل وسطها التجاري بعد أن كان لؤلؤة الشرق الأوسط.
وكما تنشط عملية تهريب الآثار بعيد انتهاء كل حرب داخلية وقبيل بدء مرحلة الإعمار التقليدية، كذلك وعلى أثر كل كارثة بيئية - طبيعية كانت أم مفتعلة - تزدهر عمليات القرصنة على أنواعها بما فيها سرقة الأطفال والنساء، في وقت كلّنا يعلم أن الفقر يؤدي إلى إسقاط الأطفال بأعداد كبيرة في دوامة العمالة القسرية.
عمليات تهريب الأطفال تتحول إلى نشاط مربح فيؤمن سبعة مليارات دولارات سنويًا.
تجارة الأسلحة في العام
بعد الخسائر الفادحة التي منيت بها معظم دول العالم في الحرب العالمية الثانية، من الطبيعي أن تسعى الدول وخاصة العظمى منها إلى إبعاد شبح الحرب عن أرضها بما تحمله من خسائر واندحار وهزائم في مختلف الميادين.
إلا أن الحروب ولو ابتعد دخانها الأسود عن فضاء الدول الكبرى فصداها لا يزال يصدح في سماء الدول الصغرى والمتوسطة، دول هذا العالم الثالث.
هذه الظاهرة تجعلنا نستنتج أن الدول الكبرى تخلّت عن مساوئ الحرب واحتفظت بفوائدها على اقتصادها ومجتمعاتها، فأبعدت عنها هذه الكأس وأبقتها على سواها بهدف الاستمرار في تحريك صناعاتها وخاصة العسكرية منها وجذب الأموال والرساميل إلى مصارفها ومراكزها المالية وتحريك بورصة اقتصادها على حساب الشعوب الفقيرة والضعيفة.
كشمير ما هي سوى رقعة ساخنة لتجارة الأسلحة وعقد صفقات بملايين ومليارات الدولارات مع مصانع الأسلحة العالمية. وكم من توأم لكشمير في العالم الثالث يمنح فرصة لبورصة معامل الأسلحة في العالم ولتجارها أيضًا كي تبقى أسهمها مرتفعة؟
كل أنواع التجارات
عالمنا يفتقد شيئًا فشيئًا للتنوع البيولوجي وبالتالي تفقد البيئة قدرتها على مقاومة التغيرات المناخية والمساهمة في مكافحة الجوع.
العلم الحديث صار قادرًا على السيطرة على التحولات المناخية والبيولوجة والفيزيائية والكيميائية وغيرها وليس فقط رصدها...
المياه ستكون هي الأخرى محور صراع ساخن في أكثر من منطقة وموقع، كونها تتعرض للانحسار في العالم وستكون مصادرها سببًا للتوتر الدولي في الحقبة الزمنية الآتية.
الإنسان في كل أنحاء العالم يخسر من رخائه وأمواله وتضعف قدراته المادية بسبب هيمنة مفاهيم على كل النظم السياسية والاقتصادية التي تحكم بلادنا اليوم.
أمام هذا التواطؤ العالمي على عالمنا ومنظوماتنا الدولية والإنسان بشكل عام، يلزمنا الكثير من الوعي والحكمة والتضامن خاصة على المستوى الشعبي.
العنصرية والروح القبلية والتعصب الديني والإتني ، كلّها أسلحة ترتد علينا. عالمنا يحتاج للكثير من المحبة والحكمة والإنسانية.
العالم اليوم محكوم من منظومات ضخمة تريد الاتجار بالأسلحة ، بالمخدرات وبالجنس، تريد ترويج الدواء وتشغيل إطارات البورصة.
هناك طبقة جديدة تسيطر على مصائرنا وتتحكم بأنظمتنا. هي الحقيقة التي زعمتنا العنصرية والتطرف والحقد عن اكتشافها.
النزاع المستميت بين البروتستانت والكاثوليك في إيرلندا وصراع بين تركيا واليونان في قبرص المقسمة منذ أن أحتلت القوات التركية ثلثها الشمالي عام 1974 عقب الانقلاب الفاشل المدعوم من أثينا الذي قام به أنصار الوحدة مع اليونان. وظهرت نتيجة هذا الانقسام عام 1983 جمهورية شمال قبرص التركية التي لم تعترف بها إلا أنقره حتى اليوم. النزاع المستمر بين أذربيجان وأرمينيا حول مقاطعة ناكورني كاراباخ. تعاني كندا اهتزازات في محافظتها على الوحدة إذ تطالب مقاطعة كيبيك بالاستقلال. كوريا انقسمت بين شمالية وجنوبية ودخلتا في حرب شكلية منذ العام 1953 تاريخ توقيع هدنة زنهت حربًا دامية اندلعت قبل ثلاث سنوات أي في العام 1950.منطقة الباسك هي الأخرى تنتفض من وقت إلى آخر سعيًا للانفصال عن إسبانيا. والشيشان يدخل حرب استنزاف دموية للانفصال عن روسيا. مقاتلو حركة الاتحاد الإسلامي الأصولية الصومالية يقاتلون القوات الأثيوبية في منطقة جيلو في جنوب الصومال.
التوتر يجتاح منطقة البحيرات العظمى في إفريقيا ويهدد استقرار الدول فيها مع ما يستتبع ذلك من عواقب إنسانية.
النهضة قدر المجتمع الحي
المجتمع الذي لا يتجدد، يتعرّض للجمود، فالانتحار فالزّوال. والتفاعل الإيجابي مع كل حركة نهضة تتفتّح في المجتمع، هو الفاصل الذي يميّز بين مجتمعات تتطور وأخرى تتخلّف.
إن النهضة تنبع من واقع مجتمع حي يحتضر، ومن عمق حاجات أبنائه الاجتماعية والإنمائية والحياتية...
الفقر والضيق والإحباط والضياع والجهل والمرض والعجز، كلّها أمور قد تشلّ قدرة الإنسان وتحطّم مقوّمات نموّه الطبيعي.
إلا أن إرادة البقاء، التي يحرّكها وعي المرء لطاقاته الخفيّة وقدراته الذاتية ومواهبه المغيّبة، تنعش النفس ، وتضيء الكيان البشري.
هذه الإرادة الواعية، إذا ما تضامنت مع الإرادات الواعية الأخرى، واتّحدت بها، تتحوّل إلى تيّار جارف عظيم، قادر على خلق حركة نهضة حيّة تعيد للمجتمع بأكمله حيويته وتجدده ونموّه، وتعالج كافة مشاكله بوعي وإدراك وفعالية.
حركة النهضة بمفهومها العام، هي حركة دفع متواصلة شبيهة بحركة الموج تحرّك المجتمع والأجيال بقوة اندفاع واحدة وباتجاه هدف واحد.
إنها حركة حيّة، دائمة التجدد، تستقي معالمها من حاضر المجتمع، وتتخذ من إمكانياته وطاقاته قوة دفعها، ومن قدراته وإمكاناته، حدود خطوتها الآنية.
قدر الشعوب الحية أن تتجدد الدماء في عروق أممها بصورة دائمة، عفوية وشاملة...
قدرها أن تحيى روح النهضة على الدوام.
لا وجود لثورة لم تحدد عدوّها.
هذا العدو يبدأ تحديده انطلاقًا من ذواتنا، من عذابنا الذي تسبب به.
فمتى أدركنا جوهر مصيبتنا نتوصل لكشف هوية عدونا.
كل وهم يرمي بنا خارج هذا الكشف هو سور يجب اختراقه وتدميره حتى لو كان فكرة في داخل عقولنا تجعلنا ننحرف عن مسار الحقيقة.
يوم وقف مارتن لوتر كينغ في قلب العالم الأميركي وصرخ بأعلى صوته ''لدي حلم'' كان يستصرخ المارد النائم في داخل كل فرد منا.
كان يحثنا على النهوض من كبوتنا والثورة على واقعنا.
لم تكن صرخته الأولى في ضمير الشعوب ولن تكون الأخيرة.
نعيش في كون يتمدد نحو اللانهاية وفي زمن تحيا دقائقه على أنقاض ما يسبقها.
كل خلية فينا تنمو ودون أن تدري في فلك يحوي كل التناقضات والاختلافات.
نحن نعيش وبحركة واحدة من أجل أن نموت ومن أجل أن نغوص في الخلود.
تناقض يجعل لعالمنا معنى وثبات وما فوق الجاذبية.
لا يستطيع الكيان البشري أن يحيا على هامش الحقيقة التاريخية ولا يمكنه القفز فوق أحداث الماضي وكأنّها لم تحصل.
نحن نرث عالمًا مفتتًا متناحرًا كثير الأحقاد والنزاعات ودوافع التباغض.
دولنا التي لا يتعدّى عددها المئتين تبدو كمجموعة جيران تتمسك الواحدة بالأخرى وفي الوقت عينه تتناهش بعضها البعض.
عالمنا مليء بالمشاكل الدولية وما من مشكلة تجد حلاً نهائيًا لها. مع أن المقدرة على وضع حد لكل المشاكل باتت أوفر من الماضي. فما سر هذا الجمود يا ترى؟
إنها المهزلة التي تتوج القرن الحادي والعشرين وهي بداية عهد انقراض الإنسان القديم ولكنها أيضًا بداية مخاض يجب أن تنتهي بولادة الإنسان الجديد.
النهضة والثورة
النهضة كحركة هي وليدة روح الأمة وهي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالمحرك.
الشعب هو المحرك. منه تنطلق كل حركة نهضة أيًا كان نطاقها.
فالشعب الناهض تستيقظ فيه روح الأمة وتدفعه ثورة باطنية إلى تغيير أوضاعه وتحريرها من قيود وعقد وظروف ضاغطة.
النهضة وإن حركتها الشعوب وخمرتها الظروف وثورة التغيير، ستبقى جسمًا متمايزًا عن الشعب وظروفه وثورته، لأنها دفق من روح الأمة وليست وليدة الإرادة الشعبية فقط.
من هنا تبدو النهضة كحركة متميزة عن الثورة، ومفهومها أشمل من مفهوم الثورة.
هي بذلك لا تكتفي بعملية الرفض والتحرير، بل تستوجب برنامجًا إصلاحيًا شاملاً.
من هنا أيضًا ضرورة أن تقود النهضة هيكلية إدارية شديدة التنظيم وثابتة الإطار تنتظم في حركتها الشخصية الوطنية، ويدعمها مؤتمر يحتضن كل رموز وعناصر الكيان المجتمعي.
النهضة كحركة شعبية أولاً وكتنظيم هيكلي ثانيًا يقع على عاتقها واجب استنهاض المجتمع بكل فئاته وطاقاته وطبقاته.
النهضة دعوة للتنمية الشاملة والمتكاملة والعلمية، تخرج من رحم المراقبة الدقيقة والدراسة العلمية لتحتضن كل إنسان، وكل كيان، كل أسرة وكل مجتمع، كل تجمع وكل جماعة.
هي نهر يتخطّى كل الحواجز لينعش كل البشرية.
النهضة لا تترك حقلاً مجتمعيًا إلا وتتسرب إلى أصغر خلية فيه فترويها وتفعّلها.
تبلور الثقافة، تحصن التربية، تنعش الاقتصاد، ترقي السياسة، تحمي البيئة ...
النهضة تحيي الاقتصاد بكل قطاعاته وفروعه.
النهضة تحتضن الفرد بكل أبعاده وخصوصيته.
النهضة تبني المؤسسات لخدمة الإنسان ونمو الدولة.
مؤسسات حكومية متكاملة، أهلية فاعلة، وخاصة ناشطة.
النهضة ترسم قوانين عادلة وأنظمة صالحة.
النهضة تفشل إذا ما أهملت مجالاً واحدًا من مجالات الاهتمام البشري.
لا يحق لنا بعد اليوم أن نهمل أي حقل أو نقطة أو قضية مهما كان حجمها وأيًا كانت أهميتها.
النهضة هي حركة الكيان البشري بملئه.
وهي لا تقوم على شعارات، ولا تفعلها الأوهام.
هي ليست ميزة فئة من الناس يعيشها البعض والبعض الآخر لا يتوصل إليها.
هي حركة شاملة عامة يختبرها الفقير كما الغني، الأبيض كما الأسود، العربي كما الأجنبي.
هي حاجة للواقع الإنساني بملئه، للكيان البشري بملئه.
بفلك النهضة دارت الرسالات العالمية الروحية منها والزمنية. من وحيها تطورت الحضارات واستمرت. في ظلّها سقطت عروش الظلم وتفتحت براعم الثورات واستيقظت الأمم من غفوتها.
كل إنسان لا يتخذ النهضة عقيدة هو عبد للموت والتخلف والانحطاط.
النهضة مفهوم مكمل
النهضة ليست نموًا فحسب، فهي حالة تتخطى مفهوم الزمن وهي أيضًا ظاهرة تحوّل.
والنهضة ليست تنمية فحسب، فيه لا تكتفي بالمعادلات الحسابية أو الهندسية أو العلمية.
والنهضة ليست إنعاشًا فحسب، فهي أيضًا محرقة ومعصرة...
والنهضة ليست روحنة فحسب، فهي أيضًا لغة تخاطب الحي والجامد، تزاوج القديم والجديد.
والنهضة ليست تقدمًا فحسب، إنها حالة تأمل وتفكير وتروّي.
والنهضة ليست تحركًا إلى الأمام فحسب، فهي قد تكون أيضًا عودة للجذور.
والنهضة ليست تطورًا فحسب، فهي قد تكون محاكاة بين الطبقات الاجتماعية.
والنهضة ليست قيامًا بعد جلوس أو يقظة بعد نوم فحسب، ثمة من لا يرتاحون أو ينامون أو يهنأون في هذا العالم، هم أيضًا رواد للنهضة في كل أصقاع العالم.
عالمنا بات مكشوفًا، بات ضبطه ممكنًا.
هو سريع التحوّل، نافر الأبعاد، تتلاشى فيه الحواجز شيئًا فشيئًا، تتوحّد هموم إنسانه أيًا كان معتقده، تتقلّص الأيديولوجيات الكبيرة التي سيطرت على القرن العشرين وتتعاظم ظاهرة الإنسان الواحد الذي يمتد ظلّه من الغرب حتى الشرق ومن الجنوب حتى الشمال ...
يومًا بعد يوم تختفي مسألة الصراع بين طبقات المجتمع الواحد وتبرز مسألة الصراع بين إنساننا القديم وإنساننا الجديد.
استمرارية وجودنا على وجه الأرض هي رهينة هذا الصراع وهذه المسألة.
هذه الاستمرارية في الوجود تلد باتحاد محاور ثلاثة هي الحرية والوحدة والنهضة. شبيهة كل الشبه بظاهرة الموج المتدفق على صفحة البحر . هذا هو واقع مجتمعاتنا البشرية اليوم بالنسبة للحضارة البشرية جمعاء ولكافة الأجيال البشرية السالفة التي تتابعت ومرّت على وجه الكرة الأرضية.
هي ولادة عالم متمدد حضاريًا.
لم يعد يكفي الإنسان ذاك العالم الثابت والمؤطر، ذو الأفق المحدود والرؤيا التقليدية والزبعاد المضبوطة.
دخلنا عالمًا متفلتًا من معظم القيود.
هذا العالم رغم شموليته وتشعب خلاياه وتنوعها يبرز أكثر من قبل واضح المعالم، بارز الخطوط، والعقل السياسي بات قادرًا أكثر من قبل على فك رموزه والسيطرة على حركته.
علينا اليوم أن نرفع الغبار والأوساخ عن تقاليد أجدادنا وعقائدهم...
ليس الحاضر بمحكمة يحاكم فيها أجدادنا على هفوات ارتكبوها عن وعي أو عن جهل وأدت إلى النتاحر والانقسام والفساد، إنما الحاضر هو أشبه بآلة غسل أواني المطبخ التي تدخلها الأواني ملطّخة ومتّسخة وتخرج منها برّاقة نضرة استعادت أصالة جوهرها وروعة مظهرها الحقيقي.
لقد عالجنا كافة الأمراض الجسدية التي فتكت بأجدادنا وبقي علينا أن نقضي على أمراضنا الداخلية...على الخلافات التي قسّمتهم وعلى أسباب خصوماتهم وتباغضهم.
يمكنني أن أرث مسيحيتي وإسلامي ويهوديتي من مجتمعي دون أن أرث مخاوفهم ومشاكلهم وتجاربهم... مع أننا وإياهم دين واحد وحضارة واحدة وتاريخ مشترك، إلا أننا في الواقع جيل مختلف عن جيلهم ومكمّل له ونعيش زمنًا متقدمًا عن زمنهم.
هم ليل ديننا ونحن نهاره... باتحادهما يتكوّن يوم الدين الحقيقي والوطن الحقيقي. بدونهم لا جذور لنا ولا ثوابت ولا أساس، وبدوننا لا نضج لهم ولا قيمة ولا استمرار. نحن نكمّل ما بدأوه ولا نرتدي ما خيطوه.
عراة خلقنا لنختار سترنا... عندما كنا صغارًا كانوا يختارون عنا ثيابنا، أما اليوم فبعدما كبرنا ونضج كياننا أصبحنا نختار ثيابنا بنفسنا.
تحررنا من هيمنة أذواقهم لكننا أخذنا منهم وليس من غيرهم ضرورة التستر وأهمية الرداء.
أشد ما يحتاج عالمنا اليوم إلى جيل يؤمن بالانفتاح وليس بالفتوحات... يؤمن بالتحرر وليس التحجر.
لقد وضعنا رجلنا على القمر بعد أن كان ذلك مستحيلاً، فلماذا لا ندوس على كل ما يعيق تلاقينا وتعايشنا السلمي؟
أيكون الوصول إلى القمر أهون من تلاقي وتكاتف البشر؟
إنها بشريتنا الواحدة والمتنوعة في آن.
كلّها ، ومنذ أولى لحظات ظهورها على وجه هذا الكوكب الأزرق البراق، كل بشريتنا بأفكارها وهمومها ومشاعرها وتطلعاتها، تجتمع لتحملها أكتافنا، ونحن نعبر سوية في الزمن نحو محطة جديدة، رغم اختلافنا أو حتى خلافنا حول العديد من الأمور سطحية كانت أم جوهرية.
البشر متساوون أمام قوانين الطبيعة.
الأديان قد تظهر تباينًا في الأفكار والنظم والقواعد، ولكنّها لا تكوّن طبيعة إنسان جديد. فالإنسان يبقى واحدًا وكذلك طبيعته، أيًا كان دينه أو معتقده.
مهما تعددت لغاتنا، ستبقى طبيعة لساننا واحدة، سنجد السكر حلًوا والمر مرًا.
ألا يشعر المسلم بالألم كما يشعر المسيحي؟
ألا يشعر الصيني بالإحباط كما يشعر الأوكراني؟
ألا يشعر الأبيض بالجوع كما يشعر الإفريقي؟
من منّا لا يلد من أحشاء أمّه صارخًا باكيًا وعريانًا؟
من منا لا يقف جسده عاجزًا ومحبطًا أمام الموت؟
هنا انفجرت كنيسة بمصليها، وهناك في الجامع اشتعلت مجزرة رهيبة، وهنالك تزلزل كنيس بمن فيه.
أيميّز الشر بين الطوائف والأديان؟
هنا تبدأ النهضة التي ندعو إليها.
نحو استقرار الكيان الإنساني
الإنسان هو كائن مفكر باستطاعته وحده ودون سائر المخلوقات العمل على تدمير ليس فقط حياته وحياة جنسه من البشر بل تدمير الأرض بكاملها وكل ما فيها من حياة وكائنات.
كل ما هو على وجه الأرض يبدو وكأنه مخلوق لخدمة الإنسان الذي يهيمن عليه ويمتلكه بصورة أو بأخرى.
الملكية ليست فقط حالة مادية تحددها ورقة أو عقد أو ما شابه، الملكية أيضًا تكمن في القدرة على التملّك، على السيطرة على الهيمنة، على التصرّف.
يشرح لنا العلم مسيرة التطور البشري التاريخي والفيزيولوجي، ويكشف لنا المراحل التي مرّ بها الإنسان قبل أن يعرف شكله الحالي. إن حالة التطوّر أيًا كانت أبعادها هي في جوهرها حالة نهضة. من هنا تنطلق النهضة في متابعة مسار تطور الإنسان، ولا تتوقف عند حدوده الشكلية والفيولوجية فقط بل تتعداها لتشمل كل ما يتعلّق بالكيان الإنساني بكامله فتقوده نحو الترقي بملئه.
أهمية الخبرة الإنسانية تكمن في إيصال الإنسان إلى حالة من الاستقرار في الكيان.
نحو عصر اللاحواجز
في العصر الحاضر، ومع الوقت، تتقلّص إمكانية عيش الإنسان فردًا وحيدًا . فالكثافة السكانية تزداد على وجه الأرض، وسهولة المواصلات تقلّص إبقاء نواح وبقاع جغرافية عذراء بعيدة عن عبث المدنية.
هذا الانفتاح داخل العالم الإنساني لن يمنع من بقاء الحاجة الإنسانية إلى الاستقلالية والوحدة والانطواء، لكن الإنسانية لا تنسجم في حركتها طالما الإنسان يبقى متحررًا من الاخر بشكل كلّي .
الصراع على السلطة في دمشق وبيروت ومتصرفية جبل لبنان في تشرين الأول 1918.
في 19 أيلول 1918، أحرز الجنرال اللنبي (Allenby) انتصارًا حاسمًا على العثمانيين في فلسطين، فانفتحت أمامه أبواب سوريا، فما كان منه إلا أن دفع بقواته نحو الشمال.
ذُعر الموظفون الأتراك، فأخلوا دمشق وبيروت ومتصرفيّة جبل لبنان في 13 أيلول، فيما كانت فلول الجيش التركي تنسحب باتجاه حلب والأناضول.
هنا بدأ صراع للاستيلاء على السلطة في بيروت ومتصرّفية جبل لبنان ودمشق وبقيّة المدن السوريّة بين قوات عربيّة ثلاث، الأولى هي الأسرة الهاشميّة على رأسها الأمير فيصل ابن الشريف حسين ملك الحجاز ومطلق الثورة العربية عام 1916، والثانية هي أسرة عبد القادر الجزائري، بزعامة اثنين من أحفاده، هما الأمير محمد سعيد وأخوه عبد القادر؛ وتمثّلت الثالثة بعدد من الوجهاء القياديين الوطنيين السوريين.
أما سكان متصرّفيّة جبل لبنان فتوخّوا الحذر بانتظار تبلور الأوضاع.
كانت هذه القوى المحليّة تخشى أطماع الدول الكبرى المنتصرة في الحرب، لا سيّما أطماع بريطانيا وفرنسا، الدولتين الاستعماريتين اللتين كانت قد خططتا، منذ السنة 1916، من خلال اتفاق سايكس – بيكو، لاتفاق تركة الدولة العثمانية المحتضرة.
1- سيطرة الجزائريين على السلطة في دمشق وتنحيتهم
عشية انسحاب الأتراك من دمشق، نظم الأَخَوان محمد سعيد وعبد القادر الجزائريان ميليشيا من المغاربة المقيمين في العاصمة السورية. ويؤكد محمد سعيد في مذكراته أنه فعل ذلك بموافقة جمال باشا الصغير المعروف بالمرسيني، قائد الجيش التركي. كان هدفه حماية المدينة وحماية انسحاب الأتراك. في 13 أيلول، اجتمع عدد من وجهاء دمشق في دار البلدية واختاروا الأمير محمداً سعيداً رئيساً للحكومة الموقتة، فرفع العلم العربي على الدار المذكورة مكان العلم العثماني، وابرق الى بيروت والى مختلف المدن السورية معلناً قيام حكومة عربية في دمشق باسم الشريف حسين داعياً الناس الى الهدوء والسكينة.
ابتدأ الأمير محمد سعيد، بعد إمساكه بزمام الأمور في العاصمة السورية في 30 أيلول كما ذكرنا، بأداء "قسم الولاء والإخلاص" للملك حسين وبرفع العلم العربي. إنه يؤكد في مذكراته أنه اتفق مع الأمير فيصل على الأمر عندما اجتمع به في وهيد، غربي معان، في آب 1918، وهدفهما من ذلك إعلان الإستقلال قبل وصول الجيوش الأجنبية.
كما يؤكد أن الشريف ناصر الذي دخل دمشق صبيحة الأول من تشرين الأول (أوكتوبر)، فوّض إليه إدارة الحكومة ريثما يصل فيصل.
نجد تفاصيل أخرى في بعض المصادر حول نشأة حكومة محمد سعيد الجزائري، إن يوسف الحكيم، مثلاً، يروي في مذكراته أن فريقا من " الوجهاء والمفكرين الدمشقيين" إجتمعوا في بهو المجلس البلدي في دمشق "وقرروا إقامة حكومة موقتة تحول دون الفوضى، ريثما تصل الجيوش المظفّرة" واختاروا لرئاسة هذه الحكومة الأمير سعيد الجزائري.
لكن الرواية التي نجدها في كتابات لورانس وفي رسائله تختلف عما ذكرناه سابقاً إذ إنها تعطي انطباعاً بأن الأخوين الجزائريين إغتصبا السلطة في دمشق ولم يستلماها لا بموافقة فيصل ولا بناءً على طلب من الوجهاء الدمشقيين.
أمّا ما كتبه لورانس في أعمدة الحكمة السبعة وفي عدد من رسائله حول هذا الموضوع، فهو ينضح بحقده على الأخوين الجزائريين.
وفي رسالة وجهها الى الضابط الإنكليزي ستيرلنغ (Stirling) بتاريخ 28 حزيران 1919، يعطي لورانس تفاصيل إضافية عن الموضوع، ويؤكد أن فيصلاً هو الذي طلب منه "التخلص منهما". ويختم رسالته بهذه الجمل : "إذاً كان يوجد في سوريا آناذاك شخصان يستحقان الموت شنقاً أو رمياً بالرصاص، فهذان الشخصان هما دون شك الأخوان الجزائريّان. آسف كثيراً للحرية التي تركت لمحمد سعيد. لقد طالب فيصل بسجنه أكثر من مرة...".
حال وصوله الى دمشق في الأول من تشرين الأول، نصّب لورانس نفسه ممثلاً للأمير فيصل، فعمد الى عزل الأمير محمد سعيد الجزائري من الحكم وإعلان قيامة حكومة عسكرية برئاسة شكري الأيوبي، نيابةً عن رضا الركابي الذي لم يكن قد عاد الى دمشق بعد.
إنسحب الأخوان الجزائريان على مضض. ولكن بعد ظهر الأول من تشرين الأول بدأت الفوضى تدبّ في دمشق، وفي ليل 1 الى 2 تشرين الأول، إندلعت ثورة حقيقية في المدينة. فتدفقت الى شوارعها قواتٌ درزية وبدوية وقامت بأعمال نهب. لكن القوات العربية تدخلت بسرعة بطلب من لورانس وكسحت برشاشاتها الأحياء المضطربة، فقمعت حركة التمرد موقعة أكثر من 20 قتيلاً في صفوف المتسللين. وقد إتهم لورانس في مؤلفاته وفي مراسلاته الأخوين الجزائريين بأنهما مسؤولان عن هذه الحركة، وبأنهما حرّضا أتباعهما كما حرّضا الدروز مدّعين أنّ الهاشميّين ومؤيّديهم هم دمى تحركهما بريطانيا كما تشاء وطالِبين من الجميع القيام بعمل ما دفاعاً عن الدين.
إن شهادات المعاصرين في حكومة محمد سعيد وعبد القادر الجزائريين لم تكن دائماً سلبية كما يصوّرها لورانس والمقرّبون من بريطانيا ومن الهاشميين. إن عدداً من هؤلاء المعاصرين أثنوا على الإجراءات التي اتخذها الأخوان الجزائريان آنذاك.
نستخلص مّما سبق أن لورانس وعملاء الإنكليز بصورة عامة ومؤّيدي فيصل كانوا يخشون ان تفلت السلطة في دمشق من أيديهم، خصوصاً وان الأخوين الجزائريّين، حفيدي عبد القادر الكبير، كانا يشكلان خصمين خَطِرَيْن للهاشميّين: فأسرَتُهما الكريمة النسب، وتاريخ جدّهما العريق ومكانتهما في العالم الاسلامي ووزنهما السياسي في سوريا وعلاقتهما بفرنسا كانت كلّها تخولهما الطموح الى الحكم والوقوف في وجه المخططات الإنكليزية-الحجازية، وهذا ما دفع لورانس الى الإسراع في التخلص منهما.
٢- دخول فيصل واللنبي دمشق
ما كانت هوّية الفِرَق العسكريّة التي دخلت دمشق توّاً بعد انسحاب العثمانيّين، أكانت عربية أم بريطانيّة؟
أثار الجواب عن هذا السؤال جدلاً بين المؤرخين لان له ابعاداً سياسية مهمة نوضحها بما يأتي:
في ربيع ١٩١٨، وجّه سبعة من الزعماء العرب المقيمين في مصر مذّكرة إلى الحكومة البريطانيّة، سُلّمت إلى المكتب العربي في القاهرة، يستوضحونها سياستها تجاه الأقطار العّربية ويسألون عن مصير هذه الأقطار بعد انتهاء الحرب.
في ١٦حزيران من السنة نفسها، أرسلت لندن جوابها وهو يعرف ب"التصريح الموّجه الى السبعة"، قسّمت فيه الحكومة البريطانية المنطقة التي كان يطالب الحسين باستقلالها إلى أربعة اقسام. يضّم القسمان الأوّلان البلاد العربيّة التي كانت مستقلّة قبل الحرب والتي حررها العرب بانفسهم، تعترف بريطانيا بالسيادة التامة للعرب على هذه الأراضي.
أما القسم الثالث، فيضّم المناطق التي حرّرتها الجيوش الحليفة، فأكّدت لندن "أن الحكومة المقبلة لهذه الأقاليم يجب ان تقوم على مبدأ موافقة المحكومين".
يبقى القسم الرابع وهو يضّم الأراضي التي كانت لا تزال تحت النير التركي، اي الولايات السورية ومتصرفية جبل لبنان وولاية الموصل، فورد في التصريح"أنّ الشعوب المضطهدة في هذه الأراضي يجب ان تفوز بالحرية والإستقلال".
على الرغم من اهميّة ما ورد في التصريح عن القسمين الثالث والرابع، فإنّ العرب أبدوا اهتماماً خاصاً بما ورد بشأن القسم الثاني، اي الأراضي التي حرّروها بأنفسهم والتي يجب ان تتمتّع بالسيادة التامّة. هنا تكمن أهمية القول إنّ القوات العربية هي التي دخلت دمشق قبل القوات البريطانيّة. ولكن كيف جرت الأمور بالضبط؟
من المؤكّد ان فرقة الخيّالة الأوسترالية وفوجاً من الخّيالة السباهيّة الفرنسييّن وصلا الى ضواحي دمشق في٣٠ أيلول الساعة الواحدة بعد الظهر. وللحال صدر أمرٌ من القيادة العامة البريطانيّة يطلب منهما وقف تقدمهما نحو المدينة. لكّن السجل الميداني اليومي للقوات الأوستراليّة يظهر ان لواء الخيّالة الثالث الأوسترالي دخل دمشق في الأول من تشرين الأول حوالي الساعة السادسة صباحاً، وأنّ قائد الفوج العاشر الذي كان في الطليعة، عندما بلغ مبنى البلديّة، دخله ووجد فيه الأمير محّمد سعيد الجزائري محاطاً بمجموعة من الأعيان والوجهاء.
غادر الخيّالة الأوستراليّون دمشق حوالي السّاعة السابعة واتّجهوا شمالاً لمطاردة فلول الجيش التركي.
يؤكّد الأمير سعيد الجزائري دخول الأوسترالييّن دمشق قبل القوات العربية التي كان يقودها الشريف ناصر. يبدو انّ هذا الأخير لم يصل الى المدينة إلا حوالي الساعة السابعة والنصف أو الثامنة صباحًا.
أما لورانس فلم يدخل دمشق إلا في الساعة التاسعة، فغضب غضباً شديداً عندما علم ان الأوسترالييّن كانوا اوّل الواصلين، لأن تصريح الحكومة البريطانية الموّجه الى السبعة كان في ذهنه، وكان يرغب في ان تحتل القوات العربية قبل سواها المدينة لكي تخضع سوريا للسيادة العربيّة. بعده مباشرة وصا الجنرال شوفل (Chauvel)، القائد الأعلى للقوات الأوستراليّة، واتّجه فوراً نحو مبنى البلديّة حيث التقى لورانس والأيوبي. ولماّ علم ان هناك حكومة عربيّة نصّبت باسم الملك حسين، رفض الإعتراف بها. إن القوات الأوستراليّة قاتلت بضراوة في الأيّام التي سبقت انسحاب الأتراك، وتوجّت تضحياتها بدخول خياّلتها دمشق قبل سواهم، لذا كان شوفل يرفض ان يُسرق منه النصر وينسب الى العرب، وقد تسبب ذلك بتوّتر العلاقة بينه وبين لورانس.
في 2 تشرين الأول، دخل دمشق ألوف من الجنود البريطانييّن مع فرقة صغيرة من الجنود الفرنسيّين، فاخترقوا المدينة متجهين شمالاً لملاحقة الجيش التركي المنسحب. وفي الثالث من الشهر نفسه، وصل اللنبي ونزل في فندق فيكتوريا، وثبّت الركابي-زكان قد عاد الى دمشق-في رئاسة الحكومة الموقتة في المنطقة الداخليّة. وفي اليّوم عينه وصل الأمير فيصل في قطار من درعا، فكُلّف الضابط الإنكليزي هيوبرت يونغ (Young) باستقباله باسم اللنبي، وقصّد تواً فندق فيكتوريا حيث اجتمع بالقائد العام البريطاني لأّوّل مرّة. وكان هذا الأخير قد تلقى تعليمات واضحة من حكومته بشأن علاقة الحلفاء بالأمير فيصل وبشأن مستقبل الأراضي العربية المحّررة من النير العثماني.
3- بيروت ومتصرفيّة جبل لبنان بين اتفاق سايكس-بيكو وتطّلعات الحكومة العربيّة في دمشق.
سلّم الوالي العثماني، اسماعيل حقي بك. عند انسحابه من بيروت، شؤون الحكم الى رئيس البلدية عمر الداعوق. وسلّم المتصرّف، ممتاز بك، إدارة الجبل في بعبدا، الى حبيب فياّض رئيس البلدّية. وكان الأمير محمّد سعيد الجزائري، عقب توليّه السلطة، قد ابرق الى المدن السوؤية المختلفة والى بيروت، يخبر المسؤولين بانهزام الجيش التركي وبقيام حكومة عربيّة في دمشق بإسم الملك حسين، ويطلب منهم إنشاء حكومات مماثلة ويحثّ السكان على ااتزام الهدوء. وقد تلقى البطريرك الماروني بدوره برقيّةً هذا نصُها:
"غبطة بطريرك الطائفة المارونيّة،
"إنه بعون الله تأسست الحكومة العربيّة المستقلة باسمنا. فنطلب منكم، بإسم العربيّة والوطنيّة، أن تؤسسوا الحكومة عندكم في جبل لبنان.
25 ذي الحجّة 1336،
رئيس الحكومة السوريّة، سعيد ابن الأمير علي باشا الجزائري".
لم يجب البطريرك على بل فضّل الإنتظار ريثما تتبلور الأمور. لكنّ موظفي المتصرفيّة اجتمعوا في بعبدا وانتخبوا الأميرين مالك شهاب وعادل ارسلان لإدارة شؤون الجبل بصورة موقتة. فأبرق الأميران الى البطريرك يطلعانه على ما جرى، فوجّه بدوره، في الخامس من تشرين الأوّل، برقيّة الى الأمير مالك شهاب يحثّه فيها على المثابرة على"إدارة الحكومة الموقتة بحزم وحكمة" ويطلب منه ان ينصح الأهالي بالخلود الى السكينة، و"بتوقيف كل مخابرة تتعّلق بشؤون البلاد مكتفين الآن بالحكومة الموقتة الى ان يكون تيّسر لنا ولهم تبادل الأراء بهذا الشأن لدى وصولنا قريباً الى مقرّنا في بكركي". وكان مجلس الإدارة، بالاتفاق مع البطريرك، قد ارسل يستشير الفرنسييّن في جزيرة ارواد. فكان جوابهم "إننا قادمون".
إن الاستيلاء على بيروت والمدن الساحليّة الأخرى ومتصرفيّة جبل لبنان كان يعتبر حيويّاً بالنسبة الى الزعماء الوطنيّين السوريّين، وكذلك بالنسبة الى فيصل ولورانس. كانوا جميعاً يعلمون انّ لفرنسا مصالح تاريخيّة في المنطقة الساحلية لن تتخلى عنها بسهولة وأنها عقدت بشأنها اتفاقاً مع بريطانيا عام 1916، هو اتفاق سايكس- بيكو. يضاف الى ذلك ان فيصلاً ولورانس كانا يعلمان، منذ ربيع 1917، الخطوط الكبرى لهذا الإتفاق، بعد ان قررت باريس ولندن، في مطلع هذه السنة، اطلاع الملك حسين على مضمونه، فأوفدتا الى الحجاز مارك سايكس وفرنسوا جورج – بيكو اللذين وصلا الى جدّة في18 آذار1917 واجتمعا في اليوم الثاني بالملك. وتبعت هذا اللقاء لقاءات اخرى شارك في معظمها الأمير فيصل. وبعد خمسة ايام من المفاوضات، ابرق جورج-بيكو الى حكومته يقول:"ان الملك يعرف الآن مضمون اتفاقنا ولم يبد متأثراً الى الحّد الذي كنا نخشاه [….]. يمكننا منذ الآن ان نقول ان الدور الفرنسي في سورية سيكون، في خطوطه الكبرى، شبيهاً بالدور الإنكليزي في العراق. سنتعاون مع ممثلي الملك في المناطق الإسلاميّة من سوريا بواسطة مستشارينا. أمّا المناطق المسيحيّة، فإن إستولينا عليها قبل تهاية الحرب، فسننشئ فيها دولة تكون تحت حمايتنا".
بعد ان اطّلع وزير الخارجية الفرنسي على برقية جورج-بيكو، طلب منه ان يعلن إلى ممثّل فرنسا في الحجاز، بأن يوضّح للحسين ما المقصود بعبارة "المناطق الإسلامية من سوريّة" التي استعملت خلال المحادثات، وأن يؤكد له أن هذه التسمية تنطبق فقط على المناطق الداخليّة، وبالتحديد على المنطقة "أ" من اتفاق سايكس - بيكو، ولا تنطبق على المنطقة الزرقاء، اي على الساحل وكيليكيا. فما كان من جورج-بيكو إلاّ ان أبرق بهذا الخصوص الى شرشلي في 13حزيران1917.
بعد الإنتصار الذي أحرزه الجنرال اللنبي على الجيش العثماني بيومين، وبالتحديد في21 ايلول1918، أبرق ستيفن بيشون (Pichon)، وزير خارجيّة فرنسا، الى بول كامبون (Cambon)، سفير بلاده في لندن، يطلب منه أن يبلّغ الحكومة البريطانيّة إصرار فرنسا على تطبيق اتفاق سايكس – بيكو.
تسلّح كامبون بهذه التعليمات ودافع بعناد عن وجهة نظر حكومته أمام وزير خارجيّة بريطانيا اللورد بلفور، وحصل منه، في 23 ايلول، على تصريح يقول فيه ان بريطانيا لن تقبل بان تقع سوريّة تحت نفوذ دولة اوروبيّة غير الدولة الفرنسيّة، وأضاف بلفور انه يتمنى ان يُعْلَن هذا الموقف بوضوح في فرنسا وخارجها.
في 27 ايلول، أي قبل انسحاب الأتراك من دمشق وبيروت بثلاثة أيام، استقبل الجنرال اللنبي الكابيتان كولندر (Coulondre)، مساعد المندوب السامي الفرنسي فرنسوا جورج-بيكو، وأخبره أنّه تلقى تعليمات سريّة من وزارة الحربيّة تطلعه على مضمون الاتفاق المعقود بين باريس ولندن عام1916، وتطلب منه العمل على تنفيذه وعلى"إنشاء إدارة عربيّة مع ضابط ارتباط فرنسي في منطقة "أ" من اتفاق1916، وإدارة فرنسيّة في المنطقة الزرقاء".
في 30 ايلول، بينما كانت فلول الجيش التركي تغادر سوريّة، كان السفير الفرنسي في لندن يُعِدّ مع الحكومة البريطانيّة إتفاقاً حول ادارة اراضي العدو التركي التي تّم الإستيلاء عليها أو التي ستستولي عليها لاحقاّ الجيوش الحليفة. وقد ورد فيه ان القائد العام، الجنرال اللنبي، يعترف بممثّل الحكومة الفرنسيّة مستشاراً سياسياً له في مناطق النفوذ الفرنسي من هذه الأراضي، ويعتبره "الوسيط الوحيد بينه وبين اية حكومة او حكومات عربيّة موقتة او دائمة، يمكن ان تنشأ في منطقة "أ" من اتفاق 1916 ". كما يعهد اليه، بصفته هذه "ان يؤسس ادارة مدنيّة في المدن الساحليّة وفي المنطقة الزرقاء بصورة عامة [….] وان يختار الأشخاص المناسبين للوظائف المدنيّة في المدن الساحليّة وفي الأقسام الأخرى من المنطقة الزرقاء".
في الثاني من تشرين الأّول، وافقت الحكومة الفرنسيّة رسميّاً على هذا الإتفاق واصبح نافذاً.
بينما كان مصير الأراضي العثمانيّة المحتّلة يقرّر في لندن وباريس، كان لورانس وفيصل وزعماء الأحزاب والحركات الوطنيّة في دمشق يعتمدون حلولا مغايرة تماماً ويحاولون فرض الأمر الواقع على حكومات الدول الأوروبيّة المنتصرة.
وافق رضا الركابي، بعد استلامه السلطة في دمشق، في 2 تشرين الأوّل، على البرقيات التي ارسلها محمد سعيد الجزائري الى بيروت والمدن الساحليّة الأخرى، وعلى قيام حكومات عربيّة فيها. انه قرّر، بالاضافة الى ذلك، ارسال شكري الأيوبي الى بيروت حاكماً عسكرياً مع قوّة عربيّة رمزيّة.
كان الركابي منتسباً الى جمعيّة العربيّة الفتاة ورئيساً لبلديّة دمشق، وكان من المدافعين عن العروبة، ولكنّه كان ينتمي الى تيار وطنّي قوّمي يتردّد في ترك القيادة للحجازييّن، وكان هذا التيّار يضّم عدداً من الشخصيات المقيمة في سوريا واخرى من الجاليات في بلاد الإغتراب. وقد اتخّذ بعضها علانيّة موقفاً معادياً للهاشمييّن. ففي تشرين الأوّل مثلاً، وُجّه نداءٌ الى "الدول الكبرى التي حرّرت سوريّة"، يحتّج فيه الموقعون على "دخول القبائل العربيّة دمشق وعلى تدخل الحجازيّين في شؤون سوريا"، ويؤكد انه "لا يوجد اي رابط قومي بين هذه القبائل ذات الأنطمة البدائيّة [….] والشعب السوري". وفي النهاية يرجو النداء من الدول الكبرى "ان تفصل القضيّة السوريّة عن القضيّة العربيّة" وان تنشئ دولة سورية موحدّة ومستقلّة و"منفصلة كلياً عن المناطق الأخرى الناطقة باللغة العربيّة".
يبدو ان الركابي لم يكن بعيداً عن هذه الأفكار، وقد قرّر، بالاتفاق مع عدد من قادة الحركة الوطنيّة، ارسال شكري الأيوبي الى بيروت ليضع فيصلاً والحلفاء امام الأمر الواقع، ربماّ لأنه كان يخشى ان يقدّم الهاشميّون تنازلات لفرنسا في المنطقة الساحليّة. لم يكن باستطاعة فيصل ان يتنكّر لإجراء كهذا، فلو فعل لخسر شعبيته في سوريّة بكاملها.
نذكّر هنا بان جبل لبنان وساحله كانا خاليين من الجيوش الحليفة التي لم تدخلهما إلا في الثامن من تشرين الأوّل. لذا اعتبر الركابي ورفاقه ان الإستيلاء عليهما، ولو بقوّة عسكريّة رمزيّة، قبل وصول القوات البريطانيّة، يخوّلهم ضمّهما الى الدولة العربيّة، طبقاً لما ورد في "التصريح الموّجه الى السبعة" الذي تكلمنا عنه سابقاً. لقد اعترفت بريطانيا للعرب، في هذا التصريح، بالسيادة التامّة على الأراضي التي حرّروها بأنفسهم من النير العثماني. لكن الجنرال الإنكليزي كلايتون (Clayton) رفض تطبيق هذا المبدأ على بيروت والساحل، وأبرق الى حكومته يقول: "يمكننا التأكيد، بكل صدق، ان جلاء الأتراك عن بيروت اتى نتيجة لاستيلاء القائد الأعلى البريطاني ]اي اللنبي[ على دمشق، ولم يكن نتيجة لعمل عسكري قام به العرب".
دعم اللنبي، عن غير قصد، بالاجراءات التي اتخذها، موقف الركابي واضعف موقف فيصل. كان هدفه في الأساس ابعاد الأمير عن الإدارة المحليّة ليتفرّغ لقيادة القّوات العربيّة. لذا ثبّت الركابي في حكم منطقتي "أ" و"ب" من اتفاقيّة 1916، اي سوريا الداخليّة.
سرعان ما ادرك اللنبي انه اخطأ في قراره هذا لأن الركابي لم يكن مديناً بشيء لبريطانيا ولم يكن ملزماً بمراعاة الإتفاقات المعقودة بينها وبين حليفتها فرنسا.
4 - حسم الوضع في دمشق وفي المنطقة الساحليّة وتصفيّة الحسابات بين فيصل والجزائريّين.
قبل وصول اللنبي وفيصل الى دمشق، كان قرار ارسال الأيوبي الى بيروت قد اتخذ، وقد غادر مع مئة فارس وعدد من المرافقين، منهم جميل الألشي ورفيق التميمي ورستم حيدر، في ليل 3 إلى 4 تشرين الأول كما ذكرنا، وبات تلك الليلة في خان ميسلون، وتابع سيره في صباح اليوم التالي، 4 تشرين الأول، باتجاه راشيا، فحاصبيا، فصيدا، ووصل بيروت في السابع من تشرين الأول حيث استُقبل بحفاوة، وصعد في الثامن منه الى بعبدا حيث اعلن اعادة امتيازات المتصرفيّة التي كان الباب العالي قد ألغاها خلال الحرب، واجتمع بحبيب باشا السعد، رئيس مجلس الإدارة الذي كان جمال باشا قد حلّه في آذار1915، وعيّنه حاكماً مكان الأميرين مالك شهاب وعادل ارسلان، فأقسم السعد يمين الولاء للملك حسين ولحكومة فيصل.
ذكرنا ان اللنبي دخل دمشق في 3 تشرين الأول ونزل في فندق فيكتوريا حيث قصده فيصل حال وصوله. اتسّمت المقابلة بين الرجلين بشيء من التوّتر وحضرها لورانس كمترجم، كما حضرها نوري السعيد والقائد الأوسترالي شوفيل وعدد من الضباط الإنكليز.
أفهم اللنبي الأمير انه تلقى تعليمات من حكومته تنصّ على ان الأراضي التي احتّلتها الجيوش الحليفة تعتبر"اراضي العدو" وهي تحت أمرته وان بريطانيا مسؤولة عن ادارتها، وأنه سيوكل الى فرنسا ادارة المنطقة الساحليّة، وذلك تطبيقاً للاتفاق المعقود بينها وبين بريطانيا العظمى.
لم يتوقف لورانس في "اعمدة الحكمة السبعة" عند هذا اللقاء. انه يذكر فقط ان اللنبي سلّم فيصلاً برقية مرسلة من وزارة الخارجية في لندن تعترف فيها بريطانيا للعرب بصفة "حلفاء محاربين " و طلب منه ان يترجمها للامير.
أما الجنرال الأوسترالي شوفيل، فيصِف هذا اللقاء بإسهاب ويؤكد أنّ اللنبي قال ليفصل إن المنطقة العربية ستضم سوريا الداخلية فقط وستكون المنطقة الساحلية، باستثناء فلسطين، تحت الإدارة الفرنسية المباشرة، وانه يتوجب على الامير ان يتعامل مع الفرنسيين بواسطة ضابط ارتباط فرنسي، وان هذا الضابط سيتعامل مع لورانس.
احتج فيصل على حصر حدود الدولة العربية بالمنطقة الداخلية من سورية وأجاب انه على استعداد للتعاون مع الفرنسيين.
يقول شوفيل ان القائد العام البريطاني نظر انذاك إلى لورانس وسأله:" أفلم تقل له ان سورية ستكون تحت الحماية الفرنسية؟"، اجاب لورانس “كلا، لاني لم اكن اعرف ذلك"، تابع النبي "كنت بالتأكيد تعرف انه غير مسموح لفيصل ان يتدخل بشؤون لبنان". اجاب لورانس:" كلا، وهذا لم اكن اعرفه".
استمر الحديث في هذا الجو الضاغط بعض الوقت، فانهاه اللنبي بقوله لفيصل انه هو القائد العام للجيوش الحليفة، وان الامير، قائد القوات العربية، وهو تحت إمرته، وعليه ان ينفذ ما يُطلب منه . أما مصير المنطقة الساحلية ومصير لبنان وحدود الدولة العربية، فكلها امور ستتم معالجاتها عند انتهاء الحرب.
غادر فيصل للحال. أما لورانس فتابع حديثه مع اللنبي لدقائق معدودة وقال للقائد العام انه يرفض ان يتعاون مع ضابط ارتباط فرنسي، وربما من الافضل له ان يعود إلى انكلترا. اجاب اللنبي للحال:" أنا اوافق على عودتك".
غادر لورانس دمشق في اليوم التالي، 4 تشرين الاول، وذهب إلى القاهرة ومنها إلى لندن في 15 من الشهر عينه.
في تلك الأثناء، كان الفرنسيون يمارسون شتى أنواع الضغط على الحكومة البريطانية لتمنع فيصلا وجماعة الركابي من الامساك بالمنطقة الزرقاء من اتفاق سايكس- بيكو. ففي اليوم الذي توجه فيه شكري الأيوبي إلى بيروت، احتج مساعد المفوض السامي الفرنسي، الكابتن كولوندر، لدى الجنرال البريطاني كلايتون على هذا القرار، ولكن كلايتون تهرّب من الموضوع وغادر بسرعة إلى فلسطين حيث مركز القائد العام. فما كان من كولندر الا ان طلب موعدًا من فيصل، وفي الوقت نفسه، ألحّ على حكومته كي تأمر الاسطول الفرنسي في المتوسط بالتوجه بسرعة إلى بيروت وبالقيام بعملية انزال في المدينة.
التقى كولندر فيصلا في 6 تشرين الاول ووجّه اليه اللوم لأنه وافق على ارسال الأيوبي إلى بيروت على الرغم من التفاهم الذي كان قد جرى بشأن المنطقة الساحلية في اذار1917، في جدة، مع مارك سايكس وفرانسوا جورج - بيكو والذي يفرض عليه، على أي حال، الحصول على موافقة الحكومة الفرنسية قبل الاقدام على خطوة من هذا النوع .
اجاب فيصل أنّ همه الوحيد هو طرد الأتراك من البلاد العربية؛ أما المسائل السياسية فيترك معالجتها للسياسيّين. أضاف الأمير أن الغاية من ارسال الأيوبي هي الحفاظ على الأمن ليس إلا .
خلال هذه الايام نشطت الاتصالات بين حكومتي باريس ولندن وبين هاتين الحكومتين وقادة الجيوش الحليفة المنتصرة في الشرق . ففي 5 تشرين الأوّل، تلقى الاميرال فارنيه(Varnier)، قائد المجموعة البحرية الفرنسية في سورية، أمرًا بمغادرة بور سعيد والتوجه إلى بيروت، فدخل المرفأ في السابع من تشرين الاول، فاستقبل بحماس شعبي . وفي اليوم التالي دخلت المدينة مقدّمة فرقة المشاة السابعة الهندية ودخل بعدها الجنرال بلفين (Bulfin) قائد الفيلق البريطاني الحادي والعشرين، يرافقه الكولونيل دو بيابات (De Piépape)، مع مفرزة من القوات الفرنسية. وفي اليوم عينه، 8 تشرين الأول، أبرق وزير الخارجية الفرنسي إلى كلوندر يقول له: "ان دخول الاميرال فارنيه بيروت والحفاوة التي استقبل بها يشكلان، بالنسبة الينا، نقطة ارتكاز لكي نرفض، بالاتفاق مع الجنرال اللنبي، اخضاع أي قسم من المنطقة الزرقاء لإدارة ممثلي الأسرة الهاشمية .لا مجال للتفاوض حول هذه النقطة ولا يجب ان تناقشها مع الأمير فيصل. علينا فقط ان نبلّغه قرارنا الذي سيلاقي دون شك الدعم اللازم من الجنرال اللنبي[....] أما فيما يخصّ لبنان، فعليك ان تجتمع بأعضاء مجلس الإدارة . انهم يعلمون ان الحلفاء لا ينوون اضعاف السلطة اللبنانية [.....] نحن مستعدون للاعتراف بسلطة مجلس الإدارة على بيروت والبقاع وطرابلس إذا رغب سكان هذه المناطق في الانضمام إلى لبنان....".
التقى كولندر في ليل 8 إلى 9 تشرين الاول، الجنرال اللنبي في القدس، فقال له القائد العام إنه عيّن الكولونيل دو بيابات حاكمًا عسكريًا على بيروت ومسؤولاً عامًا عن الإدارة العسكرية في المنطقة الزرقاء من اتفاقية1916، وانه اصدر أوامره بهذا الشأن إلى الجنرال بلفن، ثم اضاف:" ان الحاكم العسكري الذي عينه فيصل، مت دون ان يكون له حق في ذلك، لم يعد منذ الآن في الوظيفة" .
لام اللنبي كولندر لانه فاوض فيصلا بشأن المنطقة الساحلية وكرر له ان مسألة تعيين الحكام هي من صلاحيات القائد العام وليست من صلاحيات فيصل الذي يعتبر فقط جنرالا من جنرالات الجيوش الحليفة.
في اليوم عينه، ابرق وزير الخارجية الفرنسي إلى كولندر يطلب منه الانتقال بسرعة إلى بيروت والعمل على تشجيع السكان على القبول بضم بيروت وطرابلس والبقاع ومتصرفيّة جبل لبنان في دولة واحدة ، مركزًا على المنافع التي يجنيها الجميع من هكذا عملية.
هكذا جزم الفرنسيون امرهم، ثم عينوا الجنرال هاملان(Hamelin)، قائدًا لقواتهم في سوريا بدلا من الكولونيل دو بيابات لان رتبة هذا الاخير لا تسمح له بأن يفاوض اللنبي ندًّا لند. وبدأوا بتوزيع المساعدات الغذائية مباشرة على المعوزين في بيروت ودمشق دون المرور بالحكومة العربية .
نفّذ الجنرال بلفين بسرعة اوامر اللنبي : ففي ليل10 إلى11 تشرين الاول استولت سريّة من الجيش البريطاني على سراي الحكومة في بيروت وانزلت العلم العربي.
أمّا الأيوبي فمُنع من دخول المبنى وطُلب منه مغادرة البلاد.
ولما رفض الامتثال للامر، هدده بلفين باستعمال القوة ضده، فرضخ .
أدرك فيصل ان هامش المناورة امامه اصبح ضيّقًا وأنّه من الصعب عليه الوقوف في وجه الحلفاء المنتصرين .
في المنطقة الساحلية، أُنزلت الأعلام العربيّة عن الأبنية الرسمية وحلّ ضبّاط فرنسيّون محل الضباط الذين عيّنتهم دمشق. في المتصرفية، بقي حبيب باشا السعد في وظيفته مع أعضاء مجلس الإدارة. وفي البقاع إستمر الموظَّفون السابقون في مراكزهم.
إنتظر كولندر ودو بياباب تعليمات القائد العام قبل اتخاذ أية خظوة بشأن الجبل.
إجتمع اللنبي بفيصل في دمشق وأبلغه أنه قسّم أراضي العدو العثماني المحتلّة إلى ثلاث مناطق: جنوبية، أي فلسطين، بإدارة بريطانية، وشرقية، اي سوريا الداخلية، بإدارة عربية، وشمالية، أي الساحل، بإدارة فرنسية.
وفي الوقت عينه، حدّ اللنبي من صلاحيات الركابي وأطلق يد فيصل في إدارة منطقتي "أ" و"ب" من إتفاقية 1916.
وفي 22 تشرين الأول أصدر الحاكم قراراً سمّى فيه الأقضية التي تَضُمّ كلاً من هذه المناطق وعيّن، بصورة رسمية، حكّامها العسكريين: الجنرال مونيه (Money) للمنطقة الجنوبية، والكولونيل دو بياباب للمنطقة الشمالية وعلي رضا الركابي، طبعاً تحت إشراف فيصل، للمنطقة الشرقيّة. شكّلت متصرّفية الجبل ومعها سهل البقاع جزءاً من المنطقة الشمالية.
أصبح باستطاعة الفرنسيين – وكانت قواتهم التي شاركت في القتال على جبهة فلسطين قد وصلت الى بيروت في 20 تشرين الأول – أن يحسموا مسألة الحكم في المتصرّفية. وفي النهاية قرّ الرأي على تعيين الكابيتان بوشير(Beuscher) قائد السرية اللبنانية – السورية في القوات الفرنسية القادمة من فلسطين، حاكماً عسكرياً، وعلى تثبيت مجلس الإدارة برئاسة حبيب باشا السعد.
صعد دو بياباب، في 25 تشرين الأول، الى بعبدا حيث استُقبل بحفاوة، فوضع هذه القرارات موضع التنفيذ7. أما سهل البقاع، فطلب اللنبي من دو بياباب تأجيل الاستيلاء عليه وتأجيل ضمّه الى المنطقة الزرقاء الى وقت لاحق.
في 31 تشرين الأول، وقّع الأتراك على هدنة مودروس. وفي الثامن من تشرين الثاني، أصدرت الحكومتان الفرنسية والبريطانية تصريحاً مشتركاً يتعلّق بمصير الأراضي المسلوخة عن الدولة العثمانية، كان الهدف منه تبديد مخاوف العرب وطمأنة الرئيس ولسون صاحب مبدأ حق تقرير المصير. وممّا جاء في هذا التصريح: "إن الهدف الذي عملت لأجله فرنسا وبريطانيا العظمى، في متابعتهما في الشرق الحرب التي أثارتها مطامح ألمانيا، هو التحرير التام والنهائي للشعوب التي طالما رزحت تحت النير التركي، وإقامة حكومات وإدارات وطنية تستمد سلطتها من مبادرة السكان الأصليين وخيارهم الحر... لا تسعى الدولتان الى فرض أية مؤسّسات على هؤلاء السكان، وإن هاجسهما الوحيد هو توفير الدعم والمساعدة لهم لكي يؤمّنوا انتظام العمل في الحكومات والادارات التي يختارونها لأنفسهم...".
إطمأنّ العرب لهذا التصريح، وكان اللنبي قد أكّد لفيصل أن التقسيمات الإدارية التي اعتمدها في الأراضي العثمانية المحتلّة هي موقتة وأن مصير هذه الأراضي سيقرره مؤتمر الصلح.
أخذ فيصل يستعد للسفر الى باريس للمشاركة في المؤتمر، ولكنّه كان يخشى أن يترك وراءه، في سوريا، الأخوين الجزائريين سعيد وعبد القادر اللذين كانا يحاولان التقرب من الفرنسيّين، لذا قرر تصفية حساباته معهما قبل سفره. ففي 9 تشرين الثاني، أصدر حاكم سوريا العسكري، علي رضا الركابي، أمرًا باعتقال الأميرين وإرسالهما الى المنفى، مؤكّداً أنه يفعل ذلك بأمر من الحكومة البريطانية ومن الأمير فيصل.
أرسل اركابي رجال الأمن للقبض على الأميرين. إنصاع محمد سعيد وسلّم نفسه وكان نصيبه بعد ذلك النفي الى فلسطين. أمّا عبد القادر فتبادل إطلاق النار مع رجال الأمن وأدى الحادث الى مصرعه والى سقوط عدد من القتلى والجرحى. هكذا تخلص فيصل من الأميرين الجزائريين.
لم يضع مقتل الأمير عبد القادر حدًاّ للصراع على السلطة بين القوى المحلية الثلاث التي ذكرناها في مطلع هذا البحث. فالقيادات والأحزاب الوطنية القومية السورية التي قبلت على مضض زعامة الهاشميين كانت لهم في المرصاد تراقب تحرّكاتهم وأعمالهم لتنقضّ عليهم عند أول خطأ يرتكبونه. هذه القوى هي التي أجهضت كلّ محاولات التقرب بين فيصل وفرنسا، منها اتفاق 6 كانون الثاني 1920، وكانت تسيطر على المؤتمر السوري وعلى اللجنة الوطنية العليا في دمشق.
أما فيصل، فكلّما مرت الأيام كلّما ضاق في وجهه هامش المناورة. إنه دافع عن القضية العربية في مؤتمر الصلح وأحرز بعض النجاح في ربيع 1919، بفضل الدعم الذي كان يلقاه من الرئيس الأميركي ولسون ومن الحكومة البريطانية.
فاضطر الأمير الى مفاوضة الفرنسيين من جديد والتوصل معهم الى اتفاق 6 كانون الثاني 1920 ولكنّه عجز عن تنفيذه بسب رفض القيادات السورية له.
إما التخلّي عن الاعتدال، والانجراف وراء التيار الاستقلالي المتصلّب والقبول بفكرة الصدام المسلّح مع الفرنسيين، وإما تطبيق الاتفاق المعقود في باريس والتصدي بالقوة لمعارضيه وإما الاستقالة.
فاختار الحل الأول.
هذا ما وتر العلاقات بينه وبين الحلفاء وأدى الى معركة ميلسون في تموز 1920 والى سقوطه.
أما الأمير محمد سعيد الجزائري، فبعد مقتل أخيه، نُفي، كما ذكرنا، الى فلسطين، لكنه ظلّ يحلم بعرش سوريا. فحاول التقرب من الفربسيين ولكن هؤلاء لم يدعموه ولم يكونوا يثقون به. وبعد معركة ميلسون، وبالتحديد في شهر آب 1919، رشّح سعيد نفسه علانية لاعتلاء عرش سوريا، ووجه رسالة بهذا الخصوص الى ستيفن بيشون وزير خارجية فرنسا، ويذكّر بمقتل أخيه غدراً على أيدي عملاء الإنكليز وعلى أيدي أتباع فيصل أعداء الفرنسيين.
أثار تقرب الأمير محمد سعيد من الفرنسيين وترشيح نفسه لعرش سوريا غضب فيصل وغضب البريطانيين، فما كان من اللنبي إلا أن أصدر أمراً، في 16 آب 1919، باعتقال الأمير الجزائري من جديد ونفيه الى مصر. فهاجمت منزله في بيروت قوة من الجيش البريطاني واعتقلته على الرغم من أنه كان يتمتع بالحماية الفرنسية وأن العملية تمت في قلب المنطقة الزرقاء الخاضعة للإدارة الفرنسية المباشرة. كادت هذه الحادثة تتسبب بأزمة دبلوماسية بين باريس ولندن.
هذا كان مصير الأسرتين الجزائرية والهاشمية الطامحتين إلى العرش السوري. أما زعماء الحركات الوطنية فتشتتوا بعد معركة ميسلون: هاجر قسم منهم الى الأردن وفلسطين، وقسم الى مصر وقسم الى العراق. وقد أفاد دعاة القومية اللبنانية والمنادون بلبنان الكبير من هذه الظروف لفرض خياراتهم. أما البريطانيّون والفرنسيّون، فبعد مرحلة من الصراع المتّسم أحياناً بالحدّة والعدوانية، سوّوا خلافاتهم المتعلّقة بالشرق الأوسط في إطار مؤتمر سان ريمو حيث تم رسميًا، فرض الإنتداب الفرنسي على سوريا ولبنان والإنتداب البريطاني على فلسطين والعراق.
الإطار الدولي لولادة لبنان الكبير
ليس الهدف من هذا البحث وضع دراسة مسهبة للصراعات الدولية التي أدّت في نهاية الحرب العالمية الأولى إلى سقوط سلطنة بني عثمان وإلى اقتسام ولاياتها العربية بين الحلفاء المنتصرين تحت غطاء نظام الانتداب.
حسبنا رسم الخطوط الكبرى لأوضاع الشرق الأوسط خلال تلك الحقبة والتوقف فقط عند بعض المحطات، محاولين إلقاء أضواء جديدة عليها، إستنادًا إلى الدراسات الحديثة المخصصة لتاريخ تلك المنطقة وإلى بعض ما يحتوي الأرشيف الأوروبي من وثائق لها علاقة مباشرة بموضوعنا.
تعتبر السنوات الممتدة من 1914 حتى 1920 منعطفًا أساسيًا في تقرير مصير المشرق العربي.
ولكن ما حصل خلالها يشكّل امتدادًا طبيعيًا للتحولات التي عرفتها السلطنة العثمانية منذ عهد التنظيمات وللهيمنة الأوروبية عليها.
لذا سنعالج بإيجاز:
في القسم الأول من بحثنا، المنحى الخطر الذي آلت إليه العلاقات، في مطلع القرن العشرين، بين تلك السلطنة والدول الأوروبية،
سنكرّس القسم الثاني لسنوات الحرب وللصراع العلني بين الحلفاء على تركة "الرجل المريض"
وسندرس أخيرًا في الثالث مرحلة الحسم التي تمتد على سنتين تقريبًا:
تبدأ بتاريخ انهيار دولة بني عثمان في تشرين الثاني 1918 وتنتهي بولادة دولة لبنان الكبير في 31 آب 1920.
1 – الوهن العثماني والأطماع الأوروبية عشية اندلاع الحرب العالمية الأولى.
إن موقع سلطنة بني عثمان الستراتيجي وامتدادها الجغرافي وكثرة مواردها، جعلتها محط أنظار الدول الغربية، لا سيما منذ مطلع القرن التاسع عشر بعد أن دبّ الضعف في جسمها، وبعد أن فقدت المناعة التي تميّزت بها في القرون الأولى من تاريخها.
وقد سعت حكومات أوروبا مرارًا لاقتسامها.
لكنّها لم تفلح بسبب عجزها عن التوصّل إلى اتفاق حول حصّة كل منها.
فاكتفت في النهاية بالاستيلاء على ولايات السلطنة الإفريقية وبتشجيع الحركات التحررية في البلقان وبالضغط على الباب العالي للحصول على مزيد من الامتيازات.
أ – المضائق، قناة السويس والخليج: مناطق تصادم المصالح الأوروبية.
تمحور الصراع في البدء بين الدول الكبرى حول منطقتين حسّاستين:
المضائق وقناة السويس.
وكانت روسيا منذ عهد بطرس الأكبر تنظر بجشع إلى المضائق وإلى القسطنطينية عاصمة الأورثوذكسية.
وقد ازداد ضغطها في القرن التاسع عشر إذ خاضت ضد العثمانيين ثلاث حروب خطيرة:
الأولى في عامي 1828 – 1829 وأدّت إلى استقلال بلاد اليونان،
الثانية بين 1854 و1856 وهي حرب القرم الدامية،
الثالثة في سنتي 1877 – 1878 وقد وصلت خلالها الجيوش الروسية إلى أبواب العاصمة العثمانية وفرضت على الباب العالي اتفاقية سان ستيفانو المذلّة.
ولكن في كل مرّة كانت الدول الأوروبية الأخرى تتدخّل إما عسكريًا، كما فعلت في حرب القرم، وإما دبلوماسيًا، كما فعلت عام 1878 في مؤتمر برلين، لتُنقِذ السلطان من مخالب القيصر، وذلك خوفًا من أن يسيطر هذا الأخير على الحوض الشرقي للمتوسط.
كانت بريطانيا أكثر الدول تصلّبًا تجاه روسيا، وكان الباب العالي يرى في حكومة لندن المدافع الأول عن كيان السلطنة وعمّا تبقّى لها من ممتلكات.
لذا تنازل السلطان طوعًا للإنكليز عن جزيرة قبرص بعد مؤتمر برلين، ليكونوا على مقربة من المضائق وليراقبوا تحركات الروس في تلك المنطقة.
بعد أن انجزت ألمانيا وحدتها، أخذت بدورها تعير منطقة البلقان أهمية كبرى، فدفع بسمارك أولاً بالنمسا باتجاه الشرق ثم نصّب نفسه محاميًا عن وحدة الإمبراطورية العثمانية وعن حرية الملاحة في المضائق.
ارتاح عبد الحميد لموقف حكومة برلين المستجد، فاستعان بخبراء ألمانيين لإعادة تنظيم الجيش والإدارة.
وقد أبدى هؤلاء مقدرة وفعالية فائقتين في عملهم.
في تلك الظروف وُلد مشروع الخط الحديدي بين برلين وبغداد وقد حصلت شركة ألمانية على امتياز الجزء الأول منه عام 1888.
بعد استقالة بسمارك، تابع غليوم الثاني السياسة نفسها.
قام عام 1898 بزيارة عبد الحميد في اسطنبول، ثم انتقل إلى فلسطين فدمشق حيث ألقى خطبة في السابع من تشرين الثاني أعلن فيها نفسه صديقًا للثلاثمائة مليون مسلم المنتشرين في العالم.
أثارت سياسة غليوم الثاني هذه حفيظة بريطانيا وزادت من خشيتها من أن تصل ألمانيا عبر الخط الحديدي إلى منطقة الخليج ومن ثم إلى الهند.
كانت بريطانيا قد أحكمت قبضتها على المداخل الجنوبية للمتوسط بعد أن استولت على مضيق جبل طارق عام 1704 ثم على مالطة عام 1801 فقبرص عام 1878 وأخيرًا على مصر عام 1882.
لذا رأت أن مصلحتها تقضي التخلّي عن سياستها التقليدية تجاه العثمانيين والتنسيق مع القيصر لدرء الخطر الألماني.
قد أدى هذا التوجّه الجديد عام 1907 إلى ولادة الحلف الثلاثي الذي ضمّ فرنسا وروسيا وبريطانيا.
كانت حكومة لندن قد اتخذت عددًا من الإجراءات لمنع خط برلين – بغداد من النفاذ إلى منطقة الخليج، فعقدت عام 1899 اتفاقًا مع أمير الكويت تعهّد هذا الأخير بموجبه بعدم السمّاح للشركة الألمانية ببناء المحطة الأخيرة لهذا الخط في أراضيه دون موافقة الإنكليز.
وكانت الكويت، على عكس الساحل العراقي الضيّق حيث يصبّ شط العرب، تشكّل على الخليج المنطقة الوحيدة الملائمة لبناء مثل هذه المحطة.
عندما اندلعت الحرب العالمية الأول، فصلت بريطانيا الكويت نهائيًا عن الإمبراطورية العثمانية وفرضت عليها حمايتها وهكذا فعلت بقبرص وبمصر.
بـ - الهيمنة الاقتصادية والثقافية على السلطنة.
إن الضعف العسكري والسياسي الذي أصاب دولة بني عثمان رافقه شلل اقتصادي بلغ ذروته في عهد عبد الحميد الثاني وتزامن مع الهجمة الإمبريالية الاوروبية على العالم.
فكانت السلطنة إحدى ضحاياها.
أخذ الأوروبيون يمدّون الباب العالي بالقروض ويوظفون رؤوس أموالهم في المشاريع العامة والخاصة.
نذكّر هنا بأن حصّة فرنسا من الدين العام العثماني كانت تفوق الستين بالمئة. وبان أموالها الموظفة داخل السلطنة بلغت، قبيل اندلاع الحرب الكبرى، 53% من مجموع الاستثمارات الأجنبية.
ونشير أيضًا إلى أن فرنسا، ابتداء من عام 1911، أخذت توجّه توظيفاتها بصورة أولية، إلى الولايات السورية وإلى متصرفيّة جبل لبنان.
بالإضافة إلى هذه الهيمنة الاقتصادية، فقد بسط الأوروبيون نفوذهم على القطاع التعليمي.
ففي عام 1914، كانت المدارس الفرنسية المنتشرة في ولايات السلطنة الآسيوية وفي مصر تعدّ تسعين ألف طالب، مقابل 23500 طالب للمدارس الانكلو – أميركية.
وقد حافظت فرنسا، إلى جانب ذلك، على حقّها في حماية كاثوليك الشرق وفي حماية الأماكن المقدّسة في فلسطين.
عشية اندلاع الحرب العالمية الأولى، كانت الدول الإمبريالية قد أحكمت قبضتها على ما تبقّى من ممتلكات للدولة العثمانية، فتقاسمتها وحوّلتها إلى مناطق نفوذ اقتصادي، فكانت الولايات السورية مع سنجق القدس ومتصرّفية جبل لبنان من نصيب فرنسا.
جـ - فشل التنظيمات.
إن الهجمة الإمبريالية على السلطنة العثمانية أتت كنتيجة للتفكك الداخلي وللوهن اللذين أصاباها ولم تكن سببًا لهما.
يضاف إلى ذلك أن برامج الإصلاح المعروفة بالتنظيمات والتي نادت بالمساواة بين الرعايا دون النظر إلى العرق أو الدين أو المذهب، بقيت بمجملها حبرًا على ورق، وظلّت صبغة الدولة إسلامية وظل العرق التركي هو المسيطر.
وبعد أن اعتمد عبد الحميد على الرابطة الدينية واضطهد الأقليات غير الإسلامية، لا سيما الأرمن، قام الاتحاديون من بعده بتطبيق سياسة عنصرية جعلت الشعوب غير الطورانية، ومن بينها العرب، تنفر من حكمهم.
بالإضافة إلى العدالة والمساواة، هدفت التنظيمات إلى إصلاح أوضاع السلطنة وإدخال الحداثة إليها.
ولكن التحسّن البسيط الذي أصاب بعض القطاعات أتى مخيّبًا للآمال، لذا قام عدد من المفكّرين يفتشون عن حلول جديدة تخرج شعوب الإمبراطورية من التخلّف والسبات، وكان مبدأ القومية المعتمد في أوروبا قد توغّل داخل الدولة العثمانية وفرض نفسه كأحد الحلول الممكنة.
تجدر الإشارة هنا إلى أن التيار الإصلاحي نشط بشكل خاص في بيروت حيث برزت الجمعية الإصلاحية البيروتية، وكان قسم من أعضائها يسعى للحصول على الاستقلال الإداري بدعم من أوروبا.
بينما هال بعض المنتسبين إليها من المسيحيين التنكيل الذي كان يتعرّض له النصارى العثمانيون، لا سيما بعد حرب البلقان، فأخذوا يتّصلون سرًا بممثلي فرنسا مطالبين بإلحاق مدينتهم بيروت بالجبل وبفرض الحماية الفرنسية على كافة الولايات السورية.
نذكّر هنا بأن فكرة الاستقلال عن السلطنة قديمة في لبنان، تعود إلى عهد الإمارة المعنية، وقد ترسّخت خلال حكم بشير الثاني وتبلورت في عهد المتصرّفية، وقد ساعد على ظهورها عدد من العوامل أهمها التركيبة السكانية المعقّدة والفريدة وطبيعة التضاريس والموقع الجغرافي المميز.
2 – الحرب ومصير الشرق الأوسط: أضواء جديدة على الصراع بين الحلفاء.
عندما اندلعت الحرب قرّر الحلفاء وضع حد نهائي للمسألة الشرقية بتجزئة الأراضي العثمانية، فكانت موجة الاتفاقيات السرية، وما يهمّنا منها هي اتفاقية سايكس بيكو التي أُبرمت عام 1916 والتي نصّت على اقتسام الولايات العربية بين فرنسا وبريطانيا في نهاية الحرب، فيكون لبنان مع الساحل السوري وكيليكيا من نصيب فرنسا وجنوب العراق من نصيب بريطانيا وفلسطين تحت إشراف دولي.
أما الداخل فيحكمه العرب ويقسم بدوره إلى قسمين:
- في الشمال منطقة "أ" وتكون تحت النفوذ الفرنسي،
- وفي الجنوب منطقة "ب" وتكون تحت النفوذ البريطاني.
إلى جانب تلك الاتفاقية هناك المراسلات التي تبودلت في عامي 1915 و1916 بين الشريف حسين والمفوّض البريطاني في مصر، هنري مكماهون، وقد تعهّد فيها هذا الأخير، باسم حكومته، مساعدة العرب على بناء دولة مستقلّة إن هم ثاروا على الترك؛
هناك أخيرًا وعد بلفور الذي صدر عام 1917 وقد تعهّدت فيه لندن العمل على إنشاء الوطن القومي للشعب اليهودي في فلسطين.
أما اتفاقيتا القسطنطينية (1915) وسان جان دي موريان (1917) اللتان نصّتا على تجزئة {سيا الصغرى، فقد سقطتا بعد انسحاب البولشفيك من القتال وتوقيعهم صلح برست – ليتوفسك مع الدول الوسطى في ربيع 1918 وبعد أن تصدّى مصطفى كمال للحلفاء ولمعاهدة سيفر ورفض أن تمس وحدة الأناضول.
أ – بريطانيا وخيار القضاء على الدولة العثمانية.
عند اندلاع الحرب، كانت بريطانيا أكثر الدول الحليفة اهتمامًا بالشرق الأوسط لأن مصير إمبراطوريتها كان يتعلّق إلى حد كبير بمصير تلك المنطقة وبمستقبل الدولة العثمانية.
وقد اخافتها الدعوة إلى الجهاد التي وجهها السلطان إلى الشعوب الإسلامية، لذا قررت، منذ أواخر 1914، الاعتماد على العرب لإبطال مفعول تلك الدعوة.
وكانت تربطها علاقات طيّبة ومعاهدات بعدد من أمراء شبه الجزيرة لا سيما بابن سعود.
لكنها اختارت الحسين حليفًا مفضّلاً لأنها رأت فيه الشخصية الأوفر حظًا لقيادة حركة عربية مناهضة للأتراك.
كانت الإدارة البريطانية في مصر تحبّذ فكرة توسيع المملكة المصرية باتجاه الشرق وضم ولايات الهلال الخصيب وشبه الجزيرة إليها، مع إقامة سلطة روحية عربية في الحجاز.
لكن تبني خيار كهذا لم يكن بالأمر السهل خصوصًا وأن نتائج الحرب لم تكن قد تبلورت بعد.
أما حكومة الهند البريطانية فاقترحت إلحاق الولايات العراقية بشكل نهائي بالإمبراطورية.
لكن لندن تروّت في إعلان أهداف كهذه خوفًا من ردّات الفعل العربية والدولية ولكنّها أسرعت في خريف 1914 واستولت على جنوب بلاد ما بين النهرين لكي تحكم قبضتها على منطقة الخليج.
بين ربيع 1915 وصيف 1916 واجه البريطانيون في الشرق الأوسط صعوبات عسكرية لم تكن في الحسبان.
حملتهم على المضائق انتهت بفشل ذريع وكذلك عملية الإنزال في شبه جزيرة غاليبولي.
وفي العراق اضطرّت قواتهم إلى الاستسلام في العمارة، في نيسان 1916، إلى القائد العثماني خليل بك.
فقط على جبهة السويس استطاع البريطانيون أن يردّوا الهجومين اللذين شنّهما جمال باشا في شباط 1915 وفي آب 1916.
إن هذا الوضع العسكري المقلق جعل حكومة لندن تتخوّف من أن تنتهي الحرب دون حسم عسكري في الشرق الاوسط، فيقع الباب العالي حتمًا تحت وصاية برلين وينهي الألمان آنذاك بناء خط بغداد فيلجون بواسطته منطقة الخليج.
لذا انطلقت الحكومة البريطانية، منذ حزيران 1915، في المفاوضات مع حلفائها للقضاء نهائيًا على سلطنة بني عثمان ولاقتسام ما تبقّى من أراضيها، وقد وضعت نصب عينيها الاستيلاء على فلسطين وبلاد ما بين النهرين وضمّهما إلى الإمبراطورية.
لم يتردد الإنكليز في استعمال الشريف حسين وأولاده لتغطية أكبر عملية ابتزاز تعرّض لها العرب في تاريخهم المعاصر.
كما استعملوا الحركات القومية السورية والحركة الصهيونية على حد سواء لإزاحة فرنسا من طريقهم بعد أن صوّروها للمسلمين ولليهود بأنها تعمل فقط لحماية النصارى ولرفع شأنهم في الشرق.
وكانت فرنسا الدولة الوحيدة القادرة على الوقوف في وجه المخططات البريطانية في فلسطين وذلك لاعتبارات لا مجال للتوقف عندها في هذه الدراسة.
بـ - التنافس على سورية ولبنان
في المحادثات التي مهّدت لاتفاقية سايكس – بيكو حاول المفاوضون الإنكيز ان يبعدوا الفرنسيين عن لبنان بهدف إضعاف وجودهم في المتوسط الشرقي بعد الحرب.
ففي أول جلسة عقدها بيكو في لندن، في 21 كانون الأول 1915، مع ممثلي الحكومة البريطانية، أصرّ هؤلاء على أن لا تتعدّى المنطقة التي ستقع تحت الحماية الفرنسية المباشرة الساحل السوري الممتد من الإسكندرونة حتى طرطوس، على ان تلحق المناطق الأخرى بما فيها الساحل اللبناني والجبل، بالدولة العربية التي سيحكمها الشريف حسين.
رفض بيكو هذا الاقتراح مؤكدًا أنّه لا يجوز أن يعاد لبنان إلى الوراء بعد أن تمتّع بإدارة ذاتية تحت الحكم التركي، وأن اللبنانيين لن يقبلوا بالتخلّي عن وضعهم المميز ولا بالتراجع عن مطلبهم الحيوي وهو ضم بيروت وطرابلس والبقاع إلى الجبل.
تابع بيكو قائلاً إن الأتراك عندما رسموا حدود المتصرفية وحصروها في المنطقة الجبلية الصخرية الوعرة كانوا يهدفون إلى تهجير السكان وقد نجحوا في ذلك.
جرت المفاوضات اللاحقة فقط بين سايكس وبيكو، وقد استطاع ممثل فرنسا أن يقنع زميله الإنكليزي بوجهة نظره. فوضعا سوية نص الاتفاقية التي عُرفت باسميهما.
تعتبر هذه الاتفاقية في نظرنا تراجعًا تكتيكيًا لبريطانيا أمام حليفتها ومنافستها فرنسا.
لم يتردد عدد من المسؤولين البريطانيين في التصريح علنًا أنها حل دبلوماسي مؤقت وانها ستعدّل حتمًا في المستقبل.
جـ - التطلعات الإمبريالية الجديدة لبريطانيا.
في كانون الأول 1916، انتقلت السلطة في لندن إلى حكومة إئتلافية يترأسها لويد جورج. فقررت هذه مضاعفة مجهودها الحربي في منطقة الشرق الأوسط، وقد تزامن انتقال المسؤولية إليها مع ثورة شباط في روسيا.
خشي البريطانيون انسحاب الجيش الروسي من القتال، لذا اقترحوا على حكومة اسطنبول عقد صلح منفرد، من شروطه استقلال الحجاز ووضع العراق وفلسطين تحت الحماية البريطانية وإعطاء مصر وأرمينيا حكمًا ذاتيًا.
رفض الاتحاديون هذه الشروط واستمرت الحرب بين الدولتين.
في نيسان 1917، أوكلت حكومة لويد جورج إلى لجنة خاصة من أعضائها البارزين اللورد كورزون والجنرال سمطس، وضع دراسة حول المقاطعات التي يجب أن تلحق بالإمبراطورية البريطانية في نهاية الحرب.
رفعت هذه اللجنة تقريرها إلى الحكومة في الأول من آيار 1917، وقد طالبت فيه بوضع فلسطين والعراق تحت الرقابة البريطانية وتعديل اتفاقية سايكس بيكو بشكل يجعل من فلسطين محمية إنكليزية تمتد حدودها حتى نهر الليطاني وحتى شمال حوران.
بعد هذا التقرير حدث تحوّل جذري في سياسة لندن تجاه الشرق، فولدت عند بعض المسؤولين فكرة ربط مصر والعراق بشبكة من الخطوط الحديدية وإخضاع المنطقة بكاملها للسيطرة البريطانية المباشرة أو غير المباشرة، واقتلاع فرنسا نهائيًا منها.
هنا بدأ صراع علني بين الدولتين كان مسرحه في بادئ الأمر فلسطين.
د – فلسطين، أول امتحان لصدق النوايا.
كانت الحكومة الفرنسية قد اتخذت الإجراءات اللازمة منذ ربيع 1917 للمشاركة ولو بقوات رمزية في الهجوم على فلسطين وقد جعلت من بور سعيد قاعدة خلفية لها، وعيّنت الكولونيل دوبييباب قائدًا للفرقة الفرنسية التي سترافق الجيش البريطاني في زحفه نحو الشمال، كما عينت فرنسوا جورج – بيكو مندوبًا لها في فلسطين وسوريا.
في خريف 1917 شنّ اللنبي هجومه المرتقب انطلاقًا من مصر واستولى على القدس في التاسع من كانون الأول.
وتقيدًا للتوجيهات التي تلقّاها من حكومته، حاول بيكو ان يتصرّف في فلسطين كممثل رسمي لبلاده وأن يشارك في إدارة الأراضي المحتلة وأن يعيد لفرنسا المكانة التي كانت لها قبل الحرب كحامية للأماكن المقدسة المسيحية.
لكنه اصطدم بعدد من العقبات أهمها التصدي العنيد الذي واجهه به الإيطاليون وكانوا هم أيضًا يشاركون بفرقة رمزية في الحملة على فلسطين.
كانت إيطاليا تسعى آنذاك لتحل محل فرنسا في حماية الأراضي المقدّسة ولا سيما أن باريس كانت على خلاف عميق مع الكنيسة الرومانية وقد ادّى هذا الخلاف إلى فصل الدين عن الدولة وإلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع الكرسي الرسولي. لذا لم يدعم البابا موقف فرنسا في فلسطين.
بالإضافة إلى هذه الصعوبات التي كانت تخدم الأهداف الإنكليزية فإن القائد العام للقوات الحليفة الجنرال اللنبي، منع بيكون عن التدخّل بشؤون الإدارة المحلية وبشؤون الأراضي المقدّسة، ورفض أن يعترف به ممثلاً لفرنسا في فلسطين، وأفهمه أنّه يعتبره مستشارًا له، ليس إلا. وهدده، إن هو لم يرضخ لأوامره، بإبعاده عن القدس إلى يافا.
ثارت ثائرة جورج بيكو وأدرك أن ما حصل في فلسطين هو مقدمة لما سيحصل في سوريا ولبنان، إن تابعت الجيوش البريطانية زحفها نحو الشمال، وأن فرنسا قد خسرت مكانتها في الشرق وأن اتفاقية 1916 لا قيمة لها إن لم تدعمها قوى مسلّحة على الأرض.
لذا، أخذ يرسل البرقية تلو الأخرى، يطلب من حكومته زيادة عدد أفراد الفرقة الفرنسية العاملة في فلسطين ويصف الوضع بأنه مأساوي، وقد تجاوب وزير الخارجية بيشون مع بيكو وكتب مرارًا إلى زميله وزير الحربية بهذا الشأن.
لكن القيادة العسكرية كانت منهمكة في القطاع على الجبهة الغربية، فأهملت الموضوع وترددت في فصل قوات إضافية لترسل إلى الشرق الأوسط.
في العشرين من كانون الثاني 1918، أبرق بيكو إلى حكومته يقول:
"لا نستطيع أن نحافظ على حقنا في الحماية الدينية في الشرق ونقطع في الوقت نفسه علاقاتنا مع الكرسي الرسولي. لا نستطيع أن نحكم فلسطين وأن نكتفي من أجل ذلك بإرسال مفوّض سام يرافقه معاونان اثنان فقط. لا نستطيع أن ننفذ اتفاقيات كالتي توكل إلينا الإشراف على إدارة سوريا وإرمينيا وان نترك لسوانا عملية تحرير شعوب هذه البلدان، علينا أن نختار (...) نحن معرضون في الوقت الحاضر لهزيمة وعلينا أن نرضخ للواقع وأن نعي الهزائم اللاحقة. غدًا سنخسر نفوذنا في فلسطين، ولكن بعد غد سنخسره في سوريا (...) وإذا لم تعمل الحكومة على تغيير الوضع العسكري القائم فمن الأفضل أن يوضع حد لوجود بعثتنا لأن هذا الوجود أصبح بلا فائدة".
يعبر هذا النداء اليائس عن حقيقة الوضع على الأرض ولكن العاصفة هدأت نسبيًا ابتداء من شهر آذار 1918 حيث قبل الكرسي الرسولي بعد أن ضغط عليه بعض الأساقفة الفرنسيين بتجميد مسألة الأماكن المقدّسة حتى نهاية الحرب وطلب من الرهبانيات الكاثوليكية الاعتراف من جديد بالامتيازات التي كان يتمتع بها ممثل حكومة باريس.
لكن موقف الكرسي الرسولي المبدئي لم يتغيّر:
إن الحماية الفرنسية بنظره قد زالت مع زوال الحكم التركي.
ويبدو أن البابا كان يميل إلى إيكال أمر الإشراف على فلسطين إلى الحكومة البلجيكية.
اما الفرقة الفرنسية فرفض الإنكليز زيادة عدد أفرادها بحجة أن القيادة العامة في فلسطين تفتقر إلى وسائل النقل وإلى المؤن فلا يمكنها بالتالي استقبال قوات إضافية.
في النهاية ألانت لندن موقفها.
ألحق الفرنسيون عناصر جديدة بفرقتهم فارتفع عدد رجالها من 3675 إلى مايقارب 7000.
اما البريطانيون فكانوا يحشدون اكثر من مئتي ألف مقاتل على الجبهة نفسها.
هـ - الحلفاء يطلعون الحسين على مضمون اتفاقية سايكس – بيكو.
على رغم مشاركتها المحدودة في القتال على الجبهة الفلسطينية السورية، ظلت فرنسا متمسكة باتفاقية سايكس بيكو وما كانت تسميه "حقوقها التاريخية في سوريا".
في مطلع 1917 قررت حكومتا لندن وباريس إرسال كل من مارك سايكس وفرنسوا جورج بيكو إلى الحجاز ليطلعا الحسين على مضمون الاتفاقية المعقودة بينهما. فوصلا إلى جدّة في 18 آذار 1917 واجتمعا في اليوم التالي بالملك وتبع هذا اللقاء الاول لقاءات اخرى شارك في معظمها الأمير فيصل.
بعد خمسة أيام من المفاوضات أبرق بيكو إلى حكومته يقول:
"إن الملك يعرف الآن مضمون اتفاقيتنا ولم يبد متأثرًا إلى الحد الذي كنّا نخشاه. إن المنطقة الأرمنية الواقعة إلى الشمال من الأسكندرونة وأورفا لا تهمه. يمكننا منذ الآن أن نقول إن الدور الفرنسي في سوريا سيكون في خطوطه الكبرى شبيهًا بالدور الإنكليزي في العراق.
سنتعاون مع ممثلي الملك في المناطق الإسلامية من سوريا، بواسطة مستشارين. اما المناطق المسيحية فإن استولينا عليها قبل نهاية الحرب فسننشئ فيها دولة تكون تحت حمايتنا".
بعد أن اطلع وزير الخارجية الفرنسية على برقية بيكو، طلب إليه أن يعهد إلى شرشلي، ممثل فرنسا في الحجاز، أن يوضح للحسين ما المقصود بعبارة "المناطق الإسلامية من سوريا" التي استُعملت خلال المحادثات وأن يؤكد له أن هذه التسمية تنطبق فقط على المناطق الداخلية، أي على منطقة "أ" من اتفاقية سايكس بيكو ولا تنطبق على المنطقة الزرقاء أي الساحل وكيليكيا.
فما كان من جورج بيكو إلا أن أبرق إلى شرشلي في 13 حزيران 1917 يقول:
"خلال محادثاتي الأخيرة مع ملك الحجاز، أطلعته على اتفاقيتنا المتعلقة بالولايات الآسيوية العربية. قلت له إننا سنحتفظ بحرية التصرّف في المنطقة الساحلية حيث سننشئ دولة لبنان الكبير تحت الحماية الفرنسية وأبلغته أن الشرط الأساسي لتعاوننا مع العرب في المناطق الداخلية من سوريا هو تعيين مستشارين فرنسيين في مختلف الإدارات يتمتعون بسلطة إجرائية وذلك لمدة محدودة".
ثم يطلب بيكو من شرشلي أن ينتهز الفرصة أن يستعمل الحسين أمامه عبارة "سوريا الإسلامية" ليفهمه أنّها تعني المنطقة الداخلية لا الساحل.
هكذا ظن الفرنسيون أن الأمور أصبحت واضحة بالنسبة إلى العرب وأنهم يستطيعون في المستقبل تنفيذ اتفاقية سايكس بيكو.
لكن بعض المسؤولين الإنكليز كانوا يضعون خططًا متناقضة.
أما لورنس فقد أقنع فيصلاً بأن أفضل وسيلة للتخلص من تلك الاتفاقية تكمن في توطيد التحالف مع بريطانيا لأن هذه الاخيرة في نهاية الحرب "ستخجل ولن تلجأ إلى السلاح لإزاحة أحد حلفائها إن هو وقف في وجه الاتفاقية".
و – السلطة في دمشق بين الجزائريين والفيصليين.
في 19 أيلول 1918، أحرز اللنبي ((Allenby انتصاراً حاسماً على الجيش العثماني في فلسطين، ودفع بقواته نحو الشمال. فغادر الأتراك دمشق وبيروت في 30 أيلول وألّف الأمير سعيد الجزائري وأخوه عبد القادر في العاصمة السورية حكومة مؤقتة باسم الشريف الحسين، وحذا حذوهما عمر الداعوق في بيروت.
أبرق الجزائري إلى البطريرك الماروني يطلب منه تأليف حكومة عربية في الجبل.
تريّث البطريرك في اتخاذ موقف وأرسل يستشير الفرنسيين في جزيرة إرواد، فكان جوابهم: "إننا قادمون".
في الأول من تشرين الأول وصلت إلى دمشق فرقة من جيش اللنبي وتبعتها قوات عربية يقودها الشريف ناصر يرافقه الضابط الإنكليزي لورانس.
نصّب هذا الأخير نفسه ممثلاً لفيصل وعزل الأميرين الجزائريين بعد صدامات مع انصارهما في الشوارع وعيّن مكانهما رضا الركابي حاكمًا عسكريًا على المدينة.
في الحقيقة كان لورانس وعملاء الإنكليز عمومًا ومؤيدو فيصل يخشون أن تفلت السلطة في دمشق من أيديهم خصوصًا وأن الأخوين الجزائريين، حفيدي عبد القادر الكبير، كانا يشكلان خصمين خطيرين للهاشميين. فأسرتهما الكريمة النسب وتاريخ جدهما العريق ومكانتهما في العالم الإسلامي ووزنهما السياسي في سوريا وعلاقاتهما الطيّبة بفرنسا كانت تخوّلهما الطموح إلى الحكم والوقوف في وجه المخططات الإنكليزية – الحجازية، وهذا ما دفع بلورانس إلى الإسراع في التخلّص منهما. أما فيصل فلم يشعر بالطمأنينة إلا بعد أن قتل رجاله الأمير عبد القادر في 9 تشرين الثاني 1918 ونفوا أخاه سعيدًا إلى فلسطين.
في تلك الأثناء كان جورج – بيكو يفاوض البريطانيين في لندن حول مستقبل الأراضي العربية المحتلة.
كان السفير الفرنسي كامبون، بعد أن تلقّى تعليمات من حكومته قد طلب من الإنكليز أن يتعهّدوا باحترام اتفاقية 1916. وقد صدر عن بلفور، في 23 أيلول، وعد رسمي بهذا الخصوص.
أخيرًا في 30 أيلول، عقدت الحكومتان اتفاقًا بشأن الإدارة المؤقتة للولايات السورية حددتا فيه الدور الذي يعود إلى كل منهما.
في 3 تشرين الأول دخل دمشق كل من اللنبي وفيصل والكابيتن كولوندر نائب جورج – بيكو، ففوجئ الثلاثة بالإجراءات التي اتخذها لورانس.
اعترف اللنبي بالركابي حاكمًا عسكريًا على منطقتي "أ" و"ب" من اتفاقية سايكس – بيكو ولكنه اوضح أنّه يحتفظ لنفسه بالقيادة العليا في كافة الأراضي المحتلة وأن العلاقات بينه وبين الحكومة المحلية تتم بواسطة ضابطي ارتباط، أحدهما إنكليزي والثاني فرنسي.
غادر اللنبي دمشق بسرعة وعاد إلى فلسطين.
اما فيصل فقرر، ومن المرجح بإيعاز من لورانس، إرسال شكري الأيوبي إلى بيروت. وحين وصل هذا الأخير أعلن أن الولاية الساحلية تعتبر جزءًا من الدولة العربية وأنها تابعة لحكومة دمشق.
ثم زار بعبدا حيث دعا مجلس الإدارة إلى الاجتماع وأوكل إلى حبيب باشا السعد تأليف حكومة مؤقتة في الجبل باسم ملك الحجاز.
حاول كولوندر أن يتصدّى للترتيبات التي اعتمدتها حكومة دمشق، فاتصل أولاً بالجنرال الإنكليزي كلايتون، المسؤول عن الشؤون السورية، وطلب منه أن يتدخل شخصيًا ليمنع فيصلاً عن تعيين حكام في المنطقة الساحلية، إذ إن هذا الحق ينحصر باللنبي وحده.
تحاشى كلايتون الخوض في هذا الموضوع.
فاجتمع كولوندر شخصيًا بفيصل محتجًا على إرساله الأيوبي إلى بيروت دون أن يكون للقائد العام علم بذلك.
أجاب الأمير أن هدفه من ذلك هو طرد الأتراك من الأراضي العربية وأنّه اعتبر نفسه مخولاً اتخاذ إجراء كهذا لأن اللنبي سبق له ووافق على تعيين الركابي حاكمًا على دمشق.
أبلغ كولوندر وزارة الخارجية الفرنسية جواب الأمير وأكد أن فيصلاً وأتباعه يحاولون وضع الحلفاء في المنطقة الساحلية أمام الأمر الواقع كما فعلوا في الداخل.
لم يكتف كولوندر بذلك بل ألحّ على حكومته بالإسراع في إرسال قوات فرنسية إلى المنطقة الزرقاء من اتفاقية 1916، ثم غادر إلى فلسطين حيث استقبله اللنبي وطمأنه إلى أن الحكّام الذين عيّنهم فيصل في المدن الساحلية سيُعزلون قريبًا.
اعتبرت فرنسا أن اتفاق 30 أيلول يشكّل نقطة انطلاق جديدة في علاقاتها مع بريطانيا في الشرق وكذلك في علاقاتها مع فيصل والحكومة السورية. فبدأت بعد ذلك عملية صراع بين خمسة قوى تحاول كل منها فرض خياراتها، هذه القوى هي بريطانيا وفرنسا وفيصل مع جماعته والتيارات الوطنية السورية المتصلّبة وأخيرًا التيار اللبناني الاستقلالي.
(يتبع في الملحق القادم)
ملاحظة: يمكن قراءة هذه الدراسة مع الهوامش الملحقة بها في مصدرها الأساسي:
اليوبيل الذهبي لاستقلال لبنان، إعداد مجموعة باحثين، صادر عن الجامعة اللبنانية – قسم الدراسات التاريخية، بيروت 1996
عنوان الدراسة: الإطار الدولي لولادة لبنان الكبير. المؤلّف: البروفسور انطوان الحكيّم – ص: 127 – 166.
3 – مرحلة الخيارات الصعبة: تشرين الأول 1918 – أيلول 1920.
ابتداءً من تشرين الأول 1918 أخذت الأمور تتشابك والصراعات تحتدم.
لن نعالج كل النواحي التاريخية لهذه الحقبة، سنمسك فقط ببعض الخيوط المتعلّقة بموضوع بحثنا وسنتتبّعها متوقفين عند ست محطات نعتبرها أساسية لرسم الإطار الدولي لولادة لبنان الكبير.
أ – تمركز الفرنسيين في المنطقة الساحلية وفي متصرفية جبل لبنان.
على أثر الاتصالات المكثّفة التي جرت بين لندن وباريس أرسل الفرنسيون إلى بيروت قطعًا من أسطولهم بقيادة الإميرال فارنيه، فأنزلت هذه، في 7 تشرين الأول، بعض القوات إلى البر. وبعد يومين وصلت فرقة بريطانية قادمة من فلسطين يرافقها الكولونيل دي بياباب. ثم نقل الفرنسيون قوات إضافية من حيفا إلى بيروت عن طريق البحر، ولكن القسم الأكبر من أفراد المفرزة العاملة في فلسطين لم يصلوا إلى المدينة إلا في العشرين من الشهر.
اما الأيوبي، فمُنع من الدخول إلى سراي الحكومة وطُلب منه مغادرة البلاد، ولما لم يمتثل للأمر هدّده الجنرال الإنكليزي بلفين باستعمال القوة ضدّه، فرضخ.
بعد انسحابه، سلّمت كل المراكز الإدارية في المنطقة الساحلية إلى ضباط فرنسيين.
في تلك الظروف، أبلغ اللنبي فيصلاً أن سهل البقاع سيلحق بلبنان.
ثم أعلن القائد الأعلى، في 23 تشرين الأول، التقسيم الرسمي المؤقت للأراضي المحتلة، فأوكل بإدارة المنطقة الشرقية، أي سوريا الداخلية، إلى فيصل، وبالمنطقة الجنوبية، أي فلسطين، إلى البريطانيين، وبالساحل حتى الاسكندرونة مع جبل لبنان وسهل البقاع إلى الفرنسيين.
بعد يومين توجّه دي بياباب إلى بعبدا حيث أعلن أن المتصرفية أصبحت كباقي المناطق خاضعة للحكم العسكري، وقد وُلّيَ عليها الكومندان بوشير.
على الرغم من تلك الإجراءات، ظلّت الأجواء مشحونة إذ تابع مؤيدو الوحدة السورية الدعاية للأمير الحجازي.
وقد وقع أول حادث مسلّح في 19 تشرين الثاني في بيروت بين الشرطة المحلية والقوات الفرنسية أسفر عن سقوط أربعة قتلى وستة عشر جريحًا.
وفي دمشق، كانت الحكومة في تصرفاتها اليومية تظهر الإزدراء لضباط الارتباط الفرنسيين.
أما البريطانيون فبدأوا يستعدّون لتعديل اتفاقية سايكس – بيكو بشكل يخدم مخططاتهم الجديدة.
بـ - صراع الكبار وانتظار الصغار، عشرة أشهر من المفاوضات والمماطلة: كانون الأول 1918 – تشرين الأول 1919.
قبل أن ينعقد مؤتمر الصلح، التقى لويد جورج في العاصمة البريطانية بزميليه كليمنصو وأورلندو.
كان الهم الأكبر لرئيس الوزراء الفرنسي تأمين الدعم البريطاني لبلاده ضد ألمانيا خلال مفاوضات السلام.
وقد انتهز لويد جورج الفرصة ليطلب من كليمنصو، فيلقاء جانبي، التخلّي للإنكليز عن الموصل وعن فلسطين.
قبل كليمنصو بذلك لأنه لم يكن باستطاعته، في تلك الظروف، الوقوف في وجه بريطانيا.
كانت هذه تحشد في نهاية الحرب، على مختلف جبهات الشرق الأوسط، ما لا يقل عن المليون جندي، وكانت تحظى بتأييد واسع في صفوف العرب وفي صفوف الصهاينة.
أما فرنسا، فوجودها العسكري الضعيف في المنطقة والدعاية التي وجّهتها ضدّها اجهزة الاستخبارات البريطانية وأخيرًا الموقف العدائي العلني الذي اتخذه منها الهاشميون كما اتّخذته الحركات القومية العربية والمنظمة الصهيونية جعلت مجال المناورة أمام حكومتها ضيقًا.
بينما كان مصير فلسطين يقرر في العاصمة البريطانية، وصل فيصل إلى فرنسا ليمثّل والده في مؤتمر الصلح.
قبل افتتاح المؤتمر، انتقل في كانون الأول 1918، برفقة لورانس، إلى لندن حيث اجتمع بالزعيم اليهودي وايزمن، وكان قد التقى به مرة أولى في حزيران في فلسطين.
ركّز فيصل في محادثاته مع وايزمن على "تبيان الخطر الذي تتعرّض له المصالح اليهودية والعربية من جرّاء السياسة الفرنسية" في الشرق الاوسط ثم وقّع معه اتفاقًا اعترف فيه بضرورة اتخاذ جميع الإجراءات لتنفيذ وعد بلفور ولتشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين.
في 29 كانون الأول 1918، أي قبل انعقاد مؤتمر الصلح بعشرين يومًا، رسم بيشونن وزير خارجية فرنسا، أمام مجلس النواب الخطوط الرئيسة للسياسة التي تنوي حكومته الدفاع عنها في الشرق الأوسط فقال:
"إننا في الإمبراطورية العثمانية حقوق واضحة سندافع عنها. لنا حقوق في سوريا ولبنان وفلسطين وكيليكيا. إنها مبنية على مستندات تاريخية وعلى اتفاقيات وعقود (...) إنها مبنية على أماني السكان وإرادتهم (...) سنثابر في الدفاع عنها. إننا نعتبر أن الاتفاقيات المعقودة بيننا وبين بريطانيا ما زالت تلزمنا كما تلزم أيضًا بريطانيا".
في مؤتمر الصلح دافع فيصل عن استقلال الشعوب العربية الآسيوية وعن سيادتها. وقد لعب الأمير الورقة الولسونية حتى النهاية.
وكان الدكتور هوارد بليس، رئيس الكلية الغنجيلية في بيروت، قد أقنع ولسون بضرورة إرسال لجنة استقصاء إلى الشرق.
لم يكن كليمنصو من مؤيدي هذه الفكرة لذا حاول أن يتفاهم مع فيصل ليقنعه بالعدول عنها وبالقبول بالوصاية الفرنسية، لكن المفاوضات بين الجانبين لم تسفر عن أية نتيجة لأن الأمير كان مقتنعًا بأنه في موقع قوة بفضل دعم الرئيس الاميركي له.
يضاف إلى ذلك أن الضابط لورانس الذي كان يرافقه في العاصمة الفرنسية كان يحثّه على مزيد من التصلّب.
عاد فيصل إلى سوريا ليُعدّ الأجواء لمجيء لجنة كينغ – كراين. وكان لموقفه الرافض في مفاوضات باريس ولإصرار ولسون على إرسال تلك اللجنة وللمنحى المعادي لفرنسا الذي اتخذته مشاورات هذه الأخيرة في سورية الداخلية أثر عميق في نفوس المسؤولين الفرنسيين، فأخذ بعضهم يتساءل إذا لم تكن مصلحة بلادهم تقضي بالتخلي عن لبنان لإرضاء السوريين وكسب صداقتهم.
في تقرير رُفع إلى وزير الخارجية بيشون في نيسان 1919 نقرأ ما يلي:
"إننا ننظر بحزن عميق إلى الانهيار السريع الذي أصاب كل الإنجازات الفرنسية في سورية...
"إن المسلمين في سورية يشكّلون اكثرية السكان وقد تزيد نسبتهم عن الثلثين. علينا أن نكثّف نشاطنا في أوساطهم لكسب مودتهم. أما المجموعات المسيحية، فهي من طبيعتها موالية لنا وهي تلتجئ تلقائيًا إلينا ولا يمكنها التخلّي عنا لأنها لا تشعر بالطمأنينة إلا من خلال وجودنا. إن لبنان سيموت إن نحن غادرنا المنطقة فمن الحماقة إذًا أن نعتبره نقطة ارتكاز لنا..."
إن هذا التوجّه الجديد في السياسة الفرنسية أثار قلقًا شديدًا عند اللبنانيين. يبدو أن خيار الاستقلال التام ازداد عدد مؤيديه خلال تلك الفترة بالذات.
في برقية إلى حكومته مؤرخة في 23 أيار 1919 يتهم جورج بيكو البطريرك الماروني ورئيس مجلس الإدارة بالترويج لهذا الخيار.
في هذه الأجواء أصدر المجلس المذكور، في 20 أيار، قراره رقم 561 الشهير وقد جاء في مادته الأولى:
"المناداة باستقلال لبنان السياسي والإداري بحدوده الجغرافية التاريخية واعتبار البلاد المغصوبة منه بلادًا لبنانية كما كانت قبل سلخها عنه".
وفي مادته الثالثة:
"إن الحكومة اللبنانية والحكومة الفرنساوية المساعدة تتفقان على تقرير العلائق الاقتصادية بين لبنان والحكومات المجاورة".
نذكّر هنا بان مجلس الإدارة كان قد ركّز في القرار رقم 80 الذي اتخذه في 9/12/1918 على الاستقلال الإداري فقط.
في 16 حزيران 1919 صدر عن مجلس الإدارة قرار جديد يقضي بإرسال وفد ثان إلى مؤتمر الصلح برئاسة البطريرك حويك.
إن المطالب الواردة في القرار 561 هي نفسها التي قدّمها المنادون بالاستقلال إلى لجنة كينغ – كراين في شهر تموز وهي نفسها التي قدّمها البطريرك الماروني مفصّلة إلى مؤتمر الصلح في الخامس والعشرين من تشرين الأول.
لم يكن باستطاعة الفرنسيين أن يمنعوا البطريرك عن المثول أمام مؤتمر الصلح ولا عن تقديم مذكرته. ولكنهم كانوا مستائين من إلحاحه على الاستقلال وقد وجّه كليمنصو إليه رسالة جاء فيها:
"إن رغبة اللبنانيين في المحافظة على حكومة ذاتية ونظام مستقل تتفق كل الاتفاق مع تقاليد فرنسا التحررية". أما مسألة الحدود، يتابع رئيس الوزراء الفرنسي، "فلا يمكن بتّها قبل أن يقر الانتداب على سوريا".
ولما عاد البطريرك إلى لبنان وأطلع مجلس الإدارة على نتائج اتصالاته في باريس ازداد قلق اللبنانيين من الموقف الفرنسي المتردد.
جـ - بريطانيا تتخلى عن فيصل وترمي به في أحضان الفرنسيين
في غضون ذلك، كان الخلاف بين لندن وباريس بشأن الشرق الأوسط قد بلغ ذروته وكان ممثلو فرنسا يرسلون إلى حكومتهم التقرير تلو الآخر متهمين أجهزة الاستخبارات البريطانية المنتشرة في مختلف المناطق السورية بتغذية الدعاية المعادية لبلادهم.
وكان الرأي العام الفرنسي شديد الاغتياظ من هذا الوضع.
ومنذ ربيع 1919 بدأت تظهر في الصحف مقالات تهدّد الحكومة إن هي تقاعست عن الدفاع عن حقوق فرنسا التاريخية في تلك المنطقة.
في 7 نيسان مثلاً كتبت جريدة لو طان Le Temps تقول:
"إذا ما اكتشفت الأمة يومًا انها قد أقصيت عن الشرق غدرًا، فستعرف كيف تحاسب الذين يتحمّلون مسؤولية ذلك. إنهم عهدوا بالحفاظ على أقدم إرث لنا في الخارج إلى أناس عاجزين".
لن تلبث تلك الحملة الصحافية أن ازدادت حدة وأخذت توجّه أسهمها علانية باتجاه بريطانيا متهمة إياها بانها طعنت حليفتها فرنسا في الظهر، وقد شارك فيها عدد من الشخصيات ذات الصفة الرسمية من بينها روبير دي كاي، مستشار وزارة الخارجية، وقد ورد في إحدى مقالاته العنيفة ما يلي:
"علينا ان نجهر بالحقيقة دون مراعاة أحد؛ وهذه الحقيقة تضطرنا إلى فضح العمل المنظّم الذي يقوم به عملاء السياسة البريطانية في الشرق ليمنعوا فرنسا من الحصول على الانتداب على سوريا".
ثم يؤكد الكاتب ان حكومة لندن تستعمل النظام الفيصلي كوسيلة لمقاتلة فرنسا وهي تمدّه بالمال مما يسمح له بالاستمرار، وإنها، بالإضافة إلى ذلك، تهيّج عواطف الجماهير الإسلامية، لا سيما الفئات الجاهلة منها، ضد الفرنسيين مؤكدة انهم حماة المسيحيين وأنهم سيسلّمون هؤلاء حكم البلاد.
يتابع دي كاي De Caix مقاله الطويل على نفس اللهجة ليخلص إلى القول إن المصيبة تكمن في استمرار الاحتلال العسكري البريطاني للمنطقة المخصصة لفرنسا في اتفاقية سايكس – بيكو.
شكّلت تلك الحملة الصحافية صدمة عنيفة للشعب الإنكليزي فأيقنت حكومة لندن أنّه أصبح من مصلحتها إيجاد حل سريع لخلافها مع فرنسا.
يضاف إلى ذلك أن بريطانيا كانت تواجه في تلك الحقبة صعوبات عديدة في الشرق الأوسط منها الثورة المصرية التي اضطرت اللنبي إلى نقل قسم من جيشه من سوريا إلى وادي النيل، ثم انتفاضة مصطفى كمال في آسيا الصغرى في وقت كان فيه الرأي العام البريطاني يطالب بتخفيض عدد المجندين وبالحد من الإنفاق.
إن هذه العوامل مجتمعة دفعت بالبريطانيين إلى الاقتراح على الفرنسيين سحب جيشهم من سوريا لتحل محلّه القوات الفرنسية في الساحل وفي كيليكيا والقوات العربية في المنطقة الداخلية. وقد وجّه لويد جورج في 13 أيلول مذكرة بهذا الخصوص إلى كليمنصو، فوافق عليها هذا الأخير.
فما كان من الحكومة الإنكليزية إلا أن استدعت فيصلاً إلى لندن وأطلعته على مضمون اتفاقها الجديد مع باريس.
ولما أبدى الامير استياءه وخيبة أمله ذكّره اللورد كورزن بان تعهدات حكومة جلالته للشريف حسين كانت محدودة ومرفقة بتحفظات.
في أثناء محادثات فيصل مع البريطانيين، وجّه كليمنصو، في العاشر من تشرين الأول، جوابًا رسميًا إلى الحكومة الإنكليزية بشأن اقتراحها سحب جيشها من سوريا، ثم أتبعه مذكرة عنيفة اللهجة طلب فيها من لندن وقف دعمها لفيصل وعدم التدخل في شؤون سوريا، لأن فرنسا لا تتدخل في شؤون العراق، وأصرّ أخيرًا على ان يتفاهم فيصل مباشرة مع الحكومة الفرنسية دون اللجوء إلى اية وساطة بريطانية.
لم يكن باستطاعة الإنكليز آنذاك فتح معركة جانبية مع الفرنسيين لا سيما وأن الأمير الهاشمي كان قد خسر الورقة الأساسية التي لعبها وهي الورقة الأميركية، إذ إن الرئيس ولسون كان قد أصيب بشلل في 2 تشرين الثاني ورفض مجلس الشيوخ التوقيع على معاهدات الصلح، وعادت أميركا إلى سياسة العزلة.
اما تقرير لجنة كينغ- كراين King-Crane فوضع في الأرشيف.
د – اتفاق فيصل – كليمنصو وانعكاساته
هكذا بدا فيصل يتيمًا، فدفع به الإنكليز إلى أحضان كليمنصو فانتقل إلى باريس حيث بدأ مفاوضات عسيرة مع ممثلي وزارة الخارجية.
حاول كليمنصو، بعد أن أصبح سيّد الموقف، أن يوفّق بين أماني اللبنانيين، أصدقاء فرنسا التاريخيين، وبين تطلعات الحركات القومية في سورية. ولكنه كان يرغب في تركيز نفوذ بلاده في الشرق على قاعدة شرعية، لذا كان يرى أن عقد اتفاق مع فيصل طبقًا للأصول هو ضرورة.
وكان رئيس الوزراء الفرنسي يدرك أن الأمير يواجه معارضة قوية داخل سوريا، لذا حاول أن يسهّل عليه المهمة، فطلب من المفوّض السامي الجديد، الجنرال غورو Gouraud، أن يؤجّل احتلال البقاع، شرط أن تُسحب القوات العربية من السهل وأن يُعهد بالإشراف على الأمن فيه إلى الجندرمة المحلية.
وعلى الرغم من إصرار غورو على ضرورة الاستيلاء على البقاع لتقوية مركز فرنسا في المنطقة ولفرض هيبتها على معارضيها، أمره كليمنصو بحزم بتجميد الوضع وبعدم القيام بأي تحرّك عسكري.
تم التوقيع على الاتفاق بين الفريقين في السادس من كانون الثاني 1920.
اهم ما جاء فيه:
- تعترف الحكومة الفرنسية باستقلال سورية.
- يقبل فيصل بالوصاية الفرنسية.
- يعترف الأمير باستقلال لبنان تحت الانتداب الفرنسي على ان يبت مؤتمر الصلح مسألة الحدود وفقًا لرغبات السكان ولمصالحهم.
- تعتبر العربية لغة رسمية، أما الفرنسية فتدرّس إلزامًا.
- دمشق هي عاصمة الدولة السورية. اما المندوب السامي فيستقر في حلب ليكون على مقربة من كيليكيا حيث ستتجمّع القوات الفرنسية.
في اليوم نفسه الذي وقّع فيه الاتفاق، وجّه فيليب برتلو Philippe Berthelot باسم وزارة الخارجية الفرنسية، رسالة إلى فيصل يدرج فيها إيضاحات إضافية حول بعض النقاط الواردة في النص لا سيما تلك المتعلقة بحدود لبنان التي سترسم وفقًا "لحقوق اللبنانيين التاريخية" ولمصالحهم الاقتصادية ولخيارهم الحر.
اما مدينة بيروت فيقترح برتلو إعطاءها كما الاسكندرونة إدارة بلدية مستقلة ويؤكد أخيرًا على ضرورة الاعتراف بالوضع المميز لدروز حوران وباستقلالهم الإداري ضمن الوحدة السورية.
ما إن صلت أخبار هذا الاتفاق إلى دمشق حتى ثارت ثائرة العناصر الوطنية وارتفعت أصوات عديدة تنادي بالجهاد، وتعددت الحوادث بين الفرنسيين والسوريين على حدود مناطق الاحتلال وقامت فئات تطالب بالتنسيق التام مع الثوار الكماليين في آسيا الصغرى بينما أخذ البعض يطالب جهرًا بالعودة إلى الحكم التركي.
رجع فيصل إلى دمشق وسط أجواء مشحونة، فاتهمه معارضوه بأنه باع البلاد إلى الفرنسيين، ونُظّمت تظاهرات نُدّد خلالها بحكمه وطولب باستقالته، ووقعت صدامات مع حرس الأمير سقط من جرّائها عدد من القتلى في شوارع المدينة.
ومنذ ذلك التاريخ لم يعد فيصل يسيطر على الوضع وكان أمامه خيارات ثلاثة: إما التخلّي عن الاعتدال، والانجراف وراء التيار الاستقلالي المتصلّب والقبول بفكرة الصدام المسلّح مع الفرنسيين، وإما تطبيق الاتفاق المعقود في باريس والتصدي بالقوة لمعارضيه وإما الاستقالة.
فاختار الحل الأول وبعد ذلك تسارعت الأحداث ودخلت المنطقة مرحلة سادها التوتر حاول خلالها كل من الأفرقاء تدعيم مواقعه.
هـ - أربعة أشهر من التحدّيات : آذار – حزيران 1920
في السادس من آذار 1920، اجتمع المؤتمر السوري في دمشق، وفي اليوم التالي صوّت بالإجماع على قرار يعلن استقلال البلاد وقد جاء فيه:
"وبصفتنا الممثلين للامة السورية في جميع انحاء القطر السوري تمثيلاً صحيحًا نتكلم بلسانها ونجهر بإرادتها، فقد أعلنّا بإجماع الرأي استقلال بلادنا السورية ومن ضمنها فلسطين بحدودها الطبيعية استقلالاً تامًا لا شائبة فيه (...) مع مراعاة جميع أماني اللبنانيين الوطنية المتعلقة بلبنان في حدوده الحاضرة بشرط أن يكون بمعزل عن كل نفوذ أجنبي، ورفض مزاعم الصهيونيين في جعل فلسطين وطنصا قوميًا لليهود أو محل هجارة لهم.
"وقد اخترنا سمو الأمير فيصل (...) ملكًا دستوريًا على سورية (...) واعلنّا انتهاء الحكومات الاحتلالية العسكرية الحاضرة في المناطق الثلاث (...) ونحن نطلب استقلال القطر العراقي استقلالاً تامًا، على أن يكون اتحاد سياسي اقتصادي بين القطرين الشقيقين..."
بإصراره على الوحدة بين فلسطين وسورية وبمطالبته باستقلال العراق أثار المؤتمر السوري حفيظة البريطانيين وحفيظة الحركات الصهيونية.
وبمحاولته فرض نفسه وصيًا على اللبنانيين وحصر تطلعاتهم في حدود المتصرفية الضيّقة دفع بهؤلاء إلى مضاعفة جهودهم من أجل توسيع رقعة البلاد والحصول على الاستقلال، وأخيرًا بإعلانه انتهاء الاحتلالات العسكرية في المناطق الثلاث جعل المؤتمر الحلفاء عامة يعتبرون أنه قد تجاوز الصلاحيات التي يمكن أن يعترف له بها.
أما فيصل فأصبح موقفه حرجًا ولم يكن راضيًا عن القرارات المتخذة ولكن المبادرة كانت قد أفلتت من يده، وقد اصطدم مرارًا بأعضاء المؤتمر السوري لا سيما برئيسه رشيد رضا وكذلك باللجنة الوطنية العليا وبرئيسها الشيخ كامل القصّاب، وكان هؤلاء جميعًا يعتبرون أنهم الممثلون الحقيقيون للأمة وأن سلطتهم هي فوق سلطة الملك والحكومة.
في لبنان كان دعاة الاستقلال قد أرسلوا في مطلع شباط 1920 الوفد الثالث إلى مؤتمر الصلح برئاسة المطران عبد الله الخوري.
وبعدها طيّروا برقيات الاحتجاج على قرار المؤتمر السوري إلى العواصم الأوروبية وإلى المفوضية الفرنسية في بيروت وإلى الصرح البطريركي في بكركي.
وفي 22 آذار عقد اجتماع في بعبدا ضمّ، إلى جانب أعضاء مجلس الإدارة، رؤساء البلديات والمخاتير وشخصيات مختلفة اختير خلاله العلم اللبناني ثم صوّت المجتمعون على عدد من الاقتراحات تؤكّد على الاستقلال وعلى ضرورة توسيع الحدود.
على الصعيد الإقليمي، كان الحلفاء في مطلع 1920 يواجهون مقاومة عنيفة لمخططاتهم قي آسيا الصغرى، فأراد الإنكليز في شهر آذار أن يوجهوا ضربة قاسية إلى المعارضة، فقاموا باعتقال عدد من زعمائها، فما كان من الباقين إلا أن التقوا حول مصطفى كمال في انقرة وأعلنوا الثورة، ثم حاولوا التفاهم مع الفرنسيين.
رد الحلفاء على المؤتمر السوري بدعوة مجلسهم الأعلى إلى الاجتماع في سان ريمو في إيطاليا، حيث أُقرّ في 25 نيسان 1920، الانتداب الفرنسي على لبنان وسورية والانتداب البريطاني على فلسطين والعراق.
وفي المناسبة نفسها وقّع ممثلو الدولتين على اتفاق عام بشأن البترول تعهّدت فيه بريطانيا بإعطاء فرنسا 25% من نفط العراق مقابل تخلّي باريس عن منطقة الموصل.
أثارت مقررات سان ريمو استياءً شديدًا في أوساط الحركات القومية السورية، وقد احتجّ عليها رسميًا وفد الحجاز إلى مؤتمر الصلح لافتًا النظر إلى أن رأي السكان لم يؤخذ بعين الاعتبار لا في اختيار الدولة المنتدبة ولا في سلخ فلسطين عن سوريا، وذلك خلافًا لما نصّت عليه الفقرة الرابعة من المادة الثانية والعشرين من ميثاق عصبة الأمم.
في 27 نيسان أبرق اللنبي Allenby إلى فيصل يطلعه على ما اتفق عليه في سان ريمون ويدعوه، باسم الحكومة البريطانية، إلى السفر إلى باريس لكي يعترف مؤتمر الصلح بشرعية ملكه على سوريا.
أجاب فيصل مبديًا تحفظاته ومعلنًا أن السوريين يرفضون الانتداب لأنه يشكّل خطرًا على سيادتهم وعلى استقلالهم ويرفضون كذلك فصل فلسطين عن سوريا.
ويضيف أنه مستعد للسفر إلى أوروبا شرط أن يصدر قبل ذلك عن الحلفاء تصريح يطمئن الشعب بشأن هذين الموضوعين.
وقد نقل غورو، باسم الحكومة الفرنسية، إلى فيصل تصريحًا بهذا المعنى ولكن هذا الأخير اعتبره غير كاف وكرر رفضه السفر إلى أوروبا قبل أن يحصل على جواب مرض.
في تلك الأثناء تشنّجت المواقف في سورية واتهمت العناصر المعتدلة في الحكومة بالخيانة وهيّج المتطرفون الشارع مما اضطر الركابي إلى تقديم استقالته، فخلفه الأتاسي الذي ألف في 3 أيار حكومة دخلتها العناصر الاكثر كراهية للفرنسيين أمثال العظمة وشهبندر، فأعلنت الحكومة الجديدة خدمة العلم وأخذت تشجّع اعتداءات العصابات على المنطقة الساحليّة.
و – ميسلون، لبنان الكبير والدويلات السورية
إن المماطلة في اتخاذ قرار بشأن حدود لبنان واستقلاله والهيمنة الفرنسية شبه الكاملة على المؤسسات الرسمية في المتصرفية وتّرت العلاقات بين اعضاء مجلس الإدارة والسلطات الفرنسية.
يضاف إلى ذلك أن خلافًا حادًا وقع بين قائد الجند اللبناني، سعيد البستاني، والمستشارين العسكريين الفرنسيين، فاستقال البستاني من وظيفته وتقرّب من السوريين وأخذ يعمل على إيجاد صيغة تفاهم بين فيصل واللبنانيين.
وأسفرت المساعي عن اتفاق عقد بين عدد من اعضاء مجلس الإدارة وضابط الارتباط السوري في بيروت، جميل الألشي، يقضي بوضع مضبطة تطالب باستقلال لبنان التام، بالتنسيق مع الحكومة الفيصلية، وبتأليف وفد يلاحق القضية في أوروبا وأميركا، وقد تعهدت دمشق بتأمين نفقات السفر إلى أعضاء الوفد.
في العاشر من تموز وُضعت المضبطة المذكورة ووقّعها سبعة من أعضاء مجلس الإدارة.
إنها تتلخّص بالمطالبة باستقلال لبنان المطلق وبحياده السياسي وبإعادة "المسلوخ منه سابقًا بموجب اتفاق يتم بينه وبين حكومة سورية" وبالتعاون بين الحكومتين في المجال الاقتصادي وعلى الصعيد الدولي.
حاول الموقعون السبعة السفر إلى دمشق ولكن السلطات الفرنسية كانت على علم بمسعاهم فاعتقلتهم وهم في الطريق ثم اتهمتهم بالخيانة العظمى مدّعية أنهم باعوا وطنهم مقابل مبلغ من المال، وبعد ذلك جرّدتهم من حقوقهم السياسية ونفتهم إلى جزيرة كورسيكا.
وقد أبرق غورو إلى حكومته يقول إن فيصلاً كان على استعداد للاعتراف "بلبنان الكبير" شرط أن يرفض اللبنانيون الانتداب الفرنسي.
لذا خشيت حكومة باريس أن يتخلى سكان الجبل عن تعلّقهم بفرنسا فقررت الإسراع في إيجاد حل جذري لخلافها مع السوريين.
في تلك الأثناء، كانت الصعوبات التي يواجهها الحلفاء في الشرق الأوسط تزداد حدّة.
فبالإضافة إلى ثورتي مصر والعراق واضطرابات القدس، كان الوضع في آسيا الصغرى ينذر بالخطر.
وقد اضطر الإنكليز إلى الانسحاب من منطقة القفقاص بسبب الضغط المشترك الذي مارسه عليهم الاتراك البولشفيك.
وفي شبه الجزيرة العربية كان الخلاف على أشدّه بين الشريف حسين وابن سعود وكلاهما حليف لبريطانيا.
أخذ الفرنسيون يستعدّون، بموافقة بريطانيا، لحسم الوضع في سوريا بالوسائل العسكرية.
ولكنه كان يصعب عليهم القتال على جبهتين، الجبهة السورية والجبهة التركية، لذا وقّعوا، في 28 أيار، هدنة مؤقتة مع مصطفى كمال تخلّوا بموجبها عن بعض مواقعهم في كيليكيا.
ثم دخلوا في مفاوضات مع الاتراك للانسحاب كليًا من تلك المنطقة.
كان السوريون آنذاك يمنعون الفرنسيين عن استعمال الخط الحديدي ريّاق – حلب لإيصال الإمدادات إلى قواتهم في تركيا.
ولما علموا بأن هؤلاء اتفقوا مع الكماليين على وقف إطلاق النار، أدركوا أن المجابهة العسكرية معهم أصبحت وشيكة.
حاول فيصل آنذاك أن يستدرك الامر، فأبرق إلى غورو مبديًا خشيته من ان يتحوّل تراجع الفرنسيين في كيليكيا إلى حافز يشجّع الأتراك على التوغّل داخل الأراضي السورية ومقترحًا عليه التعاون معه ووضع القوات العربية في تصرّفه للدفاع عن حدود سورية كما رسمها مؤتمر سان ريمو San Remo.
انهى فيصل برقيته معلنًا أنّه متأكد من أن الحكومة الفرنسية التي يثق بها ستبرّ بتعهداتها تجاهه وتجاه السوريين.
اجاب غورو سلبًا على مبادرة فيصل ووجّه إليه اللوم لأنه لم يضع خط ريّاق – حلب في تصرّف الجيش الفرنسي في الوقت المناسب.
ثم أبرق المفوّض السامي إلى حكومته يقول إن فيصلاً يحاول أن ينصب له فخًا وأن هدف هذا الأخير ما زال إخراج الفرنسيين من سوريا ولبنان.
تابع غورو بعد ذلك استعداداته العسكرية واستمر التوتر بين المنطقتين الساحلية والداخلية إلى أن وقعت معركة ميسلون، في 24 تموز، فدخل الجيش الفرنسي دمشق وطُلب من فيصل مغادرة البلاد.
بقي على الحلفاء أن يستعجلوا توقيع معاهدة الصلح مع تركيا، فتم ذلك في سيفر Sèvres في العاشر من آب 1920 وقد اعترف السلطان في مادتها الرابعة والتسعين باستقلال الولايات العربية المسلوخة عن امبراطوريته شرط أن تخضع لنظام الانتداب الدولي.
استنادًا إلى ما ورد في معاهدة Sèvres وإلى ما اتفق عليه في سان ريمو، نظّم غورو إدارة المناطق التي وضعت تحت الانتداب الفرنسي، فاتخذ قرارًا في 3 آب يقضي بضم الأقضية البقاعية الأربعة إلى لبنان، ثم انشأ في 18 آب، بموجب قرار آخر، دولة دمشق، وفي 31 منه انشأ دولة العلويين، وفي اليوم نفسه أصدر ثلاثة قرارات جديدة، حل بموجب الأول، ولاية بيروت العثمانية وأجهزتها، وأنشأ بموجب الثالث، لبنان الكبير ورَسَم حدوده. وفي اليوم التالي، أي في الأول من أيلول، انشأ غورو دولة حلب.
اما دولة الدروز فلم تر النور إلا في الرابع من آذار 1921.
خاتمة
نستطيع ان نقول، في ختام هذه الدراسة، إن فيصلاً والسوريين لعبوا ورقتين خاسرتين:
الأولى هي ورقة ولسون، ولكن هذا الأخير انسحب من مؤتمر الصلح وسقطت معه آمالهم،
الثانية هي الورقة البريطانية، ولكن حكومة لندن كانت تعمل لتأمين مصالحها ولم تتردد في التخلّي عن حلفائها بعد أن نالت منهم مأربها.
أما فرنسا، فقد رأت في هذه الحركات الوطنية السورية خطرًا على كيان الأمة، لذا ناصبتها العداوة بلا هوادة، فدفع هذا بالدولة المنتدبة إلى التقرّب من الكماليين وإلى تقديم التنازلات لهم.
هكذا أُدخلت تعديلات، في أكثر من مرة، على خارطة الحدود بين تركيا وسوريا.
وكانت هذه التعديلات تصبّ دائمًا في مصلحة الأتراك.
إن التصلّب في مواقف الفئات المتطرّفة أسقط اتفاق 6 كانون الثاني 1920 بين فيصل وكليمنصو ودفع بالبلاد إلى صدام عسكري مع الفرنسيين لم تكن فيه القوى متكافئة.
إن هزيمة ميسلون أنهت الحكم الفيصلي المعتدل وقضت على الاستقلال التام الذي كان يسعى له السوريون.
لم تع تلك الفئات اهمية التحوّلات التي طرأت على الوضع الدولي بين تشرين الأول 1918 وحزيران 1920 ولم تقوّم بموضوعية وبُعد نظر انعكاسات تلك التحولات على مصير الشرق الأوسط، كما أنها لم تدرك الخطورة القصوى التي كانت تشكّلها السياسة البريطانية على مستقبل المنطقة.
أما التيار الاستقلالي اللبناني، فقد أفاد بلا شك من الخلافات الدولية والإقليمية لفرض خياراته، وقد نجح في ذلك بفضل الجهود الجبارة التي بذلها مناصروه من اللبنانيين المقيمين والمغتربين، وأيضًا بفضل تعاطف بعض القيادات الفرنسية مع تطلعاته.
ولكن قسمًا من سكان المناطق التي ضُمّت إلى المتصرفية اعتبر نفسه مظلومًا لأن آماله الوحدوية قد خُيّبت، لذا رفض الكيان الجديد وعمل على تقويضه، وقد استمرّ في موقفه الرافض هذا حتى ميثاق 1943.
ملاحظة: يمكن قراءة هذه الدراسة مع الهوامش الملحقة بها في مصدرها الأساسي:
اليوبيل الذهبي لاستقلال لبنان، إعداد مجموعة باحثين، صادر عن الجامعة اللبنانية – قسم الدراسات التاريخية، بيروت 1996
عنوان الدراسة: الإطار الدولي لولادة لبنان الكبير. المؤلّف: البروفسور انطوان الحكيّم – ص: 127 – 166.
بيانات اختيار الجنسية: نهاية نصف سعيدة
معاهدة لوزان والجنسية اللبنانية
في 24 تموز 1923، تم توقيع معاهدة لوزان بين لبنان وفرنسا وتركيا، أُتيح بموجبها أن يصبح لبنانيًا، لكل من كان من أصل لبناني ومن رعايا الدولة العثمانية ومقيمًا بتاريخ 30 آب 1924 على الأراضي اللبنانية، تاريخ بدء العمل بهذه المعاهدة التي كرّست رسميًا وضع لبنان تحت انتداب فرنسا.
في هذا التاريخ المحدد لبدء تنفيذ معاهدة لوزان، أصدر المفوض السامي الفرنسي في لبنان قرارًا تشريعيًا حمل الرقم 2825 أعلن بموجبه تطبيق أحكام معاهدة لوزان المتعلقة بالجنسية اللبنانية، وعدّد شروط فقدان التابعية العثمانية.
استنادًا إلى أحكام المادة الخامسة من القرار 2825 إن رعايا الدولة العثمانية الذين هم من أصل لبناني وكانوا بتاريخ 30 آب سنة 1924 خارج الأراضي المنسلخة عن الإمبراطورية العثمانية أو خارج أراضي تركيا – وهم المغتربون اللبنانيون – يكتسبون الجنسية اللبنانية بشرط اختيار الجنسية اللبنانية بخلال سنتين ابتداءً من 30 آب سنة 1924.
ونظرًا لضيق الوقت، تم لاحقًا تمديد مهلة الاختيار الممنوحة للمغتربين من اجل اكتسابهم الجنسية اللبنانية.
أما الاختيار فيجوز أن يكون إما صريحًا وإما ضمنيًا. وحق اختيار الجنسية اللبنانية أعطي للمغتربين دون شرط نقل مسكنهم إلى الأراضي اللبنانية.
في حال توفر الشروط القانونية التي وضعتها الدولة لمنح احد الأفراد جنسيتها، هي ملزمة بالتقيد بهذه الشروط. وفي حال رفضت إعطاء الجنسية إلى من تتوفر فيه الشروط التي تؤهله لاكتسابها، نكون عندها أمام تجاوز حد السلطان، يحق لمن اختار الجنسية اللبنانية وهو خارج الأراضي العثمانية بتاريخ 30 آب سنة 1924، مقاضاة الدولة.
تمديد مهلة الاختيار
بعد إحصاء سنة 1932، مددت مهلة الاختيار مرة أولى، بموجب الاتفاق المعقود بين تركيا وسلطة الانتداب الفرنسي، سنة جديدة بدأت في 29 آيار 1937، حسب البند الثاني من الكتابين المتبادلين بين سفير فرنسا في تركيا ووزير خارجية تركيا. وهذا نصه:
"إن الأشخاص الذين أصلهم من سوريا أو لبنان وكانوا مقيمين في البلاد الأجنبية بتاريخ 30 آب سنة 1924 فأهملوا في المهلة المعينة في المادة 34 من معاهدة لوزان اختيار الجنسية المقررة لبلادهم الأصلية يمكنهم ممارسة حق الاختيار في مهلة سنة واحدة اعتبارًا من يوم تقرير هذه الأحكام".
التمديد الثاني لمهلة الاختيار للمغتربين جاء في 7 كانون الأول سنة 1946، بموجب كتابين تبادلهما سفير تركيا في لبنان ووزير الخارجية اللبنانية بالوكالة. مدة التمديد سنتان تبدأ من تاريخ العمل بهذا الاتفاق في 29 أيلول سنة 1952. وقد نص البند الأول من الاتفاق المكرّس بالكتابين المشار إليهما على ما يلي:
"إن الأشخاص الذين هم من أصل لبناني، الذين كانوا مقيمين في الخارج بتاريخ 30 آب سنة 1924، وأغفلوا خلال المهل المحددة بالمادة 34 من معاهدة لوزان أو الفقرة 2 من الكتابين المتبادلين بتاريخ 29 آيار سنة 1937، بين السيد نعمان منجمي اوغلو وسعادة السيد هنري بونسو، اختيار الجنسية الراهنة في بلدهم الأصلي، يستطيعون أن يمارسوا حق الاختيار هذا خلال مهلة سنتين تبدأ من تاريخ إنفاذ أحكام هذا الكتاب".
وكان قد صدر قانون في 31 كانون الثاني 1946 أجاز بمادته الثانية للبناني الأصل استعادة جنسيته، ثم أعقب هذا القانون مرسوم يبيّن الطرق الواجب اعتمادها في استعادة الجنسية اللبنانية.
لاحقًا مددت المهلة سنتين جديدتين بصورة آلية بموجب كتابين متبادلين بين الحكومة اللبنانية والحكومة التركية كما حصل في الاتفاق السابق.
ومددت المهلة مرة أخيرة بتاريخ 8 كانون الثاني سنة 1956، حيث جرى تبادل كتابين بالمعنى عينه بين رئيس وزراء لبنان وسفير تركيا في لبنان، على أن تبدأ المهلة الجديدة في التاسع والعشرين من شهر أيلول سنة 1956.
بعد هذا التاريخ الأخير لم يحدث أي تمديد لمهلة الاختيار. مع العلم أن قسمًا من معاملات اختيار الجنسية تمّ تنفيذها في عهد الرئيس كميل شمعون، ولم يتم استكمال الطلبات الباقية بسبب تردي الوضع الأمني في البلاد. فجمّدت القضية حتى سنة 1968 تاريخ صدور القانون رقم 68/67
القانون رقم 68/67
في 4/12/1967، صدر عن مجلس النواب اللبناني القانون رقم 68/67.
بموجب نص الفقرة 2 من المادة الثالثة من هذا القانون تعتبر نافذة ونهائية منذ تاريخ 4/12/1967، و"دون أية معاملة أخرى"، قرارات "المعتمدين الديبلوماسيين والقنصليين وبيانات اختيار" الجنسية المقدمة قبل 29/9/1958 الوارد إلى "وزارة الخارجية والمغتربين والمودعة المديرية العامة "للأحوال الشخصية حتى تاريخه".
إلا أن آلافًا منها تكدست لدى المديرية العامة للأحوال الشخصية، ولم تنفذ وفق الأصول.
فتعالت أصوات المغتربين احتجاجًا على عدم إعطاء هذه المعاملات مجراها التنفيذي من منطلق أن قيدهم حق حتمي وليس استنسابيًا مما دفع العديد من المرجعيات السياسية إلى تسليط الضوء على الموضوع ومنها الرابطة المارونية التي وجّهت في 20/6/1996 كتابًا إلى وزير الداخلية ميشال المر تطالبه بـ:"الإيعاز إلى المديرية العامة للأحوال الشخصية وخاصة دائرة المغتربين للكشف على هذه المعاملات وإعطائها المنحى القانوني"، وآخر إلى وزير الخارجية فارس بويز بالمعنى نفسه.
في 3/3/1997، وجهت وزارة الخارجية، كتابًا إلى مدير عام الأحوال الشخصية، موقّعا من أمين عام الوزارة ظافر الحسن تلفت نظره إلى حتمية وسرعة إنجاز هذه المعاملات وإفادة وزارة الخارجية بالسرعة المطلوبة لتتمكن الوزارة من إفادة أصحاب العلاقة عن مصير معاملاتهم.
وفي 3/3/1997، تلقى وزير الداخلية ميشال المر من وزارة الخارجية كتابًا تأكيديًا حول مصير هذه المعاملات.
في مجلس النواب
كل هذه الخطوات لم تسهم في تقدّم الملف خطوة واحدة، بل استمر الجمود والإهمال يحكمانه.
ففي 18/6/2003، وجّه النائب نعمة الله أبي نصر سؤالاً إلى الحكومة، حول الموضوع، حوّله في 30/9/2003 إلى استجواب. لكنّ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وتعليق اجتماعات مجلس النواب حالا دون انعقاد جلسة المساءلة، فبقي الموضوع معلّقًا، إلى أن وجّه النائب أبي نصر كتابًا في 11/3/2008، إلى هيئة التفتيش المركزي القاضي جورج عواد يطالب فيه بالتحقيق وتحديد المسؤولية.
الوضع الحالي
في 2 أيلول 2008، وجّه وزير الداخلية زياد بارود إلى رئيس هيئة التفتيش المركزي كتابًا يعلن فيه: "المباشرة في درس هذه المعاملات، للتأكد من صحة المستندات المرفقة بها".
كذلك أعطى الوزير بارود التعليمات لتحريك الملف من جديد لدى مديرية الأحوال الشخصية التي عكفت على مراجعة الطلبات والمعاملات والتدقيق بها ودراسة محتوياتها وإعطاء الرأي النهائي فيها، وكلّها واردة من البعثات القنصلية اللبنانية والمحفوظة منذ عشرات السنين لدى دائرة المغتربين في هذه الإدارة، فإذا بعددها يناهز السبعة آلاف ومعظمها لا يزال مربوطًا بمستنداته وفقًا للحالة التي كانت عليها حين ورودها. في حين أنّ قلة منها مبعثرة.
لم تقف العملية عند هذه الحدود بل أصر الوزير بارود على متابعتها حتى النهاية، ووضع الملفات المكتملة التكوين في طريق التنفيذ.
وهكذا وصلت بيانات اختيار الجنسية إلى نهاية نصف سعيدة، عندما بادر الوزير بارود إلى إنجاز حوالي 4241 ملف في مسألة استعادة الجنسية وصدر عن وزارة الداخلية في 11/2/2009 تصريح بهذا الشأن.
قلنا نهاية "نصف سعيدة" لأن أصحاب الحقوق التي نُفّذت أخيرًا طلبات اختيارهم الجنسية اللبنانية، من المؤكّد انهم باتوا اليوم في دنيا الحق. مما يعني:
1 – على وزارة الداخلية إبلاغ وزارة الخارجية بإنجاز هذه المعاملات المرفقة بإخراجات قيد أصحابها.
2 – على وزارة الخارجية إبلاغ بعثاتها الدبلوماسية والقنصلية هذه النتيجة.
3 – على هذه البعثات إبلاغ أصحاب العلاقة بأنهم أصبحوا حاملين للجنسية اللبنانية وبحق أولادهم الحتمي بتسجيلهم في القيود اللبنانية.
القانون رقم 68/67.
نص القانون على المواد التالية:
المادة الأولى: تختص المحاكم البدائية دون سواها بالنظر في دعاوى قيد المكتومين المسندة إلى أحكام معاهدة لوزان والقرار رقم 2825 الصادر في 30 آب 1924.
تحال إداريًا الدعاوى العالقة بهذا الشأن أمام الحكام المنفردين إلى المحاكم البدائية.
المادة الثانية: لا تسمع الدعاوى المنصوص عليها في المادة السابقة إلا بوجه الدولة اللبنانية كفريق أصلي في الدعوى وتعتبر النيابة العامة فريق فريقًا منضمًا.
المادة الثالثة: تعتبر نافذة ونهائية ودون أية معاملة أخرى القرارات الصادرة قبل وضع هذا القانون موضع التنفيذ عن المحاكم ولو كانت موضوع طعن.
وتعتبر نافذة ونهائية أيضًا ودون أية معاملة أخرى قرارات المعتمدين الديبلوماسيين والقنصليين وبيانات اختيار الجنسية المقدمة قبل 29 أيلول سنة 1958 المودعة جميعها وزارة الخارجية والمغتربين والمديرية العامة للأحوال الشخصية حتى تاريخه.
المادة الرابعة: تنظر المحاكم العدلية في المنازعات الطارئة المتعلقة بالجنسية ولا تأثير للأحكام الصادرة عن هذه المحاكم في اكتساب الجنسية اللبنانية.
المادة الخامسة: يعمل بهذا القانون فور نشره في الجريدة الرسمية.
البيئة في لبنان والعالم العربي: مشاكل وحلول
علاقة الإنسان بالطبيعة وعناصرها ضاربة في التاريخ والجغرافيا. فمنذ وجوده على سطح الكرة الأرضية اهتمّ الإنسان بمحيطه، أي البيئة التي يعيش فيها والتي تتكون من تربة ومياه وهواء. والنبات والحيوان. وكان عليه مواجهة هذه العناصر وفهمها للتعايش معها بتناغم، ومراعاتها والاهتمام بها والمحافظة عليها حفاظًا على مأواه وغذائه واستمرارية حياته...
لكن للأسف، وبسبب الانفجار السكاني، الذي حدث في مطلع القرن الماضي، واستغلال الموارد الطبيعية بشكل عشوائي، وعدم مراعاة التوازن في العلاقات بين الإنسان ومحيطه، ألحقت أضرار فادحة بالبيئة، وأدت إلى تدهور شامل وخطير في عالمنا الطبيعي، يهدد مستقبل الأرض والأجيال القادمة.
وقد جاء تنامي الوعي البيئي في العالم، بوجوب العمل من أجل سلامة الأرض والبيئة والمحيطات والمياه والمحافظة عليها متأخرًا جدًا، حيث تداعى المسؤولون في منظمة الأمم المتحدة لمعالجة هذه الكارثة التي تهدد الطبيعة والإنسان والحيوان بالزوال.
فعقد أول مؤتمر دولي برعاية الأمم المتحدة في السنة 1972 في مدينة "استوكهولم" تحت شعار إطلاق "برنامج الأمم المتحدة للبيئة"، أول هيئة عالمية تهتم بشؤون البيئة وشجونها من خلال تنشيط الوعي البيئي في العالم من خلال إعادة تفاعل الإنسان مع الطبيعة ومحيطه.
لكن المؤسف أن الخطوات العملية لإنقاذ العالم والبيئة وإعادة التوازن بقيت في معظمها حبرًا على ورق، كون كل الدول الكبرى تريد اولاً المحافظة على مصالحها وصناعاتها، أما الحفاظ على البيئة فيأتي في أدنى درجات سلم أولوياتها.
فمن مؤتمر استوكهولم، مرورًا بمؤتمر مونتريال في كندا السنة 1987، الذي عقدته الدول الكبرى للتصدي لأخطار غازات C.F.C – Cloro – Fluoro – Carbone ومن مشتقاتها الأساسية Freon والكلور ومشتقاته، والتي لها آثار مدمرة على طبقة الأوزون وإقرار منع استعمالها بحلول العام 2000. ومؤتمر لندن الذي عقد السنة 1990 للغاية نفسها، ومؤتمر الأمم المتحدة "للبيئة والتنمية" المعروف "بقمة الأرض" الذي انعقد في ريو دي جانيرو السنة 1992، إلى مؤتمر كيوتو السنة 1997 وبرتوكولها الذي تعهدت بموجبه الدول الصناعية على تخفيض نسبة 50% من انبعاث الغازات الملوثة والضارة.
ويعاني معظم سكان العالم العربي من الفقر والبطالة والأمية، ونزوح اليد العاملة إلى الداخل، وهجرة اليد العاملة المتخصصة الماهرة، والأدمغة الشابة إلى الخارج، وعدم المساواة بين الرجل والمرأة، إضافة إلى انعدام الخدمات الطبية وانتشار الأمراض الفتاكة، وغياب التخطيط السليم، والتنظيم المدني الصحيح، والتوعية.
وقد توج هذا التدهور الخطير باندلاع الحروب والنزاعات المسلحة في العالم العربي، مما ينعكس سلبًا على مجمل الأوضاع البيئية والإنسانية والاجتماعية والتعليمية والاخلاقية والطبية والصحية.
كما تعاني البلاد العربية من مشكلة التصحّر، حيث لا تتجاوز نسبة الأراضي الزراعية حاليًا الأربعة بالمئة من مساحتها الإجمالية، والتوسع العمراني مستمر في قضم الأراضي الزراعية المتبقية.
أما اعتماد الزراعات الحديثة المكلفة فقد ادت إلى آثار سلبية على الأراضي الزراعية، أهمها تملح الأرض، وزيادة تلويثها، وتشبعها بالماء وتلوثها بالكيماويات والأدوية الزراعية. كما أدى سوء التخطيط وإقامة الكسارات والمقالع والمرامل العشوائية والرعي المفرط، إلى تراجع فادح في إنتاج المراعي، وتدهور خطير في تربية المواشي.
أما مشكلة المياه، فهي محورية، كون البلاد العربية بمجملها تفتقر للمياه، إضافة لتعرض الأنهار والمسطحات المائية والينابيع والمياه الجوفية والبحار والشواطئ في معظمها للتولث، من مصادر مختلفة اهمها الصرف الصناعي والصحي والكيميائي، والمخلفات الطبية والمنزلية الصلبة والملوثات الزراعية والبتروكيماوية وملوثات السفن النفطية، وعمليات الحفر والردم العشوائية المتزايدة على الشواطئ وشفط الرمول وبناء المنتجعات البحرية السياحية...
أما في لبنان فقد التهم التوسع العمراني والمقالع والكسارات والمرامل العشواية والحرائق الجزء الأكبر من الأحراج والغابات حيث فقد بين 1972 و1974 ما يزيد عن ستين بالمئة من غاباته ولم يتبق من الغطاء الأخضر اليوم سوى 5% من مجموع أراضيه وهو بالتالي يهرول على طريق التصحر.
أما المشاريع السياحية البحرية العشوائية ففقدت على الشاطئ اللبناني واغتصبت كامل الأملاك البحرية العامة دون حسيب أو رقيب وأضحى البحر الذي كان مفتاح لبنان للاختلاط والاحتكاك بالحضارات وباب الثورة والخير والتجارة ومتنفس الشعب بمجمله أملاكًا خاصة وما تبقى منه يستعمل مستوعبًا للنفايات ومصبًا للمجارير ومستنقعًا للملوثات الصناعية والكيماوية والنفطية. فمنعت المشاريع السياحية الخاصة الشعب من ولوج الشواطئ. ومنعهم التلوث من التمتع بمياه بحرهم "ألأسود".
أما التلوث الصناعي فحدث ولا حرج علمًا أن الملوثات التي تصدر عن الصناعة تختلف بحسب نوعها وحجم المصنع وعمره والمواد الخام والطاقة المستعملة والتكنولوجيات المستخدمة في العمليات الإنتاجية وعدم توفر وسائل الحد من التلوث كالمصافي وكفاءة تشغيلها. وتشكل المناطق الصناعية بطبيعة الحال بؤرًا للتلوث الشديد سواء من الانبعاثات الملوثة للهواء أم المخلفات السائلة أو الصلبة التي يتم التخلص منها دون معالجتها. فمصانع الإسمنت وحدها في لبنان مسؤولة عن 70% من التلوث الصناعي.
وتتفاقم المشكلة بسبب تصريف مئات آلاف الأمتار المكعبة يوميًا من المخلفات الصناعية السائلة في الأنهار والسواقي دون معالجة مما أدى إلى إلحاق الأضرار الفادحة في البحيرات والأنهار وضفافها والمناطق الساحلية والبحر والشواطئ. إضافة إلى تلويثها الآبار الارتوازية وخزانات المياه الجوفية والينابيع.
ويضاف إلى مشكلة التلوث الصناعي مشكلة التلوث بالنفايات الطبية الخطرة جدًا والتي ترميها المستشفيات والمستوصفات الطبية بطريقة عشوائية غير سليمة مما يشكل خطرًا محدقًا بالحياة العامة.
فإلى متى نستمر في استباحة الموارد الطبيعية ونحر البيئة دون رادع أو وازع لتلبية حاجات آنية والهروب إلى الامام عوضًا عن المعالجة الجذرية لمشاكل التلوث؟ متناسين أن استمرارية الحياة تتطلب تأمين بيئة سليمة متناسقة ومتناغمة مع الإنسان.
فما احوجنا اليوم باستراتيجية بيئية يصبح من خلالها العمل البيئي هاجسًا أساسيًا وعملاً يوميًا من صلب حياتنا الطبيعية ونهجًا لعاداتنا وتصرفاتنا الاجتماعية في مختلف الحقول والمجالات.
فالتلوث يتعاظم يوميًا ويطال الهواء والماء والأرض فتندثر التربية وتتلاشى الشواطئ ويردم البحر وتشفط الرمول وتدمر الحياة البرية والبحرية وتضمحل وتختفي المساحات الخضراء وتحل محلها غابات الإسمنت الأسود.
وهنا لا بد قبل البدء بمعالجة مشاكل البيئة من تحديد تعريف علم البيئة: إنه درس تنظيم العلاقات بين الكائنات الحية ومنها الإنسان من جهة والمحيط الذي يعيش فيه من جهة أخرى وهو أيضًا درس العلاقات القائمة بين الكائنات الحية من جهة وبينها وبين الإنسان من جهة ثانية والمبنية على توازن دقيق لا يجوز المس به.
وهذا التعريف يحملنا إلى دق ناقوس الخطر والعمل بالتالي وبأقصى سرعة لخلق المواطن البيئي ليكون الداعم الأول لمشاريع المحافظة على البيئة إنقاذها.
فبالاتحاد قوة وبمساهمة بسيطة لكن دائمة ومستمرة من كل فرد في المجتمع نتوصل حتمًا إلى معالجات سريعة ونتائج بيئية مذهلة فلنجند انفسنا لصون الطبيعة وحماية البيئة وإنقاذها.
فإذا قام كل فرد منّا مثلاً بالاعتناء بشجرة واحدة في حيه أو شارعه أو منطفته والمحافظة عليها وغرس إلى جانبها شجرة مثمرة أو حرجية معمرة جديدة واحدة كل سنة فهذا يعني ما يزيد عن خمسة ملايين شجرة مثمرة أو حرجية سنويًا.
وإذا قام كل من ينجب طفلاً بغرس شجرة مثمرة جديدة أو حرجية معمرة وأعطاها اسم المولود الجديد ليكبرا معًا فهذا يعني غرس ما يزيد عن مئتي ألف شجرة مثمرة أو معمرة إضافية جديدة سنويًا.
هل تتخيلون أن نتيجة هذا المشروع البسيط بعد عشر سنوات؟ او عشرين سنة؟ أو خمسين سنة؟
العناية بالأشجار الموجودة القائمة والمحافظة عليها ومنع قطعها وغرس الأشجار المثمرة او الحرجية المعمرة الجديدة والعناية بها لها بالإضافة إلى فوائدها الجمالية والاقتصادية والغذائية فوائد لا تحصى ولا تعد. نذكر منها على سبيل الحساب لا الحصر: تنقية الهواء، جذب الأمطار، المحافظة على التربة من الإنجراف، إيواء الطيور والكائنات الحية.
وهل يمكن أن نتخيل كيف يكون، صيفًا، شكل شوارعنا وأحيائنا ومدننا لو قام كل منا بتزيين نوافذ وشرفات وأسوار وحدائق منزله بالأزهار والورود والشجيرات.
منع رمي النفايات عشوائيًا إن في الطبيعة أم على الطرقات وفرض غرامات وعقوبات رادعة على المخالفين، كون النفايات تجذب القوارب كالفئران والجرد والحيوانات الشاردة وتزيد من التلوث وتنشر الأوبئة والأمراض وتشوه الطبيعة.
إلزام المستشفيات والمستوصفات والمؤسسات الطبية باتباع الوسائل الحديثة الأمينة للتخلص من المخلفات الطبية ومنع رميها مع النفايات العادية تحت طائلة إقفال المؤسسة الطبية المخالفة لما يجره هذا العمل من أخطار على السلامة العامة وصحة المواطن والبيئة.
تنظيف الشواطئ من النفايات ومنع رميها في البحر أو على الشاطئ محافظة على الحياة البرية والبحرية.
المحافظة على المياه الجوفية والانهار والسواقي ومجاري المياه والينابيع وتنظيف مجاريها وضفافها التي تشكل مرتعًا للحياة البرية والبحرية ومنع وصول المياه المبتذلة إليها خاصة مياه الصرف الصحي والملوثات الصناعية والكيماوية من خلال إنشاء محطات تجميع وتصفية وتكرير وتنقية ومعالجة المياه المبتذلة والمياه الناتجة عن الصناعة ومنع حفر الآبار الارتوازية التي يتم استعمالها لاحقًا كجور صحية تقضي على الثروة المائية.
صيانة وتحديث شبكات الصرف الصحي وشبكات مياه الشرب العامة لمنع التسرب والاختلاط والتلوث ووضع تشريعات بيئية صارمة وعقوبات شديدة على المخالفين.
منع الصيد البري لمدة خمس سنوات ثم وضع قوانين لتنظيمه بالطرق العصرية التي تحافظ على التوازن بين البيئة الطبيعية والطيور والحيوانات وتؤمن عدم انقراضها الأمر الذي يشكل انعكاسات سلبية على التوازن البيئي والطبيعة والإنسان وفرض رقابة وعقوبات صارمة على المخالفات.
المحافظة على الثروة السمكية وتنظيم الصيد البحري والنهري وتحديد مواسمه ومنع استعمال المتفجرات للصيد والشباك الضيقة الفتوحات وصيد الجاروفة الذي يقضي على السمك الصغير جدًا أو المولود حديثًا.
تجميل ساحات المدن والقرى وتشجيرها وتزهيرها وإلزام كل بلدية بموجب قوانين مستحدثة وحسب مساحة نطاقها لبلدي بإنشاء حديقة عامة او أكثر وملاعب عامة ومساحات خضراء يمنع البناء فوقها.
تشجيع وتنظيم وفرض إنشاء وإقامة المحميات الطبيعية والمحافظة على الثروة الحرجية والحياة الفطرية فيها.
منع حرق النفايات في العراء والطبيعة كونه يطلق غازات مضرة بالصحة والبيئة على السواء واعتماد نظام تدوير النفايات وفرزها من المصدر كإعادة تدوير القوارير الزجاجية والبلاستيكية والعلب المعدنية والمشتقات الورقية وإعادة تصنيعها واستعمالها كمواد صناعية أولية.
منع حرق اوراق الأشجار المتساقطة واستعمالها كسماد طبيعي بدل المنتجات الكيماوية الضارة خصوصًا وأن الحرق يقضي على الكثير من الحشرات المفيدة ويخل بالتوازن الإيكولوجي ويضر بالطبيعة والبيئة ويلوث الهواء.
تحديد اماكن رعي الماعز ومكافحة الأمراض والحشرات الزراعية بالطرق الحديثة من خلال استعمال الأدوية البيولوجية وعن طريق المعالجة بالتوازن الطبيعي.
منع نشر الأبخرة الصناعية والدخان الناتج عن المصانع في الجو لانها تشكل أضرارًا فادحة على الصحة والبيئة وتساهم بتفاقم مشكلة الاحتباس الحراري وتشكل غيوم مشبعة بالكيماويات والمواد الضارة تتساقط لاحقًا أمطارًا حمضية كيماوية سامة على الأرض تلوثها وتتغلغل في مياهها وتقضي عليها وعلى الحياة الفطرية فيها وتضر بالإنسان والحيوان والنبات.
العمل على إنشاء مركز لرصد تلوث الهواء وفرض استعمال الوقود النظيف غير المؤذي للبيئة في الصناعة وفرض استعمال مصاف وفلاتر تكرير دخان المصانع الثقيلة ومحارق النفايات والمواد البلاستيكية ومصانع إنتاج الطاقة الكهربائية.
منع المصانع من التخلص من المخلفات الصناعية والكيماوية بالطرق العشوائية وإلزامها بتكرير مخلفاتها السائلة ومعالجتها في المصدر وإلزامها باعتماد الطرق العلمية الحديثة الآمنة للتخلص من المخلفات الصناعية والكيماوية الصلبة والتشدد في الرقابة وفرض العقوبات الرادعة بما فيها سحب الترخيص وإقفال المصنع المخالف.
منع استيراد وتصنيع واستعمال المبيدات والاسمدة والأدوية الزراعية السامة والخطرة والتي تضر بالطبيعة وتقضي على الحياة الفطرية وتلوث المياه الجوفية ومياه الشرب والينابيع والأنهار والتسبب بالامراض التي تؤذي الإنسان والحيوان والنبات وتقضي على التوازن البيئي.
العمل على إنشاء مختبر راقبة للأدوية والمبيدات والمركبات الكيماوية والأسمدة المستعملة في الزراعة وتحليلها والتأكد من عدم إضرارها بالبيئة قبل الموافقة على إدخالها واستعمالها في لبنان.
منع استيراد وتصنيع واستعمال كافة المواد والادوية والأسمدة والمبيدات والكيماويات التي لا تتفكك بيولوجيًا.
تشكيل مجموعات بيئية ضاغطة لفرض التخطيط والتنظيم المدني البيئي العصري الصحيح والسليم.
وتخفيض نسب استثمار البناء وزيادة المساحات الخضراء ومنع البناء في المناطق الحرجية ومنع قطع الأشجار بهدف البناء ودراسة مشاريع الطرق وتمريرها خارج المدن للحد من التلوث الناتج عن وقود السيارات والشاحنات.
وضع أنظمة صارمة ورادعة في هذا المضمار.
إيصال رجال الحفاظ على البيئة إلى الحكم والسلطة لفرض التشريعات البيئية الصارمة وتوقيع وتطبيق كافة الاتفاقيات الدولية التي تصون البيئة وتحافظ على مواردها الطبيعية.
دعم وتفعيل عمل وزارة للبيئة واستكمال التشريعات والأنظمة البيئية العصرية وإصدار قانون شرعة البيئة وتطبيق الحد من إقامة المشاريع التي تلتهم ما تبقى من المساحات الخضراء تحت ستار الإعمار، ووضع معايير صارمة للتقييم البيئي لأي مشروع سياحي أو صناعي أو تجاري او سكني وعدم السماح بتنفيذه فيما إذا كان غير مستوفي الشروط أو إذا كان يضر بالبيئة أو يساهم في التهام الغظاء الأخضر.
إدخال مادة البيئة والمحافظة عليها في مناهج البرامج التربوية في المدارس بكافة مراحلها وفي الجامعات بكافة اختصاصاتها وفي المدارس المهنية بكافة مراحلها لإدخال مفهوم اهمية البيئة في ذهن الأطفال والشباب والأجيال الطالعة.
تعزيز الطب الوقائي وإدخال علم البيئة في مناهج التخصص الطبي.
إعداد دورات تأهيل وتدريب وتثقيف بيئية من المربين والأساتذة في المدارس والجامعات.
إعداد برامج إرشاد وتوعية وتثقيف بيئي من قبل بالتعاون مع كافة وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة تلقي الضوء على المفاهيم البيئية الحديثة وتنبّه الناس إلى مخاطر التلوّث وترشدهم سبل تداركه وتحث الضمير لرحمة الطبيعة.
استعمال الطاقة الشمسية لتعقيم التربة الزراعية كبديل عن المواد الكيماوية المضرة.
استعمال الطاقة الهوائية (الرياح) لإنتاج الطاقة الكهربائية.
فرض استعمال الطاقة المائية لإنتاج الطاقة الكهربائية عن طريق إنشاء السدود لتجميع مياه الأمطار والانهار والاستفادة منها، ولإنتاج الطاقة الكهربائية في آن. خصوصًا وأن مصادر المياه غير كافية ومهددة بالنضوب.
ترشيد استعمال الكهرباء والماء واعتماد الطاقة الشمسية للتدفئة ولتسخين المياه والإنارة كطاقة بديلة ونظيفة.
مكافحة الحرائق واستحداث حرس الأشجار والغابات وتفعيل فرق الإنقاذ والدفاع المدني في كل المناطق اللبنانية وتدريبها وتجهيزها بالعديد والعتاد المتطور والحديث. ومد شبكات مياه لمكافحة الحرائق وإيصالها إلى كافة المناطق وخصوصًا الأحراج والغابات، وتدريب المواطنين في المناطق الحرجية والقرى المجاورة لها على تقنيات إطفاء الحرائق وتوفير طوافات متخصصة بمكافحة الحرائق للتدخل السريع والفعال في الأماكن الوعرة وداخل الأحراج البعيدة.
التشدد في فرض استعمال البنزين الخالي تمامًا من الرصاص والمازوت الأحمر وإلزام السيارات والآليات دون استثناء لاستعمال اجهزة التصفية والتنقية.
تشجيع التشجير خصوصًا للأشجار المعمرة والمفيدة كالزيتون والصنوبر المثمر والنباتات والاعشاب العطرية وتوزيعها من قبل وزارة الزراعة مجانًا أو باسعار رمزية على المواطنين.
منع إقامة المقالع والكسارات والمرامل ووقف عمل الموجود منها فورًا. تحديد الأماكن المخصصة لهذه الأعمال ضمن مخطط توجيهي وتنظيمي يضمن الحفاظ على البيئة وفرض إعادة تشجير الأراضي المستعملة بموجب قوانين وتشريعات واضحة. وفرض الغرامات الرادعة. وسحب التراخيص من المخالفين.
تشجيع البلديات ومساعدتها للقيام بدور فعال ومباشر في حماية البيئة ورصد المخالفات ومنعها ومعاقبة المخالفين ونشر الوعي والإرشاد البيئي الميداني العصري الصحيح وفرض نظام فرز النفايات في المصدر أي في المنازل ووضع المستوعابت لكل نوع من النفايات في كل حي بهدف الفرز التلقائي المباشر ومنع تراكم النفايات قبل تدويرها ومعالجتها.
مكافحة المضار الناتجة عن التلوث بواسطة الضجيج، والمضار الناتجة عن التلوث بالتنشق، والمضار الناتجة عن المناظر البشعة او التلوث البشري.
إنشاء مركز ومختبر لمراقبة مواصفات المواد الغذائية والاستهلاكية وجودتها وخلوها من الملوثات الضارة بالإنسان والبيئة، قبل السماح بطرحها في الأسواق.
العمل على إيجاد مناطق على الشاطئ غير مسموح البناء فيها بشكل نهائي، واعتمادها كمسابح عامة.
العمل على نقل المصانع والمناطق الصناعية ضمن مخطط توجيهي وتنظيمي عام من الشواطئ والسواحل إلى الداخل عن طريق إيجاد الحوافز والإعفاءات الضريبية وتأمين الخدمات.
منع وعدم الترخيص لإقامة إنشاءات ومشاريع من أي نوع كانت بحرية وسياحية سكنية او تجارية او صناعية وغيرها مباشرة على الشاطئ وملاصقة لحدود الاملاك البحرية العامة التي يجب ان تبقى على طبيعتها وتمثل رئة ومتنفسًا للشعب وإبعاد البناء والمشاريع والإنشاءات مسافة حدها الأدنى كيلومتر واحد عن حدود الأملاك البحرية العامة.
إصدار القوانين اللازمة لمنع إقامة أية إنشاءات أو استغلال للأملاك العامة البحرية وفرض رسوم عالية على المنشآت والمشاريع التي استباحت الأملاك العامة البحرية وتحويل كامل الرسوم الناتجة عن ذلك إلى لاستعماله في مجالات الحفاظ على البيئة والشواطئ والبحر والمياه.
وأخيرًا دعونا نوقف تدمير بيئتنا التي استنزفنا مواردها بأنانيتنا وإهمالنا وأعمالنا الطائشة وغير المسؤولة فلنتكاتف ونتعاون لإنقاذ ما تبقى من الطبيعة ونكبح جماح التدهور البيئي الخطير من خلال وضع استراتيجية واضحة ومستدامة وتنفيذها بدءً بخطوات فردية بسيطة ولكن ثابتة ودائمة ومستمرة وشاملة كل أفراد المجتمع فنحول بموجبها عاداتنا وممارساتنا البيئية إلى نهج لحياتنا العادية، ليصبح كل فرد منا مرشدًا ومبشرًا وحاميًا للبيئة ينشر الوعي من حوله ويساهم في إعادة التوازن إلى الطبيعة خزان الموارد والثورات التي تنطلق منها مبادئ التنمية الحديثة المستدامة. وتكون هذه المجموعة النواة التي ينطلق منها الإصلاح البيئي والسعي لإصدار التشريعات الحديثة التي تضمن التوازن بين الإنسان ومحيطه.
الحوار الثقافي شرقًا وغربًا
لعله من الصعوبة بمكان التزام فضيلة الصمت أو اتخاذ جانب الحيادية او الحديث بصوت خفيض وبهدوء العلماء وسمته.
وضجيج يصم آذان أهل هذا الكوكب ونحن نعيش عصر النهايات وعصر التحولات الكبرى تاريخيًا .
إنها رياح التغيير مجددًا تضرب العالم شمالاً وجنوبًا وترمي بثقل ظلالها الكثيفة عليه، حيث يقف مندهشًا قلقًا على عتبة المئة الأولى من الألفية الثالثة ونشهد معه جملة من التطورات النوعية المتسارعة التي لم يعرف لها التاريخ الإنساني مثيلاً من قبل، وذلك بإعادة تشكيل جديد للوجود البشري، يطال الانظمة والشرائع والدين والفكر والسياسة والاقتصاد والثقافات والعلاقات بين الدول في منظومة جديدة متشابهة مستمدة من نظام أوحدي القطب.
الثقافية.
الثقافة هي عملية تغريب تؤدي إلى تغيير في ثقافة المجتمعات وقيمها الفكرية والفنية والأدبية واللغوية وحتى أنماط السلوك والتفكير. ولوسائل الإعلام (المكتوب والمرئي والمسموع) تأثير واضح وبالأخص التلفزيون، له دور كبير وتأثير على الأسرة والمجتمع سلبًا وإيجابًا، خصوصًا بعد ابتداع القنوات الفضائية وهي الأولى بيد ، لها وظائفها الحضارية ونشر الوعي الصحي والثقافي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي والترفيهي ونشر الحقائق العلمية والتربوية وسوى ذلك مما يحقق النمو الثقافي والتعرف على الشعوب والتفاعل الحضاري معها.
الهوية الفاعلة المتجددة وحدها تفك الحصار المعرفي من قبل الغرب.
إن الهم الأيديولوجي لم يكن طاغيًا عندنا في الشرق على الهم المعرفي، أي لم يكن يقف حائلاً دون معرفة الكائن واستشراف الجديد.
لذلك كان لأهل الفكر والقلم في الشرق العربي حضور وازدهار في هذا الوجود، كان لهم دعاة وعندهم مفكرون انخرطوا في صناعة الحياة. فالوجود والحياة مع التراث المتجدد/البهي/ أفضل من الوجود مع تراث يثقل خطانا ويؤخّر مسيرة تقدّمنا ويكبّل حركتنا وهو تراث وثقافة استعادية لا توليدية، والسباق على امتلاك المعرفة اليوم مطلب الدول النامية والدول المتقدمة ترغب في احتكار المعلومات وتمنعها عن الشعوب الاخرى لكي تبقى لها السيطرة والتحكم بقيادة العالم لان فقدان المعرفة جزء من فقدان السلطة. والمسألة تُقرأ معكوسة أيضًا... أي فقدان السلطة يؤدي إلى فقدان المعرفة... سوف يكون من الخطأ الفادح افتراض قدرتنا على معرفة ذواتنا وعلى تحرير ثرواتنا الطبيعية، النفطية والمسيطرة على استخراجها وتصنيعها وبيعها، في ظل الشبكة الآسرة للنظام العالمي الجديد. ليست الحرية وحدها الممنوعة علينا والمسلوبة كرهًا منا تحت هذا السقف الخفيض للعالم، بل ثرواتنا أيضًا وحتى أرواحنا.
فما نطرحه هنا من إفلات من الحصار والمجاهدة، في سبيل هذا الأمر يحتاج لأجيال مقبلة للحصول على خبز المعرفة مع الكرامة، والحرية مع الحياة، ويخرج من الحصار المعرفي للإنسان العربي من الظلمة إلى نور الشمس.
بمثل هذه النبوءة يصرخ بدر شاكر السيّاب في "رسالة من مقبره":
من قاع قبري أصيح
حتى تئن القبور
من رجع صوتي وهو رمل وريح
من عالم في حفرتي يستريح
لا تيأسوا من مولد أو نشور
الحل هو الاستجابة للتحدي والخروج من أسر المعوقات، التي تصادر العقل وتعطّل الفكر، وابتداع نموذج جديد أو صيغة مبتكرة لحياتنا. تجترح من واقعنا، ولا يمكن الانخراط السوي في صناعة الحياة الحديثة، المعاصرة، بعدّة فكرية قديمة ولكل عصر وزمن لغته ولكل فضاء حضاري حداثته.
الثقافات أم الشعوب التي تتحاور مع تراثها ومع الآخر:
وعلى المثقف العربي أن يجانب التقليد الأعمى، فالنصوص ليست غاية بذاتها، بل هي مادة للبحث والنقد وهي رؤوس اموال ثقافية ومناجم دلالية يمكن التنقيب فيها والاستفادة منها، فالغربي يتعامل مع تراثه معاملة نقدية، إن يقرأ النصوص لكي يعيد الفهم، ويجدد الفكر المعرفي، وهذه هي الطريقة الفضلى لإحياء النص. مثال ذلك، ميشال فوكو قرأ النص الأفلاطوني قراءة جديدة وهي للذات وللحقيقة وللوجود على ما تجلى ذلك في تحليل فوكو للحب الأفلاطوني.
على مثل هذا النهج كان شأن العرب في عصور ازدهارهم وفتوحاتهم ، لم يكتفوا بالتقليد بل اشتغلوا على ذواتهم اجتهادًا وإبداعًا ولم يكن همهم حراسة الهوية والذاكرة، بل همهم الأساسي تحصيل العلوم التي وصلت إليهم من اليونان والرومان ومن الهند والفرس. بدأوا باكرًا بالترجمات منذ صدر الإسلام في تعريب الدواوين في العصر الأموي حتى العصر العباسي وقيام الخليفة هارون الرشيد بتأسيس (خزانة الحكمة) وجمع فيها الكتب والعلوم من الطب والفلك والهندسة والكيمياء... وأيضًا ولده الخليفة المأمون أقام (بيت الحكمة) وكان رجل فكر متنورًا، يكرم أهل العلم والعلماء ويجديهم الأموال مقابل الترجمة ونقلها إلى العربية بثقل الكتاب ذهبًا.
وخلال فترة وجيزة من عمر التاريخ، انتقل التاريخ وبقفزات سريعة نوعية من الهامشية إلى مواقع القيادة في العالم (150ه. – 450 ه.) وتحولت الحواضر العربية والإسلامية بمراكزها الثقافية والعلمية والدينية إلى جامعات بل إلى أكاديميات كبرى من (سمرقند وبخارى ومكة والمدينة والبصرة والكوفة ومشهد وبغداد ودمشق إلى القاهرة والقيروان وفاس والزيتونة وقرطبة وغرناطة) والكل كان يقرأ.
وتحول البحر المتوسط منذ القرن الهجري التاسع الميلادي إلى بحيرة عربية وإسلامية ومن يملك هذا البحر يغدو "سيد العالم" اقتصاديًا وسياسيًا وحضاريًا.
عالمية الدينار العربي
صك الدينار الإسلامي الذهبي في السنة 77 ه. عبد الملك بن مروان الخليفة الاموي وزنه 4،25 غرام وهو الوزن الشرعي للدينار وكانت نسبة الذهب فيه 96%.
بعدها فقد الإمبراطور جوستنيان صوابه وأعلن الحرب على عبد الملك.
أصبح الدينار العملة الوحيدة في العالم الإسلامي من حدود الصين شرقًا إلى بلاد الأندلس غربًا. ووضعت الدولة النظم والقوانين لحمايته من العبث أو التلاعب بوزنه وغدا بالتالي نقدًا رئيسيًا على امتداد خمسة قرون (من القرن الثامن إلى القرن الثالث عشر).
خطاب الهوية الثقافية وإعادة تحديثها.
إن محاولات إحياء التراث وتحديثه وتجديد الثقافة وإعادة بناء الوعي الذاتي المجتمعي على مختلف المستويات المعرفية لا الوقوع في فخ الهوية وجمودها، وخطاب الهوية سيف ذو حدين: قد يشير دلالة إلى القوة والتفوق والتوسع والانتشار العالمي أو يكون دلالة على الضعف والغواء والرضوخ القسري لسيطرة الأقوى ويحتمي الآخر بهويته أي يبقى حيث هو من التخلف والعجز والتقوقع والهامشية داخل قلاع باتت مكشوفة من كل الجهات. ومن هذا الموقف الذي اوصلته إلى حالة الجمود والضعف والانحطاط وما وقع فيه المثقف الحداثي العربي الذي يجابه الغرب مدافعًا عن هويته، فإنه يتحدّث بلغة الغرب ويستعير وجهه ويضرب بيديه ويستخدم ادواته، ولكنّه لا يستفيد منه هذا الغرب، ما يبني قوته ويفرض حقيقته ويصنع عالميته، بل هو الآخر، كما صنعته علاقته بالغرب المسيطر والمهيمن ولذا فهو ينتج التخلف والاستبداد وينتج عزلة جديدة بدون أفق.
إذا كان هذا واقع المثقف الحداثي فإن المثقف الإسلامي ليس بالطبع واقعه وخطابه في الهوية بأفضل حال من الحداثي او السلفي النهضوي – وحتى الأصولي المعاصر، ذلك انه غربي في استعماله آلاته الحديثة وتقنياته والحاسوب وانظمة المعلومات وسواها من اكتشافات علمية متسارعة مع بدايات الألفية الثالثة، وهو غربي ككائن استهلاكي، ولكنه يرفض المنجزات الفلسفية أو الفكرية والعلوم الإنسانية التي أبدعتها عبقرية الغرب ويتسمّر عند نص معيّن أو حدث معيّن أو زمن معيّن.
الحداثة الغربية ومدى وتأثر الشرق بها.
ونحن نعيش اجواء الحداثة الغربية بكل ديناميكيتها الفكرية وتحولاتها المعرفية، وبكل نتاجاتها العلمية والتقنية العالية ونستفيد من هذه الاختراعات والإنجازات في حياتنا اليومية حيث ننعم بها ونكتوي أيضًا، كلنا يقلد الحضارة الغربية ويعيشها احيانًا اخرى، عاديين كنا أو متعلمين، معممين أو متغربين، إنها الوجه الآخر لنا، إنها الهوية المستعارة بين الذات والآخر. وعلى هذا الأساس علينا التعامل مع الغرب، دون الرضوخ، بل علينا أن نفهم أسباب تكونه وأسرار قوته "المهم ألا نجهله او نتجاهله وألا نرفضه قبل ان نعرفه" على حد قول مطاع صفدي.
آن لنا أن نتجاوز النظرة الأنتروبولوجية التي ترى إلى الحداثة الغربية من خلال ثنائية (الأنا والآخر)، لكي نرنو إليها من منظار أنطولوجي بوصفها حدثًا أي حقيقة تتعلق بكينونة كل فرد يعيش على هذا الكوكب.
هويتنا حيث نتحضر ونبدع كي نحقق ذواتنا، وأن نعاني ونجرب ونختبر لكي نعرف أكثر، وأن نقف موقفًا نقديًا من التراث والتحرر من أسر التقليد ومنطق الهوية والجمود لإعادة ترتيبها مجتمعة بشكل جديد إبداعي، ومن هنا يبدو مدى التضليل في إطلاق مقولة الحفاظ على الخصوصية لمواجهة الغزو الثقافي الغربي، ولربما كان الجمود والتزمت مسؤولاً عما نعانيه من تصدعات وانهيارات.
فالغرب لا يريد لنا أن نفكر بأسلوبه ومنهجيته، الخلاقة، التي تصنع الحدث، ولربما يريد استدراجنا إلى الثنائية منذ عصر النهضة حتى يومنا، ثنائيات الأنا والآخر، التراث والتجديد، الأصالة والعصرنة، وسواها من الثنائيات التي طمست المشكلات الحقيقية لواقعنا المتخلف والذي يحتاج إلى الكثير من الجرأة لاجتراح الحلول إذا لم نقل اجتراح المعجزات لنَقلة نوعية لمجتمعاتنا ووضعها على طريق الحداثة والعصرنة ومواجهة التي وصلت إلينا مخترقة كل الحدود.
الثقافية سياسية واقتصادية.
مع نستشرف أفاق عصر جديد، نستقبله في مناخ فكري استثنائي مفاجئ وما تطرحه من مقالات حول الثقافات، يشكل تحديًا فضًا للشعوب التي ما زالت تتنفس ثقافتها وحضارتها على الضفة الشرقية من حوض البحر المتوسط، وفي إفريقيا، وأميركا اللاتينية وآسيا، ولتتحول بدورها إلى مجتمعات استهلاكية مستلبة امام نتاج الدول المتقدمة في كل المجالات بآلاتها التكنولوجية وتقنياتها العالية وشركاتها العملاقة عابرة القارات داعية إلى تحطيم القيود السياسية والجمركية.
ولادة دستور لبنان عام 1926
لقد أثارت نشأة دستور 1926 جدلاً بين رجال السياسة وبين المؤرخين اللبنانيين إذ اعتبر بعضهم أن هذا الدستور قد أعدته السلطة المنتدبة، وأنه نسخة عن دستور الجمهورية الثالثة الفرنسية، بينما رأى آخرون انه بالعكس نتاج لبناني محض، وأنه حصيلة الجهد الذي بذلته اللجنة المنبثقة عن المجلس التمثيلي والذي بذله بنوع خاص أحد أعضائها البارزين ميشال شيحا. لقد احتدم هذا الجدل في السبعينيات ولفت في حينه انتباهي، فقررت منذ ذلك التاريخ الخوض في الموضوع علني أستطيع ان ألقي عليه أضواء جديدة تساعد على الإجابة عن السؤال المطروح: من وضع الدستور اللبناني؟
انتظرت سنوات عدة قبل الانطلاق بهذا المشروع وذلك لأنه كان علي في أول الامر ان أتفحص عددًا من الملفات المحفوظة في الأرشيف الفرنسي وفي لبنان فقصدت أرشيف وزارة الخارجية في باريس وأرشيف الجيش البري في وأرشيف المفوضية العليا الفرنسية في نانت وأرشيف هنري دو جوفنيل في مدينة(Tulle)، وأرشيف عصبة الأمم في جنيف وأرشيف البطريركية المارونية في بكركي. كما اطلعت على عدد لا يستهان به من المصادر والمراجع. قمت بعد ذلك بإعداد دراسة شاملة عن الموضوع باللغة الفرنسية صدرت في بيروت في أواخر العام 1996 وهي بعنوان "ولادة دستور لبنان عام 1926".
ساحاول في القسم الاول من هذا البحث أن أرسم بإيجاز الإطار التاريخي الذي أعد فيه الدستور وهو إطار الانتداب الدولي. وسأعرض في القسم الثاني المشاريع الأولى للدستور او للقانون الأساسي، كما كانوا يسمونه آنذاك، لاسيما تلك التي طبعت في العامين 1924 و1925. وسأكرس القسم الثالث للمرحلة الأخيرة وهي مرحلة حكم المفوض السامي هنري دو جوفنيل التي امتدت من تشرين الثاني 1925 حتى آيار 1926 والتي شهدت ولادة الدستور في صيغته النهائية، أي الصيغة التي صوت عليها المجلس التمثيلي بالإجماع في تمام الساعة الواحدة والنصف من صباح 23 آيار 1926.
نظام الانتداب الدولي والقانون الأساسي
ولد نظام الانتداب الدولي عام 1919 في الأجواء التي سادت مؤتمر الصلح المنعقد في باريس. وضع هذا النظام بإصرار من الرئيس الأميركي ولسن ليطبق على المستعمرات الألمانية السابقة وعلى الولايات التي سلخت من السلطنة العثمانية.
كان على الدولة المنتدبة ان تمارس باسم عصبة الأمم وصايتها على الأراضي التي عهد إليها بها. حددت صلاحياتها في وثيقة عرفت بصك الانتداب. كانت مهمتها من الناحية المبدئية تنحصر في مساعدة السكان الاصليين على إدارة شؤونهم ريثما يبلغون درجة من التطور تسمح لهم بالانتقال إلى مرحلة الحكم الذاتي. وقد اعطي هؤلاء السكان حق الطعن بسياستها امام العصبة.
إن النص الأساسي الذي قام عليه نظام الانتداب هو المادة الثانية والعشرون من ميثاق عصبة الأمم الذي تبناه مؤتمر الصلح في الثاني والعشرين من نيسان 1919 وقد ورد في الفقرة الأولى من تلك المادة :
"تطبق المبادئ التالية أي مبادئ الانتداب على المستعمرات والأراضي التي، نتيجة الحرب، لم تعد تخضع لسياسة الدول التي كانت تحكمها من قبل، والتي تسكنها شعوب لا تزال عاجزة عن إدارة شؤونها بنفسها بسبب الأوضاع الصعبة للعالم المعاصر. إن رفاهية هذه الشعوب وتطورها يشكلان رسالة تحضير مقدسة. ويجدر بنا أن ندخل في هذا الميثاق ضمانات تكفل تحقيق هذه الرسالة".
يعتبر هذا النص إذًا الشعوب التي تحررت من سيطرة الدول المغلوبة، شعوبًا قاصرة عاجزة عن إدارة شؤونها بنفسها، وهي بالتالي بحاجة إلى حماية القانون الدولي.
يعتبر ان هذه الحماية هي بمثابة رسالة تحضير مقدسة، وقد اوضحت الفقرة الثانية من المادة 22 نفسها أنه سيوكل بتلك الرسالة إلى الأمم المتحضرة واكدت الفقرة الثالثة ان الانتداب سيأخذ بعين الاعتبار مستوى التطور الذي بلغه كل من الشعوب المعنية. ولذلك فإنه سيكون على درجات.
أما في ما خص الشعوب التي تحررت من النير العثماني فقد ورد بشأنها في الفقرة الرابعة من المادة 22 المذكورة أعلاه ما يلي:
"إن بعض المجموعات التي كانت تنتمي سابقًا إلى السلطنة العثمانية قد بلغت درجة من التطور تسمح بالاعتراف بها مؤقتًا كأمم مستقلة شرط ان يعهد إلى دولة منتدبة في تقديم الارشادات والمساعدة لها في تنظيم إداراتها إلى حين تصبح قادرة على تنظيمها بنفسها.
إن المبادئ التي فرض على الدولة المنتدبة التقيد بها حددت كل حالة، هي وثيقة منفردة وافقت عليها عصبة الأمم، عرفت كما ذكرنا سابقًا بصك الانتداب، فقد ألزمت فرنسا بموجب المادة الأولى من صك الانتداب على لبنان وسوريا بان تعد نظامًا أساسيًا للبلدين في مهلة لا تتعدى الثلاث سنوات من تاريخ وضع الانتداب موضع التنفيذ وقد ورد في النص ما يلي:
"يعد النظام الأساسي بالاتفاق مع السلطات المحلية وتؤخذ فيه بعين الاعتبار حقوق جميع الشعوب الساكنة في الأراضي المذكورة وكذلك مصالحها ورغباتها. على الدولة المنتدبة أن تشجع على إنشاء كيانات محلية مستقلة إداريًا وذلك بقدر ما تسمح به الظروف".
لم يحدد صك الانتداب من المقصود بعبارة السلطات المحلية، هل هي الزعامات التقليدية؟ هل هم رؤساء الطوائف الدينية؟ هل هو المجلس التمثيلي؟ هل هي سلطات جديدة منتخبة؟ وكذلك لم يوضح كيف يمكن ان ياخذ بعين الاعتبار رغبات جميع الشعوب التي تسكن لبنان وسوريا لاسيما إذا ظهر أن هذه الرغبات تتعارض فيما بينها أو تتناقض مع مبدأ الانتداب. إنه أخيرًا يحث الدولة المنتدبة على تشجيع الكيانات المحلية ذات الاستقلال الإداري ولكنه لا يعطيها توجيهات واضحة بشأن عدد الدول التي يمكن أن تنشئها في المشرق. هل كان عليها أن تكتفي بدولتي لبنان وسوريا أم بإمكانها تخطي هذا العدد وتجزئة سوريا إلى دويلات عدة؟ إن ما ورد في الصك بهذا الشأن يكتنفه الغموض.
هناك سؤال آخر يتعلق بالمادة الاولى من الصك "ماذا تعني عبارة النظام الأساسي؟ هل هذا النظام هو مجموعة التشريعات المتنوعة التي تكون الدولة المنتدبة قد أصدرتها بهدف تنظيم شؤون البلاد السياسية والإدارية؟ ام هو نص دستوري واحد متماسك يصدر عن جمعية تأسيسية؟
لقد شكلت كل هذه النقاط موضوع خلاف بين المسؤولين الفرنسيين أنفسهم وبينهم وبين اللبنانيين. وسأتطرق إلى بعض جوانب هذا الخلاف في القسم الثاني من هذا البحث.
المشاريع الأولى للنظام الأساسي 1924 ، 1925.
