إدوار حنين
المفكر والسياسي
السيرة الذاتية أرشيف الصور أرشيف الأفلام ارشيف الصوت
 

إدوار حنين السياسي والمشرع

الجبهة اللبنانية

الجبهة اللبنانية
الجبهة اللبنانية Lebanese Front هي تحالف أحزاب وشخصيات لبنانية، تأسس في السنة 1976 في بداية الحرب، وبتشجيع من النائب إدوار حنين، لمواجهة الحركات الفلسطينية واليسارية والعروبية.
طالبت الجبهة بسيادة لبنان على كامل أراضيه.
ترأسها الرئيس الأسبق كميل شمعون زعيم حزب الوطنيين الأحرار.
من أهم أقطابها رئيس حزب الكتائب الشيخ بيار الجميل والرئيس سليمان فرنجية (الذي كان ابنه يقود حزب المردة المتمركزة في الشمال)، اضافة إلى إتيان صقر (حراس الأرز) والمفكرين الدكتور شارل مالك والنائب والوزير ادوار حنين والدكتور فؤاد أفرام البستاني.
إنفصل فرنجية عنها في السنة 1978.
عسكريًا، قامت الجبهة بتشكيل القوات اللبنانية لتكون جناحها العسكري، تحت قيادة الشيخ بشير الجميل.
فقدت الجبهة الكثير من دورها في منتصف الثمانينيات بفقدانها السيطرة الفعلية على القوات اللبنانية.
بوفاة أعضائها أو استقالتهم، (ومن آخر المستقيلين إدوار حنين)، تشكلت في السنة 1988 جبهة أخرى سميت "الجبهة اللبنانية الجديدة" بقيادة داني كميل شمعون، إتخذت موقفا مؤيداً للعماد ميشال عون، لكنها ما لبثت أن حـُلـَّت هي الأخرى مع اغتيال داني سنة 1990.
  في 31 كانون الثاني 1976 تم الإعلان من مقر جامعة الكسليك عن تأسيس «جبهة الحرية والإنسان». وفي 21 و22 و23 كانون الثاني 1977 تم الإعلان في خلوة دير سيدة البير عن مقررات «الجبهة اللبنانية» وعن تنظيم هذه الجبهة ووضع نظام داخلي لها في ما يمكن اعتباره إعلانا للتأسيس الثاني والإنتقال من «جبهة الحرية والإنسان» إلى «الجبهة اللبنانية» التي استمرت تجتمع وتصدر البيانات تحت هذا الإسم.
منذ العام 1976 وحتى العام 1987 عاشت الجبهة اللبنانية وعايشت كل المحطات المفصلية. ومثلت طيلة هذه المرحلة وجدان قضية وشعب ووطن وكانت بحجم المسؤولية التي حملتها دفاعًا عن لبنان. لم يكن من السهل أن تختصر الجبهة كل الأحزاب والتيارات والشخصيات الإستقلالية والسيادية، ولكنها فعلت من دون أن تلغي خصوصية أي من هؤلاء الذين انضووا تحت قيادتها وكانوا يعبّرون عنها منفردين ومجتمعين.
لم تولد الجبهة من فراغ ولكنها استطاعت أن تملأ فراغاً كان مطلوباً ألا يظل فراغاً. قبل الجبهة كانت الهواجس موجودة والخطر موجودًا وكانت الحاجة إليها موجودة، وعندما ولدت كان الإعلان عن ولادتها كأنه إعلان عمّا كان صار معلومًا.
قبل 31 كانون الثاني 1976 تاريخ الإعلان الأول عنها كانت هناك اجتماعات تمهيدية لبلورة هذه الفكرة التي استدعتها ضرورات المعارك السياسية والعسكرية. الذين التقوا في الجبهة كانوا التقوا في ميادين المواجهة كل من موقعه وخلفيته وتنظيمه. في الأساس كانت الفكرة موجودة وكانت الحاجة ماسة وكان الخطر يدق على الأبواب وكانت الدولة قد غابت وكان مطلوبًا أن يكون هناك من يتصدى للخطر ويتحمّل المسؤولية ويخرج إلى الجماعة الخائفة والقلقة ليقول إن الوقت قد حان لتولي القيادة.
كان من الطبيعي أن تولد الجبهة من رحم الأفكار التي كانت سبقت ولادتها من لجنة بحوث الكسليك ومن المؤتمر الدائم للرهبانيات اللبنانية ومن عدد من المفكرين والباحثين، ولذلك كان من الطبيعي أن يكون اللقاء الأول في دير الكسليك لأنه كان القاسم المشترك بين الجميع، وكان من الطبيعي أيضًا أن يتم الإعلان عن عهد الجبهة في 13 شباط 1976 من دير مار أنطونيوس في الأشرفية.
كان المطلوب أن تلتقي القيادات السياسية والعسكرية والحزبية والفكرية في إطار واحد. وهكذا كان اللقاء طبيعيًا بين الشخصيات الأولى التي تكوّنت منها الجبهة: كميل شمعون وبيار الجميل وشارل مالك وشربل قسيس وفؤاد الشمالي وشاكر أبو سليمان وجواد بولس وسعيد عقل وغيرهم من الأسماء التي كانت في الكواليس ووراء الستار تساهم في خلق الأفكار وتقديم المقترحات وصياغة المواقف.
ولدت الجبهة في 31 كانون الثاني 1976 بعد عشرة أيام فقط على تهجير الدامور وبينما كانت المعارك تشتعل في كل المناطق. كان يكفي أن ينتقل كميل شمعون من قصر السعديات إلى الإقامة في قصر بعبدا حتى يكون منذ البداية الرئيس الفعلي للجبهة حتى من دون الإعلان عن مثل هذا الأمر في البداية. وكان يكفي أن يكون بيار الجميل رئيسًا للكتائب ليكون قطب الجبهة الثاني مستندًا إلى قوة عسكرية حزبية منظمة. وكان من المطلوب أن يتم التوازن بين حضور بيار الجميل وكميل شمعون وبين حضور الشخصيات التي لم يكن لديها تنظيمات مقاتلة، وكان من الرائع أيضًا أن يكون حضورالجميع متساويًا تقريبًا.
لم يكن من المتاح في مرحلة التأسيس تلك أن يكون الرئيس سليمان فرنجية عضوًا في الجبهة لأنه كان رئيس الجمهورية ولكن ممثلين عنه كانوا يشاركون بطبيعة الحال لأن قوات عسكرية تابعة له كانت تشارك في القتال على الأرض على أكثر من جبهة.
ولادة الجبهة ترافقت أيضًا مع بداية تبدل في موقف النظام السوري من مجريات الحرب والتحالفات وكان المطلوب أولاً مواكبة محاولة الخروج من الحرب من خلال الوثيقة الدستورية التي كان يتم التحضير لها بين الرئيس فرنجية ورئيس النظام السوري حافظ الأسد وقد تم الإعلان عنها في 14 شباط 1976 بعد يوم واحد من الإعلان عن عهد جبهة الحرية والإنسان.
ولكن وحدة التنظيم السياسي ضمن الجبهة بقيت في تلك المرحلة عرضة للإختلاف في المواقف. بداية كان هناك إختلاف حول مقاربة العلاقة مع النظام السوري بين من هو رافض وبين من يعتبر أنها لا مفر منها لتقطيع المرحلة الضاغطة عسكريًا. وكان هناك إختلاف وتمايز في النظرة إلى إنقلاب العميد عزيز الأحدب بين من اعتبره منقذاً للبنان ومن اعتبره إنقلابًا على الشرعية، خصوصًا أنه طالب باستقالة رئيس الجمهورية. وهذا الموضوع، أي المطالبة باستقالة الرئيس كان موضع اختلاف بين من وافق على الفكرة وبين من رفضها، خصوصًا بعدما تمسك فرنجية بالبقاء في سدة المسؤولية حتى آخر يوم قبل أن يكون هناك حل وسط بتعديل الدستور وانتخاب رئيس للجمهورية قبل ستة أشهر على أن يتسلم مقاليد الرئاسة في 23 أيلول، وعلى هذا الأساس كان الياس سركيس مرشح الجبهة اللبنانية وقد تم انتخابه في 8 أيار 1976.
لم يكن هذا التوافق على تقطيع المرحلة يعبّر عن وحدة موقف حقيقي، ذلك أن الإختلاف عاد وظهر حول العلاقة السياسية مع النظام السوري من جهة وحول دخول القوات العسكرية التابعة للنظام إلى لبنان في حزيران 1976 ثم حول دورها بعد تحوّلها القوة الأكبر ضمن قوات الردع العربية وتوسيع إنتشارها داخل المناطق الشرقية بينما كانت الجبهة بشكل عام تعتبر أن المطلوب ألا يشمل إنتشارها هذه المناطق وأن تعمل على سحب السلاح الفلسطيني.
صحيح أن الجبهة كانت أيدت إنتخاب الرئيس الياس سركيس ولكن العلاقة معه لم تكن متوازنة وشابتها في البداية نزاعات كثيرة. وإذا كان دخول لبنان مرحلة من السلام الخادع قد أمّن إنتقال السلطة ومحاولة إعادة بناء الجيش والدولة، فإن تلك المرحلة شهدت أيضًا حدثين على مستوى الجبهة هما مشاركة الرئيس سليمان فرنجية فيها كعضو أساسي بعدما كانت بدأت إجتماعاتها معه كرئيس للجمهورية في قصر بعبدا، ثم بعد انتقاله إلى القصر البلدي في زوق مكايل قبل أن يستقر في الكفور. أما الحدث الثاني فكان التخلي عن تسمية جبهة الحرية والإنسان والإنتقال رسميًا إلى تسمية الجبهة اللبنانية مع خلوة سيدة البير في 23 كانون الثاني 1977 وخروج الدكتور فؤاد الشمالي منها ثم الشاعر سعيد عقل.
العام 1978 شهد خلوتين للجبهة في زغرتا وفي إهدن وذلك بعدما بدأت مرحلة السلام تنهار بعد حوادث ثكنة الفياضية في شباط 1978 وعودة الخلاف مع النظام السوري عسكريًا وسياسيًا، الأمر الذي انعكس خلافاً كبيرًا مع الرئيس الياس سركيس خصوصًا لجهة عجزه عن ممارسة دوره كقائد أعلى لقوات الردع العربية.
الخضة الأولى الكبيرة حصلت داخل الجبهة مع أحداث إهدن وما سبقها وتلاها وأدت إلى خروج الرئيس سليمان فرنجية منها وفصل مناطق الشمال عن العمق المسيحي. ولكن هذا الخروج وإن كان أضعف الجبهة إلا أنه لم يحل دون استمرارها بقوة أكبر لاحقاً عندما توسعت عمليات الحرب بين القوى المسيحية وبين الجيش السوري في حرب المئة يوم.
الخضة الثانية التي تعرضت لها الجبهة كانت مع الحوادث بين الكتائب والأحرار وبعد عملية 7 تموز 1980. ولكن بحس المسؤولية الذي تحلى به الرئيس شمعون أمكن تخطي هذه المرحلة التي شهدت تكريس قيادته السياسية للجبهة وتكريس قيادة الشيخ بشير الجميل العسكرية «القوات اللبنانية» التي شهدت عملية التوحيد التي تعذر الوصول إليها في كل المحاولات السابقة، وبذلك أضحى الشيخ بشير الممثل القوي ل»القوات» داخل الجبهة وانطلقت عملية الإعداد لوصوله إلى رئاسة الجمهورية. وبهذا الحضور لبشير وللجبهة تمت مواجهة حرب زحلة.
ترشيح بشير لرئاسة الجمهورية تم عبر الجبهة اللبنانية. كان الرئيس كميل شمعون طامحًا أيضًا ليكون مرشح الجبهة، ولكن التطورات العسكرية والسياسية وحّدت الجبهة حول قرار ترشيح بشير الذي كان وصوله إلى الرئاسة بمثابة وصول الجبهة اللبنانية ونجاح تجربتها وخياراتها.
بعد اغتيال بشير وانتخاب شقيقه الشيخ أمين الجميل خلفاً له، وبعد سلسلة الحروب في الجبل وبيروت والضاحية، ضعف موقف الجبهة اللبنانية التي كان انضم إليها فادي فرام ممثلاً ل»القوات» بعدما صار قائدها. في 27 آب 1984 توفي الشيخ بيار الجميل ففقدت الجبهة أحد ركنيها الأساسيين ولكنها استمرت مع انضمام الدكتور إيلي كرامه إلى عضويتها بعد اختياره رئيسًا للكتائب.
كانت الجبهة قد اعتمدت مقرًا لها في دير مار جرجس عوكر التابع للرهبانية الأنطونية. من ذلك المكتب المتواضع الذي كان كناية عن غرفة صغيرة كانت الجبهة تصدر بياناتها التي ينتظرها اللبنانيون وتذيّلها بعبارة عاشت الجبهة اللبنانية عاش لبنان وتحاكي هواجس الناس ومخاوفهم وتحاول أن تبقى على قدر آمالهم. ومن حول تلك الطاولة المستطيلة الخضراء وتحت صليب خشبي معلق على الجدار كان أركان الجبهة يلتقون ويبحثون ويتداولون في مختلف القضايا.
وقد انعكست على الجبهة سلبًا الخلافات داخل الصف المسيحي، خصوصًا بعد إنتفاضة 12 آذار ثم مع سعي إيلي حبيقة الذي تولى رئاسة الهيئة التنفيذية ل»القوات اللبنانية» لفرض الإتفاق الثلاثي الذي عارضته الجبهة، وخصوصًا الرئيس كميل شمعون. في 12 تشرين الثاني 1985 حصلت عملية التفجير التي استهدفت الجبهة خلال اجتماعها الأسبوعي في دير مار جرجس في عوكر، ولكن وإن تم تدمير قسم كبير من الدير فإن أعضاءها نجوا من المحاولة وإن كانوا تعرضوا لإصابات بقيت طفيفة. كان يكفي أن يطل الرئيس شمعون مضمدًا بعد الإنفجار ليتأكد الناس أن الجبهة مستمرة. ولكن بفعل هذه العملية خفت لقاءات الجبهة خصوصًا مع محاولات حبيقة تنصيب قيادات جديدة في الكتائب والأحرار قبل أن تعود بعد انتفاضة 15 كانون الثاني التي أسقطت الإتفاق الثلاثي.
بعدما أصبح الدكتور سمير جعجع رئيسا للهيئة التنفيذية في «القوات» بات ممثل «القوات» داخل الجبهة، وبعد انتخاب الدكتور جورج سعاده رئيسًا للكتائب بات ممثلاً للحزب فيها وباتت تعقد اجتماعاتها في مقر المجلس الحربي.
العام 1987 شهد وفاة ركني الجبهة كميل شمعون في 7 آب وشارل مالك في 28 أيلول وانتهى بذلك عهد الجبهة الذهبي، خصوصًا أن إجتماعاتها كانت تقطعت، لا سيما بعد محاولة الإغتيال التي تعرض لها الرئيس شمعون في 7 كانون الثاني 1987 وبقيت هذه الإجتماعات مستمرة، ولكن دور الجبهة الطليعي كان غاب في ظل التطورات وانتفى تلقائيًا مع حكومة العماد ميشال عون العسكرية.
طيلة عشرة أعوام تقريبًا مثلت الجبهة اللبنانية ضمير لبنان الكيان وكانت المدافع الأول عن حريته وسيادته واستقلاله والأحرص على عودة الجمهورية القوية والدولة والمؤسسات ضماناً لاستمرار لبنان الوطن الذي يتسع لجميع أبنائه، وهي في كل أدبياتها وبياناتها وخلواتها وقراراتها لم تخرج عن هذا الخط وبقيت الصوت الصارخ في وجه محاولات تبديل صورة لبنان. وهي نتيجة كل ذلك تبقى مثالاً يُحتذى في القيادة الواعية والحكيمة على رغم الخضات الكثيرة التي مرت بها، ذلك أنه وعلى رغم كل الظروف استطاعت أن تبقى وأن تستمر.