لقد صدق مجلس العصبة على صك الانتداب على سوريا ولبنان في 24 تموز 1922، ولكن هذا الصك لم يصبح ساري المفعول إلا في 29 أيلول 1923، بعد ان سوي الخلاف بين فرنسا وإيطاليا بشأن مصير الشرق الادنى، إذ إن هذه الأخيرة كانت تعتبر انها لم تحصل على حصتها من تركة الدولة العثمانية، لذا كانت تطالب لنفسها بالانتداب على سوريا.
كان على فرنسا إذًا بمقتضى صك الانتداب ان تضع قانونًا أساسيًا للبلاد في مهلة لا تتعدى الثلاث سنوات ابتداء من أيلول 1923. وكان المسؤولون في باريس في عامي 1923 و1924 يعتبرون أن إعداد مثل هذا القانون هو عملية سهلة للغاية تقوم على جمع النصوص التشريعية التي صدرت حتى هذا التاريخ في كل من البلدان الواقعة تحت الانتداب. ثم عرضها على المجالس التمثيلية المحلية للمصادقة عليها وتقديمها بعد ذلك إلى عصبة الأمم باعتبارها تشكل النظام الأساسي المطلوب. وقد كتب رئيس الوزراء وزير الخارجية ريمون بوانكارييه في كانون الأول 1923 إلى المفوض السامي الجنرال ويغان يقول : "دون ان تنتظر انتهاء المهلة التي اعطيت لنا علينا أن نضبط جيدًا النصوص التشريعية المختلفة التي أصدرتها المفوضية العليا حتى هذا التاريخ والمتعلقة بولادة دولة لبنان والدول السورية وبحدودها وبتنظيم السلطات العامة والمجالس التمثيلية فيها. وكذلك النصوص المتعلقة بالاتحاد الفدرالي السوري وبالعلاقات بين سوريا ولبنان". يضيف رئيس الوزراء الفرنسي "إن السبيل الأكثر ملاءمة للحصول بسرعة على موافقة السكان التي نص عليها صك الانتداب هو الطلب من كل المجالس المحلية تبني مجموعة النصوص هذه واعتبارها النظام الأساسي المنتظر". وقد أرفق بوانكاريه رسالته بلائحة من التشريعات التي برأيه يجب ان تشكل منها هذه المجموعة وترك الحرية للمفوض السامي ليزيد عليها ما يراه ضروريًا.
إن هذه النظرة إلى النظام الأساسي أثارت موجة من الاحتجاجات في الدول المشرقية الواقعة تحت الانتداب الفرنسي، عبرت عنها بصراحة الصحافة المحلية، وقد رفض المجلس التمثيلي اللبناني اقتراح بوانكاريه وطالب بجمعية تأسيسية منتخبة لإعداد هذا النظام.
إن الوثائق المحفوظة في الأرشيف الفرنسي تثبت أن مسألتي موافقة السلطات المحلية وإمتثال رغبات جميع السكان اللتين نصت عليهما المادة الأولى من صك الانتداب ظلتا في هذه المرحلة التمهيدية تثيران الشكوك والتساؤلات.
كانت السلطات الفرنسية تخشى إن هي استشارات الزعماء المحليين بشان تنظيم البلاد ان تجد نفسها أمام فيض من المطالب الوطنية المفرطة.
انتهت هذه المرحلة المتميزة بالريب والتردد في شهر تموز 1924 عندما أعد موظفو وزارة الخارجية الفرنسية مشروعًا موحدًا للنظام الأساسي يشمل لبنان الكبير والدول السورية الأربع: دمشق، حلب، دولة العلويين، دولة الدروز.
تضمن هذا النص المشترك 63 مادة موزعة على خمسة أبواب. خصص الأول منها للاحكام العامة. والثاني للدول السورية الأربع. والثالث لدولة لبنان الكبير. والرابع للمصالح المشتركة. والخامس للأحكام الانتقالية.
ذكر هذا المشروع بالحدود الجغرافية لكل دولة من الدول الخاضعة للانتداب الفرنسي وأعلن الأسس التي سيقوم عليها النظام السياسي وكذلك تلك التي ستوجه أعمال السلطات العامة وأوضح الصلاحيات التي ستحتفظ بها الدولة المنتدبة. ونص أخيرًا على قواعد جديدة لإدارة المصالح المشتركة.
كانت الدولة المنتدبة حتى هذا التاريخ تعتبر ان إعداد النظام الأساسي هو من صلاحياتها الحصرية وأنه لا يعقل أن تناقش مضمونه لا مع الشعوب الواقعة تحت الانتداب ولا حتى مع عصبة الأمم. يحق فقط لهذه الأخيرة أن تطلع عليه حين يصبح جاهزًا وذلك وفق ما ورد في المادة السابعة عشرة من صك الانتداب. إن هذا المفهوم للنظام الأساسي قد توسع في عرضه رئيس الوزراء الفرنسي ووزير الخارجية إدوار هريو (Herriot) في رسالة موجهة إلى المفوض السامي الجديد الجنرال سيراي في مطلع عام 1925. ركّز فيها على الفكرة القائلة بأن النظام الأساسي هو عمل تقوم به الدولة المنتدبة من جانب واحد. هو مرسوم تصدره بنفسها. اما استشارة السلطات المحلية بشأنه فتنحصر ببعض الوجهاء الذين عليهم أن يعبروا خطيًا عن رأيهم دون اية مناقشة.
إلى جانب ذلك، تعطي رسالة هريو المفوض السامي توجيهات عامة تتعلق بمستقبل الانتداب إذ تؤكد أن الهدف الجوهري لهذا النظام هو مساعدة السكان الأصليين حتى يبلغوا مرحلة الحكم الذاتي بعيدًا عن أية ممارسات ذات طابع استعماري. فيطلب بالتالي رئيس الوزراء من سيراي بألا يحل مع أجهزة الانتداب محل الحكومات السورية ومحل الحكومة اللبنانية، بل أن يكتفي بدور الموجه الصالح للسلطة الكافية والكلمة المسموعة.
تعكس إرشادات هريو هذه الروح الجديدة التي سادت في باريس على أثر وصول اتحاد اليسار إلى الحكم عام 1924. كما تعكس التوجيه الجديد الذي كانت الحكومة المنبثقة عن هذا الاتحاد تحاول أن تعطيه لنظام الانتداب.
أرفق هريو رسالته بمشروع للقانون الأساسي هو في الواقع النص الذي وضع في تموز 1924. بعد ان أدخلت عليه وزارة الخارجية بعض التعديلات. لكن المفوض السامي في بيروت ومعاونيه اعتبروا أن مشروع هريو والشروحات التي رافقته والتوجيهات الجديدة التي صدرت عن الحكومة الفرنسية تحد من صلاحيات سلطات الانتداب وتكبلها، مما يجعلها عاجزة عن القيام بالمهام الملقاة على عاتقها بموجب صك الانتداب وبالتالي عاجزة عن الإشراف على إدارة دول الشرق. لذا قرر كبار موظفي المفوضية العليا في بيروت، بالاتفاق مع سيراي، إعداد مشروع مضاد. وقد أعدوه فعلاً وأرسلوه إلى باريس في 22 آذار 1925، وتركوا فيه للمفوض السامي صلاحيات واسعة تخوله الحلول محل السلطات الوطنية كلما اعتبر أن هذه تقصر في الدفاع عن سلامة الأرض او أنها تسيء إلى المصلحة العامة، أو إلى المصالح المشترك.
اخذ موظفو وزارة الخارجية في باريس بعين الاعتبار هواجس سلطات الانتداب في بيروت فأدخلوا تعديلات على المشروع الأول، وأعدوا مشروعًا ثانيًا، قووا فيه صلاحيات المفوض السامي بشكل يسمح له بالاحتفاظ بزمام الأمور وباتخاذ كل الإجراءات التي يراها ضرورية كلما دعت الحاجة إلى ذلك.
في هذا الوقت كانت الصعوبات تتراكم أمام سيراي في دول الشرق. إن سياسته المعادية للإكليروس وتدخله غير المبرر في شؤون لبنان دفعا بالأحزاب وبالصحافة اليمينية في فرنسا إلى القيام بحملة ضده، انتقل على أثرها الصراع إلى حلبة البرلمان الفرنسي، حيث أثير موضوع سيراي في اكثر من مرة.
يضاف إلى ذلك ان المفوض السامي حاول أن يدخل تعديلات جذرية على قانون الانتخاب اللبناني وأن يلغي التوزيع الطائفي لمقاعد المجلس. فاصطدم بوزير الخارجية أرستيد بريان. فما كان من هذا الأخير إلا أن رفع عنه مسؤولية إعداد القانون الأساسي وأوكل هذه المهمة في حزيان 1925 إلى لجنة من الاختصاصيين الفرنسيين يرأسها النائب جوزف --- . درست هذه اللجنة مشاريع القانون الأساسي الثلاثة أي مشروع وزارة الخارجية الأول ومشروع سيراي ومشروع وزارة الخارجية الثاني المعدل.
إن العقبة التي واجهتها كانت مسألة مشاركة السلطات المحلية. إذ ظهر خلاف حاد بين أعضاء اللجنة حول مستوى هذه المشاركة وطبيعتها. وقد رأى روبير ديكاي أن الخبرة التي اكتسبتها الدولة المنتدبة تسمح بالقول إنها مطلعة على أماني السكان وأنه باستطاعتها بالتالي إعداد القانون الأساسي دون حاجة إلى استشارة هؤلاء. ثم إنه نبه إلى خطورة اللجوء إلى مثل هذه الاستشارة، لاسيما إذا اتت نتائجها متناقضة مع بعضها البعض او صبت كلها في اتجاه لا يمكن أن تقبل به الدولة المنتدبة.
اما بول بونكور فكان له رأي معاكس. وكان يطالب باستشارة شخصيات منتخبة لا شخصيات تختارها سلطات الانتداب.
في الاجتماع الثاني للجنة، في 10 تموز 1925 اقترح الأمين العام للمفوضية العليا فرشير دي ريفي (Verchère de Reffye) ان يقسم موضوع القانون الأساسي إلى شقين: كل ما ينظم العلاقة بين الدول المنتدبة والشعوب الواقعة تحت الانتداب أي بين الوصي والقاصر من جهة وقد اطلق على هذا الشق تسمية النظام الانتدابي، وكل ما ينظم الأوضاع الداخلية للبلاد من جهة ثانية وقد سمي الدستور الداخلي (la constitution interieure)أكد ريفي ان التشريعات المتعلقة بالشق الأول هي من صلاحيات الدول المنتدبة دون سواها، عليها فقط ان تتقيد بالملاحظات التي قد تبديها بشانها عصبة الأمم. أما التشريعات المتعلقة بالشق الثاني والتي سيستمر العمل بها حتى بعد زوال الانتداب فيمكن ان يشارك في وضعها ممثلو السكان. وكانت المفوضية العليا في بيروت قد اعدت لائحة بالشخصيات التي يمكن ان تستشار. وكان على هذه الشخصيات أن تبدي رأيها خطيًا في الموضوع. لم يرغب بول بونكور باقتراحات أعضاء اللجنة التي كان يرأسها، فعلق اجتماعاتها في 21 تموز 1925 وأخذ يرسل التقرير تلو الآخر إلى وزير الخارجية مصرًا على ان تشارك في وضع القانون الأساسي هيئات منتخبة لا شخصيات يختارها المفوض السامي. لكن موظفي وزارة الخارجية ترددوا في الأمر متأثرين بوجهة نظر روبيرت دي كاي وكان هذا يعتبر خبيرًا في شؤون الانتداب. أعد دي كاي في 8 أيلول 1925 تقريرًا على الموضوع جاء فيه "إن بلدًا واقعًا تحت الانتداب لا يمكنه قانونيًا أن يشارك في وضع نظامه الأساسي إذا اعتبرت بعض المجموعات الشرقية غير قادرة على حكم نفسها دون وصاية دولة منتدبة. فمن الحماقة بانها تستطيع أن تتخذ هي قرارات بشأن نظام الحكم الذي ستخضع له". يضيف دي كاي "إن موافقة السلطات المحلية التي نصت عليها المادة الأولى من الصك تعني فقط انه يحق لهذه السلطات في ظل نظام الانتداب أن تبدي وجهة نظرها في الموضوع لا أن تشارك في اتخاذ القرار".
إن ما كتبه دي كاي يظهر بوضوح أن الجدل قد اتخذ منحى قانونيًا بالإضافة إلى المنحى السياسي. إن مفهوم دي كاي للانتداب للقانون الأساسي هو الذي كان سائدًا في أوساط موظفي وزارة الخارجية في باريس وموظفي المفوضية العليا في بيروت. وكذلك في الأوساط الفرنسية في عصبة الأمم. وكان يقابله مفهوم آخر عبّر عنه بوضوح النائب بول بونكور الذي كان يصر على أن تطبق مبادئ الديمقراطية وألا يعد النظام الأساسي إلا بمشاركة المجالس المنتخبة في بلدان المشرق الخاضعة للانتداب الفرنسي.
في شهري أيلول وتشرين الأول 1925، ازداد ضغط بول - بونكور على الحكومة. إن الوثيقة التي تعبر بوضوح عن وجهة نظره هي الرسالة التي وجهها إلى وزير الخارجية بريان (Briand) في 2 تشرين الثاني والتي يؤكد فيها أن التأخر في تنظيم اوضاع لبنان وسوريا هو السبب الرئيس للثورة التي تشهدها سوريا. وأن أعمال اللجنة التي يرأسها لا يمكن أن تؤدي إلى نتيجة إيجابية ما لم يعاد النظر في تركيبة تلك اللجنة وفي نهجها وروحيتها. ثم كتب بول – بونكور ما حرفيته. "من الواضح جليًا أن هناك في الأساس سوء تفاهم جوهريًا. ليس المطلوب منا أن نحكم مستعمرة ولا أن ننشئ محمية. إن المطلوب هو أن ننظم الانتداب الذي أوكلت إلينا به عصبة الأمم. هذا الانتداب الذي نمارسه على شعوب هي بدون شك متخلفة ولكنها تنتمي إلى حضارات عريقة لا يمكن أن يكون إلا منفتحاً ومبنياً على استشارة حقيقية للسكان لا على الخداع.
لا شك أن الاقتراحات التي تقدم بها أمام اللجنة ممثلو وزاراتهم لا تتوافق ولا بشكل من الأشكال مع اماني الشعوب المعنية. علينا إذًا أن نضع حدًا لكل ذلك.
اقترح بول - بونكور في آخر رسالته أن يوكل بإعداد القانون الأساسي في كل دولة إلى لجنة تضم الزعماء الطبيعيين للسكان أو شخصيات منتخبة. اما الدول التي تملك مجلسًا تمثيليًا ومنها لبنان فيجب بحسب رأيه أن تنبثق اللجنة فيها عن هذا المجلس.
إن موقف بول - بونكور الحازم والضغط الذي شكلته الثورة السورية والانتقادات العلنية التي وجهت إلى الدولة المنتدبة عبر الصحافة اللبنانية والسورية أرغمت موظفي وزارة الخارجية في باريس على تليين موقفهم. فتبنى هؤلاء بشأن القانون الأساسي التمييز الذي كان قد اقترحه ريفي (Reffye) بين الشق الداخلي والشق المتعلق بتنظيم العلاقة بين المنتدب والدولة الواقعة تحت الانتداب. فقبلوا بأن يوكل بالأول إلى السلطات المحلية. هكذا انتصرت أفكار بول - بونكور.
أما الجنرال سيراي فبعد ان ازدادت النقمة عليه استدعته حكومته في أيلول 1925 معينة خلفًا له المدني هنري دو جوفنيل عضو مجلس الشيوخ.
إعداد الدستور اللبناني، المرحلة الأخيرة
قبل أن ينتقل إلى بيروت حاول المفوض السامي الجديد أن يعيد الحوار بين فرنسا والمعارضة السورية اللبنانية، فالتقى عددًا من أركان تلك المعارضة في باريس أولاً ثم في القاهرة ولم يصل إلى لبنان إلا في 2 كانون الأول 1925.
في اليوم التالي وبمناسبة عرض عسكري في ساحة البرج في بيروت ألقى دو جوفنيل كلمة أعلن فيها بجملة مقتضبة المبدأ الأساسي الذي ستقوم عليه سياسته إذ قال: "السلام لمن يريد السلام، والحرب لمن يريد الحرب".
وفي 4 كانون الأول زار المفوض السامي المجلس التمثيلي اللبناني، حيث صرح انه سيطلب من الحاكم ليون كايلا أن يدعو هذا المجلس إلى اجتماع استثنائي يوكل إليه خلاله إعداد دستور البلاد. بعد يومين من هذا التاريخ أبلغ دو جوفنيل حكومته أنه سيدعو أيضًا العلويين إلى إعداد دستورهم. في الواقع كان المفوض السامي يحاول أن يوطد مركز بلاده في المنطقة الساحلية حيث النفوذ الفرنسي لا يزال قويًا.
كان يرغب بالإضافة إلى ذلك في ان يثبت السوريين في المناطق الداخلية أن مصلحتهم تقتضي وقف القتال كي يستطيعوا هم أيضًا كاللبنانيين والعلويين بناء مؤسساتهم الديمقراطية.
اجتمع المجلس التمثيلي اللبناني في 10 كانون الأول وانتخب لجنة لإعداد الدستور مؤلفة من 12 عضوًا موزعين على الشكل التالي: اثنان من الأورثذكس وهما شبل دموس وبترو طراد، ثلاثة من الموارنة وهم جورج زوين، روكز أبو نادر، وجورج تابت، واثنان من السنة وهما عمر الداعوق وعبود عبد الرزاق، اثنان من الشيعة وهما صبحي حيدر ويوسف الزين، درزي واحد وهو الأمير فؤاد إرسلان الذي استقال لأسباب صحية فانتخب مكانه جميل تلحوق. وأخيرًا ممثل واحد عن الروم الكاثوليك وهو يوسف سالم، وممثل عن الأقليات وهو ميشال شيحا.
كان على اللجنة أن تعمل تحت إشراف رئيس المجلس التمثيلي موسى نمور لذا عرفت بلجنة 13.
في اليوم نفسه الذي انتخبت فيه لجنة الدستور في لبنان وجه دو جوفنيل نداء إلى السوريين جاء فيه:
"إني أخاطبكم كصديق لأقول لكم إن مصيركم هو بين أيديكم. اليوم في العاشر من كانون الأول يجتمع المجلس المنتخب من قبل إخوانكم في لبنان وقد طلبت منه ان يتداول في موضوع الدستور والنظام الأساسي. فلو كانت الدول السورية تتمتع بنعمة السلام التي يتمتع بها لبنان لجرى فيها ما يجري الآن في هذا البلد".
لم يستجب الثوار لهذا النداء بل كثفوا نشاطاتهم في سهل البقاع وعلى الحدود الجنوبية الشرقية للبنان. واستنفروا مؤيدي الوحدة السورية لكي يمنعوا الدولة المنتدبة من استعادة المبادرة في الميدانين العسكري والسياسي.
في هذه الأجواء قرر سنّة المدن الساحلية في لبنان الكبير عدم المشاركة في إعداد الدستور وطالبوا مجددًا بالانضمام إلى سوريا وأبلغوا قرارهم هذا إلى رئيس المجلس التمثيلي وإلى المفوض السامي. وهكذا فعل المجلس البلدي في بعلبك. فما كان من سلطات الانتداب إلا أن قامت بهجوم مضاد. أصدر الحاكم كايلا قرارًا حل بموجبه مجلس بلدية بعلبك ثم أتبعه بتعميم موجه إلى جميع موظفي دولة لبنان الكبير يحذرهم فيه من القيام بأي نشاط يهدد وحدة الوطن الذي هم في خدمته.
ولكي يضمن عدم انضمام الطائفة الشيعية إلى التيار الوحدوي اتخذ الفرنسيون بعض الإجراءات التي تصب في مصلحة تلك الطائفة، أهمها الاعتراف بالمذهب الجعفري وإنشاء محكمة تمييز جعفرية في بيروت بعد موافقة المجلس التمثيلي على ذلك.
في المناطق الداخلية من سوريا، باستثناء سنجقي دمشق وحوار، حيث كان الأمن مضطربًا، نظم الفرنسيون انتخابات عامة.
على الصعيد العسكري طلب دو جوفنيل إمدادات من حكومته مما سمح له بحصر الثورة في مناطق معينة، ثم إنه عمل على تحسين العلاقات مع تركيا ليمنع أي تواطؤ بين السوريين والكماليين. فوقع بالحروف الاولى مع حكومة انقرة في 18 شباط 1926 اتفاقية صداقة وحسن جوار.
في هذا الوقت كانت لجنة 13 في لبنان قد انكبت على العمل فقررت إطلاق استشارات واسعة تطال ممثلي الجمعيات الاقتصادية والمهن الحرة ورؤساء الطوائف الدينية والمسؤولين عن النقابات وأعضاء المجالس التمثيلية السابقة. فعهدت إلى لجنة مصغرة مؤلفة من خمسة أشخاص درس الصيغة التي يجب اعتمادها في الاستشارات. فعقدت هذه اول اجتماع لها في 16 كانون الأول برئاسة موسى نمّور، واعدت لائحة بالشخصيات التي ستستشيرها وقررت أن توجه إلى كل منها استمارة تتضمن اثني عشر سؤالاً يتعلق بنظام الحكم، بصلاحيات السلطات الثلاث، بتوزيع المقاعد النيابية، بقانون الانتخاب، ألخ...
حصلت اللجنة على 132 جوابًا، تكلف شبل دموس فرزها ووضع تقرير عنها.
إن الأفكار التي استخلصها هذا الأخير من هذه الاستشارات اعتمدت كأسس لأعداد مشروع الدستور.
عهد بهذه المهمة الى عضوين من اللجنة الخماسية. لقد استعان اللبنانيون في عملهم بعدد من الكتب الفرنسية التي تعالج موضوعي القانون الدستوري والأنظمة السياسية. كما استعانوا بنصوص بعض الدساتير كالبلجيكي والسويسري والاميركي والمصري.
لقد شارك عدد من موظفي الانتداب على مستويات مختلفة في أعمال اللجنة نذكر منهم: فرشاردي ريفي (Verchère Reffye) السكرتير العام للمفوضية العليا، و ليون كايلا حاكم لبنان الكبير، والكلونيل كاترو Catroux))، رئيس جهاز الإستخبارات، وليون سولومياك (Solomiac) رئيس مكتب المفوض السامي. لكن ممثل فرنسا الأساسي كان بول سوشييه (Souchier) وهو من مجلس شورى الدولة في فرنسا واختصاصي في القانون الدستوري وقد استدعاه دي جوفنيل خصيصًا من باريس للمساهمة في إعداد الدستور اللبناني. وقد أرسل إليه برقية جاء فيها: "أطلب منك أن تأتي في أقرب وقت ممكن. أجلب معك نصوص الدساتير التي تجدها وادرس بصورة خاصة الدستور الفدرالي السويسري".
حال وصوله إلى بيروت ألحق سوشييه كخبير باللجنة المكلفة وضع مشروع الدستور وقد قيّض لي ان التقي عام 1994 آخر فرنسي لا يزال على قيد الحياة من بين الذين شاركوا في إعداد الدستور اللبناني وهو المحامي جان – لويس أجول (Aujol) كان آنذاك من الملحقين بمكتب المفوض السامي. اكد لي أوجول ان جوفنيل كان يتابع عن كثب موضوع الدستور وقد حدث له اكثر من مرة ان أيقظ سوشييه من نومه حتى بعد منتصف الليل ليبحث معه في صيغة بعض المواد.
في الواقع لقد أرسل دو جوفنيل إلى الشرق في مهمة محددة وبصفته عضوًا في مجلس الشيوخ لم يكن يسمح له بالتغيب عن فرنسا أكثر من ستة أشهر. كان عليه إذًا أن يعود إلزاميًا إلى بلاده في آيار 1926 وكان يرغب في إحراز نجاح في موضوع الدستور قبل أن يحين هذا الموعد. هذا ما يفسر لنا مثابرته واستعجاله. اما اللبنانيون الذين لعبوا دورًا أساسيًا في إعداد الدستور فهم موسى نمّور وميشال شيحا و شبل دمّوس.
إن شيحا حسب شهادة أوجول، كان شديد التمسك بلبنانيته، لذا أصر بعناد على إعطاء الدستور صبغة وطنية.
إن البطريركية المارونية، نقلاً أيضًا عن أوجول كانت تتابع بصورة منتظمة مراحل عمل الدستور وقد حرصت على ألا يكون لأية مادة من مواد الدستور طابعاً إلحادي أو معاد لرجال الدين.
إن الوثائق المحفوظة في أرشيف بكركي والمتعلقة بالقانون الأساسي تظهر بوضوح ان قادة الكنيسة المارونية قد ركزوا في مراسلاتهم مع المفوض السامي ومع لجنة بونكور ومع لجنة 13 على وحدة الوطن وعلى أن يكون الحاكم من التباعية اللبنانية وعلى تثبيت التوزيع الطائفي لمقاعد المجلس النيابي وعلى الإبقاء على قوانين الأحوال الشخصية المذهبية وعلى المحافظة على حرية التعليم وعلى الدفاع عن التعليم الديني.
بينما كان اللبنانيون منكبين على العمل في دستورهم كانت الدوائر المختصة في وزارة الخارجية الفرنسية تعمل على وضع الشطر الأول من القانون الأساسي المسمى بالنظام الانتدابي وهو الذي ينظم العلاقة بين الدول المنتدبة والدول الواقعة تحت الانتداب.
بعد أن أنهت اللجنة المصغرة مشروع الدستور بمشاركة الخبير الفرنسي سوشييه ناقشت لجنة الـ13 النص وأدخلت عليه بعض التعديلات ثم أرسل هذا النص إلى باريس وقد اقترح دو جوفنيل على وزارة الخارجية ان يرافق إعلان الدساتير في كل من لبنان ودولة العلويين وسنجق الاسكندرون ذي الحكم الذاتي، توقيع معاهدات مع هذه الدول تحدد فيها علاقاتها مع فرنسا لكن بريان نصح المفوض السامي بالتريث مؤكدًا أن المعاهدات سيكون لها انعكاسات عديدة لاسيما من الناحية القانونية وأنها بالتالي تتطلب مزيدًا من الدرس والتعمق.
في 12 أيار أرسل بريان ملاحظاته على مشروع الدستور وقد تناولت بصورة أساسية المواد 96 إلى 100 المدرجة في الباب الخامس والمتعلقة بعصبة الأمم وبالدولة المنتدبة.
اقترح ان تحفظ هذه المواد وأن يستعاض عنها بإعلان يصدر عن كل حكومة من الحكومات المعنية تتعهد فيه بالإعتراف بالدول الأخرى وباللجوء إلى تحكيم الدولة المنتدبة عند وقوع أي خلاف بينها وتتعهد أيضًا بالقبول بالصلاحيات التي سيحتفظ بها المنتدب داخل كل دولة والإقرار بحقه المطلق في إدارة العلاقات الخارجية.
عدلت بعد ذلك بعض المواد طبقًا لملاحظات بريان ثم أصدر الحاكم كايلا قرارًا دعا فيه المجلس التمثيلي إلى جلسة استثنائية لمناقشة الدستور. افتتحت هذه الجلسة في 19 آيار وقد تمثلت الدولة المنتدبة بكل من سوشييه وسلومياك (Souchier et SlomiaC) بعد ان عرض دمّوس نتائج الاستشارات تكلم سوشييه طالبًا من المجلس الإسراع بدرس بنود الدستور وإقرارها لأن المفوض السامي ينوي مغادرة لبنان إلى باريس وأنه يرغب في إعلان الدستور قبل سفره. ثم أعرب عن امله في أن يتوصل إلى التفاهم مع أعضاء المجلس كما فعل من قبل مع لجنة 13.
وأخيرًا لخص سوشييه الصلاحيات التي ينوي المفوض السامي الاحتفاظ بها وهي تتعلق باستعمال قوات الجندرما والبوليس وبحل المجلس وبتنحية رئيس الجمهورية وبالعلاقات الخارجية.
بعد هذه المقدمة بدأت مناقشة الدستور مادة مادة وقد تغيب ميشال شيحا بسبب خلاف حاد كان قد وقع بينه وبين جوفنيل فدافع دمّوس وسوشييه بجرأة عن الدستور.
وبعد قراءة المادة الأولى المتعلقة بالحدود والاستقلال طالب الكلام النائب عمر الداعوق فتلا بياناً باسمه وباسم أربعة من زملائه هم عمر بيهم، نائب بيروت السني، وخير الديت عدرا، نائب طرابلس السني، وخالد شهاب، نائب لبنان الجنوبي السني، وصبحي حيدر نائب البقاع الشيعي يحتج فيه الخمسة على الباب الأول من الدستور وعلى إلحاق المناطق التي يمثلون بجبل لبنان، ويطالبون بإعادة فصلها وبإعطائها استقلالاً ذاتيًا على أن تشكل لاحقًا اتحادًا مع لبنان بحدوده السابقة ومع سوريا.
ثم تكلم صبحي حيدر وأضاف إلى الاحتجاج السابق ما حرفيته: "على أنه تحاشيًا للأضرار التي قد تلحق بأهالي البلاد الملحقة وريثما نتخلص من هذا الإلحاق فإننا ندخل بالبحث في هذا الدستور محتفظين باحتجاجاتنا".
بعد هذه المداخلات بدأت المناقشة الجدية.
إن دمّوس وسوشييه دافعا بشجاعة عن الدستور الذي شاركا في وضعه.
إن الأحكام المتعلقة بالانتداب كانت مدرجة كما ذكرنا في الباب الخامس. ولكن في جلسة 22 آيار الثانية أعلن سوشييه ان هذه الأحكام قد ألغيت ووزعت على أعضاء المجلس نصًا جديدًا يبدأ بالمادة 90 وقد جاء فيها:
"إن السلطات المقررة بمقتضى هذا الدستور يعمل بها مع الاحتفاظ بما للدولة المنتدبة من الحقوق والواجبات الناتجة عن المادة 22 من عهد جمعية الامم وعن صك الانتداب.
إن الصلاحيات التي احتفظت بها الدولة المنتدبة بموجب المادة 90 فصّلها سوشييه في بيان قرأه بعد ان أنهى المجلس مناقشة الدستور فأعلن سوشييه آنذاك ما حرفيته:
"سيتلى عليكم بالعربية نص الصلاحيات التي تحتفظ بها الدولة المنتدبة. سأطلب منكم ان تصغوا إليه بانتباه. أنا لا أطلب منكم ان تصادقوا عليها أو أن تناقشوها وتصوتوا عليها كما ناقشتم بنود دستوركم وصوتم عليها. إني أطلب منكم فقط ان تأخذوا علمًا به. قد انتدبني حضرة المفوض السامي لأشترك معكم في إعداد دستوركم ولكي تضعوا أنتم هذا الدستور بالاتفاق مع الدولة المنتدبة. اما الآن وقد وصلتم في عملكم إلى مرحلة النهاية فقد حان الوقت كي أبلغكم التحفظات التي ترى الدولة المنتدبة انه من واجبها القيام بها. أطلب منكم أن تقولوا لي إذا كنتم توافقون على هذه النقاط كما سبق لي وأبلغتكم أننا متفقون معكم على مواد دستوركم.
بعد هذا التصريح قرئ نص التحفظات وهو يتضمن أربع مواد. تتعلق الأولى بحق الرقابة الذي ستمارسه الدولة المنتدبة بواسطة مستشارين فرنسيين يوزعون على الإدارات العامة ويتلقون اجورهم من الخزينة اللبنانية. تضع المادة الثانية تحت تصرف المفوض السامي قوى الأمن الداخلي وتعترف بسلطته المطلقة على القوى المسلحة الفرنسية التي تحتاج إليها الدولة المنتدبة لتطبيق الانتداب وللدفاع عن الحدود ولوضع القانون الأساسي موضع التنفيذ. تخول المادة الثالثة المفوض السامي استعمال حق الفيتو أو النقض ضد القوانين والقرارت التي يعتبرها مضرة بالانتداب وبمصلحة لبنان ومناقضة للالتزامات الدولية. وقد أخضعت المادة نفسها حل المجلس وعزل رئيس الجمهورية لموافقة المفوض السامي. اما المادة الرابعة والاخيرة فقد نصت على أن العلاقات الخارجية وقبول اوراق اعتماد السفراء الأجانب هي حصرًا من صلاحيات الدولة المنتدبة.
بعد ذلك صوت المجلس بالإجماع على نص الدستور المعدل ورفعت الجلسة في تمام الساعة الواحدة والنصف من صباح 23 آيار.
في اليوم نفسه زار جوفنيل مقر المجلس التمثيلي حيث وضع الدستور موضع التنفيذ وأعلن ولادة الجمهورية اللبنانية في 25 آيار طبقًا لما ورد في المادة 98 من الدستور. عين المفوض السامي أعضاء مجلس الشيوخ الستة عشر وفي 26 آيار اجتمع المجلسان وانتخبا شارل دباس أول رئيس للجمهورية اللبنانية.
نشر نص الدستور في الجريدة الرسمية في 12 تشرين الأول 1926. كما نشر كملحق في التقرير الذي أرسلته الدولة المنتدبة إلى عصبة الأمم عن عام 1926. ثم اعادت نشرة عصبة الامم معدلاً،عام 1930، مع النصوص الدستورية الأخرى المتعلقة بالدول المشرقية الواقعة تحت الانتداب الفرنسي. وهذه النصوص هي الدستور السوري، النظام الأساسي لسنجق الإسكندرون، النظام الأساسي لدولة العلويين، النظام الأساسي لدولة جبل الدورز، والنظام الأساسي لمجلس المصالح المشتركة.
غادر جوفنيل لبنان إلى فرنسا حاملاً معه نص الدستور اللبناني وذلك في 27 آيار 1926 على الباخرة نفسها (Le sphinx)التي أقلته من مرسيليا إلى بيروت قبل ستة أشهر من هذا التاريخ.
نستخلص من هذه الدراسة أن نص الدستور اللبناني هو نتيجة عمل جماعي قام به اللبنانيون بمشاركة الفرنسيين. وقد أبرزت الاستشارات الواسعة التي نظمها المجلس التمثيلي والتي لخصها دموس في تقريره الخيارات الأساسية للفعاليات الوطنية. بعد ذلك تعاون على إعداد مشروع الدستور كل من شيحا ودموس والخبير سوشييه وذلك تحت رقابة موسى نمور وتحت إشراف لجنة 13 التي لم تتردد في فرض التعديلات التي رأتها ضرورية.
اما اللمسات الأخيرة فوضعها المجلس التمثيلي نفسه خلال الجلسات التي عقدها بين 19 و 23 أيار 1926 والتي كرسها جميعها لدرس ومناقشة المواد مادة مادة.
محطات من تحولات في السياسة والأمن والإقتصاد
شهد لبنان في الستينيات تنظيم القطاع المصرفي والشأن الإجتماعي. تأسس المصرف المركزي في السنة 1964، وصندوق الضمان الإجتماعي وصدرت قوانين ترعى العمل المصرفي وأخرى تضبط أوضاع المصارف سيما وأن أزمة بنك إنترا في خريف السنة 1966 هزّت القطاع المصرفي. بفضل هذه الخطوات تجاوز لبنان آثار أكبر أزمة تاريخية واجهها خلال تاريخه. ثم جاءت حرب حزيران 1967 بين مصر وسوريا والأردن وإسرائيل، بعد أزمة بنك إنترا مباشرة... فقد العرب سيناء والجولان والضفة الغربية وقطاع غزة. إلا أن القطاع الإقتصادي في لبنان استعاد حيويته وبدأت بيروت تستقطب عبر التوظيفات المباشرة ومكاتب التمثيل الأجنبية غالبية المصارف العالمية المعروفة منها عدد من المصارف اليابانية ومصرف إسباني واحد. إستمرت هذه الطفرة الإقتصادية والمالية حتى العام 1974. ولم تتأثر بالصدامات العديدة بين القوى الفلسطينية المسلحة والجيش اللبناني. وتخطت تداعيات حادثة تدمير الأسطول الجوي المدني التي قام بها كومندوس إسرائيلي على مطار بيروت الدولي ليلة رأس السنة 1968. في السنة 1968، بدا واضحًا نمو الوضع الإقتصادي والمالي في لبنان، إذ زاره مليونان وأربعمئة ألف سائح... رقم قياسي في العالم العربي، ساهم في تمتين سعر صرف العملة الوطنية... إستمرت الليرة اللبنانية في تحسنها قياسًا إلى الدولار حتى بلغت 2،22 ليرة لبنانية للدولار في نهاية العام 1974، في حين كانت تبلغ 3،7 ليرات للدولار تاريخ تحرير العملة اللبنانية من الإرتباط بالفرنك الفرنسي وبالليرة الشورية قبل ربع قرن من ذاك التاريخ... في اواخر 1968، دخل الأراضي اللبنانية عدد من الفلسطينيين المسلحين أي الفدائيين. أحدث هذا الأمر اضطرابات داخلية ليس بالنسبة لعدد الذين دخلوا وكان لا يتجاوز الخمسين، بل لمبدأ وجود فدائيين على الأراضي اللبنانية. أما الاضطرابات الداخلية فكان سببها الانقسام بالرأي حول مبدأ وجود فلسطيني مسلح: فريق يؤيد وفريق يرفض. الفئة التي أيدت لجأت إلى مختلف وسائل الضغوط: الاضطرابات والمظاهرات والمهرجانات الخطابية والعراقيل التي كانت تضعها لدى تشكيل الحكومات... الفئة التي رفضت اقتصر نشاطها على إسداء النصح للفريق المؤيّد بعدم الذهاب بعيدًا بالتأييد خشية التصادم...
أخذ عدد الفدائيين يتزايد يومًا بعد يوم. ردود الفعل الإسرائيلية وكان أبرزها الغارة على مطار بيروت الدولي في 28 كانون الاول 1968... في نيسان 1968، قامت تظاهرة انطلقت من ساحة كلية المقاصد في بيروت وسار المتظاهرون باتجاه المجلس النيابي... حصل إطلاق نار وسقط 14 قتيلاً وبعض الجرحى الأمر الذي حمل السيد رشيد كرامي على تقديم استقالة الحكومة التي كان يرئسها. تعذّر تشكيل حكومة جديدة بسبب استمرار الخلاف حول وجود الفدائيين في الوقت الذي كان عدد هؤلاء يتزايد. رفض رئيس الجمهورية يومذاك الرضوخ للأمر الواقع والتسليم للوجود الفدائي على الأراضي اللبنانية ووجه رسالة بتاريخ 31 آيار 1969 بهذا المعنى أثارت ردود فعل مختلفة ولاسيما من جهة الفريق المؤيد للوجود الفدائي... رفض رئيس الجمهورية تشكيل حكومة ترضخ للأمر الواقع وبقيت البلاد دون حكومة، فاستمرت الحكومة المستقيلة تصرّف الاعمال سحابة سبعة أشهر... في أواخر شهر تشرين الأول 1969 حصل اصطدام مسلح بين الفدائيين والجيش اللبناني في مجدل سلم في منطقة الجنوب تسبب فيه الفدائيون، فسار الفريق المؤيد. وما هي إلا أيام معدودة حتى اشتعلت المناطق الحدودية وكان عدد الفدائيين فيها قد تجاوز الثلاثة آلاف. ثم ثارت الدول العربية على رئيس لبنان لموقفه من الفدائيين ومارست تجاه لبنان مختلف أنواع الضغوط ولاسيما منها الإعلام العربي وأقفلت بعضها الحدود مع لبنان وتصاعدت الاشتباكات العسكرية بين الجيش والفدائيين وحلفائهم ومرت بضعة أيام والامور تسير من سيء إلى أسوأ الامر الذي اضطر السلطة إنقاذًا للبلاد من الانقسام داخليًا إلى التسليم بالوجود الفدائي في لبنان وكان اتفاق القاهرة وقد تضمن نصًا سريًا أعطى خطأ الانطباع بأن لبنان سُلّم للفدائيين. ولكن الفلسطينيين لم يكتفوا بما تضمنه اتفاق القاهرة. وخلافًا لهذا الاتفاق ادخلوا جميع أنواع الأسلحة والذخائر ولاسيما الثقيلة منها إلى المخيمات وأنشأوا المكاتب في العاصمة والضواحي والمناطق وكثرت التجاوزات التي كان يرتكبها عناصرهم وتعددت الاصطدامات بينهم وبين قوى الأمن والجيش وأخذوا بإيواء الخارجين على القانون من لبنانيين وفلسطينيين وغيرهم من عرب وأجانب...
وفي ليل 10 – 11 نيسان 1973، قتل 3 مسؤولين فلسطينيين في شارع فردان واتهم رئيس الحكومة يومذاك قائد الجيش بالتقصير واشترط إقالته أو استقالة الحكومة... وكان أبرز هذه الاصطدامات بين الفلسطينيين والجيش الاصطدام الذي حصل في 2 آيار 1973 على أثر حجز 3 عسكريين من قبل حاجز من فدائيين. أنذر الجيش الفلسطينيين بإعادة المحجوزين خلال مهلة محددة وإلا لجأ إلى القوة. وبعد انقضاء هذه المهلة دون نتيجة، توجهت دورية من الجيش لاستعادتهم بالقوة. وجرى تبادل إطلاق نار تبعه قصف ثكنات الجيش المجاورة من قبل فلسطينيين بالمدافع والصواريخ. وعمت الاشتباكات العاصمة ومناطق عدة من لبنان. وأخذ الفلسطينيون يقصفون الأحياء السكنية والمرافق العامة ومنها مطار بيروت الدولي بمختلف أنواع الأسلحة ومنها المدافع والصواريخ.
واضطرت الحكومة يومذاك إلى اتخاذ تدابير أمنية مشددة منها منع التجول. وما ان أخذت الأمور تعود إلى الحالة الطبيعية حتى انفجرت عند الساعة العاشرة من ليل 7 آيار وكان مجلس الوزراء لا يزال منعقدًا وتساقطت القذائف المدفعية والصاروخية وسواها بصورة عشوائية على جميع أحياء بيروت وضواحيها وتسببت بوقوع ضحايا بريئة عدة مما حمل مجلس الوزراء بناء على اقتراح رئيس الحكومة إلى إعلان حالة الطوارئ. وقضت بيروت وضواحيها تلك الليلة دون ان يهدأ دوي انفجارات القذائف وأزيز الرصاص. وقبل بزوغ الفجر بعد تلك الليلة الرهيبة كان رئيس الحكومة يقدّم استقالته لانه لم يصمد امام الضغوط التي تعرّض لها على أثر إعلان حالة الطوارئ قبل ساعات معدودة ولكن ذلك لم يمنع من اتخاذ التدابير العسكرية ومنها سلاح الطيران والتي بفضلها توقفت موجة العنف. إذ تهافت السفراء العرب طالبين وقفها متوسطين بين السلطة اللبنانية والفلسطينيين داعين إلى ضرورة توضيح العلاقات بين السلطة والمقاومة وكان اتفاق ملكارت.ولكن لا اتفاق القاهرة ولا اتفاق ملكارت كان ما يرمي إليه الفلسطينيون. واستمرت أعمال الشغب وتصاعدت ولم يكن مهرجان خطابي يحصل في أي منطقة يتواجد فيها فلسطينيون إلا ويشترك هؤلاء فيه ويحملون على السلطة ويتهمونها بشتى الاتهامات ولا يكتفون بذلك بل يحملون على نظام الحكم وعلى مؤسسات الدولة الدستورية منها والوطنية ولاسيما الجيش ألخ... إلى أن كان يوم 26 شباط 1975 حيث قامت تظاهرة في صيدا اشترك فيها النائب السابق المرحوم معروف سعد. أطلقت النار عليه فأصيب بجراح بالغة نقل على أثرها إلى المستشفى حيث توفي بعد أسبوعين تقريبًا. حدثت أعمال شغب بعد إصابة النائب سعد وبعد وفاته. وحاولت الحكومة برئاسة رشيد الصلح معالجة ذيول هذا الحادث المؤسف وما إن أخذت اجواء الهدوء تعود إلى البلاد حتى كان يوم 13 نيسان 1975 حيث وقعت حادثة عين الرمانة المعروفة. سارعت الحكومة يومذاك إلى العمل على تدارك الامر بعد أن تبين لها أن أجواء غير طبيعية تسود البلاد فأجرت الاتصالات بجميع الأطراف المعنية للوقوف على حقيقة هذه الحادثة المؤسفة وعلى أسبابها ودوافعها ولكن دون جدوى. وُجِّهت التهمة إلى حزب لبناني بأنه يعمل على تصفية المقاومة الفلسطينية وأقيمت الحواجز المسلحة وجرى خطف بعض المنتسبين للحزب المذكور أو المتعاطفين معه حيث كانوا يمرون بمناطق مختلفة من العاصمة ولم يكونوا قد علموا بعد بما حصل. ففقد بعضهم ولا يزال مفقودًا. وعمت الاشتباكات بمختلف الاسلحة الخفيفة منها والثقيلة وقطعت الطرقات العامة واعتدى على منازل ومكاتب ومتاجر ومصانع ووقعت ضحايا عديدة ولم تتمكن الحكومة من وقف إطلاق النار إلا بعد أربعة أيام على بدء القتال. وما أن أخذت الأحوال تهدأ تدريجيًا حتى قامت حملات تتهم السلطة بشتى التهم. منها التآمر على المقاومة وبأنها تنفذ مخططًا لتصفيتها من اجل فرض حل سلمي في منطقة الشرق الأوسط ومنها أن أسباب الحوادث هي محض اجتماعية... وشعرت المقاومة الفلسطينية انها أصبحت تحت الأضواء فعمدت إلى توجيه إعلامها على انها تلتزم حيادًا مطلقًا تجاه ما يجري في لبنان ناسبة ذلك مرة إلى أنه صراع بين يمين ويسار ومرة أخرى إلى أنه صراع بين طوائف حول مطالب مختلفة إلى آخر المعزوفة. وتحت وطأة هذه الحوادث اضطرت الحكومة برئاسة رشيد الصلح إلى الاستقالة. وفي الوقت الذي كان رئيس الجمهورية يجري استشارات نيابية لتشكيل حكومة جديدة استؤنفت الاشتباكات في ضواحي بيروت وبالضبط في منطقة تل الزعتر الدكوانة وما لبثت أن اتسعت رقعة الاقتتال بسرعة جنونية لا عهد لنا بها في لبنان وأخذت قذائف المدافع والصواريخ تتساقط بصورة عشوائية في كل مكان على الناس والممتلكات مخلفة وراءها الضحايا والخراب. وتجاه إعلان رئيس الوزراء المستقيل أنه لن يمارس مهمة تصريف الأعمال حتى تشكيل حكومة جديدة ولن يبذل أي جهد من أجل وقف النار كان لا بد من مواجهة هذا الأمر بتدبير سريع بوقف النزف البشري فجرى تشكيل حكومة من عسكريين وقف ضدها بصورة خاصة أقطاب الطوائف الإسلامية وتداعوا إلى عقد اجتماعات طائفية مما تقرر فيها: طلب استقالة الحكومة وعدم قبول أية حكومة لا يكون رئيسها رشيد كرامي. وقدّمت الحكومة التي ضمت العسكريين استقالتها بعد يومين من تأليفها وجرى تكليف الرئيس كرامي تشكيل حكومة جديدة ولكن الاشتباكات لم تتوقف بل كانت رقعة الاقتتال تتسع فيزداد معها عدد الضحايا والخراب والدمارو الخسائر والتعقيدات إلى أن تم الاتفاق بعد مرور اكثر من شهر على تكليفه على تشكيل حكومة برئاسة الرئيس كرامي بتاريخ أول تموز 1975.
وكعادتهم اتخذ الفلسطينيون من قضية حكومة العسكريين حجة وشنوا حملات عنيفة ضد السلطة بعد ان اتهموها بشتى الاتهامات منها تصفية المقاومة الفلسطينية وتحجيمها. تمرير الحلول السلمية أو الاستسلامية، تنفيذ مخططات الصهيونية والإمبريالية. التآمر على الدول العربية المتلاحمة مع الثورة. ولم ينسوا تبرير ما أقدموا عليه من أعمال تخريبية واعتداءات على الناس والممتلكات فقالوا إنها بسبب التواطؤ مع الإنعزاليين والتستر بهم. استعداء الجيش على المقاومة... تسليح الجيش لضرب المقاومة والهيئات الوطنية والاحزاب التقدمية... المحافظة على نظام الاحتكار ومص الدماء والصفقات المشبوهة... تسليح الميليشيات وتشجيعها للتصادم مع المقاومة تمهيدًا لاستدراجها إلى معارك جانبية يضطر عندها الجيش للتدخل ويضرب المقاومة... مالت الأوضاع إلى الهدوء وأخذت الحياة الطبيعية تعود إلى البلاد والاحوال تتحسن يومًا بعد يوم. وسارت الحكومة الجديدة في عملها تنفيذًا للبيان الوزاري وتوالت الاجتماعات واللقاءات من اجل تحقيق مصالحة وطنية بين جميع الأطراف تجمع الشمل وتضع مصلحة لبنان فوق كل مصلحة ورغبة من الحكومة في استعجال درس جميع المسائل والمواضيع المطروحة للبحث والتي كان البعض يرى أن معالجتها تقطع سبب الشر. قررت عقد جلسات مفتوحة.
سئل فخامة الرئيس سليمان فرنجية عن توقعاته من مؤتمر القمة المنعقد حاليًا في القاهرة فأجاب: إن التحركات العربية على مستوى القمة مختصرة كانت أو موسعة دليل عافية... إن أول ما يدعو إلى التساؤل هو لماذا المحركون اليوم لم يتحركوا إلا بعد ثمانية عشر شهرًا من بدء الحوادث التي سريعًا ما استحالت إلى حرب شرسة؟ أقول حربًا ولا أقول أهلية كما يصر على تسميتها المغفلون المتواطئون وسيئو النية. بل أقول حربًا عدوانية شنها على اللبنانيين في أرض لبنان الفلسطينيون وأعوانهم لأهداف شتى. غير أننا نتخطى هذا التساؤل لنقف للمؤتمرين عند حقيقة أن الإعلام الفلسطيني يبني دعايته على المغالطات والافتراء ويروج لها بالضغط والإرهاب او بالإفساد والإغراء.
فمن افتراءاته ومغالطاته مثلاً قوله عندما بدأت انتصارات القوى اللبنانية في الجنوب إن إسرائيل تدعم القوى اللبنانية كما سبق لإعلامهم أن قال في معركة ضبيه وتل الزعتر إن القوى السورية ساعدت القوى اللبنانية كل ذلك تغطية لفشل الفلسطينيين في هذه المعارك. هذا فضلاً عن انتقامهم الوحشي بعد كل انكسار إذ يتخيرون نقطة ضعف في الجمهورية اللبنانية فينزلون بكل قواهم إليها ويغدرون بها غدرًا.
فالعيشية اليوم كما شكا بالامس والدامور قبلهما. وتابع الرئيس فرنيجة فقال: تلك هي الملاحظات والتخوفات والآمال التي نتوجه بها إلى الملوك والرؤساء المجتمعين اليوم في القاهرة لمعالجة القضية اللبنانية وإيجاد الحلول لها. إننا نرجو لهم التوفيق لأن العالم المتحضر كله ينظر الآن إليهم، يحكم لهم او عليهم قبل حكم التاريخ. وختم بقوله: سيظل لبنان أيًا كانت المحاولات رافضًا لأي حل لا يزيل عنه الاعتداء وآثاره وذيوله غير قابل بما لا يسلم معه تاريخه العريق الأصيل في الحضارة ودوره الفريد النبيل في خدمة الانسانية والإنسان وجهه المتميز في هذا المقلب من الأرض. سئل فخامة الرئيس سليمان فرنجية عن رأيه بالمقررات التي اتخذت في مؤتمر الرياض فأجاب: "ما هي الغاية التي من اجلها تم انعقاد مؤتمر القمة العربية في الرياض؟ إن الغاية بنظرنا هي حقن دماء اللبنانيين. فماذا يجب لذلك؟ وقف الاقتتال ثم الحؤول دون تجدده. اما الاقتتال فأسبابه الوجود الفلسطيني الكثيف على أرض لبنان والمطامع الفلسطينية الجنونية بأرض لبنان التي دوخت عقول الفلسطينيين فأضاعتهم. وسبب الاقتتال الدعم العربي المفرط بالمال والسلاح والرجال الذي قدم لهم لغاية وأنفق على غير غاية. ولم يقم على ذلك رقيب أو حسيب. أما وقف الاقتتال فيجب أن يكون وفقًا لجميع أنواع الاقتتال من حد القصف والقنص والرجم العشوائي بالصواريخ إلى حد التهويل والتهديد والخطف ومن حد التدمير والحرق والتخريب إلى حد السرقة والسلب والنهب. كما يجب أن يكون وقفًا كليًا على جميع الجبهات من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال مرورًا بالجبال والسواحل وبالمدن وضواحيها. وأما الحؤول دون تجدد الاقتتال فلا يكون إلا بإزالة أسبابه ومتى علم أن من أسباب الاقتتال الرئيسية تفرد الفلسطينيين بإدارة قيادة القضية العربية الشاملة المسماة باسمهم والتحالف مع اليسار المحرض الذي زعم الفلسطينيون انه من حقهم أن يعقدوه باسم القضية الفلسطينية على حساب المجموعة العربية فجروا وراءهم على حين غفلة بعض المسؤولين العرب. كل هذا بالإضافة إلى السبب الرئيس الكبير الذي هو تمسك اللبنانيين حتى النفس الأخير بسيادة بلادهم بحريتها وبكرامتها. متى علم ذلك. علم ماذا تعني بالضبط إزالة أسباب القتال وكسيف يجب ان تكون. فإن كان هذا قد تحقق فقد تحققت الغاية من مؤتمر الرياض وإن لا فلا. ثم تابع فقال: يبدو ان فخامة الرئيس سركيس قد عاد مطمئنًا إلى مقررات المؤتمر. إننا نثق بالرئيس سركيس. فعندما يكون هو مطمئنًا يصير سهلاً علينا أن نطمئن. هذا فضلاً عن أن ظاهر القررات يطمئن. غير أنه يبقى أن نعرف بواطن هذه المقررات والدقة والصرامة والصدق التي سترافق تنفيذها.
عشية اندلاع الحرب، يوم السبت 12 نيسان 1975، دخل رئيس الجمهورية سليمان فرنجية عند الثامنة صباحًا، إلى الجامعة الأميركية لإجراء عملية جراحية لاستئصال المرارة. إستغرقت الجراحة ثمانين دقيقة، خرج بعدها الرئيس واعيًا وشكر الطبيب الذي أجرى الجراحة الدكتور سامي عبيد والأطباء الأخصائيين والممرضات الذين عاونوه، بقوله "شكرًا لكم ... ألله يقويكم"... على الأثر صدر بيان طبي أولي أكد فيه مستشفى الجامعة نجاح الجراحة وأن الرئيس يتمتع بصحة جيدة، ثم عند المساء صدر بيان آخر: "يتمتع فخامة رئيس الجمهورية الأستاذ سليمان فرنجية بحالة صحية ممتازة بعد الجراحة التي أجريت له صباح اليوم وتظهر كل المؤشرات الطبية أنه يستعيد نشاطه بصورة طبيعية. وطوال النهار، منذ الصباح الباكر، حتى المساء، غص مستشفى الجامعة بوفود الزائرين من أركان الدولة والنواب والدبلوماسيين ورجال الدين وممثلي الأحزاب والهيئات والنقابات والوفود الشعبية... وكانت هناك بالطبع "فرنسا" الزغرتاوية التي استقبلت إعلان نجاح الجراحة بزلغوطة أشاعت الإرتياح في نفوس المحتشدين... وبين مئات السلال من الزهر التي وصلت إلى المستشفى، ثلاث من الرئيس أنور السادات والملك الحسن الثاني والسيد ياسر عرفات الذي انتدب أبو الزعيم وأبو حسن لزيارة المستشفى.
صحيفة النهار الخاصة باندلاع الحرب في لبنان المندلعة يوم الأحد 13 نيسان 1975، صدرت متوجة بالعناوين التالية: 30 قتيلاً وعدد من الجرحى - عرفات يستنجد بالملوك والرؤساء العرب، والجميّل يتهم إسرائيل بافتعال الحادث - جنبلاط وأحزاب اليسار يطالبون بحل الكتائب وطرد وزيريها - السادات يتدخل ويدعو إلى حقن الدماء والقضاء على الفتنة بمهدها - ليلاً: إنفجارات ورصاص ونسف محلات وقطع طرق... وفي التفاصيل: 26 فلسطينيًا وكتائبيان وشخصان آخران قتلوا في حادث حصل على دفعتين في عين الرمانة، بين كتائبيين وعناصر فلسطينيين. القيادة الفلسطينية اتهمت الكتائب بمسؤولية ما حصل فيما اتهمت الكتائب سيارتين فولزفاكن وفيات بافتعال الحادث. وكان القتلى الفلسطينيون في أوتوبيس عائد من مسيرة. كذلك وقع بضعة جرحى من الطرفين. عام 1976 إنعقدت جلسة أول مؤتمر قمة عربي في عهد الياس سركيس أقر فيها المجتمعون دخول قوات الردع العربية إلى لبنان. في حزيران 1978 جمعت قمة اللاذقية الرئيسين الياس سركيس وحافظ الأسد اللذين أعلنا عن اتفاق مشترك طالبا فيه بتنفيذ قراري مجلس الأمن الدولي 425 و 426 من أجل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإعادة السلطة إلى الشرعية والسيادة اللبنانية إلى الجنوب وتعزيز التنسيق بين الجيش اللبناني وقوات الردع العربية . كذلك شدّد الاتفاق على ضرورة تنظيم العلاقات اللبنانية الفلسطينية مع المحافظة على سلامة لبنان وسيادة أراضيه. بعد هذه القمة، عقدت اجتماعات عسكرية لبنانية – سورية – دولية لمناقشة الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب ودخول الجيش إليه بالتنسيق مع الطوارئ الدولية إضافة إلى نشر الجيش في بيروت والمناطق بالتنسيق مع قوات الردع العربية. في السادس من حزيران 1978، أعلنت الجبهة اللبنانية رفضها للاتفاقات المعقودة بين السلطة اللبنانية والمقاومة الفلسطينية منذ اتفاق القاهرة عام 1969 حتى اليوم.
فانفجر الوضع عسكريًا في أوائل تموز 1978 إنطلاقًا من الضاحية الجنوبية وصولاً حتى الأشرفية ليطاول كل مناطق بيروت الشرقية.
شهد الوضع الامني في العام 1978، النكسة تلو النكسة لكن الأمل بحلول السلام في لبنان هيمن على مطالع السنة الجديدة حيث استقبلها اللبنانيون على أمل أن يشهدوا فيها استقرارًا أمنيًا ملحوظًا في الداخل وعلى الحدود وأن تنجح المساعي الهادفة إلى وفاق وطني ثابت وجامع. في الساعات الأولى من العام الجديد، حفل نشاط رئيس الحكومة الدكتور سليم الحص بتحركات اتصلت بمعالجة الناحية الأمنية واتخاذ التدابير الهادفة إلى إزالة المظاهر المسلحة. ثغرات أمنية عدة تنخر الساحة الداخلية. معالجتها تحتاج إلى تنسيق بين القوى الشرعية الثلاث. وكما الداخل اللبناني غير مستقر كذلك الوضع في الجنوب متوتر وهش، رغم المشاورات الدولية الجارية لتجنيبه خطر الانفجار. سعت الحكومة إلى ترجمة مقررات اجتماع بيت الدين وإلى إيجاد قواسم مشتركة بين الأطراف اللبنانيين وبين لبنان والعرب، لاسيما مع سورياوالمقاومة الفلسطينية. في الواقع ما عمدت إلى القيام به الحكومة هو تكريس نوع من الانفراج النسبي الداخلي ريثما يتضح المنحى الذي يسير في فلكه الوضع العام في الشرق الأوسط وانعكاسه المباشر على لبنان. في هذا الإطار بدأ الحكم في لبنان سنته الجديدة مترقبًا للتطورات. في غياب قرار دولي بحل للأزمة اللبنانية. أمنيًا عاد الهدوء الأمني إلى الضاحية الجنوبية من بيروت بعد الاشتباكات التي جرت يوم السبت وأدت إلى سقوط ثلاثة إصابات. في الاول من كانون الثاني كانت إيران تعيش لحظاتها التاريخية، حيث تودع نظامًا وتستعد لاستقبال نظام جديد، وولوج ىفاق جديدة. شاه إيران يعيش أيام حكمه الأخيرة، والإمام الخميني يتحضر للعودة إلى بلاده.
في عهد الرئيس الياس سركيس ، إنعقد عدد من مؤتمرات القمة العربية :المؤتمر الأول استضافته الرياض يوم السبت 16 تشرين الأول 1976 بدعوة من المملكة العربية السعودية وامتدّ طوال ثلاثة أيام . أقرّ بيانه الختامي تأليف قوة الردع العربية لوقف الحرب اللبنانية الفلسطينية المستعرة منذ سنتين وفرض تطبيق اتفاق القاهرة على منظمة التحرير الفلسطينية. أما المؤتمر الثاني فاستقبلته القاهرة بعد عشرة أيام من المؤتمر الأول ، حضرته عشر دول عربية وهو تكملة للمؤتمر الأول . أما الثالث فعقد في بغداد في تشرين الثاني 1978 بُعيد مؤتمر كامب دايفيد وتوقيع المعاهدة المصرية الإسرائيلية. إستمر المؤتمر خمسة أيام وبرز فيه الانشقاق العربي والخلاف بين مصر ودول التصدّي والصمود التي تشمل سوريا ، العراق، ليبيا ، الجزائر واليمن الجنوبي. أما المؤتمر الرابع فانعقد في تونس في 20 تشرين الثاني 1979 بطلب من لبنان ودام يومين بحث قضية الجنوب اللبناني والوجود الفلسطيني المسلّح.
عملية الليطاني – إجتياح إسرائيل للجنوب
ثلاثون ألف جندي دفعتهم إسرائيل ليل 14 – 15 آذار 1978، مدعومين بمئات الدبابات وقطع المدفعية والطائرات والبوارج الحربية.
358 قرية استهدفها العدوان (الذي استمر سبعة أيام) في أقضية حاصبيا وبنت جبيل ومرجعيون وصور والنبطية...
1100 كلم2 من الاراضي اللبنانية تم احتلالها خلال هذا الإجتياح العنيف.
560 مواطنًا استشهدوا وجرح 653.
إرتكبت قوات الإحتلال مجازر في بلدات الخيام وكونين والعباسية وجويا. دمرت قرى كاملة كالغندورية والقنطرة، وخمسين مدرسة وعشرة مراكز صحية وخرّبت شبكات المياه والكهرباء والهاتف وأماكن العبادة من مساجد وكنائس وحسينيات، وأتلفت مئات الألوف من الدونمات المزروعة.
القراران 425 و 426
على أثر الإجتياح الإسرائيلي للجنوب اللبناني في عملية الليطاني في 14 آذار 1978، صدر عن مجلس الأمن الدولي بتاريخ 19 آذار 1978 القرار 425 الذي نص على ما يلي:
إن مجلس الأمن بعدما أخذ علمًا برسالة مندوب لبنان الدائم ورسالة مندوب إسرائيل الدائم. وبعدما استمع إلى كلمتي المندوبين الدائمين للبنان وإسرائيل، إذ يعرب عن اهتمامه بتدهور الوضع في الشرق الأوسط ومضاعفاته بالنسبة إلى الحفاظ على السلام الدولي واقتناعًا منه بأن الوضع الحالي يعوق تحقيق سلام عادل في الشرق الأوسط يدعو إلى احترام صارم لسلامة الأراضي اللبنانية وسيادة لبنان واستقلاله السياسي ضمن حدوده المعترف بها دوليًا. يدعو إسرائيل أن توقف فورًا عملها العسكري ضد سلامة الأراضي اللبناني وتسحب حالاً قواتها من كل الأراضي اللبنانية.
يقرر في ضوء طلب الحكومة اللبنانية أن ينشئ فورًا تحت سلطته قوة مؤقتة تابعة للأمم المتحدة في جنوب لبنان وغايتها التأكد من انسحاب القوات الإسرائيلية وإعادة السلام والأمن الدوليين ومساعدة حكومة لبنان على ضمان استعادة سلطتها الفعلية في المنطقة على أن تتألف القوة من عناصر تابعة للدول الأعضاء في الأمم المتحدة. وبعد إطلاع مجلس الأمن على تقرير الأمين العام، أصدر المجلس القرار 426 قرر فيه: تشكيل القوة بالتوافق مع التقرير المذكور لفترة أولية تبلغ ستة أشهر على أن تتابع عملها بعد هذا التاريخ إذا دعت الحاجة، شرط أن يوافق مجلس الأمن على هذا.
في الثانية من فجر الجمعة 18 نيسان 1980، أغار الكومندوس الإسرائيلي على مركز تابع للجبهة الشعبية للقيادة العامة في بلدة الصرفند في جنوب صيدا ووقع اشتباك دام ساعتين. في وقت أعلنت قيادة القوات الدولية في الجنوب أن الميليشيات الحدودية قتلت جنديين إيرلنديين وجرحت رفيقًا لهما، بعد خطفهم مع مرافقين دوليين ومراسل وكالة أنباء أميركية ومصورها فيما كانوا متجهين إلى مركز المراقبة الدولية في مارون الراس. بذلك يكون عدد قتلى القوات الدولية قد ارتفع إلى 41 قتيلاً منذ دخولها جنوب لبنان قبل عامين.
وقع الكمين المسلح على طريق بنت جبيل – مارون الراس. أثار نبأ مقتل الجنديين الإيرلنديين على أيدي ميليشيات سعد حداد غضبًا في الأمم المتحدة وبدّل المعطيات التي كانت سائدة قبل الحادث وازداد التوتر في مجلس الأمن خصوصًا إثر الإعتداء الإسرائيلي على الصرفند. فطالبت المجموعة العربية في الامم المتحدة بضم هذا الإعتداء على الشكوى اللبنانية من أعمال إسرائيل في الجنوب. عقد مجلس الأمن جلسة وفي أذهان أعضائه مصير القوات الدولية وفي أصدائه تداعيات ما وصفه دبلوماسيون في الأمم المتحدة باغتيال العسكريين الإيرلنديين. وشهدت الجلسة إصرارًا من ممثلي الدول التي لها قوات عاملة في الجنوب على ضرورة صدور قرار فوري عن المجلس حول الحادث. ورفع الأمين العام للأمم المتحدة الدكتور كورت فالدهايم تقريرين الأول يتعلق باستمرار تدهور الوضع في الجنوب والثاني يعرض لظروف مقتل الجنديين الإيرلنديين. وتقدم مندوب تونس بمشروع قرار طالبًا من مجلس الأمن الموافقة عليه يذكّر المشروع بالقرارات السابقة ذات لاأرقام 425 و426 و427 و434 و440 و450 و459، كذلك بشروط عمل القوات الدولية الواردة في تقرير الأمين العام في 19 آذار 1978 والمؤكدة في القرار 426 لناحية تمكين القوات الدولية من العمل كوحدة عسكرية فعالة وضرورة تمتعها بحرية التحرك والدفاع عن النفس والإتصال والتسهيلات الأخرى لتنفيذ مهمتها. ويدين مشروع القرار التدخل العسكري الإسرائيلي داعيًا إلى الإنسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية ووقف أعمالها العدائية المباشرة وغير المباشرة ويدين خرق اتفاق الهدنة والهجمات على القوات الدولية والمراقبين الدوليين وعرقلة أعمالهم في منطقة عمليات الأمم المتحدة. ويستنكر الخسائر في الأرواح وسقوط الجرحى في صفوف القوات الدولية والقصف المتعمد للمستشفى الميداني التابع لها.
في بداية تموز 1980، أعلن وزير خارجية فرنسا، جان فرنسوا، من واشنطن، عن مبادرة تتعلق بالشرق الأوسط، ستتخذها قريبًا دول السوق المشتركة. طلبت المراجع الرسمية اللبنانية الحصول على معلومات وافية عن المبادرة الأوروبية. وكان وزير الخارجية اللبناني فؤاد بطرس قد عاد من لندن ولديه انطباعًا بأن بريطانيا تنصح بتأخير المبادرة الأوروبية إلى ما بعد الإنتخابات الأميركية.
في وقت كانت الولايات المتحدة تشدد على بقاء معاهدة كمب دايفيد، معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، حجرَ الزاوية لأية تسوية شرق أوسطية شاملة. ولبنان لم يكن ليغرّد خارج السرب العربي، ولن يتبنى أي قرار لا ينسجم مع الموقف العربي الجامع والقائم على بند رئيس قوامه انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة في العام 1967، مع موافقة إسرائيل على إقامة كيان فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، في مقابل اعتراف الدول العربية بإسرائيل، واعتراف متبادل بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية.
في ليل الأحد الإثنين 31 تموز – 1 آب 1980، شهدت منطقة القاسمية قرب صور عملية إنزال عسكرية إسرائيلية هي الأوسع في الجنوب منذ الغارة على منطقة أرنون في كانون الثاني 1979. نفّذ الإنزال رجال الكومندوس الإسرائيلي مع تغطية من قصف بحري ورمايات جوّية واستغرقت العملية أربع ساعات نُسِفَت خلالها خمسة منازل في العيتانية في القاسمية. وأدى الإعتداء إلى مقتل 13 بينهم امرأتان وأربعة أطفال وخمسة من "جبهة التحرير العربية" وواحد من البعث. وأصيب 29 فلسطيني بجروح. وغادرت القوة المغيرة مصطحبة معها أسيرين فلسطينيين.
وتحدث الإعلام الإسرائيلي عن العملية مشيرًا إلى تدمير قاعدة للفدائيين الفلسطينيين في جنوب لبنان. جاءت العملية الإسرائيلية في جنوب لبنان بعد ساعات من اجتماع لمجلس الأمن انعقد في 31 تموز 1980 في نيويورك لمناقشة موضوع القدس. صدر في نهايته قرار جديد حمل الرقم 476 أكد معارضة المجموعة الدولية أعمال إسرائيل في المدينة المقدسة وتمت الموافقة على مشروع القرار الذي تقدّمت به مجموعة الدول الإسلامية بأكثرية 24 صوتًا وامتناع الولايات المتحدة عن التصويت.
في 1 آب 1980 إحتفل لبنان بعيد الجيش للمرة الأولى منذ حرب السنتين. جرى الإحتفال في ثكنة شكري غانم في الفياضية مع تخريج 204 ضباط في الجيش وقوى الأمن الداخلي. سلّم الرئيس الياس سركيس الضباط المتخرجين سيوفهم في حضور أركان الدولة ودعاهم إلى جعلها سيوف حق وعدل وكرامة يجردونها من أجل الدفاع عن لبنان. وفي لقائه وزير الدفاع ووفد قيادة الجيش دعا سركيس إلى بناء جيش وطني مدعوم شعبيًا وقال إن توحيد الوطن ووفاق اللبنانيين يتيحان للجيش أن يتسلّم مهماته في جو تتضاءل فيه الصعوبات والعوائق. إحتفل لبنان بعيد الجيش وسط أزمة سياسية حادة وانقسام عمودي نتج عنهما عدم نضج التوافق على حكومة تتولى إدارة شؤون البلاد والشعب ما حدا بالرئيس سليم الحص إلى التحذير من عدم إمكانية الحكومة المستقيلة الإستمرار في تصريف الأعمال إلى ما لا نهاية في وقت تمر البلاد بظروف صعبة ودقيقة.
في 28 أيلول 1980، في وقت يعلن صدام حسين استعداد العراق للتفاوض ووقف النار مع إيران، تتسارع وتيرة الأحداث على مسرح الشرق الأوسط. أما في لبنان فجمود في السياسة وفي الأمن وفي الإقتصاد، ومراوحة في الأزمة الوزارية، وفشل في كل الإتصالات التي أجراها الموفدون والرسل العرب والدوليون، ولا أفقًا فعليًا ملموسًا لانفراجات على الصعيد السياسي ولا على الصعيد الأمني. أما سوريا فتلوّح بتوقيع معاهدة وشيكة مع الإتحاد السوفياتي ستكون لها انعكاسات على المنطقة عمومًا ولبنان بنوع خاص.
عشية اندلاع الحرب الإيرانية العراقية في 1 تشرين الأول 1980، إنعقد المؤتمر السنوي الخامس والثلاثون لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وكان رئيس البنك الدولي دعا في كلمته الأعضاء الـ 135 إلى مساعدة البلدان النامية التي تمثلها هذه السنة لجنة من 24 عضوًا تضم لبنان وقد ترأس وفده إلى المؤتمر حاكم مصرفه المركزي في حينه الشيخ ميشال الخوري وضم السادة خطار شبلي ورجا حماده ونسيم صليبا، وأجرى محادثات مع البنك الدولي للحصول على قرض جديد لتمويل مشاريع تتعلق بمرفأ بيروت وكان لبنان من المطالبين برفع حصة الدول النامية من 23 إلى 45% من مجموع رأس مال المؤسستين الدوليتين ما يسمح لها بلعب دور أكبر في رسم استراتيجيتهما المالية العالمية.
في 30 تشرين الثاني 1980، إحتشد 10 آلاف لبناني في ملعب برج حمود لمشاهدة مباراة لكرة القدم، هي الأولى من نوعها منذ العام 1975، بين فريق من المنطقة الغربية هو الأنصار وآخر من الشرقية هو الإستقلال. خرقت هذه المباراة الجدار النفسي والحواجز بين اللبنانيين وقد جرى التحضير لها لأشهر عدّة. تجرّأ وقدم إلى المنطقة الشرقية مئات من الشباب اللبنانيين المقيمين في الغربية وملأوا ثلث مقاعد المتفرجين في الملعب الشرقي. مباراة كسرت جليدًا عمره خمس سنوات وقرّبت بين مواطنين باعدت بينهم الحرب المدمرة. هذا في الرياضة، أما الموضوع الأبرز في السياسة فكان تمديدان: الأول تمديد للقوات الدولية العاملة في الجنوب والتي ينتهي انتدابها في 19 كانون الأول. والثاني لقوة الردع العربية والتي ينتهي انتدابها في 27 كانون الثاني.
الإثنين 27 تموز 1981، أنهت لجنة المتابعة العربية الدورة الرابعة من اجتماعاتها التي عقدتها يومي السبت والأحد 25 و26 تموز، بعد أن أمضت في لبنان 23 ساعة قوّمت خلالها الوضع في الجنوب عشية قرار مجلس الأمن الداعي إلى وقف النار، وقرارات مجلس الدفاع العربي المشترك. وختمت اللجنة المشتركة العربية أعمالها ببيان مقتضب حددت فيه موعدًا جديدًا للإجتماع في 3 و4 أيلول المقبل مع تسجيلها الإرتياح للإيجابية في مسألة التعامل مع إسرائيل، بعد أن كان الشيخ بشير الجميل قائد القوات اللبنانية قد سلّم إلى الرئيس الياس سركيس موقفه من هذه المسألة. وكانت تركزت مناقشات اللجنة على قضايا ثلاث: الجنوب والوضع الأمني والحوار. بالنسبة للجنوب، فضّلت اللجنة عدم التدخل في معالجة الوضع المتدهور نتيجة الإعتداءات الإسرائيلية لما لهذه القضية من ارتباط بأزمة الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية، ولأبعادها الإقليمية والدولية. وكان لبنان، على هذا الصعيد، قد دعا إلى عقد قمة عربية لمعالجة الوضع بالطريقة المناسبة بعد أن طالب في قمة الطائف الإسلامية باستراتيجية عربية مشتركة لمواجهة إسرائيل يكون له فيها نصيب.
أما فيما يتعلق بالوضع الأمني في بيروت، فناقشت اللجنة موضوع فتح الممرات والمعابر بين شطري العاصمة، مع الأطراف اللبنانية المتحاربة الذين أجمعوا على تغليب نظرية الوفاق قبل الأمن. وبالتالي تم استبعاد فتح الممرات قبل موعد الإجتماع المقبل للجنة العربية المشتركة التي ستسعى كمرحلة أولى لفتح بوابة السوديكو. يبقى موضوع الحوار بين الأطراف المتقاتلة. رأت اللجنة في موقف القوات اللبنانية بوقف التعامل مع إسرائيل إيجابية وخطوة متقدمة لتحريك عملية الحوار. عمومًا، شعر اللبنانيون بالإحباط من مبادرة اللجنة العربية بطيئة، حيث أنها لم تقدم الكثير لهم. واعتبروا عملها تمريرًا للوقت وتمديدًا للأزمة ريثما تتضح الصورة الإقليمية والدولية. ما زاد في جمود الحال، عدم لقاء الرئيس الياس سركيس بياسر عرفات رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. لقاء سعى إلى عقده كثيرون. كل الإشارات أوحت بأن الأزمة لا تزال بعيدة عن الحل. وأن الشهر القادم والأيام السبعة التي تفصل عن الإجتماع المقبل للجنة العربية، سيكرس السفراء ممثلو الدول الأعضاء في اللجنة جهودهم لحث الأطراف اللبنانيين للحوار على أن تنطلق أولى جلساته بعد 3 و4 أيلول. وفيما يتعلق بموضوع تأهيل الجيش وتطعيم الردع وما إلى ذلك، بقيت هذه النقاط قيد الكتمان عن الإعلام. وستستفيد اللجنة بعد تأجيل الإجتماعات من الوقت لحلحلة العقد مع ما يعني ذلك من استمرار للمسعى العربي لإيجاد حلول للأزمة اللبنانية.
إرجاء بت بعض المواضيع وتأجيل البحث فيها مرده إلى التطورات الإسرائيلية الخطيرة في الجنوب. إن صمود وقف النار من جهة ووضع مجلس الأمن الدولي يده على هذا الملف بطريقة غير منحازة من شأنه إعادة البحث في الملف اللبناني من جديد في عمق وجدية، خصوصًا بعد المواجهات التي حصلت بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل. إن الرئيسين سركيس والوزان وممثلي الدول الأعضاء في اللجنة العربية سيكثفون من اتصالاتهم باتجاه تحريك ملف الوفاق وتبريد المناطق الساخنة.
في 27 آب 1981، نجحت مساعي سفير المملكة السعودية في لبنان، الفريق علي الشاعر، في تثبيت هدنة إعلامية بعد اتصالات واسعة أجراها مع الجبهة اللبنانية. مبادرة كان من المتوقع أن تنعكس إيجابًا على الوضع الأمني والسياسي، يتبعها لقاء بين ممثلي كل الدول الأعضاء في لجنة المتابعة مع الشيخ بشير الجميّل قائد القوات اللبنانية. لقاء حضر في مناقشات جرت سابقًا خلال اجتماع الممثلين برئاسة الرئيس سركيس وحضور رئيس الحكومة شفيق الوزان. حينها اقترح الرئيس سركيس الإجتماع وزكّاه السفير السعودي ولم يمانع فيه ممثل سوريا العقيد محمد غانم. شرط موافقة القيادة السورية عليه بعد اتصالات تجريها معها السلطة اللبنانية. وكان الدافع من هذا الإقتراح تهيئة مناخات ملائمة لاجتماع اللجنة على مستوى الوزراء في الثاني والرابع من أيلول المقبل حين يزور وزير خارجية السعودية والكويت، الأمير سعود الفيصل والشيخ صباح الأحمد دمشق ويلتقيان الرئيس السوري حافظ الأسد في محاولة لوضع حد للواقع اللبناني المتدهور.
في 26 أيلول 1981، زار رئيس الحكومة شفيق الوزان الجنوب، واستمع إلى مطالب الجنوبيين. بدأ جولته في الزهراني حيث تفقد بناء الجسر الجديد على يد فرقة الهندسة في سلاح الجيش اللبناني. ثم توجه إلى صور والتقى الأهالي وأكد التزام الدولة تنفيذ مطالبهم، إنتقل بعدها إلى أرزون معقل الجيش اللبناني، قبل أن يزور النبطية حيث واجهته تظاهرة شعبية صاخبة شكت له من الحرمان وطلبت منه زيارة ملجأ مضت على بنائه أعوام وهو غير صالح، تحول مستنقعًا للمياه الآسنة. فتعهد بتحقيق مطالب الشعب الصامد في الخط الأول للمواجهة بحسب وصفه. واختتم جولته في صيدا موجهًا الدعوة للعرب إلى إدراك مسؤولياتهم التاريخية فيكونون يدًا واحدة مع لبنان.
تزامت جولة الوزان في الجنوب، مع زيارة للرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران إلى المملكة العربية السعودية هي الأولى له لبلد أجنبي منذ توليه رئاسة الجمهورية الفرنسية. وقد أوحت هذه الزيارة بدعم فرنسي للمبادرة السعودية ومشروع الأمير فهد ولي العهد السعودي للسلام. تناولت المحادثات السياسية الموضوعين الفلسطيني واللبناني. في وقت كان السفير السعودي في بيروت علي الشاعر قد انتقل إلى السعودية للمساعدة في إعداد ملف لبنان لطرحه أمام الجانب الفرنسي.
من جهة أخرى، عقد عضو اللجنة المركزية لمنظمة الجيش الأرمني السري لتحرير أرمينيا، آرا ألكسندر ينيكومشيان، وأحد قادتها أغوب أغوبيان، في بيروت، مؤتمرًا صحافيًا، أوضحا فيه ملابسات عملية اقتحام القنصلية التركية في باريس واحتجاز رهائن فيها طوال خمس عشرة ساعة. وتليا بيانًا أعلنا فيه أن الثوار قرروا إنهاء العملية بعدما حققت أهدافها وهي كشف حقيقة النظام الفاشي التركي ولفت الرأي العام العالمي إلى المظالم التي يتعرض لها الشعب الأرمني والشعبان التركي والكردي. وعلى عدالة القضية التي يناضل من أجلها الجيش الأرمني السري لتحرير أرمينيا. وشرعية الأعمال العسكرية التي يقوم بها ضد أجهزة النظام التركي. وكان قائد القوة المهاجمة للسفارة قد جرح وأخذ للمعالجة. فجرت المفاوضات بينه وبين وزير الداخلية الفرنسي الذي تعهد بمنح المجموعة المنفذة للهجوم حق اللجوء السياسي. على هذا الأساس سلّم قائد المجموعة، وهو جريح، الشيفرة إلى نائبه الذي كان يقود المجموعة نيابة عنه وهي تطلب من الثوار داخل المبنى إطلاق الرهائن وتسليم أنفسهم إلى أجهزة الأمن الفرنسية. وشهد هذا اليوم أيضًا موافقة المؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة النووية على مشروع قرار قدمته الجزائر والسعودية ودولة الإمارات العربية ينص على البحث في دورة أيلول 1982 في تعليق حقوق إسرائيل وامتيازاتها كعضو في الوكالة الدولية للطاقة النووية إذا لم تخضع من الآن حتى ذلك التاريخ إلى قرار مجلس البأمن الرقم 487 المتعلق بإخضاع المنشآت النووية لمراقبة الوكالة الدولية.
في 27 تشرين الأول 1981، إنعقد اجتماع لممثلي الدول الأعضاء في لجنة المتابعة العربية في القصر الجمهوري، لحل مشكلة خطوط التماس وتنفيذ القرارات المتعلقة بفتح الممرات بين شطري العاصمة ومراقبة الشواطئ والمرافئ وذلك قبل اجتماع الوزراء في السابع من تشرين الثاني المقبل.
ومن اقتراحات اللجنة:
1 – سحب وحدات الجيش اللبناني المتمركزة على قسم من خط التماس الشرقي وإحلال وحدات أخرى من الجيش نفسه مكانها وتوسيع انتشار هذه الوحدات كي يشمل كل خط التماس الشرقي وتوزيع وحدات من قوى الأمن الداخلي على بعض الحواجز للتعاطي مع المواطنين بمؤازرة وحدات الجيش عند الطلب.
2 – سحب جيش التحرير الفلسطيني عن خط التماس الغربي وإحلال وحدات سورية مكانه وتوزيع وحدات من قوى الأمن الداخلي على الحواجز للتعاطي مع المواطنين بمؤازرة الوحدات السورية.
3 – وضع الوحدات اللبنانية، الجيش وقوى الأمن والوحدات السورية في أمرة وزير الداخلية شفيق الوزان وبقيادة العميد سامي الخطيب قائد الردع.
في وقت أصرت الحركة الوطنية وحركة أمل ودمشق على أولوية تنفيذ قرارات لجنة المتابعة، بُحث في تشكيل لجنة مراقبة غرار المراقبين الدولييين في الجنوب.
وقبيل اجتماع لجنة المتابعة، عادت التفجيرات للظهور مجددًا بعد اكفاء استمر أسبوعين. وقد انتقلت هذه الموجة إلى الضاحية الشرقية من بيروت حيث انفجرت سيارة ملغومة في منطقة سن الفيل أوقعت عشرين جريحًا وأضرارًا جسيمة وأشعلت حرائق.
في 26 تشرين الثاني 1981، فضّت القمّة العربية المنعقدة في مدينة فاس في المغرب برئاسة العاهل المغربي الملك الحسن الثاني، على توتر بين المملكة السعودية وسوريا بعد مقاطعة الرئيس حافظ الأسد لها واكتفائه بحضور ممثله، وزير خارجيته عبد الحليم خدّام. رفعت القمة أعمالها إلى موعد لم يحدد تفاديًا للإحراج ونتيجة مقاطعة ما يسمى بدول الرفض لمعارضتها مشروع الأمير فهد للسلام معتبرة أن فيه اعترافًا ضمنيًا بإسرائيل علمًا أن السعودية نفت ذلك. ويعكس فشل القمة الهوة العميقة والإنقسامات داخل الجامعة العربية.
على هامش القمة، استقبل الرئيس اللبناني الياس سركيس بحضور رئيس الحكومة شفيق الوزان ووزير الخارجية فؤاد بطرس، وزير الخارجية الجزائري محمد الصديق بن يحيى، وتم التداول في التحرك الجزائري نحو لبنان الذي بدأ قبل فترة. ثم التقى الرئيس سركيس الأمين العام للجامعة العربية الشاذلي القليبي. بعد القمة غادر الرئيس اللبناني سركيس إلى جنيف برفقة طبيبه الخاص الدكتور ناصيف أبو فاضل، وبعض الضباط ورجال الأمن.
في 27 كانون الأول 1981، تفاقم الوضع الأمني في الشطر الغربي من بيروت، بعد التدهور الخطير، وموجة التفجيرات، وارتفاع عدد الضحايا، ما جعل من المقررات التي كانت اتخذتها اللجنة الأمنية قبل شهرين غير ذي فائدة. أمام هذا الوضع المتدهور، تم التوافق على تقييد حركة المرور بين شطري العاصمة، وساد اتجاه نحو الطلب من قوات الردع العربية الإشراف على تنفيذ الخطة الأمنية المرتقبة مع تحديد أدوار كل من الردع وقوى الأمن الداخلي واللجنة الأمنية العليا.
تزامنًا مع التطورات الدراماتيكية في بيروت الغربية، جاءت زيارة الرئيس حافظ السوري حافظ الأسد لليمن لتتوج جولة خليجية شملت السعودية والكويت والبحرين وقطر ودولة الإمارات. في وقت إلتقى الرئيس حسني مبارك أعضاء اللجنة البابوية. وكانت تتفاعل إقليميًا مسألة ضم إسرائيل مرتفعات الجولان المحتلة منذ حرب حزيران 1967.
وكانت شهدت تطورات الخليج توقيع اتفاق الحدود بين المملكة السعودية والعراق منهيًا خلافًا قديمًا بينهما، مع تأكيد السعودية وقوفها صراحة إلى جانب العراق في حربه مع إيران.
في مطلع السنة 1980، كانت محور السياسة مسألة دخول الجيش إلى الجنوب وتسهيل مهمته وتحديد أطرها وتسلمه مواقع المسلحين لإسقاط ذرائع إسرائيل ومنعها من القيام باجتياح وشيك.
وكانت تشكلت لجنة المتابعة العربية لحل هذه الإشكالية ترجمة لوساطة عربية، وكانت إتصالات أجرتها اللجنة مع رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات وبعض الأطراف غير الرسميين المعنيين بقضية الجنوب بمن فيهم رموز الحركة الوطنية والمجلس الشيعي الأعلى، فالتقت نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ محمد مهدي شمس الدين ورئيس الحزب الإشتراكي وليد جنبلاط.
في الثالث من كانون الثاني 1982، إلتقت لجنة المتابعة العربية برئيس الجمهورية الياس سركيس فترأس الإجتماع وكان الثالث في سلسلة اجتماعات ستعقدها اللجنة في إطار وساطتها لإيجاد حل بين الحركة الوطنية من جهة والجبهة اللبنانية من جهة أخرى والتوافق على صيغة الوفاق وتحقيق المصالحة الوطنية، وإسقاط الذرائع التي تحول دون انتشار الجيش على طول الشريط الحدودي وتسلّمه أسلحة الميليشيات في كلا الجبهتين وتواجهه منفردًا مع إسرائيل. بالتزامن مع هذا السجال السياسي حول الجيش، كان سجال عضوي أيضًا تمثّل بتجميد مرسوم ترقية ضباط الجيش من رتبة نقيب وما فوق كما أقرّها المجلس العسكري بسبب رفض الرئيس سليم الحص التوقيع عليه لوجود أربعة أسماء فيه اعتبرهم رموز الحرب. لم تكن قضية انتشار الجيش في الجنوب المحور الوحيد للنقاش السياسي بل ثمة أيضًا موضوع مستجد فرض نفسه على جلسة مجلس الوزراء الأولى المنعقدة في السنة 1980 في الثاني من كانون الثاني، حيث بحث المجتمعون مسألة دخول حجة الإسلام محمد منتظري لبنان بطريقة غير مشروعة وضرورة معالجة الموضوع مع قوة الردع ودمشق والفلسطينيين.
في 9 شباط 1982، كانت قضية خطف القائم بأعمال سفارة الأردن في لبنان هشام المحيسن، تدخل يومها الرابع والبحث عنه مستمر، لكنه يدور في حلقة مفرغة. المعلومات التي توافرت لدى الأجهزة الأمنية والقضاء العسكري لم تحمل أي جديد من شأنه الإرشاد إلى مكان وجوده أو كشف هوية الجهة التي خطفته. بعد تحرك عدد من الدبلوماسيين العرب، زار عميد السلك الدبلوماسي السفير البابوي كارلو فورنو وزير الخارجية فؤاد بطرس في منزله في الأشرفية وسلّمه باسم أعضاء السلك مذكرة حول قضية خطف المحيسن. في هذه الأثناء، وفي الولايات المتحدة الأميركية، أصدرت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأميركي ولجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ التقرير السنوي الذي رُفع إلى الكونغرس ليكون جزءًا من الوثائق التي يطلبها الكونغرس عادة قبل إقرار موازنة المساعدات الخارجية. تناول التقرير أوضاع حقوق الإنسان في 153 دولة. في حديثه عن لبنان قال "إنه أظهر تقليديًا إحترامًا كبيرًا لحقوق الإنسان لكن قدرته على تنفيذ احترام هذه الحقوق تضاءلت في السنوات الأخيرة بسبب الحرب الأهلية واستعمال الفدائيين وقوات عسكرية أجنبية الأراضي اللبنانية. إن هذا الوضع قلص إلى حد كبير حجم المنطقة من البلاد التي هي تحت السيطرة الفعلية للحكومة. أوضح التقرير أن قسمًا كبيرًا من البلاد هو الآن تحت سيطرة الجيش السوري الموجود في لبنان منذ العام 1976 كجزء من قوات حفظ السلام التابعة للجامعة العربية وتحت سيطرة مجموعات الفدائيين الفلسطينيين وقوات الميليشيات اللبنانية التابعة لمختلف الفئات الدينية. وأشار إلى أن القتال بين مختلف هذه القوى أدى إلى سقوط ضحايا مدنية كثيرة خصوصًا منذ العام 1975 وأن أعدادًا من المدنيين اللبنانيين فقدوا أرواحهم أو ممتلكاتهم نتيجة الغارات الإسرائيلية ضد قوات الفدائيين الفلسطينيين في جنوب لبنان. وذكر التقرير أنه وقعت حالات عدة من خرق حقوق الإنسان والتخويف والخطف والإعدام الفوري. لكنه لاحظ أن عدد الذين قتلوا في لبنان تراجع عما كان في العام 1976، من ستين ألفًا إلى نحو 1500 في الأشهر التسعة الأولى من العام 1980.
تفجير مقر قوات المارينز والمظليين الفرنسيين في بيروت
يوم الأحد 23 تشرين الاول 1983، إستهدفت عمليتا تفجير إنتحاريتان القوات المتعددة الجنسيات العاملة في بيروت، أسفرت عن مصرع 169 جنديًا (145 أميركًا و24 فرنسيًا) وجرح 69 آخرين مع بقاء مصير 63 جنديًا مجهولاً حتى ساعة متأخرة من الليل.نفذت عمليتا التفجير بواسطة سيارتي نقل بيك أب مفخختين، إقتحمت الأولى مقر قيادة مشاة البحرية الأميركية (المارينز) في مبنى المديرية العامة للطيران المدني المؤلف من ثلاث طبقات، والثانية مقر سرية المظليين الفرنسيين قرب مستشفى بيروت في منطقة بئر حسن والمؤلف من تسع طبقات، بفارق زمني ثلاث دقائق. أدى الإنفجاران إلى تدمير للمبنيين بشكل كامل. وكان مجهول اتصل بمكاتب شركة فرانس برس في بيروت متحدّثًا باسم حركة الثورة الإسلامية الحرة وهي المرة الأولى التي يُسمع فيها بهذه الحركة، وأعلن مسؤوليتها عن العمليتين. توفي في العملية الأولى منفذا العملية، الأول يدعى أبو مازن (26 عامًا) والثاني أبو سيجعان (24 عامًا). تلت ذات الحدث الجلل، انتكاسة للوضع الأمني في محاور عاليه والشحار الغربي وتعرضت مواقع الجيش اللبناني في سوق الغرب وضهر الوحش لقصف مدفعي، وتجددت الإشتباكات ليلاً على جميع محاور إقليم الخروب. تلقت الولايات المتحدة بذهول نبأ التفجير الذي أوقع أكبر خسارة بشرية في صفوف القوات الأميركية في عملية واحدة، منذ حرب فييتنام. وأعلن وزير الدفاع كاسبار وينبرغر عن إمكانية نقل القيادة إلى سفينة قبالة الساحل اللبناني، ووجّه أصبع الإتهام إلى إيران دون أن يستبعد السوفيات. أما الرئيس رونالد ريغن الذي كان يقضي عطلة نهاية الأسبوع في أوغوستا في ولاية جورجيا، فدعا مجلس الأمن القومي للإجتماع. من جهتها، لم توجه فرنسا الإتهام لأي طرف، مكتفية بإدانة الحادث وإعلان استمرار قواتها في لبنان وأوفدت وزير دفاعها شارل إرنو إلى بيروت لمعاينة مكان الحادث.
الساعات الأولى من أول انهيار لليرة اللبنانية في التاريخ
يوم الجمعة 25 كانون الثاني 1985، إستيقظ اللبنانيون على ارتفاع جنوني للدولار. تحول الهم الإقتصادي والمالي همّ الناس الحقيقي لا بل الوحيد بعد تجاوز سعر الدولار الأميركي عتبة 12 ليرة، ما دفع إلى وقف تسعيره وحدوث شلل شبه تام في المبيعات بين المصارف.
تراجع تاريخي في سعر الليرة في بلد يعتمد على الإستيراد بالعملة الصعبة لسد أكثر من 75 % من استهلاكه.اجتماعات القصر الجمهوري برئاسة رئيس الجمهورية أمين الجميل وحضور رئيس مجلس الوزراء رشيد كرامي وأعضاء اللجنة الإقتصادية برئاسة وزير الإقتصاد والتجارة فكتور قصير ومجلس إدارة جمعية مصارف لبنان، كلّها بدت مبادرات عبثية. عند السادسة وخمس عشرة دقيقة من مساء الجمعة 25 كانون الثاني ترأس الرئيس الجميل اجتماعًا في حضور الرئيس كرامي مع ممثلين عن جمعية مصارف لبنان برئاسة رئيس الجمعية أنطوان شادر وحضور فريد روفايل والدكتور نعمان الأزهري والدكتور هشام البساط، خصص لمناقشة تطورات الوضع المالي والإقتصادي. وكانت المصارف قد اتفقت على وقف التعامل مع شركتي البروكرز الوحيدتين "باتلر" و"تاولت أندرولي" وحصر شؤون الوساطة والتسعير بشركة لبنان المالية التي يشرف عليها مصرف لبنان وحاكمه إدمون نعيم والسلطات النقدية المسؤولة. أمام هذا التدهور السريع لسعر صرف الليرة وقفت الدولة مشلولة ولم تنجح الجلسة الإستثنائية لمجلس الوزراء التي انعقدت يوم الأحد 27 كانون الثاني من لجمه. مساء الثلاثاء 5 شباط 1985، إنفجرت سيارة مفخخة إستهدفت قوات الإحتلال الإسرائيلي في البرج الشمالي، أوقعت بالإسرائيليين خسائر فادحة، بين قتلى وجرحى، مع تدمير شاحنة عسكرية وناقلة جند وسيارة جيب ملأى بالجنود. بدأت العملية بتفجير عبوة ناسفة على طريق صور البرج الشمالي قرب مؤسسة جبل عامل المهنية. هرعت بعدها قوات إسرائيلية مؤللة إلى مكان الحادث وأخرى كانت تسلك الطريق ذاته منسحبة من منطقة الزهراني. فاقتحم المكان إنتحاري من حركة أمل بسيارة مرسيدس مفخخة بـ400 كلغ من المتفجرات وارتطم بشاحنة تحمل ذخائر، ما ضاهف في نتائج الهجوم.
في السادس عشر من آيار 1989، أجرى المفتي حسن خالد حواره الصحفي الأخير، في دار الفتوى، وانتقل من مكتبه إلى منزله في الرملة البيضاء حيث تعرّض في الشارع الرئيس قبالة جامع عائشة بكار لجريمة اغتيال أدت إلى استشهاده ومرافقيه بمن فيهم الدركي أحمد عفيف الغوش. في لقائه الصحفي الأخير أبدى قلقه على مصير لبنان إلا أنه جدّد ثقته بأن تحمل القمة العربية التي كانت على وشك الإنعقاد لبحث سبل وقف الحرب في لبنان وإعادة الامن والإستقرار والسلم إلى ربوعه، وعبّر عن تفاؤله بإرادة اللبنانيين في المنطقتين الغربية والشرقية على تجاوز الإنقسام والتفرقة. رحل المفتي خالد... إنعقدت القمة العربية، وولدت من رحمها مناخات دولية وإقليمية ومحلية أفضت إلى الإتفاق على وثيقة الوفاق الوطني في مدينة الطائف السعودية بجهود اللجنة العربية الثلاثية العليا التي ضمت السعودية والمغرب والجزائر... طويت ستائر الحرب باستشهاده وغابت معه قافلة الرجالات الشهداء الذين سقطوا في زمنها، بدءً بالإمام المغيّب موسى الصدر ، إمام المحرومين وأحد رواد الحوار الإسلامي المسيحي، مرورًا بكمال جنبلاط المتطلع إلى جمهورية لبنانية تقدمية إشتراكية، والمناضل لتحرير الشعوب العربية، فبشير الجميّل الذي التزم جمهورية لبنانية موحدة ودولة عصرية لا سيادة فيها إلا للشعب ولا حكم إلا للقانون، ثم رشيد كرامي العامل من أجل الجمهورية الديمقراطية الوطنية التي يتساوى فيها المواطنون في الحقوق والواجبات. توّج هذه القافلة سماحة المفتي حسن خالد وهو يبشر بولادة قريبة لجمهورية لبنان الواحد التي تسودها القيم ويتعايش فيها مواطنوها المسلمون والمسيحيون في ظل الحرية والعدل والمساواة التامة في الحقوق والواجبات.
إنطلاق شرارة الحرب اللبنانية في 13 نيسان 1975، وضع الإقتصاد اللبناني في مهب الريح. إستمرت سنوات الحرب عقدًا ونصفًا ونيّف من الزمن. وشهدت فترات من تصاعد الأمل معدودة. إرتفعت فيها حركة الهجرة حتى بلغ عدد المهاجرين نسبة 30 إلى 35% من أهله. إلا أن الوضع المالي استمر على استقراره حتى العام 1982 وميزانية الدولة لم تسجل عجزًا ملحوظًا.
في أواخر 1968، دخل الأراضي اللبنانية عدد من الفلسطينيين المسلحين. أحدث هذا الأمر اضطرابات داخلية ليس بالنسبة لعدد الذين دخلوا وكان لا يتجاوز الخمسين، بل لمبدأ وجود فدائيين على الأراضي اللبنانية. أما الاضطرابات الداخلية فكان سببها الانقسام بالرأي حول مبدأ وجود فلسطيني مسلح: فريق يؤيد وفريق يرفض. الفئة التي أيدت لجأت إلى مختلف وسائل الضغوط: الاضطرابات والمظاهرات والمهرجانات الخطابية والعراقيل التي كانت تضعها لدى تشكيل الحكومات... الفئة التي رفضت اقتصر نشاطها على إسداء النصح للفريق المؤيّد بعدم الذهاب بعيدًا بالتأييد خشية التصادم. أخذ عدد الفلسطينيين المسلحين يتزايد يومًا بعد يوم. تفاعلت إسرائيل مع التضخّم الفلسطيني العبثي في الساحة اللبنانية، وحدث خرق أمني على الاراضي اللبنانية بتوقيع إسرائيلي هو الأول من نوعه. الغارة على مطار بيروت الدولي في 28 كانون الأول 1968، كانت باكورة ردود الفعل الإسرائيلية على التطورات اللبنانية والتمدد الفلسطيني المسلّح. شهدت السنتين 1968 و1969 تحركات ميدانية وقرارات محورية غيّرت وجهة الأحداث اللبنانية تغييرًا جذريًا. في نيسان 1968، إنطلقت تظاهرة من ساحة كلية المقاصد في بيروت باتجاه المجلس النيابي. حصل إطلاق نار وسقط 14 قتيلاً وبعض الجرحى. قدّم رشيد كرامي استقالة الحكومة التي كان يرئسها، وتعذر تشكيل حكومة جديدة بسبب استمرار الخلاف حول وجود الفدائيين في الوقت الذي كان عدد هؤلاء يتزايد. رفض رئيس الجمهورية يومذاك الرضوخ للأمر الواقع والتسليم للوجود الفلسطيني المسلّح على الأراضي اللبنانية ووجه رسالة بتاريخ 31 آيار 1969 بهذا المعنى أثارت ردود فعل مختلفة ولاسيما من جهة الفريق المؤيد للوجود الفلسطيني المسلّح. رفض رئيس الجمهورية تشكيل حكومة ترضخ للأمر الواقع وبقيت البلاد دون حكومة. فاستمرت الحكومة المستقيلة تصرّف الاعمال سحابة سبعة أشهر. في اواخر شهر تشرين الأول 1969 حصل اصطدام مسلح بين الفلسطينيين والجيش اللبناني في مجدل سلم في منطقة الجنوب تسبب فيه الفدائيون. وما هي إلا أيام معدودة حتى اشتعلت المناطق الحدودية وكان عدد الفدائيين فيها قد تجاوز الثلاثة آلاف. من أبرز الاصطدامات بين الفلسطينيين والجيش إصطدام أول وقع في ليل 10 – 11 نيسان 1973، حين قُتِلَ ثلاثة مسؤولين فلسطينيين في شارع فردان. إتهم رئيس الحكومة يومذاك قائد الجيش بالتقصير واشترط إقالته أو استقالة الحكومة. أما الاصطدام الثاني فحصل في 2 آيار 1973 على أثر حجز ثلاثة عسكريين على حاجز فلسطيني. أنذر الجيش الفلسطينيين بإعادة المحجوزين خلال مهلة محددة وإلا لجأ إلى القوة. وبعد انقضاء هذه المهلة دون نتيجة، توجهت دورية من الجيش لاستعادتهم بالقوة. وجرى تبادل إطلاق نار تبعه قصف ثكنات الجيش المجاورة من قبل فلسطينيين بالمدافع والصواريخ. عمّت الاشتباكات العاصمة ومناطق عدة من لبنان. وأخذ الفلسطينيون يقصفون الأحياء السكنية والمرافق العامة ومنها مطار بيروت الدولي بمختلف أنواع الأسلحة الصاروخية والمدفعية، ما اضطر الحكومة يومذاك إلى اتخاذ تدابير أمنية مشددة بما فيها منع التجوّل. ما ان أخذت الأمور تعود إلى الحالة الطبيعية حتى عادت وانفجرت عند الساعة العاشرة من ليل السابع من آيار وكان مجلس الوزراء لا يزال منعقدًا. تساقطت القذائف المدفعية والصاروخية وسواها بصورة عشوائية على جميع أحياء بيروت وضواحيها وتسببت بوقوع ضحايا بريئة عدة مما حمل مجلس الوزراء بناء على اقتراح رئيس الحكومة إلى إعلان حالة الطوارئ. قضت بيروت وضواحيها تلك الليلة دون ان يهدأ دوي انفجارات القذائف وأزيز الرصاص. قبل بزوغ الفجر بعد تلك الليلة الرهيبة كان رئيس الحكومة يقدّم استقالته لانه لم يصمد امام الضغوط التي تعرّض لها على أثر إعلان حالة الطوارئ قبل ساعات معدودة ولكن ذلك لم يمنع من اتخاذ التدابير العسكرية ومنها سلاح الطيران والذي بفضله توقفت موجة العنف. إذ تهافت السفراء العرب طالبين وقفها متوسطين بين السلطة اللبنانية والفلسطينيين داعين إلى ضرورة توضيح العلاقات بين السلطة وما أسموه "المقاومة" وكان اتفاق ملكارت. لكنّه، لا اتفاق القاهرة ولا اتفاق ملكارت، ما كان يرمي إليه الفلسطينيون. إستمرت أعمال الشغب وتصاعدت ولم يكن مهرجان خطابي يحصل في أي منطقة يتواجد فيها فلسطينيون إلا ويشترك هؤلاء فيه ويحملون على السلطة ويتهمونها بشتى الاتهامات ولا يكتفون بذلك بل يحملون على نظام الحكم وعلى مؤسسات الدولة الدستورية منها والوطنية ولاسيما الجيش ألخ... إلى أن كان يوم 26 شباط 1975 حيث قامت تظاهرة في صيدا اشترك فيها النائب السابق المرحوم معروف سعد. أطلق النار عليه فأصيب بجراح بالغة نقل على أثرها إلى المستشفى حيث توفي بعد أسبوعين تقريبًا. حدثت أعمال شغب بعد إصابة النائب سعد وبعد وفاته.
عشية اندلاع الحرب اللبنانية، حاولت الحكومة برئاسة رشيد الصلح معالجة ذيول الأحداث الامنية، وما إن أخذت اجواء الهدوء تعود إلى البلاد حتى كان يوم 13 نيسان 1975 تاريخ وقوع حادثة عين الرمانة المعروفة. سارعت الحكومة يومذاك إلى العمل على تدارك الامر بعد أن تبين لها أن أجواء غير طبيعية تسود البلاد فأجرت الاتصالات بجميع الأطراف المعنية للوقوف على حقيقة هذه الحادثة وعلى أسبابها ودوافعها ولكن دون جدوى. بذريعة اتهام حزب الكتائب بأنه يعمل على تصفية الفلسطينيين، أقيمت الحواجز المسلحة وجرى خطف بعض المنتسبين للحزب أو المتعاطفين معه حيث كانوا يمرون بمناطق مختلفة من العاصمة ولم يكونوا قد علموا بعد بما حصل. ففقد بعضهم ولا يزال مفقودًا. وعمت الاشتباكات بمختلف الأسلحة الخفيفة منها والثقيلة ووقع ضحايا، وقطعت الطرقات العامة وتمّ الإعتداء على منازل ومكاتب ومتاجر ومصانع ولم تتمكن الحكومة من وقف إطلاق النار إلا بعد أربعة أيام على بدء القتال. وما أن أخذت الأحوال تهدأ تدريجيًا حتى قامت حملات تتهم السلطة بشتى التهم. منها التآمر على المقاومة وبأنها تنفذ مخططًا لتصفيتها من اجل فرض حل سلمي في منطقة الشرق الأوسط ومنها أن أسباب الحوادث هي محض اجتماعية... شعر الفلسطينيون انهم أصبحوا تحت الأضواء فعمدوا إلى توجيه إعلامهم على أنهم يلتزمون حيادًا مطلقًا تجاه ما يجري في لبنان ناسبين ذلك مرة إلى أنه صراع بين يمين ويسار ومرة أخرى إلى أنه صراع بين طوائف حول مطالب مختلفة إلى آخر المعزوفة. تحت وطأة هذه الحوادث اضطرت الحكومة برئاسة رشيد الصلح إلى الاستقالة. وفي الوقت الذي كان رئيس الجمهورية يجري استشارات نيابية لتشكيل حكومة جديدة استؤنفت الاشتباكات في ضواحي بيروت وتحديدًا في منطقة تل الزعتر - الدكوانة وما لبثت أن اتسعت رقعة الاقتتال بسرعة جنونية لا عهد لنا بها في لبنان وأخذت قذائف المدافع والصواريخ تتساقط بصورة عشوائية في كل مكان على الناس والممتلكات مخلفة وراءها الضحايا والخراب. قدمت الحكومة التي ضمت العسكريين استقالتها بعد يومين من تأليفها وجرى تكليف الرئيس كرامي تشكيل حكومة جديدة. لكن الاشتباكات لم تتوقف بل كانت رقعة الاقتتال تتسع فيزداد معها عدد الضحايا والخراب والدمارو الخسائر والتعقيدات إلى أن تم الاتفاق بعد مرور اكثر من شهر على تكليفه على تشكيل حكومة برئاسته، بتاريخ أول تموز 1975. مع ولادة الحكومة الجديدة، مالت الأوضاع إلى الهدوء وأخذت الحياة الطبيعية تعود إلى البلاد والأحوال تتحسن يومًا بعد يوم. وسارت الحكومة في عملها تنفيذًا للبيان الوزاري وتوالت الاجتماعات واللقاءات من أجل تحقيق مصالحة وطنية بين جميع الأطراف تجمع الشمل وتضع مصلحة لبنان فوق كل مصلحة. لم تؤثر الحرب على معنويات وديع الخازن، ولم تحبط عزيمته، بل ظلّ طوال الوقت، يدعم أكثر من نشاط يتجه في سبيل خدمة المجتمع ونهضته من كبوته، وأحيانًا من موقع القائد والمحرك والملهم والمبادر. أثّرت الحرب وتداعياتها بشكل عميق في تحديد أولوياته، كما أنّ مشاهد المعاناة التي اختبرها الشعب اللبناني في يومياته لعبت الدور الأبرز في دفعه إلى البحث عن وسائل علمية وحديثة للتخفيف من حدّة المآسي والآلام. صحيح أنّه في فترة فتوته إنخرط في الكتلة الوطنية، إلا أن نشاطه الإنساني تجلّى في مساهماته الفاعلة في تفعيل عدد من الاندية الاجتماعية والرياضة والثقافية إضافة إلى الجمعيات الخيرية. واكب كل المراحل التي مرّت بها البلاد في النصف الأخير من القرن الماضي لاسيما فترة الحرب وتداعياتها، وهي المرحلة التي أثّرت جذريًا في بلورة فكره الوطني ونهجه الإصلاحي والإنمائي وسعيه الدائم نحو مجتمع مستقر متكامل وناهض. تزامنت هذه المرحلة مع اندلاع الحرب ودخول لبنان في النفق المظلم. وكانت بيروت ومنطقة الرميل تحديدًا، قد منحته ثقافة مثلثة الأبعاد، ترسخت عميقًا مع توالي السنين: البعد الأول محوره القومية اللبنانية بجذورها الضاربة عميقًا في الزمن وحضورها الفاعل في الأسرة الدولية عبر الانتشار اللبناني. البعد الثاني محركه الحرص على رقي المجتمع والسهر على وحدته وسلامته. والبعد الثالث اندفاعه في سبيل قضية الوطن واستقلاله وسيادته.
الجنوب اللبناني هو خط تماس التاريخ والجغرافيا مع القضية الفلسطينية وأزمة الشرق الأوسط.
مساحة الجنوب 2010 كلم2 تشكل 20% من مساحة لبنان. عدد سكانه في أواخر السبعينيات، حوالي 600 ألف نسمة من مختلف الطوائف اللبنانية. حدوده، نهر الأولي وجزين ومشغرة شمالاً ويمتد جنوبًا إلى الزيب ووادي القرن ووادي قاره وفي الشرق مرجعيون وحاصبيا. وهو يقسم إلى قسمين جنوبي وشمالي يفصل بينهما نهر الليطاني.
العام 1923 اقتطعت سلطات الإنتداب 17 قرية جنوبية ونزعت ملكية اللبنانيين في سهل الحولة وحولتها للحركة الصهيونية وفقد لبنان 23 ألف دونم من الاراضي المزروعة الخصبة. وفي العام 1967 إستولت إسرائيل على مزارع شبعا الـ14 وحوّلتها إلى منطقة عسكرية. العام 1973 وأثناء حرب تشرين ضمّت قسمًا من أراضي عيترون وبليدا وعيتا الشعب وعلما الشعب وبعض الأراضي المحيطة بنبع الوزاني وسهل الخيام. وفي العام 1978 إجتاحت لبنان في آذار في عملية أسمتها، "عملية الليطاني" بنتيجة هذه التطورات، صدر القرار القرار 425 عن مجلس الأمن.
في مطلع السنة 1980، كانت محور السياسة مسألة دخول الجيش إلى الجنوب وتسهيل مهمته وتحديد أطرها وتسلمه مواقع المسلحين لإسقاط ذرائع إسرائيل ومنعها من القيام باجتياح وشيك.
وكانت تشكلت لجنة المتابعة العربية لحل هذه الإشكالية ترجمة لوساطة عربية، وكانت إتصالات أجرتها اللجنة مع رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات وبعض الأطراف غير الرسميين المعنيين بقضية الجنوب.
في الثالث من كانون الثاني 1982، إلتقت لجنة المتابعة العربية برئيس الجمهورية الياس سركيس فترأس الإجتماع وكان الثالث في سلسلة اجتماعات ستعقدها اللجنة في إطار وساطتها لإيجاد حل بين الحركة الوطنية من جهة والجبهة اللبنانية من جهة أخرى والتوافق على صيغة الوفاق وتحقيق المصالحة الوطنية، وإسقاط الذرائع التي تحول دون انتشار الجيش على طول الشريط الحدودي وتسلّمه أسلحة الميليشيات في كلا الجبهتين وتواجهه منفردًا مع إسرائيل.
في مطلع شباط 1980، كانت حصلت انسحابات لجيش الردع انزعجت منها السلطة اللبنانية لأنها تمت قبل إحاطتها علمًا بها من مناطق لم تكن قوة الردع مطالبة بالإنسحاب منها.
وكانت العلاقة بين السلطات السورية والسلطات اللبنانية قد شابها بعض التوتر وعدم التنسيق في مسائل مطروحة على الساحة الداخلية والدولية وصار التنسيق بين الطرفين غير فاعل لا سيما على المستوى الدفاعي والأمني وعلى مستوى السياسة الخارجية حيث أن لبنان أيد قرار الأمم المتحدة في شأن التدخل السوفياتي في أفغانستان بينما سوريا امتنعت عن التصويت، كما أن لبنان حضر المؤتمر الإسلامي في باكستان بينما تغيبت عنه سوريا.
وفي وقت طالب لبنان بانسحاب قوات الردع من منطلق أمني ضيق ومنظار محلي محدود، ربطت سوريا وجودها في لبنان بدور قومي لها يتخطى الواقع اللبناني الضيق.
في بداية حزيران 1980، أعلن وزير خارجية فرنسا، جان فرنسوا، من واشنطن، عن مبادرة تتعلق بالشرق الأوسط، ستتخذها قريبًا دول السوق المشتركة.
طلبت المراجع الرسمية اللبنانية الحصول على معلومات وافية عن المبادرة الأوروبية.
في ليل الأحد الإثنين 30 حزيران – 1 تموز 1980، شهدت منطقة القاسمية قرب صور عملية إنزال عسكرية إسرائيلية هي الأوسع في الجنوب منذ الغارة على منطقة أرنون في كانون الثاني 1979.
نفّذ الإنزال رجال الكومندوس الإسرائيلي مع تغطية من قصف بحري ورمايات جوّية واستغرقت العملية أربع ساعات. تحدث الإعلام الإسرائيلي عن العملية مشيرًا إلى تدمير قاعدة للفدائيين الفلسطينيين في جنوب لبنان.
في 1 آب 1980 إحتفل لبنان بعيد الجيش للمرة الأولى منذ حرب السنتين.
جرى الإحتفال في ثكنة شكري غانم في الفياضية مع تخريج 204 ضباط في الجيش وقوى الأمن الداخلي. سلّم الرئيس الياس سركيس الضباط المتخرجين سيوفهم في حضور أركان الدولة ودعاهم إلى جعلها سيوف حق وعدل وكرامة يجردونها من أجل الدفاع عن لبنان.
في 27 كانون الأول 1981، تفاقم الوضع الأمني في الشطر الغربي من بيروت، بعد التدهور الخطير، وموجة التفجيرات، وارتفاع عدد الضحايا، ما جعل من المقررات التي كانت اتخذتها اللجنة الأمنية قبل شهرين غير ذي فائدة.
أمام هذا الوضع المتدهور، تم التوافق على تقييد حركة المرور بين شطري العاصمة، وساد اتجاه نحو الطلب من قوات الردع العربية الإشراف على تنفيذ الخطة الأمنية المرتقبة مع تحديد أدوار كل من الردع وقوى الأمن الداخلي واللجنة الأمنية العليا.
يوم الجمعة 4 حزيران 1982، وبذريعة محاولة اغتيال السفير الأميركي في لندن، وقبيل وصول الموفد الأميركي فيليب حبيب إلى المنطقة في مهمة جديدة، شنت إسرائيل حربًا ضد لبنان، شملت بيروت والجنوب.
يوم الإثنين 23 آب، عقد مجلس النواب جلسة في المدرسة الحربية في ثكنة الفياضية، حضرها 62 نائبًا أمنوا النصاب القانوني لها، وقاطعها ثلاثون نائبًا، مع رئيس الحكومة شفيق الوزان والوزراء المسلمون.
في هذه الجلسة، إنتخب بشير الجميل رئيسًا للجمهورية بأكثرية 57 صوتًا في مقابل خمسة أوراق بيضاء في دورة الإقتراع الثانية.
ما إن أعلن النتيجة رئيس مجلس النواب كامل الأسعد، حتى عمّت الشوارع في المنطقة الشرقية من بيروت موجة من الإبتهاج.
في هذه الأثناء غادرت بيروت الغربية إلى عدن، على متن الباخرة اليونانية ألكييون، في إطار خطة الحل السياسي لأزمة بيروت، الدفعة الثالثة من المقاتلين الفلسطينيين، ضمت سبعمئة مقاتل ينتمون إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقاطية لتحرير فلسطين وجبهة التحرير الفلسطينية وجبهة النضال الشعبي الفلسطيني وحركة مال.
في 9 شباط 1982، كانت قضية خطف القائم بأعمال سفارة الأردن في لبنان هشام المحيسن، تدخل يومها الرابع والبحث عنه مستمر، لكنه يدور في حلقة مفرغة.
في هذه الأثناء، وفي الولايات المتحدة الأميركية، أصدرت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأميركي ولجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ التقرير السنوي الذي رُفع إلى الكونغرس ليكون جزءًا من الوثائق التي يطلبها الكونغرس عادة قبل إقرار موازنة المساعدات الخارجية.
تناول التقرير أوضاع حقوق الإنسان في 153 دولة.
في حديثه عن لبنان قال "إنه أظهر تقليديًا إحترامًا كبيرًا لحقوق الإنسان لكن قدرته على تنفيذ احترام هذه الحقوق تضاءلت في السنوات الأخيرة بسبب الحرب الأهلية واستعمال الفدائيين وقوات عسكرية أجنبية الأراضي اللبنانية.
إن هذا الوضع قلص إلى حد كبير حجم المنطقة من البلاد التي هي تحت السيطرة الفعلية للحكومة.
أوضح التقرير أن قسمًا كبيرًا من البلاد هو الآن تحت سيطرة الجيش السوري الموجود في لبنان منذ العام 1976 كجزء من قوات حفظ السلام التابعة للجامعة العربية وتحت سيطرة مجموعات الفدائيين الفلسطينيين وقوات الميليشيات اللبنانية التابعة لمختلف الفئات الدينية.
يوم الإثنين 30 آب 1982، غادر ياسر عرفات بيروت عند الحادية عشرة قبل الظهر، بحرًا، على متن الباخرة اليونانية أطلنتيس إلى ميناء ديراييس في أثينا.
يوم الثلاثاء 14 أيلول 1982، إستشهد رئيس الجمهورية الثالث عشر المنتخب بشير الجميل بعد 23 يومًا من انتخابه رئيسًا، في عملية تفجير وحشية أودت بحياة أكثر من ستين شخصًا كان يلتقيهم في بيت حزب الكتائب في الأشرفية.
إستخدم في التفجير 200 كلم من المواد الشديدة الإنفجار الذي دوى عند الساعة الرابعة بعد الظهر، وقد استنكرته مختلف الجهات اللبنانية.
يوم الخميس 16 أيلول، واصلت إسرائيل تقدمها نحو العاصمة اللبنانية، في وقت رشّح حزب الكتائب النائب أمين الجميّل لرئاسة الجمهورية.
يوم السبت 18 أيلول 1982، بعد مئة وسبعة أيام من الإجتياح الإسرائيلي، وبعد ثلاثة أيام من احتلال بيروت، وقعت المخيمات الفلسطينية فريسة مذابح رهيبة حيث لقي 1400 فلسطيني حتفهم، تدخل على أثرها المجتمع الدولي مطالبًا إسرائيل بالإنسحاب الفوري.
يوم الثلاثاء 22 أيلول 1982، وبعد مرور أسبوع على اغتيال الرئيس بشير الجميّل، إنتخب مجلس النواب النائب أمين الجميّل رئيسًا للجمهورية بأكثرية 77 صوتًا من أصل ثمانين نائبًا حضروا الجلسة التي عقدت في المدرسة الحربية في الفياضية ووجدت ثلاث أوراق بيضاء.
في اليوم التالي، الأربعاء 22 أيلول، عقدت جلسة القسم في المدرسة الحربية. توجه بعدها الرئيس المنتخب إلى القصر الجمهوري حيث أقيم حفل التسليم والتسلم بينه وبين الرئيس الياس سركيس الذي تنتهي ولايته يوم الخميس 23 أيلول تاريخ وصول 25 مراقبًا دوليًا إلى بيروت في مهمة دولية، هم طلائع القوة الأميركية الفرنسية الإيطالية، وذلك تنفيذًا لقرار مجلس الأمن الدولي المطالب بإنهاء الإحتلال الإسرائيلي لبيروت وسحب القوات الإسرائيلية منها.
يوم الأربعاء 22 أيلول 1982، بعد سبعة أيام من اجتياح بيروت، بدأت القوة الأميركية الفرنسية الإيطالية المتعددة الجنسية، في الإنتشار في العاصمة بشطريها الغربي والشرقي، وبدأت إسرائيل بالإنسحاب من البسطا والأسواق وبرج أبي حيدر ووادي أبو جميل وحوض الولاية والقنطاري تنفيذًا لما تقرر في اجتماعات اللجنة العسكرية اللبنانية الإسرائيلية وقام الجيش اللبناني بالتمركز في مواقع الإنسحاب.
يوم الخميس 23 أيلول إنتهى عهد الرئيس الياس سركيس وتسلم خلفه الرئيس أمين الجميل مقاليد الحكم.
الأربعاء 22 أيلول 1982، بعد سبعة أيام من اجتياح بيروت بدأت تنتشر طلائع القوة الأميركية الفرنسية الإيطالية في عمق العاصمة بشطريها الغربي والشرقي. في وقت بدأ إنسحب الإسرائيليون من بيروت.
يوم الأحد 31 تشرين الأول 1982، شهد لبنان تطورات متسارعة على الصعيدين السياسي والأمني.
تصعيد أمني في مناطق الجبل، تزامنًا مع استكمال تنفيذ خطة بيروت الكبرى ودخول الجيش والقوات المتعددة الجنسية إلى المنطقة الشرقية، لاسيما في عين الرمانة وفرن الشباك وتعزيز القوة الموجودة في محيط بلدة الحدت، ثم الإنتشار مع القوة المتعددة الجنسية في الأشرفية.
في هذه الأجواء إنعقدت جلسة مجلس الوزراء الإستثنائية برئاسة الرئيس أمين الجميل وحضور الرئيس شفيق الوزان والوزراء، عشية سفر الرئيس الجميّل.
يوم الثلاثاء 17 آيار 1983 جرى توقيع الإتفاق اللبناني الإسرائيلي في كل من خلدة وكريات شمونة برعاية أميركية.
وقّع في لبنان على نسختين من الإتفاق باللغتين العربية والفرنسية ، في خلدة. وباللغتين الإنكليزية والعبرية في كريات شمونا.
كانت الوفود التي أجرت المفاوضات طيلة أربعة أشهر وعشرين يومًا برئاسة السفير الدكتور أنطوان فتّال والسفير الأميركي موريس درايبر ومدير عام الخارجية الإسرائيلية دايفيد كمحي.
وفي 18 آيار 1983، وصل المبعوث الأميركي فيليب حبيب إلى بيروت لمتابعة البحث في المراحل اللاحقة لتوقيع الإتفاق اللبناني الإسرائيلي.
يوم الأربعاء 31 آب 1983، عاد الجيش اللبناني لينتشر في المنطقة الغربية من بيروت بعد ثلاثة أيام من الإنهيار الأمني الذي ضرب العاصمة وضواحيها كما الجبل إمتدادًا حتى سواحل كسروان.
مع عودته إلى الضاحية شهدت شوارعها بعضًا من المواجهات المسلحة في عدد من الأحياء.
إنتشار الجيش كان بمثابة عملية هي الأولى من نوعها في عهد الرئيس أمين الجميّل منذ الحرب.
وقد رافق عملية الإنتشار هذه إستنفار أمني لكافة الأجهزة في الدولة من سياسية وأمنية وإعلامية، لتأمين نجاحها.
وهي ما كانت لتتم لولا التغطية الإسلامية لها مع تأييد الخطوة من الرئيس صائب سلام ومع الصمت تجاهها من البارزين من القيادات الروحية والسياسية.
يوم الأحد 23 تشرين الاول 1983، عمليتا تفجير إرهابيتان نفذهما إنتحاريتان إستهدفتا القوات المتعددة الجنسيات العاملة في بيروت، أسفرت عن مصرع 169 جنديًا (145 أميركًا و24 فرنسيًا) وجرح 69 آخرين مع بقاء مصير 63 جنديًا مجهولاً حتى ساعة متأخرة من الليل.
نفذت عمليتا التفجير بواسطة سيارتي نقل بيك أب مفخختين، إقتحمت الأولى مقر قيادة مشاة البحرية الأميركية (المارينز) في مبنى المديرية العامة للطيران المدني المؤلف من ثلاث طبقات، والثانية مقر سرية المظليين الفرنسيين قرب مستشفى بيروت في منطقة بئر حسن والمؤلف من تسع طبقات، بفارق زمني ثلاث دقائق.
أدى الإنفجاران إلى تدمير للمبنيين بشكل كامل.
وكان مجهول اتصل بمكاتب شركة فرانس برس في بيروت متحدّثًا باسم حركة الثورة الإسلامية الحرة وهي المرة الأولى التي يُسمع فيها بهذه الحركة، وأعلن مسؤوليتها عن العمليتين.
توفي في العملية الأولى منفذا العملية، الأول يدعى أبو مازن (26 عامًا) والثاني أبو سيجعان (24 عامًا).
تلت ذات الحدث الجلل، انتكاسة للوضع الأمني في محاور عاليه والشحار الغربي وتعرضت مواقع الجيش اللبناني في سوق الغرب وضهر الوحش لقصف مدفعي، وتجددت الإشتباكات ليلاً على جميع محاور إقليم الخروب.
تلقت الولايات المتحدة بذهول نبأ التفجير الذي أوقع أكبر خسارة بشرية في صفوف القوات الأميركية في عملية واحدة، منذ حرب فييتنام. وأعلن وزير الدفاع كاسبار وينبرغر عن إمكانية نقل القيادة إلى سفينة قبالة الساحل اللبناني، ووجّه أصبع الإتهام إلى إيران دون أن يستبعد السوفيات.
أما الرئيس رونالد ريغن الذي كان يقضي عطلة نهاية الأسبوع في أوغوستا في ولاية جورجيا، فدعا مجلس الأمن القومي للإجتماع.
من جهتها، لم توجه فرنسا الإتهام لأي طرف، مكتفية بإدانة الحادث وإعلان استمرار قواتها في لبنان وأوفدت وزير دفاعها شارل إرنو إلى بيروت لمعاينة مكان الحادث.
يوم الخميس 1 كانون الأول 1983، قمة لبنانية أميركية هي الثالثة بين الرئيس رونالد ريغن وأمين الجميل الذي زار أميركا واجرى مباحثات تناولت حسبما أعلن للإعلام، الإلتزام باتفاق 17 آيار والبحث في آلية تطبيقه.
أما الإسرائيليون فلا يزالون يهيمنون على الواقع السياسي في بيروت وترتبط بهم كل محادثات محلية وإقليمية ودولية. وقد أعلم الأميركيون الجانب اللبناني استعداد الإسرائيليين على المباشرة بانسحابات جزئية وعلى مراحل من العاصمة لا تتزامن بالضرورة مع انسحابات سورية مماثلة، مع تكليف واشنطن مهمة ملء الفراغ الناتج عن الإنسحاب الجزئي.
في وقت كان انعقد في جنيف مؤتمر الحوار الوطني اللبناني دون أن يصل إلى نتائج مفيدة، بعد أن خسرت الدولة المركزية القوية مناعتها، والمصالحة الوطنية باتت صعبة وثمة تشنج حاد في العلاقات بين مختلف الأطراف المحليين.
وكانت القضية الشيعية مع بروز حزب الله، قد فرضت نفسها على الواقع السياسي.
بدأت أميركا تتعاطى مع الطوائف اللبنانية كافة في اتجاهات ثلاثة:
فئة تعتبرها منضبطة ضمن قواعد اللعبة وفي طليعتها المسيحيون بقيادة الموارنة، والمسلمون السنة أصحاب المصلحة في استمرار صيغة 1943 من دون تعديل.
وفئة خطرة، تطالب بإعادة نظر شاملة في النظام السياسي وفي أسس التوازن الديمغرافي وفي طليعتهم الشيعة.
وفئة ثالثة من الطوائف من هم حائرون كالدروز والأورثذكس، يعملون على إعادة بناء الصيغة بما يحقق مزيدًا من المكاسب.
هذه الفسيفساء، بدأت تتشكل منذ فجر تولي الرئيس الجميل رئاسة الجمهورية، وتفرض روحيتها على الساحة الإقليمية والدولية.
الأحد 25 كانون الأول 1983، إتفاق جديد لوقف إطلاق النار أنهى القتال في الضاحية الجنوبية وحول مخيمي صبرا وشاتيلا راح ضحيته أكثر من 63 قتيلاً و244 جريحًا فضلاً عن الأضرار المادية والخراب نتيجة القصف العشوائي على الأحياء السكنية.
إلتقط المواطنون أنفاسهم بعد اشتباكات دامية صارت تتقطع من حين إلى آخر ثم عادت لتشتعل مجددًا يوم الإثنين 26 كانون الأول، ليُعلن مجددًا وقف النار بعد اتصال هاتفي بين الرئيس أمين الجميل ووزير الخارجية السوري عبد الحليم خدّام، كان سبقه اتصال بين الأخير ورئيس حركة أمل نبيه بري.
في هذه الأجواء أعرب وزير الدفاع الفرنسي شارل إيرنو عن قلقه من الوضع في لبنان الذي يتطور بسرعة إلى حرب أهلية علنية.
تصريح جاء بعد عودته من زيارة تفقدية للوحدة الفرنسية في بيروت برفقة سكرتير الدولة الفرنسي للدفاع جان جانيل.
يوم الأربعاء 29 كانون الأول 1983، عادت إلى الواجهة المواجهات ضد الإسرائيليين. في وقت تفقد وزير الدفاع الإسرائيلي موشي أرينز الأمكنة التي وقعت فيها ثلاث هجمات ضد المظليين الإسرائيليين في صيدا يوم الثلاثء 27 كانون الأول وأدت إلى مقتل ثلاثة، بينهم ضابط، وجرح أربعة آخرين.
في هذه الأثناء فوجئت بيروت بسلسلة عمليات تفجير متلاحقة طالت شطرها الغربي، إستهدفت ممتلكات المواطنين بشكل عشوائي، في الأوذاعي وشارع السادات المتفرع من شارع الحمراء وسواهما...
الإثنين 5 آذار 1984، ألغى لبنان رسميًا الإتفاق اللبناني الإسرائيلي بعد تسعة أشهر و21 يومًا من موافقة مجلس الوزراء عليه في 14/5/1983 وبعد تسعة أشهر و18 يومًا على توقيعه في 17/5/1983، و8 أشهر و21 يومًا على إجازة مجلس النواب للحكومة إبرامه في 14/6/1983.
أعربت الولايات المتحدة عن أسفها للقرار الذي اتخذه لبنان وطالبت رافضيه بإيجاد صيغة بديلة لتامين الإنسحاب الإسرائيلي مبدية إستعدادها للتوسط بين لبنان وإسرائيل إذا ما كلبتا منها ذلك.
وكان انعقد مجلس الوزراء اللبناني يوم الإثنين 5 آذار 1984 برئاسة أمين الجميل وأعلن بطلان الإتفاق الموقع مع إسرائيل وكأنه لم يكن وألغى كل ما يمكن أن يكون قد ترتب عليه. وأبلغ قراره هذا إلى الفرقاء الموقعين عليه إسرائيل وأميركا.
وتضمن القرار قيام الحكومة بالخطوات اللازمة لوضع ترتيبات وتدابير أمنية تؤمن السيادة والأمن والإستقرار في الجنوب، والإلتزام بمنع التسلل عبر الحدود الجنوبية، وطالب بانسحاب القوات الإسرائيلية من جميع الأراضي اللبنانية.
أما مخرج إلغاء الإتفاق فجاء في خطوة اعتمدت تعويمًا مؤقتًا لحكومة الرئيس شفيق الوزان المستقيلة ما سمح لمجلس الوزراء أن ينعقد إلى حين انعقاد الحلقة الثانية من الحوار الوطني وتشكيل حكومة الوفاق الوطني.
هذا المخرج سمح لمجلس الوزراء بالإنعقاد وإسقاط اتفاق 17 آيار.
بعد أسبوع من الإجتماعات، انعقدت يوم الأحد 18 آذار جلسة العمل السابعة والثامنة من مؤتمر الحوار الوطني في لوزان في سويسرا، تبعتهما جلسات ثنائية انتهى بها المؤتمر بتعثر الإتفاق بين الأفرقاء بحضور المراقبين السوري والسعودي عبد الحليم خدام ومحمد المسعود وفضت أعمال المؤتمر وتعليقه حتى إشعار آخر مع تمسك كل طرف بما طرحه منذ اليوم لافتتاح المؤتمر.
حضر المؤتمر فريق الجبهة اللبنانية بيار الجميل وكميل شمعون، يقابله الفريق الثاني ويضم الرؤساء عادل عسيران وصائب سلام ورشيد كرامي إضافة إلى نبيه بري ووليد جنبلاط
كما شارك فيه الرئيس سليمان فرنجيه والرئيس أمين الجميل.
شارك في المؤتمر جورج سعادة وجميل كبه ومحمد المشنوق وعادل قانصوه.
يوم الإثنين 11 حزيران 1984، مجزرة حصدت 93 قتيلاً و293 جريحًا.
قصف عنيف تعرضت له بيروت بشطريها والضاحية الجنوبية والمتن وكسروان وصولاً حتى جونيه.
موجة القصف هذه التي استمرت اثنتي عشرة ساعة لم يشهدها لبنان منذ حزيران 1982.
بالتوازي انعقدت جلسة الثقة بحكومة الوحدة الوطنية وطلب الصلاحيات الإستثنائية. وقد خاطر 26 نائبًا بحياتهم لتأمين نصاب الجلسة.
يوم الجمعة 7 أيلول 1984، مع نهاية عطلة عيد الأضحى، انعقدت قمة ثنائية بين الرئيسين أمين الجميل وحافظ الأسد في العاصمة السورية أسفرت عن اتفاق على تنفيذ المرحلة الأولى من خطة الجبل وانتشار اللواء الأول بقيادة العميد ابراهيم شاهين على الطرق الرئيسة الممتدة من صوفر حتى سوق الغرب وتمركز كتيبة اللواء الثامن بقيادة العقيد سليم كلاس في الجهة المقابلة لقصر بعبدا وكتيبة من اللواء الحادي عشر بقيادة المقدم أمين القاضي من الجهة المقابلة لمواقع الحزب التقدمي الإشتراكي.
بدأت يوم الجمعة 7 أيلول اجتماعات عسكرية للبحث بالموضوع بين عسكريين من الجيش للبناني والجيش السوري والحزب التقدمي الإشتراكي وحركة أمل.
يوم السبت 20 أيلول 1984، وقعت عملية انتحارية ضد السفارة الأميركية أسفرت عن تسع إصابات بين قتيل وجريح.
تمت العملية بواسطة سيارة مفخخة إقتحم سائقها المبنى الجديد للسفارة في عوكر.
بين الجرحى السفيران الأميركي ريجينالد بارتولوميو والبريطاني دايفيد مايرز.
يوم الخميس 8 أيلول 1984، إنتهت المرحلة الاولى من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية برعاية الأمم المتحدة والتي استغرقت أربعة أيام، واتفق على استئنافها يوم الإثنين 24 أيلول.
جرت المفاوضات العسكرية اللبنانية الإسرائيلية برعاية الأمم المتحدة في مقر قيادة الطوارئ الدولية في الناقورة لترتيب الإنسحاب الإسرائيلي الشامل من لبنان.
كانت أجواء الجلسة الاولى حادة.
رفض خلالها الوفد اللبناني مصافحة الوفد الإسرائيلي وتمسك باعتبار الإجتماع برعاية قائد القوات الدولية في الجنوب الجنرال وليم كالاهان.
كما رفض تبني خطة للجنوب طرحها الجانب الإسرائيلي تقضي بتقسيمه إلى منطقتين الأولى تمتد من الحدود الدولية حتى نهر الزهراني والثانية من الزهراني حتى الأولي وبعض مناطق إقليم الخروب حتى الباروك.
يوم السبت 24 تشرين الثاني 1984، استقبل الرئيس أمين الجميل في قصره في بكفيا نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام
زيارة أدت إلى ترطيب الأجواء بين رئيس الجمهورية ووزير الأشغال العامة والسياحة وليد جنبلاط وساهمت في إعادة الأمور إلى نصابها داخل مجلس الوزراء وأنهت القطيعة بين الرجلين.
إستهداف جديد لمدينة صيدا نفّذته إسرائيل في المهندس مصطفى معروف سعد الذي أصيب بجروح بليغة في وجهه وعينيه إستدعت نقله ليلاً إلى مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت.
في السادسة والنصف مساء دوى في صيدا انفجار هز المدينة وعلت على أثره سحب الدخان. سرعان ما تبين أنه استهدف منزل مصطفى سعد الكائن مقابل ساحة الشهداء إلى جانب مدرسة الراهبات في حي البرغوث.
في هذه الأثناء أكد لبنان ربطه أي ترتيبات أمنية يجري البحث فيها خلال مفاوضات الناقورة التي استؤنفت يوم الثلاثاء 28 كانون الثاني بما ستقدمه إسرائيل من برمجة لانسحاباتها التي بدأت مرحلتها الأولى من منطقة صيدا حيث أخلت الإثنين 21 كانون الثاني مواقعها في مار الياس وشرحبيل والحبيبية وا[قت على وحدات قليلة في إطار خط إعادة الإنتشار الذي يطوق صيدا والزهراني شرقًا وجنوبًا.
وكانت الحكومة قد عقدت جلسة إستثنائية في قصر بعبدا استمرت ثلاث ساعات بحثت خلالها في استكمال تنفيذ خطة الساحل وتثبيت الوضع الأمني في العاصمة منعًا لأي انتكاسات مفاجئة.
يوم الإثنين 20 آيار 1985، وقعت في المخيمات وحولها اشتباكات بين أمل وتنظيمات فلسطينية أسفرت عن مقتل 45 شخصًا وجرح 382 ثم جرى اتفاق ليلاً على وقف الإقتتال ليدخل بعده اللواء السادس المخيمات.
إقتتال المخيمات الفلسطينية وضواحيها في بيروت وفي الضاحية الجنوبية، ترجم حجم الإهتراء الذي تآكل العلاقات بين الطرفين، وزاد في نسب الحقد.
يوم الأحد 29 أيلول 1985، إنتقل القتال إلى طرابلس التي احترقت بين نارين ووقع من جراء الإقتتال مئات الضحايا نتيجة معارك ضارية واقتحامات وتراشق مدفعي وهجوم واسع شنته قوات حزبية ضد جماعة التوحيد.
لليوم الثاني على التوالي تعارك أطراف اللقاء الإسلامي من جهة وبعض أحزاب جبهة الإتحاد الوطني من جهة أخرى.
شن مقاتلو الأحزاب المتحالفة هجومًا واسعًا على محاور ثلاثة مخترقين دفاعات اللقاء الإسلامي وناقلين المعركة إلى وسط طرابلس والميناء. ونجحوا في قطع طريق الإمداد الوحيد لحركة التوحيد الإسلامي عبر المرفأ.
يوم السبت 28 كانون الأول 1985 تمّ توقيع الإتفاق الثلاثي، كخلاصة اجتماعات عقدها عبد الحليم خدام مع نبيه بري ووليد جنبلاط وإيلي حبيقة في دمشق.
حالة من البلبلة سادت الشارع المسيحي. بدء برئيس الجمهورية أمين الجميل مرورًا بالقوات اللبنانية وانتهاء بعدد من القيادات السياسية والنواب.
بعد ثلاثة أشهر وأربعة أيام على بدء المحادثات في شأنه، وأربع عشرة جلسة رسمية، بين حركة أمل والحزب التقدمي الإشتراكي والقوات اللبنانية.
تم توقيع الإتفاق وحملت كل نسخة من النسخ الاربعة تواقيع خدام ونبيه بري ووليد جنبلاط وإيلي حبيقة بحضور الوزير جوزف سكاف وأركان جبهة الإتحاد الوطني وعدد من الفاعليات المسيحية التي رافقت وفد القوات.
في كانون الثاني 1986، إنقلاب في القوات اللبنانية يقصي إيلي حبيقة عن القيادة ويقضي على الإتفاق الثلاثي بعد 16 ساعة من القمة الاخيرة في دمشق.
أسفرت المعارك عن مئتي قتيل و600 جريح.
إنقلاب أعاد الوضع إلى البداية.
في نهاية المطاف أعلن إيلي حبيقة ومن تبقى له من مقاتلين حوالي 300 عنصر قبولهم بضمانات السلامة التي تلقوها من قائد الجيش العماد ميشال عون. وغادروا مجلس الأمن القومي في الكرنتينا إلى مقر وزارة الدفاع في اليرزة حيث جرت صياغة المخرج الكريم لاقتتال رفاق السلاح القدامى في الحزب الواحد.
غصت مستشفيات المنطقة الشرقية بالجرحى الذين سقطوا خلال الإشتباكات التي تمحورت على جبهتين الأولى في المتن الشمالي من ضهور الشوير في اتجاه بكفيا والثانية في الشمال من جرود البترون والساحل في اتجاه حاجز البربارة وثكنة جعجع في القطارة في بلاد جبيل.
جبهتان للمرة الأولى تشتعلان منذ 1976.
القوى المهاجمة كانت أحزاب منضوية تحت لواء جبهة الإتحاد الوطني وهي الطرف الثاني في الإتفاق الثلاثي وضمت الحزب التقدمي الإشتراكي والشيوعي والقومي وحزب البعث وحركة أمل.
يوم الثلاثاء 4 شباط 1986 إرتفع الدولار الأميركي حتى لامس 2750 ليرة.
حفل يوم الثلاثاء 25 شباط 1987، بمجموعة من التطورات على صعيد انتشار القوات السورية في بيروت الغربية.
إنتشار أدى في منطقة البسطة إلى اشتباك سقط نتيجته اثنان وعشرون قتيلاً.
في اليوم التالي تسلم السوريون مركز جل البحر من الحزب التقدمي الإشتراكي وسائر المراكز التابعة لحركة أمل وباقي الأحزاب، ووسعوا رقعة انتشارهم في العاصمة وفي منطقة الأوزاعي وجسر المطار.
جرت اتصالات مع حزب الله لإخلاء مركز فتح الله بالطريقة ذاتها التي تمت مع برج المر وجل البحر مع أمل والتقدمي. فوافق الحزب على التسليم والتسلّم. لكن مع توجه قوات سورية إلى المحلة لتتسلم المركز، وقع إشكال.
يوم الإثنين 1 حزيران 1987، إغتيل الرئيس رشيد كرامي أثناء توجهه من طرابلس إلى بيروت على متن طوافة عسكرية تابعة للجيش اللبناني بعد أن دست عبوة مضادة للأفراد إلى جانب المقعد الذي يجلس عليه عادة الرئيس أثناء تنقله في الطوافة.
نجا من العملية كل الذين رافقوا الرئيس على متن الطوافة وبينهم وزير الداخلية الدكتور عبد الله الراسي الذي أصيب بجروح وحروق بسيطة.
تمكن قائد الطوافة من السيطرة عليها بعد انفجار العبوة وقادها من فوق منطقة رأس الشقعة إلى مدرج حالات وهبط بها على بطنها بسبب الخلل الذي حل بالإطارات.
يوم الخميس 20 آب 1987، إختراق أبيض لخط التماس عن المتحف.
إلتقى الشعب على رفض الحرب والجوع.
في وقت تعطلت السياسة حكمًا وحكومة وقيادات ومبادرات ولامس الدولار حدود 2500 ليرة لبنانية والمشاكل المعيشية إلى مزيد من التفاقم وعودة قضية المخيمات إلى الواجهة وتوتر شرقي صيدا، تجمهر الشعب بالعشرات وللمرة الاولى، مشاركين من المنطقتين الغربية والشرقية تحت شعار اليوم الأبيض.
تشاركوا في لقاء وطني فتقابلوا وتعانقوا واخترقوا خط التماس احتجاجًا على الحرب الأهلية وحرب التجويع والذل.
كانت نقطة بيضاء صغيرة تحيطها ثلاث نقاط سوداء كبيرة.
محاولة خجولة متواضعة شارك في تنظيمها مئات المواطنين الذين تجمعوا في الأشرفية وفي البربير وارتدى معظمهم اللباس الأبيض وتقدموا في اتجاه الحاجز الرملي الذي يشطر العاصمة في محلة المتحف وهم يهتفون لا شرقية ولا غربية بدنا وحدة وطنية.
كانت هذه التظاهرة الحدث الأبرز في ظل ذاك القحط السياسي والعجز القيادي في مواجهة الازمات الإقتصادية والنقدية والمعيشية.
يوم الأحد 8 آيار 1988 دخلت الضاحية الحنوبية في حرب مدمرة بين حركة أمل وحزب الله لثلاثة أيام متواصلة حصدت زهاء 125 قتيلاً وأكثر من 400 جريح معظمهم من المدنيين، حيث جرت معارك ضاربة واقتحامات وعمليات كر وفر شملت الاحياء المكتظة بالسكان ناقضة مجموعة اتفاقات لوقف إطلاق النار توصلت إليها اللجنة المشتركة التي تضم ممثلين من الحركة والحزب والسفارة الإيرانية والمراقبين السوريين.
يوم الإثنين 18 تموز 1988، عاشت المنطقة الشرقية على أعصاب سياسية متوترة وهي تترقب حدثين. الأول يتعلق بنتائج زيارة الرئيس سليمان فرنجية إلى دمشق واحتمال ترشيحه لرئاسة الجمهورية والثاني يتصل بأبعاد حادث إطلاق نار تعرض له الرئيس أمين الجميل يوم الأحد 17 تموز في مسبح طبرجا بيتش وجرى حديث عن إمكان انتشار الجيش اللبناني في مناطق سيطرة القوات اللبنانية.
يوم الخميس 18 آب 1988، سقطت الجلسة الأول لانتخاب رئيس جديد للجمهورية بالضربة القاضية. ودخلت البلاد في طور آخر من المفاجآت مع الإعلان عن موعد الجلسة الثانية. فقطعت الطريق أمام الرئيس سليمان فرنجية للوصول إلى الرئاسة من دون أن تنتهي ورقته كمرشح أول. إذ ثمة قرار في استمراره لخوض الجولة الثانية من المعركة.
يوم الأحد 18 أيلول 1988 بقي من الزمن أربعة أيام من عهد الرئيس أمين الجميل ولبنان تتجاذبه رياح التعطيل.
أجواء التفاهم الناجم عن المحادثات السورية الأميركية في شأن الإنتخابات الرئاسية أصيبت بنكسة نتيجة موقف القيادات السياسية والعسكرية والروحية في المنطقة الشرقية التي رفضت نتائج المحادثات.
الوفد الأميركي برئاسة مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط ريتشارد مرفي توصل مع القيادة السورية إلى تفاهم على ضرورة إنجاز الإنتخابات قبل 23 أيلول، مع دعم لمساندة النائب مخايل الضاهر لانتخابات رئاسة الجمهورية، المقررة في 22 أيلول 1988.
غادر مورفي بيروت على متن طوافة تابعة للجيش اللبناني إلى لارنكا بعد فشله في إقناع الجهات العسكرية والسياسية في المنطقة الشرقية باتفاقه مع السوريين.
وأول المبادرين إلى ضرب التفاهم كان قائد الجيش العماد ميشال عون الذي عمل على أن يحظى بإشارة أميركية تعتبره مرشح الإجماع.
يوم الخميس 22 أيلول 1988، فاجأ الرئيس أمين الجميل اللبنانيين بتوقيعه مراسيم تشكيل حكومة عسكرية برئاسة قائد الجيش العماد ميشال عون.
أعلنت المراسيم من القصر الجمهوري في بعبدا قبل ثماني دقائق من منتصف الليل الأخير من ولاية الجميّل، على أثر اجتماعات نيابية وسياسية وعسكرية، ودخل لبنان عهد الحكومتين الأولى مقرها القصر الجمهوري في الصنائع والثانية مقر قيادة الجيش في اليرزة.
إعتذر كل من اللواء محمود طي أبو ضرغم والعقيد نبيل قريطم والعقيد لطفي جابر عن مشاركتهم في الحكومة العسكرية التي اقتصرت على العماد ميشال عون والعميد إدغار معلوف والعقيد عصام أبو جمره.
أما الحكومة الثانية فكانت برئاسة الرئيس سليم الحص.
الجمعة 3 آذار 1989، مائة وستون يومًا للبنان من دون رئيس للجمهورية.
تصدر الجنوب المشهد اللبناني على محورين. محور عسكري مع انتشار قوة من الجيش بين الزهراني والنبطية وشرقي صيدا. ومحور دبلوماسي تمثل بمخاوف الحكومتين من التصريحات التي أدلى بها قائد المنطقة الشمالية الإسرائيلي الجنرال يوسي بيليت حول عزم حكومته على توسيع الحزام الأمني.
يوم الثلاثاء 14 آذار 1989، العماد عون يعلن الحرب على سوريا مع مرور مائة وواحد وسبعين يومًا للبنان من دون رئيس للجمهورية.
في الرابع عشر من آذار 1989، أعلن العماد عون حرب التحرير فوقع في يوم واحد زهاء أربعين قتيلاً ومئة وخمس وأربعين جريحًا بنيران المدافع والراجمات التي صبت حممها على بيروت بشطريها وطالت مناطق الضاحية والجبل والشرقية وصولاً إلى المديرج وشتورة.
إستمرت موجة القصف عشر ساعات ثم هدأت مساء إثر اتصالات غير مباشرة بين قيادتي الجيش في بيرو تالغربية وفي اليرزة.
الثلاثاء 18 نيسان 1989، مائتان وستة أيام للبنان من دون رئيس للجمهورية.
بعد جولة قصف مدفعي طال مختلف مناطق بيروت، وسقوط مئات القذائف والصواريخ، صدر بيان عن بكركي التي اجتمع تحت سقف صرحها نواب المنطقة الشرقية وأصدروا بيانًا نيابيًا إعتبر خطوة متقدمة وشجاعة مخالفة للمواجهة التي اختارها العماد عون في حربه ضد الوجود السوري في لبنان.
تلا البيان النائب إدمون رزق.
حضر الإجتماع 23 نائبصا بدعوة من البطريرك نصر الله صفير.
جاء في البيان: المجتمعون يدينون القصف الهمجي الذي طال الأهداف المدنية وحصد الأبرياء العزل ويدعون إلى وقف فوري عام وشامل لإطلاق النار على ان يكون الجيش اللبناني مسؤولاً عن تنفيذه في أماكن وجوده وضمن نطتق سيطرته ويكون الجيش السوري مسؤولاً عن تنفيذه في أماكن وجود قواته وضمن نطاق سيطرتها.
وتوجه البيان إلى جامعة الدول العربية والمجموعة الأوروبية ومنظمة الأمم املتحدة ومجلس الأمن الدولي بنداء عاجل للتدخل السريع بكل الوسائل لوقف المجازر الجماعية وأكد باسم المجتمعين على العيش المشترك وتجنب البيان موضو عالإنسحاب السوري من لبنان وموضوع تدويل الأزمة إلا في ما يتعلق بالمسائل الإنسانية وركز على وجوب وقف النار.
الثلاثاء السادس عشر من أيار 1989، مائتان وأربعة وثلاثون يومًا للبنان من جون رئيس للجمهورية.
أودى كمين مفخخ ب150 كلغ من المواد المتفجرة بحياة مفتي الجمهورية الشيخ حسن خالد.
وقع الإغتيال على مسافة عشرات الأمتار من دار الفتوى في محلة عائشة بكار.
سقط معه ستة قتلى و79 جريحًا.
الأحد 4 حزيران 1989، مائتان وواحد وخمسون يومًا للبنان من دون رئيس للجمهورية.
كانت تشكلت اللجنة العربية الثلاثية فأعلنت في الخامس من حزيران 1989، في بيان أصدرته في الرباط، عن إقرار خطة عمل لتطبيق قرارات القمة العربية في شأن لبنان وكلفت وزراءا لخارجية القيام فورًا بتنفيذ الإجراءات الأولية التي تضمن الخطة.
الأحد 22 تشرين الأول 1989، وقّع سبعة وخمسون نائبًا على النص النهائي لما عرف بوثيقة اتفاق الطائف التي فتحت الباب أمام مشروع الحل العربي من أجل السلام في لبنان. في وقت أعلن العماد عون رفضه لما أنجز في الطائف متحديًا الإجماع العربي عليه.
يوم الأربعاء 22 تشرين الثاني 1989 سقط رئيس الجمهورية رونيه معوض شهيدًا في ذكرى الإستقلال بعد سبعة عشر يومًا على انتخابه وقبل 24 ساعة من إعلان حكومة الوفاق الوطني التي كان اتخذ القرار بإصدار مراسيمها بعد التوافق على اسمائها مع الرئيس المكلف سليم الحص ورئيس المجلس النيابي حسين الحسيني.
قضى الرئيس معوض و13 مواطنًا معظمهم من مرافقيه في عملية تفجير إستهدفت موكبه على بعد مئات الأمتار من القصر الحكومي الذي كان يشهد احتفالاً وطنيًا بالذكرى السادسة والأربعين للإستقلال الذي انقلب مأتمًا وطنيًا أجمعت البلاد على المشاركة فيه باستثناء العماد ميشال عون.
إنه الإغتيال الأول بعد اتفاق الطائف.
الجمعة 24 تشرين الثاني وبعد يومين على اغتيال معوّض، إنتخب المجلس النيابي أحد أعضائه النائب الياس الهراوي رئيسًا للجمهورية.
يوم الثلاثاء 28 تشرين الثاني عينت حكومة الوفاق الوطني العميد إميل جميل لحود قائدًا للجيش اللبناني خلفًا للعماد ميشال عون الذي وضعه مجلس الوزراء في تصرف وزير الدفاع الدكتور ألبير منصور واللواء سامي الخطيب الذي وضع بناء لطلبه في تصرف رئاسة مجلس الوزراء.
يأتي تعيين لحود بعد أن رقي إلى رتبة عماد في ظل أجواء محمومة تخيم على البلاد بسبب رفض عون التجاوب مع اية قرارات تصدر عن الحكومة والرئيس الهراوي.
الأربعاء الحادي والثلاثون من كانون الثاني 1990، الشرقية تحترق في معارك امتدت من عين الرمانة حتى المدفون هاجم فيها العماد عون مراكز القوات اللبنانية فتصدّته وحاصرت ثكنة صربا وسيطرت على جبيل وعمشيت.
تهاوت الوساطات واستمرت المعارك وحمّلت واشنطن عون مسؤوليتها ودعته إلى التنحي فورًا.
عاش الأهالي حالة من الذعر والرعب والتلطي في الملاجئ ووقعت خسائر فادحة في الأرواح والأرزاق.
هي المرة الثانية في أقل من عام يتفجر الصراع في الشطر الشرقي من بيروت بين العماد عون والقوات اللبنانية.
حرب مدمرة طالت العاصمة وضواحيها وصولاً إلى بلاد جبيل مرورًا بالمتن وكسروان موقعة خسائر فادحة في الأملاك والممتلكات.
أمام هول المأساة هدد البطريرك صفير يوم الجمعة 2 آذار 1990 بالحرم الكنسي، بعدما دخل الفاتيكان على خط معالجة الأوضاع المتجهورة في المنطقة الشرقية ما أدى إلى تراجع في حدة المعارك دون إخماد نار الإقتتال.
كان موقف إستثمائي للبطريرك صفير الذي هدد بالحرم الكنسي جميع الذين يشاركون في المعارك.
يوم الأحد 14 تشرين الأول 1990، دخلت القوات السورية المناطق الشرقية وأعلن العماد ميشال عون تنحيه ولجأ إلى السفارة الفرنسية.
خلال خمس وأربعين دقيقة من المعارك، كان كل شيء بحكم المنتهي وصار العماد عون لاجئًا في منزل السفير الفرنسي رونيه ألا في منطقة الحازمية طالبًا اللجوء السياسي.
عند الدقيقة العاشرة بعد منتصف يوم الخميس 6 حزيرات 1991، صدر مرسوم بتعيين أربعين نائبًا لملء المراكز المستحدثة والشاغرة في المجلس النيابي بعد فترة من التنازع الإعلامي والسياسي. وضع مجلس الوزراء حدًا لها خلال جلسة طارئة عقدها في المقر الرئاسي المؤقت على فترتين، إنتهت إلى حزم الأسماء وتدوينها في المحضر.
في اواخر 1968، دخل الأراضي اللبنانية عدد من الفلسطينيين المسلحين.
احدث هذا الأمر اضطرابات داخلية ليس بالنسبة لعدد الذين دخلوا وكان لا يتجاوز الخمسين، بل لمبدأ وجود فدائيين على الأراضي اللبنانية.
أما الاضطرابات الداخلية فكان سببها الانقسام بالرأي حول مبدأ وجود فلسطيني مسلح: فريق يؤيد وفريق يرفض.
الفئة التي أيدت لجأت إلى مختلف وسائل الضغوط: الاضطرابات والمظاهرات والمهرجانات الخطابية والعراقيل التي كانت تضعها لدى تشكيل الحكومات...
الفئة التي رفضت اقتصر نشاطها على إسداء النصح للفريق المؤيّد بعدم الذهاب بعيدًا بالتأييد خشية التصادم.
أخذ عدد الفدائيين يتزايد يومًا بعد يوم.
ردود الفعل الإسرائيلية وكان أبرزها الغارة على مطار بيروت الدولي في 28 كانون الاول 1968.
في نيسان 1968، قامت تظاهرة انطلقت من ساحة كلية المقاصد في بيروت وسار المتظاهرون باتجاه المجلس النيابي.
حصل إطلاق نار وسقط 14 قتيلاً وبعض الجرحى الأمر الذي حمل السيد رشيد كرامي على تقديم استقالة الحكومة التي كان يرئسها.
تعذر تشكيل حكومة جديدة بسبب استمرارا لخلاف حول وجود الفدائيين في الوقت الذي كان عدد هؤلاء يتزايد.
رفض رئيس الجمهورية يومذاك الرضوخ للامر الواقع والتسليم للوجود الفدائي على الأراضي اللبنانية ووجه رسالة بتاريخ 31 آيار 1969 بهذا المعنى أثارت ردود فعل مختلفة ولاسيما من جهة الفريق المؤيد للوجود الفدائي.
رفض رئيس الجمهورية تشكيل حكومة ترضخ للأمر الواقع وبقيت البلاد دون حكومة.
فاستمرت الحكومة المستقيلة تصرّف الاعمال سحابة سبعة أشهر.
في اواخر شهر تشرين الأول 1969 حصل اصطدام مسلح بين الفدائيين والجيش اللبناني في مجدل سلم في منطقة الجنوب تسبب فيه الفدائيون .
فسار الفريق المؤيد.
وما هي إلا أيام معدودة حتى اشتعلت المناطق الحدودية وكان عدد الفدائيين فيها قد تجاوز الثلاثة آلاف.
ثم ثارت الدول العربية على رئيس لبنان لموقفه من الفدائيين ومارست تجاه لبنان مختلف أنواع الضغوط ولاسيما منها الإعلام العربي وأقفلت بعضها الحدود مع لبنان وتصاعدت الاشتباكات العسكرية بين الجيش والفدائيين وحلفائهم ومرت بضع أيام والامور تسير من سيء إلى أسوأ الامر الذي اضطر السلطة إنقاذًا للبلاد من الانقسام داخليًا إلى التسليم بالوجود الفدائي في لبنان وكان اتفاق القاهرة وقد تضمن نصًا يتعلق بسريته أعطى خطأ الانطباع بأن لبنان سُلّم للفدائيين.
ولكن الفلسطينيين لم يكتفوا بما تضمنه اتفاق القاهرة.
وخلافًا لهذا الاتفاق ادخلوا جميع أنواع الأسلحة والذخائر ولاسيما الثقيلة منها إلى المخيمات وأنشأوا المكاتب في العاصمة والضواحي والمناطق وكثرت التجاوزات التي كان يرتكبها عناصرهم وتعددت الاصطدامات بينهم وبين قوى الأمن والجيش وأخذوا بإيواء الخارجين على القانون من لبنانيينو فلسطينيين وغيرهم من عرب وأجانب.
وفي ليل 10 – 11 نيسان 1973، قتل 3 مسؤولين فلسطينيين في شارع فردان واتهم رئيس الحكومة يومذاك قائد الجيش بالتقصير واشترط إقالته أو استقالة الحكومة.
وكان أبرز هذه الاصطدامات بين الفلسطينيين والجيش الاصطدام الذي حصل في 2 آيار 1973 على أثر حجز 3 عسكريين من قبل حاجز من فدائيين.
انذر الجيش الفلسطينيين بإعادة المحجوزين خلال مهلة محددة وإلا لجأ إلى القوة.
وبعد انقضاء هذه المهلة دون نتيجة، توجهت دورية من الجيش لاستعادتهم بالقوة. وجرى تبادل إطلاق نار تبعه قصف ثكنات الجيش المجاورة من قبل فلسطينيين بالمدافع والصواريخ. وعمت الاشتباكات العاصمة ومناطق عدة من لبنان.
وأخذ الفلسطينيون يقصفون الأحياء السكنية والمرافق العامة ومنها مطار بيروت الدولي بمختلف أنواع الأسلحة ومنها المدافع والصواريخ.
واضطرت الحكومة يومذاك إلى اتخاذ تدابير أمنية مشددة منها منع التجدد.
وما ان أخذت الأمور تعود إلى الحالة الطبيعية حتى انفجرت عند الساعة العاشرة من ليل 7 آيار وكان مجلس الوزراء لا يزال منعقدًا وتساقطت القذائف المدفعية والصاروخية وسواها بصورة عشوائية على جميع أحياء بيروت وضواحيها وتسببت بوقوع ضحايا بريئة عدة مما حمل مجلس الوزراء بناء على اقتراح رئيس الحكومة إلى إعلان حالة الطوارئ.
وقضت بيروت وضواحيها تلك الليلة دون ان يهدأ دوي انفجارات القذائف وأزيز الرصاص.
وقبل بزوغ الفجر بعد تلك الليلة الرهيبة كان رئيس الحكومة يقدّم استقالته لانه لم يصمد امام الضغوط التي تعرّض لها على أثر إعلان حالة الطوارئ قبل ساعات معدودة ولكن ذلك لم يمنع من اتخاذ التدابير العسكرية ومنها سلاح الطيران والتي بفضلها توقفت موجة العنف. إذ تهافت السفراء العرب طالبين وقفها متوسطين بين السلطة اللبنانية والفلسطينيين داعين إلى ضرورة توضيح العلاقات بين السلطة والمقاومة وكان اتفاق ملكارت.ولكن لا اتفاق القاهرة ولا اتفاق ملكارت كان ما يرمي إليه الفلسطينيون.
واستمرت أعمال الشغب وتصاعدت ولم يكن مهرجان خطابي يحصل في أي منطقة يتواجد فيها فلسطينيون إلا ويشترك هؤلاء فيه ويحملون على السلطة ويتهمونها بشتى الاتهامات ولا يكتفون بذلك بل يحملون على نظام الحكم وعلى مؤسسات الدولة الدستورية منها والوطنية ولاسيما الجيش ألخ... إلى أن كان يوم 26 شباط 1975 حيث قامت تظاهرة في صيدا اشترك فيها النائب السابق المرحوم معروف سعد.
أطلقت النار عليه فأصيب بجراح بالغة نقل على أثرها إلى المستشفى حيث توفي بعد أسبوعين تقريبًا.
حدثت أعمال شغب بعد إصابة النائب سعد وبعد وفاته.
وحاولت الحكومة برئاسة رشيد الصلح معالجة ذيول هذا الحادث المؤسف وما إن أخذت اجواء الهدوء تعود إلى البلاد حتى كان يوم 13 نيسان 1975 حيث وقعت حادثة عين الرمانة المعروفة.
سارعت الحكومة يومذاك إلى العمل على تدارك الامر بعد أن تبين لها أن أجواء غير طبيعية تسود البلاد فأجرت الاتصالات بجميع الأطراف المعنية للوقوف على حقيقة هذه الحادثة المؤسفة وعلى أسبابها ودوافعها ولكن دون جدوى.
وجهت التهمة إلى حزب لبناني بأنه يعمل على تصفية المقاومة الفلسطينية وأقيمت الحواجز المسلحة وجرى خطف بعض المنتسبين للحزب المذكور أو المتعاطفين معه حيث كانوا يمرون بمناطق مختلفة من العاصمة ولم يكونوا قد علموا بعد بما حصل. ففقد بعضهم ولا يزال مفقودًا.
وعمت الاشتباكات بمختلف الاسلحة الخفيفة منها والثقيلة وقطعت الطرقات العامة واعتدى على منازل ومكاتب ومتاجر ومصانع ووقعت ضحايا عديدة ولم تتمكن الحكومة من وقف إطلاق النار إلا بعد أربعة أيام على بدء القتال.
وما أن أخذت الأحوال تهدأ تدريجيًا حتى قامت حملات تتهم السلطة بشتى التهم. منها التآمر على المقاومة وبأنها تنفذ مخططًا لتصفيتها من اجل فرض حل سلمي في منطقة الشرق الأوسط ومنها أن أسباب الحوادث هي محض اجتماعية...
وشعرت المقاومة الفلسطينية انها أصبحت تحت الأضواء فعمدت إلى توجيه إعلامها على انها تلتزم حيادًا مطلقًا تجاه ما يجري في لبنان ناسبة ذلك مرة إلى أنه صراع بين يمين ويسار ومرة أخرى إلى أنه صراع بين طوائف حول مطالب مختلفة إلى آخر المعزوفة.
وتحت وطأة هذه الحوادث اضطرت الحكومة برئاسة رشيد الصلح إلى الاستقالة.
وفي الوقت الذي كان رئيس الجمهورية يجري استشارات نيابية لتشكيل حكومة جديدة استؤنفت الاشتباكات في ضواحي بيروت وبالضبط في منطقة تل الزعتر الدكوانة وما لبثت أن اتسعت رقعة الاقتتال بسرعة جنونية لا عهد لنا بها في لبنان وأخذت قذائف المدافع والصواريخ تتساقط بصورة عشوائية في كل مكان على الناس والممتلكات مخلفة وراءها الضحايا والخراب.
وتجاه إعلان رئيس الوزراء المستقيل أنه لن يمارس مهمة تصريف الأعمال حتى تشكيل حكومة جديدة ولن يبذل أي جهد من أجل وقف النار كان لا بد من مواجهة هذا الأمر بتدبير سريع بوقف النزف البشري فجرى تشكيل حكومة من عسكريين وقف ضدها بصورة خاصة أقطاب الطوائف الإسلامية وتداعوا إلى عقد اجتماعات طائفية مما تقرر فيها:
طلب استقالة الحكومة وعدم قبول أية حكومة لا يكون رئيسها رشيد كرامي.
وقدمت الحكومة التي ضمت العسكريين استقالتها بعد يومين من تأليفها وجرى تكليف الرئيس كرامي تشكيل حكومة جديدة ولكن الاشتباكات لم تتوقف بل كانت رقعة الاقتتال تتسع فيزداد معها عدد الضحايا والخراب والدمارو الخسائر والتعقيدات إلى أن تم الاتفاق بعد مرور اكثر من شهر على تكليفه على تشكيل حكومة برئاسة الرئيس كرامي بتاريخ أول تموز 1975.
وكعادتهم اتخذ الفلسطينيون من قضية حكومة العسكريين حجة وشنوا حملات عنيفة ضد السلطة بعد ان اتهموها بشتى الاتهامات منها تصفية المقاومة الفلسطينية وتحجيمها. تمرير الحلول السلمية أو الاستسلامية، تنفيذ مخططات الصهيونية والإمبريالية. التآمر على الدول العربية المتلاحمة مع الثورة.
ولم ينسوا تبرير ما أقدموا عليه من أعمال تخريبية واعتداءات على الناس والممتلكات فقالوا إنها بسبب التواطؤ مع الغنعزاليين والتستر بهم.
استعداءا لجيش على المقاومة.
تسليح الجيش لضرب المقاومة والهيئات التي تسمي نفسها وطنية والاحزاب التي تسمي نفسها تقدمية.
المحافظة على نظام الاحتكار ومص الدماء والصفقات المشبوهة
تسليح الميليشيات وتشجيعها للتصادم مع المقاومة تمهيدصا لاستدراجها إلى معارك جانبية يضطر عندها الجيش للتدخل ويضرب المقاومة.
وفي اول اجتماع عقدته مع رئيس الحكومة ثم في اول جلسة لمجلس الوزراء قلت إن الحكم شورى وانطلاقًا من هذا المبدأ فقد أعربت للحكومة عن ثقتي المطلقة بالسياسة التي تنوي انتهاجها ثم بما تضمنه البيان الوزاري التي نالت على أساسه ثقة مجلس النواب بالغجماع.
مالت الأوضاع إلى الهدوء وأخذت الحياة الطبيعية تعود إلى البلاد والاحوال تتحسن يومًا بعد يوم. وسارت الحكومة في عملها تنفيذًا للبيان الوزاري وتوالت الاجتماعات واللقاءات من اجل تحقيق مصالحة وطنية بين جميع الأطراف تجمع الشمل وتضع مصلحة لبنان فوق كل مصلحة ورغبة من الحكومة في استعجال درس جميع المسائل والمواضيع المطروحة للبحث والتي كان البعض يرى أن معالجتها تقطع سبب الشر. قررت عقد جلسات مفتوحة.
ديننا المسيحي يقوم على الأمل والرجاء وإننا نحيا على رجاء القيامة ولا نكون مسيحيين إلا بنسبة ما يكون الأمل زاخرًا في نفوسنا والرجاء ملء قلوبنا . من أجل ذلك نحيا أيامنا الصعبة وكأننا في سماء.
يشهد التاريخ ان روما تحولت من الوثنية إلى المسيحية بفضل دم الشهداء وكذلك اثينا وهكذا سيتحول لبنان بفضل دم شهدائه إلى مدينة الله.
وكل جمعة عظيمة يعقبها سبت النور ويعقب سبت النور احد القيامة
وسيطلع إن شاء الله على لبنان سبت النور وأحد القيامة.
وكما ان ذلك إيمان في ديننا المسيحي فهو إيمان أيضًا في ديننا الوطني.
لقد قرر لبنان أن لا يموت.
الموت يطلع عليه من جهة المؤامرة الدائرة حول لبنان وعليه.
الموت يطلع عليه من جهة الصهيونية وإسرائيل.
الموت يطلع عليه من جهة الدويلات التي تتقاسم لبنان.
ويطلع عليه من جهة الفلسطينيين ومن جهة السوريين.
ثم من جهات يحس بها فلا تظهر ولا تذكر.
رغم هذه الصراعات المميتة لم يمت لبنان، بل ظل بفضل تحركه في العالم العربي وفي اوروبا والعالم وفي الامم المتحدة، على الساحة الدولية واقفًا على رجليه حيًا يتحرك هو أيضًا إلى حد أن قال يومًا في باريس أحد كبار الصحافيين الفرنسيين إنها لمعجزة تمكّن لبنان من ان يستمر على الصعيد الدولي حيًا يتحرك بعافية.
أخطاء عدّة ارتكبت بحق لبنان... إرتكبها المسؤولون فيه ومن تولوا إدارة أزماته.
لقد أخطأوا حين قسموا القضية اللبنانية على المنابر الدولية إلى أجزاء. فتكلموا على الجنوب ثم على الشمال ثم على بيروت الغربية فالشرقية. ونادرًا ما تكلموا على لبنان.
ولأنهم دخلوا في تجزئة القضية أضاعوا حق لبنان وأضاعوا الثقة به.
في حين كان من واجبهم أن يوضحوا الحقائق اللبنانية لا أن يستوضحوا المنتظر من المواقف الدولية.
وكان عليهم الجزم في الأمور الثلاثة التالية:
1 – في معالجة قضية لبنان لان في الأمم المتحدة معالجتها الحقيقية لا في خارجها.
2 – في فصل القضية اللبنانية عن قضية الشرق الأوسط لأن في ذلك معالجة كافية شافية لها.
3 – كل موقف من أي كان لا يلم بالنقطتين السابقتين ليس موقفًا أمميًا ولا هو موقف مساعدة. إذ ليس بعد الموت موت.
لا يمكننا أن نحصر الوضع الخطر في الجنوب وأسباب نشأته فقط بعدم انسحاب إسرائيل انسحابًا كليًا وعدم تمكين قوات الأمم المتحدة من إنجاز المهمة التي اناطها بها مجلس الأمن وتمادي إسرائيل في تصرفاتها العدوانية، دون التذكير بمضار الوجود الفلسطيني المسلّح.
كتب للبنان أن يلقى الظلم من الظالم ومن المظلوم على السواء.
على المنابر الدولية، عندما يأتي وقت تحديد القضية اللبنانية تحديدًا قانونيًا واقعيًا صادقًا، تصبح اللغة لغة تلاطف واستحياء وتناعم، لكي لا أقول خوف.
لقد كانت المطالب اللبنانية تجاه الجمعية العمومية في الأمم المتحدة مطالب رصينة ثم أصبحت التماسًا عندما دار فيها الكلام على منظمة التحرير الفلسطينية.
ليس على لبنان أن يطالب للفلسطينيين بحقهم لكي يدرك هو حقه.
كان يكفي أن يطالب بإبعادهم اما كيف فهذا على الأمم ان تتدبر أمره.
كما كان يجب ان يقول : إذا كان اليهود هضموا الشعب الفلسطيني فليس هذا مبررًا ليهضموا هم حقنا وإذا كانوا قد أضاعوا وطنهم فليس وطننا بدل ضائع عن وطن اضاعوا.
كان يجب أن يعبّر عن القضية بقوة ولا قوة بلا شجاعة وهكذا المطالب. فلا تكون القضية قضية ولا المطالب مطالب.
إن وطنًا له ما للبنان من الإغمكانيات لتحقيق هذه القيم قادر أن يخلق في قلوب جميع ابنائه ذلك الولاء الذي يستهان معه بذل النفيس في سبيله والدفاع حتى الموت من أجله.
لبنان بين واقعه المؤلم وبين تطلعه المستقبلي الرائع يبدو دائخًا كمن ضرب على رأسه.
عشرات الآلاف من أبنائه ماتوا شهداء في معارك وتفجيرات.
عشرات الآلاف فقدوا أو جرحوا.
عشرات الآلاف هجروا من مكان إلى مكان في ربوعه.
عشرات الآلاف هاجروا إلى مختلف أنحاء الدنيا.
إنتهكت مؤسساته الدستورية والوطنية ودمر اقتصاده وقطعت مسيرته إلى الرقي وخنقت إسهاماته في المسيرة العالمية في مهدها.
في الوقت نفسه، عشرات المئات من اللبنانيين تعبوا من هذا المصير الأسود وقرفوا.
بعض اللبنانيين صار أغنياء حرب وفساد ينصرفون إلى التمتع بما غنموا.
أحزاب حادت عن خطها واختبأت وراء شعارات كاذبة وهربت من واجبها الوطني.
لا بد من أن يكون ثمن لدم الشهداء وللدمار الهائل الذي حل بلبنان.
لا بد من محاربة تسلط واستئثار وفساد وهدر واستعباد وظلم.
لا بد من إشراك الناس في هموم بعضهم البعض والقفز فوق المناطقية والحزبية والمذهبية والعنصرية.
دور الموارنة في بناء لبنان
موارنة لبنان هؤلاء، موارنة الغد، ما هي حكايتهم؟
حكاية شعب مشى على اليم، فطرد الجن من مياهه، ابتكر الأبجدية على شطآنه، كافح الجهل، وابتنى أول بيت من حجر، فمكّن للحضارة أن تكون وزرع أول حبة قمح، فأنعش الإنسان بذلك.
حكاية قلة من الشعوب احتموا في بطون الأودية ليحموا فيها معهم حريتهم وعنفوانهم واستقلالهم.
وحكاية قلة من الشعوب اجتازت بخطى العمالق المسافات الدهرية التي ما بين البهيمية والجاهلية والتمدن.
إن طريقنا اليوم معكم ليست على هذا المنعطف من التاريخ.
إن هي على منعطف آخر أكثر حداثة وأكثر التصاقًا بنا في الحاضر الذي نعيش.
ذلك ان طريقنا تبدأ اليوم بالموارنة وقد نعرج فيها على من قبلهم قليلاً.
الراهب مارون، حوالي السنة 400، أنشأ رهبانية انتشرت في سوريا ولبنان واعتنقت ضمن المسيحية مذهبًا سمي باسمه.
المبشرون بالمارونية وحدهم أول الامر قدموا من سوريا إلى لبنان.
أما الموارنة الذين انقادوا إلى أولئك المبشرين فجلّهم إن لم يكن كلهم، جاؤوا من الشعب الذي عاش على الأرض اللبنانية آلاف السنين قبل مولد مارون.
وفي القرون 4 و5 و6 بعد المسيح تحول الشعب اللبناني هذا من الوثنية إلى المسيحية على يد رهبان مار مارون فدعي الشعب الماروني.
فالمارونية والحالة هذه تسمية دينية مذهبية لا تسمية إثنية.
ولقد كان رأي التاريخ في ذلك.
والناسك ابراهيم القورشي الذي قدم من شمال سوريا إلى شمال لبنان فعمد إلى تبشير منطقة أفقا والعاقورة وجبة المنيطرة التي كانت تشمل الجرود اللبنانية من بسكنتا جنوبًا حتى تنورين شمالاً ومن مرمى الثلج إلى فقش الموج باستثناء المدن الساحلية الكبرى وبخاصة جبيل والبترون التي كانت قد تلقت المسيحية من عهد الرسل.
أما جبة بشري ووادي قاديشا من تنورين إلى إهدن فقد قام بتبشيرها في النصف الأول من القرن الخامس تلامذة مار سمعان العمودي وهو من مدرسة مار مارون على ما في سيرة هذا القديس التي وضعها معاصره وتلميذه الكاهن كوزما.
وهكذا في ظروف ولأسباب مماثلة تابعت المارونية انتشارها في القرنين الخامس والسادس في المناطق الواقعة جنوبي المتنين حتى دير القمر وجزين.
هذا الشعب الذي تقبل المارونية بين القرنين الرابع والسادس فصار مارونيًا، من هو؟
إنه مؤلف من الأموريين والآراميين.
فالأموريون ومنهم الجراجمة في شمالي سوريا وهم كنعانيون دعوا المردة.
فهؤلاء المردة الكنعانيون والأراميون الساميون، اطلق عليهم اليونان اسم الفينيقيين في عصر متأخر قد لا يسبق القرن الرابع قبل المسيح.
هذه الشعوب، الأموريون والآراميون والجراجمة، صهرها في بوتقة واحدة وأمة واحدة وحضارة واحدة وجودها معًا فوق تربة لبنان أجيالاً طويلة مع ما رافق هذا الوجود من تفاعل ومشاركة وتزاوج ووقوعات أخر.
فإذا الموارنة دينيًا أبناء مار مارون وأبناء الفينيقيين إثنيًا.
وإذا تاريخهم طبيعيًا امتداد لتاريخ الفينيقيين.
اما في وصف هذه الأرومة المارونية فهاكم ما يقول الكتاب المقدس عن الأموريين:
"كالارز قاماتهم وكالسنديان صلابتهم".
وقد شبههم اتية بن أبي الصلد بالجبال شموخًا إذ قال على ما روى صاحب الأغاني:
"وحتى أتى ببني الأحرار يقدمهم
تخالهم، فوق متن الأرض، أجبالا"
ودعاهم العرب الأحرار لتعشقهم الحرية والاستقلال، والاحامرة لشقرة بشرتهم، والاساورة لمهارتهم في الحرب ورمي السهام، والخضارمة لشدة بأسهم وشجاعتهم ومضاء عزيمتهم والجراجمة أي الابطال الجسورين.
تلك هذه ميزاتهم.
اما صفاتهم الخلقية فكان أبرزها: الجرأة والإقدام والطموح.
من هؤلاء تحدر اللبنانيون الموارنة وظلّت اجيالهم ترقى في طريق التقدم إلى أن كان من أمرهم ما كان مما سيمر به الكلام في حينه.
ولقد ظل تقدمهم ورقيهم وازدهارهم في جبالهم وفي واديهم المقدس قنوبين، آخذة بالتزايد والتآلف حتى راح الفتح العربي يمشي فراح يجر وراءه الصحراء على أن خط ارتقائهم ظل سويًا من حد ابتداع الأبجدية والملاحة والبناء المن حجر، ومرورًا بملاحم رأس شمرا التي قال فيها العلماء إنها كانت من مصادر هوميروس ومزامير داود. ومرورًا بمدرسة الحقوق في بيروت التي لا تزال مؤلفات أساتذتها اللبنانيين الذين لقبوا بالمسكونيين من المصادر الأساسية في علم الشرع في العالم كله. ومرورًا بمن نبغ من أجدادنا في القرون الوسطى:
كألينيكوس الذي اخترع النار الإغريقية،
وتيوفيلوس الماروني مترجم إليازة هوميروس إلى السريانية،
ومار يوحنا مارون،
وابن القلاعي،
وجبرائيل الصهيوني،
وابراهيم الحاقلي،
وجريس عميرة،
وسركيس الرزي،
ويوحنا الحصروني،
وبطرس التولاوي،
ويوسف العينطوري،
والسماعنة
وعيسى الشاماتي،
وسمعان عواد
وعشرات غيرهم...
هؤلاء الأعلام لقد لمعت عبقريتهم في الشرق والغرب وضرب المثل في أوروبا بنبوغهم وسعة علمهم حتى قيل من أجلهم عالم كماروني، وحتى أن بعضهم يجعل من يوسف سمعان السمعاني ذروة في العلم بتاريخ البشرية وعملاقًا في الفكر ليس فقط في المسيحية بل في الإنسانية جمعاء. إلى حد البستاني واليازجي وزيدان وصروف وتقلا وبركات وجبران وعقل ومعلوف والجر والصبّاح والدبغي ومدوّر وطربيه ونادر وأبو زيد ومالك وشحادة ونعيمة وبولس ولبكي...
وذاك اللبناني المجهول الذي يصنع كل شيء وهو على وفرة ادعائه قابع في زاويته ينظر ويبدع وكأن الشعب كله معه في عملية الإبداع.
وهذا ما حمل لامرتين أن يقول بعد جولة طويلة في المشرق:
"رأيت في لبنان شعبًا، ورجلاً واحدًا في مصر".
وظل تقدمهم في اضطراد إلى أن ولدت مشكلتهم الكبرى التي لا تزال هي مشكلتهم القائمة وقد كانت ولادتها على يد عمر بن العاص في السنة 636 الذي عندما وصل إلى القدس أرسل ليقول لحاكمها المسيحي:
"خليفتنا أمرنا أن نقاتلكم إلى أن تصيروا من ديننا فنتساوى وتصبحوا إخوانًا"
ثم عبّر عن هذا عبد الملك بن مروان في السنة 692 بتشريع يلقي فيه على عاتق المسيحيين باسم الجزية ضرائب مرهقة فكان هذا التشريع، بحسب المؤرخ السرياني ديوفيس التلمحري، سبب النكبات التي أخذت تتوالى على المسيحيين في الشرق منذ ذلك الحين.
ووضعت في التنفيذ شرعة الذمية التي هي السد الفولاذي بين الإسلام وكل من هو غير الإسلام في التعامل والتعايش.
والذمّية، باختصار، هي أن يعيش غير المسلم، في ديار الإسلام، على ذمّة المسلم لا على ذمّة القانون بحيث يحيا الذمّي إن أراد المسلم له الحياة ويموت إن أراد له الموت!!
وكانت البداية،
إذ حيال هذا الوضع وقف الموارنة، بقوة في الدفاع عن حقوقهم وحريتهم،
فتحصّنوا وأنشأوا لأنفسهم في هذا السبيل، وطنًا حرًا سيدًا مستقلاً هو لبنان الذي في هاليوم، نعيش.
فكيف كان ذلك؟
لقد كانت الأرض هي أول ما يعوز أجدادنا الأقدمين فاقتطعوها لأنفسهم.
هذه الأرض المقتطعة كان لا بد من أن يداقع عنها، وتزرع ، وتعمّر، وتحمى لتسلّم لأبنائها، لتؤمن لهم الطمأنينة والسلام، فانكبّوا على ذلك، ومشوا طريقهم الطويل الشاق في مراحل خمس:
المرحلة الأولى: تأمين الانسجام بين الوافدين والمقيمين فكان لهم ذلك.
المرحلة الثانية: إقامة وطن قومي مستقل، من المقيمين والوافدين منذ الفتح العربي حتى أواسط القرن الرابع عشر (636 – 1367 م) فأخذوا طريقهم إلى ذلك ببطولة وشجاعة.
وفي السنة 677 انضمت إلى المقاومة اللبنانية الممتدة من عكار حتى الشوف جحافل عسكرية وشعبية من الجراجمة (أي موارنة جبل اللكام الواقع بين أنطاكيا وجبال طوروس)، وانصهرت معها في جيش واحد دُعي جيش المردة الذي احتل الرقعة الجبلية الممتدة من جبال اللكام شمالاً حتى جبال اليهودية والقدس جنوبًا، واتخذت قيادة المردة من بسكتنا، في سفح صنين، مقرًا لها.
ثم أخذ المردة يشنون على الدولة الأموية الحملة تلو الحملة، وكان النصر حليفهم، فاضطر الخلفاء من معاوية حتى عبد الملك بن مروان، إلى عقد معاهدات مع المردة يترتب بموجبها على الأمويين أن يدفعوا لهم ضريبة.
وقيل في تاريخ العرب إن هذه الجماعات من المردة كانت تنادي عبد الملك بن مروان من أعالي دير مران (تقرأ مارون) المشرف على دمشق مطالبة بدفع الضريبة إذا تأخر تأديتها.
وقد رافقت تكتل الموارنة في تجمع عسكري صيغة جمعتهم في لبنان وسوريا وسائر بلدان المشرق، ضمن إطار كنسي واحد على رأسه بطريرك يعاونه أساقفة، فكان أول بطاركتهم مار يوحنا مارون.
وهكذا أنشأ الموارنة، منذ الربع الأخير من القرن السابع، كيانًا دينيًا كنسيًا، وسياسيًا عسكريًا بقيادة موحدة في يد بطريركهم.
ودام هذا الوطن المستقل عن الدولة الإسلامية من الربع الأخير من القرن السابع حتى النصف الثاني من القرن الرابع عشر، أي نحوًا من سبعماية سنة.
وفي هذه الحقبة من التاريخ، على الأخص، قامت بين الخلفاء العرب وبين الموارنة اللبنانيين علاقة ود وتواصل توقفت عندها التواريخ، ومما قاله، بصدد ذلك وعمّا يعني موارنة سوريا، ابن عساكر في كتابه "تاريخ دمشق" قوله:
"إن خلفاء عدّة أمضوا قسمًا من حياتهم وتوفوا في أديرة مارونية. فالخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز (717 – 720) كان ينزل خلال سنوات خلافته في دير مار سمعان الماروني، قرب معرّة النعمان (جنوبي حلب)، حيث لا يزال هناك قبره. كما أن الخليفة عبد الملك بن مروان (685 – 705) كان يمضي فصل الربيع في دير المران الواقع في جوار دمشق. والخليفة الوليد بن عبد الملك (705 – 715) توفي في دير مارون هذا، ودُفن فيه. وفي هذا الدير نفسه أقيمت احتفالات أعراس بعض (أمراء) بني مروان. الخليفة يزيد بن معاوية (680 – 683) و(الخلفاء العباسيون) هارون الرشيد (786 – 809) والمأمون (813 – 833) كانوا كذلك يقيمون للاستحمام في دير مارون. وقد بنى المأمون القبة التي تقوم فوق جبل دير المران الباقية إلى اليوم.
المرحلة الثالثة: لبنان وطن مشترك بين الموارنة والدروز في إطار الدولة الإسلامية.
في هذه المرحلة اتحد الدروز والموارنة في الدفاع عن جرود الشوف، وعاليه، وكسروان، ضد المماليك (كما اتحد الموارنة والشيعة في الدفاع عن كسروان ضد الغزاة أنفسهم)، في اوائل القرن الرابع عشر.