  الجبهة اللبنانية: حين حمل الوطن على زنود المحاربين ودموع الأرامل وضمائر الأحرار.
لم تقم الجبهة اللبنانية من رغبة في السلطة، ولا من نزوة سلاح، ولا من ترف الحلم، بل ولدت من ضمير مجروح، ومن كيان مهدّد، ومن صرخة شعب يوشك أن يُقتلع من أرضه، فتقدّم رجاله ليكونوا السدّ الأخير أمام طوفان السقوط.
قامت الجبهة اللبنانية على زنود المحاربين اللبنانيين، أولئك الذين لم يأتوا من مدارس العنف، بل من مدارس الإيمان.
شبّان حملوا السلاح لا لأنهم عشقوه، بل لأن الوطن صار عاريًا، ولأن شوارعنا باتت تُداس ببيادات الغريب، ولأن الكيان يُساوم عليه فوق الطاولات، ويُذبح تحته.
ما كانت الجبهة مجرّد تحالف سياسي، بل كانت صحوة قومية لبنانية، هبّة نخبوية شعبية، فيها السياسي والمثقف والمحارب والكاهن واليتيم والأرملة.
اجتمعوا تحت راية واحدة: أن يبقى لبنان، وأن تبقى صيغته الحرة المتعدّدة، وأن لا يُمحى من الوجود.
كل بندقية رفعها مقاتل من أولئك المجهولين، كانت توازي كتابًا يُدرّس، وشهادة يُسطّرها التاريخ.
كل شهيد سقط في الساحات، لم يكن عددًا، بل كان فكرةً حيّة تُجسّد لبنان الحرّ، الذي لا يقبل الذوبان في مشاريع الغير، ولا يُهضم في الأحلاف الظالمة.
وكانت الأرملة اللبنانية، في ذلك الزمن، الجبهة الثانية.
امرأة تبكي زوجها على باب الكنيسة، وتمسح دموعها لتطعم أبناءها وتربيهم على الإيمان بالحقّ والوطن.
لم تكن هذه الأرامل ضحية الحرب فقط، بل كنّ بطلات في معركة البقاء.
منهنّ من علّمن، ومنهنّ من صلين، ومنهنّ من كتبن رسائل الصبر إلى التاريخ.
وكانت الجبهة تحمل في عقلها تصوّرًا واضحًا للبنان: وطن حرّ، سيد، مستقل، متصالح مع ذاته، غير تابع، لا للشرق ولا للغرب، وطنٌ تشرق فيه شمس السيادة من قنوبين، وتضيء فيه الحرية من بكفيا، ويعلو فيه صوت الشرف من زغرتا إلى جزين.
لكنها أيضًا كانت جبهة قلوب.
قلوب أحبّت لبنان حتى العمى، وعقول تخيلت غدًا أفضل رغم الموت، وتطلعات سامية أرادت أن تعيد صياغة الوطن بما يليق بشهدائه وبتاريخه المجيد.
ما قامت به الجبهة اللبنانية لم يكن دفاعًا عن طائفة، بل عن صيغة.
لم يكن حروبًا أهلية، بل مقاومة وجودية.
وحين نُسي هذا المعنى، تاه كثيرون في شعارات مزيّفة ومقارنات مغرضة.
نحن لم نحمل السلاح لنبقى فيه، بل لنضعه حين تعود الدولة وتحكم، حين تعود المؤسسات وتنتظم، حين تعود السيادة إلى يد الشرعية لا إلى السلاح.
الجبهة اللبنانية لم تكن فقط رجالاتها، بل نساؤها، أمهاتها، شهداؤها، أحياؤها وجرحاها.
كانت كل بيت لبناني أُغلق بغياب معيله، وكل مدرسة صمدت في ظلّ القصف، وكل نشيد رُفع في حفلٍ بسيط تخترقه أصوات المدافع.
واليوم، ونحن في عمق الثمانينيات، لا نندم على ما قمنا به، لأننا ما دافعنا إلا عن لبنان، وما ضحّينا إلا من أجل الإنسان.
لكننا نخشى أن تُنسى هذه التضحيات، أن تُمسخ في كتب التاريخ، أن يُحوَّل الحقّ إلى التباس، وأن يُرمى النضال في زاوية التبرير والتشكيك.
فلنُعد للناس حقيقتهم، وللتضحيات معناها، وللشهداء قدسيتهم.
لنعترف أن الجبهة كانت الصوت الذي قال "لا" حين خرس الآخرون، وكانت اليد التي منعت السقوط حين سقطت الساحات، وكانت العزم الذي زرع الأمل في أرض كانت تُستباح كل يوم.
إن لبنان، الذي لا يزال يتنفس الحرية رغم الدمار، مدين لأولئك الذين لم يتراجعوا.
مدين لأرملة لم تستسلم، لمحارب لم يهرب، لسياسي لم يساوم، لراهب بقي في ديره يصلّي.
مدين لجبهة حملت لبنان في ضميرها، وهبته للمستقبل، بكل ما فيه من أملٍ وألم.
  رسالة إلى الشعب اللبناني من النائب إدوار حنين
تعرف أيها الشعب اللبناني النبيل، من أنا بالنسبة إليك ومن أنت بالنسبة إليّ، منذ ما قبل سنة 1943 حتى يومنا هذا. فالذي بيننا ليس وليد لحظة، ولا نتاج ظرف عابر، بل علاقة متجذّرة في عمق التاريخ، واضحة في معناها، راسخة في وجدان الوطن.
هي علاقة كُتبت قبل الاستقلال، حين كان الحلم بلبنان الحرّ يولد في القلوب قبل أن يُدوَّن في الدساتير. يومها لم يكن الشعب مجرّد شاهد على قيام الدولة، بل كان شريكًا في صياغتها، حارسًا لهويتها، ومصدر شرعيتها الأولى. ومنذ 1943، لم تكن الدولة كيانًا منفصلًا عن ناسها، بل انعكاسًا لإرادتهم، بقدر ما كانت مرآة لآمالهم وصراعاتهم.
مرّت العقود، وتعاقبت الأزمات والامتحانات، من الحروب إلى الانقسامات، ومن الانتصارات إلى الانكسارات. ومع ذلك، بقي الرابط قائمًا، وإن اعتراه التعب والخذلان أحيانًا. فالشعب اللبناني، على تنوّعه واختلافه، لم يتخلّ يومًا عن فكرة الوطن، حتى عندما خذلته مؤسساته، وحتى عندما تراجع حضور الدولة عن واجباتها الأساسية.
ما بيننا هو عقد غير مكتوب، يقوم على الإيمان بأن لبنان لا يُختصر بسلطة، ولا يُختزل بطبقة حاكمة، بل يُقاس بكرامة شعبه وقدرته على النهوض. أنتَ منحتَ الشرعية لكل مرحلة، ودفعتَ الثمن في كل مفصل تاريخي، وأنا وُجدتُ لأكون إطارًا جامعًا لطموحاتك، وإن قصّرتُ أو انحرفتُ في محطات كثيرة.
اليوم، ونحن نقف على حافة زمن جديد، تعود الأسئلة الأولى نفسها: من نحن لبعضنا؟ وما الذي يجمعنا بعد كل ما جرى؟ والجواب، رغم قسوته، يبقى واحدًا: ما بيننا أقوى من الانهيار، وأعمق من الخلاف، لأنه مبني على ذاكرة مشتركة ومسؤولية متبادلة.
إن العلاقة التي بدأت قبل 1943، واستمرّت بعده، لا تزال قادرة على التجدد، شرط أن نستعيد معناها الحقيقي: شعبٌ حرّ لا يقبل الذل، ووطنٌ لا يقوم إلا بأبنائه. فحين نعود إلى هذا الأساس، يصبح الماضي دليلًا، لا عبئًا، ويغدو المستقبل وعدًا ممكنًا، لا حلمًا مؤجلًا.
لذلك أتوجّه اليوم إليك بما يلي:
عطفًا على كل ما ورد في «أحاديث الأسبوع» التي سبق أن نُشرت لي على مدى السنوات العشر الأخيرة، وما حملته من مواقف وتحليلات وشهادات على مرحلة مفصلية من تاريخ لبنان، أجدني اليوم مدفوعًا إلى إعادة وصل ما انقطع، لا من باب التكرار، بل من باب التذكير بالثوابت التي لم تتبدّل رغم تبدّل الأزمنة والوجوه. فتلك الأحاديث لم تكن يومًا تعليقًا عابرًا على حدث آني، بل محاولة دائمة لقراءة المسار الوطني في عمقه، وربط الحاضر بجذوره، والمستقبل بدروسه القاسية. وبخاصة، عطفًا على ما جاء في كلمتي لمناسبة إزاحة الستار عن تمثال المغفور له الشيخ بيار الجميّل، حيث لم يكن الحدث احتفالًا بذاكرة رجل فحسب، بل وقفة أمام معنى الريادة السياسية في لبنان. فالشيخ بيار لم يكن مجرد مؤسس حزب أو قائد مرحلة، بل كان صاحب رؤية لبنانية واضحة، آمنت بالدولة قبل السلاح، وبالمؤسسات قبل الزعامات، وبالإنسان اللبناني قبل أي مشروع آخر. يومها، كان التمثال شاهدًا صامتًا على زمن كانت فيه السياسة فعل بناء لا إدارة أزمات، ومسؤولية أخلاقية لا مجرّد صراع نفوذ.
كما لا يمكن فصل هذا السياق عن كلمتي في وداع المغفور له الرئيس كميل شمعون، ذلك الرجل الذي مثّل، في لحظة دقيقة من تاريخ لبنان، فكرة السيادة بمعناها الكامل. فشمعون لم يكن رئيسًا عابرًا في سجل الرؤساء، بل محطة مفصلية في تثبيت استقلال القرار الوطني، وفي الدفاع عن موقع لبنان في محيط مضطرب. وفي وداعه، لم يكن الرثاء حنينًا إلى الماضي، بقدر ما كان تساؤلًا موجعًا عن الحاضر: كيف انتقلنا من دولة تحمي سيادتها إلى دولة تُستباح مؤسساتها وإرادتها؟
أما كلمتي في مناسبة اغتيال المغفور له الرئيس بشير الجميّل، فكانت، ولا تزال، صرخة في وجه الذاكرة الوطنية المثقوبة. فاغتيال بشير لم يكن اغتيال شخص أو رئيس منتخب فحسب، بل محاولة لاغتيال مشروع دولة حديثة، قوية، عادلة، قادرة على جمع اللبنانيين حول فكرة واحدة: لبنان أولًا، والدولة فوق الجميع. وفي استذكار تلك الجريمة، لم يكن المقصود استحضار الألم لذاته، بل التأكيد على أن الدم الذي سُفك يومها كان ثمنًا لحلم لم يُستكمل، لا لخطأ عابر في الحسابات السياسية.
إن ما يجمع بين هذه الكلمات الثلاث، كما بين أحاديث الأسبوع الممتدة على عقد كامل، هو الإيمان بأن التاريخ اللبناني ليس سلسلة من المصادفات، بل مسار تتقاطع فيه الإرادات والمشاريع. وأن الأسماء التي نودّعها أو نخلّدها ليست مجرد شخصيات من الماضي، بل علامات على طريق ضيّعناه، وربما لا يزال في إمكاننا العثور عليه من جديد.
اليوم، وفي ظل ما يعيشه لبنان من انهيار شامل، يصبح استحضار تلك المواقف فعل مقاومة ثقافية ووطنية. مقاومة النسيان، ومقاومة التطبيع مع الفشل، ومقاومة القبول بانهيار فكرة الدولة. فالكلمات التي قيلت في مناسبات الوداع والتكريم لم تُكتب لتُحفظ في الأرشيف، بل لتكون مرجعًا أخلاقيًا وسياسيًا يُحتكم إليه كلما ضاقت الخيارات.
وعليه، فإن العودة إلى تلك الأحاديث والكلمات ليست استعادة للماضي من باب الحنين، بل قراءة نقدية للحاضر على ضوء التجربة. هي دعوة صريحة إلى اللبنانيين، وإلى من لا يزال يؤمن بأن هذا الوطن يستحق الحياة، كي يعيدوا الاعتبار لفكرة الدولة، ولثقافة الاستشهاد في سبيلها، لا ثقافة التسويات على حسابها. فلبنان الذي حلم به بيار الجميّل، ودافع عنه كميل شمعون، واستشهد من أجله بشير الجميّل، لا يزال ممكنًا، إذا ما توافرت الإرادة، واستُعيد المعنى الحقيقي للسياسة بوصفها خدمةً عامة لا امتيازًا خاصًا.
وعليه، فإن العودة إلى تلك الأحاديث والكلمات ليست استعادة للماضي من باب الحنين، بل قراءة نقدية للحاضر على ضوء التجربة. هي دعوة صريحة إلى اللبنانيين، وإلى من لا يزال يؤمن بأن هذا الوطن يستحق الحياة، كي يعيدوا الاعتبار لفكرة الدولة، ولثقافة الاستشهاد في سبيلها، لا ثقافة التسويات على حسابها. فلبنان الذي حلم به بيار الجميّل، ودافع عنه كميل شمعون، واستشهد من أجله بشير الجميّل، لا يزال ممكنًا، إذا ما توافرت الإرادة، واستُعيد المعنى الحقيقي للسياسة بوصفها خدمةً عامة لا امتيازًا خاصًا.
ولما كان قد غيّب الموت واحدًا تلو الآخر كبارَ أعضاء الجبهة اللبنانية، أولئك الذين شكّلوا في زمنٍ مصيري نواة القرار الوطني وصمّام الأمان في مواجهة أخطر التحديات، بدءًا بالمغفور له الوزير جواد بولس، صاحب العقل القانوني الهادئ والرؤية الدستورية العميقة، مرورًا بالرئيس الشيخ بشير الجميّل الذي اختصر لحظة الحلم بدولة قوية سيدة، وصولًا إلى الشيخ بيار الجميّل، المؤسس الذي آمن بأن السياسة التزام أخلاقي قبل أن تكون صراعًا على السلطة، وانتهاءً بالرئيس كميل شمعون، رجل السيادة والاستقلال والقرار الحر. برحيل هؤلاء، لم تُطفأ أسماء فحسب، بل أُسدل الستار على مدرسة كاملة في العمل الوطني، مدرسة دفعت أثمانًا باهظة دفاعًا عن فكرة لبنان.
وكانت قد قضت أحكام الزمن، بصمتها القاسي الذي لا يُراجع، بغياب فخامة الرئيس سليمان فرنجية، بما مثّله من حضور وازن في المعادلة الوطنية ومن تجربة حكم في مرحلة دقيقة، كما غاب ممثل المؤتمر الدائم للرهبنات اللبنانية، بما كان يرمز إليه من توازن روحي ودور تاريخي للكنيسة في حماية الكيان، وغاب الدكتور شارل مالك، الفيلسوف والمفكر والدبلوماسي الذي حمل اسم لبنان إلى المحافل الدولية وصاغ مفاهيم الحرية والكرامة بلغة العالم، وغاب الأستاذ فؤاد إفرام البستاني، المؤرخ والمربي، حارس الذاكرة اللبنانية وصاحب القلم الذي وثّق ما حاول كثيرون طمسه أو تشويهه.
برحيل هؤلاء جميعًا، لم يبقَ من رعيل الجبهة اللبنانية الأول إلا شاهد واحد على زمن لم يعد يشبه حاضرنا، زمن كانت فيه الخلافات السياسية حادة، لكنها تدور حول معنى الدولة وحدودها ودورها، لا حول تفريغها من مضمونها. بقيتُ وحدي لا لأدّعي امتياز البقاء، بل لأحمل عبء الشهادة على مرحلة يُراد لها أن تُنسى أو تُشوَّه، وعلى رجال لم يكونوا ملائكة، لكنهم كانوا يعرفون تمامًا لماذا اجتمعوا، ولأجل أي لبنان خاضوا المعركة.