ولكن المماليك تغلبوا واجتاحوا الشوف والمتن وكسروان في السنة 1305، وأحرقوه، وقتئذ ولعوامل شتى أخذ استقلال الوطن الماروني يتصدّع حتى سقط في أواسط القرن الرابع عشر ودخل ضمن إطار سلططة المماليك، فالسلطة العثمانية (1516 – 1918).
وظل هذا التعاون، واشتد، وبخاصة في عهد الإمارة المعنية فالشهابية حتى تلاحمت الطائفتان الدرزية والمارونية، جغرافيًا، إذ تغلغل الموارنة في المناطق الدرزية في الشوف وما يليه جنوبًا، وتغلغل الدروز في المناطق المارونية في المتنين، حتى باتت قرى كثيرة مشتركة بينهما مشاركة مزجية كما الماء والراح.
في ذلك الحين كانت اللحمة على أشدها بين الدروز والموارنة، وفي ذلك الحين أرسلت الست نسب، أم فخر الدين الثاني، ولديها الصغيرين إلى آل الخازن في كسروان لإنقاذهما من السيف التركي الذي ذبح آنذاك ستين ألفًا من الدروز، وكان يبحث عن ذرية آل معن للقضاء عليها.
وفي ذلك الحين أيضًا، قام النسب التجاملي بين عائلات كثيرة درزية وعائلات كثيرة مارونية فكان الخوازنة، مثلاً يرثون، في بعض الحالات، بيت جنبلاط، كما كان بيت حماده أبناء عم بيت البستاني ومثل هذا النسب التجاملي كان كثيرًا بين عائلات مارونية كبيرة وعائلات درزية كبيرة أخرى.
المرحلة الرابعة: لبنان وطن مشترك بين الموارنة والدروز وسائر الطوائف المسيحية والإسلامية تحت مظلة دولية (1860 – 1943).
في الربع الأول من القرن التاسع عشر، حوالي السنة 1820، في عهد الأمير بشير الكبير تفسخ التحالف الماروني – الدرزي لأسباب عديدة أهمها:
ما كان من تنافر بين الأمير بشير والشيخ بشير جنبلاط (وكان الجنبلاطيون حديثي العهد في لبنان) أدى إلى معارك بينهما انتصر فيها الأمير بشير على الشيخ بشير جنبلاط، وانتهت الأزمة بمقتل الشيخ بشير مما زعزع الإلفة، بنت الخمسة قرون، بين الموارنة والدروز.
وزاد في الطين بلّة احتلال ابراهيم باشا لبنان، فطاوعه الامير بشير، في ذلك، بقصد خلع النير العثماني، فنكل ابراهيم باشا بالدروز في حوران بمساعدة الأمير بشير وعسكره الذي كان بمعظمه مارونيًا.
كل هذا زعزع التماسك الماروني وأدى إلى فتن ومذابح بين السنوات 1840 و1860.
وإن تتابع هذه الفتن والمذابح أوصل إلى إنشاء نظام المتصرفية في لبنان وهو يعني على الأخص، وضع لبنان، بناء على إلحاح من الموارنة، في حماية الدول السبع: فرنسا، بريطانيا، بروسيا، روسيا، النمسا، إيطاليا، الباب العالي.
ثم عندما تراخت حماية الدول السبع – وكان قد دخل بعضها ضد بعضها الآخر في حرب الـ 14/18 – عادت الفتن والمذابح بثوب المجاعة التي أتت على ثلث الشعب اللبناني.
الأمر الذي جرّ، وأيضًا بناء على إلحاح من الموارنة، إلى إنشاء نظام الانتداب في ظل فرنسا التي كانت معروفة آنذاك بعطفها الحميم على لبنان.
ومن البداهة أن نذكّر هنا – سقى الله أيامنا السعيدة ظلاً وريًا – بوثيقتين تاريخيتين.
الأولى: رسالة ملك فرنسا القديس لويس التاسع (1270 م) إلى بطريرك الموارنة الذي يعلن فيها أن الموارنة مواطنون فرنسيون لهم ما للفرنسيين من حقوق، وليس عليهم ما على الفرنسيين من واجبات.
والثانية: الرسالة الموجهة من الملك الشمس، لويس الرابع عشر، بواسطة وزيره بونشارترن، إلى الشيخ حصن الخازن، وبالعربية التي جاء فيها:
"... فإنه (أي لويس الرابع عشر) نصره الله، قد كتب أمرًا مؤكدًا مكررًا إلى رسوله الساكن بمدينة قسطنطين المسمى موسيو فريول، رعاه الله، بأن يمدكم ويمد جميع الطائفة المارونية، من طاعتك، بكل ما يمكنه من الإمداد".
باريس 29 كانون الأول 1700
المتصرفية والانتداب أفضيا:
أولاً: إلى إنشاء حماية دولية تقي لبنان شر الفتن والمذابح.
ثانيًا: إلى إزالة الحكم الإقطاعي المبني على نظام الإمارة الذي خلّفه حكم دستوري تجلّى في بروتوكول السنة 1864 (المتصرفية) ثم في دستور السنة 1926 (الانتداب).
ثالثًا: إلى الانفتاح التقليدي المتمادي: انفتاح دروب العالم الثقافية، والاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والتقليدية في وجه لبنان واللبنانيين، ثم انفتاح لبنان على التيارات الحضارية التي أخذت تنصب عليه من كل صوب وناح، حتى أصبح هذا الصغير الكبير، لبنان، ساحة دولية، وجسرًا عالميًا للمرور من قارة إلى قارة، ومن عالم إلى عالم.
وكل ذلك بنتيجة قرار مجلس إدارة المتصرفية (20 أيار 1919) المظنون أن واضعه داود عمّون، ومذكرة البطريرك الماروني التي جاء فيها "نطلب أن يعهد الانتداب إلى الجمهورية الفرنسية" (15 تشرين الاول 1919).
المرحلة الخامسة: الاستقلال: لبنان دستوريًا بين الموارنة وسائر الطوائف اللبنانية، ومستقل تمامًا عن مظلة الحماية الدولية وعن الحكم العربي الإسلامي (1943 - ؟)
وهو هذا الاستقلال بالذات الذي نعيش، نحن وأنتم مقيمين ومغتربين، أحد فصوله في اليوم الحاضر.
سيداتي سادتي،
تلك هي ملامح عن مسيرة التاريخ التي في أثنائها انوجد الكيان اللبناني ولبنان الحضاري.
لقد أقدمنا على ذكر مراحل هذه المسيرة، البعيدة منها والقريبة، لنضع الإطار لما حقق اللبنانيون للبنانهم في أثنائها، من مكاسب.
أما الآن، فالمسألة التي تفرض ذاتها في القول، وهي: ماذا أنجز اللبنانيون، وبخاصة الموارنة منهم، على الصعيد الحضاري؟
لولا الموارنة – المارونية هي أول وأكبر إنجازاتهم – لما كان لبنان كما كان، مثلما هو الآن.
فانوجاد الموارنة – وقد كان انوجادهم (بفعلهم، هم، لا بفعل غيرهم) كان أول مآتي الموارنة أنفسهم.
فإن الموارنة في تكوين لبنان ضرورة حتمية، كما هو البحر والجبال ضرورة حتمية في تكوينه.
لبنان كما حددته الجبهة اللبنانية
أما لبنان فهو الذي حددته الجبهة اللبنانية، مرارًا، في بياناتها، ومذكراتها الديبلوماسية المرفوعة إلى قداسة الحبر الأعظم بولس السادس، والسيد فانس وزير الخارجية الأميركية، ووزير خارجية فرنسا لدى مرورهما في لبنان، وهو هذا:
1 – إن لبنان الذي يحيا اللبنانيون من أجله ومن أجله يموتون، هو الذي لم يعتد ولم يتآمر على أحد، ولا هو واطأ أحدًا على شر. إذ كان في التاريخ كله وبخاصة مجتمعه المسيحي، مصدر خير وخدمة وسلام لذاته، لمحيطه، وللعالم أجمع.
2 – وهو الذي كانت فيه المسيحية دائمًا حرة سيدة أمينة على قيمها وتراثها ومصيرها. وهي تعتزم، اليوم، أكثر من كل يوم آخر، أن تبقى حرة – سيدة، أمينة على قيمها وتراثها وما تنشد لنفسها من مصير.
3 – وهذه المسيحية في لبنان تذكّر بأنها لم ترد لنفسها، يومًا في الماضي ولا تريد، الآن، لنفسها، وتعتزم ألا تريد في المستقبل ما لا تريده لغيرها من الجماعات الروحية التي تتكون منها الأسرة اللبنانية، على أنها لا تريد لنفسها، كذلك، أن تصبح في مطلق حال، مسودة، أو أن تقبل لنفسها ما لم تقبل به لغيرها.
4 – ولبنان الذي يريده اللبنانيون هو لبنان المنسجم الحب، القادر على تحقيق ذاته في بقاء كريم.
لبنان الحر، المنفتح، المتعدد المجتمعات.
وهو لبنان الذي يؤمن إيمانًا نابعًا من كيانه ومن تراثه، هو، الذي يؤمن بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
فهذه الصورة – الهدف هي، عند القادة اللبنانيين، المقياس الذي به يقيسون ليقروا أو يرفضوا ما هو مبحوث، اليوم أو سيبحث غدًا، من حدود ونُظُم واتجاهات سياسية، وعلاقات.
5 – تلك هي قواعد ترتكز على حقائق من ثوابت التاريخ اللبناني، غير أن قواعد أخرى ترتكز على حصاد التجارب وهي من حتمية الفكر والمنطق يجب أن يُعرف بعضها وأن يُعلن:
أ – إن لبنان الذي من أجله يحيا اللبنانيون ومن أجله يموتون هو موطن اللبنانيين جميع اللبنانيين، المقيمين فيه، ووطن جميع اللبنانيين المتحدرين من أصل لبناني والمنتشرين في العالم، وهو وطن المسيحيين العائشين في العالم الإسلامي المحيط، وهو وطن المناضلين من كل دين ومذهب المروّعين، في هذا العالم المشرقي، الفازعين من بلادهم إليه.
ب – لبنان هذا يجب أن يبقى مختبرًا حضاريًا فذًا فيه تعالَج وتُنقَد النُظُم والمذاهب والتيارات الروحية، وفيه يُحك الناس.
جـ - ولأن لبنان قيمة بحد ذاته فهو يستطيع أن يكون ملتقى تفاعل وتبادل بين حضارات الشرق والغرب والمتخيّر الأمثل لروائعها جميعًا.
د – من هنا وصلت الجبهة اللبنانية إلى التأكيد أن البنيان السياسي الجديد للبنان الموحّد، المعزز للولاء المطلق له والمانع للتصادم بين اللبنانيين، يجب أن يعتمد تعددية المجتمع اللبناني بتراثاته وحضاراته الأصيلة، بحيث ترعى كل مجموعة حضارية فيه جميع شؤونها، وبخاصة ما يتعلق منها بالحرية وبالشؤون الثقافية والتربوية والمالية والأمنية والعدالة المجتمعية، وما يتعلق بعلاقاتها الثقافية والروحية مع الخارج، وفقًا لخياراتها الخاصة.
وهنا، بعد مسيرة الشرف هذه، لا بد من أن يقف سائل ليسأل: لمن كانت هذه البادرة في بناء هذا لبنان الحضاري هذا؟
بل من كان بناته الأصليون؟!
الموارنة ليسوا وحدهم الذين وصلوا بلبنان إلى ما هو عليه الآن، بل هي الأقلية الدرزية والمسلمة والمسيحية، وعلى أنواعها، هي التي أرادته معقلاً لحريتها في هذا الشرق.
إن الطائفية، في لبنان، هي عصارة لبنان الطبيعي والبشري، وليس العكس هو الصحيح.
فلبنان سبب لا نتيجة،
فاعل لا منفعل.
الطائفية التي تولّدت عنه أسهمت، مجتمعة متعاونة متكاتفة، في تطويره، ورب قائل يقول في خلقه.
غير أن لبنان كان قبل الطائفية، وسيبقى بعدها.
إنما، هو، كيّف نفسه على ضرورات العيش معها في جميع متاعبها.
وقد يكون، هنا، مجال القول: إن المسلم في لبنان هو غير المسلم خارج لبنان، والمسيحي في لبنان هو غير المسيحي خارج لبنان.
عدوّهما المشترك هو الظلم، عدو حريتهما،
وليس للظلم دين، ولا عَصَب، ولا لون.
فاجتمع اللبنانيون كلهم على التحصّن ضدّه بالشكل الذي رُوي وتكشفت عنه أقوالهم... وذكاؤهم.
بُناة الحضارات ليس صدفة ينبرون إلى بنائها،
وليس صدفة يجيئون.
فبناة الحضارات خلائق مميزون،
تميّزهم أقاليمهم، بيئاتهم، مجتمعاتهم وكثير من الشؤون الأخرى، وبخاصة شؤون مثل هذه:
1 – بناة الحضارات أبناء شعوب تعيش في الأقاليم المعتدلة المناخات التي هبوب ريحها لا يجرف، واهتياج بحارها وأنهارها لا يطوف، أقاليم لا تكون شمسها محرقة ولا تجعلها غيومها في ليل دائم.
2 – بناة الحضارات أحرار قبل كل شيء، إذ لا حضارة نبعت من خارج الحرية، ونمت في غير ظلالها. تنسلخ من صلب الاحرار هؤلاء، من سليلتهم، كما ذاك اللبناني المتطوع في جيوش الحلفاء حرب 14/18، والذي أصيب بمقتل، وقبل أن يلفظ نفسه الأخير على أسوار فردان، كتب، بدمه على صخرة هناك، مات وراءها بعد حين يقول:
"أموت هنا من أجل أن يحيا لبنان حرًا".
وبناة الحضارات، من جراء ذلك، متفلتون من التراب، من المخاوف، من الأوهام والوساوس.
3- بناة الحضارات منفتحون، مبدعون، خلاقون، ذوّاقون، مؤمنون، حالمون، تأمليون، طلاب معرفة، مجدّون، مواظبون، أصحاء.
4 – بناة الحضارات يثقون بأن بناء الحضارة كبناء الإنسان، فهو يجوز من كل جانب، ومن أية يد ملهمة، وفي كل زمان، وهم يثقون بأن الحضارة هي بالنتيجة أروع كاتدرائية، ولكنها لا تُبنى بناء الكاتدرائيات، بدءًا من الأساس وانتهاءً بالقبب والمسلمات والقرميد.
5 – ثم إن بناة الحضارات يؤمنون بأن الحضارة نزوع لا تخطيط، حالة لا إنجاز: نزوع إنسان بكليته إلى الجمال، وحالة صفاء كلية تؤهّب إلى الخلق، بحيث أن بناة الحضارات يعيشون في مناخات ليس مثلها إلا عند بناة الحضارات، كما مناخات الفنانين والبحّارة والرهابين ليس مثلها إلا عند الفنانين، والبحارة، والرهابين.
6 – يؤمن بناة الحضارات بأن كل نتاج الإنسان هو لكل إنسان، في كل زمان وآن، وهو الخير الشائع الذي هو في مشاع الإنسانية.
7 – ويؤمنون بالمرأة موحية خلق وإيداع.
فأي مناخ يبزّ بالاعتدال مناخ لبنان؟
أي تفلّت من التراب يفوق تفلّت البحارين الذين يعيشون على تقاليد المركب التي تتغير عند كل هبوب ريح؟
أي مكان للتأمل خير من ضفة ساقية،
من شاطئ بحر،
من شرفة على المغيب،
من شير على رقبة واد،
من نسائم،
من عصافير،
وحفيف أوراق؟
أي خلق أروع من خلق الحرف،
من خلق المجذاف،
من خلق البناء المن حجر،
من خلق زراعة القمح،
ثم من رفع المصلوب على الصليب الذي ظل نائبًا عنه قرونًا إلى أن رفعه اللبنانيون عليه؟
أي إيمان بالله أروع من الذي أنبت شربل،
ورفقا،
أي إيمان بالجمال أشرف من الذي أعدّ كل ما أُعد لربات بيت الدين، وقصور الشوف والمتن وكسروان؟
أي ذوق أرفع من الذي تقوّل، وأنشد، ودَبَك، وشروَل، واخترع العَرَق والمازات؟
أي إنسان يجد وراء المعرفة أكثر من الذي صلاته منذ أن يولد: "اللهم أعطني المعرفة فأحيا"؟
وأي شعب أبدع وأعطى، في آن، أكثر من العطاء الذي تم على يد قدموس،
على يد بحّارة صيدون،
وعلى يد مغتربيه؟
وأي إنسان أصدق من اللبناني الذي يقول: "أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعنا، يا جرير، المجامع"؟
دور الموارنة في بناء لبنان
الاتحاد الماروني المكسيكي دعا إلى مؤتمر سمي المؤتمر الماروني العالمي الأول عقد في مكسيكو عاصمة المكسيك من 23 إلى 28 شباط سنة 1979 يهدف إلى درس أوضاع العائلة المارونية في لبنان المقيم وفي لبنان المنتشر توصلاً إلى إحياء التراث الديني والوطني بحيث يبرز المارونية كقيمة روحية وفكرية وكحقيقة تاريخية وشخصية وهوية متفردتين للبلوغ إلى مجابهة العوامل الظرفية الداخلية التي تتهددها.
وكان في المحاضرين المطران رولان أبو جودة والمطران عبدو خليفة والاب يوسف محفوظ والخوري انطوان حميد موراني والسفير إدوار غرة والمحامي شاكر أبو سليمان والمحامي موسى برنس والدكتور إميل جعجع والدكتور ألفريدو خليفة رحمة والنائب إدوار حنين.
وفيما يلي المحاضرة التي ألقاهاه الأستاذ حنين بعنوان دور الموارنة في بناء لبنان" نأخذها من منشورات اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام.
"سيداتي سادتي،
من البعيد البعيد،
من الجبل العنيد الشهيد لبنان،
قدمت في هذا المؤتمر الماروني العالمي الاول لأتحدث إليكم بموضوع الموارنة الذي طرحتموه علي.
إثنتان لا ثالثة لهما في البداية.
أولهما تحية من هناك، أبناء لبنان، إلى هنا أبناء المكسيك.
هذا البلد النبيل العصي، الطيب، الذي كان أول من طنّت له كف على أذن العالم ليسمع، فانبرى رئيسه بأبهة الحق يطالب للبنان بحقه، وانتفض الشعب المكسيكي يجاري في المطالبة رئيسه وهذا البلد المضياف الذي أفسح للبنانيين الموارنة المنتشرين في كافة أنحاء العالم، أن يعقدوا مؤتمرهم العالمي الأول.
أما ثانية الكلمتين، فهي التي تفرض ذاتها في مستهل هذا الكلام وفاء وإخلاصًا للحقيقة وللحق، وهي أني قد حرصت تهيبًا أمام المسؤولية الأدبية الكبرى أن أشرك معي في وضع هذه الرسالة إليكم ثلّة من أساطين كتابة التاريخ:
جواد بولس،
فؤاد افرام البستاني،
يوسف ابراهيم يزبك،
الأب بطرس ضو،
الأب بولس نعمان،
من أجل أن أقدم لكم قولاً صادرًا عن فكر لبنان مجتمعًا، عن قلبه، ويحمل كيانه.
كما قد حرصت على أن اوازن وأمازج بين قول وقول بحيث بات من الصعب ان يعرف قائله أو نفس القائل حتى لكأن المارونية نفسها تتكلم ولبنان بالذات يردد ويعيد.
سيداتي سادتي،
لبنان قام على حلفين: حلف بين الجبل والبحر نتجت عنه فينيقيا. وثان بين قبائله والجراجمة فنتج عنه المردة.
في البدء كان لبنان صخرة كأداء، جبل اللبان الأبيض، كان، ملعب النمور والنسائم.
وكان أهله من بني أمور وكنعان يسكنون الشواهق ويتطلعون فوق وادي قنوبين، من فم الميزاب والقرنة السوداء حيث متكأ الغيوم نحو الافق البعيد. الذي لم يلبثوا أن فتقوا جدرانه وخرقوا سره على زوارق من جذوع الأرز.
موارنة لبنان هؤلاء، موارنة الغد، ما هي حكايتهم؟
حكاية شعب مشى على اليم، فطرد الجن من مياهه، ابتكر الأبجدية على شطآنه، كافح الجهل، وابتنى أول بيت من حجر، فمكّن للحضارة أن تكون وزرع أول حبة قمح، فأنعش الإنسان بذلك.
حكاية قلة من الشعوب احتموا في بطون الأودية ليحموا فيها معهم حريتهم وعنفوانهم واستقلالهم.
وحكاية قلة من الشعوب اجتازت بخطى العمالق المسافات الدهرية التي ما بين البهيمية والجاهلية والتمدن.
إن طريقنا اليوم معكم ليست على هذا المنعطف من التاريخ.
إن هي على منعطف آخر أكثر حداثة وأكثر التصاقًا بنا في الحاضر الذي نعيش.
ذلك ان طريقنا تبدأ اليوم بالموارنة وقد نعرج فيها على من قبلهم قليلاً.
الراهب مارون، حوالي السنة 400، أنشأ رهبانية انتشرت في سوريا ولبنان واعتنقت ضمن المسيحية مذهبًا سمي باسمه.
المبشرون بالمارونية وحدهم أول الامر قدموا من سوريا إلى لبنان.
أما الموارنة الذين انقادوا إلى أولئك المبشرين فجلّهم إن لم يكن كلهم، جاؤوا من الشعب الذي عاش على الأرض اللبنانية آلاف السنين قبل مولد مارون.
وفي القرون 4 و5 و6 بعد المسيح تحول الشعب اللبناني هذا من الوثنية إلى المسيحية على يد رهبان مار مارون فدعي الشعب الماروني.
فالمارونية والحالة هذه تسمية دينية مذهبية لا تسمية إثنية.
ولقد كان رأي التاريخ في ذلك.
والناسك ابراهيم القورشي الذي قدم من شمال سوريا إلى شمال لبنان فعمد إلى تبشير منطقة أفقا والعاقورة وجبة المنيطرة التي كانت تشمل الجرود اللبنانية من بسكنتا جنوبًا حتى تنورين شمالاً ومن مرمى الثلج إلى فقش الموج باستثناء المدن الساحلية الكبرى وبخاصة جبيل والبترون التي كانت قد تلقت المسيحية من عهد الرسل.
أما جبة بشري ووادي قاديشا من تنورين إلى إهدن فقد قام بتبشيرها في النصف الأول من القرن الخامس تلامذة مار سمعان العمودي وهو من مدرسة مار مارون على ما في سيرة هذا القديس التي وضعها معاصره وتلميذه الكاهن كوزما.
وهكذا في ظروف ولأسباب مماثلة تابعت المارونية انتشارها في القرنين الخامس والسادس في المناطق الواقعة جنوبي المتنين حتى دير القمر وجزين.
هذا الشعب الذي تقبل المارونية بين القرنين الرابع والسادس فصار مارونيًا، من هو؟
إنه مؤلف من الأموريين والآراميين.
فالأموريون ومنهم الجراجمة في شمالي سوريا وهم كنعانيون دعوا المردة.
فهؤلاء المردة الكنعانيون والأراميون الساميون، اطلق عليهم اليونان اسم الفينيقيين في عصر متأخر قد لا يسبق القرن الرابع قبل المسيح.
هذه الشعوب، الأموريون والآراميون والجراجمة، صهرها في بوتقة واحدة وأمة واحدة وحضارة واحدة وجودها معًا فوق تربة لبنان أجيالاً طويلة مع ما رافق هذا الوجود من تفاعل ومشاركة وتزاوج ووقوعات أخر.
فإذا الموارنة دينيًا أبناء مار مارون وأبناء الفينيقيين إثنيًا.
وإذا تاريخهم طبيعيًا امتداد لتاريخ الفينيقيين.
اما في وصف هذه الأرومة المارونية فهاكم ما يقول الكتاب المقدس عن الأموريين:
"كالارز قاماتهم وكالسنديان صلابتهم".
وقد شبههم اتية بن أبي الصلد بالجبال شموخًا إذ قال على ما روى صاحب الأغاني:
"وحتى أتى ببني الأحرار يقدمهم
تخالهم، فوق متن الأرض، أجبالا"
ودعاهم العرب الأحرار لتعشقهم الحرية والاستقلال، والاحامرة لشقرة بشرتهم، والاساورة لمهارتهم في الحرب ورمي السهام، والخضارمة لشدة بأسهم وشجاعتهم ومضاء عزيمتهم والجراجمة أي الابطال الجسورين.
تلك هذه ميزاتهم.
اما صفاتهم الخلقية فكان أبرزها: الجرأة والإقدام والطموح.
من هؤلاء تحدر اللبنانيون الموارنة وظلّت اجيالهم ترقى في طريق التقدم إلى أن كان من أمرهم ما كان مما سيمر به الكلام في حينه.
ولقد ظل تقدمهم ورقيهم وازدهارهم في جبالهم وفي واديهم المقدس قنوبين، آخذة بالتزايد والتآلف حتى راح الفتح العربي يمشي فراح يجر وراءه الصحراء على أن خط ارتقائهم ظل سويًا من حد ابتداع الأبجدية والملاحة والبناء المن حجر، ومرورًا بملاحم رأس شمرا التي قال فيها العلماء إنها كانت من مصادر هوميروس ومزامير داود. ومرورًا بمدرسة الحقوق في بيروت التي لا تزال مؤلفات أساتذتها اللبنانيين الذين لقبوا بالمسكونيين من المصادر الأساسية في علم الشرع في العالم كله. ومرورًا بمن نبغ من أجدادنا في القرون الوسطى:
كألينيكوس الذي اخترع النار الإغريقية،
وتيوفيلوس الماروني مترجم إليازة هوميروس إلى السريانية،
ومار يوحنا مارون،
وابن القلاعي،
وجبرائيل الصهيوني،
وابراهيم الحاقلي،
وجريس عميرة،
وسركيس الرزي،
ويوحنا الحصروني،
وبطرس التولاوي،
ويوسف العينطوري،
والسماعنة
وعيسى الشاماتي،
وسمعان عواد
وعشرات غيرهم...
هؤلاء الأعلام لقد لمعت عبقريتهم في الشرق والغرب وضرب المثل في أوروبا بنبوغهم وسعة علمهم حتى قيل من أجلهم عالم كماروني، وحتى أن بعضهم يجعل من يوسف سمعان السمعاني ذروة في العلم بتاريخ البشرية وعملاقًا في الفكر ليس فقط في المسيحية بل في الإنسانية جمعاء. إلى حد البستاني واليازجي وزيدان وصروف وتقلا وبركات وجبران وعقل ومعلوف والجر والصبّاح والدبغي ومدوّر وطربيه ونادر وأبو زيد ومالك وشحادة ونعيمة وبولس ولبكي...
وذاك اللبناني المجهول الذي يصنع كل شيء وهو على وفرة ادعائه قابع في زاويته ينظر ويبدع وكأن الشعب كله معه في عملية الإبداع.
وهذا ما حمل لامرتين أن يقول بعد جولة طويلة في المشرق:
"رأيت في لبنان شعبًا، ورجلاً واحدًا في مصر".
وظل تقدمهم في اضطراد إلى أن ولدت مشكلتهم الكبرى التي لا تزال هي مشكلتهم القائمة وقد كانت ولادتها على يد عمر بن العاص في السنة 636 الذي عندما وصل إلى القدس أرسل ليقول لحاكمها المسيحي:
"خليفتنا أمرنا أن نقاتلكم إلى أن تصيروا من ديننا فنتساوى وتصبحوا إخوانًا"
ثم عبّر عن هذا عبد الملك بن مروان في السنة 692 بتشريع يلقي فيه على عاتق المسيحيين باسم الجزية ضرائب مرهقة فكان هذا التشريع، بحسب المؤرخ السرياني ديوفيس التلمحري، سبب النكبات التي أخذت تتوالى على المسيحيين في الشرق منذ ذلك الحين.
ووضعت في التنفيذ شرعة الذمية التي هي السد الفولاذي بين الإسلام وكل من هو غير الإسلام في التعامل والتعايش.
والذمّية، باختصار، هي أن يعيش غير المسلم، في ديار الإسلام، على ذمّة المسلم لا على ذمّة القانون بحيث يحيا الذمّي إن أراد المسلم له الحياة ويموت إن أراد له الموت!!
وكانت البداية،
إذ حيال هذا الوضع وقف الموارنة، بقوة في الدفاع عن حقوقهم وحريتهم،
فتحصّنوا وأنشأوا لأنفسهم في هذا السبيل، وطنًا حرًا سيدًا مستقلاً هو لبنان الذي في هاليوم، نعيش.
فكيف كان ذلك؟
لقد كانت الأرض هي أول ما يعوز أجدادنا الأقدمين فاقتطعوها لأنفسهم.
هذه الأرض المقتطعة كان لا بد من أن يداقع عنها، وتزرع ، وتعمّر، وتحمى لتسلّم لأبنائها، لتؤمن لهم الطمأنينة والسلام، فانكبّوا على ذلك، ومشوا طريقهم الطويل الشاق في مراحل خمس:
المرحلة الأولى: تأمين الانسجام بين الوافدين والمقيمين فكان لهم ذلك.
المرحلة الثانية: إقامة وطن قومي مستقل، من المقيمين والوافدين منذ الفتح العربي حتى أواسط القرن الرابع عشر (636 – 1367 م) فأخذوا طريقهم إلى ذلك ببطولة وشجاعة.
وفي السنة 677 انضمت إلى المقاومة اللبنانية الممتدة من عكار حتى الشوف جحافل عسكرية وشعبية من الجراجمة (أي موارنة جبل اللكام الواقع بين أنطاكيا وجبال طوروس)، وانصهرت معها في جيش واحد دُعي جيش المردة الذي احتل الرقعة الجبلية الممتدة من جبال اللكام شمالاً حتى جبال اليهودية والقدس جنوبًا، واتخذت قيادة المردة من بسكتنا، في سفح صنين، مقرًا لها.
ثم أخذ المردة يشنون على الدولة الأموية الحملة تلو الحملة، وكان النصر حليفهم، فاضطر الخلفاء من معاوية حتى عبد الملك بن مروان، إلى عقد معاهدات مع المردة يترتب بموجبها على الأمويين أن يدفعوا لهم ضريبة.
وقيل في تاريخ العرب إن هذه الجماعات من المردة كانت تنادي عبد الملك بن مروان من أعالي دير مران (تقرأ مارون) المشرف على دمشق مطالبة بدفع الضريبة إذا تأخر تأديتها.
وقد رافقت تكتل الموارنة في تجمع عسكري صيغة جمعتهم في لبنان وسوريا وسائر بلدان المشرق، ضمن إطار كنسي واحد على رأسه بطريرك يعاونه أساقفة، فكان أول بطاركتهم مار يوحنا مارون.
وهكذا أنشأ الموارنة، منذ الربع الأخير من القرن السابع، كيانًا دينيًا كنسيًا، وسياسيًا عسكريًا بقيادة موحدة في يد بطريركهم.
ودام هذا الوطن المستقل عن الدولة الإسلامية من الربع الأخير من القرن السابع حتى النصف الثاني من القرن الرابع عشر، أي نحوًا من سبعماية سنة.
وفي هذه الحقبة من التاريخ، على الأخص، قامت بين الخلفاء العرب وبين الموارنة اللبنانيين علاقة ود وتواصل توقفت عندها التواريخ، ومما قاله، بصدد ذلك وعمّا يعني موارنة سوريا، ابن عساكر في كتابه "تاريخ دمشق" قوله:
"إن خلفاء عدّة أمضوا قسمًا من حياتهم وتوفوا في أديرة مارونية. فالخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز (717 – 720) كان ينزل خلال سنوات خلافته في دير مار سمعان الماروني، قرب معرّة النعمان (جنوبي حلب)، حيث لا يزال هناك قبره. كما أن الخليفة عبد الملك بن مروان (685 – 705) كان يمضي فصل الربيع في دير المران الواقع في جوار دمشق. والخليفة الوليد بن عبد الملك (705 – 715) توفي في دير مارون هذا، ودُفن فيه. وفي هذا الدير نفسه أقيمت احتفالات أعراس بعض (أمراء) بني مروان. الخليفة يزيد بن معاوية (680 – 683) و(الخلفاء العباسيون) هارون الرشيد (786 – 809) والمأمون (813 – 833) كانوا كذلك يقيمون للاستحمام في دير مارون. وقد بنى المأمون القبة التي تقوم فوق جبل دير المران الباقية إلى اليوم.
المرحلة الثالثة: لبنان وطن مشترك بين الموارنة والدروز في إطار الدولة الإسلامية.
في هذه المرحلة اتحد الدروز والموارنة في الدفاع عن جرود الشوف، وعاليه، وكسروان، ضد المماليك (كما اتحد الموارنة والشيعة في الدفاع عن كسروان ضد الغزاة أنفسهم)، في اوائل القرن الرابع عشر.
ولكن المماليك تغلبوا واجتاحوا الشوف والمتن وكسروان في السنة 1305، وأحرقوه، وقتئذ ولعوامل شتى أخذ استقلال الوطن الماروني يتصدّع حتى سقط في أواسط القرن الرابع عشر ودخل ضمن إطار سلططة المماليك، فالسلطة العثمانية (1516 – 1918).
وظل هذا التعاون، واشتد، وبخاصة في عهد الإمارة المعنية فالشهابية حتى تلاحمت الطائفتان الدرزية والمارونية، جغرافيًا، إذ تغلغل الموارنة في المناطق الدرزية في الشوف وما يليه جنوبًا، وتغلغل الدروز في المناطق المارونية في المتنين، حتى باتت قرى كثيرة مشتركة بينهما مشاركة مزجية كما الماء والراح.
في ذلك الحين كانت اللحمة على أشدها بين الدروز والموارنة، وفي ذلك الحين أرسلت الست نسب، أم فخر الدين الثاني، ولديها الصغيرين إلى آل الخازن في كسروان لإنقاذهما من السيف التركي الذي ذبح آنذاك ستين ألفًا من الدروز، وكان يبحث عن ذرية آل معن للقضاء عليها.
وفي ذلك الحين أيضًا، قام النسب التجاملي بين عائلات كثيرة درزية وعائلات كثيرة مارونية فكان الخوازنة، مثلاً يرثون، في بعض الحالات، بيت جنبلاط، كما كان بيت حماده أبناء عم بيت البستاني ومثل هذا النسب التجاملي كان كثيرًا بين عائلات مارونية كبيرة وعائلات درزية كبيرة أخرى.
المرحلة الرابعة: لبنان وطن مشترك بين الموارنة والدروز وسائر الطوائف المسيحية والإسلامية تحت مظلة دولية (1860 – 1943).
في الربع الأول من القرن التاسع عشر، حوالي السنة 1820، في عهد الأمير بشير الكبير تفسخ التحالف الماروني – الدرزي لأسباب عديدة أهمها:
ما كان من تنافر بين الأمير بشير والشيخ بشير جنبلاط (وكان الجنبلاطيون حديثي العهد في لبنان) أدى إلى معارك بينهما انتصر فيها الأمير بشير على الشيخ بشير جنبلاط، وانتهت الأزمة بمقتل الشيخ بشير مما زعزع الإلفة، بنت الخمسة قرون، بين الموارنة والدروز.
وزاد في الطين بلّة احتلال ابراهيم باشا لبنان، فطاوعه الامير بشير، في ذلك، بقصد خلع النير العثماني، فنكل ابراهيم باشا بالدروز في حوران بمساعدة الأمير بشير وعسكره الذي كان بمعظمه مارونيًا.
كل هذا زعزع التماسك الماروني وأدى إلى فتن ومذابح بين السنوات 1840 و1860.
وإن تتابع هذه الفتن والمذابح أوصل إلى إنشاء نظام المتصرفية في لبنان وهو يعني على الأخص، وضع لبنان، بناء على إلحاح من الموارنة، في حماية الدول السبع: فرنسا، بريطانيا، بروسيا، روسيا، النمسا، إيطاليا، الباب العالي.
ثم عندما تراخت حماية الدول السبع – وكان قد دخل بعضها ضد بعضها الآخر في حرب الـ 14/18 – عادت الفتن والمذابح بثوب المجاعة التي أتت على ثلث الشعب اللبناني.
الأمر الذي جرّ، وأيضًا بناء على إلحاح من الموارنة، إلى إنشاء نظام الانتداب في ظل فرنسا التي كانت معروفة آنذاك بعطفها الحميم على لبنان.
ومن البداهة أن نذكّر هنا – سقى الله أيامنا السعيدة ظلاً وريًا – بوثيقتين تاريخيتين.
الأولى: رسالة ملك فرنسا القديس لويس التاسع (1270 م) إلى بطريرك الموارنة الذي يعلن فيها أن الموارنة مواطنون فرنسيون لهم ما للفرنسيين من حقوق، وليس عليهم ما على الفرنسيين من واجبات.
والثانية: الرسالة الموجهة من الملك الشمس، لويس الرابع عشر، بواسطة وزيره بونشارترن، إلى الشيخ حصن الخازن، وبالعربية التي جاء فيها:
"... فإنه (أي لويس الرابع عشر) نصره الله، قد كتب أمرًا مؤكدًا مكررًا إلى رسوله الساكن بمدينة قسطنطين المسمى موسيو فريول، رعاه الله، بأن يمدكم ويمد جميع الطائفة المارونية، من طاعتك، بكل ما يمكنه من الإمداد".
باريس 29 كانون الأول 1700
المتصرفية والانتداب أفضيا:
أولاً: إلى إنشاء حماية دولية تقي لبنان شر الفتن والمذابح.
ثانيًا: إلى إزالة الحكم الإقطاعي المبني على نظام الإمارة الذي خلّفه حكم دستوري تجلّى في بروتوكول السنة 1864 (المتصرفية) ثم في دستور السنة 1926 (الانتداب).
ثالثًا: إلى الانفتاح التقليدي المتمادي: انفتاح دروب العالم الثقافية، والاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والتقليدية في وجه لبنان واللبنانيين، ثم انفتاح لبنان على التيارات الحضارية التي أخذت تنصب عليه من كل صوب وناح، حتى أصبح هذا الصغير الكبير، لبنان، ساحة دولية، وجسرًا عالميًا للمرور من قارة إلى قارة، ومن عالم إلى عالم. .
وكل ذلك بنتيجة قرار مجلس إدارة المتصرفية (20 أيار 1919) المظنون أن واضعه داود عمّون، ومذكرة البطريرك الماروني التي جاء فيها "نطلب أن يعهد الانتداب إلى الجمهورية الفرنسية" (15 تشرين الاول 1919).
المرحلة الخامسة: الاستقلال: لبنان دستوريًا بين الموارنة وسائر الطوائف اللبنانية، ومستقل تمامًا عن مظلة الحماية الدولية وعن الحكم العربي الإسلامي (1943 - ؟)
وهو هذا الاستقلال بالذات الذي نعيش، نحن وأنتم مقيمين ومغتربين، أحد فصوله في اليوم الحاضر.
سيداتي سادتي،
تلك هي ملامح عن مسيرة التاريخ التي في أثنائها انوجد الكيان اللبناني ولبنان الحضاري.
لقد أقدمنا على ذكر مراحل هذه المسيرة، البعيدة منها والقريبة، لنضع الإطار لما حقق اللبنانيون للبنانهم في أثنائها، من مكاسب.
أما الآن، فالمسألة التي تفرض ذاتها في القول، وهي: ماذا أنجز اللبنانيون، وبخاصة الموارنة منهم، على الصعيد الحضاري؟
لولا الموارنة – المارونية هي أول وأكبر إنجازاتهم – لما كان لبنان كما كان، مثلما هو الآن.
فانوجاد الموارنة – وقد كان انوجادهم (بفعلهم، هم، لا بفعل غيرهم) كان أول مآتي الموارنة أنفسهم.
فإن الموارنة في تكوين لبنان ضرورة حتمية، كما هو البحر والجبال ضرورة حتمية في تكوينه.
لبنان كما حددته الجبهة اللبنانية
أما لبنان فهو الذي حددته الجبهة اللبنانية، مرارًا، في بياناتها، ومذكراتها الديبلوماسية المرفوعة إلى قداسة الحبر الأعظم بولس السادس، والسيد فانس وزير الخارجية الأميركية، ووزير خارجية فرنسا لدى مرورهما في لبنان، وهو هذا:
1 – إن لبنان الذي يحيا اللبنانيون من أجله ومن أجله يموتون، هو الذي لم يعتد ولم يتآمر على أحد، ولا هو واطأ أحدًا على شر. إذ كان في التاريخ كله وبخاصة مجتمعه المسيحي، مصدر خير وخدمة وسلام لذاته، لمحيطه، وللعالم أجمع.
2 – وهو الذي كانت فيه المسيحية دائمًا حرة سيدة أمينة على قيمها وتراثها ومصيرها. وهي تعتزم، اليوم، أكثر من كل يوم آخر، أن تبقى حرة – سيدة، أمينة على قيمها وتراثها وما تنشد لنفسها من مصير.
3 – وهذه المسيحة في لبنان تذكّر بأنها لم ترد لنفسها، يومًا في الماضي ولا تريد، الآن، لنفسها، وتعتزم ألا تريد في المستقبل ما لا تريده لغيرها من الجماعات الروحية التي تتكون منها الأسرة اللبنانية، على أنها لا تريد لنفسها، كذلك، أن تصبح في مطلق حال، مسودة، أو أن تقبل لنفسها ما لم تقبل به لغيرها.
4 – ولبنان الذي يريده اللبنانيون هو لبنان المنسجم الحب، القادر على تحقيق ذاته في بقاء كريم.
لبنان الحر، المنفتح، المتعدد المجتمعات.
وهو لبنان الذي يؤمن إيمانًا نابعًا من كيانه ومن تراثه، هو، الذي يؤمن بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
فهذه الصورة – الهدف هي، عند القادة اللبنانيين، المقياس الذي به يقيسون ليقروا أو يرفضوا ما هو مبحوث، اليوم أو سيبحث غدًا، من حدود ونُظُم واتجاهات سياسية، وعلاقات.
5 – تلك هي قواعد ترتكز على حقائق من ثوابت التاريخ اللبناني، غير أن قواعد أخرى ترتكز على حصاد التجارب وهي من حتمية الفكر والمنطق يجب أن يُعرف بعضها وأن يُعلن:
أ – إن لبنان الذي من أجله يحيا اللبنانيون ومن أجله يموتون هو موطن اللبنانيين جميع اللبنانيين، المقيمين فيه، ووطن جميع اللبنانيين المتحدرين من أصل لبناني والمنتشرين في العالم، وهو وطن المسيحيين العائشين في العالم الإسلامي المحيط، وهو وطن المناضلين من كل دين ومذهب المروّعين، في هذا العالم المشرقي، الفازعين من بلادهم إليه.
ب – لبنان هذا يجب أن يبقى مختبرًا حضاريًا فذًا فيه تعالَج وتُنقَد النُظُم والمذاهب والتيارات الروحية، وفيه يُحك الناس.
جـ - ولأن لبنان قيمة بحد ذاته فهو يستطيع أن يكون ملتقى تفاعل وتبادل بين حضارات الشرق والغرب والمتخيّر الأمثل لروائعها جميعًا.
د – من هنا وصلت الجبهة اللبنانية إلى التأكيد أن البنيان السياسي الجديد للبنان الموحّد، المعزز للولاء المطلق له والمانع للتصادم بين اللبنانيين، يجب أن يعتمد تعددية المجتمع اللبناني بتراثاته وحضاراته الأصيلة، بحيث ترعى كل مجموعة حضارية فيه جميع شؤونها، وبخاصة ما يتعلق منها بالحرية وبالشؤون الثقافية والتربوية والمالية والأمنية والعدالة المجتمعية، وما يتعلق بعلاقاتها الثقافية والروحية مع الخارج، وفقًا لخياراتها الخاصة.
وهنا، بعد مسيرة الشرف هذه، لا بد من أن يقف سائل ليسأل: لمن كانت هذه البادرة في بناء هذا لبنان الحضاري هذا؟
بل من كان بناته الأصليون؟!
سيداتي سادتي
لكأنه يبدو أن الموارنة يرغبون في الاستئثار بخدمة لبنان.
لا.
فإن الكثيرين غير الموارنة أسهموا، قديمًا وحديثًا، كما الموارنة بالذات، في بناء لبنان الذي تحبّون وله نتعبّد.
ففي طليعة هذه الكثرة:
النقيب فؤاد الخوري
وشارل مالك
وفريد حبيب
وأمثالهم الذين عملوا له بعقولهم.
أحمد الأسعد
وصبري حماده
وأمثالهما الذين عملوا له بنبلهم.
الأمير مجيد إرسلان
ونجيب علم الدين
وأمثالهما الذين عملوا له بأصالتهم.
هنري فرعون
ويوسف سالم
وأمثالهما الذين عملوا له بحذقهم.
عبده عويدات
ومحمد شقير
وامثالهما الذين عملوا له بصدقهم.
أنيس فريحة
وشارل سعد
وخليل رامز سراكيس
وأمثالهم الذين عملوا له باستمراريتهم.
لا!!
ألف مرّة لا!!
إنه لافتراء على الموارنة والحقيقة والحق أن يتهموا بالتفرد في حب لبنان، وبالاستئثار في خدمته.
هؤلاء الموارنة إنهم بمثابة المؤذنين الذين، كل يوم وكل واحد منهم، خمس مرات في اليوم الواحد: في الفجر، في الظهر، في العصر، في الغروب، وفي العشاء يسبّحون من مآذنهم: الله أكبر، لا إله إلا الله.
وإنهم، هؤلا الموارنة، بمثابة الكهّان الذين من آلاف المذابح، كل يوم وكل واحد منهم، يهتف "أؤمن بإله واحد".
أوَ كثير على لبنان أن يكون له مؤذنوه وكهنته يؤذنون باسمه ويسبحون؟
إنجازاتت الموارنة
سيداتي سادتي
وجب، الآن، أن نقول ما هي الإنجازات التي عُملت في لبنان والتي، لولا الموارنة، لما كان قيّض لها أن تُعمل، أو كانت تأخرت، أجيالاً لتُعمل؟
1 – بما هي المارونية وريثة الثقافتين السريانية والايونانية فلقد نشأت في حضن حضارتين هما السريانية واليونانية.
مما مكّن السريان، وبالتالي الموارنة، أن يكونوا في طليعة نَقَلة التراث اليوناني العلمي والأدبي إلى لغتهم، أولاً، ثم إلى العربية منذ العصر العباسي.
فتيوفيل بن توما الرهاوي نقل إلياذة هوميروس إلى الشعر السرياني بغاية ما يمكن من الفصاحة والإتقان، وكان تيوفيل، يقول ابن العبري، "على مذهب الموارنة الذين في جبل لبنان".
2- مسيرة الموارنة الفذة في اتجاه الحضارة أهبّتهم لسبق شعوب الشرق، قاطبة، إلى الاتصال بأوروبا، فالقيام بالنهضة الحديثة، وبخاصة بفضل:
- استعدادهم الطويل بمعرفة اللغات والاضطلاع بثقافاتها (وتشهدون معي الآن أن الشعب اللبناني، بفضل مغتربيه هو الشعب الأوحد على الأرض الذي يستطيع أن يتكلم كل لغات الأرض).
- اختمار تراثهم الإنساني الأصيل (وهم مسهمون في تكوينه).
- تمرّسهم بالحرية والاستقلال ضمن كيانهم الوطني الخاص، وتمرسهم بالدفاع عنهما حتى النَفَس الاخير.
- مدرستهم في روما التي أخذت تخرّج، منذ أوائل القرن السابع عشر، أفواج العلماء والمعلمين والمترجمين من وسطاء الحضارة بين الشرق والغرب.
ثم كان الموارنة السبّاقين على الصعيد التربوي:
ففي "المجمع اللبناني" وهو الدستور الماروني الذي فرغ من وضعه في 2 تشرين الأول 1726 (من 343 سنة) بعد خلوة طويلة عقدها بطريرك الموارنة يوسف بطرس ضرغام الخازن، بسلطان الحبر الأعظم أكليمنت الثاني عشر في كنيسة أم الله، مريم، في اللويزة، بحضور اللبناني الماروني يوسف سمعان السمعاني القاصد الرسولي، وبحضور 49 من رجال الكهنوت، أساقفة وكهانًا و49 علمانيًا من مشايخ الطائفة المارونية وأعيانها.
ففي المجمع اللبناني من المقررات والتوصيات التربوية ما يذهل:
1 – فهو يوصي بالتعليم الإجباري.
2 – وبالتعليم الشعبي (الديمقراطي) المبذول لجميع أبناء الشعب دون تمييز طبقي.
3 – وبالتعليم المجاني. هذا بالغضافة إلى تأمين القوت لأبناء الفقراء.
4 – وبتعليم البنات.
5 – وبتعدد اللغات.
وقد وجدت هذا المقررات والتوصيات من هَب إلى وضعها موضع التنفيذ.
ففي كلية عين ورقة (الجامعة الأولى في الشرق بالمعنى الأوروبي الصحيح) المُنشأة 1789 وضعت موضع التدريس لغات أربع بقواعدها وآدابها وهي العربية والسريانية واللاتينية والإيطالية.
وقبل عين ورقة بسبع وثلاثين سنة صدر، في دير القمر، عن الست اصّون شهاب (أم المير يوسف وزوجة المير ملحم شهاب) ورقة (وهي رسالة إقرار موجهة إلى الرهبان الحلبيين) هذا مضمونها:
"زهبنا أعزازنا الرهبان الحلبية الأقبوة خاصتنا ليجعلوا منهم مدرسة يعلّم فيها أبنا القرية إلى جنب أولاد الستّات).
وهكذا، هاتان البادرتان تكونان قد وَضَعتا في التنفيذ المبادئ التالية:
- التعليم الشعبي.
- وتعليم البنات.
- وتعدد اللغات.
وكانت الأديار قد أخذت على نفسها تنفيذ مبدأ الزامية التعليم ومجانيته، وإن على صعيد ضيق، ظل إلى أمد طويل لا يتجاوز أولاد شركاء الدير وجيرانهم.
وهذه المسيرة الحضارية الفذّة، مسيرة الموارنة، أهبتهم هي أيضًا، للقيام بأعمال حضارية لم يكن غيرهم يستطيعها أو يستطيع مثلها،
فهي لولا أن تعمل على يدهم لما كانت وجدت يدًا تعمل لها، أو كان قد طال انتظارها وهي من مثل:
1 – تعريب الروائع العالمية الكبرى، كما "الخلاصة اللاهوتية"، و"إلياذة هوميروس" شعرًا.
2 – وَضع الموسوعات والقواميس كما "دائرة المعارف" و"المحيط المحيط" و"أقرب الموارد" و"البستان".
3 – تنظيم تدريس اللغة العربية وقواعدها الصرفية والنحوية، كما "بَحث المطالب" للمطران جرمانوس فرحات و"المبادئ العربية" لرشيد الشرتوني.
4 – إنشاء أول مطبعة عربية في الشرق فقاطبة وهي مطبعة مار انطونيوس قزحيا في وادي قنوبين في السنة 1610، ومطبعة دير مار يوحنا الصابغ في الخنشارة (للروم الكاثوليك) سنة 1734.
5 – ثم الدعوة إلى تعليم المرأة في السنة 1848 على لسان المعلم بطرس البستاني.
أو كثير ، بعد ذاك وقبله، أن يقوم مؤرخ، في عهد لويس الرابع عشر، وكانت لم تظهر بعد جميع هذه التجليات على يد الموارنة، أن يقوم مؤرخ يؤرّخ للبنان باسم أطلقه عليه وهو La Maronie أي بلاد الموارنة.
هذا، ووردت لو دوّرت الكلام على ما الذي كان يجب على الموارنة أن يعملوا ولم يعملوه، لأن في هذا موضوع اعتزاز أما في ذاك فتذكير بواجب:
أما أهم ما كان على الموارنة أن يعملوه، في الزمن الاخير فهو هذا:
1 – توطيد الكيان اللبناني، خاصة وقد ثبت في تواريخهم أنه كلما قوي استقلال لبنان ضعف كيانه، وكلما قوي كيان لبنان ضعف استقلاله.
2 – جعْل لبنان مختبرًا عالميًا للأشياء الروحية – الفكرية – الجمالية، وللتجارب الحياتية ح الحِكمية – الديمقراطية، وعلى الأخص التعايش السلمي بين المسيحية والإسلام.
3 – من مدعّمات وجود لبنان أنه الوطن الروحي لجميع الشعوب المسيحية المبعثرة في رحاب الشرق. فكان يجب تدعيم هذه المدعمات.
4 – ثم أفلم يكن على الموارنة أن يجعلوا من بكركيهم، هذه الغافية على أقدام سيدة لبنان، فاتيكان المشرق؟
5 – ماذا عمل الموارنة من أجل أن يلموا أطراف لبنان المنتشرة في العالم أجمع، فيعلنوا إمبراطوريتهم، ثم يعمدوا إلى تحريك هذه الإمبراطورية الفريدة في تاريخ الناس؟
قديمًا كانت لنا قرطاجة واحدة، فقدرت على إنقاذ فينيقية الأم، فاليوم، وقد صارت لنا ألف قرطاجة في العالم، أفليس من العار، علينا وعليكم، أن تعجز القرطاجات الألف التي بين أيدينا عما قامت به في سالف الزمن، القرطاجة الواحدة؟!
ثم إن الفاعليات اللبنانية في بلاد الاغتراب لا تُعد ولا تُحصى، ويمكن استعمالها في حالتي الحرب والسلم.
ففي إحصاء وصلني، ففي الآونة الأخيرة، إن مساحة الأراضي التي يملكها اللبنانيون في مختلف أنحاء الاغتراب اللبناني بلغ مجموعها مساحة العالم العربي برمته.
6 – هذا وإن المارونية لم تعرف أن توظّف مواهبها، مواهب أبنائها، بل تركتها وتركتهم يشردون، وفي كل واد يهيمون، فلا من يُخطط، ولا من يُوجّه، ولا من به يُستعان.
ليس هدر للمواهب وللطاقات كمثل هذا الهدر المجرم!!
7 – وماذا عمل الموارنة، صحيحو الهوية ومنتحلوها، سوا بسوا، ليبعثوا لبنان من نجيع الدم المهدور ظلمًا وعدوانًا فيعود زينة الأرضين، ودرة العالمين؟!
سيداتي سادتي
من هنا أرى على وجوه الحاضرين أسئلة تتراقص، تتزاور، وتشرئب أعناقها، بينها سؤالان، كأنهما زعيمان في ساحة التساؤلات واحد منهما يقول:
1 – لماذا كل حركة ولدت في لبنان، من أجل لبنان وحده، أو من أجله، وأجل جواره، ولم يكن على رأسها ماروني أو لم تكن وراءها كثافة مارونية، كان حظها الفشل؟
وهل صحيح أن جورج أنطونيوس، لو كان مارونيًا، كان يمكن أن تُكتب لقضيته النجاح؟
وأن أنطون سعادة، لو كان مارونيًا، كانت طريقه أبعد؟!
وميشال عفلق كانت طريقه أصوب؟!
وكمال جنبلاط كانت طريقه الأولى في الطرقات؟!
2 – وآخر يقول:
من أجل ماذا الأمير فخر الدين المعني الدرزي عُمّد مارونيًا؟
من أجل ماذا الامراء الشهابيون السنيون الذين جاؤوا من وادي وتعمدوا موارنة ليحكموا؟
ثم نتابع :
"من المؤسف أن كثيرين من العرب والمسلمين لم يفهموا أنهم وهم يخربون لبنان يخربون بلادهم أيضًا، لأنه لا يمكن أن يكون المسلمون والمسيحيون مختلفين في لبنان ومتفقين في البلاد العربية الأخرى.
إما أن ينهض لبنان وينهض معه العرب، وإما أن يتفجّر ويتفجروا معه، لأن فيه وعلى أرضه تأخذ القومية معناها العملي وأبعادها المستقبلية فلبنان هو غد العالم العربي.
إن أحسن ما يمكن أن ينتظره العرب موجود في لبنان، وأسوأ ما يمكن أن ينتظره العرب موجود، أيضًا، في لبنان!
إننا: منذ ثمانية قرون، نبكي على الأندلس حتى أوشكت دموعنا أن تمحو كل عظات التاريخ وحقائق المأساة الأندلسية،
ولبنان أهم من الأندلس، فقد ضاعت الأندلس وبقي العرب،
ولكن هذا البقاء سيصبح مهددًا في حالة ضياع لبنان".
سليم اللوزي
"الملف الماروني" كما فتحته مجلة "الحوادث"
في العددين 135 و139 آب – أيلول 1978
ونتابع فنسمع الرحالة فولني (Volney)يقول في كتابه "رحلة إلى المشرق" ما ترجمته:
"تستطيع فرنسا، إن شاءت، أن تنشئ إمبراطورية تمتد من البحر المتوسط حتى الخليج العجمي إذا استندت إلى الموارنة في لبنان".
ثم نسمع في الختام أحدهم يقول: "الموارنة شرف في الشعوب، قمة في القتال، مثال في الصمود، وفي المجد زهوة!!"
أما وأن وقت الختام قد جاء: اللهم إحفظ لساني من الشطط، كما حفظت قلبي من الإغراق في الاعتزاز.
ليس بالتكاذب يُبصق في وجه الطائفية، بل بالصدق الإيجابي،
فالدعوة إلى العلمنة تكاذب،
وتكاذب وفاقهم الوطني،
وتكاذب حوارهم سواء أبدِئ به من القمة الروحية أو بُدئ به من ميل آخر.
فليس غير البناء على الحقيقة والواقع والحق، أأرضى ذلك أنانيتنا أو أغضب تلك الأنانية الحمقاء، والحقيقة والواقع والحق هي تعددية في المجتمع اللبناني.
وكما في الديمقراطيات، لا يقوم حكم ضد الأكثرية هكذا في الحتميات لا يقوم حكم ضد التعددية، ولا مفر.
سيداتي سادتي
إن أول ما يجب أن نصحو عليه هو أن لبنان، هذا الذي عملنا له برموش عيوننا، بلا هوادة ولا ملل، لبنان هذا قد تهدّن وانهزم،
فلبنان المقبل لن يعيد لبنان الذي ذهب،
وإن ما سيعود من لبنان الأمس هو بعضه وقد لا يكون الأفضل.
فحيال هذه الحقيقة المرّة وجب أن نعزم وأن نحزم،
ووجب على كل واحد منا أن يطمح إلى مجتمع لبناني جديد يصير فيه التغلب على الضعف والعيوب التي شابته من جراء تراخيه،
كما يصير فيه العمل على تحقيق القيم المبنية على الصدق والشرف والكرامة والمحبة والنخوة والطموح والإقدام،
وبخاصة على احترام الحقيقة والكلمة المسؤولة والحق،
حتى نعود فتتجذر في التراث اللبناني وفي التراث العالمي لنستحق، أكثر فأكثر، قيمنا اللبنانية الأصلية والتي توارثناها، جيلاً بعد جيل، في أحسن حالات صفاتها وتألقها.
وثقوا بأني إن كنت، في خضم هذه التناقضات أعتز بمارونيتي فما ذلك إلا لأنها تجعلني أصدق لبنانيًا، وأوعى وأعمق،
فما تعصبي لمارونيتي غير التعصب للبنان، وحده لبنان سبحانه.
ولا يسعني في هذه المناسبة، وأنا أمثّل الجبهة اللبنانية بينكم، سوى أن أعلن، باسمها، في ختام هذا الكلام، أن لا سلم في الشرق الأوسط بدون لبنان حر – سيد – مستقل – ذي مجتمع متصل اتصالاً عضويًا بالحضارة العالمية – الفاعلة – الواحدة – ذي مجتمع متصل اتصالاً عُضويًا بالحضارة العالمية – الفاعلة – الواحدة – المتواصلة العطاء،
مجتمع حر منفتح تتمتع فيه المسيحية، كما غيرها من المذاهب الروحية، باطمئنان تام إلى ذاتيتها، وسيادتها على نفسها، وإلى بقائها على تواصل حر بجميع ينابيع الروح المسيحية في العالم.
بدون لبنان، هذا المرتاح إلى وجوده والمطمئن إلى ذاته، سيجد الشرق الأوسط نفسه أمام مجتمع مقهور مضطهد، ثائر يكون مصدر متاعب كثيرة تؤذي مسيرة السلام في العالم ومسيرة العالم إلى مصيره.
وبدون اللبنانيين هؤلاء الذين، بعد أن ألفوا الهناء، يضنيهم اليوم، القلق التهجمي والاستغراق في المتاعب والهموم... بدون هؤلاء اللبنانيين لا سعادة ولا تمدن.
أو ليس صحيحًا أنه لا يحق لشعب أن يكون سعيدًا وحده؟
أو أن يكون سعيدًا بين تعساء؟
وصحيحًا: أن لا يكون تمدّن حيث يكون – بفعلنا، أو إغضاء منا – إجحاف أم ظلم، أم افتئات، أم اعتداء أم ألم أو تعاسة، أم بؤس؟
فكيف إذا كانت جميع هذه المؤذيات متجمعة في أرض واحدة، وهي الأرض التي شهدت، في التاريخ، بزوغ مدنيات أصيلة ما زالت وستظل متمادية، متفاعلة، فاعلة، وفي ظلّها يعيش الناس.
إن من حق لبنان هذا أن يُلفت العالم المتمدن إليه وهو مهد مدنيات باقية.
ومن حق اللبنانيين هؤلاء، أن يلفتوا أهل السعادة إليهم وقد كانوا لهم مصدر سعادة وهناء.
ويرى لبنان واللبنانيون، واثقين، أن ليس من حق العالم كله، بل ليس من حق أي جزء متمدن فيه، أن يُحجم، يوم يُدعى إلى تحقيق ذلك، عن العمل لتحقيق ذاته في ما يحقق للبنان خيره.
بكل هذا تؤمن الجبهة اللبنانية
ومن أجل كل هذا تعمل
سيداتي سادتي،
فلنصغ إلى أشعيا النبي (29: 17/21) يقول في معرض السؤال: "أليس عما قليل ينحول لبنان حقلاً مثمرًا، والحقل المثمر يُحسب غابًا؟ وفي ذلك اليوم يسمع الصم أقوال الكتاب، وتُبصر عيون العمى الديجور والظلام... لأن الجائر يكون قد انقرض، الساخر قد فني، واستؤصل كل الذين يسهرون لأجل الإثم، الذين يؤثمون الإنسان لأجل كلمة".
لأن الجائر يكون قد انقرض!! والساخر قد فُني!!
واستؤصل كل الذين يسهرون لأجل الأمم!!
اللهم! اجعل أن يصدق نبيك، اليوم، كما، في الأمس، صدق، واسمح أن يعود لبنان، على عجل، حقلاً مثمرًا فلا يطول حرمان أصفيائك من طعم ثماره.
وادفع، اللهم، عن لبنان، هذا الأمين الوادع، سيف الجلادين وجور المخرّبين، وصفاقة من لا يَدين بدِين.
وليُنظر، بالعيان، وجهك فوق هضابه، فيزول الشر على مرآك، وترجع السماء تنفتح أماه، فيرجع لبنان موطئًا رخيمًا لقدميك.
رجوناك، يا ربنا، رجوناك.
لم يكد يطفئ لبنان شمعة الخامسة والأربعين سنة من اندلاع الحرب على ربوعه، حتى دوّى انفجار زلزال أعاد السواد إلى ملامح العاصمة وطيف الموت إلى ملاحم الحياة.
والجوع يدق كل الأبواب.
ولا نجد ما نقوله سوى عبارة توجع جديدة نضيفها إلى نشيد حزين نرتله عند إطفاء شمعة كل يوم كل سنة
يتراءى لنا أننا بلغنا ذروة المحنة فإذا نحن نجتاز فوق الذروة ذرى.
لقد تحولت المحنة العاتية عملية اجترار تطحن الإنسان تحت سماء لبنان فيما تبعث السأم في نفوس جمهور يتضاءل من المستمعين والمتفرجين حول العالم.
لكم تبدلت ألوان الازمة وشعاراتها وأطرافها.
إندلعت الازمة والقوم فريقان فريق يضن بما عنده فلا يتنازل عن شيء عنده وفريق لا يرضى بما عنده وينشد الإنصاف في حقوق له.
وبعد سنوات من الصراع المدمر بقي الناس فريقين فريقًا لا يستطيع أن يعطي وفريقًا لا يستطيع أن يأخذ.
فمن دفع غاليًا من اجل أن لا يعطي بات عاجزًا عن التخلي عن الكثير مما عنده. ومن دفع غاليًا من أجل أن يأخذ، بات قاصرًا عن الرضى بالقليل بمما يعرض عليه.
كانت الأزمة حربًا بين خوف وغبن. فإذا بنا اليوم والخوف بيننا كما الغبن عميم.
لقد كانت للخوف هوية طائفية وكانت للغبن هوية طائفية‘ فأصبح لكليهما، للخوف والغبن هوية واحدة هي الهوية اللبنانية.
لم يعد الخوف مسيحيًا بعدما بات المسلمون اكثر خوفًا على المال والمصير.
ولم يعد الغبن إسلاميًا بعدما تساوى المسلمون والمسيحيون في التشريد والتهجير والبؤس والشقاء.
كان الغد هو الهاجس فأضحى الحاضر هو الشاغل.
كان الهاجس صوغ غد أفضل مبني على احترام حقوق الإنسان في ظل دولة قادرة وعادلة ترفع لواء الحرية والعدالة اولديمقراطية فإذا شاغلنا اليوم انتكاسات وتجاوزات وعربدات أمنية وغلاء مستفحل وبطالة متفاقمة وشلل شامل في مرافق الإنتاج.
هل حقًا مرت إثنتا عشرة سنة على الحرب؟
ما أطول ما تتسكع المشاكل الرهيبة في عالمنا وتبقى طويلاً والعالم يتحرك ونحن نراوح مكاننا بين الرمل والنار في هذه المشاكل.
12 سنة على الحرب الأهلية في لبنان
أمس كان عمره تسع سنوات وبلغ اليوم سن الرشد
واحدًا وعشرين سنة لم يعرف بلده لبنان
لم يعرف الوطن الذي يضم الجبل والحرش والسهل والبحر في لمحة عين.
لم يعرف إلا مدينة واحدة أو ضيعة أو حيًا أو حارة.
كل شبر عامر بالخنادق وبالخطوط الحمراء ومراكز القنص.
المسلم منهم لم يدخل بيت مسيحي والمسيحي لم يدخل بيت مسلم.
لقد شهدت بما أعرف وليس اكثر مما أعرف
وشهدت حيثما أمكنت الشهادة بما تراءى لي انه الحقيقة وبغيرها لم أشهد
فيبقى لي أن أئتمنكم امنية يروقها أن تكون موضوع تأمل وتبصر وقد أردتها على علم بانها تخرج عن موضوع الشهادة.
نحن شعب يريد ان يعيش.
وحياة هذا الشعب حريته
فإذا استقامت لنا مقاييس الحرية استقام لنا كل شيء
فما من شك في اننا ولدنا نعيش أحرارًا من حرية نظفر بها هنيهة بعد هنيهة وجهدًا إثر جهد.
من حرية هي لنا ولكنها لا تجيء معنا من بطون امهاتنا
إذ المرء لا يخلق حرًا وإنما يصير ذلك أنه يجيء من العدم معدمًا فإن لا يربح لذاته يظل معدمًا ينقص إذا امكن النقصان ولا يزيد مهما توغل في السنين وعمر.
فعظمة هذا الإنسان ان يمتلك نفسه ويحترزها وان يتغلب على كل ما يحول بينه وبين الظفر بالحرية اجتماعية كانت أو سياسية تهدف أولاً وآخرًا إلى عتق ذاته حتى يستقل من كل إكراه أو شبه إكراه
طبيعيًا كان أو حكميًا
ولا يغربنّ عن بال أحد أن الحرية التي هي رأس عظمة الإنسان ليست في ان ياتمر غير امر هو ذلك تأليه للإنسان يجر حتمًا إلى تأليه الدولة وتأليه الجمهرة التي يتجسد منها الحاكم والويل من الآلهة الكاذبين.
وإنما الحرية التي هي رأس عظمة الإنسان ترتكز على استقلال إنسانه بحيث تصبح الطاعة في حدود الخير طريقًا إلى الحرية التي كتب علينا إدراكها فيبقى هكذا كل في مكانه
فلا الإنسان يستحيل إلهًا ولا الدولة تستحيل إلهًا
ويصبح من النتائج المحتومة ان يقوم الشعب بمطلق غرادته واختياره على تعيين ممثليه من يتولون عنه زمام أمره
من ضمن ذلك التعيين المنزه الحر فيعمل المعينون خاضعين أبدًا لمراقبة الشعب الفعلية المنتظمة ممارسين حق السلطة والامر بيد انهم يامرون احرارًا يكونون مدعوين جميعًا إلى المساهمة في الحياة السياسية العامة مساهمة رحبة فاعلة يتركون فيها لمؤهلاتهم وكفاءاتهم ما يستحقون. ويصبح من النتائج المحتومة أن تجيء الضمانات الاجتماعية الكاملة تعويضًا للإنسان عما تفرض عليه الحاجة من تنازلات.
من الحقائق اللبنانية التي لامست حدود الثوابت لدى معظم اللبنانيين: لبنان مساحة روحية
لم يكن على مدى تاريخه الحديث ثابت الحدود ولا كان شعبه ثابت التركيب.
لبنان فخر الدين وصل إلى تدمر وعكا واللاذقية.
لبنان الإمارة الشهابية تقلّص إلى مثل حدود الجمهورية الحاضرة وزاد تقلصًا في عهد المتصرفية ثم عاد إلى حدود لبنان الإمارة في عهدي الإنتداب والإستقلال.
وتبعًا لتبدل حدوده تبدل تركيب الشعب اللبناني.
إن عنصر الحدود والسكان في لبنان عنصران ثانويان حيال حقيقة لبنان الكبرى التي تجعل منه مساحة روحية لا حد لها ولا حجم.
إذ لا فرق في جوهر كيانها وجوهر فاعليها بين أن تضيق رقعتها الأرضية وبين أن تتسع.
الجغرافيا هي التي مكنت لبنان من الولادة وأمنت له بقاءه عبر العصور.
لكل من الجبل والشاطئ دوره. فالجبل أمن الخلوة السياسية والعسكرية التي ولدت من رحمها النزعة نحو الإستقلال. وأبصرت النور الحريات الشخصية.
أما الشاطئ ومرافئه وسهوله إنما هي في أساس اقتصاده.
تقاطع الجو النفسي مع الجغرافي في ازدواجية مرصودة لهذا الوطن منذ بدء الحياة في تاريخه.
الأحداث المفجعة التي عصفت بلبنان كادت أن تطمس صورته الأصلية في الأذهان، وكادت أن تشوهها وتستبدلها بمشهدية نقيضة.
وكاد الذي يريد من اللبنانيين أن يخدم لبنان أو يدافع عنه أو يصلي من اجله أو يموت في سبيله ان يقع في حيرة حيال أي لبنان يخدم، وعن أي لبنان يدافع، ومن أجل أي لبنان يصلي.
وفي سبيل أي لبنان يموت...
لبنان كمكون سياسي وقومي هو وليد ثالوث الجغرافيا والتاريخ والروح الحضارية معًا.
هو حصيلة تطور الشعوب التي عاشت في هذا البلد منذ قبل التاريخ حتى اليوم.
أرضه تؤلف فرادة جغرافية طبيعية جعلت منه كيانًا جماعيًا وإقليميًا متميزًا تجتمع فيها جماعات طائفية مختلفة ارتضت ان تتعايش وتتعاون في سبيل الحياة بصرف النظر عن فكرة العرق والدين.
العوامل الطبيعية التي اتصف بها لبنان أي الجبل والبحر والمناخ والموقع الجغرافي خصته بواجهتين تجعلان منه في وقت واحد بلدًا بريًا وبحريًا شرقيًا ومتوسطيًا.
وهي ميزة خاصة ميّزت لبنان عن كامل بلدان الشرق الأدنى.
إن علاقات لبنان بالبلدان القارية الشرقية منها أو العربية كعلاقاته ببلدان ما وراء البحار. فهي إلزامية في الإتجاهين معًا.
مفروضة عليه من خلال وجوده الحيوية.
إن الطابع الأصيل للنفسية اللبنانية يتأتى عن اختلاف العوامل الطبيعية لمحيطه الجغرافي وعن نمط الحياة الذي تفرضه هذه العوامل.
منذ ولادة لبنان على مسرح التاريخ يتجه في اتجاهين معاكسين نحو القارة الآسيوية من جهة ونحو البحر من جهة أخرى.
عندما نتكلم على وجه لبنان المزدوج وعلى طابعه الأصيل وخصوصيته لا نحصر ذلك بالوحدة السياسية لطائفتيه الكبيرتين المسيحية والإسلام.
إننا نتخطى هذه الوقائع لنغوص أكثر في حقيقة الحركة الإقتصادية والنفسية والثقافية والإجتماعية والسياسية للشعب اللبناني.
فهو منفتح في الإتجاهين بحرًا وبرًا.
شرقًا وغربًا.
هذه جميعًا تحمل حيوية للبنان مع أنها أيضًا ولّدت فيه الكثير من الإضطراب والتوتر لا بل لامست في بعض الأحيان النزاعات والحروب.
إلا أن هذه الروحية الحاضنة للحضارات الإنسانية تحتم على اللبنانيين أن يتعاونوا ويتضامنوا في سبيل التقدم في الحياة والحرص على استقلال وطنهم التام على تنوع شعبه
يوم قسّموا بيروت إلى ثلاث دوائر انتخابية عبّروا عن عجزهم وأقرّوا بهذا العجز عن استيعابها ككتلة واحدة هويتها مضادة لمصالحهم ووزنها كفيل بإفشال ارتباطاتهم المشبوهة وادعاءاتهم المرتكزة على تشويه فاضح للتاريخ.
بيروت الثقافة تدحض مزاعمهم حول التعدد الثقافي والحضاري. فهي المنبر والملتقى والمنتدى. عربية الهوية والهوى. المنفتحة على الدنيا تأخذ منها وتعطيها لكنها لا تهاجر ولا تغادر أهلها ولسانها وجلدها ولا تغدر بهم.
في بيروت الحرية والديمقراطية بيروت الفكر والكتاب والمطبعة.
بيروت الاحزاب والتنظيمات والحركات السياسية جميعًا من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ؤكد أصالة انتمائها لأمتها.
هذه البيروت اكبر من الطائفية والمذهبية وأكبر ايضًا من الكيانية والجهوية وأكبر من ان يستعملها الأجنبي وأخطر من ان يتحملها الإسرائيلي.
بيروت بهذا الكبر صار فيها أربع جامعات اثنتان للغرب واثنتان للعرب ولكن الحشد الأساسي من طلابها جميعًا عرب.
فيها المغاربة وأبناء وادي النيل كما فيها المشارقة من سائر أقطارهم المنداحة بين البحر الأبيض والمحيط الهندي.
كانت بيروت كبيرة على الكيانيين والإقليميين والجهويين وليس فيها قطعة سلاح واحدة.
كانت قاعدة للحركات الثورية العربية عمومًا ما انتصر منها وما فشل وليس فيها تنظيم مسلح واحد.
كانت منبرًا للدعوة القومية واقطاب الدعوة ومراكز حركتها وفي خارجها البعثيون من سوريا أساسًا والقوميون العرب من فلسطين ثم جاء جمال عبد الناصر فجب من قبله أو أنه احتواهم ضمن حركته الثورية الوحدوية بالضرورة.
صارت بيروت عاصمة ومنطلقًا للوحدة العربية دون أن تكون من دوليتها أو فيها أو منها.
وصارت الحاضنة للثورة الفلسطينية بإرادتها لحرة وبوعيها لدورها وليس لأنها أخضعت بقوة سلاح الفدائيين.
على مدى تاريخها المعاصر لم تسلم بيروت قيادها ولم ترتض بزعامة أو زعيم فيها من طبيعة كيانية أو طائفية أو مذهبية.
رياض الصلح لم يكن زعيمها بنفوذ عائلته أو بقوة طائفته أو بعراقة بيروتيته بل بحضوره العربي وبدوره وعلاقته بمختلف الحركات والنزعات الإستقلالية العربية.
بشارة الخوري صار زعيمًا في بيروت ولها بموقفه الإستقلالي.
بمعنى تأكيد الإبتعاد والغنفصال عن الغرب بالقدر الكافي لتاكيد الإتصال بالعرب والإنتماء إليهم.
لا ينقذ اللبنانيين إلا اتفاقهم بعد الحوار وإنصاف بعضهم البعض الآخر.
إذا ترك الشعب لحاله فإنه يريد التعاون.
أساس الفاهم والحوار يجب أن تكون المساواة والعدالة وتوزيع السلطة نوزيعًا عادلاً فينتفي الغبن لدى المسلمين والخوف لدى المسيحيين.
على اللبنانيين أن يميزوا أين مصالحهم وأين ضررهم وأن يعرفوا من هو الصديق ومن هو العدو.
نحن نقول بالمساواة والعدالة اولإنصاف بحيث يكون كل لبنان مطمئنًا إلى مصيره. فلا يخشى المسيحيون بسبب التزايد الدائم في أعداد المسلمين أن يكونوا مواطنين م نالدرجة الثانية ولا يخشى المسلمون أن تكون هناك هيمنة عليهم.
والوصول إلى ذلك شأن السياسيين والدستوريين ورجال القانون.
لا أحد يريد الخير للبنان واللبنانيين أكثر ما يريدونه هم أنفسهم.
إن التطرف يستدعي التطرف فالصدام فالحرب أولها كلام.
يجب أن تنصف المشاركة جميع الناس وليس أفرادًا فحسب.
فلبنان مجموعة طوائف ويجب على كل طائفة أن تطمئن إلى مصيرها وإلى مشاركتها في الوطن وإلى تقاليدها وخصائصها وهذا ليس بمستحيل.
المطلوب أن يعيش اللبنانيون في جو ثقة متبادلة.
إذا كانت صيغة 1943 تضمن لهم ذلك فلا بأس بها. وإذا كانوا يجدون أنها لم تعد صالحة ويمكن إيجاد بديل عنها فلا بأس أيضًا.
يجب الإعداد لإلغاء الطائفية السياسية من النفوس ومن النصوص وبالتمام.
ويجب أن تسود العلمنة بين المواطنين والروح المواطنية في العلاقات.
إن لم نكن قادرين على النظر إلى الحرب الأهلية على أنها مدرسة قائمة بذاتها قدمت العبر والدروس في ما يتصل بالسياسة والإقتصاد والدين والتربية والأخلاق، لنستفيد منها بما يمكن أن نستفيد. فإننا لن نكون قادرين بعد الآن على أن نتعلم أبسط الدروس
الدرس الأكبر الذي ينبغي أن نتعلمه هو الظاهرة الدينية في لبنان لأنها فيه متجذرة.
إذ نحن نبحث خارجها عن سائر الموضوعات في حين أنها هي ميدان الإستغلال السياسي.
وفي أسواقها تتم عمليات البيع والشراء.
لقد أثبتت الحرب في لبنان وما رافقها من تطورات إقليمية ودولية وما أحاط بها ومهد لها من اسباب قريبة وبعيدة أن الدين في النهاية هو الضحية وهو المسخّر وهو موضع الإمتهان والسخرة والتجارة في آن.
وعادة ما يأتي ذلك على يد الذين يزعمون الحرص عليه والدفاع عنه.
لبناننا الضيق الرقعة متعدد الاديان والطوائف والمذاهب مثال حي ومأساوي في آن واحد لما يمكن أن يصل إليه الدين من تسخير وامتهان وتجارة.
لقد رفع الساسة كلهم سواء اعتلوا الحكم أم نشطوا خارجه. ورفعت الأحزاب كلها شعارات ومطالب نادت بالإصلاح السياسي وإقامة دولة عصرية تحترم فيها الحقوق والكرامات.
وحرصت على أن تكون نداءات الإصلاحات عندها نداءات لاطائفية ولا عنصرية تلتزم فيها بالمساواة والعدالة وكلها اكدت على مواقفها من العقيدة الدينية وتقديرها وكل الإحترام لعقائد الناس.
إلا أن الساسة والأحزاب معًا عمليًا أثبتوا أنهم يقولون ما لا يفعلون.
فهم في الوقت الذي حرصوا فيه على أن تخلو دعواتهم وتصاريحهم من الطائفية راحوا يمارسونها علنًا بيعًا وشراء في كل مناسبة وعلى كل صعيد.
لقد وجدوا على ما يبدو أن السياسة في مجتمع الأديات لا تسد رمقًا ولا تطعم خبزًا ولا تصلح عملة في سوق التداول. فتحولوا إلى الدين لا ليأخذوا منه فيسمو بهم وإنما ليحتكروه ويصادروه ويمزقوه وينحدروا به إلى الدرك الأسفل من الإمتهان.
ادت اللعبة السياسية هذه إلى أن يتحول رجل السياسة إلى رجل دين بغير كفاية في الدين، وأن يتحول رجل الدين إلى رجل سياسة بغير كفاية في السياسة فكان ان فقدنا الإثنين معًا رجل الدين ورجل السياسة.
لقد أدّت هذه اللعبة القذرة عندنا على الرغم من مكابرة كل الساسة والأحزاب إلى أن تصبح للمارونية مرافئ ومطارات وللشيعة مرافئ ومطارات للدروز مرافئ ومطارات وللسنة قيادات وقيادات هي أكثر وأخطر من المرافئ والمطارات.
ومهما تكن الأسس السياسية سياسة خالصة عند الأحزاب في لبنان فإن تشكّلها في معظمها وتوجّهها في معظمها عاد إلى الدين.كل حزب عاد إلى كهفه الطائفي والمذهبي باحثًا عن الضياء في حوالك لياليه وعن الحرية في بريق سلاسله وقيوده وعن المكاسب والمناصب فوق عروشه وكراسيه.
وهكذا سقط الإصلاح السياسي في كل البرامج الإصلاحية الوطنية والانعزالية.
لا فرق بين هذه وتلك.
عندما أصبحت ورقة الإصلاح الوحيدة المتجولة بين الأطراف عبر دمشق هي ورقة التقاسم الطائفي والتناتش المذهبي والتكاذب الديني عند جميع الساسة والأحزاب الواقفين مباشرة في مواجهة العمل السياسي أو المتلطين جبنًا تحت جبب المشايخ ومسوح الرهبان.
هذا الواقع المرير يدفع المرء إلى التساؤل بالقول إذا كان الإصلاح السياسي قد سقط بسقوط كل الشخصيات والأحزاب السياسية مرة أخرى في البئر الطائفية فهل ذلك يعني أن فرص الإصلاح قد انعدمت في لبنان؟
أبدًا!
نقول ذلك بصوت أقوى من صوت السقوط نفسه. لأن للإصلاح الف باب وباب.
والإصلاح الديني في المدتمع الديني يبقى هو المدخل المرتجى بعد سقوط مسيرة الإصلاح السياسي بالشكل الذي تسير نحوه التطورات.
وإذا كانت حركة الإصلاح السياسي عاجزة عن مقاومة الطائفية السياسية فإن حركة إصلاح ديني واعية يمكن من خلال نظرة شمولية وإنسانية معًا أن تقود حركة إصلاحية إجتماعية وتقتلع حركة الإتجار السياسي بالدين من الجذور والدعوة هنا هي دعوة دينية إسامية مسيحية معًا هدفها مقاومة الطائفية بالدين ومقاومة الفرقة بالتوحد ومقاومة الحرب بالسلام.
إن التهم التي وجهت للإسلام وللمسيحية معًا وحتى نكون صادقين نقول بل إن الممارسات المشينة التي التصقت بالمسيحية والإسلام ابتداء من مجازر السبت الأسود التي نفذها مسيحيون باسم الصليب وانتهاء بعمليات الخطف والقتل التي نفذها مسلمون باسم الإسلام هي وحدها كافية في حركة إصلاح ديني للقيام بانتفاضة حقيقية للدفاع عن كرامة الدين الذي امتهن على هذا النحو وذلك من أجل صياغة موقف ديني إسلامي مسيحي سياسي توحيدي يبعد السياسة عن الدين ويمنع الساسة من استغلاله وتسخيره ويضع أمام بصر الناس وبصيرتهم أفقًا إصلاحيًا جديدًا بديلاً عن الإصلاح السياسي الذي سقط.
ثمة مغالطة خطيرة وقع فيها معظم الناس وقوع اليائس الذي لا حياة له. قوام هذه المغالطة أن التقدميين رأوا في بداية الحرب أن التقليديين سقطوا فحاولوا أن يكونوا البديل حتى إذا ما أصبحوا كذلك سقطوا مثلهم في ما كانوا قد سقطوا فيه من مذهبية وطائفية بشكل دفع الناس إلى القول ألف صلاة وسلام على التقليديين هاتوهم من جديد.
المعادلة ليست في هذه المبادلة.
إما التقليديون وإما التقدميون.
ولا حتى في تلك المداخلة التي يجتمع فيها التقدميون بالتقليديين.
كلهم دخل إلى الكهف الطائفي وأدلى بدلوه في بئره، وشرب من مائها الآسم.
إن حركة جديدة ليست صورتها واضحة بعد يمكن أن تشكل مخرجًا من هذا الإحراج ذي الطرفين التقدمي اليساري والمحافظ اليميني وأن هذه الحركة لا يمكن بالتأكيد أن تكون على منتصف المسافة بين هؤلاء وهؤلاء وإنما على خط آخر مما يقف عليه هؤلاء أو هؤلاء.
تجذّرت الليبرالية الاقتصادية في عمق الفكر اللبناني وصار للبنان تاريخ عريق في اختباره لهذا المفهوم.
وحده لبنان رفض تبني هذا النهج في نظامه وتمسّك بالحرية والليبرالية. موقفه انعكس ازدهارًا حوّله إلى سويسرا الشرق ودفّق الرساميل والثروات الطائلة إلى قطاعه المصرفي. فهل يمكن إعادة لبنان إلى موقعه السابق؟
مع اندلاع الحرب في لبنان تداعى الداخل وتزلزلت هيكلية الدولة على جميع الأصعدة وانهارت كل المقومات الاقتصادية والمالية أولاً والديمغرافية ثانيًا وتباعدت المنظومة الاجتماعية ودُمّرت البنى التحتية ليس فقط الإنشائية بل الاجتماعية أيضًا.
الليبرالية الاقتصادية لا تنهض وحدها بالمجتمع اللبناني . فالمباردة الفردية لن تؤمن الخدمات العامة والضمانات الاجتماعية للمواطنين بل ستصبّ جهودها وقدرتها في سبيل المنفعة الخاصة فقط.
فإذا ما أردنا استعادة السلم الاجتماعي الداخلي ، علينا تنشيط دور الدولة ليس بهدف هيمنتها وتسييرها للاقتصاد اللبناني بل في سبيل خلق الانتاجية الضرورية لتأمين كل ما يحتاجه الشعب من خدمات عامة واجتماعية.
إنطلاقًا من هنا لا يجب إنهاء دور الدولة نهائيًا بل علينا تفعيل هذا الدور لجهة تطوير وظيفة الدولة لاسيما الاجتماعية منها والتنظيمية.
تتداخل في مجتمعاتنا البشرية عدة عناصر منها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي لإدخال الجزء الأكبر من سكان الأرض في نفق الفقر والعوز. هذا الواقع الاجتماعي تحوّل ظاهرة ، ما من دولة في العالم بمنأى عنها. فالفقر مع بداية القرن الواحد والعشرين أصبح ظاهرة عالمية تتعدّى جغرافية الدول وبالتالي هو قضية إنسانية عامة يتأثّر بها كل إنسان إلى أيّة طبقة انتمى أو جماعة أو وطن.
لبنان شأنه شأن كل دول العالم يرزح شعبه تحت نير الفقر. صحيح أن الدراسات الإحصائية الدقيقة لإعطاء حجم دقيق لنسبة تفشّي الفقر في لبنان غير متوفرة إلا أن الأكيد أن هذه النسبة إلى ارتفاع وهي تتخطى الحجم الطبيعي.
في تعاون أجهزة الدولة مع المجتمع الأهلي تتولّد الحلول المعالجة لظاهرة الفقر. لكن كل استراتيجيا تصبّ في هذا الهدف تبقى عاجزة إن لم تحصل تنمية بشرية عادلة ، علمية وإيجابية تطال الإنسان فردًا وأسرة ومجتمعًا.
يطال الفقر بنوع خاص من هم أصحاب الحالات الاجتماعية الصعبة لاسيما العجزة والأيتام والأرامل والمطلقات والمعوّقين إضافة إلى ذوي الدخل المحدود وأصحاب الحرف والمهن التي تشهد تراجعًا وانقباضًا.
الرعاية الاجتماعية لهؤلاء والخدمات التعليمية والتربوية والصحية والتأهيلية تحسّن من أوضاع هذه الفئة من المجتمع. وكلّها خطوات تنفّذ نتيجة استراتيجيا متكاملة ترسمها الدولة بالتعاون مع مؤسسات اجتماعية أهلية محلية إقليمية ودولية ومنظمات عالمية وبالتنسيق مع الأمم المتحدة وسائر التجمعات والتكتلات الدولية.
الخطوة العلاجية الأبرز في هذا الإطار تكمن في خلق فرص عمل محلية يمكن أن تمارسها هذه الفئة من المجتمع في منزلها أو في مؤسسات تبنى لهذه الغاية.
في هذا الإطار تأتي الخطوات الهادفة لتنمية الريف وأحزمة الفقر التي تزنّر المدن، إضافة إلى وضع حل لمشكلة الانحراف في صفوف الأطفال والمراهقين والعمل لمحو الأمية.
في العالم يطال الفقر واحدًا من كل خمسة أشخاص وبالتالي 1،3 بليون نسمة يعيشون الفقر المدقع في العالم.
لبنان في هذا المجال يعتبر متفوقًا عن غالبية الدول العربية من ناحية نسبة الفقراء ، لكن الفقر في لبنان موجود ويتزايد حجمه سنة بعد سنة.
لا يحصر الفقر فقط في مستوى الدخل المتدني بل هو يشمل غياب الفرص للتمتع بحياة مليئة بالكرامة وغياب المستوى التربوي والصحي والخدماتي .
نسمع عن الكثير من المعالجات الميدانية المحلية لوضع حد لتفاقم الفقر ، في حين تسيّر شؤون العالم سياسة دولية ، اقتصادية ترتكز على تعميم ظاهرة الدين العام على كل الدول لاسيما النامية منها وبالتالي فرض منظومة تسديد فوائد هذا الدين عبر مضاعفة المداخيل الضرائبية في كل الدول.
إنطلاقًا من هذا الواقع، نرى أن كل المعالجات ستبدو عقيمة ما لم يتبدّل السيناريو الدولي وتتغيّر المفاهيم الاقتصادية التي فرضتها نظم العولمة على المجتمعات الإنسانية كافة.
بعد مرحلة تدمير شاملة طاولت كل القطاعات اللبنانية وقسمت الشعب اللبناني، جاءت مرحلة ما بعد الحرب لتدخل لبنان في نفق الدين العام وتهدد استقراره ونموه وازدهاره. وبعد تفاقم هذا الدين العام، دخلنا دوامة الاغتيالات والتجاذبات الداخلية والإقليمية التي انتهت إلى حرب تموز الأخيرة لتؤكّد ارتباط الوضع اللبناني بأزمة الشرق الأوسط والتطورات الإقليمية، من جهة، وانعكاس الصراعات الطائفية والتشرذم داخل الطوائف لصدى الصراعات الدولية، من جهة أخرى.
يجب خلق حد أدنى من التفاهم، وإعادة تفعيل الحوار الوطني، والاهتمام بالمصلحة العامة والابتعاد عن المصالح الضيقة والشخصية.
جيل الشباب اللبناني الجديد، هذا الجيل الخارج من أتون الحرب، والذي ذاق مرارة المأساة بكل جوانبها، وإن هو يحافظ على علاقته المتينة بوالديه ووفائه لتضحياتهم، إلا أنّه يرفض التقيّد بتوجيهاتهم لرسم أطر مستقبله. شباب اليوم يفضلون أن يشقوا طريقهم بأنفسهم ووفق قناعاتهم المستقلة.
أما المسؤولون اللبنانيون فإن بعضهم يثبت يومًا بعد يوم أنّه غير مؤهل لقيادة لبنان في هذه المرحلة الدقيقة التي تعيشها بلادنا والعالم العربي والأسرة الدولية".
مع ولادة السنة 1990، كان لبنان يبدأ بنفض غبار الحرب عنه ويسير في طريق واعد عابق بوعود الإعمار، في وقت كان المجتمع المسيحي عمومًا، يخرج من كبوته محبطًا، منهارًا، منغلقًا على ذاته، مسدود الآفاق.
خرج من قلب الحرب دون ان يخرج عليها، بل، من موقعه الجديد، فتح خطوطًا كانت مغلقة في وجه اللبنانيين المشرذمين، بما في ذلك التعاطي مع جمهورية ما بعد الطائف والمرجعيات السورية.
سنة بعد سنة في زمن الحرب، لا الوعود الدولية تحققت ولا المبادرات الأممية أزاحت عن لبنان كبوته وأخرجت شعبه من مأساته. وكل التصريحات الداعمة والخطابات الرنانة التي كانت تردنا من الخارج بددت فينا القلق وأراحت النفوس المضطربة.
عشنا بعيدين كل البعد عن العهود التي قطعت لنا وهي الدول الأجنبية أتت إلى لبنان من أجل أن تسهم في حماية استقلاله وبسط سيادة الدولة على جميع الأرض اللبنانية بعد إجلاء جميع القوات الغريبة إجلاء كاملاً عنه.
إلا أن عواصف الغير بقيت تهدر. وبقي لبنان بين مخالب المؤامرة.
في 13 نيسان 1975 اندلعت النار واستمرت لعقد ونصف تضطرم لاهبة، واللبنانيون ينظرون إليها وكانها ككل نار ستنطفئ سريعًا كما كان اشتعالها سريعًا.
المراقبون الدوليون كانوا هم أيضًا ينظرون إليها هكذا.
ومثلنا مثل المراقبين كان يبدو لنا ان عواصم السياسة في العالم تنظر إليها هكذا أيضًا.
حتى اخذت الأيام تطول وأخذت الشهور تتوالى وتطوى السنون.
بادئ بدء كنا نظن أن النار التي اندلعت هي نتيجة مطالب لم يستمع إليها فلم تتحقق: مطالب المغبونين، مطالب المحرومين، مطالب الطامعين، ومطالب الذين ليس لهم صوت يطالب.
فأخذنا نسعى بكل سذاجة وبساطة إلى رفع الحيف عن المحرومين والمغبونين والمقهورين، حتى كانت الوثيقة الدستورية في آذار 1976 التي صار الاتفاق عليها بين القصر الجمهوري وقمة عرمون ودمشق التي قيل إنها مكلفة الكلام باسم قمة عرمون وقد كانت لا تستقر على راي ولا تقف عند مطلب ولا تثبت على قول.
فالوثيقة الدستورية التي ما كادت تعلن في بيروت على لسان الرئيس فرنجية بمختلف وسائل الإعلام حتى قوبلت برصاص ابتهاج في بيروت الشرقية رد عليها برصاص امتعاض في بيروت الغربية. فلم تعش اكثر من ربع ساعة.
وما كاد الرئيس فرنجيه ينهي كلامه عليها في التلفزيون حتى كانت الوثيقة قد انتهت.
ثم راحت الحوادث والاحداث تتوالى.
فالنار التي كانت قد بدأت كنار قيصر عامر اخذت تتحول شيئًا فشيئًا إلى نار فردانية او كالتي هطلت في اثناء الحرب العالمية الثانية على فرصوفيا وبرلين ولندن ودينكرك. واخذت تتصاعد معها المطالب حتى لم تعد تعرف لها حدودًا.
ثم باتت مطالبة المطالبين وكأنها ليست مطالبة لمطالبة بل هي مطالبة لرؤوس ومطالبة البلد للخروج عن خطه.
ومطالبة حكامه الارتماء بين أيدي الفلسطينيين وفي احضان السوريين والعرب الذين كانوا يشدون ازرهم مطالبة بالتنكر للذات وبالاعتراف بذات هم غرباء عنها والانضمام إليها والعمل وإياها كأنهما ذات واحدة.
عندها بدأ اللبنانيون ومعهم الدول والمراقبون ينظرون إلى النار المشتعلة على أرض لبنان كنار تبتغي حرق البلد لا تبتغي محاولة حمله على التسليم بمطالب.
اما لماذا حرقه فهنا تبدت مخالب المؤامرة الكبرى التي مدبروها كبار ومنفذوها صغار.
فالاتحاد السوفياتي كان يدبر والفلسطينينون والإيرانيون والباكستانيون والمرتزقة ثم السوريون والليبيون والعالم الذين هم يديرون في فلكه أو هو يدور في فلكهم كلهم كانوا ينفذون.
وعلى صعيد آخر كانت إسرائيل وشركاء لها تدير حركة ثانية تلتقي مع المؤامرة الكبرى للتخريب وتفترق عنهم في الغاية.
حتى أدرك اللبنانيون ومن يهمهم الأمر من دول العالم أن ما يحدث في لبنان يجب أن يعالج معالجة المؤامرات الكبرى لا معالجة الفتن والحركات والحروب الأهلية على ما كان يروج الإعلام الكاذب آنذاك.
إذاك تغيرت الدواسة فاخذت الدول الكبرى تحرك مجلس الأمن لدى منظمة الأمم المتحدة وأخذ اللبنانيون المقيمون والمنتشرون يحركون الدول الصديقة حتى استصدرت الدول الكبرى قرارات عدة من مجلس الأمن بقيت بلا تنفيذ.
وتوصل اللبنانيون بوساطة جالياتهم والنافذين من رجالهم إلى الحصول على مساعدات.
وكانت فرنسا هي البادئة في التطلع إلى لبنان وفي الاهتمام لأمره ولا عجب لما بين لبنان وبينها من تاريخ ولما هي فارضة على نفسها أن تكون نصيرة الحق وجندي الله والحرية وقد بدأت البادرة الفرنسية على أحسن ما تكون المبادرات ولكن أمرها لم يطل إذ بدأها فاليري جيسكار ديستان وأنهاها فاليري جيسكار ديستان قبل انتهاء ولايته وعاد تحريكها فرنسوا ميتران وها هي تنتهي قبل ولايته هي أيضًا بوقت طويل.
حتى لكأنها بادرة شخصية لا مبادرة امة حيال امة صديقة.
بعدها أطلقت الولايات المتحدة الأميركية مبادرتها التي لم تلبث ان ادركت نهايتها أو تكاد قبل أن تنتهي ولاية رونالد ريغان.
تساءل حنين "من لا يعرف أن 4 في المئة من أبناء لبنان قتلوا، أو أعيقوا، من جراء الأعمال الحربية المستمرة منذ تسع سنوات، وأن 25 في المئة من اللبنانيين كانوا عرضة لإحدى الهجرتين: القريبة من لبنان إلى لبنان، والبعيدة من لبنان إلى مختلف أنحاء العالم، وأن 30 في المئة من العمار اللبناني قد هد أو تضرر وأن 50 في المئة من أيام التدريس قد اهدرت سواء أكان في الجامعات أم في المدارس الثانوية أم الابتدائية ودور الحضانة، وأن 50 في المئة من طاقة الانتاج الصناعي والزراعي قد تولاها الوهن أو الشلل والتوقف، وأن 90 في المئة من هناء الناس قد تبخر و90 في المئة من قرف الناس قد ازداد؟
واعتبر أن التدهور الحاصل "ليس بسبب أولئك ولا بسبب هؤلاء، فالاولون هم السدان الذي تضرب عليه المؤامرة، والآخرون هم المطرقة التي بها تضرب المؤامرة". ورأى أن المؤامرة "جذورها أبعد من سوريا وأبعد من إسرائيل". وقال إن جذور المؤامرة في موسكو، وأن اليد التي تحاول تفكيك شباكها هي في واشنطن وباريس ولندن وبون وروما والفاتيكان.
ودعا اللبنانيين إلى "إعداد انفسهم للمقاومة والصبر على المقاومة ولترسيخها كل يوم وساعة". مؤكدًا "أن لكم في المقاومة بقاء". ورأى أن الأهم من المهم هو "أن لا يضع لبنان نفسه في الطريق الذي يخسر فيه نفسه" وقال: "يوم يخسر لبنان حب الحياة، بعدما خسر فرحها، يخسر كل شيء ويخسر، أول ما يخسر نفسه".
قال النائب حنين "إن لبنان اليوم ورقة قابلة أن تكون رقعة لكل رقيم وقابلة كل كتابة. فلتقدم الهيئة التأسيسية المقرر إنشاؤها في لوزان، على أن تجعل منه إمارة أو ديمقراطية أو اتحادية أو حيادًا أو محمية أو ما يمكن أن يبتدعه العقل السياسي من أشكال، شرط أن يسلم إثنان: بقاء حر وكريم وشريف، ومساواة في العدل. حتى إذا أمكن صرف النظر عن هذين الشرطين الكيانيين قبل لبنان صرف النظر عنهما، إذا استطاع الوجود أن يظل وجودًا وإذا بقي البقاء بقاء".
وأبدى ملاحظات على تشكيل الهيئة التأسيسية:
1 – يستحسن ألا يطلب من الطوائف اقتراح أسماء الذين ترغب كل طائفة في تمثيلها. فإن التمثيل يتكون، على قدر الإمكان، إذ ليس لزامًا أن يكون التوازن كليًا في كل واحدة من هذه الهيئات لدى تشكيلها.
2 – ينظر، أولاً وقبل كل شيء، في الكفاية والاختصاص والخبرة والإخلاص.
3 – يجب ألا يؤخذ، في هذه الهيئة، أحد من داخل المجلس النيابي، لأن المجلس مدعو إلى المصادقة على مقررات هذه الهيئة.
4 – يجب ألا تنقص حقوق الاختصاصيين المعمرين لمصلحة الاختصاصيين الشباب، وألا تنتقص حقوق هؤلاء لمصلحة اولئك.
5 – يجب أن يكون رؤساء الوفود الذين كانوا في مؤتمر جنيف فمؤتمر لوزان، أعضاء طبيعيين في هذه الهيئة، إضافة إلى الأعضاءا لإثنين والثلاثين المعطى لرئيس الجمهورية تعيينهم، لا من أصلهم".
وأوضح أن "لكل صديق، كبر أم صغر، نظرة إلى لبنان الحاضر وموقف، ولكل عدو نظرة إليه وموقف، ولكل فئة او طائفة أو جهة لبنانية نظرة إلى لبنان الحاضر وموقف... فسوريا تجد وراء استكمال انتصارها على الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، لتثبت أن ما لم تستطعه الولايات المتحدة في لبنان، وهو فرض السلام، استطاعته هي او هي واصلة إليه. وهكذا ما لم تستطعه إسرائيل لتثبت أن الاتفاق الذي لم تتمكن إسرائيل من تثبيته بين لبنان بينها ستتمكن هي من وضعه وتثبيته.
وإسرائيل تلاحق في لبنان خطة مرسومة، وقد رسمت قبل أن تنشأ هي عام 1948، أما الولايات المتحدة الأميركية فمجال عملها العالم، وهي لا تهتم بلبنان إلا بمقدار ما تحتاج إليه في اللعبة التي تلعبها في الشرق الأوسط...
الذين يعرفون ماذا يريدون يصلون والذين لا يعرفون لا يصلون أبدًا... وحدهم غير واصلين هم اللبنانيون. وشر من الشر الذي فيه يعيشون هو انهم يأبون أن يضعوا أنفيهم على طريق المعرفة.
المناسبة الآن، عارضة لهم وقد لا تعرض لهم مرة ثانية وهي الهيئة التأسيسية المقرر إنشاؤها فإذا تعهدوا كلهم على أنهم يريدون لبنان كيانًا نهائيًا واجب الوجوب وإذا تعاهدوا على رفض كل ما لا يدعم هذا الكيان وقبول كل ما يدعمه وإذا تعاهدوا على إرجاء كل ما يجب إرجاؤه إلى وقت آخر. وطلعوا من الهيئة التأسيسية الدستورية بقبضة من الحقائق اللبنانية الثابتة على أن يبنى عليها الدستور والقوانين والأنظمة ساعة تلح الحاجة إليها يكونون طلعوا بما من شانهم أن يقنع العالم بأنهم هم أيضًا يعرفون ماذا يريدون ويصير للهيكل أمل في ان يقوم وللبنان أمل في ان يبقى.
ورأى أن لبنان اليوم بعد السنوات التسع العجاف وبعد كل ما أصابه من خراب ودمار وبعدما أصبحت مؤسساته الدستورية على الأرض ومؤسساته الوطنية الجيش والضمان والجامعات وماله وأعماله واقتصاده وبعدما أرضًا صفصفاف ما بقي منها لا يصلح لشيء ويصلح لكل شيء في آن واحد فعلى القائمين على أمرها أن يتعدوا إنقاذ لبنان إلى خلق لبنان جديد، جديد بكل شيء وبإرادة جميع أبنائه ، فلم يعد فيه أصحاب امتيازان ولم يعد فيه مغبونون ولا عاد فيه محرومون ولا عاد فيه أصحاب حقوق مهضومة ولا عاد فيه غاصبون ولا مغتصبون.
ودعا إلى أن تكون البداية في بناءا لإنسان اللبناني الذي من اجله ينشأ هذا اللبناني الجديد.
وحذر من التفكك الذي أصاب لبنان...
فكأن أهل لبنان ضيعوا طريق بعبدا وضيعوا دروب بعضهم إلى بعضهم الآخر وهي أسهل الدروب.
فماذا بعد هذا التفكك؟
غني في انتظار ذلك لكي يكتمل الدمار والانهيار فنبدأ صفحة جديدة في بناء لبنان الجديد، صفحة جديدة هي ملكنا من الألف إلى الياء.
صفحة بيضاء تستطيع ان تكتب عليها كل شي من حد واحد من نشيد الغنشاد غلى حد واحد من مراثي إرميا.
اعرب حنين عن إيمانه بأن اللبنانيين فريسة مؤامرة هي أكبر منهم وأكبر من أصدقائهم الكبار الذين يخفون إلى مساعدتهم. واعتبر أن الأحداث اللبنانية "مسألة لبنانية ولا أحد يستطيع أن يجد لها حلاً غلا اللبنانيين انفسهم. وأن "خلاصنا في يدنا، لا بالطرق التي كانت تطرح ولا بالطرق المحتومة على مجتمع تعددي، مجتمع مبني على التعددية، بل بما عقلنا الخلاق مقدر له أن يبدع. خلاصنا اليوم في أيدينا، من دون وساطة أي مساعد، ومن دون أي قدرة خارجية. لأن اليوم، في يدنا، اللهم نجنا مما هو في يد المؤامرة وفي يد السوريين!
وطالب بمعاقبة المتقاعس من اعضاءا للجنة الأمنية العسكرية السياسية العليا، وقال: "يكفي أن يتخذ ثلثا الأعضاء قرارًا بإسقاطه من حقه في الكرامة وأن يعمم هذا القرار بكل وسائل الإعلام ليتجنب أي عضو من اللجنة أن يسوق نفسه إلى هذه المذلة، وليتعظ كل عضو آخر بما يكون قد نزل بالمخالف من عقاب مشين، إن الرجل الذي استطاع أن ينشئ حلفًا حول لبنان لم يسبق أن تمتع لبنان بمثله، حلفًا من الولايات المتحدة الأميركية وإداراتها وشعبها، من كبارها وقواها الخفية حرصًا من السوق الأوروبية المشتركة ولاسيما فرنسا وبريطانيا وإيطاليا حرصًا من الفاتيكان وكل ما يملك من حلفاء وأصدقاء وأنصار. حرصًا من المملكة العربية السعودية ومصر والمغرب وتونس وحرصًا من كندا وأوستراليا وبعض الدول العظمى في أميركا اللاتينية.
وعن انتفاضة جبشيت قال: "اليوم أشرقت الحقيقة الأزلية الأبدية التي أرجو ألا تعود فتغيب وهي أن لا أقرب من الأخ إلى أخيه ولا أبقى ولا أصلح ولا أنفع. جبشيت يا أم الشهداء منجبة الأطفال والنساء والشيوخ الذي يسخون بدمائهم ولا يأبهون كأنهم يحملون دماءهم في اعراقهم ليسقوا بها التراب ، تراب المسك، ترابك. ويا أخوات جبشيت التي البطولات على أرضها زغاريد والاستشهاد صلاة، نشاركك ونشارك كل واحد من أبنائك الآلام التي تواسين ويواسون ومعك نتحسس الجروح التي تدميك فتتوجعين ولا تأبهين.
بكت الحجارة عليك وبكينا معها واخذنا نضرع إلى الله من اجلك.
نعرف اوجاعك وآلامك فلقد مررنا بها في شويت والعبادية في بمريم وصاليما ورأس الحرف والشبانية وحمانا وفالوغا. مررنا بها في بحمدون والمنصورية وسير وشرتون ووادي الست والكنيسة ودير دوريت ودير القمر ولا نزال نمر فيها في الضاحية الجنوبية وفي بيروت الشرقية وفي المتنين وفي كسروان وما مررنا به على أرضنا كان اكثر هولاً مما يمر بكم على أرضكم. إذ هنا على يد أشقاء كان يحدث ما يحدث أما هناك فعلى يد أعداء.
وعزا عدم مد يد العون إليها إلى اننا اضعفنا لبنان والسلطة فيه إلى حد لم تعد قادرة على مد يد العون الذي من الأعماق نريده لك لأنه لم يعد لنا أصدقاء كبار. وقد يكون للذين يبكون عليك يد في قطع هذه الحبال التي كنا نعتمد لإنقاذ انفسنا وإنقاذ امثالك. وقال مخاطبًا جبشيت: "ألم تسمعي أمس الأربعاء قول موشي أرينز وزير الدفاع الإسرائيلي في الكنيست إن حرب إسرائيل في لبنان كلفت إسرائلي نحوًا من مليون دولار اميركي يوميًا ما يزيد على مليار دولار أميركي. هذا من دون ان نأخذ في الاعتبار الخسارة القائمة على ضياع الإنتاج الناتج من استدعاء آلاف الاحتياطيين إلى الخدمة العسكرية. اخشى ما نخشاه ان تكوني أنت بعضا لثمن المعين لهذه النفقات الحربية والخسارة التي أصابت إسرائيل بالأرواح والممتلكات.
أكد حنين أنه لا بد من ان يكون لنا جيش لأن لا بد من أن يكون لنا وطن. وبنسبة ما يكون جيشنا قويًا يكون وطننا".
وقال: "تكاد تكون مطالبة اللبنانيين اليوم بين ان يكون لنا جيش او لا يكون، أو بين أنيكون لنا جيش في المطارح التي تفرض وجوده فيها مصلحة الأمن أو يكون في ثكنه. وأكبر المتبارين في هذه الساحة هم الذين في يدهم سلاح، والمقاتلون على انواعهم المتنوعة، كأن لا رأي للعزل في هذا الموضوع، وكان امن البلاد مقصورة المطالبة به على أصحاب المدافع والصواريخ".
...في وطني يعيد المواطنون حكاية أهل القرية: 90 في المئة من المواطنين من الذين لا يملكون سلاحًا، بل يملكون حق التمتع بالامن، يريدون جيشًا لحماية أمنهم. و10 في المئة ولعلهم أقل من الذين يملكون سلاحًا يتنازلون عن حق التمتع بالأمن، لأن الأمن إذا ساد سقط السلاح من ديهم وبطل فعله.
واضاف: "في الدفاع عن الوطن دفاع عن الطائفة والبيئة والقرية والمنطقة التي ينتمي إليها الجندي".
ورد حنين على المطالبين بعدم إقحام الجيش في المعارك الأهلية، فتسال "أي متى درعي لبنان إلى مقاتلة عدو قادم إليه من خارج الحدود؟ أي متى نازلنا على أرضنا الروس والاميركان والفرنسيين والعرب؟ أو نازلناهم على أرضهم؟ فالمقاتلون في لبنان هم أبناء لبنان، ونريد ألا ننظر الآن إلى من يكون وراءهم، فعل من أن يفصل بين الإخوة المتقاتلين في لبنان؟ أفلا يجب ان يكون مصلح في لبنان مصلح قادر مصلح لا ترد له كلمة؟ افلا يجب أن يكون لنا جيش ذو جبروت وسطوة؟
أيها اللبنانيون، أصلحوا ما في نفوسكم يصلح جيشكم، إذ ذاك به تتمسكون. هذا الجيش الذي نؤمن أنه ضرورة لبنانية ستجدونه، مثلنا، غدًا، عندما تتطلعون فترون أن السياسة تدخلت في شأنه مرارًا ففسد، وأنه لم يتدخل في شؤون السياسة مرة فلم يصبها من هذا الباب عيب".
إن إنقاذ الجنوب مطلوب من كل لبناني ومن كل حاكم ومن كل فرد، ولن يكون إلا مسؤولية لبنانية مشتركة، وهو شغلنا الشاغل، وسيظل وقف الاقتتال المطلب الاول للحكم لأنه المطلب الأول للشعب.
ونعلم ان لا وقف للاقتتال إلا إذا عزمنا، صادقين، وإلا إذا كانت لنا قوة فاصلة. هذه القوة القاصلة لن تكون قوة ردع عربية، ولن تكون قوة متعددة الجنسية وقد لا تطون قوة طوارئ دولية، بل ستكون الجيش النظامي اللبناني الذي تشرذم لكن لم تطلق ، وأشهد الله على ذلك، شرذمة منه النار على شرذمة أخرى. فغننا في طريقنا إلى تعويم هذا الجيش وهي طريق لا بد منها.
75 في المئة من الجيش قابل للتعويم السريع، فقد لا يوجب تعويمه أكثر من أسابيع معدودة.
الجيش شرف الأمة ولم ينشأ الجيش ليوضع في المعلبات وفي "الفيترينات". مكان الجيش الساحة المضطربة القلقة التي يجري عليها الاقتتال. وصحيح أن الجيش لم ينشأ ليطلق النار على أهله، بل أنشئ ليطلق النار على لاذين يطلقون النار على اهله، حفاظًا على أرواحهم ومقتنياتهم وكل ما يملكون. ولكن عندما تطلق النار على الجيش، أية نار، وأيًا يكن مطلقها وعندما يقع على وقر هذه النار قتلى، ويحدث دمار ويشيع الذعر، فماذا يكون واجب الجيش أن يعمل؟ أوليس أن يسكت النار بالنار؟ فهل من مفر من ذلك أو عذرًا.
مطلقو النار على الجيش لبنانيون من لبنان، لكنهم ليسوا جميعهم، لبنانيين فهناك المندسون بينهم. هناك الفلسطينيون والخمينيون والليبيون والباكستانيون والشذاذ المرتزقة. فإن كان لا يجوز أن يطلق الجيش اللبناني ناره على اللبنانيين، أفليس من واجبه أن يطلق ناره على أنصاف اللبنانيين الغرباءا لذين يعملون في صف واحد لمقاتلة اللبنانيين؟"
واعتبر أن الجيش اللبناني انشئ لا من أجل الفتوحات، بل من اجل الدفاع عن لبنان. وتساءل: "أفعندما تجيء ساعة الدفاع عن لبنان نقول له : قف وعد غلى ثكنك؟"
وعن الحديث الدائر عن "إصلاح الجيش" فقال: "الجيش اللبناني لا يصلح بتغيير القيادات فيه، فإن قواده اشراف. لإصلاح الجيوش أصول وأرباب، فلنطبق هذه الأصول بإحكام ولنستدع هؤلاء الأرباب بإيمان يكن لنا ما نريد ويسلم شرف الأمة".
اعتبر أن مسيرة الإنقاذ تبدأ من اللبناني نفسه "لأنه مع إزالة خطوط التماس الميدانية تترتب إزالة خطوط التماس السياسية في آن. إذ لولا ما في النفوس لما كان ما على الأرض".
ولاحظ "أن المانع الأول لحصول الوفاق الوطني هو انتماء بعض اللبنانيين إلى بعض الدول الخارجية، فيتعاملون معها ويطلبون مساعدتها وهي تمونهم بالسلاح والخبراء والعسكريين وتمدهم بالمال. ولا انفكاك عن هذه الانتماءات ما دامت روح الكسب تقدم على الروح الوطنية او تحل محلها. أما المانع الثاني فهو أن ولاء بعض اللبنانيين للعرب هو فوق ولائهم للبنان وبعضهم الآخر ولاؤهم للغرب بمقدار ولائهم للبنان".
قال حنين "منذ أن بدأت الحوادث في 13 نيسان 1975 بدأنا نعرف ما في ضمائر القوم وفي مقاصدهم ونياتهم. ثم اخذت المسائل تتضح على مر الحوادث والايام حتى ثبت في الزمن الأخير وأثبتت خلوات بكفيا، بما لا ريبة فيه، إن هدف الجماعة الأخير هو هذا: تجريد لبنان من لونه ومميزاته وجعله بلدًا عربيًا ككل بلد عربي، الحكم فيه للمسلم، وعلى المسيحي أن يخضع لحكم الذمية. هذا إذا استحالت أسلمته بالمعنى الإسلامي الكامل.
وكانت للقوم، في هذا السبيل، أساليب وفنون منوعة كثيرة، حتى وصل بهم المطاف إلى الخلوات. ففي خلوات بكفيا ثبت للمجتمعين أن الجانب الآخر الذي في الحكم يسعى في هذا الصدد إلى تعطيل الدستور توصلاً إلى تعديله بما يؤمن المناصفة بين المسيحيين والمسلمين في كل شيء. ويسعى القوم إلى إلغاء الطائفية السياسية. فلماذا تعديل الدستور؟ التأمين المناصفة عن طريق القانون؟ ولماذا ألغاء الطائفية؟ أللمحافظة على الزيادة عن طريق الواقع؟ وعندما نعرف ماذا في الواقع نعرف مقدار الكسب الذي يتحقق للطوائف الإسلامية على حساب الطوائف المسيحية.
نشير هنا فقط، إلى أمر واحد نتخذه من المديريات العامة، ومن السفارات اللبنانية في الخارج. فهناك عليم يؤكد أن للمسلمين اليوم 27 مديرًا عامًا وسفيرًا أزود مما للمسيحيين. وهو وضع لم يسبق أن توصل المسلمون إلى مثله. لذلك يسعون بكل الوسائل إلى تكريس هذا الوضع. فعندما يكون أهداف الوزراء المسيحيين الذين أهدافهم، هم، إنقاذ لبنان لهم ولنا؟ وكيف يمكن أن تصفو الضمائر والنيات وأن توحد العزائم ويوحد العمل ويصير الشد في اتجاه واحد؟
فالذي جاء ليخرب عام 1975 أعيد ليستكمل عملية التخريب، في السنة 1983. وما لم يستطع المخرب تهديمه في ولايته تلك ، جاء لينجز تهديمه في ولايته الحاضرة...
ولاحظ في السياسة العالمية "تحركًا يخرج عن حدود العادة"، وأشار إلى التقارب الأميركي – السوفياتي، وإلى إعادة الأردن علاقاته الديبلوماسية مع مصر، وتحرك مساعد وزير الخارجية الاميركي السيد ريتشارد مورفي في المنطقة . واعتبر أن التحرك الأميركي "هو تحرك فاعل لأنه لم ينتظر نتيجة الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة ولا يمكن أن يكون تحركًا دعائيًا". وتساءل: "ترى هل بدأت تطل طلائع يالطا جديد، أم هي طلائع انفراج جديد بعيدًا عن يالطات جديدة هي التي تطل، إذ لكل عصر زي ولكل عهد أسلوب".
"الطريق التي أضاعها اللبنانيون، صيداويين وبيروتيين وطرابلسيين كانوا أم غيرهم، عادت اليوم إليهم وعادوا هم إليها، فسعدت بهم وسعدوا وصار راسخًا في إيمانهم أن أرضهم ليست إلا لهم وأنهم ليسوا إلا لها، وأنهم كلما افترقوا عن أرضهم وافترقت أرضهم عنهم حصلت الجفوة المميتة بينهم وبين مواطنيتهم وأهدافهم وطموحاتهم التي من دونها لا يكونون لبنانيين.
كثيرًا ما طرأت هذه الطارئات على أنفس بعض اللبنانيين، فكانت تزعزع إيمانهم بوطنهم وأهدافهم وطموحاتهم، وكانت تغيب الصوامد في عقولهم وقلوبهم وتقف بهم على شفير الهاوية التي فيها يفقدون. وكثيرًا ما كان يجبه هذه الطارئات وعي مفاجئ يعيدهم إلى ذاتهم فيستفيقون، وكأن الذات لم تمس. هكذا كان أيام المماليك وأيام العثمانيين والفرنسيين وأيام الفلسطينيين الأواخر. وإذا اللبنانيون يعودون من جميع هذه الدروب مهمشين محطمين، لكنهم كانوا يعودون وعلى لسانهم ما يكون قد صار في انفسهم حقيقة راهنة يهتفون بها بالصوت الجهير الواحد.
أيها اللبنانيون ماذا ينفع اللبناني إن ربح العالم وخسر لبنان؟
واعتبر أن الخطوة الأولى الفذة التي خطتها الدولة والجيش والمقاومة الوطنية أمس، في طريق التحرير والإنقاذ، يصعب ألا تكون طليعة خطى بطولية شهمة لن تقف قبل آخر الطريق".
وحذر من عودة الفلسطينيين وقال: "الفلسطينيون الذين وعدوا بأنهم سيعودون إلى فلسطين، ها إنهم يعودون إلى لبنان بعدما طردوا منها فمنه. وفي ذلك أقوال متضاربة كثيرة: فمنهم من يقول إن أكثرية العائدين عرفاتيون، ومنهم من يقول بل إنهم موسويون من المنشقين الذين يقاومون عرفات. ومنهم من يقول إنهم يعودون إلى الشوف والجنوب، ومنهم من يقول بل إلى جميع أنحاء الجبل وبيروت يعودون.
ومنهم من يقول إن الذين يعودون يعودون لأغراض عائلية سلمية، ومنهم من يقول بل لأغراض عسكرية يعودون. وأن أصحاب هذه الأقوال المتضاربة يجمعون على أن الفلسطينيين يعودون بكثافة إلى لبنان، وعلى أن أعدادهم تتكاثف كل يوم وعلى أنهم يعودون إلى المطارح التي طردوا منها بالتحديد.
فماذا نعمل للحؤول دون هذه العودة؟ إن كنا لا نعمل شيئًا ضد هذه العودة فتلك مصيبة وإن كنا نعمل وتبقى النتيجة هي هي فالمصيبة أعظم".
وأشار إلى ما يقال من "أن العائدين يعودون من دمشق، وأنهم يغادرون دمشق موسويين (انتفاضة) ويصلون إلى بيروت عرفاتيين، وأن أموالاً طائلة تنفق عليهم وفي سبيلهم، وأن أعدادهم تعزز في لبنان بأعداد من المرتزقة لبنانيين وغير لبنانيين، يدفع للواحد منهم 500 دولار أميركي في الشهر". وقال: إن العودة التي صمم ويصمم لها ياسر عرفات إلى لبنان وإلى بيروت تحديدًا، ليست عودة انتقامية من إسرائيل. فإن الفلسطينيين أوسع حيلة من أن يكون تصميمهم الانتقام من إسرائيل في حالهم الحاضرة. إن هي إلا للانتقام من اللبنانيين أنفسهم، وبخاصة أولئك اللبنانيين الذين كانوا قد باعوا انفسهم للفلسطينيين ثم عادوا فاسترجعوا أنفسهم منهم". ورأى أن على الحكم اللبناني مراقبة العائدين في مخيماتهم، واعتبر أنه "لم يعد من الصعب منعهم من الوصول إليها أو على الأقل منعهم من المكوث فيها".
وحذر من "إهمال هذه العودة ومن نتائجها الوخيمة".
شبه حنين التطورات الحاصلة في المناطق الشرقية بالتحركات التي كانت تفضي إلى العاميات، كما عامية لحفد، أو إلى المؤتمرات كما مؤتمر السمقانية، فتجيء كانها "من عفوية الشعب كلما كان يلمح خطرًا يتهدد شيئًا من مقدساته أو مظهرًا يمس شأنًا من الشؤون العالقة في شفاف نفسه".
تحدث عن التطورات في الشرقية وعن اللقاء المسيحي الذي "استؤذن رئيس الجمهورية أن يحصل في القصر برئاسته" وقال: "هؤلاء الذين اجتمعوا الأربعاء في 13 آذار 1985، في قصر الرئاسة، كان حافزهم ذاك الراقد في أعماق نفوسهم الذي كان يحفز أجدادهم الذين كان يشبه لهم أن شرًا يحوم في أجواء لبنان، أو شيئًا استثنائيًا يلوح في أفقهم.
لم يكن ضروريًا أن يكون الشر المثير للخوف قد تكون ليحصل، ولا كان ضروريًا أن يكون الشر المتحسب له محتومًا عليه أن يحصل، بل كان يصير الاكتفاء بأن ذاك الشر الذي منه التخوف، ومن اجله التحسب كان حقيقة لا وهمًا، وكان ممكن الحدوث لا ممتنعه... وكان يكفي أن تلم به شرارة ليشتعل.
إن ما هتف بالقوم أن يتحركوا عاملان: الحرص على وحدة البندقية واجتناب إراقة الدم. لأن الدم الذي كان يمكن أن يراق دمنا، والبندقية التي كان يمكن أن تنقسم اثنتين بندقيتنا، فالدم الذي نختزن في أعراقنا للشأن الجلل، نختزنه، والبندقية التي يهمنا أن تبقى واحدة، او تبقى ألفًا في واحدة هي البندقية التي تعد لمواجهة الأعداء.
المجتمعون في قصر الرئاسة، كان همهم ألا يعادي رفاق السلاح اليوم، اصدقاء كانوا لهم البارحة رفاقًا للسلاح. لأن الحاجة إلى السلاح لم تنته، بعد، ولا الحاجة إلى الترافق في حمله. وكان همهم، وقد يكون همهم الأكبر، أن تبقى الدولة الدولة القادرة، والشرعية الشرعية الواقية، فلا تضعف الدولة ولا تهون الشرعية، لأن للدولة مهامها وللشرعية دورًا فلا انتهت المهام بعد، ولا الدور فرغ منه.
راجع "النهار" 29/3/1985 صـ3.
قال حنين: "كنت دائمًا أؤمن وما زال إيماني يزداد يومًا بعد يوم، أن لبنان سينقذ نفسه بقوة مباشرة من الله الذي تعود أن يتدخل في إنقاذه أو بوحي منه ينزل على أحد أبناء لبنان فيضعه في الطريق التي تنقذ أو يضع في روحه الشعلة التي تنقذ".
وقال "إن لله طرائق لا تعد ولا تحصى للوصول إلى تحقيق إرادته، ومن طرائقه: أن يقول للدنيا كوني، فتكون، أو يفجر من الصخر ماء فيروي به الصحراء، ويجهد الماء أرضًا يباسًا فيعبر عليها جنده، أو يضرب أعداء شعبه الراغب في إنقاذه بسيفه الذي لا يفل.
"ومن طرائقه، أن ينزل، هو نفسه من السماء، فيتجسد إنسانًا، ويحيا حياة إنسانه، ويشفى معه، ويتعذب عذابه، ومن أجله يموت مصلوبًا على خشبة كما القتلة واللصوص.
ومن طرائقه، وهي الأكثر شيوعًا: أن يرسل إلى شعبه واحدصا من الأنبياء والقديسين يقع عليه اختياره، أن يلهم أحد أبناء هذا الشعب سلوك الطريق الموصل، أو التلفظ بالكلمة المهدية.
إن الله لا يزال إلى اليوم، وقد يكون اليوم أكثر من كل يوم سابق، مستعدًا أن يتجلى بواحدة من هذه الطرائق أو بغيرها التي لا تعد ولا تحصى.
لكننا اليوم لا نطلب منه الخوارق. فإنقاذ لبنان، هذا العمل الجلل، يحدث إن شاء الله بإيماءة منه، بكلمة يقولها، بنور من عنده، فيكمل كل شيء. فلقد بات لبنان في حال تستدعي تدخله. وهو وعد أن يتدخل: أليست تدخلاته السابقة جميعًا وعدًا منه قاطعًا بالتدخل كلما أوجبت المال وحمت الآمال؟ فإن لبنان منتشر تحت كل سماء، ومن اللبنانيين، المقيمين والمنتشرين، من مشوا في ظلها، وكانوا أن يدركوا تخومها. فمن اللبنانيين من شارك السماء في نعمها، فكتب وألف في الفنون، وفي العلوم والآداب. ومن اللبنانيين من قادتهم السماء إلى أن يتسلم قيادة الجيوش، أن يعهد إليه قي شؤون العدل في كثير من الأمم، أن يرئس الجمعية العمومية في منظمة الأمم المتحدة، أن يشارك عظماء السياسة في مجلس الأمن الدولي، أن يرئس مؤسسات دولية فيجعل رغيف الناس بين يديه، أن يتولى في كثير من الأمم إدارة المصارف المركزية فتلقى إليه مفاتيح بيوت المال، أن يرئس مؤسسات ومنشآت مالية عالمية.
ومن اللبنانيين من أطلقتهم السماء في العالم كما الشعاع فدخلوا سرايات الحكم ومنازل الحكام في عواصم الدنيا، فيقيمون وأقاموا مع أربابها علاقات تصبح هي المتحكمة بالمصائر. ومنهم من يعمل بتفوق في حقول النشاطات المختلفة. ومن هؤلاء اللبنانيين جميعًا ينتظر اللبنانيون أن يدل الله أحدهم إلى طريق الخلاص وكثيرًا ما يكون المخلص أكثر القوم تواضعًا... وفي بعض الحالات أقلهم مقامًا كما القديسون".
وخلص "إيماني بالله الذي عبرت عنه بكليتي، وإليه أستند بكل إنسانيتي ومسيحيتي، وتقواي. يجب ألا ينظر إليه السطحيون على أنه دواء لليأس. بالعكس، هو قوة على قوة، به يعزز ما في النفس، وبه يقوى الاقتناع. وتقوى الإرادة الفاعلة. وبه يستعان في كل حين، وإنني بمقدار ما أنا مؤمن بخلاص لبنان الحاضر أبدًا أجدني مؤمنًا بالمخلص الذي يخلص لبنان الحاضر أبدًا. فكيف إذا كان المخلص موجودًا؟ وهو آخذ بزمام الإنقاذ بكلتي يديه كما هو مستعد ليأخذ بكل رأي تتراءى له فيه الخبرة والمعرفة والحكمة؟
ولن يستطيع أحد أن يؤكد أن تدخل الله أم يحصل يومًا إلا في الحالات اليائسة. بل كان تدخل الله يحصل في اللحظة التي كان يرى، سبحانه، أن من الخير أن يحصل في وقت معين، وعن طريقة معينة، فتسلم العناية من الشكوك، ويسلم الإنسان من الحيرة".
راجع "النهار": 12/4/1985 صـ3.
قال حنين "المؤتمر الإسلامي – المسيحي ينعقد بعد أن ينجح المسلمون في عقد مؤتمرهم، ويبلغوا فيه المواقف التي وقفها المسيحيون في مؤتمرهم، وإذ ذاك يصب المؤتمر المسلم والمؤتمر المسيحي في الخانة التي يطلع منها المؤتمر الإسلامي – المسيحي الذي كثر الكلام عليه وبعد لقائه، وهو المؤتمر الذي بات لزامًا أن يكون، لأن منه متوقع أن ينبثق الفجر الجديد.
وما الذي يعوق انعقاد المؤتمر المسيحي – الإسلامي؟ لا شيء! ما دمنا متشبثين ببقاء أرضنا كاملة غير منقوصة أو مقسمة، وبالعيش المشترك بيننا وجميعًا عليها، وما دام اقتناعنا أن لا أرض لنا سواها تستطيع أن تؤمن لنا الهناء، وما دامت على هذه الأرض مدارس أبنائنا وملاعبهم والحلاوات التي نعشق ويعشقون، وما دامت في قلب هذه الأرض مقابر أجدادنا وأبائنا وإخواننا واولادنا. ولا أعز من هذه المقامات مقام، وما دام قد ثبت لنا أن من الصفاء سعادة وازدهار، ومن العكرة تعاسة ودمار، وما دمنا مصرين على الحفاظ على تراثنا وتقاليدنا وعاداتنا وابتهاج العيش الذي وقع عليه اختيارنا.
يبقى أن يصير واضحًا في نفوسنا جميعًا، أن الحقوق المهضومة لا تستعاد من حقوق الآخرين، وأن المواطن لا يصل إلى حقه كاملاً إذا تمتع الوطن بكامل حقوقه، وأن العمل لمكاسب حزبية، فئوية، طائفية، شخصية وإن أدركت، فهي تفقر، لأنها تدرك من ثروة الوطن، لأنها تدرك من ثروة الوطن، فتنتقص لتدخل في مقتنيات الأفراد، فلا تزيد مقتنياتهم.
يكفي أن يتبصر العقال والمفكرون والمخلصون بهذه الحقائق البديهية، وأن يعلنوا ما توصلوا إليه ليستقيم ميزان القوم، وليكون أخاء ومساواة وعدل، فيبقى لبنان.
وبعد، فاللقاات، بل المؤتمرات إذا ترجمت الأقوال التي ترد فيها والبيانات التي تصدر عنها أفعالاً وتحركًا ناشطًا في اتجاه الحل، هذه اللقاءات والمؤتمرات تفرض نفسها أن تكون معبرًا إلى الخلاص. وهل من معبر، إذا ما طرح السلاح جانبًا، غير هذا المعبر! وهل من شرف لقوم فوق هذا الشرف!
وفي الختام، قرأت في "النهار" أنه انقضت عشر سنين على مقاطعتي الصرح البطريركي، فهالني ما قرأت! وما كنت أدري أن عشرًا من سنوات العمر تمر بمثل هذه العجلة. وكم من عشر سنين منتجة في عمر الإنسان! فعزمت، في الحال على أن أكف عن المقاطعة التي هي تعبير. ولا أقسى عن الاستياء. ثم لماذا المقاطعة؟ وقد عدت أرى الصرح الذي قاطعت ما زال قادرًا على عظائم الأمور، وهذا واحد منها".
النهار: 2/8/1985 صـ 4.
اهتمام البابا يؤكد حياة المسيحيين
حنين: اللبنانيون الماونرة خير من يولى النظارة على لبنان.
أكد حنين أن لبنان لا يبقى إلا إذا بقي في عهدة الموارنة مشيدًا بجهود البابا يوحنا بولس الثاني لإنهاء ازمة لبنان وقال:
"في الاجواء السائدة ما ينقض ما كان في الممارسات السابقة. ففي الممارسات (وقد امتنع اللبنانيون أن يجعلوا في دستورهم ما قبلوا أن يكون في ممارساتهم). إن رئاسة الجمهورية تسند إلى الموارنة ورئاسة المجلس النيابي إلى الشيعة ورئاسة الحكومة إلى السنة وفي الاجواء ما يحمل على الظن أن أعمالاً تعمل من اجل نقل رئاسة الجمهورية من الموارنة إلى غيرهم ورئاسة المجلس النيابي من الشيعة إلى غيرهم ونقل رئاسة الحكومة من السنة إلى غيرهم قد تكون في ذلك حكمة وقد لا تكون. غير أن النقل المحكى عنه تحت وابل الرصاص المنهمر في كل جانب وفي كل مكان ما يجعل هذا النقل في غير زمانه وفي غير مكانه. لأن كل تغيير في الممارسات التي باتت لها قوة الدستور يحمل على الاعتقاد أنه حصل بضغط القوة لا بقوة الاقتناع فإذًا هو لم يحدث بقوة الضرورة الوطنية ولا بحكم المصلحة العامة. هذا في العموم وفي التخصيص أقول إن رئاسة الجمهورية في لبنان بدأت مع شارل دباس وهو أورثذكسي ثم تولاها الموارنة ثم عادت وانتقلت إلى أورثذكسي وهو بترو طراد لتعود فتستقر في يد الموارنة.
"كان يمكن ان تظل رئاسة الجمهورية في يد الأورثذكس، او أن تكون في يد غيرهم من المسيحيين. كما كانت رئاسة المتصرفية في يد الأرمن، طوال عمرها غير أن الملاحظ أن الارمن والأورثذكس كان يصير اللجوء إليهم في الظروف الاستثنائية. ففي أيام المتصرفية، ويوم كانت المتصرفية والبلاد في حماية الدول السبع لم يجد المسؤولون غضاضة في ان تكون رئاسة المتصرفية في دي ارمنية. وفي أيام الانتداب، يوم كانت الجمهورية والبلاد في حماية الحراب المنتصرة في "فردان" لم يجد المسؤولون غضاضة في إسناد رئاسة الجمهورية إلى لبناني اورثذكسي.
أما كلما كانت الأمور تعود إلى مجراها، وكلما كان الحكم يسند إلى واحد من أبناءا لبلاد منقطعًا عن أية حماية، كان يرى المسؤولون أن لا بد من إسناد الحكم إلى يد تستطيع أن تحميه، فكان لا بد من إسناده إلى يد مارونية.
أمراء لبنان، عهد الإمارتين المعنية والشهابية، ألم يروا اعتناق المارونية من أجل أن يهدأ الحكم بين أيديهم؟ نقول هذا لا تبجحًا، ولا اعتزازًا، بل نقوله تعبيرًا عن إخلاص للبنان وللبنانيين الذين يريدون الاستقرار للبنانهم. ونقوله تعبيرًا عن إخلاصنا للقضية المسيحية في الشرق الأوسط.
"لبنان لا يبقى (يقول المؤرخون والمراقبون المطلعون على أعماق القضية اللبنانية والقضية المشرقية إلا إذا بقي في عهدة الموارنة ...
... أما اللبنانيون فإن اقتلعوا من لبنان فيكونون قد اقتلعوا من الأرض، إذ لا مكان لهم سواه على رحابها. لذا يرى المسيحيون اللبنانيون أن الموارنة هم خير من يولى النظارة على لبنان".
وأعلن أن العلاقة بين الفاتيكان ولبنان "عمرها عمر المارونية ومتانتها متانة الصخور". ولم يستغرب اهتمام الكرسي الرسولي على يد ثلاثة بابوات في السنين العشر الأخيرة باللبنانيين وبوطنهم.
وأشاد بجهود الكاردينال ألبر دوركورتريه والكاردينال روجيه اتشيغاراي، ورأى في هذا الاهتمام تأكيدًا للبابا يوحنا بولس الثاني "أن لا داعي إلى تخوف المسيحيين في لبنان على أمنهم وحياتهم ومستقبلهم".
ان جميع دول العالم شرقية وغربية سوريا من هنا وروسيا من هناك، تريد للبنان الاستقلال والاستقرار والحرية والسيادة على جميع أرضه، حرية في اخذ جميع المبادرات وحرية في تقرير المصير. لم نلق دولة واحدة كانت بالفعل الى جانب تعهدها أمام العالم أحيانا وأحيانا أمامنا فقط لم نر دولة واحدة أمام تعهدها اتجاه العالم بأن تسعف لبنان في الوصول الى سيادته وحريته واستقلاله.
هناك بادرتان اثنتان في هذه السنوات الثماني، ظهرتا في طريق المساعدة والعون المبادرة الفرنسية أيام الرئيس الفرنسي جيسكار ديستان الذي عرضها وهو في واشنطن، فأعلن انه قادر على الاخذ بارادة بمساعدته وعونه، وانه عامل وحكومته في هذا السبيل، في الساعة نفسها "دي غرينغو" الشعب اللبناني مستغنيا عن طلب حكامه وزير الخارجية في باريس تحفظ حيال هذا القول. وما ان عاد الرئيس جيسكار ديستان الى باريس حتى مشى في مخطط وزير خارجيته وانقلب على ما كان قد وعد به وأعلنه في واشنطن وتبخرت المبادرة الفرنسية كالحلم الجديد.
والمبادرة الثانية هي هذه التي نعيش، هي هذه التي بصددها وزير خارجيتنا ادلى ببيان هنا غير هذا البيان وقد سبق له ان ادلى بتصريحات في مقاماث عدة، دولية وداخلية، هذه التصريحات التي حملت الى الشعب اللبناني وانا واحد منه حملت التوهم والاقتناع بأن الولايات المتحدة الاميركية آخذة بيدنا للوصول ببلادنا، بشرعية حكمنا الى ما يؤمن للبنان حريته وسيادته واستقلاله.
بعد الرحلة الاخيرة التي كنا نتأمل منها خيرا عميما خاصة انها احتوت جميع المسؤولين في السلطة التنفيذية الاجرائية، هذه الرحلة عاد اصحابها في شيء لا اقول خيبة، بل بشيء من الفتور لمن تابع البادرة من شحوب وهزال، فوزير الخارجية الآن اراد ان يجعل مما ليس انتصارا انتصارات، ومما ليس نجاح نجاحا. هذه المبادرة الاميركية التي نحن في شوطها الاخير مع المبعوث الاميركي الجديد. فاذا لم يحقق هذا المبعوث الجديد الآمال المعلقة منا على اميركا والوعود التي كانت مقطوعة لنا من المسؤولين الكبار والثانويين بأن يكونوا جميعا حكومة وشعبا مع المسألة اللبنانية الى ان تحل، اذا لم يتوصل الى نتيجة نطمح اليها ونتوخاها، فلا يبقى يا دولة رئيس الحكومة ويا معالي وزير الخارجية سوى ان نفكر جديا ببديل وهذا البديل هو مؤتمر دولي يعقد في اي مكان من العالم في بيروت، في واشنطن، في نيويورك يضم اميركا، الاتحاد السوفياتي والدول الاعضاء الخمس الدائمين في مجلس الامن وممثل عن الجامعة العربية. وكلنا نعرف ان هذا المؤتمر سيعيد القضية الى بدايتها، سنعود نمشي طريق الجلجلة من جديد، وقد يكون الى عشر سنين ولكن في نتيجة الامر مكتوب لنا ان نصل الى غاية الطريق.
اذا اخذنا هذا البديل وليس لنا بديل مجد سواه يكون من المؤمل لنا ان نصل ولو بعد سنوات طويلة الى ما نحن بعدما انقضى علينا ثمان سنوات في انتظاره.
دولة الرئيس،
ما من لبناني الا ويجد نفسه معكم في الاهداف، معكم في بلوغ هذه الاهداف، معكم في مصاعب الطريق، هذه هي قوتكم، انكم اقوياء بنا، وهذه هي قوتنا.
اننا اقوياء بكم فلا تدعونا نضعف ونقسم ان لا ندعكم تضعفون، كان الله في عوننا اجمعين.
بقي امر آخر لا بد ان أبدي رأي فيه، واعتقد انه رأي الاكثرية العظمى من اللبنانيين، وهذا الامر يتعلق بعلاقات لبنان الدولية، في الحاضر وفي المستقبل. ان لبنان عضو في جمعية الامم المتحدة. وله طبعا صداقات دولية عديدة، وهذا ما يوحي بعض الطمأنينة. لكن الاهم هو ان لبنان السيد المستقل الحريص كل الحرص على استمرار حرياته الكاملة السياسية والاقتصادية والمالية.
اخطر ما يواجهه وطن من الاوطان، هو ان يصبح في نظر اهله منطقة من المناطق،
اخطر ما يواجهه شعب من الشعوب، هو ان يصبح في علاقات ابنائه تجمعا من التجمعات،
اخطر ما يواجهه دين من الاديان، هو ان يصبح في ايمان اتباعه طائفة من الطوائف،
اخطر ما تبلغه حرب من الحروب، هو ان تصبح في ممارسة اطرافها حربا مستديمة بلا وعد،
تأملاً بسيطاً يكفي لان ندرك حقيقة هذه الاخطار، انما هي اهداف ثابتة لعدو واحد،
ان استمرار المجلس النيابي رغم كل المصاعب والمحاولات الرامية الى شله وتعطيله، من كل صوب، يكفيان للتدليل على ان لبنان، لبنان المؤسسات الواحدة، لبنان الشعب الواحد، لبنان الارض الواحدة، امر ممكن، امر مطلوب، حقيقة تاريخية، وليس خطأ جغرافيا يعاد رسمه كل حين.
لا ينبغي ان ننخدع بدعاوى الواقعية المزيفة، التي تريد ان تجعل من انقسامنا، الحالة الطبيعية المناسبة لوجودنا،
ان ما يدعو الى التفاؤل، هو ان اوهام الامن الذاتي، والمناطق المقفلة، قد تبددت وظهر انها ليست سوى سجن كبير، وان الحرية لن تكون الا لجميع اللبنانيين، ولن يحفظها الا نظام دولة، لن تكون الا دولة جميع اللبنانيين.
ان الارادة الوطنية، لا بد ان تتغلب وتظهر على غيرها من الارادات. دورنا ان نستجيب لما تنطوي عليه الارادة الوطنية، من اتجاه توحيدي يجابه خطر الزوال اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا.
دورنا ان نستجيب للارادة الوطنية بما هي ارادة انتقال من حالة التمرد والفوضى، الى حالة الحرية والنظام. من حالة الخوف، الى حالة الشعور بالامان، من الانقسام والانغلاق وحكم الميليشيات، الى الوحدة والانفتاح وسيادة القانون، من الحرمان والتهجير والتشريد، الى الاستقرار والعمل المنتج والعيش الكريم، من التسلط والفساد وتوزيع الحصص، الى الحكم والادارة والتكافل والتضامن، من الخراب والدمار، الى الانماء والاعمار.
ان نوع الرؤية، يحدد نوع الحل.
فبالرؤية الوطنية، نرى الحل الوطني.
وبالرؤية الفئوية، نعمى عن أي حل الا الحل الفئوي.
لقد قادتنا الرؤية الفئوية الى ما نراه من خراب ودمار، ولا يمكن لاي لبناني مخلص، الا ان يستفيد من دروس هذه الحرب التي دفع ثمنها غاليا. ولا يمكن لاي لبناني مخلص، الا ان يقران الطائفية، التي يأبى ان يكون موصوفا بها لكونها افقارا للروح، والغاء للمواطن، وانغلاقا على التمدن، ومصدر استغلال داخلي وخارجي، واساس تمييز وتناحر دائم، ودروس تجاربهم، وحاجات بقائهم، ما دامت هذه الطائفية اساسا يبنى عليه.
فلا بد من اجل ذلك من اعتبارها حدا سلبيا، يتلاشى، كلما تقدم اللبنانيون في طريق العدل والاعتدال.
فلا بد من اجل ذلك من ان يرتسم ذلك على الطريق في مجال الدولة وعبر المؤسسات الشرعية، فلا نحكم مسبقا على نمو كل تيار وطني غير طائفي بأن يكون تيار رفض وحركة هدم للمؤسسات.
فلا بد من اجل ذلك من ان يكون الافق مفتوحا بدون ان نتجاهل الحاضر او ان نجعله مغايرا لكل مستقبل.
فلا بد من اجل ذلك من الانفتاح حقا على بناء الارادة الوطنية وعلى ممارسة الحياة الوطنية، في اطار دولة مدنية تستجيب، في عملها ومؤسساتها المتكاملة، لحدود الحاضر ومدى المستقبل.
فلا بد من اجل ذلك من تأمين السلطة القادرة وتأمين مسارها الوطني وشرعيتها الوطنية من خلال المؤسسات، لا ان نجعل الادارة حصصا، والسلطة المركزية قناعا لسلطات وسلطات.
ان أي لبناني مخلص، يدرك انه لن يجدينا شيئا ان نصطنع الفصل بين ما هو وطني واجتماعي وروحي، باسم حداثة امست شكل زيف وتجربة غربة.
ان أي لبناني مخلص، يدرك انه لن يجدينا شيئا ان نسخر الدين الدولة مجددا، باسم دولة دينية، لا بد ان تكون طائفية بحكم الواقع، يخضع الدين فيها لاحكام القوة الواقعية.
ان أي لبناني مخلص، يدرك ان الشكل المناسب لحياتنا الوطنية، هو في دولة تتجاوب مع حقيقة انتماءات اللبنانيين الروحية، فلا تعتبر المواطن مجرد كائن اجتماعي، منتج او مستهلك، قاهر او مقهور، بل وجودا روحيا اصيلا، توفر له شروط التفتح بلا تمييز او اكراه.
دولة تحفظ الجماعات والافراد وتوفر لهم شروط العيش الحر الكريم.
دولة تعمل على تحقيق ارادة اللبنانيين في الانفتاح والتقدم في مجرى المصير العربي.
دولة مدنية، لا تقوم على التعصب القومي، بل بالهوية العربية التي لا تميز بين عرق وعرق، او دين ودين.
ان التطرف من كل جهة هو الذي يؤدي الى هذه النتائج المريرة التي اودت بكل مجالات العمل والحياة في بلدنا الى الدمار والى الانهيار.
فالى متى سيظلون على هذا النحو يعملون هدما وتدميرا في هذا المجتمع وفي هذا الشعب؟ ولم نستطع امام كل هذا ان نردع اولئك او ان نضع حدا لهذا الواقع الذي يتفاقم يوما بعد يوم. حتى بلغت الامور الخطوط الحمر التي يجب ان ننبه اليها، ان الدولة والمؤسسات، الخزينة والاقتصاد والانسان في لبنان لم يعد في استطاعته ان يتحمل اكثر مما تحمل. ونحن عندما نجد من يقوم بمحاولات صادقة من اجل لجم التطرف وجمع المتناقضات، من اجل ان يكون التوفيق والوفاق نتيجة هذه المساعي الاخوية الخيرة يجب الا يكون هذا مبعثا للقلق او للشك لانه عندما تكون للتطرف نهاية تكون نهاية هذه الازمة المحنة. ولا اخال احدا فينا الا ويتمنى ان نصل وبأسرع وقت الى ما يضع حدا نهائيا لما يتخبط فيه لبنان.
الظاهرة الإيجابية تكمن في بروز قوة شعبية مستقلة تمردت على رغبات القوى السياسية المسيطرة على مفاصل الحياة الوطنية، والظاهرة السلبية تبلورت في تسلل الرشوة السياسية من الساحة النيابية والسياسية العامة إلى الساحة المحلية ما يؤكد فسادا في البيئة السياسية في لبنان على مستوى البنية القاعدية والبنية السلطوية على حد سواء.
ان منطقة الشرق الأوسط تمر في مخاض سياسي عسير تتعزز في إطاره تشكلات سياسية اجتماعية جديدة بين الكيانات السياسية القائمة في هذه المنطقة منذ بداية القرن الماضي"، مشيرا الى "ان إعادة تشكل هذا الشرق قد يؤدي إلى الاحتكاك، في الحدود القصوى، بين المكونات الاجتماعية الكبرى فيه، وإلى فرز وقائع اجتماعية سياسية تعكس حقيقة التوازنات السياسية والإجتماعية المستحدثة.
إن من حق لبنان أن يساهم في رسم خريطة طريق تؤسس لسلام عادل بين جميع مكونات هذا الشرق. وهو إذ يلتزم هذه القضية كثمرة للعدالة ونتيجة لإنماء الشخص البشري والمجتمع، يعمل على توطيدها على أسس الحقيقة والمحبة والعدالة والحرية،
إن هذه الدعوة موجهة إلى كل اللبنانيين دون استثناء، وأن التضامن فيما بينهم للإسهام في بناء سلام عادل وشامل في المنطقة، يرتكز على المبادرة العربية التي انطلقت من القمة العربية في بيروت، يعيد إلى لبنان دورا ووظيفة كان قد افتقدهما يوم عزل نفسه خوفا من الاتهام بباطل وخيانة مارسهما غيره على حساب هويته، وحريته، وسيادته.
إن لبنان قادر لوحده على صياغة مشروع ثقافة سلام بين مكونات هذا الشرق نظرا لما يختزل في مساره التاريخي من تعددية وتمرس في قبول الآخر والانفتاح عليه.
لكي يتمكن لبنان من استرجاع هويته وحماية حريته، وجب على اللبنانيين، مسؤولين، قادة، وشعبا، أن يقتنعوا ضمنا أنهم شعب بلغ فعلا سن الرشد الوطني، وأن يضعوا في سلم أولوياتهم العمل على استرجاع سيادة الدولة كاملة على تراب الوطن. إن استرجاع السيادة يتطلب حلا جذريا ونهائيا لوجود السلاح الفلسطيني داخل وخارج المخيمات، خصوصا بعدما تعطل دوره في الدفاع عن فلسطين وشعبها وساهم بتحويل المخيمات ملجأ لجماعات مشبوهة تعمل على زعزعة الأمن والاستقرار داخل المجتمع الفلسطيني نفسه، وفي لبنان والعالم. إن استكمال السيادة يتطلب أيضا وحدة القرار الأمني على كامل تراب الوطن، كما يتطلب وجود سياسيين أحرارا وأسيادا، ومسؤولين مؤمنين بحق اللبنانيين بإدارة شؤون بلدهم بعيدا عن أية وصاية أو ذمية سياسية تعودنا على مشاهدتها عقودا من الزمن.
نوجه الدعوة الى انتفاضة عقلانية على المستوى اللبناني، مؤسسة على تساؤلات وجودية سبق ان طرحها اللقاء وتشكل عنوانا لمرحلة جديدة في اطار مساره السياسي.
عندما تصطدم قوى الحديد والنار وصفيح الدبابات بلحوم البشر، فان الذي ينتصر هي الروح التي تغلفها تلك اللحوم. روح البطولة والاستشهاد، بل ارواح اؤلئك المقاومون الابطال الذين يصدون العدو لتحرير لبنان من الاحتلال.
نريد ان نعرف لماذا التأخير في البت بقضية المخطوفين الإنسانية، فاذا كان هناك اناس يتعذبون حيث هم مخطوفون، فان هناك اهالي ايضا لا يقلون عنهم عذابا في تحمل اختفاء ابنائهم وذويهم.
مما لا شك فيه ان لقضية المخطوفين أهمية قصوى، نظرا لان هذه القضية لا تزال تتفاعل يوميا، خاصة وان هناك من يخطف ونجهل مصيره حتى اليوم.
لقد آن الاوان ان تتخذ حكومة ما يسمى بحكومة الوحدة الوطنية ان تتخذ قرارا لملاحقة الخاطفين وليس ان تتخذ قرارا بالافراج عن مخطوفين،
فلنقر واقعة حقيقية، ذلك ان المواطن اللبناني بلغ بنتيجة التدهور الامني ، بلغ حد طلب لقمة العيش الكريمة فقط، طلب الامن على حياته كي لا يسرق ويقتل، لكي يتمكن من العيش الكريم. اني اسأل بهذه المناسبة ما هي التدابير التي لجأت اليها الحكومة حتى الآن لمعالجة هذا التدهور الدراماتيكي في امكانية تلبية الحاجات الاجتماعية للعائلات اللبنانية، فاما انكم تشجعون الناس على السرقة لتمكينهم من توفير حاجات عائلاتهم، واما ان تواجهوا هذه الازمة فتضعوا حدا لهذا التدهور وانتم قادرون في حال توحدتم وفي حال ظهرتم للرأي العام فريق عمل موحد منسجم مؤمن برسالته وبالمهمات الملقاة على عاتقه.
من صفات الشرق عامة ومنطقة العرب خاصة انها تتعاطى السياسة بالعاطفة والتعاطي بالامور السياسية وقد اصبحت حتى في البلدان المتأخرة، علما يقاس كما تقاس الارقام، ونحن منذ عشر سنوات نقيس الامور بالعاطفة، العاطفة حملتنا الى البكاء والتباكي وعند ذلك يصبح بلدنا حائط مبكى للعالم، حتى ان العالم اليوم لا يهمه ما يحدث في لبنان، ومجلس الامن عنده الخير اليقين.
لنتجرد لمرة من العاطفة ونقول رأيا عقلانيا بدءا بقضية المخطوفين، فمن خطف ولمن ومن يمثل الخاطفين ، اذا كانوا خارج الحكم، فنحن والحكومة عليهم سواء، اما وانهم داخل الحكم حماة الخاطفين وممثلوهم، فقبل ان نعاقب ونطلب تغيير أو الغاء او توقيف قانون العقوبات يا حضرة الزميل، فلنتجه الى معاقبة حماة عدم تطبيق القانون الذين هم الحامون للخاطفين.
لكن نرى ان هناك اكثرية في الحكومة لا شأن لها بالخاطفين ونريحها ان نحن اعتمدنا وقررنا ان نحاسب حماة الخاطفين، فتعالوا من باب الواقع نتفاهم والحياديين في قضية المخطوفين في الحكومة كما يراد ان يكون الامن بالتفاهم والتراضي. لا يمكن ان يكون، والحكم على ما هو عليه اليوم الا وان يكون الامن بالتراضي والتوافق بين اعضاء الحكومة. ومشكلة المخطوفين هي جزء من كل في الوضع العام لهذا البلد.
المناخ العام الذي يحيط بالمسار الوطني والسياسي في لبنان، يتطلب من كل مسؤول في اي موقع كان، ان يعتمد المبدأ المذهبي في تعامله مع الاحداث في لبنان، الذي يقوم على الدفاع عن كل مستضعف طاولته الاذية وأثخنته جراح، خلفها ضغط او اكراه ناجم عن استعمال قوة السلاح ام سلاح الاستقواء.
المرحلة الحالية التي نعيشها اليوم، تتصف بضبابية سياسية مطبقة، ولو تشكلت ستبقى مسرحا للكباش السياسي في ظل توازن رعب اقليمي ودولي قد يؤدي الى زعزعة الاستقرار في الداخل ضمن مشروع يطاول منطقة الشرق الاوسط بكاملها.
اية حكومة تولد من رحم هذا المناخ الطائفي والمذهبي ستكون قاتلة للامال ولن تستطيع حل هذه الاشكاليات، لارتباط المتنفذين على المستوى السياسي اللبناني بعواصم القرار الاقليمية والدولية ولانصياعهم لاملاءات القناصل وثقافتهم من جهة، ولغرائزهم السلطوية الالغائية القاتلة من جهة اخرى.
يبدو لبنان اليوم منقسما حكما الى فئتين متنازعتين: فئة متسلحة بشرعية دستورية صورية، خاوية من أي مضمون، تحكم بدستور الامر الواقع، وفئة متسلحة بمشروعية الامر الواقع، تفتقر سلطتها الى غطاء داخلي وعربي أو دولي جامع، وفي هذا الاطار يتضح للعيان ان هاتين الفئتين باتتا عاجزتين عن الحكم، كما عن المعارضة بالوسائل الديموقراطية الحقة، وعاجزتين كذلك عن إخراج البلد من المأزق الذي أوصلتاه اليه اليوم، بقصد أم بغير قصد، نتيجة انسياق معظم القوى السياسية في سياسة المحاور الاقليمية التي ترسخت في منطقة الشرق الاوسط.
هذا الواقع الاليم يفرض على القوى السياسية المتنازعة الاقرار بعجز كل منها منفردة عن حكم البلد، بل عن التحكم فيه، وضرورة التخلي فورا عن منطق الاستئثار ولغة القتال، وعن التصعيد الاعلامي، والانتقال العاجل عبر مؤتمر وطني عام، يعقد برعاية عربية ودولية، الى حوار معمق وهادىء بمشاركة جميع القوى السياسية وهيئات المجتمع المدني، يستهدف الاتفاق على عقد وطني جديد يضفي على الشرعية الدستورية مضمونا تمثيليا، بحيث تنطلق البلاد مجددا في حياة عامة ذات مرتكزات دستورية راسخة ومواثيق حكم قابلة للاستمرار والديمومة، حوار يعيد الحياة الى الميثاق الوطني الذي أرسى التسوية التاريخية الفريدة التي يجسدها لبنان، والتي يكمن جوهرها في الاعتراف بالآخر بكل خصوصياته، وفي قبول شراكة الحياة معه بندية في هذه البقعة المتميزة من العالم.
بالنسبة الى التهميش المسيحي فانه عندما "أقرت تسوية الطائف اعتقد واضعوها أن مجلس الوزراء الذي صار بموجبها إدارة جماعية ديموقراطية توافقية" ستحقق المساواة وتزيل الهواجس وتأخذ بيد اللبنانيين نحو الوفاق المنشود، ولكن الادارة الجماعية الديموقراطية التوافقية في دولة مركزية، بالاضافة الى سوء تطبيق الطائف وما شاب هذا الاتفاق في الاساس من ثغرات مهمة جدا أثرت سلبا على فصل السلطات وتوازنها ودفعت بالدولة المركزية الى العجز وإيصال شعبها الى ما وصلت اليه من تمزق.
قول مأثور معلوم يردده العالم، ونحن في لبنان اكثر ما نردد هذا القول.
في البدء كانت الكلمة، والكلمة هي الفعل الذي بواسطته خاطب الخالق المخلوق، ومنها تجسدت الكلمة في الكتب السماوية. فالكلمة اذا، وهي بدء الكون، وقيد في الكتب السماوية، تأتي في قدسيتها كأعلى ما خلق الله، ومنها على الانسان المخلوق ان يضبط مفهوم الكلمة بقدر ما يستطيع، وبقدر ما يضبط مفهوم الكلمة، بقدر ما يتقرب من الله عز وجل.
ونحن في لبنان عندنا انجيل وقرآن، فكيف فهمنا الكلمة المجسدة فيهما؟ فوالله، بعد البحث والتدقيق والواقع، ترى ان اكثرنا عطل احكام الانجيل، وعطل احكام القرآن، وجعل الخطف والقتل والسجن وسيلة للتقرب الى الله.. فوالله ان الله براء منا. فأخشى ان يكون براء منذ مجموعنا جميعا. اذا كانت هذه حالنا في الانجيل والقرآن، فما هي حالنا امام الدستور الذي هو يجسد قول الشرف عند الدول لتنضبط وتتقيد فيه.
يقول "دوغيه" في مجلده الرابع "العلم الدستوري": "الدستور لا يقيده في مفاهيمه سوى حسن نية وشرف وامانة من يطبق الدستور".
فاذا ما رجعنا الى ضمائرنا، هل اننا منذ سلمنا الاستقلال سنة 1943، حافظنا على كلمة الدستور؟ فمن الخير أن نحدد ما هو مفهوم الدستور؟ العالم كله يعلم مفهوم الدستور. ما كتب وما تم التعارف عليه، وما استمر عليه الاجتهاد. لا يمكن لدساتير العالم ان تفصل جميع الاحكام. اما وان الحالة على ما هي عليه في لبنان، وما تم التعارف عليه في تفسير الدستور، فأرى انه لا بد من الانطلاق من مبدأ واضح، ان يتم تعديل الدستور لا تغيير الدستور، على ان تضاف حرفية الاعراف الدستورية وما امكن ضم حرفية ما تم واستمر عليه الاجتهاد الدستوري في العالم. اذا ما اردنا ان نستعرض دساتير العالم المجسدة في انظمة العالم، نرى ان هناك النظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني، وهناك النظام الملكي الجمهوري البرلماني، وهناك الانظمة التوتاليرية، وهناك الانظمة الرئاسية، والانظمة الشبه الرئاسية في الجمهورية الخامسة. وليس ثمة انظمة غير ما ذكرت. وباجماع فقهاء الدساتير في العالم، يقولون: "ان دستور الجمهورية الثالثة الفرنسية الذي استقى دستورنا منه اكثر احكامه، ان لم يكن كلها هو على سوءه افضل من جميع دساتير العالم، ومن جميع الانظمة". ولكن عجبا... نتعارف على هذا المفهوم، وترانا بأكثريتنا، ان لم يكن باجماعنا، نتعارف على ان العلة في الدستور، فنقول: الدستور كان سبب الهيمنة، فأقول ان الهيمنة اتت نتيجة عدم تطبيق الدستور بمفهومه الذي ذكرت. يقول "اسمن" الامر الوحيد الذي بامكان رئيس الجمهورية ان يفعله منفردا هو ترأس الحفلات الرسمية فقط لا غير. ويقول غيره من فقهاء الدستور، وكل من كتب دستورا وعلل دستورا: "ان رئيس الوزراء هو الذي يعطي الكلام في مجلس الوزراء، وهو الذي يقرر جدول الاعمال".
يقولون ان الهيمنة وليدة الدستور فقلت ما هي صلاحيات رئيس الجمهورية؟ في العرف والنص والفقه، جميع قرارات رئيس الجمهورية يجب ان يوقع عليها وزير واتى الشرع واستمر على الاطلاق ان يسبق توقيع الوزير بتوقيع رئيس الوزراء او ما عبر عنه بالوزير الاول.
يقولون ان الدستور لا يؤمن المشاركة. فيا غيرة الدين، ويا قميص عثمان. الدستور ومفهومه واحكامه واعرافه تحصر جميع الصلاحيات بمن يتحمل المسؤوليات. ينتج عن ذلك ان رئيس الوزراء هو الاول في تحمل المسؤولية ويتبعه الوزراء، ورئيس الجمهورية ليس في مجلس الوزراء الا صمام امان، حكم، اذ ان الوزارة يمكن ان تكون لحزب او لاكثرية مجلسية، ومركز رئيس الجمهورية لكل الوطن ولجميع الناس، فهو يكون صمام امان ليكون محل الغائب عن مجلس الوزراء، فيوجه حتى يستقيم الحكم، لا اكثر ولا اقل. واذا ما اصر الوزراء ورئيس الوزراء على امر، عليه ان يحضر ويحتكم الى المجلس النيابي، والمجلس يحكم بينهما، فاما ان يستقيل واما ان يقال واما ان يحل المجلس فيعاد الانتخاب. ونحن نعلم في التاريخ ان الشعب كان دائما في اغلب الاحيان مع المجالس التي حلت. "وغامبيتا" مثله مع اشهر رئيس جمهورية، اول رئيس جمهورية في الجمهورية الثالثة "ماك ماهون" معروف:
واذ "بماك ماهون" خضع ومن ثم اعتزل. هكذا حكمنا ايها الزملاء. يقولون الدستور ورث الحرمان، فنقول الدستور فرض العدالة، فرض المساواة، ليس فقط بين الافراد، انما بين المناطق. فاذا بنا منذ 1943 نعهر الدستور واحكامه، فنوزع الاعتمادات دون عدالة ودون مساواة حتى ان المتنفس الوحيد اي الدستور اصبح كبش الفداء، هذا الدستور الذي لا ناقة له ولا جمل بما صنعت ايدينا وقلة مطالعاتنا وقراءاتنا. نحن قوم بأكثريتنا لا نقرأ، واذا قرأنا لا نفقه، واذا فقهنا فبغير ما فقهنا نعمل، لان رائدنا مصالحنا الشخصية لا شعورنا الوطني. وهذا كلام صادق، يجب ان نعترف به ونردده كل يوم اناء الليل والنهار.
قالوا الدستور والقوانين قسمت الجيش، فأوجدوا المادة الخامسة في قانون الدفاع، وارادوا ان يفهموا منها ان امرة الجيش تنحصر في رئاسة الدولة. فأقول ان كان هذا النص وجد عندنا بقانون، ففي فرنسا كرمى لعيون "ماك ماهون" وجد في الدستور. فأتى فورا المجلس النيابي والفقه الدستوري ليقول: هذا قول مخزي، لان رئيس الجمهورية لا يملك اطلاقا امرة الجيش، وامرة الجيش محصورة بالحكومة، برئيس الحكومة ووزير الدفاع ثم بعده بمجلس الوزراء. غابت عنا هذه المفاهيم، فاذا برؤساء الجمهورية يصنعون من الجيش جيوشا خاصة، وقد استمرينا على هذه البدعة حبا بالجيش.
قالوا ان دستورنا فيه احكام طائفية، والطائفية مقيتة. واذا ما رجعوا الى الدستور، نرى ان عدم فهم الدستور، وعدم قراءة الدستور، تسخير الدستور بعدم تطبيق الطائفية، كما فرضها الدستور، وكما يجب ان تفرض، جعلتنا نقع بهيمنة التطييف والطائفية. اذ ما معنى الطائفية في الدستور؟ يقول الدستور اذا ما قضت الحاجة عادة، الا اذا خولفت احكام منفعة الوطن. وبما ان الدستور فرض المساواة والعدالة، فنرى ولسوء الحظ ما نرى، كان بودنا ورغبتنا واصرارنا ان نستغني عن الطائفية، من هرم الدولة حتى اسفل الهرم لو كان عندنا احزاب سياسية برلمانية تحمي المواطن من هيمنة الطوائف على بعضها البعض، حتى تقيض لنا قوانين انتخابية ترتكز على اساس احزاب سياسية، فلا بد الا ان نطبق الطائفية في الدولة، ليس فقط في وظائف الفئة الاولى، انا اقول في جميع الوظائف من ذروة الهرم حتى اسفله، ولكن على ان تؤمن العدالة وان تكون المناصب مداورة كما اقرت في عهد فخامة الرئيس سليمان فرنجية، وعندها نرى ان كل من ينادي اليوم بالغاء الطائفية، سيتبنى الطائفية لانها تحفظ استمرارية الوطن مؤقتا وعلى مضض، ريثما تهيء لنا قوانين انتخابية صحيحة.
والبدعة الكبرى حين نقول: الدستور، اياكم ان يمس الدستور، ونرى بعض الامور، فنقول عنها انها امور صغيرة لا تستأهل والضرورة لها احكام فنصوت على الموازنة بمادة وحيدة خلافا لنص صريح واضح. ثم في قانون الموازنة، العلم المالي ومفاهيم الدستور الديمقراطية لا تجيز وضع اي مادة تخرج عن نطاق احكام تنفيذ الموازنة. ماذا يتم؟ نهرب القوانين عن طريق لجنة المال والموازنة من امام مجلس النواب بالذات فنحرمه، ان صوتنا على الموازنة بمادة وحيدة نحرمه حق مناقشة هذه القوانين والتوقف عندها، فعلتنا يا سادة... لا من المؤامرات الخارجية، علتنا بأنفسنا، نحن استأهلنا الحالة التي وصلنا اليها؟ فاذا اردتم يا دولة الرئيس والكلام لك ولدولة رئيس المجلس النيابي ان تتداركوا الامر ولو في آخر الطريق فتعمدوا الى فرض عقد لجان دائمة للتباحث في امر توقيع وتعديل وانشاء دستور مستقى من احكام الدستور الحالية فتستقيم الامور ويعرض على الحكومة، فان قبلت به، كان بها والا وجب علينا ان نحجب الثقة، والا وصلنا الى ما لا نريد ولا نشتهي، لاننا بالفعل لا نستأهل الديمقراطية، ولا نستحق وطنا وحذار ان يكون في هذه الايام بالذات في ايام المحن ان نعمل على تسهيل ما سموه بالمؤامرة والتي نحن بدأنا بتسهيل دخولها من ابوابنا وافواهنا وعقولنا، فبيدنا تشاريع في اساسها ومفهومها، واحكام، هي لؤلؤة الاحكام الديمقراطية في العالم ثم حذار ان نصل الى الندامة فنضيع ونضيع الوطن ولا نستأهله وشكرا.
سمعنا نداء نواب زحله والبقاع الموجه الى المسؤولين، لا من اجل مواسم تبور، بل من اجل ارض تدنس وشعب يهجر. ونسمع النداء من الشمال ومن الجنوب: لا نريد بعد اليوم احتلالات او عدوانات- هذا موقف، اشكر دولة رئيس المجلس اذ دعانا اليوم لنعلنه ونقول اننا مع هذا التحرك الرائع الذي تقوم به الدولة لانها تهز ضمير العالم بتذكيره بالقضية اللبنانية لكي تستقطب الاهتمام، فلا يبقى على قارعة التسكع والسؤال فهو صاحب حق وليس مستعطفا.
لا نريد ان نكون ساحة حرب، او ان نبادل احدا بحرب. ولكن حذار للذين يصرون على محاربتنا وعلى ملاحقة كل مواطن في اي درب او شارع او منزل او قرية، حذار لهؤلاء لاننا لن نكتفي بالرد صلاة وصياما واعتصاما، بل لعلنا سنكون اسرع المبادرين الى الرد على المعتدين بالنوع والكمية والتوقيت الذي نحدد نحن.
شهدنا بالامس عيد الجيش اللبناني الذي يسير بخطى قوية واثقة مؤمنة ليستعيد المبادرة ويحمي الوطن من المعتدين ويساعد الديبلوماسية النشطة على تحرير الارض.
اننا مع فخامة الرئيس عندما اعلن امس ان البندقية الشرعية وحدها التي يجب ان تعم كل المناطق اللبنانية. ولا يبقى في لبنان علم غير العلم اللبناني ولا قوة غير قوة الشرعية.
نحن مع فخامة الرئيس في رهانه على المستقبل، الذي يسعد كل لبناني وينعم بكرامته وأمنه، وانه من الواجب ان نواكب مسيرة الجيش على انها مسيرة الدولة والاستقلال والسيادة الوطنية.
لذلك فاننا نعاهد الشعب اللبناني على أن نتابع هذه المسيرة وندعم الحكم الشرعي الوطني، ونظل ملتفين حوله لا من اجل اشخاص او انتماءات بل من اجل وطن. وعلى الرغم من الرئيس سلام قاطعني، فلن اكتم نفسي موافقة على ما سمعته منه عن وحدة الصف اللبناني او اي طائفة او منطقة او حزب انتموا. كلنا حزب الوطن لا نؤمن باستئثار ولا بأثره، ولا بتفرد واستفراد، بل نؤمن ان يد الله مع الجماعة ونحن جماعة، لن نكون افرادا او شيعا، كلنا من شيعة ومذهب وحزب لبنان.
نرفض بعد اليوم اي مزايدة على وطنية وأي امثولة في الوطنية. خلاصنا الذي اعلناه لا نقبل من احد ان يعلمنا او يراجعنا فيه فنحن الذين نمتنع كما امتنعنا ابدا عن التدخل في شؤون غيرنا. نرفض للغير اي كان ان يزج بأنفه في شؤوننا، لا اريد ان اسأل الذي يطالب باسقاط الاتفاق عن البديل، لانه لو كان لديه بديل لقدمه ولو كانت لديه رغبة قتال لقاتل.
فالقتال ليس مزايدا على الشاشات الفضية وعبر موجات الاثير، بل شهادة في الخنادق وعلى الجبهات الممتدة مئات الكيلومترات مشرعة للذين يريدون القتال. فما بالهم لا يقاتلون الا في لبنان وبالنتيجة لا يتوخون قتلا الا للبنان، يعلنون من وراء الحدود انهم يريدون مقاتلة العدو الاسرائيلي في لبنان، أليس هناك من اماكن وجبهات احق بقتالهم من لبنان؟ الا فليتقوا الله في مزاعم وصرخات القتال، وما هي لا طعن برمح ولا ضرب بسيف او رشق بوردة. نعرف اي مؤامرة حيكت ضد لبنان، واي تواطؤ حصل على مصلحته، وبماذا كان مهددا مصيره ونعرف ماذا يحدث من اتصالات وراء ظهر لبنان. وبماذا يساوم المساومون، وبماذا يحلم المتقاتلون مصممون على ان لا تكون لاحد نقطة ماء أو حبة تراب من هذا الوطن.
نعلنها بالفم الملآن اننا الى جانب ما تقوم به الحكومة وعلى رأس العهد فخامة الرئيس الشيخ امين الجميل، اننا مع هذا التوجه نحضنه، نلتف حوله، ندافع عنه، نفتديه، لاننا لا نحلم بمكاسب ولا باشياء نأخذها لانفسنا او لاحزابنا او لطوائفنا او لمناطقنا بل نحام بوطن يكون فيه كل انسان مرفوع الرأس مصان الكرامة والمصلحة والحقوق، هذا ما نحلم به ونعمل له ويد الله مع الجماعة ومع لبنان.
في السياسة لا يوجد ترتيب مسؤولية على هذا أو ذاك، الا اذا وجد قاضيا يحكم فيقول: الحق معك. هذا ليس له وجود في السياسة المفاوضة هي أن تتكلم ثم تسمع الجواب، ثم تعود فترد، ثم تبدل الاسلوب...وربما تغير الشخص.
عندما يكون الهدف انقاذ الوطن، فكل الرؤوس لا قيمة لها. القيمة، للنتيجة وللبنان، ويسلم رأسك وخدماتك مشكورة، فكلامنا هذا نظريا.
أعود الى موضوع يتعلق بالسياسة الخارجية ويبدو أن الدول الكبرى قد أدخلته هو موضوع اتفاق اللبنانيين. يخطىء من يدعي أننا كنا خلال سنوات الحرب في حرب أهلية لم يتقاتل اللبنانيون في ما بينهم، وهذا موقفنا ونصر ونعطي عليه الادلة.
كانت الحرب بين لبنانيين وغير لبنانيين مسلحين على أرض لبنان. هذا لا يجوز في أن تأتي الحوادث فتكذبه. يعني أن اللبنانيين والاصدقاء لا يريدون رؤية جيش من اللبنانيين يحارب جيشا من اللبنانيين، الحرب الاهلية والتذابح بين اللبنانيين أمر لا يجوز أن يقع على ارض مهما يكن السبب. وأعلم أن ليس كل الناس في المثالية التي نريدها، ولكن عندما تكون الداهية أن نقع في تذابح في ما بيننا، فشيء من سعة الصبر ومن التفهم ومن الوقوف في موقف الفريق الآخر ينفع ولا يضر. ولا أظن أن الذين في هذه الجهة من لبنان أو تلك من النواحي السلبية لا يصغون الى صوت مخلص ومسلك عادل يجعلهم يعودون ويسترشدون بأن لا مناص لهم في أن يكون لهم وطن وأنه في أن تعيش في وطنك مستقلا خير من أن تناصر البعيد الغريب على أخيك القريب متى من الحلم من لين الكلام، لكي نقنع قاضيا بدعوة الحق كم تحوزه بالبرهان، بالكلام الحسن، بالاسباب التخفيفية الخ.. والجماعة ليسوا اولئك الاشهر ولا هم أولئك النافرين عن لبنان. عندما تنسحب من بعض المواقع القوات السورية انتظر اللبنانيون أن يروا ما سبق أن سمعوه في بعض الصحف، ولتسلم الصحف تنبؤاتها. ان جبهة الشمال ستعد جيشا من المقاتلين وستحارب الشرعية وستعلن نفسها أنها هي الشرعية. احترق كوخ على الميناء في طرابلس، فخافوا أن تكون بادرة أولى بأن تحتل الجبهة، المواقع اللبنانية التي تعود للدولة. فلما انسحبت بعض القوات السورية اجتمعت طرابلس بجميع زعمائها وأحزابها طالبة ادخال قوات الدولة اللبنانية من الامن الداخلي واذا لزم الامر فلا بئس أن يعاونها الجيش.
فالعميد عثمان عثمان وقواته العشرين الف قوات شرعية لبنانية. القادة والسياسيون في طرابلس الم يجمعوا في قرار أعلنوه في أن تتقدم قوات الشرعية اللبنانية وتتسلم المسؤولية فنحن جزء من الوطن ونخضع للشرعية وللدولة. أتيت بذلك لابرهن بأنهم ليسوا البعداء الذين يجب أن نطرحهم ونقطعهم من الجماعة اللبنانية. أيضا نقرأ في بعض الصحف بيانا لحزب له قوته ومدى تمثيله في البلد، يقول فيه: نحذر، وان الباب لم يقفل والوقت لم يفت ومستعدون للتفاهم.
اخلص من هذا، الى أن المجيء بالخروف الضال والركض وراءه وترك التسعة والتسعين افضل من 99 بارا.
بقدر ما يهم اللبنانيين اليوم أن تنجح المفاوضات وأكثر من ذلك يهمهم أن لا يتطور الامر الى حدود اشعال الحرب الأهلية بين اللبنانيين وهذا لا اخال انكم تجهلون ذلك.
وقبل أن أختم الكلام اريد أن ألفت الى أمر هام وان لم يكن من صميم السياسة الخارجية ولكن من صميم العمل لكف القلوب وجمعها حول الحكم.
السلطات التشريعية التي اعطيت للحكومة، انما اعطيناها ونحن مدركون خطورتها، لكننا كنا نثق بحكمة الحكم واعوانه وبكفاءة الوزراء وعدلهم.
في هذه المراسيم التشريعية مآخذ يمكن ان تنتظر التعديل في هذا المجلس، لاننا كما قلنا فالمرسوم التشريعي مهما يكن له من قوة لا يعدو كونه قانونا، وكل قانون يخضع للتعديل والمراجعة نجد أن صدور مرسومين قانونيين يمكن أن يشلا القضاء والادارة ويثيروا في الرأي العام قلقا وخوفا وتساؤلا وهموما والحكم الآن في أمور تشغله عن أن يخلق لنفسه هذه المشكلة.
صدر المرسومان رقم 41 و42، تقضي هذه القوانين بأن لكل موظف ولكل قاض الحق في ان يقدم استقالته خلال مهلة عينها القانون ويتقاضى تعويضاته. هذا لا بأس به، لكن في كل قانون مادة تجيز للحكومة بمرسوم في مجلس الوزراء أن تصرف من الخدمة أي موظف وليس هذا الامر فقط حيث كان الامر يهون، أقفل باب المراجعة في وجه كل متظلم. النص القانوني يقول لا تقبل التدابير المتخذة استنادا الى أحكام هذا المرسوم الاشتراعي أي طريق من طرق المراجعة بما ذلك الطعن بسبب تجاوز حد السلطة.
اريد أن اتكلم في المبدأ، وأعترف معكم أن الادارة والقضاء بحاجة الى تطهير واصلاح، لكن هل انتهينا من وضع الملاكات وهل وضعنا سيادة الدولة وبسطنا سلطاتها على الاراضي اللبنانية؟ اذا ما شئتم أن تعينوا قاضيا في بعلبك من الذي يذهب معه ليسلمه؟ وكيف تنفذون حكما يصدره باسم الشعب اللبناني تحت أعمدة بعلبك؟ واذا شئتم ن ترسلوا آخر الى عكار أو لمنطقة اخرى، هل انتهينا من تكوين وتمديد المنزل حتى نبدأ التفكير في أن هذه الحلية أو تلك الصورة تصلح أو لا تصلح؟
أنا لا اقول يجب التطهير، انما في لبنان وهذا يجب أن يكون منذ الآن والى الابد مهما كان السبب وأيا تكن المبررات لا يجوز في لبنان أن يقفل باب القاضي أمام متظلم أي كان. يقول لي القضاة: أين العقل؟ تأتون بالقاتل، بالسارق، بالمخرب، بالمحتال، تقولون يجب أن يمثل أمام القاضي ومعه محامي يدافع ثم أمام قاضي التحقيق ثم امام الهيئة الاتهامية، ثم البداية، فالاستئناف فالجنايات فالتمييز، خمس مراجع يمثل أمامها المجرم وبجانبه وكيله يدافع عنه ويتظلم لينتظر أن ينصف عن طريق الفضاء والحكم. وانتم لا تسمحون لنا الذين نقيم العدل ونحكم باسم الشعب اللبناني القوة الرابعة حسب نص الدستور.
لا تسمحون لنا اذا نزل بنا حي ممن أساء حد السلطة أن تمثل أمام مرجع قضائي نقول له انصفنا، والحكم الذي يصدر عليه صحيح ليس بالاعدام المادي أي الشنق. ولانه ليس بالحبس عشر سنوات، لكنه اعدام معنوي، غير الذي نعدمه ماديا فتفيض روحه بدقيقتين وتذهب الى ربه. أما الذي تعدمونه يبقى كل يوم يقاسي ويعاني ويستطعم طعم الاعدام كلما واجه الناس. كيف هذا؟ أتكلم عن هذا الموضوع الآن لانه لا نستطيع أن نناقش ذلك الا في دورات بعد تشرين. فالموضوع ليس على جدول جلسة الخميس، فيجب أن نسمع الآن من معالي وزير العدل تصريحا بأن هذا المرسوم سيعدل ان لم نقل سيجمد. والى ان يصار اعلاه أن نعدله وأن لا نتقدم الآن باقتراح مادة وحيدة مستعجل مكرر يوقف العمل بالمرسومين رقم 41 و42 هذا اذا بخل علينا بهذا التصريح.
الامر يخص كل أركان الدولة، وكل موظف، وكل من ينتمي اليه وقد يحجب من النقمة على الحكم وعلى المسؤولين تنفيذيا وتشريعيا ما نحن بغنى عنه في هذا الظرف العصيب.
أختم بأننا كلنا جنود الشرعية، ونرجو الشرعية أن تتقيد بالكلمة التي يشتق منها اسمها الشرعية القانون الدستور، التزموا بقدر المستطاع حدود القوانين والعدالة، وأنتم تذكرون الان في بيان معالي وزير الخارجية الحسنات وقبل الرحلة الى الخارج وهذا أمر مقدور مشكور لكن في نظري الذي يستحق التقدير والتنويه كلمة صدرت عن رئيس البلاد يقول: ان الذي منع الجيش في السابق من أن يقوم بواجبه وأن يكون له شرف الموت في سبيل لبنان، لم يكن تصادم الجيش ولا خطر انقسامه بل كان غيبة القرار السياسي. ومن الآن الى الامام القرار السياسي في أن يقوم الجيش بكل ما يستطيع من أجل انقاذ لبنان. هذا عهد يجدر ان يكون هو المسجل والكلمة الثانية وهي العظمى، وتكاد ان تكون تسبيحا لانها الدواء الفعال لجرحنا الدامي الذي نعاني منه قوله: لن يكون سلاح الا سلاح السلطة الشرعية التي هي في يد الجيش والدولة واننا لمنتظرون التنفيذ
ان محور تحرك الحكم منذ الاجتياح الاسرائيلي هو انسحاب القوات الغريبة عن أرض لبنان واعادة الشرعية على كل شبر من أراضيه..
ولتحرير الارض فاوضت الدولة اللبنانية مع اسرائيل ووقعت اتفاقية 17 أيار 1983 التي بموجبها تنسحب القوات الاسرائيلية من الاراضي اللبنانية والاتفاقية تتضمن تعهدا اسرائيليا باحترام سيادة لبنان واستقلاله السياسي وسلامة اراضيه.. وقد أقر مجلسكم الكريم، بأكثرية ساحقة، الاجازة للحكومة بابرام الاتفاق المذكور.. الحكومة لم تبرم الاتفاق ولم يحصل بعد تبادل وثائق الابرام ليصبح الاتفاق نافذا..
تطالب الحكومة بالانسحابات الشاملة (وفقا لاتفاق غير نافذ) ونحن معها عندما ترفض الانسحاب الجزئي لاننا نعلم أن الانسحاب الجزئي يؤدي الى تفتيت الوطن واقتسام اجزائه.. وقبل ابرام الاتفاق عمدت اسرائيل إلى استعمال شكل آخر من الانسحاب وهو اعادة الانتشار.
لا شك بأن الوفد الرئاسي قد عالج في واشنطن هذه النقطة الحساسة، وفي هذا الحقل اود أن اسأل الحكومة:
هل صحيح أن وزير الخارجية الاميركي قد طلب من الوزيرين الاسرائيليين شامير وآرنز الاعلان عن جدول زمني للانسحاب النهائي من لبنان بحيث تشمل 4 مراحل:
1- الانسحاب حتى نهر الاولي.
2- الانسحاب حتى نهر الزهراني.
3- الانسحاب حتى نهر الليطاني.
4- الانسحاب النهائي الى الحدود.
هل هذا واقع؟
أعربت أوساط سياسية في اسرائيل، رددتها اذاعات العالم، بأن اسرائيل قد توافق على تحديد جدول زمني لمراحل الانسحاب واعادة الانتشار، بناء على طلب الادارة الاميركية بعد المباحثات التي أجراها وزير الخارجية والدفاع مع كبار المسؤولين في الولايات المتحدة منذ أيام قليلة: فما هي المعلومات لدى الحكومة عن نتائج هذه المساعي؟
فما رأي الحكومة بما اعلنه وزير الخارجية الاسرائيلية السيد شامير منذ يومين بأن الانسحاب الجزئي حتى نهر الاولي هو بمثابة مرحلة أولى للانسحاب الكامل؟؟ لا سيما وقد فسرت الولايات المتحدة عن لسان وزير خارجيتها بأنها هذه هي أول خطوة في سبيل الانسحاب الكامل؟؟ "ويأمل السيد شولتز أن يكون لذلك تأثير ايجابي على انسحابات اخرى من لبنان وخاصة من جانب سوريا".
ومن جهة اخرى أود أن اطرح السؤال التالي على الحكومة: من التأكيدات التي سمعناها مؤخرا أن الدولة سوف تكن قسما من برنامج الانسحاب الشامل. هل هذا يعني أن الدولة سترفض الانسحاب الاسرائيلي التلقائي عن الشوف وعاليه؟؟ وهل سترفض بالتالي استلام مسؤولية الامن في تلك المنطقتين؟؟
2- الموضوع الثاني: الوضع الاقتصادي
قال لنا معالي وزير الخارجية في بيانه بأنه من جملة النتائج القيمة التي حققتها زيارة فخامة الرئيس الى واشنطن اقناع الادارة الاميركية بعد أن منحت لبنان قرضا بمبلغ /260/ مليون دولارا أن تحول مبلغ /150/ مليون دولار الى هبة بدلا من قرض اذ يتبقى /110/ ملايين قرضا.. هذا عمل مشكور جدا ولكن ألا ترى يا معالي الوزير انه يتوجب على الحكومة معالجة فورية للتدهور الاقتصادي الذي يشهده هذا البلد؟.. بعض المصانع على وشك اغلاق أبوابها وصرف موظفيها.. التجار لا يمكنهم دفع استحقاقاتهم وهم على شفير الافلاس.
ومن هنا انتقل الى الجبل المحاصر الجائع، يا دولة الرئيس، بعض القرى في قضاءي عاليه والشوف جائعة بسبب الحصار المضروب عليها، طرقها مقطوعة لا يصلها الطحين والمحروقات للافران والادوات الطبية.. هذه المناطق ضمن احتلال الجيش أن يؤمن للشعوب تحت احتلاله الامن والعيش والطبابة.. وهذه الحالة تدوم منذ أكثر من شهرين، فماذا فعلت الحكومة في سبيل هؤلاء المواطنين المحاصرين في قراهم في قضاءي الشوف وعاليه؟..
3- الموضوع الثالث: المصالحة في الجبل
عندما نسمع بالاذاعات، "أن ادارة الرئيس ريغن تريد أن تؤمن أن يكون بامكان الجيش اللبناني أن يأخذ على عاتقه مهام الاشراف على المنطقة التي تخليها القوات الاسرائيلية قبل البدء بعملية الانتشار"، ويضيف الناطق باسم الادارة الاميركية بأن الخطوة الاولى يجب ان تكون التوصل الى اتفاق لوقف الاشتباكات في الجبل. وختم قائلا: وضع حد لهذه الاشتباكات، يكون الموضوع الاول في جدول أعمال المبعوث الخاص الجديد للرئيس ريغن السيد "روبرت ماك فرلان".