إن البقاء من هذا الرعيل ليس عزلة شخصية، بل مسؤولية وطنية مضاعفة. مسؤولية التذكير بأن الجبهة اللبنانية لم تكن تحالف مصالح، بل محاولة تاريخية لحماية الكيان في لحظة تهديد وجودي. وأن الأسماء التي غابت لم تكن عناوين مرحلة منتهية، بل تعبيرًا عن رؤية للبنان السيّد الحرّ، لبنان المؤسسات لا الدويلات، لبنان القرار لا الوصاية.
واليوم، فيما يبدو المشهد اللبناني مفككًا، وتغيب المرجعيات الجامعة، يصبح استحضار تلك التجربة واجبًا لا ترفًا. ليس لتقديس الماضي، ولا لاستنساخه حرفيًا، بل لاستخلاص دروسه: أن الأوطان لا تُدار بالصدف، ولا تُحفظ بالمساومات الدائمة، وأن غياب الرجال لا يعفي الأحياء من مسؤولياتهم.
فإذا كنتُ قد بقيتُ وحدي من رعيلها الأول، فذلك لا يعني نهاية القصة، بل بداية شهادة. شهادة على زمن كان فيه الاختلاف مشروعًا، والخطر واضحًا، والهدف واحدًا. وشهادة على أن لبنان، رغم كل ما يمرّ به، لا يزال يستحق أن يُدافع عنه بالفكر والموقف، كما دافع عنه أولئك الذين سبقونا، ودفعوا من أعمارهم، ومن مواقعهم، ومن دمائهم، ثمن الإيمان به وطنًا نهائيًا لجميع أبنائه.
في مرحلةٍ لاحقة من مسار الجبهة اللبنانية، جاء قرار توسيع إطارها التنظيمي والسياسي تحت ضغط المتغيرات وتسارع الأحداث، وبنيّة تعزيز الحضور وتكبير دائرة التأثير. غير أنّ هذا التوسّع، على أهميته الشكلية، أفضى إلى انضمام عناصر جديدة لم تنشأ على الاعتبارات نفسها التي قامت عليها الجبهة في الأصل، ولم تتكوّن في المدرسة الفكرية والوطنية التي صاغت هويتها الأولى وأهدافها الجوهرية.
فالجبهة، عند نشأتها، لم تكن مجرّد تجمّع سياسي ظرفي، ولا إطارًا فضفاضًا لاحتواء أكبر عدد ممكن من القوى. بل قامت على مجموعة واضحة من الثوابت: الدفاع عن الكيان اللبناني، التمسك بسيادة الدولة وقرارها الحر، والإيمان بالمؤسسات كمرجعية وحيدة لإدارة الشأن العام. كانت الاعتبارات الوطنية تتقدّم على الحسابات الشخصية، والرؤية الاستراتيجية تسبق التكتيك المرحلي، والالتزام الأخلاقي يضبط الموقف السياسي مهما اشتدت الضغوط.
إلا أنّ العناصر التي التحقت لاحقًا بالجبهة، في كثير من الحالات، لم تحمل هذا الإرث الفكري ولا تلك التجربة التأسيسية. بعضهم دخل بدافع ظرفي، وبعضهم الآخر بدافع مصلحي، فيما رأى آخرون في الجبهة مظلّة سياسية أو شعبية أكثر منها مشروعًا وطنيًا متكاملًا. وهنا بدأ الخلل يتسلّل تدريجيًا إلى بنية القرار، لا عبر انقلابٍ صريح على المبادئ، بل من خلال إعادة تفسيرها، وتطويعها لتخدم أولويات جديدة لم تكن في صلب الفكرة الأصلية.
أمام هذا الواقع، وجد المؤسسون الأوائل أنفسهم في موقع الإرباك، لا بل في موقع العزلة داخل الإطار الذي أسّسوه. ومع الوقت، تحوّل الاختلاف من تنوّع صحي في المقاربات إلى تباين جوهري في الرؤية والغاية. وهكذا بات الصوت الذي يتمسّك بالثوابت الأولى يبدو غريبًا في بيئة لم تعد تتشارك المرجعية نفسها، حتى غدا حاله كطائر يغرّد في غير سربه، لا لغرابة لحنه، بل لتبدّل السرب نفسه.
إن خطورة هذا التحوّل لا تكمن فقط في الخلاف الداخلي، بل في انعكاساته على الدور التاريخي للجبهة. فحين تُفصل الأطر التنظيمية عن الأسس الفكرية التي قامت عليها، تفقد تدريجيًا قدرتها على أداء وظيفتها الوطنية. وحين يُختزل المشروع الكبير بشعارات عامة أو تحالفات عابرة، يصبح عرضة للاستخدام، وربما للاستهلاك، في صراعات لا تمتّ بصلة إلى الغاية الأصلية.
من هنا، يبرز الحذر المشروع من وعي المنضوين الجدد إلى الجبهة، لا تشكيكًا في نيات الأفراد، بل دفاعًا عن المعنى. فالتجارب اللبنانية أثبتت أن الانضمام الشكلي لا يصنع انتماءً حقيقيًا، وأن الالتقاء على الاسم لا يعني بالضرورة الالتقاء على الرؤية. فالجبهة ليست عنوانًا يُرفع عند الحاجة، بل مسؤولية فكرية وأخلاقية تتطلّب فهمًا عميقًا لتاريخها ولموقعها في الصراع على هوية الدولة.
إن هذا التقرير لا يدعو إلى الانغلاق أو النخبوية، بل إلى وعيٍ نقديّ يميّز بين التوسّع الذي يعزّز المشروع، والتوسّع الذي يفرغه من مضمونه. فالمطلوب ليس استعادة الجبهة كما كانت حرفيًا، بل صون روحها: وضوح الهدف، صلابة الموقف، وتقديم المصلحة الوطنية على أي اعتبار آخر.
وفي لحظة وطنية شديدة الالتباس، يصبح من واجب من تبقّى من رعيل التأسيس، ومن يسير على خطاهم، أن يرفعوا الصوت، لا اعتراضًا على التجديد، بل تحذيرًا من الانحراف. فالتاريخ لا يرحم الأطر التي تنسى لماذا وُجدت، ولا يغفر لمن يبدّد المعنى تحت شعار التحديث أو التوسيع. وبين طائرٍ يغرّد خارج السرب وسربٍ غيّر وجهته، يبقى السؤال الجوهري: أيهما أقرب إلى الأصل، وأيهما ابتعد عن البوصلة
وما كان للعمل الجماعي أن يقوم، في جوهره ومعناه، إلا على الأسس الديمقراطية، ولا يمكن له أن ينجح أو يستقيم إذا أُقيم على غيرها. فالديمقراطية ليست إجراءً شكليًا، ولا آلية تصويت تُستعمل عند الحاجة، بل ثقافة كاملة تقوم على التمثيل الصحيح، واحترام الإرادة العامة، والاعتراف بأن القرار، لكي يكون شرعيًا، يجب أن يعكس حقيقة المجتمع لا صورة مصطنعة عنه.
لقد قامت الديمقراطية، في أبسط تعريفاتها، على مبدأ واضح: مقررات تتخذها أكثرية المجتمعين، في مواجهة أقلية تقبل بالنتيجة ضمن قواعد مشتركة، لأنها تثق بأن هذه الأكثرية تمثل فعلًا المزاج العام والإرادة الجامعة. غير أنّ هذا المبدأ، متى انفصل عن شرطه الأساسي، أي صحة التمثيل، يتحوّل من أداة عدالة إلى وسيلة هيمنة، ومن تعبير عن الإرادة العامة إلى غطاء لفرض خيارات لا تعبّر عنها.
من هنا، فإن الإشكالية لم تكن يومًا في مبدأ الأكثرية بحد ذاته، بل في طبيعة هذه الأكثرية، وفي مدى تعبيرها عن الواقع الشعبي الحقيقي. فعندما جرى توسيع الجبهة، تبدّل تكوين الأكثريات داخلها، لا نتيجة تحوّل عميق في الرأي العام اللبناني، بل بفعل ضمّ قوى وعناصر لا تمثّل بالضرورة النسيج الشعبي الواسع الذي نشأت الجبهة باسمه ومن أجله. وهكذا، أصبحت الأكثرية الجبهوية أكثرية عددية داخل الإطار التنظيمي، لا أكثرية شعبية حقيقية تمتد جذورها في أرض لبنان واغترابه، وفي وعي اللبنانيين المقيمين والمنتشرين على حد سواء.
إن الشعب اللبناني ليس محصورًا في قاعة اجتماعات، ولا مختزلًا في لائحة أسماء أو تحالفات ظرفية. هو شعب متجذّر في أرضه، وممتد في العالم، يحمل همّ الوطن أينما وُجد، ويقيس مواقفه بميزان الكيان والسيادة والحرية. وعندما تتخذ مقررات باسم هذا الشعب، من دون أن تكون معبّرة بدقة عن إرادته العميقة، فإنها تفقد تلقائيًا مشروعيتها المعنوية، ولو اكتسبت شرعية إجرائية شكلية.
لقد نشأت الجبهة اللبنانية استجابة لإرادة لبنانية جامعة، شعرت في لحظة مصيرية بأن الكيان مهدّد، وأن الدولة في خطر، وأن الصمت لم يعد خيارًا. تلك الإرادة لم تكن إرادة حزب أو فئة، بل تعبيرًا عن قلق وطني شامل، وعن رغبة واضحة في حماية لبنان كفكرة ودولة ورسالة. ومن هنا، فإن أي قرار يصدر عن الجبهة ولا يعكس بدقة هذه الإرادة التأسيسية، لا يمكن المطالبة بالإذعان له، لأنه ينفصل عن المصدر الذي منح الجبهة معناها وشرعيتها.
إن الإذعان، في المفهوم الوطني، لا يكون للأكثرية العددية، بل للحقيقة الوطنية. ولا يكون للقرار بحد ذاته، بل لما يمثّله هذا القرار من تطابق مع وجدان اللبنانيين ومصلحتهم العليا. فحين تصبح الأكثرية داخل أي إطار سياسي منفصلة عن القاعدة الشعبية، وحين تتقدّم الحسابات التنظيمية على الاعتبارات الوطنية، تتحوّل الديمقراطية إلى قناع، وتصبح المقررات عبئًا بدل أن تكون حلًا.
ولعلّ أخطر ما في هذا المسار، أنه يزرع وهم الإجماع حيث لا إجماع، ويوهم بالشرعية حيث تتآكل الشرعية من الداخل. فالديمقراطية لا تُقاس بعدد الأيدي المرفوعة، بل بمدى تمثيل هذه الأيدي للناس الذين يفترض أنها تتكلم باسمهم. وكل محاولة لفرض قرارات مصيرية تحت عنوان الأكثرية، من دون التحقّق من صحتها التمثيلية، إنما تفتح الباب أمام شرخ عميق بين الإطار السياسي وقاعدته الشعبية.
من هنا، كان التمسّك بالإرادة اللبنانية التي قضت بقيام الجبهة، لا تعنّتًا ولا خروجًا عن العمل الجماعي، بل دفاعًا عن جوهره. فالجماعة لا تُبنى على تهميش الصوت الذي يذكّر بالأسس، ولا على إسكات من ينبّه إلى انحراف البوصلة. بل على العكس، إن صحة العمل الجماعي تُقاس بقدرته على تصحيح نفسه، والعودة إلى مصادر شرعيته الأولى.
إن الجبهة، كفكرة قبل أن تكون تنظيمًا، قامت لتكون صدى لإرادة اللبنانيين الأحرار، لا بديلًا عنها. وحين تتباعد المقررات عن هذه الإرادة، يصبح من حق، بل من واجب، من يرفض الإذعان لها أن يرفع الصوت، لا خروجًا عن الديمقراطية، بل دفاعًا عنها. لأن الديمقراطية الحقيقية لا تعني حكم الأكثرية كيفما اتفق، بل تعني حكم الإرادة الشعبية الصحيحة، كما هي، لا كما يُراد لها أن تكون.
ولما كنت مؤمنًا بأن لا سبيل لإنقاذ لبنان، ولا أمل في إحياء مؤسساته، إلا عبر التعاون المطلق مع الشرعية، أو على الأقل من خلالها، فإن هذا المبدأ لم يكن مجرد خيار استراتيجي، بل كان قناعة راسخة نشأت من تجربة طويلة مع الصراعات الداخلية والتحديات الخارجية التي تعرّض لها الوطن. فالشرعية، في معناها الأوسع، ليست مجرد لقب يُنسب إلى السلطة القائمة، ولا مجرد منصب دستوري يُحكم عليه بالرمزية، بل هي العمود الفقري الذي يربط بين الدولة والمواطن، بين القانون وبين النظام، وبين الرؤية الوطنية وبين الواقع السياسي والاجتماعي.
في لبنان، كما هو معروف، تعاني الدولة منذ عقود من هشاشة المؤسسات وتشتت السلطات، ومن محاولات مستمرة لتفكيك شرعيتها. وقد يكون من السهل في ظل هذه الظروف الانجراف وراء نزعات فردية أو حزبية أو مناطقية، والانحياز إلى حلول آنية تبدو جاذبة في اللحظة، لكنها في جوهرها تهدم أي إمكانية لإعادة بناء الدولة على قواعدها الصحيحة. هنا يكمن سر إيماني بأن أي مشروع وطني حقيقي، مهما كانت قوته أو شعبيته، لا يستطيع النجاح إذا انطلق خارج نطاق الشرعية، أو إذا رفض الانصياع لها على الأقل كإطار عمل، فالشرعية هي البوصلة، وهي الضمانة التي تحول الأفكار والمبادرات من نزوات جزئية إلى مشروع متكامل ينقذ الوطن من أزماته.
التعاون مع الشرعية لا يعني الرضوخ الأعمى أو التضحية بالمبادئ، بل يعني إدراك الحقيقة القاسية: أن الإنقاذ الوطني لا يتحقق بالتجزئة ولا بالمواجهة العشوائية، بل بالعمل المنسّق ضمن إطار يضمن الحقوق والواجبات ويصون المؤسسات. فهي الشرط الأول لإعادة ترتيب أولويات الدولة، وترسيخ القانون، وحماية سيادة لبنان في مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية على حد سواء. فمن خلال الشرعية، يمكن بناء سياسات واضحة، وتحديد مسارات تنموية، ومواجهة الفساد والتمزق الاجتماعي، وهو ما لا يمكن أن يتحقق عبر خطوات فردية أو تحالفات ظرفية غير منضبطة بالقانون.
كما أن الإيمان بالتعاون مع الشرعية ينبع أيضًا من قناعة أن الشرعية ليست ثابتة أو جامدة، بل هي مرنة بما يكفي لاستيعاب المبادرات الوطنية، والأفكار الخلاقة، والتغييرات الضرورية. فهي ليست أداة للإقصاء، بل مرجع متجدد للشرعية، يتيح لكل القوى الوطنية المخلصة أن تساهم في إنقاذ الوطن وفق قواعد واضحة ومضمونة، بعيدًا عن الفوضى والانقسامات التي عانى منها لبنان طويلاً. ومن هذا المنطلق، فإن العمل خارج الشرعية، مهما بدت نتائجه آنية وملفتة، غالبًا ما يكون مفرغًا من معناه، ولا يحقق سوى تعزيز الفوضى، ويؤخر أي إصلاح حقيقي.
إن روح هذه القناعة، القائلة بعدم إمكانية إنقاذ لبنان إلا عبر الشرعية، تحمل في طياتها رسالة أعمق: أن الدولة ليست مجرد أداة سلطة، ولا النظام مجرد مجموعة قوانين، بل هي تعبير عن التزام جماعي، وعن اتفاق ضمني بين الشعب ومؤسساته على احترام الأرض والحقوق والواجبات. ومن هنا، فإن أي تعاون حقيقي مع الشرعية هو في الواقع تعاون مع الشعب نفسه، ومع مصالحه العليا، ومع التزامات لبنان في محيطه الإقليمي والدولي.
وإذا نظرنا إلى التاريخ اللبناني، نجد أن كل مرحلة حاولت فيها القوى الوطنية تحقيق الإنجازات بعيدًا عن الشرعية، كانت النتائج مخيبة، وأن كل خطوة كبيرة صبت في مصلحة الدولة جاءت نتيجة التزام حقيقي بالعمل مع الشرعية أو من خلالها. ولذلك، فإن هذا المبدأ ليس رفاهية فكرية، بل ضرورة عملية، وأساس لأي مشروع إنقاذي قابل للتطبيق، سواء على صعيد الإصلاح السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي.
إن الإيمان بالشرعية لا يضعف المبادرة الفردية أو الإبداع الوطني، بل على العكس، يمنحهما قوة، ويحوّل النشاطات الفردية أو الحزبية إلى مشروع وطني شامل. فالذي يعمل مع الشرعية أو من خلالها لا يخسر استقلاله أو هويته، بل يضفي على عمله بعدًا شرعيًا وأخلاقيًا، ويضمن له أثرًا دائمًا في بناء الدولة، وليس مجرد نتائج عابرة أو شعارات جوفاء.
التعاون المطلق مع الشرعية، أو العمل من خلالها، ليس مجرد استراتيجية سياسية، بل موقف وطني يحمي لبنان من الانحدار إلى الفوضى، ويؤكد على أن الوطن لا يُنقذ بالعشوائية، ولا يُبنى بالنزعات الفردية، بل بالإيمان العميق بمؤسساته، والعمل الجاد والموحد ضمن إطار يحترم إرادة الشعب وقانونه وسيادته. فهذا هو الطريق الوحيد الممكن لإنقاذ لبنان، ليس كحلم بعيد المنال، بل كمشروع واقعي قائم على الشرعية، ومن خلالها تُستعاد الدولة، ويُصان الوطن، وتُرسخ المبادئ التي قامت عليها الجبهة اللبنانية في مراحلها الأولى.
  الخدمة: حدودها، أبعادها، وعلوها في الوطن والدين ولما كان للخدمة حد عينته لها الأعراف والقوانين في جميع أنحاء العالم، فإن هذا الحد غالبًا ما يقتصر على تنظيم سلوك الأفراد والمؤسسات، ويضع إطارًا لما يمكن وما لا يمكن، وما هو واجب وما هو محظور، وفق معايير قانونية وأخلاقية متعارف عليها. في كل دولة، وفي كل مجتمع، تفرض القوانين حدود الخدمة، سواء كان ذلك في الوظائف العامة أو الخاصة، في الجيش أو في المؤسسات، في السياسة أو الاقتصاد، وكل ذلك بهدف تنظيم العلاقات بين الأفراد وضمان حسن سير المجتمع. غير أن هذا الحد، الذي قد يكون ضروريًا لتنظيم حياة الناس، لا يشمل خدمة الله، وخدمة الوطن، وخدمة الواجب. فهذه الخدمات الثلاث، رغم أنها تتطلب التزامًا ومثابرة وجهدًا، لا يمكن أن تحصرها قوانين البشر أو يضعها إطار مكتوب. إنها أسمى وأوسع من أي تشريع، لأنها تنبع من ضمير الإنسان، من شعوره بالمسؤولية تجاه من أحب ومن حوله، ومن التزامه بالحق والعدل، ومن ولائه لمبادئ تتجاوز الذات والمصلحة الشخصية. خدمة الله ليست مجرد طقوس دينية أو شعائر شكلية، بل هي التزام مستمر بالعدل، والنزاهة، والأخلاق، وحسن التعامل مع الآخرين. هي شعور دائم بالمسؤولية تجاه الكون والحياة، وإدراك أن الإنسان مسؤول عن أفعاله أمام خالقه، وأن عليه أن يقدّم جهده وإمكاناته لما يرضي الله في كل تصرفاته، سواء في حياته الخاصة أو العامة. في هذا الإطار، تصبح الخدمة لله جوهرًا للضمير الإنساني، يدفع صاحبه إلى العمل بإخلاص وأمانة، بعيدًا عن الرغبات الشخصية أو مصالح الذات الضيقة. خدمة الوطن تأتي في المرتبة الثانية من حيث السمو والمسؤولية. فالوطن ليس مجرد مساحة جغرافية أو حدود سياسية، بل هو تاريخ مشترك، هو حاضر يعيش فيه المواطن، وهو مستقبل يتطلب العمل المستمر لحمايته وبنائه. خدمة الوطن تتطلب التضحية بالراحة الشخصية، بالوقت، بالمال، أحيانًا وبالحياة نفسها. فهي التزام أخلاقي ووطني يحتم على كل مواطن أن يسعى لرفعة وطنه، ويقف في وجه كل تهديد يهدد استقراره أو سيادته، ويعمل من أجل تعزيز العدالة والمساواة بين أبنائه. أما خدمة الواجب فهي مقياس الصدق مع النفس والمجتمع. فالواجب يفرض نفسه على الإنسان بشكل تلقائي، دون الحاجة إلى فرض خارجي، لأنه ينبع من ضمير الفرد، ومن إدراكه للمسؤوليات المترتبة عليه تجاه أسرته ومجتمعه ووطنه. خدمة الواجب هي تعبير عن الالتزام بالمبادئ، واحترام القيم، والسعي الدؤوب لتحقيق المصلحة العامة على حساب المصلحة الشخصية. إنها روح الانضباط والمسؤولية التي ترفع الإنسان عن الانغماس في الذات، وتجعله جزءًا فعالًا من الكل، جزءًا يساهم في بناء المجتمع والدولة والوطن. إن ما يميز هذه الخدمات الثلاث — لله، للوطن، وللواجب — عن غيرها من أشكال الخدمة الاجتماعية أو القانونية، هو أنها بلا حدود مفروضة من الخارج. فهي لا تخضع لقيود القوانين العادية أو الأعراف المجتمعية، لأنها تنطلق من مصدر داخلي أصيل: الضمير الإنساني، الشعور بالمسؤولية، والالتزام الأخلاقي العميق. وهي قوة محركة للفرد والمجتمع، تجعل من الإنسان عنصرًا فاعلًا وملتزمًا، لا مجرد تابع للقوانين أو متلقٍ للتعليمات. في التاريخ البشري، نجد أن أعظم الإنجازات كانت نتيجة هذه الخدمات غير المحدودة. فالأبطال الذين حاربوا من أجل استقلال شعوبهم، والقادة الذين بنوا دولًا قوية قائمة على العدالة، والمفكرون الذين ساهموا في رفع مستوى الوعي والإصلاح، كلهم تجسيد لهذه الخدمة المطلقة التي لا تعرف الحدود. وفي لبنان، كما في كثير من الدول، نجد أن النهضة الحقيقية لم تتحقق إلا عندما تجاوز الأفراد قوانينهم الشخصية ومصالحهم الضيقة، وانكبوا على خدمة الوطن، وإعلاء قيم الواجب، والوفاء لله، في كل قرار، وكل مبادرة، وكل تصرف. إن الرسالة الجوهرية التي تحملها هذه الفكرة هي أن الخدمة الحقيقية لا تتوقف عند حدود القوانين. القوانين تنظيمية، وهي ضرورية لضبط السلوك والممارسات، لكنها لا تصنع القيم العليا. ما يصنعها هو الالتزام الذاتي للإنسان تجاه واجبه، تجاه وطنه، وتجاه خالقه. وهذا الالتزام هو الذي يعطي الحياة معنى، ويجعل الفرد جزءًا من تاريخ يستحق أن يُذكر، ويجعل المجتمع قادرًا على الصمود والنمو. كل شكل من أشكال الخدمة التي يحددها البشر أو الأعراف قد يكون ضروريًا، لكنه محدود، ومؤقت، وغالبًا ما يخضع للمصلحة الفردية أو الضغط الاجتماعي. أما الخدمة لله والوطن والواجب، فهي بلا حدود، وهي التي تمنح الإنسان قيمته الحقيقية، وهي التي تضمن للأوطان استمراريتها، وللمجتمعات قوتها، وللأجيال القادمة إرثًا جديرًا بالاحترام. إنها رسالة إلى كل من يريد أن يخدم بلده، أن يعرف أن الواجب الحقيقي لا يُقيد، وأن التضحية الحقيقية هي منبع كل عزٍ وكرامة، وأن الولاء الأعلى هو الذي يقود الإنسان إلى إنجازات لا تموت.
  القيادة: أصولها وشروطها ومرتكزاتها
ولما كانت للعمل القيادي المجدي أصول وشروط ومرتكزات، فإن هذا ليس مجرد شعار أو عبارة عابرة، بل قاعدة أساسية لفهم النجاح في أي مجال، سواء كان سياسيًا، اجتماعيًا، اقتصاديًا، أو حتى إنسانيًا. فالقيادة ليست مجرد منصب يُشغل، ولا مجرد سلطة تُمارس، بل هي فن ومسؤولية واستراتيجية متكاملة. وهي تعني القدرة على توجيه الأفراد والمجتمع نحو تحقيق الأهداف العليا، بوعي تام بمصالح الجميع، وبإدراك كامل للتحديات والعقبات.
أصول القيادة: القيم والمبادئ
أول أصول القيادة المجدية تكمن في الثوابت الأخلاقية والقيم الإنسانية. القائد الحقيقي لا يُقاس فقط بذكائه أو نفوذه، بل بمدى تمسكه بالقيم التي تحكم قراراته وأفعاله: الصدق، النزاهة، الشجاعة، والوفاء للواجب. هذه الأصول هي العمود الفقري لكل مشروع قيادي، فهي التي تجعل القرارات عادلة ومستدامة، وتجعل الأفراد يثقون بالقائد ويستجيبون له ليس خوفًا أو ضغطًا، بل تقديرًا واحترامًا.
عندما يكون القائد متماسكًا على هذه القيم، يصبح عمله مجديًا وليس شكليًا، لأنه يحقق أهدافًا حقيقية، ويترك أثرًا دائمًا في المجتمع والمؤسسات. بينما القائد الذي يغفل هذه الأصول، مهما كانت قدراته أو سلطته، غالبًا ما ينجرف بالمصالح الشخصية أو المؤقتة، ويخسر احترام الآخرين ومصداقيته.
شروط القيادة المجدية: الكفاءة والرؤية والمسؤولية
ثانيًا، للقيادة المجدية شروط لا غنى عنها. من أهمها:
الكفاءة: القائد المجدي يحتاج إلى معرفة واسعة وشاملة بمجال عمله، وفهم دقيق للواقع، واستعداد دائم للتعلم والتطور. الكفاءة لا تعني مجرد معرفة نظرية، بل القدرة على تطبيق الأفكار على أرض الواقع بفعالية.
الرؤية الواضحة: كل قيادة ناجحة تبدأ برؤية واضحة، خطة شاملة، وأهداف محددة. القائد الذي يفتقر للرؤية يصبح مجرّد متفاعل مع الأحداث وليس مبادرًا لها.
تحمل المسؤولية: القيادة ليست مجرد ألقاب، بل تحمل المسؤولية الكاملة عن النتائج، سواء كانت نجاحات أو إخفاقات. القائد الحقيقي لا يتهرب من الخطأ، ويواجه العقبات بشجاعة وثبات.
هذه الشروط تجعل القيادة مجدية، لأنها تحول المبادرات الفردية إلى مشاريع جماعية ذات أثر مستمر، وتضمن استقرار المؤسسات والمجتمع، وتحمي المشروع الوطني من الانحراف.
مرتكزات القيادة: الناس، النظام، والتوازن
المرتكز الثالث للقيادة المجدية هو الأساس العملي الذي يقوم عليه عمل القائد. هناك ثلاثة مرتكزات أساسية:
الناس: القيادة ليست سلطة فردية، بل علاقة مستمرة مع الناس. القائد المجدي يعرف أن نجاحه مرتبط بثقة أتباعه، ويعمل على بناء هذه الثقة عبر العدالة، الشفافية، والاهتمام بمصالح الجميع، وليس بفئة معينة فقط.
النظام والقانون: القيادة المجدية تقوم على احترام الأنظمة والقوانين. فالقائد الذي يخرج عن القانون يضع المشروع الوطني في خطر، ويعرّض المجتمع للفوضى. احترام النظام يعني أن القرارات قابلة للتطبيق ومستدامة، وأن المشروع القيادي يحمي نفسه ويستمر.
التوازن والاستدامة: القائد المجدي يوازن بين مصالح الفئات المختلفة، بين الحاضر والمستقبل، بين الاحتياجات الفردية والمصلحة العامة. هذا التوازن هو ما يجعل القيادة فعالة، ويحولها من مجرد إدارة يومية إلى قيادة استراتيجية تصنع الفرق الحقيقي في المجتمع والدولة.
القيادة المجدية والوطن
في السياق الوطني، يصبح العمل القيادي أكثر حساسية وأهمية. لبنان، كما كل دول العالم، يحتاج إلى قيادة مجدية تعتمد هذه الأصول والشروط والمرتكزات. فكل قرار سياسي أو اجتماعي يجب أن يُبنى على أساس الكفاءة، المسؤولية، والرؤية، وأن يُحكم بالعدالة، ويحقق التوازن بين مختلف المكونات الطائفية والجغرافية والاجتماعية.
قيادة وطنية ناجحة هي التي تعرف حدود القانون، وتحترم الشرعية، وتعمل دائمًا لمصلحة الوطن، وليس لمصلحة شخصية أو فئوية. وهي القيادة التي تجمع الناس، وتوحد جهودهم، وتحقق الإصلاح، وتضع الخطط الاستراتيجية التي تبني الدولة وتحميها.
القيادة مجدية فقط بالالتزام
يمكن القول إن العمل القيادي المجدي لا يولد صدفة، ولا يعتمد على المنصب أو الشهرة، بل على الالتزام بالأصول، استيفاء الشروط، والتمسك بالمرتكزات التي تضمن نجاحه واستمراره. القائد الحقيقي هو من يعرف أن قيادته مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون سلطة، وأن نجاحه يقاس بمدى تحقيق المصلحة العامة، وبمدى تأثيره الإيجابي على الناس، المجتمع، والوطن.
القيادة المجدية هي التي تترك أثراً دائماً، وتحمي الوطن، وتؤكد أن القيم والمبادئ هي أساس أي عمل ناجح ومستدام.
  لبنان باقٍ وخدّامه الأمناء مستمرون
أعلن أمامك أيها الشعب اللبناني النبيل، استقالتي من الجبهة اللبنانية الموسعة، واضعًا نفسي بين يديك ما أستطيع، وإلى آخر رمق من حياتي، في خدمة قضايا لبنان، لإيماني العميق والوطيد بأن لبنان باقٍ ما بقي آخر لبناني على الأرض، سواء بين المقيمين في وطنهم، أو المنتشرين في أصقاع الأرض.
هذا الإعلان ليس مجرد موقف تنظيمي أو سياسي، بل هو تجسيد لروح الالتزام بالواجب الوطني، وفهم عميق لمعنى الولاء للوطن. فالخدمة الوطنية ليست مرتبطة بمنصب أو بمكانة، ولا بمكافأة أو اعتراف، بل هي التزام قلبي وأخلاقي وأبدي تجاه الوطن الذي يتجاوز الزمن والأجيال.