وبالاضافة الى كل هذا: نقلت الانباء أن كل من الوزيرين الاسرائيليين شامير وآرينز قد أصرا على ضرورة حل جميع المشاكل من الاطراف المتنازعة في الجبل واقترحوا في واشنطن أن تقدم اسرائيل مساعيها لاصلاح ذات البين بين القوات اللبنانية وانصار السيد وليد جنبلاط في الشوف وعاليه؟.
السؤال- ماذا فعلت الدولة حتى الآن في اعادة اللحمة بين المقاتلين في الجبل؟ وما هي الخطوات التي تنوي اعتمادها في مصالحة الجبل قبل الانسحاب الاسرائيلي لا سيما وان جبل لبنان كان مدى الاجيال مثالا للعيش المشترك بين جميع عائلاته الروحية بكل محبة واخلاص.
نريد الحكم قويا ثابتا في تصنيع القرار وتثبيته وتنفيذه دونما تأثر بالعقد والمعقدين ان عهد تركيز القرارات وتصنيعها على عقد خوف هذا الفريق من ذاك او على عقد ذاك من هذا مضى وانقضى. ان العصب الحاقد يفتل قدرة العقل على تصنيع قرار سليم وفاعل واننا على ثقة في ان اعصاب العهد هي اعصاب هادئة لم ولن تتأثر بوتور عصب من هنا ووتور عصب من هناك.. هي اعصاب القيادة المرتاحة التي تتحكم بتصنيع القرار اللبناني واستقلاليته بعيدا عن الحقد واهل الحقد عن الاتباع واتباع الاتباع واتباع اتباعهم الذين رهنوا الوطن ارضا وشعبا ومطامح وقيما لمصالح الآخرين ابتغاء مصلحة شخصية دنيا اعوذك بالله منهم ومنها.
ايها السادة... اذن لا يجوز الخطأ.. ولا يجوز أن نتأثر سلبا كذلك وايجابا بأعصاب المحيط التي تكمن وراء قرارات انانية جاهلية مشرذمة اقل ما يقال فيها انها ان استهدفت امرا فانما تستهدف القومية والقضية العربية والقيم والمثل واصابتها في الصميم وهي اذ تحاول اليوم الاجهاز على لبنان قصدا او عن غير قصد فانما سترتد لتصيب الاوطان العربية كلها وتمزقها وتزرع الخراب والبلاء فيها.
على الحكم ان يكون سيدا قويا نافذا بعيد النظر قليل الخطأ يستدرك ابعاد وردود القرارات العربية الخاطئة محاولا بالمنطق والديبلوماسية منطق وحضور ذهني ان يلفت اصحابها الى اخطار ما توصل اليه لتلافيها ودرء شرورها.
ان اميركا تحاول ان ترى لبنان واحدا.
ان اميركا تحاول ان ترى عروبة واحدة بقرار قومي واحد.
ان اميركا ريغن كانت ربما تعلل نفسها بالوصول الى ذلك فهل نحن فاعلون لبنانيا؟
وهل العرب سيوحدون قرارهم؟
وفي حال اليأس من ذلك فمن هو المستفيد؟
اليس اسرائيل، بخطتها الواحدة الثابتة وقرارها الواحد الثابت وجيشها القوي وآلته الضخمة واميركا ساعتئذ عليها ان تعمل مصلحتها وتختار الانسب لهذه المصلحة؟
لنقف لبنانيا موحدين.. طالما نحن يائسون من وحدة العرب.
والسبيل الى التوحيد هو في القضاء على السوس وعلى ما يقتات عليه السوس.
وللقضاء على السوس يجب ان نقف وراء الجيش..
والتشكيك بالجيش اليوم هو جريمة وخيانة عظمى.
نحن ضد الانسحاب الجزئي ولا نرضاه .. سننادي ونحارب صفا واحدا لتطهير الارض ونحررها ومنع الانسحابات الجزئية التي تكرس بقاء العدو واحتلال الارض.
واذا غلبنا على امرنا وانسحب العدو لغاية في نفسه فلتكن وثبة الجيش في مستوى طموحات المواطنين وليملأ الفراغ.. بشكل يصدم اعداء لبنان في الداخل والخارج وفي اي مكان.. ان تحرير شبر واحد من الارض اللبنانية هو كسب للقضية ومتراس نطل منه لبنانيا لتحرير شبر آخر موحدي الصف والكلمة.
القرار الآخر، القرار بالاتفاق اخذناه ووقعناه، ونحن على ثقة بجدواه، فلا يجوز اطلاقا ان نتوقف عن التعاطي حتى يكون لهذا الاتفاق قيمة على صعيد التنفيذ الوطني السليم.
دولة الرئيس، لا اريد ان اطيل، فأصر على طلب توضيحات على اسئلتنا، متمنيا ان تكون واضحة، لتبقى الحجة قوية في أيدينا في هذه الفترة المصيرية التي نمر فيها.
ان مصير الوطن ليس على كف عفريت واحد وانما على اكف عفريت، وشكرا لكم.
يجوز ويحق لمن؟ المادة للمتعاقدين وليس للجامعة، ابقيت كلمة يحق ام حذفت واستبدلت بكلمة يجوز، النتيجة واحدة طالما أن الحق للمتعاقد. اذا يجوز للمتعاقد وهذا مدون كأسباب لتقول ان الحق لصاحب العلاقة وليس للجامعة واللغة العربية دقيقة يا استاذ محمود بشكل توضح التمييز وتعطي الحق لصاحبه.
اما قضية "حاليا" فطالما ان الجواز للمتعاقد وطالما ان كلمة "حاليا" ستؤدي الى ادخال حتما من لا يستحق ونكون قد حرمنا في المستقبل بالاضافة الى ما تفضل به حضرة الزميل الاستاذ نجاح واكيم امكانية اختيار العناصر الكفوءة، طالما ان معالي الوزير ومعالي الوزير يعتبر ان الحق للجامعة في هذا الاختيار، فلماذا نغلق الباب دون امكانية ادخال اصحاب الكفاءة في المستقبل. اذا هناك تعمد بالاكتفاء بما هو موجود. واعود لقضية الاقتراح في المادة نفسها لاقول: غيرة معالي الوزير على بقاء مستوى التعليم الثانوي وعلى بقاء مستوى التفتيش، كأننا في ذات المنطق يقول: من ليس على مستوى الاساتذة الداخلين في التعليم الثانوي من هذا العيار ومن الداخلين في التفتيش التربوي لا يحق ان يكونوا في التفتيش، لان التفتيش يجب أن يعزز وتعلا درجاته. واذكر معالي الوزير الاستاذ السابق ان عدد هؤلاء كلهم في الادارة اللبنانية لا يتجاوز الخمسة عشر استاذا اكثرهم لا يمارس لا التعليم الثانوي ولا التفتيش، انما منتدب لادارة اخرى للتوجيه والابحاث، فلماذا نبقي، هؤلاء خارج ملاكات الجامعة ولا يمكن لواحد من زملائهم واظن في طليعتهم معالي الوزير، ينكر ان من قضى اكثر من ست سنوات وصرف ست سنوات في التعليم وحصل بعد ان كان استاذا للتعليم الثانوي على دكتوراه دولة وله مؤلفات والجامعة بحاجة اليه، لماذا نتركه خارجا؟ هل لتعزيز التعليم الثانوي؟ للتعليم الثانوي يا دولة الرئيس، ظروف تختلف كليا عن ظروف التعليم الجامعي العالي. وكذلك للتفتيش، فخير للجامعة ادخال مثل هؤلاء واعطاء الاولوية لاعادة النظر في الكفاءات في الجامعة اللبنانية.
وهنا يحضرني، الواقع لاقول يا دولة الرئيس، مع الرغبة في انشاء فروع الجامعة في أي مكان من لبنان في نفس التعليم الجامعي، الا اننا نقع يا دولة الرئيس واقعيا كمن يلحس من المبرد اذ ان الكفاءات العليا لا تترك بيروت وفي الملحقات وفي باقي فروع الجامعات نرى ان المستوى الجامعي تدنى الى ادنى من مستوى التعليم الثانوي في لبنان وهذا لا يجوز، فاذا كانت نظرة وزارة التربية اصلاحية فعلا للجامعة اللبنانية فعليها ان تعيد بالاشتراك مع لجنة تنسيق من اساتذة الجامعة اللبنانية اعادة النظر في تصنيف هؤلاء، ونرى ان المشروع ان لم يد ل مثل هؤلاء المتعاقدين الذين قضوا في التعليم الجامعي اكثر من ست سنوات فيخطىء، ويطبق المثل الاقتصادي، العملة الفاسدة تهرب العملة الجيدة، وكذلك سيحصل في الجامعة اللبنانية اذا ما استمرينا على هذه النظرة الى الجامعة نتغنى باطلاقها وتوسيعها ولكن ندفع الثمن من مستوى التعليم الجامعي وهذا لا يجوز يا دولة الرئيس، ان تكون الشهادة المعطاة في فرع زحله تختلف قيمة وقدرا عن المعطاة في بيروت او في سائر المناطق، هنا العلة في الجامعة اللبنانية وليست العلة في كلمة "حاليا" وفتح الباب، او ادخال المتعاقدين بالساعة وعددهم لا يتجاوز العشرة او الخمسة عشر استاذا، هذه العلة ومن هنا يجب أن ننطلق بمداواتها يا اصحاب المعالي وخاصة معالي الوزير الاستاذ السابق في الجامعة، ارجو ان يقول كلمته بشأن فروع الجامعة ومستوى الاساتذة في الفروع.
كنت اردد قولا ما زلت اؤمن به، ان لكل عمل في الحياة غاية. ولكل غاية قيمتها، والانسانية تسمو بسمو الغايات.
والمعارضة في الجسم الديمقراطي، ان كانت موضوعية واقعية فهي انبل غاية واشرف رسالة.
الديمقراطية ليست بالامر الحديث، واساليب المعارضة لم تكن جديدة. فلتسمح لي الحكومة، وفي طليعتها دولة رئيسها، ان المعارضة، عندما تكون مجردة وجب ان يتقبلها الحاكم، لا على صعيد شخصي، انما من باب الحدب والانتقاد للتشجيع على الاتيان بالأفضل.
ولقد تأملت وأملت ان يأتي بيان رئيس الحكومة فاتحا لي بابا من امل يخفف لهجتي وانتقادي وشجب الوقائع. واذا بهذا البيان يخيب ظني وظن لبنان وظن المواطن. فهو كناية عن دموع تزرف امام حائط مبكى، وبعد قليل توهمت انني انا وزملائي في المجلس والناس في الشارع هم المسؤولون عما حدث ويحدث، ولا شأن للحكومة به اطلاقا.
دولة الرئيس،
منذ الف واربعماية سنة وقف عمر بن الخطاب وقال: من رأى بي اعوجاجا فليقومه. فوقف اعرابي وقال، والله، لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بحد السيف. فلا دولة رئيس الحكومة بعمر، ولا انا بذلك الاعرابي. ومع هذا، انشرحت اسارير عمر وقال، والحمد لله ان في الرعية من يسأل علي ليوجهني.
السياسي المسؤول، شخص من زجاج، والمقصود بهذا القول الثابت ديمقراطيا، انه يحق لاي مواطن، فكيف به اذا كان نائبا وكيلا عن الشعب. ان يعرف كل شاردة وواردة في شخص الحاكم لها تأثير على مسيرته في الحكم.
سمعت استغراب بعض اساليب النقد وبعض استعمال الكلمات، واخال وأنا مؤمن ان هذا الاعتراض صاحبه غير مقتنع به ويقوله لمجرد درء التمادي في وضع النقاط على الحروف في الانتقاد ولكن لا بأس، وقلت النيابة والمعارضة رسالة وواجب وطني فأقول مجرد اخلاصا مني لانسانيتي ولوطني ولامتي.
استغرب دولة رئيس مجلس الوزراء توجيه النقد المتكرر له فاريد ان اطمأنه انه ليس اول رئيس وزراء اوجه له نقدي.
من يذكر انني منذ دخلت هذه الندوة حتى اليوم اعتبر، باسم دستوري واعرافي ان رئيس الحكومة هو الذي يتولى اكثر صلاحيات الحكم، ان لم يكن كلها، وهو، بحكم هذه الصلاحيات، تتوجب عليه مسؤوليات. فليسمح لي باستعراض مواقف رئيس الحكومة منذ ان تولى مسؤولياته بصورة غير رسمية اولا، ثم بصورة رسمية واحدة بعد الاخرى قدر ما مكنتني ذاكرتي من تذكر ما حدث وما تم.
تذكرون ان دولة رئيس الحكومة تولى مسؤولية غير معلنة رسميا، في مؤتمر القاهرة، وبالرجوع الى مؤتمر قمتي الرياض والقاهرة نراها حتما انها افضل ما يمكن ان تعطي وتدعم الحكم. وهذه المقررات لم تتدخل، في حينها بشؤون لبنان الداخلية، انما اقتصرت بصورة خاصة على اوضاع الجنوب خاصة وعلى قضايا مساعدة الحكم في تأمين الامن بوضع قوات الردع العربية تحت تصرف الحكومة.
وما ان تسلم دولة رئيس الحكومة، في التاسع من كانون الاول سنة 1976، منذ ذاك التاريخ واجهنا رئيس الحكومة باصرار ووعد على تنفيذ هذه القرارات، كما ورد في هذه المقررات. وبتعزيز وضع قوات الردع العربية تحت تصرف فخامة رئيس الجمهورية لتأمين الامن ضمن تفاصيل عدة. منها تسيير الادارات، منها الامن منها جمع الاسلحة، الحاضرة، ولم يكن لهذه القوات شأن في التدخل في الامور اللبنانية، انما هي بتصرف رئيس الدولة فأتى الرئيس الحص يعلن في اول بيان وزاري وعدا وتمسكا جازما بأنه ليس فقط مقتنع بهذه المقررات انما هو واعد بتنفيذها بحرفيتها. ونسأل، ماذا نفذ من هذا الوعد؟ انا لا اقول، بيان رئيس الحكومة قال انه لم ينفذ. فيمكن العذر لتبرير عدم وفاء الوعد بانه كان داخلا مجددا على السياسة. وكان ظانا ان بامكانه ان ينفذ. اما وقد عرف انه ليس بامكانه ان ينفذ فكان عليه ان لا يكرر الوعد ثانية، وهو المسؤول والملزم بذلك، الا يعد ان لم يكن مطمئنا الى امكانية التنفيذ.
واتت بعد ذلك الوثيقة البرلمانية التي نظمت من قبل اربعة عشر عضوا مثلت جميع فئات اللبنانيين دون استثناء، فاذا بالجميع، وجميع من في المجلس النيابي يوافق على كليات وجزئيات هذه الوثيقة التي وضعت معالم واضحة لخط السبيل الصحيح لمسيرة الوطن. وتعهد رئيس الحكومة على اثرها بتنفيذ مضمون هذه الوثيقة والتعهد لم ينفذ.
ثم تنادي المجلس النيابي وكتله على وجوب عقد مؤتمر عربي حددت معالمه باكثر من توصية ووثيقة. وعلم المطلوب، وهو وضع العرب امام مسؤولياتهم فيما يعود لجميع لبنان. وكان ان سمعت معالي وزير الخارجية يؤكد ويجزم انه من الواجب حصر مسؤولية العرب بما يعود للقضية الفلسطينية على الارض اللبنانية. وهذا حق. ولكن ماذا حدث. في مؤتمر بيت الدين الذي حصل بين 15 و17 تشرين الاول من سنة 1978، صدرت مقررات، والمقررات اذيع يومها انها من وضع ونص دولة رئيس الحكومة، فلو استعرضنا بعضها، نرى ان هذه المقررات لم تحدد بدقة، مسؤولية العرب، وكان المطلوب من الجميع، واوردت امورا كثيرة هي في واقعها من محض صلاحية الحكومة ومسؤوليتها واتتنا في نهاية المقررات بلجنة متابعة، والمفروض ان تكون لجنة المتابعة استمرارا للجنة المتابعة المقررة في مؤتمري الرياض والقاهرة، وكانت في هذين القرارين، الرياض، والقاهرة مهامها محددة واضحة، محصورة بالتعاطي مع قضية الجنوب والدفاع عن لبنان في المحافل الدولية لدعم تخليص جنوبه، فاذا بالحكومة، وكان يرأسها الدكتور سليم الحص، كان منها ان جعلت من لجنة المتابعة وصيا علينا جميعا فبدأت اللجنة بدل ان تعمل بما كان عليها ان تعمله بدأت بخيارات فيما بين الفرقاء بغية التوثيق والتكليف اتى اما علنا واما ضمنا بموافقة الحكومة على ان يأتي مهما علا شأنهم وغيرتهم. فليسمحوا لنا ان لا نعتبرهم بمستوى معرفتنا في امورنا ونحن اولى بوضعنا الداخلي، فكانوا يركبون الطائرات وتضرب الهيلوكوبترات ليلتقوا في اجتماع من الاجتماعات ليوفقوا بين بطرس ومحمد او بين بطرس وحنا وبين محمد وحسين، وضاعت الغاية. لم نكتف، ولو كان الامر خارجا عن وعي وادراك الحكومة لهان الامر وعذرنا، الا ان مجلس الوزراء اجتمع واقر قرارا نظمه ودبجه دولة رئيس الحكومة، وصدر بتاريخ 25/10/1978. ما ورد في قرارات مجلس الوزراء هذه؟. منها اعطاء التعليمات لقوات الردع والجيش وقوى الامن الداخلي بمنع أي ظهور مسلح والامر للحكومة، فهل اعطي الامر؟ اذا كان قد اعطي فعلا فكان على الحكومة ان تقول اعطينا الامر ولم يلب، حتى نتدارك جميعا مسؤولية رفض تلبية الطلب، اما وان شيئا من هذا لم يعلن فلا يحق لنا الا ان نحصر المسؤولية بالحكومة التي تعهدت باعطاء الامر وحتى اليوم لم تعطيه. وقرار مجلس الوزراء وجوب وضع خطة زمنية حددها باسبوعين لجميع الاسلحة نهائيا من كل المناطق، فهل لبت هذه القوات على اقل تعديل، امر تنظيم الخطة.
ونذكر انه منذ تسعة اعوام، عام 1972 اعتدت اسرائيل على الجنوب ودخلت فتصدى لها الجيش اللبناني في معركة مشرفة. ثم تضافرت الجهود المحلية والدولية على اخراج اسرائيل، وبقيت الثكنات، وبقيت الحدود، ورد المعتدى خارج الحدود.
كما نذكر انه قبل ذلك، وفي عام النكبة بالذات كان للجيش اللبناني موقف مشرف ومعركة مشرفة، يطيب لنا ان نحيي هنا احد الذين صنعوها، اعني بذلك معركة المالكية.
ان الجيش اللبناني لم يقصر مرة في التصدي لاسرائيل، حتى بما يفوق امكاناته. والواقع في الجنوب، كما قلنا، ليس ناشئا عن عمل منفرد فقط، وانما عن وضع مركب ومتعدد الوجوه، يجب ان نلم بها جميعا لكي نستطيع ان نتصدى لها. فكم كنا نتمنى لو ان البيان وضع اصبعه على الجرح وقال كل ما يجب قوله، لكنا صفقنا له من الاعماق. على اننا نفهم ايضا الحرج الذي قد يقع فيه واضعو البيان من جراء قول كل الحقيقة. على اننا كذلك، لا يمكن، في معرض مواجهتنا للموضوع ان نكتفي بجزء من الحقيقة.
ارى عسيرا علي ان انقل جو المجلس من الجو الذي خلفه زميلي الاستاذ ادمون رزق، فكان بادبه العالي قد جعل من الجلسة سوق عكاظ، وانا ساعود بهذا المجلس الى المرير.
دولة الرئيس،
تصفحت هذا الصباح، مرة ثانية، بيان الحكومة، والغريب ان تراءى لي انه يشبه الى حد بعيد خطاب بني صدر رئيس الجمهورية الايرانية عندما كان يشكو من الوقوف في وجه صلاحياته.
بيان الحكومة يقف الى جانب المعارضة ولكن، نحن، وان كنا نعرف الاحداث الذي سردها هذا البيان، اصبحنا في ايمان من ان لدى الحكومة مخططا نجهله. والنظام الديمقراطي الذي نعيش فيه يجبر الحكومة على اعلان كل ما تعرف، ان من علاقات خارجية او محادثات وحوارات داخلية. وقد اصبحنا نؤمن ان الحكومة تخفي عنا اشياء. ودليلي على ذلك: لو اخذنا بيانات هذه الحكومة، منذ البيان الاول حتى اليوم، نجد انها تعدد الاسباب والمسببات والاشكالات، حتى تجد عذرا لمسيرة الوفاق ومسيرة تحرير الجنوب اللبناني من الاحتلال الاسرائيلي. فمن اصعب الامور ان تقنع ضميرك اذا كان ضميرك لا يستمع. عندما نتصفح هذا البيان نرى ان هناك امورا كثيرة لم تذكرها الحكومة. وقد كانت سياستها الخارجية احدى هذه العلل. اعطي مثلا على ذلك: علاقاتنا مع سوريا. اذكر جيدا اني واجهت معالي وزير الخارجية مرة وقلت له انك تتنازل عن صلاحياتك عندما يقوم بالحوار غير السلطة اللبنانية. وهكذا كان على اثر دخول الجيش السوري الى لبنان. وكانت العلاقات طيبة بين لبنان وسوريا. تركت هذه الحكومة جميع الفرقاء يحاورون الدولة السورية مكانها. هنا اساس العلة. لم تقل يوما الحكومة للدولة السورية، المخاطب الوحيد في لبنان هو انا، السلطة الشرعية. ومنذ اسبوع تقريبا رأينا ان الخارجية بذاتها والحكومة تقع في ذات الخطأ. فوجئنا على التلفزيون بوزير دولة للشؤون الخارجية في لبنان، لم نكن نعلم بتعيينه هو الاستاذ كريم بقرادوني. قد تقول الحكومة بانه حر ان يتعامل مع سوريا، وانا اقول، كل انسان حر ان يحاور من يريد في سوريا، ولكن ان يعطى لحواره وضعا قانونيا وتشجيعا اعلاميا، فهذا ما نؤاخذ الخارجية عليه. جاء على شاشة التلفزيون وطمأن اللبنانيين ان محادثاته كانت ناشطة ومثمرة، وان المحادثات الرسمية ستلي محادثاته، الى اخر الاغنية واخر الحوار. واتساءل، هل نحن سنعود الى هذا الحوار عن طريق الفئات المختلفة، والدولة ساكنة ساكتة لا تبدي اعتراضا، لا بل تبدي تشجيعا لهذه الحوارات التي تقوم خارج نطاق الدولة.
انا اجزم بان اول صفة عند اية حكومة دستورية هي ان تحصر بنفسها سائر السلطات والصلاحيات. قلت مرة لدولة الرئيس في اجتماع التكتل المستقل. اذا كان من منفعة ان يذهب وفد النواب لزيارة بعض العواصم العربية والدولية، اجاب، لا، ليس لنا صفة رسمية السلطة هي في يد الحكومة. واذا بهذه الحكومة تسلم السلطة لغيرها.
من هنا ابدأ بالقول ان سبب تعثر الحكم هو انها لا تؤمن بانها حكومة، وانها اذا امنت بانها حكومة فلا تكون سيئة النية، اذا كانت تعطينا كل هذه الاعذار حتى لا يذهب الجيش الى الجنوب.
تنازلتم يا دولة الرئيس عن الامن. وقد احصيت عدد القتلى من اول الشهر حتى اليوم فوجدت انه يزيد عن الخمسين قتيلا. ان قطعان الاغنام لا تذبح بهذا الشكل الذي يذبح به اللبنانيون. والحكومة لا تحرك ساكنا، لا عدل، لا درك، لا جيش، لا شيء. الحكومة بوضع انتظار. هذا الانتظار، انا ارى انه وبال على لبنان. لان الزمن ليس في مصلحة هذا البلد، ولا في مصلحة استقلاله وسيادته.
تنازلت الحكومة عن السلطة الخارجية لغيرها، وتنازلت عن الامن لجميع الفئات وتنازلت عن القضاء لفئات اخرى ايضا. فاصبحت الاحزاب تماما، كالهيئات الثورية في ايران، هي التي تقبض على اللبنانيين، وهي التي تحاكم وهي التي تسجن.
دولة الرئيس، من واجبي ان احاسبك على ما ينص الدستور، فالدستور لا يسمح بان يكون القضاء الا في ايدي القضاة، وبموجب القوانين. وان لا يوقف مواطن الا عن طريق الدولة، وان لا تدفع ضريبة الا عن طريق الدولة. فاذا بكم قد تنازلتم عن الضرائب، عن صلاحيات الامن، عن صلاحيات الدولة.
انا اعجب كيف ان الحكومة عندما تواجه هذا المجلس تتمسك بان تسبغ على كل هذا نوعا من عدم الامكان، وانا ارى فيه نوع من الافهام الاخلاقي.
الدستور قال في المادة 8، الحرية الشخصية مصونة في حمى القانون، ولا يمكن ان يقبض على احد او يحبس او يوقف الا وفاقا لاحكام القانون، ولا يمكن تحديد جرم او تعيين عقوبة الا بمقتضى القانون، فهل للبناني واحد حرية في هذا البلد؟
التوقيف الكيفي، من جميع الفئات، من هنا وهناك، وضع اليد على الدوائر العقارية، وضع ضرائب جديدة. وفي مراكز الدوائر العقارية. والحكومة لاهية مكتوفة الايدي. وكانها تريد ان تربح الوقت، ولا اقول انها لا تتجرأ على الاقدام، بامكانها، اذا هي شاءت، ان تعيد كل هذه الامور الى نصابها.
محاكمة الناس وسجنهم. المادة العشرون من الدستور تقول: السلطة القضائية تتولاها المحاكم على اختلاف درجاتها ضمن نظام ينص عليه القانون. ويحفظ بموجبه للقضاة وللمتقاضين الضمانات اللازمة.
ثم، يا دولة الرئيس، المادة 64 من الدستور تقول: يتولى الوزراء ادارة مصالح الدولة، ويناط بهم تطبيق الانظمة والقوانين كل بما يتعلق بالامور العائدة الى وزارته وبما خص به.
في حياتنا الدستورية، كانت المجالس، لاقل من واحد بالمليون مما يحصل اليوم، كانت تقوم ثورة اللبنانيين، لان اللبناني متشبع بروح الديمقراطية وبغيرتها على حريته وقضيته فاين نحن من كل هذا. الا ترى يا دولة الرئيس انكم خرقتم الدستور، وهذا الدستور مقدس بنظر الحكومة ونظر الدولة ونظر هذا المجلس.
ثم، تعود الى الوفاق. عندما اعلنت الحكومة الوفاق، وجاءت رسالة رئيس الجمهورية تعلن هذا الوفاق المكون من 14 بندا، لم تبق فئة في هذا البلد الا وايدت هدا الوفاق. ساعطي مثلا على ذلك: كنا نناقش هذه الحكومة واذا بي اقول لرئيس الحكومة، اننا نأخذ الامن بالتراضي، انما الامن يفرض علينا فرضا، وكان موقفه انه بالتراضي. وانا اعطي مثلا اليوم، منذ خمسة ايام، بعد احداث "الصفرا" جاءت ثلاثة تصاريح للرئيس شمعون، في كل واحدة من هذه التصاريح، يطلب من الحكومة ان تأتي وتتسلم بواسطة الجيش المنطقة، وان تتسلم الاسلحة. انتظرت الى اليوم الثاني لاقرأ في الصحف ردود الفعل عند الحكومة. فلم يكن من ردود فعل من قبلها. فاعاد الرئيس شمعون الكرة، تفضلوا شرفوا، ما في ثلاثة تصاريح، والحكومة ساكتة. ولماذا؟ لان الحكومة لا تريد. قد تقول ان هذا لا يمكن الا اذا قبلت جميع الناس ان تذهب الى الصفرا.
اقول لدولة الرئيس، يوم الجلسة، نهار الثلاثاء، واذا نظرنا الى قمة الهرم وتصريح كميل شمعون يطالب بدخول الجيش الى الصفرا، كان هنا امام المجلس عمال المرفأ يصرخون هنا على باب هذا المجلس: لا شرقية ولا غربية، بدنا الدولة اللبنانية، لا ميليشيات والا احزاب بدنا العسكر عالابواب، يا حرية يا حرية وين السلطة الشرعية. نحن عمال المينا، بدنا الدولة تحمينا. دولة الرئيس، عندما القاعدة الشعبية تتوافق مع الهرم وكل الناس تطالب بالجيش والسلطة وانتم لا تنفذون ولا تتحركون. ماذا تريدون أن اتصور موقف الحكم بكل هذه القضية؟ امر واحد، هو ان هنالك سياسة مبيتة للابقاء على الوضع حتى يأتي وقت ترى هذه الحكومة الثوب الذي سيفصل لنا. نحن نرفض هذا يا دولة الرئيس، نحن نريد ان نلبس الثوب الذي نفصله لانفسنا. لسنا محمية، ولسنا مستعمرة، نحن دولة مستقلة يا دولة الرئيس. اقذف بهذا الكلام في وجه سفراء الدول الكبرى، ولا اخشى.
دولة الرئيس، قضية الجنوب. اود اليوم ان ابعث بتحية الى اهل الجنوب، الى ترابه، الى شعبه والمه، لان الانسان يعرف بالمحنة، اثناء المحنة. الانسان الذي يتحمل المحنة، لقد اثبت، وقد توافقون معي، على ان الجنوبي كان اكثر منا ولاء للبنان. واذا قيست الولاءات فعلينا ان نقول ان الجنوبي هو في صف الولاء الاكبر لهذا البلد. الرجل الذي يموت في ارضه، ولا يترك ارضه، والاطفال والمسنين يهجرون من الجنوب. ونحن نتوقف عندما يقول فلان وشو بيقول فلان وشو بيعمل فلان اذا رحنا عالجنوب.
يا سيدي دولة الرئيس، والله العظيم، اصبحنا نخجل ان نكون من رجال السياسة في هذا البلد.
يا سيدي، تقولون ان قضية الجيش، لك تصاريح في هذا المجلس، ان الجيش بعد قانون الدفاع، وهو الاساسي، وليس المرسوم، التنظيمي الذي نتكلم عنه، ان قانون الجيش قد بعث الامل والثقة عند جميع الفئات، وهذا تصريح من لدنك. فاذا بنا اليوم، ونريد ان نرسل الجيش الى الجنوب. تعود وتبعث الشك فتقول: مرسوم تنظيمي.
هنا، جاءت في مخيلتي كلمة قالها الرئيس صائب سلام في التجمع المستقل، بحثت قضية المراسيم التنظيمية. قال: هذا شيء غير مهم، المهم هو تحرير الجنوب من الاغتصاب الاسرائيلي وليذهب هذا الجيش مباركا من الجميع.
يا سيدي، هل تتوقف عن تحرير الجنوب لانكم لم تستطيعوا عمل مرسوم تنظيمي. لا اعرف، اجلك يا دولة الرئيس، ولا تتصور ان انتقادي لك هو شخصي، فانا احترمك واقدر مواهبك. ولكن اسف ان اقول، اما للحكم ارباب، وللقرار والموقف فاعلية بقدر ما للجيش فاعلية. هل اتوقف عن ارسال الجيش الى الجنوب لاننا لم نعمل مرسوم تنظيمي يا دولة الرئيس؟
في هذا البيان، سردتم جميع الوقائع ولكن نسيتم ناحية امتدت معكم من تونس الى اليوم عندما تحفظتم في تونس تجاه مقررات مجلس الامن عن بقاء الوجود الفدائي الفلسطيني المسلح في الجنوب. وقد انتقدت كلمة "تحفظ" لانه حسب ميثاق جامعة الدول العربية، اما القبول واما عدم القبول، وليس التحفظ. ولكن تحفظكم كان يشكل عدم القبول. واذا بهذا البيان لا يذكر شيئا عن هذا الوجود. ثم جاءت بنود الوفاق الاربعة عشر، تقولون فيها: وتنفيذ الاتفاقات، واتفاق القاهرة، الى آخره، ايضا الناس وافقوا وهنا اطرح عليك سؤالا يا دولة الرئيس. وفي قلبي غصة وحرقة، يجب ان تجاوب هل ان الوجود الفلسطيني في صور وصيدا وتبنين والنبطية هو من ضمن اتفاق القاهرة؟ انا يا دولة الرئيس، اسأل هذا، لاني في الاساس كانت ارادتي ان تلغى هذه الاتفاقية. لان لا مصلحة عملية منها. لانك ان الغيتها او ابقيت عليها.
فالفدائي الفلسطيني سيبقى في الجنوب. انما بقاء هذه الاتفاقية هي قوة شرعية في يده، وتساعد على ارتهان الجنوب لاسرائيل ولغير اسرائيل. وانا بالواقع، وافقت على ان تنفذ اتفاقية القاهرة. لقد قلتم في بيانات عديدة انكم ستنفذون هذه الاتفاقية. فانا اسأل وقد قرأت هذه الاتفاقية، واسأل الحكومة اذا كانت تعتبر ان هذه الاتفاقية تشمل صور وصيدا وتبنين والنبطية، الى اخره.
دولة الرئيس، من نكد الجنوبيين ان يقعوا ضحية هذه الاتفاقية. وعندما نطلب في كل مرة الى الحكومة، تقول انها تنسق، وهناك وعد بتنفيذ هذه الاتفاقية. فانا اطلب من الرئيس، واقول له: لماذا لا تنفذ هذه الاتفاقية حسب مضمونها.
ولو كنت مكانك يا دولة الرئيس لارسلت الجيش الى الجنوب بدون سؤال احد. لان ارض الجنوب ارض لبنانية، وهي اليوم الارض المغتصبة من العدو الاسرائيلي. ابعث بالجيش بدون المرسوم التنظيمي. لا تلهينا بالمرسوم التنظيمي يا دولة الرئيس.
دولة الرئيس، اذا كانت هذه الحكومة تريد ان تكفر عما تألم الجنوبيون من جراء هذا التخاذل، اطلب منك ان تواجه هذا المجلس الان بقرار فوري تقول فيه: سارسل الجيش الى الجنوب، وسارسل الجيش الى الاسواق، والى الاشرفية، وسامنع المتطاولين على القانون، ان كان في الدوائر المالية العقارية او في اية دائرة. واني ساضع في السجن كل من يسمح لنفسه بتوقيف لبناني. التوقيف هو من صلاحياتي.
وانا ارى ان المسؤولية جسيمة لدرجة، وخاصة فيما يتعلق بالجنوب والاسواق. عندما نقل، يا دولة الرئيس، اننا ننسق مع السوريين طيب، ما قدرنا ننسق معهم ما منقدر ننزل الجيش الى الاسواق؟ وما بقا كنت احكي متلك على المرافئ غير الشرعية، لانها اصبحت مثل حائط مبكى. انا اطلب منك العمل، ولا اطلب منك موقفا. وانا اتكلم الان مع رئيس الحكومة لاني ابرئ كثيرا من الامور السياسية باقي الوزراء. لان المسؤول عنها الرئيس الحص والوزير فؤاد بطرس. لا يمكن لنا بعد اليوم ان نجابه المواطنين عندما يلتقوننا ويسألوننا الا يمكن ان تطلبوا من الحكومة ان تحتل خمسمئة متر مربع من البرج الى فندق فينيسيا.؟
يا دولة الرئيس، انا لا افهم كيف يكون التنسيق. نحن نريد ان نأخذ موقفا مع سوريا. اما ان نقف معها واما ان نقف ضدها. فاذا كانت سوريا هي التي تمنع الجيش اللبناني من النزول الى الاسواق، فنحن ضدها. واذا كان ليس ذلك فنحن مع سوريا.
انا اقول، منذ الان، ان دولة الرئيس يعرف ان عدم ارسال الجيش الى الاسواق لا يتعلق بسوريا. والتنسيق ملهاة، ونحن لا يمكن لنا ان نواجه، بعد اليوم. المواطن بذات الطريقة وبذات الاساليب التي تستعملها الحكومة مع المجلس، اولا ومع المواطنين ثانيا. وشكرا.
نحن هنا لأن الدولة في مأزق والوطن في خطر، وعندما يكون الوطن في خطر، نلتقي في ملتقاه كجنود ارتباط وانضباط، للعمل على انقاذه، ولأن لبنان هو أرض التلاقي والتفاعل بين الأديان والحضارات والإتنيات، علينا العناية به لننطلق من التسويات الى الحل، وبالتالي الى وطن نموذجي، ضامن للسلام والأمان والطمأنينة لشعبه ولشعوب المشرق.
جميعنا مدعوون افرادا وفئات الى قراءة علامات الازمنة لنستشف دورنا فيها، ولا يجب ان تختلف الاراء وتتباين الاقتناعات وتتمايز الاقتراحات لما في قواعد التفكير والتطلعات من تنوع وفي الاحداث المحلية والعالمية من اضطرابات وفي الافق من غموض. والفطنة في الا يستكبر احد على احد ولا تستخف فئة بفئة، والحكمة في الاصغاء والتفاعل بغية التكامل.
من القضايا التي تستحق ان تستحوذ كل الاهتمام التربية والتعليم بما فيه الجامعي.
بقدر ما هو التعليم رسالة روحية ووطنية وإنسانية، بقدر ما يتوجب التحسس بمستقبل الاجيال اللبنانية الناشئة والحفاظ على مصلحتهم ومصلحة الأهل والوطن ومعالجة مسألة الزيادات الدائمة على الأقساط المدرسية.
تفاقم القلق وازدياد المشاكل الحياتية والاقتصادية والاجتماعية في هذه المرحلة الحساسة يتطلب الكثير من الوعي والحكمة والصراحة...
على الحكومة إيلاء الحالة الاقتصادية الاجتماعية اقصى درجات الاهتمام لأن وجع الناس وصراخهم يزداد ولأن القلق على المستقبل خاصة عند الشباب من ابرز اسباب الهجرة التي هي عدونا الابرز.
بات ملحًا اليوم اعلان حالة طوارئ اقتصادية اجتماعية لأن الاستحقاقات المالية داهمة، والشعب يئن من البطالة وصرف العمال والغلاء والاقساط وندرة الاستثمار...
وصل الوضع الاقتصادي الاجتماعي الى درجة تستدعي ليس فقط حلقات حوار ولا خلوات وزارية دائمة بل حتى حالة طوارئ سياسية يكون بندها الوحيد كيفية معالجة الهجرة واليأس والهدر والفساد والدين العام.
الاصلاح الاقتصادي صار امرًا واجب الوجود، وإلا سيستمر الوطن في نزيفه وانهياره.
من الضروري أن يكون برنامج الإصلاح المالي الاقتصادي على رأس الاهتمامات
لن يتحمل اللبنانيون ولن يقبلوا أن يدفعوا ثمن أخطاء الطبقة السياسية.
تحريك الجمود والالتفات إلى قضايا الناس الحياتية من عمل وبنى تحتية وكهرباء وسواها، أولوية أساسية إذا ما أردنا قيامة حقيقية لواقع المجتمع اللبناني.
ثمة قلق جدي بفعل تراجع الوضع الاقتصادي وارتفاع حجم المديونية العامة، لما ينعكس ذلك على الوضع العام في البلاد.
إلى الأزمات الاقتصادية والدين العام وواقع الإدارة غير المتوازي، تأتي ملفات الفضائح التي تطاول أكثر من مرفق لتزيد الواقع سوءً وسوادًا.
مطلوب جردة حساب رسمية على واقع التعيينات والتعاقد، ليتسنى للرأي العام أن يعرف حقيقة الأمور وإصلاح اي خلل.
مع رفض وجود السلاح في أيدي الفلسطينيين، خارج وداخل المخيمات، يأتي التخوّف من التوطين ليزيد الواقع ضبابية.
إن رفض التوطين هو من المسلمات الوطنية التي جاءت في مقدمة الدستور وهو يرتدي الأهمية نفسها التي ارتدتها مقاومة الاحتلال الإسرائيلي.
إن لبنان الذي استضاف اللجوء الفلسطيني، عملاً بالواجب الإنساني والقومي، والذي تحمّل التضحيات القصوى في سبيل نصرة القضية الفلسطينية، المتمثلة بحق العودة، أصبح هدفًا لمؤامرة خطيرة يوم طرح وطنًا للفلسطينيين، بديلاً عن فلسطين.
هذه المؤامرة معززة بالكثافة الفلسطينية في لبنان، وحالة التسلّح بذريعة "العمل الفدائي"، كانت من الأسباب المباشرة، لاندلاع الحرب في لبنان عام 1975، ولتحريك الطروحات القصوى التي هددت وحدة الشعب والأرض، وقد تمثلت بمؤامرة التقسيم.
أصدرت جامعة الدول العربية، قرارات عدة حظّرت بموجبها على الدول العربية المضيفة للشتات الفلسطيني، منح جنسيتها للأخوة اللاجئين، حفاظًا على قضيتهم، وحفظًا لحقهم بالعودة، ومنعًا لذوبان هويتهم عبر توطّنهم الدائم في هذه البلدان.
كما أن ثمّة قرارات دولية خاصة بالحقوق الفلسطينية، أبرزها القرار 194، والقرار 242، اللذان يكرسان حق العودة، وحق جمع شمل العائلات، التي شرّدتها نكبة فلسطين والحروب التي تلت تاريخ النكبة.
إن اعتبار حاجة العالم العربي، للسلام العادل والشامل، موازية لحاجة إسرائيل والغرب، وسائر دول العالم لهذا السلام إياه، وما لم يكن الأمر على هذا النحو، فلا حاجة به للبنان وسوريا، ولا لبلدان المنطقة العربية، ولا للأسرة الدولية جمعاء.
تمسّك لبنان بإسقاط مؤامرة التوطين مطلب داخل في صميم محادثات السلام، وبند أساسي في جدول أعمال هذه المحادثات، وشرط وطني، يوازي بأهميته تحرير لبنان.
وبقدر التعاطف مع معاناة الشعب الفلسطيني والتأييد لنضاله من أجل إقامة دولته والاستنكار لما يتعرّض له الفلسطينيون من تنكيل، بقدر ما هي مرفوضة عودة الفلسطينيين في لبنان إلى خطاب تصعيدي أو انفلات أمني تحت أي حجة تفتح بابًا على حرب لسنا مهيئين لها.
على مستوى مسيحيي الشرق الأوسط، نحن بأمس الحاجة إلى مزيد من اللحمة بين الكنائس الناطقة باللغة السريانية ومزيد من التوحّد مع الكنائس الشقيقة ومزيد من الحوار المسيحي – الإسلامي، لأن الخشية الحقيقية أن يشهد هذا القرن نهاية الحضور المسيحي المشرقي إذا استمرت وتيرة الهجرة على ما هي، وإذا بقيت المشاكل السياسية والحياتية والاقتصادية تمنع الفرد الإنسان من الشعور بالحرية الكاملة والكرامة والراحة وعدم الأمان للمستقبل".
التمثيل المسيحي المشرقي، مع الأسف، يصبح رمزياً يومًا بعد يوم.
كيف يمكن أن تظهر العروبة الحضارية وجهاً ناصعاً إذا لم تكن تلحظ المشاركة المسيحية في صنع قرارها.
تتحمل الحكومات في المنطقة كل المسؤولية وراء عدم استيعاب الحضور المسيحي.
مشيرًا إلى دورها وأدائها على هذا الصعيد
من حق المسيحيين العيش بكرامة وسلام وأن يتساووا مع أشقائهم في المواطنة وان ينعموا بالحرية.
من الضروري مضاعفة الجهود من اجل الا تبقى صورة التكفيريين والإلغائيين هي الطاغية.
دور الكنائس في تثبيت المسيحيين في ارضهم التاريخية رغم الحروب والوضع الاقتصادي الصعب وتنامي الارهاب والاصوليات الالغائية وغياب الديموقراطية واحترام حقوق الانسان يبقى من اولويات واجباتها، لا سيما وأن أرض لبنان مقدسة لأن السيد المسيح مرّ فيها.
مخاطر جمة تحيط بالمسيحيين ولبنان، لا يمكن مواجهتها إلا بمزيد من توحيد الجهود والرؤية والأهداف وتعزيز العيش المشترك ودور لبنان في المنطقة.
يطاول الإجحاف الشارع المسيحي بسبب أداء الدولة المشبوه على هذا الصعيد.
ظاهرة لا يمحوها إلا النضال من اجل التوحد لقيام استراتيجية مسيحية وطنية تأكيدا للتضامن بين الاحزاب والقوى والتيارات وحفاظا على القرار المستقل.
من الضروري استنهاض القوى الحية لدى المسيحيين، ودفعها إلى المشاركة الحيّة والفاعلة في الحياة العامة ورفض اليأس والانكفاء،
العمل في اتجاه فرض إعادة التوازن، والمثول بقوة في آلية صنع القرار في الدولة، ومواجهة المحادل السياسية التي تستفيد من الغياب المسيحي لتكريس امر واقع لا يمكن في أي حال من الأحوال أن يعكس حقيقة لبنان القائمة على التوازن، والمشاركة والتفاعل، فيستقيم العيش المشترك، ويأتي تعبيرًا وتجسيدًا لواقع قائم.
كذلك التراشق المسيحي العنيف بين التيارات والقوى والشخصيات في زمن نحن أحوج ما يكون فيه المجتمع الى تناغم مسيحي وتوافق وطني، هو امر مستهجن.
من الملح طي صفحة الخلافات والخصومات والتنافر المسيحي، بين كل الاطراف والاحزاب والشخصيات، لأننا امام مفترق خطير وأمام تحديات عظيمة، ولأن مستقبلنا كمجموعة وكشعب وكطوائف وكدور طليعي رهن بطريقة تلاقينا وإدارتنا لتنوعنا وتعددنا.
ومن الملح أيضًا التلاقي حول ثوابت مسيحية ووطنية تعزز استقلالنا وتعيدنا الى قلب القرار الوطني، بالشراكة التامة مع كل اللبنانيين، مثالا حقيقيا لعيش مشترك.
على المسيحيين ان يتوحّدوا في الرؤيا وفي الثوابت، ليس ضد أحد ولا في مواجهة أحد، بلْ مع كل اللبنانيين لخلاص الوطن.
كل الأطراف مدعوة إلى إبقاء الخلافات السياسية ضمن منطق الحوار والديمقراطية واحترام الآخر. فنقدّم للعالم العربي نموذجًا حضاريًا هو بامس الحاجة إليه في زمننا الحاضر.
على الجميع ان يفكروا معًا بمحبة واحترام حول أفضل السبل لتأمين السيادة الكاملة، الحرية التامة، والمشاركة المتوازنة.
شعبنا لن يرحم اذا خسرنا حضورنا بسبب خلافاتنا وتفككنا، لأنه يمر في فترة حرجة جدًا من تاريخه ومصيره ومستقبله وكل ما يرمز إليه من تاريخ وحضور، يقف اليوم على المحك.
على المسيحيين ان يجتمعوا ويتضامنوا مع كافة اخوتهم في الوطن.
ان المسيحيين واللبنانيين يفتقدون في هذه المرحلة العصيبة الى الحكمة والفكر ورجال الدولة والمؤسسات.
العودة الى الطائفية والمذهبية ولغة الشوارع والحقد لن يربح أحداً. ومنطق العقل والوحدة يجب ان ينتصر وإلا خسرنا كل ما نملك...
اختلاف الرأي السياسي بين المسيحيين نعمة ولكن تدمير الذات والتقاتل ينهي اي امكانية لاي نهضة ودور.
المسيحيون لا يمكن ان يكونوا الا صنّاع قرار في الوطن. لا ملحقين ولا مهمشين ولا مراقبين ولا ذميين. ولا تنازل عن دورهم في الدولة وحضورهم وتوازنهم ولا يمكن ان يستمر الوضع وكأنهم ليسوا موجودين.
ليس لدى المسيحيين إلا مشروع الدولة الواحدة القوية العادلة السيدة الحرّة المستقلة القائمة على المساواة التامة والتوازن الكامل.
من واجبي التذكير ببعض الثوابت اللبنانية، التي تشكل ضمانة لكل الطوائف اللبنانية وتؤمن العدالة بين اللبنانيين.
لبنان وطن نهائي، بحدوده المبينة في المادة الاولى من الدستور اللبناني والمتعرف به دوليًا.
اللبنانيون: المقيمون منهم والمنشرون في العالم، يؤلفون الأمة اللبنانية، المبنية تاريخيًا على التعددية الاثنية والدينية، وعلى التنوع الحضاري، والثقافي، والتراثي، واللغوي، والمتكونة من مجتمعين رئيسيين متحدين: المسيحي والاسلامي، وهما متساويان في الحقوق والواجبات.
لبنان بواقعه الاجتماعي والسياسي والوطني، وبحقيقته التاريخية، هو :اتحاد طوائفي" بين مجتمعين الاساسيين، مما يحتم اشراك طوائفهما في ادارة شؤون الدولة.
لبنان دولة حرة مستقلة، ذات سيادة تامة، وذات نظام جمهوري ديمقراطي برلماني تعددي يقوم على مبدأ فصل السلطات، ويرتكز على ديمقراطية التوازن والعدالة بين الطوائف.
تضمن الدولة اللبنانية وتصون حريات وحقوق الافراد والجماعات التي يكرسها الدستور اللبناني، وايضاً كل الحقوق والحريات التي تكرسها شرعة حقوق الانسان.
لبنان، في محيطه الاقليمي متعدد الانتماآت: (مشرقي، وشرق ادنوي – وشرق اوسطي _ وشرق عربي – وبحر متوسطي) وهو من الوجهة الحضارية والثقافية والتراثية، حصيلة الحضارات والديانات الديمة والحديثة، التي عاشت على ارضه وتفاعلت مع شعبه عبر تاريخه الطويل، وعالميًا فهو ينتمي الى الحضارة الغربية الانسانية العالمية، التي هي ايضًا جزء منه. وبفعل هذا، فقد تكونت للبنان الوطن، وللأمة اللبنانية، هوية وطنية قومية لبنانية خاصة بهما.
الدولة اللبنانية، بحد ذاتها، كشخص معنوي وقانوني، هي دستوريا (المادة 9 من الدستور)، دولة علمانية (زمنية)، اي غير دينية، وبالتالي حيادية بين الاديان، تمتنع عن اتخاذ اي دين رسمي لها، ان علمانية الدولة، وواجب احترام وضمان حرية الاشخاص، توجب علىالدولة اقامة الزواج المدني الاختياري، ووضع قانون مدني اختياري للاحوال الشخصية، يطبق على كل من يختاره من اللبنانيين.
يجب اعلان لبنان دولة حيادية، تلتزم الحياد الدولي الدائم، وتبعا لذلك فهي تعمل للسلام العالمي، وتبتعد عن المحاور والاحلاف السياسية والعسكرية، وعن الحروب، وهي تمارس هذا الحياد من خلال عضويتها في جامعة الدول العربية، وفي منظمة الامم المتحدة، وفي سياستها الخارجية مع كافة دول العالم.
تنتسب الدولة اللبنانية، كعضو عامل وفعال، في المؤسسات والمنظمات الثقافية، والاقتصادية، والعلمية، الاقليمية منها والدولية، فتعمق بذلك مساهمة لبنان في التعاون الدولي الانساني.
تتعامل الدولة اللبنانية في علاقاتها مع كل دول العالم، على اساس مبدأ السيادة التامة، والمساواة، والمعاملة بالمثل، وعلى أساس التعاون، والاحترام المتبادل لاستقلال كل دولة، وسيادتها، وأنظمتها، وقوانينها.
نظام لبنان الاقتصادي حر، وعلى الدولة رعايته، ويجب عليها أن تضمن للمؤسسات وللأشخاص وللرساميل حرية التحرك والعمل، بعيدًا عن التجاوز والاحتكار والاستغلال.
المبادرة الفردية مصونة بما لا يتعارض مع النظام العام والمصلحة العامة.
اي مشروع اصلاح او تطوير للنظام اللبناني، يجب ان يكون توافقيًا بين المجتمعين اللبنانيين الرئيسيين، وأن يقوم على أساس الثوابت الواردة في هذه المذكرة، كما يجب ان يحافظ على الحقوق والضمانات التاريخية العائدة للطوائف اللبنانية. وذلك عن طريق الحوار بين اللبنانيين، وفي اطار من السلم الحقيقي، والحرية التامة.
ان بحث واقرار اي اقتراح او مشروع يتعلق بتطوي النظام اللبناني، يجب ان يتم بواسطة المؤسسات والسلطات الدستورية الحالية، وفقًا للأصول المحددة في الدستور اللبناني، ومن قبل مجلس نيابي منتخب.
وجوب ممارسة اصول الديمقراطية الصحيحة في اختيار نواب الامة، مما يعني رفض مبدأ تعيين النواب بأي شكل كان.
"مما لا جدال فيه ان الحضور المسيحي في المشرق العربي يتراجع يوما بعد يوم، وأسبابه عديدة ومتفرعة،
الحرية الايمانية هي حق مقدس كفلته شرعة حقوق الانسان،
الاديان السماوية التي انطلقت من هذا الشرق تدعو الى المحبة والسماح والغفران،
من غير الجائز ان يشعر احد انه مرفوض او مضطهد بسبب دينه او مذهبه او معتقده،
الانسان اما ان يكون حرا او لا يكون انسانا.
في غمرة موجات التطرف والتصعب والاستفزاز والكراهية ما يمكن ان يسمى احيانا "بالارهاب الديني" الذي يغزو العالم، وفي ظل الاستنكار العارم للدعوات والممارسات المشينة ضد اي دين من الاديان، لا بد من تأكيد حق كل ديانة بتمسك اتباعها بخياراتهم الحرة في معتقداتهم وشعائرهم والتعبير عنها وفقا للقيم والمبادىء الاخلاقية التي هي جوهر انسانية الانسان.
ان اللبنانيين بأكثريتهم الساحقة، مسلمين ومسيحيين، مؤمنون بان هذا الوطن اذا خسر تنوعه الايماني والثقافي والحضاري، واذا فقد حرية انسانه الفردية فانما يخسر مبرر وجوده وديمومته لان هذا اللقاء الفذ بين اديانه ومذاهبه وهذا التفاعل الخلاق بين معتقدات ابنائه، هو الذي يعوض عن مساحته وعدد سكانه ويحوله الى وطن ذي دور ورسالة.
الخوض في متطلبات الحضور المسيحي الفاعل في الشرق العربي، قضية شائكة، الجزء الاهم من متطلبات هذا الحضور هو ما ينشده كل انسان في هذه المنطقة، وليس فقط المسيحيون.
السلام والاستقرار وحقوق الانسان والازدهار والحرية والديمقراطية، هي مطالب جميع مواطني دول هذه المنطقة.
الهجرة بسبب غياب هذه الحقوق، تطاول اعدادا كبيرة من ابنائها المسلمين قبل المسيحيين، غير ان انعكاس هذا الغياب على اتباع الديانة المسيحية اكبر بكثير. اولا، لان اعدادهم قليلة بالاساس، وبالتالي فان التناقص سريعا ما يبرز للعيان. وثانيا، لان وقع التهميش على الاقليات اكثر وطأة عليها منه على سائر فئات المجتمع التي لا يمكنها ان تعزو سبب تهميشها الى كونها أقلية. هذا فضلا عن سعي المجموعة او الفرد الحاكم الى استرضاء الاكثرية من خلال تدابير ومواقف غالبا ما تستهدف الاقليات، وبخاصة الدينية منها" .
وليس من يجهل ان المجتمعات المزدهرة والمطمئنة الى حاضرها ومستقبلها، والمتمتعة بحقوق مدنية واجتماعية وسياسية من شأنها ان تصبح حاضنة لنوعية راقية من المواطنين قابلة بالآخر المغاير وبحقه بالاختلاف.
وهذا بتقديري او ما يطلبه المسيحيون في المجتمعات العربية التي يعانون فيها منذ عقود من اسقاطات متنوعة واحكام مسبقة من جانب الاكثريات في مجتمعاتهم التي تريدهم ان يتبنوا عادات اجتماعية ومعتقدات سياسية، وفي بعض الاحيان دينية، مخالفة لعاداتهم وتقاليدهم ومعتقداتهم.
بالتأكيد ان عملية تشكل الدول وفق الشكل الذي يستجيب لمعايير حقوق الانسان والمواطنة القائمة على المساواة بين جميع افراد الشعب ومجموعاته الاثنية والطائفية، يفترض ان تكون نابعة من داخل هذه الدول.
العالم العربي سلك طريقا معاكسة، ادت في شكل طبيعي الى نتيجة معكوسة، لقد صهرت النخب الحاكمة خلال العقود الستة المنصرمة، باجراءات فوقية، مجتمعاتها وطوائفها ونخبها، وانصهرت هذه المجتمعات والطوائف، بشكل طوعي في معظم الاحيان، في قالب ايديولوجي واحد تطغى عليه، ان لم تسد فيه، ألوان ومعتقدات وتطلعات ونمط حياة الاكثرية الاسلامية.
متطلبات الحضور المسيحي الفاعل في دول الشرق العربي تبدأ بإعادة الاعتبار الى التجربة اللبنانية، بأبعادها القائمة على الديمقراطية والعيش المشترك والمساواة بين جميع المجموعات الطائفية، ومحاولة تعميمها، بالقدر الممكن على الدول العربية، كل بحسب اوضاعه وظروفه الداخلية. فلبنان شكل قبلة لمسيحي الشرق ومقرا لكنائسهم وجامعاتهم ومؤسساتهم وفي بعض الاحيان ملجأ لهم، عندما كان وجودهم مهددا. وكل مبادرة باتجاهه سرعان ما تنعكس، في شكل او آخر عليهم.
لعل المناخ السياسي والتبدل في الذهنيات هو اكثر القضايا إلحاحا بالنسبة الى الحضور المسيحي الفاعل في الشرق العربي، لانه المدخل الالزامي للتنمية المستدامة والشاملة لمختلف نواحي الحياة الانسانية التي تجتذب المسيحي المشرقي الى الدول الغربية حيث تسود المساواة والفرص المتاحة امام الجميع. المسيحيون يريدون البقاء في الشرق العربي، والدليل انهم لا يزالون مقيمين فيه، وان بعض من يهاجرون منه يعودون اليه على رغم المغريات في دول الغرب. غير انهم يريدون ان يعيشوا بكرامتهم وبمساواة مع غيرهم من ابناء المنطقة، وبشيء من الحرية. ان كل مبادرة رسمية او حتى فردية، أكان على مستوى مادي، كمثل انتهاج سياسات او تقديم دعم، ام معنوي، كمثل اعلان مواقف ايجابية من الدور المسيحي في العالم العربي، تجد دائما وقعا لافتا في صفوف المسيحيين في كل دول المشرق العربي.
فكيف اذا تنسقت هذه المبادرات وتتابعت في اطار جامعة الدول العربية ومؤسساتها، او في غيرها من الاطراف الموجودة او تلك التي يمكن استحداثها، وصارت منحى ثابتا في السياسات الرسمية والمناهج التربوية.
المتطلبات للحفاظ على الدور المسيحي الفاعل في المشرق العربي ليست صعبة التوافر متى توافرت النيات الرسمية الحسنة والانتباه المطلوب من المسؤولين في دول هذه المنطقة التي لن تجد نفسها، في حال غياب الحضور المسيحي التام، الا ساحة لنزاع دام مفتوح الى ما شاء الله بين الاسلام واليهودية. نزاع سوف يؤدي الى مزيد من الكراهية والموت والدمار ولكن ايضا المزيد من الفقر والتخلف والحرمان، وتراجع لحقوق الانسان" .
دور الانظمة العربية يفترض ان يتزامن مع التزام دولي بالاحجام عن السياسات التي تشعر اي فئة من فئات منطقة الشرقين الاوسط والادنى بالغبن والاستهداف او بالخضوع لعدالة الكيل بمكيالين. فهذه السياسات أدت، خلال العقود الماضية، الى بروز تيارات راديكالية مناهضة للقيم العالمية التي تتبناها دول العالم، لاختبارها إجحافها او عدم الالتزام بمقتضياتها لدى تعاطي هذه الدول مع القضايا التي تهمها. وفي مجتمعات تقودها هذه التيارات الراديكالية الرافضة للشرعة العالمية لحقوق الانسان وغيرها من المواثيق الدولية، من الصعب توقع بقاء مسيحيين فيها. ولعل تجربة القضية الفلسطينية التي لم تزل جرحا مفتوحا لا يجد طبيبا متجردا يعالجه منذ اكثر من ستين عاما، وتجربة العراق بالامس القريب، وما أفضتا اليه من هجرة للاقليات المسيحية منهما، خير دليل على الانعكاسات السلبية لهذه السياسات على وضع المسيحيين في الشرق العربي" .
الموضوع الذي يجب ان يطرح هو: ما هو مصير العرب كشعب تاريخي في حال زوال التعارف من بينهم مع الاخر بالاعتبار بان مثل هذا الزوال للنصارى العرب امر يمكن تخليه؟
لبنان بالنسبة الى العرب، هو اخر معاقل النصرانية، في ديارهم، ومنذ عشرين سنة تقريبا، عندما بدا للعرب من اقصى مشارفهم الى اقصى مغاربهم، ان النصرانية في لبنان توشك على الانهيار تملكهم الخوف وهبوا جميعا لوضع حد لهذا الانهيار.
المسيحيون الباقون حتى اليوم في ديارهم العربية، والى جانب رهطهم، هم وحدهم من حماة هذه الديار ان هم ارادوا ذلك فعليا، المطلوب منهم فقط استمرار وجودهم حيث هم، حتى تستمر الظاهرة التاريخية التي اسمها العرب النصارى، التي بدونها لن يكون هناك شيء اسمه عرب، فهل ندرك عمق المسؤولية التاريخية والحضارية المنوطة بنا وخطورتها؟".
أول ما يثار اليوم هو المسألة الديموغرافية.
الحديث اليوم عن تراجع ادوار المسيحيين متصل اتصالا وثيقا بضعف الدولة أو اضعافها ومعها المواطنة والمساواة.
لكن الرد على تراجع الدولة والمواطنة لا يكون إلا في التمسك بالدولة وبتأكيد المواطنة، بديلا من اعادة اختراع العصبية الطائفية، ردا على العصبيات الأخرى.
الخوف من تراجع أدوار المسيحيين، والتفجع بأحوالهم يستعجل تحقيق ما يخافون منه.
لا مستقبل للمنطقة من دون العيش الواحد، وأن تراجع الحضور المسيحي من حيث العدد.
التحديات التي تواجه المسيحيين كتنامي الحركات التكفيرية الاسلامية والتي تسعى الى إلغاء الآخر المسيحي والاسلامي الذي لا يطابقها النظرة، وانزلاق بعض الفئات المسيحية الشرقية الى منطق انعزالي كمخرج وحيد لحمايتهم، كلها عوامل تدعو المسيحيين اليوم وأكثر من السابق إلى استعادة مواجهة هذه التحديات بترسيخ هويتهم كرسل حضارة.
وجود كنائسنا في هذه المنطقة من العالم يشير الى أصالة كنيسة المسيح الواحدة الجامعة المقدسة الرسولية في سياق التاريخ الانساني والجغرافية، ويشهد استمرارها، رغم الصعوبات على اختلافها والانقسامات التي عرفتها عبر مراحل التاريخ المعاقبة، على أمانتها للمسيح منذ يوم العنصرة.
أي انتكاس يصيب وجود المسيحيين، واي انحسار لدورهم، هما بمثابة شهادة مضادة لتجذر المسحية في منطقتنا منذ ايام الرسل وحتى اليوم".
يحمل المسيحيون في منطقتنا تراثا مسيحيا فريدا تكوّن بفعل خبرة تاريخية طويلة اتسمت بتفاعلنا كمؤمنين بالمسيح مع حضارات قديمة متنوعة انطبعت بها هوياتنا الكنسية كالآرامية (السريانية) والمصرية والهلينية والرومانية".
نحن مأزومون، نحن شعب ضائع مفتت. ظلمه التاريخ والقدر والغزوات والحروب. لا دولة له لا سلطة لا تحالفات لا مشروع. نحن كلنا كمسيحيين غير متفقين حتى على الحد الادنى من الثوابت مع روعة تنوع حضاراتنا والثقافات. ان انقسامنا المذهل طوائف ومذاهب واحزابا، ثم داخل طوائفنا من انانياتنا والفوضى، مأساوي كأننا غير مدركين لحجم المخاطر. لقد تطبعنا عبر قرون، وحين عصف عصر حقوق الانسان والقوميات خفنا، في عالم تهمه المصالح وليس المبادىء أليس مذهلا ان يسمينا بيان حكومي عراقي "الجالية المسيحية" بعد ألفي سنة من حضورنا في بلاد الرافدين.
علينا ان نكون واضحين. لسنا صليبيين ولا أحصنة طروادة لاحد. لا نقبل أصلا اي اتهام او تشكيك في انتمائنا، دون وجل دون خوف.
جزء من هذا العالم الاسلامي والعربي والتركي والايراني والكردي. جزء من تنوع منطقة ضاجة. لكننا مع حقوق كل انسان، مع الحريات. لا يمكن ان نكون على الحياد مع قضية حق الفلسطيني بدولة، مع سلام عادل شامل، مع حق العودة للاجئين، لكن ايضا مع الحق الكردي بان يشعر بالامن والمساواة، مع حق المسيحيين في كل هذه البلاد، بان يعترف بهم ، بقومياتهم، بلغاتهم، بمؤسساتهم، بتمثيلهم، بأحزباهم".
موجة الاصوليات التكفيرية الالغائية المتخذة من النموذج الاسرائيلي راية، عبر نموذج إنشاء دول دينية على أنقاض الآخر، وعبر رفع فتاوى لا يقبلها لا عقل ولا منطق ولا دين هي أخطر ما يواجه المسيحي. ان هذا الارهاب الذي يغتال مطرانا، ويكفر جارا، ويهجر سكانا اصلييين هو آفة لا يمكن معالجتها فقط بالامن، بل بالفكر والاقتصاد والاعلام.
سكوت الانظمة العربية، واحيانا تواطؤها، عبر محاباة الفكر المتأسلم، لترضيته على حساب حقوق الانسان وحقوق المسيحيين هو طعنة في صميم جوهر تكوينها.
أليس غريبا ان يكون المسيحي دائما ضحية وفي أغلب الاحيان نسمع عن تبرئة القتل عبر تنسيب الجرائم الى مجنون؟
ان عدم جرأة الانظمة، بدءا من دساتيرها، في الاعتراف بالمساواة التامة بين المواطنين، لا يساعد على إعطاء اي بصيص أمل للمسيحي، صحيح ان الانظمة متفاوتة في تعاملها مع المسيحي، ففي بعض البلدان المواطنة فقط للمسلم، في بعضها دين رئيس الدولة الاسلام، وفي بعضها دين الدولة الاسلام.
ان هذا الغرب الخبيث يعامل قضية الحضور المسيحي بمكيال المتجاهل المتواطىء. اصلا هو مسؤول مباشر عبر احتلاله العراق في زعزعة كيان دولة عربية - مهما كان رأي الناس في قيادتها او ممارساتها - في غياب الامن والمرجعية. وهو مسؤول مباشر عن دعم احتلال فلسطين مما هجر ايضا المسيحيين من الارض المقدسة وأشعل غضبا اسلاميا عارما. ما زلنا كمسيحيين، من دون وجه حق، ندفع أثمان اخطاء الغرب وخطاياه رغم اننا معارضين لسياساته.
هذا الغرب ليس لديه ما يقدمه لمسيحيي العراق الا تسهيل سمات دخول لمزيد من التهجير. أصلا، ليس هناك على اي أجندة غربية ملف عنوانه بقاء او حضور او دور او مستقبل المسيحيين في الشرق.
هل الصورة قاتمة الى هذا الحد؟ انها كذلك، نتراجع في الديموغرافيا وفي الجغرافيا، اين طور عابدين، لم يبق فيها الا من يعد مقابرنا ربما ألفان فقط. القدس فيها 9 آلاف مسيحي فقط. اين القامشلي، انها عاصمة لما يسمونه كردستان الغربية، اين المصيطبة الآن، بقي فيها اقل من مئة عائلة سريانية, في طرفة عين تبخر نصف مسيحيي العراق.
عدد المسيحيين على اختلاف طوائفهم في الشرق الاوسط هو سبعة عشر مليونا.
ان المسيحيين المشرقيين يعانون في مختلف مناطق وجودهم من الضغوط والتمييز، وتتفاقم الهجرة في صفوفهم.
المسيحيون اللبنانيون وضعهم افضل من اوضاع المسيحيين الاخرين، لكنهم منقسمون دينيا وسياسيا.
السبب الاول في مشكلات الحضور المسيحي والحضور العربي العام هو الانسداد الفظيع في التجربة السياسية العربية طوال العقود الاربعة الماضية، وهو انسداد نال من الحراك السياسي والاقتصادي والاجتماعي كما نال من فكرة الدولة حضورا وممارسة، ولا شك في ان الاكثريات العربية انكسرت تحت وطأته، وعانت ولا تزال معاناتها شديدة، وربما صمد المسيحيون العرب تحت تلك الوطأة الانسدادية اكثر مما صمدت نخب الاكثرية، لكن في النهاية ومنذ الثمانينيات من القرن الماضي ظهر الانكسار لدى النخب المسيحية العربية ايضا، ولو تأملنا المشهد انذاك لوجدنا ظواهر تدل على ما نحاول اثباته في ثلاثة مواطن: الحرب الاهلية في لبنان وما خلفه الصراع عليه وفيه، وتفاقم الهجرة المسيحية من فلسطين المحتلة، والوجود المسيحي في العراق وسط الحروب المتكاثرة منه وعليه والتي بلغت ذروتها في الغزو الاميركي الثاني في العام 2003.
الدولة العربية ما عادت حامية وضامنة للسلم الاهلي ولعيش المواطنين وحرياتهم بل تحولت بسبب تخليها عن ادنى شروط الوجود والشرعية الى عبء هائل وضاغط، والسبب الثاني للمشكلات الحاضرة هو الاصولية الاسلامية التي صارت في وجه من وجوهها المعارضة الرئيسة للانظمة القائمة، وهي معارضة تختلف عن الانقلابات والمعارضات السياسية العادية، لانها تختزن حمولات ثقافية شاسعة وعميقة، وهي لم تقف في وجه الانظمة السياسية السائدة وحسب بل نشرت ايضا عالما مختلفا اقل ما يقال فيه انه يجرف في طريقه تقاليد وممارسات العيش المشترك".
اذا كانت التجربة السياسية العربية قد كسرت الضمانات والحقوق فإن الثوران الاسلامي كسر في الوعي والتصرف قيما ومحرمات اجتماعية واخلاقية لدى المسلمين وتجاه المسيحيين.
اما السبب الثالث للمشكلات المسيحية في هذا المشرق فهو يتصل بالمسيحيين انفسهم اي في افعالهم وردود افعالهم ازاء الظاهرتين السياسية والاصولية وازاء الامكانات المتاحة والحراك الممكن وغير الممكن، وقد تصرفت النخب المسيحية ليس في لبنان وحسب بل في مصر وسوريا تصرفا انكماشيا في الغالب، وثورانيا في بعض الاحيان، وفي الحالتين ولكل منهما اسبابها وظروفها فأدى ذلك الى المزيد من التآكل والتناقص.
إلتقيت يومًا موظفًا غير مسؤول على الغالب بمجرد انه طليق فراح يحدثني حديث العفة والنزاهة بمثل هذا فقال:
"شر العيوب السرقة. يسرق المرء إذا شاء ملك نفسه كأن يأكل أب في السر مأكلاً اعد لأولاده من ماله.
سرقة أن يأخذ المرء أشياء غيره بإذنه إن لم يكن هو بحاجة فعلية لهذه الأشياء. إذ يحذّر علينا اقتناء ما لسنا بحاجة إليه.
فإذا أكلت فوق طاقتي فقد تجنيت وسرقت.
واستطرد فقال: "كثيرًا ما يغيب عن المرء مدى حاجته وكثيرًا ما تلتبس حقيقتها عليه فيبالغ بعضنا في حاجاته بدون ما مبرر فيركب المعصية من حيث لا يدري. ويسرق على غفلة وعدم احتراز.
بل أكثر من ذلك، اشتهاء مال الغير سرقة.
وسرقة التفكير في اقتناء شيء مقدم فمثل هذا الهاجس.
مصدر لسرقات جمة.
ذلك أن نقف في الحاضر عند حد الاشتهاء فلا نلبث أن نعمد غدًا إلى تدابير مشروعة إذا امكن، غير مشروعة إذا لزم الأمر بغية امتلاك ما وقع الاشتهاء عليه.
وعندي ليس من شك في ان صائم الدهر هذا سعادة الموظف غير المسؤول أراد من حديث العفة أن يسرق من حسن ظني ما لم تقع عليه يد سارق من قبل.
وقد بلغ حرص سعادة الموظف غير المسؤول على دخله حدًا أشاد معه من مرتبه الضئيل ثروة يذهب في تعليل وجودها بين يديه إلى فضل ربه.
هنيئًا مريئًا كل ما تأكل وتشرب
فليس هذا أول عهد الناس لأمثالك وأول عهد أمثالك للناس.
فإن لأسرة الوظيفة سيرة تمعن بعيدًا في التاريخ أراها دائمة الميلاد تكاد لا تطوى حتى تعود فتنتشر
اكتفي للتدليل عليها بمواقف لعمر بن الخطاب تبدت لنا أيام حكمه:
وكان أول ألفت عمر إلى شذوذ موظفيه أنه بينما كان يتجول على عادته في أحياء المدينة رأى بناء يتشامخ فسأل عن صاحب هذا البناء فأجيب إنه لأحد عماله فلان
فقال: "أبت الدراهم إلا أن تخرج أعناقه"
وراح يتربص في عماله يراقب، يزجر ويحاسب.
فإليكم مثلاً رسالة وجهها إلى عبد الله أبي موسى الأشعري يقول:
"لقد بلغ أمير المؤمنين أن خشت لك ولأهل بيتك هيئة في لباسك ومطعمك ومركبك ليس للمثلمين مثلها. فإياك يا عبد الله أن تكون كالبهيمة همها في الثمن والثمن حتفها. واعلم أن العامل إذا زاغ زاغت رعيته وأشقى الناس من يشقى به الناس والسلام.
بيد انها سيرة كانت لا تقف عند هذا الحد من المشاهدة والمعاينة بل تذهب إلى أبعد فلا تهدأ إلا بعد حساب.
فمن أخبار العرب ما دامت أخبار العرب طريق التفاهم بين بعضنا وبين بعضنا الآخر.
إن عمر بن الخطاب كتب إلى عمرو بن العاص يقول "سلام عليك فإنه بلغني أنه فشت لك فاشية من خيل وإبل وغنم وبقر وعبيدًا وعهدي بك قبل ذلك أن لا مال لك. فاكتب إلي من أين أصل هذا المال"
فأجاب عمرو بن العاص: "والله، لو رأيت خيانتك جلالاً ما خنتك. فأقصر أيها الرجل فإن لنا أحسابًا هي خير من العمل لك إن رجعنا إليها عشنا بها".
فاجاب عمر: "نسقك الكلام في غير مرجع لا يغني عنك أن تزكي نفسك وقد بعثت إليك محمد ابن سلمى فشاطره مالك فغنكم أيها الرهط الأمراء جلستم على عيون المال لم يزعكم عذر. تجمعون لأبنائكم وتمهدون لانفسكم. اما انكم تجمعون العار وتورثون النار والسلام".
ومن اخبارهم انه لما ولّى عمر بن الخطاب عتبة ابن أبي سفيان الطائف ثم عزله، تلقاه في بعض الطريق فوجد معه ثلاثين ألفًا فقال:
"أنا لك هذا؟"
فقال عتبة:
"والله ما هو لك ولا للمسلمين. ولكنه مال خرجت به لضيعة أشتريها.
فقال عمر:
"عاملنا وجدنا معه مالاً ما سبيله إلا بيت المال. ورفع منه المال.
فيا صاحب الدهر سيدي، في القريب حساب يجب إداؤه لعمر.
سيداتي سادتي،
درجت السياسة على أن تخلع جوًا من جوها على البلد الذي تظله وأهله فكان لا بد في البداية لنصل وإياكم إلى الجهاز الذي يقوم على توزيع النصفة والعدل وإحقاق حق المتقاضين.
نعرف جميعًا ونحن على باب هذه الشهادة أي مركب موزع لحقوق الذي أجره اليوم يعدل اجران والذي قال فيه خبير عادل لاعتذاره عن عدم توليه القضاء "إذا وقع السابح في البحر فكم يقدر ان يسبح ونعرف جميعًا أي مركب هو مركب الشاهد على ما هو من ضمائر الناس لذلك أراني آخذًا بالظاهر الشائع تاركًا لله حسابًا وحده الله يجريه فأقول:
"إذا كانت الحاجة تلجئ غيرنا أحيانًا إلى استصدار قانون لينال كما هي الحالة في بريطانيا العظمى عندما يعمدون إلى الأصول المتبعة في ما أطلقوا عليه إسم ---- وهو قانون ذو مادة واحدة يجرم أمرؤًا لم تقم البينة الشخصية على أنه ارتكب ما يسند إليه من جرم ، قلت إن كانت الحاجة تلجئ غيرنا أحيانًا إلى استذدار قانون لينال فنحن هنا والحمد لله نعرف أقرب الطرق من الرغبة إلى الحكم.
أحب أن يكون كبير في القضاء قد قال لي ذورًا عندما قال "إما أن نظلم أولادنا أو نظلم الناس، فآثر بعضنا ظلم الناس".
كما أحب أن يكون كبير آخر من كبار القضاة المسقيلين قد قال لي ذورًا عندما قال "بين ان أخسر دنياي وبين ان أخسر الآخرة آثرت خسارة دنياي".
ولكن ما حيلتي إذا كان القضاة قد أجمعوا في مذكرتهم التاريخية إن القضاء خاضع للسلطة التنفيذية والقضاة يتعرضون للمجاذفات كلما أرادوا إثبات استقلالهم.
فهم لا يستطيعون أن يقاوموا المداخلات والضغط الموجه إليهم إلا باعتمادهم على قوة شخصيتهم وعلى مناعة اخلاقهم.
وهي شهادة من الأهل على الأهل ومن الظنين عليه.
فشهادة إقترنت بالتزكية. تزكية المسؤولين لهم بانهم لم يروا فيها سببًا لتسريح موقعيها من الخدمة وتزكية المحامين الذين أضربوا أربعين يومًا لرفع هذا الكابوس عن أقرانهم المساكين.
أما شهادتي في الموضوع فهي ان يحترم كل مشتغل في شؤون العدل علمه فيعليه على علم من لا علم له فيه. وأن يحترم ضميره فلا يسمح ان يتمسح به الآخرون وأن يحترم رسالته فمشعل الحق يجب أن يستمر فوق كل أرض وبين أية فئة كانت من الىدميين وأما ما يعترض طريق موزع العدل بيننا فمن اندراج العادي ودواؤه إرادة تعرف أن تقول لا أقبل.
وإن تعذرت فرغبة يرغب بها موزع العدل إلى صاحب التوصية في ان يحضر إليه بالذات عند كل توصية. فهو إن حضر مرة في الشهر فقد لا يحضر مرتين وإن حضر مرتين فليطرح غير مأسوف عليه أرضًا مع الخنازير.
وهل يخاف النافذ الموصي على شعبيته أن تتهدم لو كان يقول لأصحابا لحاجة من الناس "تقصر يدي أن تأمر يدًا في ان تخط حكمًا ينتزع من ملك زيد ويعطيك. وتقصر يدي على ان تقطع لك من الحق مشاع الامة وتراثها حصة دون الآخرين. فأول ما يجب أن يكون هو أن يقضى على شعبية قوامها هذا القوام قبل أن يقضي لمصلحتها قضاء.
إن استمرارها لذل وخدمتها مشاركة في الذل.
اما في عالم المحاماة فينبئك من تريد كيف يكبر المحامون ولا يد في ذلك للمواهب والعلم والاجتهاد وكيف يصغرون مع تقلص السلطة والسلطان من أجواء أوجارهم.
وينبئك من تريد كيف أن الصعاليك يعلون الإئمة الأساطين كيف يثري متدرج ويعوز نقيب.
كنت عرضًا ذات يوم في قصر العدل أتحدث غلى رفيق في شؤون المهنة فإذا صوت كجعجعة الطاحون يلفت إليه الواقفين جميعًا وإذا صاحب الصوت يقول "إذا كنت يا صاحبي تريد ان توكل إلي دعواك لان أخي نائب وأخي الثاني قاض وابن أخي قاض، والقضاة أصدقاء لنا ومعارف فلا أقبل منك الوكالة. أما إذا كنت تريد ان توكل إلي دعواك لانقضاء عشرين سنة علي في المحاماة فأهلاً بك.
إن الزميل الكبير ومن حوله الناس جماعات وأفرادًا، لم ير أفضل منها طريقة لتعداد شهاداته العلمية وألقاب بطشه ولم يلبث ان أكد لي شاهد ان الذي استحق هذه الموعظة رجل ساذج كان يسأل الزميل الكبير من أين تؤتى محكمة الاستئناف.
ونخرج من السرايات فإذا أمامنا المشتغلون في شؤون السرايات.
هنا المبوقون المطبلون المزمرون من رأيهم رأي البلاغات الرسمية بلاغات "يقرأ" و"يشاع" وبلغات "عار عن الصحة".
والمبوقون يتراوحون فئات بين سعادة البك الذي يتصدر المجالس "فيفلسف على طريقة مسكوكة كالعملة الخيانة والقحة والسرقة والاشتراء على القوانين والناس"
وبين من شهادته مسدس ينقل للتبرج والزينة فلا تطوله تدابير نزع السلاح من عمله الشهادة للزعامة الكاذبة في مناسبات الذهاب والإياب. إذا غابت عن الساحة مزيكة الإخوان.
وهنا من يبيع من الناس كلامًا ويعرف هؤلاء ما يعرفه الفرانون أن أحسن الكلام إحماه.
فيدفعون إلى السوق كلامًا حاميًا. إلى ان توجب "ألحال" فيعود كل واحد منهم إلى صفة هادئ اللهجة فارتها يتقيأها من فمه الرسول.
وهنا الحردون من يغضب إن فاتته حصة الأسد ومن إذا قسمت حصص الثا=عالب ادركتها الثعالب قبله.
إن ما بين هؤلاء والسرايات ما بين الحبيبة والحبيب في أيام الجفاء، نظرة فابتسامة فانزلاق. فلا يوجعون إذا ضربوا ولا هم يوجعون.
وهنا الرسميون من هم في يد السرايات كالرسن والعناق إن أرخت بهم قربوا منالبعيدين والمتباعدين وإن قبضتهم إليها عادوا بأس الجواد أو مالوا بها الناحية التي يريدون.
فالرسنيون عنانون نقاقون يعطونك من طرف اللسان ما يقصر عنه لسانك ويماشونك في النقمة واللعنة إلى حيث تغيب حقيقتهم عن الخاطر الكريم وقلّما يعودون يوم يعودون منفردين.
أولئك هم شباك السرايات.
وتوصلنا الطريق إلى المعارضين من معارضة الشعب الصامتة إلى معارضة الأركان الصارخة.
أما معارضة الشعب فهي بنت حاجته تشتد أو تلين بنسبة ما يفقد حاجاته أو يجدها.
وللشعب حاجات تتجاوز المرق والرغيف.
فشعب لبنان غير قدره وبطنه.
غنه ابن بيت كبير يطمع في أكثر من مكفيات الخدم المرفهين. ويهدف إلى أبعد ما يهنئ الآدميين من تسهيل وسائل الحياة وإغداق الضمانات الاجتماعية فهو يرعى حرمة لإنسانه
هذا الذي له في الطين رجل وفي عباب السماء انف شامخ وله مع الله قصة وفيرة.
كان في لبنان شعب حده حدود الدنيا في المشارق والمغارب.
طريقه الثقة والامل
مركبته الأمل والنشاط.
وسيلته أنه هو الوسيلة.
كان في لبنان شعب يعلق القرايا فوق أوكار النسور فيدغم في الصخور بيوتات الحجر وفي النجوم اضواء المصابيح.
كان في لبنان شعب يعيش من حريته من شموخه وإبائه لحريته لشموخه وأبائه
يدفع عنها بالسيف إن لم تسعف الحيلة.
كان في لبنان شعب يساير ولا يخنع
يلين ولا يخضع
يتجاهل ولا يجهل
ويعرف حدود الكرامة والغنفة
كان في لبنان شعب يرى الشغل صلاة إذا قام إلى المعول غنى في الطريق إليه وغنى للمعول بين يديه وغنى مع المعول يفت عنجهية الصخور ويمرع التربة بالساعد والعافية.
كان في لبنان شعب يرى الشغل فضيلة وشغل اللبناني عمل لا استخدام.
عمل يبدأ مع الصبح ويغرب مع الغروب ويرتد ما ارتد الواجب في الأيام
عمل طروب فهو كالمغناة تنشد على التعب والعرق
كان في لبنان شعب يرى الغتقان شرطًا في كل ما يعمل.
يضرب المعول ضربة فوق ضربة. وينزل الثلم على الثلم فلا يبعد إلا بمقدار. ويرصف السلاسل ممشوقة هيفاء في صدر العريض تميل مع التربة والخصب تمايل خصور العذارى مع الحد الانيق.
ويجلو النجارون الخشب المخفية في الطاولات والخزائن جلوهم للخشبة الظاهرة فلا غش ولا استخفاف.
ثقة من اللبناني ان الشغل فضيلة وصلاة.
فعندما راى الشعب اللبناني ما أصابه ودهاه وانه انقلب غيره عمد غلى المعارضة الساكتة أبلغ معارضة في المعارضات.
وكما انه يهزا من بهلوانيات الحاكمين فهو يسخر في اعماقه من ألاعيب المعارضين.
فمن هنا إنه لا يمد إلى المعارضة يدًا سخية انف ان يساند بها الحكومات.
وهل ان اللبناني من الغباوة بحيث لا يدرك ان العرائض الإصلاحية كالبيانات الوزارية تعد ولا تفي، تقول ولا تفعل، وأن الإصلاح ذريعة إلى الوصول مثلما هي البيانات ذريعة إلى الثقة.
لاجل ذلك فليتند اللاعبون بالنار وليخلص العاملون باسم الشعب للشعب.
واما معارضة الأركان فعلى وافر تقديري وحبي لبعض كبار المعارضين ولبعض شبانهم فأنا لا أومن ان معارضة الأركان ركن المعارضة في لبنان وما لم تصبح معارضة الأركان تعبيرًا مخلصًا صادقًا عن كل ما يموج في نفس: الأمة اللبنانية من طوق وأمان وأمال، فعبثًا تدعي المعارضة الوكالة عن الأمة.
وما لم تدرك المعارضة في لبنان ان طوق الأمة اللبنانية واحد وأن امانيها واحدة وآمالها واحدة فتوحد هي شعثها والتلم إذ التعبير عن الحقيقة الواحدة واحد فعبثًأ تزعم المعارضة انها مرآة الأمة.
وما لم توقن المعارضة يوم تتحد والامة فتصبح واحدة كطوق الأمة إن للمعارضة وسائل وأساليب غير ما تعتمد من وسائل وأساليب فسيظل يطولها قول جرير "زعم الفرزدق أن سيقطن مربعًا أبشر بطول سلامة يا مربع.
أما أحزابا لشباب ومنظماتهم فقد فاق معزمها سوء الطالع على مطاوعة منها او على غير مطاوعة إلى تكتل طائفي حال دون تماذج عناصر الشعب المكتلة هنا بعناصر الشعب المكتلة هناك. فقد جاءت على غير انطباع لما في نفوس الشباب وجاءت تستثمر خزينًا يريد لنفسه الان--- فكانت أن صبت قوى الشباب في السدود فأثنت ولم تمرع وعندي ان الاحزاب والمنظمات التي لا تدرك أغراضها في مدى آحاد السنين المنظمات تدور على ذاتها بعد ذاك فتذوب صوفيتها ولا يبقى منها سوى ما يبقي الشباب للكهولة من عادات تلزم الرجل عمره ولا تبلغ به كهلاً أبعد ما بلغت به أيام الشباب.
ذلك أن المنظمة وسيلة وقد جعلنا من المنظمة غاية فأي عجب والحالة هذه في ان تموت ضمن جدرانها الأربعة شامخة مع الأيان عائشة على الذكريات حافرة قبرها بالتقاعس والإحجام.
سيداتي سادتي
في آخر المطاف وقد اجتزأنا ما اجتزأنا عالم الدراويش فنانين شعراء أدباء الذين لا نسخطهم إذا صدقنا ولا نسخط الله. والذين لا نثير أحقادهم
باركنا أو لعنا فساحة الدراويش ساحة الملوك الميامين لا تضيق برأي ولا تتبرم بدخيل تفلت فيها القلوب كبارًا والأحاسيس ألف لون ولون وألف نبضة ونبضة وتثبت منها الخواطر هدامة بانية مزهوة وازعة ناقمة راضية صاخبة ناعمة بعضها يطاول البعض الىخر. تتصارع تقتتل وتصمت أو تموت في غمرة من الدفق سخية وجو عامر بالتسامح والاديان.
فما ذنب إخوتي الدراويش إذا تجهمت من فوقهم السماء فحجبت عن عيونهم التماع النجوم. وما ذنبهم إذا عدت الذنوب أن تكون يد من غير أهلهم تعكر في اجوائهم الطمأنينة والصفاء وما ذنبهم إذا حطم انطلاقهم الظلمة والحديد. وما ذنبهم إذا صرفوا من الخير والجمال إلى عراك هائل مميت يبغون منه نصرًا أو لا يعودون.
وما ذنبهم إذا سدت في وجههم مناسم الوحي والنور فأطبقوا على ذواتهم ينحتون منها الصرخة إثر أختها، فيتذرعون عنادهم ويقاومون علمهم علهم يظفرون.
في النهاية
بالمنيعات الحصون يقيمونها من حول عالم يكون او لا يكونون؟
فما ذنبهم ودراويش لبنان أحفاد قريبون للعمالقة الجدود الذين عن يدهم حلم هذا الشرق بأول مطبعة فكانت وانزلق اول كتاب وهلت أول صحيفة وتخايلت اول مجلة ونهدت اول مدرسة وطنية وأول قاموس وأول دائرة معارف واول روزنامة وأول شعر شعر وأول أدب أدب وأول فن فن؟
فما ذنبهم وقد تطلعوا مليًا إلى العالم واغترفوه إن لم يعاون شاعرهم في الشعر العالمي وأديبهم في الادب العالمي وفنانهم في الفن العالمي وفيلسوفهم في الفكر العالمي
على أن لهم أجنحة تعرف كيف تجوب فضاء إثر فضاء ولهم في الوثبة تذعر النجوم.
ومع ذلك فإننا لعلى الطريق وقد ندرك المحجة قريبًا إن شاء الله وفي ظروف أفضل للانطلاق على جناح اللغة المؤاتية وعن يد جماعة أرجو أن لا يكون قد غام في عيونهم الغرور فقعد بهم عن التحفظ.
طوال أعوام مرحلة ما قبل الحرب بقيت المبادرات الرسمية خجولة لردم الهوة بين الشعب اللبناني ، رغم أن الحواجز المادية التي قطعت أوصال الوطن اختفت ، بقيت الحواجز النفسية عميقة في نفوس الشعب وبدأت المذهبية تطغى على الفكر اللبناني وتمثّل الأولوية على حساب المواطنية الشاملة وقد ساعدت في ترسيخ هذا المنحى داخل المجتمع اللبناني مصالح الزعامات المحلية في مختلف المناطق والطوائف.
عام 1952 إستقال الرئيس بشارة الخوري تحت ضغط معارضة متعددة الطوائف، رغم أن غالبية أعضاء مجلس النواب كانت تدعمه .
في تلك المرحلة كانت سوريا تشهد انقلابها العسكري الثالث.
كانت أزمة 1952 قصيرة الامد وتمّذذت معالجتها في إطار مؤسسات الحكم القائمة ، فانتقلت السلطة سلميًا عبر الانتخابات.
هذه الأزمة تعتبر الاضطراب السياسي الأول الذي واجهه لبنان بعد استقلاله ، ولّدتها ظاهرة الفساد المستشري في إدارة الرئيس بشارة الخوري وتراجع التأييد الشعبي له.
بعد سنوات إندلعت أزمة جديدة في لبنان هي أزمة 1958 وكان بُعدها الخارجي واضحًا. ففي تلك المرحلة بدا جليًا أن لبنان تحوّل في عهد الرئيس كميل شمعون إلى محطة من محطات الحرب الباردة في العالم.
تزامنت أزمة 1958 مع اضطراب داخلي ضرب الأردن عام 1957 وسقوط النظام الملكي في العراق عام 1958.
إثر إفلاس بنك إنترا تأزّم الوضع المصرفي في لبنان وضربته هزّة خطيرة ، تمّ تعيين الرئيس الياس سركيس في 16 حزيران 1967 حاكمًا لمصرف لبنان، فواجه الأزمة بحزم وحكمة وأصدر قانون وضع اليد على المصارف العاجزة وقانون ضمان الودائع والتوقف عن إعطاء التراخيص لإنشاء مصارف جديدة وتشكّلت لجنة العشرين وكلّفت بإعادة النظر في نظام النقد العالمي وكان قد دعي سركيس مندوبًا عن لبنان لدى صندوق النقد الدولي.
في 8 آيار 1976 عقد مجلس النواب جلسة في قصر منصور الواقع بين المتحف والبربير ، حضرها 69 نائبًا رغم تساقط القذائف العشوائية. نال الرئيس سركيس 66 مقابل 3 أوراق بيضاء. وكان رئيس مجلس النواب يومها كامل الأسعد ورئيس الحكومة رشيد كرامي. غاب عن الجلسة 29 نائبًا من بينهم ريمون إده، إدوار حنين، كمال جنبلاط وجميع نواب جبهته باستثناء بهيج تقي الدين والطحيني.
عام 1976 إنعقدت جلسة أول مؤتمر قمة عربي في عهد الياس سركيس أقر فيها المجتمعون دخول قوات الردع العربية إلى لبنان.
في حزيران 1978 جمعت قمة اللاذقية الرئيسين الياس سركيس وحافظ الأسد اللذين أعلنا عن اتفاق مشترك طالبا فيه بتنفيذ قراري مجلس الأمن الدولي 425 و 426 من أجل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإعادة السلطة إلى الشرعية والسيادة اللبنانية إلى الجنوب وتعزيز التنسيق بين الجيش اللبناني وقوات الردع العربية . كذلك شدّد الاتفاق على ضرورة تنظيم العلاقات اللبنانية الفلسطينية مع المحافظة على سلامة لبنان وسيادة أراضيه.
بعد هذه القمة ، عقدت اجتماعات عسكرية لبنانية – سورية – دولية لمناقشة الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب ودخول الجيش إليه بالتنسيق مع الطوارئ الدولية إضافة إلى نشر الجيش في بيروت والمناطق بالتنسيق مع قوات الردع العربية.
في السادس من حزيران 1978 ، أعلنت الجبهة اللبنانية رفضها للاتفاقات المعقودة بين السلطة اللبنانية والمقاومة الفلسطينية منذ اتفاق القاهرة عام 1969 حتى اليوم. فانفجر الوضع عسكريًا في أوائل تموز 1978 إنطلاقًا من الضاحية الجنوبية وصولاً حتى الأشرفية ليطاول كل مناطق بيروت الشرقية.
لدى فئة من اللبنانيين أن تفرض على الفئة الأخرى إكراهًا وبالقوة خيارات معينة بينما من المعروف أن الشعور بالإنتماء القومي لدى شعب من الشعوب ينمو نموًا عفويًا.
في الوقت الحاضر يجب أن يترك أمر تعيين وإعلان هوية لبنان ريثما يختمر هذا الشعور ويتبلور لدى جميع اللبنانيين يومًا من الأيام فينصهرون في بوتقة واحدة لا حيرة فيها ولا تردد.
الولاء للوطن اللبناني
بدون أي تمييز وطن حرية المعتقد الديني، وطن نمو الشخصية الإنسانية الفريدة التامة، وطن البحبوحة في العيش ووطن النور والتقدم والحضارة.
إن وطنًا له ما للبنان من الغمكانيات لتحقيق هذه القيم قادر أن يخلق في قلوب جميع ابنائه ذلك الولاء الذي يستهان معه بذل النفيس في سبيله والدفاع حتى الموت من أجله.
لبنان بين واقعه المؤلم وبين تطلعه المستقبلي الرائع يبدو دائخًا كمن ضرب على رأسه.
عشرات الآلاف من أبنائه ماتوا شهداء في معارك وتفجيرات.
عشرات الآلاف فقدوا أو جرحوا.
عشرات الآلاف هجروا من مكان إلى مكان في ربوعه.
عشرات الآلاف هاجروا إلى مختلف أنحاء الدنيا.
إنتهكت مؤسساته الدستورية والوطنية ودمر اقتصاده وقطعت مسيرته إلى الرقي وخنقت إسهاماته في المسيرة العالمية في مهدها.
في الوقت نفسه، عشرات المئات من اللبنانيين تعبوا من هذا المصير الأسود وقرفوا.
بعض اللبنانيين صار أغنياء حرب وفساد ينصرفون إلى التمتع بما غنموا.
أحزاب حادت عن خطها واختبأت وراء شعارات كاذبة وهربت من واجبها الوطني.
لا بد من أن يكون ثمن لدم الشهداء وللدمار الهائل الذي حل بلبنان.
لا بد من محاربة تسلط واستئثار وفساد وهدر واستعباد وظلم.
لا بد من إشراك الناس في هموم بعضهم البعض والقفز فوق المناطقية والحزبية والمذهبية والعنصرية.
لخّص حنين جوهر الأزمة اللبنانية ووضعها في السياق الراهن للتطورات المحلية والإقليمية، منتقلاً إلى اقتراح سبيل المعالجة والإصلاحات السياسية والدستورية.
في المعالجة رأى أن المنطلق الصحيح هو في النظر إلى اللبنانيين كشعب وطوائف في آن. وهذا المنطلق "يقتضي قيام مؤسسات وطنية لا طائفية في كل ما يتصل بالشأن العام، أي في قضايا الحياة العامة حيث تتشابه وتتداخل التحديات والمشاكل وتتطابق وتتوحد وسائل الفهم والمعالجة. أما حيال قضايا الدين والأحوال الشخصية وقضايا المصير فيقتضي أن تتم المعالجة في غطار مؤسسة مشتركة (مجلس الشيوخ) تستطيع الطوائف من حيث هي تكتلات اجتماعية ومعنوية قائمة أن تعبر داخلها عن وجدانها وأن تشارك ممثلي الكتلة الشعبية (النواب) في بت الأمور المصيرية فقط.
وحصر الإصلاحات في أربع نقاط:
أولاً، إلغاء الطائفية، بمساواة المواطنين أمام القانون وفي المراكز والفرص وفي المنزلة الاجتماعية دون تمييز بسبب الجنس أو الأأصل أو الدين أو الرأي السياسي. ولعل العلمنة تتحقق تدريجًا بقوننة العلاقات السياسية والاجتماعية في الدولة بغية مساواة المواطنين أمام القانون، وبوضع التشريعات اللازمة في شتى المجالات انطلاقًا من الحاجات المجتمعية الموضوعية مع مراعاة الشرائع الدينية للجمهور المؤمن.
ثانيًا، التوافق على تحديد هوية لبنان بأنه وطن عربي، نهائي، ودولة مستقلة كاملة لاسيادة، تتطور نحو نظام ديمقراطي اجتماعي في إطار أسرة عربية تجمعه وأعضاءها روابط التاريخ والمصالح والمصير.
ثالثًا، الاعتراف بحقوق الإنسان التي لا تمس ولا سيما حقّه في الحرية والخبز والعمل والتعليم وتكريسها في صلب الدستور.
رابعًا، إحلال الضمانات الوطنية محل الامتيازات الطائفية من خلال القواعد الىتية:
أ – إلغاء الطائفية السياسية في جميع المراكز والسلطات والمؤسسات العامة باستثناء مجلس الشيوخ.
بـ - إحداث مجلس للشيوخ تتساوى في عضويته الطوائف اللبنانية الست الكبرى مع مراعاة التوزيع المذهبي داخلها في إطار المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، ليكون ضمانًا للأقليات، وليشارك مجلس النواب المنتخب على أساس وطني لا طائفي في بت القضايا المصيرية والأساسية وهي: تعديل الدستور، إعلان الحرب وإقرار الصلح، المصادقة على المعاهدات الدولية، وضع قوانين الاحوال الشخصية المذهبية وتعديلها، حماية الحريات العامة، إعلان حالة الطوارئ، قانون انتخابات مجلس الشيوخ.
جـ - زيادة عدد المحافظات وجعلها دوائر لانتخاب أعضاء مجلس الشيوخ، على أن يكون لكل ناخب الحق في انتخاب مرشح واحد فقط.
د – انتخاب رئيس الجمهورية من الشعب بغية جعل الرئاسة الأولى رمزًا للوحدة الوطنية بشرط أن يحوز الفائز الأكثرية على مستوى البلاد وفي نصف عدد المحافظات على الأقل في آن.
هـ - تحقيق الفصل والتوازن بين السلطات العامة من خلال:
- اضطلاع رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء، معًا بأعبا السلطة التنفيذية.
- اختيار رئيس الوزراء في مجلس النواب.
- حصر حق رئيس الجمهورية بإقالة الحكومة في حالتي موافقة رئيس الوزراء، واستقالة نصف أعضائها.
- حصر حق رئيس الجمهورية والحكومة في حل مجلس النواب بحالتي رد الموازنة العامة برمتها وحجب الثقة عن الحكومة مرتين خلال سنة واحدة.
- ضمان الاستقلال التام للسلطة القضائية بجعل المجلس الاعلى للقضاء المرجع الوحيد لتعيين القضاة ونقلهم وترفيعهم وإنهاء خدماتهم.
- إنشاء محكمة عليا للنظر في دستورية القوانين.
و – إصلاح ديمقراطي للتمثيل الشعبي وتعزيز الحريات العامة بجعل لبنان دائرة انتخابية واحدة، أو جعل المحافظات دوائر انتخابية، والأخذ بنظام التمثيل النسبي، وحصر توزيع المقاعد باللوائح التي تحصل على أكثر من عشرة في المئة من أصوات المقترعين فقط لتفادي التشرذم السياسي.
ز – زيادة عدد المحافظات واعتماد اللامركزية الإدارية، وتعزيز الحكم المحلي.
حـ - تتولى المحافظات شؤون الأمن والنظام العام وكامل الاختصاصات المنصوص عليها في قانون البلديات.
طـ - يتولى سلطة التقرير في المحافظة مجلس مؤلف من رؤساء المجالس البلدية في المحافظة ويتولى السلطة التنفيذية محافظ تعيّنه السلطة المركزية من بين مرشحين يسميهم مجلس المحافظة.
يـ - للسلطة المركزية أن تمارس، بحكم ولايتها الشاملة، بعض الاختصاصات للمحافظ، بموجب قانون".
وختم حنينبالإشارة إلى أن "الإصلاحات المقترحة تبقى غير ذات موضوع إذا لم يستعد لبنان وحدته السياسية والإدارية". وأضاف "لكي يتحقق ذلك يقتضي، بادئ الأمر، أن يبادر رئيس الجمهورية، مع زعماء البلاد وممثلي القوى الحية، إلى عقد مؤتمر وطني للمصالحة وللتوافق على جدول أولويات للقضايا الوطنية الملحة وجوهر الإصلاحات السياسية والدستورية المطلوبة. إن الوثيقة التي يتوصل إليها المؤتمر الوطني يمكن أن تشكّل أساسًا لبرنامج حكومة اتحاد وطني موسّعة تأخذ على عاتقها، في الظروف الانتقالية بدور برلمان مصغر قادر أن يقرر، بمراسيم اشتراعية، القواعد اللازمة لمعالجة القضايا الملحة المتفق عليها. ولعل في رأس هذه القضايا سن قانون لانتخاب جمعية تأسيسية يتضمن الإصلاحات الانتخابية المقترحة آنفًا. وفور استتباب الأمن يجري انتخاب الجمعية التأسيسية التي ستتولى وضع دستور جديد للبنان. والمؤمل أن يتضمن الدستور الجديد الإصلاحات التي يكون المؤتمر الوطني أقرّ خطوطها العريضة في وثيقة، وغيرها من الإصلاحات التي يقترحها أعضاء الجمعية التأسيسية والاحزاب السياسية وأهل الفكر والقانون الدستوري والعلوم السياسية والاجتماعية".
لبنان، باق أبداً
تبقى لي كلمة قبل أن نفترق:
اللبنانيون، جبليون وساحليون، يدافعون عن لبنانهم بقوة الإيمان، بقوة المحبة، بقوة الإستمرار، وبقوة الصدق في الإيمان والمحبة والإستمرار.
ولا يدافع اللبنانيون عن لبنانهم لأجر يقبضون. أجرهم أن يبقى لبنان. فإن بقي لبنان بقي لهم كل شيء. ومن كان هذا أجره ناله. لأن الأجر، هنا، مقرون في العمل ذاته. لذلك سيبقى لبنان أيا كان المعتدون على حده والمتطاولون على حقه.
ثم ان لبنان كالجسم السليم فهو يمتصّ جميع امراضه. مهما تكثر هذه الامراض. وإننا، اليوم، بلبنان لفي مرض. فإذا بنا نهرع بصحة المريض. من حقنا أن نهلع، أن نخاف على مريضنا – وهو من هو – وأن نطالب له الاطباء والأدواء. ولكن ليس من حقنا أن ننتحب عليه. فسيأتي يوم، وهو قريب، ينفض المريض عنه مرضه، ويقوم من فراشه. كما في السابق نفض مرضه وقام من فراشه.
وكما تغلب لبنان، في الالف الأخير، على الصليبيين، والمماليك، والعثمانيين، والدول السبع، والإنتداب، هكذا سيتغلب غداً، على المتدخلين – الطامعين، سيتغلب على مفاسده، سيتغلب على نفسه، وسيبقى. سيبقى ما بقي الله، سبحانه، تمجيداً لاسمه.
ويا أيها اللبنانيون! ماذا ينفع اللبناني لو ربح العالم كله وخسر لبنان؟!
من المسؤولين من يرى الحكم قوة، فينتحلها لنفسه، ويطرحها في شارع أرعن، بين جماعة رعناء، تسيّر الأمور بإشارة منه. فتصبح الدولة مرتع الاستفادة والكسب، ويعيش الحكم من الفوضى وعدم الانتظام، ويحيا على رائحة النتن والبارود.
من المسؤولين من يجرد نظرية الحكم عن كل مستند فلسفي واجتماعي تقدمي، ومن يباعد بينها وبين الخير، فيجعل الحكم حربًا على من ليسوا منه وفيه، ويجعل الحكم رزقًا لانصاره. فتصبح الدولة حظيرة للمرتزقة المنافقين. ووظائف الدولة شهادات تمنح للمبوقين الحادين.
وخيرات السرايات هبات للمسبحين الدجالين.
ومن المسؤولين من يرى في الأخلاقيين المُصلحين وفي الأخيار العقائديين مناوئين لحكمهم ومعادين...
فكلهم في رأي هؤلاء بوم تنعق، وغربان تنوح، وإنهم في غير زمانهم يعيشون، ولغير خيرهم يعملون، وفي المستحيلات يتخبطون ويهيمون.
ومن المسؤولين من يفصل بين السياسة وضميرها، وبين التسوس وخيره، وبين الإنسان وحقه، وبين الرعية وخادمها.
ومن يرى في الناس أزلامًا لشطرنج، ومصدرًا لدرهم، وأشياء بدونها لا يدوم حكم لحاكم.
فلا يعترف للناس بحق.
من المسؤولين من هو كالدهر على الناس فما ترك لهم فضة إلا فضّها ولا ذهبًا إلا ذهب به ولا علفًا إلا علفه ولا عقارًا إلا عقره ولا ضيعة إلا أضاعها ولا مالاً إلى مال إليه ولا حالاً إلا حال عليه، ولا فرسًا إلا افترسه، ولا سبغًا إلا استبد به، ولا لبدًا إلا لبد فيه، ولا بزّة إلا بزّها، ولا عارية إلا ارتجعها، ولا وديعة إلا انتزعها، ولا خلعة إلا خلعها (بديع الزمان)
إلتقيت يومًا موظفًا غير مسؤول على الغالب بمجرد انه طليق فراح يحدثني حديث العفة والنزاهة بمثل هذا فقال:
"شر العيوب السرقة. يسرق المرء إذا شاء ملك نفسه كأن يأكل أب في السر مأكلاً اعد لأولاده من ماله.
سرقة أن يأخذ المرء أشياء غيره بإذنه إن لم يكن هو بحاجة فعلية لهذه الأشياء. إذ يحذّر علينا اقتناء ما لسنا بحاجة إليه.
فإذا أكلت فوق طاقتي فقد تجنيت وسرقت.
واستطرد فقال: "كثيرًا ما يغيب عن المرء مدى حاجته وكثيرًا ما تلتبس حقيقتها عليه فيبالغ بعضنا في حاجاته بدون ما مبرر فيركب المعصية من حيث لا يدري. ويسرق على غفلة وعدم احتراز.
بل أكثر من ذلك، اشتهاء مال الغير سرقة.
وسرقة التفكير في اقتناء شيء مقدم فمثل هذا الهاجس.
مصدر لسرقات جمة.
ذلك أن نقف في الحاضر عند حد الاشتهاء فلا نلبث أن نعمد غدًا إلى تدابير مشروعة إذا امكن، غير مشروعة إذا لزم الأمر بغية امتلاك ما وقع الاشتهاء عليه.
وعندي ليس من شك في ان صائم الدهر هذا سعادة الموظف غير المسؤول أراد من حديث العفة أن يسرق من حسن ظني ما لم تقع عليه يد سارق من قبل.
وقد بلغ حرص سعادة الموظف غير المسؤول على دخله حدًا أشاد معه من مرتبه الضئيل ثروة يذهب في تعليل وجودها بين يديه إلى فضل ربه.
هنيئًا مريئًا كل ما تأكل وتشرب
فليس هذا أول عهد الناس لأمثالك وأول عهد أمثالك للناس.
فإن لأسرة الوظيفة سيرة تمعن بعيدًا في التاريخ أراها دائمة الميلاد تكاد لا تطوى حتى تعود فتنتشر
اكتفي للتدليل عليها بمواقف لعمر بن الخطاب تبدت لنا أيام حكمه:
وكان أول ألفت عمر إلى شذوذ موظفيه أنه بينما كان يتجول على عادته في أحياء المدينة رأى بناء يتشامخ فسأل عن صاحب هذا البناء فأجيب إنه لأحد عماله فلان
فقال: "أبت الدراهم إلا أن تخرج أعناقه"
وراح يتربص في عماله يراقب، يزجر ويحاسب.
فإليكم مثلاً رسالة وجهها إلى عبد الله أبي موسى الأشعري يقول:
"لقد بلغ أمير المؤمنين أن خشت لك ولأهل بيتك هيئة في لباسك ومطعمك ومركبك ليس للمثلمين مثلها. فإياك يا عبد الله أن تكون كالبهيمة همها في الثمن والثمن حتفها. واعلم أن العامل إذا زاغ زاغت رعيته وأشقى الناس من يشقى به الناس والسلام.
بيد انها سيرة كانت لا تقف عند هذا الحد من المشاهدة والمعاينة بل تذهب إلى أبعد فلا تهدأ إلا بعد حساب.
فمن أخبار العرب ما دامت أخبار العرب طريق التفاهم بين بعضنا وبين بعضنا الآخر.
إن عمر بن الخطاب كتب إلى عمرو بن العاص يقول "سلام عليك فإنه بلغني أنه فشت لك فاشية من خيل وإبل وغنم وبقر وعبيدًا وعهدي بك قبل ذلك أن لا مال لك. فاكتب إلي من أين أصل هذا المال"
فأجاب عمرو بن العاص: "والله، لو رأيت خيانتك جلالاً ما خنتك. فأقصر أيها الرجل فإن لنا أحسابًا هي خير من العمل لك إن رجعنا إليها عشنا بها".
فاجاب عمر: "نسقك الكلام في غير مرجع لا يغني عنك أن تزكي نفسك وقد بعثت إليك محمد ابن سلمى فشاطره مالك فغنكم أيها الرهط الأمراء جلستم على عيون المال لم يزعكم عذر. تجمعون لأبنائكم وتمهدون لانفسكم. اما انكم تجمعون العار وتورثون النار والسلام".
ومن اخبارهم انه لما ولّى عمر بن الخطاب عتبة ابن أبي سفيان الطائف ثم عزله، تلقاه في بعض الطريق فوجد معه ثلاثين ألفًا فقال:
"أنا لك هذا؟"
فقال عتبة:
"والله ما هو لك ولا للمسلمين. ولكنه مال خرجت به لضيعة أشتريها.
فقال عمر:
"عاملنا وجدنا معه مالاً ما سبيله إلا بيت المال. ورفع منه المال.
فيا صاحب الدهر سيدي، في القريب حساب يجب إداؤه لعمر.
سيداتي سادتي،
درجت السياسة على أن تخلع جوًا من جوها على البلد الذي تظله وأهله فكان لا بد في البداية لنصل وإياكم إلى الجهاز الذي يقوم على توزيع النصفة والعدل وإحقاق حق المتقاضين.
نعرف جميعًا ونحن على باب هذه الشهادة أي مركب موزع لحقوق الذي أجره اليوم يعدل اجران والذي قال فيه خبير عادل لاعتذاره عن عدم توليه القضاء "إذا وقع السابح في البحر فكم يقدر ان يسبح ونعرف جميعًا أي مركب هو مركب الشاهد على ما هو من ضمائر الناس لذلك أراني آخذًا بالظاهر الشائع تاركًا لله حسابًا وحده الله يجريه فأقول:
"إذا كانت الحاجة تلجئ غيرنا أحيانًا إلى استصدار قانون لينال كما هي الحالة في بريطانيا العظمى عندما يعمدون إلى الأصول المتبعة في ما أطلقوا عليه إسم ---- وهو قانون ذو مادة واحدة يجرم أمرؤًا لم تقم البينة الشخصية على أنه ارتكب ما يسند إليه من جرم ، قلت إن كانت الحاجة تلجئ غيرنا أحيانًا إلى استذدار قانون لينال فنحن هنا والحمد لله نعرف أقرب الطرق من الرغبة إلى الحكم.
أحب أن يكون كبير في القضاء قد قال لي ذورًا عندما قال "إما أن نظلم أولادنا أو نظلم الناس، فآثر بعضنا ظلم الناس".
كما أحب أن يكون كبير آخر من كبار القضاة المسقيلين قد قال لي ذورًا عندما قال "بين ان أخسر دنياي وبين ان أخسر الآخرة آثرت خسارة دنياي".
ولكن ما حيلتي إذا كان القضاة قد أجمعوا في مذكرتهم التاريخية إن القضاء خاضع للسلطة التنفيذية والقضاة يتعرضون للمجاذفات كلما أرادوا إثبات استقلالهم.
فهم لا يستطيعون أن يقاوموا المداخلات والضغط الموجه إليهم إلا باعتمادهم على قوة شخصيتهم وعلى مناعة اخلاقهم.
وهي شهادة من الأهل على الأهل ومن الظنين عليه.
فشهادة إقترنت بالتزكية. تزكية المسؤولين لهم بانهم لم يروا فيها سببًا لتسريح موقعيها من الخدمة وتزكية المحامين الذين أضربوا أربعين يومًا لرفع هذا الكابوس عن أقرانهم المساكين.
أما شهادتي في الموضوع فهي ان يحترم كل مشتغل في شؤون العدل علمه فيعليه على علم من لا علم له فيه. وأن يحترم ضميره فلا يسمح ان يتمسح به الآخرون وأن يحترم رسالته فمشعل الحق يجب أن يستمر فوق كل أرض وبين أية فئة كانت من الىدميين وأما ما يعترض طريق موزع العدل بيننا فمن اندراج العادي ودواؤه إرادة تعرف أن تقول لا أقبل.
وإن تعذرت فرغبة يرغب بها موزع العدل إلى صاحب التوصية في ان يحضر إليه بالذات عند كل توصية. فهو إن حضر مرة في الشهر فقد لا يحضر مرتين وإن حضر مرتين فليطرح غير مأسوف عليه أرضًا مع الخنازير.
وهل يخاف النافذ الموصي على شعبيته أن تتهدم لو كان يقول لأصحابا لحاجة من الناس "تقصر يدي أن تأمر يدًا في ان تخط حكمًا ينتزع من ملك زيد ويعطيك. وتقصر يدي على ان تقطع لك من الحق مشاع الامة وتراثها حصة دون الآخرين. فأول ما يجب أن يكون هو أن يقضى على شعبية قوامها هذا القوام قبل أن يقضي لمصلحتها قضاء.
إن استمرارها لذل وخدمتها مشاركة في الذل.
اما في عالم المحاماة فينبئك من تريد كيف يكبر المحامون ولا يد في ذلك للمواهب والعلم والاجتهاد وكيف يصغرون مع تقلص السلطة والسلطان من أجواء أوجارهم.
وينبئك من تريد كيف أن الصعاليك يعلون الإئمة الأساطين كيف يثري متدرج ويعوز نقيب.
كنت عرضًا ذات يوم في قصر العدل أتحدث غلى رفيق في شؤون المهنة فإذا صوت كجعجعة الطاحون يلفت إليه الواقفين جميعًا وإذا صاحب الصوت يقول "إذا كنت يا صاحبي تريد ان توكل إلي دعواك لان أخي نائب وأخي الثاني قاض وابن أخي قاض، والقضاة أصدقاء لنا ومعارف فلا أقبل منك الوكالة. أما إذا كنت تريد ان توكل إلي دعواك لانقضاء عشرين سنة علي في المحاماة فأهلاً بك.
إن الزميل الكبير ومن حوله الناس جماعات وأفرادًا، لم ير أفضل منها طريقة لتعداد شهاداته العلمية وألقاب بطشه ولم يلبث ان أكد لي شاهد ان الذي استحق هذه الموعظة رجل ساذج كان يسأل الزميل الكبير من أين تؤتى محكمة الاستئناف.
ونخرج من السرايات فإذا أمامنا المشتغلون في شؤون السرايات.
هنا المبوقون المطبلون المزمرون من رأيهم رأي البلاغات الرسمية بلاغات "يقرأ" و"يشاع" وبلغات "عار عن الصحة".
والمبوقون يتراوحون فئات بين سعادة البك الذي يتصدر المجالس "فيفلسف على طريقة مسكوكة كالعملة الخيانة والقحة والسرقة والاشتراء على القوانين والناس"
وبين من شهادته مسدس ينقل للتبرج والزينة فلا تطوله تدابير نزع السلاح من عمله الشهادة للزعامة الكاذبة في مناسبات الذهاب والإياب. إذا غابت عن الساحة مزيكة الإخوان.
وهنا من يبيع من الناس كلامًا ويعرف هؤلاء ما يعرفه الفرانون أن أحسن الكلام إحماه.
فيدفعون إلى السوق كلامًا حاميًا. إلى ان توجب "ألحال" فيعود كل واحد منهم إلى صفة هادئ اللهجة فارتها يتقيأها من فمه الرسول.
وهنا الحردون من يغضب إن فاتته حصة الأسد ومن إذا قسمت حصص الثعالب ادركتها الثعالب قبله.
إن ما بين هؤلاء والسرايات ما بين الحبيبة والحبيب في أيام الجفاء، نظرة فابتسامة فانزلاق. فلا يوجعون إذا ضربوا ولا هم يوجعون.
وهنا الرسميون من هم في يد السرايات كالرسن والعناق إن أرخت بهم قربوا منالبعيدين والمتباعدين وإن قبضتهم إليها عادوا بأس الجواد أو مالوا بها الناحية التي يريدون.
فالرسنيون عنانون نقاقون يعطونك من طرف اللسان ما يقصر عنه لسانك ويماشونك في النقمة واللعنة إلى حيث تغيب حقيقتهم عن الخاطر الكريم وقلّما يعودون يوم يعودون منفردين.
أولئك هم شباك السرايات.
وتوصلنا الطريق إلى المعارضين من معارضة الشعب الصامتة إلى معارضة الأركان الصارخة.
أما معارضة الشعب فهي بنت حاجته تشتد أو تلين بنسبة ما يفقد حاجاته أو يجدها.
وللشعب حاجات تتجاوز المرق والرغيف.
فشعب لبنان غير قدره وبطنه.
غنه ابن بيت كبير يطمع في أكثر من مكفيات الخدم المرفهين. ويهدف إلى أبعد ما يهنئ الآدميين من تسهيل وسائل الحياة وإغداق الضمانات الاجتماعية فهو يرعى حرمة لإنسانه
هذا الذي له في الطين رجل وفي عباب السماء انف شامخ وله مع الله قصة وفيرة.
كان في لبنان شعب حده حدود الدنيا في المشارق والمغارب.
طريقه الثقة والامل
مركبته الأمل والنشاط.
وسيلته أنه هو الوسيلة.
كان في لبنان شعب يعلق القرايا فوق أوكار النسور فيدغم في الصخور بيوتات الحجر وفي النجوم اضواء المصابيح.
كان في لبنان شعب يعيش من حريته من شموخه وإبائه لحريته لشموخه وأبائه
يدفع عنها بالسيف إن لم تسعف الحيلة.
كان في لبنان شعب يساير ولا يخنع
يلين ولا يخضع
يتجاهل ولا يجهل
ويعرف حدود الكرامة والغنفة
كان في لبنان شعب يرى الشغل صلاة إذا قام إلى المعول غنى في الطريق إليه وغنى للمعول بين يديه وغنى مع المعول يفت عنجهية الصخور ويمرع التربة بالساعد والعافية.
كان في لبنان شعب يرى الشغل فضيلة وشغل اللبناني عمل لا استخدام.
عمل يبدأ مع الصبح ويغرب مع الغروب ويرتد ما ارتد الواجب في الأيام
عمل طروب فهو كالمغناة تنشد على التعب والعرق
كان في لبنان شعب يرى الغتقان شرطًا في كل ما يعمل.
يضرب المعول ضربة فوق ضربة. وينزل الثلم على الثلم فلا يبعد إلا بمقدار. ويرصف السلاسل ممشوقة هيفاء في صدر العريض تميل مع التربة والخصب تمايل خصور العذارى مع الحد الانيق.
ويجلو النجارون الخشب المخفية في الطاولات والخزائن جلوهم للخشبة الظاهرة فلا غش ولا استخفاف.
ثقة من اللبناني ان الشغل فضيلة وصلاة.
فعندما راى الشعب اللبناني ما أصابه ودهاه وانه انقلب غيره عمد غلى المعارضة الساكتة أبلغ معارضة في المعارضات.
وكما انه يهزا من بهلوانيات الحاكمين فهو يسخر في اعماقه من ألاعيب المعارضين.
فمن هنا إنه لا يمد إلى المعارضة يدًا سخية انف ان يساند بها الحكومات.
وهل ان اللبناني من الغباوة بحيث لا يدرك ان العرائض الإصلاحية كالبيانات الوزارية تعد ولا تفي، تقول ولا تفعل، وأن الإصلاح ذريعة إلى الوصول مثلما هي البيانات ذريعة إلى الثقة.
لاجل ذلك فليتند اللاعبون بالنار وليخلص العاملون باسم الشعب للشعب.
واما معارضة الأركان فعلى وافر تقديري وحبي لبعض كبار المعارضين ولبعض شبانهم فأنا لا أومن ان معارضة الأركان ركن المعارضة في لبنان وما لم تصبح معارضة الأركان تعبيرًا مخلصًا صادقًا عن كل ما يموج في نفس: الأمة اللبنانية من طوق وأمان وأمال، فعبثًا تدعي المعارضة الوكالة عن الأمة.
وما لم تدرك المعارضة في لبنان ان طوق الأمة اللبنانية واحد وأن امانيها واحدة وآمالها واحدة فتوحد هي شعثها والتلم إذ التعبير عن الحقيقة الواحدة واحد فعبثًأ تزعم المعارضة انها مرآة الأمة.
وما لم توقن المعارضة يوم تتحد والامة فتصبح واحدة كطوق الأمة إن للمعارضة وسائل وأساليب غير ما تعتمد من وسائل وأساليب فسيظل يطولها قول جرير "زعم الفرزدق أن سيقطن مربعًا أبشر بطول سلامة يا مربع.
أما أحزابا لشباب ومنظماتهم فقد فاق معزمها سوء الطالع على مطاوعة منها او على غير مطاوعة إلى تكتل طائفي حال دون تماذج عناصر الشعب المكتلة هنا بعناصر الشعب المكتلة هناك. فقد جاءت على غير انطباع لما في نفوس الشباب وجاءت تستثمر خزينًا يريد لنفسه الان--- فكانت أن صبت قوى الشباب في السدود فأثنت ولم تمرع وعندي ان الاحزاب والمنظمات التي لا تدرك أغراضها في مدى آحاد السنين المنظمات تدور على ذاتها بعد ذاك فتذوب صوفيتها ولا يبقى منها سوى ما يبقي الشباب للكهولة من عادات تلزم الرجل عمره ولا تبلغ به كهلاً أبعد ما بلغت به أيام الشباب.
ذلك أن المنظمة وسيلة وقد جعلنا من المنظمة غاية فأي عجب والحالة هذه في ان تموت ضمن جدرانها الأربعة شامخة مع الأيان عائشة على الذكريات حافرة قبرها بالتقاعس والإحجام.
سيداتي سادتي
في آخر المطاف وقد اجتزأنا ما اجتزأنا عالم الدراويش فنانين شعراء أدباء الذين لا نسخطهم إذا صدقنا ولا نسخط الله. والذين لا نثير أحقادهم.
باركنا أو لعنا فساحة الدراويش ساحة الملوك الميامين لا تضيق برأي ولا تتبرم بدخيل تفلت فيها القلوب كبارًا والأحاسيس ألف لون ولون وألف نبضة ونبضة وتثبت منها الخواطر هدامة بانية مزهوة وازعة ناقمة راضية صاخبة ناعمة بعضها يطاول البعض الىخر. تتصارع تقتتل وتصمت أو تموت في غمرة من الدفق سخية وجو عامر بالتسامح والاديان.
فما ذنب إخوتي الدراويش إذا تجهمت من فوقهم السماء فحجبت عن عيونهم التماع النجوم. وما ذنبهم إذا عدت الذنوب أن تكون يد من غير أهلهم تعكر في اجوائهم الطمأنينة والصفاء وما ذنبهم إذا حطم انطلاقهم الظلمة والحديد. وما ذنبهم إذا صرفوا من الخير والجمال إلى عراك هائل مميت يبغون منه نصرًا أو لا يعودون.
وما ذنبهم إذا سدت في وجههم مناسم الوحي والنور فأطبقوا على ذواتهم ينحتون منها الصرخة إثر أختها، فيتذرعون عنادهم ويقاومون علمهم علهم يظفرون.
في النهاية
بالمنيعات الحصون يقيمونها من حول عالم يكون او لا يكونون؟
فما ذنبهم ودراويش لبنان أحفاد قريبون للعمالقة الجدود الذين عن يدهم حلم هذا الشرق بأول مطبعة فكانت وانزلق اول كتاب وهلت أول صحيفة وتخايلت اول مجلة ونهدت اول مدرسة وطنية وأول قاموس وأول دائرة معارف واول روزنامة وأول شعر شعر وأول أدب أدب وأول فن فن؟
فما ذنبهم وقد تطلعوا مليًا إلى العالم واغترفوه إن لم يعاون شاعرهم في الشعر العالمي وأديبهم في الادب العالمي وفنانهم في الفن العالمي وفيلسوفهم في الفكر العالمي.
على أن لهم أجنحة تعرف كيف تجوب فضاء إثر فضاء ولهم في الوثبة تذعر النجوم.
ومع ذلك فإننا لعلى الطريق وقد ندرك المحجة قريبًا إن شاء الله وفي ظروف أفضل للانطلاق على جناح اللغة المؤاتية وعن يد جماعة أرجو أن لا يكون قد غام في عيونهم الغرور فقعد بهم عن التحفظ.
سئل فخامة الرئيس سليمان فرنجية عن توقعاته من مؤتمر القمة المنعقد حاليًا في القاهرة فأجاب:
إن التحركات العربية على مستوى القمة مختصرة كانت أو موسعة دليل عافية.
إن أول ما يدعو إلى التساؤل هو لماذا المحركون اليوم لم يتحركوا إلا بعد ثمانية عشر شهرًا من بدء الحوادث التي سريعًا ما استحالت إلى حرب شرسة.
أقول حربًا ولا أقول أهلية كما يصر على تسميتها المغفلون المتواطئون وسيئو النية. بل أقول حربًا عدوانية شنها على اللبنانيين في أرض لبنان الفلسطينيون وأعوانهم لأهداف شتى.
غير أننا نتخطى هذا التساؤل لنقف للمؤتمرين عند حقيقة أن الإعلام الفلسطيني يبني دعايته على المغالطات والافتراء ويروج لها بالضغط والإرهاب او بالإفساد والإغراء.
فمن افتراءاته ومغالطاته مثلاً قوله عندما بدأت انتصارات القوى اللبنانية في الجنوب إن إسرائيل تدعم القوى اللبنانية كما سبق لإعلامهم أن قال في معركة ضبيه وتل الزعتر إن الثوى السورية ساعدت القوى اللبنانية كل ذلك تغطية لفشل الفلسطينيين في هذه المعارك. هذا فضلاً عن انتقامهم الوحشي بعد كل انكسار إذ يتخيرون نقطة ضعف في الجمهورية اللبنانية فينزلون بكل قواهم إليها ويغدرون بها غدرًا.
فالعيشية اليوم كما شكا بالامس والدامور قبلهما.
وتابع الرئيس فرنيجة فقال: تلك هي الملاحظات والتخوفات والآمال التي نتوجه بها إلى الملوك والرؤساء المجتمعين اليوم في القاهرة لمعالجة القضية اللبنانية وإيجاد الحلول لها.
إننا نرجو لهم التوفيق لأن العالم المتحضر كله ينظر الآن إليهم، يحكم لهم او عليهم قبل حكم التاريخ. وختم بقوله:
سيظل لبنان أيًا كانت المحاولات رافضًا لأي حل لا يزيل عنه الاعتداء وآثاره وذيوله غير قابل بما لا يسلم معه تاريخه العريق الأصيل في الحضارة ودوره الفريد النبيل في خدمة الانسانية والإنسانوجهه المتميز في هذا المقلب من الأرض.
سئل فخامة الرئيس سليمان فرنجية عن رأيه بالمقررات التي اتخذت في مؤتمر الرياض فأجاب:
"ما هي الغاية التي من اجلها تم انعقاد مؤتمر القمة العربية في الرياض؟
إن الغاية بنظرنا هي حقن دماء اللبنانيين. فماذا يجب لذلك؟ وقف الاقتتال ثم الحؤول دون تجدده. اما الاقتتال فأسبابه الوجود الفلسطيني الكثيف على أرض لبنان والمطامع الفلسطينية الجنونية بأرض لبنان التي دوخت عقول الفلسطينيين فأضاعتهم.
وسبب الاقتتال الدعم العربي المفرط بالمال والسلاح والرجال الذي قدم لهم لغاية وأنفق على غير غاية. ولم يقم على ذلك رقيب أو حسيب.
أما وقف الاقتتال فيجب أن يكون وفقًا لجميع أنواع الاقتتال من حد القصف والقنص والرجم العشوائي بالصواريخ إلى حد التهويل والتهديد والخطف ومن حد التدمير والحرق والتخريب إلى حد السرقة والسلب والنهب.
كما يجب أن يكون وقفًا كليًا على جميع الجبهات من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال مرورًا بالجبال والسواحل وبالمدن وضواحيها.
وأما الحؤول دون تجدد الاقتتال فلا يكون إلا بإزالة أسبابه ومتى علم أن من أسباب الاقتتال الرئيسية تفرد الفلسطينيين بإدارة قيادة القضية العربية الشاملة المسماة باسمهم والتحالف مع اليسار المحرض الذي زعم الفلسطينيون انه من حقهم أن يعقدوه باسم القضية الفلسطينية على حساب المجموعة العربية فجروا وراءهم على حين غفلة بعض المسؤولين العرب.
كل هذا بالغضافة إلى السبب الرئيس الكبير الذي هو تمسك اللبنانيين حتى النفس الأخير بسيادة بلادهم بحريتها وبكرامتها. متى علم ذلك.
علم ماذا تعني بالضبط إزالة أسباب القتال وكسيف يجب ان تكون.
فإن كان هذا قد تحقق فقد تحققت الغاية من مؤتمر الرياض وإن لا فلا.
ثم تابع فقال: يبدو ان فخامة الرئيس سركيس قد عاد مطمئنًا إلى مقررات المؤتمر. إننا نثق بالرئيس سركيس. فعندما يكون هو مطمئنًا يصير سهلاً علينا أن نطمئن. هذا فضلاً عن أن ظاهر القررات يطمئن. غير أنه يبقى أن نعرف بواطن هذه المقررات والدقة والصرامة والصدق التي سترافق تنفيذها.
العميد والبولسة الدولية
من الاقطاب بين النواب المسيحيين كما سبق وقلت، العميد ريمون إده. ولقّب العميد الذي لازم الاستاذ إدّه ليس رتبة بلغها من تدرّجه في سلك الجندية، كما ليس مقتبسّا من عمادةٍ أكاديمية شغلها منصبًا في إحدى الكليات في إحدى الجامعات العلمية علمًا أنه محامٍ قدير، إنه عميد حزب الكتلة الوطنية، حزبه الذي خدمه بإخلاصٍ متبادل في عمر نيابته المديد. ولا يستطيع أحد أن ينكر على العميد إده مكانته الإجتماعية كإبن رئيس الجمهورية الأسبق إميل إده، ولا أن يجهل برلمانيته المميزة، أو يغفل عمّا لديه من "كاريزما" قيادية، و "خفّة دمّه وإن كانت أحيانًا جارحة. ولقد شهدت بعضها في مناسبات مختلفة . ولعلّ أقسى ما كان لسعًا في تعامله لسان ذرب يطاوعه، طيب الله ثراه، في ما كان يكيله لخصمه من انتقاد مرّ ليرى نفسه فيه أنه دائمًا على حق. والى جانب ذلك كان مشهورًا ب "حنفيته" التي حين يفتحها يصعب عليه أن يسدّها أو يسيطر عليها ليمنع ما ينطلق منها من أسهم كثيرًا ما كانت تصيب مقتلًا في أهدافه السياسية. ولم يكن ليهتمّ إذا ما خلقت له سيول "حنفيّته" أعداء كثيرين. والممتع حقًا أن قلوب أعدائه لم تضحر له يومًا حقدًا أسود، بل كان محبوبًا حتى من مبغضيه. الواقع أن الساحة السياسية، والمسرح البرلماني قد افتقد العميد إده، حمه الله، هذا العميد العنيد الذي ترك فراغًا لا يستطيع ملأه سواه...
ولم يكن الاستاذ ريمون إده ، ذلك العميد الصلب العنيد، ليكل في محاولاته حشد التاييد لنظريته في استدعاء بوليس دولي، ينتشر على الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة،
بموجب إتفاقات دولية، بل أقصد الفدائيين الذين يتسللون الى لبنان من الخارج." وقال إده أنه يعترف بأن إسرائيل ستضرب لبنان بوجود الفدائيين أو بدونهم (وقد أثبتت إسرائيل ذلك بمناسبات عدة بعد ذلك!.) ولكن السماح للفدائيين بالعمل داخل لبنان يعطيها المبرر الكافي لمهاجمة لبنان (وحتى كانت إسرائيل تتويل المبررات في عدوانها على كل الشعوب؟؟!..). وأضاف العميد: "ولذلك أصر على مطلبي الأساسي هو طلب قوات دولية لأنها وحدها التي تستطيع منع إسرائيل من مهاجمة لبنان." (ألم تسبت الأيام فيما بعد، أن إسرائيل، من أجل تنفيذ مخططاتها العدوانية، لا تعير قوات الطوارئ الدولية أي إعتبار، وتضرب بعرض الحائط بجميع قرارات الشرعية الدولية، وتخالف بعناد ومكايرة وصلق أوامر سيدتها ووليّة نعمتها "الإمبراطورية" الأميركية الجديدة؟!...)
وفي 18 حزيران 1969، كتبت جريدة الدنيا، بأن الحلف الثلاثي (شمعون، الجميل، إده) سيجتمع ظهر ذلك اليوم "يستمع الى الأستاذ إميل إده يتحدث عن زيارته لرئيس الجمهورية (شارل الحلو) الذي كان قد وجّه الى اللبنانيين في 31 أيار 1969 كلمة أعلن فيها أنه لن يرضى بالأمر الواقع (واقع وجود الفدائيين على الاراضي اللبنانية) وأصر على رأيه بوجوب إخراجهم من لبنان، الأمر الذي أثار رد فعل سلبي لدى قسم كبير من اللبنانيين (مسلمين ومسيحيين) وأدى الى أزمة وزارية حادة وطويلة حين استقال رئيس الوزراء لبنان الأستاذ رشيد كرامي. الذي لم يوافق على وجهة نظر رئيس الجمهورية القائلة الإتفاق مسبقًا على كيفية التخلّص من "الأمر الواقع"، وقبل تأليف الحكومة. (وقد رأى الشيخ بيار الجميل، أحد أقطاب الحلف الثلاثي، أن المصلحة الوطنية تقضي بالإتفاق حول رئيس الجمهورية ولو تطلّب ذلك مزيدًا من الصبر والتريّث والإنتظار"
"وكان إده قد زار الرئيس (الحلو) أمس (ذلك اليوم) وطلب منه إستدعاء القوات الدولية لحماية لبنان... ولكن الرئيس رفض طلبه. وطلب إده من الرئيس إخراج الفدائيين فأجابه الرئيس أنه لا يمكنه إخراجهم وحده لأن هذا الإخراج يوجب قيام إجتماعٍ وطني غير متوافر اليوم. وقال الرئيس إده أن المسؤولية تقع على الذين يعارضون تنفيذ رسالة رئيس الجمهورية. فالقضية ليست قضية طائفية بل قضية وطنية..."
وفي 22 تشرين الثاني 1968 استقالت حكومة عبد الله الاليافي على أثر مظاهرات طلابية. وكان رئيس المجلي النيابي صبري حماده قد دعا الى عقد إجتماع للمجلس لم يكتمل فيه النصاب، فستبدل بجلسة نيابية "لأن البلاد تعيش الآن ظروفًا غير عادية وحتى لا يعتبر الرأي العام أن عدم إجتماع المجلس هو نتيجة انقسام بينه وخلافات حول الأحداث الطلابية الأخيرة "كما قال الرئيس حماده. ورفض الرئيس اليافي حضور الإجتماع لأنه اعتبر نفسه مستقيلًا وإن لم يكن بعد قد قدم استقالته خطيًا. وتحدث النواب المجتمعون في الوضع السياسي العام فكان اجتماع على ضرورة التعاون في سبيل تخطي هذه المرحلة محافظةً على "مصلحة البلاد العليا واعتبار كل الذي جرى كأنه لم يكن"
وتكلم الشيخ بيار الجميل، وزير الداخلية، موجهًا سلسلة من الإنتقادات للعمل الطلابي بالصورة التي تم بها وتساءل عن الايدي التي تحرك مثل هذه التظاهرات (المحرر تاريخ 12 تشرين الثاني 1968). ووقعت مشادة بين بعض النواب والوزير الجميل عندما تعرض الأخير في حديثه الى أمور وطنية حساسة أثارت استنكار النواب.
ثم تكلم الررئيس رشيد كرامي فشرح الموقف وبين الواجب الذي يجب أن تقوم به الحكومة إزاء القضايا السياسية وخاصة تحصين الحدود بفتح المستوصفات وحفر الخنادق وبناء الملاجئ. وأجمع الرأي على ضرورة إسهام مجلس النواب بتهددئة الوضع وإصدار بيان يساعد على ذلك. في هذه الأثناء أجرى الشيخ بيار، وزير الداخلية ، اتصالات أدت الى إلغاء تظاهرات في المنطقة الشرقية (من بيروت). بعد ذلك صدر عن المجتمعين بيان أكدوا فيه "أن الصورة التي أعطيت عن الأحداث جاءت مضخّمة ومغلوطتًا فيها، وأجمعوا بالتالي على مواجهة الحالة ضمن إطارها الواقعي بروحٍ إيجابية مستمرة من وحدة اللبنانيين البناءة الواعية المدركة لأبعاد القضايا الوطنية المصيرية وفي طليعتها قضية فلسطين وتقديس العمل الفدائي وصون فعاليته. كما عبر الحاضرون عن تقديرهم موقف الطلاب في هذا المجال وشددوا جميعًا على وجوب فرض سيادة القانون واحترامه مناشدين المواطنين كافةً الإعتصام بالوعي والمحبة والتعاون لما فيه خير الوطن" (المرجع السابق نفسه، جريدة النهار، وصوت العروبة، والبيرق، والأنوار وغيرها).
الحاجة الى ثورة بيضاء .
ولكن، أتمنى أن تكون هذه الحكومة قادرة على إعطاء كل ما يمكن من عمل جدي مثمر يستطيع أن يجعل الشعب بمختلف فئاته يثق بها.
إلا أن الواقع يمكن أن يكون عكس ذلك بالنظر إلى ما يعرفه الجميع عمّا يدور في خلد الشعب من أفكار، وما يعوّر نفوس الناس من مشاعر ومفطمها عدائية نحو الحكم الحالي في لبنان... لقد رأينا وسمعنا وقرأنا سواء على ألسنة الصحفيين، أو الطلاب أو المفكرين من أن الحكومة، أي حكومة، في واد والشعب في واد آخر... ممّا يظهر أنّ هناك طلاقاً بين الحكم والفئات المحكومة. إذ ان المصالح الشعبية المختلفة غير مؤمّنة، ولم تؤمّن بشكل مرض (بما عمّ) من قبل الحكومات التي تعاقبت على الحكم في لبنان منذ عهد الاستقلال. واعتقد أن هذا السبب الأكبر الذي ادى ويؤدي اليوم (آنذاك) بشكل واضح إلى وضعيته الرفض التي يستند إليها الناس في لبنان.. وكنت أتمنى، بل أرغب من أعماق نفسي، أن يثق الشعب بحكوماته ثقة تمكنه من التعاون معها بحيث تنتهي حالة الرفض، ويبدأ بعدها وضع آخر من شأنه أن يصهر اللبنانيين جميعًا في ------ عمل بناء يعود على الجميع بالخير والطمأنينة والثقة.
واعتقد أن الدور الذي يمكن أن تلعبه الحكومة الى لية (آنذاك) في حال حصولها على الثقة الشعبية هو الذي يقرر تبديل وضعية الرفض بوضعية الثقة والاطمئنان.(وكانمن الأفضل) لو أمكن تأجيل إعطاء الحكومة الثقة فترة تحدد لها بحيث تنجز بعض الأعمال التي يتطلبها الشعب، فتكون الثقة، إذاً، عملية مدعومة بالأعمال البناءة التي تنجزها الحكومة (-----) بدلاً من أن تستند ال بيان وزاري قد يبقى حبراً على ورق.
(ثم قلت): اعتقد أن الوضع في لبنان سيبقى عرضة للأنواء والعواصف الشعبية ولعدم الطمأنينة والاستقرار إذا لم تبدل العقلية السياسية في لبنان. لقد أضحى من الواجب، بل من الضرورة الملحة، أن يعمد المسؤولون إلى وضع تخطيط شامل لبناء لبنان جديد تسود فيه عدالة اجتماعية تشمل خيراتها جميع الفئات، ويغيّر النطام التربوي من جذوره، فيستبدل بنظام علمي حديث يستطيع أن يؤمن للنشىء الطالع حاجاته النفسية والاجتماعية والعلمية.
لقد مضى حين من الدهر على النظام التعليمي السائد، وأصبح من الضروري تغييره، لعدم فائدته، وجعله متماشياً مع متطلبات العصر الحديث فيؤمن للأجيال اللبنانية انسجاماً نفسيّاً وتربويّاً مع المجتمع الذي يعيشون فيه، ويزودهم بالخبرات العلميّة والفنيّة التي تمكنهم من الانتاج والبناء وفاقاّ لمعطيات تكنولوجية لا يمكن ان يستفني عنها اليوم (آنذاك) أي بلد لا يرضى بان يبقى متحلّفاً.
ولا نستطيع أن نؤمن الإستقرار للبنانيين إلّا بعد القضاء على الإقطاع السياسي والديني (الطائفي) وبعد اعتماد الأسس العلمية في بناء تعوّماتنا السياسية والاجتماعية...
لقد أثبتت الهزات المختلفة التي توالت على لبنان في الحقبة الأخيرة من استقلاله، بان الديمقراطية في خطر. وإذا لم يبادر الذين يتغنون بالديمقراطية إلى صيانتها بتغيير الأساليب البالية في طرق الحكم ووسائله، فأشعر مع الشاعرين بان النظام الديمقراطي الذي لا أرض عنه بديلاً، تحيق به الأخطار من كل جانب... ولأنني أعلم حق العلم أن كل نظام سواه قد يؤدي بهذا البلد الى الخراب، وقد لا نتمكن من إعادة بناء بلدنا، مهما حسنت النيات، وحاول المخلصون... من أجل ذلك أرى أننا في حاجة الى ثورة بيضاء تصلح الأسلوب الديمقراطي (اللبناني) من الجذور... أجل، نحن في حاجة إلى إصلاح اجتماعي (وسياسي) يؤدي إلى جعل اللبنانيين جميعاً يشعرون بأنهم "لبنانيون" بكل ما في الكلمة من معنى. ومثل هذا الشعور فقط يمكن اللبنانيين كافة من محبة لبنان والتعلق به والدفاع عنه حتى النفس الأخير، لأنه بلدهم وأرضهم وكيانهم. وموطن أمنهم واستقرارهم ورخاء عيشهم.
ونحن في حاجة إلى إصلاح جذري في الادارة يقضي على الاستزلام والمحسوبية، ويعتمد الكفاءات الخلقية والعلمية فيوضع الرجل الصالح في المكان الصالح في المكان الصالح.(كان هذا الكلام قد قيل من حوالى 33 سنة فقط !!..) وحينئذ فقط تصلح الإدارة ويستقيم العمل في مختلف القطاعات ويقضي على الرشوة والفساد(!) والإهمال واللامبالاة.
ونحن في حاجة ماسة إلى الغاء الطائفية (السياسية) إلغاءً تاماً في جميع الحقول، لأنه ثبت أن استخدام الطائفية وسيلة للحكم أمر شديد الخطر على هذا البلد. وفي رأيي أن الطائفية يجب أن تلغى من النفوس قبل أن تمسح من تذاكر النفوس. وهذا لا يتم الا بعد أن يشعر جميع المنتخبين إلى المذاهب الدينية المختلفة بان العدالة الاجتماعية المنشودة ستعم الجميع بحيث لا تشعر أي فئة من الفئات بأي إحجاف من اي نوع كان.
وهناك لا بد لي من أن أشير إلى ان الدين شيء والطمأنينة شيء والطائفية شيء آخر. إن الغاء الطائفية لا يتعارض مطلقاً مع ممارسة الطقوس الدينية في أي مذهب من المذاهب. بل على العكس تماماً، يجب أن تصان الحريات الدينية إلى أبعد مدى. ويجب ان تحقق القول:"الدين لله والوطن للجميع." فعلاً وواقعاً ملموساً ولا يبقى شعاراً فارغاً يستعمل في بعض المناسبات لحاجة في نفس يعقوب.
هذه هي الثورة التي نريد، لأنها هي التي تستطيع أن تحقق المحافظة على النظام الديمقراطي في لبنان، وهي التي تمكننا من الاحتفاظ بكياننا وتجعلنا مستعدّين دائماً للوقوف في وجه الأعداء أياً كان لونهم وكانت نزعتهم واتجاهاتهم.. إنها الثورة التي توفر على اللبنانيين عدم الإنزلاق الى صدام مسلّح، لا نستطيع التكهن بما يؤول إليه من خراب وتدمير للكيان اللبناني الذي نحرص عليه حرصاً على إرواض" (الطيار ------، الملحق:3 شباط 1969).
(هل كانت هذه شبه بنوءة بما حصل فيما بعد أثناء الحرب اللبنانية ؟!!؟)
الحل
ليس ما أتصوره حلا للمشكلة اللبنانية، هو الحل الشافي الكافي لمشكلة على هذا النحو من التعقيد، كما ظهر من وصفها في السطور السابقة، ولست أزعم أنه حل سهل المنال، ولكن باستطاعتي ان أؤكد أنه ليس حلاً مسبحيلاً، إذا أراد اللبنانيون أن يعيشوا في مجتمع حضاري صحي ترعاه دولة عصرية متطورة.
ويمكن أن يتم لنا ذلك إذا تمكنا من تحقيق الآتي، وتحقيقه في دائرة الإمكان البشري في كل دولة وزمان:
1- لكي نرتقي بمجتمعنا اللبناني الى مصافي المجتمعات الحديثة، يلزمنا حكم حديثن ديمقراطي الممارسة، قائم على مبدأ فصل السلطات، يحميه قانون عادل يؤمن المساواة والطمأنينة لجميع أبناء المجتمع، ويزيل شعور الخوف من النفوس،.... ميول الإجرام ما أمكن ويقضي على إستبداد المتسلطين فيعيش الناس بحرية، تساعد على تفجير طاقاتهم الخيرة فتتفتح العقول وتتكامل في إنتاج يؤدي الى ازدهار المجتمع بأسره.
2- ولا بد، لجعل هذا الحكم ممكناً، من اختيار رئيس للبلاد يقترب من الميثالية الواقعية قدر المستطاع؛ نختار بحرية تامة، وبوعي كامل وبوعي كامل للمهمة الصعبة التي نريده ويريد أن يضطلع بها، قوامها سيادة كاملة في الداخل وتعاون متكافىء مع الخارج بعيد عن السيطرة والإستقلال أو التدخل في شؤون البلاد الداخلية. كما لا بد من الإدراك بأن الحكم ليس قوانين تنشر في الجريدة الرسمية فحسب، بل قواعد تأخذ طريقها الى التنفيذ الصارم بعدل يوحد الشعب ويسيره في عمل اجتماعي وسياسي واقتصادي وتربوي متناسق.
3- لا يمكن للبناني أن يحيا خارج إطار الديمقراطية. لذلك يطلب من الحكم أن يلجم الطائفية والمذهبية ويمنع العشائرية والإقطاعية والإستبدادية، ويحول دون التحكم المال السياسي المتوحش في العمليات الإنتخابية ونتائجها. وهذا كله يتطلب أجهزة أمنية متمكنة من التحكم بذاتها، وقادرة على حماية المواطنين دون المساس بحقوقهم. وهذا يعني الحؤول دون الأجهزة المخابراتية من التسلط على الحياة السياسية والسيطرة على الحياة الإجتماعية. كما يعني أن تنشأ بيد الممارسات الديمقراطية ودواعي الأمن والقانون معادلةً توفر الجو الملائم لممارسة الحرية السياسية.
4- تقضي "تركيبة" المجتمع اللبناني بأن تتعدد فيه الآراء والمعتقدات دون المساس بوحدته وكيانه ونظامه الديمقراطي. فينبغي أن يفسح في المجال، عبر وسائل الإعلام المتجرد للتعبير عن مختلف الآراء السيسية والإجتماعية والإقتصادية ضمن إطار القوانين النافذة العادلة، كطي لا تفقد الحياة الديمقراطية ركناً أساسياً من بنائها.
5- ولعل الأمر الأشد إلحاحاً هو سن قانون انتخابي محكم وواضح يعمل على جعل أبناء الأجيال اللبنانية المختلفة، لا يرضون عهد وحدتهم الوطنية وعيشهم الواحد بديلاً، ويساعدهم على الإبتعاد قدر المستطاع عن مصادر التاثر، في عمليات الإقتراع بالمذهب أو الطائفة أو العشيرة أو المال السياسي كي لا يفسد المجتمع وتنهار القيم الإنسانية والوطنية والإجتماعية فينهار معها كيان الوطن كله.
6- توخي الحذر الشديد في عملية اختيار ممثلي الشعب وحكامه بحيث ينتخب أو يعين من يستطيع أن يكون القدوة الصالحة لجميع اللبنانيين، ويبتعد عن إثارة النعرات الطائفية أو استغلال العصبيات الفئوية، وينأى بنفسه عن تجميع التكتلات السياسية من ذات الفئة الواحدة أو اللون الواحد، وأن يسعى الى وئد كل محاولة للغنتقاص من معتقد الآخر أو فكره أو قوله؛ وأن يكون قادراص على خلق الآليات الصالحة لتحديث المجتمع اللبناني بناءً واقعياً يستند الى الماضي والمنجزات التارخية ويضتلع الى مستقبل أفضل في عالم سريع التغير.
7- خير لللبنانيين أن يتقنوا فن النسيان فهو للتذكر أيضاً: ينسون الإساءات والعداوات ليصفحوا. فن النسيان والتذكر كلاهم يرتكزان على المعرفة: معرفة الأحداث الماضية وأسبابها، واكتساب العبر منها، ثم العبور الى المسلك الأفضل لوحدة وطنية صادقة تأتي ثمرة لحوار عقلاني بناء متحرر من رواسب الماضي المؤذية، فيقوى التواصل بين فئات الشعب المختلفة، ويلتف الجميع حول وحدة المسار والمصير. وهذا لا يتحقق إلا بطي صفحة الحروب الأهلية بإستعادة ذاكرتها ليس من أجل إعادة فتح ملفاتها بل لفهم الأسباب التي أدت الى إرتكاب جرائمها النكراء التي قوضت الكثير من أركان مجتمعنا، وللتحلي بالشجاعة للإعتراف بأن مسؤولية حدوثها تقع علينا جميعاً. إن معرفتنا لأسباب ما حدث لمجتمعنا من خراب ما زلنا نعاني من أثاره الكثيرة الكثيرة، تدفعنا الى وعي ما غاب عن مداركنا من أخطارها وتخطي الأسباب والنتائج الى الصفح والمصالحة والعيش معاً بسلام ووئام. ولا بد من المصالحة مع الذات أولاً كي نتمكن من المصالحة مع الآخر والقبول به، ليس شريكاً في شراكة بل عنصراً أساساً في مؤسسات الوطن وعضواً أصيلا في مجتمعه.
8- إذا كانت السياسة تعتبر، في نظر البعض، بأنها "من الممكن"، فينبغي أن لا تغيب عن الأذهان بأنها فن إدارة الشأن العام وراعية المصلحة العامة التي تعود على الأفراد والجمات بالخير والطمأنينة والأمن. السياسة فن توليد الإستمرار والتطور للمجتمع البشري في أي مكان في العالم وترسيخ الهدوء والإستقرار في ربيعه ولدوام الإستقرار يجب وضع قانون للأذهاب تتحول بموجبه من أحذاب طائفية الى أحذاب وطنية بحيث يندمج أبناء الطوائف المختلفة في حذب واحد (أو أحذاب متعددة) فيتم في ذلك انصهار وطني حقيقي ولا يعود تقسيم الدوائر الإنتخابية بشكل عملية صعبة، ويصبح النائب المنتخب من مواطنين ينتمون الى مختلف الطوائف نائب كل لبنان بحق، فلا يبقى طوال مدة نيابته (وما قبلها وما بعدها) مرتهناص لطائفته اللتي ترشح عنها كما أن الناخب اللبناني يتحرر هو الآخر من الإرتهان الطائفي، بل يقترع للائحة الحزب الوطني الذي ينتمي إليه ويؤمن بمبادئه. ويتحرر لبنان، كل لبنان، شيئاً فشيئاً، من القيود الطائفية التي حالت، ولا تزال تحول دون التجمع اللبنانيين وتوحيد .......على قاعدة "الدين لله والوطن للمجتمع".
9- الى جانب إفتقار لبنان الى الأحزاب الوطنية (غير الطائفية أو المذهبية)، يفتقر أيضاً الى الوحدة الوطنية الصحيحة. هذه الوحدة الوطنية تخنق التعصب الطائفي وتخلق نظام حكم يحتضن مختلف الطوائب والمذاهب دونما تفرقة بين طائفة وطائفة أو مذهب ومذهب، فيتساوى الجميع في كتف "دولة المؤسسات والقانون" أي دولة لا يميز بين مواطن وآخر، أو تفرق بين معتقد ومعتقد. أو لإنتماء وإنتماء طالما أن الجميع ينتمون الى دولة الوطن والمواطن، الى دول الإنسن بصرف النظر عن لونه وعرقه ودينه. ورد في إتفاق الطائف "لا شرعية لأي سلطة تناقض صيغة العيش المشترك". وعليه تفقد أي فئة تناقض الوحدة الوطنية أو تهددها كل شرعية واعتبار. ذلك لأن الوحدة الوطنية هي قوة الشعب وقدرته على الحفاظ على لبنان وحمايته من الداخل والخارج. واجب اللبنانيين المحافظة على وحدتهم مهما تغيرة الظروف الداخلية أو تبدلت الظروف الخارجية. وعلى الدولة اللبنانية أن تدرك ان عدم التوازن الإنمائي أشد خطراً على الوحدة الوطنية من الإنقسام الداخلي أو التدخل الخارجي. كما لا يجوز أن تستأثر فئة السلطة دون أخرى أو تهيمن على فئات الأخرى، يجب إشتراك الجميع في مؤسسات الدولة ووظائفها، وعليهم تعزيز عيشهم المشترك لما يعود عليهم جميعاً بالخير والمنفعة."
10- ولما كان من الصعب فصل الإقتصاد عن السياسة فإن أي محاولة لإجراء إصلاح إقتصادي، ينبغي ان تسير جنباً الى جنب مع إصلاح سياسي مبني على أسس سليمة بحيث يمكن الدولة اللبنانية من لعب دور فاعل في محيطها فتصبح قادرة على التصدي لموجة العولة ومواجهة ما قد ينجم عنها من مشكالات إجتماعية وإقتصادية قد تؤدي الى إحداث خلل في التوازن الإجتماعي وضمور في العدالة والمساواة، وزيادة الفقر لدى الفقراء وتكديس الثروات لدى الأثرياء، وفي ذلك الإعتداء على كرامة الإنسان والتحقير للنفس البشرية.
11- "لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه"، عربي الهوية والإنتماء، وتحول طبية تكوينه وخصائص تركيبته دون أية حركة تجزيئية أو تقصيرية أو فدرالية لهذه الدولة التي ينبغي، من اجل بقائها، أن تبقى موحدة في وطن واحد وفي سيادة واستقلال ناجزين. ولذلك كله لا بد من عدم السماح للصراعات والحروب المصاحبة للطروحات العقائدية التي تفرق ولا تجمع ، وتسعى الى استئثار البعض بلبنان كله لفئة واحدة دون سائر الفئات، ذلك أنه ملك لجميع أبنائه من مختلف الفئات والطوائف والمذاهب متعاونين على حفظ بلدهم من أي إعتداء سواءً كان داخليًا أو خارجيًا،في ظل دولة ترعى المساواة بين الجميع، وتحقق العدالة للجميع، وتوفر الإحترام لخصوصيات مختلف الفئات والطوائف والمذاهب التي يتألف منها الشعب اللبناني.
12 - لا بد، من أجل وحدة لبنان والانصهار أبنائه في مجتمع واحد موحد، من تربية دينية مبنية على التسامح، وقبول الآخر، واحترام عقيدته فتمحو تربية من هذا النوع تظاهرات الطائفية والمذهبية... ولا بد من تربية مدنية وبنية على أسس علمية متينة، وسياسة اجتماعية فاعلة توفر فرص العمل للمثقفين والعلماء وذوي الكفاءات، فتحد بذلك من هجر الأدمغة اللبنانية، التي أصبحت تمد المجتمع اللبناني بتصحر عقلي وفكري وفني يدخل الرعب الى النفوس، ------------ الى الثقافة، والنضوب الى الإبداع. والمطلوب من تربية بهذا العمر والمستوى أن تجعل المثقف اللبناني يعي الواقع ويتعاطى معه بفهم جديد يساعده على إحداث التغيير المنشود، ويجعله مواكبًا لما يحصل في العالم من تطورات إجابية ومستجدات تأخذ بيد الإنسان الى تحقيق إنسانيته: فتحترم حقوقه، وتصان حرياته، وتحرر نساؤه، بمساعدة دستور يؤمن هذه الحقوق جميعًا ويفصل بين السلطات ويؤكد على إستقلالية القضاء، فتسود الديمقراطية الصحيحة، فلا يعلو على صوتها أي صوت آخر.
13 يجب أن لا ينظر الى ما تقدم بأنه أفكار طوباوية مستحيلة التحقيق كما أنها ليست كل الحل لمشكلات لبنان المعقدة... كلا. إنها توق في النفس والفكر الى رؤية لبنان واحة حقيقية في صحراء العالم الحديث المضطرب، ومحتبرًا يمتحن فيه الإنسان قدراته وهي كثير متنوعة، ولعل أهمها المصالحة مع الذات ومع الآخر بالتفاعل مع المختلف، واستيعاب التنوع من خلاله، فيرقى اللبناني بذاته فوق التحجر والتخلف، ويغني حضارة العالم الحديث، كما أغناها في العالم القديم، ويلعب دوره المميز من جديد في دفع الإنسانية خطوات واضحة وثابتة على طريق التقدم والإزدهار... هذا هو معنى لبنان وذلك هو دوره على المسرح المأزوم لإنيانية مضطربة...
وليس لبنان الكبير، إلا دولة صغيرة بين الدول، وجزء ضئيل من عالم فسيح تحكمها شرائع وقوانين وأيديولوجيات وأساليب عيش متباينة متنافرة متصادمة، وتنفخ في جوانبه رياح سموم فكرية عاتية، من نوع "نهاية التاريخ" وحجم "صراع الحضارات" وتنهش في جسده ليبرالية اختلفة أسماؤها وتوحدة أهدافها المتجسدة في الإستغلال الفني للتغيير وقهر القوي الضعيف، وجور الظالم على المظلوم... وأسوء ما فيه حركات دينية قد يكون بعضها أبعد ما يكون عن الله ورسله وكتبه، حيث حلل بعض المتدينين لأنفسهم تكفير الناس الذين لا يرضخون لتعاليمهم كما هم يعتقدون، ولا ينصعون لأساليبهم وممارساتهم التي بها يؤمنون، فاقتتل الناس في ما بينهم باسم الدين، والدين الصحيح لا يوصي بالإقتتال بل بالمحبة، وينهى عن الفحشاء والمنكر، ويشيع السلام بين الناس ويؤلف بين قلوبهم إن هم إحتكموا بالإيمان الصادق، وطرحوا العبث واحتفظوا بالثمين من كل دين، وإن هم علموا أن الله واحد أحد تلك الناس جميعًا، وملك القوي والضعيف على السواء!...
آلية الحل لإصلاح لبنان اليوم من أجل تغييره الى لبنان أفضل
أرى أن يعمل، في أقرب فرصة ممكنة على عقد مؤتمر وطني جامع يشارك فيه ويكون منه اجزاء تشكل وحدة لا تنفصم، جميع الطوائف والمذاهب والأحزاب السياسية، والنقابات والجمعيات والروابط، والكتاب ولامفكرون والأدباء والمثقفون والفنانون، وأصحاب المهن الحرة، والوجهاء ووالأعيان والعشائر والطلاب والمعلمون واساتذة الجامعات، والإعلامييون والناشرون، والعمال، والفلاحون، ولاجال الأعمال ونساؤها، والتجار، والحرفيون، والصناعيون، والهياءات النسائية، ومختلف الخلايا التي تؤلف المجتمع المدني،...الخ....الخ....
ويطلب الى هؤلاء جميعًا، بإسم الله والوطن والحضارة والفكر والإيمان والتقدم والرقي والسلام، أن لا يغادروا مكان انعقاد مؤتمرهم إلا بعد أن يكونوا قد أنجزوا عهداً مكتوبًا يرمي الى تكريس لبنان، مرة واحدة والى الأبد، وطنًا نهائيًا لجميع أبنائه، يعيشون فيه بكرامة وطمأنينة وأمن وسلام، ويعملون على تطويره وتحديثه سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، وصيانة استقلاله ووحدته وديمومته.
عالم اليوم، عالم الغد
إن لبنان جزء من العالم العربي ومن العالم الأشمل والأوسع، ونتساءل أي عالم هذا الذي تجتاحه العلوم والتكنولوجيا والأيديولوجيات من كل نوع ولون بأسوء ما فيها من سلبيات، فتدمر أشرف ما في النفس البشرية من قيم حضارية، ومثل عليا، واديان كريمة وتيل الكرة الأرضية كلها، قرية كونية صغيرة تزخر بالمآسي، وتغدو أشبه ما يكون "كرة قدم" تتقادفها أرجل الكبار المتضخمة قوته غطرسةً واستكبارًا، وصلفًا وانحيازًا، وتسلطًا وتمييزًا عنصريًا ودينيًا وقوميًا وإثنيًا، "وتصوّبها" أهدافًا أنانية في مرامي الضعفاء الذين اكتسبوا ضعفهم من جشع الأقوياء وأطماعهم ووحشية غرلئزهم المدججة أنيابها ومخالبها بأبشع ما أفرزته تكنولوجيتهم وأيديولوجياتهم وسياساتهم من وسائل تدمير وتقتيل وتسميم وتشنيع وقهر وإذلال لأنفسهم ولسكان هذه الأرض المسكينة.
عالم هذا نوعه ووصفه ووضعه، موبوء بأخطار ماحقة هي من صنع العنصر البشري نفسه، تهدد البشرية كلها بأفدح العواقب...
عالم هذه سماءه وتوجهاته وممارساته يوصينا العقل، وتقترح الحكمة، بأن نجد بتغييره، ونسعى الى تحسينه، ولا نكتفي بالقناعة والإقتناع بأنه "أفضل العوالم الممكنة" إنه في الواقع أسوء العوالم، ويمكنه أن يصبح أحسن حالًا وأقل بؤسًا.
... لا طوباوته، ولا حلم "----------- ----------" لا وجود لها على هذه الأرض، بل رؤية واضحة للواقع، ورؤية عقلانية في تغيير هذا الواقع أو تبديله بأحسن منه، يتلاءم مع طموحات حداثة أصيلة "ينطقها" العقل، وتؤكدها مصالح الإنسان المشتركة، ويضئ الأمل الواعي طريقها الى أماكن الحدوث... لا فائدة من إصلاح لبنان وحدة بمعزل عن رؤية "عالم أفضل"، عالم إنساني يعمل لخير الإنسان وكرامته وسلامته وأمنه واستقراره. كيف السبيل الى ذلك!؟. وإذا كان هناك من سبيل، فهذه هي بعض معالمه، وشبكة من مسالكه، والمداخل اليه بعد التذكير بصفاته وويلاته ومخازيه...
إن أبشع آفات السلوك البشري، قديمًا وحديثًا هي آفة الحرب. والواقع ان سبب هذه الآفة الرهيبة قد حير علماء الإجتماع وعلماء النفس (وحتى الأنبياء). فمنذ قتل قايين أخاه هابيل (كما تروي الحكاية)، والناس يقتلون فيما بينهم... فيما يرى stirner أن للمرء الحق في أن يفعل كل مايمكنه فعله، يرى غيره أن للآخرين الحق في الدفاع عن أنفسهم: "فالنمر الذي يهاجمني له الحق في ذلك، وأنا أيضًا محقٌ في سحقه" وفي كيلا الحالتين قتل وسحق وتدمير "إن من لديه القوة لديه الحق" يقول بعض المتفلسفين...
ويرى داروين أن الإحتراب سنة الطبيعة، فالكائنات الحية بصراع دائم من أجل البقاء، و"البقاء للإصلاح"، ويرى فرويد أن سبب الحروب من وجهة نظر التحليل النفسي مرتبط بغريزة العدوان أو العدوانية وهي غريزة ملازمة للطبيعة البشرية" وهي"أشد الغرائز جميعًا وأخطرها... ويجب توجيهها دائمًا نحو الغير، كي لا تنقلب الى المواجهة مع الذات وتصبح مرضًا نفسيًا يدفع الى الإنتحار."
هذا مع العلم أن بعض الأديان (كالمسيحية والإسلام) قد أوصت بعدم قتل النفس التي "حرم الله قتل."، ودعت الى المحبة والسلام والوئام بين الناس... ومع ذلك إستمر الإحتراب بين الأقوام البشرية أنفسهم وبينهم وبين غيرهم من الأقوام "الغرباء" واتخذ أشكالًا مختلفة واستند الى أسباب شتى دينية وثقافية وإثنية... ودون المؤرخون حصول حوالي 150 حربًا في أوروبا وحدها، طوال قرنين من الزمن، حيث أزهقت أرواح حولي 80 مليون من البشر.
وقد فشل الجهد البشري في وضع أسس لتنظيم شؤون الناس الدينية والثقافية والإثنية، فتصارعوا صراعًا مريرًا، قدينًا وحديثًا، وهم يتصارعون اليوم في أمكنة عديدة من الععالم نذكر منها على سبيل الميثال فقط: لبنان، فلسطين، والجزائر، وأفغانستان، ويوغوسلوفاكيا، ودول البلقان ووسط أفريقيا... ألخ... ألخ
وقد بلغت وحشية الإقتتال (أو الإعتداء الخارجي على أهل الداخل) في بعض البلدان، تحوم الإبادة الجماعية.
وساعدت التكنولوجيا الحديثة على زيادة الضراوة في الحروب بين الفصيلة البشرية الواحدة بحيث أصبح الناس جميعًا يعيشون في خشية دائمة من إرتكاب أي خطأ تكنولوجي في تسيير الآلة الحربية النووية الجهنمية، أو حصول أية سوء تفاهم بين مالكي الأسلحة الذرية أو الهيدروجينية، فيشتعل فتيل الحرب صاعقة تدمر الكرة الأرضية ومن عليها.... يكفي أن نعلم أن شعوبًا بأسرها وحضارات برمتها قد أوردتها الهلاك حروب بدائية، كي يستبد بنا الرعب إذا ما اندلعت حرب نووية حديثة. يخبرنا المؤرخون أن شعوب ألمايا، والإنكا والأستيك، والهنود الحمر الأميركيين والكنديين قد أبيدوا واندثرت معالم حضاراتهم .
إنطلاقًا من هذه الوقائع المرعبة، مطلوب من المسؤولين الكبار عن أحول العالم، وتنظيم شؤونه أن يعملوا، قبل أي شيئ آخر، على إزالت الحروب أو تقليص ------------ إذا أرادوا للجنس البشري أن يبقى. ولا خير لبقائه إذا لم ينعم بالحد الأدنى من الأمن والأمان. ومن أجل اوصول الى هذه الغاية، لا بد من السعي الى إزالت أسباب الحروب أو التخفيف منها. المسؤولون عن أحوال العالم هم أدرى بهذه الأسباب.
والآفة الثانية التي لا تقل بشاعة عن الأولى، هي آفة الجوع. والغريب بالأمر أنه بالرغم من معرفة العالم، عبر ما يوضع من دراسات واحصاءات عن الجوع الذي يجتاح قسمًا كبيرًا من بني البشر، لا يعير هذا العالم آفة الجوع أي إهتمام جدي أو محاولة رصينة لدرء خطرها وتخفيف ويلاتها.
وبسبب الحروب اضطرت عائلات عديدة إلى هجر منازلها وأملاكها، فازدادت نسبة البطالة بين الناس واضطرب حبل الأمن، وانهار التضامن الإجتماعي، وتفاقمت حاجات الشعوب فاندفعت تطالب بحقوقها الأساسيّة في الغذاء، والكساء، والمسكن، والوظائف... اد حجم البؤس وانعدم الأمان؛ وتعددت مافيات الإتجار الجنسي بالنساء والأطفال دون سنّ 18، وفقد الملايين من المهجرين والمهاجرين أدنى حد من الكرامة الإنسانية، والحرية وحقوق الإنسان...
ألا يكفي كل ذلك كي يعقل الإنسان عقله، ويتفكر في شؤون حاضره، فيرى أنه يسير طريقًا خاطأً، وينزلق في هاوية الفناء المحتم، إذا لم يعد النظر في كا سياساته والإستعمالات الخاطئة لاكتشافاته واختراعاته وإيديولوجياته، ويمم وجهه وقدراته وعقائده شطر مستقبل أرقى وغدٍ أفضل؟!..
عالم الغد:
إنطلاقًا مما تقدم عرضه ووصفه وتفصيله، كيف يمكننا بناء عالم الغد على أسس العدالة، والمساواة، والديمقراطية، وحماية حقوق الإنسان في كل مكان، وزمان، فنزيد في ذلك بعض القهر والظلم، والمجاعة، والتهجير، وقتل الأفراد، وإبادة الجماعات، وهمجية الإرهاب، ونضع حدودًا للفقر، والرزيلة، والأمية، والتعصب، والحروب الباردة والحامية، ونحافظ على البيئة ونحارب الأمراض (في مدى الثمانية أعوام القادمة يتوقع علماء الصحة والحياة أن يكون عدد المصابين بمرض الإيدز 45 مليون إنسان) البسيطة والمتعصبة، ونصون كرامة الإنسان وحقوقه، ونجعله "مشروعًا قابلًا للحياة" متطورًا نحو الأفضل، حرًا في التفكير، والقول، والكتابة، والمعتقد، واختيار كل ما يراه مناسبًا لتحقيق ذاته، واحترام ذوات الآخرين والسعي الى تحرير نصفه الآخر المرأة، ومساعدته على تأمين الحد الأدنى من المأكل والملبس والمسكن، والعيش حياةً عائليةً مستقرةً ومنتجة بتوفير فرص العمل للجميع...إلخ... فهل هذا مستحيل؟ أم غير معقول؟ أم باطل الأباطيل؟!!...
المطلوب؟
1- الإيمان بأن عالماً جديدًا مختلفًا، لحياة إنسانية كريمة ممكن الوجود وواجب الوجود من صنع الإنسان، ومسؤولية الإنسان، ومن أجل الإنسان.
2- النظر في أسباب الفقر والإستعباد، ومعرفة ما تفعله السياسة الليبراليّة القديمة والجديدة، ومنطقة السوق في نشر هاتين الآفتين، والإسترشاد بعلماء الإجتماع والسياسة والإقتصاد العالمين لوضع الأسس العلمية الصالحة لإنتاج الثروة وتوزيعها، وتدعيم بنية المجتمع المدني في كل البلدان وتصوين مسار السلطة السياسية مستنيرين بمفاهيم الحكمة، ومسترشدين بمكارم الأخلاق.
3- بناء الدولة كل دولة على قاعدة "الإقتصاد التكاملي" وإقصاء ما تستحدثه العولمة، من أساليب السيطرة على مفاصل الإقتصاد يتنكر للشأن الإجتماعي، ويفخّم الفواصل بين الأغنياء والفقراء، وقد يؤدي إما الى ذوبان الهوية الذاتية للدول في خضمّ العولمة الطاغية، أو التقوقع والإنكماش داخل أطرٍ قومية منقرضة ومضرّة وإقفاص من خوف الآخر وتفاقم العداء له.
لقد رأى الداسون أن "العولمة" الإقتصادية تعمل على تقويد أسس المساواة بين الشعوب وأن المنافسة الشرسة على المستوى العالمي لشل قدرة الدول على التخلّص من مشكلاتها، وأنه ينتج عن العولمة الإقتصادية "عولمة" ثقافية تحدثها الثورة التكنولوجية المتسارعة، وينجم عن هذين الشكلين من العولمة فرض "الأمركة على العالم"، فتؤدي محاولة أميركا السيطرة على العالم والهيمنة على مقدرات الشعوب بغطرسة واستعلاء قاضحين الى قيام، دور فعل عدائية ضد العولمة السياسية التي تعتمد على التفوق الاميركي المادي، وعلى سيطرة اميركا على المنظمات الدولية الإقليمية.. ويبدو ان الدولة ا"لأميركية" تعنل على خنق ارادات الشعوب وقتل الحرية والديمقراطية، وازهاق روح العدالة، وتزييف حقوق الانسان.
وعلينا أن نتساءل ببساطة وصدق، عمّا نتوقع من المستقبل، وماذا نطلب من الإنسان أن يحقق، كي لا يبقى في نظرنا (ونظر نفسه)مشروعًا فاشلًا؟ أوليس من الأجدى لخير البشرية جمعاء أن يحدد الإنسان الحاضر مشكلاته، بكل أنواعها، ويستوعبها فيجند لها جيشًا كبيرًا قويًا من العلماء والإختصاصيين في جميع الحقول: السياسية، والإقتصادية، والإجتماعية، والثقافية، كي يضعوا لها تصوّرًا عقلانيًا، يؤدي الى وضع الحلول الموضوعية المرتكزة الى قواعد علمية موثوقة تنقذ الإنسان الحاضر من شرّ نفسه زتدمير ذاته، وتخلق مستقبل السلام الإجتماعي المبني على:
1- العدالة والمساواة والديمقراطية الحقة والرحمة والصفح والغفران.
2- القضاء على الجور والقمع والطغيان.
3- محاربة الجهل والتخلّف والتّخلّف والفقر والمرض وعدم الإستقرار.
4- عدم التدخل في الشؤون الداخلية للشعوب المختلفة إلا من أجل إصلاح ذات-------
5- فهم ما يحتاج العالم الحاضر من مشكلات وآفات واجتهاد أهل القرار في وضع الحلول لها، وازالت أسبابها، وبناء مستقبل أفضل للجميع وبجهود الجميع.
6- تحرير الإنسان المعاصر من تحكم السلطة والمال بمقدراته وأفكاره وتعرفاته، واستخدام هاتين القوتين من أجل راحة الإنسان ومساعدته على التغلب على مصاعب عيشه ومصائب ذهره.
7- تشجيع الناس على قول كلمة الحق، وإيجاد السبيل الى الحقيقة، وتقبلها والعمل في ضوئها، مهما بدا ذلك قاسيًا وشاقًا...فالحقيقة أم الواقع،--------- الخيال، ومصدر الحق، وكاسحة الضلال والأوهام.
8- وضع فلسفة سياسية واقتصادية واجتماعية واخلاقية تكون دستور حياته الجديدة تستوحى منه جميع المبادئ والأفكار والأفعال المذكورة أعلاه.
9- الإلتزام الكلي والصادق بتطبيق شرعة حقوق الإنسان نصًّا وروحًا وممارسة، وإدخال كل ما يراه " الدستور الجديد" من مبادئ تكملة أو شرائع ضروريةلممواكبة ما يستجد من شؤون الحياة الصالحة.
هل هذه طوباوية؟!.. فلتكن.. سمّها ما شئت.. ولكن، دون تحقيق الحد الأدنى منها، سيبقى الإنسان "مشروعًا فاشلًا" وسوف ينحدر الى أسفل سافلين!!...
الكلمة الاخيرة: نعم، طوباوي أنا، وإن كنت لا أدعي الاقتراب كثيرًا من الكمال... غير أني أحاول مخلصًا، وبوعي كامل، ورويّة لا بأس بها ، أن أضيئ بعض الشموع في النفق الطويل الذي يمكن الى تحويل الإنسان من مشروع فاشل الى مشروع إنساني يتحلّى بشيئ من معاني الإنسانية.
هكذا علمتني الخبرة، والى ذلك أرشدتني الفلسفة. وها أنذا أنشر ما خبرت وما تعلمت...
الدور التشريعي الحادي عشر
العقد العادي الأول 1966
محضر الجلسة الثالثة
المنعقدة في الساعة الخامسة والنصف من بعد ظهر يوم الأربعاء الواقع
في السابع والعشرين من نيسان 1966
مرسوم رقم 452
تشكيل الوزارة
ان رئيس الجمهورية اللبنانية
بناء على الدستور اللبناني
بناء على المرسوم رقم 4451 تاريخ 9 نيسان سنة 1966 المتضمن تعيين السيد عبد الله اليافي رئيساً لمجلس الوزراء
يرسم ما يأتي
المادة الأولى - عين السادة:
- عبد الله اليافي رئيساً لمجلس الوزراء ووزيراً للمالية والانباء
- فؤاد بطرس نائباً لرئيس مجلس الوزراء ووزيراً للتربية الوطنية والفنون الجميلة والدفاع الوطني.
- كامل الاسعد وزيراً للموارد المائية والكهربائية والصحة العامة.
- فيليب تقلا وزيراً للخارجية والمغتربين والعدل.
- كمال جنبلاط وزيراً للأشغال العامة والنقل والبريد والبرق والهاتف.
- بشير العثمان وزيراً للزراعة.
- بيار الجميل وزيراً للداخلية.
- ادوار حنين وزيراً للتصميم العام والسياحة.
- اللواء جميل لحود وزيراً للعمل والشؤون الاجتماعية.
- صبحي محمصاني وزيراً للاقتصاد الوطني.
المادة الثانية - ينقطع السيد فيليب تقلا عن ممارسة وظيفته كحاكم لمصرف لبنان، مع احتفاظه بهذا المنصب، طيلة مدة تعيينه وزيراً.
المادة الثالثة - ينشر هذا المرسوم ويبلغ حيث تدعو الحاجة.
سن الفيل في 9 نيسان سنة 1966
الامضاء: شارل حلو
صدر عن رئيس الجمهورية
رئيس مجلس الوزراء
الامضاء: عبد الله اليافي
رئيس مجلس الوزراء
الامضاء: عبد الله اليافي
لم يأت البيان الوزاري ولا النواب على ذكر الاغتراب
الدور التشريعي الحادي عشر
العقد العادي الأول 1966
محضر الجلسة الرابعة
المنعقدة في الساعة الخامسة والنصف من بعد ظهر يوم الخميس
الواقع في الثامن والعشرين من نيسان سنة 1966
حكومة برئاسة عبد الله اليافي
لم تأت على ذكر المغتربين والاغتراب في بيانها الوزاري
كذلك النواب لم يتطرقوا إلى الاغتراب في مداخلاتهم
__________*__________
الدور التشريعي الثاني عشر
العقد العادي الثاني لسنة 1969
محضر الجلسة الثانية
المنعقدة في الساعة العاشرة والدقيقة الخامسة والاربعين من قبل ظهر يوم الخميس
الواقع في الرابع من كانون الأول سنة 1969
مرسوم رقم 13414
تعيين السيد رشيد كرامي رئيساً لمجلس الوزراء
ان رئيس الجمهورية اللبنانية
بناء على الدستور اللبناني
بناء على المرسوم رقم 13413 تاريخ 25/11/1969 المتضمن قبول استقالة الوزارة التي يرأسها السيد رشيد كرامي.
يرسم ما يأتي:
المادة الأولى ـ عين السيد رشيد كرامي رئيساً لمجلس الوزراء.
المادة الثانية ـ ينشر هذا المرسوم ويبلغ حيث تدعو الحاجة.
بعبدا في 25 تشرين الثاني سنة 1969
الامضاء شارل حلو
الرئيس ـ يتلى المرسوم رقم 13415، القاضي بتشكيل الوزارة الجديدة.
فتلي المرسوم التالي:
مرسوم رقم 13415
تشكيل الوزارة
ان رئيس الجمهورية اللبنانية
بناء على الدستور اللبناني
بناء على المرسوم رقم 13414 تاريخ 25/11/1969 المتضمن تعيين السيد رشيد كرامي رئيساً لمجلس الوزراء.
بناء على اقتراح رئيس مجلس الوزراء.
يرسم ما يأتي:
المادة الأولى ـ عين السادة:
رشيد كرامي ـ رئيس مجلس الوزراء ووزيراً للمالية.
فؤاد غصن ـ نائباً لرئيس مجلس الوزراء ووزيراً للبريد والبرق والهاتف.
عادل عسيران ـ وزيراً للعدل.
الامير مجيد ارسلان ـ وزيراً للدفاع الوطني.
كمال جنبلاط ـ وزيراً للداخلية.
بيار الجميل ـ وزيراً للاشغال العامة والنقل.
نسيم مجدلاني ـ وزيراً للخارجية والمغتربين.
خاتشيك بابكيان ـ وزيراً للسياحة.
سليمان فرنجية ـ وزيراً للاقتصاد الوطني.
موريس الجميل ـ وزيراً للتصميم العام.
عثمان الدنا ـ وزيراً للانباء.
رفيق شاهين ـ وزيراً للعمل والشؤون الاجتماعية.
أنور الخطيب ـ وزيراً للموارد المائية والكهربائية.
عبد اللطيف الزين ـ وزيراً للزراعة.
جوزف أبو خاطر ـ وزيراً للتربية الوطنية والفنون الجميلة.
حبيب مطران ـ وزيراً للصحة العامة.
المادة الثانية ـ ينشر هذا المرسوم ويبلغ حيث تدعو الحاجة.
بعبدا في 25 تشرين الثاني 1969
الامضاء: شارل حلو
صدر عن رئيس الجمهورية
رئيس مجلس الوزراء
الامضاء: رشيد كرامي
رئيس مجلس الوزراء
الامضاء: رشيد كرامي
إدوار حنين:
يملك اللبنانيون، تحت كل سماء، خمسمائة جريدة ومجلة ودار للاذاعة أو للتلفزيون أو للنشر. هذا الجهاز الدعائي الجبار ينطق بكل لغات الارض. مثله لا تملك الكبيرات: الولايات المتحدة الاميركية، الاتحاد السوفياتي، فرنسا، انكلترا، أو المانيا. وإذا كانت تملك مثله فإنها تملكه بمالها لا برجالها. هذا الجهاز الدعائي نضعه في خدمة العرب لمد صوت العرب في جميع قضاياهم. وفي هذه الحرب ضد اسرائيل خاصة. وحده هذا الجهاز يستطيع أن يقاوم الوكالة الصهيونية. وأن يقوم نصاب الحق. ننشىء لهذا الجهاز الجبار مجمعاً، تشرك فيه الدول العربية في لبنان يتولى التوجيه. ثم نربط هذا الجهاز المنتشر في العالم بلبنان، فيكون لنا وللعرب قوة أحسن قوة.
بالاضافة إلى هذا الجهاز بيد اللبنانيين المغتربين، ولنا مغتربون في كل مكان، رجال أعمال وفكر وسياسة مقربون من الحكام مثل غبريال طربيه، ومنصور سعادة، وأبناء المعلم نعمه يافث، وأخرهم شارل مالك... هؤلاء المقربون من الحكام نهمس في أذنهم ليهمسوا، بدورهم، في آذان الحكام ما نريد فتعلم، هكذا، قضايانا وقضايا العرب.
بالاضافة إلى هذا الجهاز بيد اللبنانيين المغتربين، ولنا مغتربون في كل مكان، رجال أعمال وفكر وسياسة مقربون من الحكام مثل غبريال طربيه، ومنصور سعادة، وأبناء المعلم نعمه يافث، وأخرهم شارل مالك... هؤلاء المقربون من الحكام نهمس في أذنهم ليهمسوا، بدورهم، في آذان الحكام ما نريد فتعلم، هكذا، قضايانا وقضايا العرب.
هذان الجهازان مهما قدم لبنان من مجهودات حربية، لا يستطيع أن يقدم للعرب أحسن منهما. ولا يستطيع أحد أن يقدم مثلهما.
__________*__________
الدور التشريعي الخامس عشر
العقد العادي الثاني لسنة 1982
محضر الجلسة الثانية
المنعقدة في الساعة الحادية عشرة والنصف من قبل ظهر يوم
الثلاثاء الواقع في 2 تشرين الثاني سنة 1982
مرسوم رقم 2
تعيين السيد شفيق الوزان رئيسا
لمجلس الوزراء
ان رئيس الجمهورية،
بناء على الدستور،
بناء على المرسوم رقم 1 تاريخ 07/10/1982 المتضمن قبول استقالة الوزارة التي يرئسها السيد شفيق الوزان.
يرسم ما يأتي:
المادة الاولى- عين السيد شفيق الوزان رئيسا لمجلس الوزراء.
المادة الثانية- ينشر هذا المرسوم ويبلغ حيث تدعو الحاجة.
بعبدا في 7 تشرين الاول سنة 1982
الامضاء: امين الجميل
الرئيس: ليتلى مرسوم تشكيل الوزارة.
فتلي المرسوم التالي:
مرسوم رقم 3
تشكيل الوزارة
ان رئيس الجمهورية،
بناء على الدستور،
بناء على المرسوم رقم 2 تاريخ 07/10/1982 المتضمن تعيين السيد شفيق الوزان رئيسا لمجلس الوزراء،
بناء على اقتراح رئيس مجلس الوزراء.
يرسم ما يأتي:
المادة الاولى- عين السادة:
شفيق الوزان، رئيس مجلس الوزراء، وزيرا للداخلية،
ايلي سالم، نائبا لرئيس مجلس الوزراء ووزيرا للخارجية والمغتربين،
روجيه شيخاني، وزيرا للعدل والاعلام،
بهاء الدين البساط، وزيرا للموارد المائية والكهربائية وللاسكان والتعاونيات،
بيار الخوري، وزيرا للأشغال العامة والنقل والزراعة،
عصام خوري، وزيرا للدفاع الوطني والتربية الوطنية والفنون الجميلة،
جورج افرام، وزيرا للبريد والمواصلات السلكية واللاسلكية وللصناعة والنفط،
الدكتور عدنان مروة، وزيرا للصحة العامة وللعمل والشؤون الاجتماعية،
ابراهيم حلاوي، وزيرا للاقتصاد والتجارة وللسياحة،
عادل حمية، وزيرا للمالية.
المادة الثانية- ينشر هذا المرسوم ويبلغ حيث تدعو الحاجة.
بعبدا في 7 تشرين الاولى سنة 1982
الامضاء: امين الجميل
صدر عن رئيس الجمهورية
رئيس مجلس الوزراء
الامضاء: شفيق الوزان
رئيس مجلس الوزراء
الامضاء: شفيق الوزان
الرئيس: الكلمة لدولة رئيس مجلس الوزراء.
الرئيس شفيق الوزان:
وان الحكومة هي في صدد وضع خطة خمسية، انمائية اعمارية اسكانية تحديثية، تنهض بلبنان من كبوته، وتقيله من عثرته، تفسح مجالات التقدم امام شعبه، وتنقله الى مشارف القرن الحادي والعشرين، بمساعدة الاشقاء والاصدقاء واسهام جميع اللبنانيين، وتتضمن، في ما تتضمن، صيغة لمشاركة اللبنانيين المغتربين، والمتحدرين من اصل لبناني، بما لديهم من خبرات وامكانات، في ورشة لبنان المستقبل.
... والحكومة واعية لاهمية استعادة الكفايات اللبنانية النازحة والمغتربة، فلقد كفانا هجرة ادمغة، وحان لنا ان نوظف طاقاتنا في انماء الوطن، ولا غنى لذلك عن خطة متكاملة تشارك فيها القطاعات الانتاجية، واننا نردد الدعوة الكريمة التي اطلقها فخامة رئيس الجمهورية الى كل اللبنانيين القادرين على العودة، للاسهام في صنع المستقبل اللبناني.