لبنان باقٍ والخدّام قد يرحلون
إن الذي يميز لبنان عن كثير من الأمم هو استمرارية وجوده وهويته الوطنية رغم كل الأزمات، والحروب، والانقسامات، والتدخلات الخارجية. فلبنان ليس مشروعًا قصير الأمد، ولا نتاجًا للظرف الراهن، بل هو إرث حضاري وتاريخي وثقافي، وكيان سياسي وشعبي متكامل، ينبض في كل قلب لبناني يعيش على أرض الوطن أو في الغربة.
وقد تتغير الأسماء، ويزول الخدّام، ويغادر المسؤولون، وقد يرحل كبار السياسيين والمثقفين، ولكن لبنان يظل باقياً، وهويته مستمرة، وشعبه حيٌّ بما فيه من إرادة وإيمان بالمستقبل. وهذا ما يجعل كل خدمة نقدمها للوطن خالدة، كل التضحيات لها معنى، وكل جهد يبذل في سبيل حماية الدولة واستمراريتها يستحق العناء.
فالخدّام، مهما كانوا أمناء أو قدامى، قد ينتهون، وأجيالهم تتغير، ولكن لبنان لا ينتهي، لأنه ليس فقط أرضًا، بل هو فكرة ورسالة وثقافة ومجتمع مترابط. وهذا هو معنى القول إن "لبنان لن ينتهي ولا خدّامه الأمناء ينتهون". فالخدمة الوطنية حقًّا روح خالدة تتجدد مع كل لبناني يحمل الوطن في قلبه، مع كل مقيم، ومع كل منتظر في الغربة، يكتب أسماء جديدة في سجل التاريخ الوطني.
  الاستقالة: موقف من المبادئ لا من الولاء
إن استقالتي من الجبهة اللبنانية الموسعة ليست خيانة للمبادئ، ولا انسحابًا من الالتزام الوطني، بل تأكيد على الولاء للقيم الوطنية. فهي تصحيح لمسار يبتعد أحيانًا عن الأسس التي قامت عليها الجبهة، وتذكير بأن الوفاء للوطن لا يقاس بالبقاء في المؤسسات أو الهيئات، بل بالالتزام بالقيم، وبالإخلاص للأرض والشعب، وبحماية المشروع الوطني مهما كانت الظروف.
الاستقالة هنا فعل إيجابي، وليست تقصيرًا. فهي تعبر عن رفض الانحراف عن المبادئ التي تشكل العمود الفقري للجبهة، وهي دعوة لكل من يواصل الخدمة الوطنية أن يكون ضامنًا لاستمرار لبنان، وحاميًا له من أي انحراف سياسي أو تنظيمي.
لبنان: الرسالة التي تتجاوز الأسماء
لبنان لم يُبن على أشخاص بعينهم، بل على إرادة الشعب، والتزام المؤسسات، والتاريخ العريق، والروح الوطنية المشتركة. وكل مسؤول أو سياسي قد يغادر، وكل قائد قد يرحل، ولكن الرسالة الوطنية باقية.
وهذا ما يجعل لبنان فريدًا في تاريخه الطويل، وقدرته على الصمود مذهلة. فحتى في أصعب الأزمات، نجد الشعب اللبناني ينهض، والمؤسسات تحاول الصمود، والمبادرات الوطنية تستمر. ومن هنا يظهر الفرق بين الخدم الذين قد ينتهون، وبين الوطن الذي لا ينتهي، وبين الإرادة الشعبية التي تتجاوز كل التقلبات السياسية.
لبنان كيان حي يضم ذاكرة حضارية، وإرادة شعبية، ومبادئ ثابتة. وكل من يخدم هذا الكيان بصدق، يترك بصمة، وكل من يبتعد عن المبادئ، لن يستطيع محو أثر الوطنيين الحقيقيين الذين قدموا تضحيات لا تُنسى.
  الخدّام الأمناء: روح لبنان الحية
الخدّام الأمناء ليسوا مجرد أسماء في قوائم أو مناصب، بل هم روح لبنان الحية، التي تتجدد مع كل مواطن يضع الوطن فوق كل اعتبار شخصي أو حزبي. هؤلاء الخدّام يعرفون أن الوطن لا يمكن أن يُخدم بالتصريحات أو المواقف الظرفية، بل بالعمل المستمر، بالوعي الوطني، بالتصدي لكل خطر، وبالسعي الدائم لحماية الهوية الوطنية، وتعزيز الاستقرار، وتحقيق العدالة والمساواة بين جميع اللبنانيين.
الخدّام قد ينتهون، ولكن لبنان لا ينتهي". فالعمل الوطني الحقيقي لا يموت، بل يترك أثرًا يستمر مع كل جيل، ويشكل الأساس الذي يقوم عليه المستقبل، ويجعل الوطن أكثر قوة وصلابة واستدامة.
  التزام الحياة من أجل لبنان
إعلاني عن استقالتي ليس نهاية، بل هو بداية جديدة لخدمة الوطن بطرق أوسع وأعمق. فحتى لو غادرت الجبهة أو أي مؤسسة، يظل الالتزام بالواجب الوطني، وخدمة الشعب، وحماية السيادة، في صميم حياتي اليومية، وفي كل تصرف أقوم به، وفي كل كلمة أنطق بها.
إن إيماني بلبنان وباستمراريته، وبقدرة الشعب اللبناني على الصمود، يجعل كل عمل أقدمه، مهما كان صغيرًا، جزءًا من مشروع أكبر، جزءًا من الواجب الذي لا ينتهي، الذي يحمل قيم التضحية، والإخلاص، والوطنية الحقة.
ولذلك، فإن استمراري في خدمة قضايا الوطن ليس مرتبطًا بالمنصب أو المكانة، بل هو التزام قلبي وروحي وفكري تجاه لبنان وشعبه، وإرث الأجيال السابقة، والتزام نحو الأجيال القادمة.
  لبنان باقٍ، وخدّامه الأمناء مستمرون
أعلن أمامك أيها الشعب اللبناني، بكل صدق، أن لبنان باقٍ، مهما تغيّرت الظروف، ومهما رحل الخدّام، ومهما تبدلت أسماء القيادات. فالوطن أعظم من أي فرد، وأكبر من أي منصب، وأقوى من أي أزمة.
والخدّام الأمناء الذين وضعوا حياتهم في خدمة لبنان، قد ينتهون، ولكن روحهم، ومبادئهم، والتضحيات التي قدموها، تستمر في كل لبناني يرفع راية الوطن، وفي كل مواطن يحمي قضيته، وفي كل جيل يعرف أن لبنان أكبر من الجميع وأنه باقٍ للأبد.
فليكن هذا الإعلان تذكيرًا لنا جميعًا، أن الولاء للوطن لا يتوقف عند الأشخاص أو المؤسسات، بل هو واجب مستمر، مسؤولية دائمة، وخدمة لا تعرف نهاية. لبنان باقٍ، وخدّامه الأمناء مستمرون، وما دمنا على قيد الحياة، سنظل مخلصين له في كل لحظة، وفي كل فعل، وفي كل فكرة.
  لبنان والشرعية: طريق الإنقاذ
ولما كنت مؤمنًا بأن لا سبيل لإنقاذ لبنان، ولا أمل في إعادة بناء مؤسساته وحماية سيادته، إلا عبر التعاون المطلق مع الشرعية، أو على الأقل من خلالها، فإن هذه القناعة لم تكن مجرد موقف لحظي أو خيار تكتيكي، بل كانت نتاج تجربة ممتدة، ومعايشة متواصلة لتحديات الوطن، منذ الاستقلال حتى يومنا هذا. فالشرعية، بما هي ليست مجرد رمز أو سلطة، بل إطار قانوني وأخلاقي ومؤسساتي، تمثل الضمانة الوحيدة لبقاء الدولة، وحماية الحقوق، وتحقيق مصالح الشعب اللبناني.
في لبنان، كما نعلم، لم يأتِ الاستقرار بسهولة، ولم يكن الطريق إلى الدولة سلسًا أو مفروشًا بالنجاحات. فقد واجهت الدولة الوليدة منذ الاستقلال في عام 1943 أزمات متعددة، من تهديدات داخلية وخارجية، إلى صراعات على السلطة والهوية، وكل ذلك على أرض ممتدة بين التنوع الطائفي، والانقسامات السياسية، والضغوط الإقليمية والدولية. ومن هذا الواقع، ينشأ الإيمان بأن أي مشروع وطني حقيقي لا يمكن أن يقوم على النزعات الفردية، ولا على الحسابات اللحظية، بل يجب أن يتم من خلال الشرعية، لأنها الضامن الوحيد لتوحيد الرؤى وتنسيق المبادرات، وتحويلها من تحركات متفرقة إلى مشروع إنقاذ وطني متكامل.
  معنى الشرعية في السياق اللبناني
الشرعية ليست مجرد لقب يوضع على مكتب الرئيس أو على مقعد وزاري، ولا هي مجرد رمزية دستورية. إنها إطار شامل يجمع بين القانون والحق والإرادة الشعبية، وهي المرآة التي تعكس التوازن بين المؤسسات والشعب. فالشرعية تعطي العمل السياسي معنى ووزنًا، وتضع الحدود التي تمنع التجاوزات والانحرافات. وعندما نفقد هذا الإطار، تصبح كل المبادرات بلا سند، وكل القرارات بلا طابع شرعي، مما يفتح الباب للفوضى والانقسامات الداخلية، ويضعف قدرة الدولة على حماية نفسها ومواطنيها.
إن تجربة لبنان الطويلة أثبتت أن كل محاولة لبناء الدولة خارج الشرعية أو ضدها كانت غالبًا فاشلة أو محدودة النتائج، حتى لو بدت قوية أو شعبيتها واسعة في اللحظة الأولى. فالشرعية تمثل العمود الفقري الذي يربط الدولة بالمواطن، والقرار بالمصلحة الوطنية العليا، والسلطة بالقانون. فهي ليست مجرد وسيلة للحكم، بل هي الضمانة لحماية الدولة من الانحراف، وللحفاظ على التوازن بين الحقوق والواجبات، ولتحقيق العدالة بين اللبنانيين، مهما اختلفت انتماءاتهم الطائفية أو الجغرافية أو السياسية.
  التجربة التاريخية والدروس المستفادة
إذا نظرنا إلى مسيرة الجبهة اللبنانية، كمثال حي على هذا الإيمان بالشرعية، نجد أن مؤسسيها لم يكونوا مجرد سياسيين أو ناشطين حزبيين، بل رجالًا أدركوا أن الدولة تحتاج إلى إطار يحميها، وأن الشعب يحتاج إلى صوت موحد يعبر عن إرادته، وأن الفكرة الوطنية تحتاج إلى صونها من أي تحريف أو استغلال. وقد تكررت أمام الجبهة تجارب حادة أظهرت أن التوسع أو الانفتاح التنظيمي دون التحقق من سلامة التمثيل الشعبي أو توافق المبادئ مع الشرعية يؤدي حتمًا إلى تراجع مصداقية القرارات، وإضعاف مشروع الدولة.
فعندما انضم عناصر جدد للجبهة، لم يكونوا جميعهم متفقين على الثوابت التي قامت عليها، ولم يكن فهمهم عميقًا للتاريخ الذي صاغ هوية الجبهة. وبالرغم من حسن النوايا لدى بعضهم، فإن غياب الانسجام الفكري أو الالتزام بالمبادئ الأصلية فتح المجال لاختلافات كبيرة، حتى على المستوى الداخلي، بين من تمسّك بالأسس، ومن حاول إعادة تفسيرها بما يخدم مصلحة فئوية أو شخصية. وهنا يظهر الفرق بين التعاون البناء مع الشرعية وبين العمل خارج إطارها أو بتفسيره الجزئي، فالأول يصنع استقرارًا، والثاني يولّد انقسامًا مستمرًا.
لقد أثبتت التجارب أيضًا أن الشرعية ليست جامدة، وأنها ليست حكرًا على طرف بعينه، بل هي مرنة بما يكفي لاستيعاب المبادرات الوطنية والمشاريع الخلاقة. فهي ليست أداة لإقصاء أحد، بل هي مرجع متجدد يمكن من خلاله تفعيل الأفكار وتحويلها إلى برامج عملية. ومن خلال هذا الإطار، يمكن لأي فرد أو مجموعة وطنية أن تساهم في إنقاذ الوطن، شريطة أن تكون المبادرة ضمن حدود الشرعية، واحترام أسس الدولة والقانون والحق العام.
  الشرعية والمصلحة الوطنية
الإيمان بالشرعية يعني، أولًا، إدراك أن الدولة فوق كل اعتبار شخصي أو حزبي، وأن أي مشروع فردي مهما كان عظيمًا لا يستطيع إنقاذ الوطن بمفرده. التعاون مع الشرعية أو من خلالها يمنح المبادرات بعدًا عمليًا وأخلاقيًا، إذ يحميها من الانحرافات، ويجعل نتائجها دائمة، وليس عرضة للتقلبات اللحظية. ومن خلال الشرعية، يمكن تحديد أولويات العمل الوطني، مثل الإصلاح السياسي، ومكافحة الفساد، وحماية سيادة لبنان، وتنظيم الاقتصاد، وتعزيز الوحدة الوطنية، وكل ذلك ضمن إطار قانوني واضح.
إن هذا المبدأ يضع أيضًا حدودًا لأي نزعة فردية للسيطرة أو الهيمنة، ويمنع الاستحواذ على المشروع الوطني باسم الأكثرية العددية أو النفوذ الشخصي. فالديمقراطية الحقيقية في لبنان، كما في أي مجتمع، لا تقوم على رفع الأيدي في الاجتماعات الداخلية، بل على تمثيل إرادة الشعب بشكل دقيق، وعلى مطابقة القرارات مع مصالح الوطن العليا، كما نصّت على ذلك التجربة التأسيسية للجبهة اللبنانية.
الشرعية كضمانة للمستقبل
إن التعاون المطلق مع الشرعية ليس مجرد موقف سياسي، بل هو التزام أخلاقي تجاه الوطن، وفعل إنقاذ حقيقي. فهو يحمي الدولة من الانحدار إلى الفوضى، ويحول النزعات الفردية إلى مبادرات منظمة تخدم الشعب، ويحوّل الشعارات الوطنية إلى برامج قابلة للتطبيق. وهو أيضًا حماية للذاكرة الوطنية، إذ يربط الحاضر بالماضي، ويستند إلى تجارب من سبقونا، سواء في قيادة الجبهة اللبنانية أو في مؤسسات الدولة، الذين أدركوا أن الإرادة الوطنية تحتاج إلى إطار يحميها، وإلا ضاعت الرؤية الكبرى بين النزاعات الفئوية والمصالح الضيقة.
وفي هذا السياق، يصبح التعاون مع الشرعية فعلًا وطنيًا مؤسسًا على القيم: احترام القانون، وحماية الحقوق، وتعزيز المسؤولية، وتقديم المصلحة العامة على أي اعتبارات ضيقة. فالذي يرفض الشرعية أو يتجاوزها، مهما كانت نواياه، يضع المبادرة في خطر، ويحوّل المشروع الوطني إلى لعبة مؤقتة، عابرة، دون أي ضمانة لاستمرارية الدولة أو حماية الشعب.
في النهاية، فإن الإيمان بأن لا إنقاذ للبنان إلا عبر التعاون المطلق مع الشرعية، أو على الأقل من خلالها، ليس رفاهية فكرية، ولا مبدأ شكليًا يُطبق في الاجتماعات أو التصويتات، بل هو قاعدة أساسية لاستقرار الدولة وبقائها. وهو أيضًا موقف وطني يربط كل مبادرة سياسية بتاريخها، ويحول كل جهد فردي إلى مشروع جماعي متكامل. ومن خلال هذا المبدأ، يمكن للبنان أن يستعيد هويته، ويعيد بناء مؤسساته، ويؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار، بعيدًا عن الانقسامات والعشوائية، مع احترام إرادة الشعب، وتفعيل المؤسسات، وتأكيد الشرعية كضامن لكل ذلك.