إدوار حنين:
اننا، نؤيد الحكومة لتمسكها بالنظام الديمقراطي، وبالمساواة وتكافؤ الفرص، او بصدد وضع خطة خمسية انمائية، اعمارية، اسكانية، بمشاركة اللبنانيين والمغتربين، والمتحدرين من اصل لبناني، نطالبها بتحقيق ذلك بما يلي:
اولا: بانشاء وزارة للمغتربين، تعنى بشؤونهم، وتستفيد من خبراتهم وامكاناتهم في ورشة لبنان المستقبل فلا يبقى خارجا، نطلبهم في الملمات، فلا نجد منهم الا النصر الضعيف.
_________*__________
الدور التشريعي الخامس عشر
العقد العادي الثاني لسنة 1980
محضر الجلسة الثانية
المنعقدة في الساعة الحادية عشرة من قبل ظهر يوم الثلاثاء الواقع
في السادس عشر من كانون الاول 1980
مرسوم رقم 3591
تعيين السيد شفيق الوزان رئيسا لمجلس الوزراء
ان رئيس الجمهورية،
بناء على الدستور،
بناء على المرسوم رقم 3590 تاريخ 1980/10/25 المتضمن قبول استقالة الوزارة التي يرئسها الدكتور سليم الحص.
يرسم ما يأتي:
المادة الاولى- عين السيد شفيق الوزان رئيسا لمجلس الوزراء.
المادة الثانية- ينشر هذا المرسوم ويبلغ حيث تدعو الحاجة.
بعبدا في 25 تشرين الاول سنة 1980
الامضاء: الياس سركيس
مرسوم رقم 3592
تشكيل الوزارة
ان رئيس الجمهورية،
بناء على الدستور،
بناء على المرسوم رقم 3591 تاريخ 1980/10/25 المتضمن تعيين السيد شفيق الوزان رئيسا لمجلس الوزراء، بناء على اقتراح رئيس مجلس الوزراء.
يرسم ما يأتي:
المادة الاولى- عين السادة:
شفيق الوزان، رئيس مجلس الوزراء وزيرا للداخلية،
فؤاد بطرس، نائبا لرئيس مجلس الوزراء ووزيرا للخارجية والمغتربين،
جوزف سكاف، وزيرا للدفاع الوطني،
الدكتور نزيه البزري، وزيرا للصحة العامة،
خاتشيك بابكيان، وزيرا للعدل،
رينه معوض، وزيرا للتربية الوطنية والفنون الجميلة،
ميشال اده، وزيرا للاعلام،
خالد جنبلاط، وزيرا للاقتصاد والتجارة،
جوزف ابو خاطر، وزير دولة،
ميشال المر، وزيرا للبريد والمواصلات السلكية واللاسلكية،
انور الصباح، وزيرا للموارد المائية والكهربائية،
علي الخليل، وزيرا للمالية،
محمود عمار، وزير دولة،
منير ابو فاضل، وزير دولة،
الياس الهراوي، وزيرا للاشغال العامة والنقل،
محمد يوسف بيضون، وزيرا للصناعة والنفط،
الدكتور عبد الرحمن اللبان، وزيرا للعمل والشؤون الاجتماعية،
قيصر نصر، وزير دولة،
سامي يونس، وزير دولة،
سليم الجاهل، وزيرا للاسكان والتعاونيات،
مصطفى درنيقه، وزيرا للزراعة،
مروان حماده، وزيرا للسياحة.
المادة الثانية- تحدد، عند الاقتضاء، اختصاصات وزراء الدولة بمراسيم لاحقة تتخذ في مجلس الوزراء.
المادة الثالثة- ينشر هذا المرسوم ويبلغ حيث تدعو الحاجة.
بعبدا في 25 تشرين الاول سنة 1980
الامضاء: الياس سركيس
صدر عن رئيس الجمهورية
رئيس مجلس الوزراء
الامضاء شفيق الوزان
رئيس مجلس الوزراء
الامضاء: شفيق الوزان
الرئيس شفيق الوزان:
حضرات النواب المحترمين،
هذه هي الخطوط الاساسية لسياسة حكومتنا وتلك هي اهدافنا التي سنسعى الى تحقيقها بالتعاون مع فخامة الرئيس الياس سركيس خدمة للبنانيين مقيمين ومغتربين، واستجابة لحقهم علينا في ان نعمل لهم باخلاص وثبات.
واننا اذ نحرص على تعاون وثيق مع مجلسكم الكريم، نطلب ثقتكم الغالية للانطلاق في العمل المرتجى لخير الوطن واهله بارادة موحدة تتعبأ معها كل الطاقات والامكانات لنجمع ونوحد بعد فرقة، نمسح الجراح، ونسير في درب البناء لوطن يتعطش اهله للاستقرار ولمولد جديد.
إدوار حنين:
والتوطين كمبدأ مرفوض طبعا، لانه يصفي القضية ولانه يقطع مورد الرزق الدفاق عن اصحابها، ولكن مؤشراته واضحة عملا وقولا، لماذا اقتطعوا اجزاء من لبنان اقاموا عليها دولة مستقلة لها علمها ومحاكمها وجيشها وقانونها ولا ينقصها الا الاعلان الرسمي بذلك. لماذا هم في الجنوب، أللدفاع عنه، الاستنزاف اسرائيل أم لمحاربتها، ان كانوا للدفاع فهل هم ابر بارضنا واحق بالدفاع منا عنها، وان كانوا لمحاربة اسرائيل فهل هم وحدهم قادرون؟ ام يجرون العرب الى حرب لم يتفقوا عليها ولم يستعدوا بعد؟ واذا كانوا حقيقة جادين في الحرب فما عليهم الا ان يضغطوا على العرب لوضع هذه الخطة، ويشترك الفلسطينيون في وضعها وفي تنفيذها، ولن يتأخر لبنان عن الدور المنسجم مع مؤهلاته وجغرافيته. ولكن هل لعمليات عسكرية محدودة تسترد الحقوق، ان يحمل الفلسطيني السلاح على ارضه دفاعا عنها فذلك من حقه ومن واجبه المقدسين. اما ان يحمله على ارضنا هنا، فلاجل أي هدف غير هدف التوطين. القضية هي قضية لبنان في الدرجة الاولى وما تأخر عنها لبنان يوما مقيما أو مغتربا، ولكن ايها السادة هذه القضية تخلق قضية ثانية لا تقل قدسية وخطورة عن قضيتهم، فهل يقبل اللبنانيون؟ ام ترانا نقف صفا واحدا نجبه المؤامرات والمخططات مصممين على انقاذ بلدنا من كل هيمنة واحتلال، في الجنوب باتفاق الهدنة والقرارات الدولية، وفي الداخل بتنفيذ مقررات الدول العربية وقراراتها. وايا كانت النتائج فلن تكون الحياة، حياة اللبنانيين، فهي شرف لنا ان تكون هذه النتائج هزيمة وخسارة وان لا تكون ذلا وهوانا وتباعية، لقد صح قول شوقي:
وما استعصى على قوم منال
اذا جعلوا له الاقدام بابا
وما نيل المطالب بالتمني
ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
واخيرا الوفاق ايها السادة، الوفاق ليس عمل حكومة انه عمل شعب ولكن بالنسبة الى هذه المبادىء التي اختلف عليها اللبنانيون في التطبيق والممارسة كادوا يقطعون الأمل من الوفاق. ولكن سبحان من لا يحمد على مكروه سواه، لعل هذه الاحداث الاخيرة تكون العابرة الاخيرة يا دولة الرئيس، لعل هذه الاحداث الاخيرة تكون الفرصة الاخيرة لنا لنتصارح، فلا نظهر غير ما نضمر ولا نضمر غير ما نظهر. وندرك كلنا ان اللبنانيين مسلمين ومسيحيين، مقيمين ومغتربين سواسية في لبنان. كفانا جدلا وانقساما بين متهمين ومتهمين، بين وطنيين وغير وطنيين، بين مناطق وطنية ومناطق حرة، كفانا انقساما بين رجعيين وتقدميين، بين انفلاشيين وانكماشيين، بين مسلمين ومسيحيين، بين يمينيين ويساريين، ليصح فينا قول عبد الملك بن مروان الطالبي: كل ما رأيتموني ذكرتم الحر وكل ما رأيتكم ذكرت مقتل عثمان. لنكن لبنانيين، ولبنانيين قبل كل شيء، فمن كان عربيا أو لبنانيا يمينيا أو يساريا أو مستقلا كان من مصلحته أن يبقى لبنان ضرورة إقليمية لجيرانه وضرورة انسانية للانسانية جمعاء. ولهذا، فالمطلوب منا من اجل وضع الاسس الصحيحة الثابتة السليمة للوفاق، أن يؤمن كلنا بلبنان كيانا نهائيا مطلقا، خير موطن في هذا الشرق يتسع للفكر الحر ويتمثل لانسان مميز، ابناؤه في الداخل يقررون مصيره، ولا تعلو مصلحته مصلحة. ونؤمن به ان الانسان اخ الانسان احب ام كره، فلا دين يعلو دين ولا فئة تعلو فئة، لان الخلق كلهم عيال الله، واحبهم اليه انفعهم لعياله. ونؤمن به منفتحا على العالم مميز الطابع والشخصية لا ينعزل عن جيرانه ولا ينكمش رابطا مصيره بمصيرهم وناذرا وجوده للحق وللحرية ايا كانا وفي الطليعة حق الشعب الفلسطيني في ارضه وحريته في تقرير مصيره عليها. ونؤمن بعدم جدوى العنف واستحالة فرض فريق ارادته على فريق. ونؤمن بحتمية العيش المشترك في ظل ديمقراطية صحيحة يتساوى فيها اللبنانيون اينما كانوا واينما حلوا، وفي ظل عدالة اجتماعية لا تبقى معها فئات محرومة ولا مناطق ولا طوائف مهضومة الحقوق. هذا هو ايماننا الذي لا يتزعزع فعلى اساسه يكون وفاق صحيح، يكون لبنان او لا يكون وبلا وفاق صحيح لا يكون لبنان.
اللهم ربنا سألناك كفى لبنان جلجلة والام كفاه يدفع عن العرب ضريبة القضايا العربية وعن العالم ضريبة الديمقراطية والحرية، اللهم ربنا سألناك مرجنون العاصفة ان يهدأ الوحش في صدر الانسان ان يموت، والى لبنان اجمل ما عرفت الدنيا واندر ما عرف التاريخ. اشف جروحه وقلبه وضميره، ورد اللبنانيين الى أصالتهم وايمانهم بوحدتهم وبوطنهم، ليكونوا واحدا فيه كما هو واحدا فيهم، والى تراب لبنان الذي شبع من الدماء والى سمائنا التي شبعت من الدخان والمتفجرات والقنابل أعط الخصب والعطاء والسلام والمحبة والوئام. من الاعماق دعوتك يا الله، اللهم استجب دعائي فتسلم القيم عندنا ويسلم الانسان ويسلم لبنان.
__________*__________
الدور التشريعي الحادي عشر
العقد العادي الثاني 1966
محضر الجلسة العاشرة
المنعقدة في الساعة السابعة من بعد ظهر يوم الثلاثاء الواقع
في العشرين من كانون الأول سنة 1966
لم يأت البيان الوزاري على ذكر المغتربين
الحكومة برئاسة رشيد كرامي
كذلك النواب في مناقشتهم البيان لم يتطرقوا إلى موضوع المغتربين
__________*__________
الدور التشريعي الثاني عشر
العقد العادي الاول 1968
محضر الجلسة الرابعة
المنعقدة في الساعة العاشرة والربع من قبل ظهر يوم الاربعاء
الواقع في التاسع والعشرين من ايار سنة 1968.
في نهاية البيان الوزاري الذي تلاه الرئيس عبدالله اليافي إشارة متواضعة للمغتربين اللبنانيين إذ أنهى بيانه الوزاري بالقول:
ايها السادة،
قد يكون الذي عملناه قليلا ولكن الوقت الذي اعطيناه اقلت وان القليل لن يبقى قليلا باذن الله اذا، افسحتم لنا في المجال وعاونتمونا على تنفيذ ما تم درسه من المشاريع وعلى درس ما هو في الحسبان على رجاء تنفيذه.
في مثل هذا يكون نقاشنا مطمئنا للشعب اللبناني الذي ارسلنا وارسلكم لكي نوطد له امنه واستقراره، ولنؤمن له عملا وازدهاره ولنصون جميعا في سلامة بدونها يتعذر علينا ان نصل الى ما نصبو اليه ويصبو اليه الشعب اللبناني مقيما ومغتربا.عاش لبنان
إدوار حنين:
بقي موضوع ايضا لم يتعرض له البيان هو موضوع الهجرة.
تدل الاحصاءات ان في العالم مليون وخمساية وسته وتسعين مهاجرا، أي عددا يزيد عن عدد المقيمين تحت سماء لبنان، هؤلاء بحكم اسفارنا كنا نرى منهم الرغبة كل الرغبة ان تكون سفراتهم على مستوى يليق باسم لبنان وان يك لبنان البلد الصغير، وان يك لبنان البلد ذا الميزانية المرتفعة يجب ان تكون سفاراته اعلى درجة من مستوى ميزانيته لان البلد الذي يؤدي رسالة اكثر مما يؤدي خدمات عامة في حقل الخارجي، يجب ان يكون بمظهره الخارجي لائقا، فلا تبخلوا على سفارتنا في الخارج من اعداد موظفين ومن اعداد مكاتب مكاتب لائقة ، ومن اعداد مساكن، فتلك الفئة من المغتربين يجب ان تحظى من هذه الحكومة ومن كل حكومة تاتي بعدها بقسط من الاهتمام.
قراءة في تاريخ لبنان في بدايات القرن العشرين
ليس الهدف من هذا البحث وضع دراسة مسهبة للصراعات الدولية التي أدّت في نهاية الحرب العالمية الأولى إلى سقوط سلطنة بني عثمان وإلى اقتسام ولاياتها العربية بين الحلفاء المنتصرين تحت غطاء نظام الانتداب.
حسبنا رسم الخطوط الكبرى لأوضاع الشرق الأوسط خلال تلك الحقبة والتوقف فقط عند بعض المحطات، محاولين إلقاء أضواء جديدة عليها، إستنادًا إلى الدراسات الحديثة المخصصة لتاريخ تلك المنطقة وإلى بعض ما يحتوي الأرشيف الأوروبي من وثائق لها علاقة مباشرة بموضوعنا.
تعتبر السنوات الممتدة من 1914 حتى 1920 منعطفًا أساسيًا في تقرير مصير المشرق العربي.
ولكن ما حصل خلالها يشكّل امتدادًا طبيعيًا للتحولات التي عرفتها السلطنة العثمانية منذ عهد التنظيمات وللهيمنة الأوروبية عليها.
لذا سنعالج بإيجاز:
في القسم الأول من بحثنا، المنحى الخطر الذي آلت إليه العلاقات، في مطلع القرن العشرين، بين تلك السلطنة والدول الأوروبية،
سنكرّس القسم الثاني لسنوات الحرب وللصراع العلني بين الحلفاء على تركة «الرجل المريض»
وسندرس أخيرًا في الثالث مرحلة الحسم التي تمتد على سنتين تقريبًا:
تبدأ بتاريخ انهيار دولة بني عثمان في تشرين الثاني 1918 وتنتهي بولادة دولة لبنان الكبير في 31 آب 1920.
المضائق، قناة السويس والخليج: مناطق تصادم المصالح الأوروبية.
تمحور الصراع في البدء بين الدول الكبرى حول منطقتين حسّاستين:
المضائق وقناة السويس.
وكانت روسيا منذ عهد بطرس الأكبر تنظر بجشع إلى المضائق وإلى القسطنطينية عاصمة الأورثوذكسية.
وقد ازداد ضغطها في القرن التاسع عشر إذ خاضت ضد العثمانيين ثلاث حروب خطيرة:
الأولى في عامي 1828 – 1829 وأدّت إلى استقلال بلاد اليونان،
الثانية بين 1854 و1856 وهي حرب القرم الدامية،
الثالثة في سنتي 1877 – 1878 وقد وصلت خلالها الجيوش الروسية إلى أبواب العاصمة العثمانية وفرضت على الباب العالي اتفاقية سان ستيفانو المذلّة.
ولكن في كل مرّة كانت الدول الأوروبية الأخرى تتدخّل إما عسكريًا، كما فعلت في حرب القرم، وإما دبلوماسيًا، كما فعلت عام 1878 في مؤتمر برلين، لتُنقِذ السلطان من مخالب القيصر، وذلك خوفًا من أن يسيطر هذا الأخير على الحوض الشرقي للمتوسط.
كانت بريطانيا أكثر الدول تصلّبًا تجاه روسيا، وكان الباب العالي يرى في حكومة لندن المدافع الأول عن كيان السلطنة وعمّا تبقّى لها من ممتلكات.
ليس الهدف من هذا البحث وضع دراسة مسهبة للصراعات الدولية التي أدّت في نهاية الحرب العالمية الأولى إلى سقوط سلطنة بني عثمان وإلى اقتسام ولاياتها العربية بين الحلفاء المنتصرين تحت غطاء نظام الانتداب.
حسبنا رسم الخطوط الكبرى لأوضاع الشرق الأوسط خلال تلك الحقبة والتوقف فقط عند بعض المحطات، محاولين إلقاء أضواء جديدة عليها، إستنادًا إلى الدراسات الحديثة المخصصة لتاريخ تلك المنطقة وإلى بعض ما يحتوي الأرشيف الأوروبي من وثائق لها علاقة مباشرة بموضوعنا.
تعتبر السنوات الممتدة من 1914 حتى 1920 منعطفًا أساسيًا في تقرير مصير المشرق العربي.
ولكن ما حصل خلالها يشكّل امتدادًا طبيعيًا للتحولات التي عرفتها السلطنة العثمانية منذ عهد التنظيمات وللهيمنة الأوروبية عليها.
لذا سنعالج بإيجاز:
في القسم الأول من بحثنا، المنحى الخطر الذي آلت إليه العلاقات، في مطلع القرن العشرين، بين تلك السلطنة والدول الأوروبية،
سنكرّس القسم الثاني لسنوات الحرب وللصراع العلني بين الحلفاء على تركة «الرجل المريض»
وسندرس أخيرًا في الثالث مرحلة الحسم التي تمتد على سنتين تقريبًا:
تبدأ بتاريخ انهيار دولة بني عثمان في تشرين الثاني 1918 وتنتهي بولادة دولة لبنان الكبير في 31 آب 1920.
لذا تنازل السلطان طوعًا للإنكليز عن جزيرة قبرص بعد مؤتمر برلين، ليكونوا على مقربة من المضائق وليراقبوا تحركات الروس في تلك المنطقة.
بعد أن انجزت ألمانيا وحدتها، أخذت بدورها تعير منطقة البلقان أهمية كبرى، فدفع بسمارك أولاً بالنمسا باتجاه الشرق ثم نصّب نفسه محاميًا عن وحدة الإمبراطورية العثمانية وعن حرية الملاحة في المضائق.
ارتاح عبد الحميد لموقف حكومة برلين المستجد، فاستعان بخبراء ألمانيين لإعادة تنظيم الجيش والإدارة.
وقد أبدى هؤلاء مقدرة وفعالية فائقتين في عملهم.
في تلك الظروف وُلد مشروع الخط الحديدي بين برلين وبغداد وقد حصلت شركة ألمانية على امتياز الجزء الأول منه عام 1888.
بعد استقالة بسمارك، تابع غليوم الثاني السياسة نفسها.
قام عام 1898 بزيارة عبد الحميد في اسطنبول، ثم انتقل إلى فلسطين فدمشق حيث ألقى خطبة في السابع من تشرين الثاني أعلن فيها نفسه صديقًا للثلاثمائة مليون مسلم المنتشرين في العالم.
أثارت سياسة غليوم الثاني هذه حفيظة بريطانيا وزادت من خشيتها من أن تصل ألمانيا عبر الخط الحديدي إلى منطقة الخليج ومن ثم إلى الهند.
كانت بريطانيا قد أحكمت قبضتها على المداخل الجنوبية للمتوسط بعد أن استولت على مضيق جبل طارق عام 1704 ثم على مالطة عام 1801 فقبرص عام 1878 وأخيرًا على مصر عام 1882.
لذا رأت أن مصلحتها تقضي التخلّي عن سياستها التقليدية تجاه العثمانيين والتنسيق مع القيصر لدرء الخطر الألماني.
قد أدى هذا التوجّه الجديد عام 1907 إلى ولادة الحلف الثلاثي الذي ضمّ فرنسا وروسيا وبريطانيا.
كانت حكومة لندن قد اتخذت عددًا من الإجراءات لمنع خط برلين – بغداد من النفاذ إلى منطقة الخليج، فعقدت عام 1899 اتفاقًا مع أمير الكويت تعهّد هذا الأخير بموجبه بعدم السمّاح للشركة الألمانية ببناء المحطة الأخيرة لهذا الخط في أراضيه دون موافقة الإنكليز.
وكانت الكويت، على عكس الساحل العراقي الضيّق حيث يصبّ شط العرب، تشكّل على الخليج المنطقة الوحيدة الملائمة لبناء مثل هذه المحطة.
عندما اندلعت الحرب العالمية الأول، فصلت بريطانيا الكويت نهائيًا عن الإمبراطورية العثمانية وفرضت عليها حمايتها وهكذا فعلت بقبرص وبمصر.
الهيمنة الاقتصادية والثقافية على السلطنة.
إن الضعف العسكري والسياسي الذي أصاب دولة بني عثمان رافقه شلل اقتصادي بلغ ذروته في عهد عبد الحميد الثاني وتزامن مع الهجمة الإمبريالية الاوروبية على العالم.
فكانت السلطنة إحدى ضحاياها.
أخذ الأوروبيون يمدّون الباب العالي بالقروض ويوظفون رؤوس أموالهم في المشاريع العامة والخاصة.
نذكّر هنا بأن حصّة فرنسا من الدين العام العثماني كانت تفوق الستين بالمئة. وبان أموالها الموظفة داخل السلطنة بلغت، قبيل اندلاع الحرب الكبرى، 53% من مجموع الاستثمارات الأجنبية.
ونشير أيضًا إلى أن فرنسا، ابتداء من عام 1911، أخذت توجّه توظيفاتها بصورة أولية، إلى الولايات السورية وإلى متصرفيّة جبل لبنان.
بالإضافة إلى هذه الهيمنة الاقتصادية، فقد بسط الأوروبيون نفوذهم على القطاع التعليمي.
ففي عام 1914، كانت المدارس الفرنسية المنتشرة في ولايات السلطنة الآسيوية وفي مصر تعدّ تسعين ألف طالب، مقابل 23500 طالب للمدارس الانكلو – أميركية.
وقد حافظت فرنسا، إلى جانب ذلك، على حقّها في حماية كاثوليك الشرق وفي حماية الأماكن المقدّسة في فلسطين.
عشية اندلاع الحرب العالمية الأولى، كانت الدول الإمبريالية قد أحكمت قبضتها على ما تبقّى من ممتلكات للدولة العثمانية، فتقاسمتها وحوّلتها إلى مناطق نفوذ اقتصادي، فكانت الولايات السورية مع سنجق القدس ومتصرّفية جبل لبنان من نصيب فرنسا.
فشل التنظيمات.
إن الهجمة الإمبريالية على السلطنة العثمانية أتت كنتيجة للتفكك الداخلي وللوهن اللذين أصاباها ولم تكن سببًا لهما.
يضاف إلى ذلك أن برامج الإصلاح المعروفة بالتنظيمات والتي نادت بالمساواة بين الرعايا دون النظر إلى العرق أو الدين أو المذهب، بقيت بمجملها حبرًا على ورق، وظلّت صبغة الدولة إسلامية وظل العرق التركي هو المسيطر.
وبعد أن اعتمد عبد الحميد على الرابطة الدينية واضطهد الأقليات غير الإسلامية، لا سيما الأرمن، قام الاتحاديون من بعده بتطبيق سياسة عنصرية جعلت الشعوب غير الطورانية، ومن بينها العرب، تنفر من حكمهم.
بالإضافة إلى العدالة والمساواة، هدفت التنظيمات إلى إصلاح أوضاع السلطنة وإدخال الحداثة إليها.
ولكن التحسّن البسيط الذي أصاب بعض القطاعات أتى مخيّبًا للآمال، لذا قام عدد من المفكّرين يفتشون عن حلول جديدة تخرج شعوب الإمبراطورية من التخلّف والسبات، وكان مبدأ القومية المعتمد في أوروبا قد توغّل داخل الدولة العثمانية وفرض نفسه كأحد الحلول الممكنة.
تجدر الإشارة هنا إلى أن التيار الإصلاحي نشط بشكل خاص في بيروت حيث برزت الجمعية الإصلاحية البيروتية، وكان قسم من أعضائها يسعى للحصول على الاستقلال الإداري بدعم من أوروبا.
بينما هال بعض المنتسبين إليها من المسيحيين التنكيل الذي كان يتعرّض له النصارى العثمانيون، لا سيما بعد حرب البلقان، فأخذوا يتّصلون سرًا بممثلي فرنسا مطالبين بإلحاق مدينتهم بيروت بالجبل وبفرض الحماية الفرنسية على كافة الولايات السورية.
نذكّر هنا بأن فكرة الاستقلال عن السلطنة قديمة في لبنان، تعود إلى عهد الإمارة المعنية، وقد ترسّخت خلال حكم بشير الثاني وتبلورت في عهد المتصرّفية، وقد ساعد على ظهورها عدد من العوامل أهمها التركيبة السكانية المعقّدة والفريدة وطبيعة التضاريس والموقع الجغرافي المميز.
الحرب ومصير الشرق الأوسط: أضواء جديدة على الصراع بين الحلفاء.
عندما اندلعت الحرب قرّر الحلفاء وضع حد نهائي للمسألة الشرقية بتجزئة الأراضي العثمانية، فكانت موجة الاتفاقيات السرية، وما يهمّنا منها هي اتفاقية سايكس بيكو التي أُبرمت عام 1916 والتي نصّت على اقتسام الولايات العربية بين فرنسا وبريطانيا في نهاية الحرب، فيكون لبنان مع الساحل السوري وكيليكيا من نصيب فرنسا وجنوب العراق من نصيب بريطانيا وفلسطين تحت إشراف دولي.
أما الداخل فيحكمه العرب ويقسم بدوره إلى قسمين:
- في الشمال منطقة «أ» وتكون تحت النفوذ الفرنسي،
- وفي الجنوب منطقة «ب» وتكون تحت النفوذ البريطاني.
إلى جانب تلك الاتفاقية هناك المراسلات التي تبودلت في عامي 1915 و1916 بين الشريف حسين والمفوّض البريطاني في مصر، هنري مكماهون، وقد تعهّد فيها هذا الأخير، باسم حكومته، مساعدة العرب على بناء دولة مستقلّة إن هم ثاروا على الترك؛
هناك أخيرًا وعد بلفور الذي صدر عام 1917 وقد تعهّدت فيه لندن العمل على إنشاء الوطن القومي للشعب اليهودي في فلسطين.
أما اتفاقيتا القسطنطينية (1915) وسان جان دي موريان (1917) اللتان نصّتا على تجزئة {سيا الصغرى، فقد سقطتا بعد انسحاب البولشفيك من القتال وتوقيعهم صلح برست – ليتوفسك مع الدول الوسطى في ربيع 1918 وبعد أن تصدّى مصطفى كمال للحلفاء ولمعاهدة سيفر ورفض أن تمس وحدة الأناضول.
وكانت فرنسا الدولة الوحيدة القادرة على الوقوف في وجه المخططات البريطانية في فلسطين وذلك لاعتبارات لا مجال للتوقف عندها في هذه الدراسة.
التنافس على سورية ولبنان
في المحادثات التي مهّدت لاتفاقية سايكس – بيكو حاول المفاوضون الإنكيز ان يبعدوا الفرنسيين عن لبنان بهدف إضعاف وجودهم في المتوسط الشرقي بعد الحرب.
ففي أول جلسة عقدها بيكو في لندن، في 21 كانون الأول 1915، مع ممثلي الحكومة البريطانية، أصرّ هؤلاء على أن لا تتعدّى المنطقة التي ستقع تحت الحماية الفرنسية المباشرة الساحل السوري الممتد من الإسكندرونة حتى طرطوس، على ان تلحق المناطق الأخرى بما فيها الساحل اللبناني والجبل، بالدولة العربية التي سيحكمها الشريف حسين.
رفض بيكو هذا الاقتراح مؤكدًا أنّه لا يجوز أن يعاد لبنان إلى الوراء بعد أن تمتّع بإدارة ذاتية تحت الحكم التركي، وأن اللبنانيين لن يقبلوا بالتخلّي عن وضعهم المميز ولا بالتراجع عن مطلبهم الحيوي وهو ضم بيروت وطرابلس والبقاع إلى الجبل.
تابع بيكو قائلاً إن الأتراك عندما رسموا حدود المتصرفية وحصروها في المنطقة الجبلية الصخرية الوعرة كانوا يهدفون إلى تهجير السكان وقد نجحوا في ذلك.
جرت المفاوضات اللاحقة فقط بين سايكس وبيكو، وقد استطاع ممثل فرنسا أن يقنع زميله الإنكليزي بوجهة نظره. فوضعا سوية نص الاتفاقية التي عُرفت باسميهما.
تعتبر هذه الاتفاقية في نظرنا تراجعًا تكتيكيًا لبريطانيا أمام حليفتها ومنافستها فرنسا.
لم يتردد عدد من المسؤولين البريطانيين في التصريح علنًا أنها حل دبلوماسي مؤقت وانها ستعدّل حتمًا في المستقبل.
التطلعات الإمبريالية الجديدة لبريطانيا.
في كانون الأول 1916، انتقلت السلطة في لندن إلى حكومة إئتلافية يترأسها لويد جورج. فقررت هذه مضاعفة مجهودها الحربي في منطقة الشرق الأوسط، وقد تزامن انتقال المسؤولية إليها مع ثورة شباط في روسيا.
خشي البريطانيون انسحاب الجيش الروسي من القتال، لذا اقترحوا على حكومة اسطنبول عقد صلح منفرد، من شروطه استقلال الحجاز ووضع العراق وفلسطين تحت الحماية البريطانية وإعطاء مصر وأرمينيا حكمًا ذاتيًا.
رفض الاتحاديون هذه الشروط واستمرت الحرب بين الدولتين.
في نيسان 1917، أوكلت حكومة لويد جورج إلى لجنة خاصة من أعضائها البارزين اللورد كورزون والجنرال سمطس، وضع دراسة حول المقاطعات التي يجب أن تلحق بالإمبراطورية البريطانية في نهاية الحرب.
رفعت هذه اللجنة تقريرها إلى الحكومة في الأول من آيار 1917، وقد طالبت فيه بوضع فلسطين والعراق تحت الرقابة البريطانية وتعديل اتفاقية سايكس بيكو بشكل يجعل من فلسطين محمية إنكليزية تمتد حدودها حتى نهر الليطاني وحتى شمال حوران.
بعد هذا التقرير حدث تحوّل جذري في سياسة لندن تجاه الشرق، فولدت عند بعض المسؤولين فكرة ربط مصر والعراق بشبكة من الخطوط الحديدية وإخضاع المنطقة بكاملها للسيطرة البريطانية المباشرة أو غير المباشرة، واقتلاع فرنسا نهائيًا منها.
هنا بدأ صراع علني بين الدولتين كان مسرحه في بادئ الأمر فلسطين.
فلسطين، أول امتحان لصدق النوايا.
كانت الحكومة الفرنسية قد اتخذت الإجراءات اللازمة منذ ربيع 1917 للمشاركة ولو بقوات رمزية في الهجوم على فلسطين وقد جعلت من بور سعيد قاعدة خلفية لها، وعيّنت الكولونيل دوبييباب قائدًا للفرقة الفرنسية التي سترافق الجيش البريطاني في زحفه نحو الشمال، كما عينت فرنسوا جورج – بيكو مندوبًا لها في فلسطين وسوريا.
في خريف 1917 شنّ اللنبي هجومه المرتقب انطلاقًا من مصر واستولى على القدس في التاسع من كانون الأول.
وتقيدًا للتوجيهات التي تلقّاها من حكومته، حاول بيكو ان يتصرّف في فلسطين كممثل رسمي لبلاده وأن يشارك في إدارة الأراضي المحتلة وأن يعيد لفرنسا المكانة التي كانت لها قبل الحرب كحامية للأماكن المقدسة المسيحية.
لكنه اصطدم بعدد من العقبات أهمها التصدي العنيد الذي واجهه به الإيطاليون وكانوا هم أيضًا يشاركون بفرقة رمزية في الحملة على فلسطين.
كانت إيطاليا تسعى آنذاك لتحل محل فرنسا في حماية الأراضي المقدّسة ولا سيما أن باريس كانت على خلاف عميق مع الكنيسة الرومانية وقد ادّى هذا الخلاف إلى فصل الدين عن الدولة وإلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع الكرسي الرسولي. لذا لم يدعم البابا موقف فرنسا في فلسطين.
بالإضافة إلى هذه الصعوبات التي كانت تخدم الأهداف الإنكليزية فإن القائد العام للقوات الحليفة الجنرال اللنبي، منع بيكون عن التدخّل بشؤون الإدارة المحلية وبشؤون الأراضي المقدّسة، ورفض أن يعترف به ممثلاً لفرنسا في فلسطين، وأفهمه أنّه يعتبره مستشارًا له، ليس إلا. وهدده، إن هو لم يرضخ لأوامره، بإبعاده عن القدس إلى يافا.
ثارت ثائرة جورج بيكو وأدرك أن ما حصل في فلسطين هو مقدمة لما سيحصل في سوريا ولبنان، إن تابعت الجيوش البريطانية زحفها نحو الشمال، وأن فرنسا قد خسرت مكانتها في الشرق وأن اتفاقية 1916 لا قيمة لها إن لم تدعمها قوى مسلّحة على الأرض.
لذا، أخذ يرسل البرقية تلو الأخرى، يطلب من حكومته زيادة عدد أفراد الفرقة الفرنسية العاملة في فلسطين ويصف الوضع بأنه مأساوي، وقد تجاوب وزير الخارجية بيشون مع بيكو وكتب مرارًا إلى زميله وزير الحربية بهذا الشأن.
لكن القيادة العسكرية كانت منهمكة في القطاع على الجبهة الغربية، فأهملت الموضوع وترددت في فصل قوات إضافية لترسل إلى الشرق الأوسط.
في العشرين من كانون الثاني 1918، أبرق بيكو إلى حكومته يقول:
«لا نستطيع أن نحافظ على حقنا في الحماية الدينية في الشرق ونقطع في الوقت نفسه علاقاتنا مع الكرسي الرسولي. لا نستطيع أن نحكم فلسطين وأن نكتفي من أجل ذلك بإرسال مفوّض سام يرافقه معاونان اثنان فقط. لا نستطيع أن ننفذ اتفاقيات كالتي توكل إلينا الإشراف على إدارة سوريا وإرمينيا وان نترك لسوانا عملية تحرير شعوب هذه البلدان، علينا أن نختار (...) نحن معرضون في الوقت الحاضر لهزيمة وعلينا أن نرضخ للواقع وأن نعي الهزائم اللاحقة.
غدًا سنخسر نفوذنا في فلسطين، ولكن بعد غد سنخسره في سوريا (...) وإذا لم تعمل الحكومة على تغيير الوضع العسكري القائم فمن الأفضل أن يوضع حد لوجود بعثتنا لأن هذا الوجود أصبح بلا فائدة».
يعبر هذا النداء اليائس عن حقيقة الوضع على الأرض ولكن العاصفة هدأت نسبيًا ابتداء من شهر آذار 1918 حيث قبل الكرسي الرسولي بعد أن ضغط عليه بعض الأساقفة الفرنسيين بتجميد مسألة الأماكن المقدّسة حتى نهاية الحرب وطلب من الرهبانيات الكاثوليكية الاعتراف من جديد بالامتيازات التي كان يتمتع بها ممثل حكومة باريس.
لكن موقف الكرسي الرسولي المبدئي لم يتغيّر:
إن الحماية الفرنسية بنظره قد زالت مع زوال الحكم التركي.
ويبدو أن البابا كان يميل إلى إيكال أمر الإشراف على فلسطين إلى الحكومة البلجيكية.
اما الفرقة الفرنسية فرفض الإنكليز زيادة عدد أفرادها بحجة أن القيادة العامة في فلسطين تفتقر إلى وسائل النقل وإلى المؤن فلا يمكنها بالتالي استقبال قوات إضافية.
في النهاية ألانت لندن موقفها.
ألحق الفرنسيون عناصر جديدة بفرقتهم فارتفع عدد رجالها من 3675 إلى مايقارب 7000.
اما البريطانيون فكانوا يحشدون اكثر من مئتي ألف مقاتل على الجبهة نفسها.
الحلفاء يطلعون الحسين على مضمون اتفاقية سايكس – بيكو.
على رغم مشاركتها المحدودة في القتال على الجبهة الفلسطينية السورية، ظلت فرنسا متمسكة باتفاقية سايكس بيكو وما كانت تسميه «حقوقها التاريخية في سوريا».
في مطلع 1917 قررت حكومتا لندن وباريس إرسال كل من مارك سايكس وفرنسوا جورج بيكو إلى الحجاز ليطلعا الحسين على مضمون الاتفاقية المعقودة بينهما. فوصلا إلى جدّة في 18 آذار 1917 واجتمعا في اليوم التالي بالملك وتبع هذا اللقاء الاول لقاءات اخرى شارك في معظمها الأمير فيصل.
بعد خمسة أيام من المفاوضات أبرق بيكو إلى حكومته يقول:
«إن الملك يعرف الآن مضمون اتفاقيتنا ولم يبد متأثرًا إلى الحد الذي كنّا نخشاه. إن المنطقة الأرمنية الواقعة إلى الشمال من الأسكندرونة وأورفا لا تهمه. يمكننا منذ الآن أن نقول إن الدور الفرنسي في سوريا سيكون في خطوطه الكبرى شبيهًا بالدور الإنكليزي في العراق. سنتعاون مع ممثلي الملك في المناطق الإسلامية من سوريا، بواسطة مستشارين. اما المناطق المسيحية فإن استولينا عليها قبل نهاية الحرب فسننشئ فيها دولة تكون تحت حمايتنا».
بعد أن اطلع وزير الخارجية الفرنسية على برقية بيكو، طلب إليه أن يعهد إلى شرشلي، ممثل فرنسا في الحجاز، أن يوضح للحسين ما المقصود بعبارة «المناطق الإسلامية من سوريا» التي استُعملت خلال المحادثات وأن يؤكد له أن هذه التسمية تنطبق فقط على المناطق الداخلية، أي على منطقة «أ» من اتفاقية سايكس بيكو ولا تنطبق على المنطقة الزرقاء أي الساحل وكيليكيا.
فما كان من جورج بيكو إلا أن أبرق إلى شرشلي في 13 حزيران 1917 يقول:
«خلال محادثاتي الأخيرة مع ملك الحجاز، أطلعته على اتفاقيتنا المتعلقة بالولايات الآسيوية العربية. قلت له إننا سنحتفظ بحرية التصرّف في المنطقة الساحلية حيث سننشئ دولة لبنان الكبير تحت الحماية الفرنسية وأبلغته أن الشرط الأساسي لتعاوننا مع العرب في المناطق الداخلية من سوريا هو تعيين مستشارين فرنسيين في مختلف الإدارات يتمتعون بسلطة إجرائية وذلك لمدة محدودة».
ثم يطلب بيكو من شرشلي أن ينتهز الفرصة أن يستعمل الحسين أمامه عبارة «سوريا الإسلامية» ليفهمه أنّها تعني المنطقة الداخلية لا الساحل.
هكذا ظن الفرنسيون أن الأمور أصبحت واضحة بالنسبة إلى العرب وأنهم يستطيعون في المستقبل تنفيذ اتفاقية سايكس بيكو.
لكن بعض المسؤولين الإنكليز كانوا يضعون خططًا متناقضة.
أما لورنس فقد أقنع فيصلاً بأن أفضل وسيلة للتخلص من تلك الاتفاقية تكمن في توطيد التحالف مع بريطانيا لأن هذه الاخيرة في نهاية الحرب «ستخجل ولن تلجأ إلى السلاح لإزاحة أحد حلفائها إن هو وقف في وجه الاتفاقية».
السلطة في دمشق بين الجزائريين والفيصليين.
في 19 أيلول 1918، أحرز اللنبي ((Allenby انتصاراً حاسماً على الجيش العثماني في فلسطين، ودفع بقواته نحو الشمال. فغادر الأتراك دمشق وبيروت في 30 أيلول وألّف الأمير سعيد الجزائري وأخوه عبد القادر في العاصمة السورية حكومة مؤقتة باسم الشريف الحسين، وحذا حذوهما عمر الداعوق في بيروت.
أبرق الجزائري إلى البطريرك الماروني يطلب منه تأليف حكومة عربية في الجبل.
تريّث البطريرك في اتخاذ موقف وأرسل يستشير الفرنسيين في جزيرة إرواد، فكان جوابهم: «إننا قادمون».
في الأول من تشرين الأول وصلت إلى دمشق فرقة من جيش اللنبي وتبعتها قوات عربية يقودها الشريف ناصر يرافقه الضابط الإنكليزي لورانس.
نصّب هذا الأخير نفسه ممثلاً لفيصل وعزل الأميرين الجزائريين بعد صدامات مع انصارهما في الشوارع وعيّن مكانهما رضا الركابي حاكمًا عسكريًا على المدينة.
في الحقيقة كان لورانس وعملاء الإنكليز عمومًا ومؤيدو فيصل يخشون أن تفلت السلطة في دمشق من أيديهم خصوصًا وأن الأخوين الجزائريين، حفيدي عبد القادر الكبير، كانا يشكلان خصمين خطيرين للهاشميين. فأسرتهما الكريمة النسب وتاريخ جدهما العريق ومكانتهما في العالم الإسلامي ووزنهما السياسي في سوريا وعلاقاتهما الطيّبة بفرنسا كانت تخوّلهما الطموح إلى الحكم والوقوف في وجه المخططات الإنكليزية – الحجازية، وهذا ما دفع بلورانس إلى الإسراع في التخلّص منهما. أما فيصل فلم يشعر بالطمأنينة إلا بعد أن قتل رجاله الأمير عبد القادر في 9 تشرين الثاني 1918 ونفوا أخاه سعيدًا إلى فلسطين.
في تلك الأثناء كان جورج – بيكو يفاوض البريطانيين في لندن حول مستقبل الأراضي العربية المحتلة.
كان السفير الفرنسي كامبون، بعد أن تلقّى تعليمات من حكومته قد طلب من الإنكليز أن يتعهّدوا باحترام اتفاقية 1916. وقد صدر عن بلفور، في 23 أيلول، وعد رسمي بهذا الخصوص.
أخيرًا في 30 أيلول، عقدت الحكومتان اتفاقًا بشأن الإدارة المؤقتة للولايات السورية حددتا فيه الدور الذي يعود إلى كل منهما.
في 3 تشرين الأول دخل دمشق كل من اللنبي وفيصل والكابيتن كولوندر نائب جورج – بيكو، ففوجئ الثلاثة بالإجراءات التي اتخذها لورانس.
اعترف اللنبي بالركابي حاكمًا عسكريًا على منطقتي «أ» و»ب» من اتفاقية سايكس – بيكو ولكنه اوضح أنّه يحتفظ لنفسه بالقيادة العليا في كافة الأراضي المحتلة وأن العلاقات بينه وبين الحكومة المحلية تتم بواسطة ضابطي ارتباط، أحدهما إنكليزي والثاني فرنسي.
غادر اللنبي دمشق بسرعة وعاد إلى فلسطين.
اما فيصل فقرر، ومن المرجح بإيعاز من لورانس، إرسال شكري الأيوبي إلى بيروت. وحين وصل هذا الأخير أعلن أن الولاية الساحلية تعتبر جزءًا من الدولة العربية وأنها تابعة لحكومة دمشق.
ثم زار بعبدا حيث دعا مجلس الإدارة إلى الاجتماع وأوكل إلى حبيب باشا السعد تأليف حكومة مؤقتة في الجبل باسم ملك الحجاز.
حاول كولوندر أن يتصدّى للترتيبات التي اعتمدتها حكومة دمشق، فاتصل أولاً بالجنرال الإنكليزي كلايتون، المسؤول عن الشؤون السورية، وطلب منه أن يتدخل شخصيًا ليمنع فيصلاً عن تعيين حكام في المنطقة الساحلية، إذ إن هذا الحق ينحصر باللنبي وحده.
تحاشى كلايتون الخوض في هذا الموضوع.
فاجتمع كولوندر شخصيًا بفيصل محتجًا على إرساله الأيوبي إلى بيروت دون أن يكون للقائد العام علم بذلك.
أجاب الأمير أن هدفه من ذلك هو طرد الأتراك من الأراضي العربية وأنّه اعتبر نفسه مخولاً اتخاذ إجراء كهذا لأن اللنبي سبق له ووافق على تعيين الركابي حاكمًا على دمشق.
أبلغ كولوندر وزارة الخارجية الفرنسية جواب الأمير وأكد أن فيصلاً وأتباعه يحاولون وضع الحلفاء في المنطقة الساحلية أمام الأمر الواقع كما فعلوا في الداخل.
لم يكتف كولوندر بذلك بل ألحّ على حكومته بالإسراع في إرسال قوات فرنسية إلى المنطقة الزرقاء من اتفاقية 1916، ثم غادر إلى فلسطين حيث استقبله اللنبي وطمأنه إلى أن الحكّام الذين عيّنهم فيصل في المدن الساحلية سيُعزلون قريبًا.
اعتبرت فرنسا أن اتفاق 30 أيلول يشكّل نقطة انطلاق جديدة في علاقاتها مع بريطانيا في الشرق وكذلك في علاقاتها مع فيصل والحكومة السورية. فبدأت بعد ذلك عملية صراع بين خمسة قوى تحاول كل منها فرض خياراتها، هذه القوى هي بريطانيا وفرنسا وفيصل مع جماعته والتيارات الوطنية السورية المتصلّبة وأخيرًا التيار اللبناني الاستقلالي.
مرحلة الخيارات الصعبة: تشرين الأول 1918 – أيلول 1920.
ابتداءً من تشرين الأول 1918 أخذت الأمور تتشابك والصراعات تحتدم.
لن نعالج كل النواحي التاريخية لهذه الحقبة، سنمسك فقط ببعض الخيوط المتعلّقة بموضوع بحثنا وسنتتبّعها متوقفين عند ست محطات نعتبرها أساسية لرسم الإطار الدولي لولادة لبنان الكبير.
تمركز الفرنسيين في المنطقة الساحلية وفي متصرفية جبل لبنان.
على أثر الاتصالات المكثّفة التي جرت بين لندن وباريس أرسل الفرنسيون إلى بيروت قطعًا من أسطولهم بقيادة الإميرال فارنيه، فأنزلت هذه، في 7 تشرين الأول، بعض القوات إلى البر. وبعد يومين وصلت فرقة بريطانية قادمة من فلسطين يرافقها الكولونيل دي بياباب. ثم نقل الفرنسيون قوات إضافية من حيفا إلى بيروت عن طريق البحر، ولكن القسم الأكبر من أفراد المفرزة العاملة في فلسطين لم يصلوا إلى المدينة إلا في العشرين من الشهر.
اما الأيوبي، فمُنع من الدخول إلى سراي الحكومة وطُلب منه مغادرة البلاد، ولما لم يمتثل للأمر هدّده الجنرال الإنكليزي بلفين باستعمال القوة ضدّه، فرضخ.
بعد انسحابه، سلّمت كل المراكز الإدارية في المنطقة الساحلية إلى ضباط فرنسيين.
في تلك الظروف، أبلغ اللنبي فيصلاً أن سهل البقاع سيلحق بلبنان.
ثم أعلن القائد الأعلى، في 23 تشرين الأول، التقسيم الرسمي المؤقت للأراضي المحتلة، فأوكل بإدارة المنطقة الشرقية، أي سوريا الداخلية، إلى فيصل، وبالمنطقة الجنوبية، أي فلسطين، إلى البريطانيين، وبالساحل حتى الاسكندرونة مع جبل لبنان وسهل البقاع إلى الفرنسيين.
بعد يومين توجّه دي بياباب إلى بعبدا حيث أعلن أن المتصرفية أصبحت كباقي المناطق خاضعة للحكم العسكري، وقد وُلّيَ عليها الكومندان بوشير.
على الرغم من تلك الإجراءات، ظلّت الأجواء مشحونة إذ تابع مؤيدو الوحدة السورية الدعاية للأمير الحجازي.
وقد وقع أول حادث مسلّح في 19 تشرين الثاني في بيروت بين الشرطة المحلية والقوات الفرنسية أسفر عن سقوط أربعة قتلى وستة عشر جريحًا.
وفي دمشق، كانت الحكومة في تصرفاتها اليومية تظهر الإزدراء لضباط الارتباط الفرنسيين.
أما البريطانيون فبدأوا يستعدّون لتعديل اتفاقية سايكس – بيكو بشكل يخدم مخططاتهم الجديدة.
صراع الكبار وانتظار الصغار، عشرة أشهر من المفاوضات والمماطلة: كانون الأول 1918 – تشرين الأول 1919.
قبل أن ينعقد مؤتمر الصلح، التقى لويد جورج في العاصمة البريطانية بزميليه كليمنصو وأورلندو.
كان الهم الأكبر لرئيس الوزراء الفرنسي تأمين الدعم البريطاني لبلاده ضد ألمانيا خلال مفاوضات السلام.
وقد انتهز لويد جورج الفرصة ليطلب من كليمنصو، فيلقاء جانبي، التخلّي للإنكليز عن الموصل وعن فلسطين.
قبل كليمنصو بذلك لأنه لم يكن باستطاعته، في تلك الظروف، الوقوف في وجه بريطانيا.
كانت هذه تحشد في نهاية الحرب، على مختلف جبهات الشرق الأوسط، ما لا يقل عن المليون جندي، وكانت تحظى بتأييد واسع في صفوف العرب وفي صفوف الصهاينة.أما فرنسا، فوجودها العسكري الضعيف في المنطقة والدعاية التي وجّهتها ضدّها اجهزة الاستخبارات البريطانية وأخيرًا الموقف العدائي العلني الذي اتخذه منها الهاشميون كما اتّخذته الحركات القومية العربية والمنظمة الصهيونية جعلت مجال المناورة أمام حكومتها ضيقًا.بينما كان مصير فلسطين يقرر في العاصمة البريطانية، وصل فيصل إلى فرنسا ليمثّل والده في مؤتمر الصلح.قبل افتتاح المؤتمر، انتقل في كانون الأول 1918، برفقة لورانس، إلى لندن حيث اجتمع بالزعيم اليهودي وايزمن، وكان قد التقى به مرة أولى في حزيران في فلسطين.
ركّز فيصل في محادثاته مع وايزمن على «تبيان الخطر الذي تتعرّض له المصالح اليهودية والعربية من جرّاء السياسة الفرنسية» في الشرق الاوسط ثم وقّع معه اتفاقًا اعترف فيه بضرورة اتخاذ جميع الإجراءات لتنفيذ وعد بلفور ولتشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين.
في 29 كانون الأول 1918، أي قبل انعقاد مؤتمر الصلح بعشرين يومًا، رسم بيشونن وزير خارجية فرنسا، أمام مجلس النواب الخطوط الرئيسة للسياسة التي تنوي حكومته الدفاع عنها في الشرق الأوسط فقال:
«إننا في الإمبراطورية العثمانية حقوق واضحة سندافع عنها. لنا حقوق في سوريا ولبنان وفلسطين وكيليكيا. إنها مبنية على مستندات تاريخية وعلى اتفاقيات وعقود (...) إنها مبنية على أماني السكان وإرادتهم (...) سنثابر في الدفاع عنها. إننا نعتبر أن الاتفاقيات المعقودة بيننا وبين بريطانيا ما زالت تلزمنا كما تلزم أيضًا بريطانيا».
في مؤتمر الصلح دافع فيصل عن استقلال الشعوب العربية الآسيوية وعن سيادتها. وقد لعب الأمير الورقة الولسونية حتى النهاية.
وكان الدكتور هوارد بليس، رئيس الكلية الغنجيلية في بيروت، قد أقنع ولسون بضرورة إرسال لجنة استقصاء إلى الشرق.
لم يكن كليمنصو من مؤيدي هذه الفكرة لذا حاول أن يتفاهم مع فيصل ليقنعه بالعدول عنها وبالقبول بالوصاية الفرنسية، لكن المفاوضات بين الجانبين لم تسفر عن أية نتيجة لأن الأمير كان مقتنعًا بأنه في موقع قوة بفضل دعم الرئيس الاميركي له.
يضاف إلى ذلك أن الضابط لورانس الذي كان يرافقه في العاصمة الفرنسية كان يحثّه على مزيد من التصلّب.
عاد فيصل إلى سوريا ليُعدّ الأجواء لمجيء لجنة كينغ – كراين. وكان لموقفه الرافض في مفاوضات باريس ولإصرار ولسون على إرسال تلك اللجنة وللمنحى المعادي لفرنسا الذي اتخذته مشاورات هذه الأخيرة في سورية الداخلية أثر عميق في نفوس المسؤولين الفرنسيين، فأخذ بعضهم يتساءل إذا لم تكن مصلحة بلادهم تقضي بالتخلي عن لبنان لإرضاء السوريين وكسب صداقتهم.
في تقرير رُفع إلى وزير الخارجية بيشون في نيسان 1919 نقرأ ما يلي:
«إننا ننظر بحزن عميق إلى الانهيار السريع الذي أصاب كل الإنجازات الفرنسية في سورية...
«إن المسلمين في سورية يشكّلون اكثرية السكان وقد تزيد نسبتهم عن الثلثين. علينا أن نكثّف نشاطنا في أوساطهم لكسب مودتهم. أما المجموعات المسيحية، فهي من طبيعتها موالية لنا وهي تلتجئ تلقائيًا إلينا ولا يمكنها التخلّي عنا لأنها لا تشعر بالطمأنينة إلا من خلال وجودنا. إن لبنان سيموت إن نحن غادرنا المنطقة فمن الحماقة إذًا أن نعتبره نقطة ارتكاز لنا...»
إن هذا التوجّه الجديد في السياسة الفرنسية أثار قلقًا شديدًا عند اللبنانيين. يبدو أن خيار الاستقلال التام ازداد عدد مؤيديه خلال تلك الفترة بالذات.
في برقية إلى حكومته مؤرخة في 23 أيار 1919 يتهم جورج بيكو البطريرك الماروني ورئيس مجلس الإدارة بالترويج لهذا الخيار.
في هذه الأجواء أصدر المجلس المذكور، في 20 أيار، قراره رقم 561 الشهير وقد جاء في مادته الأولى:
«المناداة باستقلال لبنان السياسي والإداري بحدوده الجغرافية التاريخية واعتبار البلاد المغصوبة منه بلادًا لبنانية كما كانت قبل سلخها عنه».
وفي مادته الثالثة:
«إن الحكومة اللبنانية والحكومة الفرنساوية المساعدة تتفقان على تقرير العلائق الاقتصادية بين لبنان والحكومات المجاورة».
نذكّر هنا بان مجلس الإدارة كان قد ركّز في القرار رقم 80 الذي اتخذه في 9/12/1918 على الاستقلال الإداري فقط.
في 16 حزيران 1919 صدر عن مجلس الإدارة قرار جديد يقضي بإرسال وفد ثان إلى مؤتمر الصلح برئاسة البطريرك حويك.
إن المطالب الواردة في القرار 561 هي نفسها التي قدّمها المنادون بالاستقلال إلى لجنة كينغ – كراين في شهر تموز وهي نفسها التي قدّمها البطريرك الماروني مفصّلة إلى مؤتمر الصلح في الخامس والعشرين من تشرين الأول.
لم يكن باستطاعة الفرنسيين أن يمنعوا البطريرك عن المثول أمام مؤتمر الصلح ولا عن تقديم مذكرته. ولكنهم كانوا مستائين من إلحاحه على الاستقلال وقد وجّه كليمنصو إليه رسالة جاء فيها:
«إن رغبة اللبنانيين في المحافظة على حكومة ذاتية ونظام مستقل تتفق كل الاتفاق مع تقاليد فرنسا التحررية». أما مسألة الحدود، يتابع رئيس الوزراء الفرنسي، «فلا يمكن بتّها قبل أن يقر الانتداب على سوريا».
ولما عاد البطريرك إلى لبنان وأطلع مجلس الإدارة على نتائج اتصالاته في باريس ازداد قلق اللبنانيين من الموقف الفرنسي المتردد.
بريطانيا تتخلى عن فيصل وترمي به في أحضان الفرنسيين
في غضون ذلك، كان الخلاف بين لندن وباريس بشأن الشرق الأوسط قد بلغ ذروته وكان ممثلو فرنسا يرسلون إلى حكومتهم التقرير تلو الآخر متهمين أجهزة الاستخبارات البريطانية المنتشرة في مختلف المناطق السورية بتغذية الدعاية المعادية لبلادهم.
وكان الرأي العام الفرنسي شديد الاغتياظ من هذا الوضع.
ومنذ ربيع 1919 بدأت تظهر في الصحف مقالات تهدّد الحكومة إن هي تقاعست عن الدفاع عن حقوق فرنسا التاريخية في تلك المنطقة.
في 7 نيسان مثلاً كتبت جريدة لو طان Le Temps تقول:
«إذا ما اكتشفت الأمة يومًا انها قد أقصيت عن الشرق غدرًا، فستعرف كيف تحاسب الذين يتحمّلون مسؤولية ذلك. إنهم عهدوا بالحفاظ على أقدم إرث لنا في الخارج إلى أناس عاجزين».
لن تلبث تلك الحملة الصحافية أن ازدادت حدة وأخذت توجّه أسهمها علانية باتجاه بريطانيا متهمة إياها بانها طعنت حليفتها فرنسا في الظهر، وقد شارك فيها عدد من الشخصيات ذات الصفة الرسمية من بينها روبير دي كاي، مستشار وزارة الخارجية، وقد ورد في إحدى مقالاته العنيفة ما يلي:
«علينا ان نجهر بالحقيقة دون مراعاة أحد؛ وهذه الحقيقة تضطرنا إلى فضح العمل المنظّم الذي يقوم به عملاء السياسة البريطانية في الشرق ليمنعوا فرنسا من الحصول على الانتداب على سوريا».
ثم يؤكد الكاتب ان حكومة لندن تستعمل النظام الفيصلي كوسيلة لمقاتلة فرنسا وهي تمدّه بالمال مما يسمح له بالاستمرار، وإنها، بالإضافة إلى ذلك، تهيّج عواطف الجماهير الإسلامية، لا سيما الفئات الجاهلة منها، ضد الفرنسيين مؤكدة انهم حماة المسيحيين وأنهم سيسلّمون هؤلاء حكم البلاد.
يتابع دي كاي De Caix مقاله الطويل على نفس اللهجة ليخلص إلى القول إن المصيبة تكمن في استمرار الاحتلال العسكري البريطاني للمنطقة المخصصة لفرنسا في اتفاقية سايكس – بيكو.
شكّلت تلك الحملة الصحافية صدمة عنيفة للشعب الإنكليزي فأيقنت حكومة لندن أنّه أصبح من مصلحتها إيجاد حل سريع لخلافها مع فرنسا.
يضاف إلى ذلك أن بريطانيا كانت تواجه في تلك الحقبة صعوبات عديدة في الشرق الأوسط منها الثورة المصرية التي اضطرت اللنبي إلى نقل قسم من جيشه من سوريا إلى وادي النيل، ثم انتفاضة مصطفى كمال في آسيا الصغرى في وقت كان فيه الرأي العام البريطاني يطالب بتخفيض عدد المجندين وبالحد من الإنفاق.
إن هذه العوامل مجتمعة دفعت بالبريطانيين إلى الاقتراح على الفرنسيين سحب جيشهم من سوريا لتحل محلّه القوات الفرنسية في الساحل وفي كيليكيا والقوات العربية في المنطقة الداخلية. وقد وجّه لويد جورج في 13 أيلول مذكرة بهذا الخصوص إلى كليمنصو، فوافق عليها هذا الأخير.
فما كان من الحكومة الإنكليزية إلا أن استدعت فيصلاً إلى لندن وأطلعته على مضمون اتفاقها الجديد مع باريس.
ولما أبدى الامير استياءه وخيبة أمله ذكّره اللورد كورزن بان تعهدات حكومة جلالته للشريف حسين كانت محدودة ومرفقة بتحفظات.
في أثناء محادثات فيصل مع البريطانيين، وجّه كليمنصو، في العاشر من تشرين الأول، جوابًا رسميًا إلى الحكومة الإنكليزية بشأن اقتراحها سحب جيشها من سوريا، ثم أتبعه مذكرة عنيفة اللهجة طلب فيها من لندن وقف دعمها لفيصل وعدم التدخل في شؤون سوريا، لأن فرنسا لا تتدخل في شؤون العراق، وأصرّ أخيرًا على ان يتفاهم فيصل مباشرة مع الحكومة الفرنسية دون اللجوء إلى اية وساطة بريطانية.
لم يكن باستطاعة الإنكليز آنذاك فتح معركة جانبية مع الفرنسيين لا سيما وأن الأمير الهاشمي كان قد خسر الورقة الأساسية التي لعبها وهي الورقة الأميركية، إذ إن الرئيس ولسون كان قد أصيب بشلل في 2 تشرين الثاني ورفض مجلس الشيوخ التوقيع على معاهدات الصلح، وعادت أميركا إلى سياسة العزلة.
اما تقرير لجنة كينغ- كراين King-Crane فوضع في الأرشيف.
اتفاق فيصل – كليمنصو وانعكاساته
هكذا بدا فيصل يتيمًا، فدفع به الإنكليز إلى أحضان كليمنصو فانتقل إلى باريس حيث بدأ مفاوضات عسيرة مع ممثلي وزارة الخارجية.
حاول كليمنصو، بعد أن أصبح سيّد الموقف، أن يوفّق بين أماني اللبنانيين، أصدقاء فرنسا التاريخيين، وبين تطلعات الحركات القومية في سورية. ولكنه كان يرغب في تركيز نفوذ بلاده في الشرق على قاعدة شرعية، لذا كان يرى أن عقد اتفاق مع فيصل طبقًا للأصول هو ضرورة.
وكان رئيس الوزراء الفرنسي يدرك أن الأمير يواجه معارضة قوية داخل سوريا، لذا حاول أن يسهّل عليه المهمة، فطلب من المفوّض السامي الجديد، الجنرال غورو Gouraud، أن يؤجّل احتلال البقاع، شرط أن تُسحب القوات العربية من السهل وأن يُعهد بالإشراف على الأمن فيه إلى الجندرمة المحلية.
وعلى الرغم من إصرار غورو على ضرورة الاستيلاء على البقاع لتقوية مركز فرنسا في المنطقة ولفرض هيبتها على معارضيها، أمره كليمنصو بحزم بتجميد الوضع وبعدم القيام بأي تحرّك عسكري. تم التوقيع على الاتفاق بين الفريقين في السادس من كانون الثاني 1920. اهم ما جاء فيه:
- تعترف الحكومة الفرنسية باستقلال سورية.
- يقبل فيصل بالوصاية الفرنسية.
- يعترف الأمير باستقلال لبنان تحت الانتداب الفرنسي على ان يبت مؤتمر الصلح مسألة الحدود وفقًا لرغبات السكان ولمصالحهم.
- تعتبر العربية لغة رسمية، أما الفرنسية فتدرّس إلزامًا.
دمشق هي عاصمة الدولة السورية. اما المندوب السامي فيستقر في حلب ليكون على مقربة من كيليكيا حيث ستتجمّع القوات الفرنسية.
في اليوم نفسه الذي وقّع فيه الاتفاق، وجّه فيليب برتلو Philippe Berthelot باسم وزارة الخارجية الفرنسية، رسالة إلى فيصل يدرج فيها إيضاحات إضافية حول بعض النقاط الواردة في النص لا سيما تلك المتعلقة بحدود لبنان التي سترسم وفقًا «لحقوق اللبنانيين التاريخية» ولمصالحهم الاقتصادية ولخيارهم الحر. اما مدينة بيروت فيقترح برتلو إعطاءها كما الاسكندرونة إدارة بلدية مستقلة ويؤكد أخيرًا على ضرورة الاعتراف بالوضع المميز لدروز حوران وباستقلالهم الإداري ضمن الوحدة السورية.ما إن صلت أخبار هذا الاتفاق إلى دمشق حتى ثارت ثائرة العناصر الوطنية وارتفعت أصوات عديدة تنادي بالجهاد، وتعددت الحوادث بين الفرنسيين والسوريين على حدود مناطق الاحتلال وقامت فئات تطالب بالتنسيق التام مع الثوار الكماليين في آسيا الصغرى بينما أخذ البعض يطالب جهرًا بالعودة إلى الحكم التركي.
رجع فيصل إلى دمشق وسط أجواء مشحونة، فاتهمه معارضوه بأنه باع البلاد إلى الفرنسيين، ونُظّمت تظاهرات نُدّد خلالها بحكمه وطولب باستقالته، ووقعت صدامات مع حرس الأمير سقط من جرّائها عدد من القتلى في شوارع المدينة.
ومنذ ذلك التاريخ لم يعد فيصل يسيطر على الوضع وكان أمامه خيارات ثلاثة: إما التخلّي عن الاعتدال، والانجراف وراء التيار الاستقلالي المتصلّب والقبول بفكرة الصدام المسلّح مع الفرنسيين، وإما تطبيق الاتفاق المعقود في باريس والتصدي بالقوة لمعارضيه وإما الاستقالة.
فاختار الحل الأول وبعد ذلك تسارعت الأحداث ودخلت المنطقة مرحلة سادها التوتر حاول خلالها كل من الأفرقاء تدعيم مواقعه.
أربعة أشهر من التحدّيات : آذار – حزيران 1920
في السادس من آذار 1920، اجتمع المؤتمر السوري في دمشق، وفي اليوم التالي صوّت بالإجماع على قرار يعلن استقلال البلاد وقد جاء فيه:
«وبصفتنا الممثلين للامة السورية في جميع انحاء القطر السوري تمثيلاً صحيحًا نتكلم بلسانها ونجهر بإرادتها، فقد أعلنّا بإجماع الرأي استقلال بلادنا السورية ومن ضمنها فلسطين بحدودها الطبيعية استقلالاً تامًا لا شائبة فيه (...) مع مراعاة جميع أماني اللبنانيين الوطنية المتعلقة بلبنان في حدوده الحاضرة بشرط أن يكون بمعزل عن كل نفوذ أجنبي، ورفض مزاعم الصهيونيين في جعل فلسطين وطنصا قوميًا لليهود أو محل هجارة لهم.
«وقد اخترنا سمو الأمير فيصل (...) ملكًا دستوريًا على سورية (...) واعلنّا انتهاء الحكومات الاحتلالية العسكرية الحاضرة في المناطق الثلاث (...) ونحن نطلب استقلال القطر العراقي استقلالاً تامًا، على أن يكون اتحاد سياسي اقتصادي بين القطرين الشقيقين...»
بإصراره على الوحدة بين فلسطين وسورية وبمطالبته باستقلال العراق أثار المؤتمر السوري حفيظة البريطانيين وحفيظة الحركات الصهيونية.
وبمحاولته فرض نفسه وصيًا على اللبنانيين وحصر تطلعاتهم في حدود المتصرفية الضيّقة دفع بهؤلاء إلى مضاعفة جهودهم من أجل توسيع رقعة البلاد والحصول على الاستقلال، وأخيرًا بإعلانه انتهاء الاحتلالات العسكرية في المناطق الثلاث جعل المؤتمر الحلفاء عامة يعتبرون أنه قد تجاوز الصلاحيات التي يمكن أن يعترف له بها.
أما فيصل فأصبح موقفه حرجًا ولم يكن راضيًا عن القرارات المتخذة ولكن المبادرة كانت قد أفلتت من يده، وقد اصطدم مرارًا بأعضاء المؤتمر السوري لا سيما برئيسه رشيد رضا وكذلك باللجنة الوطنية العليا وبرئيسها الشيخ كامل القصّاب، وكان هؤلاء جميعًا يعتبرون أنهم الممثلون الحقيقيون للأمة وأن سلطتهم هي فوق سلطة الملك والحكومة.
في لبنان كان دعاة الاستقلال قد أرسلوا في مطلع شباط 1920 الوفد الثالث إلى مؤتمر الصلح برئاسة المطران عبد الله الخوري.
وبعدها طيّروا برقيات الاحتجاج على قرار المؤتمر السوري إلى العواصم الأوروبية وإلى المفوضية الفرنسية في بيروت وإلى الصرح البطريركي في بكركي.
وفي 22 آذار عقد اجتماع في بعبدا ضمّ، إلى جانب أعضاء مجلس الإدارة، رؤساء البلديات والمخاتير وشخصيات مختلفة اختير خلاله العلم اللبناني ثم صوّت المجتمعون على عدد من الاقتراحات تؤكّد على الاستقلال وعلى ضرورة توسيع الحدود.
على الصعيد الإقليمي، كان الحلفاء في مطلع 1920 يواجهون مقاومة عنيفة لمخططاتهم قي آسيا الصغرى، فأراد الإنكليز في شهر آذار أن يوجهوا ضربة قاسية إلى المعارضة، فقاموا باعتقال عدد من زعمائها، فما كان من الباقين إلا أن التقوا حول مصطفى كمال في انقرة وأعلنوا الثورة، ثم حاولوا التفاهم مع الفرنسيين.
رد الحلفاء على المؤتمر السوري بدعوة مجلسهم الأعلى إلى الاجتماع في سان ريمو في إيطاليا، حيث أُقرّ في 25 نيسان 1920، الانتداب الفرنسي على لبنان وسورية والانتداب البريطاني على فلسطين والعراق.
وفي المناسبة نفسها وقّع ممثلو الدولتين على اتفاق عام بشأن البترول تعهّدت فيه بريطانيا بإعطاء فرنسا 25% من نفط العراق مقابل تخلّي باريس عن منطقة الموصل.
أثارت مقررات سان ريمو استياءً شديدًا في أوساط الحركات القومية السورية، وقد احتجّ عليها رسميًا وفد الحجاز إلى مؤتمر الصلح لافتًا النظر إلى أن رأي السكان لم يؤخذ بعين الاعتبار لا في اختيار الدولة المنتدبة ولا في سلخ فلسطين عن سوريا، وذلك خلافًا لما نصّت عليه الفقرة الرابعة من المادة الثانية والعشرين من ميثاق عصبة الأمم.
في 27 نيسان أبرق اللنبي Allenby إلى فيصل يطلعه على ما اتفق عليه في سان ريمون ويدعوه، باسم الحكومة البريطانية، إلى السفر إلى باريس لكي يعترف مؤتمر الصلح بشرعية ملكه على سوريا.
أجاب فيصل مبديًا تحفظاته ومعلنًا أن السوريين يرفضون الانتداب لأنه يشكّل خطرًا على سيادتهم وعلى استقلالهم ويرفضون كذلك فصل فلسطين عن سوريا.
ويضيف أنه مستعد للسفر إلى أوروبا شرط أن يصدر قبل ذلك عن الحلفاء تصريح يطمئن الشعب بشأن هذين الموضوعين.
وقد نقل غورو، باسم الحكومة الفرنسية، إلى فيصل تصريحًا بهذا المعنى ولكن هذا الأخير اعتبره غير كاف وكرر رفضه السفر إلى أوروبا قبل أن يحصل على جواب مرض.
في تلك الأثناء تشنّجت المواقف في سورية واتهمت العناصر المعتدلة في الحكومة بالخيانة وهيّج المتطرفون الشارع مما اضطر الركابي إلى تقديم استقالته، فخلفه الأتاسي الذي ألف في 3 أيار حكومة دخلتها العناصر الاكثر كراهية للفرنسيين أمثال العظمة وشهبندر، فأعلنت الحكومة الجديدة خدمة العلم وأخذت تشجّع اعتداءات العصابات على المنطقة الساحليّة.
ميسلون، لبنان الكبير والدويلات السورية.
إن المماطلة في اتخاذ قرار بشأن حدود لبنان واستقلاله والهيمنة الفرنسية شبه الكاملة على المؤسسات الرسمية في المتصرفية وتّرت العلاقات بين اعضاء مجلس الإدارة والسلطات الفرنسية.
يضاف إلى ذلك أن خلافًا حادًا وقع بين قائد الجند اللبناني، سعيد البستاني، والمستشارين العسكريين الفرنسيين، فاستقال البستاني من وظيفته وتقرّب من السوريين وأخذ يعمل على إيجاد صيغة تفاهم بين فيصل واللبنانيين.
وأسفرت المساعي عن اتفاق عقد بين عدد من اعضاء مجلس الإدارة وضابط الارتباط السوري في بيروت، جميل الألشي، يقضي بوضع مضبطة تطالب باستقلال لبنان التام، بالتنسيق مع الحكومة الفيصلية، وبتأليف وفد يلاحق القضية في أوروبا وأميركا، وقد تعهدت دمشق بتأمين نفقات السفر إلى أعضاء الوفد.
في العاشر من تموز وُضعت المضبطة المذكورة ووقّعها سبعة من أعضاء مجلس الإدارة.
إنها تتلخّص بالمطالبة باستقلال لبنان المطلق وبحياده السياسي وبإعادة «المسلوخ منه سابقًا بموجب اتفاق يتم بينه وبين حكومة سورية» وبالتعاون بين الحكومتين في المجال الاقتصادي وعلى الصعيد الدولي.
حاول الموقعون السبعة السفر إلى دمشق ولكن السلطات الفرنسية كانت على علم بمسعاهم فاعتقلتهم وهم في الطريق ثم اتهمتهم بالخيانة العظمى مدّعية أنهم باعوا وطنهم مقابل مبلغ من المال، وبعد ذلك جرّدتهم من حقوقهم السياسية ونفتهم إلى جزيرة كورسيكا.
وقد أبرق غورو إلى حكومته يقول إن فيصلاً كان على استعداد للاعتراف «بلبنان الكبير» شرط أن يرفض اللبنانيون الانتداب الفرنسي.
لذا خشيت حكومة باريس أن يتخلى سكان الجبل عن تعلّقهم بفرنسا فقررت الإسراع في إيجاد حل جذري لخلافها مع السوريين.
في تلك الأثناء، كانت الصعوبات التي يواجهها الحلفاء في الشرق الأوسط تزداد حدّة. فبالإضافة إلى ثورتي مصر والعراق واضطرابات القدس، كان الوضع في آسيا الصغرى ينذر بالخطر.
وقد اضطر الإنكليز إلى الانسحاب من منطقة القفقاص بسبب الضغط المشترك الذي مارسه عليهم الاتراك البولشفيك.
وفي شبه الجزيرة العربية كان الخلاف على أشدّه بين الشريف حسين وابن سعود وكلاهما حليف لبريطانيا.
أخذ الفرنسيون يستعدّون، بموافقة بريطانيا، لحسم الوضع في سوريا بالوسائل العسكرية.
ولكنه كان يصعب عليهم القتال على جبهتين، الجبهة السورية والجبهة التركية، لذا وقّعوا، في 28 أيار، هدنة مؤقتة مع مصطفى كمال تخلّوا بموجبها عن بعض مواقعهم في كيليكيا.
ثم دخلوا في مفاوضات مع الاتراك للانسحاب كليًا من تلك المنطقة.
كان السوريون آنذاك يمنعون الفرنسيين عن استعمال الخط الحديدي ريّاق – حلب لإيصال الإمدادات إلى قواتهم في تركيا.
ولما علموا بأن هؤلاء اتفقوا مع الكماليين على وقف إطلاق النار، أدركوا أن المجابهة العسكرية معهم أصبحت وشيكة.
حاول فيصل آنذاك أن يستدرك الامر، فأبرق إلى غورو مبديًا خشيته من ان يتحوّل تراجع الفرنسيين في كيليكيا إلى حافز يشجّع الأتراك على التوغّل داخل الأراضي السورية ومقترحًا عليه التعاون معه ووضع القوات العربية في تصرّفه للدفاع عن حدود سورية كما رسمها مؤتمر سان ريمو San Remo.
انهى فيصل برقيته معلنًا أنّه متأكد من أن الحكومة الفرنسية التي يثق بها ستبرّ بتعهداتها تجاهه وتجاه السوريين.
اجاب غورو سلبًا على مبادرة فيصل ووجّه إليه اللوم لأنه لم يضع خط ريّاق – حلب في تصرّف الجيش الفرنسي في الوقت المناسب.
ثم أبرق المفوّض السامي إلى حكومته يقول إن فيصلاً يحاول أن ينصب له فخًا وأن هدف هذا الأخير ما زال إخراج الفرنسيين من سوريا ولبنان.
تابع غورو بعد ذلك استعداداته العسكرية واستمر التوتر بين المنطقتين الساحلية والداخلية إلى أن وقعت معركة ميسلون، في 24 تموز، فدخل الجيش الفرنسي دمشق وطُلب من فيصل مغادرة البلاد.
أبرق الجزائري إلى البطريرك الماروني يطلب منه تأليف حكومة عربية في الجبل.
تريّث البطريرك في اتخاذ موقف وأرسل يستشير الفرنسيين في جزيرة إرواد، فكان جوابهم: «إننا قادمون».
في الأول من تشرين الأول وصلت إلى دمشق فرقة من جيش اللنبي وتبعتها قوات عربية يقودها الشريف ناصر يرافقه الضابط الإنكليزي لورانس.
نصّب هذا الأخير نفسه ممثلاً لفيصل وعزل الأميرين الجزائريين بعد صدامات مع انصارهما في الشوارع وعيّن مكانهما رضا الركابي حاكمًا عسكريًا على المدينة.
في الحقيقة كان لورانس وعملاء الإنكليز عمومًا ومؤيدو فيصل يخشون أن تفلت السلطة في دمشق من أيديهم خصوصًا وأن الأخوين الجزائريين، حفيدي عبد القادر الكبير، كانا يشكلان خصمين خطيرين للهاشميين. فأسرتهما الكريمة النسب وتاريخ جدهما العريق ومكانتهما في العالم الإسلامي ووزنهما السياسي في سوريا وعلاقاتهما الطيّبة بفرنسا كانت تخوّلهما الطموح إلى الحكم والوقوف في وجه المخططات الإنكليزية – الحجازية، وهذا ما دفع بلورانس إلى الإسراع في التخلّص منهما. أما فيصل فلم يشعر بالطمأنينة إلا بعد أن قتل رجاله الأمير عبد القادر في 9 تشرين الثاني 1918 ونفوا أخاه سعيدًا إلى فلسطين.
في تلك الأثناء كان جورج – بيكو يفاوض البريطانيين في لندن حول مستقبل الأراضي العربية المحتلة.
كان السفير الفرنسي كامبون، بعد أن تلقّى تعليمات من حكومته قد طلب من الإنكليز أن يتعهّدوا باحترام اتفاقية 1916. وقد صدر عن بلفور، في 23 أيلول، وعد رسمي بهذا الخصوص.
أخيرًا في 30 أيلول، عقدت الحكومتان اتفاقًا بشأن الإدارة المؤقتة للولايات السورية حددتا فيه الدور الذي يعود إلى كل منهما.
في 3 تشرين الأول دخل دمشق كل من اللنبي وفيصل والكابيتن كولوندر نائب جورج – بيكو، ففوجئ الثلاثة بالإجراءات التي اتخذها لورانس. بقي على الحلفاء أن يستعجلوا توقيع معاهدة الصلح مع تركيا، فتم ذلك في سيفر Sèvres في العاشر من آب 1920 وقد اعترف السلطان في مادتها الرابعة والتسعين باستقلال الولايات العربية المسلوخة عن امبراطوريته شرط أن تخضع لنظام الانتداب الدولي.
استنادًا إلى ما ورد في معاهدة Sèvres وإلى ما اتفق عليه في سان ريمو، نظّم غورو إدارة المناطق التي وضعت تحت الانتداب الفرنسي، فاتخذ قرارًا في 3 آب يقضي بضم الأقضية البقاعية الأربعة إلى لبنان، ثم انشأ في 18 آب، بموجب قرار آخر، دولة دمشق، وفي 31 منه انشأ دولة العلويين، وفي اليوم نفسه أصدر ثلاثة قرارات جديدة، حل بموجب الأول، ولاية بيروت العثمانية وأجهزتها، وأنشأ بموجب الثالث، لبنان الكبير ورَسَم حدوده. وفي اليوم التالي، أي في الأول من أيلول، انشأ غورو دولة حلب.
اما دولة الدروز فلم تر النور إلا في الرابع من آذار 1921.
نستطيع ان نقول، في ختام هذه الدراسة، إن فيصلاً والسوريين لعبوا ورقتين خاسرتين:
الأولى هي ورقة ولسون، ولكن هذا الأخير انسحب من مؤتمر الصلح وسقطت معه آمالهم،
الثانية هي الورقة البريطانية، ولكن حكومة لندن كانت تعمل لتأمين مصالحها ولم تتردد في التخلّي عن حلفائها بعد أن نالت منهم مأربها.
أما فرنسا، فقد رأت في هذه الحركات الوطنية السورية خطرًا على كيان الأمة، لذا ناصبتها العداوة بلا هوادة، فدفع هذا بالدولة المنتدبة إلى التقرّب من الكماليين وإلى تقديم التنازلات لهم.
هكذا أُدخلت تعديلات، في أكثر من مرة، على خارطة الحدود بين تركيا وسوريا.
وكانت هذه التعديلات تصبّ دائمًا في مصلحة الأتراك.
إن التصلّب في مواقف الفئات المتطرّفة أسقط اتفاق 6 كانون الثاني 1920 بين فيصل وكليمنصو ودفع بالبلاد إلى صدام عسكري مع الفرنسيين لم تكن فيه القوى متكافئة.
إن هزيمة ميسلون أنهت الحكم الفيصلي المعتدل وقضت على الاستقلال التام الذي كان يسعى له السوريون.
لم تع تلك الفئات اهمية التحوّلات التي طرأت على الوضع الدولي بين تشرين الأول 1918 وحزيران 1920 ولم تقوّم بموضوعية وبُعد نظر انعكاسات تلك التحولات على مصير الشرق الأوسط، كما أنها لم تدرك الخطورة القصوى التي كانت تشكّلها السياسة البريطانية على مستقبل المنطقة.
أما التيار الاستقلالي اللبناني، فقد أفاد بلا شك من الخلافات الدولية والإقليمية لفرض خياراته، وقد نجح في ذلك بفضل الجهود الجبارة التي بذلها مناصروه من اللبنانيين المقيمين والمغتربين، وأيضًا بفضل تعاطف بعض القيادات الفرنسية مع تطلعاته.
ولكن قسمًا من سكان المناطق التي ضُمّت إلى المتصرفية اعتبر نفسه مظلومًا لأن آماله الوحدوية قد خُيّبت، لذا رفض الكيان الجديد وعمل على تقويضه، وقد استمرّ في موقفه الرافض هذا حتى ميثاق 1943.
في 19 أيلول 1918، أحرز الجنرال اللنبي (Allenby) انتصارًا حاسمًا على العثمانيين في فلسطين، فانفتحت أمامه أبواب سوريا، فما كان منه إلا أن دفع بقواته نحو الشمال.
ذُعر الموظفون الأتراك، فأخلوا دمشق وبيروت ومتصرفيّة جبل لبنان في 13 أيلول، فيما كانت فلول الجيش التركي تنسحب باتجاه حلب والأناضول.
هنا بدأ صراع للاستيلاء على السلطة في بيروت ومتصرّفية جبل لبنان ودمشق وبقيّة المدن السوريّة بين قوات عربيّة ثلاث، الأولى هي الأسرة الهاشميّة على رأسها الأمير فيصل ابن الشريف حسين ملك الحجاز ومطلق الثورة العربية عام 1916، والثانية هي أسرة عبد القادر الجزائري، بزعامة اثنين من أحفاده، هما الأمير محمد سعيد وأخوه عبد القادر؛ وتمثّلت الثالثة بعدد من الوجهاء القياديين الوطنيين السوريين.أما سكان متصرّفيّة جبل لبنان فتوخّوا الحذر بانتظار تبلور الأوضاع.كانت هذه القوى المحليّة تخشى أطماع الدول الكبرى المنتصرة في الحرب، لا سيّما أطماع بريطانيا وفرنسا، الدولتين الاستعماريتين اللتين كانت قد خططتا، منذ السنة 1916، من خلال اتفاق سايكس – بيكو، لاتفاق تركة الدولة العثمانية المحتضرة.
سيطرة الجزائريين على السلطة في دمشق وتنحيتهم
عشية انسحاب الأتراك من دمشق، نظم الأَخَوان محمد سعيد وعبد القادر الجزائريان ميليشيا من المغاربة المقيمين في العاصمة السورية.
ويؤكد محمد سعيد في مذكراته أنه فعل ذلك بموافقة جمال باشا الصغير المعروف بالمرسيني، قائد الجيش التركي. كان هدفه حماية المدينة وحماية انسحاب الأتراك. في 13 أيلول، اجتمع عدد من وجهاء دمشق في دار البلدية واختاروا الأمير محمداً سعيداً رئيساً للحكومة الموقتة، فرفع العلم العربي على الدار المذكورة مكان العلم العثماني،
وابرق الى بيروت والى مختلف المدن السورية معلناً قيام حكومة عربية في دمشق باسم الشريف حسين داعياً الناس الى الهدوء والسكينة.
ابتدأ الأمير محمد سعيد، بعد إمساكه بزمام الأمور في العاصمة السورية في 30 أيلول كما ذكرنا، بأداء «قسم الولاء والإخلاص» للملك حسين وبرفع العلم العربي. إنه يؤكد في مذكراته أنه اتفق مع الأمير فيصل على الأمر عندما اجتمع به في وهيد، غربي معان، في آب 1918، وهدفهما من ذلك إعلان الإستقلال قبل وصول الجيوش الأجنبية.
كما يؤكد أن الشريف ناصر الذي دخل دمشق صبيحة الأول من تشرين الأول (أوكتوبر)، فوّض إليه إدارة الحكومة ريثما يصل فيصل.
نجد تفاصيل أخرى في بعض المصادر حول نشأة حكومة محمد سعيد الجزائري، إن يوسف الحكيم، مثلاً، يروي في مذكراته أن فريقا من « الوجهاء والمفكرين الدمشقيين» إجتمعوا في بهو المجلس البلدي في دمشق «وقرروا إقامة حكومة موقتة تحول دون الفوضى، ريثما تصل الجيوش المظفّرة» واختاروا لرئاسة هذه الحكومة الأمير سعيد الجزائري.
لكن الرواية التي نجدها في كتابات لورانس وفي رسائله تختلف عما ذكرناه سابقاً إذ إنها تعطي انطباعاً بأن الأخوين الجزائريين إغتصبا السلطة في دمشق ولم يستلماها لا بموافقة فيصل ولا بناءً على طلب من الوجهاء الدمشقيين.
أمّا ما كتبه لورانس في أعمدة الحكمة السبعة وفي عدد من رسائله حول هذا الموضوع، فهو ينضح بحقده على الأخوين الجزائريين.
وفي رسالة وجهها الى الضابط الإنكليزي ستيرلنغ (Stirling) بتاريخ 28 حزيران 1919، يعطي لورانس تفاصيل إضافية عن الموضوع، ويؤكد أن فيصلاً هو الذي طلب منه «التخلص منهما».
ويختم رسالته بهذه الجمل : «إذاً كان يوجد في سوريا آناذاك شخصان يستحقان الموت شنقاً أو رمياً بالرصاص، فهذان الشخصان هما دون شك الأخوان الجزائريّان. آسف كثيراً للحرية التي تركت لمحمد سعيد. لقد طالب فيصل بسجنه أكثر من مرة...».
حال وصوله الى دمشق في الأول من تشرين الأول، نصّب لورانس نفسه ممثلاً للأمير فيصل، فعمد الى عزل الأمير محمد سعيد الجزائري من الحكم وإعلان قيامة حكومة عسكرية برئاسة شكري الأيوبي، نيابةً عن رضا الركابي الذي لم يكن قد عاد الى دمشق بعد.
إنسحب الأخوان الجزائريان على مضض. ولكن بعد ظهر الأول من تشرين الأول بدأت الفوضى تدبّ في دمشق، وفي ليل 1 الى 2 تشرين الأول، إندلعت ثورة حقيقية في المدينة. فتدفقت الى شوارعها قواتٌ درزية وبدوية وقامت بأعمال نهب. لكن القوات العربية تدخلت بسرعة بطلب من لورانس وكسحت برشاشاتها الأحياء المضطربة، فقمعت حركة التمرد موقعة أكثر من 20 قتيلاً في صفوف المتسللين. وقد إتهم لورانس في مؤلفاته وفي مراسلاته.
الأخوين الجزائريين بأنهما مسؤولان عن هذه الحركة، وبأنهما حرّضا أتباعهما كما حرّضا الدروز مدّعين أنّ الهاشميّين ومؤيّديهم هم دمى تحركهما بريطانيا كما تشاء وطالِبين من الجميع القيام بعمل ما دفاعاً عن الدين.
إن شهادات المعاصرين في حكومة محمد سعيد وعبد القادر الجزائريين لم تكن دائماً سلبية كما يصوّرها لورانس والمقرّبون من بريطانيا ومن الهاشميين. إن عدداً من هؤلاء المعاصرين أثنوا على الإجراءات التي اتخذها الأخوان الجزائريان آنذاك.
نستخلص مّما سبق أن لورانس وعملاء الإنكليز بصورة عامة ومؤّيدي فيصل كانوا يخشون ان تفلت السلطة في دمشق من أيديهم، خصوصاً وان الأخوين الجزائريّين، حفيدي عبد القادر الكبير، كانا يشكلان خصمين خَطِرَيْن للهاشميّين: فأسرَتُهما الكريمة النسب، وتاريخ جدّهما العريق ومكانتهما في العالم الاسلامي ووزنهما السياسي في سوريا وعلاقتهما بفرنسا كانت كلّها تخولهما الطموح الى الحكم والوقوف في وجه المخططات الإنكليزية-الحجازية، وهذا ما دفع لورانس الى الإسراع في التخلص منهما.
دخول فيصل واللنبي دمشق
ما كانت هوّية الفِرَق العسكريّة التي دخلت دمشق توّاً بعد انسحاب العثمانيّين، أكانت عربية أم بريطانيّة؟
أثار الجواب عن هذا السؤال جدلاً بين المؤرخين لان له ابعاداً سياسية مهمة نوضحها بما يأتي:
في ربيع ١٩١٨، وجّه سبعة من الزعماء العرب المقيمين في مصر مذّكرة إلى الحكومة البريطانيّة، سُلّمت إلى المكتب العربي في القاهرة، يستوضحونها سياستها تجاه الأقطار العّربية ويسألون عن مصير هذه الأقطار بعد انتهاء الحرب.
في ١٦حزيران من السنة نفسها، أرسلت لندن جوابها وهو يعرف ب»التصريح الموّجه الى السبعة»، قسّمت فيه الحكومة البريطانية المنطقة التي كان يطالب الحسين باستقلالها إلى أربعة اقسام. يضّم القسمان الأوّلان البلاد العربيّة التي كانت مستقلّة قبل الحرب والتي حررها العرب بانفسهم، تعترف بريطانيا بالسيادة التامة للعرب على هذه الأراضي.
أما القسم الثالث، فيضّم المناطق التي حرّرتها الجيوش الحليفة، فأكّدت لندن «أن الحكومة المقبلة لهذه الأقاليم يجب ان تقوم على مبدأ موافقة المحكومين».
يبقى القسم الرابع وهو يضّم الأراضي التي كانت لا تزال تحت النير التركي، اي الولايات السورية ومتصرفية جبل لبنان وولاية الموصل، فورد في التصريح»أنّ الشعوب المضطهدة في هذه الأراضي يجب ان تفوز بالحرية والإستقلال».
على الرغم من اهميّة ما ورد في التصريح عن القسمين الثالث والرابع، فإنّ العرب أبدوا اهتماماً خاصاً بما ورد بشأن القسم الثاني، اي الأراضي التي حرّروها بأنفسهم والتي يجب ان تتمتّع بالسيادة التامّة. هنا تكمن أهمية القول إنّ القوات العربية هي التي دخلت دمشق قبل القوات البريطانيّة. ولكن كيف جرت الأمور بالضبط؟
من المؤكّد ان فرقة الخيّالة الأوسترالية وفوجاً من الخّيالة السباهيّة الفرنسييّن وصلا الى ضواحي دمشق في٣٠ أيلول الساعة الواحدة بعد الظهر. وللحال صدر أمرٌ من القيادة العامة البريطانيّة يطلب منهما وقف تقدمهما نحو المدينة.
لكّن السجل الميداني اليومي للقوات الأوستراليّة يظهر ان لواء الخيّالة الثالث الأوسترالي دخل دمشق في الأول من تشرين الأول حوالي الساعة السادسة صباحاً، وأنّ قائد الفوج العاشر الذي كان في الطليعة، عندما بلغ مبنى البلديّة، دخله ووجد فيه الأمير محّمد سعيد الجزائري محاطاً بمجموعة من الأعيان والوجهاء.
غادر الخيّالة الأوستراليّون دمشق حوالي السّاعة السابعة واتّجهوا شمالاً لمطاردة فلول الجيش التركي.
يؤكّد الأمير سعيد الجزائري دخول الأوسترالييّن دمشق قبل القوات العربية التي كان يقودها الشريف ناصر. يبدو انّ هذا الأخير لم يصل الى المدينة إلا حوالي الساعة السابعة والنصف أو الثامنة صباحًا.
أما لورانس فلم يدخل دمشق إلا في الساعة التاسعة، فغضب غضباً شديداً عندما علم ان الأوسترالييّن كانوا اوّل الواصلين، لأن تصريح الحكومة البريطانية الموّجه الى السبعة كان في ذهنه، وكان يرغب في ان تحتل القوات العربية قبل سواها المدينة لكي تخضع سوريا للسيادة العربيّة. بعده مباشرة وصا الجنرال شوفل (Chauvel)، القائد الأعلى للقوات الأوستراليّة، واتّجه فوراً نحو مبنى البلديّة حيث التقى لورانس والأيوبي. ولماّ علم ان هناك حكومة عربيّة نصّبت باسم الملك حسين، رفض الإعتراف بها. إن القوات الأوستراليّة قاتلت بضراوة في الأيّام التي سبقت انسحاب الأتراك، وتوجّت تضحياتها بدخول خياّلتها دمشق قبل سواهم، لذا كان شوفل يرفض ان يُسرق منه النصر وينسب الى العرب، وقد تسبب ذلك بتوّتر العلاقة بينه وبين لورانس.
في 2 تشرين الأول، دخل دمشق ألوف من الجنود البريطانييّن مع فرقة صغيرة من الجنود الفرنسيّين، فاخترقوا المدينة متجهين شمالاً لملاحقة الجيش التركي المنسحب. وفي الثالث من الشهر نفسه، وصل اللنبي ونزل في فندق فيكتوريا، وثبّت الركابي-زكان قد عاد الى دمشق-في رئاسة الحكومة الموقتة في المنطقة الداخليّة. وفي اليّوم عينه وصل الأمير فيصل في قطار من درعا، فكُلّف الضابط الإنكليزي هيوبرت يونغ (Young) باستقباله باسم اللنبي، وقصّد تواً فندق فيكتوريا حيث اجتمع بالقائد العام البريطاني لأّوّل مرّة.
وكان هذا الأخير قد تلقى تعليمات واضحة من حكومته بشأن علاقة الحلفاء بالأمير فيصل وبشأن مستقبل الأراضي العربية المحّررة من النير العثماني.
بيروت ومتصرفيّة جبل لبنان بين اتفاق سايكس-بيكو وتطّلعات الحكومة العربيّة في دمشق.
سلّم الوالي العثماني، اسماعيل حقي بك. عند انسحابه من بيروت، شؤون الحكم الى رئيس البلدية عمر الداعوق. وسلّم المتصرّف، ممتاز بك، إدارة الجبل في بعبدا، الى حبيب فياّض رئيس البلدّية. وكان الأمير محمّد سعيد الجزائري، عقب توليّه السلطة، قد ابرق الى المدن السوؤية المختلفة والى بيروت، يخبر المسؤولين بانهزام الجيش التركي وبقيام حكومة عربيّة في دمشق بإسم الملك حسين، ويطلب منهم إنشاء حكومات مماثلة ويحثّ السكان على ااتزام الهدوء. وقد تلقى البطريرك الماروني بدوره برقيّةً هذا نصُها:
«غبطة بطريرك الطائفة المارونيّة،
«إنه بعون الله تأسست الحكومة العربيّة المستقلة باسمنا. فنطلب منكم، بإسم العربيّة والوطنيّة، أن تؤسسوا الحكومة عندكم في جبل لبنان.
25 ذي الحجّة 1336،
رئيس الحكومة السوريّة، سعيد ابن الأمير علي باشا الجزائري».
لم يجب البطريرك على بل فضّل الإنتظار ريثما تتبلور الأمور. لكنّ موظفي المتصرفيّة اجتمعوا في بعبدا وانتخبوا الأميرين مالك شهاب وعادل ارسلان لإدارة شؤون الجبل بصورة موقتة. فأبرق الأميران الى البطريرك يطلعانه على ما جرى، فوجّه بدوره، في الخامس من تشرين الأوّل، برقيّة الى الأمير مالك شهاب يحثّه فيها على المثابرة على»إدارة الحكومة الموقتة بحزم وحكمة» ويطلب منه ان ينصح الأهالي بالخلود الى السكينة، و»بتوقيف كل مخابرة تتعّلق بشؤون البلاد مكتفين الآن بالحكومة الموقتة الى ان يكون تيّسر لنا ولهم تبادل الأراء بهذا الشأن لدى وصولنا قريباً الى مقرّنا في بكركي». وكان مجلس الإدارة، بالاتفاق مع البطريرك، قد ارسل يستشير الفرنسييّن في جزيرة ارواد. فكان جوابهم «إننا قادمون».
إن الاستيلاء على بيروت والمدن الساحليّة الأخرى ومتصرفيّة جبل لبنان كان يعتبر حيويّاً بالنسبة الى الزعماء الوطنيّين السوريّين، وكذلك بالنسبة الى فيصل ولورانس. كانوا جميعاً يعلمون انّ لفرنسا مصالح تاريخيّة في المنطقة الساحلية لن تتخلى عنها بسهولة وأنها عقدت بشأنها اتفاقاً مع بريطانيا عام 1916، هو اتفاق سايكس- بيكو. يضاف الى ذلك ان فيصلاً ولورانس كانا يعلمان، منذ ربيع 1917، الخطوط الكبرى لهذا الإتفاق، بعد ان قررت باريس ولندن، في مطلع هذه السنة، اطلاع الملك حسين على مضمونه، فأوفدتا الى الحجاز مارك سايكس وفرنسوا جورج – بيكو اللذين وصلا الى جدّة في18 آذار1917 واجتمعا في اليوم الثاني بالملك. وتبعت هذا اللقاء لقاءات اخرى شارك في معظمها الأمير فيصل. وبعد خمسة ايام من المفاوضات، ابرق جورج-بيكو الى حكومته يقول:»ان الملك يعرف الآن مضمون اتفاقنا ولم يبد متأثراً الى الحّد الذي كنا نخشاه [….]. يمكننا منذ الآن ان نقول ان الدور الفرنسي في سورية سيكون، في خطوطه الكبرى، شبيهاً بالدور الإنكليزي في العراق. سنتعاون مع ممثلي الملك في المناطق الإسلاميّة من سوريا بواسطة مستشارينا. أمّا المناطق المسيحيّة، فإن إستولينا عليها قبل تهاية الحرب، فسننشئ فيها دولة تكون تحت حمايتنا».
بعد ان اطّلع وزير الخارجية الفرنسي على برقية جورج-بيكو، طلب منه ان يعلن إلى ممثّل فرنسا في الحجاز، بأن يوضّح للحسين ما المقصود بعبارة «المناطق الإسلامية من سوريّة» التي استعملت خلال المحادثات، وأن يؤكد له أن هذه التسمية تنطبق فقط على المناطق الداخليّة، وبالتحديد على المنطقة «أ» من اتفاق سايكس - بيكو، ولا تنطبق على المنطقة الزرقاء، اي على الساحل وكيليكيا. فما كان من جورج-بيكو إلاّ ان أبرق بهذا الخصوص الى شرشلي في 13حزيران1917.
بعد الإنتصار الذي أحرزه الجنرال اللنبي على الجيش العثماني بيومين، وبالتحديد في21 ايلول1918، أبرق ستيفن بيشون (Pichon)، وزير خارجيّة فرنسا، الى بول كامبون (Cambon)، سفير بلاده في لندن، يطلب منه أن يبلّغ الحكومة البريطانيّة إصرار فرنسا على تطبيق اتفاق سايكس – بيكو.
تسلّح كامبون بهذه التعليمات ودافع بعناد عن وجهة نظر حكومته أمام وزير خارجيّة بريطانيا اللورد بلفور، وحصل منه، في 23 ايلول، على تصريح يقول فيه ان بريطانيا لن تقبل بان تقع سوريّة تحت نفوذ دولة اوروبيّة غير الدولة الفرنسيّة، وأضاف بلفور انه يتمنى ان يُعْلَن هذا الموقف بوضوح في فرنسا وخارجها.
في 27 ايلول، أي قبل انسحاب الأتراك من دمشق وبيروت بثلاثة أيام، استقبل الجنرال اللنبي الكابيتان كولندر (Coulondre)، مساعد المندوب السامي الفرنسي فرنسوا جورج-بيكو، وأخبره أنّه تلقى تعليمات سريّة من وزارة الحربيّة تطلعه على مضمون الاتفاق المعقود بين باريس ولندن عام1916، وتطلب منه العمل على تنفيذه وعلى»إنشاء إدارة عربيّة مع ضابط ارتباط فرنسي في منطقة «أ» من اتفاق1916، وإدارة فرنسيّة في المنطقة الزرقاء».
في 30 ايلول، بينما كانت فلول الجيش التركي تغادر سوريّة، كان السفير الفرنسي في لندن يُعِدّ مع الحكومة البريطانيّة إتفاقاً حول ادارة اراضي العدو التركي التي تّم الإستيلاء عليها أو التي ستستولي عليها لاحقاّ الجيوش الحليفة.
وقد ورد فيه ان القائد العام، الجنرال اللنبي، يعترف بممثّل الحكومة الفرنسيّة مستشاراً سياسياً له في مناطق النفوذ الفرنسي من هذه الأراضي، ويعتبره «الوسيط الوحيد بينه وبين اية حكومة او حكومات عربيّة موقتة او دائمة، يمكن ان تنشأ في منطقة «أ» من اتفاق 1916 «. كما يعهد اليه، بصفته هذه «ان يؤسس ادارة مدنيّة في المدن الساحليّة وفي المنطقة الزرقاء بصورة عامة [….] وان يختار الأشخاص المناسبين للوظائف المدنيّة في المدن الساحليّة وفي الأقسام الأخرى من المنطقة الزرقاء».
في الثاني من تشرين الأّول، وافقت الحكومة الفرنسيّة رسميّاً على هذا الإتفاق واصبح نافذاً. بينما كان مصير الأراضي العثمانيّة المحتّلة يقرّر في لندن وباريس، كان لورانس وفيصل وزعماء الأحزاب والحركات الوطنيّة في دمشق يعتمدون حلولا مغايرة تماماً ويحاولون فرض الأمر الواقع على حكومات الدول الأوروبيّة المنتصرة.
وافق رضا الركابي، بعد استلامه السلطة في دمشق، في 2 تشرين الأوّل، على البرقيات التي ارسلها محمد سعيد الجزائري الى بيروت والمدن الساحليّة الأخرى، وعلى قيام حكومات عربيّة فيها. انه قرّر، بالاضافة الى ذلك، ارسال شكري الأيوبي الى بيروت حاكماً عسكرياً مع قوّة عربيّة رمزيّة.
كان الركابي منتسباً الى جمعيّة العربيّة الفتاة ورئيساً لبلديّة دمشق، وكان من المدافعين عن العروبة، ولكنّه كان ينتمي الى تيار وطنّي قوّمي يتردّد في ترك القيادة للحجازييّن، وكان هذا التيّار يضّم عدداً من الشخصيات المقيمة في سوريا واخرى من الجاليات في بلاد الإغتراب. وقد اتخّذ بعضها علانيّة موقفاً معادياً للهاشمييّن. ففي تشرين الأوّل مثلاً، وُجّه نداءٌ الى «الدول الكبرى التي حرّرت سوريّة»، يحتّج فيه الموقعون على «دخول القبائل العربيّة دمشق وعلى تدخل الحجازيّين في شؤون سوريا»، ويؤكد انه «لا يوجد اي رابط قومي بين هذه القبائل ذات الأنطمة البدائيّة [….] والشعب السوري». وفي النهاية يرجو النداء من الدول الكبرى «ان تفصل القضيّة السوريّة عن القضيّة العربيّة» وان تنشئ دولة سورية موحدّة ومستقلّة و»منفصلة كلياً عن المناطق الأخرى الناطقة باللغة العربيّة».
يبدو ان الركابي لم يكن بعيداً عن هذه الأفكار، وقد قرّر، بالاتفاق مع عدد من قادة الحركة الوطنيّة، ارسال شكري الأيوبي الى بيروت ليضع فيصلاً والحلفاء امام الأمر الواقع، ربماّ لأنه كان يخشى ان يقدّم الهاشميّون تنازلات لفرنسا في المنطقة الساحليّة.
لم يكن باستطاعة فيصل ان يتنكّر لإجراء كهذا، فلو فعل لخسر شعبيته في سوريّة بكاملها.
نذكّر هنا بان جبل لبنان وساحله كانا خاليين من الجيوش الحليفة التي لم تدخلهما إلا في الثامن من تشرين الأوّل. لذا اعتبر الركابي ورفاقه ان الإستيلاء عليهما، ولو بقوّة عسكريّة رمزيّة، قبل وصول القوات البريطانيّة، يخوّلهم ضمّهما الى الدولة العربيّة، طبقاً لما ورد في «التصريح الموّجه الى السبعة» الذي تكلمنا عنه سابقاً. لقد اعترفت بريطانيا للعرب، في هذا التصريح، بالسيادة التامّة على الأراضي التي حرّروها بأنفسهم من النير العثماني. لكن الجنرال الإنكليزي كلايتون (Clayton) رفض تطبيق هذا المبدأ على بيروت والساحل، وأبرق الى حكومته يقول:
«يمكننا التأكيد، بكل صدق، ان جلاء الأتراك عن بيروت اتى نتيجة لاستيلاء القائد الأعلى البريطاني (اي اللنبي) على دمشق، ولم يكن نتيجة لعمل عسكري قام به العرب».
دعم اللنبي، عن غير قصد، بالاجراءات التي اتخذها، موقف الركابي واضعف موقف فيصل. كان هدفه في الأساس ابعاد الأمير عن الإدارة المحليّة ليتفرّغ لقيادة القّوات العربيّة.
لذا ثبّت الركابي في حكم منطقتي «أ» و»ب» من اتفاقيّة 1916، اي سوريا الداخليّة.
سرعان ما ادرك اللنبي انه اخطأ في قراره هذا لأن الركابي لم يكن مديناً بشيء لبريطانيا ولم يكن ملزماً بمراعاة الإتفاقات المعقودة بينها وبين حليفتها فرنسا.
حسم الوضع في دمشق وفي المنطقة الساحليّة وتصفيّة الحسابات بين فيصل والجزائريّين.
قبل وصول اللنبي وفيصل الى دمشق، كان قرار ارسال الأيوبي الى بيروت قد اتخذ، وقد غادر مع مئة فارس وعدد من المرافقين، منهم جميل الألشي ورفيق التميمي ورستم حيدر، في ليل 3 إلى 4 تشرين الأول كما ذكرنا، وبات تلك الليلة في خان ميسلون، وتابع سيره في صباح اليوم التالي، 4 تشرين الأول، باتجاه راشيا، فحاصبيا، فصيدا، ووصل بيروت في السابع من تشرين الأول حيث استُقبل بحفاوة، وصعد في الثامن منه الى بعبدا حيث اعلن اعادة امتيازات المتصرفيّة التي كان الباب العالي قد ألغاها خلال الحرب، واجتمع بحبيب باشا السعد، رئيس مجلس الإدارة الذي كان جمال باشا قد حلّه في آذار1915، وعيّنه حاكماً مكان الأميرين مالك شهاب وعادل ارسلان، فأقسم السعد يمين الولاء للملك حسين ولحكومة فيصل.ذكرنا ان اللنبي دخل دمشق في 3 تشرين الأول ونزل في فندق فيكتوريا حيث قصده فيصل حال وصوله. اتسّمت المقابلة بين الرجلين بشيء من التوّتر وحضرها لورانس كمترجم، كما حضرها نوري السعيد والقائد الأوسترالي شوفيل وعدد من الضباط الإنكليز. أفهم اللنبي الأمير انه تلقى تعليمات من حكومته تنصّ على ان الأراضي التي احتّلتها الجيوش الحليفة تعتبر»اراضي العدو» وهي تحت أمرته وان بريطانيا مسؤولة عن ادارتها، وأنه سيوكل الى فرنسا ادارة المنطقة الساحليّة، وذلك تطبيقاً للاتفاق المعقود بينها وبين بريطانيا العظمى.
لم يتوقف لورانس في «اعمدة الحكمة السبعة» عند هذا اللقاء. انه يذكر فقط ان اللنبي سلّم فيصلاً برقية مرسلة من وزارة الخارجية في لندن تعترف فيها بريطانيا للعرب بصفة «حلفاء محاربين « وطلب منه ان يترجمها للامير.
أما الجنرال الأوسترالي شوفيل، فيصِف هذا اللقاء بإسهاب ويؤكد أنّ اللنبي قال ليفصل إن المنطقة العربية ستضم سوريا الداخلية فقط وستكون المنطقة الساحلية، باستثناء فلسطين، تحت الإدارة الفرنسية المباشرة، وانه يتوجب على الامير ان يتعامل مع الفرنسيين بواسطة ضابط ارتباط فرنسي، وان هذا الضابط سيتعامل مع لورانس.
احتج فيصل على حصر حدود الدولة العربية بالمنطقة الداخلية من سورية وأجاب انه على استعداد للتعاون مع الفرنسيين.
يقول شوفيل ان القائد العام البريطاني نظر انذاك إلى لورانس وسأله:» أفلم تقل له ان سورية ستكون تحت الحماية الفرنسية؟»، اجاب لورانس “كلا، لاني لم اكن اعرف ذلك»، تابع النبي «كنت بالتأكيد تعرف انه غير مسموح لفيصل ان يتدخل بشؤون لبنان». اجاب لورانس:» كلا، وهذا لم اكن اعرفه».
استمر الحديث في هذا الجو الضاغط بعض الوقت، فانهاه اللنبي بقوله لفيصل انه هو القائد العام للجيوش الحليفة، وان الامير، قائد القوات العربية، وهو تحت إمرته، وعليه ان ينفذ ما يُطلب منه. أما مصير المنطقة الساحلية ومصير لبنان وحدود الدولة العربية، فكلها امور ستتم معالجاتها عند انتهاء الحرب.
غادر فيصل للحال. أما لورانس فتابع حديثه مع اللنبي لدقائق معدودة وقال للقائد العام انه يرفض ان يتعاون مع ضابط ارتباط فرنسي، وربما من الافضل له ان يعود إلى انكلترا. اجاب اللنبي للحال:» أنا اوافق على عودتك».
غادر لورانس دمشق في اليوم التالي، 4 تشرين الاول، وذهب إلى القاهرة ومنها إلى لندن في 15 من الشهر عينه.
في تلك الأثناء، كان الفرنسيون يمارسون شتى أنواع الضغط على الحكومة البريطانية لتمنع فيصلا وجماعة الركابي من الامساك بالمنطقة الزرقاء من اتفاق سايكس- بيكو.
في اليوم الذي توجه فيه شكري الأيوبي إلى بيروت، احتج مساعد المفوض السامي الفرنسي، الكابتن كولوندر، لدى الجنرال البريطاني كلايتون على هذا القرار، ولكن كلايتون تهرّب من الموضوع وغادر بسرعة إلى فلسطين حيث مركز القائد العام. فما كان من كولندر الا ان طلب موعدًا من فيصل، وفي الوقت نفسه، ألحّ على حكومته كي تأمر الاسطول الفرنسي في المتوسط بالتوجه بسرعة إلى بيروت وبالقيام بعملية انزال في المدينة.
التقى كولندر فيصلا في 6 تشرين الاول ووجّه اليه اللوم لأنه وافق على ارسال الأيوبي إلى بيروت على الرغم من التفاهم الذي كان قد جرى بشأن المنطقة الساحلية في اذار1917، في جدة، مع مارك سايكس وفرانسوا جورج - بيكو والذي يفرض عليه، على أي حال، الحصول على موافقة الحكومة الفرنسية قبل الاقدام على خطوة من هذا النوع . اجاب فيصل أنّ همه الوحيد هو طرد الأتراك من البلاد العربية؛ أما المسائل السياسية فيترك معالجتها للسياسيّين. أضاف الأمير أن الغاية من ارسال الأيوبي هي الحفاظ على الأمن ليس إلا.
خلال هذه الايام نشطت الاتصالات بين حكومتي باريس ولندن وبين هاتين الحكومتين وقادة الجيوش الحليفة المنتصرة في الشرق.
ففي 5 تشرين الأوّل، تلقى الاميرال فارنيه(Varnier)، قائد المجموعة البحرية الفرنسية في سورية، أمرًا بمغادرة بور سعيد والتوجه إلى بيروت، فدخل المرفأ في السابع من تشرين الاول، فاستقبل بحماس شعبي.
وفي اليوم التالي دخلت المدينة مقدّمة فرقة المشاة السابعة الهندية ودخل بعدها الجنرال بلفين (Bulfin) قائد الفيلق البريطاني الحادي والعشرين، يرافقه الكولونيل دو بيابات (De Piépape)، مع مفرزة من القوات الفرنسية. وفي اليوم عينه، 8 تشرين الأول، أبرق وزير الخارجية الفرنسي إلى كلوندر يقول له: «ان دخول الاميرال فارنيه بيروت والحفاوة التي استقبل بها يشكلان، بالنسبة الينا، نقطة ارتكاز لكي نرفض، بالاتفاق مع الجنرال اللنبي، اخضاع أي قسم من المنطقة الزرقاء لإدارة ممثلي الأسرة الهاشمية .لا مجال للتفاوض حول هذه النقطة ولا يجب ان تناقشها مع الأمير فيصل. علينا فقط ان نبلّغه قرارنا الذي سيلاقي دون شك الدعم اللازم من الجنرال اللنبي[....] «أما فيما يخصّ لبنان، فعليك ان تجتمع بأعضاء مجلس الإدارة . انهم يعلمون ان الحلفاء لا ينوون اضعاف السلطة اللبنانية [.....] نحن مستعدون للاعتراف بسلطة مجلس الإدارة على بيروت والبقاع وطرابلس إذا رغب سكان هذه المناطق في الانضمام إلى لبنان....».
التقى كولندر في ليل 8 إلى 9 تشرين الاول، الجنرال اللنبي في القدس، فقال له القائد العام إنه عيّن الكولونيل دو بيابات حاكمًا عسكريًا على بيروت ومسؤولاً عامًا عن الإدارة العسكرية في المنطقة الزرقاء من اتفاقية1916، وانه اصدر أوامره بهذا الشأن إلى الجنرال بلفن، ثم اضاف:» ان الحاكم العسكري الذي عينه فيصل، مت دون ان يكون له حق في ذلك، لم يعد منذ الآن في الوظيفة» .
لام اللنبي كولندر لانه فاوض فيصلا بشأن المنطقة الساحلية وكرر له ان مسألة تعيين الحكام هي من صلاحيات القائد العام وليست من صلاحيات فيصل الذي يعتبر فقط جنرالا من جنرالات الجيوش الحليفة.
في اليوم عينه، ابرق وزير الخارجية الفرنسي إلى كولندر يطلب منه الانتقال بسرعة إلى بيروت والعمل على تشجيع السكان على القبول بضم بيروت وطرابلس والبقاع ومتصرفيّة جبل لبنان في دولة واحدة ، مركزًا على المنافع التي يجنيها الجميع من هكذا عملية.
هكذا جزم الفرنسيون امرهم، ثم عينوا الجنرال هاملان(Hamelin)، قائدًا لقواتهم في سوريا بدلا من الكولونيل دو بيابات لان رتبة هذا الاخير لا تسمح له بأن يفاوض اللنبي ندًّا لند. وبدأوا بتوزيع المساعدات الغذائية مباشرة على المعوزين في بيروت ودمشق دون المرور بالحكومة العربية.
نفّذ الجنرال بلفين بسرعة اوامر اللنبي : ففي ليل10 إلى11 تشرين الاول استولت سريّة من الجيش البريطاني على سراي الحكومة في بيروت وانزلت العلم العربي.
أمّا الأيوبي فمُنع من دخول المبنى وطُلب منه مغادرة البلاد.
ولما رفض الامتثال للامر، هدده بلفين باستعمال القوة ضده، فرضخ .
أدرك فيصل ان هامش المناورة امامه اصبح ضيّقًا وأنّه من الصعب عليه الوقوف في وجه الحلفاء المنتصرين .
في المنطقة الساحلية، أُنزلت الأعلام العربيّة عن الأبنية الرسمية وحلّ ضبّاط فرنسيّون محل الضباط الذين عيّنتهم دمشق. في المتصرفية، بقي حبيب باشا السعد في وظيفته مع أعضاء مجلس الإدارة. وفي البقاع إستمر الموظَّفون السابقون في مراكزهم.
إنتظر كولندر ودو بياباب تعليمات القائد العام قبل اتخاذ أية خظوة بشأن الجبل.
إجتمع اللنبي بفيصل في دمشق وأبلغه أنه قسّم أراضي العدو العثماني المحتلّة إلى ثلاث مناطق: جنوبية، أي فلسطين، بإدارة بريطانية، وشرقية، اي سوريا الداخلية، بإدارة عربية، وشمالية، أي الساحل، بإدارة فرنسية.
وفي الوقت عينه، حدّ اللنبي من صلاحيات الركابي وأطلق يد فيصل في إدارة منطقتي «أ» و»ب» من إتفاقية 1916.
وفي 22 تشرين الأول أصدر الحاكم قراراً سمّى فيه الأقضية التي تَضُمّ كلاً من هذه المناطق وعيّن، بصورة رسمية، حكّامها العسكريين: الجنرال مونيه (Money) للمنطقة الجنوبية، والكولونيل دو بياباب للمنطقة الشمالية وعلي رضا الركابي، طبعاً تحت إشراف فيصل، للمنطقة الشرقيّة. شكّلت متصرّفية الجبل ومعها سهل البقاع جزءاً من المنطقة الشمالية.
أصبح باستطاعة الفرنسيين – وكانت قواتهم التي شاركت في القتال على جبهة فلسطين قد وصلت الى بيروت في 20 تشرين الأول – أن يحسموا مسألة الحكم في المتصرّفية. وفي النهاية قرّ الرأي على تعيين الكابيتان بوشير(Beuscher) قائد السرية اللبنانية – السورية في القوات الفرنسية القادمة من فلسطين، حاكماً عسكرياً، وعلى تثبيت مجلس الإدارة برئاسة حبيب باشا السعد.
صعد دو بياباب، في 25 تشرين الأول، الى بعبدا حيث استُقبل بحفاوة، فوضع هذه القرارات موضع التنفيذ7. أما سهل البقاع، فطلب اللنبي من دو بياباب تأجيل الاستيلاء عليه وتأجيل ضمّه الى المنطقة الزرقاء الى وقت لاحق.
في 31 تشرين الأول، وقّع الأتراك على هدنة مودروس. وفي الثامن من تشرين الثاني، أصدرت الحكومتان الفرنسية والبريطانية تصريحاً مشتركاً يتعلّق بمصير الأراضي المسلوخة عن الدولة العثمانية، كان الهدف منه تبديد مخاوف العرب وطمأنة الرئيس ولسون صاحب مبدأ حق تقرير المصير. وممّا جاء في هذا التصريح: «إن الهدف الذي عملت لأجله فرنسا وبريطانيا العظمى، في متابعتهما في الشرق الحرب التي أثارتها مطامح ألمانيا، هو التحرير التام والنهائي للشعوب التي طالما رزحت تحت النير التركي، وإقامة حكومات وإدارات وطنية تستمد سلطتها من مبادرة السكان الأصليين وخيارهم الحر... لا تسعى الدولتان الى فرض أية مؤسّسات على هؤلاء السكان، وإن هاجسهما الوحيد هو توفير الدعم والمساعدة لهم لكي يؤمّنوا انتظام العمل في الحكومات والادارات التي يختارونها لأنفسهم...».
إطمأنّ العرب لهذا التصريح، وكان اللنبي قد أكّد لفيصل أن التقسيمات الإدارية التي اعتمدها في الأراضي العثمانية المحتلّة هي موقتة وأن مصير هذه الأراضي سيقرره مؤتمر الصلح.
أخذ فيصل يستعد للسفر الى باريس للمشاركة في المؤتمر، ولكنّه كان يخشى أن يترك وراءه، في سوريا، الأخوين الجزائريين سعيد وعبد القادر اللذين كانا يحاولان التقرب من الفرنسيّين، لذا قرر تصفية حساباته معهما قبل سفره. ففي 9 تشرين الثاني، أصدر حاكم سوريا العسكري، علي رضا الركابي، أمرًا باعتقال الأميرين وإرسالهما الى المنفى، مؤكّداً أنه يفعل ذلك بأمر من الحكومة البريطانية ومن الأمير فيصل.
أرسل اركابي رجال الأمن للقبض على الأميرين. إنصاع محمد سعيد وسلّم نفسه وكان نصيبه بعد ذلك النفي الى فلسطين. أمّا عبد القادر فتبادل إطلاق النار مع رجال الأمن وأدى الحادث الى مصرعه والى سقوط عدد من القتلى والجرحى. هكذا تخلص فيصل من الأميرين الجزائريين.
لم يضع مقتل الأمير عبد القادر حدًاّ للصراع على السلطة بين القوى المحلية الثلاث التي ذكرناها في مطلع هذا البحث. فالقيادات والأحزاب الوطنية القومية السورية التي قبلت على مضض زعامة الهاشميين كانت لهم في المرصاد تراقب تحرّكاتهم وأعمالهم لتنقضّ عليهم عند أول خطأ يرتكبونه. هذه القوى هي التي أجهضت كلّ محاولات التقرب بين فيصل وفرنسا، منها اتفاق 6 كانون الثاني 1920، وكانت تسيطر على المؤتمر السوري وعلى اللجنة الوطنية العليا في دمشق.
أما فيصل، فكلّما مرت الأيام كلّما ضاق في وجهه هامش المناورة.
إنه دافع عن القضية العربية في مؤتمر الصلح وأحرز بعض النجاح في ربيع 1919، بفضل الدعم الذي كان يلقاه من الرئيس الأميركي ولسون ومن الحكومة البريطانية.
فاضطر الأمير الى مفاوضة الفرنسيين من جديد والتوصل معهم الى اتفاق 6 كانون الثاني 1920 ولكنّه عجز عن تنفيذه بسب رفض القيادات السورية له.
إما التخلّي عن الاعتدال، والانجراف وراء التيار الاستقلالي المتصلّب والقبول بفكرة الصدام المسلّح مع الفرنسيين، وإما تطبيق الاتفاق المعقود في باريس والتصدي بالقوة لمعارضيه وإما الاستقالة.
فاختار الحل الأول.
هذا ما وتر العلاقات بينه وبين الحلفاء وأدى الى معركة ميلسون في تموز 1920 والى سقوطه.
أما الأمير محمد سعيد الجزائري، فبعد مقتل أخيه، نُفي، كما ذكرنا، الى فلسطين، لكنه ظلّ يحلم بعرش سوريا. فحاول التقرب من الفربسيين ولكن هؤلاء لم يدعموه ولم يكونوا يثقون به. وبعد معركة ميلسون، وبالتحديد في شهر آب 1919، رشّح سعيد نفسه علانية لاعتلاء عرش سوريا، ووجه رسالة بهذا الخصوص الى ستيفن بيشون وزير خارجية فرنسا، ويذكّر بمقتل أخيه غدراً على أيدي عملاء الإنكليز وعلى أيدي أتباع فيصل أعداء الفرنسيين.
أثار تقرب الأمير محمد سعيد من الفرنسيين وترشيح نفسه لعرش سوريا غضب فيصل وغضب البريطانيين، فما كان من اللنبي إلا أن أصدر أمراً، في 16 آب 1919، باعتقال الأمير الجزائري من جديد ونفيه الى مصر. فهاجمت منزله في بيروت قوة من الجيش البريطاني واعتقلته على الرغم من أنه كان يتمتع بالحماية الفرنسية وأن العملية تمت في قلب المنطقة الزرقاء الخاضعة للإدارة الفرنسية المباشرة. كادت هذه الحادثة تتسبب بأزمة دبلوماسية بين باريس ولندن.
هذا كان مصير الأسرتين الجزائرية والهاشمية الطامحتين إلى العرش السوري. أما زعماء الحركات الوطنية فتشتتوا بعد معركة ميسلون: هاجر قسم منهم الى الأردن وفلسطين، وقسم الى مصر وقسم الى العراق. وقد أفاد دعاة القومية اللبنانية والمنادون بلبنان الكبير من هذه الظروف لفرض خياراتهم. أما البريطانيّون والفرنسيّون، فبعد مرحلة من الصراع المتّسم أحياناً بالحدّة والعدوانية، سوّوا خلافاتهم المتعلّقة بالشرق الأوسط في إطار مؤتمر سان ريمو حيث تم رسميًا، فرض الإنتداب الفرنسي على سوريا ولبنان والإنتداب البريطاني على فلسطين والعراق.
في 19 أيلول 1918، أحرز الجنرال اللنبي ((Allenby إنتصاراً حاسماً على العثمانيين في فلسطين، فانفتحت أمامه أبواب سوريا، فما كان منه الا ان دفع بقواته نحو الشمال. ذُعر الموظفون الأتراك، فأخلوا دمشق وبيروت ومتصرفية جبل لبنان في 13 أيلول، فيما كانت فلول الجيش التركي تنسحب باتجاه حلب والأناضول.
هنا بدأ صراع للاستيلاء على السلطة في بيروت ومتصرفية جبل لبنان ودمشق وبقية المدن السورية بين قوات عربية ثلاث، الأولى هي الأسرة الهاشمية على رأسها الأمير فيصل إبن الشريف حسين ملك الحجاز ومطلق الثورة العربية عام 1916، والثانية هي أسرة عبد القادر الجزائري، بزعامة إثنين من أحفاده، هما الأمير محمد سعيد وأخوه عبد القادر؛ وتمثلت الثالثة بعدد من الوجهاء القيّاديين الوطنيين السوريين. أما سكان متصرفية جبل لبنان فتوخّوا الحذر بانتظار تبلور الأوضاع.
كانت هذه القوى المحلّية تخشى أطماع الدول الكبرى المنتصرة في الحرب، لا سيما أطماع بريطانيا وفرنسا، الدولتين الإستعماريتين التين كانتا قد خططتا، منذ عام 1916، من خلال إتفاقية سايكس – بيكو، لاقتسام تركة الدولة العثمانية المحتضرة.
سيطرة الجزائريين على السلطة في دمشق وتنحيتهم
عشية انسحاب الأتراك من دمشق، نظم الأخوان محمد سعيد وعبد القادر الجزائريان ميليشيا من المغاربة المقيمين في العاصمة السورية. ويؤكد محمد سعيد في مذكراته أنه فعل ذلك بموافقة جمال باشا الصغير المعروف بالمرسيني، قائد الجيش التركي. كان هدفه حماية المدينة وحماية انسحاب الأتراك. في 13 أيلول، اجتمع عدد من وجهاء دمشق في دار البلدية واختاروا الأمير محمداً سعيداً رئيساً للحكومة المؤقتة، فرفع العلم العربي على الدار المذكورة مكان العلم العثماني، وابرق الى بيروت والى مختلف المدن السورية معلناً قيام حكومة عربية في دمشق باسم الشريف حسين داعياً الناس الى الهدوء والسكينة.
ابتدأ الأمير محمد سعيد،بعد إمساكه بزمام الأمور بالعاصمة السورية في 30 أيلول كما ذكرنا، بأداء”قسم الولاء والإخلاص”للملك حسين ويرفع العلم العربي. أنه يؤكد في مذكراته أنه اتفق مع الأمير فيصل على اللأمر عندما اجتمع به عند وهيد، غربي معان، في آب 1918، وهدفهما من ذلك إعلان الإستقلال قبل وصول الجيوش الأجنبية، كما يؤكد أن الشريف ناصر الذي دخل دمشق صبيح الأول من تشرين الأول (أوكتوبر)، فوّض إليه إليه إدترة الحكومة ريثما يصل فيصل.
نجد تفاصيل أخرى في بعض المصادر حول نشأة حكومة محمد سعيد الجزائري، أن يوسف الحكيم، مثلاً، يروي في مذكراته أن فريقا من”الوجهاء والمفكرين الدمشقيين”إجتمعوا في بهو المجلس البلدي في دمشق”وقرروا إقامة حكومة مؤقتة تحول دون الفوضى، ريثما تصل الجيوش المظفّرة”واختاروا لرئاسة هذه الحكومة الأمير سعيد الجزائري.
لكن الرواية التي نجدها في كتابات لورانس وفي رسائله، كما في مذكراته عدداً من مؤيّدي فيصل، تختلف عما ذكرناه سابقاً إذ أنها تعطي إنطباعاً أن الأخوين الجزائريين إغتصبا السلطة في دمشق ولم يستلماها لا بموافقة فيصل ولا بناءً لطلب من الوجهاء الدمشقيين.
أما ما كتبه لورانس في أعمدة الحكمة السبعة وفي عدد من رسائله حول هذا الموضوع، فهو ينضح بحقده على الأخويين الجزائريين.
وفي رسالة وجهها الى الضابط الإنكليزي ستيرلنغ بتاريخ 28 حزيران 1919، يؤكد أن فيصلاً هو الذي طلب منه”التخلص منهما".
ويختم رسالته بهذه الجمل :”إذاً كان يوجد في سوريا آنذاك شخصان يستحقان الموت شتقاً أو رمياً بالرصاص، فهذان الششخصان هما دون شك الأخوان الجزائريان. آسف كثيراً للحرية التي تركت لمحمد سعيد. لقد طالب فيصل بسجنه أكثر من مرة...".
حال وصوله الى دمشق في الأول من تشرين الأول، نصّب لورانس نفسه ممثلاً للأمير فيصل، فعمد، الى عزل الأمير محمد سعيد الجزائري من الحكم وإعلان قيامة حكومة عسكرية برئاسة شكري الأيوبي، نيابةً عن رضى الركابي الذي لم يكن قد عاد الى دمشق بعد.
إنسحب الأخوان الجزائريان على مضض. ولكن بعد ظهر الأول من تشرين الأول بدأت الفوضى تهب في دمشق، وفي ليل 1 الى 2 تشرين الأول، إندلعت ثورة حقيقية في المدينة فتدفقت الى شوارعها قواتٌ درزية وبدوية وقامت بأعمال نهب. لكن القوات العربية تدخلت بسرعة بطلب من لورانس وكسحت برشاشاتها الأحياء المضطربة، فقمعت حركة التمرد موقعة أكثر من 20 قتيلاً في صفوف المتسللين.
وقد إتهم لورانس في مؤلفاته وفي مراسلاته الأخوين الجزائريين أنهما مسؤولان عن هذه الحركة، وبأنهما حرضا أتباعهما كما حرّضا الدروز مدّعيين أن الهاشميين ومؤيديهم هم دمى تحركهما بريطانيا كما تشاء وطالبين من الجميع القيام بعمل ما دفاعاً عن الدين.
إن شهادات المعاصرين في حكومة محمد سعيد وعبد القادر الجزائريين لم تكن دائماً سلبية كما يصوّرها لورانس والمقرّبون من بريطانيا ومن الهاشميين. إن عدداً من هؤلاء المعاصرين أثنوا على الإجراءات التي اتخذها الأخوان الجزائريان آناذاك.
نستخلص مّما سبق أن لورانس وعملاء الإنكليز بصورة عامة ومؤّيدي فيصل كانوا يخشون ان تفلت السلطة في دمشق من أيديهم، خصوصاً وان الأخوين الجزائريّين، حفيدي عبد القادر الكبير، كانا يشكلان خصمين خطيرين للهاشميّين: فأسرَتُهما الكريمة النسب، وتاريخ جدّهما العريق ومكانتهما في العالم الاسلامي ووزنهما السياسي في سوريا وعلاقتهما بفرنسا كانت كلّها تخولهما الطموح الى الحكم والوقوف في وجه المخططات الإنكليزية-الحجازية، وهذا ما دفع لورانس الى الإسراع في التخلص منهما.
دخول فيصل واللنبي دمشق
ما كانت هوّية الفريق العسكري التي دخلت دمشق توّاً بعد انسحاب العثمانيّين، أكانت عربية أم بريطانيّة؟
أثار الجواب على هذا السؤال جدلاً بين المؤرخين لان له ابعاداً سياسية مهمة نوضحها بما يأتي:
في ربيع ١٩١٨، وجّه سبعة من الزعماء العرب المقيمين في مصر مذّكرة إلى الحكومة البريطانيّة، سُلّمت إلى المكتب العربي في القاهرة، يستوضحونها سياستها تجاه الأقطار العّربية ويسألون عن مصير هذه الأقطار بعد انتهاء الحرب.
في ١٦حزيران من السنة نفسها، أرسلت لندن جوابها وهو يعرف ب"التصريح الموّجه الى السبعة"، قسّمت فيه الحكومة البريطانية المنطقة التي كان يطالب الحسين باستقلالها إلى أربعة اقسام. يضّم القسمان الواحد والثاني البلاد العّربية التي كانت مستقلّة قبل الحرب والتي حررها العرب بانفسهم، تعترف بريطانيا بالسيادة التامة للعرب على هذه الأراض. أما القسم الثالث، فيضّم المناطق التي حرّرتها الجيوش الحليفة، فأكّدت لندن”ان الحكومة المقبلة لهذه الأقاليم يجب ان تقوم على مبدأ موافقة المحكومين".
يبقى القسم الرابع وهو يضّم الأراضي التي كانت لا تزال تحت النير التركي، اي الولايات السورية ومتصرفية جبل لبنان وولاية الموصل، فورد في التصريح"أنّ الشعوب المضطهدة في هذه الأراضي يجب ان تفوز بالحرية والإستقلال".
على الرغم من اهميّة ما ورد في التصريح عن القسمين الثالث والرابع، فإنّ العرب أبدوا اهتماماً خاصاً بما ورد بشان القسم الثاني، اي الأراضي التي حرّروها بأنفسهم والتي يجب ان تتمتّع بالسيادة التامّة. هنا تكمن اهمية القول انّ القوات العربية هي التي دخلت دمشق قبل القوات البريطانيّة.
من المؤكّد ان فرقة الخيّالةالأوسترالية وفوجاً من الخّيالة السباهة الفرنسييّن وصلا الى ضواحي دمشق في٣٠ أيلول الساعة الواحدة بعد الظهر. وللحال صدر أمرٌ من القيادة العامة البريطانيّة يطلب منهما وقف تقدمهما نحو المدينة. لكّن السجل الميداني اليومي للقوات الأوستراليّة يظهر ان لواء الخيّالة الثالث الأوسترالي دخل دمشق في الأول من تشرين الأول حوالي الساعة الساجسة صباحاً، وأنّ قائد الفوج العاشر الذي كان في الطليعة، عندما بلغ مبنى البلديّة، دخله ووجد فيه الأمير محّمد سعيد الجزائري محاطاً بمجموعة من الأعيان والوجهاء. الخيّالة الأوسترالييّن غادروا دمشق حوالي السّاعة السابعة واتّجهوا شمالاً لمطاردة فلول الجيش التركي. الأمير سعيد الجزائري يؤكد دخول الأوسترالييّن دمشق قبل القوات العربية التي كان يقودها الشريف ناصر. يبدو انّ هذا الأخير لم يصل الى المدينة إلا حوالي الساعة السابعة والنصف او الثامنة صباحاً.
اما لورانس فلم يدخل دمشق إلا في الساعة التاسعة، فغضب غضباً شديداً عندما علم ان الأوسترالييّن كانوا اوّل الواصلين، لأن تصريح الحكومة البريطانية الموّجه الى السبعة كان في ذهنه، وكان يرغب في ان تحتل القوات العربية قبل سواها المدينة لكي تخضع سوريا للسيادة العربيّة. بعده مباشرة وصل الجنرال شوفل (chauvel)، القائد الأعلى للقوات الأوستراليّة، واتّجه فوراً نحو مبنى البلديّة حيث التقى لورانس والأيوبي. ولماّ علم ان هناك حكومة عربيّة نصّبت باسم الملك حسين، رفض الإعتراف بها. إن القوات الأوستراليّة قاتلت بضراوة في الأيّام التي سبقت انسحاب الأتراك، وتوجّت تضحياتها بدخول خياّلتها دمشق قبل سواهم، لذا كان شوفل يرفض ان يسرق منه النصر وينسب الى العرب، وقد تسبب ذلك بتوّتر العلاقة بينه وبين لورانس.
في2 تشرين الأول، دخل دمشق الوف من الجيوش البريطانييّن مع فرقة صغيرة من الجنود الفرنسيّين، فاخترقوا المدينة متجهين شمالاً لملاحقة الجيش التركي المنسحب. وفي الثالث من الشهر نفسه، وصل اللنبي ونزل في فندق فيكتوريا، وثبّت الركابي- وكان قد عاد الى دمشق-في رئاسة الحكومة المؤقتة في المنطقة الداخليّة. وفي اليّوم عينه وصل الأمير فيصل في قطار من درعا، فكلّف الضابط الإنكليزي هيوبرت يونغ (young) باستقباله باسم اللنبي، وقصد تواً فندق فيكتوريا حيث اجتمع بالقائد العام البريطاني لأّوّل مرّة. وكان هذا الأخير قد تلقى تعليمات واضحة من حكومته بشأن علاقة الحلفاء بالأمير فيصل وبشأن مستقبل الأراضي العربية المحّررة من النير العثماني. لنا عودة بين الحديث الذي جرى بين الرجلين.
بيروت ومتصرفيّة جبل لبنان بين اتفاق سايكس-بيكو وتطّلعات الحكومة العربيّة في دمشق.
سلّم الوالي العثماني، اسماعيل حقي بك. عند انسحابه من بيروت، شؤون الحكم الى رئيس البلدية عمر الداعوق. وسلّم المتصرّف، ممتاز بك، إدارة الجبل في بعبدا، الى حبيب فياّض رئيس البلدّية. وكان الأمير محمّد سعيد الجزائري، عقب توليّه السلطة، قد ابرق الى المدن السورية المختلفة والى بيروت، يخبر المسؤولين بانهزام الجيش التركي وبقيام حكومة عربيّة في دمشق بإسم الملك حسين، ويطلب منهم إنشاء حكومات مماثلة وحث السكان على التزام الهدوء. وقد تلقى البطريرك الماروني بدوره برقيّةً هذا نصُها:
“غبطة بطريرك الطائفة المارونيّة،
“إنه بعون الله تأسست الحكومة العربيّة المستقلة باسمنا. فنطلب منكم، بإسم العربيّة والوطنيّة، أن تؤسسوا الحكومة عندكم في جبل لبنان.
25 ذي الحجّة 1336،
رئيس الحكومة السوريّة، سعيد ابن الأمير علي باشا الجزائري".
لم يجب البطريرك بل فضّل الإنتظار ريثما تتبلور الأمور. لكنّ موظفي المتصرفيّة اجتمعوا في بعبدا وانتخبوا الأميرين مالك شهاب وعادل ارسلان لإدارة شؤون الجبل بصورة مؤقتة. فابرق الأميران الى البطريرك يطلعانه على ما جرى، فوجّه بدوره، في الخامس من تشرين الأوّل، برقيّة الى الأمير مالك شهاب يحثّه فيها على المثابرة على"إدارة الحكومة الموقتة بحزم وحكمة”ويطلب منه ان ينصح الأهالي بالخلود الى السكينة، و"بتوقيف كل مخابرة تتعّلق بشؤون البلاد مكتفين الآن بالحكومة الموقتة الى ان يكون تيّسر لنا ولهم تبادل الأراء بهذا الشإن لدى وصولنا قريباً الى مقرّنا في بكركي". وكان مجلس الإدارة، بالاتفاق مع البطريرك، قد ارسل يستشير الفرنسييّن في جزيرة ارواد. فكان جوابهم”إننا قادمون".
إن الاستيلاء على بيروت والمدن الساحليّة الأخرى ومتصرفيّة جبل لبنان كان يعتبر حيويّاً بالنسبة الى الزعماء الوطنيين السوريّين، وكذلك بالنسبة الى فيصل ولورانس. كانوا جميعاً يعلمون انّ لفرنسا مصالح تاريخيّة في المنطقة الساحلية لن تتخلى عنها بسهولة وبأنها عقدت بشانها اتفاقاً مع بريطانيا عام 1916، هو اتفاق سايكس-بيكو. يضاف الى ذلك ان فيصل ولورانس كانا يعلمان، منذ ربيع 1917، الخطوط الكبرى لهذا الإتفاق، بعد ان قررت باريس ولندن، في مطلع هذه السنة، اطّلاع الملك حسين على مضمونه، فأوفدتا الى الحجاز مالرك سايكس وفرنسوا جورج-بيكو اللذين وصلا الى جدّة في18 آذار1917 واجتمعا في اليوم الثاني بالملك. وتبع هذا اللقاء لقاءات اخرى شارك في معظمها الأمير فيصل. وبعد خمسة ايام من المفاوضات، ابرق جورج-بيكو الى حكومته يقول:"ان الملك يعرف الآن مضمون اتفاقنا ولم يبد متأثراً الى الحّد الذي كنا نخشاه [….]. يمكننا منذ الآن ان نقول ان الدور الفرنسي في سورية سيكون، في خطوطه الكبرى، شبيهاً بالدور الإنكليزي في العراق. سنتعاون مع ممثلي الملك في المناطق الإسلاميّة من سوريا بواسطة مستشارينا. أمّا المناطق المسيحيّة، فإن إستولينا عليها قبل نهاية الحرب، فسننشئ فيها دولة تكون تحت حمايتنا".
بعد ان اطّلع وزير الخارجية الفرنسي على برقية جورج-بيكو، طلب منه ان يعلن الى ممثّل فرنسا في الحجاز، بان يوضّح للحسين ما المقصود بعبارة”المناطق الإسلامية من سوريّة”التي استعملت خلال المحادثات، وان يؤكد له ان هذه التسمية تنطبق فقط على المناطق الداخليّة، وبالتحديد على المنطقة”أ”من اتفاقية سايكس-بيكو، ولا تنطبق على المنطقة الزرقاء، اي على الساحل وكيليكيا. فما كان من جورج-بيكو إلاّ ان ابرق بهذا الخصوص الى شرشلي في 13حزيران1917.
بعد الإنتصار الذي احرزه الجنرال اللنبي على الجيش العثماني بيومين، وبالتحديد في21 ايلول1918، ابرق ستيفن بيشون (pichon)، وزير خارجيّة فرنسا، الى بول كامبون (cambon)، سفير بلاده في لندن، يطلب منه ان يبلغ الحكومة البريطانيّة اصرار فرنسا على تطبيق اتفاق سايكس- بيكو.
تسلّح كامبون بهذه التعليمات ودافع بعناد عن وجهة نظر حكومته امام وزير خارجيّة بريطانيا اللورد بلفور، وحصل منه، في23 ايلول، على تصريح يقول فيه ان بريطانيا لن تقبل بان تقع سوريّة تحت نفوذ دولة اوروبيّة غير الدولة الفرنسيّة، وأضاف بلفور انه يتمنى ان يعلن هذا الموقف بوضوح في فرنسا وخارجها.
في 27ايلول، أي قبل انسحاب الأتراك من دمشق وبيروت بثلاثة أيام، استقبل الجنرال اللنبي الكابيتان كولندر (coulondre)، مساعد المندوب السامي الفرنسي فرنسوا جورج-بيكو، وأخبره أنّه تلقى تعليمات سريّة من وزارة الحربيّة تطلعه على مضمون الاتفاق المعقود بين باريس ولندن عام 1916، وتطلب منه العمل على تنفيذه وعلى"إنشاء إدارة عربيّة مع ضابط ارتباط فرنسي في منطقة ”أ” من اتفاق1916، وإدارة فرنسيّة في المنطقة الزرقاء".
في30ايلول، بينما كانت فلول الجيش التركي تغادر سوريّة، كان السفير الفرنسي في لندن يعّد مع الحكومة البريطانيّة إتفاقاً حول ادارة اراضي العدو التركي التي تّم الإستيلاء عليها أو التي ستستولي عليها لاحقاّ الجيوش الحليفة. وقد ورد فيه ان القائد العام، الجنرال اللنبي، يعترف بممثّل الحكومة الفرنسيّة مستشاراً سياسياً له في مناطق النفوذ الفرنسي من هذه الأراضي، ويعتبره ”الوسيط الوحيد بينه وبين اية حكومة او حكومات عربيّة موقتة او دائمة، يمكن ان تنشأ في منطقة ”أ” من اتفاق1916”. كما يعهد اليه، بصفته هذه ”ان يؤسس ادارة مدنيّة في المدن الساحليّة وفي المنطقة الزرقاء بصورة عامة [….] وان يختار الأشخاص المناسبين للوظائف المدنيّة في المدن الساحليّة وفي الأقسام الأخرى من المنطقة الزرقاء".
في الثاني من تشرين الأّول، وافقت الحكومة الفرنسيّة رسميّاً على هذا الإتفاق واصبح نافذاً.
بينما كان مصير الأراضي العثمانيّة المحتّلة يقرّر في لندن وباريس، كان لورانس وفيصل وزعماء الأحزاب والحركات الوطنيّة في دمشق يعتمدون حلولا مغايرة تماماً ويحاولون فرض الأمر الواقع على حكومات الدول الأوروبيّة المنتصرة.
وافق رضا الركابي، بعد استلامه السلطة في دمشق، في2 تشرين الأوّل، على البرقيات التي ارسلها محمد سعيد الجزائري الى بيروت والمدن الساحليّة الأخرى، وعلى قيام حكومات عربيّة فيها. انه قرّر، بالاضافة الى ذلك، ارسال شكري الأيوبي الى بيروت حاكماً عسكرياً مع قوّة عربيّة رمزيّة.
كان الركابي منتسباً الى جمعيّة العربيّة الفتاة ورئيساً لبلديّة دمشق، وكان من المدافعين عن العروبة، ولكنّه كان ينتمي الى تيار وطنّي قوّمي يتردّد في ترك القيادة للحجازييّن، وكان هذا التيّار يضّم عدداً من الشخصيات المقيمة في سوريا واخرى من الجاليات في بلاد الإغتراب. وقد اتخّذ بعضها علانيّة موقفاً معادياً للهاشمييّن. ففي25 تشرين الأوّل مثلاً، وجّه نداءٌ الى”الدول الكبرى التي حرّرت سوريّة"، يحتّج فيه الموقعون على “دخول القبائل العربيّة دمشق وعلى تدخل الحجازيّين في شؤون سوريا"، ويؤكد انه” لا يوجد اي رابط قومي بين هذه القبائل ذات الأنطمة البدائيّة [….] والشعب السوري". وفي النهاية يرجو النداء من الدول الكبرى”ان تفصل القضيّة السوريّة عن القضيّة العربيّة”وان تنشئ دولة سورية موحدّة ومستقلّة و"منفصلة كلياً عن المناطق الأخرى الناطقة باللغة العربيّة".
يبدو ان الركابي لم يكن بعيداً عن هذه الأفكار، وقد قرّر، بالاتفاق مع عدد من قادة الحركة الوطنيّة، ارسال شكري الأيوبي الى بيروت ليضع فيصل والحلفاء امام الأمر الواقع، ربما لأنه كان يخشى ان يقدم الهاشميّون تنازلات لفرنسا في المنطقة الساحليّة. لم يكن باستطاعة فيصل ان يتنكّر لإجراء كهذا، فلو فعل لخسر شعبيته في سوريّة بكاملها.
نذكّر هنا بان جبل لبنان وساحله كانا خاليين من الجيوش الحليفة التي لم تدخلهما إلا في الثامن من تشرين الأوّل. لذا اعتبر الركابي ورفاقه ان الإستيلاء عليهما، ولو بقوّة عسكريّة رمزيّة، قبل وصول القوات البريطانيّة، يحوّلهم ضمنًا الى الدولة العربيّة، طبقاً لما ورد في"التصريح الموّجه الى السبعة ”الذي تكلمناعنه سابقاً. لقد اعترفت بريطانيا للعرب، في هذا التصريح، بالسيادة التامّة على الأراضي التي حرّروها بأنفسهم من النير العثماني. لكن الجنرال الإنكليزي كلايتون (clayton) رفض تطبيق هذا المبدا على بيروت والساحل، وابرق الى حكومته يقول: ”يمكننا التاكيد، بكل صدق، ان جلاء الأتراك عن بيروت اتى نتيجة لاستيلاء القائد الأعلى البريطاني ]اي اللنبي[ على دمشق، ولم يكن نتيجة لعمل عسكري قام به العرب".
دعم اللنبي، عن غير قصد، بالاجراءات التي اتخذها، موقف الركابي واضعف موقف فيصل. كان هدفه في الأساس ابعاد الأمير عن الإدارة المحليّة ليتفرّغ لقيادة القّوات العربيّة. لذا ثبت الركابي في حكم منطقتي”أ”و"ب”من اتفاقيّة1916، اي سوريا الداخليّة. سرعان ما ادرك اللنبي انه اخطأ في قراره هذا لأن الركابي لم يكن مديناً بشيئ لبريطانيا ولم يكن ملزماً بمراعاة الإتفاقات المعقودة بينها و بين حليفتها فرنسا.
4- حسم الوضع في دمشق وفي المنطقة الساحليّة وتصفيّة الحسابات بين فيصل والجزائريّين
قبل وصول اللنبي وفيصل الى دمشق، كان قرار ارسال الأيوبي الى بيروت قد اتخذ، وقد غادر مع مئة فارس وعدد من المرافقين، منهم جميل الألشي ورفيق التميمي ورستم حيدر، في ليل 3الى4 تشرين الأول كما ذكرنا، وبات تلك الليلة في خان ميسلون، وتابع سيره في صباح اليوم التالي، 4 تشرين الأول، باتجاه راشيا، فحاصبيا، فصيدا، ووصل بيروت في السابع من تشرين الأول حيث استقبل بحفاوة، وصعد في الثامن منه الى بعبدا حيث اعلن اعادة امتيازات المتصرفيّة التي كان الباب العالي قد الغاها خلال الحرب، واجتمع بحبيب باشا السعد، رئيس مجلس الإدارة الذي كان جمال باشا قد حلّه في آذار1915، وعيّنه حاكماً مكان الأميرين مالك شهاب وعادل ارسلان، فأقسم السعد يمين الولاء للملك حسين ولحكومة فيصل.
ذكرنا ان اللنبي دخل دمشق في 3 تشرين الأول ونزل في فندق فيكتوريا حيث قصده فيصل حال وصوله. اتسّمت المقابلة بين الرجلين بشيئ من التوّتر وحضرها لورانس كمترجم، كما حضرها نوري السعيد والقائد الأوسترالي شوفيل وعدد من الضباط الإنكليز. افهم اللنبي الأمير انه تلقى تعليمات من حكومته تنصّ على ان الأراضي التي احتّلتها الجيوش الحليفة تعتبر"اراضي العدو”وهي تحت امرته وان بريطانيا مسؤولة عن ادارتها، وانه سيوكل الى فرنسا ادارة المنطقة الساحليّة، وذلك تطبيقاً للاتفاق المعقود بينها وبين بريطانيا العظمى.
لم يتوقف لورانس في”اعمدة الحكمة السبعة”عند هذا اللقاء. انه يذكر فقط ان اللنبي سلّم فيصلاً برقية مرسلة من وزارة الخارجية في لندن تعترف فيها بريطانيا للعرب بصفة”حلفاء محاربين”و طلب منه ان يترجمها للامير. أما الجنرال الأوستر لي شوفيل، فيصيف هذا اللقاء بإسهاب ويأكد أنا اللنبي قال ليفصل أن المنطقة العربية ستضم سوريا الداخلية فقط وستكون المنطقة الساحلية، باستثناء فلسطين، تحت الإدارة الفرنسية المباشرة، وانه يتوجب على الامير ان يتعامل مع الفرنسيين بواسطة ضابط ارتباط فرنسي، وان هذا الضابط سيتعامل مع لورانس. احتج فيصل على حصر حدود الدولة العربية بالمنطقة الداخلية من سورية وأجاب انه على استعداد للتعاون مع الفرنسيين. يقول شوفيل ان القائد العام البريطاني نظر انذاك إلى لورانس وسأله: ”أفلم تقل له ان سورية ستكون تحت الحماية الفرنسية”، اجاب لورانس”كلا، لاني لم اكن اعرف ذلك”، تابع اللنبي”كنت بالتأكيد تعرف انه غير مسموح لفيصل ان يتدخل بشؤن لبنان". اجاب لورانس:”كلا، وهذا لم اكن اعرفه". استمر الحديث في هذا الجو الضاغط بعض الوقت، فانهاه اللنبي بقوله لفيصل انه هو القائد العام للجيوش الحليفة، وان الامير، قائد القوات العربية، وهو تحت إمرته، وعليه ان ينفذ ما يطلب منه .أما مصير المنطقة الساحلية ومصير لبنان وحدود الدولة العربية، فكلها امور ستتم معالجاتها عند انتهاء الحرب.
غادر فيصل للحال. أما لورانس فتابع حديثه مع اللنبي لدقائق معدودة وقال للقائد العام انه يرفض ان يتعاون مع ضابط ارتباط فرنسي، وربما من الافضل له ان يعود إلى انكلترا. اجاب اللنبي للحال: ”أنا اوافق على عودتك".
غادر لورانس دمشق في اليوم التالي، 4تشرين الاول، وذهب إلى القاهرة ومنها إلى لندن في15 من الشهر عينه.
في تلك الأثناء، كان الفرنسيون يمارسون شتى أنواع الضغط على الحكومة البريطانية لتمنع فيصلا وجماعة الركابي من الامساك بالمنطقة الزرقاء من اتفاق سايكس- بيكو. ففي اليوم الذي توجه فيه شكري الأيوبي إلى بيروت، احتج مساعد المفوض السامي الفرنسي، الكابتن كولوندر()، لدى الجنرال البريطاني كلايتون () على هذا القرار، ولكن كلايتون تهرب من الموضوع وغادر بسرعة إلى فلسطين حيث مركز القائد العام. فما كان من كولندر الا ان طلب موعدا من فيصل، وفي الوقت نفسه، الح على حكومته كي تامر الاسطول الفرنسي في المتوسط بالتوجه بسرعة إلى بيروت وبالقيام بعملية انزال في المدينة.
التقى كولندر فيصلا في6 تشرين الاول ووجه اليه اللوم لانه وافق على ارسال الأيوبي إلى بيروت على الرغم من التفاهم الذي كان قد جرى بشأن المنطقة الساحلية في اذار1917، في جدة، مع مارك سايكس وافرانسوا جورج- بيكو والذي يفرض عليه ، على أي حال، الحصول على موافقة الحكومة الفرنسية قبل الاقدام على خطوة من هذا النوع .اجاب فيصل ان همه الوحيد هو طرد الأتراك من البلاد العربية ;أما المسائل السياسية فيترك معالجتها للسياسين. اضاف الامير ان الغاية من ارسال الأيوبي هي الحفاظ على الأمن ليس إلا.
خلال هذه الايام نشطت الاتصالات بين حكومتي باريس ولندن وبين هاتين الحكومتين وقادة الجيوش الحليفة المنتصرة في الشرق . ففي5 تشرين الاول، تلقى الاميرال فارنيه()، قائد المجموعة البحرية الفرنسية في سورية، امرا بمغادرة بور سعيد والتوجه إلى بيروت، فدخل المرفا في السابع من تشرين الاول، فاستقبل بحماس شعبي . وفي اليوم التالي دخلت المدينة فرقة المشاة السابعة الهندية دخل بعدها الجنرال بلفين () قائد الفيلق البريطاني الحادي والعشرين، يرافقه الكولونيل دو بيابات ()، مع مفرزة من القوات الفرنسية.
وفي اليوم عينه، 8 تشرين الاول، ابرق وزير الخارجية الفرنسي إلى كلوندر يقول له: ”ان دخول الاميرال فارني بيروت والحفاوة التي استقبل بيها يشكلان، بالنسبة الينا، نقطة ارتكاز لكي نرفض، بالاتفاق مع الجنرال اللنبي، اخضاع أي قسم من المنطقة الزرقاء لإدارة ممثلي الأسرة الهاشمية . لا مجال للتفاوض حول هذه النقطة ولا يجب ان تناقشها مع الأمير فيصل . علينا فقط ان نبلغه قرارنا الذي سيلاقي دون شك الدعم اللازم من الجنرال اللنبي[....] أما فيما يخص لبنان ، فعليك ان تجتمع بأعضاء مجلس الإدارة . انهم يعلمون ان الحلفاء لا ينوون اضعاف السلطة اللبنانية [.....] نحن مستعدون للاعتراف بسلطة مجلس الإدارة على بيروت والبقاع وطرابلس إذا رغب سكان هذه المناطق في الانضمام إلى لبنان....".
التقى كولندر في ليل8 إلى 9 تشرين الاول، الجنرال اللنبي في القدس ، فقال له القائد العام انه عين الكولونيل دو بيابات حاكما عسكريا على بيروت ومسؤولا عاما عن الإدارة العسكرية في المنطقة الزرقاء من اتفاقية1916، وانه اصدر اوامره بهذا الشأن إلى الجنرال بلفن()، ثم اضاف:”ان الحاكم العسكري الذي عينه فيصل، مر دون ان يكون له حق في ذلك، لم يعد منذ الآن في الوظيفة”. لام اللنبي كولندر لانه فاوض فيصلا بشأن المنطقة الساحلية وكرر له ان مسألة تعيين الحكام هي من صلاحيات القائد العام وليست من صلاحيات فيصل الذي يعتبر فقط جنرالا من جنرالات الجيوش الحليفة .
في اليوم عينه، ابرق وزير الخارجية الفرنسي إلى كولندر يطلب منه الانتقال بسرعة إلى بيروت والعمل على تشجيع السكان على القبول بضم بيروت وطرابلس والبقاع و متصرفيّة جبل لبنان في دولة واحدة ، مركزا على المنافع التي يجنيها الجميع من هكذا عملية.
هكذا حزم الفرنسيون امرهم ، ثم عيناو الجنرال هاملان(hamelin)، قائدا لقواتهم في سوريا بدلا من الكولونيل دو بيابات لان رتبة هذا الاخير لا تسمح لا بأن يفاوض اللنبي ندا لند. وبدأوا بتوزيع المساعدات الغذائية مباشرة على المعوزين في بيروت ودمشق دون المرور بالحكومة العربية .
نفّذ الجنرال بلفين بسرعة اوامر اللنبي :ففي ليل10 إلى11 تشرين الاول استولت سرية من الجيش البريطاني على سراي الحكومة في بيروت وانزلت العلم العربي .أما الأيوبي فمنع من دخول المبنى وطلب منه مغادرة البلاد. ولما رفض الامتثال للامر، هدده بلفين باستعمال القوة ضده، فرضخ.
ادرك فيصل ان هامش المناورة امامه اصبح ضيقا وانه من الصعب عليه الوقوف في وجه الحلفاء المنتصرين.
في المنطقة الساحلية، أنزلت الأعلام العربية عن الأبنية الرسمية وحلّ ضباط فرنسيون محل الضباط الذين عينتهم دمشق. في المتصرفية، بقي حبيب باشا السعد في وظيفته مع أعضاء مجلس الإدارة. وفي البقاع إستمر الموظفون السابقون في مراكزهم.
إنتظر كولندر ودو بياباب تعليمات القائد العام قبل إتخاذ أية خطوة بشأن الجبل.
إجتمع اللنبي بفيصل في دمشق وأبلغه أنه قسم أراضي العدو العثماني المحتلة إلى ثلاث مناطق: جنوبية، أي فلسطين، بإدارة بريطانية، وشرقية، اي سوريا الداخلية، بإدارة عربية، وشمالية72، أي الساحل، بإدارة فرنسية. وفي الوقت عينه، حدّ اللنبي من صلاحيات الركابي وأطلق يد فيصل في إدارة منطقتي ”أ” و"ب” من إتفاقية 1916. وفي 22 تشرين الأول أصدر الحاكم قراراً سمّى فيه الأقضية التي تضم كل من هذه المناطق وعيّن، بصورة رسمية، حكّامها العسكريين: الجنرال مونيه (Money) للمنطقة الجنوبية، والجنرال دوبياباب للمنطقة الشمالية وعلي رضا الركابي، طبعاً تحت إشراف فيصل، للمنطقة الشرقية. شكّلت متصرّفية الجبل ومعها سهل البقاع جزءاً من المنطقة الشمالية.
أصبح بإستطاعة الفرنسيين – وكانت قواتهم التي شاركت في القتال على جبهة فلسطين وقد وصل الى بيروت في 20 تشرين الأول – أن يحسموا مسألة الحكم في المتصرّفية. وفي النهاية قرّ الرأي على تعيين الكابيتان بوشير(Beuscher) قائد السرية اللبنانية – السورية في القوات الفرنسية القادمة من فلسطين، حاكماً عسكرياً، وعلى تثبيت مجلس الإدارة برئاسة حبيب باشا السعد، صعد دو بياباب، في 25 تشرين الأول، الى بعبدا حيث استقبل بحفاوة، فوضع هذه القرارات موضع التنفيذ. أما سهل البقاع، فطلب اللنبي من دو بياباب تأجيل الاستيلاء عليه وتأجيل ضمّه الى المنطقة الزرقاء الى وقت لاحق.
في 31 تشرين الأول، وقّع الأتراك على هدنة مودروس. وفي الثامن من تشرين الثاني، أصدرت الحكومتان الفرنسية والبريطانية تصريحاً مشتركاً يتعلّق بمصير الأراضي المسلوخة عن الدولة العثمانية، كان الهدف منه تبديد مخاوف العرب وطمأنة الرئيس ولسون صاحب مبدأ حق تقرير المصير. وممّا جاء في هذا التصريح:”إن الهدف الذي عملت لأجله فرنسا وبريطانيا العظمى، في متابعتهما في الشرق الحرب اتي أثارتها مطامح إلمانيا، هو التحرير التام والنهائي للشعوب التي طالما رزحت تحتى النير التركي، وإقامة حكومات وإدارات وطنية تستمد سلطتها من مبادرة السكان الأصليين وخيارهم الحر... لا تسعى الدولتين الى فرض أية مؤسّسات على هؤلاء السكان، وإن هاجسهما الوحيد هو توفير الدعم والمساعدة لهم لكي يؤمنوا انتظام العمل في الحكومات والادارات التي يختارونها لأنفسهم...".
إطمأن العرب لهذا التصريح، وكان اللنبي قد أكد لفيصل أن التقسيمات الإدارية التي اعتمدها في الأراضي العثمانية المحتلّة هي مؤقة وأن مصير هذه الأراضي سيقرره مؤتمر الصلح. أخذ فيصل يستعد للسفر الى باريس للمشاركة في المؤتمر، ولكنه كان يخشى أن يترك وراءه، في سوريا، الأخوين الجزائريين سعيد وعبد القادر البذين كانا يحاولان التقرب من الفرنسيين، لذا قرر تصفية حساباته معهما قبل سفره. ففي 9 تشرين الثاني، أصدر حاكم سوريا العسكري، على رضى الركابي، أمر باعتقال الأميرين وإرسالهما الى المنفى، مؤكداً أنه يفعل ذلك بأمر من الحكومة البريطانية ومن الأمير فيصل.
أرسل الركابي رجال الأمن للقبض على الأميرين. إنصاع محمد سعيد وسلم نفسه وكان نصيبه بعد ذلك النفي الى فلسطين. أما عبد القادر فتبادل إطلاق النار مع رجال الأمن وأدى الحادث الى مصؤعه والى سقوط عدد من القتلى والجرحى. هكذا تخلص فيصل من الأميرين الجزائريين.
لم يضع مقتل الأمير عبد القادر حداّ للصراع على السلطة بين القوى المحلية الثلاث التي ذكرناها في مطلع هذا البحث. فالقيادات والأحزاب الوطنية القومية السورية التي قبلت على مضض زعامة الهاشميين كانت لهم في المرصاد تراقب تحرّكاتهم وأعمالهم لتنقضّ عليهم عند أول خطأ يرتكبونه. هذه القوى هي التي أجهضت كل محاولات التقرب من فيصل وفرنسا، منها اتفاق 6 كانون الثاني 1920، وكانت تسيطر على المؤتمر السوري وعلى اللجنة الوطنية العليا في دمشق.
أما فيصل، فكلّما مرت الأيام كلّما ضاق في وجهه هامس المناورة. إنه دافع عن القضية العربية في مؤتمر الصلح وأحرز بعض النجاح في ربيع 1919، بفضل الدعم الذي يلقاه من الرئيس الأميركي ولسون ومن الحكومة البريطانية. وقد أتى تقرير لجنة كينغ – كراين لصالحه. لكن الحكومة البريطانية ألقت به في أحضان فرنسا بعد أن وقعت مع باريس، في أيلول 1919، إتفاقاً بشأن الأراضي المسلوخة عن الدولة العثمانية. فاضطر الأمير الى مفاوضة الفرنسيين من جديد والتوصل معهم الى اتفاق 6 كانون الثاني 1920 ولكنه عجز عن تنفيذه بسب رفض القيادات السورية له.
أعلن فيه استقلال سوريا ونصّبه ملكاً عليها. وهذا ما وتر العلاقات بينه وبين الحلفاء وأدى الى معركة ميلسون في تموز 1920 والى سقوطه.
أما الأمير محمد سعيد الجزائري، فبعد مقتل أخيه، نُفي، كما ذكرنا، الى فلسطين، لكنه ظلّ يحلم بعرش سوريا. فحاول التقرب من الفرنسيين ولكن هؤلاء لم يدعموه ولم يكونوا يثقوا به. وبعد معركة ميلسون، وبالتحديد في شهر آب 1919، رشح سعيد نفسه علانية لاعتلاء عرش سوريا، ووجه رسالة بهذا الخصوص الى ستيفن بيشون وزير خارجية فرنسا، يعرض فيها الأعمال التي قامت بها أسرته دفاعاً عن مصالح الحلفاء وعن مصالح فرنسا، ويذكر مقتل أخيه غدراً عن أيدي عملاء الإنكليز وعلى أيدي أتباع فيصل أعداء الفرنسيين.
أثار تقرب الأمير محمد سعيد من الفرنسيين وترشيح نفسه لعرش سوريا غضب فيصل وغضب البريطانيين، فما كان من اللنبي إلا أن أصدر أمراً، في 16 آب 1919، باعتقال الأمير الجزائري من جديد ونفيه اى مصر. فهاجمت منزله في بيروت قوة من الجيش البريطاني واعتقلته على الرغم من أنه كان يتمتع بالحماية الفرنسية وأن العملية تمت في قلب المنطقة الزرقاء الخاضعة للإدارة الفرنسية المباشرة. كادت هذه الحادثة تسبب بأزمة دبلوماسية بين باريس ولندن.
هذا كان مصير الأسرتين الجزائريتة والهاشمية الطامحتين بالعرش السوري. أما زعماء الحركات الوطنية فتشتتوا بعد معركة ميسلون، هاجر قسم منهم الى الأردن وفلسطين، وقسم الى مصر وقسم الى العراق. وقد أفاد دعاة القومية اللبنانية والمنادون بلبنان الكبير من هذه الظروف لفرض خياراتهم. أما البريطانيون والفرنسيوون، فبعد مرحلة من الصراع المتّسم أحياناً بالحدّة والعدوانية، سووا خلافاتهم المتعلّقة بالشرق الأوسط في إطار مؤتمر سان ريمو حيث تم رسميا فرض الإنتداب الفرنسي على سوريا ولبنان والإنتداب البريطاني على فلسطين والعراق.
ولادة دستور لبنان عام 1926
لقد أثارت نشأة دستور 1926 جدلاً بين رجال السياسة وبين المؤرخين اللبنانيين إذ اعتبر بعضهم أن هذا الدستور قد أعدته السلطة المنتدبة، وأنه نسخة عن دستور الجمهورية الثالثة الفرنسية، بينما رأى آخرون انه بالعكس نتاج لبناني محض، وأنه حصيلة الجهد الذي بذلته اللجنة المنبثقة عن المجلس التمثيلي والذي بذله بنوع خاص أحد أعضائها البارزين ميشال شيحا. لقد احتدم هذا الجدل في السبعينيات ولفت في حينه انتباهي، فقررت منذ ذلك التاريخ الخوض في الموضوع علني أستطيع ان ألقي عليه أضواء جديدة تساعد على الإجابة عن السؤال المطروح: من وضع الدستور اللبناني؟
انتظرت سنوات عدة قبل الانطلاق بهذا المشروع وذلك لأنه كان علي في أول الامر ان أتفحص عددًا من الملفات المحفوظة في الأرشيف الفرنسي وفي لبنان فقصدت أرشيف وزارة الخارجية في باريس وأرشيف الجيش البري في وأرشيف المفوضية العليا الفرنسية في نانت وأرشيف هنري دو جوفنيل في مدينة(Tulle)، وأرشيف عصبة الأمم في جنيف وأرشيف البطريركية المارونية في بكركي. كما اطلعت على عدد لا يستهان به من المصادر والمراجع. قمت بعد ذلك بإعداد دراسة شاملة عن الموضوع باللغة الفرنسية صدرت في بيروت في أواخر العام 1996 وهي بعنوان "ولادة دستور لبنان عام 1926".
ساحاول في القسم الاول من هذا البحث أن أرسم بإيجاز الإطار التاريخي الذي أعد فيه الدستور وهو إطار الانتداب الدولي. وسأعرض في القسم الثاني المشاريع الأولى للدستور او للقانون الأساسي، كما كانوا يسمونه آنذاك، لاسيما تلك التي طبعت في العامين 1924 و1925. وسأكرس القسم الثالث للمرحلة الأخيرة وهي مرحلة حكم المفوض السامي هنري دو جوفنيل التي امتدت من تشرين الثاني 1925 حتى آيار 1926 والتي شهدت ولادة الدستور في صيغته النهائية، أي الصيغة التي صوت عليها المجلس التمثيلي بالإجماع في تمام الساعة الواحدة والنصف من صباح 23 آيار 1926.
نظام الانتداب الدولي والقانون الأساسي
ولد نظام الانتداب الدولي عام 1919 في الأجواء التي سادت مؤتمر الصلح المنعقد في باريس. وضع هذا النظام بإصرار من الرئيس الأميركي ولسن ليطبق على المستعمرات الألمانية السابقة وعلى الولايات التي سلخت من السلطنة العثمانية.
كان على الدولة المنتدبة ان تمارس باسم عصبة الأمم وصايتها على الأراضي التي عهد إليها بها. حددت صلاحياتها في وثيقة عرفت بصك الانتداب. كانت مهمتها من الناحية المبدئية تنحصر في مساعدة السكان الاصليين على إدارة شؤونهم ريثما يبلغون درجة من التطور تسمح لهم بالانتقال إلى مرحلة الحكم الذاتي. وقد اعطي هؤلاء السكان حق الطعن بسياستها امام العصبة.
إن النص الأساسي الذي قام عليه نظام الانتداب هو المادة الثانية والعشرون من ميثاق عصبة الأمم الذي تبناه مؤتمر الصلح في الثاني والعشرين من نيسان 1919 وقد ورد في الفقرة الأولى من تلك المادة :
"تطبق المبادئ التالية أي مبادئ الانتداب على المستعمرات والأراضي التي، نتيجة الحرب، لم تعد تخضع لسياسة الدول التي كانت تحكمها من قبل، والتي تسكنها شعوب لا تزال عاجزة عن إدارة شؤونها بنفسها بسبب الأوضاع الصعبة للعالم المعاصر. إن رفاهية هذه الشعوب وتطورها يشكلان رسالة تحضير مقدسة. ويجدر بنا أن ندخل في هذا الميثاق ضمانات تكفل تحقيق هذه الرسالة".
يعتبر هذا النص إذًا الشعوب التي تحررت من سيطرة الدول المغلوبة، شعوبًا قاصرة عاجزة عن إدارة شؤونها بنفسها، وهي بالتالي بحاجة إلى حماية القانون الدولي.
يعتبر ان هذه الحماية هي بمثابة رسالة تحضير مقدسة، وقد اوضحت الفقرة الثانية من المادة 22 نفسها أنه سيوكل بتلك الرسالة إلى الأمم المتحضرة واكدت الفقرة الثالثة ان الانتداب سيأخذ بعين الاعتبار مستوى التطور الذي بلغه كل من الشعوب المعنية. ولذلك فإنه سيكون على درجات.
أما في ما خص الشعوب التي تحررت من النير العثماني فقد ورد بشأنها في الفقرة الرابعة من المادة 22 المذكورة أعلاه ما يلي:
"إن بعض المجموعات التي كانت تنتمي سابقًا إلى السلطنة العثمانية قد بلغت درجة من التطور تسمح بالاعتراف بها مؤقتًا كأمم مستقلة شرط ان يعهد إلى دولة منتدبة في تقديم الارشادات والمساعدة لها في تنظيم إداراتها إلى حين تصبح قادرة على تنظيمها بنفسها.
إن المبادئ التي فرض على الدولة المنتدبة التقيد بها حددت كل حالة، هي وثيقة منفردة وافقت عليها عصبة الأمم، عرفت كما ذكرنا سابقًا بصك الانتداب، فقد ألزمت فرنسا بموجب المادة الأولى من صك الانتداب على لبنان وسوريا بان تعد نظامًا أساسيًا للبلدين في مهلة لا تتعدى الثلاث سنوات من تاريخ وضع الانتداب موضع التنفيذ وقد ورد في النص ما يلي:
"يعد النظام الأساسي بالاتفاق مع السلطات المحلية وتؤخذ فيه بعين الاعتبار حقوق جميع الشعوب الساكنة في الأراضي المذكورة وكذلك مصالحها ورغباتها. على الدولة المنتدبة أن تشجع على إنشاء كيانات محلية مستقلة إداريًا وذلك بقدر ما تسمح به الظروف".
لم يحدد صك الانتداب من المقصود بعبارة السلطات المحلية، هل هي الزعامات التقليدية؟ هل هم رؤساء الطوائف الدينية؟ هل هو المجلس التمثيلي؟ هل هي سلطات جديدة منتخبة؟ وكذلك لم يوضح كيف يمكن ان ياخذ بعين الاعتبار رغبات جميع الشعوب التي تسكن لبنان وسوريا لاسيما إذا ظهر أن هذه الرغبات تتعارض فيما بينها أو تتناقض مع مبدأ الانتداب. إنه أخيرًا يحث الدولة المنتدبة على تشجيع الكيانات المحلية ذات الاستقلال الإداري ولكنه لا يعطيها توجيهات واضحة بشأن عدد الدول التي يمكن أن تنشئها في المشرق. هل كان عليها أن تكتفي بدولتي لبنان وسوريا أم بإمكانها تخطي هذا العدد وتجزئة سوريا إلى دويلات عدة؟ إن ما ورد في الصك بهذا الشأن يكتنفه الغموض.
هناك سؤال آخر يتعلق بالمادة الاولى من الصك "ماذا تعني عبارة النظام الأساسي؟ هل هذا النظام هو مجموعة التشريعات المتنوعة التي تكون الدولة المنتدبة قد أصدرتها بهدف تنظيم شؤون البلاد السياسية والإدارية؟ ام هو نص دستوري واحد متماسك يصدر عن جمعية تأسيسية؟
لقد شكلت كل هذه النقاط موضوع خلاف بين المسؤولين الفرنسيين أنفسهم وبينهم وبين اللبنانيين. وسأتطرق إلى بعض جوانب هذا الخلاف في القسم الثاني من هذا البحث.
المشاريع الأولى للنظام الأساسي 1924 ، 1925.
لقد صدق مجلس العصبة على صك الانتداب على سوريا ولبنان في 24 تموز 1922، ولكن هذا الصك لم يصبح ساري المفعول إلا في 29 أيلول 1923، بعد ان سوي الخلاف بين فرنسا وإيطاليا بشأن مصير الشرق الادنى، إذ إن هذه الأخيرة كانت تعتبر انها لم تحصل على حصتها من تركة الدولة العثمانية، لذا كانت تطالب لنفسها بالانتداب على سوريا.
كان على فرنسا إذًا بمقتضى صك الانتداب ان تضع قانونًا أساسيًا للبلاد في مهلة لا تتعدى الثلاث سنوات ابتداء من أيلول 1923. وكان المسؤولون في باريس في عامي 1923 و1924 يعتبرون أن إعداد مثل هذا القانون هو عملية سهلة للغاية تقوم على جمع النصوص التشريعية التي صدرت حتى هذا التاريخ في كل من البلدان الواقعة تحت الانتداب. ثم عرضها على المجالس التمثيلية المحلية للمصادقة عليها وتقديمها بعد ذلك إلى عصبة الأمم باعتبارها تشكل النظام الأساسي المطلوب. وقد كتب رئيس الوزراء وزير الخارجية ريمون بوانكارييه في كانون الأول 1923 إلى المفوض السامي الجنرال ويغان يقول : "دون ان تنتظر انتهاء المهلة التي اعطيت لنا علينا أن نضبط جيدًا النصوص التشريعية المختلفة التي أصدرتها المفوضية العليا حتى هذا التاريخ والمتعلقة بولادة دولة لبنان والدول السورية وبحدودها وبتنظيم السلطات العامة والمجالس التمثيلية فيها. وكذلك النصوص المتعلقة بالاتحاد الفدرالي السوري وبالعلاقات بين سوريا ولبنان". يضيف رئيس الوزراء الفرنسي "إن السبيل الأكثر ملاءمة للحصول بسرعة على موافقة السكان التي نص عليها صك الانتداب هو الطلب من كل المجالس المحلية تبني مجموعة النصوص هذه واعتبارها النظام الأساسي المنتظر". وقد أرفق بوانكاريه رسالته بلائحة من التشريعات التي برأيه يجب ان تشكل منها هذه المجموعة وترك الحرية للمفوض السامي ليزيد عليها ما يراه ضروريًا.
إن هذه النظرة إلى النظام الأساسي أثارت موجة من الاحتجاجات في الدول المشرقية الواقعة تحت الانتداب الفرنسي، عبرت عنها بصراحة الصحافة المحلية، وقد رفض المجلس التمثيلي اللبناني اقتراح بوانكاريه وطالب بجمعية تأسيسية منتخبة لإعداد هذا النظام.
إن الوثائق المحفوظة في الأرشيف الفرنسي تثبت أن مسألتي موافقة السلطات المحلية وإمتثال رغبات جميع السكان اللتين نصت عليهما المادة الأولى من صك الانتداب ظلتا في هذه المرحلة التمهيدية تثيران الشكوك والتساؤلات.
كانت السلطات الفرنسية تخشى إن هي استشارات الزعماء المحليين بشان تنظيم البلاد ان تجد نفسها أمام فيض من المطالب الوطنية المفرطة.
انتهت هذه المرحلة المتميزة بالريب والتردد في شهر تموز 1924 عندما أعد موظفو وزارة الخارجية الفرنسية مشروعًا موحدًا للنظام الأساسي يشمل لبنان الكبير والدول السورية الأربع: دمشق، حلب، دولة العلويين، دولة الدروز.
تضمن هذا النص المشترك 63 مادة موزعة على خمسة أبواب. خصص الأول منها للاحكام العامة. والثاني للدول السورية الأربع. والثالث لدولة لبنان الكبير. والرابع للمصالح المشتركة. والخامس للأحكام الانتقالية.
ذكر هذا المشروع بالحدود الجغرافية لكل دولة من الدول الخاضعة للانتداب الفرنسي وأعلن الأسس التي سيقوم عليها النظام السياسي وكذلك تلك التي ستوجه أعمال السلطات العامة وأوضح الصلاحيات التي ستحتفظ بها الدولة المنتدبة. ونص أخيرًا على قواعد جديدة لإدارة المصالح المشتركة.
كانت الدولة المنتدبة حتى هذا التاريخ تعتبر ان إعداد النظام الأساسي هو من صلاحياتها الحصرية وأنه لا يعقل أن تناقش مضمونه لا مع الشعوب الواقعة تحت الانتداب ولا حتى مع عصبة الأمم. يحق فقط لهذه الأخيرة أن تطلع عليه حين يصبح جاهزًا وذلك وفق ما ورد في المادة السابعة عشرة من صك الانتداب. إن هذا المفهوم للنظام الأساسي قد توسع في عرضه رئيس الوزراء الفرنسي ووزير الخارجية إدوار هريو (Herriot) في رسالة موجهة إلى المفوض السامي الجديد الجنرال سيراي في مطلع عام 1925. ركّز فيها على الفكرة القائلة بأن النظام الأساسي هو عمل تقوم به الدولة المنتدبة من جانب واحد. هو مرسوم تصدره بنفسها. اما استشارة السلطات المحلية بشأنه فتنحصر ببعض الوجهاء الذين عليهم أن يعبروا خطيًا عن رأيهم دون اية مناقشة.
إلى جانب ذلك، تعطي رسالة هريو المفوض السامي توجيهات عامة تتعلق بمستقبل الانتداب إذ تؤكد أن الهدف الجوهري لهذا النظام هو مساعدة السكان الأصليين حتى يبلغوا مرحلة الحكم الذاتي بعيدًا عن أية ممارسات ذات طابع استعماري. فيطلب بالتالي رئيس الوزراء من سيراي بألا يحل مع أجهزة الانتداب محل الحكومات السورية ومحل الحكومة اللبنانية، بل أن يكتفي بدور الموجه الصالح للسلطة الكافية والكلمة المسموعة.
تعكس إرشادات هريو هذه الروح الجديدة التي سادت في باريس على أثر وصول اتحاد اليسار إلى الحكم عام 1924. كما تعكس التوجيه الجديد الذي كانت الحكومة المنبثقة عن هذا الاتحاد تحاول أن تعطيه لنظام الانتداب.
أرفق هريو رسالته بمشروع للقانون الأساسي هو في الواقع النص الذي وضع في تموز 1924. بعد ان أدخلت عليه وزارة الخارجية بعض التعديلات. لكن المفوض السامي في بيروت ومعاونيه اعتبروا أن مشروع هريو والشروحات التي رافقته والتوجيهات الجديدة التي صدرت عن الحكومة الفرنسية تحد من صلاحيات سلطات الانتداب وتكبلها، مما يجعلها عاجزة عن القيام بالمهام الملقاة على عاتقها بموجب صك الانتداب وبالتالي عاجزة عن الإشراف على إدارة دول الشرق. لذا قرر كبار موظفي المفوضية العليا في بيروت، بالاتفاق مع سيراي، إعداد مشروع مضاد. وقد أعدوه فعلاً وأرسلوه إلى باريس في 22 آذار 1925، وتركوا فيه للمفوض السامي صلاحيات واسعة تخوله الحلول محل السلطات الوطنية كلما اعتبر أن هذه تقصر في الدفاع عن سلامة الأرض او أنها تسيء إلى المصلحة العامة، أو إلى المصالح المشترك.
اخذ موظفو وزارة الخارجية في باريس بعين الاعتبار هواجس سلطات الانتداب في بيروت فأدخلوا تعديلات على المشروع الأول، وأعدوا مشروعًا ثانيًا، قووا فيه صلاحيات المفوض السامي بشكل يسمح له بالاحتفاظ بزمام الأمور وباتخاذ كل الإجراءات التي يراها ضرورية كلما دعت الحاجة إلى ذلك.
في هذا الوقت كانت الصعوبات تتراكم أمام سيراي في دول الشرق. إن سياسته المعادية للإكليروس وتدخله غير المبرر في شؤون لبنان دفعا بالأحزاب وبالصحافة اليمينية في فرنسا إلى القيام بحملة ضده، انتقل على أثرها الصراع إلى حلبة البرلمان الفرنسي، حيث أثير موضوع سيراي في اكثر من مرة.
يضاف إلى ذلك ان المفوض السامي حاول أن يدخل تعديلات جذرية على قانون الانتخاب اللبناني وأن يلغي التوزيع الطائفي لمقاعد المجلس. فاصطدم بوزير الخارجية أرستيد بريان. فما كان من هذا الأخير إلا أن رفع عنه مسؤولية إعداد القانون الأساسي وأوكل هذه المهمة في حزيان 1925 إلى لجنة من الاختصاصيين الفرنسيين يرأسها النائب جوزف --- . درست هذه اللجنة مشاريع القانون الأساسي الثلاثة أي مشروع وزارة الخارجية الأول ومشروع سيراي ومشروع وزارة الخارجية الثاني المعدل.
إن العقبة التي واجهتها كانت مسألة مشاركة السلطات المحلية. إذ ظهر خلاف حاد بين أعضاء اللجنة حول مستوى هذه المشاركة وطبيعتها. وقد رأى روبير ديكاي أن الخبرة التي اكتسبتها الدولة المنتدبة تسمح بالقول إنها مطلعة على أماني السكان وأنه باستطاعتها بالتالي إعداد القانون الأساسي دون حاجة إلى استشارة هؤلاء. ثم إنه نبه إلى خطورة اللجوء إلى مثل هذه الاستشارة، لاسيما إذا اتت نتائجها متناقضة مع بعضها البعض او صبت كلها في اتجاه لا يمكن أن تقبل به الدولة المنتدبة.
اما بول بونكور فكان له رأي معاكس. وكان يطالب باستشارة شخصيات منتخبة لا شخصيات تختارها سلطات الانتداب.
في الاجتماع الثاني للجنة، في 10 تموز 1925 اقترح الأمين العام للمفوضية العليا فرشير دي ريفي (Verchère de Reffye) ان يقسم موضوع القانون الأساسي إلى شقين: كل ما ينظم العلاقة بين الدول المنتدبة والشعوب الواقعة تحت الانتداب أي بين الوصي والقاصر من جهة وقد اطلق على هذا الشق تسمية النظام الانتدابي، وكل ما ينظم الأوضاع الداخلية للبلاد من جهة ثانية وقد سمي الدستور الداخلي (la constitution interieure)أكد ريفي ان التشريعات المتعلقة بالشق الأول هي من صلاحيات الدول المنتدبة دون سواها، عليها فقط ان تتقيد بالملاحظات التي قد تبديها بشانها عصبة الأمم. أما التشريعات المتعلقة بالشق الثاني والتي سيستمر العمل بها حتى بعد زوال الانتداب فيمكن ان يشارك في وضعها ممثلو السكان. وكانت المفوضية العليا في بيروت قد اعدت لائحة بالشخصيات التي يمكن ان تستشار. وكان على هذه الشخصيات أن تبدي رأيها خطيًا في الموضوع. لم يرغب بول بونكور باقتراحات أعضاء اللجنة التي كان يرأسها، فعلق اجتماعاتها في 21 تموز 1925 وأخذ يرسل التقرير تلو الآخر إلى وزير الخارجية مصرًا على ان تشارك في وضع القانون الأساسي هيئات منتخبة لا شخصيات يختارها المفوض السامي. لكن موظفي وزارة الخارجية ترددوا في الأمر متأثرين بوجهة نظر روبيرت دي كاي وكان هذا يعتبر خبيرًا في شؤون الانتداب. أعد دي كاي في 8 أيلول 1925 تقريرًا على الموضوع جاء فيه "إن بلدًا واقعًا تحت الانتداب لا يمكنه قانونيًا أن يشارك في وضع نظامه الأساسي إذا اعتبرت بعض المجموعات الشرقية غير قادرة على حكم نفسها دون وصاية دولة منتدبة. فمن الحماقة بانها تستطيع أن تتخذ هي قرارات بشأن نظام الحكم الذي ستخضع له". يضيف دي كاي "إن موافقة السلطات المحلية التي نصت عليها المادة الأولى من الصك تعني فقط انه يحق لهذه السلطات في ظل نظام الانتداب أن تبدي وجهة نظرها في الموضوع لا أن تشارك في اتخاذ القرار".
إن ما كتبه دي كاي يظهر بوضوح أن الجدل قد اتخذ منحى قانونيًا بالإضافة إلى المنحى السياسي. إن مفهوم دي كاي للانتداب للقانون الأساسي هو الذي كان سائدًا في أوساط موظفي وزارة الخارجية في باريس وموظفي المفوضية العليا في بيروت. وكذلك في الأوساط الفرنسية في عصبة الأمم. وكان يقابله مفهوم آخر عبّر عنه بوضوح النائب بول بونكور الذي كان يصر على أن تطبق مبادئ الديمقراطية وألا يعد النظام الأساسي إلا بمشاركة المجالس المنتخبة في بلدان المشرق الخاضعة للانتداب الفرنسي.
في شهري أيلول وتشرين الأول 1925، ازداد ضغط بول - بونكور على الحكومة. إن الوثيقة التي تعبر بوضوح عن وجهة نظره هي الرسالة التي وجهها إلى وزير الخارجية بريان (Briand) في 2 تشرين الثاني والتي يؤكد فيها أن التأخر في تنظيم اوضاع لبنان وسوريا هو السبب الرئيس للثورة التي تشهدها سوريا. وأن أعمال اللجنة التي يرأسها لا يمكن أن تؤدي إلى نتيجة إيجابية ما لم يعاد النظر في تركيبة تلك اللجنة وفي نهجها وروحيتها. ثم كتب بول – بونكور ما حرفيته. "من الواضح جليًا أن هناك في الأساس سوء تفاهم جوهريًا. ليس المطلوب منا أن نحكم مستعمرة ولا أن ننشئ محمية. إن المطلوب هو أن ننظم الانتداب الذي أوكلت إلينا به عصبة الأمم. هذا الانتداب الذي نمارسه على شعوب هي بدون شك متخلفة ولكنها تنتمي إلى حضارات عريقة لا يمكن أن يكون إلا منفتحاً ومبنياً على استشارة حقيقية للسكان لا على الخداع.
لا شك أن الاقتراحات التي تقدم بها أمام اللجنة ممثلو وزاراتهم لا تتوافق ولا بشكل من الأشكال مع اماني الشعوب المعنية. علينا إذًا أن نضع حدًا لكل ذلك.
اقترح بول - بونكور في آخر رسالته أن يوكل بإعداد القانون الأساسي في كل دولة إلى لجنة تضم الزعماء الطبيعيين للسكان أو شخصيات منتخبة. اما الدول التي تملك مجلسًا تمثيليًا ومنها لبنان فيجب بحسب رأيه أن تنبثق اللجنة فيها عن هذا المجلس.