فالشرعية ليست فقط الطريق إلى إنقاذ الدولة، بل هي الضمانة الأخلاقية والوطنية لبقاء لبنان حراً سيّدًا، ولتحقيق حلم أبنائه في وطن يعيش على أسس العدالة، والمساواة، والقانون، والسيادة.
  ملف الجبهة اللبنانية غير ان الموارنة وحدهم على ما يشهد التاريخ هم الذين صمدوا في رفضهم هم الذين حملوه في اعراقهم هم الذين ترجموه الى مقاومة وحرب كلما دعت الحاجة.
وهم الذين علموه في بيوتهم في كنائسهم في مدارسهم في كتبهم في ممارساتهم وفيما يعملون.
هذه القضية اللبنانية هل يمكن ان تكون قضية اللبنانيين اجمعين ؟ الرد العفوي هو ان كل اللبنانيين تجمعهم القضية اللبنانية تحت افيائها.
من ليس مجموعه تحت لوائها من ليس مشمولا بافيائها ليس لبنانيا.
ما هو وجه القضية اللبنانية اليوم ؟.
حرب شنت على لبنان من غير اللبنانيين.
هذه الحرب ليست حربا اهلية كذبه من قال انها اهلية جولان انها حرب محمولة اليه عليه.
وحاملوها الف جولان الحامل الاول فيها الفلسطينيون الذين ركبتهم القوى العالميه هو من يسار وصهيونية وعرب ومنافع واوهام فركبوا هم بدورهم ما استطاعوا من اللبنانيين واشيائهم وكانت المعارك الشرسة التي تالفت منها حرب السنتين.
حرب السنتين هذه هل انتهت ؟ وكيف يمكن ان تنتهي ؟.
ان مؤتمر القمة في الرياض الذي عززه مؤتمر القاهرة بعد اسبوع لم يضع اسسا لانهاء الحرب ان هي الا اسس لايقاف اطلاق نارها ذلك ان اسس الانهاء لا تكون الا بازالة اسباب الاقتتال وازالة اسباب الاقتتال لا تكون الا بازالة الوجود الفلسطيني الكثيف المسلح الفوضوي في لبنان.
ازاله الوجود الفلسطيني الكثيف في لبنان يشمل في نظر بعض اللبنانيين جميع الفلسطينيين سواء كانوا من اهل الحرب ام من اهل المخيمات.
هؤلاء الفلسطينيون مقاتلين وغير مقاتلين جميعهم يجب ان تتوزعهم الدول الاعضاء في جامعة الدول العربية كل واحدة منها بحسب ما تستوعب نظرا الى مساحتها وعدد سكانها ومختلف انتاجها.
ثم يجب ان يوضع نظام واحد يخضع له جميع الفلسطينيين حيثما وجدوا في البلاد العربيه.
بيان خلوة زغرتا.
ان الجبهة اللبنانية مغتبطة بتوافق انعقاد هذه الخلوة والتذكار السنوي الثاني لمعركة زغرتا التي اعتبرت من اروع الانتصارات الحربية اللبنانية ونقطة ارتكاز رئيسة في المصير اللبناني وسعيدة بان تنعقد هذه الخلوه في اليوم ذاته الذي انعقدت فيه خلوه سيدهون البير لسنة مضت وذاكرة بقلم انها كذلك ذكرى السنوية لمعركة الدامور التي اعتبرت بحق اغتيالا لحضارة عريقة.
وان الجبهة اللبنانية نظرا الى الاحداث التي تتوالى بسرعه في المنطقة وفي داخل لبنان وتلبيه لعزمها على انجاز وضع ميثاقها وانجاز وضع نظامها المرتقب وعزما منها على السير بخطوة شديدة في بناء لبنان الغد وتعبيرا عن ارادتها التي تجسدت في خلوة اهدن بتاريخ 25 الى 27 اب 1977 وفي ختام اجتماعاتها يوم الاحد في 22 كانون الثاني 1972 في دارة الرئيس سليمان فرنجية في زغرتا برئاسة الرئيس ؟ شمعون وحضور الرئيس فرنجية والشيخ بيار الجميل والاباتي شربل قسيس والاساتذة جواد بولس وشارل مالك وفؤاد افرام البستاني وادوار حنين تعلن.
اولا.
انها فرغت من وضع اللمسات الاخيرة على ميثاق الجبهة الذي يدور على احد 10 بندا تتناول جوهر الكيان اللبناني والبعيد الواضح من اهداف اللبنانيين.
ثانيا جولان انها انهت وضع نظامها الداخلي بصيغته الاخيره هو المنشاة مجلسا وطنيا يشارك في اعمالها.
وقد خصت الجبهة في هذا النظام بجهاز اشتهد على ان تظل معه رشيقة التحرك سريعه هنا الاستجابة.
كما خاصه الامانة العامة بمعاونين وبمركز لها وبتجهيزات تقدر معها على تسيير اعمالها بلا تباطؤ وبدقة واحكام.
ثلاثة مطالب.
وقد خصص المجتمعون جانبا من اجتماعات يوم السبت لدرس ثلاثة مطالب.
الاول يتعلق بالدامور.
فلما كانت قد انقضت سنتين على اغتيال الدامور فقتل من ابنائها من قتل وهجر من بقي وحل محلهم الفلسطينيون المغتصبون جولان ولما كانت السلطات قد وقفت على حقيقة اوضاع ابناء الدمور وعلى الحال التي دبهم فيها الاغتيال وما جر عليهم من عذاب وقهر والام استهدفتهم جميعا بمن في ذلك شيوخهم ونساهم ومرضاهم واطفالهم.
ولما كانوا لا يزالون يتخبطون في متاعب الابتعاد عن الدار والجار والعقار وكانت السلطة قد وعدت غير مره بارجاعهم الى بيوتهم وممتلكاتهم في مواعيد موقوتة ولما كان اليوم في التذكار الثاني لجريمه الدامور فقد رات الجبهة ان تخص ابنائها غير لاهيه عن احد من المهاجرين الاخرين ولا عن اية بقعة اخرى من لبنان محتلة بالتفاتة محبة وعطف عازمة على ان تمدهم بمساعدتها في كل ما يجدونه من الخير في طريق عودتهم الى ديارهم مؤكدة قرارها السابق بتاييد حق كل مهاجر لبناني مالك في العوده الى ملكه.
الثاني جولان يتعلق بلبنانيين ما وراء البحار وهو اقتراح قدمه السيد دوري شمعون الامين العام لحزب الوطنيين الاحرار في شان خلق مؤسسه تسمى مؤسسه لبنان تكون منبثقه من الجبهه اللبنانية وتقوم على توحيد الجماعات اللبنانيه في العالم في العمل قوى البلدان التي ينزل فيها المغتربون لخدمة القضية اللبنانيهدة فتقرر تكليف الامانة العامة درس المشروع مع صاحبه واقتراح نظام يكون ضامنا لنتائجه.
الثالث يتعلق بجباية التبرعات التي تجري باسم الجبهة اللبنانية على يد اللجنة المالية المشتركه في حزبي الكتائب والاحرار فقرر المجتمعون اعتبار هذه الجباية شانا يعود الى اللجنة المالية المشتركة وانه ليس للجبهة هيا علاقة به.
لبنان الغد.
وبعدما عاد المجتمعون الى ايلاء موضوع لبنان الغاب كل ما يستحق من.
العناية تحقيقا لعزمهم على السير به خطوة جديدة بالمقدار الذي تاذن به ظروف الجارية وبعد الاستماع الى الاعضاء المؤسسين الاربعة في ضوء ما جرى مع كل واحد منهم في الايام الاخيرة من اتصالات وبعد التشاور في المذكرات والاقتراحات الوارده في موضوع لبنان الغد قرر المجتمعون ان يعلنوا ما يلي.
اولا.
ان الجبهة اللبنانيه تعتبر نفسها مؤتمنة على القيم اللبنانيه هنا الاصيلة كما عبرت عنها في كثير من اوراقها السابقة وبخاصة في ميثاقها وفي البيان الختامي لخلوه سيده البير وفي مذكراتها الدبلوماسيه ورسائلها السياسية.
وتعتبر ان السياسة والتركيب البنياني هما من الادوات التي تستعمل في خدمة هذه القيم.
ثانيا.
ان الجبهة اللبنانيه تقيس كل بنيان قائم في لبنان وكل بنيان مقترح للبنان بمقدار ما هو صالح او غير صالح للحفاظ على قيمه المميزة وترسيخها وتعميقها وبالتالي فهي تقبل ما ينمي هذه القيم ويعززها لا تقبل غير ذلك ولا تعترف الجبهة باي مقياس غير هذا المقياس.
ثالثا تصر الجبهة اللبنانية اثاره كليا على.
ان يبقى لبنان سيد نفسه غير مندمج بغيره وغير منعوت الا بذاته.
ان يبقى لبنان محافظا على شخصيته المميزة وتراثي الاصيل بحيث لا يمتص ولا يتمثل باي مجتمع اخر.
ان يبقى لبنان وطنا للحريه المسؤوله وان يستمر مجتمع لبنان في تمكين العقل من نشدان الحقيقة في كل حقل ومعرفتها واعلانها.
رابعا وتجسيدا لهذه القيم اللبنانية المميزة تكرر الجبهة مطالبتها بمؤسسات حيه تامر بخاصه مؤسسة الجيش تعبر عنها وتؤكدها وتتيح اكثر للبنانيين في شتى مناطقهم المساهمه في تحقيق ذاتهم وبناء مصيرهم وحمايتهم من اي افتئات او طغيان وهي اذ تفعل ذلك لا تستهدف الا خدمة هذه القيم.
خامسا وتعلن الجبهه استنادا الى ذلك تماسكها باعتبار الوجود الفلسطيني.
على ارض لبنان عائقا في طريق الاتفاق ينبغي تفليله من الطبيعي ان يكون الاجماع اللبناني حول هذا الشان مساعدا على ذلك.
على ان الجبهة اللبنانية بطبيعة حالها وبحكم ما هي تظل منفتحه لكل اتصال ايجابي كريم حر مثمر من اية جهة كانت لخدمة هذه الاهداف التي لا يكون لبنان من دونها.
سادسا تكرر الجبهه تحذيرها من المؤامرة المثلثة الجوانب على لبنان وهي التي تتالف من تقطيع تاريخه فلا يزال متواصلا متماديا مستمرا فاعلا ومن فصله عن جذوره في الحضارة العالمية الانسانية الواحدة ومن الحقول في التواصل الفكري والحياتي والسياسي دون تفاعل لبنان المقيم ولبنان ما وراء البحار.
سابعا ولا يسع الجبهة في هذه الخلوة الزغرتاوية الحميمة الا ان تعيد اعلان ايمانها بكل مقرراتها وبياناتها السابقة وبخاصه مقررات خلوة سيدة البير التي نحتفل اليوم بالذكرى السنوية الاولى لانعقادها ولاسيا منها البند الاتي نصه.
اعتماد تعددية المجتمع اللبناني بتراثاته وحضاراته الاصيلة اساسا في البنيان السياسي الجديد للبنان الموحد تعزيزا للولاء المطلق له ومنعا للتصادم بين اللبنانيين بحيث ترعى كل مجموعة حضاريه فيه جميع شؤونها وبخاصة ما تعلق منها بالحرية وبالشؤون الثقافية والتربوية والمالية والامنية والعدالة المجتمعية وعلاقاتها الثقافية والروحية مع الخارج وفقا لخياراتها الخاصة.
ايها اللبنانيون.
لقد خطونا واياكم في هذه الخلوة الخطوة المنتظرة المرجوة التي كانت وحدها ممكنه في هذه الظروف العاشرة فترون كما نرى كم تطول استعادة العافيه بعد ان تفقد.
غير انكم ترون ايضا كما نرى ان لا ذهول عنها ما دامت بنا الحياة وان لا بديل.
فالى اليقظة والتيقظ.
الى الكد والجد.
الى العمل الواعي الذي تعودتم لكي نرجع عن قريب نحن نحن وانتم ولبنان لبنان.
عشتم وعاش لبنان.
زغرتا في 22/1/1978.
  بيان الجبهة اللبنانية حول قرار مجلس الامن.
ان الجبهة اللبنانية.
ناظرة الى قرار مجلس الامن الدولي رقم 425 تاريخ 9 اذار 1978 والى ما سبقهم المراجعات وما رافقهم المناقشات.
تعلن.
ان مجلس الامن لم يتناول في قراره سوى وجه واحد طارئ من وجوه القضية اللبنانية التي تتوالى حوادثها منذ ما يزيد على الخمس سنوات ذلك ان الجبهه بمقدار ما ترفض اجتياز الحدود اللبنانيه هو من جانب القوات الاسرائيلية مستدرجة بفعل فلسطيني لا مسؤول فهي ترفض وقد حاربت من اجل ذلك استمرار الوجود الفلسطيني في لبنان وبخاصة وجوده المسلح الذي جر الى حرب كما جر الى التدخل الاسرائيلي العسكري.
ولا يسع الجبهة حيل ذلك سوى ان تسجل.
اولا.
لقد كان على الحكومة اللبنانية ما دام انها قررت الذهاب الى مجلس الامن الدولي ان تطلب بالوقت ذاته من مجلس الامن هذا معالجة القضية اللبنانية من جميع وجوهها.
ثانيا شولاني ان عرض القضية على مجلس الامن بهذا الشكل المبتور لم يرض الشعور اللبناني العام.
ثالثا ان ترك الحدود اللبنانية مباحة للقوات الغريبة ولتدفق الاسلحة والمعدات ينذر بخطر حرب جديده تحذر الجبهة منه الحكومة اللبنانية ومجلس الامن الدولي والدول الكبرى.
  أيها السادة، من المؤسف أن نلاحظ اليوم أن الجبهة اللبنانية الحاضرة لا تمثل الصف المسيحي كله. فالصف المسيحي واسع ويضم العديد من المحاورين الوطنيين القادرين على المشاركة الفاعلة في إدارة شؤون الدولة، حتى وإن لم يجمعهم إطار جبهوي واحد. إن تمثيل الصف المسيحي بشكل كامل هو شرط أساسي لضمان أن تكون مواقفه السياسية متوازنة ومؤثرة، وأن تساهم في حماية مصالح لبنان واستقراره، بعيدًا عن أي انقسام قد يضعف قوة هذا المكون الوطني في صنع القرار.
  عندما انضم إدوار حنين إلى الجبهة اللبنانية، حرص على أن يضع العميد ريمون إدّه في صورة خياره السياسي والتنظيمي بكل وضوح ومسؤولية.
سطّر كتاباً موجهاً إلى العميد، أودعه لدى أحد أعضاء الكتلة الوطنية، السيد فيليب خير، على أن يبقى أمانة لديه إلى حين حلول التوقيت المناسب.
في هذا الكتاب، طلب حنين إعفاءه من مهامه كأمين عام للكتلة الوطنية ومن عضويته في المجلس السياسي أو المركزي، انطلاقاً من قناعته بضرورة الفصل الواضح بين التزامه الجديد وخط الكتلة وموقعها السياسي.
لكنه في الوقت نفسه اشترط ألا يُسلَّم هذا الكتاب إلى العميد إلا بعد إجراء الانتخابات الرئاسية، التي كان العميد ريمون إدّه مرشحاً لها.
يفسّر حنين هذا الشرط بكونه ضرورة سياسية وأخلاقية في آن واحد.
بصفته كتلوياً ونائباً ضمن الندوة النيابية، كان ملزماً بالتصويت للعميد إدّه، التزاماً بالانتماء الحزبي وبالمساعدة الكتلوية داخل المجلس، وعدم إحداث أي التباس أو تشويش في لحظة استحقاق وطني حساس.
بهذا التصرف، عبّر إدوار حنين عن فهم دقيق لتعقيدات المرحلة وعن حرص على الوفاء في آن واحد لخياره الشخصي الجديد ولتاريخه داخل الكتلة الوطنية.