إن موقف بول - بونكور الحازم والضغط الذي شكلته الثورة السورية والانتقادات العلنية التي وجهت إلى الدولة المنتدبة عبر الصحافة اللبنانية والسورية أرغمت موظفي وزارة الخارجية في باريس على تليين موقفهم. فتبنى هؤلاء بشأن القانون الأساسي التمييز الذي كان قد اقترحه ريفي (Reffye) بين الشق الداخلي والشق المتعلق بتنظيم العلاقة بين المنتدب والدولة الواقعة تحت الانتداب. فقبلوا بأن يوكل بالأول إلى السلطات المحلية. هكذا انتصرت أفكار بول - بونكور.
أما الجنرال سيراي فبعد ان ازدادت النقمة عليه استدعته حكومته في أيلول 1925 معينة خلفًا له المدني هنري دو جوفنيل عضو مجلس الشيوخ.
إعداد الدستور اللبناني، المرحلة الأخيرة
قبل أن ينتقل إلى بيروت حاول المفوض السامي الجديد أن يعيد الحوار بين فرنسا والمعارضة السورية اللبنانية، فالتقى عددًا من أركان تلك المعارضة في باريس أولاً ثم في القاهرة ولم يصل إلى لبنان إلا في 2 كانون الأول 1925.
في اليوم التالي وبمناسبة عرض عسكري في ساحة البرج في بيروت ألقى دو جوفنيل كلمة أعلن فيها بجملة مقتضبة المبدأ الأساسي الذي ستقوم عليه سياسته إذ قال: "السلام لمن يريد السلام، والحرب لمن يريد الحرب".
وفي 4 كانون الأول زار المفوض السامي المجلس التمثيلي اللبناني، حيث صرح انه سيطلب من الحاكم ليون كايلا أن يدعو هذا المجلس إلى اجتماع استثنائي يوكل إليه خلاله إعداد دستور البلاد. بعد يومين من هذا التاريخ أبلغ دو جوفنيل حكومته أنه سيدعو أيضًا العلويين إلى إعداد دستورهم. في الواقع كان المفوض السامي يحاول أن يوطد مركز بلاده في المنطقة الساحلية حيث النفوذ الفرنسي لا يزال قويًا.
كان يرغب بالإضافة إلى ذلك في ان يثبت السوريين في المناطق الداخلية أن مصلحتهم تقتضي وقف القتال كي يستطيعوا هم أيضًا كاللبنانيين والعلويين بناء مؤسساتهم الديمقراطية.
اجتمع المجلس التمثيلي اللبناني في 10 كانون الأول وانتخب لجنة لإعداد الدستور مؤلفة من 12 عضوًا موزعين على الشكل التالي: اثنان من الأورثذكس وهما شبل دموس وبترو طراد، ثلاثة من الموارنة وهم جورج زوين، روكز أبو نادر، وجورج تابت، واثنان من السنة وهما عمر الداعوق وعبود عبد الرزاق، اثنان من الشيعة وهما صبحي حيدر ويوسف الزين، درزي واحد وهو الأمير فؤاد إرسلان الذي استقال لأسباب صحية فانتخب مكانه جميل تلحوق. وأخيرًا ممثل واحد عن الروم الكاثوليك وهو يوسف سالم، وممثل عن الأقليات وهو ميشال شيحا.
كان على اللجنة أن تعمل تحت إشراف رئيس المجلس التمثيلي موسى نمور لذا عرفت بلجنة 13.
في اليوم نفسه الذي انتخبت فيه لجنة الدستور في لبنان وجه دو جوفنيل نداء إلى السوريين جاء فيه:
"إني أخاطبكم كصديق لأقول لكم إن مصيركم هو بين أيديكم. اليوم في العاشر من كانون الأول يجتمع المجلس المنتخب من قبل إخوانكم في لبنان وقد طلبت منه ان يتداول في موضوع الدستور والنظام الأساسي. فلو كانت الدول السورية تتمتع بنعمة السلام التي يتمتع بها لبنان لجرى فيها ما يجري الآن في هذا البلد".
لم يستجب الثوار لهذا النداء بل كثفوا نشاطاتهم في سهل البقاع وعلى الحدود الجنوبية الشرقية للبنان. واستنفروا مؤيدي الوحدة السورية لكي يمنعوا الدولة المنتدبة من استعادة المبادرة في الميدانين العسكري والسياسي.
في هذه الأجواء قرر سنّة المدن الساحلية في لبنان الكبير عدم المشاركة في إعداد الدستور وطالبوا مجددًا بالانضمام إلى سوريا وأبلغوا قرارهم هذا إلى رئيس المجلس التمثيلي وإلى المفوض السامي. وهكذا فعل المجلس البلدي في بعلبك. فما كان من سلطات الانتداب إلا أن قامت بهجوم مضاد. أصدر الحاكم كايلا قرارًا حل بموجبه مجلس بلدية بعلبك ثم أتبعه بتعميم موجه إلى جميع موظفي دولة لبنان الكبير يحذرهم فيه من القيام بأي نشاط يهدد وحدة الوطن الذي هم في خدمته.
ولكي يضمن عدم انضمام الطائفة الشيعية إلى التيار الوحدوي اتخذ الفرنسيون بعض الإجراءات التي تصب في مصلحة تلك الطائفة، أهمها الاعتراف بالمذهب الجعفري وإنشاء محكمة تمييز جعفرية في بيروت بعد موافقة المجلس التمثيلي على ذلك.
في المناطق الداخلية من سوريا، باستثناء سنجقي دمشق وحوار، حيث كان الأمن مضطربًا، نظم الفرنسيون انتخابات عامة.
على الصعيد العسكري طلب دو جوفنيل إمدادات من حكومته مما سمح له بحصر الثورة في مناطق معينة، ثم إنه عمل على تحسين العلاقات مع تركيا ليمنع أي تواطؤ بين السوريين والكماليين. فوقع بالحروف الاولى مع حكومة انقرة في 18 شباط 1926 اتفاقية صداقة وحسن جوار.
في هذا الوقت كانت لجنة 13 في لبنان قد انكبت على العمل فقررت إطلاق استشارات واسعة تطال ممثلي الجمعيات الاقتصادية والمهن الحرة ورؤساء الطوائف الدينية والمسؤولين عن النقابات وأعضاء المجالس التمثيلية السابقة. فعهدت إلى لجنة مصغرة مؤلفة من خمسة أشخاص درس الصيغة التي يجب اعتمادها في الاستشارات. فعقدت هذه اول اجتماع لها في 16 كانون الأول برئاسة موسى نمّور، واعدت لائحة بالشخصيات التي ستستشيرها وقررت أن توجه إلى كل منها استمارة تتضمن اثني عشر سؤالاً يتعلق بنظام الحكم، بصلاحيات السلطات الثلاث، بتوزيع المقاعد النيابية، بقانون الانتخاب، ألخ...
حصلت اللجنة على 132 جوابًا، تكلف شبل دموس فرزها ووضع تقرير عنها.
إن الأفكار التي استخلصها هذا الأخير من هذه الاستشارات اعتمدت كأسس لأعداد مشروع الدستور.
عهد بهذه المهمة الى عضوين من اللجنة الخماسية. لقد استعان اللبنانيون في عملهم بعدد من الكتب الفرنسية التي تعالج موضوعي القانون الدستوري والأنظمة السياسية. كما استعانوا بنصوص بعض الدساتير كالبلجيكي والسويسري والاميركي والمصري.
لقد شارك عدد من موظفي الانتداب على مستويات مختلفة في أعمال اللجنة نذكر منهم: فرشاردي ريفي (Verchère Reffye) السكرتير العام للمفوضية العليا، و ليون كايلا حاكم لبنان الكبير، والكلونيل كاترو Catroux))، رئيس جهاز الإستخبارات، وليون سولومياك (Solomiac) رئيس مكتب المفوض السامي. لكن ممثل فرنسا الأساسي كان بول سوشييه (Souchier) وهو من مجلس شورى الدولة في فرنسا واختصاصي في القانون الدستوري وقد استدعاه دي جوفنيل خصيصًا من باريس للمساهمة في إعداد الدستور اللبناني. وقد أرسل إليه برقية جاء فيها: "أطلب منك أن تأتي في أقرب وقت ممكن. أجلب معك نصوص الدساتير التي تجدها وادرس بصورة خاصة الدستور الفدرالي السويسري".
حال وصوله إلى بيروت ألحق سوشييه كخبير باللجنة المكلفة وضع مشروع الدستور وقد قيّض لي ان التقي عام 1994 آخر فرنسي لا يزال على قيد الحياة من بين الذين شاركوا في إعداد الدستور اللبناني وهو المحامي جان – لويس أجول (Aujol) كان آنذاك من الملحقين بمكتب المفوض السامي. اكد لي أوجول ان جوفنيل كان يتابع عن كثب موضوع الدستور وقد حدث له اكثر من مرة ان أيقظ سوشييه من نومه حتى بعد منتصف الليل ليبحث معه في صيغة بعض المواد.
في الواقع لقد أرسل دو جوفنيل إلى الشرق في مهمة محددة وبصفته عضوًا في مجلس الشيوخ لم يكن يسمح له بالتغيب عن فرنسا أكثر من ستة أشهر. كان عليه إذًا أن يعود إلزاميًا إلى بلاده في آيار 1926 وكان يرغب في إحراز نجاح في موضوع الدستور قبل أن يحين هذا الموعد. هذا ما يفسر لنا مثابرته واستعجاله. اما اللبنانيون الذين لعبوا دورًا أساسيًا في إعداد الدستور فهم موسى نمّور وميشال شيحا و شبل دمّوس.
إن شيحا حسب شهادة أوجول، كان شديد التمسك بلبنانيته، لذا أصر بعناد على إعطاء الدستور صبغة وطنية.
إن البطريركية المارونية، نقلاً أيضًا عن أوجول كانت تتابع بصورة منتظمة مراحل عمل الدستور وقد حرصت على ألا يكون لأية مادة من مواد الدستور طابعاً إلحادي أو معاد لرجال الدين.
إن الوثائق المحفوظة في أرشيف بكركي والمتعلقة بالقانون الأساسي تظهر بوضوح ان قادة الكنيسة المارونية قد ركزوا في مراسلاتهم مع المفوض السامي ومع لجنة بونكور ومع لجنة 13 على وحدة الوطن وعلى أن يكون الحاكم من التباعية اللبنانية وعلى تثبيت التوزيع الطائفي لمقاعد المجلس النيابي وعلى الإبقاء على قوانين الأحوال الشخصية المذهبية وعلى المحافظة على حرية التعليم وعلى الدفاع عن التعليم الديني.
بينما كان اللبنانيون منكبين على العمل في دستورهم كانت الدوائر المختصة في وزارة الخارجية الفرنسية تعمل على وضع الشطر الأول من القانون الأساسي المسمى بالنظام الانتدابي وهو الذي ينظم العلاقة بين الدول المنتدبة والدول الواقعة تحت الانتداب.
بعد أن أنهت اللجنة المصغرة مشروع الدستور بمشاركة الخبير الفرنسي سوشييه ناقشت لجنة الـ13 النص وأدخلت عليه بعض التعديلات ثم أرسل هذا النص إلى باريس وقد اقترح دو جوفنيل على وزارة الخارجية ان يرافق إعلان الدساتير في كل من لبنان ودولة العلويين وسنجق الاسكندرون ذي الحكم الذاتي، توقيع معاهدات مع هذه الدول تحدد فيها علاقاتها مع فرنسا لكن بريان نصح المفوض السامي بالتريث مؤكدًا أن المعاهدات سيكون لها انعكاسات عديدة لاسيما من الناحية القانونية وأنها بالتالي تتطلب مزيدًا من الدرس والتعمق.
في 12 أيار أرسل بريان ملاحظاته على مشروع الدستور وقد تناولت بصورة أساسية المواد 96 إلى 100 المدرجة في الباب الخامس والمتعلقة بعصبة الأمم وبالدولة المنتدبة.
اقترح ان تحفظ هذه المواد وأن يستعاض عنها بإعلان يصدر عن كل حكومة من الحكومات المعنية تتعهد فيه بالإعتراف بالدول الأخرى وباللجوء إلى تحكيم الدولة المنتدبة عند وقوع أي خلاف بينها وتتعهد أيضًا بالقبول بالصلاحيات التي سيحتفظ بها المنتدب داخل كل دولة والإقرار بحقه المطلق في إدارة العلاقات الخارجية.
عدلت بعد ذلك بعض المواد طبقًا لملاحظات بريان ثم أصدر الحاكم كايلا قرارًا دعا فيه المجلس التمثيلي إلى جلسة استثنائية لمناقشة الدستور. افتتحت هذه الجلسة في 19 آيار وقد تمثلت الدولة المنتدبة بكل من سوشييه وسلومياك (Souchier et SlomiaC) بعد ان عرض دمّوس نتائج الاستشارات تكلم سوشييه طالبًا من المجلس الإسراع بدرس بنود الدستور وإقرارها لأن المفوض السامي ينوي مغادرة لبنان إلى باريس وأنه يرغب في إعلان الدستور قبل سفره. ثم أعرب عن امله في أن يتوصل إلى التفاهم مع أعضاء المجلس كما فعل من قبل مع لجنة 13.
وأخيرًا لخص سوشييه الصلاحيات التي ينوي المفوض السامي الاحتفاظ بها وهي تتعلق باستعمال قوات الجندرما والبوليس وبحل المجلس وبتنحية رئيس الجمهورية وبالعلاقات الخارجية.
بعد هذه المقدمة بدأت مناقشة الدستور مادة مادة وقد تغيب ميشال شيحا بسبب خلاف حاد كان قد وقع بينه وبين جوفنيل فدافع دمّوس وسوشييه بجرأة عن الدستور.
وبعد قراءة المادة الأولى المتعلقة بالحدود والاستقلال طالب الكلام النائب عمر الداعوق فتلا بياناً باسمه وباسم أربعة من زملائه هم عمر بيهم، نائب بيروت السني، وخير الديت عدرا، نائب طرابلس السني، وخالد شهاب، نائب لبنان الجنوبي السني، وصبحي حيدر نائب البقاع الشيعي يحتج فيه الخمسة على الباب الأول من الدستور وعلى إلحاق المناطق التي يمثلون بجبل لبنان، ويطالبون بإعادة فصلها وبإعطائها استقلالاً ذاتيًا على أن تشكل لاحقًا اتحادًا مع لبنان بحدوده السابقة ومع سوريا.
ثم تكلم صبحي حيدر وأضاف إلى الاحتجاج السابق ما حرفيته: "على أنه تحاشيًا للأضرار التي قد تلحق بأهالي البلاد الملحقة وريثما نتخلص من هذا الإلحاق فإننا ندخل بالبحث في هذا الدستور محتفظين باحتجاجاتنا".
بعد هذه المداخلات بدأت المناقشة الجدية.
إن دمّوس وسوشييه دافعا بشجاعة عن الدستور الذي شاركا في وضعه.
إن الأحكام المتعلقة بالانتداب كانت مدرجة كما ذكرنا في الباب الخامس. ولكن في جلسة 22 آيار الثانية أعلن سوشييه ان هذه الأحكام قد ألغيت ووزعت على أعضاء المجلس نصًا جديدًا يبدأ بالمادة 90 وقد جاء فيها:
"إن السلطات المقررة بمقتضى هذا الدستور يعمل بها مع الاحتفاظ بما للدولة المنتدبة من الحقوق والواجبات الناتجة عن المادة 22 من عهد جمعية الامم وعن صك الانتداب.
إن الصلاحيات التي احتفظت بها الدولة المنتدبة بموجب المادة 90 فصّلها سوشييه في بيان قرأه بعد ان أنهى المجلس مناقشة الدستور فأعلن سوشييه آنذاك ما حرفيته:
"سيتلى عليكم بالعربية نص الصلاحيات التي تحتفظ بها الدولة المنتدبة. سأطلب منكم ان تصغوا إليه بانتباه. أنا لا أطلب منكم ان تصادقوا عليها أو أن تناقشوها وتصوتوا عليها كما ناقشتم بنود دستوركم وصوتم عليها. إني أطلب منكم فقط ان تأخذوا علمًا به. قد انتدبني حضرة المفوض السامي لأشترك معكم في إعداد دستوركم ولكي تضعوا أنتم هذا الدستور بالاتفاق مع الدولة المنتدبة. اما الآن وقد وصلتم في عملكم إلى مرحلة النهاية فقد حان الوقت كي أبلغكم التحفظات التي ترى الدولة المنتدبة انه من واجبها القيام بها. أطلب منكم أن تقولوا لي إذا كنتم توافقون على هذه النقاط كما سبق لي وأبلغتكم أننا متفقون معكم على مواد دستوركم.
بعد هذا التصريح قرئ نص التحفظات وهو يتضمن أربع مواد. تتعلق الأولى بحق الرقابة الذي ستمارسه الدولة المنتدبة بواسطة مستشارين فرنسيين يوزعون على الإدارات العامة ويتلقون اجورهم من الخزينة اللبنانية. تضع المادة الثانية تحت تصرف المفوض السامي قوى الأمن الداخلي وتعترف بسلطته المطلقة على القوى المسلحة الفرنسية التي تحتاج إليها الدولة المنتدبة لتطبيق الانتداب وللدفاع عن الحدود ولوضع القانون الأساسي موضع التنفيذ. تخول المادة الثالثة المفوض السامي استعمال حق الفيتو أو النقض ضد القوانين والقرارت التي يعتبرها مضرة بالانتداب وبمصلحة لبنان ومناقضة للالتزامات الدولية. وقد أخضعت المادة نفسها حل المجلس وعزل رئيس الجمهورية لموافقة المفوض السامي. اما المادة الرابعة والاخيرة فقد نصت على أن العلاقات الخارجية وقبول اوراق اعتماد السفراء الأجانب هي حصرًا من صلاحيات الدولة المنتدبة.
بعد ذلك صوت المجلس بالإجماع على نص الدستور المعدل ورفعت الجلسة في تمام الساعة الواحدة والنصف من صباح 23 آيار.
في اليوم نفسه زار جوفنيل مقر المجلس التمثيلي حيث وضع الدستور موضع التنفيذ وأعلن ولادة الجمهورية اللبنانية في 25 آيار طبقًا لما ورد في المادة 98 من الدستور. عين المفوض السامي أعضاء مجلس الشيوخ الستة عشر وفي 26 آيار اجتمع المجلسان وانتخبا شارل دباس أول رئيس للجمهورية اللبنانية.
نشر نص الدستور في الجريدة الرسمية في 12 تشرين الأول 1926. كما نشر كملحق في التقرير الذي أرسلته الدولة المنتدبة إلى عصبة الأمم عن عام 1926. ثم اعادت نشرة عصبة الامم معدلاً،عام 1930، مع النصوص الدستورية الأخرى المتعلقة بالدول المشرقية الواقعة تحت الانتداب الفرنسي. وهذه النصوص هي الدستور السوري، النظام الأساسي لسنجق الإسكندرون، النظام الأساسي لدولة العلويين، النظام الأساسي لدولة جبل الدورز، والنظام الأساسي لمجلس المصالح المشتركة.
غادر جوفنيل لبنان إلى فرنسا حاملاً معه نص الدستور اللبناني وذلك في 27 آيار 1926 على الباخرة نفسها (Le sphinx)التي أقلته من مرسيليا إلى بيروت قبل ستة أشهر من هذا التاريخ.
نستخلص من هذه الدراسة أن نص الدستور اللبناني هو نتيجة عمل جماعي قام به اللبنانيون بمشاركة الفرنسيين. وقد أبرزت الاستشارات الواسعة التي نظمها المجلس التمثيلي والتي لخصها دموس في تقريره الخيارات الأساسية للفعاليات الوطنية. بعد ذلك تعاون على إعداد مشروع الدستور كل من شيحا ودموس والخبير سوشييه وذلك تحت رقابة موسى نمور وتحت إشراف لجنة 13 التي لم تتردد في فرض التعديلات التي رأتها ضرورية.
اما اللمسات الأخيرة فوضعها المجلس التمثيلي نفسه خلال الجلسات التي عقدها بين 19 و 23 أيار 1926 والتي كرسها جميعها لدرس ومناقشة المواد مادة مادة.
ملفات اختيار الجنسية
مقدمة
حقوق ذوي الجذور اللبنانية المنتشرين في العالم عادت إلى الواجهة مجددًا من خلال ملف معاملات اختيار الجنسية الذي طفا على سطح التجاذب السياسي مؤخرًا.
هذا الملف يعود في الأصل إلى ستينيات القرن الماضي، يوم بدأت تتدفق طلبات أودعتها مختلف السفارات والقنصليات اللبنانية وزارة الخارجية والمغتربين حيث تكدست بالألوف وتجمدت.
إلى قدمه، لا بل ترهله، كان يعكس هذا الملف، بعدم إنجازه، مختلف التناقضات التي يتخبط فيها الواقع السياسي اللبناني من جهة، والدرك الذي وصل إليه الفساد المستشري في الإدارة، والإهمال المجحف الذي يطال اللبنانيين المقيمين كما المنتشرين على السواء.
عشرات السنوات توالت والمسألة مجمدة لا روح فيها ولا جديد.
والحقيقة تقال، لو لم يأخذ النائب إدوار حنين المبادرة ويلتزم بالقضية ويثبت في متابعتها، ويبادر إلى ملاحقة هذه المسألة حتى النهاية، لما كانت المسألة خرجت من إطارها المجمد إلى تنشق الهواء النقي في بيروت.
التعاطي مع حقوق اللبنانيين المنتشرين في العالم بخفة واستهتار هو نوع من أنواع الهدر بالثروات الوطنية وجريمة بحق عملقة الوطن وطعن في صميم مبادئ العدالة والمساواة وحقوق الإنسان.
حمل النائب إدوار حنين لواء هذه القضية منذ اللحظة الأولى لاكتشافه لها، أي قبل أن يدخل البرلمان وقبل أية دعاية انتخابية أو غاية شخصية. والدافع له لم يكن يومًا تحقيق مكسب سياسي، بل العكس تمامًا، إذ حاول أن يخرج هذا الملف من دوامة التجاذبات السياسية ويحرره من عنكبوت الفساد الإداري.
والدافع أيضًا لم يكن مصلحة مسيحية بحتة أو مارونية تحديدًا، بل الدافع هو مبدئي بالكامل له علاقة بحقوق الإنسان وكرامة الوطن الذي يحتضن أبناءه ويرعى مصالحهم.
عندما راجع منذ البداية بالموضوع، لم يبحث في حناياه عن هوية طالبي الجنسية أو طائفتهم أو انتمائهم المذهبي والجغرافي. فالاطلاع على أسماء هؤلاء مسألة مستحيلة، كانت ولا تزال أمرًا غير ممكن لدى كلتا الوزارتين الخارجية والداخلية، حيث ترقد هذه الملفات منذ عقود.
استفاد إدوار حنين من موقعه كي يضيء على القضية إعلاميًا في البداية وإداريًا في وقت لاحق، حيث تناول الملف إضاءة وشرحًا في الوسائل الإعلامية كافة من مكتوبة ومسموعة ومرئية، ثم تقدّم بالمراجعات إلى وزارتي الخارجية والداخلية مستفسرًا لدى الدوائر المختصة عن مصير هذه الملفات.
وعندما لم يتلق جوابًا شافيًا للموضوع، ولم يلحظ أي تحرك من جانب المرجعيات المسؤولة يصب في خانة إنجاز هذه المعاملات، نظّم هجومًا جديدًا مستفيدًا هذه المرة من ثقة الناس به ونجاحه في الانتخابات النيابية ودخوله البرلمان اللبناني، مجيّرًا موقعه الجديد لخدمة هذه القضية المحقة.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: هو لم يستثمر قضية معاملات اختيار الجنسية بهدف فوزه في الانتخابات النيابية، بل على العكس جيّر فوزه في الانتخابات النيابية لإعطاء القضية العالقة دفعًا جديدًا وزخمًا كبيرًا وبعدًا وطنيًا شاملاً.
وهي خطوة لم يسبق لأي نائب في البرلمان أن خطاها منذ الستينيات وحتى اليوم.
فدعم المغتربين على منبر البرلمان لم يتخط قبل ذلك إطاره الخطابي الرنان.
لأول مرّة يقف نائب يحمل لواء هذه المسألة ويتابعها حتى النهاية ويوصلها إلى ميناء النجاح.
الجنسية اللبنانية ومعاهدة لوزان
بفعل وقوع لبنان في ظل السلطة العثمانية اعتبر جزءًا من الدولة العثمانية واعتبر سكانه رعايا عثمانيين.
في 19 كانون الثاني 1869، صدر قانون الجنسية العثماني وفي 30 آب 1924 تم توقيع معاهدة لوزان أصبح بموجبها لبنانيًا كل من كان من أصل عثماني ومقيمًا بتاريخ 30 آب 1924 على الأراضي اللبنانية.
تم توقيع معاهدة لوزان في 24 تموز 1923، كرست هذه المعاهدة واقع تجزئة الإمبراطورية العثمانية وصاغت قواعد جنسية العثمانيين الذين انسلخت أراضيهم عن الامبراطورية العثمانية.
بدأ العمل بهذه المعاهدة في 30 آب 1924، فتكرّس رسميًا وضع لبنان تحت انتداب فرنسا.
في هذا التاريخ أصدر المفوض السامي الفرنسي في لبنان قرارًا تشريعيًا حمل الرقم 2825 يعلن بموجبه تطبيق أحكام معاهدة لوزان المتعلقة بالجنسية.
هذه المعاهدة وهذا القرار الصادر عن المفوض السامي تناولا جنسية كل من كان بتاريخ 30 آب 1924 وقبله من التابعية العثمانية، ووفق الدكتور بدوي أبو ديب في كتابه "الجنسية اللبنانية"، هم يتوزعون ثلاث فئات:
الفئة الاولى الذين كانوا بتاريخ 30 آب 1924 مقيمين على أرض منسلخة عن تركيا.
الفئة الثانية هم الذين تضم الذين هم من أهالي أرض انسلخت عن تركيا وكانوا بتاريخ 30 آب 1924 في الخارج وقد تجاوزا الثامنة عشرة من عمرهم.
أما الفئة الثالثة فهي تضم النساء المتزوجات والاولاد الذين تقل أعمارهم عن الثماني عشرة سنة.
ويلفت الدكتور أبو ديب إلى أن أحكام معاهدة لوزان والقرار رقم 2825 المتخذ تنفيذًا لها لا يسمحان بإجراء أي تمييز بين اللبناني الأصل وسائر العثمانيين من حيث التابعية العثمانية قبل 30 آب 1924.
كما ينبه إلى أن الإقامة على الأراضي العثمانية لا تثبت وحدها الجنسية العثمانية بل يجب أن تعزز بالولادة في الأراضي العثمانية.
قبل إعلان دولة لبنان الكبير كان "جبل لبنان يتمتع في ظل السلطة العثمانية بنوع من الاستقلال الإداري بفضل امتيازات لم تكن لسواه من الولايات العثمانية"
(1) أنور الخطيب – الأحوال الشخصية – صـ 183.
كما أنه امتلك أيضًا وضعًا سياسيًا دوليًا خاصًا تولّد عبر الأجيال.
(2) Emile Tyan. Op. cite. P.380 (note 1)
رغم هذه الخاصيتين، يرى الدكتور بدوي أبو ديب أن جبل لبنان اعتبر جزءًا من الدولة العثمانية... وأن سكانه اعتبروا من الرعايا العثمانيين... لكن الدول العظمى "لم تكن تسمح لتركيا بسن تشريعات تتعلق بالجنسية"(3)، إلا بعد أن تأكدت انسجام أحكام قانون الجنسية العثمانية "مع المبادئ المعمول بها في الدول الاوروبية".(4)
وفي إطار هذه الحوافز صدر قانون الجنسية العثمانية في 19 كانون الثاني 1969.
(3) صـ 53.
(4) صـ 53.
خضع اللبنانيون منذ هذا التاريخ لأحكام قانون الجنسية العثمانية إلى أن حررتهم معاهدة لوزان، فسلخت عنهم هذه الجنسية واعترفت بالجنسية اللبنانية، فصار بموجب هذه المعاهدة لبنانيًا "كل من كان من أصل عثماني ومقيمًا بتاريخ 30 آب سنة 1924 على الأراضي اللبنانية".(5)
(5) صـ53.
المرحلة الانتقالية من التبعية التركية إلى معاهدة لوزان
أدى اندلاع الحرب العالمية الأولى إلى وقوع لبنان في أواخر سنة 1918 في قبضة الحلفاء.
في أول أيلول سنة 1920 أعلن الجنرال غورو استقلال لبنان الكبير.
برزت نتيجة هذا التحوّل السياسي معضلة شديدة الاهمية يفصّلها الدكتور بدوي أبو ديب بالقول:
"لا خلاف بأن لبنان في هذه الفترة كان معتبرًا من أراضي العدو المحتلة، أي عثمانيًا. وكان اللبنانيون بالتالي من الجنسية العثمانية...
ولكن نشأ الخلاف حول معرفة ما إذا كان سكان لبنان قد فقدوا الجنسية العثمانية وأصبحوا لبنانيين في الفترة الواقعة بين أول أيلول سنة 1920 تاريخ إعلان لبنان الكبير وبين تاريخ العمل بمعاهدة لوزان في 30 آب سنة 1924، التي أبرزت الجنسية اللبنانية إلى حيّز الوجود القانوني، أم أنهم ظلّوا في الفترة المذكورة معتبرين من الجنسية العثمانية".
في 10 آذار سنة 1922، أصدر المفوض السامي الفرنسي قرارًا جاء فيه "ريثما يصدر قرار يتعلق بالجنسية اللبنانية، يعتبر لبنانيًا كل من قيد بهذه الصفة في سجلات الإحصاء".
(6) صـ 63
الجنسية اللبنانية وليدة معاهدة لوزان
لم تظهر الجنسية اللبنانية إلى حيّز الوجود القانوني إلا بمعاهدة لوزان الموقعة بتاريخ 30 آب سنة 1924.
نصت المادة 30 من معاهدة لوزان على ما يلي:
" إن الرعايا الأتراك المقيمين في الأراضي التي سلخت عن تركيا بموجب هذه المعاهدة يصبحون حكمّا، وبحسب أحكام التشريع المحلي من رعايا الدولة التي انتقلت سيادة البلاد إليها" صـ 62.
يتبين من مضمون هذه المادة أن السكان المقيمين في سوريا ولبنان حتى ذلك التاريخ والمنسلخين عن تركيا، اعتبروا من "الرعايا الأتراك" أي من التابعية العثمانية.
"لم يكن لسكان لبنان الكبير في فترة الاحتلال، وقبل وضع معاهدة لوزان موضع التنفيذ بتاريخ 30 آب سنة 1924، جنسية قانونية غير الجنسية العثمانية".
ونشير إلى أن سكان لبنان لم يفقدوا "تابعيتهم التركية إلا من تاريخ 30 آب سنة 1924، وهو تاريخ العمل بمعاهدة لوزان المكرسة بالقرار 2825 الذي صدر عن المفوض السامي الفرنسي بالتاريخ عينه الذي وضعت فيه المعاهدة المذكورة موضع التنفيذ، وقد نصت المادة الاولى منه على ما يلي:
" كل من كان من التابعية التركية مقيمًا في أراضي لبنان الكبير في تاريخ 30 آب سنة 1924 أثبت حكمًا في التابعية اللبنانية وعد من الآن فصاعدًا فاقدًا التابعية التركية" صـ 63.
نصت معاهدة لوزان في مادتها 34 على ما يلي:
"إن الرعايا الأتراك الذين تجاوزوا الثامنة عشرة من عمرهم والذين هم من أهالي أرض انسلخت عن تركيا بموجب هذه المعاهدة، والذين يكونون، وقت دخولها في طور التنفيذ، مقيمين في الخارج، لهم أن يختاروا جنسية الأرض التي تأصلوا منها إذا كانوا من عنصر أكثرية سكان هذه الأرض، وذلك بشرط موافقة حكومتها. ويجب ممارسة هذا الخيار بخلال سنتين من تاريخ صيرورة هذه المعاهدة نافذة".
وإنفاذًا لهذه المادة، نصت المادة الخامسة من القرار 2825 على ما يلي:
"إن أبناء التبعة التركية الذين يتجاوز عمرهم ثماني عشرة سنة، والذين أصلهم من أراضي لبنان الكبير وقد وجدوا بتاريخ 30 آب سنة 1924 مقيمين خارج الأراضي المذكورة أو خارج أراضي تركيا، يحق لهم أن يختاروا التبعة اللبنانية إذا كان أصلهم يتصل بأصل أكثرية أهالي لبنان الكبير. ويجب أن يستعمل حق الاختيار هذا في مدة سنتين تبتدئ من تاريخ 30 آب سنة 1924 وأن يكون ذلك لدى ممثلي الحكومة المنتدبة السياسيين وقناصلها أما في الأراضي الخاضعة للسيادة الفرنسية فيكون ذلك لدى السلطات الإدارية المعنية لهذا الغرض من قبل الحكومة الفرنسية وهذا الاختيار يؤدي إلى اكتساب التابعية اللبنانية إذا قبلت ذلك الحكومة المنتدبة المشار إليها".
وردت في متن هذا النص كلمة "أصل" وباللغة الفرنسية race وقد توقف أمامها الدكتور أبو ديب ليوضح أن معاهدة لوزان اعتبرت تركيا "مركبة من شعوب مختلفة وأن الأراضي المنسلخة عنها تؤلف وحدات جغرافية وعرقية وهذه الوحدات تقابلها الدول التي أحدثتها المعاهدة كلبنان وسوريا وفلسطين والعراق وشرقي الأردن والعربية السعودية".
هذه النظرية عينها كان قد تبناها G. Chamas في أبحاثه.
استنادًا إلى هذه المفهوم، أوضح الدكتور أبو ديب أن "العثمانيين الذين هم من أصل لبناني وكانوا بتاريخ 30 آب سنة 1924 خارج الأراضي المنسلخة عن الإمبراطورية العثمانية أو خارج أراضي تركيا – وهم المغتربون اللبنانيون – يكتسبون الجنسية اللبنانية بشرطين:
الأول : اختيار الجنسية اللبنانية بخلال مدة سنتين ابتداءً من 30 آب سنة 1924.
والثاني: موافقة الحكومة المنتدبة.
فيما يتعلّق بالشرط الأول أي الاختيار، لم يُكتفَ بمدة السنتين، بل تم لاحقًا تمديد مهلة الاختيار الممنوحة للمغتربين من اجل اكتسابهم الجنسية اللبنانية، ولمرات عدّة.
مددت مهلة الاختيار مرة أولى، ولسنة إضافية، بتاريخ 27 تشرين الأول 1032، بموجب الاتفاق المعقود بين تركيا وسلطة الانتداب، سنة جديدة تبدأ في 29 آيار 1937، حسب البند الثاني من الكتابين المتبادلين بين سفير فرنسا في تركيا ووزير خارجية تركيا. وهذا نصه:
"إن الأشخاص الذين أصلهم من سوريا أو لبنان وكانوا مقيمين في البلاد الأجنبية بتاريخ 30 آب سنة 1924 فأهملوا في المهلة المعينة في المادة 34 من معاهدة لوزان اختيار الجنسية المقررة لبلادهم الأصلية يمكنهم ممارسة حق الاختيار في مهلة سنة واحدة اعتبارًا من يوم تقرير هذه الأحكام".
التمديد الثاني لمهلة الاختيار للمغتربين جاء في 7 كانون الأول سنة 1946، بموجب كتابين تبادلهما سفير تركيا في لبنان ووزير الخارجية اللبنانية بالوكالة. وقد نص البند الأول من الاتفاق المكرّس بالكتابين المشار إليهما على ما يلي:
"إن الأشخاص الذين هم من أصل لبناني، الذين كانوا مقيمين في الخارج بتاريخ 30 آب سنة 1924، وأغفلوا خلال المهل المحددة بالمادة 34 من معاهدة لوزان أو الفقرة 2 من الكتابين المتبادلين بتاريخ 29 آيار سنة 1937، بين السيد نعمان منجمي اوغلو وسعادة السيد هنري بونسو، اختيار الجنسية الراهنة في بلدهم الأصلي، يستطيعون أن يمارسوا حق الاختيار هذا خلال مهلة سنتين تبدأ من تاريخ إنفاذ أحكام هذا الكتاب".
صار العمل بالاتفاق المذكور ابتداءً من 29 أيلول سنة 1952.
كذلك مددت المهلة سنتين جديدتين بصورة آلية بموجب كتابين متبادلين بين الحكومة اللبنانية والحكومة التركية كما حصل في الاتفاق السابق.
ومددت المهلة مرة أخيرة بتاريخ 8 كانون الثاني سنة 1956، حيث جرى تبادل كتابين بالمعنى عينه بين رئيس وزراء لبنان وسفير تركيا في لبنان، على أن تبدأ المهلة الجديدة في التاسع والعشرين من شهر أيلول سنة 1956.
بعد هذا التاريخ الأخير "لم يحدث أي اتفاق جديد بشأن تمديد مهلة الاختيار".
وحول احتساب مهلة الاختيار نوضح أنه يتم "من تاريخ ابتدائها إلى التاريخ الذي يقابلها في السنة التالية. فمهلة السنتين الممنوحة بالمادة 3 من القرار رقم 2825 تبدأ في 30 آب 1924 وتنتهي في 30 آب سنة 1926".
أما الاختيار فنلفت إلى جواز أن يكون إما صريحًا وإما ضمنيًا.
ومن الأمثلة على الاختيار الضمني يورد ما يلي:
"اللبناني الأصل الذي يستقر في لبنان نهائيًا قبل انقضاء مدة السنتين المنصوص عليها في معاهدة لوزان، يعتبر بهذا الاستقرار النهائي مختارًا الجنسية اللبنانية".
إن حق اختيار الجنسية اللبنانية أعطي للمغتربين "دون شرط نقل مسكنهم إلى الأراضي اللبنانية، بخلاف ما نصت عليه المادة 33 من معاهدة لوزان والمادة 3 من القرار رقم 2825، بخصوص الأشخاص الذين وجدوا بتاريخ 30 آب سنة 1924 في ارض منسلخة عن تركيا".
كذلك "في إطار تطبيق أحكام معاهدة لوزان والقرارات المنبثقة عنها، لا يجوز الجمع بين جنسية دولتين متفرعتين عن الدولة العثمانية، لبنان وسوريا، وبالتالي لا يصح أن يكون الشخص نفسه لبنانيًا وسوريًا في الوقت عينه استنادًا إلى أحكام المعاهدة المذكورة".
إن لاختيار الجنسية اللبنانية خلال السنتين "مفعولاً إعلانيًا"، وبالتالي من يختار الجنسية يعتبر لبنانيًا منذ تاريخ 30 آب 1924.
إن المهاجرين الذين اختاروا الجنسية اللبنانية "بموجب بيانات اختيار قدمت للمعتمدين الدبلوماسيين والقنصليين قبل 28 أيلول 1958 والتي صدرت قرارات في شأنها بالإيجاب عن المعتمدين المذكورين" يعتبرون حكمًا لبنانيين "وينبغي قيدهم في السجلات اللبنانية"، وإن الإدارة لا يحق لها "التذرع بحقها الاستنسابي بقبول أو رفض تسجيل أصحاب العلاقة الذين شملهم هذا القانون".
الموافقة على الاختيار
هذه الموافقة نابعة من كون الدولة لها الحق في إعطاء الجنسية لمن ينتمي إليها. هذا الحق ليس مطلقًا. في حال توفر الشروط القانونية التي وضعتها الدولة لمنح احد الأفراد جنسيتها "فإنها ملزمة بالتقيد بهذه الشروط التي خرجت بمقتضى القانون عن سلطتها". وفي حال رفضت الدولة إعطاء الجنسية إلى من تتوفر فيه الشروط التي تؤهله لاكتسابها، وهو ما اعتبره "تجاوزًا للسلطان"، يحق لمن اختار الجنسية اللبنانية وهو خارج الأراضي العثمانية بتاريخ 30 آب سنة 1924، "مقاضاة الدولة".
المغتربون الذين أهملوا اختيار الجنسية اللبنانية في المهل التي حددتها الاتفاقات الدولية المتتالية، يستمرون عثمانيين، كما يؤكد أبو ديب.
عالج القانون اللبناني وضع المغتربين الذين أهملوا اختيار الجنسية اللبنانية في المهل المذكورة والذين سبق لهم ان تجنسوا بجنسية البلاد التي كانوا بتاريخ 30 آب سنة 1924 مقيمين فيها، وقد وزّعهم إلى فئتين:
- المغتربون الذين كانوا بتاريخ 30 آب سنة 1924، مقيمين في الولايات المتحدة الأميركية.
- المغتربون الذين كانوا مقيمين بتاريخ 30 آب سنة 1924 في ديار الاغتراب الأخرى.
الفئة الأولى
بالنسبة للفئة الأولى أي الذين هم مقيمون في الولايات المتحدة الأميركية، فقد تم توقيع اتفاق بين الجنرال غورو المفوض السامي الفرنسي على سوريا ولبنان، وبين نابنشو قنصل الولايات المتحدة الأميركية، في 15 تشرين الأول سنة 1921، أوجبت مادته الأولى على المغترب اللبناني الأصل الإقامة في الولايات المتحدة مدة خمس سنوات متتالية ليحق له اكتساب الجنسية الأميركية. والمغترب اللبناني المكتسب الجنسية الأميركية يفقدها في حال قرر الإقامة مدة سنتين متتاليتين في لبنان.
إن القرار بإسقاط الجنسية الأميركية عن المغترب اللبناني الذي هجر الولايات المتحدة الأميركية وأقام سنتين في لبنان، يحتمل استثناءً.
فللولايات المتحدة الأميركية حق تقدير سقوط مفعول الحماية أو عدمه.
لا يمكن القول بأن اللبناني الأصل الذي يحمل الجنسية الأميركية، يصبح حكمًا لبنانيًا إذا عاد إلى لبنان وأقام فيه مدة سنتين.
هذه الإقامة تشكل قرينة على فقده مفعول الحماية الأميركية ليس إلا.
ومن أجل أن يكتسب الجنسية اللبنانية على الاميركي ذي الأصل اللبناني أن يقدم طلبًا للسلطة المختصة يثبت فيه أصله اللبناني وجنسيته الأميركية وإقامته مدّة سنتين في لبنان، فيحال الطلب إلى الحكومة الأميركية بواسطة سفارتها في لبنان لبيان ما إذا كانت هذه ظروف خاصة وحاسمة تحول دون اعتبار إقامة السنتين مسقطة لمفعول الحماية".
هذه الأحكام تطبق على اللبناني الذي هاجر إلى أميركا من لبنان قبل 30 آب سنة 1924، أما الذي ترك لبنان بعد هذا التاريخ وأقام في الولايات المتحدة مدّة خمس سنوات واكتسب بحكم هذه الإقامة الجنسية الاميركية، فلا يعد بنظر القانون اللبناني أميركيًا لأنه يعتبر بموجب معاهدة لوزان والقرار 2825 لبنانيًا نتيجة لإقامته على الأراضي اللبنانية بالتاريخ المذكور.
ومن يمتلك الجنسية اللبنانية لا يمكن أن يفقدها إلا بترخيص مسبق من رئيس الدولة.
الفئة الثانية
تشمل هذه الفئة اللبنانيي الأصل الذين كانوا بتاريخ 30 آب سنة 1924 في ديار الاغتراب التي لم يشملها اتفاق غورو-نابنشو.
وهنا نميز بين حالتين
الحالة الأول هي اكتساب المهاجرين جنسية البلاد التي هاجروا إليها قبل العمل بقانون الجنسية العثماني الصادر في 19 كانون الثاني سنة 1869.
يعتبر هؤلاء فاقدي الجنسية العثمانية.
مع العلم أن المغتربين الذين تركوا لبنان قبل سنة 1869 قد انقرضوا.
الحالة الثانية هي اكتساب المهاجرين جنسية البلاد التي هاجروا إليها بعد العمل بقانون الجنسية العثماني الصادر في 19 كانون الثاني سنة 1869.
يعتبر هؤلاء عثمانيين، بنظر القانون العثماني، قبل معاهدة لوزان. وقد أعطوا الحق، بعد هذه المعاهدة، "باختيار الجنسية اللبنانية". "فإن أهملوا اختيارها ضمن المهل التي منحت لهم، فإنهم يعتبرون عثمانيين بنظر القانون العثماني، وبنظر قانون البلاد التي اكتسبوا جنسيتها يعتبرون من جنسية تلك البلاد".
بالنسبة للقانون اللبناني، يقول أبو ديب "استقر اجتهاد المحاكم اللبنانية على الأخذ بالجنسية التي اكتسبوها في بلدان اغترابهم، على أنها الجنسية الفعلية".
معاملات اختيار الجنسية: المسار والإنجاز
في 4/12/1967، صدر قانون دعوى الجنسية تحت رقم 68/67.
تمثيل الدولة لدى المحاكم في دعاوى الجنسية
نص القانون على المواد التالية:
المادة الأولى: تختص المحاكم البدائية دون سواها بالنظر في دعاوى قيد المكتومين المسندة إلى أحكام معاهدة لوزان والقرار رقم 2825 الصادر في 30 آب 1924.
تحال إداريًا الدعاوى العالقةبهذا الشأن أمام الحكام المنفردين إلى المحاكم البدائية.
المادة الثانية: لا تسمع الدعاوى المنصوص عليها في المادة السابقة إلا بوجه الدولة اللبنانية كفريق أصلي في الدعوى وتعتبر النيابة العامة فريق فريقًا منضمًا.
المادة الثالثة: تعتبر نافذة ونهائية ودون أية معاملة أخرى القرارات الصادرة قبل وضع هذا القانون موضع التنفيذ عن المحاكم ولو كانت موضوع طعن.
وتعتبر نافذة ونهائية أيضًا ودون أية معاملة أخرى قرارات المعتمدين الديبلوماسيين والقنصليين وبيانات اختيار الجنسية المقدمة قبل 29 أيلول سنة 1958 المودعة جميعها وزارة الخارجية والمغتربين والمديرية العامة للأحوال الشخصية حتى تاريخه.
المادة الرابعة: تنظر المحاكم العدلية في المنازعات الطارئة المتعلقة بالجنسية ولا تأثير للأحكام الصادرة عن هذه المحاكم في اكتساب الجنسية اللبنانية.
المادة الخامسة: يعمل بهذا القانون فور نشره في الجريدة الرسمية.
__________*__________
طلبات الانتشار لدى البعثات اللبنانية في الخارج
آلاف المعاملات الواردة من البعثات اللبنانية في الخارج والمشمولة بقانون 68/67 والعائدة لمغتربين متحدرين من أصل لبناني، تضمنت بيانات اختيار الجنسية وقرارات المعتمدين الدبلوماسيين، وتكدست لدى المديرية العامة للأحوال الشخصية التي لم تنفذها وفق الأصول حتى تاريخه.
نشير إلى أن هذه البيانات والقرارات تعتبر بحكم القانون نافذة ونهائية منذ تاريخ 4/12/1967، بموجب نص الفقرة 2 من المادة الثالثة من قانون 68/67 السابق ذكره والتالي مضمونها:
"تعتبر نافذة ونهائية، دون أية معاملة أخرى قرارات "المعتمدين الديبلوماسيين والقناصل وبيانات اختيار" الجنسية المقدمة قبل 29/9/1958 المودعة جميعها "وزارة الخارجية والمغتربين والمديرية العامة "للأحوال الشخصية حتى تاريخه".
ثلاث كلمات في المصالحة مع الذات
قارئي العزيز
أستميحك عذرًا إن جعلتك تحسب أنني، بكلماتي الثلاث في المصالحة مع الذات، قد سبرت غور نفسي أو نفسك، أو وقفت على أسرارها وخفاياها، فأنا لا أدّعي هذه القدرة ولن أدّعيها، حسب كلماتي أن تكون إشارات واضحة بعض الوضوح إلى أنّ الإنسان قد أخلّ بالتوازن المفترض أن يعدل بين الأعمدة الثلاثة التي تقوم عليها الحياة البشرية، عنيت : "الفكر"، و" الفعل"، و"الشعور".
1. الحق أن "الفكر" قد تجسّد علمًا كشف ألغاز الطبيعة قدرًا لا يستهان به، استغلته التكنولوجيا، سيطرة على البر والبحر والفضاء، فقلّصت الأبعاد، واختزلت المسافات، وطوّعت الطاقات ، فبات الإنسان سيدًا للأرض وبعض (السماء)، أو ما شبّه له ذلك!... والحق أن ما أنتجه الفكر معرفة، تقوقع مادية متوحشة استعبدت رب الفكر بدلاً من أن تركع متعبّدة في محرابه، فانتشى الطمع المادي نهمًا لا يشبع، واستشرى الجشع البشري واستحال أموالاً تكدّس في الخزائن، واستملاكًا للأرض عقارات ومساحات، وتسلّطًا للقوي على الضعيف يغتصب حقّه، وينتهك حريته، ويستبيح محرّماته/ فغدا الإنسان عبدًا ذليلاً لما فكّر واخترع، وتقّن وفعل، وأضاع نعظم قدرته على التحكّم بذاته.
2. أما "الفعل" فأصبح عبدًا مطواعًا ، ينفّذ ما يامره به سيده "الفمر"، دون مقاومة للتطاول، أو تبصّر بالنتائج، أو مساءلة عمّا ستؤول إليه حياة الإنسان الخاضعة لفكرٍ مادي وفعل غريزي، فإذا بالإنسان المعاصر "العارف العارف" يغدو فاعلاً سوءًا، وجاهلاً طبيعته ومعناها وما ينبغي أن تكون، إذ إن أطماعه أعمته عن رؤية ما ينبغي أن يرى من نواح غنسانية إيجابية تجعل المخلوق البشري مميزًا فعلاً عن باقي المخلوقات، أو هكذا يجب أن يكون!...
فعل خاطئ يخدم فكرًا ضالاً، فينقلب الفرد البشري مسخًا يحسب نفسه عملاقًا، ويظهر ضلال فكره واضحًا من خلال اعتداءاته على الأرض يصحّرها، والفضاء يلوّثه، والمياه يفسدها... وخطيئة فعله أنه ينفذ كل ما ترغب فيه نفس أمّارة بالسوء عدوانًا على الأرض والسماء واعتداءًا على العباد والأشياء!...
3. وأما "الشعور" فقد تبلّد فابتعد عن المثل العليا التي تخلق نسيجًا خيّرًا يجمع بين الإنسان وأخيه الإنسان، فلم يعد الفرد البشري يحسّ بآلام الأفراد أو الجماعات من بني البشر ، وجاع ثلثا سكان الكرة الأرضية، فيما اكتفى قسم من الثلث الأخير، وأتخم الباقي حتى البشم!... فانهارت ، على الصعيد الشعوري، كل القيم النبيلة، وفقد الإنسان المعاصر جل المشاعر الخيرة القمينة ، وحدها بجعل الإنسان يحترم ذاته ويتصالح معها أخلاقًا سامية، وتعاونًا بنّاءً وإحسانًا جميلاً!...
قارئي العزيز
ماذا بقي من الإنسان؟!... أفلا ترى معي انه إذا ما استمر الإنسان على ما هو عليه من قوة في الفكر الضال ، وعدوانية في الفعل الخاطئ، وقسوة في الشعور "اللاإنساني"، سوف يؤدي به اختراعه لوسائل الدمار الشامل إلى محو كل غنجازاته، وتدمير ذاته، وتخريب حياته كلّها؟!... ألا ترى معي أنه مخطئ كل من يظن أن هذه النظرة إلى الإنسان المعاصر هي نظرة تشاؤمية وليست نظرة واقعية؟!...
أنت وأنا وهو ونحن جميعًا ندرك أن الخلل الحاصل بين "الفكر" و"الفعل" و"الشعور" أمر خطير للغاية، وأن واجب كل مَن كان منّا قادرًا على تصحيح هذا الخلل ، أن يعمل على تصحيحه قبل فوات الأوان؟!...
قارئي العزيز كلماتي الثلاث في المصالحة مع الذات ومع الآخر، ليست سوى إشارات ثلاث إلى أخطار مميتة علينا جميعًا أن نتداركها كي تستقيم حياتنا، ونطمئن إلى مستقبلنا فننعم بشيء من الراحة والسلام.
تعاظم الذات
والتطاول على الآخر
"والعصر هو الساعة التي يهدأ فيها اضطراب الأنوار جميعها، لأن السعادة الذاهبة بددًا منشورة على مسالكها بين السماء والأرض، تتجه إلى الاستقرار في روح الضياء، وها غن السعادة تحوّل اضطراب النور إلى سكون"... كذلك قال زرادشت، كما أراد له نيتشيه أن يقول: "وما عسانا نقول عن الإنسان؟ هل هو ذرة من الغبار تدبّ بعجز على كوكب صغير تافه، كما يراها الفلكي، أم هو كما يعتقد الكيميائيون ، كومة من المواد الكيماوية مجموعة بطريقة بارعة؟ أم الإنسان أخيرًا، كما يظهر لهاملت (بطل مسرحية شكسبير) شريف في العقل، لامتناه في القدرة؟
كذلك تساءل برتراند رسل، العالم الرياضي والفيلسوف الشهير.
أم هو كما رآه الشاعر العربي لا يقدر نفسه حق قدرها فقال مستغربًا :
وتحسب أنّك جزم صغير
وفيك انطوى العالم الأكبر؟!
أم لعل الإنسان هو هذه جميعًا؟!...
وهل نرى الإنسان كما رآه بروتاغورس، فيلسوف الإغريق:"مقياس الأشياء جميعًا، ما يوجد منها وما لا يوجد؟"
إن ما يدفعنا إلى محاولة فهم الإنسان ، هو أنه مخلوق معقد غريب، يتخبّط أحيانًا في ضياع مريع، ويجهد في تلمّس الخروج من ضياعه قبل أن يدمّره الخسر.
فالإنسان في خسر إن لم يمارس إرادته الحرّة في الاختيار: فإما أن يستخدم قدراته العظيمة في الصالح فيسلم، وإما أن يستغلّها في الطالح فيدمّر.
طبيعتنا أخلاقية مزدوجة:"فقد نكون اخلاقيين واجتماعيين وقد نكون لا أخلاقيين وعدوانيين ... والسر في الاختيار.
ولقد اخترت ناحية نفسية معيّنة، تسيء إلى صاحبها فردًا كان أم جماعة بما تنسج على بصيرته من غشاوة ، فيصاب بالغرور ويندفع متطاولاً على الآخرين ، فيخسر ذاته والآخرين، ويشوّه إنسانية أجمل ما فيها تواضع وتسامح، ذلك أن تعاظم الذات غرور أحمق، وخسران مبين، والتطاول على الآخر افتراء أخرق يصدر عن ذات جاهلة.
1. وما الذات سوى "العامل الداخلي" أو القوة أو الوظيفة الضابطة للحوافز والمخاوف والحسابات والموجهة لنا". إنها الهوية و"الأنا" وهي العقل الذي يكبح جماح الغرائز، ويساعد القوة الحيوانية فينا على إشباع رغباتها بطريقة ترضى عنها الذات، ويرضى عنها المجتمع، وإلا فيكتبها أو يرجئها أو يتسامى عنها ويبدّلها. ويتأثر "الأنا" بالعالم الخارجي، كما يتقيّد بدوافع العقل الباطن والضمير الأخلاقي، وهو أيضًا عقل الثقافة الحديثة ووعيها.
2. من هنا يبرز التحدي الأول: تحدي الذات وصيانتها في عالمنا المعقّد والمتغيّر باستمرار. فعلى الرغم من تعاوننا مع الآخرين، نجدنا مضطرين إلى الاعتماد على قدراتنا الذاتية ، والمحافظة على صحتنا الجسدية والنفسية، إذ إننا جسد ونفس يتفاعلان.
3. والتحدي الثاني هو غقامة العلاقات الطيبة مع الآخر. فللعلاقات الاجتماعية تأثير كبير على التكيّف النفسي وتكوين الذات. فالأحداث تبلغنا اليوم بسرعة فائقة لم نعرف لها من قبل مثيلاً: (لم يعرف أهل مرسيليا بوفاة نابليون عام 1921، في جزيرة سانت هيلين ، إلا بعد مضي شهرين ، ومضت ستة أشهر قبل وصول الخبر إلى بقية أنحاء فرنسا). أما اليوم فما يحدث في أية بقعة من بقاع الكون المتوسع باستمرار يؤثر في ذاتنا: لقد لفّنا الخوف أيامًا، ونحن نرتقب ما قد يحدثه ارتطام مذنّب شوميكر – لفى، بكوكب المريخ البعيد... ويتحدثون في هذه الأيام عن أوتوستراد المعلومات، ولست أدري ما قد يتحدّث عنه الناس في المستقبل عن حسنات التكنولوجيا وسيئاتها.
4. والتحدي الثالث الذي يواجه الذات هو عملية التكيّف بعامة. فلا بد لنا من تحديد هويتنا. وما الهوية سوى التعميمات التي نظلقها على أنفسنا وتستند إلى أفكارنا ومشاعرنا وسلوكنا السابق، ووعينا لتراثنا، وحضارتنا، ومستقبلنا، ووجودنا كمخلوقات بشرية.
5. هنا يظهر السؤال الأزلي: من أنا؟ كيف أعي ذاتي فأهتدي؟ وكيف تتعاظم ذاتي فأضلّ سواء السبيل ! إذ إنه كثيرًا ما تتعاظم الذات فتصاب بجنون العظمة ونرجسية الشخصية. وقد تصاب بالبارانويا حيث الهذيان وعدم الاتزان والهلوسة.
6. وقد يشتد الاعتداد بالنفس فنموهه بتواضع مزيف، ويرى المتعاظم نفسه الأذكى والأشرف والأجدر باحترام الآخرين. وكثيرًا ما تختبئ أناه "المتعاظمة" خلف أقنعة من الطيبة والفضيلة . اما في أعماق ذاته فيكمن الشعور بالعدوانية، وتربض أحاسيس الدونية والصغار.
وحين تقوى هذه المشاعر يظن صاحبها أن "سوبرمان" أو نبي، أو مخترع عظيم، فيتطاول ، ويبلغ به التطاول حد التحدّث عن موت الله: هكذا فعل فردريك نيتشه حين مجّد القوة وجعل "السوبرمان" الهدف الأوحد للتطور التاريخي، إذ رأى أن أعظم الحقائق لا "يتعلّق بقوة" ألمانيا العسكرية، ولا بالاكتشافات العلمية الحديثة، بل بواقع أن الإيمان بإله النصارى قد تدهور على نحو شديد، وبان الله "قد مات"، وبان الله الإله الحقيقي هو في سريرة الإنسان، وفي قوّة طبيعية، وفي إرادته للقوة...
سأل زارا: وما هو عمل القديس في هذا الغاب؟ فأجاب القديس: إنني أنظم الأناشيد لأترنّم بها، فأراني حمدت الله، إذ أسرّ نجواي فيها بين الضحك والبكاء، لأنني بالإنشاد، والبكاء والضحك والمناجاة أسبّح ربي... ومع هذا ، فما هي الهدية التي تحملها إلينا؟... فانحنى زارا مسلّمًا وقال للقديس: أي شيء أعطيك؟ دعني أذهب عنك مسرعًا كي لا آخذ منك شيئًا"... وهكذا افترقا، وهما يضحكان كأنهما طفلان...
وعندما انفرد زارا قال في نفسه : إنه لأمر عجيب!... ألم يسمع هذا الشيخ في غابته بأن الله قد مات؟!!!..."
4. يقول رواة الأدب العربي ومؤرخّوه: إن المتنبي الشاعر العربي العظيم شبّه نفسه بالأنبياء وإن كان لم يدّع النبوّة صراحة:
أنا في أمّة تداركها اللـ هغريب، كصالح في ثمود
ما مقامي بأرض نخلة إلاّ كمقام المسيح بين اليهود
والواقع أن نفس المتنبي كانت تشتهي بلوغ مراتب العظمة والتفوّق، فتفوّق ، وجعل من ذاته محورًا لإبداعه، ولكن نفسه شمخت وتعاظمت فتطاول على الناس اجمعين:
ودهر ناسه ناس صغار وغن كانت لهم جثث ضخام
وما أنا منهم بالعيش فيهم ولكن معدن الذهب الرّغام
أرانب، غير انّهم ملوك مفتحة عيونهم، نيام
ولم تسلم جدّته من تعاظمه:
"ولو لم تكوني بنت أكرم والد لكان أباك الضخم كونك لي أمّا
ويتجلّى تطاوله على الآخر في قوله:
أي محل أرتقي؟ أيّ عظيم أتّقي؟
وكل ما خلق الله، وما لم يخلق،
محتقر في همّتي، كشعرة في مفرقي."
5. وما اطرف أحد عمالقة الشعر العربي المعاصرين ، سعيد عقل – أطال الله عمره سالمًا سعيدًا – حين تتعاظم ذاته فينفش شعره، وينسى شِعره، ويقول على طريقته:
"بدّي عقلن زحلة، وزحلن لبنان، ولبنن العالم"!!
6. وتتعاظم الذات أيضًا في غحدى مسرحيات الشاعر الإنكليزي كريسوفر مارلو (1564 – 1593) الذي عُرف بسمعة متهوّرة ومع ذلك وضع، بالإضافة إلى خمس مسرحيات عرفت له، مسرحية أخرى : Tamburlain (أو تيمورلنك) التي تتعاظم الذات فيها فتتعدّى كل حدود التطاول على الآخر: إنها سلسلة من المشاهد التي يمثل كل منها مرحلة من مراحل نهوض تيمورلنك من ضعة راع حقير من رعاة قبيلة بدائية متوحشّة، إلى مكانة الفاتح العظيم، "كلّ شيء أعظم من الحياة في مسرحية تيمورلنك"، إذ لم يكتف هذا الفاتح بغزو العالم ، بل ذبح جميع فتيات دمشق، واتّخذ من السلطان التركي مسندًا لقدميه، وعرضه في قفص محمول إلى أن تحطّمت جمجمته لارتطامها المستمر بجدران القفص فانبثق منها دماغه. ونراه يحرق المدينة التي كانت تسكنها Zenocrate زوجته المقدّسة، فتحترق مع المدينة حتى الموت. ونراه يقتل ابنه الوحيد لزعمه بأن ابنه جبان. ونراه يشدّ ملكين إلى عربته وينهرهما صارخًا:"هولا... أيها الفرسان الآسيويان المدللان الخائرا القوى ... ماذا ؟ ألا تستطيعان السير سوى عشرين ميلاً في اليوم ولديكما هذه العربة الفخمة تجري في أثركما؟ ومثل هذا الحوذي العظيم تيمورلنك؟!... ونراه يستولي على مدينة بابل ويثقب جسد حاكمها بالنبال ثم يعمل على إغراق جميع سكانها في بحيرة...
يا إلهي! ... من قال إن التاريخ لا يعيد نفسه؟ فماذا جرى في الأرض العربية المحتلة، عبر عقود من الزمن الحديث على أيدي متعاظمين متغطرسين؟!... وماذا يجري في العديد من البقاع الأخرى من هذا الكوكب البائس؟... فكم من متعاظم ومتطاول على الآخرين فيهذا العالم المجنون، وكم أدى التعاظم إلى سفك دماء بريئة، وانتهاك حرمات مقدّسة، وإهدار كرامات؟!...
1. كنت أبحث في إحدى مكتبات مدينة مونتريال في كندا، عن كتاب معين، حين لفت نظري مجلّد أنيق الإخراج رُكم بشكل هندسي، فوق طاولة كبيرة توسطت قاعة المكتبة. ودنوت ، فإذا بالكتاب "شتيمة" سلمان رشدي. اخذت الكتاب وقراته... أستميحكم عذرًا إذا قلت: إنّه ترجمة فرنسية لما نعق به غراب إنكليزي الهوية، ونفث فيه صلّ هندي المنشأ، وهوّمت عليه ضلالة مسلم مرتد... وقرأت الأصل الإنكليزي أيضًا علّني أجد فيه ما يخفف من قرفي، فإذا بالأصل حثالة كالفصل: ليس فيها من الأدب شيء، ولا من العلم شيء، ولا من الفن شيء، ولا من الجرأة الأدبية أي شيء... إنّه مجرّد انتفاخ مسعور لذات موتورة، لا تقيم أي وزن للقيم الحضارية...
وهنا أتساءل : متى كان الأدب شتائم، والفن تطاولاً على مقدسات يدين بها الملايين من البشر؟ ومتى كان الفكر ترهات وأباطيل؟ إن حرية الرأي مرتبطة بمسؤولية أدبية وعقلانية... إنّها البحث عن الحقيقة والحق، فلا يجوز لأي عاقل أن يتّخذ من الأدب ذريعة لشتم الناس: هذا هو الحق. اما الحقيقة فهي التزام الموضوعية في البحث عن الحقيقة. والبحث العلمي ، والفن الأدبي يمثلان قيمتين غنسانيتين حضاريتين، هما: الحقيقة والجمال.
ففي الحقيقة جمال، وفي الجمال حقيقة، وفيهما معًا خير وعدل ومشاعر طيبة وصدق ووعي صحيح، ومكارم أخلاق، خارج هذه جميعًا يكون الكذب والقبح والتجني، وانتفاخ الذات، والتطاول على الآخر... تلك هي ذات سلمان رشدي!...
*****
2. وهذه هي ذات أخرى ، تعملقت وتعاظمت وتطاولت على المقدسات: هذا هو دايفيد كوريش، يخاطب الناس قائلاً: أنا ابن الله، وانتم تعرفونني، ولا تعرفون اسمي. لقد صُعد بي من الشمال، وتنطلق رحلاتي من شروق الشمس ..."
هذا الكلام نفثه مخلوق حسب نفسه المسيح بن مريم عليه السلام فارتكب أسوأ الأفعال إجرامًا وتطاولاً على الآخر... ففي الثلاثين من شهر كانون الثاني من العام 1987 (عام النفايات السامة في لبنان) أرسل رجل يدعى Vermon Wane Howell دعوة إلى أعضاء الكنيسة السبتية في جنوبي كاليفورنيا، جاء فيها: "إن لي سبع أعين وسبعة قرون،واسمي هو كلمة الله، وامتطي جوادًا أبيض، وأنا هنا على الأرض لأبلغكم رسالة الملائكة السبعة..." لقد صعدت من الشرق أحمل ختم الإله الحي، واسمي Cyrus. وانا هنا لأدمّر بابل... وأتيت بطريقة معاكسة لأفكاركم المسبّقة... سأوبخكم لتهالككم على متاع الدنيا... سأؤنّب بناتكم على عريهن وغرورهن يعرضنهما في بيت أبي، وأجعل ملائكتي تعرّيهن على مرأى من الجميع بسبب غرورهن الأحمق... سوف يسيء الفتيان استعمال لطفي وكرمي... سوف يزهقون روحين غير أني سأقوم فأخطف أرواحهم إلى الأبد... وسوف يرثي كهنتكم لحماقتكم. ورعيتكم الضالة سوف تمزقكم إربًا إربًا... إستعدّوا لملاقاتي: أنا الله ربّكم".
ذلك هو دايفيد كوريش David Koresh الذي ولد من أم كانت في الرابعة عشرة من عمرها، ونجار في العشرين، أساء معاملة ابنه، وقد تعرّض دايفيد لعمليات اغتصاب من قبل بعض المراهقين في مدرسته، واستعبدته العادة السرّية.
التحق دايفيد بمذهب فرع دافيديان، وأغوى زعيمته Lois Roden، البالغة من العمر آنذاك ثمانية وستين عامًا، وهو في الرابعة والعشرين، وانتزع القيادة من ابنها... استولى دايفيد على نساء جميع الرجال من أتباعه، وهم من مختلف الطبقات الاجتماعية، وتزوّج العديدات من المراهقات، بحجّة أن الله يظهر عليه في المنام ويدعوه غلى الإنجاب منهن أمثالاً له ومثيلات. والملفت أن أتباعه كانوا ينصاعون لإرادته انصياعًا اعمى، فجنّدهم ودرّبهم على فنون القتال، وجمع ترسانة من الأسلحة في قلعة محصّنة في جبل الكرمل في ولاية تكساس، حيث كانت تتم عمليات جنسية متوحشة وراء جدران تلك البقعةالمسيّجة التي اتخذها مقرًا له ولأتباعه.
وانتهت حكاية ذاته المتعاظمة بفاجعة رهيبة، إنتحر فيها احتراقًا حوالي ثمانين شخصًا من أتباعه من الأطفال والرجال والنساء ، وقتل عشرون من رجال الشرطة الفيدرالية الذين هاجموا المكان...
*****
3. ختم الشاعر الفرنسي جان دو لافونتين (1621 – 1695) خرافته: "الضفدعة التي أرادت أن تصبح ضخمة كالثور" فانتفخت حتى انفجرت ، قائلاً:"إن العالم مليء بالناس الذين ليسوا أكثر حكمة ووعيًا من هذه الضفدعة. كل برجوازي يريد أن يبني مثل السادة الكبار وكل أمير صغير يبتغي أن يكون لديه سفراء. وكل مركيز يريد أن يكون له غلمان وصفاء..." أجل لقد صدق لافونتين: غن العالم مليء بأشكال هذه الضفادع. وما الأمثلة التي اوردناها إلا نماذج حيّة من هذا القبيل.
فمن الناس من يدمّر ذاته بذاته تعاظمًا وتعملقًا، ولا يكون التدمير جسديًا فحسب، بل كثيرًا ما يكون تدميرًا نفسيًا وخلقيًا واجتماعيًا أيضًا. ومن هؤلاء من ينتهي بهم المطاف في المصحّات النفسية، أما الآخرون فهم بين معتدل في مطامحه ومطامعه، وبين مبالغ فيها، لا بأس على المعتدلين والمشكلة في المبالغين الذين يشكلون عبئًا فادحًا على أنفسهم ومجتمعهم: إنذهم أولئك المتعاظمون الذين يتطاولون على الشرفاء من أبناء آدم وبنات حواء... إنهم أولئك الذين يعيثون في الأرض فسادًا وينهبون خيرات البلاد، ويتاجرون بأرواح العباد، ويلوّثون التراب والماء والهواء. وكل ذلك من أجل التسلّط ةالتعاظم والثراء.
ولم ينج من شرور التعاظم وآثامه صعيد واحد، فنالت الآداب والعلوم والفنون نصيبًا كبيرًا من التعدّي والتطاول.
انظروا إلى أولئك الذين يدّعون الشعر والإلهام فيرسلون بهذيانهم إلى بعض الصحف والمجلات، ويفسدون بطون المطابع والآلات... إن مثل هذا النوع الرديء من الأدب المزعوم يفسد ذوق أجيالنا الناشئة، ويشوّه جمال الكلمة، ويمسخ عبقرية اللغة العربية الجميلة... ولا يدرك أولئك المتطاولون الذين يحسبون أنفسهم كتابًا وشعراء وأدباء، أنّ شمخهم ورمٌ، وتضخم "اناهم" سقمٌ، وتعدّيهم على الشعر والأدب فعل مخذول، وعمل مرذول... كتب زاهي وهبي الصحفي المعروف ، تحت عنوان "صورتهم لو يلحقونها" يقول:تكاد النرجسية تكون مرادفًا أو رفيقًا دائمًا للشعراء والأدباء والفنانين ولا ضير، ما دام الأمر في حدوده الممكنة والمعقولة، لأن الإيمان بالذات شرط من شروط الإبداع... أما أن تتحوّل النرجسية مرضًا يودي بصاحبه إلى التهلكة، وبروح كل شاعر أو شويعر، كل كاتب أو كويتب يبحث عن صفحة ماء راكدة، يرى فيها صورته ، ويلقى بنفسه غليها كما فعل "نرسيس"، فتلك مسألة أخرى... هذه النرجسية المفرطة تكاد تقتلنا، تكاد تحوّل ثقافتنا إلى مجرّد أبواق إعلامية تكاد تغرقنا جميعًا."
4. صدقت يا زاهي... وأنا أقول: في الرسم والموسيقى والغناء أيضًا، حدّث ولا حرج... جميل أن نتسلّى بقسط من هذه التعبيرات عن مشاعرنا المكبوتة، شرط أن تبقى مجرّد تسلية شخصية، اللهمّ إلا ما يظهر عند بعضهم مما يمكن من بذور الموهبة ثمرًا طيبًا... واما سقط المتاع فينبغي أن يسقط في القاع.
وأقول أيضًا: هنالك المختالون والمحتالون والطواويس من كل لون وشكل وحجم وقياس.
لعلّ مثل هؤلاء المتعاظمين ينتمون إلى برج القرد في تصنيف الفلك الصيني: إذ إن مواليد هذا البرج، على ذمّة الصينيين، يعانون من مركب العظمة الذي يمنعهم من احترام الآخر، ويعرّضهم بالتالي للتباهي والأنانية والغرور، والغيرة من نجاحات الآخرين .
دور الولع والجشع في تدمير بنية المجتمع
لست أدري لماذا أسمع بين الحين والحين صدى كلمات الفيلسوف الألماني المثالي جوهان غوتليب فيخته، آتية من مشارف القرن التاسع عشر تتردد بهدوء: "إنما فلسفتنا تاريخ قلبنا" فتلقى أذنًا مصغية وفؤادًا صغيّا... ولست أدري لماذا أُدعى إلى التحدّث في موضوعات فلسفية فأستجيب راضيًا مرضيًا. قد يكون أرسطو هو السبب؟ فهو الذي أسس ، بعد أن عاد من بلدته Stagira إلى أثينا في العام 335/ 34 قبل الميلاد، مدرسته الفلسفية Lyceum مكانًا للمحاضرات والمناقشات العامة والتي سمّيت "الأيكات" The groves وكانت تقع في الضواحي المقدّسة لمعبد Apollo. وإليها كان يلجأ سقراط يتأمّل ويفكّر، وهناك كان أرسطو يتمشى في الـ Peripatos ، أي "الممشى" المغطّى بالأشجار، يحدّث طلابه عن الفلسفة ويناقشهم في أمورها وموضوعاتها. وإلى جانب تلك الأحاديث كانت تقدّم محاضرات تقنية متخصصة لجمهور صغير من المستعمين، ومحاضرات عامة لعدد أكبر من المستمعين. كما كان ينظّم مرّة كل شهر مأدبة خاصة، هي ندوة يجري خلالها تبادل الآراء بحرّية ، ويُختار أحد الأعضاء ليدافع عن موقف فلسفي معيّن، يُوجِّه إليه بقية الأعضاء اعتراضات نقدية...
اسمحوا لي أن أسارع فأؤكّد أن كل ما سأتكلّم عنه في هذا البحث ليس موجّهًا إلى أي شخص بذاته، أو سلطة معيّنة، بل هو دراسة موضوعيّة في النفس والاجتماع، قد تنطبق على كل من ابلي بدائي الولع والجشع في أي زمان ومكان، والله المستعان.
يحدّثنا التاريخ أن رجل الدولة الفيلسوف الروماني Boethius (480 – 524 م) لم يجد في سجنه الطويل في PAVIA (إيطاليا) قبل أن يعدمه الملك Theoderic في العام 524م. عزاءً إلا الفلسفة إذ ظهرت عليه في المنام امرأة نبيلة أوحت له عيناها الجميلتان المتوقّدتان ذكاءً ، أن للفلسفة قوى تسمو كثيرًا على سائر قوى الطبيعة البشرية. وما أدخل إلى قلب السجين الحزين عزاءًا وسلوانًا ، هو أن الفلسفة كشفت له في غمرة البؤس والقلق والخوف، أن متاع الدنيا متاع الغرور، وأن ملذّات الفانية لا توفّر السعادة لأحد. وأن السعادة الحقيقية هي في الخير الأسمى الذي تقود إليه الفلسفة، وسبيلها إلى ذلك محبة الحكمة. وليست محبة الحكمة سوى محبة الله والترفع عن الغرائز ومقاومة ميول الولع والطمع والجشع والأنانية والكراهية.
قد لا يكون الإنسان في أيامنا هذه في وضع أفضل من سجن Boethius ، وقد نكون احوج ما نكون إلى نور الحكمة ومحبة الله، وإلى فلسفة حقيقية توجهنا، وتكشف لنا عن الحقيقة علّنا نهتدي إلى طريقة تساعدنا على جعل أقوالنا تطابق أفعالنا. أجل نحن في حاجة إلى هذا النضال الفكري الذي تفوق قيمته كل نضال، نستخدم فيه أداتي العقل واللسان، يوجّه الأول الثاني، ويشرح الثاني الأول، فنجاهد الحاكم علّه يستفيق فيرى حاجات الشعب الملحّة، ويستخدم الحوار الصادق، ويدرك أن الحرية تعني المطالبة بالحقوق، وأداء الواجبات، ونخبر من يعلم أن الطاغية، في مفهوم أفلاطون، هو حاكم يستخدم القمع لإسكات صوت الشعب المطالب بحقوقه، وأن الحاكم العادل هو الذي يمارس السياسة الصحيحة التي تؤمن لأبناء المجتمع "رعاية" لائقة وتُلغي سياسة الإذلال، وتستند إلى أخلاق توجهها، وحكمة تسدد مسارها.
وإذا كنّا لا نطمح إلى أن يكون رجل الدولة فيلسوفًا. فإنّنا نطمح، في الأقل، إلى أن يفهم الحاكم أن السياسة الحق هي بناء حياة اجتماعية مبنية على العدل والكرامة والحريّة، فلا تتزعزع القيم الأخلاقية تحت وطأة الولع والجشع وشهوة التملّك، واحتكار السلطة والمال. حيث يزداد الحاكم وبطانته غنىً فاحشًا، فيما يغرق السواد الأعظم من الشعب في فقر مدقع، فتتسع الهوّة بين الحاكم والمحكوم، الأمر الذي ينذر بتمزّق المجتمع، وانهيار بنياه. إن الحكم العادل هو التعالي عن الصغائر والترفع عن الدنايا. والحاكم العادل هو من يحقق الخير لذاته وللآخرين، ويتحلّى بالفضائل الخلقية والتوازن العقلي ، ويتحرّر من الولع والجشع: ولع في السلطة والجاه ، وجشع في التملّك والمال.
الولع
فما هو الولع؟ إنّه في المفهوم العلم نفسي، حالة عاطفية معقدة، تطغى على كل ما عداها من العواطف والأفكار والأعمال ، وتُفضي إلى خلل دائم في التوازن النفسي، عصي على العقل وأدوات الضبط والتحكّم. والمولَع في شيء يسعى للحصول عليه بعينه ولذاته دون أي اهتمام بأي شيء أو شخص آخر. فالمولَع هو شخص فقد السيطرة على نفسه فغدا عبدًا لشهواته اللاإرادية وصار أسيرًا لدوافعه اللاواعية واللامعقولة. والملفت أن وَلَع المُولع المهووس يكون انتظاميًا ومتماسكًا، يستقطب جميع القوى النفسية حول هدف واحد: فتملّك الشخص العاشق لمعشوقه، أو الحصول على طابع البريد الذي يكمّل المجموعة، أو الهوس بجمع المال، أو الطموح الجانح إلى السلطة، قد يكون الهدف الذي يرتكز فيه ميل أعمى يخلق الفوضى واللاتوازن في النفس البشرية، إنّه تضخّم شاذ لميل معيّن يطغى على العواطف والميول الأخرى جميعًا ، ويقصي كل حكمة، ويقضي على كل فضيلة واعتدال، إنه انعكاس لكل اضطراب وسخف وإفراط.
أنواع الولع
وللولع أشكال وألوان: فقد يكون الزهو الفارغ، وآليته الاعتداد بالنفس، وقد يكون الأنانية، أو الطموح الجانح أو البخل، أو الانتقام أو العنصرية أو التعصّب الديني... وهنالك ولع في الحقد، أو التعسّف أو الشراب أو الأكل...
وكل نوع من أنواع الولع ، حالة أساسها التملّك وحب السيطرة، أو حالة من الغيرة والتعسّف لا يثنيها عن ضحيتها تضحية أو بذل. فالولع تسلّط يكسف كل عالم روحي وأخلاقي، وكثيرًا ما ينتهي إلى الانتحار أو الجنون، ذلك أن هدف المولع كثيرًا ما يتحوّل إلى معبود يضفي عليه المولَع به قيمًا وهمية، ويصبح قوة ضغط جبارة لا تغتصب الميول الإنسانية الشريفة فحسب، بل تتحدّى العقل الإنساني برمته: فولع العشق، مثلاً، ينطلق من غريزة الحفاظ على النوع والدوافع الجنسية وغريزة التملّك، وهذه كلّها في الأساس طبيعية إذا ما اعتدلت ، اما إذا انحرفت فطغت يغدو العاشق شديد الأنانية يفتقر إلى الكرم والتضحية، ويقوده ميله الجارف إلى تملّك محبوبه والسيطرة عليه أقسى ما تكون السيطرة.
ويشذّ الولع في العمل عن مفهوم العمل: فالمرء يكد ويجتمهد من أجل النجاح، ولكي يحصل على حاجته من المال يستخدمه في قضاء حاجات مشروعة كبناء عائلة، أو تشييد مسكن، أو شراء سيارة، أو القيام بسفر... ألأخ...
غير أن المولع في عمله يكرّس ذاته لعمله، كذلك شان المدمنين على العمل، الذين يهملون كل شيء آخر، ولا يوفرون الوقت الكافي للاهتمام بشؤون عائلاتهم ورعاية أولادهم، وفي ذلك خسران اجتماعي كبير.
وأما ولع التجميع فهو ما يصيب من يتهالك على جمع المال والاستزادة منه، يختزنه ولا ينفق منه على ما تقتضيه حاجات عائلته وحاجاته الضرورية. وقد يستبد به ولع البخل فيسرق أو يقتل من أجل الحصول على المزيد من المال... والمال أساسًا، وسيلة تؤمّن ضرورات الحياة، وتشبع حاجاتنا المشروعة... أما حين يصبح المال هدفًا يجمع لذاته، يغدو تملكًا بشعًا، لا يهتم المولع به سوى في جمعه أو التوسّع فيه من أجل الربح الفائض واستخدام رأس المال بغية الحصول على قدر اكبر من المال، عندها تموت في قلب المولع بالمال جميع المشاعر الإنسانية، ويسود الشعور الطاغي بلذّة التملّك، تملّك الأرض والمقتنيات الأشياء.
مصدر الولع
فمن أين يأتي الولع؟
من عالم حيث تكمن فيه النزعات اللاواعية. عالم اللاوعي والمحبة والكراهية، والود والرضى والحقد والضغينة. إن خوف الطفل الصغير من الموت جوعًا، مثلاً، قد يكبت في الصغر لينمو في دهاليز العقل الباطن ثم يطفو، فيما بعد ، على سطح الوعي، بُخلاً ضارًا، أو توسعًا في الأعمال تدر أرباحًا خيالية تتخطى الحاجات والحياة إلى أبعد الحدود. كما أن الطموح الجامح قد يكون رغبة لا واعية في التعويض عن شعور بالإذلال ، مدفون في اعماق اللاوعي ، منسي منذ الطفولة البعيدة... وقد يظهر الهوس في تجميع المقتنيات نتيجة للتعويض عن سلسلة من الإحباطات اللاشعورية. اما الولع في الشغل المتواصل فقد يكون عملية إعلاء تتمثّل باستبدال شيء بأشياء أخرى مرغوب فيها، وغير قادرين على حيازتها... وفي مختلف الحالات، لا شفقة في الولع ولا رحمة... إنّه استئثار ميل واحد تتمحور حوله كل الطاقات النفسية، ويمتلك الشخصية الإنسانية كلّها. فيجعل المحاكمة العقلية الموضوعية أمرًا مستحيلاً ويحيل كل تفكير منطقي عملاً زائفًا ومتحيّزًا.
وإذا كان الولع مالكًا للنفس، فلأن المولع غير قادر على التكيّف وعلى إشباع رغباته الإنسانية المشروعة: فالمقامر لا يستطيع التنبؤ بخرابه، والعاشق الولهان لا يعي ما قد يجلبه عليه عشقه الطاغي من فضائح، كما لا يتمكن المولع بتكديس الأموال والمقتنيات، من التفكير بالقيم والفضائل... وهكذا يصبح المولع عبدًا لميل واحد مسيطر ، غذّاه اللاوعي ونمّاه على مدى سنين طويلة، فيفقد المولع كل شفافية وكل تحكم بالذات.
الجشع
ليس الجشع سوى شكل متطرف من أشكال الولع. إنه تلهّف إلى الاقتناء والتملّك لا يشبع، إنه الحرص الشديد أو الطمع يبلى به المرء فيصبح جشعًا، أو تصاب به الجماعة فتصبح جشعة. وإذا كانت الأنانية الفردية أو الجماعية، هي أصل الداء في الولع، فالأنانية هي ايضًا خادمة مخلصة للجشع، تدفع بالجشع، فردًا كان ام جماعة، إلى الاهتمام بالمصلحة الشخصية وحدها: إنها الوَلع الذي يستأثر بكل منفعة تخدم الجشع. فالأنانية ليست صفة مسلكية فحسب، بل تتخطى ذلك إلى التحكم بكل الشخصية الإنسانية ، ذلك لأن الأناني يجد متعة مسعورة في تملّك لا يشبع، على الرغم مما يمكن أن يكون عنده من مقتنيات.
تدفعه انانيته إلى أن يكون جشعًا ، فتتضخّم "أناه" بتضخّم ما يملك ويصبح مهووسًا بالسيطرة على الآخرين بغية تحقيق اهدافه وحدها: فهو لا يحلم إلا بالقضاء على منافسيه، وفي خداع زبائنه، وتمكين زبانيته، واستغلال عمّاله. فلا حدّ لرغباته التي لا ترتوي، ويحسد من يملك أكثر منه، ويخاف ممن يملك أقل منه. وقد يخفي حقيقة مشاعره وراء ابتسامات مغتصبة، وإظهار العواطف المزيّفة، والكرم المشبوه.
ولا بد من الإشارة إلى أن الجشع ، كالولع، ليس صفة متأصلّة في الطبيعة البشرية، بل صفة يمكن التغلّب عليها. ولا تعود قوتها إلى شدّة تأصّلها بقدر ما تعود إلى صعوبة المقاومة لدى ضعيف النفس ضد الضغوط الاجتماعية التي قد تجعل منه ذئبًا يتصارع مع بقيّة الذئاب في محيطه ومجتمعه.
وليس من المستغرب أن لا يدرك الجشع أن شهوة التملّك توسّع الفجوة بينه وبين الآخرين، بحيث يصبح مع قلّة من اعوانه طبقة قائمة بذاتها، في حين يصبح الآخرون طبقة أخرى أكثر ضعفًا وأشد بؤسًا ، فينشأ التناحر ، وتحلّ الفرقة محل السكينة، والحرب محل السلام، فيدمر الولع والجشع بنية المجتمع.
سلوك الجشع
يسعى الجشع إلى إيهام الناس بان ما هو خير لمؤسسته هو خير الناس أجمعين! ... والحقيقة أنه مستعد لتدمير كل شيء من أجل تحقيق مصصالحه الخاصة لأنه مولع بالاقتناء والتوسع، فلا يتورع من أجل ذلك عن معاداة الطبيعة وقهرها كي يحوّلها خادمة لأهدافه، لأنها تشعره بالامان، وتحميه من ضعف في نفسه. وقد يستخدم آلاته في تدمير البيئة متسترًا باقنعة السعي إلى استغلالها للمنفعة العامة. والأمثلة على ذلك لا تحصى ولا تعد.
ومن المؤسف أن تكون الأنانية سمة من سمات الأخلاق العملية في الزمن الحاضر. ولما كانت الأنانية الصفة المميزة للجشع، فلا تورثه سوى النظرة الضيقة للأمور فيصبح الحاكم الجشع مثلاً ضيق الأفق ، فلا يرى سبيلاً إلى معالجة الهموم الاجتماعية الملحّة.
ومع ذلك، فالأنانية الجشعة، لا ترغم المجتمع دائمًا على التصدي لها مباشرة فيطوقها ويلجمها ليخفف من خطرها. من آراء الفيلسوف الهولندي باروخ اسبنوزا (1632 – 1677) أن الصحة العقلية هي "إحدى تجليات الحياة القديمة، وأن المرض العقلي هو من اعراض الفشل في الحياة وفقًا لمتطلبات الطبيعة البشرية، ولكن إذا كان الشخص الجشع لا يفكر إلا في الأموال والممتلكات ، والشخص الطمّاح لا يفكر إلا في الشهرة، فإننا لا نعتبر أيًا منهما إنسانًا فقد عقله، وإنما هو شخص مزعج، غالبًا ما يثير فينا الاحتقار، ولكن في الواقع ليس الجشع او الطموح المبالغ فيه، إلا شكلاً من الجنون على الرغم من اننا – عادة – لا نعتبرها أمراضًا " كذلك قال سبينوزا Spinoza - Ethics, 4 perp. 44 (راجع : إيرك فروم ، الإنسان بين الجوهر والمظهر، عالم المعرفة عدد 140، ترجمة سعد زهران، ص 100).
ويطلعنا علم النفس أيضًا على أن الجشع يستتر خلف قناع من العطف يخفي وراءه استغلالية بشعة، فيختلف ، والحالة هذه، مظهره المعلن عن حقيقة الدوافع التي تحرّك سلوكه.
وقد علمنا التاريخ أن الحاكم الجشع يفقد بعد حين من حكمه، شعبيته بين مواطنيه. لأنه يسعى إلى السيطرة على الأرض ومن عليها.
في عام 1086 م. استولى وليم الفاتح على إنكلترا، فأمر بإجراء عملية جرد لكل ما على الأرض من موجودات ومصادر طبيعية وبشرية، ولم يستثن عدد الغزلان الموجودة في القفار. لقد أراد أن يعرف من كان يملك قطعة الأرض هذه أو تلك، وكم كانت تساوي من المال، ومقدار المنتوجات؟ وكم كان يستطيع فرضه من الضرائب، وكم كانت مساحة الأراضي، وما عدد العائلات التي تشغلها، وعدد الفلاحين والقطعان... ألخ.
وكانت هذه الجردة فريدة من نوعها في كل اوروبا، فلا عجب إن لم ترق لسكان البلاد، فأطلقوا عليها إسم "كتاب الدينونة" المخيف Domes day Book ذلك أنها ذكّرتهم برسوم يوم الدينونة المنقوشة على جدران الكنائس (David Mc Dowall, An Illustrated History of Britain, Longman, 1989, p:25)
وقد اعتبر وليم الفاتح نفسه المالك الوحيد للبلاد فمنح أرضًا لنبلائه الذين ساعدوه على غزو إنكلترا وأقام بذلك نظام الإقطاع، الذي تكرّر عبر العصور، قديمها وحديثها، متخذًا أشكالاً وصورًا متنوعة.
ولا يخفى على أحد أن جشع التملك يولّد غيرة قاتلة لدى الأشخاص الذين يتنازعون الملكية. فلا عجب أن تكون العلاقات التي يسودها نمط التملك الجشع علاقات مشحونة بالصراعات والخصومات التي ترهق البلاد وتثقل على العباد ، لما يسيطر عليها من اعمال المنافسة ومشاعر التناحر والتنافر والخوف.
ولما كان التملك يرتكز أساسًا على الإحساس بالهوية: اي الإحساس بان المالك هو ما يملك ، فالنتيجة الحتمية لهذا الإحساس ازدياد الرغبة في تملك أكثر، يمتد إلى اللاحدود.
وللجشع هذا أشكال وألوان، فمن التوسع في الاقتناء ، ورغبة التاجر الجشع في مزيد من الأرباح ، إلى نهم دون جوان في امتلاك النساء (ليت لجميع النساء فمًا واحدًا، إذن لقبلته واسترحت). وهو عند صائدة الرجال قلق دائم وتحفّز أبدي للاصطياد. ذلك أن الجَشِع نهِمٌ أبدًا لا يشبع، وجوعه يختلف عن الجوع الفيزيولوجي الذي يتحكّم به شعور بالاكتفاء تحدده حالة الجسم الفيزيولوجية، في حين أن لا حدود لجشع النفس، فداخلها فراغ لا تستطيع المادة أن تملأه. ولعل وهم الخوف من فقدان الشيء المكتسب، يدفع بالخائف إلى السعي للاستزادة في الاقتناء، كي يقيم حصنًا ضد الخسارة المتوهمة.
جشع الدول
ويصيب الجشع الامم كما يصيب الأفراد. فالأمم التي تبنى على قواعد التملك والجشع تشن الحروب على البلدان الضعيفة ذات الموارد الغنية بغية الاستيلاء على خيراتها. وقد تعمد إلى وسائل أخرى كالحصار الاقتصادي، أو التهديد بالحرب، أو الابتزاز... وكثيرًا ما نرى تحالفات تنشأ بغية النيل من دول ضعيفة بسلاحها ، قوية بمواردها...
وينطبق القول في حروب الدول على الحروب بين الطبقات والطوائف، والحروب بين المستغلِّين والمستغَلّن، حيث يسعى الأقوياء في مجتمع الجشع إلى الحصول على الامتيازات التي تمكنهم من استغلال من هم دونهم طبقيًا، ووسائلهم إلى ذلك أبشع من اهدافهم: فالعنف والابتزاز والإغراء والرشوة وإفساد الضمائر هي بعض هذه الوسائل، علمًا بان الوسائل قد تفشل في النهاية في تمكين المستغلين ، فيعمد المضطهدون إلى الإطاحة بالمضطهدين.
سلوك التملّك
وقد يعجب المفكر الواعي من سلوك التملك والجشع والاستهلاك. وقف سقراط ذات يوم امام حانوت تُباع فيه مختلف انواع السلع، فقال "كم كثيرة هي الأشياء التي لا أحتاجها."!... وأطلق بوذا اسم "الشهوة" على سلوك التملك الذي لا يهتم صاحبه إلا في الحصول على الملكية، والحق غير المحدود في محافظته على ما يملك. وأبشع ما في هذا الأسلوب أنه يستبعد الآخرين ولا يقيم لهم أي اعتبار، فيعمد بشتى الطرق إلى الاحتفاظ بالملكية واستغلالها إلى أقصى الحدود. إنه السلوك الذي يحوّل الناس والموجودات إلى أشياء مستعبدة تخضع لسلطة اخرى، وتُستبدل ميول المتملك جميعها بميل التملك وحده.ويوحي التملك إلى المولَع به بانه جوهر قائم بذاته، فهو شخص لا يحول ولا يزول. والواقع أن الملك والمالك زائلان، فيعمد المالك إلى ترسيخ وهو الخلود باستخدام اللغة بحيث يصبح اسم الشخص مرادفصا لصاحبه. وقد يتسنى لمالك بان يطلق اسمه على مؤسسة أو عقار أو شارع، ولا يدري ربما، بأن كل من عليها فانٍ...
وبعد، إذا كان ما تقدم هو وضع الإنسان المولع والجشع وإذا كان هذا الوضع يشكل خطرًا على المجتمع ، فكيف نبني الإنسان الجديد؟ في مجتمع جديد؟
بناء الإنسان الجديد
أولاً: على الإنسان أن يعي فعل الولع والجشع في تدمير المجتمع ليتجنبه. وعليه، ينبغي أن يعيد تنظيم حياته، ويكرّس الجهود الإنسانية المشتركة، لإعادة بناء ذاته. وعليه أن يجد حلولاً لمشكلاته المتراكمة، من خلال تخطيط جديد، تقوم التنمية فيه على أساس توفير الأسباب للحفاظ على الكرامة الإنسانية بواسطة توفير فرص العمل للجميع، وخلق مناخ نفسي عام ينشط الحوافز للإبداع في حقول العلم والفن والأدب، وجعل التكنولوجيا خادمة للإنسان، لا مستبدة به.
ثانيًا: على الإنسان الجديد أن يعرف كيف يعيش بامان فيعمل على تغيير أساليب العيش بحيث تسود القيم الأخلاقية السامية ويتوافر للناس جميعًا انخراط في نشاطات إنتاج معتدل فيستهلكوا باعتدال...
ثالثًا: على هؤلاء الناس أن يحبّوا الطبيعة فيحموها من اخطار التصنيع والتصحّر . وإذا كان الإنسان لم يعرف بعد كيف يستفيد من الثورة الصناعية ونتائجها المادية الثقافية الهائلة في تحقيق بعض الراحة النفسية، فعليه أن يدرك أن فشله في ذلك يعود إلى جشعه العارم في إشباع رغباته، وأن يعي بان التهالك على الاقتناء لا يؤدي إلى العيش الهنيء.
رابعًا: على الإنسان الجديد أن يدرك أن الانتاج المادي، والترويج له على النحو الذي نرى ونسمع ، لم يُنتج سوى التحكم بالأخلاق والأذواق وتسييرها وجهة استهلاك مجنون، فيقتل حرية الاختيار ويصبح البشر عبيدًا للسوق فيزداد عدد الفقراء، ويتخم الاغنياء.
خامسًا : من الناس والدول من يحسبون انفسهم أنهم صور للسوبرمان المبتذل الذي خَلَت قوته من العقل. فجرّدتهم سفاهة حلمهم من العنصر الإنسانية الأخلاقي الذي وحده يميّز الإنسان القادر عن الذئب الكاسر.
سادسًا: من الناس والدول من ينظر إلى الشباب الذين يندفعون للتضحية بانفسهم من اجل قضية عادلة نظرة شك واتهام، فيصمونهم بالتخريب تارة والإرهاب طورًا ويتعامى المتهمون عن الأسباب التي تدفع بهؤلاء الشباب إلى العنف والتعصب وتدمير الذات والآخرين.
سابعًا: على المؤسسات الدولية صاحبة القرار أن تلتزم بشرعة حقوق الإنسان، فتنفذ القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة ، وتحترم حقوق الشعوب في تقرير مصائرها.
ثامنًا: على الإنسان الجديد أن يعمل على أن يكون الانتاج سبيلاً لإشباع الحاجات الإنسانية الأساسية، وليس خادمًا للنظام الاقتصادي حرًا كان أم غير حر... من هنا تأتي فكرة التضامن التي تعني إقامة علاقة صحيحة بين الناس أنفسهم من جهة، وبين الناس والطبيعة من جهة ثانية بحيث يحل التضامن محل الجشع فيعمل كل تنظيم اجتماعي لصالح الناس جميعًا. وللتخفيف من شقائهم. وهذا لن يتم إلا إذا تم الفهم بأن الاعتداء على الطبيعة أمر خطير، وبان التصرّف الإنساني اللامعقول يجعل الناس عبيدًا لولعهم وجشعهم وانانيتهم.
تاسعًا: على الإنسان الجديد أن يدرك أهمية المشاركة بين الناس دونما غاية استغلالية، لأن حياة الإنسان هي العنصر المقدس ، وليس الأشياء او السلطة أو المال، لأن الجشع لا يولد سوى الشراهة والكراهية والانهيار. علينا أن ندرك أن نظام الاقتصاد الحر لا يعني أن يغدو الإنسان نسيجًا من الشهوات الجامحة التي ليست سوى استجابة لجشع مريض.
عاشرًا: على الإنسان الجديد أن يتسم بالواقعية، فيقدر الصعوبات حق قدرها، ويبذل الجهد لتذليلها. وعليه أن يدرك أن مجتمعًا تتحكم به الأموال والاعمال، إنما هو مجتمع قائم على المقامرة المحفوفة بالمخاطر، وعلى جشع الربح المادي المتوحش، لا على الاهتمام بالإنسان. فالاهتمام بالإنسان يتطلب تنمية لسمات الإيثار والغيرية والتعاون، ولا تنمو هذه الصفات الإنسانية إلا في ظل مجتمع يدرك القيم المستحبة فينمّيها، ويعي التصرّف المستهجن فينبذه، حينئذ فقط يتحرر الإنسان من الأنانية، وينبذ نمط الشخصية التسويقية ويحل محلّها نمط الشخصة المحبة المنتجة المبدعة.
حادي عشر : على الإنسان الجديد أن يدرك أنه إذا أصبح المرء ذا شخصية تسويقية (أي سلعة في سوق الشخصيات) يصبح العالم الذي يعيش فيه بلا طعم ولا معنى. ولا يستقيم العيش للناس، إلا إذا قام اتفاق عام يلغي الشخصية التسويقية للأفراد، ويعتمد المشاركة أساسًا للتعامل بين جميع أعضاء المجتمع.
ثاني عشر وأخيرًا: قد يتبادر إلى الذهن أن ما أوردنا من أفكار، عصيّ على التحقيق ، او طوباوي المبنى والمعنى... والحق أن العقبة الكأداء التي تعوقنا عن التقدم في مضمار بناء الإنسان الحضاري ليست في الفكر والتخطيط بقدر ما هي في الشعور بالعجز، والاستسلام لما يجري في مجتمعنا كانما هو قدر محتوم. ويظهر العجز واضحًا حين يرى المرء الخطر أمامه فلا يحاول أن يتلافاه ، فيغدو بلا طاقة تحركه أو عقل يهديه.
المصالحة مع الذات ومع الآخر
هي من الحقائق المعقدة التي يصعب منالها لأن الإنسان معادلة صعبة... ومع ذلك سأحاول التعامل مع هذه المعادلة، معتمدًا على الله، وعلى حسن طويتكم، وطول أناتكم.
كم سمعنا ونسمع هذه العبارة "المصالحة" تتردد على ألسنة الواعظين والمرشدين والسياسيين، من مختلف الفئات والاختصاصات!... وكم توقفت عندها أحاول فهمها، وأتلمّس السبيل إلى تطبيقها فعلاً، إذ إنني منذ بدأت أعي الأمور، نوعًا، وأمارس العمل العام تعليمًا، وانشغالاً في النشاطات التربوية والاجتماعية والسياسية، كان وما زال، يحيّرني تصرّف الناس، فيما يتعلّق بأبسط امور حياتهم ، فكنت ألاحظ، كما يلاحظ الكثيرون، أن هنالك خصامًا مع الذات، يبرز من خلال السلوك البشري، ويكشف عن صراعات ذاتية، وصدام مع الآخر: فنحن نظهر غير ما نبطن، ونفعل عكس ما نقول، ونريد لأنفسنا غير ما نرضى لغيرنا، ونتناحر باسم التنافس ونعتز "بالشطارة" ونتفاخر بالكسب، بصرف النظر عن مصادره ووسائله، متنكرين للقيم الإنسانية، مخالفين أحيانًا اخرى، التعاليم الاخلاقية التي اكتسبناها من البيت والمدرسة والدين والمجتمع.
وفي الواقع، كانت هذه الأمور التي تنطبق على تصرّف العديد من الناس ، تدفعني بقوة إلى النظر في الدوافع البشرية ، والبحث عن الأساباب التي تكمن وراء هذا الطلاق بين المعرفة والسلوك... ولعلّ هذا ما جعلني أنكبّ منذ زمن بعيد، على دراسة الإنسان، من نواحي حياته الفكرية والتربوية والاجتماعية والسياسية.
وكنت كلّما توغّلت في متاهات البحث والتقصّي، كلّما ازددت شعورًا باغترابي، فارتبكت حيرتي، ولم أجد أجوبة شافية عن التساؤلات التي كانت تغزو فكري، حول الإنسان وصراعه مع ذاته، حول سلوكه وصدامه مع الآخر. ولعل اكثر تلك الأسئلة إلحاحًا هو : لماذا نحاول أن نجعل من الإنسان مشروعًا فاشلاً، وهو الذي جعله الله سبحانه وتعالى على صورته ومثاله، وخلقه في أحسن تقويم؟ فلماذا قتلنا سقراط، وصلبنا المسيح؟
لماذا احرقنا برونو حتى الموت، وحكمنا على غاليليو بالإقامة الجبرية حتى آخر لحظة من حياته، وهطذا ألف لماذا، لم أجد لها أجوبة شافية...
ولكي أتخلّص من بشاعة هذه الأفكار ، وأطرد شياطينها من ذهني وذاكرتي ومخيلتي، لجأت إلى التاريخ أسأله الحقيقة والعون والعبر، فرأيت كتب التاريخ، على تنوعها واختلافها وغزارتها ، تضج بدوي الأسلحة الفتاكة، وتتصاعد منها غبائر الحرب والدمار ، وتمتد أيادي السلب والنهب ، وتنبثق ألسنة اللهب المحرق، وتكاد ترشح بين يدي دماء غزيرة بريئة ، وتتناثر منها الأشلاء، فأرى الحضارات تنهار، وأشاهد الإنسان في أبشع صوره، وأشد ما كان يؤلمني أن هذه البشاعات كانت تسوغ بتعليلات ومفاهيم عقيمة كمفهوم "تناحر البقاء وبقاء الأصلح" وما شاكله من المفاهيم.
وكنت أسائل نفسي: ألم يكن الإنسان بقادر على إيجاد وسيلة أفضل لبقاء ذلك الأصلح؟ ولا أخفي حقيقة أنني كنت أحس بسذاجتي لدى كل تساؤل من هذا النوع... غير أن ما روته لي كتب التاريخ كان أقل أثرًا مما لحق بنفسي من ألم بسبب ما عشته في وطني من اهوال كنا في غنى عنها، إذ إن الصراع مع الذات والتصادم مع الآخر بلغا من العنف والبشاعة ما أطاح بالأقوى والأضعف. والأفضل والأقل فضلاً فسادت الهمجية وأفلتت الغرائز من قيودها وعاد السؤال الرهيب يدق أبواب عقلي كما يدق أبواب عقول الناس جميعًا: لماذا يسيء الإنسان إلى أخيه الإنسان بهذا الشكل الفظيع ؟؟!...
أستميحكم عذرًا إن كنت أعدت إلى اذهانكم صورًا نرغب جميعًا في دفنها. غير أن المصالحة مع الذات ومع الآخر تقتضي المصارحة مع الذات ومع الآخر، فالمصارحة تؤدي إلى الحقيقة. وقد تكون الحقيقة، أحيانًا، مُرّة المذاق، غير ان البحث الجدي يتطلب الصراحة التي تُفضي إليها ... وألتمس منكم صبرًا معي، على هذه الرحلة مع الإنسان، علّنا نجد معًا، جوابًا مقنعًا يمحو من نفوسنا آثار العدوان، ويجعلنا نجد تفسيرًا لما نفعل، نحن البشر، بأنفسنا وبسوانا، مما يتنافى مع القيم الإنسانية، فلربما ساعدنا تأويل أفعالنا على المصالحة مع الذات ومع الآخر.
من التاريخ السياسي، أيها الإخوة، إنتقلت إلى التاريخ الأدبي، باحثًا عن سلسبيل أنقى، أروي به عطش الفكر، وأغسل أثر الدماء... ذهبت إلى الآداب أولّها، وربما أعرقها، فالتقيت سوفوكليس وإسكيلاس ويوريبيدس فقالوا لي : إن العلاقة الأخلاقية بين الآلهة والإنسان، هي ما تشغل بالهم. ورأيت المأساة عندهم تعالج سقوط الإنسان من سلطانه، إما بسبب علّة غير مشتبه بها، في خلقه، وإما بسبب خطيئة ارتكبها عن غير وعي بها. فأوديبس الملك، مثلاً، ارتكب جريمة فظيعة بقتله والده والتزوج بامه، عن غير قصد أو دراية، فسقط، والآلهة هي التي سببت سقوطه، وهي على صواب وعدل... فقأ أوديبس عينيه وهام في البراري حتى مات، وشنقت الأم زوجته نفسها... وهكذا يرضى الجميع بالنتيجة، ويستسلم الجميع لما قررته الآلهة وقدّرته!...
واستوقفني سنيكا الروماني (4 ق.م.) – 65 م) ليقول لي إن الآلهة ما زالت مسيطرة كل السيطرة، إلا أن الإنسان مجبر على أن يرضخ لآلهته، ولكنه لا ينبغي عليه أن يعتقد أن تقبله لتلك القوانين هي العمل الصواب...
فإذا كانت الآلهة تحتكر السلطان، فإنها عاجزة عن أن تحتكر الفضيلة... في استطاعتها ان تهزم الإنسان وتحطمه ، غير أن الإنسان يبقى شاعرًا في اعماق ذاته بانّه الأفضل والأسمى خلقيًا ... ومهما فعلت الآلهة ، أو قالت ، او قررت فأنا ، الإنسان، على صواب، وهي على خطأ، لأنني لم أرتكب إثمًا...
ويلحّ علي سنيكا بفلسفته الرواقية هذه قائلاً بان الإنسان حر الإرادة ، يعني ذلك أنه نشيط، فلا ينبغي عليه أن يستسلم للمصير، فالإستسلام هذا يعني "اللافعالية"... وتراني أهرب من سنيكا ومن صراعه مع الآخرين (مع الآلهة)، إلى عملاق أدبي آخر، يمسرح لنا حرية الإرادة وسلطة الاختيار من خلال الصراع مع الذات: فأخطاء الفرد البشري في التصرف والسلوك تنبع من ذاته من تركيب شخصيته. وهذه الأخطاء هي التي تؤدي إلى سقوطه. فالبطل ماكبث مثلاً، يدمره طموحه ، لأن شخصيته ضعيفة، وعُطيل تعميه الغيرة عن الحقيقة، وهاملِت عاجز عن اتخاذ القرار... وكان بمقدور هؤلاء جميعًا أن يكونوا شخصيات أفضل، لو انهم تعلّموا المصالحة مع الذات، فسيطروا على الهنات الموجودة في انفسهم، وكان بإمكانهم تحقيق ذلك، إذ إنه ليس هنالك قوة خارجية تحول بينهم وبين اختيار السبيل السوي – وما السبيل السوي سوى المصالحة مع الذات : وهي بدورها تؤدي إلى المصالحة مع الآخر...
ذلك هو وليم شكسبير ، وتلك هي نظرته إلى الطبيعة البشرية. واما مليم بلايك (1757 – 1827) فهو مليم آخر، هو شاعر ورسام، استخدم هاتين الموهبتين كي يصور لنا بشكل رمزي ، صراعاتنا النفسية الموجودة داخلنا، وهذه الصراعات لا تعرف المصالحة مع الذات، بل هي في حرب دائمة مع ذاتها. ونسمع وليم بلايك يصرخ متسائلاً: "ما العقل، وما سلطانه؟ ما التقاليد الاجتماعية وما نفعها؟ فالإحساس، بالتعاون مع المخيّلة، يستطيعان أن يجعلا الإنسان قادرًا على تحقيق ذاته... ثم يصرخ بلايك بأعلى صوته قائلاً: "أيها الإنسان ، تعهّد مخيلتك، ونمّ إحساسك، وأنا كفيل بانك سوف تدرك الحقيقة النهائية دونما مساعدة من العقل". وحين اسمع قول بلايك أتخيّل أبا العلاء المعري يضطرب في اعماقه ويطل برأسه صائحًا:
أيّها الغرّ إن بليت بعقل فاسألنه، فكل عقل نبي."
تعلمون ان التاريخ الإنساني هو من صنع الإنسان نفسه، وقد وصف أرسطو الإنسان بانه حيوان عاقل، أو حيوان سياسي، صنع تاريخه، وكتبه مدوّنًا فيه أبشع انتصاراته... هذا الإنسان وصفه أوغست كونت بأنه حيوان ذو تاريخ... ولقد رأينا كيف أن هذا الإنسان غير متصالح مع ذاته ومع الىخر تاريخيًا، وغير متصالح مع ذاته أدبيًا... فمرة كانت تسود في تصرّفه العقلانية، منتجة كثيرًا من الروائع الفكرية، وطورًا كانت تسيطر على أدبه الانفعالية، مولّدة أيضًا روائع إنسانية جميلة... ولكنه في كل ذلك ، لم يستطع أن يؤمن لذاته السلام المنشود، والحياة المطمئنة...
وتعلمون أيضًا ان الفلسفة، وهي النتيجة الفعلية للعقل البشري الحائر ، لم تجد الأجوبة الصحيحة أو المريحة عن تساؤلاته حول الكون والمصير، والنفس والجسد، والبقاء والفناء، والحياة والموت... وقد لجات الفلسفة ، في تسويغها لفشلها ، إلى قول يبدو لي ساذجًا ، وهو أنه ليس من عمل الفلسفة إيجاد حلول للمسائل المطروحة، بل إن عملها يتمحور حول طرح الأسئلة تلك. وليس هذا التسويغ ، في نظري، سوى نتيجة لعجز العقل عن إيجاد الوسيلة المقبولة للتصالح مع الذات ، ومع الآخر، إذ إننا نرى من خلال ما كتبه الفلاسفة في الشرق والغرب، تناقضات ومشاحنات ، لم تتمخّض حتى الآن عن نتائج ملموسة ، تساعد الإنسان على العيش بسلام . فالفلسفة التجريبية مثلاً، تناقض الفلسفة العقلانية، وفلسفة النرفانا والاستسلام تتصارع مع فلسفة الدعوة إلى لاقوة والعنف، والديمقراطية، في صراع مع حكم الفرد أو المجموعة الصغيرة الحاكمة إلى آخر ما هنالك من تيارات فلسفية أدت في معظمها إلى تحطيم الإنسان إما بالكسل والخمول والياس، وإما إلى تمزيقه بالعنف والحروب والتسلّط. وكان وراء كل ذلك، وأساسًا لكل ذلك، صراعات في النفس البشرية، تخمد تارة وتضطرم طورًا، حتى تنفجر في النهاية أيديولوجيات متناحرة لم تحقق للإنسان اهدافصا إنسانيًة، تتغلّب فيها الإنسانية على الصفات الحيوانية ، إلا في حالات نادرة، لم تكن سوى ومضات سريعة في سماء الإنسانية الرجبة ، فكان يعود الظلام من جديد، وتعود أفكار البشر تتآكل من جديد، وتعود الحرب الذاتية تدمّر الأخلاق والقيم التي لا يمكن للإنسان أن يعيش إنسانيته لدونها.
إذا كان ذلك شان التاريخ والأدب والفلسفة، وعجزها مجتمعة عن خلق ظروف المصالحة مع الذات ومع الآخر ، فهل تمكن العلم من تحقيق ذلك؟
كلنا نعلم ان الجواب ليس مشجعًا. وكلنا نعلم فضائل العلم وإنجازاته في الكشف عن بعض أسرار الكون والطبيعة، واستخدام الإنسان للمكتشفات العلمية، تكنولوجيًا، وكم سهّل على الإنسان أمور معاشه برًا وبحرًا وجوًا... وكلنا نعلم كم أفاد العلم في الطب والاقتصاد ، والصناعة والزراعة، في الترفيه والعمران والحضارة... ولكننا نعلم أيضًا أن هذه الإنجازات العلمية قد أدّت خدماتها في النواحي المادية اكثر مما عملت على بناء رفاهية إنسانية حقيقية، وأستطيع أن أزعم أن الآثار السلبية للعلوم والتكنولوجيا قد أخذت تتجمع حتى أخذت تبدو وكانها تتفوق على آثارها الإيجابية، كما أن استخداماتها في مجالات التدمير، أوسع وأعمّ، منها في مجالات التعمير... فكيف يمكن ان نفهم أن الإنسان متصالح مع ذاته ومع الآخرين، إن نحن علمنا أن الإنفاق على التسلّح، مثلاً، قد بلغ في وقت من الأوقات، حوالي مائة وثمانين مليون دولار في الساعة الواحدة؟ وذلك خلال سنوات عديدة بلغت فيها حمّى التسلّح أوجها... أو أن بناء طائرة مقاتلة حديثة يتطلّب من المال ما يكفي لدفع رواتب ثلاثماية ألف معلم ابتدائي لمدة سنة كاملة؟ أو بناء غواصة نووية يتطلب من المال ما يكفي لتزويد خمسين مدينة بمختبرات علمية – تعليمية؟ ... (كما جاء في تقارير منظمة الأونيسكو) فنتساءل هنا، كم ينفق العالم المتطور والعالم النامي معًا على الشؤون الثقافية والتربوية التي تهدف إلى بناء إنسانية الإنسان؟ ... كل ما أستطيع قوله، إنه لا سبيل إلى المقارنة ، رغم عدم توافر الإحصاءات الدقيقة لدي في هذا المجال.
إن فشل العلم، في تحقيق المصالحة مع الذات ومع الآخر، ينبغي ألا يثنينا عن الاستمرار في البحث العلمي، بل يجب ان يدفعنا إلى استخدام العلم من أجل إيجاد الصيغ الأفضل لتصرفات أفضل... وبالتالي إلى مصالحة مع الذات، هذه المصالحة التي تكبر أهميتها حين يطالعنا شاعر لاتيني بقوله :"إنني اعرف الخير، ولكنني أفعل الشر."... أو حين يقول فيلسوف معاصر "إن الواعظين الفصحاء ينجحون في جعل مستمعيهم يغيّرون رأيهم، ولكنهم لا يتمكنون من جعلهم يغيرون سلوكهم". أليس هذا مناقضًا للمنطق، مغايرًا للذكاء؟... وماذا يحل بصرخة سقراط "أيها الإنسان، إعرف نفسك" ؟!... وماذا يكون مصير الرأي عند أفلاطون في أن من يعرف الخير سيفعله بالضرورة؟... وهل سيبقى رأي سقراط وأفلاطون معًا، بان الفضيلة هي نتاج المعرفة، والرذيلة من صنع الجهل، رأيًا متماسكًا؟ وكيف يدافع سبينوزا عن رأيه بأن الفكرة الواضحة توقف تقلبات الفكر ، وتصبح بالتالي قرارًا؟... وبكلام أبسط، هل يكفي ان أعرف جيدًا كي أتصرّف حسنًا؟ فأعيش راضيًا، وأرضي الآخر، فتغدو سمفونية الحياة أصفى نغمًا، وأكثر إمتاعًا؟ لست اعرف جوابًا مقنعًا عن هذه التساؤلات، ذلك لأن النفس البشرية تبدو لي أشد تعقيدًا مما ظن سقراط، واعتقد افلاطون، وقرر سبينوزا... ولأن ملاحظة المخلوقات البشرية وتصرفاتها لا تطمئن كثيرًا، إذ إن الوعظ والإرشاد والعلم والمعرفة لم تؤد إلى انسجام كبير في الذات ومصالحة مع الآخر. وهذا ما يجعلنا نوغل في البحث علّنا نكتشف الأسباب التي تكمن وراء فشل العلم والمعرفة في تمكنهما، وحدهما، من خلق مناخ إنساني يهدينا إلى السراط المستقيم.
ولقد دفعني هذا القلق حول مصير الإنسان ، بسبب خصامه مع ذاته ومع الآخر ، إلى مزيد من البحث والتقصي فسلطت هذه المرة سبيل علوم الأحياء، واكتشافات علماء الإحاثات والانتروبولوجيا...
فأرجو ان تتكرموا فتستمعوا لما سيقصّه علينا هؤلاء الحكماء... كما أنني أدعوكم للسير معي إلى الوراء، بتراجع بسيط تبلغ درجته عشرين مليون سنة، وهي ما اكتشف أنها تكوّن عمر الإنسان على هذا الكوكب، حتى الآن. وهو رقم يبدو كسرًا ضئيلاً بالنسبة لعمر الكون.
إن هذه الرحلة التي سنقوم بها معًا عبر الماضي السحيق ستعرّفنا إلى أشكال التطور التي طرات على الوعي البشري ومن ثم إلى ألوان تصرفه ، وأساب تناقضه، ومحاولات تكيّفه مع ذاته ومع المحيط الذي كان يعيش فيه.
تعالوا معي الآن نعد إلى بداية عشرين مليون سنة خلت، حتى نرى المجاري الكبرى التي سار فيها تطور هذا الدماغ البشري المسؤول عن تصرفاتنا وأفكارنا ومشاعرنا. فمنذ عشرين مليون سنة تقريبًا، كان يعيش إنسان Driopithecus Africanus الذي كان حجم دماغه يبلغ ماية وخمسين سنتمترًا مكعبًا. وقبل خمسة عشر مليونًا إلى ستة ملايين من السنين، كان يعيش إنسان Ramapithecus الذي لم يتمكن العلماء حتى الآن من تحديد حجم دماغه. وقبل ثلاثة ملايين ونصف، ومليونين ونصف من السنين، كان يعيش إنسان Australopithecus Africanus وكان حجم دماغه قد بلغ أربعماية وخمسين سنتمترًا مكعبًا. وقبل مليونين ونصف إلى مليون ونصف من السنين عاش إنسان Australopithecus Robustus وبلغ حجم دماغه خمسماية سنتمتر مكعب. وقبل مليونين ومئتي ألف سنة، إلى مليون من السنين كان يعيش إنسان Australopithecus Boisci وقد بلغ حجم دماغه خمسماية وخمسين سنتمترًا مكعبًا. أما إنسان Homo Habillis أو ما يسنى بالجمجمة (1470) التي اكتشفت عام 1972 في بحيرة Turkana في كينيا، فكان يعيش قبل مليونين ونصف، إلى مليون وست مئة ألف من السنين. وقد بلغ حجم دماغه سبعماية وخمسين سنتمترًا مكعبًا. وكان إنسان Homo Erectus يعيش قبل حوالي المليون ونصف المليون من السنين وقد بلغ حجم دماغه بين تسعماية وألف وثلاثماية سنتمترًا مكعبًا. وجاء بعده الإنسان Homo Sapians الأول الذي كان يعيش قبل حوالي ثلاثماية ألف سنة وبلغ حجم دماغه ألفًا وأربعماية سنتمترًا مكعبًا. ثم كان الإنسان Homo sapians sapians الحديث الذي كان موجودًا قبل أربعين ألف سنة وبلغ حجم دماغه بين ألف وألفي سنتمتر مكعب.
كان مسار هذا التطور من الصيغ التي وضعها العالم الأنتروبولوجي Richard Leakey وعمل على قياس أحجام الدماغ العالم Ralph Holloway وقد مكنانا من إلقاء هذه النظرة الخاطفة على الحقب التاريخية التي مرّ بها دماغنا ، حتى وصل إلى ما هو عليه اليوم ونجدنا الآن مدفوعين إلى إبداء الملاحظات التالية:
1 – ينبغي أن نعود إلى العصر الجيولوجي الثلثي الأوسط (Miocene) كي نحدد السبب في تطور شكل الدماغ لدى الإنسان الأول (Hominoid) فقد كان أسلوب الحياة لدى أجدادنا الكرام، منذ خمسة عشر مليونًا إلى ستة ملايين من السنين، يتطلب طريقة للتفكير تختلف عن أساليب التفكير لدي معاصريهم من الحيوانات الأخرى.
2 – إن تمكن اجدادنا من الوقوف على أقدامهم ، وضرورة إيجاد مصادر جديدة للطاقة والتكيف مع حياة اجتماعية دائمة التغير والتطور (هذه الأمور الثلاثة) كان لها نتيجة غير مباشرة على دماغ الإنسان (Ramapithecus) كما على مظهره الجسماني.
3 – يفسر الفرق بين أحجام الأدمغة لدى الاشكال المختلفة من الإنسان بما كان يستجد عليه عبر السنين من زيادة كبيرة في المتطلبات التي كانت تثقل الدماغ، نظرًا للزيادة التي طرات على حجم القامة.
4 – إن الازدياد في حجم الدماغ يقابله ازدياد في نسبة الذكاء. ومع ذلك، فليس هنالك، على ما يبدو، علاقة متبادلة، بين أهمية السعة الدماغية والعبقرية. فحجم دماغ الروائي والكاتب المسرحي الروسي Ivan Jourgueniev (1818 – 1883) وحجم دماغ الكاتب الإنكليزي Jonothan Swift (1667 – 1745) بلغا حجمًا لافتًا وهو ألفا سنتمتر مكعب. في حين أن موهبة الكاتب الروائي الفرنسي Anatole France (1844 – 1924) كانت تنبثق عن دماغ بلغ حجمه ألف سنتمتر مكعب فقط، أي عن دماغ بلغ حجمه ألف سنتمتر مكعب فقط، أي عن دماغ ليس أكبر حجمًا من دماغ الإنسان Homo Habillis (أو جمجمة 1470) وهذا يدل على أن درجة الذكاء وقوة التفكير تعتمد أساسًا على التنظيم الداخلي للدماغ، وليس على حجمه بشكل مطلق.
5 – أعطانا الله سبحانه وتعالى هذا الدماغ البشري مزوّدًا بقدرات وإمكانات مختلفة، كي نتمكن من التكيّف مع العالم الواقعي، فنتصالح مع الآخر ومع الذات في آن. ويستطيع هذا الدماغ القيام بعمليات تحليلية للعالم الحقيقي، واستخراج النتائج منها. كما يستطيع أن يخزّن المعلومات في حافظته الهائلة، ويتمكن أيضًا من تصوّر المستقبل.
6 – إن في إمكان العقل البشري أن يدرك بوضوح عملية انسياب الزمن، ويعرف كيف أن العالم الخارجي شيء موضوعي لا يتغيّر (نسبيًا). بل الذي يتغيّر هو انفعالاتنا وخبراتنا. كما أنّه يتمكن من ان يدرك أن العالم الخارجي هو ذو أبعاد أربعة، مضيفًا إلى الأبعاد الثلاثة المعروفة، بعدًا رابعًا هو العلاقة بين المكان والزمان.
7 – نحن نشترك مع الحيوانات الاخرى في ما لدينا من آليات الإحساس ، إلا أن القدرة على الكلام المحكي، والكلام بشكل عام ، هما خاصيتان نتميّز بهما عن سائر المخلوقات الأخرى. كما ان تطوّر اللغة المحكيّة أثّر كثيرًا في زيادة حجم الدماغ البشري. واللغة كما تعلمون، هي وسيلة تواصل وآلية تفكير واداة تمكن الإنسان من تحديد موقعه بالنسبة للكون.
8 – يتفرد الإنسان أيضًا، بالميل إلى حب الاستطلاع على نحو لا يشبع. ولا يمكن لحب الاستطلاع أن ينمو ويتطور إذا لم يكن لدينا وعي وإدراك لما يدور حولنا.
9 – وبالإضافة إلى أن هذا الوعي هو ضرورة بيولوجية، فإنّه يسهل أيضًا عمليات التفاعل الاجتماعي. "فإذا كنّا واعين انفالاتنا، نستطيع أن نفهم على نحو أفضل، سلوك الآخر وتصرفاته. وإذا كنّا مدركين الحسابات الدقيقة التي نجريها ونستخدمها للحصول على فائد اجتماعية معينة ، يصبح في إمكاننا ضبط مناورات الآخرين والتحكم بها". وإن هذا الوعي هو وعي للذات كما هو وعي للآخر، وبالتالي هو السبيل إلى المصالحة مع الذات ومع الآخر.
10 – يحتاج الإنسان إلى قدرات ذكائية كبرى من اجل التمكن من إقامة علاقات اجتماعية، ومن المحافظة على هذه العلاقات. وذلك كلّه كي يحقق مناورات سياسية بغية تحسين مكانته الاجتماعية أو من اجل المحافظة على علاقاته مع شخص آخر، في احوال قد تتغيّر على نحو غير مرتقب.
11 – بين مليون سنة، ومايتين وخمسين ألف سنة، قبل عصرنا الحاضر ، ازدادت سعة الدماغ البشري بنسبة الثلث. ولا يعود تفسير ذلك ، إلى قدرة الإنسان في ذلك الزمان على صنع الأدوات الحجرية، أو إلى التكنولوجيا بلغة عصرنا الحديث، بل إلى ازدياد التفاعلات الاجتماعية، وظهور ميل الإيثار بخاصة: هذه الغيرية (أو حب مساعدة الآخرين) المتبادلة بين الأفراد. كما يعود تفسير ذلك أيضًا إلى الميكانزمات النفسية والعاطفية المعقدة.
12 – وإن هذا التعاون بين اعضاء جماعة يضمهم هدف مشترك، يوجب على كل فرد أن يظهر قدرة على التحفّظ واللياقة، والإقناع والخضوع والتقبّل، والإحساس المرهف، والظرف... على ان نضيف إلى هذه الخصال، الرغبة الواعية أو اللاواعية، في التأكّد من ان آلية الإيثار المتبادل تعمل على نحو جيد وملائم. وانّ احدًا لن يكون مغبونًا أو مميزًا أو مفضلاً على الآخرين.
13 – وإذا كانت "الأنانية" مفيدة في إرضاء الذات، وهذا ميل طبيعي من أجل حفظ الذات عن طريق إشباع الميل إلى الغذاء والشعور بالأمن، والحفاظ على النوع، والطموح إلى السلطة، والحاجة إلى توكيد الذات، فإن الغيرية (أو الإيثار) هي الميل الذي يتجاوز حدود الذات، ويهدف إلى تحقيق القيم المثالية، فتكون الحقيقة هدف الكشف العلمي، ويكون الجمال هدف الإبداع الفني، والمبدأ الذي تستند إليه الفنون الجميلة على اختلافها . ويكون الخير هدف الأخلاق، ويكون الله مصدر كل القيم السامية وأساسها.
14 – من المفيد أن نعلم أن لا "أنانية" صرف في طبيعة الإنسان... فكل ميل هو ميل نحو شيء آخر، أو شخص آخر... أي أن جميع ميول المرء هي ميول غيرية على نحو تلقائي (كما يقول Pradines) وكل ميل هو ميل نحو شيء يكمل النقص فينا، فتكون الغيرية هي ميل أساسي في الطبيعة البشرية، في حين تصبح "الأنانية" الصرف رذيلة الطبيعة البشرية، تسعى إلى اللذة لذاتها.
15 – إنّ في طبيعتنا البشرية "أنانية" وغيرية معًا. فلا نيتشه (1844 – 1900) الذي يزعم أن الإنسان لا يحب إلا ميوله ذاتها (أي "أنانيته") ولا المعلم الأخلاقي La Rochefoucauld (1613 – 1680) الذي يرجع جميع الميول البشرية إلى "حب الذات" ، ولا فرويد (1856 – 1939) الذي يلخص كل الميول البشرية بالنرجسية (عشق الذات) ، ولا Jeremy Bentham (1748 – 1839) الذي لا يرى في الميول البشرية سوى "المصلحة الشخصية" ، ليس هؤلاء جميعًا على حق كل الحق، فأكثر الناس مصلحة أو "انانية" ليسوا مجردين تمامًا من بعض الغيرية والإيثار. وإذا كانت الحاجات البيولوجية تستدعي ميولاً "أنانية"، فإن الميول نحو القيم السامية تطلق الفرد إلى ما وراء حدود ذاته بغية الوصول إلى هذه القيم التي تتجسّد بالعدالة والحق والخير والجمال. وغذا كان لدينا ميل أساسي لتحقيق الذات، وبلوغ الرفاهية الشخصية، فإن لدينا أيضًا ميلاً أساسيًا للمشاركة في الحياة الاجتماعية والقيم الأخلاقية الأخر. في الأساس ، كنا افرادًا ، ولكننا تطورنا إلى جماعات وهذا التطور جعل شخصيتنا الفردية شخصية اجتماعية مستعدة للمساهمة في التواصل الإنساني... والمصالحة مع الذات تقضي بأن يعي الفرد البشري أن من لا يبتغي سوى مرضاة نفسه، يضل سواء السبيل. لأنّه ينعزل اخلاقيًا ويموت نفسيًا... كما تقضي المصالحة مع الآخر أن نعي اننا جزء من الجماعة، ولا يمكن للجزء أن يحيا منفصلاً عن الكل.
فالمحافظة على الجماعة هي بالنتيجة محافظة على الذات.
16 – إن نظام الإيثار المتبادل يؤمن على نحو بيّن ، فوائد جمّة للفرد الذي يستخدمه، كي تتمكن شبطة العواطف والانفعالات التي ترتبط بالإيثار من النمو في نفوسنا. وقد نشأ ذلك النظام منذ زمن سحيق في القدم وهكذا، فإن الميل إلى محبة الآخرين الذين لا ينتمون بالضرورة إلى محيطنا القريب، هو ميل أساسي للحفاظ على علاقات الإيثار، ولكن! ... حين يرفض أحدهم أن يعامل بالمثل من يقدم له المحبة، فإن هذا الأخير ، الذي يشعر بالإهانة لأن شريكه لم يبادله حبًا بحب وإيثارًا بإيثار، يشعر أيضًا بالغضب والكراهية من جراء تصرّف مشين كذلك التصرّف . فلا عجب أن يؤدي هذا الشعور بالعدوانية إلى سد الطريق في وجه الإيثار نحو من لا يستأهله، فتكون نتيجة ذلك كلّه، شعورًا بالذنب لدى من لا يحسن التصرّف، وبالتالي خصامًا مع الذات، وخصامًا مع الآخر.
17 – ولعل ما يبدو أشد بشاعة هو التظاهر بالمحبة والإيثار والتعاطف لدى بعض الافراد (أو الجماعات) ، على نحو واع، أو لا واع، وذلك بغية الأخذ من الآخر اكثر مما يقدمون هم من عطاء!... إن هذه "الشطارة" قد تكسب صاحبها فوائد قصيرة الاجل، غير أن هذه الفوائد سرعان ما تزول ليحل محلّها الشعور بالريبة، وعدم الثقة لدى المخدوع أو المغشوش، فيصبح التصالح مع الآخر أمرًا عسيرًا، كما يصبح الضمير الأخلاقي، مهما بدا ميتًا، رازحًا تحت عبء الشعور بالذنب... ويصبح التصالح مع الذات الطريقة الوحيدة لتطهير الضمير من أدران الآثام، وآثار العدوان الذي يأتي من الذات إلى الذات. (وجد الباحثون أن جهاز المناعة لدى الإنسان يقوى فينشط لدى الذين يقومون بمساعدة الآخرين. لقد قام هؤلاء الباحثون بقياس جهاز المناعة، قبل وبعد أن جعلوا بعض الأشخاص يشاهدون فيلمًا تظهر فيه الام Theresa تساعد الفقراء والمرضى وتعيش معهم في ظروف قاسية).
إن ما ذكرنا، حتى الآن، مرتبط ارتباطًا وثيقًا بعملية التكيّف التي لا بد منها لبقاء الإنسان واستمراره. وما التكيّف بتعريفه البسيط، سوى قيام المرء بفعل ما هو صواب وحق، في مختلف الوضعيات والمناسبات.
وليس التكيّف وليد العقلانية وحدها، ذلك لأن عمل العقل عمل ضحل، لا يمكن له أن يساعدنا دائمًا على معرفة أنفسنا. والغريب أن معظم العمليات العقلية هي عمليات ميكانيكية، آلية، "روتينية". فلا بد ، والحالة هذه من الاستعانة بالحدس، والمشاعر الإنسانية النبيلة، التي بدونها يتحوّل الإنسان إلى مفكرة. وبدون العقل والحدس والمشاعر الإنسانية السامية يعود الإنسان بهيمة متوحشًا. يفتك بأخيه الإنسان بضراوة أشد وأعتى من ضراوة الوحوش، كما حدث عبر الحقب التاريخية كلّها، ويحدث اليوم في كثير من بقاع هذه الارض... فإذا كان العقل قد تطوّر مع تطوّر التكوين البيولوجي لدى الإنسان، ونما بنمو العلاقات الاجتماعية، فقد أصبح مؤكّدًا أن أعمال العنف والحروب، قد صاحبت التقدم الاجتماعي. وأصبح ملاحظًا أن العنف يزداد شراسة مع ازدياد التعقد الاجتماعي... ولعل السبب في ذلك يعود إلى أن العالم الذي ساعد دماغنا ، وبالتالي عقلنا، على التكيف مع مقتضيات حياتنا قد مضى وانقضى!... فإذا بجهازنا العصبي قد تصادم مع متطلبات العصر الحديث الذي نعيشه اليوم، لكثرة ما ازدحم فيه من معلومات، ورافقه من تشابكات وتعقيدات اجتماعية. واختلطت لدينا المفاهيم التربوية وغابت عن إدراكنا المتطلبات الصحية، فلوثنا ، وتلوثنا، واصطدمنا بذاتنا، وبالآخر، وقد أذكى حدة هذا الصدام والصراع تدخلنا في تكوين الطبيعة من اجل الحصول منها على مايرضى غرائزنا، دون مراعاة لقوانينها وأحكامها... لقد تدخلنا في شؤون الإله وتعاليمه وحكمته، فأضعنا مناعة الجسد البشري، وعرضنا الجو الطبيعي للفساد ، وانتهكنا حدود "الأوزون"، فلم نتخاصم بذلك مع أنفسنا ومع الطبيعة فحسب، بل أغضبنا الله والأرض والسماء...
لقد أصبح اليوم شبه مؤكد أن اجدادنا الأقدمين قد أقاموا حياة تعاونية، حيث كان الأهل يشاركون في تربية الأطفال وتأمين الطعام، وتقاسمه. وكل ذلك أدى إلى إقامة الأساس لنوع من العائلة، وإرساء القواعد لمجتمع أكثر تعاونًا وتماسكًا، فنمى لديهم الذكاء، وصاروا يفكرون ويتكلمون نوعًا أرقى من اللغة، ويكوّنون ثقافة ما... ورافق ذلك اتساع في حجم الدماغ، فسادهم دماغهم على استخدام أدوات متطورة، وبناء الملاجئ، واختراع الثياب، واستخدام النار، وإقامة الاحتفالات، ودفن موتاهم في مقابر متقنة، وممارسة الشعائر اللازمة لذلك، مما يعني انهم بدأوا يعبرون عن الحياة الروحية... ومما يثير الغرابة أن هذا التقدم في التنظيم الاجتماعي، وفي التفكير، واستخدام اللغة، وفي التطور الروحاني... أن هذه الأمور جميعًا لم تمنعهم من اللجوء إلى استخدام العنف، حيث كانت الحروب عنصرًا مميزًا في حياة ذلك الإنسان القديم.
ومع تطور التفكير واللغة واستخدام الأدوات المتطورة ، أصبح ذلك الإنسان اكثر قدرة على التخطيط، والإدراك، والتعاون والتحارب... ومع التقدم في تقنية الأدوات، أصبحت المساكن، وعمليات الاستيطان أكثر تعقيدًا... ومع ظهور الفن وإتقان اللغة، أصبح قادرًا على التجريد واستخدام الرموز والابتكار.
وأدى ذلك كلّه إلى تكيّف أفضل: فالحياة في جماعة، وانبثاق الذكاء الاجتماعي، ساعدا إنسان تلك العصور على التكيّف مع البيئة الطبيعية. غير أن ذلك أدى أيضًا إلى التناحر من أجل الحصول على الطعام، والمحافظة على الشريك في الحياة الزوجية، وأماكن النوم، وغيرها... ومع ذلك فقد استمتعت الجماعة بالحماية من غزوات الآخرين ولكنها ازدادت تنظيمًا في غزوها الآخرين.
اورد ذلك كلّه لأوضح أننا كنا ، وما زلنا، في تفاعل ذائم مع البيئة التي نعيش فيها، طبيعية كانت هذه البيئة أم اجتماعية، إذ إن أفكارنا ، وميولنا، وعاداتنا، تتأثّر ببيئتنا ... غير ان تكيفنا في العصر الحاضر ، ينبغي أن يكون غير تكيفنا بالأمس . إن تكيفنا اليوم مبني على استراتيجية ماضية كانت قد ساعدت الكثيرين في الزمان الغابر على التكيف مع بيئاتهم، في عالم ولى وراح. فلقد أنفقنا مدة طويلة جدًا من تاريخنا نعمل صيادين – جمّاعين للطعام، في بيئات بليستيسينية (العصور الحديثة الأقرب) وقد تكيفنا مع تلك البيئة ولكن تطورنا البيولوجي قد توقف منذ حوالي أربعين أو عشرين ألف سنة خلت ... أو إن تطورنا البيولوجي لم يعد قادرًا على اللحاق بتطورنا الاجتماعي الذي ازدادت سرعته بشكل هائل منذ اكتشفت المرأة الزراعة... ومع توقف تطورنا البيولوجي ، أو بطئه الشديد، بقينا متخصصين في التعاون والتفاعل مع ظروف أجدادنا القدماء، أي أصبحنا متخلفين دومًا في التأقلم مع ذاتنا، نسعى إلى التكيف مع عالم مضى، وزمن انقضى... أصبحنا نشبه كائنات حية ، أقدامها راسخة في الأرض، ولكنها تحاول أن تبلغ النجوم... فلا عجب إن رأينا أنفسنا نترنح تحت ثقل من الضغط النفسي، فنصاب بالانهيارات الجسدية والعصبية، حيث أن القواعد التي نعتمد عليها في تكيفنا تتغيّر باستمرار.
ومما لا ريب فيه أن ما زودنا به من قدرات فيزيولوجية وعقلية ونفسية، قد اعيد تشكيله مرارًا ةتكرارًا بفضل الظروف البيئية التي عشناها خلال معظم التاريخ البشري... غير ان الفروقات الفردية بين الكائنات البشرية تجبرنا على ان ننظر إلى فردية الفرد، إذ إن هنالك فرقًا في الطرائق التي يستخدمها كل منا في عملية التكيف... صحيح أنه لم يكن مطلوبًا منا أن نكون كاملين، أو مجبرين على معرفة الكثير، بل إن المطلوب أن نفلح في تدبر أمورنا بقدر الإمكان، فتتضاعف نجاحاتنا مع مرور الزمن وتتراكم خبراتنا... وصحيح أيضًا أننا كنّا، في الماضي السحيق، نتكيّف مع محيطنا دون وعي كاف لعملية ذاك التكيّف، ولكننا ومع تكاثر الأعصاب في دماغنا، ووفرتها ومصاحبة تقدم الفكر لها ، تقدمنا في عمليات الوعي والإدراك والاختيار ، فالتكيف الذي بدأ غير واع أصبح اليوم اكثر وعيًا، وأوفر حظًا في عمليات الخلق والإبداع وصار من المفترض، ان يكون بمقدورنا أن نتكيّف مع البيئة وأن نكيفها على نحو أفضل، لإشباع رغباتنا المشروعة... ومع ذلك نتوقف لنتسائل: لماذا نحن البشر، في خصام مع الذات، وصراع مع الآخر؟ ... ويمكن أن يكون الجواب في الأمور التالية:
أ – نحن نعلم ان شخصيتنا تتكون من نواح رئيسية ثلاث هي: الشعور، السلوك والفكر... ومع الأسف ، لا تتعاون هذه العناصر دائمًا، في التصرف الإنساني ، على نحو منسجم يحقق لنا تكيفًا سليمًا، تسوده الطمأنينة، ويخيم عليه السلام... فردات الفعل الانفعالية ، مثلاً، تعمل بواسطة شبكة من الأعصاب ، مختلفة عن شبكة الأعصاب التي يستخدمها الفكر في عملياته، والتي هي مسؤولة عن الوعي وعن الاستجابات المبنية على العقل: فلقد أثبتت الدراسات الحديثة للمخ واعصابه وآلياته ان المعلومات الشعورية (الانفعالية) التي تصل إلى الدماغ ، تدخل عبر شبكة أعصاب مختلفة عن الشبكة التي تأتي فيها المعلومات الأخرى. فالانفعال يستخدم جهازًا منفصلاً عن المجاري العصبية التي تمر عبر الجهاز العصبي الطرفي، في طريقها إلى اللحاء الدماغي الذي تقيم في مراكز الإدراك والتفكير، والانفعالات، والحركات، والحواس. يربط الجهاز العصبي الطرفي المخ والحبل الشوكي ببقية أقسام الجسم. فهو إذن مجموعة الأنسجة العصبية التي تقع خارج المخ والحبل الشوكي. أما وظيفته فهي جمع المعلومات من أعضاء الجسم المختلفة وتوصيلها إلى الجهاز العصبي المركزي. ومن جهة ثانية، فهو يحمل المعلومات من الجهاز العصبي المركزي إلى تلك الأعضاء. كما انه مختص بالاستجابات الانفعالية. ومن اختصاصاته أيضًا، ربط الجهاز العصبي المركزي، بالمستقبلات والعضلات الهيكلية التي تساعد على الحركة الإرادية، كي يتمكن المرء من التكيف مع البيئة الخارجية).
وبما ان انفعالاتنا تسلك طريقًا خاصصا بها، فإنها تغيب عن مراقبة الوعي لدينا . لذلك، تصبح هذه الانفعالات مصدر اضطراب في حياتنا. وكثيرًا ما تتعارض مع مصالحنا الخاصة والعامة. إذ تجعلنا نفقد السيطرة على انفسنا ، فنتشوّش ، ونضطرب، ونضل، ويصبح تصرفنا بعيدًا عن التعقل المطلوب من اجل تكيفنا مع انفسنا ومع المجتمع.
ب – وبسبب الفروق الفردية يختلف الناس، في تصرفاتهم، بعضهم عن بعض، إذ ليس لديهم التركيب العقلي ذاته. فنلاحظ ، مثلاً، أن الذين يتمتعون بقدرات خاصة، لا يستخدمونها في المناسبات الملائمة.واحد من هذه الفروق هو المزاج ، وهو يكوّن بعدًا أساسيًا من ابعاد الشخصية الإنسانية ... والمزاج ، أساسًا موروث.
ج – لذلك وبسبب هذه الفروق ، لا يحسن الناس الحكم، بعضهم على الآخر، فهم يفسرون التباين المزاجي (كالسرعة في العمل، والمحافظة على النظافة، أو العيش ف الفوضى) كأنما هي اعمال واعية. غير ان هذه الصفات لا تعدو كونها صفات في الشخصية الإنسانية ، ليس لصاحبها سلطة عليها.
وإذا صحّ هذا الكلام، تقضي المصالحة مع الآخر أن نعلم أنّه من اجل أن نعيش في سلام مع الآخرين، لا بد من الاعتراف بأننا لا نستطيع أن نغير كثيرًا في سلوك زوجاتنا أو أزواجنا، أو أصدقائنا أو شركائنا وعلينا أن نتحلى بالصدق والصبر ونتحاشى لومنا للآخرين ومعاتبتنا الدائمة للأقربين والأبعدين ونعمل بنصيحة بشار بن برد وحكمته:
"إذا كنت في كل الأمور معاتبًا صديقك ، لم تلق الذي لا تعاتبه
فعش واحدًا، أو صل أخاك، فإنّه مقارف ذنب مرة ومجانبه
إذا أنت لم تشرب مرارًا على القذى ظمئت، وأي الناس تصفو مشاربه
فمن ذا الذي ترضى سجاياه كلّها؟ كفى المرء نبلاً ان تعدّ معايبه!..."
وعليه فإن في استطاعة الوعي أن يجري بعض التغيرات المهمة ولكنه عاجز عن أن يغير بعض التصرفات "الروتينية" في بعض الاعمال العقلية الفردية الأساسية الرتيبة.
د – وقد نعجب حين نسمع أن العقل ليس منظمًا من اجل الفكر. فهو قد تطوّر، أساسًا ، من القيام بالتحكم في الاستجابات المختلفة التي قوم بها الجسم الإنساني ردًا على الاستمالات او المثيرات المختلفة التي يتلقاها من البيئة الخارجية أو الداخلية. فالعمليات التي تبدو أكثر التصاقًا بالإنسان ، كاللغة والإدراك الحسي، والذكاء ، تكون جزءًا صغيرًا من وظائف الدماغ، إذ إننا نجد أن بين بلايين الخلايا العصبية الدماغية، واحدًا إلى اثنين في الماية فقط تشتغل أثناء العمليات الفكرية. اما الخلايا الباقية الأخرى فتنخرط في اعمال مختلفة عن الفكر، حيث أن الدماغ البشري يهتم بكل حركة أو فعل يقوم به الجسم البشري.
هـ - إن جزءًا مهمًا من تخصص الدماغ البشري مسؤول عن نقل المعلومات المعقدة التي تجمع الأفراد في جماعات كبرى، أي في مجتمع يكون فيه حظهم في البقاء أكبر، كما يكون حظهم في نقل مورثاتهم البيولوجية أقوى. إن هذا الجزء الذي يتمثل في اللحاء الدماغي الذي يحتوي على شيء جديد تم تكوينه في مدة زمنية تقل عن مليون سنة، يملك مواهب جديدة تشتمل على اللغة وعلى القدرة على الترميز . وهذا الجزء هو المركز الحديث للاتصالات. وهو الذي ولد إنسانيتنا الحديثة ، لأنه يرتكز جزئيًا على النشاطات التعاونية. ومن منا ينكر أن الجماعات المنظمة تستطيع أن تنجز أكثر بكثير وأفضل بكثير مما ينتجه فرد واحد... لقد أنشئت المدن واستصلحت الأراضي الزراعية وظهرت الصناعة الحديثة إلى الوجود، وتقدمت التكنولوجيا بفضل ذلك التعاون الذي ساعد على خلق هذه النشاطات البشرية من العدم... ومع ذلك فنحن ، أفرادًا وجماعات، نقوم بتصرفات فورية، تحدث قبل أن يكون لدينا متسع كاف من الوقت، لنعي اننا نحن الذين قررنا أن نقوم بها. فكثير من القرارات التي نتخذها تسبق تفكيرنا الواعي. ونحن نراقب جزءًا من عقلنا، إذا صح التعبير، يبدأ العمل، متفردًا بسلطته، دون العودة إلى العقل الشامل الذي ينظم ويحاسب ، يسمع ويدفع ، او يكف ويردع.
و – وعليه، فإن خبرتنا للعالم الخارجي، ولكثير من الأمور في عالمنا الداخلي النفساني، هي خبرة تخمينية أكثر منها خبرة مدركة للحقيقة الفعلية. فليس لدينا عقل واحد، بل عقول متعددة. وان تعدد العقول عندنا، من عقل انفعالي وعقل متذكر، وعقل متخيل، وعقل واع مفكر... ألخ... يخلق في عالمنا النفسي كثيرًا من الاضطراب والفوضى. وبما أن العقل الواعي هو أضعف تلك العقول جميعصا، فغنها تعمل احيانًا كثيرة بمعزل عن العقل الواعي هذا... من هنا نشأ عدم انسجامًا مع ذواتنا في الكثير من مناسبات حياتنا. وحتى حين نظن اننا منسجمون مع انفسنا، فغن قدرًا كبيرًا من الوهم يختلط بهذا الظن: فكم من الأحيان لا يكون تصرفنا سوى تصرّف آلي ينطلق من الهوى، وينبعث من الغريزة... ومع ذلك نحسب ان عقلنا أكثر استقرارًا مما هو عليه في الحقيقة، وأكثر كمالاً مما هو في الواقع ، فيعتقد المفكرون أنهم في تفكيرهم عقلانيون ، ويتوهم الفلاسفة أنهم مع نظرياتهم منسجمون... والحق أن هؤلاء جميعًا يتقلبون باستمرار: فما كان يبدو لهم حقًا ينقلب باطلاً بعد حين ، وما كان يظهر لهم حقيقة لا ريب فيها، يتكشف عن خطأ هائل بعد زمن. فكيف يمكن للعقل الواعي ان يفعل ذلك؟
الحقيقة أن ذلك كلّه لم يكن فعل العقل الواعي، بل فعل الميل الدفين للمحافظة على البقاء. او لعلنا نعيش في حلم هو من نسيج مخيلتنا...
ولشد ما ادهشنا الفيلسوف الصيني Chuang – Tzu ، منذ ألفي سنة، حين كان يحلم بانه فراشة. وقد ندهش ايضًا حين نعلم ان سكان أوستراليا الأصليين القدماء كانوا يعتقدون أن هذا العالم هو مجرد حلم، وأن ما يسمى حلمًا هو الحقيقة... كما قد نستغرب القول بان ذاكرتنا هي شبه للواقع، وليست الواقع كله، فما نتذكره ليس سوى أشباح الحقيقة في خبراتنا السابقة.
ز – إن ما يجعلنا نضل في تصرفاتنا ، إذن ، هو ان لدينا عقولاً متنافرة فيما بينها، متعددة الوظائف والأهداف... فنجد في اعمالها أخطاء، كما نجد فيها صوابات مختلفة. وعلى ذلك نقرر بان الإنسان ليس شرًا كلّه ، وليس خيرًا كلّه. أما الخطير في الامر فهو هذا التقلب في تصرفات الإنسان. فعلى صعيد الأفراد ، مثلاً، نرى أمًا تترك أولادها هاجرة بيتها وزوجها، لتفر مع عشيقها. ونرى شخصًا آخر يلتحق بناد او تجمع، دون وعي كاف منه، ليكتشف، بعد فوات الأوان، أنه مخدوع... وقد يطغى الانفعال على وعيه طغيانًا يجعله منخرطًا في عملية انتحار جماعي... أما على صعيد الجماعة فنرى وطنًا صغيرًا آمنًا، ينقلب فجأة ضد نفسه، فيدمر ذاته، ويموت خيرة شبابه ، ويتشرد اهله، وينهار اقتصاده ويدخل في نفق مظلم قد لا يجد سبيلاً إلى الخروج منه، فيضيع مستقبله كلّه... ونرى دولة كبرى، تنهار، وتتفكك، وتجوع!...
حـ - إن جزءًا كبيرًا من مشكلاتنا الانسانية يكمن في أننا لا نفهم فهمًا كافيًا ما يدور في اعماقنا: ففي حين يحسن لا وعينا ترجماته للعالم، لا يحسن وعينا الترجمة. ذلك لأننا ننسى أننا نحلم العالم، فلا ندركه موضوعيًا، قد لا ندرك الصداقة الحقة، مثلاً تأتينا بنصح من صديق مخلص، فننجرف في تيارات مدمرة كم حذرنا منها...
ولشد ما تتغير آراؤنا حول الناس، وحول انفسنا تغيرًا مستمرًا، ونعجز عن التمييز بين القيّم من الأفعال أو الأشياء ، وما هو وليد الصدفة او الهوى. ويتم ذلك بفضل ما نتأثر به من اخبار ، وما نركم من معلومات دون تمحيص لها، أو تمييز بين غثها وسمينها، وذلك لأن ترجماتنا لها تمت في اللاوعي، وفاقصا لقواعد رسخت فينا خلال ملايين السنين... أما الوعي ، فيصبح موزعًا لدينا على مستويات عدة: يصبح موزعًا في عمليات تقوم بمقارنات وتحذف معلومات، وتبدل أفكارًا بافكار، وتصرفات بتصرفات... ويحدث أيضًا أن يسيطر العقل الآلي على العقل الواعي، فنتحوّل إلى كائنات تشبه الآلات، تسير على غير هدى وبصيرة، فتنزل بنا المصائب، ونفقد عناصر التكيف الإنساني السليم، ونتخاصم مع الذات ومع الآخر...
وبعد،
أيجوز لنا، نحن الإنسان العارف Homo sapians sapiens أن نبقى غير عارفين ذواتنا وغير عارفين الآخر... وحين نعرف، بالاكتشافات العلمية التي تقوم بها النخبة، أن انفعالاتنا تصل إلى دماغنا عن طريق مختلفة ومنفصلة عن الطرق العقلانية، ألا يجدر بنا ان نتوسل سبلاً مختلفة، نتدبر بها أمورنا، عن طريق العقل الراشد والواعي، فنقضي بذلك على الفكرة التي أخذت تسيطر على أذهان اهل هذا العصر بان الإنسان المتحضّر ، هو إنسان أبعد ما يكون عن الحضارة.
لعل القاعدة الاولى التي يجب أن نتبعها من اجل المصالحة مع الذات ومع الآخر، هي السيطرة على انفعالاتنا القوية التي تدمر وعينا، وتنحرف بنا عن سواء السبيل... فالحقد، والكراهية، والانتقام، والتسلّط، و"الأنانية"، والتفرد بالرأي، والتهالك على الملذات، وعبادة المال، وسرقة أموال المواطنين، والتهافت على السلطة، والتعصب الأعمى والغيرة والحسد... كل هذه ليست سوى انعكاسات لانفعالاتنا وأهوائنا التي لم تعد قادرة على مساعدتنا على التكيف في عصر تعقدت فيه العلاقات الاجتماعية، وفي مجتمع أصبح التعاون فيه ضروريًا اكثر من أي وقت مضى، للمحافظة على ما أنجزنا حتى اليوم من مظاهر حضارية ثم التقدم نحو بناء حضارة إنسانية أفضل وأسمى.
أما القاعدة الثانية فهي العمل دائمًا على تصحيح مسار تفكيرنا وذلك بتغيير روتين بروتين آخر. فما كان يصح من تصرّف بالأمس ، لم يعد اليوم صحيحًا. وما يساعدنا على تصحيح هذا المسار هو معرفتنا أن الجزء من عقلنا الذي تتقاطع فيه القرارات المختلفة هو الوعي، ومعرفة أن بعض أجزاء هذا الوعي مكون من عمليات آلية، كقيادة السيارة مثلاً، أو انعكاسي ، كسحب اليد عند لمسها شيئًا حارًا، او انعكاسي شرطي مثل بعض العادات المرتبطة بتداعي أفكار، أو تصورات، أو توقعات معينة. وهناك تصرفات لا واعية كأن نقطب الحاجبين لدى رؤيتنا شخصًا لا نحب... أجل يجب ان ندرك أن أعمالنا وتصرفاتنا ليست من البساطة بحيث نهمل وعي اسبابها ونتائجها. فإذا كنا لا نستطيع ان نعمل دائمًا ما يروق لنا، فذلك لوجود الآخر في حياتنا، سواء أكان هذا الآخر شيئًا أم قوة، أم قانونصا، أم شخصًا، أم قيمة غنسانية لا يجوز هدرها... فالوعي ، إذن، هو شرط أساسي لمصالحتنا مع الذات ، ومع الآخر... والوعي هو أن ندرك ما يدور حولنا ، وما نفعل، وما نشعر به، وما نفكر فيه... إنه معرفتنا أنفسنا... إنه أن نعي أننا واعون... وغذا كان التصرف اللاواعي، أو التغير السريع من حالة إلى أخرى، قد ساعد أسلافنا على العيش والتكيف، فذلك لأنهم كانوا يعيشون في محيط قليل التغيّر... ولم يكن اجدادنا الأوائل في حاجة ماسة إلى الوعي ، وفي حاجة إلى تقوية هذا الوعي، لأنه قوة كامنة فينا، ولكنها ضعيفة تسيطر عليها الظروف، وتضللها القوى الدنيا للعقل والروتين الآلي الذي يتمثل بالغرائز والأهواء.
والقاعدة الثالثة للتصالح مع الذات ومع الىخر، تتصل بمعرفتنا أن العمليات الدماغية الرئيسة لا تشمل بالفعل التفكير والعقل، كما سبق وبيّنا، بل تهتم أكثر ما تهتم بتدفق الدم إلى مختلف مناطق الجسم، وبكيماويات هذا الدم، وبالمحافظة عل ىالبيئة الداخلية. لذلك صار عمل الوعي مقتصرًا على تولي عدد قليل من القرارات ، فنجم عن ذلك أننا نعيش معظم ظروف حياتنا غير مدركين ما يجري لنا، أو كيف نتصرف، وهذا ما عبر عنه إيليا أبو ماضي، حادسًا أو شاعرًا، واعيًا أو غير واع، حين قال:
جئت لا اعلم من أين ، ولكني أتيت ولقد أبصرت امامي طريقًا فمشيت
وسأبقى سائرًا غن شئت هذا أم أبي كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟
لست ادري...!
إن هذا الواقع يجعلنا ندرك صعوبة معرفتنا أنفسنا، وأسباب تصرفاتنا ، ويدفعنا إلى ان نتعلم كيف ندرب وعينا على ملاحظة انواع الذات المختلفة والموجودة في داخلنا، فذلك يساعدنا على تغيير عمل الفكر إلى الأحسن.
إن عقلنا يحتوي على نظام خاص، مخفي عنا، يحافظ بهدوء على توهمنا بأننا وحدة متماسكة. ولا نستطيع التغلب على هذا الوهم سوى بتدربنا على استخدام وعينا على نحو أفضل. فنعيد تركيب الفكر كي يعمل بصورة أفضل، فنحول الروتين الآلي في حياتنا عملاً واعيًا، مستخدمين لذلك الملاحظة الذاتية. وبفضل ملاحظة الذات هذه يبدأ العقل بالتغير، فتحطم الروابط بين الفعل الآلي وردات فعله... ولا تقوى ملاحظة الذات إلا بالتربية والتعليم والثقافة...
والقاعدة الرابعة هي معرفة أن للمصالحة مع الذات بملاحظة الذات وتدريبها على استخدام الوعي، يؤدي حتمًا إلى المصالحة مع الآخر... وللتصالح مع الذات، في احوال كثيرة من حياتنا ، لا بد لنا بين وقت وآخر، أن نخلو بأنفسنا حتى تتسنى لنا السيطرة على ذاتنا، فلا نفسد حياتنا في البيت، أو في مكان العمل، أو في المجتمع.
لا بد لنا من أن نمسح عنا عناء الكفاح من أجل البقاء ، بالتوقف لحظات للتأمل ، أو القيام بأي شيء مفيد آخر ... فذلك من شأنه أن يعيد إلى نفوسنا الراحة، وإلى عقولنا التوازن. فالتغير يحدث تحسنًا في مزاجنا ، فيؤدي ذلك إلى تحسن في أفكارنا وخطط عملنا...
والقاعدة الخامسة هي أن لا نعيش في عالم الوهم. إن معظم أفكارنا حول انفسنا ، وآرائنا حول مزايانا، مبالغ فيها إلى حد بعيد. فنحن نعتقد أن الآخرين يحملون أفكارًا حسنة عنا وعن أفعالنا، أو أفكارًا سيئة، فنظن أنهم يجدوننا محبوبين أو جذابين، أو نحسب أنهم يضمرون لنا عكس ذلك... وما هذا وذاك، في معظم الأحيان سوى وهم خلقناه لأنفسنا. وكثيرًا ما يؤدي هذا الوهم إلى خيبة الأمل، أو الإحباط والتوتر النفسي... إن الذين لا يبالغون في إعطاء أنفسهم قيمًا اكثر مما تستحق، أو لا يبخسونها حقها، فأولئك هم الذين لا يعانون كثيرًا من الضغط النفسي: إنهم هم الأشخاص الواقعيون... فالواقعية المتفاعلة مع قدر من التخيل الخلاق، والذكريات الإيجابية التي تذكر بالنجاحات أكثر مما تعيد إلى الأذهان حالات الإخفاق واليأس، والظن الحسن بالآخرين، هذه الأمور جميعها تؤدي إلى المصالحة مع الذات والمصالحة مع الآخر.
يبقى السؤال الكبير الذي اتخيّله مرسومًا في اذهانكم، هل بإمكاننا أن نعرف نفوسنا معرفة جيدة؟ والجواب على تساؤلكم هو إن معرفة الذات لا تعتمد إلا على جزء صغير من العقل هو الجزء الذي يسيطر عادة على الأفعال، وليس على المعرفة. فالعقل يستقي معرفته عن الواقع، مما يرشح إليه من العلومات عبر حواسه. وكثيرًا ما تصل هذه المعلومات مصفاة ومنتقاة، أضف إلى ذلك أن كثيرًا من هذه المعلومات أو الاعتقادات مبني على الوهم، وإن كان لها قيمة فهي قيمة تكيفية. فلا بد إذن من العمل على تدريب الإنسان على استخدام الوعي ، ومن التفاؤل في إمكان تحسين إدراكنا وتقويته ، فهما يساعدان على التخلص من القلق. وتدريب الوعي على النظر إلى الأمور بموضوعية وواقعية وتفاؤل، هو السبيل القويم نحو معرفة الذات معرفة تمكننا من تحقيق ذاتنا والمصالحة معها، وحينئذ نصل إلى مرتبة المصالحة مع الآخر.
تعالوا نتصالح مع ذاتنا ومع الآخر... تعالوا نعمل على وعينا ذاتنا كي يتم لنا الوصول إلى وعي الآخر... تعالوا نتفاءل بالمستقبل... تعالوا نؤمن بأن وطننا هو لجميع أبنائه دون أي تمييز، أو تكفير، أو ظلم، أو غبن، أو خوف، أو إجحاف في حق أي مواطن... تعالوا نؤمن بعمق وصدق أن الديانات السماوية الكريمة لم تنزل على رسلنا وانبيائنا إلا لتحسين مكانتنا على الأرض، وإعلاء شان الإنسان، وتحصين أخلاقه ضد رذائل الرشوة والكذب، والتعصب، والنفاق، والزهو الفارغ، والاستغلال، و"الأنانية"، والفساد والظلم... تعالوا نؤمن بان العلم نور يضيء لنا السبيل إلى حياة أفضل، وأن "التكنولوجيا" هي وسيلة جيدة لتطبيق مكتشفات العلم، شرط أن تستخدم بما ينفع الإنسان... تعالوا نؤمن بأن الآداب والفنون هي وجه مشرق لحضارة كل بلد يتعهدها ويرعاها... تعالوا نؤمن بان التربية السليمة وحدها – في البيت والمدرسة والجامعة – هي جسر الخلاص مما نحن فيه من تخبط وفوضى ... تعالوا نؤمن بان أمة ترعى مؤسساتها التربوية رعاية صالحة وترفع من شأن معلميها وأساتذتها ماديًا ومعنويًا هي امة تسير في عملية إعادة البناء والإعمار على نحو أفضل وأشمل... تعالوا نؤمن بان دولة تحترم السلطة القضائية فيها فتعززها، هي دولة تقضي على الظلم والفساد، وتعمل على إشاعة العدل والمساواة... تعالوا نؤمن بأن سياسة تحافظ على حرية الكلمة المسؤولة هي سياسة تعمل على صون حق مقدّس من حقوق الإنسان.
أما من صوت
أما من صوت يجرؤ
ينادي بالسلام والتسامح؟
أما من صوت يجرؤ
على قول الحقيقة
إن الحرب لن تؤدي إلا إلى الحرب
وإن القوَّة لا تنجب غير الموت؟
أما من صوت يصرخ
بما تدَّخره ذاكرة الشعوب
وبما كتبته دماء الملايين منذ الملايين
وبوصاياهم الهاتفة من وراء العصور؟
بائعة الشمس
"اسمعْ لقول أهلِ النُّهى،
تواضعْ لهم يرفعونك.
إن الكلام لفي الفؤاد،
خيرًا فخير شرًّا فشر."
من موطأ ابن مالك
أتكاثُر جرارِ الخمرة على يديكِ مريمُ
رياضٌ يُهيل على هامتنا كنوزَه
أتدثُّر أرديةِ المغائر بالبراعم مريمُ
بشرى أرائك واستبرق وغلمان تحمل الأباريق؟
*
أسيماءُ السِّحرِ في أعراس الحواري
هيولى بخورُك الفوَّاح مريمُ
للبرد للحرِّ للصيف للشتاء يُهيل غموضَه
شأن سواقي الأدوية على ثوبك ومغائر الرعاة؟
*
أسُنَنُ لقائكِ في أريج المزامير وعزف البلابل
على الخمائل على الأنامل
على الركبتين وعلى الخفَّيْن مريمُ
تستوعب هذه العبودية أو تلك هذا الرقَّ أو ذاك؟
*
أطَوافُ عرباتِ الضوء وتوغُّل أقواس قزح
على وجهكِ على شعركِ على قدميكِ على صدركِ
صونُ إبريز السماء فيكِ مدى عقيق الأقمار فيكِ
أشمسٌ تنثر شموسًا مريمُ؟
*
ما أن أسرَّتْ وصايتُكِ: لا خوفًا من نار لا طمعًا في جنة
بخاتَمٍ من فضة أرعى الأحلام في اليقظة.
تساءلتِ الشطآنُ: أيتعذَّر في رِحالها بلوغ الوهم؟
ما أن أسرَّتْ عنايتُكِ: أيقظَني خاطبَني والناسُ نيام
حتى ردَّتِ الشطآن: متيَّمة بالروح تسلب الحياة من الحياة!
*
على صمتكِ مريمُ
سحابُ القلق واللوم سحابُ السكينة والبوح
على روعكِ مريمُ
هوةُ العفةِ والهمسِ هفوةُ الخطيئةِ واللمس
صامدة مباركة متوجعة
تلألئي تلألئي كالشمس
اضربي برسغك جذع النخلة اضربي
دفوفٌ تحملكِ إلى السحاب
مزامير تعيدكِ إلى النجوم.
*
أفي جبروتِ الشهوة عذوبةُ الحسم؟
أفي ثبرِ السكون كتمانُ المحال؟
أفي استدراجِ الملائكة غمرةُ الاصطفاء؟
مريمُ مريم
أأقصى البهاءِ عزمُ الوفاء؟
أأقصى العزَّةِ سعةُ العطاء؟
عامًا عاما
عرسًا عرسا
مريمُ مريم
كيف تفيض البحار من خصرك؟!
غدا
غدا سيأتي الفجر
وتشرق الشمس
ستكون هناك سماء أخرى
وقمر آخر
غدا المرآة الفضية ستنكسر
وترحل العروس الجميلة
وتعم الغيوم السوداء السماء
ولكن الرب سوف يكون هناك
يجفف الدموع من أعين الأطفال
ويداوي آلام المجروحين
الثلج والمطر لن يموتا أبدا
الأنهار والبحار لن ينضبا أبدا
والنجوم اللامعة ستعود لتغني من جديد
وسيكون هناك فجر آخر
وسماء أخرى
وربما مسيح آخر
سـيظلُّ ريشـةَ طـائر ينزف
النثر، كالماء، يشرب من أصابعك. لكن ممَّ يشرب الشعر؟
قال أفلاطون: من الجسد هو أجمل ما كتبت. أوَّاه، يبدو ذلك ضعفًا. لننسَ ما ذكرت. هذا من اختصاص عنترة العبسي. جاء الطاووس لاحقًا. أردف إلى فمه حبة قمح لكأنه الزلحفاة.
أكلامٌ مثل هذا يُكتب أو يُقرأ؟ بالمقاييس المعاصرة، هذا شعر. شعر؟! وقد يكون أكثر حداثة إن أُلقِيَ بصوت رزين، مع خلفية ضوئية وجلبة، – كارتطام زجاج، رنين هاتف، أو انطلاق صاروخ، – إن أُثير مع قصائد أخرى مثل:
رصاص رصاص
دماء دماء
أو شوهد مُضاءً في شكل لولبي مكثف على بياض قائم في فراغ.
يتكوكب الشعرُ اليوم في اليوميِّ اللامعقول. ينفَّذ بأقصى ما يمكن من الإيجاز، مالئًا الرقادَ بالرفض والنفسَ بالغيبوبة. أليس الموت على مقربة من الروح ينتهي لكأنه لم يبتدئ؟ أمن رؤيا لا يسكنها الخوف؟ أمن حلم لا يرويه الصراخ؟ بعضه يسفك، وبعضه يحاول أن يلملم – ولكن هيهات! بعضه يهتك، وبعضه يحاول أن يصلح، يهبك قرابين الطفولة وخلاص الوجدان. كلاهما يأخذك بين ذراعيه، يرميك، في تراكم الجنون الحياتي – كي تندهش.
ألا يتجزأ الكون إلى نور وظلمة، إلى خير وشرٍّ، إلى صيف وشتاء؟ هذا يأكل ذاك؟
أأغنى من أن تحمل أثرى ما في الوجود؟ توزع مع عقارب الساعة على معطيات لحظة مرسومة بقلم أسود فاحم أو ذهبي. تمَّحى بتوالي السحر في بناء متجدد ينضوي على علم أو أمر. ما القَدَر؟ ما الصبر؟ ما الحكمة؟ ما الحقيقة؟ ما الكبرياء؟ هي أسماء يتخيلها القاتل والمقتول! قُضِيَ الأمر، يقال. أنت في قبضة الموت.
في فوضاه، تحضن الزمن والأبدية، والحرب والسِّلم، وصِلات القربى في ذاتك أو ذواتك، كما تحضن النافذة والسرير والهاتف والمصعد والصحيفة والقلم والكتاب والله. بين مَن يسمع أو لا يسمع، يؤمن أو لا يؤمن، يستجيب أو لا يستجيب، تُقاتِل الغير كما تقاتل نفسك، سواء بسواء. المهم أن تحيا، أن تتحرر من الخوف.
في تفاوت المتخصصين شِيَعًا أيتبع الشعر نفسه؟ أيتبع الشعر قمرًا ساحرًا باطنيًّا، قرآنًا، إنجيلاً، أو توراة؟ أيتبع الشعر الحدس الباطن أم روبوتًا آليًّا من صنعه؟ آه... لكم تتداخل الأشياء! أيوالي حصانَ طروادة؟ أيقلد هولاكو؟ أيتابع مناظرة جورج بوش مع كيري؟ أيرافق منافسة ديسكوري مع الـFashion Show؟ أتَعَوْلَم الشعرُ مثلما تَعَوْلَم العالم؟
منه لهوٌ ولعب، خروج على كلِّ ما هو سجين وموروث، غروب عن العقل والأرحام، بل سخرية تقطير اغتراب. غلوٌّ، تهجُّم، تحريض. اغربي، أيتها الخمائل، أيتها العادات! طلَّقتكِ أيتها الأحجبة، أيتها الأدعية، أيتها العمائم، أيتها المعابد! ابتعدي أيتها الأشباح، أيتها الأرواح! كن بي، أيها الشيطان، أيها الكفر! فقد ارتويت.
ومنه عبوديةٌ وسَهَرٌ وأرَقٌ وزهوٌّ وإماء. إشباع غريزة الخلق، غريزة الإيمان، غريزة الألوهية، غريزة النبوة. كن بي، أيها التاريخ، أيها الوجد، أيها الوحي، أيها الصمد! كن بي، أيها الله!
بين هذا وذاك، أمن خيار؟ – وإن صفَّق المصفقون.
أزوِّجك نفسي، أيها الشعر، بمؤخَّر قدره عشرة دراهم من الفضة. "قبلتُ، قبلتُ"، يجيب الشعر. أشتريكَ بليالٍ من الإلحاح والجنون والكدح، أيها الشعر. "قبلتُ، قبلتُ"، يجيب الشعر.
في هذا التحدي كيف سيتعاطف الشعر؟ الشعر الذي سيبقى، الذي سينجو، الذي سيفوز؟ أبتحدِّي المكبوتات؟! – من ألم ووحدة ومرض وفقر وخوف وغيرة وعجز. أبإشاعة المحال والخسارة والفهم والتمني والظن والوصف والمحظور والتهديد والصراعات؟ آه... لكم تتداخل الأشياء!
في جنة الصدق والأخلاق والتدين، في مقابل جحيم الكره والسلطة والهدم، يأكل الشعر في تعاليه سواه. ويقال: "مات الشعر!" كيف يموت العقل ويُقضى على القلب، مع أنهما روح الحياة. حتى إذا فسدت الأرض سيأتي الغيث ليبرئ. سيغامر باللجوء والتلاقي والاستعفاف والمناعة والانجذاب والانكسار والتصادم والانسحاق والعزلة والظمأ، فيلجأ إلى المغارة وسفينة نوح.
أما السيطرة والظلم والتشكيك والغبن والتفريغ والتغابن والنسيان والقتل والقتل والقتل والقتل والقتل والقتل المتوحش والهجين، الأشد تملكًا من الذبح، الأشد استحواذًا من الجَلْد في عرين طغيان الهَتْك، فسيمضي إلى حتفه. ولن يموت الشعر! سمة صَلْبٍ يتجلَّى، كما في الملاحم والأساطير. ويقال: "مات الشعر." أيموت الخير؟ "وفديناه بكبش عظيم" – بلى، سيُفدى.
متَّ، متَّ؟ ستظل تبدو قصائد أبي نواس والمتنبي والشيرازي والرومي والعطار والحلاج والنفري وابن عربي نبعًا لا ينضب. ها هو ذو القرنين ينصبُّ في نهم. إنه فداء الحياة. وسيظل الشعر ريشةَ طائر ينزف، في الضوء كما في العتمة! لأنه – كالعبادة – صلاة قائمة في الروح. ضارب سيف، بل ضارب حق، وشعلة لا تنطفئ!
في مضمر القول ابتعدوا! نحن أولاد الله. رحمةً بالحرف والتضحية. قيامةً في الجمال والبذل. للنار نافذة مشرعة على الظلمة، وللخلاص فيض في الرباط والتفرد.
ابتعدوا! نحن أولاد الله.
قد يكون انحناء الخطوط عبادة،
قد يكون التئام الأحرف دعاءً،
قد يكون تزاوج الأرقام رموزًا من السحر،
قد تكون القصيدة البخور واللبان،
قد تكون الخطوط حكمة سليمان،
قد تكون السطور سنابل يوسف وألواح موسى،
قد يكون الإيقاع مضارب زحل، وشوشات النمل، غرَّة الهدهد،
زوَّجتُك نفسي، وهبتُك نفسي،
أيها الشعر.
لا سعادة تعادل راحة الضمير
الضمير هو الصوت الحق.. وهو نور الذكاء لتمييز الخير من الشر.. وفي داخل كل منا محكمة عادلة تبقى أحكامها يقظة في نفوسنا، هي الضمير.. والشاعر الخالد شكسبير قال: "الضمير الحي هو عين الله على الأرض"..
خمسة عشر يوماً مرت استعدادً ليوم انتخابات البلديات الجديدة.. وكأننا في عين العاصفة.. فإذا بالناس من آخر قرية من أعالي بلاد جبيل الى آخر قرية من قرى الإقليم تنغمس بالمناقشات والحوارات والزيارات والتطبيقات.. وهذا دليل صحي بامتياز بالبعد الشعبي الديمقراطي. ولكن الذي يصدمك ويجعلك تتراجع خطوات الى الوراء هو هذا التناقض الكبير بين ما تحلم به وبين الواقع المرير الذي يأكله الصدأ..
البلدية هي الوطن على "مصغر".. وهي على صورة رئيسها مع مجلسها المفروض أن يختصر النخبة من العاملين في الحقل الإجتماعي والمؤمنين بأهمية إنماء بلدتهم أو مدينتهم والذين يحملون شعارات النزاهة ونظافة اليد وحبّ الناس.. هي مجموعة متجانسة تستطيع الإرتقاء بوضع البلدة الى مستويات رائعة..
وكم يحضرني المثل الرمز لكيفية إدارة البلديات وهو الفرنسي جاك شابين دلماس الذي قاد بلدية نيس على مدى ستة عشر عاماً متصلة مما جعلها وفي مقياس "التقدم التنموي السنوي" الأولى في اوروبا على مدى ستة عشر عاماً!
من إبداعاته: لا مجال لرخصة بناء بدون حديقة خارجية مساحتها لا تقل عن ضعف المساحة المعطاة للرخصة! فترى (نيس) في جنوب فرنسا وكأنك في جنة خضراء! من ابداعاته التقدم المتفوق السنوي في تعبيد الطرق الموازية للأوتوسترادات والطرق الرئيسية، وهي ذات مواصفات خاصة بذوي العاهات!
من ابداعاته رؤية المرأة الفرنسية الجنوبية وهي تبز رفيقاتها الأوروبيات في تسلق سلم الإحصاءات السنوية من حيث كميات فرز النفايات من المصدر بحيث بلغت حداً يصل الى 90% وهذا رقم لم تصل اليه الا مدينة "مودينا" في شمال إيطاليا!
ويسقط الحلم اللبناني من هذه الأمثلة الوهاجة بكل ألوان الحضارة الى مستنقع عائلة والجب وأعتذر من القارئ الكريم لترداد هذه العبارات في مقالاتي الأخيرة ولكننا لا نستطيع إلا أن نحطم هذا القيد وهذه العقلية وهذا المنطق الجاهلي وذلك بترداد رفع الصوت أمام جريمة ترتكب بحق القرية والمدينة والوطن عندما ترى الجهالة تنتصر و"لعيبين الكشاتبين" ينتصرون، مع الإعتذار من الذيت استحقوا الفوز وهم قلة، لا قيامة للوطن بدون العودة الاصلاحات التي وضعتها وزارة الداخلية وهي ليست بالمنزلة أو المقدسة، فهي قابلة للمناقشة وقد أقرها مجلس الوزراء وعلقت بين براثن مجلس النواب، ومهما كانت الظروف والأسباب فلا سبيل الى الوصول الى بلديات ترفع شأن الوطن الا بقانون يحسب حساباً للنسبية وحساباً للمرأة، وهي نصف المجتمع! ولن يكون هناك عذر لأحد اذا مرت السنوات الست القادمة ولم نصل الى اقرار هذا القانون بشكل نهائي.
عود على بدء، لقد بدأت مقالتي عن الضمير، وهنا أسأل كل لبناني صوت في بل لبنان، هل راعيت ضميرك عندما أسقطت الورقة في الصندوقة، هل اممتلكت الجرأة أن تقول كلا لن أنجر الى لعبة العائلة والحب والقرية وأخواتها ولن أنتخب طالما هذه المقاييس للإنتخابات البلدية! هل راعيت ضميرك الحزبي إن كنت عقائدياً وتملك فكراً متنوراً وعلمانياً وقلت كلا وكنت جزءاً من حركة واعية تجعل من غيابك عن الإقتراع صدمة كهربائية ليس المقصود فيها إلا مراعاة الضمير وقبل كل شيء الضمير!
لبنان هذا الوطن الرائع الحرية التي ينعم بها أبناؤه.. كم أنت بحاجة يا وطني الى رجال شرفاء عظماء يعيدون لك مجدك ويقودون المسيرة بشمم وعفّة ونزاهة وراحة ضمير!
لن أشخص الأشياء لكن ما فعلته شخصياً في إنتخاب بلدتي في الإبتعاد عن كل هذه اللعبة غير الديمقراطية عبر قانونها الأعرج هو جزء من مسيرتي وإيماني بأن هذا الوطن لا بد أن تشرقت فيه بلدياته عبر قوانين حضارية والشاعر إبراهيم المازني قالها منذ عشرات السنين:
قد أفعل الشيء لا أبغي به أملاً
ولا أبالي الورى ماذا يقولونا
همي ضميري فإن رضيته فعلى
رأي العباد سلام المستخفينا
القديسان مارون ويوحنا مارون وفجر المارونية
ولد مار مارون في قرية زبد قرب قنصرين، المدعوّة اليوم العيث.
مارس الحياة الرهبانية في جوار معرّة النعمان، حيث بنى ديرًا رياديًا كما وصفه المسعودي: "ولمارون دير على اسمه، شرقي شيزر، وهو بنية عظيمة حولها ثلاثماية صومعة فيها رهبان. وقد خرب هذا الدير وما حوله، من جور السّلطان، وتواتر الفتن".
بسبب تلك الفتن إنتقل مار مارون من ديره في جوار المعرّة، إلى قرية كفرنابو في جبل سمعان، حيث مات ودُفن في براد. وبُنيت كاتدرائية حول ناووسه.
وحسب ما جاء في "سيرة القديسين" لتاودوريتوس أسقف قورش، ما حرفيته: "الرغبة في حيازة جثمانه، أدّت إلى نزاع كبير جدًا بين كل أهالي الجوار. ولكن سكان بلدة متاخمة كثيرة العدد جدًا، أتى جمهور غفير منها وطردوا الآخرين وأخذوا هذا الكنز الثمين، ثم بنوا له كنيسة كبيرة حيث راحوا يؤدّون له التكريم، ولا يزالون حتى اليوم ينالون بواسطته نعمًا غزيرة".
ومن الكشف الحسّي الذي أجريناه السنة 1969 و1971، تبيّن لنا أن القرية الأكبر هي براد، حيث توجد آثار كاتدرائية فيها ناووس، ضمن كابيلا، طولها إثنان وأربعون مترًا، وعرضها إثنان وعشرون مترًا ونصف. وتتميّز بخصائص تجعلها من أفخم الكنائس وأتقنها زخرفًا، مبنية من الحجر المصقول خارجًا وداخلاً. الطين غير مستعمل فيها. ما تبقى من جدران وواجهات للكنائس في تلك القرى المنسيّة، يبيّن لنا أن السقوف كانت من القرميد.
إن كاتدرائية براد لها ثلاثة أسواق وقاعة ملاصقة تحاذيها من جهة الشمال، غرفة مربّعة، وسط أساساتها ناووس حجري حيث دُفن مار مارون.
مار يوحنا مارون: ولد في بلدة سرمانيا، في جوار جسر الشغور ومنها انتقل إلى دير مار مارون القيادي الذي شيّده مار مارون قبل تنسّكه، حيث سيم راهبًا. وحين اشتدّ الجدل حول مشيئتي المسيح، اختير يوحنّا مارون أسقفًا ليتوجّه إلى سكان جبل لبنان ليحفظهم في الإتحاد مع الكنيسة الرومانية.
فأتى إلى بلاد البترون التي كانت تمتاز بوجود ماروني كثيف. وأقام في قلعة سمار جبيل. ومن ثم اتّجه شمالاً إلى شرقي كفرحي، حيث بنى ديرًا واستقر فيه، وجعله قاعدة للدفاع عن العقيدة، واضعًا فيه هامة مار مارون. فسُمّي دير "ريش موران" أي دير "رأس سيّدنا".
بسبب الإضطرابات في آخر عهد الصليبيين، هُدم هذا الدير وزالت معالمه لمدة أربعماية سنة، كما جاء في مخطوطة للآباء المريميين في روما: "هُدم كلّيًا منذ أجيال كثيرة، واندكّ إلى الأرض، ولم يبق منه علم ولا أثر البتة، كي نستدل منه على المكان. أما هامة مار مارون، فقد أُخذت إلى فولينيو من أعمال إيطاليا في السنة 1130.
بقي الدير كذلك، إلى أن جاء البطريرك يوسف أسطفان في أواخر القرن الثامن عشر، وبنى ديرًا على اسم مار يوحنّا مارون في كفرحي.
هكذا ظلّت حالة الدير تتأرجح بين مدّ وجزرٍ من ناحية العمران حتى أنعم الله علينا بأسقف مقدام، هو سيادة المطران إميل بولس سعادة، فاستلم الدير في حالة مهملة وأهّله ليستعيد سابق مجده، وزيّنه بإعادة هامة مار مارون إليه. فكان ذلك إنجازًا تاريخيًا رائعًا.
الصلة بين كاتدرائية براد ودير مار مارون – كفرحي:
أولاً:
أ – إنسحاب مار مارون من الدير الشرقي إلى كفرنابو ودفنه في كاتدرائية براد.
بـ - إنسحاب مار يوحنّا مارون من سوريا إلى سمار جبيل فكفرحي وبناء الدير.
ثانيًا:
أ – مار مارون حيث حلّ في منطقة براد، هدى الكثيرين من الوثنيين إلى الدين المسيحي.
بـ - مار يوحنا مارون وقف في كفرحي بوجه الإنشقاقات الكنسيّة وأرجع الكثيرين إلى الإيمان القوي.
ثالثًا:
أ – إحتواء كاتدرائية براد على ذخائر مار مارون.
بـ - إحتواء دير مار يوحنّا مارون في كفرحي على هامة مار مارون.
رابعًا:
أ – دير مار يوحنا مارون في كفرحي هُدم وبقي كذلك لمدة أربعماية سنة.
بـ - كاتدرائية براد هُدمت وبقيت كذلك أجيالاً لتعود قريبًا إلى سابق عهدها فتصبح محجًا للمؤمنين بهمّة المؤتمنين على الدين والدنيا وقيادة الشعب اللبناني إلى العنفوان.
خامسًا:
من ناحية الجغرافيا، كثير من أسماء القرى هي ذاتها في منطقتي براد وكفرحي، منها: كفرحي، عبدين، عرطز، سرجبلا، وكثير غيرها من أسماء الأماكن الموجودة في محيطي براد وكفرحي.
سادسًا:
أ – مار مارون ترك أرض المعرّة التي كانت تُدعى أرض المراء أي الأرض الطيّبة والخصبة، ليعيش في جبل سمعان حيث الأرض الجدباء والصّخرية.
بـ - مار يوحنا مارون ترك أرض جسر الشغور حيث المياه الغزيرة والخصب ليأتي إلى شرقي كفرحي، حيث الأرض الصخرية والقليلة الغلّة.
من أمنياتنا:
1 – إستعادة ذخائر القديسة مارينا من البندقية.
2 – إستعادة ذخائر القديسة أكويلينا الجبيلية.
3 – إعادة بناء كاتدرائية براد كما كانت عليه دون إدخال الباطون أو الهنغارات.
4 – إعادة بناء دير مار مارون قرب معرّة النعمان.
5 – تشييد متحف للكنسيّات.
6 – إنشاء مكتبة تراثية للعموم.
7 – نفض الغبار عن آثارنا أينما وجدت وهي كثيرة.
هذا ما استطعت أن أصل إليه وإذ أشكركم سادتي على هذه المهمة القيّمة، الراسخة في التاريخ، والشامخة في الوجود، التي تقبّلتها فخورًا بعد وجود القائد المنقذ وعودة طائر الفينيق. فتراثنا ستتناقله هضبة فهضبة لتناولها للخلود الأعصر.
سامي مكارم
تَدَرُّجٌ في الثقافة والفكر اختبره د. سامي مكارم في الربع الثاني من القرن العشرين، فتح امامه الطريق نحو استيعاب نبض إنسان القرن العشرين الغارق في محيط من الأيديولوجيات والاستحقاقات والتجارب والواقف على حدود تقاطع التناقضات الدولية.
عام 1963 عاد إلى لبنان وافتتح نشاطه الأكاديمي في رحاب الجامعة اللبنانية حيث درّس لمدّة سنة ثم انتقل إلى الجامعة الأميركية منذ العام 1964 وبدأ يعلّم فيها بدرجة أستاذ مساعد، ثم راح يتدرّج في المراتب، فرقّي إلى أستاذ مشارك فأستاذ كامل.
من المواقع الأكاديمية التي شغلها:
أستاذ التصوّف والأدب العربي والفكر الإسلامي في دائرة العربية ولغات الشرق الأدنى في الجامعة الأميركية في بيروت.
رئيس دائرة الأدب العربي ولغات الشرق الأدنى (سابقًا) في الجامعة الأميركية في بيروت.
مدير البرنامج العالي لدراسات الشرق الأوسط في الجامعة الأميركية (سابقًا).
هو أحد وجوه تظهير الفكر العربي في عصر العولمة.
عمل طيلة العقود الأخيرة من القرن العشرين ولا يزال في سبيل تصحيح الخلل الذي يشوب في أحيان كثيرة العلاقة الحضارية بين الشرق والغرب ويشوّه صورة الإسلام السمحاء ودوره الريادي في مسار نشأة الأمم وتحولاتها عبر الأجيال.
بقدر ما آمن بالحوار الحضاري، تبنى صوابية أن تحمل اليد اللبنانية مشعل النهضة في العالم العربي.
حمل مع زملائه، في زمن الحرب اللبنانية والتخلف العربي، لواء النهضة وتحرير الفكر، ورسم أمام الأجيال العربية الشابة دربًا تليق بإنسانية القرن الحادي والعشرين.
هو أديب ومفكّر يمتاز بالعمق وسعة الأفق والاطلاع، وهو شاعر مرهف يتميز شعره برقته وبعده العرفاني.
علاوة على عدد من المقالات العلمية والدراسات في دوريات تخصصية، له مجموعة من المؤلفات تجاوزت العشرين كتابًا تناول فيها الفكر الإسلامي والعرفان والأدب العربي والتاريخ والفن وذلك باللغتين العربية والإنكليزية.
قصائده تمرح على غوى رقص المشاعر المتجسدة في أرق الكلمات، تتسربل كما الفرعون المتربع على عرش الخلود.
فيها من الأسرار ما يجعلها تنبض بالحياة عبر الزمن، دون تحنيط، أو تعديل، أو حتى جمود.
تقرأه فتعبرك القداسة، وتكتشف طقسًا من الفكر السرمدي، فتستطيل إلى بشرية تنشد الإلهي.
مع وفائه للتراث ، استوفى مكارم للحاضر حقّه، فأجاب عن أسئلة إنسان العصر ببلاغة المكتنز بكنوز التاريخ الأصيل.
وهو إلى ذلك فنان تشكيلي، تمتاز لوحاته بالحروفية واللون والحركة، ضمن إطار التجريد الفني، يقدّم فيه مفهومه للبعد الثالث، في حركة الحرف اللانهائية، المنطلقة من اللون إلى عوالم ذوقية، تتجاوز المعنى إلى استكشاف خفايا الجمال.
أقيم له عدد من المعارض الفنية، واشترك في معارض اخرى في لبنان والعالم العربي وأوروبا وأميركا.
تنقل سامي مكارم بين ضفتي اللون والحرف ووحّد بينهما، فإذا بلوحاته، كما مؤلفاته، ترتسم شفافة في صمت اللون والحرف كما قال يومًا سيمونيدس.
قصيدته ولوحته توأم أنجبهما صمت هادر في باطن مرآة على جبل قاف.
يمتلك موضوعية التعبير وسمو الفكر وقد عكستهما مرآة الإنسانية المتجردة والمفعمة بالعطاء والمحبة والنبل، المتجلية بأبهى مشهديتها في كتاباته التي تقودنا في رحلة داخل محيط الحضارة وعبر آفاق الإنسانية المترفعة وعلى إيقاعات سيمفونية التحاور، في سبيل مصالحة شاملة مع ماض يئن من وطأة حروب ومظالم وتعقيدات، وحاضر يعيش مخاضًا مع الوجود ورؤى مستقبلية لعالم متجانس ، متكامل، قابل للحياة والنمو.
خواطر حول الكون والكائنات
الإنسان جزء لا يتجزّأ من الكون.
ربما هو الوحيد الذي يستطيع أن ينظر إلى الحياة ويتصرّف بها بطريقة فيها الكثير من الحرية والوعي لما يفعله ويقوله.
يستطيع الإنسان أن يتطوّر بعقله وعاطفته وأحاسيسه وميوله.
في حين أن غيره من الكائنات إنّما يتصرّف دون وعي كوعي الإنسان ودون أن يكون حرًا كالإنسان.
لذلك اتصفت الكائنات بأوصاف تختلف في كثير من أحوالها عما يتّصف به الإنسان.
فهي محكومة بالغريزة ومسيّرة بطباعها.
في حين أن الإنسان هو الذي يتحكّم بطباعه ويمكنه أن يحوّلها أو أن يتعامل معها بتحكّمه فيها.
ذلك لأنه يستطيع أن يعيَ وجوده وما يفعله.
صحيح أن الإنسان في كثير من أفعاله وتصرفاته كان سيّد طباعه وأعماله.
غير أنّه، مع سيادته على أعماله، هو واع لذاتيته.
ذلك لأنه يتصرّف من وحي هذه الذاتية.
هذا الأمر يجعله عرضة لهذه الذاتية التي كثيرًا ما تتحوّل إلى "أنا".
وربما نستطيع القول إن هذا الإنسان، بما أنّ "الأنا" تتحكّم به، يضع تبعة هذا التحكّم على قوى خارجية، كثيرًا ما ينظر إليها على أنّها أقوى منه وأفعل.
فيظن انّ التبعة في ذلك هي عائدة إلى ما يسمّيه "الله".
فيقول إنّه مسيّر من الله في اعماله أو على الأقل إن الله هو القادر القوي الذي يجعله يفعل ما يفعل، لأن له الدور الكبير في ذلك.
فهو الأقوى والأعظم.
والله أكبر.
أجل إن الله أكبر.
غير أن هذا الإنسان ينظر إلى الله على أنّه هو الصانع البارئ الخالق.
وهو المكوّن.
وكأنه يريد أن يقول إن ما يفعله، إنّما هو مرتكز على هذه القوة العظمى التي لا يستطيع أن يتصرّف من دونها.
غير أنني أنظر إلى الله بطريقة مع انها ترتكز في أساسها إلى هذا الأمر، ولكنها تختلف عن ذلك في كثير من الأحوال.
فالله في نظري، ليس ذا ذاتية يتصرّف بهذه الطريقة أو بتلك.
الله هو المحيط.
(ألا إنّه بكل شيء محيط) كما يقول القرآن الكريم.
وهذه الإحاطة تجعل من الله، في نظري، هذا الكائن المطلق الذي لا يخرج عن ملكوته شيء والذي لا نستطيع أن نفصله أو ننزهه كليًا عن الأشياء.
فهو إذًا إذ يخلق، لا يفعل ذلك خارج ملكوته أي خارج ذاته.
ذلك أنّ مطلقية الله تعني أن لا شيء يخرج عنه وهذا الأمر إنما يعني أننا لا نستطيع القول إن الله خالق الأشياء بمعنى أنها غيره.
فلا غيرية في المطلق.
إذًا، هذا الكون بمن فيه الإنسان ليس في ملكوت غير ملكوت الله.
وذلك يعني أن الله ليس منزهًا عن الإنسان بمعنى أن الإنسان خارج عنه.
فما هو هذا الإنسان؟
وبالتالي ما هو هذا الكون كلّه إذا لم يكن خارج الله؟
إنّ مَثَل هذا الكون من الله، كمثل العبارة من المعنى.
أو قل كمثل الكلمة من المعنى.
فالكلمة ليست المعنى ولكنّها هي المعنى أيضًا. ذلك أن المعنى لا يتحقق معنىً إلا بالكلمة. فالكلمة هي امتداد المعنى أو قل هي عبارة المعنى.
كذلك هو الكون. تجلى المعنى كلمة كما تجلّى الله كونًا. لم يتجلّ الله في الكون بل تجلّى الكون. هذا الكون هو شأن الله، هو تجلّيه، هو عبارته.
هكذا أفهم الخلق. هو ليس صنعًا صنعه الله خارج ذاته. بل هو تجلّي الله، تَمَظْهرُهُ".
من هنا كان الإنسان، الذي هو أتمّ ما في الكون وأسمى ما فيه، تَمَظْهُرَ الله. وإذا كان الله لا ذاتية له، إذ هو المطلق، كان الإنسان له ذاتية، لأن التمظهر يختلف عن حقيقته بأن له ذاتية.
من هنا كان الإنسان، من حيث هو الكلمة، هو الحق متمظهرًا، وهو في الوقت ذاته يختلف عن الحق بأنه عبارة الحق.
فالعنصر الذي يجعل الإنسان غير الحق، أي الله، هو هذه الذاتية.
فإذا ما استعمل الإنسان ذاتيته ليكتشف حقيقته الإلهية ويسعى بها إلى التحقق بالله، كان على الطريق الصواب. أما إذا استعمل ذاتيته لكي يمعن في الاختلاف عن الله، تحوّلت ذاتيته هذه إلى "أنا" تجعله يسعى إلى الدوران حولها بدلاً من الدوران حول حقيقته.
من هنا كانت "الأنا" في الإنسان، أصل كل شر.
هي العنصر الذي يبعد الإنسان عن حقيقته.
من هنا كان الإنسان بخلاف الكون ينزع إلى الشر كما ينزع إلى الخير، قابل للشر كما هو قابل للخير. في حين أن الكون لا يعي ذاتيته.
فلذلك نراه قائمًا على نظام لا تعتريه الفوضى ولا يعتريه الخلل. أما الإنسان فهو قابل للخلل، إن هو لم يتخلّص من أنائيته.
هذا هو وجه الخلل في الإنسان: هذه الأنائية التي تتحوّل في تصرّفه إلى أنانية تفرق الإنسان عن الإنسان وتفرّقه عن الحق وتبعده عن الحقيقة تائهًا، ضائعًا، حائرًا، يدور دون أن يتخذ من الله مركزًا لدائرته تلك، أو نقطة مركز لدائرته تلك.
الشر في الإنسان هو رفضه أن يكون تجليًا لله، وسعيه أن يكون تجليًا لأناه.
إذًا، هنا اختلف مفهوم الحرية. الحرية ليست مقدرة الإنسان أن يفعل الشيء وضدّه، بل الحرية هي أن يتحقق الإنسان في الله، أن يتبع الله، وهذا هو معنى العبادة. ليست العبادة أن أعبد الله لكي أحقق ذاتيتي الأنانية. بل العبادة الحق أن أعبد الله لكي أتحقق به، أن أعبده فتنكشف الحقيقة لي دون أن يكون ذلك راجعًا إلى أن أحوز "أناي". هذا هو مفهوم الإنسان الحق: أن يحقق إنسانيته، أن يصل في تصرّفه وفي تعقله وفي فعله ومعرفته إلى تحقيق ذاته، إلى تخليص ذاتيته من الأنا التي هي أساس كل شر لأنها أساس كل باطل.
الحرية إذًا، هي أن تحقق ذاتك، لا أن تحقق أناك. أن تحقق ذاتك في الحق لا أن تحقق ذاتك في الأنا الواهمة الباطلة.
وفي الواقع، إن استعرضنا هذا العالم نرى كيف تتحكم الأنانية في الفرد كما تتحكم في المجتمعات والدول.
فكل فرد يضع مصلحته قبل كل مصلحة، ويتعاطى مع مصالح دولته ومعتقده كأولوية تغلب باقي الأولويات والمصالح.
هذه الأنائية هي سبب كل خلل في هذا الكون.
الوجود الإلهي وبالتالي وجود هذا الكون ومن ضمنه الإنسان هو النظام.
أما الأنا فهي عنصر الخلل والفوضى.
من هنا لا يمكننا أن نقول إن ضد الوجود هو العدم. ذلك لأننا بمجرّد تفكيرنا بالعدم أصبح للعدم وجود ذهني، وعاد غير عدم.
ضد الوجود ليس إذًا العدم بل الوجود الفوضوي، هو الخلل، هو تحكّم الأنا في الإنسان. وهذا التحكّم هو الذي يجعله يعيش في الفرق بدلاً من أن يعيش في الجمع ، في الله.
هذا هو عنصر الشر في عالم اليوم: الفوضى القائمة على الأنا.
لا يمكن أن يتخلّص الإنسان من هذه الفوضى طالما هو ينظر إلى أنّه إنسان فرد، يختلف عن غيره ويسعى إلى مصلحته على حساب مصلحة غيره. لا يمكن الإنسان أن يحقق الحق إلا بأن يتخلّص من هذه الأنا فينكشف الحق له انكشافًا. من هنا قول الحلاّج، إذ سئل كيف الطريق إلى الله، فأجاب: الطريق خط بين اثنين وليس مع الله أحد.
رحلة التحقق هذه هي رحلة دون طريق. لأن الطريق كما قال هي بين نقطتين. إذا بدأت من الأنا لا تصل إلا إلى الأنت. والأنا والأنت نسبيتان. أما الله فيتعالى عن النسبية، إذ هو المطلق والمطلق لا غيرية له.
هكذا تكون الأنا في الإنسان هي العدم. واتباع الأنا هو اتباع العدم. والعدم هو الفوضى والفوضى ضد النظام.
هكذا أفهم دكتور الإنسان.
غير أن حتمية الكون هو النظام والطبيعة التي تقوم على النظام ترفض الفوضى. بل إنّ الطبيعة القائمة على النظام الإلهي تتمتع بآلية الدفاع عن النظام.
إذًا، لا بد من أن تتخلّص هذه الطبيعة الإلهية من الفوضى الإنسانية وتقيمَ النظام. إذ عندما تسود الفوضى، لا بد أن يُبْعَثَ النظام، فينهي كل خلل وعدم توازن.
وهذا معنى البعث الذي هو القيامة: قيامة الحق، قيامة النظام.
ما الفرق بين الجنّة وجهنّم؟
طلب أحدهم من الله أن يريه جهنم. فأراه الله طبيعة ربيعية رائعة وطاولات تزخر بأشهى الأطايب جلس عليها الناس يحملون ملاعق ضخمة، يحاولون عبثًا أن يغرفوا من الطعام ويضعونه في أفواههم دون جدوى.
فتعجب الرجل كيف أن جهنم تبدو على صورة الجنة. فطلب من الله أن يريه الجنة. فأراه الله اللوحة نفسها مع فارق وحيد هو أن كل من يجلس على طاولة الطعام، بدلاً من أن يحاول أن يأكل من ملعقته ، يطعم من هو في الجهة المقابلة.
الفرق بين الجنة وجهنم يكمن في الموقف. في وأد الأنا. إذا فهم الإنسان إنسانيته على أنها فردية، وصل إلى الشقاء. أما إذا فهمها على أنها سعي إلى الناس وليس إلى الإنسان الفرد حقق الجنّة.
الإنسان ليس وجه الله. الناس هم وجه الله.
يصبح الإنسان وجه الله إذا تخلّص من فرديته الأنانية وتحلّى بناسوتيته.
هذا القول إن الله خلق الإنسان على صورته، على صورة مفهوم الناس لا مفهوم الأفراد.
فالله يظهر في الناسوت كما يظهر في الكون لكنّه لا يظهر في الفرد. كون الفرد ليس وجه الله بل الناس بمجموعهم هم وجهه تعالى.
القول إن المسيح هو ناسوت الله. لا يعني أن المسيح يمثل فردًا مخالفًا معاديًا، بل يعني أنّه يمثل حقيقة الإنسان، أي ناسوتيته.
عندما تنظر إلى أنني مختلف عنك وأنك لا ترى القاسم المشترك بيننا ، يولد الشر.
وعندما تنظر إلى الله تشعر أن الله فيك وأنت فيه وهو في الكون وفيك ، عندها تمثل الناسوتية. لأن الله في الجمع وليس في الفرق.
مأساة الإنسان أنه ينظر إلى الله على أنّه منزه عنه. يشعر بأنه في مكان مغاير عن مكانه. وفي الحقيقة إن الله مطلق . وكل مكان هو في الله.
لا تنظر إلى الإنسان بالفرق بل انظر إليه بالجمع. ولا تنظر إلى الله بعيدًا عنك، انظر إليه فيك. فأنت لست غريبًا عن الله شرط أن تعي موقفك.
هذا هو عذاب الإنسان: أن يخالف فكرُه حقيقتَه، وأن يخالف ظاهرُه باطنَه. هذا هو جوهر كل العذاب.
أما إذا انسجم ظاهرك مع باطنك انسجامًا كليًا، وانسجمت مع الإنسان الآخر، انسجمت تلقائيًا مع الله.
لا يمكنك أن تحب الله وأنت تكره غيرك. هذا هزء بذاتك وخداع ذاتك.
لا يمكنك أن تحب الله إلا إذا شعرت أن الله يحبك.
لا يمكنك أن تشعر أن الله يحبك إلا إذا أحببت غيرك في الحق.
ربما يسأل أحدهم سؤالاً" كيف يمكنك ألا تكره الإنسان الشرير؟
لا تكرهه، بل تبرّأ من شرّه.
لا يمكنك أن تقول إنني أحب ولكنني أكره شيئًا ما. يمكنك أن تقول إنني أحب وأتبرّأ من شر ما.
إذا تخلصت من الأنا وإذا جعلت التبرؤ بدلاً من الكراهية، عند ذاك تحقق ناسوتيتك.
قلنا إن العذاب هو أن يخالف فكر الإنسان، حقيقته ظاهره باطنه، تلك هي النار ويصل الانسان الى النار، الى جهنم، إذا كان الحقُّ مخالفًا لما تَطَبَّعَ عليه.
أما إذا كان الانسان منسجمًا مع الحق في حياته، وساد الحق، فيصبح هذا الحق جنَّة له.
نعيمًا ينعم به.
من هنا، كانت الجنة أو النار نتيجة لما هيّأ الإنسان نفسه له في حياته.
فإذا رضي في حياته بقوانين الطبيعة، أي بالقوانين الإلهية، وقبلها وعَمِلَ على سلامة روحه وجسده، وعلى سلامة ماله وولجه، وفكرة وفعٍلٍه وعمله، أي جعل هذه الأمور منسجمة مع الحق، سلّمها الى الله.
أما إذا لم يعمل على سلامتها، رفض الله تسٍّلمها, إذا الله لا يقبل ما هو فاسد.
من هنا، كان التسليم فعلاً في الله، وانسجاماً معه.
وهذا التسليم من الله هو السعادة القصوى، وقد يكون الألم ناتجاً في بعض الأحيان عن كون المتألم صالحاً.
ولكن ما يحيط به فاسد هذا التناقش ربما أدى الى الألم ولكن هذا الألم سرعان ما يصبح مدعاة لتحفُزّ الانسان الى الصلاح بدلاً من النظر إلى ذاته.
إذا لا يمكن ان يكون المجتمع الذي يحيط بالإنسان، فاسداً إذا كان هذا الإنسان صالحاً بالحقيقة.
إذا الصلاح هو أمن وسلام.
فإذا كان هذا الانسان، حقيقة متمتعاً بالأمن والسلام فلا بد أن يشع الأمن منه والسلام من ذاته الى الخارج، فيؤثر في مجتمعه.
لذلك فلا صلاح في المجتمع إلا إذا صَلحَ الإنسان وكمال الصلاح إنما هو بالدعوة اليه والسعي إلى تحقيقه.
وهكذا فإن الألم لا يشعر به إلا الفاسد أو ذلك الذي صلاحه غير كامل.
إذاً فإن ما يشعر به المرء من عذاب هو في حقيقة الأمر عائد إما كلياً وإما جزئياً إليه.
هذا إذا كان المرء حقيقة يشعر بالألم.
وذلك أن الألم يتحوّل عند الصالح الحق إما الى أن يكون قربى من الحق او تهذيباً للنفس، أو تأديباً لها، ولا يكون ألماً إلا -------- الذي لا يستسيغون الصلاح، وبالمناسبة، أن من أفضل ما سمعت، قولاً لأحد الحكماء مؤداه: "المحن تكون تقريباً للأنبياء وتهذيباً للأولياء وتأديباً للصالحين من الناس وتعذيباً لأهل الشر منهم".
وهذا ما يذكرني بما قاله محي الدين إبن عربي، إذا ربط العذاب بالعذوبة – فالعذاب لا يكون عذاباً إلا من هو أهل العذاب أما من ليس أهلاً بالعذاب أما ما يلاقيه في حياته من صعوبة يحولها إلى عذوبة في نفسه، يتخذ منه درساً يؤدي الى عذوبة النفس.
وهذا ما تعنيه الآية الكريمة التي تقول، "وهم من القصاص حياة يا أولي الألباب".
فالقصاص مهما كان صعباً على نفس المرء يصبح حية لؤلي الألباب والحياة حركة ونشاط وسعادة ولذّة لمن هو بالحقيقة.
وهكذا فإن الألم هو موقف نفسي قد يكون من القوة بمكان حتى أنه يؤثّر على الجسد.
أما الإنسان الحق فهو الذي يتخذ مما يسمى بالألم مدعاة للسعادة واللذة والنعيم وهكذا يتحرر من رٍبقة الألم فتتسع نفسه من الخير ويقوى على هذا الألم، ولنا في ذلك عٌبر من عدد كبير من المصلحين وأهل الخير والحق الذي تغلبوا على الألم وأصبح عندهم برداً وسلاماً كسقراط والحلاّج ويوحنا المعمدان على سبيل العد لا الحصر.
هذا هو ما أفهمه من الألم.
فطالما أن الإنسان يشعر به فهو أما جدير به وأما لأنه أصبح في طريق التخلّص منه.
والسعي إلى تحقيق الحقيقة في ذاته.
على دوي الحق ان يكونوا أقوياء في نفوسهم.
يقوون على كل شيء إلا على الحق ويتحررون من كل شيء إلا من الحق.
وهذا هو الحرية بعينها إذا الحرية هي أتباع الحق، وتحقيق اللإنسان كما له ---- به.
وهكذا نرى أن كثيراً من الذين هم على طريق الحق ما يزالون يتألمون إذ هم لم يصلوا بعد إلى الحق أي إلى الحرية الكبرى من كل أمر غير الحق.
وبما أن الحق هو مطلق فما هو غير الحق هو وهم ومن لم يستطع ان يتحرر بعد من الوهم ما يزال على حمى الوهم يتخبط به ويحار في مما له.
ولا يستطيع ان يكتشف ما هو حق.
أما إذا قُيّدَت له الحرية قُيّد له أن يتحرر من الوهم فيمثل الحق أمامه وينخرط به ويتحد، فَتُزَمّ له الأ---- ويحقق التوحيد بالحق.
وهكذا نستطيع القول أن العذاب هو عدم الانسجام مع الحقيقة في حين أن النعيم هو انسجام كلي مع الحق.
الصـدق
الصدق هو رأس الفضائل.
وليس الصدق صدقًا باللسان وحسب.
الصدق هو سعي الإنسان إلى الوصول إلى حقيقته.
وحقيقة الإنسان هي أن يكون واحدًا مع الواحد الأحد.
ذلك أن الواحد الأحد، أي الحقَّ، هو الذي لا غير له.
وبالتالي فهو الواحد الذي يضم في ملكوته كل شيء.
أو ربما يكون من الافضل ان نقول إن الواحد الأحد لا غير له.
وما الأشياء إلا انعكاسٌ لنوره.
ولا أعني بالانعكاس أنّ هنالك أمرأ آخر ينعكس عليه.
ذلك لأن الله هو الواحد الأحد، هو ذاته، هو حقيقته.
فالانعكاس هو حقيقته وهو فعله وهو تمظهره، إن صحّ القول.
ولا أعني بالتمظهر ان الواحد الأحد له ظاهر أو باطن.
وإنما هو الظاهر والباطن على السواء.
فهذا التمظهر إذًا الذي هو هذا الكون، إنما هو انعكاسه الحتمي.
من هنا كان هذا الوجود واحدًا مع الله.
هو تعبيره الذي عبر منه إليه.
ولذلك، فهذه الوحدة إنما هي الصدق.
أما الإنسان فلا يكون صادقًا إلا إذا حقق هذا الصدق في ذاته.
أي إلا إذا حقق الوحدة مع الحق.
فكان عبارة الحق وتمظهره وانعكاسه.
إذًا، صِدْقُ الإنسان إنما يتجلى إذا تيقّن الإنسانُ أن الله هو أصله وأنّه صورته.
أي إذا تيقّن الإنسان أن هذه الصلة بينه وبين الحق هي ما يجعله إنسانًا ويجعله متألهًا على السواء.
فالصدق إذًا هو صلة مع الله.
إذ تتصل الصورة والأصل كما تتصل الكلمة والمعنى.
من هنا كان الصدق هو ما يهدي الإنسان إلى حقيقته.
من هنا كان الصدق رأس الفضائل.
هو الذي يجعل الإنسان متألهًا كما سبق القول.
فإذا الله يتانّس له تانّسًا.
وإذا الإنسان هو من الله كالكلمة من المعنى.
نستطيع أن نفصل في ذهننا الكلمة عن معناها.
ولكن في حقيقة الأمر لا فصل بين الكلمة والمعنى.
ولكن كما أن الكلمة تبقى كلمة والمعنى يبقى معنى.
كذلك الإنسان يبقى إنسانًا والله يبقى في ملكوته واحدًا فردًا.
هنا نستطيع أن نقول إن الإنسان لا يبلغ فضيلة الصدق إلا إذا بلغ فضيلة التصديق.
بهذه الحقيقة التي لا ريب فيها.
ذلك هو اليقين.
أو قل حق اليقين.
فلا فصل بين الصادق والصدق.
ولا فصل بين الصدق والحق.
تلك هي الوحدة الإنسانية التي تعكس صورة الله.
فإذا هذه الصورة هي ناسوتية الله التي يتمثل اللاهوت بها على قدر مقدرة الإنسان على التحقق في الحق.
هذا الصدق إذًا في حقيقته يجعل الإنسان متوحدًا مع الله.
أي يجعل هذا الإنسان خليفة الله على الأرض.
أما إذا فاتت الإنسانَ هذه الحقيقة، فإنه يكون في حالة من الضياع وفي حالة من الفوضى وفي حالة من العدم.
ذلك أن العدم ليس ضد الله اللاهوت وإنما هو ضد الإنسان الذي لم يفقه حقيقته ولم يعرف أنّه واحد مع الله.
وكيف يكون الإنسان مفروقًا عن الله؟
إنّ ما يجعله مفروقًا هو هذا الشعور بالأنا التي هي عنصر الكثرة الواهمة.
هي التي تجعل الإنسان بعيدًا عن الصدق.
إذ تجعله هائمًا.
في مهامه الوهم.
يرى نفسه مفروقًا عن الله.
فيرى نفسه مفروقًا عن الإنسان الحق.
تلك هي مأساة الإنسان على مرّ العصور.
تاه عن حقيقته واتخذ الكثرة حقيقة فغلبت عليه أناه.
وإذا بهذه الأنا تتلهى بالمصالح الشخصية الأنانية
وسرعان ما تنقسم إلى أنوات.
كل أنا منها تنافس غيرها.
فإذا الناس كلهم يبتعدون عن حقيقتهم ويتخبطون متصارعين متنافسين متقاتلين.
تلك هي مأساة هذا الإنسان.
وتلك هي مأساة الحضارة التي قامت على التنازع والعداوة والبغضاء.
الحرية
كثير من الناس، يخلطون بين الحرية وحرية الاختيار. غير أن حرية الاختيار تختلف عن مفهوم الحرية بمعناها الحقيقي، ولو كان لحرية الاختيار ارتباط بالحرية.
إذ حرية الاختيار ضرورية للحرية. ولكن الحرية تتجاوزها إلى مفهوم الحق والخير.
قد يستطيع الإنسان أن يختار بين أمرين سيئين، ولكنه لا يستطيع أن يبلغ الحرية إذا كان في سعيه نحوها أي سوء.
الحيوان يستطيع ان يكون له حرية الاختيار، ولكن الحيوان لا يمكنه أن يبلغ الحرية من تلقاء نفسه.
يستطيع الحيوان مثلاً ان يختار بين الأكل أو غيره ولكنه أن يبلغ الحرية بفعل واعِ، فلا. ذلك ان الحرية هي مختصة بالإنسان ووحده الذي يستطيع ان يبلغها.
الحرية هي أن يحقق الإنسان كماله الأخص به. أما حرية الاختيار فإنها لا تتعلّق بكماله.
الحرية هي الفضيلة.
الحرية هي السعي إلى حقيقة الإنسان.
حقيقة الإنسان هي أن يحقق الإنسانية فيه. لا أن يحقق الجمادية أو النباتية أو الحيوانية.
غير أن تحقيق الإنسانية، أي بلوغ الإنسان حقيقته، لا يستسيغه الناس. بل نراهم في كثير من الأحيان يتجنبون السعي إلى حقيقتهم، ويتلهون بغرائزهم التي تقرّبهم إلى الجماد او النبات أو الحيوان.
صفة الجماد هي السكون لا الفعل.
هكذا نرى كثيرًا من الناس ساكنين لا يفعلون. أو أنّهم يقتربون إلى النبات. والنبات أيضًا إنما ينمو ولكنه لا يفكر ولا يسعى. إنما تسيّره الغريزة. وهكذا أيضًا كثير من الناس يبقون في حمى نباتيتهم. والكثير من الناس أيضًا إنما يحققون حيوانيتهم، أي يسعون إلى شهواتهم ورغائبهم بطريقة غريزية، ليس للمحبة ولا للعقل ولا للعاطفة إلى الخير دورٌ. الحيوان لا يميل إلا للغريزة. فهو مسيّر بها لا ينظر إلى الخير بوعي وكذلك كثير من الناس. فهم تسيّرهم الغريزة. وتسيّرهم شهواتهم ورغباتهم وانفعالاتهم. ولذلك فلا نستطيع ان نصفهم بأنهم أحرار ولو كانوا يمارسون حرية الاختيار في كثير من الأمور.
أما الإنسان الحق فهو ذلك الذي يسعى كما ذكرنا من قبل إلى الحق، إلى تحقيق الخير في نفسه وإلى تحقيق الجمال.
ولذلك عليه أن يتخلّص من تحكّم الغريزة فيه وتحكّم النباتية والجمادية والحيوانية.
من هنا صعوبة الوصول إلى الحقيقة.
أي من هنا صعوبة الوصول إلى الحرية.
فهو لا يريد ان يعترف في كثير من الأحيان بما وجد له.
لا يريد ان يعترف بما هو كماله.
لا يريد ان ينظر إلى الله على أنّه الوجود الحق، وأن الإنسان عليه أن يحقق وجوده لكي يقترب إلى هذا الوجود الحق ويصير هذا الحق حقيقة له يعترف بها.
من هنا يميل الإنسان عادة أن يخلط بين الحرية وحرية الاختيار.
ولذلك يراه يمارس قوته العاقلة أو قوته العاطفية أو قوته الغريزية.
وفي ممارسته تلك، كثيرًا ما يخلط بين هذه القوى، فإذا هو مضطرب غير متوازن ولا مستقيم.
أما الحرية فهو بعيد عنها لأنها تتطلب منه نبذ أناه. وبالتالي نبذ تحكّم العواطف والرغبات والشهوات فيه.
ولذلك فهو يميل إلى أن يفهم الحرية بانها القدرة على فعل الشيء وضدّه. فيختار بين الفعل وضد الفعل، ظنًا منه أنه بلغ الحرية في حين أنه يكون محكومًا بما يفعله، عبدًا لما يقوم به.
أما الحرية فهي أن لا يكون عبدًا لأمر، أن لا يكون عبدًا لأناه.
ولا يكون عبدًا لرغبة.
ولا يكون عبدًا لشهوة.
بل يكون متحكمًا بها، سيّدًا عليها.
الحرية هي نبذ العبودية. نبذ هذه الأنا.
من هنا نرى كثيرًا من الناس تستعبدهم غاياتهم إذ يتوسلون بأمور سرعان ما تصبح غاية لهم.
من هنا يستعبدهم المال، وتستعبدهم العاطفة، ويستعبدهم العقل، وتستعبدهم كل وسيلة يتخذونها للوصول إلى أناهم. فإذ هم عبيد ليس للأنا فقط، وإنما أيضًا لما يتوسلون به لبلوغ هذه الأنا.
أما الحرية فإنها تبدأ بأنهم يتحكمون بأناهم، ويتحكمون بما تتوسل أنواتهم به، ليصلوا إلى حقيقتهم التي هي الإنسانية بمعناها الحقيقي.
هذه الإنسانية التي هي انعكاس الله الحق والخير والجمال.
ولا ننسى أن الغنسان وجد على صورة هذا الحق والخير والجمال.
والصورة هنا ليس الشكل. ذلك أن الحق والخير والجمال، أي الله، يتنزّه أن يكون له شكل.
الصورة هنا إنما هي الفعل، على غرار ما عرّفها أرسطو.
هي حقيقة الشيء ومعناه.
من هنا كان الفعل الحقيقي الإنساني هو صورة الله.
عدم النظر إلى ذلك هو ما تتخبّط به الحضارة اليوم.
هذه الحضارة القائمة على أنانية الفرد من جهة، وعلى أنائية الدول من جهة أخرى.
تلك هي مأساة الإنسانية اليوم.
أنانية تقوم على عدم الاعتراف بالغير أو بالآخرين.
أنانية تقوم على ضرب كل من يقف في وجهك.
من هنا نرى المعارف الإنسانية والعلوم التي توصّل إليها الناس إنما تسخّر في غالبيتها إلى الدمار، إلى التجويع، إلى السيطرة على الآخرين.
__________*__________
الـحــب
يتميّز الإنسان عن الحيوان بمميزات كثيرة منها العقل والذوق والإيمان والحب والتعبير.
ولا أعني بذلك أن الحيوانات الأخرى غير الإنسان محرومة من هذه الأمور كليًا،
وإنما الإنسان يتميّز عنها بكونه مالكًا لهذه الأمور بطريقة راقية.
أما عند الحيوانات الأخرى فإن هذه الامور على شيء من البدائية.
فالحيوانات في معظم الأحيان لا تعرف الحب إلا إذا كان مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالحس.
فالهرّة مثلاً، كما غيرها من الحيوانات تحدب على جراها طالما هي بحاجة إلى الإرضاع.
فإن انعدمت هذه الحاجة عندها عادت لا تنظر إلى جراها بشيء من العاطفة، بل أصبحت تتخذها أعداء لها.
أما الإنسان فإنّه يبقى محبًا لغيره طالما هو على قيد الحياة.
وربما بقي هذا الحب إلى ما بعد موت المحبوب لزمان طويل.
غير أن الحب الإنساني هذا، إنما ينقسم إلى أنواع كثيرة.
فهناك حب الهوى، أي حب مبني على الأنا.
وهذا هو الحب المنتشر بين الناس.
وقلّما يخلو منه إنسان.
حب الهوى هذا يظهر في كثير من العلاقات الإنسانية وقد يراوح بين حب خسيس قائم على شهوة كشهوة الجنس أو شهوة المال أو غير ذلك من الشهوات.
وربما يسمو إلى أمور أخرى، كحب الأم لطفلها.
فهذا الحب يصل إلى درجة عالية من السمو، حتى يقارب الإيثار.
فإذا الأم تضحي بنفسها أمام أولادها.
ولكنّ هذا الحب لا يعدو كونه حبًا قائمًا على شيء من الأنا.
إذ الأم في حبّها ذاك السامي، لا تستطيع أن تحيا دون ابنها، فتؤثره على نفسها.
وهنالك أيضًا، حب الله.
فكثير من الناس إنما يعبدون الله، أو يقومون بأعمال على غاية من التضحية في سبيل دخول الجنة أو خوفًا من دخول النار.
وقد يكون هذا الحب من أعلى درجات الحب في الإنسان.
إذ يأخذه هذا الحب إلى الأعمال الحسنة التي يضحي لها بحياته، أو يقف حياته من أجلها.
غير أن هناك نوعًا من الحب آخر خاليًا من كل أنا، وهو قائم على الانجذاب الكلي إلى المحبوب دون أن يكون للمحب فيه أية مصلحة مهما كانت هذه المصلحة سامية شريفة.
ولا يتحقق هذا النوع من الحب إلا إذا كان المحب قد تخلّص من كل أنا وطهّر ذاتيته من أي وعي لها.
وهذا الحب لا نراه إلا عند هؤلاء الصوفية العرفانيين الذين خطفهم المحبوب إليه فعادوا منجذبين إليه كل الانجذاب دون أن يكون لحبهم ذاك أيّة علاقة قائمة على ذواتهم الخاصة بهم.
وربما تكون المتصوفة الشهيرة "رابعة العدوية" قد عبّرت عن الحب بمعنييه، أي حب الهوى وهذا الحب الخالص بالأبيات الشعرية التالية، إذ قالت مخاطبة الله:
"أحـبّك حبّين، حب الهـوى
وحـبًا لأنـك أهـل لذاكـا
فأمـا الذي هو حـب الهوى
فشغلي بذكـرك عمّن سواكا
وأما الـذي أنت أهـل له
فكشفك للحـجب حتى أراكا
فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي
ولكن لك الحمد في ذا وذاكا"
وقد روي البيت الثالث كما يلي:
"وأما الذي أنت أهل له
فلست أرى الكون حتى أراكا"
فحب الهوى إنما يعترف بوجود غير المحبوب ولكن المحب قد شُغل بمحبوبه فلا يذكر إلا إيّاه.
وهذا حب يختص به الناس بعضهم لبعض.
وربما أحب الإنسان الله بهذا الحب فهو يعترف بغيرية لله ولكنّه أُخذ بحبّه تعالى فلا يذكر غيره.
أما الحب الآخر، أي الحب الذي يكون المحبوب فيه أهلاً لهذا الحب فقد عدّتْه "رابعة العدوية" على أنّه مرادف للمعرفة، فوصفته بانّه كشفٌ للحجب ومعرفةٌ لله خالصة.
وربما وصل هذا الحب إلى غايته فإذا المحب لا يرى إلا الله.
أما الأكوان فإنما تتلاشى أمام سطوع نوره الذي يُعمي المحبَّ ويُصمّه، كما يقول الحديث النبوي: "حبُّك الشيءَ يُعمي ويُصم".
أو كما يقول الشاعر :
"أصَمَّني الحبُّ إلا عن تَسامُرِه
فَمَنْ رأى حُبَّ حِبٍّ يورثُ الضَمَمَا
وكَفَّ طرْفِيَ إلا عن رِعايَتِه
والحُبُّ يُعمي وفيه القتل إنْ كُتِمَا"
وهذا إنما يعني أن المحب إذ وصل إلى هذا النوع من الحب لا يرى ولا يسمع إلا حبيبه الإلهي.
ذلك لأن هذا النوع من الحب هو انجذاب في حين أن حب الهوى، مع ما يمكنه أن يكون عليه من سمو، لا يعدو كونه اجتذابًا لا انجذاب.
هذا الحب الحق إذًا هو انجذاب إلى المحبوب.
أما الاجتذاب فهو اجتذاب المحبوب إلى الأنا.
حب الإنجذاب إذًا هو الحب الحق.
فإذا ما انجذَبْتَ إلى الله تركت الأنا خلفك ودخلت في ملكوته دونها.
كما قال "أبو يزيد البسطامي":
"كُتِب على باب المحبة "اترك نفسك وتعال".
هذا الحب إذّا لا يعترف إلا بوحدة المُحِب والمحبوب.
فإذا بقي المُحِبُّ غير المحبوب يبقى في الثنائية ويبقى إذًا منفصلاً عن المحبوب قريبًا إليه ربما، ولكنّه على مسافة منه.
وهذا ليس بحب حق.
فالقُربُ لا يعدو كونه بعدا، كما ذكر العارف بالله "أبو الحسين النوري"، إذ قال:
"قُربُ القُربِ بُعدُ البعد".
فأنت إذًا لا تحب الله إلا إذا استهلكك الله فتلاشت أنائيتك، فعدت لا ترى ذاتك قريبًا أو بعيدًا، بل تصبح وقد انخطفت إليه واضمحللت في عزِّ ملكوته، كما قال "الحسين بن منصور الحلاّج":
"يا نسيم الريح قولي للرشا
لم يزدني الورد إلا عطشا
لي حبيب حبّه وسط الحشا
إن يشا يمشي على خدّ مشى
روحه روحي وروحي روحه
إن يشا شئت وإن شئت يشا".
ذلك لأن هذا المحب يعود وقد تلاشت إرادته بإرادة الله.
فإذا شاء الله شاء، وإذا شاء شاء الله، لأنه لا يشاء إلى بمشيئة الله.
كما ذكر الحديث النبوي :
"إن لله قومًا إذا أرادوا أراد."
فهذا المحب تخلّص من أنائيته فعاد لا يريد إلا ما يريد الله ولا يشاء إلا ما يشاء الله.
أصبح كالقلم بيد الكاتب، أو كما قال "الجُنَيْد":
"كالميت بيد الغاسل".
وهذا لا يدركه إلا من تحقق بالله، فبلغ إنسانيته الكاملة،
أو حقق ناسوتيته.
ذلك هو الحب الحق الذي يوحّد المُحبَّ بالحبيب.
فإذا المحب، وقد تخلّص من كل أنا، تلاشت صفة المُحبِّ منه، وإذا المحبوب، إذ تلاشت الأنا من مُحبِّه، عاد غير محبوب من غيره.
وهو لا غيرية له.
فتلاشت صفة المُحب وتلاشت صفة المحبوب، ولم يبق إلا الحبُّ وحده سبحانه وتعالى، لا غيرية له.
ذلك هو التحقق.
من هنا قول "محيي الدين ابن عربي":
"لقد صار قلبي قابلاً كل صورة
فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف
وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب انّ توجهت
ركائبُه، فالحب ديني وإيماني".
__________*__________
الذي أمر الريح والأمواج "اهدأي واسكني"
يقف ويداه ممدودتان لينقذك ويحفظك في مشيئته.
السماء تحدّث بمجدك، يا رب.
نور حكمتك يلمع في كل نجم.
وإذ نقرأ كلمتك، نجد اسمك معلنًا في أقدس السطور.
من هو الإنسان حتى تسلّطه على أعمال يديك؟!
في الحياة كثيرًا ما تلهينا الخيبات الصغيرة وننسى الخيرات الجزيلة التي يغدقها علينا الرب.
عوضًا على التركيز على تجارب الحياة، ينبغي أن نصب اهتمامنا على بركاتها.
كان أحد الوعاظ يخاطب مجموعة من الناس، فأخذ قطعة ورق كبيرة ورسم بقلم عريض بقعة سوداء في وسطها. ثم رفع الورقة أمام الحضور وسألهم ماذا يرون. فأسرع أحدهم بالقول: نقطة سوداء.
أجاب الواعظ: صحيح وماذا ترون بعد؟
فساد صمت مطبق.
عندئذ سألهم: ألا ترون شيئًا غير النقطة السوداء؟
فقال الجميع بصوت واحد: لا.
إذ ذاك علّق قائلاً لقد أغفلتم الأمر الأهم - أعني الورقة البيضاء.
أعمال الرسل
سفر أعمال الرسل كتبه لوقا الرسول نتصفّحه ونغوص بين سطوره نستخرج من منجمه الحقائق المقدّسة
في سِفر أعمال الرسل، نرافق أولى تمتمات اللاهوت المسيحي.
نكتشف بإعجاب حب الجماعة المؤمنة الأولى ليسوع المسيح القائم من الموت
كتب القديس لوقا سفر أعمال الرسل، متحدثًا عن الحقبة الواقعة بين السنوات 30 و60
نفحة الروح القدس هبّت في اثني عشر صيادًا وفلاحًا فحملوا إلى العالم تعليم المحبة الثوري الذي انتصر بعد ثلاثة قرون في روما العظيمة نَتلمّس في هذا السفر المقدّس أول محاولة لاشتراكية كاملة قامت بها جماعة أورشليم
سفر أعمال الرسل يعلمنا كاتبه الكثير لكنه يسكت مرارًا عن أمور نود أن نعرفها
عنوان الكتاب "أعمال الرسل" لكنّه لا يتحدّث إلا عن بطرس وبولس وأسطفانوس ويعقوب
ولا يذكر سائر الرسل
في القسم الثاني من أعمال الرسل يختفي جميع الرسل ولا يبقى إلا بولس وحده مع فريق عمله
حتى سيرة بولس غير مكتملة في سفر أعمال الرسل، فنحن لا نعلم شيئًا عما حدث له بعد السنتين اللتين قضاهما في السجن في روما.
في صفحات سفر أعمال الرسل
نسترجع ملامح فيها الكثير من الشوائب:
فوضى في توزيع المساعدات،
معاملة سيئة للأرامل،
في سِفر أعمال الرسل ندخل جوَّ خلافات ظهرت باكرًا بين المسيحيين الهلينيين الذي تتلمذ لهم بولس وبين المسيحيين المحافظين يضيء السفر المقدّس على نقاش حاد بين المحافظين والتقليديين داخل الكنيسة الأم وكيف انتصرت في النهاية أفكار بولس
وفي المقابل، نقرأ في سفر أعمال الرسل عن معجزة حصلت في أورشليم: شفاء مقعد يخبرنا أيضًا كيف تم توقيف بطرس ويوحنا وكيف حكمت المحكمة العليا ببراءتهما
في نصف قرن نرافق ولادة العهد الجديد نقرأ رسائل بولس إلى جماعات مزروعة على امتداد البحر المتوسط وأناجيل تكشف للمؤمن وجه يسوع المسيح
في مقدمة سفر أعمال الرسل يقول كاتبه لوقا:
"رويت في كتابي الأول يا تاوفيلوس، جميع ما عمل يسوع وعلّم منذ البدء"
يبدو لوقا في إنجيله كاتبًا دقيق الإطلاع يدوّن الأحداث بطريقة مرتبة وفق ما نقلها عن شهود عيان، وهدفه أن يتأكد القارئ من صحة التعليم الذي تلقاه.
أمام سفر أعمال الرسل ندخل في حوار بين قارئ تملأ رأسه الأسئلة ومؤرّخ إستخبر عن كل شيء بدقة لدى شهود عيان وثق بهم فسرد بصدق ما نقلوه
يقول لوقا في إنجيله إنه يخبرنا بكل ما عمله يسوع وعلّمه منذ البدء إلى اليوم الذي رفع فيه.
(1: 1 – 2)
أعمال الرسل هو عنوان كتاب لوقا الثاني
لكن هذا العنوان ليس من وضع لوقا بل زيد فيما بعد في القرن الثالث للمسيح.
يتحدث أعمال الرسل عن أعمال بعض الرسل لا جميعهم ويتكلم على غيرهم من الكارزين بالإنجيل أمثال أسطفانوس وفيليبوس وبرنابا وغيرهم...
خاتمة أعمال الرسل تبقينا غير عارفين ما جرى لبولس بعد السنتين اللتين قضاهما في روما
فاستنتج البعض، عن خطأ، ان الكتاب لم ينته أو أن فصولاً منه ضاعت.
يبدأ لوقا كتابه الأول عن يسوع الذي علم تلاميذه وكلمهم على الملكوت.
وفي نهاية أعمال الرسل يذكر بولس الذي كان يبشر بملكوت الله ويعلم العلم الذي يعود للرب يسوع.
في ذلك عودة إلى مقدمة الإنجيل.
هو تعليم مشترك متواصل عن ملكوت الله ويسوع المسيح.
موضوع لا يتبدل إلا في الأشخاص الذين يقدمون هذا التعليم.
في خاتمة أعمال الرسل يصل بولس إلى نهاية رسالته، إلى روما محور الكون.
يبدو بولس رسولاً يجمع في كرازته وتعاليمه التبشير بملكوت الله وما يساعدنا على التعرف إلى الرب يسوع المسيح.
الآية 28: 30 – 31، ليست خاتمة أعمال الرسل بل خاتمة إنجيل لوقا والأعمال معًا.
خاتمة سفر أعمال الرسل تتجاوز برنامج الإنجيل.
في الإنجيل كان يسوع يكرز بالملكوت لليهود في فلسطين.
أما بولس فيبشر الوثنيين في روما.
إلا أن هدف لوقا إظهار أن هذين البرنامجين يشكلان برنامجًا واحدًا.
إذا استثنينا خبر الطفولة لو 1 و2 وهما مقدمة لكل ما كتبه لوقا، نجد الإنجيل يبدأ بكرازة يوحنا المعمدان الذي يستقي برنامجه من أشعيا النبي. مثلما فعل متى ومرقس في إنجيلهما.
لوقا يتفرد بذكر نص أشعيا حتى الآية 5 "وكل ذي جسد يرى الخلاص الآتي من لدن الله.
تعليم يسوع يغيّر لنا ما هو الخلاص.
ماذا يعني لوقا بعبارة كل ذي جسد؟
هل هو الإنسان اليهودي؟ حيث أن يوحنا لا يستطيع أن يفكر أبعد من اليهود.
إذا قرأنا نهاية سفري لوقا، يرشدنا بولس المقيم في روما عاصمة العالم الوثني أن الكرازة تتخطى اليهود إستنادًا إلى أشعيا لتشمل جميع البشر.
في خطبته الأولى يستعيد بطرس شمولية النظرة العالمية للبشارة المسيحية التي عبّر عنها يسوع في خطابه الأول في إنجيل لوقا.
يسوع أمام يهود الناصرة، أشار إلى مثلين مذكورين في الكتاب المقدس، إيليا وآليشع، اللذين عملا الخير من أجل الوثنيين.
بطرس يوم العنصرة يكلّم اليهود ويورد نص يوئيل ليثبت أن المواعد تحققت لليهود ولأولادهم ويضيف عبارة مأخوذة من أشعيا 57: 19 – لأولادكم ولجميع البعيدين على قدر ما يدعو منهم الله ربنا. (أع 2: 39)
يقصد بالبعيدين الوثنيين كما في أفسس 2: 11 وكما في سفر الأعمال 32: 21
يريد لوقا أن يدلنا على امتداد ملكوت الله امتداد تدريجي إلى العالم كله ويظهر تجلي خلاص الله لكل ذي جسد
هذا هو البرنامج الذي حدده يسوع لرسله يوم الصعود:
"تكونون لي شهودًا في أورشليم، في اليهودية كلها والسامرة، وحتى أقاصي الأرض " (أع: 1 – 8)
لوقا يعترف أن هذا البرنامج تحقق.
لقد شهد الرسل أولاً في أورشليم من الفصل الأول حتى الخامس.
ثم بعد موت أسطفانوس والإضطهاد، قاد الروح فيليبس إلى السامرة حيث أعلن إنجيل الملكوت من الفصل الثامن حتى الفصل 12.
بعدها قاد الروح بولس وبرنابا إلى آسيا الصغرى. الفصل 13 و14.
منها انطلقت رسالة كبيرة حيث الله فتح للوثنيين باب العماد 14: 27
تحول بولس نموذجًا ورمزًا للمرسل الحامل هذا الإنجيل إلى اقاصي الأرض.
أقام بولس في روما عاصمة العالم الوثني وبدأ يكرز بملكوت الله.
إن سفر أعمال الرسل كتاب ناجز تام وفي الوقت نفسه كتاب مفتوح
يريد لوقا أن يقول في خاتمة كتابه وبمثل القديس بولس: عليكم أن تفهموا أو تتابعوا العمل.
الرسالة ستنجح
نكتشف في سفر أعمال الرسل ملكوت الله
سفر أعمال الرسل هو إخبار بالإعلان الأول لملكوت الله وانتشاره في العالم كله.
سفر العمال لم يحدد بدقة عبارة ملكوت الله لكنه يلمّح على إقامته والتبشير به.
يمكننا أن نستنتج معنى عبارة ملكوت الله في كلمات المبشرين بهذا الملكوت وأعمالهم.
ما أنبأ به الإنجيل تحقق في أعمال الرسل.
التلميحات إلى الملكوت موجودة في إنجيل لوقا وفي سائر الأناجيل.
هم لم يحددوه بل أكدوا عليه وأعلنوه.
يعلمنا إنجيل لوقا والأناجيل وسفر الأعمال أن الدخول إلى الملكوت صعب. إن لم يكن مستحيلاً.
نحن نختبر ملكوت اللع لا نحدده.
هذا الإختبار يتم عندما نسمع التبشير به أو ننظر إلى ما يمثله على الارض من حبة خردل إلى خمير في عجين.
ملكوت الله لا يستدل عليه بل نكتشفه يومًا من الأيام كواقع حاضر فينا وبيننا.
مع وصول بولس إلى نهاية رسالته وإلى روما محور الكون
في خاتمة أعمال الرسل، يظهر الرسول بولس على مثال الإنجيلي لوقا وعلى مثال المسيح، كأنه يجمع في كرازته وفي تعليمه التبشير بملكوت الله وبما يساعدنا على التعرّف إلى الرب يسوع المسيح.
إن الآية 28: 30 – 31 ليست خاتمة لأعمال الرسب بل هي خاتمة لأعمال الرسل وللإنجيل الثالث معًا.
خاتمة سفر أعمال الرسل تتجاوز برنامج الإنجيل
في الإنجيل كان يسوع يكرز لليهود في فلسطين أما بولس فيبشر الوثنيين في روما.
أعمال الرسل يريد أن يؤكد أن برنامجي تبشير اليهود وتبشير الوثنيين يشكلان برنامجًا واحدًا.
خبر الطفولة في لو 1: 2 هو مقدمة لكل ما كتبه لوقا 3: 4 - 6
يبدأ الإنجيل بكرازة يوحنا المعمدان الذي يستقي برنامجه من أشعيا النبي 40: 3 - 5
بهذه المعادلة يشبه لوقا كلاً من متى ومرقص.
يتفرد لوقا عن متى ومرقص بإيراد نص أشعيا حتى الآية 5: وكل ذي جسد يرى الخلاص الآتي من لدن الله
يسوع في إنجيل لوقا يعلّمنا ما هو الخلاص.
عبارة كل ذي جسد
إذا ما رأيناها في مجهر يوحنا المعمدان هي طبعًا تعني كل إنسان يهودي باعتبار أن يوحنا لا يستطيع أن يفكر أبعد من اليهود.
وإذا رأيناها بمنظار لوقا إستنادًا إلى ما ينهي به كتابيه وإضاءته على إقامة بولس في روما عاصمة العالم الوثني حيث يذكر أيضًا آية آشعيا 6: 9 – 10 : إن خلاص الله هذا أرسل إلى الوثنيين 28: 28.
نفهم أن كل ذي جسد التي أوردها لوقا لها معنى واسعًا. إن ملكوت الله هو الخلاص المنوح لجميع البشر.
تفرد لوقا في إنجيله وفي أعمال الرسل بذكر حدث الصعود وتفرّد بذكر حدث العنصرة
في وقت تشدد سائر كتب العهد الجديد على أحداث الآلام والقيامة
أما لوقا فزاد حدثي الصعود والعنصرة بعد أن دخلا في الليتورجيا المسيحية والفن المسيحي الأولي.
بولس يتحدث عن دخول يسوع في مجد الله في إطر "النزول والصعود"
بالنسبة لبطرس في أع 2: 32 – 33 هناك نوعان من الأحداث: أحداث خفية، نتائجها ملموسة كالقيامة وإرسال الروح. وحدث ولقعي لكنه لاهوتي: إذا كان يسوع قد قام فهذا يعني أنه رفع.
قراءة لوقا للقيامة والصعود لاهوتية.
يستعمل لوقا لغة رمزية ولاهوتية فيآن.
اللغة الرمزية: الناس يتخيلون العالم من ثلاث طبقات: السماء والأرض والجحيم.
الدخول إلى عالم الله نعبّر عنه بالإرتفاع.
اللغة اللاهوتية: نتذكر دانيال يرى شعب الله المضطهد على الأرض بسبب إيمانه ممجدًا بشكل سري بصورة إنسان.
الحديث عن إرتفاع المسيح في مجد الله وعن القيامة من الموت صورتان رمزيتان لواقع واحد.
الغمامة الواردة في سفر الأعمال ترد في التوراة علامة لحضور الله.
الغمامة أخفت يسوع عن أنظار البشر في إشارة رمزية لدخول المسيح في عالم الله وبالتالي نهاية حضوره البشري المنظور ليبدأ حضورًا روحيًا.
لماذا أورد لوقا الخبرين ما داما رمزيين ويقصد بهما حقيقة لاهوتية واحدة: دخول المسيح عالم الله وارتفاعه إلى قربه وإقامته ربًا؟
تتمة السر الفصحي:
لو 24: 50 – 53
تمتد أحداث النهار الفصحي على أكثر من 24 ساعة وتنتهي بآية:
"إنفصل عنهم ورُفع إلى السماء.
يتوسع لوقا بعدها بمدلول هذا الحدث
يصطحب يسوع تلاميذه إلى بيت عنيا ويرفع يديه ويباركهم
وبينما هو يباركهم، رُفع
رفع اليدين للمباركة إشارة إلى عمل الكاهن وهو ينقل إلى الشعب بركة الله.
لوقا يستوحي نصًا من يشوع بن سيراخ (50: 20 – 23) حيث يرفع سمعان الكاهن الأعظم يديه في نهاية الليتورجيا ليبارك الشعب وهو ساجدون كما التلاميذ في لوقا.
ويسأل سمعان الرب أن يمنح الشعب الفرح الذي منه سيمتلئ التلاميذ حين يرجعون إلى أورشليم.
ينتهي إنيجل لوقا في الهيكل كما بدأ مع حدث مستجد:
بدأ الإنجيل بليتورجيا لم تكتمل.
لم يتمكن زكريا من مباركة الشعب لأنه صار أبكم.
أما يسوع، الكاهن الأعظم بقيامته، سيتم هذه الليتورجيا لا في أورشليم بل في بيت عنيا، أي خارج الهيكل.
بدأ الإنجيل بليتورجيا لم تكتمل.
لم يتمكن زكريا من مباركة الشعب لأنه صار أبكم.
في نهاية إنجيل لوقا، صار يسوع بقيامته الكاهن الأعظم، وسيُتم في بيت عنيا، خارج أورشليم، الليتورجيا التي لم يكملها زكريا في بداية الإنجيل.
هذا هو بدء عهد جديد للكنيسة يعطينا فيه لوقا أول تعبير عن لاهوت الصعود.
لوقا في مشهد الصعود يريد أن يصور لنا المسيح في آخر مشهد على الأرض:
كاهنًا يبارك شعبه. وشعبه ساجد أمامه.
بعد صعود المسيح، لا تستطيع الكنيسة أن تكتفي بالسجود. عليها أن تخرج إلى العالم.
لهذا كتب لوقا سفر أعمال الرسل بعد انتهائه من سفر الإنجيل المقدس.
إختطاف إيليا الجديد 1:1-14
صعود المسيح في أعمال الرسل هو تتمة أيضًا للسر الفصحي، كما في إنجيل لوقا.
هنا الملائكة يرددون ما نقرأ في الإنجيل: صعد.
في الإنجيل الثالث يصعد يسوع إلى أورشليم ويستقر فيها حتى وقت اختطافه، أي موته وارتفاعه (لو9 : 51). ويشهد الملائكة أن يسوع وصل إلى نهاية المطاف وأنه بات في مجد الآب.
اللافت في مشهد صعود المسيح إلى السماء تشديد لوقا على أن الرسل "رأوه" يرتفع حين كان يعلن لهم مجيء الروح.
يعرف العهد القديم شخصين اختطفا إلى السماء: أخنوخ (تك5:24) وإيليا (2 مل 2: 1ي) والتقاليد اليهودية تزيد عزرا.
يكتفي الكتاب المقدس بإيراد الخبر بالنسبة إلى أخنوخ وكلنه يطيل السرد بالنسبة إلى إيليا.
عرف إيليا أنه على وشك أن يترك هذه الحياة فأخذمعه تلميذه أليشع عبر الأردن وقال له: سبني ماذا أصنع لك قبل أن أؤخذ عنك؟
أجاب أليشع: سهمين من روحك. (أي الحصة الممنوحة للإبن البكر)
بهذا يصبح أليشع الوارث الروحي لمعلمه.
قال إيليا: أنت تسأل أمرًا صعبًا، فإن رأيتني عندما أؤخذ، يكون لك ذلك.
وإذ كانا يتحدثان اختطف إيليا نحو السماء ورآه إليشع فنال روحه.
هذا ما شهد به رفاقه الأنبياء حين جاء إليهم قالوا:
حلّت روح إيليا على أليشع.
يقدّم لوق يسوع على أنه إيليا الجديد.
فيشدد على القول أن التلاميذ رأوا يسوع يُختطف وهو يعلن مجيء الروح.
تمامًا كما رأى إليشع إيليا وهو يختطف إلى السماء فحلّت عليه روح إيليا.
هو تعبير لاهوتي يستخدمه لوقا ليقول لنا:
بما أن التلاميذ رأوا يسوع يختطف فهذا يعني أنهم سيحصلون على روحه ليتابعوا رسالته.
ومن يتابع الرسالة عليه ألا يبقى في حالة سجود وجمود بل عليه بالتحرك.
لذلك أورد لوقا خبر العنصرة بعد الصعود وكلاهما لهما جوهر واحد ومعنى واحد.
خبر الصعود في أعمال الرسل يوجهنا إلى المستقبل
يسوع أنهى مع تلاميذه نمطًا من الحضور الجسدي، لكنّه لن يتركهم أيتامًا، بل سيكون حاضرًا معهم بطريقة أكثر روحية، فينعشهم بروحه ليتموا رسالته.
بطرس في خطبته الأولى يستعيد النظرة الشاملة التي عبر عنها يسوع في خطابه الأول في إنجيل لوقا.
كما استعان يسوع بمثلين مأخوذين من إيليا وإليشع، هكذا بطرس استعان بنصين من يوئيل وأشعيا.
يريد لوقا أن يدلنا على امتداد ملكوت الله امتدادًا تدريجيًا إلى العالم كله، ويبين لنا تجلي خلاص الله لكل ذي جسد.
حدد لوقا مكان الصعود في جبل الزيتون
هذا الجبل يذكر أربع مرات في الكتاب المقدس
إثنتان توحيان ببعض المعنى
الأولى حزقيال يرينا حضور الله المقدس، يترك هيكل أورشليم ليقيم مع المنفيين في بابل: صعد من الرواق الشرقي وتوقف قليلاً على الجبل الذي عن شرق المدينة.
هكذا حين أراد الرب أن يدشن حضورًا جديدًا يتسم بالروحانية ارتفع من جبل الزيتون وفي الوقت دفع الروح النبي ليتم رسالته.
زكريا النبي يعلن في نهاية الازمنة أن الله يأتي ليقيم ملكه على العالم فتقف قدماه على جبل الزيتون الذي قبالة أورشليم.
عاد لوقا إلى نصي حزقيال وزكريا ليحدد مكان الصعود على هذه التلة ويبين أن في يسوع حضور الله الحقيقي بين البشر والآتي ليؤسس حضورًا روحيًا بانتظار ذلك اليوم الذي نراه فيه ربًا على الكون كله كما أعلن الملائكة.
وضع يسوع يوم الصعود برنامجًا لتلاميذه
طلب أن يكونوا شهودًا له في أورشليم وفي اليهودية كلها والسامرة وحتى أقاصي الأرض.
لوقا يظهر لنا أن هذا البرنامج تحقق:
شهد الرسل أولاً في أورشليم حيث نراهم يقضون أيامًا طويلة.
ثم دفع الروح فيليبس على اثر الإضطهاد اللاحق بموت أسطفانوس، فذهب يكرز في السامرة ويعلن إنجيل الملكون.
وسيقذف الروح ايضًا بولس وبرنابا إلى آسيا الصغرى من اجل رسالة كبيرة هدفها أن تدل أن الله فتح للوثنيين باب الإيمان.
السر الفصحي حدث غني بمعانيه اللاهوتية
ليفهموا أبعاده، صوّره المسيحيون الأولون في إطارين: القيامة زالصعود (الإرتفاع).
هاتين الصورتين سجلهما لوقا بشكل تسلسلي زمني.
ولكنه أيضًا جعل الحدث الواحد مرة ليلة الفصح كما في إنجيله ومرة بعد أربعين يومًا كما فعل في سفر أعمال الرسل.
في القرن الرابع تم تحديد عيد الصعود في اليوم الأربعين بعد الفصح.
قبل ذلك كانوا يعيّدونه يوم العنصرة أو في يوم بين الفصح والعنصرة.
عبارة أربعين يومًا لا تعني مباشرة زمن الصعود بل زمن تعليم يسوع لرسله.
العدد الأربعون يدل في التوراة والتقليد اليهودي على زمن الوحي.
ظل موسى أربعين يومًا على جبل سيناء، ومثله إيليا، وبقي عزرا أربعين يومًا حين كان يملي رؤاه. كذا فعل باروك على قمة الجبل.
الأربعون يومًا هو زمن الرؤيا والإستعداد بالثوم.
أراد لوقا أن يوازي بين يسوع وكنيسته. فكما استعدّ يسوعرسالته أربعين يومًا في البرية، فهو يهيء كنيسته خلال أربعين يومًا فيحدثها عن ملكوت الله.
العدد أربعين يدل في التوراة والتقليد اليهودي على زمن الوحي.
ظل موسى أربعين يومًا على جبل سيناء. ومثله إيليا. وبقي عزرا أربعين يومًا حين كان يملي رؤاه. وكذا فعل باروك على قمة الجبل.
الأربعون يومًا هو زمن الرؤيا والإستعداد بالصوم.
أراد لوقا أن يوازي بين يسوع وكنيسته.
فكما استعد يسوع لرسالته أربعين يومًا في البرية، فهو يهيئ كنيسته خلال أربعين يومًا فيحدثها عن ملكوت الله.
ترد كلمة رسول 28 مرة في سفر أعمال الرسل. في 26 حالة تدل على الأحد عشر الذين كانوا اثني عشر قبل خسارة يهوذا وثم استبداله بمتيا بالقرعة. وفي الحالتين الباقيتين تدل الكلمة على بولس وبرنابا.
لوقا يجعل بولس وبرنابا رسزلين عند الهلينيين قبالة الرسل الاثني عشر عند اليهود.
لوقا يبرهن أن بولس رسول كالإثني عشر.
في الآيات الأولى، يحدّث يسوع الأحد عشر عن ملكوت الله ويترك لهم تعاليمه ليبشروا بها.
وفي الآيات الأخيرة، نرى بولس يحمل مشعل الرسالة
أعمال الرسل خبر انتقال السلطات من يسوع إلى رسوله.
سفر أعمال الرسل ينسب تدريجيًا إلى بولس صفة الشاهد المحفوظة للإثني عشر.
ولأن هذا الكلام له طابع ثوروي، ما تجرأ لوقا أن يقوله إلا تدريجيًا وعلى مراحل.
في البداية يطلب حنانيا وهو أحد التلاميذ من بولس أن يكون شاهدًا.
وفي الرواية الثالثة لدعوة بولس نعرف أن يسوع نفسه يولي بولس هذه المسؤولية: "جعلت منك خادمًا وشاهدًا لهذه الرؤية التي رأيتني فيها ولغيرها من الرؤى التي سأظهر فيها لك".
فهل نحتاج إلى سلطة أسمى من سلطة يسوع لنجعل من بولس رسولاً؟
في الواقع الجوهري للحدث، يسوع ارتفع في مجد الله وأقيم سيدًا وربًا.
يسوع لم يعد بعد الآن منظورًا.
يرد هذا الخبر في نهاية السر الفصحي.
يدل بوضوح على أن يسوع تخلى عن طريقة حضور عاشها مع تلاميذه ثلاثين سنة، ودشن طريقة أخرى.
لقد بدأ زمن جديد، زمن الرسالة التي ينفحها روح يسوع بنعمته.
أجاب لوقا عن أسئلة تطرحها الجماعات المسيحية
سأل الرسل يسوع هل سيعيد الآن الملك لإسرائيل؟
أعمال الرسل يكشف حنين المسيحيين الآتين من العالم اليهودي إلى نظم قديمة أرادوا أن يفرضوها على المسيحيين الآتين من العالم الوثني
الحنين إلى مملكة إسرائيل، سيظل حاضرا داخل الجماعات المسيحية رغم أنها مدعوة إلى نظرة أشمل.
أجاب يسوع: ليست القضية أن نجلس في هذا الملكوت لنملك فيه، بل أن ننطلق ونكرز به بقوة الروح.
نظرة الرسل إلى السماء ترمز إلى حنين آخر في الكنيسة، حنين إلى مجيء المسيح القريب الذي يكفي أن ننتظره ليجيء.
فأجاب لوقا: هناك شيء آخر نعمله وهو أن نعيش التاريخ ونبنيه.
بين الصعود والعنصرة، جماعة تنتظر الروح القدس. همّها أن يكون الإخوة كلهم معًا وأن يعود الرسل اثني عشر رسولاً
كلهم معًا
يشدد لوقا على أن المؤمنين هم معًا.
مجتمعون كلهم في مكان واحد.
بقلب واحد
حول الأحد عشر مع بعض النسوة ومريم أم يسوع ويواظبون على الصلاة.
نحن أمام صورة لجماعة منظمة لكن ينقصهم شيء واحد هو الحياة وستأتيهم عندما يفيض عليهم الروح.
إختيار متيا ليكونوا اثني عشر
ثمة اهتمامان رئيسيان وراء هذا الخبر
الأول لماذا تراجع أحد الإثني عشر الذي اختاره يسوع؟
يعود بطرس إلى الكتاب المقدس ويقول إن هذا التراجع يدخل بطريقة سرية في مخطط الله
فيهوذا هو أحد الكافرين الذين تكلم عنهم سفر الحكمة
استهانوا بالصديق وارتدوا عن الرب
لذلك سيكونون عارًا بين الأموات ويحطمهم الرب
وتأتي آيتان من سفر المزامير فتبينان أنه يجب أن يأخذ مكانه آخر
يحاول متى من جهته إبراز التفسير عينه مستندًا إلى نصوص أخرى من الكتاب المقدس.
الإهتمام الثاني للوقا أن يكون الرسل اثني عشر وهو عدد قبائل بني إسرائيل.
اختار يسوع اثني عشر تلميذًا ليكونوا معه.
وأعلن لهم أنهم سيجلسون في نهاية الأزمنة على اثني عشر عرشًا ليدينوا أسباط إسرائيل الاثني عشر.
أعلن الأنبياء أن الله سيعيد في نهاية الزمن بناء الأسباط الاثني عشر.
رغبة التلاميذ أن يكونوا اثني عشر تدل على شعور أنهم شعب الله الحقيقي، إسرائيل الجديد.
نحن أمام علامة مهمة.
قبل الإنفصال عن بني إسرائيل، أراد المسيحيون الأولون أن يعبروا عن التواصل بينهم وبين الشعب اليهودي.
كنيسة يسوع المسيح هي جديدة، ولكن عمرها يزيد على 1500 سنة، لأنها وارثة العهد الذي أعطي لابراهيم وللآباء.
في اختيار متيا، أخذت الجماعة الأولى بطقس يهودي بعناصره الثلاثة:
رجوع إلى الكتاب وشرح للكتاب وتطبيقه على الحالة الحاضرة وصلاة.
إلا أن صلاة الرسل تتوجه إلى الرب يسوع الممجد، واختيار الاثني عشر لم يتم بسبب ارتباطهم بسبط كهنوتي، بل بسبب دعوة يسوع لهم.
ثمة عناصر أخرى في هذا الخبر
منذ غياب المسيح في صورته البشرية، اتخذ بطرس المبادرة في أعمال الرسل.
أقرت الجماعة بمكانة له وبدور خاصين.
يشدد لوقاعلى لاهوت الشاهد.
لكي يجد بطرس من يحل محل يهوذا يبحث عن شخص "صحبنا طوال المدة التي قضاها الرب يسوع بيننا، منذ أن عمده يوحنا إلى يوم رفع عنا.
هذا لا يكفي كي يكون الإنسان شاهدًا للقيامة.
يجب أن يختاره يسوع نفسه فيعطيه أن يشهد على مدلول الحدث في حاضر الكتيسة ويضمه إلى جسم الشهود.
يقول لوقا: فضُم متيا إلى الرسل الأحد عشر.
كانت ارتفعت مجادلات حول كلمة رسول وتساءل الناس عمن يحق له أن يحمل هذا اللقب.
فجاء الخبر يقطع الطريق على كل جدال لاحق.
تكونت الكنيسة واجتمعت بيسوع المسيح واكتمل الجسم الرسولي، فدلت الكنيسة على أنها شعب الله الحقيقي، وهي الآن تنتظر مواظبة على الصلاة، ولا ينقصها إلا الحياة التي ستغمرها بمجيء الروح القدس.
خبر العنصرة
بالنسبة للوقا لا يمكننا أن نتكلم على حدث العنصرة إن لم نضم إليه تفسير بطرس له.
عبارتان متلازمتان: عمل وكلمة
الخطب في أعمال الرسل هي أجوبة عن أحداث عجيبة أثارت علامات استفها عن السامعين.
العنصرة أثارت دهشة الناظرين الذين فسروا الأمور على هواهم: إنهم سكارى.
حينئذ أعلن بطرس تفسيره الخاص.
شفى بطرس مقعد الباب الجميل. فأثار عمله السؤال: باسم من تفعل هذا؟
فقدمت خطبته الجواب.
الحدث المؤسس لتاريخ شعب الله يتكون من عمل (تحرير مصر وعبور البحر الأحمر) وكلمة (شريعة سيناء) مرتبطين ارتباطًا وثيقًا.
الأعمال ملتبسة. لا نعرف بالتدقيق ما تعني.
تأتي الكلمة وتكشف المعنى.
الكلمة المستعملة وحدها واضحة ولكن يمكنها أن تغش إن كانت فقط كلمات ووعود فارغة.
تأتي الأعمال فتبين مصداقيتها.
العنصرة:
في اليونانية تعني الخمسين.
في الروزنامة اليهودية هو العيد بعد خمسين يومًا من الفصح
من عيد زراعي وحصاد القمح إلى احتفال بعد الجلاء إلى بابل بعهد سيناء
في القرن الثالث سيصبح عيد العنصرة عيد تجديد العهد.
ثمة علاقة بين العنصرة والفصح
إعتقد اليهود أن السماء أغلقت وأن الروح القدس لم ينزل على رئيس أو نبي في إسرائيل منذ اختفاء آخر الأنبياء وهم حجاي وزكريا وملاخي.
وكانوا يقولون: ستفتح السموات عند مجيء المسيح فيتمكن نبي العهد الجديد من تقبل الروح.
في سفر الخروج رأى الشعب الأصوات والرعود. فخاف وظل بعيدًا.
وكأن الله بهذا الصوت عبر عما يقوله للناس بصورة واضحة بحيث بدت منظورة أكثر منها مسموعة.
ويلحظ المدراش كلام الرب رعودًا لا رعدًا
إن الله حين تلفظ انقسم صوته 70 صوتا و70 لسانا لتقدر أن تفهمه جميع الأمم.
اليهود ظنوا أن العالم سبعون أمة.
أرادوا أن يعبّروا أن شريعة الله تشمل جميع الشعوب ولا تنحصر في شعب إسرائيل.
يوم العنصرة هو العيد الذي يجددون فيه العهد.
عبارة امتلأ يوم العنصرة وامتلأت فيه أيام ارتفاعه
الزمن يمتلئ والحدث المعلن عنه يُجمل كل الأحداث السابقة.
سمعوا دوي صوت ورأوا ألسنة نار تنقسم
صور تذكرنا بحدث سيناء كما صورته التقاليد اليهودية
نحن أمام سيناء جديد وعهد جديد لهذا الشعب الجديد الذي اجتمع بقلب واحد
فامتلأوا كلهم من الروح القدس
إستولى الروح على الشعب الجديد ليعطيه الحياة وليقيمه نهائيًا في عهد جديد.
لقد هيأنا لوقا لتقبل مفاعيل الروح
وها هو الآن كفيض داخلي يملأ المكان.
يدل الروح على حضوره بنتيجة ملموسة: التكلم بالألسن.
يريد لوقا أن يقول لنا: بلبلة الألسن في بابل في الفصل 11 من سفر التكوين منعت الناس من أن يتفاهموا. لكن الروح القدس يعطي الآن الكنيسة السلطان ليفهمها جميع الشعوب.
ولوقا يشير إى الصوت الذي منه سينطلق بطرس ليبدأ خطبته.
إن الصوت الخارج من سيناء كان صوت الله.
وهذا الصوت هو نفسه الذي نسمعه الآن، فيدل على حضور الروح.
يعرفنا لوقا في الخبر الذي أورده في العنصرة على الروح والرسل الذين هم صوت الله في العالم.
وسنتعرف في خطبة بطرس إلى الله ويسوع الممجد.
بطرس يفسر الحدث
بالنسبة لبطرس العنصرة هي تتمة سر المسيح.
العنصر تبرهن أن يسوع مُجّد حقًأ ودخل الناسوت في مجد الآب.
بالعماد انفتحت السموات المغلقة وبالعنصرة انفتحت ليرسل المسيح المالك في المجد الروح إلى الكنيسة ليستطيع هذا الشعب الجديد أن ينال الحياة الحقة.
ها قد وصلت الأزمنة التي تنبأ بها النبي يوئيل.
أعطي هذا الروح لأبناء الوعد
لهؤلاء اليهود الذين صاروا تلاميذ يسوع فكوّنوا إسرائيل الجديد وأعطي أيضًا للوثنيين فقد زاد بطرس عبارة من أشعيا: ولجميع البعيدين.
فوصلت بذلك البشرى الصالحة إلى جميع البشر.
أتم الله قصده المعلن عنه في الكتب وحققه بيسوع الرب والمسيح
ويسوع الممجد سيدشّن حضورًا بشكل جديد في كنيسته: يرسل عاملين ليتمّا عمله: الروح الذي يعمل من الداخل ما يعلنه الرسل والرسل الذين يعملون من الخارج بواسطة الأسرار.
وتحيا بذلك الكنيسة وتبدأ نموها في سفر أعمال الرسل.
كنيسة من أجل العالم
تجربة الكنيسة الاولى أن تبقى منغلقة على نفسها وتكون رابطة أصدقاء يسوع.
لكن الروح أنقذها ورماها في الخارج.
بدأ بطرس والأحد عشر يبشرون.
خرجت الكنيسة من العلية لكنها بقيت في المرحلة اللأولى في أورشليم في العالم اليهودي.
ثم خرجت إلى المدى الأبعد وصارت كنيسة من أجل العالم.
جماعة أورشليم
الفصول الأربعة ألأولى من أعمال الرسل تكشف لنا كيف تحيا هذه الجماعة وكيف تنظم نفسها.
لوقا يقدم ثلاث مرات ملخصًا عن حياة الجماعة: التلاميذ يجعلون ما بينهم مشتركًا ويواظبون على تعليم الرسل وكسر الخبز والصلاة.
هذه الصورة عن الجماعة الأولى هي الينبوع الذي جاء إليه المسيحيون في تاريخ الكنيسة ليستقوا منه.
في البداية بدا تلاميذ يسوع وكأنهم شيعة من الشيع، شيعة الناصريين.
شيعة ممقوتة تكرم يسوع هذا الذي حكم عليه رؤساء اليهود بالموت.
تبشر وتعمل باسمه.
لكن رؤساءها ما زالوا يذهبون إلى الهيكل ويمارسون الشريعة اليهودية.
يحترمون السلطات اليهودية ولكنهم لا يخافون مواجهتها.
جعلوا عليهم رؤساء لا يرجعون إلى السلالة الكهنوتية بل إلى شعب الأرض. شعب الصيادين والعاملين المحتقرين الذين لا يعرفون الشريعة.
هنا نفهم اضطراب السلطة اليهودية وحسن نية جملئيل "لا تهتموا لهؤلاء. اتركوهم وشأنهم. إن كان ما يبشرون به أو يعلمون من عند البشر فهو سيزول أما إذا كان من عند الله فلا يمكنكم أن تزيلوه لئلا تصيروا أعداء الله.
رغم عيش هذه الجماعة فيا لوسط اليهودي إلا أن بعض تعاليمها يتعارض معه.
هم جماعة لا يعرفون اللاهوت ومع ذلك يعظون عن غير وعي إيمانهم بيسوع المنبعث والمساوي لله.
سيدرك بولس أن هذا التعليم ثورة فيضطهد هذه الشيعة بسبب إيمانه اليهودي.
فإذا كان هؤلاء الناصريون يهودًا، إلا أن تعليمهم يحمل سمات خاصة كما ظهر في خطبهم.
الخطب في أعمال الرسل
لوقا يضع في أفواه أبطالع خطبًا يؤلفها.
خطب القديس لوقا لا تريد أن تنقل ما قيل نقلاً حرفيًا بل أن تعلمنا بالمعنى الذي ينسبه المؤرخ إلى الأحداث التي يرويها
لوقا عاد إلى مواد قديمة فقدم لنا في هذه الخطب انعكاسًا للكرازة المسيحية في بداية الكنيسة.
في أعمال الرسل 24 خطبة: 8 لبطرس و9 لبولس و7 لأشخاص آخرين: جملئيل وأسطفانوس ودمتريوس وحاكم مدينة أفسس وترتلس وفستس
هذا يدل على أهمية الخطب في هذا السفر فإن حذفناها تفتت الكتاب.
ثلاث خطب لبطرس تتوجه إلى الجماعة المسيحية وخمس أخر تتوجه إلى سامعين غير مسيحيين.
تتوقف عند هذه الأخيرة ونقابلها بخطبة بولس في أنطاكيا وخطبة يسوع لتلميذي عماوس.
نجد فيها كلها بنية متشابهة: بعد مقدمة تربط الخطبة بالواقع الحالي، يعرض الخطيب علينا حدث يسوع المسيح، رسالته وموته وقيامته. ويستعين بالكتاب ليفسّر القيامة، وينهي بدعوة إلى التوبة معلنًا غفران الخطايا.
تمتد رسالة يسوع من عماده على يد يوحنا إلى قيامته.
أخبارا لطفولة هي ثمرة تفكير لاهوتي لاحق.
ويشدد النص على نشاط يسوع في اتجاهين : أعماله وأقواله.
ويستعمل الخطيب معجزات يسوع في اتجاهين مختلفين: اتجاه دفاعي يعلن يسوع تعليمه فيعطيه الله أن يجترح العجائب ليدل على أنه تعليم إلهي.
إتجاه تعليمي المعجزات علامات تدل على التحرير الداخلي الذي أتمه يسوع.
وتبدو القيامة دائمًا عمل الله
ليس يسوع من يقيم نفسه بل الله يحييه.
والرجوع إلى الكتاب المقدس عنصر مهم لأنه يعطينا مفهوم القيامة وبه نفهم أن يسوع هو حقًا المسيح الذي أعلنت عنه الكتب.
يسوع هو نبي يشبه موسى وهو تعليم قديم.
هذه الخطب هي إعلان غفران وهي تنتهي دومًا بنداء إلى التوبة.
الصلاة
المؤمنون الأولون ظلوا يهودًا في أعماقهم لكن تعلقهم بيسوع المسيح أعطى لارتباطهم بالله معنى جديدًا.
ما زالوا يترددون إلى الهيكل.
عندما يتواجدون للإحتفال بالإفخارستيا تنطبق عليهم صلاة اليهود
ثمة شكل لاحتفال رسمه لوقا في 4: 23 – 31 قدم لنا صلاة من صميم حياة الجماعة.
قبل ذلك أوقف اليهود بطرس ويوحنا واستجوباهما.
بعد نجاتهما روى الرسولان لإخوتهما ما حصل لهما.
حين سمع التلاميذ ذلك رفعوا أصواتهم بقلب واحد.
الصلاة من واقع الحياة اليومي
تلاها الرسل فعبروا عما في قلب الجماعة.
في المقدمة يدعو المصلي الله سيد التاريخ
يعود إلى المزمور 146: 6 الذي يعلم سيادة الله على العالم وينتهي بعبارة ليتورجية.
يعود إلى الروح القدس ليفعم التاريخ ويتخذ منه كلامًا به يصلي.
لا تخترع الجماعة صلاتها بل تعرف أن الروح يصلي فيها وهي واعية بأنها تردد ما قاله الله لها بالروح والأنبياء.
ثم تلت الجماعة المزمور الثاني الذي صار صلاة مسيحية وتفسير صلاة في الحق
إننا نقر بتحقيق كلام المزمور في المسيح.
في ضوء هذا الكلام اتخذت آلام يسوع والمسيحيين معنى جديدًا ومكانة في مخطط الله.
وتطلب الصلاة الختامية من الله أن يمد يده كما فعل في زمن الخروج وفي قيامة ابنه، فيعطي الكنيسة أن لا تتوقف عن إعلان كلمة الله بجرأة.
لن ينتظر المؤمنون طويلاً ثمرة هذه الصلاة وهذه الحياة الغائصة بالصلاة: اجتاح الروح الجماعة فأخذت تعلن بجرأة كلمة الله.
المعجزات
سفر أعمال الرسل يورد معجزات كثيرة.
في نظر لوقا هذه المعجزات مهمة
هي تدل على أن الكنيسة ليست أقوالاً فحسب بل أعمال.
مثال فقر أم مثال حب؟
كل من المؤمنين كان حرًا في أن يوزّع على الآخرين خيراته أو لا.
النص امتدح عمل برنابا إذ كان عمله استثنائيًا.
بطرس يقول لحنانيا: أما كان الحقل كله يبقى لك لو أبقيته؟...
المسيحيون كانوا يجتمعون عند أم يوحنا مرقس. وما لامها أحد يومًا لأنها احتفظت ببيتها ولم تبعه.
العمل المثالي عُرض كقاعدة عامة.
عندما نسب القديس لوقا إلى كل المسيحيين في الكنيسة الأولى سخاء لا نجده إلا عند نفر قليل، أراد أن يساعدنا على اكتشاف مثال ونموذج ستعود إليه الجماعات المسيحية
ما هو هذا المثال؟ مثال فقر؟ لا لأن الفقر بالنسبة للتوراة شر عظيم
بل هو مثال حب لأن الجماعة كانت قلبًا واحدًا وروحًا واحدة
هذا الحب يدفع البعض إلى توزيع خيراتهم على الفقراء لئلا يكون مختاجًا ولكن هذا التجرد ليس مثالاً بحد ذاته إن هو إلا ثمرة الحب.
الخطيئة الأولى في الكنيسة
خطيئة حنانيا وسفيرة هي الأولى في الجماعة المسيحية
الشر مستمر في الكنيسة
ثمة صراع بين الشيطان والروح
خطيئة حنانيا وسفيرة رمز كل خطيئة وأول خطيئة لهذه الخليقة الجديدة.
كنيسة تتعرض لحروب الشيطان
تقع كل يوم في الخطيئة ولكنها لا تستطيع أن تعيش إلا إذا أزالت الخطيئة من وسطها.
لم نعرف ماهية خطيئة حنانيا
الكنيسة ننظر إليها كمثالية لكنها في الواقع مرتبطة بالواقع ومشدودة إلى تحقيق مثال ولكنها دومًا عرضة للخطيئة
كنيسة جميلة ولكنها منغلقة على نفسها
تعيش في أورشليم وتبشر اليهود ولكن ألا يوجد في الخارج أناس ينتظرون البشرى الصالحة؟
الهلينيون طرحوا هذا السؤال وبهم سيدخل الروح مرة جديدة فيجعل الكنيسة خارج نفسها ويرميها في كل طرقات العالم.
نحو كنيسة من أجل العالم
يعرض لوقا أمانا انتشار الكنيسة التدريجي: ولدت وسط العالم اليهودي، وخرجت من أورشليم على ثلاث مراحل:
فيليبس أول الهلينيين يبشر السامريين اليهود المنشقين ويعمد وثنيًا ارتد إلى اليهودية.
دفع الروح بطرس فعمد وثنيًا خائف الله يؤمن الإيمان اليهودي ولكنه لم يختتن
في هاتين المرحلتين لم تترك الكنيسة العالم اليهودي
المرحلة الثالثة قطع الهلينيون في أنطاكيا برنابا وبولس في آسيا الصغرى المرحلة الأخيرةفبشروا الوثنيين.
هكذا انتشرت الكنيسة في مدى واسع وهذا ما سيطرح مسألة لاهوتية سيناقشها مجمع أورشليم.
1 – نشاط الهلينيين الرسولي:
وسط هذه الجماعة اليهودية الواحدة مجموعة هامشية هم الهلينيون الذين لهم رؤساء يوازون العبرانيين.
لهم السبعة ولليهود الإثنا عشر
السبعة لم يكونوا شمامسة بل رؤساء كنائس.
الهلينيون هم يهود يتكلمون اليونانية بجانب يهود يتكلمون الآرامية.
جاؤوا من الشتات وأقاموا في أورشليم وهم أكثر انفتاحًا على العالم الخارجي من العبرانيين.
بعضهم سيكونون تقليديين وسيحاولون قتل بولس.
تجاه مجموعة المؤمنين العبرانيين برؤسائهم الاثني عشر هناك مجموعة الهلينيين برؤسائهم السبعة.
هم سبعة لأن مدن الشتات يرأسها سبعة رؤساء.
هم يمثلون العالم الوثني المكون من سبعين أمة كما يقول الكتاب تجاه الشعب اليهودي برؤسائه الإثني عشر.
نشب خلاف سطحي في الكنيسة الأولى
طرح الهلينيون سؤالاً:
هل الكنيسة شيعة يهودية كالفريسيين والناصريين والآسانيين أم جماعة متجذرة في اليهودية ولكنها منفتحة على العالم الخارجي؟
وضع الرسل يدهم على السبعة فاعترفوا بدورهم
أسطفانوس
رئيس السبعة
برز بعظته
بينما كان الرسل أمناء للممارسة اليهودية هاجم اسطفانوس بعنف الهيكل والذبائح ودافع بحماس عن المعمدانية الرافضة للذبائح الدموية.
ستقطع عظته الجذور مع اليهودية الرسمية وتوصله إلى الموت والكنيسة إلى الإضطهاد وذلك بعمل الروح القدس
وعندما مات كان شاول حاضرًا يوافق على موته
فورث بولس هذا المفهوم للرسالة المنفتحة
فيليبس أحد السبعة يكرز في السامرة ويأتي بطرس ويوحنا ليضعا الأيدي على المرتجين الجدد لينالوا الروح القدس
فيليبس يعمد أحد اليهود الآتين من الوثنية
دعوة بولس
نتحدث عن دعوته لا عن ارتداده
فالإرتداد حين يترك الوثني عبادة الاوثان ويعبد الإله الحي
أما اليهودي فهو يعبد الإله الحي الحق ودعوته أن يقر أن الله يدعوه في شخص يسوع المسيح
دعوة بولس نقرأ عنها ثلاث مرات في الأعمال.
نشاط بطرس الرسولي
عماد الضابط الروماني أطول خبر في سفر الأعمال.
أدخل بطرس الكنيسة خائفًا للرب قريبًا من اليهودية وغريبًا عنها.
نجسًا من جهة الشريعة.
يخاف الله لكن العبرانيين يعتبرونه وثنيًا.
إعتبر لوقا هذا الخبر رئيسيًا. هو الخطوة الحاسمة باتجاه الوثنيين قام بها بطرس مدفوعًا بالروح القدس.
لا حاجة لأن يصير الوثنيون يهودًا بالختان كي يخلصوا.
عنصرة قيصرية حاسمة في تاريخ الكنيسة الرسولية.
أرسل الروح رؤية إلى بطرس ثم حل على كورنيليوس وعائلته قبل أن يعطى لهم العماد.
بعد موت أسطفانوس طرد الهلينيون إلى أنطاكيا.
بدأ التلاميذ يخاطبون مباشرة اليونانيون أو الوثنيون فاهتدوا إلى الرب.
ولدت كنيسة خارج أورشليم بفعل كرازة كلام الله والروح.
وكان برنابا هو ممثل الكنيسة في أنطاكيا.
هو سيذهب إلى طرسوس يطلب بولس وكلاهما سيقودان هذه الجماعة الجديدة السنين الطويلة.
برنابا وبولس يرسلان للتبشير في آسيا الصغرى.
طلب إلى كنيسة أنطاكيا أن تنتدب برنابا وبولس ففعلت.
فكرزا بالبشارة إلى اليهود أولاً،
في انطاكيا بسيديا تصلب اليهود
توجه بولس وبرنابا إلى الوثنيين وفتحوا باب الإيمان لهم.
لكن هذا طرح مشكلة لاهوتية خطيرة إذ تساءل الرسل هل نحن أماء لتعاليم يسوع؟
تساءلوا خاصة يوم جاء بولس وبرنابا يحملان ما جمعاه من خيرات لمساعدة الكنيسة الام.
وصل بولس وبرنابا إلى أورشليم فرحين
فرح الأخوة بهما
لكن ليس جميعًا.
طرح سؤال يجب أن يصير الإنسان يهوديًا بالختان قبل أن يصير مسيحيًا.
إجتمع الرسل والشيوخ.
بعد مناقشة حادة أنهى بطرس الجدال.
إنتهى المجمع إلى إقرار الكنيسة نهائيًا أنها كنيسة من أجل العالم.
فحل الإيمان موضع العمل وحملت البشارة غلى اقاصي الأرض والتاريخ
صار ببولي بالنسبة للوقا رسول الأمم أوكل إليه حمل الإنجيل إلى قلب العالم إلى روما.
إلا أن يعقوب كانت له معارضة لما اتفق عليه المجتمعون.
جماعة يعقوب
بعدما بطرس بالإتفاق مع الجماعة قرر عدم فرض شيء على الوثنيين الذين يهتدون إلى الإيمان.
في المقابل أعلن يعقوب حسنًا تكلم بطرس لكنني سأفرض انا هذه الفرائض على الوثنيين الذين يهتدون.
فهل ضم لوقا مجمعين مختلفين
مجمع اتخذ قرارًا للكنيسة كلها ومجمع محصور قاده يعقوب خاص بكنيسة سوريا وقيليقيا.
نحن أمام قرار راعوي تعداه التاريخ.
في أبرشية يعقوب يعيش المسيحيون وسط اليهود.
الحال تتغير بالنسبة للمسيحيين الآتين من الوثنية
للإبقاء على الوحدة دعا يعقوب إلى الالإستغناء عن كل ما يباعد بين المسيحيين من أصول يهودية والمسيحيين من أصول وثنية وان يتخلى الوثنيون عن بعض المأكولات التي يرفض أكلها اليهود.
فزالت المشكلة العملية بين الفئتين.
المبدا الأساس هو المسيح حررنا ولكننا نعرف أن احترام الىخرين علامة محبة تمر قبل المحافظة على بعض حقوقنا.
في أعمال الرسل تلميح لأشخاص مثل برسابا الملقب بيوستوس وداماريس التي انضمت غلى بولس في أثينا وأريستوس وغيرهم
داماريس امرأة اهتدت إلى الله عندما سمعت كلام بولس
تعتبر فاتحة تاريخ المسيحية في أثينا
هناك أشخاص يبرزون في حدث مثل متيا الرسول الثاني عشر وحننيا وسفيرة
من الهلينيين يبرز أسطفانوس وفيليبس والضابط كورنيليوس وابولوس
يمرون مرة في الكتاب مع أن أخبارهم جوهرية.
يبرز يوحنا رفيق بطرس في ب\اية الكتاب وبرنابا رفيق بولس وسيدعى رسولاً لكنهما سيكونان في المقام الثاني بعد بطرس وبولس.
بطرس يسود القسم الأول من الأعمال وبولس القسم الثاني.
دورة بطرس
مصير بطرس بين اجتماعين اجتماع أول اختاروا فيه متيا واجتماع ثان فيمجمع أورشليم
بطرس أخذ المبادرة يوم اختيار متيا لتكملة مجموعة الإثني عشر
حدد البشروط المؤهلة لاكتساب لقب رسول
يجب أن يكون رفيق يسوع منذ عماده إلى موته وشاهدًا مع الرسل لقيامته
في نهاية دورة بطرس في مجمع أورشليم حسم الجدال فقال
يخلص الإنسان بنعمة الرب يسوع ولا يخلص بغير ذلك.
تدخل بطرس حين وجب إعادة تنظيم جمع الشهود للقيامة
وعند فتح الباب أمام المؤمنين
تدخل فأعلن كلمة الخلق والتحرير
بين هذين الإجتماعين سلسلة أهداف تكشف لنا دور بطرس
كانت له مبادرة حمل البشارة إلى اليهود وإلى الوثنيين
أول كرازة لليهود كانت يوم العنصرة
بطرس مع الأحد عشر دعاهم إلى التوبة والغعتماد باسم يسوع المسيح وقبول الروح القدس
دشن بطرس الكرازة للوثنيين معمدًا الضابط كورنيليوس
بين هذين الحدثين ينطلق بطرس ويوحنا إلى السامرة
ثبتا عمل التبشير الذي قام به فيليبس أحد السبعة
بطرس هو الأول بالنسبة للوقا
لكنه يعمل دومًا في المشاركة في الجماعة الرسولية
يمتلك بطرس بحسب سفر الأعمال سلطة تنظيم جماعة شهود القيامة وسلطة تحديد شروط الغنتماء إلى الكنيسة ومبادرة الرسالة إلى اليهود والوثنيين
حيث لا مبادرة له لا يثبت العمل
بطرس مسؤول عن قداسة الجماعة
طرد حنانيا وسفيرة
هدد سمعان الساحر واعطاء مهلة للتوبة
مارس سلطة التوبيخ والتأديب
دخل بطرس السجن ثم نجا منه
كأن لوقا يذكرنا بالعناصر الرئيسة لآلام المسيح وقيامته التي يعيشها الرسول بطريقة رمزية
فقد أوقف مثل يسوع وحوكم ودخل رقاد السجن وظهرت قوة الله فحررته من الأسر
عرفته امرأة فأعلنت لأعضاءا لجماعة أنه حر
لوقا يصور بطرس على مثال يسوع
ومثل يسوع بطرس وسط أصحابه يسألهم أن يذهبوا ليعلنوا الحدث قبل أن يذهب إلى مكان آخر
إستعاض لوقا بهذه الرمزية على ذكر كيفية استشهاد بطرس
أراد أن يقول إن بطرس حي والجماعة المسيحية ما زالت تحيا من كلامه وأعماله
أعمال الرسل
مسيرة بولس
يختفي بطرس بعد عماد الوثنيين ومجمع أورشليم فتبدأ مرحلة تمدد الكنيسة على المستوى الجغرافي وإيصال الإنجيل إلى روما وهو عمل بولس شاهد المسيح الذي يتحمل الرسالة الموكولة إلى الرسل
ثمة ثلاث رحلات لبولس
ثم رحلة الأسر إلى روما
الرحلة الأولى هي خاصة وهدفها ان تدل على أن الله فتح للوثنيين باب الإيمان
يمر بولس في أنطاكيا يتوقف في كورنتس ثم أفسس
ويعود إلى اورشليم
رحلة تبدأ في أورشليم وتنهتي في اورشليم
الرحلة الأخير رحلة الأسر تقوده إلى اورشليم ثم إلى روما
اختلف بولس مع برنابا بسبب يوحنا مرقص
ذهب برنابا مع مرقص وأخذ بولس سيلاس
وزار الجماعات التي أسسها في رحلته السابقة
وعبر مع تيموتاوس وسيلاس ولوقا إلى اوروبا بشر أثينا وأقام في كورنتس
ستبقى جماعة فيليبي عزيزة على قلب بولس سيقبل منها المال كبرهان على ثقته بها وسط الإضطهادات والسجون أسس في فيليبي وتسالونيكي وبيريه جماعات مؤمنة متحمسة تنتظر مجيء الرب يسوع الأخير
أثينا محطة هامة
مدينة خسرت أهميتها السياسية وحافظت على موقعها كمركز علمي وروحي وسط العالم الروماني بسبب جامعتها التي تجتذب الفلاسفة والشعراء.
ألمح بولس إلى كثرة الآلهة في أثينا فوقف أمام الأريوباغوس وهم جماعة من الناس يسهرون على الجامعة فكلمهم في خطبة أرادها لوقا نموذجًا يلقيها كل مبشر على سامعيه الوثنيين.
في القسم الاول يستعيد بولس مواضيع رددها اليهود الهلينيون تحدث عن الله والعالم
عن الله والإنسان
وأظهر بطلان الهياكل والعبادة الوثنية
وختم بعرض للتعليم المسيحي الموجه إلى كل إنسان في كل مكان.
ورسم خطوطًا عريضة مشيرًا إلى آدم الأول وآدرم الثاني.
في النهاية وجد إنسان أقيم ديانًا شاملاً بقيامته.
فشل بولس في خطبته
تعلم الأمثولة
عندما وصل إلى كورنتوس لم يعرف إلا بيسوع المسيح ويسوع المسيح مصلوبًا
أقام سنتين في كورنتوس يحيك الخيام في بيت أكيلا وبرسكيلا اللذين طردا من روما
في السنة 51 سيبدأ بكتابة العهد الجديد مع الرسالتين إلى أهل تسالونيكي.
هذه الإقامة كانت مهمة لبولس واجه خلالها العقلية الوثنية واكتشف مع الكورنثيين الأخلاقية المسيحية.
ثم انتقل إلى أورشليم وأنطاكيا وأقام سنة ونصف السنة في أفسس حيث التقى تلاميذ يوحنا.
كانوا جماعة اهتدوا على يد أبولس لكنه لم يعرف إلا عماد يوحنا جاهلين وجود الروح القدس.
أبولس أناره أكيلا وبريسكيلا فصار معاونًا لبولس لا يستغني عنه.
ثم عبر بولس مرة ثانية إلى اليونان ومن هناك استعد للصعود إلى اورشليم ليحمل تقاديم الكنائس الجديدة للكنيسة الأم
حمل عمله رمزًا مهمًا للوحدة
مر بولس في ميليتس
دعا شيوخ أفسس
ترك لهم وصيته الروحية التي تقدم لنا بطريقة إجمالية فكرة القديس بولس عن رؤساء الكنيسة وتقم لنا صعود بولس إلى أورشليم
بالنسبة إلى لوقا هذا الصعود يشبه صعود يسوع
يبدأ بهذه الخطوة بولس طريق صليب طويل على خطى معلمه وفيه سيسير طوعًا
قبض عليه في المدينة المقدسة لكنه لن يموت الآن
في الليل نبهه الرب
يجب أن تشهد لي في روما
سجن بولس سنتين في قيصرية أيام الحاكم فيليكس
لما جاء فسطس قال بولس الكلمة التي أسقطت كل سلطان قضائي آخر
أنا رافع قضيتي إلى قيصر
قبل ذهابه جاء أغريبا وأخته برنيكة ليسلما على فسطس وكانا عارفينبشريعة اليهود فكتب أغريبا التقرير الذي سيرسله إلى روما عن بولس
قال أغريبا القضية قضية رجل اسمه يسوع مات وبولس يزعم أنه حي
للمناسبة كتب لوقا خطبة جعلها على لسان بولس في نهايتها حدد بولس كرازته مستندًا إلى الكتب ودل على ثلاثة أشياء
كان على المسيح أن يتألم
قام من الأموات
كان عليه أن يعلن النور لشعب إسرائيل وللأمم الوثنية
هو ترداد لكلمات يسوع الأخيرة لتلاميذه:
هكذا كتب المسيح سيتألم
يقوم في اليوم الثالث وباسمع تعلن التوبة لغفران الخطايا للأمم الوثنية إنطلاقًا من أورشليم
لوقا يريد أن يقول إن كرازة بولس كتعليم يسوع تبرز العلامات المسيحانية التي تضمنتها الكتب وأتمّها يسوع: الآلام القيامة الخلاص إلى الأمم
حقًا يسوع مات وقام
بواسطة بولس سيتم عمل المسيح ويكتمل تاريخ الخلاص
السفر إلى روما مضطرب
سجن بولس مدة سنتين في إقامة جبرية
سكن في المدينة يحرسه جندي
إنها نهاية مسيرة بولس الطويلة
بولس مقيد وكلمة الله حرة
وسط عاصمة الكون يعلن بولس السجين للوثنيين ملكوت الله ويعلم ما يخص الرب يسوع بكل جرأة وحرية
هكذا يختم لوقا كلامه بعد أن تم البرنامج الذي حدده يسوع القائم من الموت
يكتب لوقا كمؤرخ ولكنه أيضًا لاهوتي يخبرنا عن قصد الله السابق في التاريخ وبعمل الروح الحاضر يومًا
عبر تاريخ بولس ندرك عمل الروح
فهو يحقق البرنامج الذي حدده يسوع لرسله يوم الصعود.
من هنا تبدو مسيرة بولس كانها محطات كبرى لحياة المسيح.
فإذا وضعنا إنجيل لوقا مقابل سفر الأعمال نجد توزنًا بين الإثنين.
والخلاصة على كل رسول أن يقتضي بالمسيح
بولس لن يموت في أورشليم بل في روما
المسيرة من أورشليم إلى روما عبر البحر المضطرب هي عبور في الظلمة والمياه العظيمة
عبور يرمز إلى عبور عرفه يسوع في الموت
لن يحتفظ الموت ببولس كما لن يحتفظ بيسوع
بولس سينجو من البحر
في روما سيستطيع مثل المسيح بعد قيامته أن يعلن بحرية ملكوت الله.
من هنا نستوحي أن لوقا يتحدث عن استشهاد بولس لكنه لم يذكر تفاصيله التاريخية.
بل يؤكد أن لا شيء يقف بوجه كلمة الله وإعلان ملكوته
ولا شيء يقف بوجه شهوده ولو كان الموت.
ترد كلمة لوغوس بمعنى الكلمة 58 مره في أعمال الرسل
تدل في 23 مرة على كلمات محددة والبقية تدل فيها على معنى عام
إما كلمة الله وإما كلمة الرب وإما الكلمة
الكلمة تدل على إعلان عمل الله وسط البشر
عمل الخلاص، عمل النعمة
وهي ليست إلا الإنجيل
هذه الكلمة هي علم الله
إعلان حدث الخلاص تشكل جسدًا واحدًا مع هذا الحدث
تعطيه آنيته في كل مكان تعلن فيه
الله والرب ليسا موضوع الكلمة بل الفاعلان
يحصل للكملة في أعمال اللرسل ما يحصل ليسوع في إنجيل لوقا
فيالإنجيل فعل مجد يعني دومًا الله إلا مرة واحدة فهو يعني يسوع في رسالته في الجليل:
لوقا 4: 15 فيمجده الكل
تعرف الجليليون في يسوع إلى مجد الله والوثنيون في الأعمال تعرفوا إلى هذا لامجد في الكلمة التي أعلنت لهم
التقارب بين يسوع والكلمة يلقي الضوء على الطابع الشخصاني للكلمة في سفر الأعمال
الكلمة في أورشليم حتى اختيار السبعة
الكلمة في اليهودية والسامرة حتى موت المضطهد اليهودي
الكلمة في الأراضي الوثنية حتى رفض الممارسات السحرية
صعود الكلمة إلى أورشليم ثم إلى روما
لوقا أدخلنا في حياة الكنيسة أبان لنا أن يسوع بعد أن ارتفع عن يمين الآب صار كلمة للأرض كلها حتى النهاية.
أناجيل الطفولة:
لو لم يكن المسيح قد حُبل به حقًا من الروح القدس، ولو لم يكن قد قام حقًا من بين الأموات لكان إيماننا باطلاً.
هل ما تورده أناجيل الطفولة تصورات أسطورية لا أساس لها في الواقع التاريخي؟
علينا التمييز في نصوص أناجيل الطفولة بين المعطيات التاريخية والعناصر اللاهوتية.
كُتبت أناجيل الطفولة في زمن المسيحيين الأوائل الذين يعرفون سيرة يسوع المسيح الحقيقية.
لم تُكتب طفولة يسوع ببعد تاريخي، بل بمضمون إلهي وبإيحاء لاستمرارية التاريخ المقدس.
كتّاب الأناجيل ربطوا بين أحداث حياة يسوع وأهم موضوعات العهد القديم.
إستعملوا الأنواع الأدبية المعاصرة: الميدراش والبيشر والرؤيا.
الميدراش: إعادة كتابة حياة مشاهير شخصيات العهد القديم.
البيشر: يبين كيف تتحقق النبوءات في الأحداث الراهنة.
الرؤيا: تبين سابق تواجد هذه الأحداث في قصد الله الأزلي.
الأناجيل تعبر عن تاريخ شامل يعطي الأحداث بعدها الكلي.
أناجيل طفولة المسيح ليست أساطير بل أحداث عرضت بمنحى أسلوبي يبرز معناها في تاريخ الخلاص.
اليهود في القرن الأول الميلادي يرتادون المجمع أو الهيكل في بحر الأسبوع وفي السبت لسماع وتأمل التوراة.
التوراة هي لليهود وحي الله لموسى في كتب خمسة: التكوين والخروج والأحبار والعدد وتثنية الإشتراع.
كان الرابي أي أحد الواعظين يدرّس الشعب فيجيبهم على سؤال: كيف ألتزم اليوم أنا والجماعة تجاه ما قيل في التوراة؟
عملية استحداث كلمة الله لواقع حياتنا تسمى ميدراش.
الميدراش هو تفكير حول الكتاب المقدس إنطلاقًا من الواقع الحاضر وله وجهان مختلفان:
استنبط الكتبة من الكتاب المقدس القوانين العملية لسلوك اليهودي في حياته الأخلاقية والإجتماعية الدينية وضعوها في مجموعة أسموها ميدراش هالاكه كي تساعد المؤمن على السير في شريعة الرب.
جمعت هذه القوانين في القرن الثاني للميلاد في مجموعة تسمى الميشنه وهي مجموعة قوانين شفهية.
أما التلمود ومعناه تعلم هو القسم المكتوب للقوانين والإرشادات المساعدة على تفسير الكتاب المقدس.
سير الرجال العظام المذكورين في الكتاب المقدس، منارة في حياة المؤمن اليومية.
جمع الكتبة هذه السير في الميدراش هجّادة.
الهجادة روايات تجعل التاريخ الكتابي أمرًا حديثًا معاصرًا.
ميدراش بيشر:
إنطلاقًا من مفهوم آخر الأزمنة، يعلن المسيحيون أن ما أخبرت به الكتب المقدسة هو على وشك أن يتم في الحاضر.
راح المسيحيون يطابقون بين شخصيات وأحداث الماضي وبين واقع الجماعة والحاضر.
هذا ما يسمى بالميدراش بيشر.
كان أهل قمران يقرؤون كتب الأنبياء ويطابقون ما بين الأحداث القديمة والواقع الحاضر.
الترجوم:
في العربية ترجمة. يقصد بها النص الآرامي لنصوص العهد القديم.
هي ترجمة تفسيرية لا حرفية قام بها الكتبة اليهود في فلسطين وبابل لاستعمالها في المجامع. حيث لم يعد اليهود يفهمون اللغة العبرية.
يستهل متى "إنجيله بسلسلة نسب تطرح علينا مسائل عديدة.
نحن إزاء نسب يوسف لا نسب مريم، في حين أن يوسف ليس إلا الأب الشرعي ليسوع.
يختلف هذا النسب في جملته عن النسب الوارد في إنجيل لوقا، ويتضمن بعض الأخطاء إذا ما قارناه بنص العهد القديم.
فاعتبره البعض ابتكارًا دفاعيًا يهدف لإعطاء يسوع أصلاً داووديًا.
لا يهدف هذا الفصل إلى إعطاء نسب ليسوع فحسب.
يبدأ النص بعبارة :نسب يسوع المسيح ابن داود ابن ابراهيم.
هكذا عبارة لا نقرأها إلا في سفر التكوين (تك 5: 1): هذا كتاب مواليد آدم. وفي (تك 2:4) بشأن السماء والأرض: هذه مبادئ السماوات والأرض.
في مقابلة النصين مع نطلع إنجيل متى نجد خطين متوازين الأول لخلق آدم والثاني لتجسد الكلمة.
في نسب يسوع، يريد متى أن يقول لنا إن تجسد المسيح هو ولادة بشرية جديدة، هو تكرار للولادة الأولى ولادة آدم. وكما ولادة آدم عمل إلهي، كذلك ولادة آدم الجديد عمل إلهي وحبل بتولي.
لا يريد متى من ذكر نسب يسوع في مقدمة إنجيله، تأريخًا لتسلسل عائلي، بل تصويرًا رؤيويًا لاهوتيًا.
الدلالة على أن الحبل البتولي تم من الروح القدس
يقول متى "أما ميلاد يسوع فهذا خبره.
ثم يسرد قصة ظهور الملاك ليوسف ويخبر أن مريم قد حبلت من الروح القدس.
هذا الفصل جزءان يريد متى منهما إظهار أن تكوين المسيح هو تكوين الآدم الجديد.
في الجزء الأول يبين لنا في المسيح ذاك الآتي في نهاية العهد القديم ويدشن بشرية جديدة.
والجزء الثاني يبين لنا أن تكوين الآدم الجديد هو عمل الروح القدس
إن الله هو الذي أوجد هذه البشرية الجديدة.
تتألف سلسلة النسب من ثلاث مجموعات رمزية يتألف كل منها من أربعة عشر شخصًا.
القديس متّى يعرف التاريخ جيدًا. لكنّه عندما كتب نسب يسوع، لا يستخدم السلاسل كوثائق تاريخية، بل يعدّل فيها ليعطيها معتى روحيًا.
ثمة معنى لاهوتي لتجميع جدود يوسف في ثلاث مجموعات في كل منها أربعة عشر جيلاً: إن ميلاد يسوع ليس مجرد حدث من أحداث التاريخ البشري، إنما هو تحقيق لقصد إلهي، كان العهد القديم بكامله موجهًا نحوه.
يسوع هو المسيح الذي يأتي في نهاية العهد القديم ويضع له حدًا ويفتتح الأزمنة المسيحانية.
لنسب المسيح هدفان:
يشير أولاً إلى الإستمرارية بين المسيح والعهد القديم.
فحياة يسوع تكرار لحياة الأنبياء.
ويشير ثانيًا إلى الإنقطاع إذ يتوقف ماديًا عند يوسف
فيسوع هو ابن مريم فقط بحسب الجسد ولكنه ليس سلسل داود بواسطة مريم.
قدرة الله اقامت لداود هذاا لفره
إذا كان يسوع امتدادًا لسلالة ابراهيم وداوود
هو أيضًا البدر المطلق لبشرية جديدة
ترد في نسب أسماء بعض النساء
لم تذكر سارة أو حة وهما رمزان للحبل البتولي بل تُذكر راحاب وهي امرأة بغي من أريحا (يشوع 2) وتامار وهي كنة يهوذا المذنبة (تك 37) وراعوث المؤابية زوجة بوز (راعوث 2) وبتشابع إمرأة داود الزانية (2 مل 11)
ثلاث من تلك النساء أجنبيات (كنعانية ومؤابية وحثّية) وثلاث خاطئات. إنها شمولية العهد الجديد.
الخلاص معروض على الأبرار كما هو معروض على الخطأة.
قصد الله يتحقق حتمًا، ويتخذ أحيانًا طريقة تحيّر العقل البشري.
إن مؤلفي الأناجيل مؤرخون لهم طريقتهم.
لم يدخل النسب في كرازة الجماعة الأولى، لقد استعان به متى فيما بعد مستندًا إلى وثائق تاريخية بحث عنها كما بحث عنها لوقا.
وهذا ما ينطبق على مجمل أناجيل الطفولة.
لم يستمد متى ولوقا نسب يسوع من الرسل، بل من عائلة يسوع.
وكانت عائلة ذات مكانة مرموقة في الجماعة اليهودية المتنصرة.
يبين هذا النسب الطابع المميز والفريد للتجسد، وهو الزمن الحاسم لتدخل الله الجوهري في التاريخ.
وهذا الزمن هو مركز تاريخ الخلاص: العهد القديم مهد له، والكنيسة سوف تتبعه.
الإيمان تاريخ مقدس وموضوعي يحتل فيه التجسد محل المركز وليس مجرد لقاء شخصي بالمسيح لا أهمية فيه لأحداث التاريخ المقدس الخلاصية.
يبدأ متى إنجيله بلائحة النسب الطويلة في محاولة لعرض مسيرة تاريخية واقعية ليسوع المسبح عبر مجهر إنسان يؤمن بأن التاريخ الحقيقي هو الحوار ما بين الله والإنسان في علاقة حرة.
يبدأ التاريخ في نظر اليهودي مع ابراهيم عندما يُدخل الله في حياته تغييرًا جذريًا جاعلاً منه شخصية فريدة، ملقيًا على عاتقه مسؤولية مصيرية.
ابراهيم رمز لمسيرة طويلة لخروج دائم إلى أن يأتي المخلص.
يسوع المسيح هوحصيلة هذه المسيرة التاريخية الطويلة وانفتاحها المطلق على الله.
هو عمانوئيل، الله معنا، له اسم أرضي يسوع، أخذه من يوسف بن داود.
ليس ليوسف من مهمة سوى تأصيل المخلص في السلالة البشرية وفي المجتمع الإنساني جتى ينمو ويكبر.
أما مريم العذراء فرسالتها أن تطيع بجسدها للروح القدس لتوليد يسوع، وتهبه للعالم.
ملكوت الله هو في حالة مسيرة خروج منذ تبرعمه الأول.
فالروح لا يتلاشى في تربتنا البشرية، إنما يكوّنها ويجعلها تحيا.
يسوع المسيح الانسان قد اتخذ على عاتقه حقيقة تاريخنا البشري، لأن "الله معنا" ولأنه يجيب بشكل كامل عن صوت الله المدوي في قلب الإنسان.
تتبلور رسالة يسوع انطلاقًا من الأسماء التي تعطى له: يسوع، عمانوئيل، الابن المدعو من مصر، الناصري الذي يسكن في قلب جماعة ملموسة.
هذه هي حقيقة يسوع ابن الإنسان وابن الله.
يتألف نشيد زكريا من جملتين يونانيتين طويلتين.
هو نشيد معقد التركيب يقسم بحسب مواضيعه إلى خمسة مقاطع.
المقطع الأول يذكر عمل الله الخلاصي في بيت داود
الله مبارك إفتقد شعبه.
كلمة إفتقد تدل على تدخل الله في حياة الشعب لاسيما في مجال الخلاص المشيحاني.
يقيم لنا الرب قرن خلاص في بيت عبده داود والقرن يدل على القوة
القوة المتجلية لدى قدوم المشيح.
المقطع الأول يقوم على فكرة الخلاص والافتقاد. أما الثاني فعلى فكرة نبوءة الأنبياء، الخلاص.
الخلاص الذي ناله الشعب اليوم هو تحقيق النبوءات السابقة.
مجيء المسيح تحقيق وإتمام لما وعد الله به لابراهيم.
الخلاص هو تحقيق لما وعد به الله.
علامات هذا الخلاص هي عبادة الله بالتقوى والبر.
دعوة يوحنا من حيث هو النبي العلي الذي سيعبد الطريق أمام الشعب.
يوحنا سيعلم الشعب أن الله يخلصه بغفران الخطايا.
في المقطع الخامس يعيد ذكر موضوع الإفتقاد الذي افتتح به النشيد.
إنما هنا في نهاية النشيد الحديث عن افتقاد المسيح ابن داوود لشعبه.
يمتاز مجيء المخلص بالرحمة والحنان الإلهيين.
إن نور المسيح ينير هؤلاء الجالسين في الظلمة ويقود خطاهم على طريق السلام.
يشبه نشيد زكريا نشيد مريم من ناحية تكوينه من عبارات ومواضيع واضحة من الكتاب المقدس.
لكنه يختلف عن نشيد مريم إذ يصعب ضبطه في بنية أدبية متكاملة.
من أين أتى لوقا بهذا النشيد؟
ربما أصل النشيد البيئات الكهنوتية اليهودية التي كان زكريا يراودها.
وربما هو صلاة من البيئات اليهودية المسيحية لأن النشيد يذكر مجيء المسيح ابن داود.
الآية الأكثر أهمية في أناجيل الطفولة بالنسبة للإيمان، سواء لدى متى أو لدى لوقا:
إن مريم العذراء قد حملت من الروح القدس.
مضمون قصة البشارة هو الوحي إلى مريم بأنها ستكون أم المسيح وأن الله آت.
إنه أول نص يحدثنا فيه لوقا عن مريم.
هو يتلخص في ثلاثة معطيات.
أولاً: إن مريم كانت عذراء.
عبارة لا تعرف رجلاً تشير إلى رغبتها في البقاء عذراء.
الزواج عند اليهود بركة من الله.
لكن في زمن المسيح وفي الوسط الأسيني، العزوبة تكريس لله.
ثانيًا: يقول لوقا إن مريم مخطوبة ليوسف.
قديبدو ذلك نقيض رغبتها في البقاء عذراء في حين أنه إثبات لتلك الرغبة.
مستحيل على فتاة ترغب البقاء عذراء أن تعيش بمفردها.
كونها مخطوبة يعطيها وضعا شرعيا يسمح لها تحقيق مقصدها.
أما النقطة الثانية فهي أن مريم تسكن الناصرة.
متى يقول لنا فقط إن مريم ويوسف قد استقرا فيها بعد ولادة يسوع.
ثمة صلة بين يسوع والجليل حيث تقع الناصرة.
لا يرد أي ذكر للناصرة في العهد القديم.
نحن نجهل لماذا كانت مريم في الناصرة. لكن النقطة الوحيدة التي يؤكدها الإنجيل أن مشهد الناصرة قد تم فيها.
في الناصرة قضى يسوع طفولته ومنها انطلق يبشر بملكوت السماوات.
واقع الوحي إلى مريم
حدث البشارة يقوم على الوحي الى مريم.
وهو يحتوي عنصرين: واقع الوحي ومضمونه.
الشاهد الأصلي هنا لا يمكن أن يكون إلا مريم نفسها.
هذا الترابط يذكرنا بممارسة رعاوية هامة.
الأعمال من أحداث خارقة ومعجزات الله في العهد القديم وعجائب العهد الجديد تلعب دورها في طرح السؤال.
بفتح السامع قلبه للتفسير الذي يقدمه له المؤمن.
لا يؤمن الإنسان بسبب الحدث، مهما كان خارقًا، ولكنه يلتصق بتفسير الشاهد.
واقع الوحي إلى مريم يشبه بقية حوادث الوحي.
الله يتكلم.
جوهر الكتاب وجود الكلمة التي توحي إلى جانب الكلمة التي تخلق.
في العهد القديم توجه كلمة الله إلى الآباء والأنبياء والحكماء.
التشكيك في كون مريم تلقت الوحي نيل من وجود الوحي بالذات بوصفه أحد مقومات التاريخ المقدس أي تاريخ عظائم الله.
وثمة عنصر آخر إلى جانب الوحي: إيمان مريم.
والقصة بكاملها تشهد له.
تصريح مريم أنها لا تعرف رجلاً يبين أنها تدرك استحالة ما يبشرها به الملاك بشريًا وأنها أمام عمل تقوم به القدرة الإلهية فقط.
الإيمان يقوم على أن لا شيء يعجز الله.
الإيمان كالوحي من مقومات التاريخ المقدس.
فعل إيمان مريم بالكلام الموجه إليها عنصر بدئي في قصة البشارة.
بني إنجيل الطفولة بحسب لوقا على التوازي بين طفولة يوحنا وطفولة يسوع لإبراز تفوق الأخير.
يتعارض ارتياب زكريا مع إيمان مريم وهذا التعارض يتضمن تشابهًا.
تشابه في الوقائع نفسها.
الوحي لابراهيم بأنه سيولد له ولد من ساره العاقر كما الوحي لزكريا بأنه سيولد له ولد من أليصابات العاقر
هو تشابه عظائم الله في تاريخ الخلاص.
إستلهم لوقا مجموعتان من قصص تاريخية متوازية في عرضه للبشارة.
تشتمل الأولى على تجليات يهوا بواسطة أحد الملائكة لتكليف أحد أصفياء الله برسالة ما.
وتقسيمات قصة البشارة هي عينها تقسيمات حادثة ظهور ملاك يهوا لموسى في العليقة المشتعلة في سفر الخروج ولرسالة جدعون في سفر القضاة:
الملاك والرسالة والإعتذار والوعد بالعون والقبول.
وثمة عبارة مشتركة: سأمون معك.
في قصتي بشارة اليصابات وبشارة مريم، إستلهم لوقا قصة تشبههما، قصة ظهور ملاك يهوا لابراهيم عند بلوط ممرا ليبشره بأن سارة العاقر ستد له ولدًا.
أما كلمة افرحي الواردة في إنجيل البشارة فمرتبطة بالفرح المسيحاني تشبه بشارة يهوا إلى أورشليم "ابنة صهيون" بحلول الخلاص.
أراد لوقا أن يقدم لنا في مريم رمز شعب إسرائيل الذي يبشر بحلول الحدث الأخروي.
يستعمل لوقا مقاربة بين بشارة مريم وسفر دانيال حيث الملاك جبرائيل يظهر للرائي وذلك كي يثبت أن الوحي إلى مريم مفاده أنه قد حان وقت تحقيق مجيء الرب.
إستوحى لوقا أسلوبه في عرض البشارة من نص دانيال.
أطلق على الملاك اسم جبرائيل.
الترتيب الزمني الدقيق الذي يحدده لوقا منذ الظهور لزكريا وحتى التقدمة إلى الهيكل يساوي سبعين أسبوعًا.
وفي نبوءة دانيال سبعون أسبوعًا ينتظر فيها النبي حلول يهوا الأخيري.
مضمون الوحي إلى مريم:
الملاك يصف ما سيكون الطقل الذي ستصبح مريم أمه.
المعطية الأولى أن الطفل المولود من مريم سيكون المسيح.
مضمون الوحي إلى مريم:
إن الطفل المولود من مريم سيكون المسيح المنتظر.
يوم مولده قد حان.
نشيد مريم
في القسم الأول: 46 – 39: مريم هي الفاعل.
في القسم الثاني من النشيد: 51 – 55 الله هو الفاعل
طبيعة عمل الله والناس تختلف:
الناس يتحدثون، مريم تعظم الرب، الأجيال تهنئ مريم
أما الرب فهو قدير وصنع أمورًا عظيمة.
على الرغم من أن الله ليس الفاعل في القسم الأول إلا أنه هو الذي صنع الأمور العظيمة.
القسم الاول يتحدث عن صنع الله لمريم والقسم الثاني عن صنع الله عامة عبر التاريخ.
هو يقف دومًا مع الفقير والوضيع يخلع الأقوياء عن العروش ويصرف الأغنياء فارغين.
غير ناس ما وعد لابراهيم وذريته للأبد.
بين القسمين لدينا قسم انتقالي يتحدث عن صفات الله الرئيسة: قدوس اسمه ورحمته من جيل إلى جيل للذين يتقونه.
حديث عن صفات الله لا عن صنيعه:
صفات الله الرئيسة هي قداسته ورحمته اللتان يظهرهما للبشر.
علينا أن ننظر إلى هذا الحدث الذي تعيشه مريم انطلاقًا من مواعيد الرب لابراهيم.
صنيع الرب لمريم
تحدثت مريم في القسم الأول من نشيدها عن صنيع الله لها، فهي لا تتحدث مباشرة عن ابنها
الحديث دائر على ما حقق الله في مريم.
تعظم نفسي الرب
تبتهج روحي بالله مخلصي
اعتراف بعظمة الله فالعظمة هي فقط لله في الكتاب المقدس.
في الطرف الثاني تقول تبتهج روحي
تعبير وجداني ذاتي عن عظمة الله في حياة مريم" بالله مخلصي".
ثمة تكامل ما بين بشارة الملاك لمريم وما بين تحققها.
الملاك قال لمريم في البشارة: افرحي أيتها الممتلئة نعمة.
وها مريم تقول: تبتهج روحي
فما أخبر به الملاك تحقق ها هنا في نشيد مريم
بعد أن تحدثت مريم عن ذاتها فهي تخبر عن موقف الأجيال القادمة منها:
سوف تهنئني بعد اليوم جميع الأجيال".
أليصابات قالت: طوبى لمن آمنت
تنال مريم تهنئة الأجيال لا بسبب فضيلتها بل بسبب قدرة الله صانع العظائم.
القسم الأو ل من نشيد مريم هو تحقيق لما بشر الملاك به
أما وظيفة القسم الثاني فهي إعطاء الخلفية الكتابية
صنيع الله لمريم هو تحقيق لما وعد الله به ابراهيم وذريته للأبد.
يسوع سيكون معًا المسيح المنتظر والإله الآتي.
زيارة الله
الروح القدس سينزل عليك وقدرة العلي تظللك.
هذا الروح هو الروح الخالق الذي أوجد في الماضي الخليقة الأولى.
وإليه يعود إيجاد الخليقة الجديدة.
عمل الروح والقدرة يتعلق مباشرة بمريم.
عليها يحل الروح وهي التي تظللها قدرة العلي.
عبارة تظللك نادرة
ترد في سفر التطوين من العهد القديم وتشير إلى الغمامة تلك العلامة المرئية على تواجد يهوا في خباء المحضر في الصحراء.
وترد عند لوقا في قصة التجلي للإشارة إلى تواجد الله في المسيح.
وتعني هنا تواجد الله في الطفل الذي ستلده مريم.
من هذا المنظور تتخذ العبارة معناها الحقيقي: فلذلك يكون المولود قدوسًا وابن الله يدعى.
يهوا متواجد في الإبن الذي ستلده مريم
لا يمكن أن تعني عبارة ابن الله إلا أمرًا واحدًا ألا وهو أن الكائن القدوس الذي تلده مريم سيكون طفلاً قدوسًا لتواجد الله فيه. ذلك لأنه حقًا ابن الله.
الوحي إلى مريم بالحدث الأخروي يتضمن ثلاثة أطوار متتالية.
لقد أوحي إليها أولاً أن مجيء الله وشيك.
وثانيًا أن تجديد الخليقة الذي يحدثه هذا المجيء إنما هو بدرجة اولى مولد يسوع بكر البشرية الجديدة.
ثالثًا إن مجيء الله سوف يتحقق في هذا الطفل بالذات بحيث يكون حقًا الإله المتواجد في جسد إنسان أي ابن الله المتجسد.
ويشمل الوحي إلى مريم حقيقتين:
الأولى أن هذا الطفل لن يكون فقط المسيح المنحدر من داوود بل أيضًا آدم الجديد الذي يفتتح الخليقة الجديدة. وكما آدم القديم هكذا كان لآدم الجديد أن يتكون من بتول.
الثانية إن مجيء الرب الذي بشر به الانبياء لا ينفصل عن مجيء المسيح
مجيء الله يتحقق في المسيح بالذات.
جوهر الإيمانالمسيحي يقوم على تجسد الكلمة.
وهذا جزء من الإيمان في قانون الرسل.
تم اختيار مريم كي تكون حواء الجديدة التي جاء إليها كلمة الله ليتحد فيها بالطبيعة البشرية.
يسوع ويوسف
بعد النسب، متى يذكر بشارة يقوم بها ملاك الرب تتعلق باسم يسوع الذي أعطي للطفل.
ثمة نقاط متوازية ومعطيات مشتركة بين لوقا ومتى.
وثمة تعارض بينهما.
البشارة في متى موجهة إلى يوسف لا إلى مريم وقد تمت بعد حبل مريم بيسوع
الهدف من هذا المشهد إظهار كيف سينتمي يسوع إلى سلالة داود.
ليس الحبل البتولي هو موضوع بشارة يوسف والغرض من الوحي إلى يوسف ليس إعلامه بأن حبل مريم تم بقدر الروح القدس.
بل إعلامه بعلاقته الخاصة بالطفل المزمع أن يولد ألا وهي أن يضطلع بأبوة الطفل الشرعية بحيث يؤمن له البنوة الداودية.
ولهذا أورد متى قبل ذلك النسب.
الهدف إذًا يقوم على تفسير كيفية انتماء يسوع إلى نسل داود مع أنه ليس ابن يوسف.
على يوسف أن يعترف شرعيًا بيسوع
هذا هو حصرًا موضوع بيان يوسف.
هدف النص ليس الدفاع عن الحبل البتولي بل إثبات كيف يمكن يسوع أن يكون من نسل داود ومسيحًا داوديًا على الرغم من الحبل البتولي.
الحبل البتولي يعتبر من المعطيات المبدئية
لولاه لفقد مجمل المشهد معناه.
نحن أيضًا أمام حدث تاريخي يفترض الحبل البتولي.
هذا النص يؤيد ما جاء في لوقا بشأن حبل مريم بقدرة الروح.
أولاً توافق بين متى ولوقا
فالحبل البتولي تقليد سابق للأناجيل.
أناجيل التطفولة لا تستند فقط إلى كرازة الرسل بل أيضًا إلى تقليد عائلة يسوع.
محم أمام شهادتين مستقلتين ومتقاربتين.
لوقا مقرب من وسط مريم العائلي ومتى من وسط يوسف العائلي.
هذا المقطع يعطي الحبل البتولي إثباتًا أدق مما أعطاه نص البشارة.
هو يقدم الحبل البتولي كحدث تم لا كحدث سوف يتم.
البنوة اليهودية
المشهد يعرض لنا أولاً علاقاته بمريم
المعطى الاول ينعلق بخطبة يوسف ومريم والثاني يتعلق بموقف يوسف من مريم فبدلاً من أن يفك الخطوبة رسميًا ويشهر بها ويطبّق عليها أحكام الزنى في الشريعة، قرر أن يعيد إليها حريتها كاملة ويتركها تسلك الطريق المحفوفة بالأسرار التي أدخلها الله فيها.
تصرف يوسف بهذا النبل لأنه كان رجلاً بارًا كما قال لوقا.
وبر يوسف يكمن في مطابقته القصد الإلهي.
المعطى الثالث هو ما أوحي إلى يوسف
أما العطية الثانية فهي ما أوحي إلى يوسف وتم بواسطة ملاك الرب في الحلم.
مضمون الوحي يشكل محو المشهد ذلك أنه يطلع يوسف على الدور الذي سيقوم به وهو دور هام لأن به سينتمي يسوع إلى داود.
وذلك من خلال اتخاذ مريم إمرأة له.
الوحي إلى يوسف يتعلق مباشرة بعلاقته بمريم.
من أهداف هذه القصة أن يروي لنا زواج يوسف من مريم: فأتى بامرأته إلى بيته.
الهام في النص هو تفسير كيف يكون يسوع اين يوسف وبالتالي ابن داود وذلك على الرغم من الحبل البتولي. ويتم ذلك باعتراف يوسف شرعًا بأن يسوع هو ابنه.
وهكذا يعقد يسوع علاقة بنوية مع يوسف فهو الآن فصاعدًا ابن يوسف من الناصرة.
يتلخص تبني يوسف ليسوع في فعلين: أتى بامرأته إلى بيته... فولدت ابنًا فسماه يسوع.
لا أهمية لرواية أحداث حياة يوسف إلا بمقدار ما تتضمنه من مدلول لاهوتي.
إذ بها يصبح يسوع ابن داود فيتحقق القصد الإلهي.
ويوسف في خطاب الملاك له يدعى ابن داود
يوسف تلقى عن طريق الوحي أمر الإضطلاع بأبوة يسوع.
والإسم الذي أطلق على يسوع ذو معنى الله يخلص
مع إطلاقه على ابن مريم نفقه معناه الحقيقي هو الذي سيخلص شعبه من خطاياهم
والخلاص بهذا لامعنى لا يقوم به إلى الله وحده.
تبين ليوسف أن الطفل الذي كلف بأن يؤمن له البنوة الداودية إنما هو الله المخلص.
النبوءة المتعلقة بعمانوئيل
كيف تتحقق نبوءات العهد القديمفي أحداث حياة يسوع؟
لقد استشهد متى بنبوءة أشعيا عن حبل العذراء وقال وكان هذا كله ليتم ما قال الرب على لسان النبي
هي نبوءة تثير الصعوبات منذ القرون المسيحية الأولى وفق ترجمتها
العذراء ممكن أن تكون صبية
النبوءة كانت تقصد حدثًا تاريخيًا مولد حزقيا ابن آحاز
وولادة الطفل ستتبعها كوارث في إسرائيل غير مرتبطة بالأزمنة المسيحانية.
الإستشهاد بآشعيا يدعو إلى الحيرة فغرضه بنوة يسوع الداودية عن طريق يوسف
وهي تضع الحبل البتولي في محور المشهد
أراد متى أن يضع النبوءة وكأنها محور النص ومصدر الإيمان بالحبل البتولي
الآية المذكورة ليست هي الهامة بالنسبة إلى مضمونها العقائدي
الإستشهاد بها يطبق على حدث تاريخي.
أناجيل الطفولة
نبوءة أشعيا موجهة إلى أحاز لإعلان ولادة نسل لداود يكون علامة.
النبوءة في الإنجيل تثبت أن يسوع من نسل داود وهذا هو الغرض الرئيسي منها.
والنبوءة تربط الطفل المعلن عنه بامرأة سيكون ابنها.
هذه المرأة تكون عذراء.
الهدف ليس أن نبرهن أن الحبل حبل بتولي.
بل هي نبوءة داودية.
أشعيا يقول إن العذراء تعطي الطفل اسم عمانوئيل.
قبل ذلك في الإنجيل يأمر الملاك يوسف أن يعطي الطفل ايم يسوع.
لسنا هنا أمام نبوءة من العهد القديم باسم يسوع.
ما يهم متى هنا هو عمانوئيل.
ليشرح طبيعة يسوع الإلهية.
الله معنا.
في نص أشعيا العذراء هي التي تطلق الإسم على الطفل.
متى يغير عبارة تدعو اسمه عمانوئيل بعبارة ويدعى عمانوئيل لكي يجعل من يوسف محور إعطاء الإسم.
إن نبوءة أشعيا في متى تؤيد الإثبا تالرئيسي حول نبوءة يسوع الداودية.
ليس الهدف منها الربط بالحبل الإلهي.
نحن لسنا هنا لنعتبر أن الحبل البتولي يحقق النبوءة.
كثيرون اعتبروا أن أناجيل الطفولة ضرب من الأساطير أعطاها المسيحيون تأويلاً مسيحيًا.
في الواقع إن الحقيقة عكس ذلك.
هي مسائل لاهوتية تشرح بنوة يسوع لله وتحدّره من نسل داود معًا.
إستنادًا إلى نصوص العهد القديم.
ميلاد يسوع
ما من خلاف على أن يسوع ولد في بيت لحم.
حقيقة أجمع عليها لوقا ومتى.
إلا ان ثمة فرضيتين في أن يكون مولده في مغارة تقع في شمال بيت لحم أم في منزل بيت لحم.
إن ولادة يسوع في بيت لحم له معنى بليغ.
قال لوقا إن بيت لحم هي مدينة داود.
يسوع هو المسيح المنحدر من داود.
من هنا أهمية ولادته في بيت لحم.
ما يفسر وجود يوسف ومريم في بيت لحم؟
هو تدخل من لوقا ليبرر وجود يوسف ومريم غير الطبيعي في بيت لحم.
لوقا يقول إن الحاكم كيرينيوس أمر بالإحصاء.
عادة الإحصاء يجري محليًا.
لكن ثمة ورق بردى يورد لنا إلزامية ذهاب السكان إلى مكان المنبت لتأدية الضريبة ويشمل هذا الإلزام النساء.
ربما هذا هو الظرف التاريخي الذي يستند إليه هذا المقطع من النص.
إن عدم وجود مكان فب الفندق والطفلا لمقمط المضجع في المذود.
ليست بتفاصيل زجت في النص.
الأقماط والمذود هي علامات بالنسبة للرعاة.
والعلامة لا تعني حدثًا ماديًا بل هي المؤشر الذي يعرف الرعاة ببساطته أ نالطفل هو ذاك الذي بشرهم به الملائكة.
إن التجلس الإلهي للرعاة يعود إلى المعطيات البدئية.
تجلس الله هو تدخل الله في التاريخ ليخلق ويخلص ويوحي.
إنجيل لوقا يشكل مجموعة من التجليات المماثلة لزكريا ومريم وسمعان.
تاريخ الخلاص يقوم على تاريخ عجائب الله وما يرافق ذلك من ظروف بشرية.قصة البشارة تنسب إلى جبرائيل.
هنا الحديث يدور حول ملاك الرب ومجد الرب.
وهي توحي أن الله يتجلى وان الشخص المرسل هو من لدن الله.
إن أقرباء يسوع كانوا يحتلون مكانة مرموقة في الجماعة البدئية إنسجامًا مع الروح القبلية السائدة في الوسط السامي.
اساقفة اورشليم الأول هم اولاد أعمام يسوع.
من الطبيعي أن تكون مصادر أناجيل الطفولة مستمدة من وسط يسوع العائلي.
ولوقا يقول كانت مريم تحفظ جميع هذه الأمور وتتأملها فيقلبها.
لوقا يعترف أنه ينقل الذكريات التي كانت مريم تحفظها وسلمتها إلى الجماعة اليهودية المتاصلة.
لوقا بدوره نقلها من هذه الجماعة بعد النسج والتنسيق الاولين.
ليتورجية المائكة تتلخص في جمهور من جند السماء يسبحون الله ثم يتركون الرعاة ليعودوا إلى السماء.
جماعة الملائكة وجماعة البشر تحتفلان بولادة يسوعوحضور الله في طفل المذود.
السلام والمجد كلمتان تجسدان الحدث المسيحاني.
خاتمة النص غامضة.
في مقارنتها مع نصوص قمران نفهم معنى عبارة "أهل الرضى" إذ ترد في تلك النصوص.
السلام على الأرض لأهل الرضى
هي شكل جديد للعبارة "المجد لله في العلى والسلام على الأرض والرضى للبشر".
ربما هي الصيغة الأصلية
كل هذه النصوص تكونت في الإجتماعات الطقسية للجماعة البدئية
الحادث المتعلق بالرعاة هو من المعطيات التاريخية الأصلية
ويحمل مدلولاً معينًا.
داوود كان راعيًا من بيت لحم
قصة انتخابه تذكرنا بأنه كان يرعى قطيع والده في بيت لحم.
ما يعني أن يسوع المولود في بيت لحم بين رعاة هو الداوود الجديد المنحدر من رعاة بيت لحم.
فيكون راعي الرعاة
راعي إسرائيل
أناجيل الطفولة
لفظة مخلص في خطاب الملاك أدخلها لوقا ليوضح عبارة المسيح الرب الصعبة
فهذه اللفظة مالوفة في الأدب الديني الهليني
وهي تطبق على الله في العهدين القديم والجديد
تاريخية التص
لوقا يتصور إحصاء كل المعمور في زمن أغسطس ليرمز إلى السيطرة الرومانية على فلسطين
وهو تلميذ بولس المواطن الروماني المحرض على الطاعة للسلطات الرومانية ضد القوميين اليهود
تاتي قصة بيت لحم بين قصة يوحنا المعمدان وقصة يسوع فيسجل لوقا الإستمرارية بين بين يوحنا ويسوع
أناجيل الطفولة تمهد لفكرة إظهار زمن رسالة يسوع كوسط الازمنة بين زمن إسرائيل وزمن الكنيسة
أناجيل الطفولة
ما يميز لوقا أنه يشير إلى الطفل على أنه المخلص
عبارة ترد مرتين في أعمال الرسل
موضوع المخلص مرتبط بموضوع الظهور
لفظة مخلص في خطاب الملاك أدخلها لوقا لكي يوضح عبارة المسيح الرب الصعبة
في فاتحة النص صدور أمر عن القيصر أوغسطس بالإحصاء
عبارة ذات طابع تاريخي
لكنها تقريبية إذ ليس من إحصاء لكل المسكونة في عهد أغسطي بل على الأرجح دفع ضريبة الإحصاء كإحصاء عام.
قد يكون اسم يوسيفوس ورد خطأ
لوقا يعطي مرجعًا تاريخيًا خاصًا بالعالم الإغريقي اليوناني
ويعترف بالسيطرة الرومانية على فلسطين
يريد لوقا أن يحدد موقع يسوع ليس فقط بالنسبة إلى التاريخ اليهودي بل إلى التاريخ العام
يعطي لوقا لهذه القصة مكانة في إنجي لالطفولة بين قصة يوحنا وقصة يسوع
فيبرز الإستمرارية بينهما وسمو يسوع على يوحنا
أناجيل الطفولة تمهد وتظهر زمن رسالة يسوع كوسط الأزمنة بين زمن إسرائيل وزمن الكنيسة
هدف لوقا من اناجيل الطفولة إبراز حضور روح يسوع قبل إبراز انتقاله إلى الرسل في بقية الإنجيل وانتقاله إلى العالم أجمع في أعمال الرسل
رسالة التطويبات
التطويبات في حقيقتها صرخات ثورية، لا وسيلة تخدير للمحافظة على نظام اجتماعي غير عادل.
الإنجيل هو بشرى أعلنها يسوع، هي دعوة للسعادة والفرح.
هل وضعية المسيحيين وحياتهم اليوم تعلنها؟
أم أن المسيحية اليوم ديانة حزينة؟
التطويبات هي البشرى بأن الله آت ليحرر جميع التعساء من بؤسهم.
فهو لم يعد يتحمل أن يراكم فقراء. فجاء ليقيم ملكه.
لذلك لن تكونوا فقراء بعد اليوم
لم يعد الله يحتمل أن يرى أبناءه فقراء فجاء إليهم ليقيم ملكه بينهم ويحررهم من فقرهم. لذلك صرخ يسوع "طوبى للفقراء".
"طوبى للفقراء"، بشرى المسيح بأن الله آت ليقيم ملكوته.
التطويبات ليست أفيونًا لتخفيف عذاب الفقراء.
الطوبى في الإنجيل هي بشرى، إعلان عن سعادة.
ولكن أية سعادة ومتى تتحقق؟
أفي هذه الدنيا أم في الآخرة المرتقبة؟
التطويب عبارة عن تهنئة، ترد كثيرًا في الأناجيل.
هي ليست أمنية أو وعدًا.
بل أن تعاين السعادة وينادى بها.
الموجه إليهم التطويب في الإنجيل هم سعداء ساعة يُهنّأون.
تطويبات عظة الجبل تتكلم على أناس سعداء في الوقت الحاضر، أو سيصبحون سعداء يوم يعانون سوء المعاملات.
سعادة التطويبات تتنافى والآلام، وتستهدف كل من يُعد بائسًا.
سعادة تطويبات الجبل أعطت المسيحيين سعادة بثلاثة مفاهيم: مستقبل زاهر، شروط نابعة من واقع الحياة، أمنية تم تحقيقها.
في التطويبات، يتكلم يسوع على الناس السعداء، في وقت هم الآن يختبرون الألم والتعاسة.
هو أكثر من وعد بالسعادة. هو الرجاء المسيحي ببعده الإنساني.
والتطويبات أيضًا لها بعد مستقبلي.
التطويبة الثانية تعد الودعاء بوراثة الأرض.
والتطويبة السابعة تقول للساعين إلى السلام إنهم سيدعون أبناء الله.
الله سيجعلهم أبناءه في العالم الآتي.
في التطويبة الأولى يعد المسيح الفقراء بالملكوت.
السعادة التي تعد بها تطويبات المسيح ترتبط بوعد يقطعه الرب وبرجاء يعيشه الإنسان.
فعند تقاطع هذا التزاوج تتحقق سعادة الملكوت.
هي سعادة تلد من حاضر لتتمدد في المستقبل.
هو رجاء لا ينفصل عن حقيقة نحياها في الوقت الحاضر.
ثمة أناس في فقر مادي أو روحي، أو محرومون.
وثمة أناس يتعذبون ويضطهدون في سبيل إيمانهم
هؤلاء جميعًا المميزون بأحوالهم وأوضاعهم هم تربة صالحة وأرض مؤهلة أن تنمو فيها السعادة.
كما تتأصل في الحاضر وتنفتح على مستقبل ملكوت الله، هكذا ترتبط التطويبات أيضًا بماض معين. لحظة نادى بها الشخص الذي يكفل تحقيقها.
من هو القادر أن يقول للناس أين هي السعادة الحقيقية؟
إن المسيح الذي تنبأ به الأنبياء ووعدنا الله بمجيئه، وينتظره الناس لتغيير كل شيء في تاريخ البشرية وفي حياة كل منا.
الملكوت السماوي مع المسيح لم يعد موضوع انتظار ورجاء بل صار موضوع إيمان.
لم يعد مسكن ما بعد الموت، بل موطئ قدمي الأبرار وفاعلي السلام.
الفقر والحرمان والألم والوحدة والمرض، كلّها مسحها المسيح بالطهر والوداعة والمحبة والعدل والقداسة.
ليست تطويبات المسيح مجرد مثال أعلى، بل هي حقيقة تعكس اختبار يسوع في حياته البشرية للفقر والوداعة والإضطهاد والألم.
يسوع يتحدث في التطويبات عن سعادة تنبعث من رجاء يهبه عبر صليبه.
يقدّم لنا يسوع في التطويبات سعادة من اختبار يعيشه مع فقرنا وجوعنا وعطشنا وألمنا وموتنا.
وصلت إلينا تطويبات المسيح عن يد متى ولوقا.
يسوع يتحدث عن سعادة في التطويبات تعكس اختباره البشري الذي يدعونا إلى مشاطرته إياه.
يسوع يتكلم على سعادة هي سعادته الشخصية وفيها مكان للصليب تنبعث من رجاء يهبه بصليبه.
هي سعادة تكون على قدر إيماننا به.
ثمة اختلاف بين متى ولوقا في مسألة خطبى التطويبات:
خطبة متى طويلة نت ثلاثة فصول نسميها العظة على الجبل. وهي تشكل تجاوزا للشريعة اليهودية.
خطبة لوقا أقصر ونسميها خطبة في السهل. وهي تركز على محبة القريب.
الفرق في عدد التطويبات بين لوقا ومتى ملفت للنظر.
متى يذكر تسع تطويبات. أنا لوقا فثلاث يبعها بأحكام أربعة معاكسة: ويل للأغنياء وللشبّاع وللضاحكين وللذين يمدحهم الناس.
يختلف الداعي إلى السعادة بين متى ولوقا.
لوقا يتصور أوضاعًا شاقة بينما متى ينظر إلى مواقف باطنية وأحوال روحية.
هاتان السلسلتان من التطويبات مختلفتين لا تعبران عن أمر واحد.
ليست أقوال المسيح تحفًا يشاهدها الناس من وراء واجهة زجاجية، بل هي رسالة حياة، لا يفهم معناها الحقيقي إلا من يعيش في جوّها.
إن كان مجتمعنا يترك الفقراء المجردين من الحقوق، فما هو إلا مجتمع بجون حقوق.
وإن كان مجتمعنا يترك الفقراء بلا صوت، فما هو إلا مجتمع خال من الأنبياء، إذ ليس فيه من يسعى إلى إيقظ الضمائر النائمة.
وإن كان مجتمعنا يترك الفقراء بلا فرح، فما هو إلا مجتمع عاجز عن كتابة فصل جديد في تاريخه الخاص، إذ ليس هناك ما يوجّه إلى مستقبل أفضل.
من أعماق سجنه، أرسل يوحنا المعمدان إلى يسوع رسلاً يسألونه: أأنت الآتي أم ننتظر آخر؟
يوحنا يشعر ببعض الخيبة وهو الذي تنبأ بمجيء حاكم رهيب سينقي بيدره ويضرب بفأسه أصول الأشجار غير المثمرة ليقطعها ويحرقها.
دَعَا يُوحَنَّا ٱثنَينِ مِنْ تَلامِيذِهِ،
وَأَرْسَلَهُما إِلى الرَّبِّ يَقُول: "أَنْتَ هُوَ الآتِي، أَمْ نَنْتَظِرُ آخَر؟".
فَأَقْبَلَ الرَّجُلانِ إِلَيهِ وَقَالا: "يُوحَنَّا المَعْمَدانُ أَرْسَلَنا إِلَيْكَ قَائِلاً: أَنْتَ هُوَ الآتِي، أَمْ نَنْتَظِرُ آخَر؟".
في تِلْكَ السَّاعَة، شَفَى يَسُوعُ كَثِيرِينَ مِنْ أَمْرَاضٍ وَعاهَاتٍ وَأَرْوَاحٍ شِرِّيرَة، وَوَهَبَ البَصَرَ لِعُمْيانٍ كَثِيرِين.
ثُمَّ أَجابَ وقالَ لِلرَّجُلَين: "إِذْهَبَا وَأَخْبِرا يُوحَنَّا بِمَا رَأَيْتُما وَسَمِعْتُما: أَلعُمْيَانُ يُبْصِرُون، وَالعُرْجُ يَمْشُون، وَالبُرْصُ يَطْهُرُون، والصُّمُّ يَسْمَعُون، والمَوتَى يَقُومُون، والمَسَاكِينُ يُبَشَّرُون، وَطُوبَى لِمَنْ لا يَشُكُّ فِيَّ".
وٱنْصَرَفَ رَسولاَ يُوحَنَّا.
لقد أبدى يسوع علامات محسوسة فشفى مرضى جسديين وأحيا ميتًا وها هو يعطي معنى هذه الحركات،
أي أن ذلك إتمام للنوّات.
إذ استعمل في جوابه ما استعمله أشعيا من الألفاظ للتبشير بمجيء ملكوت الله.
يسوع نفسه هو الذي كان الناس ينتظرونه.
به تتحقق أقوال أشعيا في خلاص معد بوجه مميز للفقراء والبؤساء.
ثمة مطابقة بين يسوع وذاك الشخص الذي أشار إليه أشعيا النبي في قوله: "روح الرب عليّ، مسحني وأرسلني لأبشر الفقراء".
يفتتح يسوع خطبته بنص أشعيا في إنجيل لوقا في مجمع الناصرة
بعد أن قرأ إكتفى بالقول اليوم تمت هذه الآية بمسمع منكم
أراد يسوع بأعماله وأقواله أن يبشر الفقراء
يسوع يبين للجميع أنه بأقواله ومعجزاته يتمم الأقوال النبوية
أخذ يسوع موضوع البشارة وموضوع التبشير من القسم الثاني في سفر أشعيا
إن روح الرب علي لأنه مسحني وأرسلني لأبشر الفقراء...
تاريخيًا، حين وعظ تلاميذ أشعيا، كان الشعب قد ذاق ولا يزال مرارة الجلاء إلى بابل بعيدًا عن أرضه وقد فقد هيكله وملكه.
أراد الأنبياء أن يعيدوا الرجاء إلى الشعب فبشّروه بمجيء ملكوت الله.
كيف يرى الناس هذا الملكوت؟
أشعيا يفيدنا عن بعض علاماته: الأسرى يُخلى سبيلهم، والعرج يمشون مشيًا سويًا والمحزونون يعزّون، وبالإختصار، الفقراء يبشؤون.
يبشر النبي بمجيء الملكوت ويفيدنا عن علاماته.
أراد يسوع أن يبين هذه البشارة تمت به.
إنه يتمم العلامات
أي المعجزات لصالح العرج والعميان والموتى ...
ويعلن الفقراء يبشرون أو طوبى للفقراء.
يسوع يباشر مجيء ملكوت الله
الفقراء سعداء
ملكوت الله سيعمل لصالحهم.
مجيء الملكوت نهاية عذاباتهم.
المحزونون سيكونون سعداء لأن ملكوت الله سيأتيهم بالتعزية...
ربط التطويبات بالقسم الثاني من سفر أشعيا يؤدي إلى استنتاج الأمور التالية:
قد يكون في الأصل رواية للتطويبات سابقة لروايتي متى ولوقا اللذين كتباها بأسلوب متجدد.
على الأرجح إن تطويبات لوقا الثلاث هي الأولى وما يقابلها في متى جزء منها:
طوبى للفقراء فإن لهم ملكوت الله أو ملكوت السماوات.
طوبى للجياع فإنهم يشبعون
طوبى للمحزونين فإنهم يعزّون.
مجموعة الفقراء لا تختلف في الواقع عن الجياع.
الكلام هنا عن بؤساء لا يملكون حتى الكفاف الضروري لعيشهم أو عن أناس أصيبوا في صميم تطلعاتهم.
لأولئك البؤساء يصرح يسوع بأنهم سعداء.
السعادة يحصلون عليها نتيجة مجيء ملكوت الله.
يريد الله بعزمه على إنشاء ملكوته أن يظهر اهتمامه بالمتألمين والبؤساء.
يريد أن يوفر لهم السعادة التي حرموا منها ليجعل من ملكوته تجسيد رحمته للبؤساء.
الله مل أن يرى الفقراء يتألمون لأنه قرر أن يبرهن لهم أنه يحبهم.
إله الفقراء
يسوع يكشف وجه إله الفقراء، وجه الملك الذي يضع قدرته في خدمة المحرومين
ترد كلمة فقير 26 مرة في الأناجيل.
20 مرة ترد بمعنى المعوزين الذين يعجزون عن الحصول بأنفسهم على لقمة العيش ويتكلون على حسنة الآخرين، وبالتالي يجب التصدق عليهم.
مثلما قال يسوع للشاب الغني: إذهب وبع أموالك واعطها للفقراء.
بقيت ست حالات يصور فبها الفقراء بصورة الذين توجه إليهم تلك البشرى التي بشر بها سفر أشعيا.
لا يُذكر الفقراء وحدهم بل يذكر إلى جانبهم بؤساء آخرون.
في خطبة مجمع الناصرة في إنجيل لوقا وفي جواب يسوع إلى رسل يوحنا في إنجيل متى وفي إنجيل لوقا يرد ذكر الفقراء إلى جانب الأسرى والعميان والسقماء والمظلومين.
وفي تطويبات لوقا يذكر الفقراء إلى جانب الجياع والباكين والمضطهدين.
في تطويبات متى يدور الكلام على فقراء الروح.
كلمة فقر حين تخلو من توضيح متى تدل دائمًا في الأناجيل على المعوزين والبؤساء وهم المبشرون بأنهم سعداء خلافًا للرأي العام.
الخلاص لا يرتبط بحالة اجتماعية أو اقتصادية.
الفقر الذي يتكلم عليه يسوع هو قبل كل شيء انفتاح على الله وموقف روحي.
السعيد في نظر يسوع ليس الفقير كمعوز بل الفقير الذي يضع ثقته بالله، الفقير المنفتح على الله بالثقة والإيمان.
ليس الفقر مثالا أعلى بل هو شر لا بد من مكافحته
لا مثال أعلى إلا المحبة
في الجماعة الأولى يجعلون جميع أموالهم مشتركة
لا يعني ذلك أن كل واحد يتخلى عما يملكه بل يضع جميع أمواله بتصرف صديقه.
لم يكن فيهم محتاج بفعل المحبة
هذا الاشتراك في الأموال تعبير عن اتحاد أعمق هو نتيجة تكون جماعة واحدة متضامنة.
الفقراء سعداء لأنهم يرثون ملكوت الله.
يسوع لم يحدد ملكوت الله ولا مرة واحدة.
إن ملكوت الله هو ما يجري حين يتجلى الله تجليًا تامًا كملك.
يظهر الله أنه ملك بتدخله في التاريخ وقيامه بعمل من الأعمال وبتصرفه كملك صالح.
من واجبات الملك في الشرق تأمين حرية شعبه تجاه الشعوب الغريبة التي تهدد كيانه.
من واجبات الملك أن يمارس رسالته التحررية في داخل شعبه.
عليه أن يؤمن العدل لرعاياه.
أعلن يسوع أن الله عزم على إنشاء ملكوته وسيكشف عن قدرته الملكية وسيستفيد من واقع الحال الجديد المظلومون والمسحوقون والفقراء الصغار، فيسعدون.
رجاء رائع ينفتح أمام الفقراء.
المسيحية هي البشرى المرتقبة.
يمتاز إله يسوع عن سواه من الآلهة بعطفه الخاص على أفقر الناس وأضعفهم وأصغرهم وأشدهم عوزًا.
إله يؤيد الفقراء والضعفاء ويقف إلى جانبهم.
نحن المسيحيون لا يمكننا أن نقف إلى جانب الله دون أن نكون إلى جانب أشد الناس عوزًا
مضطهدون من أجل المسيح
طوبى لكم إذا شتموكم واضطهدوكم وافتروا عليكم كل كذب من أجلي (متى)
طوبى لكم إذا أبغضكم الناس ورذلوكم وشتموا اسمكم ونبذوه على أنه عار، من أجل ابن الإنسان (لوقا)
الكلام يدور حول أناس يتعذبون عذابًا هو إهانة واحتقار لعدل الله.
هذه التطويبة موجهة إلى المستقبل وتنبئ أناسًا لم يذوقوا الإضطهاد لكنهم يتوقعون معاناته.
وهي موجهة إلى أناس يوعَدون ليس فقط بالسعادة في الملكوت بل بمكافأة خاصة في هذا الملكوت.
التطويبة الأخيرة تفترض وجود الكنيسة المسيحية في وضع اضطهاد من أجل إيمانها، من اجل المسيح.
من شأن الإضطهاد أن يسر المسيحيين ويعود إليهم بمكافأة خاصة، لأنهم يعانونه من اجل المسيح.
التطويبات الأولى لاهوتية مركّزة على الله
التطويبة الأخيرة مسيحانية مركزة على يسوع الذي من أجله يعاني المسيحي العذاب.
في التطويبات الثلاث الأولى يعلن يسوع البشرى التي أنبئ بها في أشعيا.
تضمنت التطويبات الثلاث الأولى شخص يسوع ورسالته لكن هذا الأمر لا يتوضح ولا يحتل مكان الصدارة إلا في التطويبة الأخيرة.
معاناة الإضطهاد من أجل المسيح هي للتلاميذ مدعاة سرور ينالونه عند الدينونة.
التطويبة الأخيرة تتضمن تعليمًا هامًا هو أن يسوع سيقول عند الدينونة قولاً نهائيًا.
يسوع هم الذي سيبت في أمر القبول في الملكون وفي المكان المخصص لكل واحد.
التلاميذ سيتألمون من أجله
هذا الألم يولّد روابط تضامن خاصة بينه وبين المكلف بدينونتهم.
الألم المُعانى من أجل المسيح مدعاة سرور عند المسيحي
هذا الألم يزيد في توثيق عرى التضامن مع ذلك الذي يُناط به الخلاص في اليوم الأخير.
ثمة حكمة من حكم المسيح وردت ست مرات في الأناجيل في صيغتين مختلفتين.
بصيغتها الأبسط وردت عند لوقا ويوحنا:
/ن أراد أن يحفظ حياته يفقدها ومن فقد حياته يخلّصها.
من أحب حياته فقدها، ومن رغب عنها في هذا العالم حفظها للحياة الأبدية.
متى يعرضها بصيغة أخرى:
من حفظ حياته يفقدها، ومن فقد حياته في سبيلي يحفظها.
أما الذي يفقد حياته في سبيلي فإنه يجدخا.
لأجل اسمي
المسيحيون الأولون يشددون على الغاية المسيحانية: من أجل يسوع يتألم الإنسان.
القديس بولس تعمق في المبدأ الذي يقيمه الألم بين المسيحي وهذا الألم عربون سعادة أبدية.
أنعم الله عليكم بأن تتألموا من أجل المسيح لا أن تؤمنوا به فحسب. (فل 1: 29)
يرى الإيمان بالمسيح عربون خلاص فكم بالحري التألم من أجله؟
ثمة نصوص لا يقصر الكلام فيها على التألم في سبيل المسيح بل معه.
كذلك بطرس في رسالته
هذه الخواطر في معنى العذاب تفترض وجود الحدث الفصحي.
في ضوء الفصح التألم لا من أجل المسيح فقط ولا بسبب المسيح فقط بل مع المسيح أيضًا بالاشتراك في آلام صليبه بما أنها في نظره هي السبيل إلى القيامة.
هذه المشاركة في آلام المصلوب سبب خلاص وسبب فرح لأنها عربون مشاركة في قيامته.
معنى التطويبات اللاهوتي يضفي عليها مغزاها المسيحاني الحقيقي أي أنها تفيدنا عن المسيح.
يسوع ليس مجرد معلم أخلاق بل هو المنادي ببشارة الخلاص التي وهبها الله.
لا يقتصر إعلانه البشرى بكلامه بل يدعمها بتصرفه نحو الفقراء والصغار والمرضى والمحرومين والخاطئين.
لا يمكن فصل كلام يسوع عن أعماله.
خدمة يسوع الرسولية محصورة في ظهور ملكوت الله أولاً ليساعد الناس على الشعور بطبيعة ملك الله الحقيقية
هو ملك لا يراد به السيطرة بل الخلاص خلاص أشقى الناس أولاً ومجانًا
أولئك الذين يرزحون أكثر من غيرهم تحت ثقل عواقب الخطيئة.
التطويبة الأخيرة لها طابع التعليم المسيحي
الآلام التي يعانيها المضطهدون تُنزل بهم من أجل المسيح.
خلافًا للتطويبات السابقة ليست التطويبة الأخيرة إعلانًا لتدخل الله القريب لإقامة ملكوته لأجل المتألمين بل تؤكد للمسيحيين المضطهدين على ما تدخره لهم الدينونة من مكافأة عادلة لا تأكيد على عدل ملكي يمارسه الله لصالح المحرومين.
المكافأة الموعود بها المضطهدون تجد علة وجودها لا في ما سيعانون من العذابات بل في كونهم يتعذبون من أجل المسيح.
هي ترتبط بالدور العائد للمسيح في الحصول على الخلاص.
تدعونا التطويبة الأخيرة ضمنًا إلى الإخلاص لمسيح مهما بلغ الثمن.
التطويبات بحسب لوقا
يتبع التطويبات ما يسمى باللعنات.
طوبى لكم
كل التطويبات بحسب لوقا في صيغة المخاطب
مرتين يضيف عليها الظرف الآن
أيها الجائعون الآن... أيها الباكون الآن...
هي تطويبات موجهة إلى مسيحيين
يسوع يوجه كلامه مباشرة إلى الفقراء والباكين
أما التطويبة الأخيرة فلا فرق فيها بين لوقا ومتى إذ كلاهما يوجهانها مباشرة إلى المضطهدين.
التطويبات بحسب لوقا موجهة إلى مسيحيين مباشرة هم فقراء وبؤساء ومضطهدين.
بالنسبة إلى متى المستمعون فئتان: التلاميذ والجموع.
أما عند لوقا فبالإضافة إلى الإثنين عشر، هناك التلاميذ الآخرون وجمهور أتوا من كل مكان.
لوقا بنقله التطويبات يفكر في ظروف حياة مسيحيي عصره.
2 – الآن
يضاف الظرف الآن مرتين في التطويبات ومرتين في عكسها
لوقا لم يذكر سعادة الذين يضطهدون الآن لأن الإضطهادات ستكون في المستقبل.
إن آنية إشباع الجياع قد أتت لأن يسوع هو حاضر الآن كذلك الفقراء لهم ملكوت الله الآن.
ما يعني أن الفقراء كانوا فقراء حتى اليوموقد حان وقت تعزيتهم
هذا في متى
أما لوقا فإن كلمة الآن تناقض المستقبل الذي سيأتي في قوت غير معروف وسيتحقق الخلاص في هذا المستقبل
إن آنية يسوع هي منذ اليوم آنية خلاص عند متى
أما عند لوقا الآنية لا تزال آنية الإمتحان المستمر. إنها آنية خلاص لم يأت بل يبقى وعدًا ينفذ في وقت لاحق.
ما هو "ألبَعد"؟
ما هو الوقت اللاحق الذي يحيلنا إليه لوقا؟
إما يوم مجيء المسيح الثاني وإما يوم موت كل واحد منا.
والأغلب هو الخيار الثاني لتأثّر لوقا بالثقافة اليونانية ووجهة النظر الفردية.
الآنية عند لوقا هي صفة الحياة الحاضرة خلافًا لما سيكون الأمر لكل واحد بعد موته.
لوقا يقول المسيح سيتألم أما عن المسيحيين فيكتب يجب أن نجتاز مضائق كثيرةويقصد بها المحنة الكبرى التي ستسبق آخر الأزمنة.
إنها محن الحياة اليومية
والاضطهاد نوع من المحن
فليحمل صليبه كل يوم
عبارة كل يوم تلقي الضوء على آنية التطويبات.
"أليل لكم"
بموازاة التطويبات الاربع طوبي لكم أضاف لوقا اربع مرات الويل لكم
ثلاثة أول تتشابه ورابعة تختلف عنها جميعًا
من هم أصحابا لويلات
هم ليسوا المسيحيون المتجمعون حول المسيح ولو أن الصيغة موجهة لهم
المسيح يتوجه بالويل إلى الأغنياء
والشباع والضاحكين
كلمة لكن تدل على الإنتقال من الحديث مع المسيحيين إلى الحديث الموجه لهؤلاء الأغنياء والشباع والضاحكين
المسيح لم يستهدف بالويل من هم حوله ولو استعمل كلمة أنتم
بل يتوجه إلى أناس غائبين
هو يتوجه إلى الأغنياء إجمالاً
يعد الغنى ويلاً هائلاً يجب الإحتراس منه كما في مثل إليعازر والفقير
ثلاثة مواضيع رئيسة نستخلصها حول الغنى مع لوقا
الغنى يمنع الإنسان من النظر إلى أبعد من الحياة الحاضرة فلا يعرف مصلحته الحقيقية
والغنى يطوى الإنسان على نفسه ويمنعه من التفكير في غيره
والغنى يحتل في قلب الإنسان مكانًا يعود إلى الله وحده فيصبح الغنى نوعًا من الوثن.
ما هي الخيرات الحقيقية؟
الغني إن سيطرت على تفكيره خيرات يمكن أن تفلت منه فيعجز عن إدراك مصلحته الحقيقية.
لوقا يدعو إلى عدم الخوف من الإضطهادات ويعدد الخيرات الزمنية وكيف يمكن ان تستأثر بقلب الغنسان.
يسوع رفض الدخول في التحكيم في خصام حول ميراث بين إنسان وأخيه.
بل حذر من كل طمع.
والحياة لا تأتي من المال.
ثم أعطى مثل الغني الجاهل الذي فاجأه الموت.
من ثم يسوع يدعو إلى عدم الإهتمام بالطعام واللباس.
ويدعو إلى التخلي عن الاموال واكتناز كنوز في السماوات لا تنفد
حيث يكون كنزكم يكون قلبكم.
الغني بالنسبة للوقا يعجز عن التطلع إلى ما وراء الحياة الحاضرة إلى الحياة الأبدية.
ويشجع الاغنياء على الإنعام على الفقراء بما يملكون.
التطويبات بحسب القديس متى هي برنامج حياة مسيحية.
تعلمنا من هو سعيد وتعلمنا أيضًا ما العمل للحصول على هذه السعادة.
في متى تسع تطويبات.
في الواقع هناك ثلاث نهتدي إليها بسهوة الخامسة هي تطويبة الرحماء والسادسة تطويبة أطهار القلوب والسابعة تطويبة الساعين إلى السلام.
هذه التطويبات الثلاث لا مقابل لها في إنجيل لوقا
بقيت تطويبتان ليستا جديدتين بل هما تكرار لتطويبات أخرى.
الثامنة هي طوبى للمضطهدين على البر فإن لهم ملكوت السماوات
هي تكرار للتاسعة لتطويبة المضطهدين من أجل يسوع.
وفيها توضيح غير وارد عند لوقا
طوبى لكم إذا افتروا عليكم كل كذب من اجلي
التطويبات الثمانية الاولى قصيرة تكون وحدة كاملة تنقسم بسهولة إلى فئتين كل فئة مؤلفة من اربع تطويبات.
نحن أمام مجموعة من ثماني تطويبات تنقسم إلى مقطعين ثم هناك تطويبة تاسعة تمهد للوصايا المقدمة مباشرة والتي توضح دور التلاميذ أمام العالم.
طوبى لفقراء الروح وللودعاء
تطويبتان أوليتان في إنجيل متى
فقراء الروح والودعاء
الودعاء كلمة مأخوذة من المزمور 37.
مزمور يهدف إلى طمأنة النفوس الوعرة
يقول المزمور إن سعادة الكفار لا تدوم أبدًا ولا عذابات الأبرار.
هي حكمة قصيرة المدى لها بعد آخر حين يسود الإيمان بحياة بعد الموت.
يطلب المزمور من النفوس الورعة أن لا يفقدوا صبرهم ولا يغضبوا ولا يتمردوا بل يلزمون الصمت أمام الرب وينتظرونه بصبر.
ححح
بولس
يستعمل بولس كلمة كشف لا كلمة اهتداء.
لقاؤه بالمسيح إنما هو كشف صادر عن اختيار الله بحرية.
إنكشف لبولس معنى الصليب العميق كمصدر محبة الله الفائقة وغظهار فائق قدرته.
خلاص لا تستطيع أن تعطيه شريعة موسى.
ولد اهتداؤه على طريق دمشق نعمة البشارة
لقد أصبح بولس مؤمنًا ورسولاً بفضل مبادرة الله المجانية.
بولس كائن ، رسول الأمم عند البعض ومخترع المسيحية عند البعض الآخر وبالتالي مرتد.
أمام شخصيته لا يمكنك أن تبقى غير منحاز.
أخذ موقفًا من الشريعة والحرية المسيحية والسلطات المدنية والرق والزواج والمرأة...
خدمة بولس ترتسم في ثلاثة فصول:
ثمة لقاء بينه وبين القائم من بين الأموات أثر في حياته.
ما هو الغنجيل الذي أعلنه بولس؟
لماذا قام بنشاط رسولي وعمل يدوي معًا؟
كيف عاش الإخفاقات والمحن التي رافقت رسالته؟
بولس جسد شخصية الراعي. مارس سلطة رئاسة على الجماعات التي أسسها.
كان مستبدًا أحيانًا ملحًا في دعوته إلى الإقتداء به.
كيف كانت علاقاته بمن يعاونه؟
هذه الجماعات التي أسسها بولس بماذا تميزت؟
كيف مارس المسؤولون فيها مهامهم؟
أمام الأسئلة والمواقف الراعوية كيف تصرف بولس؟ ما هي أفكاره اللاهوتية؟
كيف نظر إلى الموت وتطبيق الشريعة والحرية والخلاص؟
كيف كانت علاقته بتلاميذ المسيح؟
ما كانت مواقفه أمام الأسئلة المطروحة في تلك المرحلة أمام الكنيسة؟
ثلاث عشرة رسالة منسوبة إليه.
سبع منها هي منه بدون شك.
الرسالة ألأولى إلى أهل تسالونيقي والرسالتان إلى القورنثيين والرسائل إلى أهلل غلاطيا وفيليبي وروما وفيليمون.
ثمة جدل في ست رسائل أخرى هي الرسالة الثانية إلى أهل تسالونيكي والرسالة إلى مسيحيي قولوسي والرسالة إلى أهل أفسس والرسالتان إلى تيموطاوس والرسالة إلى تيطس.
إذ ثمة اختلافات في الأسلوب والمفردات والأصول التاريخية والفكر اللاهوتي.
كثيرون رأوا أنها من إلهام بولسي.
يمكن لبولس أن يكون قد كتب رسائل أخرى فقدت منها مثلاً أربع رسائل إلى جماعة كورنتوس.
تنتمي رسائل بولس عمومًا إلى العالمين الهيليني والروماني.
هي كتابات ظرفية موجهة إلى أشخاص معروفين وترد على مسكلات واقعية.
هي ليست مؤلفات لاهوتية بل وثائق رعائية.
أما الرسالة إلى أهل روما فقد كتبت لتحضير سفر بولس إلى روما.
في رواية منحولة من القرن الثاني وصف لبولس
رجل قصير القامة أصلع رجلاه مقوستان في صحة جيدة
حاجباه معقودان أنفه معقوف قليلاً مملوء عطفًا.
ربما هو وصف هزلي إلا أن هذا الكاتب يضيف عن بولس كان له أحيانًا مظهر رجل وأحيانًا وجه ملاك.
هذا ما ورد في أعمال بولس وتقلا.
ربما هذا هو سر بولس كله.
أسلوب بولس الكتابي الادبي يجمع بين الرسالة والخطاب.
هي ذات توجه خاص وشخصي وهي أيضًا تعتمد أسلوب أرسطو وشيشرون وسينيك.
معدة للقراءة أمام جمهور
وهي أيضًا تقدم أخبارًا شخصية عن الرسول فتعلم عن تحركاته.
وهي تجيب عن مشكلات واقعية لدى الجماعة فتشجعها على العيش بطريقة تتوافق والإيمان الذي تعلنه.
لقاء المسيح على طريق دمشق قلب حياة بولس الذي اكتشف خلاله المسيح الذي اضطهده فكرس نفسه له، للإله الحقيقي الذي طالما بحث عنه.
عندما رأى أن الرب أحبه وخلصه بعد اضطهاده إياه اختبر نعمة الله.
إحدى الرسائل إلى تيموطاوس المسماة رعائية المكتوبة في نهاية القون الاول تذكر الإعجاب بهذه النعمة التي نالها.
تعلق بولس بشخص المسيح وتغير جذريًا في حياته وشخصه.
كان فريسيًا متحمسًا مضطهدًا الإيمان المسيحي.
تخلى عن قناعاته بعد أن استولى عليه المسيح.
فلا شيء آخر بعد الآن له اهمية عنده.
صارت معرفة يسوع المسيح المائت والقائم من الاموات هي قمة المعرفة وهي الخلاص الأكيد.
فشريعة موسى لم تعد برأيه تحتل المرتبة الأولى ولم تعد المرجع الاول.
إن الله بإقامة يسوع من بين الأموات أبطل ممارسة الشريعة
الله الذي اختبره على طريق دمشق لم يعد إله الشريعة بل إله مصلوب.
إنقلاب أنار فهم بولس الصليب كواحد من أعظم مصادر الوحي الإلهي وفهمه نور الصليب كقدرة الله تظهر في أقصى حدود الضعف. وفهم أن الله ليس مستبدًا ومنفردًا. بل مؤازرًا كل كائن بشري بمعزل عن استحقاقاته وخطيئته وانتمائه وجنسه ودوره في المجتمع وفي الجماعة الدينية.
فنشط بولس في العمل التبشيري وفي العمل اليدوي ليواجه الفشل والمحن المرتبطة برسالته.
إعتبر بولس أن لقاءه المسيح على طريق دمشق هو الحدث الأساسي من بين كل أحداث حياته المتقلبة.
كان يعود إليه دومًا ويعتبره نواة حياته وتجربته الروحية وفكره اللاهوتي.
كان بولس كثير التكتم على الظروف المحددة لقاء المسيح.
لم يذكر أبدًا الرواية إلا في الرسالة الوحيدة إلى غلاطية في السنة 56 أو 57.
كتب لهم بسبب تخليهم عن الغنجيل الذي بشرهم به وعودتهم إلى ممارساتهم السابقة.
فروى كيف تحول على طريق دمشق من فريسي مضطهد الكنيسة إلى تلميذ المسيح.
عاش بولس انقلابًا كاملاً بلقائه القائم من بين الأموات على طريق دمشق
صارت أولويته قبول هبة الله ودعوته المجانية والإنتقال من اهتماماته على حساب اهتماماته الخاصة واستحقاقاته الشخصية وعائلته وثقافته
إنتقل من إله يريد الإمساك به وامتلاكه إلى نور إله إستحوذ عليه.
إله يفوق كل ما عرفه في اليهودية وتصوره
إله كان يضطهده يدعوه اليوم ليكون رسول انه.
صارت حياة بولس موجهة نحو السعي إلى من تقدمه إلى يسوع المسيح.
لم يكف عن التبشير وخدمة المسيح
فالمسيح قبض عليه وجد نفسه يتخلى عن ذاته في المحبة التي منحه المسيح إياها
نادرًا ما يعتمد بولس على حياة يسوع ورسالته باستثناء تقاليد عشاء يسوع الاخير والصلب والقيامة
هو يذكر كلامًا لا نجده في الإنجيل أحيانًا
يخص العلاقة بين قيامة الموتى ومجيء الرببولس قليل الإهتمام ظاهريًا بحياة يسوع
لم يذكر التطويبات او بعض الأمثال أو تأكيدات يسوع عن نفسه أو روايات الآلام.
بولس اختبر في لقائه المسيح قوة الغنجيل وقدرة الله على تجديد كل شيء بابنه المصلوب والقائم من بين الأموات
فركز في تبشيره على الخلاص الذي تم بالمسيح يسوع وآنيته لكل الناس.
إكتشف بولس على طريق دمشق من خلال المسيح الذي اضطهده وظهر له وجه الإله الحقيقي الذي بحث عنه دومًا
تغيرت علاقته بالشريعة وبالأعمال وبالموت وبالخطيئة.
وصار يبشر بالإنجيل.
إنجيل الله أو إنجيل المسيح أو إنجيل ربنا يسوع المسيح أو إنجيله.
هذه التعابير استخدمها بولس وكلها تعني حدثًا واحدًا يسوع المسيح الذي مات وقام من بين الاموات.
تلقى هذه الشهادة مباشرة من المسيح واختبره بتاريخه الشخصي فتكلم على إنجيله الخاص به لأنه اختبر حقيقة الإنجيل كقوة محبة الله الخلاصية أمام تجديفه وعنفه تعرّف على إله محبوب ومخلص ومحرر.
هذا هو إنجيل بولس
إنجيل أرسه المسيح كي يبشر به وقد خصّه بهذا التبشير فدافع بولس بشراسة عنه ضد اناجيل لا تتوافق وإيمان الرسل.
هو يبشر بإنجيل واحد ويعلن حدثًا واحدا:
يسوع المسيح الذي مات وقام من بين الاموات
تلقى بولس الإنجيل بشكل خاص جدًا من المسيح نفسه واختبره في تاريخه الشخصي فتمكن من الكلام على إنجيله الخاص به
على طريق دمشق وأثناء خدمته أيضًا إختبر حقيقة الإنجيل كقوة محبة الله الخلاصية
وجد نفسه محبوبًا ومخلصًا من الذي يضطهده
إختبر محبة الله
المحبة التي تحرر وتخلص
هذا هو الإنجيل الذي أرسله المسيح كي يبشر به
فدافع عنه بشراسة ضد الذين في خيانتهم عمل المسيح الخلاصي أعلنوا أناجيل لا تتوافق وإيمان الرسل.
عندما كتب بولس إلى الكورنثيين في السنوات 54 و56 إنجيلاً ونقله لهم كي يحفظوه، إستعمل مفردات إستعارها من التقليد الرباني
لقد نقل الإنجيل بأقصى أمانة ممكنة
قد يكون تلقى هذا الإنجيل في أنطاكيا او منذ دخوله في الكنيسة المحلية في دمشق حيث تعمد كما ورد في أعمال الرسل.
أو عند مروره الأول في اورشليم حيث التقى بطرس كما يذكر في غلاطيا
عمومًا لم تنقض إلا سنوات قليلة بين موت المسيح وقيامته وبين قبول هذا الإنجيل الذي هو أساس الإيمان المسيحي وهو أن المسيح مات من أجل خطاياناكما ورد في الكتب وأنه قبر وقام في اليوم الثالث كما ورد في الكتب وأنه تراءى لصخر فالإثني عشر حتى تراءى لي آخر الأمر أيضًا أنا السقط (1 قور 15: 3 – 8)
في أواخر القرن الثاني نسب إيريناوس أحد الاناجيل الأربعة وتميز بأنه الوحيد الذي استتبع بكتاب ثان هو سفر أعمال الرسل يبين فيه أن تلاميذ يسوع فهموا وواصلوا عمله وكلامه
ينتمي إنجيل لوقا إلى العالم الهلنستي
هذا العالم اليوناني الذي أراد لوقا أن يعرفه بيسوع وبرسالة تلاميذه مثل بولس
إنجيل لوقا يشهد على انتقال الإنجيل من العالم الفلسطيني إلى العالم الهلنستي
يتميز أيضًا إنجيل لوقا بلغة كثيرة التنوع طابعها الأقوى يوناني
لكنه أيضًا سامي الطابع لاسيما لجهة أقوال يسوع
واستخدم لوقا لغة الكتاب المقدس اليوناني في غنجيل الطفولة
إن لوقا رجل مثقف وفنان وأمين لكلام المسيح وحياته
ويضيف بعض المقدمات والخاتمات إلى الروايات والمعجزات والأمثال عكس متى ومرقس
وهو يبتكر في صياغة إنجيله الإجمالية
ينقل مشاهد عدة من موضعها إلى مكان آخر يراه أكثر تعبيرًا
ينفرد عن الأناجيل الأربعة بمقدمة يشرح فيها عمله وطريقته
كذلك في أعمال الرسل مقدمة
ويستند لوقا إلى تقليد شهود عيان في طليعتهم الرسل
ويهدي كتابه إلى تاوفيلوس مثل المؤلفات الهلنستية
وهو يقصد به جمهورًا كبيرًا
هو العالم اليوناني
هو مؤرخ من مؤرخي ذلك الزمان
تاريخه ينطوي على ميزة خاصة فيها يتدخل الله
بولس:
المسيح مات لأجل خطايانا كما جاء في الكتب
يظهر في الإنجيل حدث محدد تاريخيًا هو موت المسيح
يشار إليه بالدفن
إلا أنه أيضًا هو قيمة خلاصية
المسيح مات لأجل خطايانا
هذا الموت يدخل في مخطط الله كما تؤكده الكتب
غاص بولس على معنى سر الصليب في رسائل عدة
هو حماقة في عيون الناس وحكمة في نظر الرب
هو يكشف مدى تواضع ابن الله وطاعته
لقد هدم الله في المصلوب حدود الحكمة والقدرة البشريتين
الصليب أفسح الطريق إلى فهم الله فهمًا جديدًا
وأفسح المجال لجميع الأمم لمعرفة الله
إنه علامة انتصار المسيح على الخطيئة والموت
عنصر الإنجيل الأاسي الثاني الذي قبله بولس هو القيامة
الذي مات على الصليب قام من بين الاموات وظهر لبطرس وللإثني عشر وللآخرين
هذا التأكيد هو من أسس قانون الإيمان
والإشارة غلى اليوم الثالث عودة إلى الكتب
هو تغلب المسيح على الخطيئة والموت وتاكيد على المجيء في آخر الأزمنة وافتتاح عالم جديد يكون النصر فيه للحياة
يدخل المسيح القائم من بين الاموات المعمدين في حياة لا نهاية لها
بولس هو المبشر بإنجيل واحد وحيد يقوم على أحداث موت المسيح وقيامته
بشرى الخلاص في التحرر من الخطيئة ومن الشريعة ومن الموت
هذه هي قدرة الله الكاملة من خلال موت المصلوب
يقول بولس إن المسيح لم يرسلني لأعمد بل لأبشر
والدعوة إلى الدخول في محبة المسيح وتواضعه في تقبل عمله الخلاصي وقدرة قيامته
إنجيل لوقا
أهم مواضيع الإنجيل
هدف لوقا نقل التقليد الرسولي إلى قرائه وتعريفهم بالحدث الخاص بيسوع
له طريقته الخاصة في عيش تلك الكلمة وفهمها والتعبير عنها
بتاثير من طبعه ومحيطه وخبرتهيختار مواده ويصوغها
في إنجيله علامات مميزة
الموضوع الرئيس كما في باقي الأناجيل عمل يسوع وشخصه
الفارق الإبتكاري عند لوقا في العرض الذي يقوم به فيظهر عمل يسوع وشخصه على مراحل
1 – في إنباءات العهد القديم
2 – في حياة يسوع على الأرض حيث نشعر بتحقيق تلك الإنباءات
3 – في الفترة الزمنية التي تبدأ في الفصح حين تصرف يسوع بصفته ربًا بالروح
هذه المراحل الثلاث تقابلها ثلاثة أطوار متتالية عند شعب الله
إسرائيل القديم حامل المواعد، فريق المؤمنين الذين يلبون دعوة يسوع ويجتمعون حوله، الكنيسة التي يدعو الرسل إليها ابتداء من العنصرة حتى أقاصي المعمور مع انفصال بين اليهود والوثنيين.
وأولى لوقا اهتمامًا خاصًا لدخول الوثنيين في شعب الله.
لوقا يستعمل مفردات مبتكرة لا يستعملها مرقص ومتى
يسمي يسوع ربًا والمخلص وفيه الخلاص
ينظر إلى أحداث روايته من وجهة نظر تاريخ خلاص الشعب الإسرائيلي
لكنه يهتم للأشخاص أيضًا لرجالات العهد القديم كرموز مثالية وصور سابقة للمسيح وللرسل ولحملة الكلمة مؤسسي الكنيسة وللوضعاء والفقراء والهامشيين والنساء
تقوم مريم عند لوقا بدور طليعي في إنجيل الطفولة وتظهر ظهورًا متواضعًا
يصف حياة التلميذ بالتحول الباطني وبالمحبة الأخوية والصلاة والزهد
إنجيل لوقا أكثر ألأناجيل إبرازًا للمراحل المتعاقبة التي مر بها تاريخ الخلاص
من العهد القديم فزمن يسوع إلى زمن الكنيسة فالتحقيق الأخيري في النهاية
وهو أيضًا أشد الأناجيل إعلانًا لآنية الخلاص
جـان وديع ملحــه
أسدلت الحرب العالمية الأولى ستارها، قبيل ولادة جان ملحه بسنتين. فإذا بعينيه تبصران النور على زمن الانتداب الفرنسي، وفي لحظة تاريخية تتحول فيها البلاد إلى لبنان الكبير قبل أن ترتدي ثوب الجمهورية اللبنانية وهي الأولى في الشرق الأوسط والعالم العربي. إلا أنّه كان بعيدًا كل البعد عن تلك التحولات السياسية التي واكبها لبنان في مرحلة طفولته.
لقدّ ترعرع في قلب كسروان، في بلدة عينطورة، حيث الإرسالية الفرنسية نجحت في تأسيس محطة تتسلل من خلالها الثقافة الأوروبية بطابعها الكاثوليكي وردائها الفرنسي إلى المجتمع اللبناني لا سيما الكسرواني المتجذر بطابعه الماروني.
في هذه الآفاق نشأ تلميذًا منضبطًا تنقل في العشرينيات بين عينطورة وذوق مكايل وبيروت العاصمة، متلقيًا دراسته الابتدائية والتكميلية والثانوية على مقاعد مدرسة عينطورة أولاً ثم مدرسة الحكمة ثانيًا فمدرسة عينطورة مجددًا، حيث التحق بها تلميذًا داخليًا تابع دراسته حتى النهاية.
معهد الحكمة في بيروت، وإن كان محطة لم تدم طويلاُ في الزمن، إلاّ أنّها أعطته هي الأخرى من منجم عطاءاتها الوطنية والإنسانية والتعليمية، حيث أمدّته بمزيد من تلاوين النجاح والتقدم العلمي، إضافة إلى تجربة هامة في التواصل مع شريكه في الوطن وهو احتكاكه الأول معه، وفي زمن كانت تترسّخ فيه أساسات الصرح اللبناني المتكامل.
أما معهد عينطورة الذي انطلق منه، وعاد إليه، فقد ربطته علاقة خاصة به لا تزال تنفح في داخله حنينًا ودفئًا وسلامًا.
المدراء الذين تولّوا الإشراف على تنشئته، الأساتذة الذين تلقى على أيديهم المبادئ، الصرح العريق الذي نشأ في أحضانه وقد حفظ خلاياه خلية خلية ونسج في حناياه أطيب الذكريات وألطف الأوقات.
عينطورة بعراقتها، بخصوصيتها التاريخية والحضارية. عينطورة برونق جماليتها، بموقعها الريادي في الوجدان اللبناني. عينطورة مدرسة الأدباء والشعراء، محطة كبار رجالات الأكاديمية الفرنسية بدءًا بلامارتين وبيار دوبوا والجنرال ويغان وجون لوكونت...
هذه الحاضرة العلمية والثقافية بقيت تمد السفير جان ملحه طوال حياته بتيار الفكر الحر ونزعة مواكبة العصر علمًا وريادة.
أنهى مرحلة الدراسة والتخصص الجامعي حائزًا إجازة في الآداب الشرقية، ومتمكنًا من اللغتين العربية والفرنسية، ومتأهبًا لمستقبل واعد أراده ثابتًا، مستقرًا، وافر النتاج، واضح الرؤيا، فإذا بفكره الناضج يستقر على الوظيفة الرسمية كخيار وجد فيه تحقيقًا لآماله وأساسًا لحياة مهنية تبقى بمنأى عن أي تعقيد أو خلل أو اهتزاز. سيما وأن المرحلة التي أنهى بها مرحلة الجامعة كانت زاخرة بالوعود إذ نحن نتحدّث عن أواسط الأربعينيات من القرن العشرين وهو عهد الاستقلال اللبناني في بداياته حيث الإنتلجنسيا اللبنانية يخالجها الاعتزاز وتغمرها الروح الوطنية وتهيمن على مقدرات المجتمع النزعة السيادية.
بدأ مسيرته في خدمة الوطن منذ 16 حزيران 1945. هو من الرعيل الأول الذي أسهم في إعلاء مداميك المؤسسات الوطنية والإدارات الدبلوماسية.
عمل بداية في وزارة المالية، قبل أن يلتحق في ملاك وزارة الخارجية والمغتربين، عندما تقرّر هدم نقل الوزارة من السراي الصغير الى قصر بسترس وكان ينقصها عدد من الموظفين لملاكها الإداري، عندها طلب وزير الخارجية حينها المرحوم فيليب تقلا من المفتش المالي العام المرحوم نديم العبد ان يطالب بزيادة عدد الموظفين. فجاء العبد الى وزير المالية حينها اميل لحود وطلب منه إلحاق جان ملحه بملاك وزارة الخارجية، وتبيّن بعدها انّ هذه العملية تمّت بالاتفاق بين الوزيرين دون علم المدير العام المغفور له أشرف الأحدب.