كان الكتاب بمثابة تسوية أخلاقية صامتة بين الالتزام الحزبي والقرار السياسي، تؤجَّل نتائجها احتراماً لمعركة رئاسية رأى فيها واجباً كتلوياً لا يمكن التخلّي عنه.
  بعد دخول القوات السورية إلى لبنان، رأت الجبهة اللبنانية أن المرحلة تفرض مقاربة سياسية مباشرة مع دمشق، فقررت إيفاد إدوار حنين ولوسيان دحداح إلى العاصمة السورية للتفاوض مع الرئيس حافظ الأسد. وكان الهدف من هذه المهمة البحث في آلية دخول القوات السورية إلى مواقع تمركزها، وطبيعة انتشارها، وما إذا كانت قيادتها ستقوم على صيغة لبنانية–سورية مشتركة، إضافة إلى وضع تصور واضح لكيفية خروجها لاحقاً من لبنان، بما يحفظ السيادة ويمنع تحوّل الوجود العسكري إلى أمر واقع دائم.
في هذا الإطار، جرى إعداد ورقة تفاوضية تضمنت أحد عشر بنداً، عُرضت على قيادة الجبهة اللبنانية ولاقت موافقتها، باعتبارها تشكّل الحد الأدنى من الضمانات السياسية والعسكرية المطلوبة في تلك المرحلة الدقيقة. وقد عكست البنود محاولة تنظيم الوجود السوري وربطه بسقف زمني وبآليات واضحة، بدل تركه مفتوحاً على احتمالات غير محسوبة.
غير أن إدوار حنين اتخذ موقفاً حاسماً برفض الذهاب إلى سوريا، معلناً أمام قيادة الجبهة أن حزبه، الكتلة الوطنية، يعتبر الوجود السوري في لبنان وجوداً غير شرعي من حيث المبدأ، وأن مشاركته في أي تفاوض من هذا النوع تتناقض مع قناعاته السياسية والتزامه التاريخي بسيادة الدولة اللبنانية. ولم يكن هذا الرفض مناورة سياسية، بل تعبيراً صريحاً عن موقف مبدئي لا يقبل المساومة.
وقد تقبّلت الجبهة اللبنانية موقف حنين، احتراماً لخياره ولخصوصية خطه السياسي، فاقتصر الوفد على لوسيان دحداح الذي توجّه بمفرده إلى دمشق. وشكّل هذا التطور دليلاً إضافياً على عمق التباينات داخل الساحة اللبنانية آنذاك، وعلى التوازن الدقيق بين منطق البراغماتية السياسية ومنطق الالتزام السيادي، في مرحلة كانت القرارات فيها تُتخذ تحت ضغط السلاح والتحولات الإقليمية الكبرى.
  تطلب الجبهة من الحكومة ان تعيد عرض القضية اللبنانية على مجلس الامن لاسيما بعد ان ثبت تدفق الاسلحة والمحاربين على لبنان.
خامسا.
وعلى كل حال تطلب الجبهة من الحكومة ان تعز لمندوبها في الامم المتحدة توزيع بيان الجبهة اللبنانية هذا كوافقة رسمية على اعضاء مجلس الامن كافة وعلى سائر الاعضاء في الامم المتحدة.
سادسا.
لقد قررت الجبهة ان تعطي بيانها هذا اوسع انتشار عالمي.
بيروت في 21/3/1978.
من صارع الحق صرعه.
ادوار حنين احد كبار المنظرين في القضية اللبنانية وواحد من اهل الميثاق الاربعة وممثل فخامة الرئيس فرنجية وكتله الوسط البرلمانية في لجنه رؤساء الاحزاب والكتل البرلمانية راى ان يقول في اجتماع هذه اللجنه هو النهار الخميس 20 نيسان 1978 باسم جميع من يمثل الكلمة التالية التي ننشرها هنا كما وصلت الينا من داخل هذا الاجتماع المغلق.
وهو الخطاب المرتجل الذي القاه الاستاذ حنين في الجلسة التمهيدية الثانيه لفتح الملف الفلسطيني التي عقدت في مجلس النواب يوم الخميس الفائت في 20 نيسان 1978.
دوله الرئيس.
ايها السادة الزملاء.
لن اطيل عليكم.
ثم بمقدار ما تستمعون الي باصغاء بمقدار ذاك اوجز.
الرئيس الاسعد.
غيرك غير شكل.
حنين.
وانا غير شكل عن غيري.
ما همني ان سمي الملف المطلوب فتحه ملفا فلسطينيا او غير فلسطيني فالمهم ان يكون دائرا على الشان اللبناني والاهم هو ان نقرا فيه واهم الاهم هو ان نحكم بموجب ما نقرا وبشجاعة نحكم.
ايها الزملاء.
ما الذي اوجب هذا الاجتماع ؟.
انه الواجب الوطني لا وعد رئيس المجلس.
انه واجب التفتيش عن موقف موحد للبنان الواحد.
وسارع فاعلن حقيقتين.
الاولى.
انا ومن امثل هنا من اهل الميثاق الذي عليه وقعت والذي به اؤمن نؤمن جميعا بان.
كل لبنان لكل اللبنانيين.
لبنان الكل الكل.
ولكني من الذين يقولون مع اهل الميثاق انفسهم ان لم يتوفر لنا ذلك فنحن مع.
اي لبنان كان.
مع لبنان الكيف ما كان بشاشرت ان يبقى لبنان الرسالة والكرامة والانسان فلو بقيت صخرة واحدة على قمه جبل صنين يتمثل بها لبنان هذا لبقين مع هذه الصخرة بقينا مع لبنان الصخرة الواحدة.
بذلك اجدني مشاركا ورفاقي في جميع الاجتماعات واللقاءات والمحاولات التي تؤدي الى ما يهدف اليه هذا الاجتماع وهو ايجاد الموقف الموحد للبنان الواحد.
الثانية.
اما الحقيقة الثانية فتدور في اجواء الدعوة الى هذا الاجتماع.
ان دعوه الرئيس الاسعد الى هذا اللقاء ليست ابتكارا.
كان الابتكار في ان لا ندعى الى مثل هذا اللقاء.
والابتكار الاكبر كان في ان لا نلتقي وفي مثل هذا الظرف.
كما ان لقاءنا وحده مجرد التقائنا ليس انتصارا كما قيل امس فقد يكون انتصارا على ضعفنا على تخاذلنا على العيب الناجم عن عدم التقائنا.
لا يكون لقاؤنا انتصارا الا اذا انتصر المبدا الذي من اجله نجتمع الا اذا انتصر لبنان لبنان الرسالة والكرامة والانسان.
لا لبنان الزريبة الزريبة البشريه لبنان الارض المساحة والعدد.
لبناننا ليس من التراب في التراب ان هو الا مساحة روحية تبدا في اول الارض ولا تنتهي الا في انتهائها.
من هاتين الحقيقتين استمدينا موقفا وهو هذا.
كل الحق ولو امات.
واني في ذلك على مبدا علي بن ابي طالب سلام الله عليه القائل.
من سصارع الحق صرعه.
فالحضارا من هذا العلو الشاهق اقول.
وقبل ان اقول اريد ان اعلن اني مع الرئيس الاسعد في قوله.
لسنا امام اختيار فالخيار محتوم.
اننا امام حقيقة وواجب.
ففيما يلي محاولة لاظهار هذه الحقيقة ولتعيين هذا الواجب.
الى ما يهدف اللبنانيون ؟.
في اثنتين.
ازالة المعيقات وتخطيط الطريق.
اما المعيقات فاهمها فنان.
عدم ارادة ما يريده اللبنانيون.
والانكسار امام ما يبدو صعبا.
العائق الاول هو ان لا نريد لبنان لبنانيا لبنان الابيض كاللبان اسمه غير موصوف وغير منعوت الا بذاته.
فلبنان الذي يريده اللبنانيون هو لبنان اللبناني كما هي فرنسا فرنسا الفرنسيه وامريكا امريكا الامريكية فهذا العائق لا يزال الا اذا ازيل الجهل.
جهلهم من نحن وجهلنا من هم جهلنا لحقهم في المساواة الكلية وجهلهم لرفضنا الكلي ان نكون ذميين.
لقد اسعدني ما سمعته امس من صائب بك سلام وهو قوله.
لا اعرف مسلما يكره مسيحيا لانه مسيحي ولا مسيحيا يكره مسلما لانه مسلم.
ولقد حزنت كثيرا عندما تابع فقال.
ولكني اعرف ان المسيحيين يكرهون المسلمين والمسلمين يكرهون المسيحيين.
صائب بك.
انا لم اقل ذلك.
حنين اكتفيت وتابع الاستاذ حنين فقال.
الذي كان قد احزنني هو ان اعمارا لنا سابقة مكدسة على اعمار لن تستطيع ان تعلمنا ان نحب بعضنا بعضا فاي تكداس من الاعمار اللاحقه طون يلزمنا بعد لنتقارب وتتقارب القلوب ؟ شكرا صائب بك لقد هونت علي.
وتابع وقال.
يبقى العائق الثاني وهو الانتصار امام ما يبدو صعبا.
فما هو هذا الذي يبدو لنا صعبا ؟ انه درء اختار الوجود الفلسطيني الكثيف الفوضوي والمسلح.
لهذا الوجود اضرار اقلها.
احتلال الارض اللبنانية الذي ينتفي معه الاستقلال وتنتفي سيادة ابناء الارض على ارضهم.
هذا الاحتلال كان قد فجر بست سنين خلت حرب السنتين فهو قادر ان يفجر من جديد حرب العمر كله.
لان اللبنانيين مؤمنون بان الاستقلال لا ينقسم.
جزء لاهل البلد واخر للمحتل ومؤمنون بان السياده اما ان تكون لهم واما ان تكون للفلسطينيين فهي لا يمكن ان تكون للبنانيين والفلسطينيين في ان.
واني التقي هنا مع ما قاله فخامه هنا الرئيس شمعون امس.
ما من دوله من قواتها هي المسلحة.
خطر ان يصبح لبنان موكرة ايديولوجية غريبة غريبة في نشاتها بعيدا غريبه في طبعها غريبة عن طبعنا وغريبة في مذاهبها واهدافها وما تعمل له.
هناك تحالف بين الفلسطينيين والماركسية في ساحه لبنان سلاحه الارهاب.
ان الوجود الفلسطيني في لبنان عامل افقار للبنان فهو يد تهدد ما بناته اليد اللبنانية وتمح ما زينته وتقتل من قام من ولد اللبنانيين.
انه عامل افكار ثقافي.
فمنذ ان وجد على ارض نباتت المدارس والجامعات اللبنانيه لا تعمل اكثر من 70 يوما من اصل 365 يوما.
في اي انسان فائق وجب ان يكون هذا اللبناني الصغير لكي يكتفي من العلم بربع الذي سواه.
وهو عمل الافكار اقتصادي اذ تصدى منذ ان كان عن صابر قصد وتصميم للدورة التجارية العالمية التي تمر ببيروت فتجعل منها السوق المالية الخامسه على الارض تصدى لاسواقها التجارية وكانت زينة في العالم تصدى لمصانعها وهي ناشئة في عمر الورود وتصدى لمتاجرها التي هي انشط ما في الدنيا فصلب ونهب واحرق ودمر وزرع من فوقها الملح لكي لا تعود فتنبت وانه عامل افقار حياتي لان اي لبنانيه يستطيع ان يستمتع الان بكامل الارض اللبنانيه يستطيع ان يبذل من مجهوداته ومتعه قدر ما كان يبذل.
والوجود الفلسطيني في لبنان عامل تضرع لاسرائيل.
فما دام هذا الوجود وجودا وما دام مسلحا وما دام متحركا وما دام كل عمل يحدث هنا وهنا يمكن ان ينسب اليه فسيظل هذا الوجود الفلسطيني سريعة تتذرع بها اسرائيل لتتعدى على لبنان.
هو ما حدث الى الان وهو ما سيظل يحدث حتى جلائهم الكامل فكيف يمكن ان يكون دار اخطار هذا الوجود الفلسطيني من لبنان ؟.
بتوزيعهم على الدول الاعضاء في جامعة الدول العربية الشقيقة فلاني فالشقيق شقيق في السراء والضراء.
فليشاركنا الاشقاء في هذا العبء.
ليقبل منهم كل شقيق قد ما يستطيع ان يستوعب بنسبة مساحة ارض بلاده وعدد سكانها وقدرتها على الانتاج.
ان الحمل اذا وزع على الاجاويد خف.
وبانشاء نظام اقامة واحد يخضعون له جميعا حيثما يكونون.
ذات الحقوق التي تعطى لهم في سوريا والعراق والكويت والسعودية ومصر تعطى لهم في لبنان.
ولا تعطى لهم هنا قلامة ظفر اكثر مما يعطى لهم هناك.
هذه واحدة من الطرائق.
وهناك ثانية وثالثة ورابعة.
اما الثانيه فتكون بان توضع القضية الفلسطينيه في موضعها الصحيح.
فهي قضية العرب الاولى وان تسمت باسم فلسطين فتسلم قيادتها العرب الى الفلسطينيين.
هكذا تبعد هذه القضية الكبرى عن نزوات النفس والامور الكيفية وهكذا يخلق بيننا امل بان يتسلم قيادتها رجل او جمهرة رجال يعرفون ان طريق القدس لا تمر بعيون السيمان عبر جونية والمتين.
وتكون الثالثه بان نعمل مخلصين صادقين على نقل القوة الدولية التي ارسلت الى لبنان بموجب القرار رقم 425 من قوة طوارئ الى قوه ردع دولية تتسع مهامها سعه هنا الارض اللبنانية وتعمل حيثما يدعوها حاجه هنا الامن والسلام ان تعمل.
فاذا كان من حق منفذي قرار مجلس الامن ان يتوسعوا بالتفسير فليصدر التوسع وان لا فلتستصدر الحكومة اللبنانية قرارا اخر مجلس الامن في هذا المعنى.
ذاك تلغى جميع الاتفاقات السابقة ابتداء من اتفاقيه القاهرة لسنة 1969 وانتهاء باتفاقيه شتورة واما الرابعه فتكون بان ننشئ لنا جيشا يكون وحده اقوى من جيشهم وقوى امن داخلية تكون وحدها اقوى من قواهم وميليشيات وطنية تكون وحدها اقوى من جيشهم وقواهم جميعا.
ثم ان ننظم طريقه عن دخولهم واقامتهم وعمالهم وتحركهم على ما هي منظمة في سوريا ومصر.
هذا بعد ان يقتصر عدد الذين ينبغي ان يبقوا في لبنان على الذين كانت اسمائهم مدونه هم في سجلات الاونروا في تواريخ محددهم بالايام.
تلك هي الطرائق التي بها او بمثلها ترتفع العصا الغليظه هنا التي فوق رؤوسنا والتي اشير اليها امس.
فمن اجل هذا قال فارقنا وهو ما زال على حق.
ان لا تفاوض قبل جلاء الفلسطينيين عن لبنان.
قلت.
ان السبيل لوصول المجتمعين هنا الى ما يهدف اليه اللبنانيون هو ازالة المعيقات وتخطيط الطريق اما وقد وردت الاقتراحات من اجل ازالة المعيقات فماذا نقترح لتخطيط طريق الوصول ؟.
مسارع الى ان نقول نريد التخطيط للبنان الغد ولا نريد التخطيط لبعث لبنان الذي يحتضر.
عانيت في الحالين جولان الصيغة صيغه لبنان الغد وصيغة لبنان التي تحتضر بشر وما عانيت قط غير ذلك.
لان لبنان الدائم لن يموت الا بارادة الذي قال له كن فكان.