وكانت المراسيم آنذاك تصدر باللغتين الفرنسية والعربية، أيام المندوبية العامة الفرنسية التي كانت تشرف بطريقة غير مباشرة على الوزارات.
وعندما استأذن الموظف جان ملحه من المدير العام ترك الوزارة للانتقال الى ملاك وزارة الخارجية، أجابه قائلاً: يا حربوق! طالب تطلع عند أنصاف الآلهة؟
ولدى دخوله حرم وزارة الخارجية، أحسّ ملحه كأنه داخل الى معبد لما أحسّ بالهدوء والاحترام والرهبة والتقدير للمسؤولين كما للزائرين، وخاصة لما كان للأمين العام في ذلك الوقت فؤاد عمون من سلطة ورهبة وسطوة على الموظفين.
كانت الدولة، في تلك المرحلة، تتجه بكل مفاصلها إلى ترسيخ مؤسساتها الرسمية والعامة، بما في ذلك وزارة الخارجية والمغتربين، فانضم إلى ملاكها وراح يتبوأ الموقع تلو الآخر مع توالي السنوات والعهود.
سنة 1962، استدعي إلى وزارة الخارجية والمغتربين، حيث تولى وظيفة أمين المحفوظات العامة الدبلوماسية والمكتبة، فنشط من موقعه في حفظ الأرشيف وتبويبه وصيانته ورعايته باعتباره ذاكرة الوطن ومنجم تاريخه ورمز حضارته وأصالته وعراقته.
ويروي السفير جان ملحه عن تلك الفترة هذه الطرفة:
"اتفقنا، السفير أنطوان يزبك وأنا على ان نقوم بواجب تعزية، فأوكلنا ان يحلّ مكاني في المكتبة الموظف جان مارين، حتى لا تكون خالية في حال دخل أحد المسؤولين الإداريين، وقلنا له انّ السيد فؤاد عمون مشغول في القصر الجمهوري بحضور حفلة تقديم أوراق اعتماد لسفراء جدد.
ولدى عودتنا تفاجأنا امام باب المكتبة بعدد من الموظفين، وكان بينهم فؤاد عون، وكان يلبس اللباس الرسمي "فراك Bonjour" وكان يريد دخول المكتبة لكنه لا يتمكن لأنّ جان مارين كان يتهيّأ له انه يرى فؤاد عمون في رؤيا وكان يصرخ Excellence!! كلما لمحه، بصوت عالٍ سمعه كل موظفي الوزارة. ولما رآنا فؤاد عمون بادرنا بالقول: حاولوا إقناعه أنني لا أخيف أحداً Essayez de le raisonner، وخرج من الباب بينما خرج جان مارين من باب الجهة الشمالية للمكتبة هارباً من هذه الرؤيا.
سنة 1979 التحق بالسلك الخارجي برتبة مستشار، وكلف بمهمات دبلوماسية في عدد من الدول بدءاً بالأردن ثم مدريد ولدى جامعة الدول العربية، ولاحقًا في سويسرا وجنيف وقبرص، وأخيراً في قطر.
وكان تعيينه تمّ من قبل مجلس الخدمة المدنية بعد إجراء امتحانات نجح فيها.
في 30 حزيران 1986 وقّع الرئيس أمين الجميل المرسوم رقم 3318 رفّع بموجبه كلاً من المستشارين في السلك الخارجي في وزارة الخارجية والمغتربين من الفئة الثانية (مستشار) إلى الفئة الأولى (سفير) وهم: جان ملحه، ابراهيم مروش وعبد الغفار عيتاني.
عايش في سويسرا وفرنسا واسبانيا وسواها من الدول الأوروبية والغربية الرؤيا المستقبلية للقرن الحادي والعشرين من خلال بعدين أساسيين، الأول تمحور حول مراقبته الميدانية لمسيرة دول ذات جغرافيا صغيرة تمكنت من منافسة الدول العظمى بخدماتها المتنوعة، والثاني رصده أحوال دول كبيرة وعريقة عرفت كيف تنهض من كبوتها التي دخلتها بعد سلسلة حروب مدمرة، الأمر الذي رسّخ في داخله محورية النهضة في الإدارات المركزية والمؤسسات الحكومية في هكذا نوع من الدول.
وكان في تلك المرحلة اجتماع مقرّر للجنة المواصلات التابعة لجامعة الدول العربية اتخذ فيها قرار بأن تكون بيروت مركز انطلاق الطريق الدولي، بحضور ملحه وبطلب وإلحاح منه.
إلى ذلك، ساهم وجوده في أوروبا بتنشقه نسائم النهوض المجتمعي الأوروبي على أنقاض الحرب العالمية الثانية وتلمّس مقومات هذا الواقع الجديد. فترسّخت في ذاكرته كل هذه المشاهدات، الأمر الذي ساعده على المساهمة الفاعلة من موقعه الدبلوماسي في إنقاذ لبنان من أتون الحرب وتسريع عجلة إنقاذه وإعادة إعماره من خلال تلك الأفكار الرائدة التي نادى بها وطبّقها في أكثر من موقع، بدءاً بوزارة الخارجية، مرورًا بالسفارات والقنصليات التي خدم فيها وصولاً إلى المؤسسات التي أدارها والمواقع التي شغلها بعد تقاعده، لا سيما في ترؤسه شركة "هرمس" للسفر والسياحة وفي تأسيسه مع زملاء له منتدى سفراء لبنان.
رافق بعلمه وحكمته مختلف المراحل التي مرّ بها لبنان خلال النصف الأخير من القرن العشرين، فواكبه يوم ارتدى ثوب "سويسرا الشرق" وراقبه يتخبّط في أتون حرب مدمّرة أتت على كل مقوماته وزعزعت أساساته وفتكت بمقدراته، ثم كان الحاضر حضاريًا في زمن الإعمار والإنماء وفي مرحلة ما بعد اتفاق الطائف.
من رحم الدبلوماسية، انطلق في رسم خط مسار مستقبله. وبعد نجاحات باهرة حققها وإنجازات عظيمة أبدعها، وبثبات لا رجوع عنه وثقة في النفس لا يشوبها أي شك، استمر في جهوده حتى النهاية.
الخبرة الطويلة التي يمتلكها، والثقافة المشبعة بالعلم، والمشاهدات الميدانية التي عاينها خلال تجولاتها في كبرى مدن العالم، والتعاطي المباشر مع التفاعلات الدولية، كلّها عوامل خلقت حول شخصه الإجماع، فحظي بثقة واحترام، ليس فقط من زملائه السفراء في لبنان بل أيضًا من كل من يرتبط بصلة قريبة أو بعيدة بعالم الدبلوماسية، على طول مساحة العالم العربي وفي عمق المساحة الدولية.
من وحي أفكاره استمدت الدبلوماسية ركائز نهوضها، وبفضل جهوده مع زملائه استعاد لبنان موقعه على الخريطة الدولية، ومحوريته في وجدان العالم العربي.
هو علم من أعلام الفكر والدبلوماسية. شارك منذ البدايات الأولى في تكوين الإدارة المركزية من خلال موقعه في وزارة المالية أولاً وفي وزارة الخارجية لاحقًا.
لقد أبى إلاّ أن يكون في مجتمعنا المؤتمن على قيمنا الحضارية. هذا ما ترجمه نشاطه المشرّف في عالم الدبلوماسية وهذا ما يدل عليه حضوره الفاعل اليوم في منتدى سفراء لبنان، الذي يستوحي من أفكاره وتاريخه ونشاطه توجهًا يخدم المصلحة اللبنانية ويعيد إلى لبنان دوره وموقعه ورسالته.
رافق، منذ عقود من الزمن، حركة الدبلوماسية اللبنانية في نشأتها وتطورها المحرور، وكان حريصًا طوال هذه الفترة على خدمة الهوية اللبنانية وحضارة لبنان وتظهير صورته الفريدة بين دول العالم كواحة للانفتاح والتنوع والتضامن الإنساني.
لم يخدم قضايا الإنسان والوطن في أنشطته المتعددة فحسب، بل خدمه، أيضًا، بمواقفه الشهمة، وحرصه الدائم على تحرير الفكر وعلى الحرية والعدالة والتقدّم.
تنوعت عطاءات جان ملحه، وتعددت مسؤولياته، وقد تفاعل معها جميعها بحب ووهبها القدر نفسه من الجهد والمثابرة ولكأنه ازداد ألقاً.
حاول عبر نشاطاته المتعددة ان يصلح زاوية من زوايا الوطن ومعلوم أنّ اهل الفكر والثقافة، هم الذين يستطيعون تغيير العالم.
في مهماته الخارجية سفيرًا معتمدًا، تعاطف مع اللبنانيين جميعًا دون استثناء، وكان قريبًا منهم، اهتمّ بقضاياهم ولم يفرّق بين شخص وآخر أو بين الأديان والمذاهب. كان همّه مساعدة الذين هاجروا بعيدًا عن كابوس الحرب وكان هاجسه الأول ترسيخ الهوية اللبنانية رغم تفكك أوصال الدولة.
وكان قد ساهم ايضاً وساعد بإهداء أمير قطر الجالية اللبنانية في قطر قطعة أرض شيّدت عليها السفارة.
تميزت دبلوماسيته بالإخلاص في الخدمة والحكمة في العمل والنبل في التعاطي الإنساني، والشفافية في الإدارة، بحيث استحق أصدق الشهادات وأرفع الأوسمة، وترك أطيب الأثر. من وحي سيرته ونشاطه يستلهم المسؤولون والموظفون كما المواطنون في العمل والوظيفة والحياة الوطنية.
منحه الملك الأردني وسام المملكة الهاشمية الأردنية. ومنحته دولة قطر وشاح الاستقلال من صاحب سمو أمير قطر الشيخ خليفة. ومنحته رئاسة الجمهورية اللبنانية وسام الأرز الوطني برتبة كوموندور.
أوسمة وشهادات لم ينلها السفير جان ملحه وحده، بل هي الدبلوماسية اللبنانية برمتها قد نالتها من خلال سيرة هذا الدبلوماسي الشفاف ونشاطه الكبير بعطاءاته الزاخرة لا سيما في حقل التأريخ والتوثيق، وهو المزدان بالعلوم والثقافات والآداب الشرقية وقد غاص في محيطها منذ مقاعد الدراسة في عينطورة والحكمة وفي جامعة القديس يوسف قبل أن يتخصص في حقل المحفوظات الدبلوماسية من جامعات جنيف وباريس ومدريد، فيبرز ويتفوق ويتحول مرجعًا ومستشارًا، وممثلاً لبلاده يفتخر به وبمزاياه وصفاته الوطنية والإنسانية والأخلاقية والفكرية.
يبقى دوره كبيرًا في ما تركه من منشورات تبقى للوطن عمومًا وللدبلوماسية خصوصًا مرجعًا خصبًا.
يقول جورج سكاف "لقد اهتم السفير ملحه على الأخص بالتوثيق، وصار فيه مرجعًا يعتمد، وله مؤلفات قيمة، تتجدد دائمًا، مع تلاحق الاحداث، سواء بالنسبة الى الوثائق والمعاهدات الخارجية، او بالنسبة الى تعاقب الحكومات اللبنانية وبياناتها الوزارية".
أما الكتب التي وضعها فهي: لبنان في معاهداته واتفاقاته، الجمهورية اللبنانية في علاقاتها الخارجية، الوزارات اللبنانية وبياناتها 1943 – 1994 (مع السفراء هنري ابو فاضل وابراهيم كريدي)، حكومات لبنان، البيانات الوزارية والوزراء 1943 – 2003.
هذا بالإضافة إلى المقالات المتنوعة المنشورة تباعًا في "المجلة الدبلوماسية" التي تصدر دوريًا عن منتدى سفراء لبنان.
هو يُعتبَر أحد روّاد إدخال المنهجية العلمية والتوثيقية إلى الوزارات اللبنانية. وقد استوحى من الثقافة الأوروبية أسسًا صقل بها أسلوبه المميز في تفعيل برامج التوثيق والأرشفة وحفظ مكنوزات الدولة المدونة.
طرحت مؤلفاته مضمونًا جديدًا سد فراغًا كبيرًا في المكتبة الحضارية اللبنانية لا سيما في مرحلة ما بعد الاستقلال. هذه المحاولات ترجمت مسعى لديه إلى ردم الهوّة بين الجمهورية اللبنانية الفتية ومثيلاتها في الأسرة الدولية. ولكي تكتمل الصورة المنهجية، عمل على إزواج النظرية بالتطبيق بمنهجية توثيقية تحاكي العلم الحديث.
جاءت كتاباته علمية منهجية رائدة سواء في كتب الوثائق أم في بعض المخطوطات والرسائل والمقالات.
هذا النشر للوثائق نشرًا علميًا أثار إعجاب المؤرّخين وروى غليل الباحثين، وأعطاه مكانة فريدة في تطوير الذاكرة الحضارية اللبنانية.
وليس غريبًا ان يعتبر بعضهم مؤلفاته نوعًا من الثورة البيضاء على تخلف الأداء الإداري في بدايات الجمهورية ومرحلة الاستقلال.
والحق أن الأسباب في إصدار كتبه كانت عدّة أبرزها: رغبته في تلافي الفراغ القائم في نواحي التوثيق، التخلّف الحاصل في الدراسات التاريخية، النهضة التي تجمع التراث إلى الوقائع التاريخية، تحرير التأريخ من الميل الأدبي القصصي الاخباري الروائي المسطّح..
في كتاباته يطلّ علينا وقد امتلأ بنعمة العلم والمنطق والمنهج، ممهدًا الطريق أمام الباحثين في طريقه المعالجة وفي اللغة التي اختارها لعرض معلوماته: لغة بعيدة كل البعد عن التورية والتصنّع والتقيّة. لغة دقيقة، واضحة، متسلسلة، هادفة، بليغة من دون ثرثرة وإطناب وهلوسة ورمزية.
هو أقرب إلى المؤرخ من الأديب. وفي منهجه وبحوثه التاريخية أبعد ما يكون عن الفن والصناعة والأسلوب الأدبي الفني.
وتبقى كتبه الأولى من نوعها في مكتبتنا اللبنانية، جاءت سبقًا ودليلاً ومرجعًا، تجعل منه محجّة يستشار بعلمه وخبرته ومعرفته.
منصور الأطرش : ثائر لا يشيخ
ولد منصور الأطرش في حقبة الثورة الكبرى التي اندلعت في جبل العرب وعمّت سوريا التي هبّت من أقصاها إلى أقصاها عائلة واحدة تقاوم إنتدابًا أراد تقسيمها وإذلالها. في أجواء تلك الثورة الخالدة التي فجّرها سلطان باشا الأطرش ترعرع ابنه منصور فتأثّر بقيمها واستنار من قبسها واقتبس من فضائلها فاشتدّ ساعده في كنف عائلة عرفت الشهادة والنفي والحرمان فزادته التجربة قوّةً وعنادًا لا بل تصميمًا على خوض معركة الحياة.
منذ يفاعته عرف منصور بالفروسيّة والشهامة كما عرف بالإلتزام وحبّ الجماعة وقد اكتنزت مخيّلته بملاحم الأبطال الذين تسابقوا إلى حماية بعضهم تسابقهم إلى الشهادة. تلك النشأة النضاليّة لم تحل دون انجرافه في دروب العلم والثقافة حيث رأى تلك الدروب موصلة إلى المعرفة والقوّة، إلى حيث تتوق نفسه ان يرى شعبه في منعة وعنفوان. حبّه للعلم والتحصيل بتشجيع من والده القائد دفعه، وقد امتلك ناصية العربيّة، إلى التقدّم مع أترابه إنفتاحًا على الثقافة الفرنسيّة كما الأنكلو ساكسونيّة فغرف من بحرٍ واسع بحرّيةٍ وانطلاق. واستزاد المعدن الأصيل من وهج الفكر والإبداع دون أن يخسر ذرّة واحدة من ذاته ودون أن يتغيّر سهمٌ واحد في نهجه، فبقي في كل مراحل حياته أمينًا لفكرة النهضة العربيّة مغتنيًا بها من غير اكتفاء أو ادّعاء، مباهيًا بها الأمم من غير غلو أو اعتذار. ولا غرو فالمدرسة التي شرب من ينابيعها ولمّا يرتوي علّمته أنّ البيت الصالح يريد الخير لأبنائه كما يريد الخير لأبناء الآخرين. على مستوى القرية كما المدينة، على مستوى الوطن كما الأمّة فالقوميّة كما فهمها تأبى التقوقع والإنغلاق وترفض التمدّد او التسلّط. إنّها حركة نهضة وتحرّر وعمران مثلما هي حركة تواصل وتكامل وتنافس حرّ. إنّها الطريق إلى الأخوّة الإنسانيّة التي ينشدها العقل والإيمان. وفي هذا المناخ الوطني العارم الذي ساد البلاد وجد منصور الأطرش نفسه مع رفاقٍ له من كل ألوان سوريا والعروبة يشارك في تأسيس حزب البعث العربي وينخرط في نضالاته الفكريّة والشعبيّة مغالبًا تيّارات الإنعزال والطائفيّة مركزًا، وهو إبن البيت الوطني والعربي العريق، على وحدة سوريا وعلى وحدة الأمّة العربيّة متمسّكًا في نضاله العنيد بالحوار ومقارعة الحجّة بالحجّة واحترام الآخر وحقّه في إبداء الرأي.
انتسابه للحركة السياسيّة الصاعدة كان الوجه الآخر للقاء الفطرة بالعلم حتّى إذا تلاقحا التحما بإرادة التغيير والعطاء. وعلى هذا الطريق المحفوف بالمخاطر كان منصور الأطرش في مقدّمة المناضلين الذين تصدّوا للمغامرات العسكريّة وفي طليعة المقاومين الذين انتفضوا بوجه من اضطهد الناس والأحزاب وأصاخ السمع لمطالب الأجنبي.
دخل منصور الأطرش في عهد الشيشكلي السجن رافضًا المساومة على حقّ شعبه متواصلاً مع رفاقه في الحزب والجيش والقوى الشعبيّة حتّى رحيل الحاكم وانقشاع الغمة عن صدر سوريا. وبعد الإنتخابات عام 1954 لعب منصور الأطرش دورًا بارزًا في الحياة السياسيّة السوريّة مساهمًا في بناء دولة الوحدة متشبّثًا بأفكاره القوميّة رافضًا الإنفصال ووزاراته متصدّيًّا لكل أشكال الإقليميّة الضيّقة.
بعد ثورة آذار وكنّا طلابًا في الجامعة قرّرنا زيارة دمشق للإطّلاع مباشرةً على التطورات والتفاعلات وكانت تصلنا عبر الحلقات الحزبيّة أخبار مقلقة عن خلافات بين الحزب والأطراف الأخرى كما داخل الحزب نفسه. كنّا نضع أيدينا على قلوبنا خشية فشل التجربة أو إجهاضها مدركين حجم الضغوط الدوليّة والإقليميّة على سوريا بهدف شلّ دورها وترويضها. وكنّا نتعطّش في تلك الآونة كما دائمًا لاسترجاع حيويّة الحزب واستعادة الوحدة بين دمشق والقاهرة.
قصدنا مجلس الشعب للقاء رئيسه، اللقاء كان مثيرًا بالنسبة لي. طالبٌ يلتقي بمناضل واثق من نفسه. في لحظات تحوّل الإجتماع مع الرفيق منصور الأطرش إلى لقاء حميمي. أجاب على أسئلتنا بوضوح لم تكن الصورة مشرقة وقد شعرنا بالألم يعصره.
بعد اللقاء أخذنا إلى شوارع دمشق في جولة لا زلت أتمتّع برحيقها. في سيّارته الصغيرة العتيقة تعرّفنا إلى سوريا أكثر وازددنا معرفة واطّلاعًا. وكلّما تأمّلت بذاك اللقاء الذي جمع مسؤولاً كبيرًا في الحزب والدولة مع طلاب رفاق له كلّما ادركت أهميّة التواضع والتواصل في الحياة الحزبيّة السليمة وكلّما أدركت أهميّة الديموقراطيّة في صياغة العلاقات داخل المجتمع. منذ ذلك الوقت كان التحدّي الكبير الذي حملته في صدري على مرّ الأيّام هو كيف تكون حزبيًّا وديموقراطيًّا في آن.
بعد ذلك اللقاء الذي ترك في نفسي أثرًا لا يمحى تكرّرت لقاءاتنا النادرة ومع كل لقاء كان احترامي للرجل يزداد وقد أصبح مدرسة في الحلم والصمود واسعة الصدر، يُضرب به المثل في النزاهة والإلتزام حيث لم يغادر همومه القوميّة قط حين غادر صفوف مواقع المسؤوليّة المباشرة، ملبّيًا كل نداء قومي ناشطًا في صفوف القضيّة.
لقائي المتجدّد معه كان حول العراق الجريح. هو على رأس لجان نصرة العراق في سوريا وأنا في الحملة الأهليّة لنصرة فلسطين والعراق في لبنان، كما تكرّر لقاؤنا في الدورات السنويةّ للمؤتمر القومي العربي، والمؤتمر القومي/ الإسلامي حيث اتّسمت مواقف أبي ثائر بالوضوح والصلابة، والإتّزان، رافضًا دومًا منطق تغليب الخلافات الثانويّة على التناقضات الرئيسيّة، بل داعيًا الجميع لمواجهة التحدّيات الكبرى وإغلاق ثغرات طالما نفذ أعداء الأمّة من خلالها. لقد راع منصور الأطرش الحصار الأمريكي الظالم على العراق الذي ضيّق سبل العيش على أهله الكرام وحرم أطفاله الدواء والغذاء فكان يدرك بحسّه العربي الأصيل أنّه لا بدّ من مقاومة السياسة الإستعماريّة الجديدة التي تستبيح الأوطان وتشرّد الشعوب وتتعامل بالحديد والنار مع كلّ حرٍّ كريم يرفض ديموقراطيّة القهر والإملاء. رأيته وهو في الثمانينات من عمره يهبّ لنصرة العراق في محنته مستعيدّا تلك اللحظات الرائعة في تاريخ سوريا الحديث عندما انبثقت في رحابها الجميلة لجان نصرة العراق لنجدة أهل الرافدين بوجه الإستعمار البريطاني، تحوّلت بعدها تلك اللجان إلى نواةٍ صلبةٍ من أنوية حزب البعث العربي الذي تأسس على الفكرة القوميّة التقدّميّة الديموقراطيّة الإنسانيّة.
أبو ثائر لم يميّز بين سوريا والعراق أو بين فلسطين والجولان. فهو سوري عريق وعربي ملتزم مؤكّدًا في كل أعماله أنّ المخلص لوطنه هو المخلص لعروبته ولا فصم بين الحالتين منتبهًا إلى أنّ التمييز بينهما هو خطوة على طريق الإنحراف إذ يكفي أن تنكر هويّتك العربيّة حتّى يفتح لك الغرب أبوابه ويعتبرك من أركان الديموقراطيّة ولو تفوّقت على فرانكو في القمع والتنكيل. وبكفي أن تتمسّك بهويّتك العربيّة حتّى يعتبرك الغرب ديكتاتوريًّا- وربّما إرهابيًّا وإن تكافأت مع نلسن منديلا في الكفاح من أجل الحريّة والإستقلال.
أبو ثائر العربي الأصيل لم يكن يهتم بتوصيفات الغرب وتصنيفاته كان يهمّه شعبه وضميره وقد أبلى البلاء الحسن فأخلص لشعبه وأرضى ضميره ويكفيه أنّه فهم السياسة خدمةً للناس وقضاياهم فحافظ على نقاء هذه العبارة التي نالها الكثير على يد أصحابها.
منصور الأطرش القائد الوفي والمزارع الأمين بقي وفيًّا لتراث أهله في حماية الثغور ومقاومة الغزو والإحتلال. ما فترت همّته ولا تقاعد. تراكمت على ظهره السنون فزادته تألّقًا وحضورًا وبقي كالأبرار من أبناء جيله وفيًّا لكل حبّة تراب في الجولان وفلسطين ولبنان، حريصًا على وحدة سوريا ودورها القومي في زمنٍ أصبحت فيه القومية العربيّة الهدف الأوّل للدوائر الصهيونيّة والإستعمار التي تريد العرب منقسمين ضعفاء.
الرجل الحرّ المستقيم لم تغرّه المناصب ولم يسقط في فخ الأبّهة والإدّعاء فكان كلّما راجع نفسه يكتشف الحاجة إلى المزيد من الأمر ذاته الذي دأب عليه منذ وجد نفسه في صفوف الحركة النضاليّة التي أحب.
في المشاكل والإشكالات الداخليّة كان يسعى ككلّ مخلص إلى تجنّب الصراع وإصلاح ذات البين. أمّا إذا حلّ خطبُ على سوريا أو أي بلد عربي وجدّته مقاتلاً حقيقيًّا إلى جانب الحقّ والسيادة والإستقلال عكس أؤلئك الذين تبرز حماستهم في الصراعات الداخليّة ويتوارون عن الأنظار كلّما حق الجهاد، فمنصور الأطرش إبنٌ بار للمدرسة التي تفهم الإستقلال نتيجة للمقاومة وتفهم المقاومة حقًّا مقدّسًا في وجه الإحتلال.
وفضيلة منصور الأطرش أنّه فهم دوره من خلال كفاح شعبه وعدالة قضيّته فأصاب وأخطأ لكنّه قبل ذلك كلّه أبى أن يقوم الغير على خدمته، فأمضى حياته في خدمة الناس وأدّى مهمّته على خير ما يرام مستحقًّا محبّة الناس...أغلى ما يمكن أن يحصل عليه الإنسان بعد رضى الله ورضى الوالدين. طوبى لمنصور الأطرش. طوبى لأنقياء القلوب الذين يكرّمون آباءهم ويشرّفون أوطانهم.
سقى الله تعالى ذكرى أبي ثائر، وأعز سوريا وأهلها وقيادتها وسدّد خطاهم ونصرهم على القوم الظالمين. إنّه على كلّ شيءٍ قدير.
"النهار" الأربعاء 7/1/1987
شدد النائب إدوار حنين على وحدة الحكم وإنهاء الحرب وحل التنظيمات المسلحة وتوحيد الجيش وتحرير الأرض الذي لا يجوز استئخاره من أجل أي مكسب آخر.
وطالب بإطلاق المحتجزين طوعًا أو عنوة.
وإعادة المهجرين ومعالجة الأوضاع الاقتصادية ورفض أي امن ذاتي او مناطق محرمة على الدولة التي هي صاحبة صلاحية الأمن".
وأيد علاقات مع سوريا "بتعاون وثيق بلا عقد، وصيغة تؤول إلى إناطة الأمن في لبنان بقوات الدولة الشرعية وحدها".
"بعد اثنتي عشرة سنة من الحروب المدمرة على لبنان أصبحت الدولة منتقصة السيادة والوطن مسلوب الحرية. وبات المواطن في حال عصيبة من فقدان الامن الجسدي والامن الاقتصادي ومن الضيق المعيشي الخانق.
حيال هذا الواقع المر، ولأن المجلس النيابي هو المؤسسة الدستورية الوطنية التي لا تزال تجسد وحدة الدولة والوطن وإرادة العيش المشترك لدى اللبنانيين،
وتحسسًا من النواب الممثلين الشرعيين والقانونيين للشعب، بالمسؤولية التاريخية والواجب المصيري وإدراكًا منهم لحتمية التصدي للكارثة التي تهدد بتصفية الكيان الموحد للدولة والوطن وتشريد المواطن وسلبه هويته،
وانطلاقًا مما عبرت عنه الفئات اللبنانية المختلفة من تلاق وتوافق على مبادئ – مسلمات، وثوابت مسيحية وإسلامية،
وما يصدر يوميًا من دعوات ويوجه من نداءات في سبيل إعادة تكوين الدولة اللبنانية الشرعية الواحدة، وجمع أجزاء الوطن المفتت فإنني أعلن الآتي:
اولاً: الوحدة.
لما كان ثبت نهائيًا أن لا خلاص للبنان إلى بوحدة بنيه على اختلاف دياناتهم وطوائفهم ومذاهبهم وعقائدهم وأحزابهم ضمن دولة مركزية قوية عربية الجذور عالمية الحضور،
ولما كان لا يمكن لهذه الوحدة أن تتحقق في ظل حكم منقسم على نفسه،
فقد بات يتحتم على الفريق الحكومي أن يبادر إلى تأييد وحدته وتضامنه العضوي، شرطًا أساسيًا لصلاحه لقيادة البلاد إلى الوحدة وجدارته بحمل مسؤولية الإنقاذ وشرف المهمة التاريخية.
ولا يمكن اعتبار وحدة فريق الحكم متحققة، إلا إذا عمل أركانه مجتمعين متكافلين وعمدوا فورًا إلى:
أ – وقف القتال بين الفئات التي يمثلونها، والكف عن التعامل فيما بينهم، ومعاملة الناس بالقوة والعنف، وعن سائر الممارسات التي أدت وتؤدي إلى تقسيم الأرض وتشريد الشعب وشل الدولة.
ب – حل كل التنظيمات المسلحة بدءً بتلك التي يقودونها والتي ينتمون إليها أو تحسب عليهم وجمع أسلحتها .
جـ - توحيد الجيش اللبناني، وصهر أولويته المتعددة في بوتقة المؤسسة الواحدة، تحت قيادة عملانية فاعلة.
د – توحيد الإعلام الرسمي وضبط اجهزة الإعلام غير الرسمية.
هـ - فتح المعابر والطرق وتأمين الانتقال والاتصال بين مختلف المناطق والانحاء.
و – تسليم مؤسسات الدولة وإداراتها وأجهزتها كل المرافق العامة والمرافئ ومراكز الحدود والكف عن اغتصاب صلاحياتها وانتهاك حرمة القانون وخرق الأنظمة وسلب واردات الخزينة ووقف الجبايات الخاصة، أيًا تكن الذرائع والمسوغات. وإننا نعتبر الاغتصاب الداخلي موازيًا للاغتصاب الخارجي في تهديد سلامة البلاد وإطاحة مصيرها.
ثانيًا: التحرير.
لما كان قسم كبير من جنوب لبنان رازحًا تحت الإحتلال الإسرائيلي مما ينعكس على الوطن كله ويشكل عامل اختلال ويولد تفاعلات لبية في كيان الدولة برمته، فإن أولى المسؤوليات الملقاة على عاتق الحكومة هي تحرير الوطن لغعادة بسط السلطة الشرعية وإنفاذ حكم القانون على كل الأراضي اللبنانية من دون استثناء ولا يجوز استئخار الهدف التحريري من أجل أي مكسب آخر.
ولا رهنه باي مطلب أو مأرب كما لا يجوز إغفال أي وسيلة داخلية أو إقليمية ودولية توصلاً إلى التحرير الكامل.
وفي هذا المجال يجب التأكيد على المشاركة العربية في التبعية ووجوب المطالبة الملحة بوضع استراتيجية عربية موحدة لمواجهة المرحلة.
ثالثًا:
الحرية والديموقراطية
ان الحرية هي أساس كيان لبنان ومن دونها تنتفي علة وجوده ومسوغ بقائه.
والحرية تتجسد في نظامنا الديموقراطي البرلماني وانتظامنا في عداد الدولة المؤسسة لمنظمة الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والتي تطبق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي ساهم لبنان في وضعه. كما تتجدس الحرية والديموقراطية في إيماننا بالعدالة الاجتماعية والمساواة وتكافؤ الفرص ورفضنا كل أشكال التمييز العنصري والديني والطبقي.
فلبنان ليس البقعة الجغرافية وحدها بل هو المحتوى الفكري والأخلاقي والمعنوي لهذه الأرض الطيبة ومضمون الحق والكرامة للمواطن وللإنسان. وإن كل من ينتهك لأي سبب كان حقوق الإنسان هو عدو للبنان وللإنسانية في ىن. وهذا يسري جبرًا على الممارسات الشائنة من تهجير وخطف وحجز وتنكيل واضطهاد واعتداء على الحياة البشرية والكرامة الإنسانية وافتئات على الملكية الفردية وحرية الفكر والرأي والمعتقد.
رابعًا: الامن.
إيمانًا بأن لا أمنًا حقيقيًا من دون كرامة وبالتالي إلا على يد الدولة الشرعية وحدها التي تطبق ضمن أصولها الأنظمة والقوانين فلا بد من التكاتف بين الحكومة والشعب لوقف الممارسات والارتكابات الخارجة عن هذا النطاق ومنع التعدي على صلاحيات السلطات الدستورية من قضاء وجيش وقوى أمن وإدارات عامة ومؤسسات وصد التدخل غير المحق والضغط غير المشروع على سير العمل الرسمي في حقوله المختلفة وإسقاط مقولة الامن الذاتي والامن بالتراضي والامتيازات الأمنية ووضع حد للحكم بالتصنيف والمسايرة والتنازلات.
وللتمييز في المعاملة بين الناس بحيث بتنا نرى المسالم مستضعفًا فيما يجزى المستقوي والمستكبر.
وعلى الأخص يجب فسح المجال أمام طموح الجيل الطالع بحيث يتاح لطاقات الإبداع الكامنة فيه أن تتفجر خيرًا وبركات ولمواهبه أن تنمو وتتكامل في مناخ الحرية الحقيقية والديموقراطية الصحيحة.
خامسًا: المهجرون والمحتجزون.
إن الحروب الشرسة على ارضنا أوقعت ظلمًا فادحًا في المواطن والغنسان في المقيم والضيف العابر. كما أنزلت أضرارًا بالغة في الممتلكات والبنية الاجتماعية والاقتصادية والتربوية والثقافية. فكان من أبرز ضحاياها بعد عشرات ألوف القتلى مئات ألوف المهجرين الذين شردوا من أرضهم ودمرت قراهم وسلبت ممتلكاتهم وامتهنت كراماتهم وأصبحوا لاجئين في وطنهم معوزين بعد يسر.
كما كان من ضحاياها آلاف المعاقين والمفقودين ومثلهم من المخطوفين والمحتجزين الذين ما برح عددهم يتزايد وقد باتوا يشكلون قضية وطنية وإنسانية بالغة الخطورة، تسم مجتمعنا بالتخلف وتؤلف عنصر تفجير دائم فيه وتعيب نظرة العالم المتمدن إليه.
لذلك لا يمكن أي ذي ضمير إلا أن ينتفض ويثور لما جرى ويجري من تنكيل بالإنسان على الأرض التي يتباهى أهلها بالمساهمة الجلل في التراث الإنساني منذ فجر المدنية.
فمن أهم الأولويات التي تفرض نفسها في عملية الانبعاث اللبناني اتخاذ القرار الجدي والفاعل برفع الظلم عن شعبنا وإطلاق المحتجزين طوعًا أو عنوة وإعادة المهجرين إلى ديارهم آمنين مطمئنين وتعويض المتضررين تمكينًا لشعبنا من استئناف حياته الطبيعية موفور الكرامة.
سادسًا: الوضع الاقتصادي.
يذكر اللبنانيون أيام كانت الليرة في طليعة العملات العالمية متانة وضمانًا وقوة شرائية وتغطية ذهبية وقدرة على التداول والتحويل. ويذكرون كيف كان الاقتصاد اللبناني مثالاً للنمو ونموذجًا للازدهار مما مكن مجتمعنا من الصمود على امتداد نيف وعشر سنين من الحرب.
وفيما يتألمون اليوم للتبدل المفجع الذي حصل والانهيار النقدي والغلاء الخانق المستفحل والضائقة المعيشية العامة ، يدركون أن الطاقة اللبنانية الفاعلة التي صنعت المعجزات قادرة على أن تقوّم الأوضاع وتعيد الإيجابيات السالفة. إذا استجمعوا عناصر التصدي للمحنة المتمادية وفي طليعتها وحدة الصف الداخلي وتعزيز الأمن واسترجاع أرزاق الدولة المنكوبة ووارداتها المسلوبة ووضع خطة استثنائية عاجلة للتنمية واتخاذ تدابير جذرية شجاعة على أساس غلمي متطور يضعه اختصاصيون محليون وعالميون.
سابعًا: الوجود الفلسطيني.
بعدما وفى لبنان القضية الفلسطينية حقها وناء بحملها منفردًا، بات من حقه على أبناء القضية الأمناء أن يبادروه الوفاء وأن يكفوا العبث بأمنه وإقحامه في دوامة العنف والمخاطر والصراعات المدمرة وافتعال أحداث تورطه في مواجهة تفوق قدراته وتسثبت الاحتلال على ارضه وتعرضه لمزيد من النكبات.
من أجل ذلك يجب أن يدرك الإخوة الفلسطينيون أن لا مجال في لبنان لأي امن ذاتي او امتياز أمني أو مناطق محرمة على الدولة. فالامن هو صلاحية الدولة الشرعية وحدها ومسؤوليتها من دون سواها، والأرض كلها هي أرضها، ولن تكون سلطة فوق سلطتها أو على هامشها ولن يبقى سلاح إلا في يدها.
ثامنًا: العلاقة مع سوريا.
إن سوريا هي الجارة الأقرب والشقيقة التوأم. فالعلاقة معها يجب أن تكون من طبيعة الأخوة الحقيقية والجوار المصطفى تبادلاً متكافئًا ودودًا وتعاونًا وثيقًا مخلصًا ورعاية نموذجية يميزها انفتاحل ا تشوبه عقد ولا يرتهن بظروف وأحداث، يقينصا أن ما بينها وبين لبنان من صلات رحم وأنساب وشراكة مصالح على مر الاحقاب يجب أن يستقر على صيغة وطيدة تقرها الدولتان في تلاق على الخير والكرامة لا تنفط عراها وتؤول إلى إناطة الأمن في لبنان بقوات الدولة الشرعية وحدها تأكيدًا للسيادة والاستقلال.
ليس ما بين لبنان وسوريا علاقة جغرافيا وتخوم فقط، بل علاقة تاريخ موصولة الماضي بالحاضر والمستقبل ووشائج قربى لا تمحوها أزمات عارضة أو خلافات عابرة.
إن النواب الموقعين النتمين إلى الشعب اللبناني بشتى طوائفه ومعتقداته وإلى الوطن اللبناني بمختلف مناطقه وأنحائه إذ يأبون كل تصنيف فئوي ويرفضون كل طرح تقسيمي أيًا يكن اسمه وبأي زي تزي ويرفضون صيغ الاحتلال والسلخ والهيمنة ويدينون كل أشكال غصب السلطة الشرعية والعبث بمصير البلاد والمتاجرة بالمقدسات والفرز المذهبي والطائفي يعلنون التزامهم هذه الوثيقة والعمل معًا من أجل تحقيق المبادئ الأساسية الواردة فيها مرحبين بالمشاركة والتعاون مع جميع السادة الزملاء النواب وكل ذي إرادة حسنة في أي موقع كان ومن دون اعتداد بغير الانتماء المجرد إلى الوطن الواحد الاحد، ويعاهدون الامة على الاستمرار في النضال من أجل خلاص الوطن، مؤمنين بان إرادة الشعب أقوى من المحنة.
وقرر أعضاء الكتلة الجديدة عقد اجتماعات دورية العاشرة صباح كل ثلاثاء في قصر منصور.
__________*__________
في ظلّ غياب الرقم والإحصاء في لبنان، يبدو أن للهجرة أرقاماً وأرقاماً. فبين النصف مليون مهاجر والمليونين، مليون ونصف لبناني «ضائعون» في حقيقة الرقم. وإذا كان لكل من الإحصائيين طريقته في الاحتساب وتبريراتها، فإن هناك حقيقة واحدة توصلوا إليها في التحليل: الهجرة تتحول الى مأساة لبنانية. مأساة تجعل من المجتمع اللبناني مجتمعا هرما، فارغا من المهارات المختصة... وتكرّسه أمة «تأكل مما لا تزرع وتلبس مما لا تنسج وتشرب مما لا تعصر...»، أمة تنتظر أموال مغتربيها لتسيير حياتها اليومية ولسدّ حاجاتها الأساسية، فتفرح بحّل فردي مؤقت يبنى في غالب الاحيان على حساب سياسة اقتصادية جامعة وطويلة الأمد.
أما بعيدا عن الأرقام والتحاليل، فهناك أمـــهات لم يعدن يذرفن الدموع كلما قرر اولادهن الهجرة او الرحيل. ففي لبنان حقائق اقتصادية وأمنية تجعلهن يضعن يدا على قلبهن ليلوحن بالأخـــرى الى فلذات اكــبادهن وهـم مغــادرون الى حيث لقمة العيش والحياة الرغيدة، لينــمن قريرات العين بعد سهر طويل وتفكير أطول بمستقبل اولادهن وأمنهم في بلد مــزروع بألغام من كل الانواع.
هناك 3.2 ملايين مهاجر لبناني منذ سنة 1975، منهم حوالى 105 آلاف مهاجر، الى كل من اميركا وكندا وأستراليا وأوروبا.
من الواضح ان الهجرة تسيل لعاب جميع الطوائف اللبنانية، غير ان تأثيراتها على بعض الطوائف تبدو أقوى من على طوائف أخرى.
اما المسيحيون فهجرتهم تركزت الى اميركا وكندا وأستراليا والبرازيل واوروبا الغربية. ومن الطوائف المسيحية، تمركز الارمن في لوس أنجلس في اميركا وقد أضحوا قوة انتخابية، الذي يلفت من ناحية اخـــرى الى ان عددا من المسيحيين لم يعودوا يحملون الجنسية اللبنانية وقد باتوا من الجيل الثالث من المهاجرين.
هناك حقيقة واضحة يتوافق عليها الباحثون، وهي ان الهجرة تطال بشكل لافت الأعمار الشابة او حتى الاعمار العاملة.
ليست الهجرة ظاهرة لبنانية بل إنها ظاهرة عالمية تصيب مختلف البلدان بدرجات متفاوتة. وهي إذ تكون مفيدة لبعض الدول، تتحول في دول أخرى الى واحد من العوامل السلبية التي يتأثر بها اقتصاد البلد.
لبنان بلد صغير، لا يمكن ان يستوعب كمية المتخرجين او حتى طالبي العمل في ظلّ سوق ضيّق. مقولة غالبا ما تمهر بها التحاليل حول الهجرة، ليضاف اليها إيجابية الأموال الواردة من الأبناء المغتربين ودورها في الاقتصاد وتطوّره.
إن مزايا الهجرة تتفوّق على سلبياتها إذا كانت خفيفة ومن الممكن استيعابها. اما عندما تكون مكثفة فهي لا بدّ ان تخلق عدم توازن على أصعدة مختلفة و «نحن اليوم نشهد عصر الهجرة المكثفة».
الهجرة من شأنها أن تحدّ من البطالة، ولهذا السبب يحافظ لبنان على نسبة بطالة بين 10 و15 في المئة، وهي عالية بالنسبة لبلد مثل لبنان، ولكن كان يمكن أن تكون أعلى بسبب الاوضاع الاقتصادية.
الى البطالة، إن أموال المغتربين تعتبر من العوامل الأساسية لعدم انهيار الاقتصاد اللبناني، وإن المهاجرين أعطوا مساحة اكبر للبنان وبات لهم نفوذ في بلاد الاغتراب.
في المقابل، إن الهجرة أدت الى عدم توازن بين الشباب والشابات في لبنان، ما يخلق مشاكل عاطفية واجتماعية كثيرة.
إن الاستثمار في الأشخاص، لناحية تعليمهم وتدريبهم تقطفه بلدان أخرى.
إن تأثير الهجرة يبدو جليا على عنصر الإنتاجية في لبنان.
قد يستفيد لبنان من كون المهاجرين يشكلون نسبة عالية من سيّاحه. غير أن التحويلات المالية، التي يعتبرها البعض الإيجابية الركيزة للهجرة لا تبدو صورتها بهذه الإيجابية. فلبنان هو مستقبل ومصدّر لهذه الاموال، وبحسب مصرف لبنان فإن إيرادات المغتربين تصل الى حدود 4.5 مليارات دولار سنويا كنسبة وسطية، في حين تبلغ الأموال المرسلة من لبنان حوالى 3.5 مليارات دولار. أي ان مليار دولار يبقى كصافي الأموال المحوّلة اليه.
وإذ ترفع تلك الاموال نسبة الاستهلاك، وتساعد في تخطي الأزمات الاقتـــصادية التي تعصف بالبلد. هي من دون شكّ، تزيد من العجز الخارجي، مـــن دون ان تساهم لا في الانتاج ولا في الاستثمار وبالتالي النموّ.
سلسلة البطاركة الموارنة
1 – يوحنا مارون 685 – 707.
2 – قورش ابن أخت مار يوحنا مارون 707.
3 – جبرائيل الأول.
4 – يوحنا مارون الثاني.
5 – يوحنا الدملصاوي.
6 - غريغوريوس الأول.
7 – اسطفانوس الأول.
8 – مرقس.
9 – أوسابيوس.
10 – يوحنا الرابع.
11 – يشوع.
12 – داود الأول.
13 – غريغوريوس الثاني.
14 – تاوفيلكتوس.
15 – يشوع الثاني.
16 – دوميطيوس.
17 – اسحق.
18 – يوحنا الخاكس.
19 – سمعان الأول.
20 – إرميا الأول.
21 – يوحنا السادس.
22 – شمعون الثاني.
23 – شمعون الثالث.
24 – يوسف الأول الجرجسي 1100 – 1120.
25 – بطرس الأول 1120 – 1130.
26 - غريغوريوس الثالث الحالاتي 1130 – 1141.
27 – يعقوب الأول الراماتي 1141 – 1151.
28 – يوحنا السابع اللحفدي 1151 – 1154.
29 – بطرس الثاني 1154 – 1173.
30 – بطرس الثالث 1173 - ؟
31 – بطرس الرابع 1199.
32 – إرميا الثاني العمشيتي 1199 – 1230.
33 – دانيال الأول الشاماتي انتخب بطريركًا سنة 1230 – توفي سنة 1239.
34 – يوحنا الثامن الجاجي 1239 – 1245.
35 – سمعان الرابع انتخب بطريركًا سنة 1245 – توفي سنة 1277.
36 – يعقوب الثاني .
37 – دانيال الثاني الحدشيتي توفي سنة 1282.
38 – لوقا البنهراني.
39 – إرميا الثالث الدملصاوي توفي سنة 1297.
40 – شمعون الخامس 1297 – 1339.
41 – يوحنا التاسع العاقوري 1339 – 1357.
42 – جبرائيل الثاني من حجولا انتخب بطريركًا سنة 1357 مات شهيدًا.
43 - داود الثاني ويسمى أيضًا يوحنا انتخب بطريركًا سنة 1367 وتوفي سنة 1404.
44 – يوحنا العاشر الجاجي انتخب بطريركًا سنة 1404 وتوفي سنة 1445. هو البطريرك الأول الذي يسكن في قنوبين.
45 – يعقوب الثالث الحدثي: انتخب بطريركًا سنة 1445 وتوفي سنة 1465.
46 – يوسف الثاني ابن حسّان الحدثي: انتخب بطريركًا سنة 1468 وتوفي سنة 1492.
47 – سمعان السادس ابن حسّان الحدثي انتخب سنة 1492 وتوفي في 27 تشرين الثاني سنة 1524.
48 – موسى بن سعادة من البارده في بلاد عكار انتخب بطريركًا سنة 1524 وتوفي في 19 آذار 1567.
49 – مخايل الرزي من بقوفا. انتخب بطريركًا في 31 آذار 1567 وتوفي في 21 أيلول 1581.
50 – سركيس الرزي شقيق البطررك السابق. انتخب بطريركًا سنة 1581، وتوفي في 25 أيلول 1597.
51 – يوسف الثالث الرزي ابن موسى الرزي شقيق البطريركين ميخائيل وسركيس. انتخب بطريركًا سنة 1597 وتوفي في آذار 1608.
52 – يوحنا الحادي عشر من إهدن. انتخب بطريركًا في 16 تشرين الاول 1608. توفي في 15 كانون الأول سنة 1633.
53 – جرجس الأول بن عميرة الإهدني: انتخب بطريركًا في 27 كانون الأول 1633. توفي في 29 تموز 1644.
54 – يوسف الرابع ابن حليب من العاقورة: انتخب بطريركًا في 15 آب 1644 وتوفي في 3 تشرين الثاني 1648.
55 – يوحنا الثاني عشر من بيت البواب من الصفرا: انتخب بطريركًا سنة 1648 وتوفي في 23 كانون الأول1656.
56 – جرجس الثاني البسبعلي: انتخب بطريركًا في قنوبين في أول كانون الثاني 1657، وتوفي في 13 نيسان سنة 1670.
57 – اسطفانوس الثاني الدويهي الكبير: انتخب بطريركًا سنة 1670 وتوفي في 3 آيار 1704.
58 – جبرائيل الثاني البلوزاني: انتخب بطريركًا في أول آب سنة 1704 وتوفي في 31 تشرين الأول 1705.
59 – يعقوب الرابع عواد الحصروني: انتخب بطريركًا سنة 1705 وتوفي في 19 شباط سنة 1733.
60 – يوسف الخامس ضرغام الخازن: تولى البطريركية منذ سنة 1733وتوفي في 13 آيار 1742.
61 – سمعان السابع عوّاد الحصروني: انتخب بطريركًا سنة 1742 وتوفي في 12 شباط سنة 1756.
62 – طوبيا الخازن من بقعاتة كنعان: انتخب بطريركًا في 28 شباط سنة 1756 وتوفي في 19 آيار 1766.
63 – يوسف السادس أسطفان من غوسطا: انتُخب بطريركًا في 9 حزيران 1766 وتوفي في 22 نيسان سنة 1793.
64 – ميخائيل الثاني فاضل من بيروت انتخب بطريركًا في 20 أيلول سنة1793 وتوفي في 17 آيار سنة 1795.
65 – فيلبّس الأول الجميّل من بكفيا: انتُخب بطريركًا في 13 حزيران سنة 1795 وتوفي في 12 نيسان سنة 1796.
66 - يوسف السابع التيّان من بيروت، انتخب بطريركًا في 28 نيسان 1796 وتوفي في 20 شباط سنة 1820.
67 – يوحنا الثالث عشر الحلو من غوسطا: انتُخب بطريركًا في 8 حزيران سنة 1809 وتوفي في 12 آيار سنة 1823.
68 – يوسف الثامن حبيش من ساحل علما: انتُخب بطريركًا في 25 آيار سنة 1823 وتوفي في 23 آيار سنة 1845.
69 – يوسف التاسع راجي الخازن من عجلتون: انتُخب بطريركًا في 16 آب سنة 1845 وتوفي 3 تشرين الثاني سنة 1854.
70 – بولس الأول مبارك مسعد من عضقوت: انتُخب بطريركًا في 12 تشرين الثاني سنة 1854 وتوفي في 18 نيسان سنة 1890.
71 – يوحنا الرابع عشر ابن الخوري يعقوب الحاج من دلبتا، انتُخب بطريركًا في 28 نيسان 1890 وتوفي في 24 كانون الأول 1898.
72 – الياس الأول الحويّك من قرية حلتا – البترون، انتُخب بطريركًا في 6 كانون الثاني سنة 1899 وتوفي 24 كانون الأول سنة 1831.
73 – أنطون الأول عريضة من بشري: انتُخب بطريركًا في 8 كانون الثاني سنة 1932 وتوفي في 19 آيار سنة 1955.
74 – بولس الثاني المعوشي من جزين: عيّنه البابا بيوس الثاني عشر بطريركًا في 25 آيار سنة 1955. توفي في 11 كانون الثاني سنة 1975.
75 – أنطونيوس الثاني خريش من عين إبل. انتُخب بطريركًا في 3 شباط سنة 1975 وتوفي في 19 آب 1994.
76 – نصر الله صفير: مواليد ريفون – كسروان بتاريخ 15 آيار 1920. انتخب بطريركًا في 19 نيسان 1986. عيّن كاردينالاً في 26 تشرين الثاني 1994. قدّم استقالته سنة 2011.
77 – البطريرك بشارة الراعي ...
تعليقًا على سلسلة البطاركة الأنطاكيين الموارنة وتوضيحًا لبعض النواقص التي برزت في بعض المصادر والمراجع أعدّ الأب بولس صفير حافظ المكتبة البطريركية دراسة بعنوان "البطاركة الموارنة – لمحة تاريخية ومحطات روحية" نشرتها جامعة AUT بمناسبة افتتاح حديقة البطاركة الموارنة – الديمان في 31 تموز 2004، يقول فيها (ونحن ننقل كلامه بتصرف):
أول من وضع دراسة حول سلسلة بطاركة الموارنة الأنطاكيين هو البطريرك مار اسطفانوس الدويهي الإهدني وقد عني بنشر هذه السلسلة وعلّق حواشيها المعلّم رشيد الخوري الشرتوني سنة 1898. وقبل هذا الأخير بسبع عشرة سنة كان الأب يوحنا نطين الدرعوني (المطران بعدئذ) قد طبع في روما سنة 1881 سلسلة للبطاركة الموارنة، كما يقول العالم العلاّمة يوسف السمعاني حافظ المكتبة الفاتيكانية. وفي آخر الربيع الأول من هذا القرن وضع القس طوبيا العنيسي سلسلة تاريخية للبطاركة الأنطاكيين الموارنة طبعت في روما سنة 1927.
وهناك مؤرخون موارنة عديدون قدما وحديثون أمثال المطران يوسف الدبس في مؤلفه: "الجامع المفصّل في تاريخ الموارنة المؤصّل"، بيروت سنة 1905، والمطران يوسف دريان في مؤلّفه: "لباب البراهين الجليّة عن حقيقة أمر الطائفة المارونية" القاهرة 1912، والمطران بطرس ديب في مؤلفه باللغة الفرنسية: "تاريخ الكنيسة المارونية"، بيروت 1962، وآخرون غيرهم قد أتوا في كتاباتهم على تعاقب البطاركة الموارنة الذين تولّوا الكرسي الأنطاكي.
المراجع الثلاثة الأولى، أي سلسلة الدويهي والسمعاني والعنيسي هي الأقرب إلى المستندات التاريخية وبالتالي الأصلح لترتيب السلسلة الممحّصة المتوخّاة.
المرجع الأول (سلسلة الدويهي) هو الأصلي. وقد تبنى آباء المجمع اللبناني سنة 1736 معظم سلسلته. وسلكوا على آثار الدويهي في ذكر أسماء البطاركة الأولين والسنين التي تبوأوا فيها كرسي انطاكية.
وبالرغم مما بذله الدويهي في هذا السبيل من البحث والتنقيب لم يتمكن من الوصول إلى أسماء جميع البطاركة الذين أقاموا في دير سيدة هابيل بين البطريرك يوحنا اللحفدي (1151 – 1154) والبطريرك إرميا العمشيتي (1199 – 1230). ولكن السمعاني والأب طوبيا العنيسي قد اهتديا إلى أسما ثلاثة من البطاركة كانوا قد تبوّأوا الكرسي الأنطاكي من سنة 1154 إلى سنة 1199. وذلك استنادًا إلى المراجع التاريخية المدوّنة في بعض الكتب والمخطوطات الشرقية التي لا تزال محفوظة في مكتبتي الفاتيكان وفلورنسا.
ثم إن الدويهي بدوره يذكر بعد البطريرك سمعان الذي هو البطريرك التاسع عشر على الموارنة، أربعة بطاركة وهم: إرميا ويوحنا وشمعون وشمعون. وهؤلاء بلا شك قد تولّوا الكرسي الأنطاكي بعد مجيء الصليبيين إلى الشرق.
وكان السمعاني قد غفل عن ذكر أسماء هؤلاء البطاركة الأربعة بالرغم من أنّه دوّن أسماء البطاركة الأربعة عشر المكمّلين للحلقة والموجودة أسماؤهم إلى جانب أسماء هؤلاء. فيجب إدراج أسماء الأربعة الآخرين في السلسلة كما أدرجها الدويهي.
ثم إن الدويهي ذكر بعد دانيال الشاماتي الذي هو الثالث والثلاثون من بطاركة الموارنة، بطريركًا باسم يوحنا وهذا لم يذكره السمعاني، بل ذكره الأب طوبيا العنيسي.
وبالإضافة إلى هذه الأسماء يضيف الاب طوبيا العنيسي غلى السلسة اسم البطريرك إرميا من دملصا، الذي لم يذكره البطريرك الدويهي ولا العلاّمة يوسف سمعان السمعاني...
أخيرًا، من سنة 1297 في عهد البطريرك داود المكنّى بيوحنا، يتّفق المؤرخون: الدويهي والسمعاني والعنيسي في سرد أسماء البطاركة وسني ولايتهم على كرسي أنطاكيا حتى يومنا هذا".
سلسلة البطاركة الموارنة بحسب المناطق
إهدن
أعطت عددًا من البطاركة الموارنة.
الأول البطريرك يوحنا الحادي عشر انتخب بطريركًا في 31 آذار 1567 وتوفي في 21 أيلول 1581، وهو البطريرك التاسع والأربعون من سلسلة البطاركة الموارنة السبع والسبعين.
الثاني، جرجس الأول بن عميرة. انتخب بطريركًا في 27 كانون الأول 1633. توفي في 29 تموز 1644، وهو البطريرك الثالث والخمسون من سلسلة البطاركة الموارنة السبع والسبعين.
الثالث، يوسف الثالث الرزي ابن موسى الرزي شقيق البطريركين ميخائيل وسركيس. انتخب بطريركًا سنة 1597 وتوفي في آذار 1608. وهو البطريرك الحادي والخمسون من سلسلة البطاركة الموارنة السبع والسبعين.
الرابع، أسطفانوس الثاني الدويهي الكبير، انتخب بطريركًا سنة 1670 وتوفي في 3 آيار 1704. وهو البطريرك السابع والخمسون من سلسلة البطاركة الموارنة السبع والسبعين.
له الفضل في وضع أول دراسة حول سلسلة بطاركة الموارنة الأنطاكيين وقد عني بنشر هذه السلسلة وعلّق حواشيها المعلّم رشيد الخوري الشرتوني سنة 1898.
الباردة – عكار
أعطت البطريرك موسى بن سعادة من البارده في بلاد عكار انتخب بطريركًا سنة 1524 وتوفي في 19 آذار 1567، وهو البطريرك الثامن والأربعون من سلسلة البطاركة الموارنة السبع والسبعين.
بسبعل
أعطت البطريرك جرجس الثاني، انتخب بطريركًا في قنوبين في أول كانون الثاني 1657، وتوفي في 13 نيسان سنة 1670، وهو البطريرك السادس والخمسون من سلسلة البطاركة الموارنة السبع والسبعين.
بشري
أعطت البطريرك أنطون الأول عريضة، انتُخب بطريركًا في 8 كانون الثاني سنة 1932 وتوفي في 19 آيار سنة 1955، وهو البطريرك الثالث والسبعون من سلسلة البطاركة الموارنة السبع والسبعين.
بقعاتة كنعان
أعطت البطريرك طوبيا الخازن، انتخب بطريركًا في 28 شباط سنة 1756 وتوفي في 19 آيار 1766، وهو البطريرك الثاني والستون من سلسلة البطاركة الموارنة السبع والسبعين.
بقوفا
أعطت عددًا من البطاركة الموارنة.
الأول البطريرك مخايل الرزي انتخب بطريركًا في 31 آذار 1567 وتوفي في 21 أيلول 1581، وهو البطريرك التاسع والأربعون من سلسلة البطاركة الموارنة السبع والسبعين.
الثاني، سركيس الرزي شقيق البطررك السابق. انتخب بطريركًا سنة 1581، وتوفي في 25 أيلول 1597، وهو البطريرك الخمسون من سلسلة البطاركة الموارنة السبع والسبعين.
الثالث، يوسف الثالث الرزي ابن موسى الرزي شقيق البطريركين ميخائيل وسركيس. انتخب بطريركًا سنة 1597 وتوفي في آذار 1608. وهو البطريرك الحادي والخمسون من سلسلة البطاركة الموارنة السبع والسبعين.
بكفيا
أعطت البطريرك فيلبّس الأول الجميّل، انتُخب بطريركًا في 13 حزيران سنة 1795 وتوفي في 12 نيسان سنة 1796، وهو البطريرك الخامس والستون من سلسلة البطاركة الموارنة السبع والسبعين.
بلوزا
أعطت البطريرك جبرائيل الثاني، انتخب بطريركًا في أول آب سنة 1704 وتوفي في 31 تشرين الأول 1705، وهو البطريرك الثامن والخمسون من سلسلة البطاركة الموارنة السبع والسبعين.
بنهران
أعطت البطريرك لوقا البنهراني، وهو البطريرك الثامن والثلاثون من سلسلة البطاركة الموارنة السبع والسبعين.
بيروت
أعطت عددًا من البطاركة الموارنة:
الأول، ميخائيل الثاني فاضل، انتخب بطريركًا في 20 أيلول سنة1793 وتوفي في 17 آيار سنة 1795، وهو البطريرك الرابع والستون من سلسلة البطاركة الموارنة السبع والسبعين.
الثاني، يوسف السابع التيّان، انتخب بطريركًا في 28 نيسان 1796 وتوفي في 20 شباط سنة 1820، وهو البطريرك السادس والستون من سلسلة البطاركة الموارنة السبع والسبعين.
في العام 1882 كانت سوق بيروت تشبه سائر أسواق الشرق، وفيها تعرض الحلى الفضية الجميلة التخريم، وحجر الفيروز، وعيبه الأكبر أنه مزيف إجمالاً. كما ذكرت الفيكونتيس دافيو دوبيولان في كتابها "في بلد الموارنة". أما رأس بيروت فهو نزهة ممتعة للغاية على شاطئ البحر، حيث يسير المرء بين دارات أنيقة تحيط بالمدينة فتزنرها. ومعظم هذه الدارات بني على تصميم موحّد الشكل، وقد لحظ المهندس المعمار في الطابق الأول شرفة واسعة مسقوفة تقوم على أعمدة صغيرة حاملة ثلاثة أقواس.
جاج
أعطت بطريركيين الأول يوحنا الثامن الجاجي (1239 – 1239)، وهو البطريرك الرابع والثلاثون من سلسلة البطاركة الموارنة السبع والسبعين. والثاني يوحنا العاشر، انتخب بطريركًا السنة 1404 وتوفي السنة 1445. وهو البطريرك الأول الذي يسكن في قنوبين، والرابع والأربعون من سلسلة البطاركة الموارنة السبع والسبعين.
جزين
أعطت البطريرك بولس الثاني المعوشي، عيّنه البابا بيوس الثاني عشر بطريركًا في 25 آيار سنة 1955. توفي في 11 كانون الثاني سنة 1975، وهو البطريرك الرابع والسبعون من سلسلة البطاركة الموارنة السبع والسبعين.
حالات
أعطت البطريرك غريغوريوس الثالث الحالاتي (1130 – 1141)، وهو البطريرك السادس والعشرون من سلسلة البطاركة الموارنة السبع والسبعين.
حجولا
أعطت البطريرك جبرائيل الثاني. إنتخب بطريركًا السنة 1357 ومات شهيدًا، وهو البطريرك الثاني والأربعون من سلسلة البطاركة الموارنة السبع والسبعين.
حدث جبة بشري
أعطت عددًا من البطاركة الموارنة.
الأول البطريرك يعقوب الثالث انتخب بطريركًا السنة 1445 وتوفي السنة 1465، وهو البطريرك الخامس والأربعون من سلسلة البطاركة الموارنة السبع والسبعين.
الثاني، يوسف الثاني ابن حسّان. إنتخب بطريركًا السنة 1468 وتوفي السنة 1492، وهو البطريرك السادس والأربعون من سلسلة البطاركة الموارنة السبع والسبعين.
الثالث، سمعان السادس ابن حسّان الحدثي. انتخب السنة 1492 وتوفي في 27 تشرين الثاني السنة 1524. وهو البطريرك السابع والأربعون من سلسلة البطاركة الموارنة السبع والسبعين.
حدشيت
أعطت البطريرك دانيال الثاني الحدشيتي (توفي العام 1239)، وهو البطريرك السابع والثلاثون من سلسلة البطاركة الموارنة السبع والسبعين.
حصرون
أعطت عددًا من البطاركة الموارنة.
الأول، البطريرك يعقوب الرابع عواد، انتخب بطريركًا سنة 1705 وتوفي في 19 شباط سنة 1733، وهو البطريرك التاسع والخمسون من سلسلة البطاركة الموارنة السبع والسبعين.
الثاني، سمعان السابع عوّاد. انتخب بطريركًا سنة 1742 وتوفي في 12 شباط سنة 1756. وهو البطريرك الحادي والستون من سلسلة البطاركة الموارنة السبع والسبعين.
حلتا – البترون
أعطت البطريرك الياس الأول الحويّك، انتُخب بطريركًا في 6 كانون الثاني سنة 1899 وتوفي 24 كانون الأول سنة 1831، وهو البطريرك الثاني والسبعون من سلسلة البطاركة الموارنة السبع والسبعين.
حملايا
أعطت البطريرك البطريرك بشارة الراعي، وهو البطريرك السابع والسبعون من سلسلة البطاركة الموارنة السبع والسبعين.
درعون
أول من طبع في روما سلسلة البطاركة الموارنة هو الأب يوحنا نطين الدرعوني وذلك في السنة 1881، كما أورد العلامة يوسف السمعاني حافظ المكتبة الفاتيكانية.
دلبتا
أعطت البطريرك يوحنا الرابع عشر ابن الخوري يعقوب الحاج، انتُخب بطريركًا في 28 نيسان 1890 وتوفي في 24 كانون الأول 1898، وهو البطريرك الحادي والسبعون من سلسلة البطاركة الموارنة السبع والسبعين.
دملصا
أعطت البطريرك إرميا الثالث الدملصاوي توفي سنة 1297، وهو البطريرك التاسع والثلاثون من سلسلة البطاركة الموارنة السبع والسبعين.
رامات
أعطت البطريرك يعقوب الأول (1141 – 1151)، وهو البطريرك السابع والعشرون من سلسلة البطاركة الموارنة السبع والسبعين.
ريفون
أعطت البطريرك نصر الله صفير، مواليد ريفون – كسروان بتاريخ 15 آيار 1920. انتخب بطريركًا في 19 نيسان 1986. عيّن كاردينالاً في 26 تشرين الثاني 1994. قدّم استقالته السنة 2011.، وهو البطريرك السادس والسبعون من سلسلة البطاركة الموارنة السبع والسبعين.
ساحل علما
أعطت البطريرك يوسف الثامن حبيش، انتُخب بطريركًا في 25 آيار سنة 1823 وتوفي في 23 آيار سنة 1845، وهو البطريرك الثامن والستون من سلسلة البطاركة الموارنة السبع والسبعين.
شامات
أعطت البطريرك دانيال الأول الشاماتي (1230 – 1239)، وهو البطريرك الثالث والثلاثون من سلسلة البطاركة الموارنة السبع والسبعين.
شرتون
المعلم رشيد الخوري الشرتوني نشر في السنة 1898 أول دراسة حول سلسلة بطاركة الموارنة الإنطاكيين كان وضعها البطريرك أسطفان الدويهي. وقام بتوضيح بعض مضامينها.
الصفرا
أعطت البطريرك يوحنا الثاني عشر من بيت البواب انتخب بطريركًا سنة 1648 وتوفي في 23 كانون الأول1656، وهو البطريرك الخامس والخمسون من سلسلة البطاركة الموارنة السبع والسبعين.
العاقورة
أعطت عددًا من البطاركة الموارنة.
الأول، البطريرك يوحنا التاسع العاقوري 1339 – 1357، وهو البطريرك الحادي والأربعون من سلسلة البطاركة الموارنة السبع والسبعين.
الثاني، البطريرك يوسف الرابع ابن حليب. انتخب بطريركًا في 15 آب 1644 وتوفي في 3 تشرين الثاني 1648. وهو البطريرك الرابع والخمسون من سلسلة البطاركة الموارنة السبع والسبعين.
عجلتون
أعطت البطريرك يوسف التاسع راجي الخازن، انتُخب بطريركًا في 16 آب سنة 1845 وتوفي 3 تشرين الثاني سنة 1854، وهو البطريرك التاسع والستون من سلسلة البطاركة الموارنة السبع والسبعين.
عشقوت
أعطت البطريرك بولس الأول مبارك مسعد، انتُخب بطريركًا في 12 تشرين الثاني سنة 1854 وتوفي في 18 نيسان سنة 1890، وهو البطريرك السبعون من سلسلة البطاركة الموارنة السبع والسبعين.
عمشيت
أعطت البطريرك إرميا الثاني (1199 – 1230)، وهو البطريرك الثاني والثلاثون من سلسلة البطاركة الموارنة السبع والسبعين.
عين إبل
أعطت البطريرك أنطونيوس الثاني خريش، انتُخب بطريركًا في 3 شباط سنة 1975 وتوفي في 19 آب 1994، وهو البطريرك الخامس والسبعون من سلسلة البطاركة الموارنة السبع والسبعين.
غوسطا
أعطت عددًا من البطاركة الموارنة:
الأول يوسف السادس أسطفان، انتُخب بطريركًا في 9 حزيران 1766 وتوفي في 22 نيسان سنة 1793، وهو البطريرك الثالث والستون من سلسلة البطاركة الموارنة السبع والسبعين.
الثاني، يوحنا الثالث عشر الحلو، انتُخب بطريركًا في 8 حزيران سنة 1809 وتوفي في 12 آيار سنة 1823. وهو البطريرك السابع والستون من سلسلة البطاركة الموارنة السبع والسبعين.
لحفد
أعطت البطريرك يوحنا السابع اللحفدي (1151 – 1154)، وهو البطريرك الثامن والعشرون من سلسلة البطاركة الموارنة السبع والسبعين.
بديهيات وطن يحتضر
مما لا شك فيه أننا ستبقى يعيدين عن مشارف الحياة السياسية والديمقراطية السليمة طالما بقيت أحزابنا على هذا الحجم وهذا التقوقع وهذا التوجه. وإذا أردنا أن نستثني من ذلك بعض الأحزاب ذات التوجه الوحدوي فهي حالات استثنائية لا تمثل غالبية الناس وتخرج من مفهومهم للعمل العام ضمن الإطار اللبناني.
الخطوة الأولى في بناء الدولة تتجسّد بالإصلاح السياسي فهو أساس كل نهضة.
قل لي أي قانون انتخابي تعتمد أقل لك أي نظام سياسي تبني.
إنطلاقًا من القانون الإنتخابي يتحدد مستوى الإصلاح في الدولة.
بقدر ما يضمن هذا القانون التمثيل الصحيح لكل الأوساط الشعبية وبقدر ما يؤمن تكافؤ الفرص بين المرشحين.
بقدر ما ترفع يد السياسيين عن الإدارة وتُحرّر التعيينات الإدارية من المحسوبية والمحاصصة، وتُكفل استقلالية القضاء من تدخلات السياسيين، بقدر ما نستبشر بفجر إصلاحي صحيح.
إن القوانين الانتخابية اللبنانية، عمومًا، تفتقد إلى التقسيمات الانتخابية العادلة، بحيث أنها كانت ولا تزال تحكمها معايير غير موحدة، وبالتالي تترجم ديمقراطية لبنانية غير متساوية.
لا يمكن الحديث عن حياة إنتخابية سليمة ما لم تتوج النزاهة أجواء الانتخابات،
على القانون الانتخابي العادل أن يحترم الدستور لاسيما مبدأ المساواة بين اللبنانيين وهو ما يمكن أن تعكسه التقسيمات الإدارية المعتمدة.
على القانون أن يحدد سقفًا للإنفاق المالي للحملات الانتخابية من أجل تأمين تكافؤ الفرص بين جميع المرشحين.
يتحول الإنفاق المالي في لبنان خلال الانتخابات أداة للتأثير على الناخبين في حين تكون الرقابة شبه معدومة ومغيبة. ويأخذ هذا التأثير المالي بعدًا جرميًا عندما يتحول إلى شكل رشاوى. والأخطر هو استعمال المال العام لمصلحة بعض المرشحين خاصة مرشحي السلطة.
عملية التحضير للانتخابات وعملية تعداد الأصوات وفرزها تأتي عادة مليئة بالشوائب والنواقص والتجاوزات والأخطاء المتعمدة.
إذا لم يتم تأهيل الركن البشري في إدارة العملية الإنتخابية، ستبقى الانتهاكات على حالها بل ستتضاعف وتيرتها.
بعيدًا عن أجواء الإنتخابات وتعقيداتها، وعودة إلى الجوهر والأساس:
ما هو هم اللبنانيين اليوم؟
أليس رؤية وطنهم معافى، مستقرًا ومستقلاً، ليتمكنوا من معالجة أزماتهم الاقتصادية التي تهدد حياتهم ومستقبل عائلاتهم؟
أليس همهم في إعالة عيالهم بكرامة ومن عرق جبينهم، وتأمين مستقبل لائق لأولادهم بعد تسديد الأقساط المدرسية والجامعية وتدبير مستلزمات المعاهد والجامعات ومتطلبات التعليم والتخصص؟
أليس همهم في كيفية تأمين ما يتوجب عليهم من ضرائب ورسوم فوق ما يتراكم من ديون ومع ما يتفاقم من أزمات، وفي تبديد كل الهموم الاجتماعية والنفسية والاقتصادية التي تترسب يوميًا على أكتافهم طبقة فوق طبقة؟
أليس همهم في الحصول على العناية الصحية اللائقة بعيدًا عن الإذلال والتسول وخطر مواجهة الموت البطيء؟
ألا يكمن في تأمين الضمانات الاجتماعية والإنسانية ولو بحدها الأدنى؟ وتسديد فاتورة الاستشفاء والدواء وتحرير الصحة من سطوة القراصنة والمافيات والوسطاء؟
ألا يكمن في معالجة المرضى والتخفيف من آلامهم وتعميم المستشفيات والمستوصفات ونشرها في كل المناطق على السواء؟ ألا يبحث شيوخنا عن ضمانات تخفف عبء وحدتهم وتداوي عجزهم ؟
أليس هم اللبنانيين في النمو بصحة سليمة في ظل قانون يحمي المستهلك وشرطة تضع حدًا لعبث من يتطاول على نضارة لقمة العيش؟ ألا يكمن همّهم في لملمة كل طعام فاسد وغذاء مصطنع ومسمم ؟
لتحقيق هذه المطالب المحقة ولتبديد هذه الهموم المقلقة ما هي التدابير والخطوات التي اعتمدت حتى اليوم؟ ما هو البرنامج الشافي؟ هل سادت الموضوعية تحركنا؟ هل فرض المنطق نفسه على الحل؟ هل تحسنت أوضاعنا عما كانت عليه بعيد انتهاء الحرب؟ وثمة أسئلة كثيرة أخرى، يجدر بنا أن نتساءلها كونها محور حياتنا في هذا الوطن المعذب:
كيف تتجدد الحياة في لبنان؟
هل تتطور السياسة فيه ؟
هل تشهد الحياة العامة نموًا؟
هل يطبق مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بين المواطنين بحيث لا يميز بين مواطن وآخر ، بين منطقة وأخرى، بين الفئات والجهات والمواقع؟
هل تصان الحريات ويحافظ على الحقوق؟
هل تحقق السلام الأهلي بدون شوائب؟
هل تم الانطلاق بحوار وطني صادق وحقيقي يجيب عن تساؤلات ومشاكل وهموم ومخاوف كل اللبنانيين دون استثناء؟
هل اللحمة عادت لتجمع أبناء الشعب الواحد؟
هل عادت للمهجر كرامته واسترجع حقه وتم التعويض له بعدالة وتجرّد؟
وهل بدأنا نتعامل مع اللبنانيين المقيمين في الخارج بالعقل والمنطق؟
عمومًا ، وهنا الأساس، مجتمعنا بأمس الحاجة للنهضة الشاملة وإداراتنا للإصلاح وإنساننا للثقة بالنفس.
تتعامل الديمقراطية اللبنانية مع مجتمع لبناني شديد التعقيد تدخل في تكوينه معطيات متنوعة.
الإنسان اللبناني ينتمي في آن واحد إلى دولة وطائفة وعائلة ومنطقة وقرية ... وهو يتمسك بكل هذه الانتماءات.
القانون الانتخابي الذي يميّز بين منطقة وأخرى عبر تقسيمات غير متشابهة، هو قانون مشبوه.
من العار والمهزلة أن يفوز نائب بمئة ألف صوت وآخر بخمسة آلاف صوت في الوطن الواحد ويمثلان الشعب عينه.
من الطبيعي والضروري أن يكون عدد المقاعد النيابية في كل دائرة انتخابية واحدًا تقريبًا.
وحيث يتعذر تشكيل دوائر جغرافية متجانسة، لا شيء يمنع من أن تتشكل بعض هذه الدوائر من شرائح جغرافية غير متصلة ببعضها أو حتى غير متقاربة طالما النائب سيمثل عموم الأمة اللبنانية الواحدة.
طالما لم نعزز التيارات الوحدوية الإجماعية العابرة للمناطق والطوائف والمذاهب، ونؤسس لقيام أحزاب كبيرة لها طروحاتها الوطنية المقبولة والمحترمة والعصرية، لن يصبح الصراع السياسي في لبنان صراعًا ديمقراطيًا بين الأحزاب وتجمعات الرأي العام الكبرى بل سيبقى صراعًا بين أشخاص وداخل المذاهب.
الانتخابات في لبنان تتعرض بشكل مستمر للتزوير والتلاعب.
من واجب الدولة ومن حق كل مواطن الحصول على بطاقته الانتخابية قبل الموعد المحدد للانتخابات وألا يسمح لأي استثناء أو تجاوز عبر استباق مرحلة الاقتراع بمرحلة تراقب فيها التحضيرات وتعالج كل إشكالية.
لا يجوز لأي جهة أن تحجب عن المواطن حقه في انتخاب ممثليه.
لا يحق لأية فئة أن تصادر هذا الخيار.
إن منطق المحادل الانتخابية مرفوض.
في المقابل مطلوب النضال الديمقراطي وتجييش القاعدة المواطنية الشعبية من أجل ديمقراطية حقيقية للانتخابات، ضمان الحقوق الشعبية وتطهير العملية الانتخابية من مفاسد المتلاعبين بها.
القانون الانتخابي اللبناني حتى تاريخه لا يتمتع بالثبات والعدالة. يجب على قانون الانتخابات النيابية، أن يتمتع بروحية تقوم على الأولويات التالية: أن يأتي قانونًا أساسيًا أولاً وعادلاً ثانيًا ومتوازنًا ثالثًا ويحقق التمثيل الشعبي الأصح رابعًا ويحترم مبادئ العيش المشترك والوفاق الوطني والسلام الأهلي ويسمح بتكافؤ الفرص.
نحتاج إلى معطيات كثيرة تحمل إلى المواطن الطمأنينة وتشعره بعدم الذوبان والاضمحلال في هذه المساحة البشرية الواسعة،
نحتاج إلى حوافز تبقي المواطن محافظًا على خصوصيته ومكانته وكرامته وموقعه وإمكانية التعبير عن شخصه، في جو من التكافؤ والمساواة، إن على مستوى المواطنية أو على مستوى الإنتماء المذهبي والطائفي والمناطقي.
في الثمانينيات، خراب ودمار طاول مقومات الطبقتين الوسطى والفقيرة من خلال اللعب بسعر صرف العملة حيث كانت التقلبات في اليوم الواحد، صعودًا وهبوطًا وبشكل خيالي دون سبب علمي واقتصادي واضح.
كل الفارق في الربح يوذاك صب في مصلحة العارفين والأزلام بحيث أصبحوا من مالكي الثروات الكبرى.
هذه العملية على المستوى الوطني العام، كانت هدرًا لموارد خزينة الدولة وإفقارًا للناس عن طريق سعر صرف العملة وتدخلات مصرف لبنان بالإحتياط الذي هو أيضًا ملك للشعب.
آن الآوان بإلحاح لإعادة النظر بالسياسة الإقتصادية والأساليب المعتمدة لمواجهة هذا السقوط الإقتصادي الرهيب.
من شأن القانون الانتخاب النيابي أن ينتج الطبقة السياسية الحاكمة.
في هذا القانون الإطار الأول والأهم لإيصال قوى التغيير وتيار التجديديين والنهضويين والإصلاحيين إلى السلطة.
الشعب لا يزال للأسف بعيدًا كل البعد عن تلمس هذا الواقع المهين، علمًا أنه يشعر بما لا يقبل الشك كيف أن وضعه المأساوي يزداد تأزمًا سنة بعد سنة وكيف أن الوعود التي يقطعها عليه النواب يوم الانتخابات هي أشبه بطبقة من الجليد تتكدّس بلحظة، فينزلق عليها اللبنانيون ويقعون في الخطأ التقليدي نفسه كل أربع سنوات ثم لا يلبث أن يتبخر الجليد مع أول إشراقة لشمس البرلمان الجديد.
لا مجال للمواطن اللبناني بالتطور في هذا البلد طالما الديمقراطية اللبنانية لا تزال عرجاء...
إدارة شؤون المواطن اللبناني تتطلب التحرك بتجرد في إطار من القوانين والمساواة بعيدًا من الناحية السياسية عن كل ما من شأنه أن يولد أزمة حكم واعتكاف ومن الناحية العملانية عن كل ما من شأنه أن يوزع المناصب وفق محاصصات والتزامات وتقاسم ومنافع.
النظم الديمقراطية في العالم تفترض وجود أحزاب تخوض الانتخابات وفق برامج وطنية واضحة يتبناها الشعب أو يرفضها. وبحسب إرادة الشعب تتوزع مقاعد النيابة.
الحياة البرلمانية في لبنان هي صلب كل تغيير جذري لنظامنا وتطهيره من كل سوء. تجربة الحرب اللبنانية وما سبقها من أحداث دموية ومحاولات إنقلابية وتغييرية بقوة السلاح وبالعمالة الخارجية خارج الأطر الديمقراطية البرلمانية أثبتت فشلها.
التغيير في لبنان لا ينجح ما لم يستمد حركته من داخل النظام وفي إطار اللعبة الديمقراطية البرلمانية.
والتيار القادر على التغيير في لبنان هو تيار قادر على إنجاب أغلبية برلمانية داخل المجلس النيابي. هذه الأغلبية لا يمكن لحزب أو تيار أو زعامة موجودة اليوم على الساحة اللبنانية أن تؤمنها.
من هذا المنطلق نشير إلى أن القوة الحزبية القادرة على خلق تغيير في المنظومة السياسية اللبنانية هي الحركة القادرة على إنجاب لائحة نواب ينتمون إلى مجموعة الطوائف اللبنانية وإلى كافة المناطق .
فما من حزب قادر على إيصال عدد من النواب يفوق النصف إلا إذا امتد انتشاره إلى كل المناطق والطوائف وهو أمر تعجز عن تجسيده جميع الأحزاب اللبنانية التقليدية.
فكل حزب من الأحزاب اللبنانية ينحصر وجوده في منطقة معينة أو طائفة محددة. وكل زعيم يفرض زعامته على بقعة جغرافية ضيقة. والحزب القادر على استقطاب غالبية الشعب اللبناني هو حزب يتحلّى بمواصفات معينة أبرزها لاطائفيته ونظافة كف مسؤوليه ولا مناطقيته ولا ارتباط له بشخصانية الزعيم ومحدودية المذهب.
سقطت حقيقة الأحزاب في لبنان وانهارت بسقوطها الديمقراطية.
حري بالإصلاح داخل لبنان أن يبدأ اليوم من أن لا يبدأ أبدًا.
حقوق الإنسان وصون الحريات العامة مسألة خرجت من إطارها الداخلي وباتت تشد نحوها مناصرين دوليين نفوذهم يزداد سنة بعد سنة.
من هؤلاء تلك الأوساط الحقوقية الدولية والحركات الناشطة عالميًا في هذا الميدان.
هذه المسألة أيضًا شأنها شأن كل المسائل الأخرى يمكن أن تتحول وبسرعة مطلقة إلى قميص عثمان تستغلها الديبلوماسية الدولية لترسيخ مصالحها الاستراتيجية في هذه الدول.
النهضة الحقيقية للدول تحرر الإنسان من مشاكله، والدول من قيودها، والأنظمة من أعبائها.
النهضة الحقيقية لا تسمح بمنح حق لجهة على حساب حقوق الاخرين.
ما دام الأقوى هو صاحب القرار وهو يهمش الآخرين ويستعبدهم، ستبقى النهضة حلمًا بعيد المنال والتحقيق.
الدولة القوية، تتصرف بكبر.
ما من مادة في القانون اللبناني تجيز الضرب، وحتى تاريخه ثمة أناس يتعرضون للضرب على الأراضي اللبنانية.
إنه خرق واضح للقانون والأعراف والأصول لا يقل أهمية وخطورة عن أهمية المحافظة والتمسك بحصانة القضاة.
طالما أن العدالة اللبنانية لا تشمل كل اللبنانيين فخرق الدستور سيبقى ميزة الحياة العامة في لبنان.
هناك عقوبات فظيعة ارتكبت في لبنان نجد فيها القضاء متساهلاً إلى أقصى الحدود. لقد استشهد أحدهم يومًا بحادثة رمي قنابل على باب إحدى دور العبادة في الشمال... لم يحكم على الفاعل سوى بثلاثة أشهر حبس.
إحترام الإنسان وحقوقه في لبنان يفرض على السلطات الحاكمة عدم المساس بحرية التعبير وبالتالي من غير الجائز اتخاذ تدابير قمعية واعتقالات عشوائية بحق المواطنين.
إحترام الدستور وشرعة حقوق الإنسان أولويتان لا بد للسلطة من التقيد بهما كي يبقى لبنان منبر حرية ومعقل ديمقراطية صحيحة.
كما وأن تمسك المواطن اللبناني بحريته لا يجوز أن يطغى على احترامه لقوانين بلاده وتعاطيه مع الحكم بإيجابية.
التعبير بحرية عن أية معارضة لا يجوز أن يهدف إلى تدمير البلاد وتعكير صفو السلام الشعبي فيها. بل العكس كل تظاهر وتعبير عن رأي يجب أن يصب في خدمة تصحيح الاعوجاج ونهضة البلاد وتحسين أداء مؤسساتها، وإصلاح كل خلل داخل المجتمع والاقتصاد اللبنانيين.
الاستنسابية والمحاصصة الطائفية والمناطقية وظاهرة الاحتكار كلها مسببات تفرق بين لبناني وآخر وتطيح بمبدأ المساواة المكرس بالدستور.
كل سلطة تحترم الشعب تحترم حريته في التعبير عن الرأي وحقه في التجمع السلمي وتمتنع عن أي اعتقال اعتباطي.
لبنان وطن الحريات كان ويجب ان يبقى ليبقى.
لبنان وطن الاقتصاد الحر والالفة الوطنية المجتمعية كان ويجب ان يبقى، ليبقى.
لبنان وطن الانفتاح على الشرق والغرب كان ويجب ان يبقى، ليبقى.
لبنان وطن المبادرة الفردية وحقوق الفرد وواجباته كان ويجب ان يبقى ليبقى.
لبنان وطنٌ مقدّس، ارضهُ مقدسة، مواطنيه يتنقّلون أحراراً في حياتهم واعمالهم بين اقطاب المعمورة وتبقى جذورهم فيه حيّةً تُرزق، هكذا كان ويجب ان يبقى.
لبنان المقهور من أيٍّ كان، ولأي سببٍ كان، لن يكون، طالما بقي منا واحد أوحد يقاوِمُ قوى الشرِّ فينا ومن حولنا حتى النفس الاخير.
تنتشر في لبنان الجرائم على أنواعها ومنها الجنسية والانحرافية.
ظهور هذه الجيوب الفاسدة في المجتمع اللبناني لا يعني أن مجتمعنا بأكمله فاسد.
يمتلك لبنان مقومات اجتماعية رادعة لا تزال تفرض نفسها داخل المجتمع ومنها الدين والأعراف والتقاليد والعادات وروابط العائلة والتراث.
من حق اللبنانيين أن يحصلوا من قبل القضاء والمصادر الرسمية على المعلومات الدقيقة والصحيحة لحيثيات كل مسألة تمسّ أمنهم الاجتماعي والبيئي والاقتصادي، من زاوية التمسك بالشفافية والمصداقية في التعاطي مع شؤون الوطن والمواطن.
من حق اللبناني أن تتوضح الحقائق أمامه لأن حياته بملئها ومستقبله ومستقبل عائلته مرتبطة بها.
في العالم جمعيات كبرى ومؤسسات ومراجع ومنظمات وتنظيمات تمتلك خبرة طويلة علمية وميدانية في مختلف القضايا والشؤون لاسيما البيئية والجغرافية والاقتصادية والإنمائية.
من هنا التواصل مع مثل هذه المرجعيات يفيد الثقافة اللبنانية ويساهم في تدريب اللبنانيين وإعطائهم المعلومات ومنحهم الخبرة التقنية المتطورة والعلمية البحتة. وتعميم العمل الجدي في صفوفهم ونشر التوعية البيئية بينهم ومعرفة استخدام الأساليب الحديثة المعتمدة في أرقى دول العالم.
كل انتهاك سافر لحقوق الإنسان وكل تعدى يطال البيئة يوجبان تدخلاً فوريًا من قبل المراجع المسؤولة وإجراءات عملية قانونية رادعة .
لا يجوز المساس بسمعة لبنان البيئية.
بالتالي مرفوضة كل عملية منع تطال باخرة أو طائرة أو آلية أو بعثة تزور لبنان في مهمة بيئية أو إنسانية.
بعد مرحلة من الغبن الاجتماعي الذي طاول كل الشرائح اللبنانية خلال الحرب اتخذ القرار وانسجامًا مع مرحلة السلم في إعادة تأمين الخدمات الاجتماعية بما يتلاءم والعصر والحقوق المشروعة.
استبشر اللبنانيون خيرًا باجتماع هذه الأولويات وانتظروا الصدق في تعاطي المسؤولين مع هذه المسائل وفي وعودهم وأن تأتي أعمالهم لتعكس هذه المصداقية وأن تترجم الميزانيات التي على أساسها ستنفذ الخطوات الموعودة هذا الصدق.
إنطلاقًا من هنا ، وافق الشعب على مبدأ المديونية. علمًا أن فئة كبيرة من الشعب وقفت موقف المعارض والمقاطع والرافض .
تراكمت الديون وتضاعفت وألفت طبقات تكدّست بعضها فوق بعض.
مع توالي السنين وتتابع العهود وجد اللبناني نفسه يحمل على منكبيه جبلاً ضخمًا من الدين العام يرزح تحت ثقله ويبحث عبثًا عمن يخلّصه من كابوسه.
بعد مسيرة مضنية وسياسات معقدة خنقت البلاد وضيّقت علي العباد ، وفي وقت تبدو المعالجات ومحاولات التصحيح غير مجدية ، لا بد لنا من الوقوف وقفة تأمل في واقعنا الاقتصادي والاجتماعي لنطرح على نفسنا السؤال التالي:
ما هو الأهم في لبنان وما هي الأولوية الواجب أن تحتل المرتبة الأولى؟
ألن يكون مستوى حياة المواطن اللبناني هو الأولوية ومقدرته على الصمود والتنامي هي في المرتبة الأولى ؟
ليس أمام الأجيال الصاعدة من معطيات عن الماضي اللبناني القريب كما البعيد سوى كلام الكبار في السن.
أية عملية توثيق جدية وموضوعية للأحداث لم تظهر.
قد لا يجد الشباب سبيلاً لمعرفة ما حصل إلا بأن يقصدوا شخصيًا مكتبة عامة - وعددها قليل في لبنان - أو أرشيف أحد الجرائد أو كالات الأنباء لكي يطلع بنفسه وبمبادرته الفردية على ما يتيسر له من المعلومات.
لا يزال الإنماء المتوازن شعارًا ومبدءًا بعيدًا كل البعد عن التنفيذ ولو في أدنى بنوده ولايزال الحرمان عنوانًا عريضًا يشمل كل المناطق اللبنانية النائية ولاسيما الجنوب والبقاع الغربي وعكار.
ربط هذه المناطق النائية بشبكة من سكك الحديد وتعبيد الطرق وإنشاء مطار لتلبية حاجاتها وتنشيط الحركة الاقتصادية فيها وصيانة شبكات الطرق وتوسيعها وبناء البنى التحتية فيها إلى جانب خطوات عملية أخرى كثيرة منها ما هو مكلف يلزم ميزانيات متعددة الأحجام ومنها ما هو بسيط لا يحتاج إلا لقليل من الدعم وكلّها عوامل من شأنها رفع الغبن عن هذه المناطق.
إلا أن السؤال الملفت يبقى هل ثمة قرار سياسي بإنماء هذه المناطق ؟ هل تتوفر إرادة لدى المسؤولين لإيصال الحقوق إلى أصحابها في تلك النواحي.
المراقب الميداني لهذا الإهمال وكردة فعل أولية يخلص إلى استنتاج حقيقة وهي أن ظاهرة الإهمال مفتعلة ومقصودة لها زهداف عديدة لعل أهمها أن ينمو لدى المواطن في تلك النواحي شعور بأنه لا ينتمي إلي الدولة اللبنانية وأن ثمة دولة صديقة أخرى تهتم لأمره وترعاه وتؤمن حقوقه وتلبي حاجاته أكثر مما تفعله الدولة اللبنانية.
الكثافة السكانية العالية تصبح حالة طبيعية متى نجح الاقتصاد في إيجاد وخلق فرص عمل جديدة وتوسيع الاستثمار وتفعيل الانتاج الاقتصادي في مختلف القطاعات.
العائلة اللبنانية هي دعامة للمستقبل.
إنها الجندي المجهول في معركة تثبيت الاستقرار الاجتماعي. على الدولة أن تتعامل معها كما تتعامل مع أية مؤسسة تابعة لها.
بعد العائلة اللبنانية، يجب أن نصب اهتمامنا بالبيت اللبناني. والبيت اللبناني له بعد اقتصادي واجتماعي، وخصوصية ومقومات، وهو يتطلب دراسات خاصة به وعناية خاصة وبرنامج خاص.
على الدولة أن تهتم بشؤونه اهتمامًا خاصًا ومنفصلاً عن اهتمامها بشؤون العائلة. لأن البيت اللبناني هو حلقة مستقلة يكمّل الحلقة الزخرى.
علينا أن نصب اهتمامنا بكل أفراد المجتمع من شيوخ ونساء ورجال وشباب وأطفال. وكل فئة من هذه الفئات تتطلب منّا غوصًا عميقًا في كافة شؤونها وشجونها.
يعتبر لبنان الرائد في إعطاء المرأة حقوقها السياسية في العالم العربي. ونجحت المرأة في الكثير من المراحل بأن تشترك بفاعلية في تحمل المسؤوليات الوطنية في كل القطاعات بما فيها الاقتصادي والاجتماعي والتنموي والسياسي. وكان لها الفضل في ترسيخ صمود المجتمع اللبناني في أحلك الظروف التي مر بها من حرب واحتلال وهجرة وتهجير. من النساء اللبنانيات من اعتقلن وقاومن واستشهدن .
في لبنان أزمة تربوية خطيرة تبدأ في المدارس وتتسلل إلى المعاهد وتنتهي في الجامعات. هذه الصروح الثقافية والحضارية من أولى أهدافها أن تنسج الوحدة الوطنية في صفوفها كونها منابر يلتقي على مقاعدها كل أبناء وفئات الوطن على اختلاف تنوعهم.
بعد الحرب وانعكاسًا للانقسامات المناطقية والمذهبية داخل المجتمع اللبناني تأثرت هذه المؤسسات بهذا التفسخ ولم تتمكن من المساهمة في تتويقه ومعالجة جراحه بل العكس نجد أن الطلاب يتخرّجون ولا يزالون على ما كانوا عليه من انقسام وتباعد ونفور.
السياسة التربوية في لبنان تحتاج إلى إعادة ترتيب.
في لبنان تتعدد الوزارات التي تعنى بالتربية ، فلدينا وزارة للتعليم المهني والتقني وأخرى للتربية والشباب والرياضة إلى جانب وزارة الثقافة، صحيح أن مجال الفكر والتربية واسع وهو يتطلب غوصًا في كل قطاعاته ونواحيه وبالتالي يستحق هذا الكم من الوزارات لكن في لبنان وشأن كل شيء قيّم تتغلّب النزعة الفوضوية على سير الأمور. فبدلاً من أن تساهم هذه التجزءة في تطوير الحياة الفكرية والثقافية في لبنان نرى أن التخلّف والتعصّب والجهل تزداد وتيرته في جو من انعدام التنسيق بين هذه الوزارات.
للتخفيف من ضياع الوزراء ونتيجة ازدياد وتراكم المشاكل والهموم والمتأخرات في وقت لم يتوصل لبنان إلى إيصال الشخص المناسب ذي الاختصاص المعيّن على رأس وزارة محددة وبالتالي تأليف مجلس أعلى تحت إشراف الوزير يتولى متابعة شؤون وشجون الوزارة بات حلاً مرحليًا مفيدًا لتطوير عمل كل الوزارات وجعلها قادرة علي تلبية حاجات ومقتضيات المجتمع ضمن اختصاصها وفي رطار مسؤولياتها.
الكوادر التعليمية تحتاج لتأهيل مستمر، وتفترض معالجة جذرية لمجمل المشاكل التي يعانون منها وتأمين مختلف حاجاتهم وتدبير شؤونهم وتلبية حاجاتهم وتأمين حقوقهم وتسيير شؤونهم.
لا يكفي أن يضع لبنان مناهج تربوية جديدة عليه أن يفعل مصلحة الإرشاد التربوي ويتابع عملية تأهيل الأساتذة وكل مسؤول يقع على عاتقه واجب إدارة وتنفيذ هذه المناهج.
المدارس اللبنانية تحتاج أيضًا لإعادة تأهيل، لتتمكن ليس فقط من استيعاب التلامذة بل أيضًا من الانطلاق في تنفيذ برامج عمل المجموعات داخل صفوفها والتحول إلى الإطار التطبيقي في التعليم. هو ما يفرضه واقع العلم في القرن الحالي، وينسجم معه.
النهضة الشاملة في لبنان من أولى علاماتها أن يحظى كل مواطن بإمكانية التعليم.
العدالة الاجتماعية والجغرافية ،برنامج اقتصادي ناهض
ترسيخ العدالة الجغرافية من جهة وإلى بلورة برنامج اقتصادي ناهض يؤمن التوازن بين الموارد والحاجات والمناطق.
إلزامية التعليم ومجانيته على الأقل بالنسبة للمرحلة الابتدائية هو عامل دافع في اتجاه النهضة المنتجة للكوادر المثقفة في المجتمع.
يمكن أن يطبق لبنان في منهجه التربوي وسائل التعلم عن بعد لنشر الثقافة والعلم عبر وسائل الإعلام إلى المناطق النائية من جغرافيته حيث تنتشر الأمية ولم تتمكن الدولة حتى اليوم من تعميم نوسسات تربوية وإنماء هذه المناطق فكريًا وثقافيًا.
نحن في هذه المرحلة بحاجة الى الإستقرار ولا سيما من أجل الإقتصاد اللبناني ونوعية حياة اللبنانيين وجاذبية الإستثمار لدى لبنان، فلبنان يتأثر إقتصاديا بالأزمة الإقليمية وهو بحاجة الى نهضة إقتصادية تعوض عن اربعين عاما من الحرب
المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تعاني مشاكل حادة نتيجة تردي الأوضاع الاقتصادية.
هذه المؤسسات تحتاج لبرنامج إنقاذي يعيد إدخالها في حالة النمو والربح وينشط طاقتها الانتاجية.
هذه المؤسسات تحتاج لمد من السيولة ولعديد من الإجراءات لمعالجة أوضاعها.
حركة التصدير ضعيفة
كثرة الضرائب والرسوم وتكلفة التصدير تكبل الإقتصاد
ندرة تسليفات القطاع المصرفي يؤخره.
كثيرة هي المؤسسات الصغيرة والمتوسطة لاسيما تلك التي يشملها القطاع التجاري مهددة بعدم الاستمرار وبالإقفال نتيجة ضغوطات قوية تعاني منها مع القطاع المصرفي.
لإنقاذ هذه المؤسسات يجب اعتماد بعض المرونة في تعامل المصارف معها.
أما لإنجاح مخطط بعث الاقتصاد اللبناني ونهضة مقدراته وقطاعاته فيجب اعتماد سلسلة تدابير أولية تنطلق من العناوين الكبيرة التالية:
الإصلاح في النظام النقدي،
خفض الفوائد،
تشجيع تنمية القطاعات الانتاجية،
مساعدة الاقتصاد اللبناني ليصبح اقتصادًا إنتاجيًا،
إستقطاب رؤوس المال الخارجية،
إزالة مظاهر الحرب واللاإستقرار الأمني والسياسي،
تحصين الأمن الاجتماعي،
خلق فرص للاستثمار،
فتح الأسواق العربية أمام الخدمات والمنتوجات اللبنانية،
إعادة تأهيل المواطن اللبناني اقتصاديًا،
إنشاء معاهد تدريب،
توجيه الطاقات توجيهًا سليمًا،
رصد حاجات السوق الاقتصادية المحلية، العربية والدولية وربطها بخلق الطاقات المتخصصة،
السهر على تقديم أفضل الانتاج والخدمات،
وضع خطط اقتصادية واضحة وثابتة،
رسم سياسات مالية ونقدية علمية ومفيدة،
تنظيم عملية الجباية الضريبية،
التوسيع في قاعدة المكلفين،
التركيز على الجباية في القطاعات الخدماتية كالكهرباء والهاتف والمياه،
إصلاح الإدارة الرسمية،
محاربة الفساد،
العمل على زيادة نسبة النمو،
التركيز على القطاعات المنتجة،
إرشاد الإنفاق واستعماله بطريقة سليمة لتحريك وإنعاش وتشجيع الاقتصاد،
بث روح المواطنية والتضامن الوطني في صفوف الشعب اللبناني،
ملاحقة موضوع الأسعار ورقابتها،
خلق أطر اقتصادية لإمكانية منافسة السلع اللبنانية لمثيلاتها الأجنبية عبر التركيز على أفضل النوعية بأسعار مناسبة،
الاندماج في السوق العالمي بطريقة مفيدة،
الاهتمام بمسألة الرواتب والأجور وتأمين التعويضات اللازمة.
تحرير الاقتصاد اللبناني من مفهوم الفردية إلى إطار المؤسسية عبر تشجيع المساهمات المالية من جهة وفصل الإدارة عن الملكية من جهة أخرى كي تنمو ظاهرة المؤسسات والشركات الكبيرة،
خفض كميات البنزين المخصصة للإدارات العامة والأجهزة،
منع استعمال سيارات الدولة وآلياتها لتلبية الحاجات الشخصية لموظفيها،
وقف دفع نفقات التطبيب في الخارج إلا لموظفي السلك الخارجي أو الموظفين المكلفين مهمة رسمية في الخارج،
تفعيل عمل المستشفيات الحكومية وإيجاد سبل لتخفيف أعباء المستحقات للمستشفيات الخاصة،
إلزام المستفيدين من الطبابة المجانية على حساب وزارة الصحة، دفع النسبة ذاتها المحددة في الضمان الاجتماعي.
الحديث عن مكافحة الفساد سيبقى عبثيًا ما لم يودع مسؤولون ووزراء ونواب وزعماء ومرجعيات السجون.
الفساد المستشري في الإدارة اللبنانية تخطى حدود الجمهورية وصارت كل دول العالم وكل المرجعيات الدولية تشتم رائحة الفساد اللبناني وتدرك أنه يتملك كل زاوية من زوايا المؤسسات اللبنانية الرسمية.
صورة الإدارة في لبنان سيئة إن في الداخل أو في الخارج وهي تفرمل كل مسعى يهدف إلى لجذب الرأسمالية الأجنبية والرساميل القادرة على إنهاض الاقتصاد اللبناني.
الإدارة لا تبدو نظيفة أو كافية أو حتى كفوءة بمعظمها نتيجة خضوعها للمحاصصة وانعكاسها لأداء سياسي بعيد كل البعد عن الرقابة الفاعلة والإصلاح الإداري.
هذا الواقع يخلق ظواهر إرباك عديدة ليس أقلها عدم التساوي بين المواطنين وعدم وجود تكافؤ الفرص وعدم التوازن المناطقي.
الفساد الإداري هو نتيجة أعمال تخالف القوانين يقوم بها موظفون بهدف الاستفادة المادية، فتؤثر سلبًا على سير العمل في الإدارة العامة وعلى فعالية خدماتها وشفافيتها.
الموظف الفاسد هو الموظف الذي يتعامل بالرشرة ويميز بين مواطن وآخر وفقًا لمعايير الولاء السياسي والانتماء الطائفي والمناطقي...
يتجلى الفساد في عمليات إصدار البيانات العقارية والضريبية ورخص البناء وخطوط الهاتف وطلبات المياه والكهرباء...
الأعمال الناتجة عن الفساد تسمح بالتهرب الضريبي فتفقد الدولة إمكانات مالية كبيرة تؤثر على عمل الدولة مع الفقراء وفي المجال الاجتماعي.
يؤدي الفساد إلى اللاإستقرار المالي والنقدي.
هو مرض معد ينتشر بسهولة في كل مؤسسات الدولة ويضر بالنمو الاقتصادي، كأن يقضي على المنافسة الحرة الشفافة، يعرقل الاستثمار، يضر بالتجارة الخارجية
الفساد الإداري مشكلة عالمية وليست فقط لبنانية، حتى أن البنك الدولي صار يأخذ بها قبل إعطاء القروض أو صرف هذه القروض.
وسائل الإعلام تساهم في فضح ما يخفى عن الرأي العام من أمور فاسدة في الإدارة العامة.
رجال الأعمال باتوا منزعجين من الرشاوى التي يجبرون على دفعها لتسهيل أعمالهم.
الصعوبات الاجتماعية تجعل المواطن العادي يضيق ذرعًا بالرشوة ودفع الأموال للموظفين.
محاربة الفساد تبدأ من رأس الهرم وليس من أسفله كي تكون ناجعة ومفيدة وتأتي بثمارها، وتصل إلى النتيجة المبتغاة.
محاربة الفساد تتطلب تعاونًا بين الدولة والقطاع الخاص والمؤسسات الدولية إضافة إلى دعم الرأي العام.
لا تكفي الإرادة السياسة وحدها لضرب الفساد ومعالجة مسبباته يجب أن يتقبل المجتمع اللبناني الإصلاح الإداري ويتحرر من العقلية الفردية أيضًا.
كل إصلاح يفرض منع استباحة أموال الدولة شرعنة العمولات في القطاع الحكومي والرشوة والاحتيال .
يجب كشف التلاعب في الاعتمادات ومحاسبة ذوي التواقيع المزورة .
الإصلاح الإداري لا يزال رهينة إرادة السياسيين لهذه الأسباب تعجز الحكومات حتى اليوم عن تحقيقه والمضي قدمًا فيه.
الإدارة اللبنانية ينقصها التأهيل والتجهيز وموظفوها بمجملهم يعانون أوضاعًا غير مريحة وغير مستقرة.
نتيجة هذه الرجعية في الإدارة يتكبد المواطن خسائر ويتحمل الكثير من الأمور .
لا بد من إيجاد وسائل تفضي إلى اختصار المعاملات وتسهيل حصول المواطن عليها بسرعة وتكامل.
الهيكلية الإدارية في لبنان تحتاج بدورها إلى إعادة تصحيح بدءًا بالحكومة عينها.
حيث تتطلب عودة الأمور إلى نصابها إعادة النظر في تركيبة الحكومة وفي الوزارات حيث يمكن دمج عددًا منها ومعالجة ظاهرة الهدر.
الإنفاق على الرواتب والأجور يلتهم ثلث النفقات في الموازنات العامة في لبنان. كل زيادة في الإنفاق على القطاع العام يعزّز تفاقم العجز في الميزانية وبالمقابل كل إصلاح لم يتنبه لهذا الواقع ولم يضع آلية لخفض كلفة التوظيف في القطاع العام والإنفاق عليه، لن يكون إصلاحًا مفيدًا علي المدى الطويل.
ينطلق الإصلاح الاقتصادي من أربع عناوين تتجزّأ كل منها إلى فصول:
العنوان الأول يختصر بمعالجة سوء الإدارة، والعنوان الثاني بتحرير القضاء وتفعيل دور المؤسسات . أما العنوان الثالث فيغوص في آلية تفعيل النمو ومواجهة الانهيار ومسبباته. في حين يبقى العنوان الرابع تحرير القطاع العام من أعبائه لاسيما التقليص من حجمه.
من الخطوات الواجب اعتمادها
تحديث الإدارة
تبسيط المعاملات
اعتماد المكننة
تسهيل العلاقة بين المواطن والإدارة ودوائر الدولة
ولكن... على أعقاب حملة الإصلاح والمحاسبة الكبيرة التي انطلقت بها حكومة الرئيس سليم الحص سقط أربعة قضاة في صيدا فاهتز القضاء وحلّت صدمة كبيرة على السلطة القضائية في البلاد.
الإصلاح الإداري يقترن بتعزيز هيئات الرقابة وتحصينها وخلق الأجواء الملائمة لعملها لكي يأتي فاعلاً كفوءًا ونزيهًا. بحيث تعمد السلطات المعنية إلى اتخاذ إجراءات تزديبية رادعة بحق كل من يفسد في الإدارة من جهة ورفع أي غطاء سياسي عن الموظفين من جهة أخرى.
لا مكافحة جدية للفساد في لبنان
مكافحة الفساد لا تتم إلا بتحرير القضاء وتحييده وإطلاق يده. فيجري التحقيق ويلاحق الفاسدين ويحاكمهم وينفذ الأحكام بهم. القانون كفيل بقطع يد السارق.
الأجهزة القضائية المولجة تحقيق التطهير الإداري ومكافحة الفساد لا يمكنها أن تسمح لأية تجاوزات مهما صغرت فكل تساهل من شأنه أن يجر خلفه مسلسلات من التجاوزات لا تنتهي.
وكل منحى اقتصادي للاقتصاد وحركة نموه يجب أن تقترن بتفعيل دور القضاء وحماية الحريات والحقوق فيتحوّل القضاء إلى سلطة مستقلة بكل ما للكلمة من معنى غير قابلة للخضوع لأية سلطة أخرى في الدولة نفسها كما في الخارج وتعامل المتقاضين بالمساواة والعدل سواء كانوا من أهل البلاد أو من الأجانب.
فاعلية القضاء هذه ونزاهته هي ضمانة أساسية لجذب الاستثمارات وتعزيز منحى النمو الاقتصادي في البلاد.
إن محاربة الفساد أولوية في عرفنا. كذلك مكافحة الإحباط عبر التطبيق السليم للديمقراطية اللبنانية وتحصين أطر المواطنية اللبنانية.
بالطبع نجاح مكافحة الفساد مرتبط بتحريره من أي تدخل سياسي ومن كل ديكتاتورية مدنية كانت أم عسكرية سواء كانت نزيهة ومستنيرة أم مستبدة.
خطوات أساسية يجب اتخاذها لمكافحة الفساد من بينها:
اعتماد مرونة الأنظمة
تحرير الموظف
حسن سير الدورة الاقتصادية
الحرية التامة لوسائل الإعلام
نقل الموظف من وظيفة إلى أخرى
تشديد العقوبات بحق المخالفين
القيام بحملات دعائية
تنظيم محاضرات للتوعية
ضم كليات إدارة الأعمال
إعداد محاضرات في الأخلاق العامة ومحاربة الفساد
تبييض الأموال والسرية المصرفية
مكافحة تبييض الأموال وتهريب المخدرات عملية دقيقة. كي تتمكن المصارف من ضبطها مع المحافظة على السرية المصرفية تحتاج إلى آلية رقابة ذاتية عالية المستوى ، يقترن ذلك مع دعم شعبي وقرار رسمي وحصانة للقضاء مطلقة.
المحافظة علي السرية المصرفية تفرض اعتماد آلية رقابة تتخذ من القنوات المصرفية وسيلة بعيدًا عن الإجراءات البوليسية والقضائية التقليدية ودون المس بالقطاع المصرفي اللبناني والتعرض لمزاياه التفاضلية التي ينفرد بها عن كل محيطه الجغرافي.
نتيجة تفشي الفساد في دولتنا، غابت صورة لبنان الحضارة، معقل الحريات في هذا الشرق العربي، حيث كثير من العرب كان يتمنى العيش، علاوة على كونه مؤلفًا من باقة متنوعة من الطوائف والعقائد والتيارات الفكرية والتوجهات السياسية...
لبنان الذي كان موئل الكلمة الحرة والرأي الجريء أصبح يشبه غيره من الدول العربية.
شعبه يتلقى من الطبقة الحاكمة ولا يتفاعل معها.
عادت إلى هذه البقعة من العالم الإقطاعية والتسلطية المتطورة والمتبرجة بألوان عديدة، فتبدلت الوسائل وتعددت الأشكال والنتيجة واحدة، لبنان بدأ يشرب من تلك الكأس المرّة!
لبنان هو أحد الدول في العالم التي شاركت في وضع شرعة حقوق الإنسان وعضويته لم تكن عن عبث أو زيادة في العدد بل ركن أساس في ذلك. وقد تصدّرت شرعة 1948، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، خاصة في موادها الأولى والثانية والثالثة حق كل فرد بالحرية وبحرية الرأي والتعبير -فأين تلك الحقيقة ولماذا يتم عزلها؟
إن الحريات مطبوعة في اللبنانيين قبل أن تتشرّع. وتفاعلت مع الوقت حتى أصبحت الرئة التي تتيح للمجتمع اللبناني أن يتنفّس.
كيف باستطاعة أي سلطة استئصال أو حذف الميزة والخاصة تلك لديه؟ لماذا لا تكون في لبنان ساحات مخصصة للتعبير عن الرأي كما في إنكلترا وفرنسا؟ ولماذا لا تصغي الدول إلى شعبها؟
ولماذا يوجد بين الطبقة الحاكمة والشعب ذلك الحجاب الفاصل؟
فلينزل المسؤولون من عليائهم وينظروا وراءهم ويروا ما تركوا للتاريخ من أعمال خدمت المصلحة الوطنية. ولنتمثّل بالدول المتقدمة حضاريًا وثقافيًا ولنؤمن بلبنان الكيان المستقل بعيدًا عن غيرة الجميع عليه، وعلى هذه البقعة في هذا الشرق، فنستعيد مكانتنا بين الدول ونصبح أسياد أنفسنا.
من البديهي أن تنجز الدوائر المختصة دراسات هندسية قبل الإقدام على تنفيذ أي مشروع يقضي بإنشاء طرق جديدة.
من البديهي أيضًا أن تتوفر لدى المراجع المختصة ملفات كاملة تلخص أوضاع الطرقات هندسيًا وإنمائيًآ على طول الجغرافيا اللبنانية.
برامج صيانة الطرق ملحة، يفترض على القيمين عليها القيام بها بشكل متواصل. وأن تخصص الحكومة موازنة سنوية للتمكن من إنجاز هذه الخطوة.
يبلغ طول الطرقات في الشمال 1493 كلم وهي تقسم إلى طرقات رئيسة وثانوية وفرعية، عدد كبير من طرقات لبنان بحالة رديئة يستلزم عملية تأهيل وتحسين أوضاع لتصبح جيدة وعلى المستوى المقبول.
قبل أن تفكر الدولة بتأهيل الطرقات اللبنانية يجب عليها أن تعمد أولاً إلى تأهيل المتعهدين وإلزامهم بمعايير وشروط تخدم المصلحة العامة وحقوق المواطنين وتمنع الهدر والسرقة في المال والتمدد في الوقت.
الثروة المائية اللبنانية مصدر غنى في لبنان قادرة على إنتاج الكهرباء واستبدال النفط بها. فما الذي يعيق في تطوير هذه الطاقة عندنا؟
لماذا لا نستبدل النفط بالمياه لإنتاج الطاقة الكهربائية؟
حل القضايا الاجتماعية توفره مشاريع إنمائية مضبوطة وجدية تضعها الدولة.
حتى اليوم لم تأت المبادرات الرسمية على حجم الحاجات الملحة للشعب اللبناني.
تعمد الدولة لتأمين فوائد الدين العام ومستحقاته من موارد تتأتى من الاقتصاد اللبناني. مما يؤدي إلى مضاعفة الاختناق على مستوى الساحة الداخلية.
السياسة الضريبية المعتمدة في لبنان تحتاج إلى إعادة رسم وتخطيط لمعالجة هذا الاختناق الاقتصادي الدقيق.
ثمة قطاعات ومواضع تحتاج لإعفاءات من الضرائب طيلة فترة محددة لا تقل عن الخمس سنوات، لاسيما المصانع، وثمة ضرائب أخرى تحتاج لإعادة ترتيب لمعدلاتها ، فخفض البعض منها كضريبة الدخل ورفع البعض الآخر. وإضافة أنواع جديدة من الضرائب لاسيما على سلع كمالية وعلى المحروقات.
من أهداف الضريبة أن تؤثر في حركة الاقتصاد وتسد مواطن العجز فيه عبر اعتماد سياسة ضريبية تتناسب مع الحاجة الاقتصادية. وهذا الأمر غائب عن سياسة الحكومات في لبنان . فهي تحصر الهدف من جمع الضرائب لتأمين السيولة وضخ الأموال إلى خزينة الدولة ولا تعير أهمية لباقي الأهداف الكامنة وراء سياسة الضرائب.
الأخطر في الموضوع أن لا سياسة اقتصادية واضحة في ظل تفشّي الفساد والهدر وغياب المصداقية والارتجال في عمل الدولة.
تخطت الأزمة الاقتصادية في لبنان الخط الأحمر باعتراف جميع المراقبين والمحللين والاختصاصيين. هذا الركود الاقتصادي يتأتى من مسببات عديدة ومشاكل تراكمت دون أن يبحث لها عن حلول جذرية وقاطعة وهي لم تقتصر على ناحية من النواحي أو على موضع من المواضع بل هي شاملة عامة تطال السياسة والاقتصاد والمجتمع برمته.
عدد هائل من الشركات والمؤسسات اللبنانية تتخبط في حركتها وتتذوق سموم الخسارة جرعة جرعة. عديد منها أقفل أبوابه وسرّح عماله وقسم كبير يواجه صعوباته بعمليات جراحية يدفع ثمنها المواطنون والعمال.
موجات من الهجرة تعكس الهوة السحيقة التي يغرق فيها المجتمع، وبطالة لامست كل الحدود .
مالية الدولة تحتاج لإصلاح جذري والاقتصاد بحالة ركود تتطلب برامج علمية وخطوات سليمة تعيد الانتعاش إليه.
كل ذلك وليدة هذا العبء الكبير الذي فرضته على لبنان وشعبه هذه المديونية الضخمة التي نكاد نعجز عن دفع فوائدها والتي بدأت تقوض أساسات استقرارنا الاقتصادي.
تعرضت الصناعة خلال الحرب لأضرار جسيمة، فقدت حوالي نصف وحداتها الانتاجية والعاملين فيها لاسيما في قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. ومع هجرة اليد العاملة الصناعية من لبنان تقلص الاستثمار في الحقل الصناعي.
في الفترة الممتدة من العام 1977 إلى العام 1982 انتعش القطاع الصناعي مجددًا في لبنان نتيجة طلب مكثف من البلدان العربية للانتاج اللبناني. لكن الاجتياح الإسرائيلي في العام 1982 والأزمات المتتالية التي لحقته إن على مستوى لبنان أو على مستوى المحيط العربي أعادت الجمود والتقهقر إلى القطاع الصناعي بشكل مأساوي.
الصناعة اللبنانية الحديثة تعاني من تخلف الآلات وعدم مواكبة التطور التكنولوجي الحديث والسبب يعود إلى أن هبوط قيمة العملة الوطنية حرم الصناعيين من شراء معدات حديثة.
لا يتطور القطاع الصناعي إلا بضخ السيولة إليه. والتوظيفات المالية لن تتجه نحو لبنان ما دامت السياسة المعتمدة في الصناعة لا تهدف إلى الإنماء الصناعي وما دامت الرسوم الجمركية مرتفعة.
الصناعات اليافعة كي تتمكن من تخصيص توظيفات لإعادة هيكليتها وتحديث إداراتها وتطوير إنتاجها تحتاج بدورها من الدولة رعاية خاصة بها بحيث تفرض حماية جمركية مرحلية لإنتاجها بهدف تخفيض التكاليف الباهظة .
لإنماء الصناعة يجب اعتماد مبدأ إعفاء السلع الأساسية التي لا ينتج مثيل لها في لبنان من الرسوم الجمركية ويجب إعفاء المواد الزولية المستعملة في الصناعة من الرسوم الجمركية أيضًا إذا لا يتوفر لها مثيل أيضًا في لبنان.
تطبيق التوازن بين تعرفة الرسوم الجمركية المعتمدة في لبنان ودول الجوار.
إعفاء قطع الغيار الخاصة بالآلات الصناعية من الرسوم الجمركية.
تخفيف القيود الإدارية والبيروقراطية المتعلقة بالمعاملات الصناعية.
تسهيل عمليات التصدير وتخفيض كلفتها .
مكافحة سياسة الإغراق.
تبني مشروع المستودع الصناعي.
السماح للإدخال الصناعي المؤقت إلى لبنان.
لتنشيط الصناعة يجب المباشرةبـ:
خفض تعريفة الكهرباء بالنسبة للمصانع
إعفاء المواد الأولية الخام من الرسوم كذلك رعاية عملية استيراد الآلات الصناعية.
تأمين قروض طويلة الأجل ذات فوائد متدنية للصناعيين.
تطوير القوانين والأنظمة لجذب الاستثمارات للعمل في قطاع الصناعة.
إعفاء المصانع الجديدة خاصة المرخص لإقامتها في المناطق الصناعية النائية، مدة من الزمن.
من شأن الصناعة لو طورت أن:
تخلق فرص عمل جديدة للبنانيين
تحد من البطالة والهجرة
تقلص في حجم الإستيراد
تريح ميزان المدفوعات
تساهم في خفض أسعار المواد الإستهلاكية وتنشط قطاعات كثيرة أخرى.
أما لناحية قطاع الزراعة، فكانت الدول العربية المحطة الأساسية للصادرات اللبنانية إذ تستقبل 90 % من هذه الصادرات لكنها وابتداءًا من العام 1984 بدأت هذه النسبة بالتراجع مخلفة آثارها السلبية علي الاقتصاد اللبناني الذي راح يوجه أنظاره نحو سوق البلدان الأوروبية بتشجيع خاص من الجاليات اللبنانية المنتشرة في هذه الأسواق.
عمومًا الميزان التجاري اللنبناني في عجز مزمن تمكن من التعويض جزئيًا عنه من خلال التحويلات النقدية التي يرسلها لبنانيو الانتشار إلى ذويهم في لبنان.
الزراعة في لبنان لا يكفيها ضيق المساحة الجغرافية لاسيما تلك الصالحة للزراعة وكثرة المنحدرات وغياب التقنيات الزراعية الحديثة والاستثمارات في هذا القطاع ليأتي سوء توزيع شبكات الري وتخلّفها وقصورها عن ري العديد من المناطق وغياب شبه كامل للتسليفات في مجال الزراعة.
تضاف هذه العوامل إلى عوامل السوق اللبناني الضاغط عمومًا على المزارع الذي يخضع لوسطاء السوق وأسياده في الداخل وفي الخارج.
تعرّضت مناطق زراعية واسعة لهجرة اليد العاملة منها ودمرت الحرب مزارع ومصانع عديدة وتشوهت شبكات المواصلات وتشوشت شبكات التوزيع.
عانى المزارع من ارتفاع أسعار الأسمدة والزدوية والمعدات الزراعية. وتحمل صعوبة في التبريد والنقل، كل ذلك إذا ما أضيف إلى المنافسة غير المشروعة التي تفتك بالانتاج الزراعي المحلي وهو عادة يجد صعوبة في التصدير، نرى زن وضع المزارع والفلاح اللبنانيين في الواقع يرثى له.
وفي وقت لم يتعرّض المجتمع الريفي اللبناني لنكسات أمنية كبرى خلال الحرب كما شهدت بيروت وباقي المدن مما عزز فرص إنماء هذا المجتمع الريفي. لكن النكسة سرعان ما ضربت الجبل فتعرض سكانه وأهله للتهجير القصري.
كلفة الانتاج الزراعي اللبناني باهظة والمنافسة قوية له في الأسواق الخارجية.
مع انفتاح الأسواق العالمية صار ملحًا على الزراعة اللبنانية للفوز بإمكانية الدخول إلى الأسواق أن تتحصن بمهارات وأساليب عصرية غير تقليدية منها التخصص في الانتاج البيولوجي والتوضيب بمستوى راق.
على المزارعين والمصدرين أن يراعوا رغبة المستهلك في الأسواق العربية والخارجية حتى لو فرض ذلك عليهم تكلفة إضافية.
لتخفيض كلفة التصدير لا بد للقيمين على تصدير الانتاج الزراعي أن يسعوا إلى التوسع في الأسواق الخارجية ودون وسطاء .
التوضيب الفني الحديث والاهتمام بجودة البضاعة بحيث تصنف بنخب أول ممتاز عاملان أساسيان لنجاح غزو السلع الزراعية اللبنانية للأسواق الأوروبية علمًا أن ألمانيا وفرنسا واليونان وانكلترا ومعظم أوروبا الشرقية تقبل البضاعة ذات الجودة المتوسطة.
غزو أسواق دول الشرق الأقصى كسينغافورا وماليزيا لا يزال بطيئًا وغير كثيف بالنسبة للانتاج اللبناني في حين أدى إقفال سوق ليبيا أمام الانتاج الزراعي اللبناني إلى مزيد من الكوارث التي طاولت هذا القطاع.
يقف المزارع وحيدًا في مواجهة تردي وضع الزراعة لاسيما مع موازنات أكثر ما يقال فيها أنها تهمّش هذا القطاع ولا ترعاه رعاية صحيحة. فأمام الكوارث على أنواعها التي تقع على كاهل المزارعين من طبيعية وغير طبيعية وأمام غياب كامل للقروض ولحماية الانتاج، يجد المزارعون نفسهم دون تعويض أو أمل.
يفتقد لبنان لدراسات مركزة وعلمية تشترك الدولة أو الجمعيات المختصة مع المؤسسات الاستشارية العالمية في وضعها لتنوير المستثمرين الراغبين في الاستثمار في لبنان في قطاع الصناعة على الصناعات التي ينجح في تبنيها لبنان وتتلاءم مع مهارات الشعب اللبناني وحاجات الجغرافيا الاقتصادية اللبنانية.
كثيرة هي التدابير التي تبنتها وزارات في السابق خاصة في حقل الزراعة والصناعة لكن هذه التدابير بمعظمها بقيت حبرًا على ورق ولم يستفد منها الاقتصاد اللبناني.
يفترض بالحكومات أن تصنف المناطق الصناعية وتعيد النظر في الاستراتيجية الصناعية السابقة المعتمدة في لبنان وتتبنى الدراسات العلمية الحديثة في هذا المجال وتنشئ مشاريع ضخمة أسوة بالمشاريع الإعمارية الضخمة والتي من شأنها أن تنشط الصناعة وتزيد من مستوى لبنان في هذا المضمار. في هذا الإطار يدخل كل الأفكار المفيدة من إنشاء مطار لعكار وغيرها من المناطق النائية وتأسيس مدن صناعية نموذجية جديدة تلتزم أصول العصر ومتطلباته ووفق أسس علمية وبيئية تلائم المعايير الدولية.
الزراعة والصناعة تلقيان الإهمال والتهميش الكبيرين عند غالبية الحكومات التي تسلمت دفة الحكم في لبنان.
الصناعة اللبنانية تزدهر كلّما زادت ثقة الرأي العام بها.
موضوع حماية المستهلك، سواء عند التصنيع أو عند البيع يجب أن يكفله القانون.
كذلك خارجيًا، يجب وضع سلسلة تشريعات لحماية الصناعة اللبنانية ودعمها ومواكبة القرارات والتشريعات الدولية كي لا يحكم بالإعدام على إنتاجنا المحلي في دول التصدير.
الزراعة
في الزراعة تنمو علاقة باطنية بين الأرض والمواطن.
هذا الفلاح الذي يمضي حياته في حوار مع الأرض، هو فرد من أفراد هذا الوطن يحتاج لرعاية الدولة له وتضامن المجتمع مع شؤونه وشجونه.
الفلاح والمزارع اللبناني يعانيان.
نمو الزراعة اليوم لا يقتصر فقط على دخول الآلة إلى هذا الحقل إنما أيضًا دخول العلم.
قليل من التخطيط، قليل من الإدارة وتكون للبنان زراعة حديثة.
الفوضى في الانتاج الزراعي تأتي نتيجة الفوضى في التخطيط.
أما السياحة فتستلزم الاهتمام بالآثار كما بالقطاع الفندقي والخدمة الفندقية. إلى جانب اهتمامنا بالقطاع المصرفي.
من الأمور الهامة التي يجب أن نعالجها أيضًا: مسألة الازدحام على الطرقات، التشديد في تطبيق التنظيم المدني، إنشاء مواقف عمومية، تنظيم قطاع النقل العام توسيع نطاقه ومعالجة مسألة الكهرباء والتلوث.
الإنماء المتوازن من شأنه إنقاذ الريف من النزيف البشري نتيجة عملية التمدين التي طبعت القرن العشرين وتجمع السكان في المدن وضواحيها.
الإنماء المتوازن من شأنه إنقاذ الريف من النزيف وتجمع السكان في المدن وضواحيها ووضع حل لأحزمة الفقر التي تلف المدن.
يجب ترسيخ العدالة الجغرافية من جهة وبلورة برنامج اقتصادي ناهض يؤمن التوازن بين الموارد والحاجات والمناطق.
هذه الاستراتيجيا تؤمن العدالة الجغرافية وتضع حلاً لأحزمة الفقر التي تلف المدن وتنقذ الزراعة وتعالج أزمات التضخم وتضبط إيقاع التمدد المدني العشوائي وتداوي مشاكل الاقتصاد المتنوعة.
عوامل كثيرة أحاطت بلبنان عبر التاريخ، جعلت منه رغم صغر حجمه مقصدًا للسكان، يأتونه للإقامة عليه والسكن في ربوعه.
اليوم يتميز لبنان بكثافة سكانية مرشّحة للازدياد والنمو جيلاً بعد جيل.
هي الظاهرة تحمل في كنفها وجهًا إيجابيًا ووجهًا سلبيًا في آن واحد.
هي إيجابية فيما لو تعاملنا معها بأسلوب علمي واقعي مبني على الدراسات المتشعبة والمعالجة لمختلف القضايا والمسائل.
الكثافة السكانية تحتم على حكام لبنان وحكوماته السهر على النمو الاقتصادي وتحقيقه وتأمين فرص العمل وتحسين الأجور وتطوير شبكات المواصلات ووسائل النقل والبنى التحتية والخدماتية إضافة إلى ترسيخ السلام الأهلي والاستقرار الداخلي وصيانة الوضع السياسي.
بينما ينخفض معدل الدخل في لبنان، يبقى مصنفًا بين الدول الأغلى في العالم وهو أمر غير متوازن يؤثر سلبًا على السياحة والخدمات بشكل أولي.
تردي الأوضاع السياسية يعطل الدورة الاقتصادية ويشل البلاد ويهجّر المواطنين والرساميل.
الديمقراطية والنظام العادل
نجتمع ، نتحاور ونتعاون من أجل الوصول إلى نظام عادل إنساني وديمقراطي حقيقي يحكمه القانون، لا يميّز بين مواطن وآخر، يترجم العدالة في نصوص قوانينه وفي ممارسة مؤسساته.
الوضع السياسي في لبنان، لا يزال مفخخًا ويعاني من اختراقات عديدة ويشوبه الكثير من التأزم نتيجة غياب كلي للحوار الوطني وهو واجب مزدوج الاتجاه، فمن جهة أولى هو مطلب شعبي يتوجب على كل مواطن لبناني أن يقتنع به ويلتزمه في حياته اليومية مصدرًا يغذي معرفته وأخوّته بكل من يتقاسم وإياه رقعة الوطن الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وهو من محور آخر مهمة على مؤسسات الدولة أن تقوم بها لاسيما المجلس النيابي والحكومة وهذان المحوران لا يزالان حتى اليوم غير فاعلين في تنشيط هذا الحوار الذي كان مطلبًا أساسيًا قبل الحرب وخلالها وبنوع خاص بعد توقيع اتفاق الطائف.
غياب الحوار الوطني الصحيح تتجلى أولى معالمه في تهميش قوى سياسية لها حجمها وموقعها داخل المجتمع اللبناني وعندما أقول قوى سياسية لا أعني فقط قلة من الزعماء المعارضين لدى طائفة لبنانية معينة بل أعني فئة من مجموع الشعب اللبناني.
فالشعب اللبناني هو الأساس وهو هدف وأداة كل حوار أو تحرّك داخلي وهو مصدر كل تغيير وكل استقرار وكل نمو.
في لبنان يجب التمسك بالحرية الفردية الاقتصادية واستقرار العملة الوطنية.
كما أن ميزة لبنان اعتماده اقتصاديًا على الطبقة الوسطى. يجب إحياء هذه الطبقة.
نحن بأمس الحاجة لنظام يقدس الحريات ولا يخاف منها.
يترجم العدالة في نصوص قوانينه وممارسة مؤسساته.
يكون منبرًا للحرية وحصنًا لها، صرحًا للمساواة والعدالة، معقل الكرامة والعنفوان.
يكون مدرسة للتعايش، أمثولة في السلام الأهلي، عملة نادرة يفتخر بها السواح، يكرمها المؤرخون، يغتني بعطاءاتها العلماء والباحثون وترتوي من فيضها الحضارة.
نحن بحاجة لنظام، يعمي بصيرته القانون، وأدنى شرارة فساد أو ظلم توقظ براكين مؤسساته.
نحن نحتاج لنظام وطن لوجوده معنى، يتعلم من عبر تاريخه ويعرف كيف يثبت موقعه في أسرة الكيان الدولي.
أما مستقبله فتحصنه الدراسات المعمقة والموضوعية.
هكذا نظام كيف نبنيه؟
هو يحتاج لاتحادنا وإيماننا الواحد به.
هو مشروع كلنا مدعوون للنهوض به.
هو بمنأى عن خلافاتنا السياسية الداخلية، لا يقع ضحية فرديتنا ولا يكون سجين عصبيتنا ورهينة أفكارنا.
وقع الشعب رهينة وأودع سجنًا لم يترك له سبيل للفرار منه.
كان تقسيم الشعب ودك أسوار لبنان الاقتصادية هو الهدف الأول.
نجحت الحرب الطويلة في تحقيق الجزء الأول من الهدف في حين بدأت تظهر ملامح تحقيق الجزء الثاني في مرحلة ما بعد الحرب.
ولأن المؤامرة على الوطن الصغير لا تزال هي عينها بقيت رموز الحرب تدير عجلة البلاد ودفة الأمور في زمن السلم.
ولأن المؤامرة لا تزال مستمرة لم تثمر الجهود خلال فترة ما بعد الحرب لإعادة اللحمة الحقيقية الكاملة داخل الشعب اللبناني وإعادة نسج وحدته والتصدي لانقساماته الطائفية والمناطقية.
بل لا تزال سياسة الشرذمة والتباغض هي الأساس حتى تغلغلت في كل خلية من خلايا الوطن المتألم حتى وصلت إلى أبسط نواحيه بما فيها المجتمع الرياضي.
بديهي أن يؤمن الشعب اللبناني بمؤسساته الدستورية ويدعمها ويركز اهتمامه على تحصينها وإنهاضها وتثبيت دعائمها.
ماذا ينفع لبنان لو حرّر كل شبر من أراضيه ولم يتعلّم شعبه كيف يتمسّك بمؤسساته ويعتمد عليها وحدها ويترسخ فيه الإيمان بدولة القانون والمؤسسات؟
ألم يتحرر لبنان في السابق من الاحتلال العثماني والانتداب الفرنسي والهيمنة المصرية والترسانة الإسرائيلية؟
فهل بزوال هذه الاحتلالات والتبعيات المتلاحقة زالت كل عوائق نهوض الدولة اللبنانية؟
هل حقًا تمكنا من بناء دولة ديمقراطية حقيقية تحكمها القوانين بشفافية ومساواة وتديرها المؤسسات بصدق وعلمية؟
بناء الوطن، مشروعًا وكيانونة ومجتمعًا، يتم نسجه وإتمامه خلال فترة السلم.
لبنان دخل السلام الأهلي منذ إربع عشرة سنة لكنه وحتى تاريخه لم يستفد من هذا السلام بشيء.
فلا السلم الأهلي تم إرساؤه ولا فسح المجال أمام الذين يريدون بناء وطن عصري ومحصن أن يبادروا بعملهم.
الرعاية الصحية في لبنان تحتاج لتخطيط يؤمن العدالة إن على مستوى الأفراد أو على مستوى المناطق.
الفئات الفقيرة تحتاج لاستشفاء مجاني. يجب أن تؤمن الرعاية الصحية في كافة المناطق اللبنانية بالتساوي والعدالة.
الرعاية الصحية في لبنان تحتاج لتخطيط يؤمن العدالة إن على مستوى الأفراد أو على مستوى الوطن. على الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أن يؤمن كل فئات الشعب اللبناني.
يجب أن تشمل الرعاية الصحية كل المناطق اللبنانية بالتساوي والعدالة، وهو أمر تقع على الدولة مسؤولية تحقيقه بالتعاون والتنسيق مع باقي المؤسسات والجمعيات الاجتماعية والصحية الخاصة.
نقترح توزيع الأطباء على كل المناطق وليس فقط تمركزهم في العاصمة. المناطق الريفية تحتاج بدورها لتغطية صحية أسوة بالعاصمة وباقي المدن.
الرعاية الصحية تفرض نشر المستوصفات وتحسين نوعية الخدمة الصحية وجودتها وتأمين تغطية نفقات الضمان الصحي والتأمين الصحي، تجهيز المستشفيات والكوادر الطبية من أطباء وممرضين ومسعفين على أن يتوزعوا على كل الاختصاصات الطبية دون استثناء.
يحتاج لبنان لترخيص يعطى لجامعات طبية جديدة وتشجيع الانطلاق في أبحاث طبية متقدمة ومتطورة وجذب الأدمغة اللبنانية المنتشرة في العالم وتشجيع الطاقات اللبنانية داخليًا وتنظيم المؤتمرات للتوعية والمتابعة الصحية بالتنسيق مع النقابات والجمعيات المختصة والاهتمام بحقل التمريض وتأمين الممرضين والمسعفين الكفوئين أسوة بعملية كودرة الأطباء مع تأسيس نقابة للمرضين والمسعفين وتوظيف قسم من مجندي خدمة العلم في هذا الحقل.
من أولى الأولويات وضع دراسة موضوعية لتغطية التكلفة الاستشفائية وهو موضوع بالغ الأهمية يحظى باهتمام خاص في رؤية النهضة في مجال الصحة والطبابة.
كما على الدولة ملاحقة قضية الدواء والسعي لإنشاء المعامل اللبنانية لإنتاجه والتخفيف من كلفة استيراده.
البطاقة الصحية مشروع تتبناه الحركة وتطرحه بهدف رصد المعلومات الدقيقة عن هذا القطاع ومتابعة أوضاع اللبنانيين الصحية. يجب أن يطبّق نظام البطاقة الصحية على كل مواطن لبناني. هي السبيل الوحيد لإجراء مسح صحي شامل لجميع اللبنانيين.
النهضة الصحية في لبنان تتطلب مراقبة جودة ونوعية الخدمة الصحية والتنسيق الكامل بين الوزارات التي يتعلّق بها الوضع الصحي في البلاد ومع المؤسسات الوطنية العامة والخاصة التي تعنى بالشأن الصحي، مع التشديد على فاعلية توحيد المؤسسات الرسمية العامة العاملة في حقل الصحة في رطار مؤسسة عامة بعد تطهير الإدارة وتحريرها من البيروقراطية والتجاذبات السياسية والطائفية ومن خطر الروتين وبعد تطبيق الإصلاح الإداري السليم والفاعل
التطور المستمر في الخدمات الصحية هو أساسي.
يجب أن يتحوّل لبنان إلى مركز صحي شرق أوسطي رفيع المستوى. البيئة والطبيعة اللبنانيتان الغنيتان والفريدتان تساهمان مع الشعب اللبناني الراقي في إنجاح هذا المشروع وبلورته.
ضعف المستشفيات الحكومية في وقت تتطور المستشفيات الخاصة أمر غير مقبول.
يجب على القطاعين أن يتطورا معًا.
الدولة اللبنانية الناهضة لا يجوز لها أن تترك قضايا الصحة العامة للقطاع الخاص وحده، بل عليها أن تتحمّل هي أيضًا هذا الدور وبالفاعلية نفسها التي تحكم عمل المؤسسات الصحية الخاصة. ويجب على شركات التأمين زن تلعب دورها بفاعلية.
درءً للمشاكل في هذا القطاع يجب إنشاء هيئة تحكيمية بين المريض والمستشفى وشركات التزمين تشرف الدولة مباشرة عليها.
من الضروري أن تتعدّى سياسة الدولة الصحية الناحية الاستشفائية لتشمل أيضًا البرنامج الوقائي. الوقاية من الأمراض والأوبئة ضروري كما أن الجودة والنوعية في الخدمة والتقدمة الطبية تحت إشراف رقابة رصينة ومتخصصة ضروري هو الآخر.
في موضوع الدواء نطالب بمكافحة ظاهرة بيع الأدوية التي لا رقابة عليها والتي لا تمتلك الحد الأدنى من المواصفات والمكونات البيولوجية وهي تتواجد بكثرة في المستوصفات عاكسة مظاهر الفوَى التي تتوج هذا القطاع مقرونة بعمليات من القرصنة والسرقة والتهريب.
النهضة في قطاع المواصلات يفرض اتخاذ خطوات عملية كثيرة منها:
معالجة مسألة الازدحام على الطرقات،
التشديد في تطبيق التنظيم المدني،
بناء الجسور،
إنشاء مواقف عمومية،
منع السير في السيارات في مناطق معينة خاصة في المدن والاستعانة بالباصات العمومية أو ما شابه
تنظيم النقل المشترك بشكل علمي وفاعل ومفيد بعيدًا عن كل أنواع الهدر والفساد والتحايل
إطلاق العمل بالبريد المنظم والسريع إن في الداخل أو الخارج فهو قادر على تخفيف حركة تدفق السيارات إلى المدن.
المطلوب الآن صيانة الطرق وتأمين السلامة العامة عليها.
صيانة الطرق في لبنان ضعيفة، وهي دون المستوى المطلوب وفق المواصفات العالمية
المراجع المختصة من وزارة الأشغال العامة والنقل ومجلس الرنماء والإعمار ووزارة الداخلية إمكانياتها محدودة.
نحن لا نستبعد خطر الفياضانات علي الطرق وتحولها إلى مستنقعات.
عمليًا نقترح أن يتم وضع دراسة هندسية لمجاري مياه الشتاء تعتمد رقابة العشر سنوات المتتالية بموجبها تقدر قوة هطول المطر في دقيقة بحدها الأقصى وعلى أساسها ترسم المقاييس.
قساطل المياه التي تشكل مجاري ومصارف على الطرق اللبنانية تعود بمعظمها إلى عشرين سنة خلت وقد وضعت وفق مقاييس كانت مناسبة للهندسة المدنية في تلك المرحلة، وهي بالتالي لا تتناغم والتطورات الهندسية المعاصرة... يجب توسيعها.
إضافة إلى واقع شبكة المجاري البدائية إلى حد ما، ترد الحركة النهضوية خطر الفياضانات على الطرقات إلى إهمال صيانة المجاري والقنوات ونقترح على المعنيين أن تحصل عملية الصيانة سنويًا في لبنان خلال شهر أيلول.
نلفت النظر إلى أن الأودية العميقة والمجاري الطبيعية التي تستوعب عادة مياه الأمطار المتساقطة في الجبال معظمها مغلق بسبب الردم العشوائي وغير الشرعي والنفايات.
في ما يخص البلديات والجهات المختصة بالسلامة العامة ندعوها لوجوب اتخاذ الخطوات التالية:
صيانة مجاري المياه المفتوحة أو المغلقة وبالأخص تلك التي تبلغ مستوى سطح البحر، إضافة إلى الطرقات والأوتوسترادات القديمة.
أخذ بعين الاعتبار التطور المدني عند هندسة وتطبيق طرق جديدة وشبكات مياه وأمطار حديثة.
تنظيف الطرق والمجاري التي تصب بالأقنية.
تنظيف الأنهار والأودية من رسوبات نفايات الصيف.
فصل مجاري مياه الأمطار كليًا عن مجاري المياه المبتذلة.
علينا كمواطنين لفت انتباه البلديات أو الوزارة المختصة عند ملاحظة أي خلل في منظومة الأقنية.
ولأن الدفاع المدني غير مجهز بطريقة كافية لتغطية كل المناطق اللبنانية وعند حدرث الفياضان أو كارثة ارتفاع منسوب المياه ف الشوارع تلجأ الدولة إلى القطاع الخاص.
من هنا دعوتنا مع التركيز على موضوع التجهيز الرسمي ضد الكارثة إلى الاهتمام بوضع ''المخطط الوقائي من الكوارث''. مما يفرض على الحكومة أن تخصص ميزانية كافية وأن تكون صيانة الطرقات من أولويات مشاريعها.
يحتاج قطاع المقاولات في لبنان إلى إعادة نظر جذرية لأن المواطن اللبناني بات رهينة أخطاء جوهرية تحصل مع تنفيذ ورش الأشغال العامة وورش البنى التحتية.
الخدمة الجيدة التي ينتظرها المواطن مع نيل المقاول حقوقه المشروعة كاملة ودور الإدارة في التوكيل والمراقبة والمتابعة لحسن سير العمل هي العناوين الثلاثة المتحدة من أجل نهضة حقيقية في الإعمار.
يتحمل المواطن اللبناني الكثير من الأخطاء التي ترتد عليه نتيجة سوء التنفيذ والبطء في العمل وعدم توفر شروط السلامة العامة المطلوبة. كلّها مسائل وظواهر لم تعد خفية على أحد بما في ذلك الوزراء المختصين في متابعة شؤون وشجون هذا القطاع.
تكمن الأولوية في تأمين جودة العمل ومكافحة المضاربات غير المشروعة التي تهدف إلى تحطيم الأسعار بين المقاولين.
تقوم الأشغال العامة على إنشاء طرق جديدة تتم صيانتها بشكل مستمر إلى جانب تأهيل شبكات الطرق كاملة وتحسينها وصيانتها باستمرار.
النهضة في هذا القطاع تفرض شفافية في المناقصات .
لا يكفي أن ننقذ الدولة من أخطار العنصرية المذهبية، علينا أيضًا أن ننقذها من ثورات الجياع، أن لا نسمح باندلاع حروب طبقية.
لا يجوز أن يستمر هذا الشرخ المناطقي، إن من الناحية الاجتماعية أو الإنمائية أو الاقتصادية.
من هنا تبرز أهمية مكافحة ظاهرة الفقر في مجتمعنا اللبناني، وخصوصًا بعد أن صار ثلث اللبنانيين دون الخط الأحمر للفقر.
الوضع الاقتصادي اللبناني متردٍ بشكل مخيف والضرائب تطال الشرائح الفقيرة والمؤسسات الصغيرة بشكل خاص. نحن نرفض حل المشكلة الاقتصادية فقط من جيوب الناس وعلى حساب الفقراء.
فلماذا لا تبحث حكوماتنا عن سبل إنتاجية أخرى غير الضرائب ...
وإلى جانب الضرائب المنطقية والعادلة؟
تتعامل الدولة مع مأساة الشعب الاقتصادية بفتور بحيث أن الموازنة '' دومًا تسلق سلقًا'' وتجمع الأموال من الضرائب بشكل كبير وأساسي وتخصص إيراداتها لدفع الفوائد التي تصب بجيوب لا ندري هوية أصحابها.
ثروات لبنان تذهب هدرًا، والهدر لا يقتصر على المياه وحدها بل يطاول كل ثروات الدولة اللبنانية وصولاً حتى الإنسان اللبناني.
نلحظ هدرًا بعلماء لبنان وأطبائه، بيده العاملة وطلابه، بشبابه ورجاله.
وقف الهدر عنوان ملح وأساسي في برنامج النهضة اللبنانية.
البيئة في لبنان تعاني والشعب اللبناني يتحمل مسؤولية انهيارها إلى جانب ما تتحمله الدولة. المسؤولية مزدوجة.
''الجغرافيا الطبيعية'' في لبنان تحتضر...
التلوث يتعدّى البيئة في لبنان ليطاول المجتمع اللبناني بأكمله.
الفكر اللبناني ملوّث كما البيئة...
التاريخ اللبناني ملوث، الجغرافيا ملوثة، المجتمع ملوث والثقافة...
نمت في وجدان العقلية اللبنانية ظاهرة اسمها الاستهتار بمقدسات الوطن .
هل يجوز أن نتعامل بهذا الاستهتار مع أرضنا، مع تراب وطن حوله العنفوان اللبناني في الماضي إلى مقبرة للغزاة والطغاة والطامعين؛ نعمل المقالع عشوائيًا في جبال هي الأولى التي أطلّت برأسها من أعماق البحر...؟
جبالنا التي تتألم بصمت! متى سنفهم صوت تأوهاتها؟
ودياننا التي سرقنا منها صمت الصلاة ورائحة البخور؛ متى سنحررها من كفر استعبادنا؟
شاطئنا الذي كان محجة للآلهة تقصده لتلعب على صخوره، تجتاحه اليوم النفايات و تيارات التلوث.
سهولنا التي أهدتها الطبيعة أجمل ثوب ربيعي في العالم، عريناها من ثيابها وألبسناها حجرًا لا يكترث لأي نظام، فاكتسحتها الأبنية الفارغة البكماء المرتفعة في الفضاء كعلامات تعجّب بلهاء لا ذوق فيها ولا قيمة عمرانية أو منظر خلاب نشتهيه.
كل هذه الأمور الخطيرة أظهرت حاجة ملحة لظهور حركة تغييرية شاملة تداوي جراج الكيان اللبناني وبيئته ومستقبل الحياة فيه وتطرح أسسًا جديدة له كفيلة بترسيخ الاستقرار والازدهار وتعيد له الكرامة والموقع والجاذبية.
تتفشى في المجتمع اللبناني فوضوية خطيرة تكاد تكون راسخة في العقلية الشعبية وخطورتها تكمن في كونها لا تتقيد بأية ضوابط طبيعية أو قانونية أو علمية.
هذه الظاهرة اللبنانية أثرت سلبًا على البيئة اللبنانية بمختلف منظوماتها وعلى كل مستوياتها.
عرف لبنان بمناخه المميز واشتهر منذ القدم بطبيعته العذراء الفريدة وغنى بيئته ونضارتها.
هذه الخصائص نخسرها يومًا بعد يوم والسبب يعود إلى الإهمال والروح الفردية التي تتملك بنيه.
البيئة في لبنان يتحمل الشعب اللبناني مسؤولية انهيارها.
إن احتضرت بيئتنا فلأننا نسيء إليها.
هل من سبيل لإصلاح ما أفسدناه؟
بنظرة سريعة على منظوماتنا البيئية، نجد أن ''الجغرافيا الطبيعية'' في لبنان تحتضر...
الغزو العمراني يتهدد ما تبقى من جمالية الجبل اللبناني.
كل حركة إعمارية تتطلب آلية وضع مخططات توجيهية وموافقة البلديات عليها.
الأسس الهندسية غير المنطبقة مع طوبوغرفية المنطقة وبيئتها الاقتصادية والاجتماعية وغير المنسجمة مع التطور التاريخي العمراني للمنطقة ستزيد التشويه في لبنان وهي لا تتفق مع نهج النهضة العمرانية.
كل حركة إعمار ناهضة تعتمد التوازن بين البيئة والإنماء. من المستحسن أن نحافظ في مناطق معينة من لبنان لاسيما في الجبل على حجم الملكية الصغير دون المساس بحق أبناء المنطقة في استثمار أراضيهم وأملاكهم بشكل عادل.
أما المناطق الزراعية فتصنيفها أساسي
لمكافحة الأخطار البيئية المحدقة، على الدولة أن تتعامل بشفافية تامة مع هذا الموضوع وتعتمد سلسلة من الخطوات التي من شأنها أن تعيد البيئة إلى سابق نضارتها .
هو المطلوب كثير وهذا جزء منه:
وضع قوانين بيئية ملزمة
تشديد الرقابة البيئية خصوصًا على المصانع دون الإضرار بالمصلحة العامة أو ضرب الإقتصاد الوطني وتعرض الصناعة لخطر هروب المصانع من لبنان وبالتالي الإضرار بهذا القطاع وتعطيله وشله.
قياس درجة التلوث بشكل متواصل
التشهير بالمصانع التي تؤدي أعمالها إلى الإضرار بالبيئة لاسيما تلك التي لا تلتزم بالتعليمات الحكومية والقوانين الوضعية.
الاقتصاص من كل شركة ومؤسسة ومصنع وجهة تخرق القانون ولا تلتزم به.
ضم الشؤون البلدية والقروية والتصميم والبيئة في وزارة واحدة مستقلة.
سلخ مديرية التنظيم المدني من وزارة الأشغال وإلحاقها بوزارة البيئة.
إجراء مسح شامل لكل المشاريع العمرانية المستقبلية.
تأمين جهاز للشرطة مستقل مخصص لملاحقة كل من يتعدى على البيئة ويقمع كل مخالفة.
بإعادة اعتماد وزارة التصميم والتخطيط لتواكب أي نشاط عمراني في البلاد وتصادق على كل قرار يصدر عن مجلس الإنماء والإعمار.
ربط كل المجالس التي تتأثر بقراراتها البيئة اللبنانية بوزير يكون مسؤولاً أمام مجلس النواب لضبط أي خلل حاصل بسبب فلتان المجالس غير الخاضعة للرقابة.
يعاني لبنان مشكلة تعدد القرارات الوزارية التي أحيانًا تعلنها الوزارات بشكل متضارب.
النهضة البيئية الحقيقية تفرض توحيد القرارات الوزارية الصادرة بنوع خاص عن كل من وزارة الصناعة ووزارة البيئة في كل ما يتعلق بقضايا البيئة. وهكذا بالنسبة لباقي الوزارات.
هذا التوحيد الرسمي يجب أن يأتي نتيجة تعاون تام بين الوزارات فينتج عنه قرارات موحدة يمكن تطبيقها بجدية والتزام تام وصرامة بعيدًا عن ظاهرة الوقوع في دوامة البيروقراطية وتضارب الصلاحيات وهدر الوقت.
لبنان شهير بسياحته عريق بها. هذه العراقة يفقدها تمامًا كما يفقد نضارة وفرادة بيئته. والسياحة ترتبط إلى حد بعيد بالبيئة.
كل نهضة في السياحة تلزم العناية بالآثار والقلاع والمنقولات التاريخية والتراثية والأماكن الأثرية، ننظم العمل فيها، نتأكد من النظافة في ربوعها وحولها وحسن الترتيب، نكافح بشدة السرقات وعمليات التهريب إلى الخارج، نعيد للوطن ما سلب منه.
المطلوب إعطاء السياحة بعدها الأمني الخاص بها، فنشكل شرطة خاصة تابعة لمديرية الآثار مباشرة.
لا اهتمامًا جديًا بالآثار دون دعم كامل لكليات الآثار وتشجيع مطلق للدراسات والأبحاث والتخصص في هذا الحقل .
كما أنه لا يكتمل هذا الجهد بتشجيع الشباب على التخصص في هذا المجال الثقافي المميز بل يجب إيجاد فرص عمل لكل من أنهى اختصاصه ونال شهادة جامعية في علم الآثار ومشتقاته.
السياحة تستلزم الاهتمام بالقطاع الفندقي والخدمة الفندقية، تطويرها، تنظيمها، تأمين الدعاية الإعلامية لها.
المخططات التوجيهية اللبنانية لإنماء الساحل غير متوفرة. والمواقع التاريخية الساحلية غير مصانة.
إنشاء المجلس الأعلى لحل مشكلة الكسارات بعدما تفاقمت وتشعبت خطوطها وطاولت أكثر من جهة وقطاع.
مناطق عدة من لبنان لاسيما الوديان والمناطق الحرجية أدت عمليات الصيد العشوائية وغير المنضبطة إلى انقراض أنواع هامة من الطيور لاسيما الحجل خاصة بعد أن اصطادوها في أيام التزاوج. الدولة مدعوة لحماية هذه الكائنات وتعميم برامج المحميات على المناطق اللبنانية كافة.
قضية النفايات في لبنان تحتاج لحل جذري. هذه الظاهرة تفتك في عدد كبير من المناطق الجبلية وتشوه المناظر الطبيعية وتعيث الفساد في البيئة وتنشر الأوبئة وتقوّض الصحة.
تحويل منطقة ما إلى مطمر للنفايات سينعكس سلبًا على قيمة العقارات في المناطق المجاورة لها ومن شأنه أن يلوث المياه السلبية.
خطر هذه المشكلة يتهدد عددًا كبيرًا من المناطق كمنطقة بصاليم .
غابة الأرز تحتاج إلى تكبير مساحتها والعناية الدقيقة بأشجارها والاستمرار بتشجيرها وتصوينها وحمايتها وتحويلها إلى محمية تحرسها شرطة من أي تعد وتطاول.
مشاعات الدولة الصالحة للزراعة واجب تشجيرها بأنواع عدة من الأشجار كالصنوبر وخصخصتها بأسعار تشجيعية وإعفاء من يستثمرها لمدة لا تزيد عن 15 سنة من الضرائب.
خلق كيان لبناني نظيف يتطلّب بناء الترسانة اللبنانية الاجتماعية الدفاعية والوقائية.
قوة التغيير الحقيقية تبدأ في داخل كل فرد منا. والإصلاح نحن من يفرضه. في الانتخابات وليس في مقاطعتها نفرض رأينا ونحقق طموحاتنا ونصل إلى حيث نريد.
لبنان بأمس الحاجة لإحياء روح التضامن في صفوف شعبه. الوقت ثمين والحالة لا تتحمل البطء. أطفالنا ينتظرون منا أن نعالج أخطاءًا نحن ارتكبناها بحقهم. معالجة هذه الأخطاء كلّنا مدعوون لرسم خطوطها. لأن حجمها بات كبيرًا لدرجة أن ما من فئة تستطيع وحدها أن تعالج أمراض لبنان المزمنة.
الثقافة الحقيقية هي انعكاس للحرية وترجمة للديمقراطية.
الأنظمة الدولية اليوم تارة تطلق للإنسان حريته وطورًا تستعبدها.
نحن مع العمل على أن يتكون ضغط عالمي لنصرة القضايا اللبنانية لكننا ضد اللجوء والاعتماد علي أعدائنا لتحقيق ذلك.
من حق لبنان أن يحصل على نسبته القانونية من مياهه المتدفقة من كافة الأنهار اللبنانية الخاصة منها والمشتركة مع الدول المجاورة.
لكننا نرفض أن يعمد المسؤولون اللبنانيون إلى استغلال هذه الثروة وهذه الحاجة القومية لعقد صفقات مشبوهة تخفي استفادات مادية تدر عليهم كأفراد أموالاً ومنافع طائلة على حساب المصلحة العامة.
وهذا التحذير لا ينحصر فقط بموضوع المياه بل يشمل كل ثروات لبنان وقطاعاته.
نحن نرفض رفضًا قاطعًا أن يثرى قلة بيننا على حساب المصلحة الوطنية من خلال هذه المشاريع والاتفاقات الكبرى.
عقد الموتمرات الدولية في لبنان برنامج نشجعه
هذه القمم تدعم وضعنا السياسي وشرعيتنا وسيادتنا وهي اعتراف تام بنا كدولة مستقلة ودعم استراتيجي لشعبنا وقضايانا ويعطينا مصداقية على المستوى العالمي ويبعدنا عن متاهات الخطر الدولي.
التغيير في لبنان لا تقرره فئة واحدة ولا ينحصر بمجموعة معينة.
التغيير الحقيقي يطال كل شرائح المجتمع اللبناني وينبع من قاعدة وطنية عريضة ويتجاوب مع كل طروحات المجتمع.
المسألة الاجتماعية المنزهة عن كل مصلحة طائفية أو مذهبية أو شخصية هي منطلق هذا التغيير
السلام الأهلي يرتبط بإعطاء كل ذي حق حقه وصيانته. بذلك تكون الثقافة اللبنانية تنبع من تنشئة وطنية تحتل العدالة والحقوق المشروعة موقعًا أساسيًا فيها.
كل نهضة سياسية تفترض تبنيًا لديمقراطية موضوعية وواقعية تترجم بانتخابات حرة وعادلة وحكومة مسؤولة وشفافة ورقابة نيابية وقضائية شاملة واحترام لكل الحقوق لاسيما المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية...
وصون كل ما يعزز إرادة المجتمع المدني وفاعليته.
الثقافة اللبنانية الناهضة تعتمد على العلم في تبلورها. والعلم هو طريقنا نحو المستقبل.
الثقافة اللبنانية تصب في خانة نهضة الإنسان وتحويله إلى الثروة الكبرى التي على الوطن أن يحرص على صيانتها. الإنسان في لبنان هو المورد الأول والأهم وهو ركن كل مشروع إنتاجي ومحرك كل دورة اقتصادية.
تخرج الثقافة اللبنانية من رحم الوحدة الوطنية وتجمع أبناء الأمة اللبنانية بداية ونهاية حول لبنان الوطن الواحد.
التعايش الوطني هو أولاً صيغة وهو ثانيًا ملك لكل اللبنانيين وهو ثالثًا حق تتوجب صيانته وحمايته من قبل الدستور والقوانين والقضاء والأعراف.
يجب التمسك بمبدأ التعايش لأن رفضه وطرح مبدأ الانفصال بين الأخوة لن يحمل الاستقرار إلى داخل الربوع اللبنانية.
في التوتر الداخلي مصلحة لأكثر من فريق في الداخل والخارج.
من هنا نقول إن المشكلة في لبنان ليست في طبيعة المجتمع اللبناني بل في الذهنية المسؤولة التي تدير شؤونه أو التي تؤثر به.
من الملح تعزيز دور الشباب ودفعه للانخراط في كل نواحي الحياة اليومية والوطنية. وفتح لبنان بكل ساحاته وقطاعاته أمامهم وعدم إقحامهم في مشاريع سياسية ضيقة تخدم مصالح ونزوات الزعماء وتحويلهم إلى متاريس يحتمون من خلفهم أو جعلهم وسيلة للوصول إلى زهداف ومراكز ونجاحات خاصة.
التعاطي مع الشباب اليوم يفترض وضع تشريعات تتصل بروح العصر وتخرج عن إطار القانون العثماني الضيق والرجعي الذي لم يعد معمولاً به حتى في تركيا. وهذا ما يجب أن ينعكس خاصة في تعاطي القانون مع الجمعيات الشبابية.
الحركة النهضوية تشجع على إقامة مخيمات شبابية مختلطة وتدعو لإنشاء وزارة خاصة تعنى بالوفاق الوطني وتطالب الحركة بضبط لوائح واضحة تنشر بالجريدة الرسمية باسم كل المعلمين المولجين إعطاء مادة التربية المدنية في كافة المدارس ورفض أي معلم يتبين أنه طائفي النزعة ميليشوي الجذور وفئوي التطلع.
فلتتغلغل النهضة بروح التشريع اللبناني وتحسن أداءه بما يتلاءم مع حاجات العصر والإنسان المعاصر.
يمكن للشباب اللبناني أن يلعب دورًا أساسيًا في إعادة نسج الكيان اللبناني الواحد. هم القادرون على إطلاق الحوار الحقيقي وغير المبني على المصلحة أو الهادف إلى غايات مشبوهة.
تنشئة الشباب في إطار التمسك بحقوقهم وحرياتهم العامة والفردية وتشجيعهم نحو الأعمال التطوعية التي تخدم المصلحة العامة والجماعة والأمة وتوجيه الشباب نحو تشكيل ما يشبه اللوبي الضاغط داخل المجتمع السياسي.
الشباب اللبناني لن يحقق أحلامه إلا بسلوك درب الوحدة ورص الصفوف وهو ما يفرض عليه الابتعاد عن الطائفية والتمسك بالوطن الواحد وتعزيز القواسم المشتركة وتزليل الخلافات التي نتجت عن الحرب وتداعياتها، والتمسك بالحوار والانفتاح والثورة على الجهل والتعصب والعنصرية.
تراثنا الثقافي والحضاري لا يلقى منا العناية التي يستحقها. ذاكرة الوطن تتطلب العناية بمحفوظاتنا الوطنية والبحث في كل ما له صلة بتراثنا الفكري والأدبي. واستعادة ما سرق وتجديد ما أتلف وإبعاد ظل القراصنة عن كنوزنا الحضارية.
تعميم الثقافة الحضارية اللبنانية على عموم اللبنانيين وتشجيعهم على البحث والغوص في حنايا تراثنا الفكري باعتماد المجانية وأحدث التقنيات بما يتلاءم وروحية العصر وأبنائه.
تشكل مؤسسة المحفوظات الوطنية في عرف النهضة اللبنانية مرجعًا أساسيًا وركيزة كبرى في سبيل تجذر اللبنانيين في أرضهم وتذوق روعة تاريخهم وحضارتهم وتسهل أعمال الباحثين وترعى المخطوطات واللوحات الفنية والأعمال الفكرية علي أنواعها.
هي تحتاج لعملية كبيرة وتتطلب ميزانية خاصة على أن تتولى عملية الاهتمام بهذا الموضوع نخبة متخصصة من الباحثين والعاملين في هذا القطاع.
نطالب بمكافحة التلوّث على كل المستويات وفي كافة المجالات. التلوّث يتعدّى البيئة في لبنان ليطاول المجتمع اللبناني بأكمله ويكاد يفتك بكل عناصر الكيان اللبناني.
الفكر اللبناني ملوّث كما البيئة اللبنانية. التاريخ اللبناني ملوّث كما الجغرافيا اللبنانية. الكجتمع اللبناني ملوّث كما الثقافة... ألخ.
خلق كيان لبناني نظيف يتطلّب بناء الترسانة اللبنانية الاجتماعية الدفاعية والوقائية. هذه الترسانة تستمد مقوماتها من جوهر الذاتية اللبنانية.
لا يكفي إبعاد التلوّث وخطره عن الطبيعة اللبنانية والجغرافيا اللبنانية، رغم أنها خطوة جوهرية وأساسية وملحّة، بل يجب توسيع رقعة البرنامج التنظيفي والوقائي ليشمل مختلف العناصر المكونة للكينونة اللبنانية.
الفكر اللبناني الأصيل يتعرّض لهجمات الجراثيم الفكرية الدخيلة؛ ليست هذه الهجمات هي ما نخشاه بل درجة الوعي العام لدى اللبنانينيين هي ساحة عملنا.
هذه الهجمات الدخيلة على الأصالة اللبنانية، وخوفًا منها على تشويش الفكر اللبناني الأصيل الذي ولّدته عبر العصور حضارة الأمة اللبنانية العريقة وخصائص الإنسان اللبناني الذي استوطن هذه الأرض وهذه البقعة الجغرافية الفريدة، تنكب حركة رواد النهضة اللبنانية على تحصين الفكر اللبناني وباقي العناصر المكونة للكيان اللبناني منها.
في هذا الإطار بدأت الحركة بحملة استشارات وأبحاث ستطاول كل علماء ومفكري وباحثي هذا الوطن وهي تسعى اليوم إلى تأسيس من خلال هذه الأفكار، مدرسة وطنية راسخة تحيى عبر العصور المقبلة بثبات وحصانة وزخم؛ كما تسعى الحركة لبناء شبكة دفاعية شاملة تكون الأداة الفاعلة والقادرة على إبعاد مختلف أنواع الجراثيم التي تفتك بالكيان اللبناني وتشكل خطرًا على الحضارة اللبنانية.
إن المناطق اللبنانية لا تزال بمعظمها مذهبية الطابع، وفي العديد منها عائلية النزعة.
تتعامل الديمقراطية اللبنانية مع مجتمع شديد التعقيد تدخل في تكوينه معطيات متنوعة. فالإنسان اللبناني ينتمي في آن واحد إلى دولة وطائفة وعائلة ومنطقة وقرية... وهو يتمسك بكل هذه الانتماءات.
يجب أن يسود جو المصارحة بين الأطراف كافة. والمصارحة لا تأتي ثمارها ما لم يظللها جو الاحترام المتبادل وحالة التفهم والمحبة.
لبنان يحتاج إلى رؤية واضحة وتصوّر مشترك للحلول.
لبنان عريق في هذا الانفتاح الثقافي وهو منبر تتفاعل فيه الثقافة العربية مع باقي الثقافات العالمية.
نحن أبناء حضارة لا أحد ينفي أهمية الدور الذي لعبته عبر التاريخ، رنّها حقيقة لا نقبل أن يجادلنا بها أحد ولا نسمح لأنفسا أن نتناساها أو نقلّل من زهميتها.
وطن لا يحمي علماءه ومفكريه هو حصن للفساد والجهل والانحطاط.
وطن مثل لبنان أقل ما يجب أن يعمل من أجله هو تحصين موقع علمائه ومفكريه والتخطيط كي يتحوّل منبرًا ثقافيًا ذي مستوى رفيع ومنجمًا للمعرفة.
تلعب وزارة الثقافة والتعليم العالي دورًا أساسيًا في صقل الصراعات الفكرية والأيديولوجية والطائفية التي تتفاعل في المجتمع اللبناني وتحويلها إلى سيمفونية ثقافية حضارية منسجمة.
للثقافة بعد إنساني يطاول الوجود البشري بكامله وللبنان دور في تبني نهج الانفتاح على منابع الثقافات الإنسانية
يقول الأب لوبريه :''مصلحة لبنان تبنى على التوازن والتفاعل والتنافس والتكامل بين القطاعين العام والخاص.''
قيام التوازن اللبناني في الثقافة والسياسة كفيل بتدعيم الاستقرار الداخلي. لا حياة للبنان إذا انتهجت السياسة فيه أساليب إلغاء للآخر أو اعتمدت أسلوب الاتحاد السوفياتي في تطويع الحضارات في إطار من الترويس.
النهضة في القطاع التعليمي تعني تنمية شاملة على مستوى الثروة البشرية لصناعة حاضر ومستقبل متوجين بالعلم والثقافة.
تتطلب النهضة إجراء تعديل جذري في المناهج يساهم في تحقيق انصهار وطني مقرون باحترام كلي لخصوصية كل جماعة لبنانية وتعزيز اللغة العربية دون المس بميزة لبنان الحضارية وانفتاحة على سائر الشعوب وإتقان شعبه مختلف اللغات الأجنبية لاسيما الأساسية منها خاصة الإنكليزية والفرنسية والألمانية والريطالية والإيسبانية البرتغازية والإيرانية وغيرها...
النهضة في التعليم تشمل القطاع المهني والتقني أيضًا إلى جانب الأكاديمي. وتفسح في المجال أمام المتفوقين لمتابعة تعليمهم العالي وتسفر عن وضع برامج وخطط تحد من ظاهرة الهجرة وتساعد المعوقين على الاندماج في المجتمع.
النهضة اللبنانية تركز على وجوب الاهتمام بالتعليم المهني والتقني وتنشيط هذا القطاع من أجل تفعيل اقتصادنا الوطني وإخراجه من دوامة تخلف العالم الثالث وهي مهمة على وزارة التعليم التقني والمهني أن تقوم بها بغد أن يتوفر لها كل دعم مادي ومعنوي، داخلي وخارجي.
فصل الدين عن الدولة ليس دعوة للإلحاد.
الدولة الحديثة التي نريد بناءها تتكيف والتعدد الديني والثقافي.
تتلاحق الأزمات في لبنان وتتسارع وتيرتها وتتفاقم. كل مسألة أيًا يبلغ حجمها وشأنها تولد في بلادنا أزمة توتر الساحة الداخلية وكل أزمة في لبنان تتحول إلى مادة جدل تتغلغل في الشارع الشعبي بحيث ينمو في المجتمع اللبناني جو من النقاش والتململ وينتهي الأمر عند هذا الحد إذ تغيب كليًا كل محاولة جادة لإيجاد مخرج وحل منطقيين وعلميين وموضوعيين لأي من هذه الأزمات.
لا نشهد في لبنان حلولاً تنبع من الحرص على المصلحة العامة ومصلحة الشعب. بل تأتي الحلول ظرفية تتجاوب مع ما يتناسب ومصلحة مسؤولي السلطة.
نجح لبنان في امتلاك إعلام مزدهر ووسائل تقنية عالية الجودة ، لكننا لم نشهد حتى تاريخه نهضة جادة في قطاع الإعلام. فإنتاجنا لا يزال متخلفًا. الحس القومي والوطني مفقود وهاجس الكسب المادي يسيطر على مالكي هذه الوسائل والإداريين والعاملين فيها
إعلامنا دون المستوى المطلوب في طريقة نقله للحدث وخطابه مع المواطنين.
لعب الإعلام اللبناني في كثير من الأحيان دورًا منحطًا وقد حرّك الرأي العام بشكل عشوائي غير منضبط لاسيما في اعتماده أسلوب التضخيم خاصة في كشفه عن بعض الفضائح إن على مستوى الفرد اللبناني أو على مستوى الشركات والمؤسسات. وبالتالي أحدث انقلابًا على الحقيقة المجردة وفرض رأيه ليس فقط على الشعب بل أيضًا على العدالة والقضاء.
للإعلام والإعلان دور وطني بارز في جذب رأس المال وهو عمومًا رأسمال جبان. كل خبر غير دقيق وموضوعي وصحيح يعكس خللاً فاضحًا في تشويه صورة البلاد وشعبه الحقيقية وهو مؤامرة تضر بالاقتصاد وتطور الحالة الرنمائية في البلاد.
الإنماء في الأصل يكون شاملاً فلماذا نضيف كلمة متوازن عليه؟
بحجة الانماء المتوازن، يكثر الهدر في أموال الدولة وتتكرر العمليات الإنمائية.
الإنماء ليس تعدادًا لمشاريع،
الاتفاق على وضع شرعة إعلامية في لبنان ترتكز على الديمقراطية وتنطلق من ميثاق خلقي إعلامي. يلتزم المجتمع الأهلي بتنفيذ بنوده.
ولا تتعرض له أية إدارة سياسية .
حظر البث المباشر يعني التضييق بطريقة ما الحريات الإعلامية والانتقاص من الديمقراطية. ويفرض على المؤسسات الإعلامية الحصول على ترخيص مسبق لممارسة البث.
الديمقراطية الصحيحة لا تجيز بإخضاع الزخبار والنشرات السياسية لأية رقابة مسبقة. لكنها بالمقابل تفرض على المحطات التلفزيونية احترام القوانين والالتزام بالقيم الوطنية والقومية والأخلاقية وباحترام علاقات لبنان مع أشقائه وأصدقائه.
هو تقييد عن التعبير عن الرأي وحرية الإعلام.
هذا الأمر لا يتناسب مع تقاليد تاريخ لبنان السياسي.
فئة من المغتربين تعتبر سياسة الحكومة اللبنانية حيال الانتشار اللبناني يحكمها التسلط والاستبداد وتدفع بالجامعة الثقافية إلى الإنحراف عن المبادئ والأهداف التي يحتضنها دستورها.
الجامعة الثقافية في العالم من أهدافها دعم كيان لبنان واستقلاله وسيادته وطنًا نهائيًا لجميع أبنائه.
إعطاء المنتشرين حقهم في جنسية أجدادهم وإعادة رابطة الدم والنسب بينهم وبين أبناء وطنهم حق مشروع لا بد من إقراره.
لبنان بأمس الحاجة اليوم إلى منتشريه.
المنتشرون بأمس الحاجة لوطنهم ودعم الحكومة المركزية فيه.
الجامعة اللبنانية الثقافية في العام مدعوة كي تكون صوت الانتشار اللبناني وواجبها أن تجمع الشمل اللبناني المنتشر في كل أنحاء الأرض وأن تنشر رسالة لبنان وتدعم قضاياه المحقة وتبث روح الوطنية في صفوف من غادروه قسرًا أو طوعًا وتشعل فيهم الحنين له وأن تزرع اللحمة بين اللبنانيين وتبعد عنهم خطر الانقسام الطائفي والمذهبي وتعيد نسج الرمبراطورية اللبنانية وتجعل من كل الدول صديقة تعطف علي اللبنانيين وتجد في بلدهم خير موطن يستثمرون فيه أموالهم ويقصدونه للسياحة والراحة والتعاون الثقافي والفني والاقتصادي والاقتصادي والإنساني.
من واجب الجامعة السعي الدؤوب لتحويل لبنان إلى دولة قوية سيدة ذات سيادة غير منقوصة وموئل للحرية والعدالة وموطن للديمقراطية وحصن منيع بوجه كل الأطماع والاعتداءات والتعديات .
الأهواء الشخصية عطلت عمل الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم وانتقلت عدوى الشرذمة التي فككت صفوف اللبنانيين خلال الحرب إلى عالم الانتشار بحيث شهدنا تكتلات اغترابية متناقضة ومتخاصمة.
تمتلك الجاليات اللبنانية في العالم نخبة من الأدمغة والوجوه التي برزت وتفوقت في أكثر من قطاع وميدان. والدول التي احتضنت اللبنانيين في رحلة هجرتهم، عرفت كيف تستفيد من طاقاتهم وميزاتهم وعلمهم.
من اللبنانيين من فرضت عليهم ظروفهم مغادرة بلادهم ومنهم من غادرها طوعًا دون أي ضغط سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي.
منهم من غادر الوطن نهائيًا ومنهم من يفكر في العودة إليه وفئة ثالثة تتنقل باستمرار بين لبنان والعالم.
عالم الانتشار اللبناني متمدد جغرافيًا ومتنوع بحيث ظهرت في العامل جمعيات وتكتلات وحركات لبنانية منها المستقل ومنها الذي يستمد جذوره من زحزاب وتنظيمات ومرجعيات لبنانية متأسسة علي الأراضي اللبنانية.
كذلك اللبنانيون المقيمون في الخارج نجحوا على المستوى الاقتصادي وكثيرون منهم تمكنوا من تأسيس إمبراطوريات وشركات ضخمة بلغت شهرتها أقاصي الأرض.
التفوق اللبناني لم يترك حقلاً إلا وتسلل إليه. والانتليجنسيا اللبنانية لا تزال حتى اليوم تحظى باهتمام وتقدير من كل الدول ولا يزال لبنان مصدرًا هامًا للأدمغة المتوجهة إلى كل أرجاء الكرة الأرضية.
كل حركة نهضة دولية تنطلق من إرادة الانفتاح،
من فوائد عصر العولمة أن كل الحواجز الجغرافية صارت قابلة للسقوط وبالتالي التلاقي بين الشعوب يزداد سهولة.
هي مقدمة ضرورية تسمح للتفكير معًا وللبحث عن وسائل وأجوبة لكل ما يجول في خاطرنا من تساؤلات وهموم وتطلعات تحمل الخير رلى مجتمعاتنا والسلام إلى ربوعنا والازدهار إلى بلادنا.
هي واحة من الصدق والالتزام بقضايا الوطن والإنسان.
ليس أمام الأجيال الصاعدة من معطيات عن الماضي اللبناني القريب كما البعيد سوى كلام الكبار في السن.
أية عملية توثيق جدية وموضوعية للأحداث لم تظهر.
قد لا يجد الشباب سبيلاً لمعرفة ما حصل إلا بأن يقصدوا شخصيًا مكتبة عامة - وعددها قليل في لبنان - أو أرشيف أحد الجرائد أو كالات الأنباء لكي يطلع بنفسه وبمبادرته الفردية على ما يتيسر له من المعلومات.
أما الإعلام فقد انتظرناه طويلاً حتى يتحرك وجاء كلامه على المراحل السابقة سطحيًا تبسيطيًا ومحابيًا للطبقة السياسية التقليدية. وفي الغالب استعادة مزورة للماضي تهدف إلى امتداح هذا وتلميع صورة ذاك وتضخيم الحسنات واختلاق بعضها وتحجيم المساوئ وإخفاء معظمهت، فيؤدي الإعلام بتوثيقه غايات أقرب إلى الإعلانية والدعائية منها إلى الإعلامية أو التوثيقية، كما ورد في افتتاحية ملحق جريدةالحديث في أيلول 2002.
لا جدل في أن المجهود الذي يبذل لطمس الماضي كبير جدًا يلعب فيه أكبر دور التمويل والنفوذ وتواطؤ المافيات السياسية بعضها مع بعض ويتم بحرص وإتقان في عملية محكمة لمحو ذاكرة الأجيال وجعل الماضي مجهولاً، وفي أفضل الأحوال معقدًا غير مفهوم.
إن محو ذاكرة الأجيال مؤامرة كبرى لأن كل المؤامرات كل المؤامرات صغرى إذا كانت الأجيال الصاعدة واعية متوقدة الذاكرة.
أصغر المؤامرات كبرى إذا كانت الأجيال الصاعدة مغفّلة معدومة الذاكرة.
هو المؤامرة الكبرى لأنه يمنع محاسبة رجال السياسة التي من دونها لا مجال لتحقيق أية خطوة إلى الأمام في لبنان أو في أي بلد آخر مهما كانت الطريق سهلة.
لأن المحاسبة لا مجال لها من دون ذاكرة مهما كان قانون الإنتخاب ونظام الأحزاب وبرامج المرشحين، فكيف نحاسب دون أن نعرف ماذا فعل المحاسب ودون أن تكون ذاكرة الأجيال راصدة لكل كلمة قالها وخطوة خطاها.
أكبر كسب للبنان بعد سكوت العنف، تمسك دول العالم بوجوده كدولة لها سيادتها على كامل ارضها بواسطة جميع مؤسساتها المدنية والعسكرية، وكأية دولة أخرى. نريد لبنان ساحة لتفاعل اللبنانيين في ما بينهم لا ساحة تتفجر فيها صراعات المنطقة ونزاعاتها منذ أكثر من ثلاثة عقود.
دولة قوية في لبنان تقتضي ثقافة سياسية واقتصادية جديدة.
أن نحمل همّ الوطن الى السلطة لا همّ المذهب والأزلام.
أن نبني دولة عادلة قادرة أبدية، لا مجداً شخصياً باطلاً بواسطة ثورة فردية زائلة.
أن نعتمد في حياتنا السياسة ثقافة الفضيلة لا ثقافة الفساد.
أن نبني دولتنا بمثل درجة حمية بناء بيوتنا ومؤسساتنا.
أن نتعامل مع مال الخزينة كما نتعامل مع المال في درجنا أو محفظتنا، بروحية التوفير والإنتباه والمحافظة.
أن نكتفي بأجرنا ونحن في السلطة كما نفعل ونحن في أية شركة أو مؤسسة خاصة.
أن ندرك ونعي ونفهم أن السلطة ليست نعيماً ولا فردوساً ولا جنّةً، إنما هي عناء وتعب وسهر وتضحية ومسؤولية ومساءلةومحاسبة وتواضع.
أن نتعامل ونحن في السلطة بشفافية مطلقة وبأعلى درجات العقلانية والموضوعية الإدارية والقانونية والإقتصادية والسياسية.
أن نأتي الى السلطة بأناس يفيدون بالوطن لا بالذين ينفّذون.
ألا نخاف من الأكفياء والنزهاء في الحكم، فنوصد كل الأبواب في وجوههم لأنهم خطر محدق بالرداءة والفساد.
أن نعتمد ثقافة المقاييس والمعايير، في الإنتخاب والتعيين والترفيع والنجاح والفشل.
أن نقلع عن تشريع الفساد والاختباء وراء القوانين والأنظمة والقرارات المنحرفة لتحقيق المصالح الذاتية وتعظيمها.
أن نقتنع بضرورة وضع طاقاتنا الشابة في خدمة دولة منتجة ومبدعة واقتصاد منتج ومبدع، وأن يتقدم على نزعة المذهب والطائفة، التوق الى تحقيق مجتمع التقدم التقني والرقي الروحي.
أن نقتنع أيضاً بأن عرق الجبين وحده يبرر الكسب والربح لا ثقافة الريع والظلم الإجتماعي.
أن نرفض تركّز الربح والثورة والرخاء والرفاه، وأن نحسن توزع ثروة الوطن بمعدل على كل الذين ساهموا في تحقيقها.
أن نبني صداقات خارجية متينة ونوظفها لمصلحة الوطن.
أن نشجع الفرد على المبادرة، ونحمي إنجازه ونساعد على توسعه.
أن نحترم الإنسان وحقوقه وملكيته.
دولة لبنان فقدناها في الحرب الأخيرة ووجدناها من جديد. على مثل هذه القيم والثقافة والتوق، يجب أن تبنى. إن هي مقصّرة فهذا لا يعني أنها ستظلّ هكذا طويلاً، أو يجب أن تزول، وإن هي فاسدة فليست لمدة طويلة بعد، وإن هي مذهبية تحكمها ذهنية الحصص فلن تدوم لبنّائيها.
أردت أن أختتم كتابي بهذين الرأيين لأن من وحيهما يمكننا أن نرسم طريقًا جديدًا نعبّده فنسير عليه نحو لبنان جديد قابل للحياة ويليق بتضحيات شهدائنا وأجدادنا ويؤسس لمستقبل مضمون ومستقر لأولادنا من بعدنا.
أما الإعلام فقد انتظرناه طويلاً حتى يتحرك وجاء كلامه على المراحل السابقة سطحيًا تبسيطيًا ومحابيًا للطبقة السياسية التقليدية. وفي الغالب استعادة مزورة للماضي تهدف إلى امتداح هذا وتلميع صورة ذاك وتضخيم الحسنات واختلاق بعضها وتحجيم المساوئ وإخفاء معظمهت، فيؤدي الإعلام بتوثيقه غايات أقرب إلى الإعلانية والدعائية منها إلى الإعلامية أو التوثيقية، كما ورد في افتتاحية ملحق جريدةالحديث في أيلول 2002.
لا جدل في أن المجهود الذي يبذل لطمس الماضي كبير جدًا يلعب فيه أكبر دور التمويل والنفوذ وتواطؤ المافيات السياسية بعضها مع بعض ويتم بحرص وإتقان في عملية محكمة لمحو ذاكرة الأجيال وجعل الماضي مجهولاً، وفي أفضل الأحوال معقدًا غير مفهوم.
إن محو ذاكرة الأجيال مؤامرة كبرى لأن كل المؤامرات كل المؤامرات صغرى إذا كانت الأجيال الصاعدة واعية متوقدة الذاكرة.
أصغر المؤامرات كبرى إذا كانت الأجيال الصاعدة مغفّلة معدومة الذاكرة.
هو المؤامرة الكبرى لأنه يمنع محاسبة رجال السياسة التي من دونها لا مجال لتحقيق أية خطوة إلى الأمام في لبنان أو في أي بلد آخر مهما كانت الطريق سهلة.
لأن المحاسبة لا مجال لها من دون ذاكرة مهما كان قانون الإنتخاب ونظام الأحزاب وبرامج المرشحين، فكيف نحاسب دون أن نعرف ماذا فعل المحاسب ودون أن تكون ذاكرة الأجيال راصدة لكل كلمة قالها وخطوة خطاها.
أكبر كسب للبنان بعد سكوت العنف، تمسك دول العالم بوجوده كدولة لها سيادتها على كامل ارضها بواسطة جميع مؤسساتها المدنية والعسكرية، وكأية دولة أخرى. نريد لبنان ساحة لتفاعل اللبنانيين في ما بينهم لا ساحة تتفجر فيها صراعات المنطقة ونزاعاتها منذ أكثر من ثلاثة عقود.
دولة قوية في لبنان تقتضي ثقافة سياسية واقتصادية جديدة.
أن نحمل همّ الوطن الى السلطة لا همّ المذهب والأزلام.
أن نبني دولة عادلة قادرة أبدية، لا مجداً شخصياً باطلاً بواسطة ثورة فردية زائلة.
أن نعتمد في حياتنا السياسة ثقافة الفضيلة لا ثقافة الفساد.
أن نبني دولتنا بمثل درجة حمية بناء بيوتنا ومؤسساتنا.
أن نتعامل مع مال الخزينة كما نتعامل مع المال في درجنا أو محفظتنا، بروحية التوفير والإنتباه والمحافظة.
أن نكتفي بأجرنا ونحن في السلطة كما نفعل ونحن في أية شركة أو مؤسسة خاصة.
أن ندرك ونعي ونفهم أن السلطة ليست نعيماً ولا فردوساً ولا جنّةً، إنما هي عناء وتعب وسهر وتضحية ومسؤولية ومساءلة ومحاسبة وتواضع.
أن نتعامل ونحن في السلطة بشفافية مطلقة وبأعلى درجات العقلانية والموضوعية الإدارية والقانونية والإقتصادية والسياسية.
أن نأتي الى السلطة بأناس يفيدون بالوطن لا بالذين ينفّذون.
ألا نخاف من الأكفياء والنزهاء في الحكم، فنوصد كل الأبواب في وجوههم لأنهم خطر محدق بالرداءة والفساد.
أن نعتمد ثقافة المقاييس والمعايير، في الإنتخاب والتعيين والترفيع والنجاح والفشل.
أن نقلع عن تشريع الفساد والاختباء وراء القوانين والأنظمة والقرارات المنحرفة لتحقيق المصالح الذاتية وتعظيمها.
أن نقتنع بضرورة وضع طاقاتنا الشابة في خدمة دولة منتجة ومبدعة واقتصاد منتج ومبدع، وأن يتقدم على نزعة المذهب والطائفة، التوق الى تحقيق مجتمع التقدم التقني والرقي الروحي.
أن نقتنع أيضاً بأن عرق الجبين وحده يبرر الكسب والربح لا ثقافة الريع والظلم الإجتماعي.
أن نرفض تركّز الربح والثورة والرخاء والرفاه، وأن نحسن توزع ثروة الوطن بمعدل على كل الذين ساهموا في تحقيقها.
أن نبني صداقات خارجية متينة ونوظفها لمصلحة الوطن.
أن نشجع الفرد على المبادرة، ونحمي إنجازه ونساعد على توسعه.
أن نحترم الإنسان وحقوقه وملكيته.
دولة لبنان فقدناها في الحرب الأخيرة ووجدناها من جديد. على مثل هذه القيم والثقافة والتوق، يجب أن تبنى. إن هي مقصّرة فهذا لا يعني أنها ستظلّ هكذا طويلاً، أو يجب أن تزول، وإن هي فاسدة فليست لمدة طويلة بعد، وإن هي مذهبية تحكمها ذهنية الحصص فلن تدوم لبنّائيها.
أردت أن أختتم كلامي بهذه الأفكار لأن من وحيها يمكننا أن نرسم طريقًا جديدًا نعبّده فنسير عليه نحو لبنان جديد قابل للحياة ويليق بتضحيات شهدائنا وأجدادنا ويؤسس لمستقبل مضمون ومستقر لأولادنا من بعدنا.