صيغة لبنان الغاز تقوم في نظرنا على التعدديه هم تعدد المجتمعات اللبنانية واقراهن لشولاني ديانتان كلمتان انبثقت عنهما حضارتان كبيرتان ومجتمعان مختلفان.
هذا ما كان مبعث ما سمي بالتناقضات اللبنانية على انها حقائق لبنانية.
لقد بنينا على هذا الواقع على التعدديه فكان من نتيجة بنائنا هذا نظام الكونفدرالية الذي اقترحناه لنا في ذلك كلام كثير وحوار خطير وامل كبير.
سياتي يوم هذا الكلام وهذا الحوار في وقت قريب لقد اكتفيت في هذه الكلمه الخاطفتان بايراد عناوين الفصول التي بنينا عليها تفكيرنا.
غدا دور الفصول بالذات ساعه ذاك قراع الفكر والخواطر والحجج والبراهين وان غدا لناظره قريب.
ايها السادة الزملاء.
كل الحق ولو امات.
ايها الساده الزملاء.
من صارع الحق صرعه.
ويا ايها الزملاء.
لنحي، دائما مع الحق.
ودائما الى ان نموت في الحق والشر هو الحق الذي يحررنا.
وحده يحررنا وسيظل يحررنا الى ابد العمر.
شكرا.
جريدة الجريدة.
تاريخ 29/4/1972 رقم 7149.
لماذا لم اوقع هذا الاتفاق ؟.
لقد شغل بال الناس موقفي من الاتفاق الذي صاغته اللجنة البرلمانية الثلاث عشرية والذي نشر بالتسرب في صحف يوم الاثنين تاريخ 24 نيسان 1978 ثم عرض على رؤساء الاحزاب والكتال البرلمانية صباح يوم الثلاثاء في 25 نيسان.
ما شغل بال الناس اني لم اوقعه كما وقعه الحاضرون وبخاصة كما وقعه الرئيس ؟ شمعون والشيخ بيار الجميل على اني امين سرها المنتخب لثلاث سنوات لم ينقض منها علي سوى اشهر معدودة.
ومعلوم ان الرئيس شمعون والشيخ الجميل كان عدوان في لجنه الصياغة الثلاث عشرية وانه لم يكن لي شرف الانتساب اليها.
اما لماذا لم اوقع ؟ وما هي نتيجه ذلك ؟ فهذا ما سيعرف من هذا البحث بل هذا ما حملني على كتابة هذا البحث توضيحا لا تبريرا.
بعد الميثاق الوطني اول اطلالة الاستقلال جاءت الوحدة الوطنية ايام الرئيس فؤاد شهاب والرئيس شارل الحلو تم هذا الاتفاق في هذا الزمن الاخير.
كان ما يعمل لتوطيد الاستقلال لتدعيمه ولترسيف قواعده لا يخدم اكثر من نتفة من السنين.
ولو انا لبنان الكبير خدم بمثل هذا المقدار لا اكثر لا ما كان موقف اهل الولايات او الاقدية الاربعة التي ضمت في السنة 1920 الى المتصرفيه مثل الموقف الذي عرف لهم حتى مطلع الاستقلال في سنة 1943.
انما اوجب الميثاق نفور بعض اللبنانيين من الشرق ونفور بعضهم الاخر.
من الغرب فكان لابد مما يطمئن قلوب هؤلاء وقلوب اولئك واذا الميثاق يبرز لصد النفور من الميلين ولطمنتهم لجولان اما ما اوجب الوحدة الوطنية فقلق ظل مستمرا لما اعتور الميثاق من عله وعيوب.
وما هذا الاتفاق الا نتيجة ما اصاب الوحدة والميثاق في صميم كيانهما الامر الذي جر الى اضطرابات وفتن وحرب استمرت سنتين ولم تنته بعد.
او كانت هذه الحرب بين اللبنانيين واللبنانيين لنفتش لها عن دواء بين اهل لبنان ؟ ام هي كانت بين اللبنانيين والاغراض ؟ فكيف تداوى حرب بين لبنانيين والفلسطينيين باتفاق يعقد بين اللبنانيين واللبنانيين ؟.
الذين اقدموا على وضع هذا الاتفاق يزعمون وقد يكونون على حق ان الوفاق اذا حصل بين مختلف الاطراف اللبنانية على صيانة لبنانيهم ودفع الشر عنه فان لبنانهم ينجو من الاعتداءات فلا يعود يصاب بضيم.
وبعض الذين دعوا الى الاتفاق واقدموا على وضعه واثقون ان مجرد جمع الاطراف المتباعدة انتصار للبنان وان عصاهم وضعه.
ونصبح على اتفاق وضع ونشر وعمم فور ولادته على يد اللجنةسل الثلاث عشرية قبل ان ننظر فيه فتعد له او تقره او ترفضه لجنه هم رؤساء الاحزاب والقتال البرلمانية التي عنها انبسطت لجنة.
اجتماع الثلاثاء في 25 نيسان كان لرفع العصب ال.
وقد كان يجب ان يكون للنقاش بتمهل لاقرار الثلاث عشره على عملهم او لاعادته لهم مشكورين فكان ان فور بدء الاجتماع وبعد ان تكلم واحد من اثنان من الاقطاب طلب احد النواب الحاضرين ولم يكن عضوا في لجنة الصياغة قفل باب المناقشة والموافقة على صيغة المعروضه الاسباب الا النقاش فكان.
وكان ان ادلى الكثيرون بملاحظات وكان ان اهم مجال في بالنا هو هذا نطرحه في ساحة الناس فينظر في جيده ورديئه.
اولا.
قالوا انسجاما مع المواقف التي التزمها لبنان في تاييد القضايا العربية لا سيما القضية الفلسطينية وحقه في استعادة ارضه وممارسه جميع حقوقه الوطنية والسياسية فوق كل هذه الارض.
قلنا نحن لسنا ضد الشعب الفلسطيني في استعادة ارضه ولا ضد هذا الشعب في ممارسه جميع حقوقه الوطنية والسياسية فوق هذه الارض جولان ولكننا ضد ان نقحم انفسنا في مساعدة الشعب الفلسطيني على استعادة ارضه مارسة جميع حقوقه فوقها.
لان هذا الشعب الفلسطيني بالذات حاول ان يسلبنا ارضنا وان يحول دون ممارسهم حقوقنا فوقها.
ثانيا قالوا بناء على مقررات مؤتمري القمة في الرياض والقاهرة.
قلنا صياغة غائبة لان وضع كلمتي جمع السلاح بين منعكفين على الشكل الوارد اعلاه يعني في النشر المطبعي الفني ان مقررات الرياض القاهره تدور جميعها على جمع السلاح وليس هذا هو الواقع فكان من الاصح ان يقال ومنها جمع السلاح او بخاصة جمع السلاح او تسقط الكلمتان.
ماذا نفذ من مقررات مؤتمري الرياض والقاهرة ؟ وكيف نفذ هذا الذي هم بتنفيذه ؟.
واني لا استشهد بمقررات لم تظهر ان في حرب لبنان معتديه ومعتدى عليه.
ثم هي تظهرنا وكاننا مختلفون والفلسطينيين على ارض مشتركة.
ثالثا قالوا وبما ان وحده لبنان واستقلال وسيادته وامنه وسلامه اراضيهم مسلمات يجمع عليها اللبنانيون على اختلاف فئاتهم وارائهم.
قلنا هل ما يجمع عليه اللبنانيون اليوم سيظلون مجمعين عليه غدا اذا ما تحولت الاكثريات الى اقليات والاقليات الى اكثريات ؟ اوليس من صيغه تضمن حقوق الشعوب في جميع حالاتها سواء تبدلت الاكثرية او الاقلية ام لم تتبدل ؟ بلا ! فلماذا لا يشار اليها هنا في الاتفاق.
رابعا قال وبما ان ممثلي الشعب الفلسطيني اعلنوا في موافقتهم على الاشراف على جميع الاسلحة الثقيله وازاله هنا المظاهر المسلحة.
كلنا اي اشراف ؟ من يشرف على من ؟ فباقل من هذا الخطا التركيبي تنقلب الحقوق.
بالامس كان الفلسطينيون ينكرون في المساء ما كانوا قد اقروه في الصباح فكيف يصبحون ثقة في هذا النص ؟ بين الصبح ومساء فما الذي اوجب الاتفاق 57 مرة على وقف اطلاق النار وهو لم يقف نسبيا الا في الرياض.
يبقى ان ماذا يحدث من جراء ربط مصيرنا بالارادة العربية وحدها جميل واين نصبح من الذميات ؟.
خامسا قالوا وجوب تنفيذ قرار مجلس الامن الدولي رقم 425 القاضي بالاحترام الدقيق لسلامة اراضي لبنان وسيادته واستقلاله السياسي ضمن حدوده الدوليه المعترف بها.
قلنا كلمة دقيق لا تترجم الكلمه الواردتان في النص الفرنسي وفي النص الانجليزي لقرار مجلس الامن وهي كلمه ستريكت بل اقرب ما ينقلها الى العربية قولنا الاحترام الصارم.
والصحيح ان يقال ضمن حدود لبنان المعترف بها دوليا.
لان الحدود ليست دولية بل الاعتراف بها دوليا هو الدولي.
هذا فضلا عن انه ليس في الوجود مجلس يسمى مجلس الامن الدولي ولكن هناك ما يسمى مجلس الامن التابع للامم المتحدة وهو المقصود.
سادسا قالوا بتامين عوده سلطه الدوله ان الجبهة اللبنانية صاحبة بيان اكدت فيه ان قرار مجلس الامن جاء مكتورا لانه عالج مشكلة الجنوب الاستقلال من مشكله لبنان ككل.
فكان يجب ان يصار في الاتفاق الى ضرورة بسط فاعلية القرار 425 على جميع الاراضي اللبنانيه خاصة ان في لجنة الصياغة اثنين من مؤسسي الجبهة ومن كبارها.
سابعا قالوا وقف العمل المسلح الفلسطيني وغير الفلسطيني في جميع الاراضي اللبنانية.
قلنا اننا من جبهة تقول غير هذا القول فهي تقول بازالة الوجود الفلسطيني المسلح فهل قبلتما بكلمة وقف في مكان الازالة وبكلمه عمل في مكان الوجود كمين فماذا يفيدنا هذا الموقف على الساحة اللبنانيه 57 وقفه لاطلاق النار صريعة على الارض تداس.
ثم ان لغير الفلسطينيين مكانا بالذكر في غير هذا المكان فاننا لا نقبل ان نعامل في بلادنا بالسواء مع الاغراب او ان يعامل الاغراب بالسواء معنا في بلادنا.
ثامنا قالوا منع اي وجود مسلح لغير قوى السلطة اللبنانيه وتطبيق القوانين والانظمة اللبنانية على جميع اللبنانيين وجميع المتواجدين على ارض لبنان دون استثناء.
قلنا لماذا المنع يتناول اللبنانيين وحدهم وتطبيق القوانين يتناول اللبنانيين والمتواجدين على الارض اللبنانية في ان واحد فلماذا المنع والتطبيق لا يتناولان كلاهما اللبنانيين والمتواجدين في لبنان سواء بسواء ؟.
تاسعا قالوا بناء الجيش اللبناني على اسس وطنيه سليمة صحيحة.
قلنا نحن لم نفهم كيف يكون جيش وهو سياج الوطن وطنيا وكيف لا يكون.
فلبناء الجيوش اصول علميه اصيلة عريقه يلجا اليها في كل حال شرط ان لا يلجا السياسيون الى تحطيم جيوشهم.
عاشرا وهنا اسمح لنفسي ان اقول حيث لم يقولوا هم ان هذا البيان الاتفاق منهمك من راسه حتى اخمصيه بالتفكير الاني السياسي.
المحض اني سياسي فهو لم يقل كلمة مستقبلية واحدة تتعلق بالمصير وبخاصة بالحريات المسؤولة بالمؤسسات الحرة دستورية كانت او وطنية بالحضارة اللبنانية بالثقافة اللبنانية بالتراث اللبناني بالمجتمعية اللبنانية لم يقل كلمة واحده فهون تتعلق بلبنان الغد لبنان ابنائنا.
فكان مصائب السنوات 1840 و1860 و 1914 و 1958 و 1973 التي اغرقت البلاد في بحار من الدم لم تخطر في بال اللجنة الثلاث عشرية.
او كان لا ولد لاعضائها يريدون ان ينقذوهم من الفتن والحروب والمذابح.
او كانهم مسلمون راضون بذلك وكان تجربة السنة 1943 المستمرة الى الان بويلاتها كلها نعم لا ويلات.
من اجل ذلك لم اوقع هذا البيان الاتفاق.
ولم اوقعه لانني كنت اضم الى تمثيل من امثل من شعب واصدقاء تمثيل فخامة الرئيس فرنجية الذي يعتبرت اني اكون قد جاوزت حدود وكاله عنه اذا وقعت.
ثم اني لم اوقعه لانني لا استطيع ان اجزم من خلاله ماذا يكون مصير الاتفاقات السابقه هو الابتداء من اتفاقية القاهرة في السنة 1969 وانتهاء باتفاقيه شتورا.
كما لا استطيع ان اجزم بعد ان سمعت ما سمعت ومن سمعت من كبار المجتمعين اذا كان هذا الاتفاق ميثاقا جديدا او منطلقا جديدا لوحدة وطنية جديدة او كان غير ذلك.
وكما انه لم يكن واضحا اذا كان هذا الاتفاق سرعة جديدة للبنان الجديد او كان خطوه اولى في سباق الالف ميل كما حلا لاحدهم ان يعلن او كان شيئا مما لا قيمة له لان القيمه تعطى لما في النفوس لا لما في النصوص كما حلا لاحد اخر من المجتمعين ان يعلن.
فهي الكل ذلك لا يستطيع انسان يفتش عن طريق الخلاص ان يرى في هذه الحيرة وهذا الغموض خلاصا لذلك امتنعت عن التوقيع.
ولا ادري لماذا دونت هذه الهوامش وفي اية مناسبة قول ومن هو صاحب هذا القول.
فهل يمكننا على الاقل ان نردد بعد طول تفتيش وانتظار مع الرجل الطيب الطيب الامير مجيد ارسلان قوله.
انكسر الجليد.
بيكفي هل ناس رجعوا حبايب وصاروا يحكوا ويضحكوا ويشنكلوا مع بعضهم.
هذه الطيبة الفائقة هي ايضا من قواعد الاتفاق يوم يحصل اتفاق.
ادوار حنين.
الحوادث رقم 1122 تاريخ 5/5/1978.
  الطريق إلى الشرعية
1. الشرعية كضمانة للبقاء
منذ عقود، وقد عاش لبنان تجارب متعاقبة من الصعود والهبوط، من الانتصارات الوطنية إلى الأزمات التي كادت تبتلع الدولة، وأنا مؤمن بأن لا سبيل لإنقاذ الوطن إلا عبر التعاون المطلق مع الشرعية، أو على الأقل من خلالها. هذه القناعة ليست مجرد شعور مؤقت أو موقف تكتيكي لحظة الأزمات، بل هي ناتج طبيعي من تراكم التجارب، وملاحظة نتائج كل محاولة للتجاوز على المؤسسات أو العمل خارج الإطار القانوني، حيث كانت النتائج غالبًا وخيمة.
فالشرعية ليست مجرد لقب يوضع على مكتب الرئيس أو على منصب وزاري، ولا مجرد رسمية دستورية تُختزل في نص القانون. إنها إطار شامل يجمع بين الإرادة الشعبية، والقانون، والدستور، والمؤسسات، والحق الوطني، والتوازن الاجتماعي والسياسي. إنها البوصلة التي تحفظ الدولة من الانحدار، وتحمي المشروع الوطني من التجزئة، وتحوّل المبادرات الفردية إلى مشروع جماعي متكامل.
2. التجربة اللبنانية: بين الفوضى والشرعية
لقد شهد لبنان منذ الاستقلال في عام 1943، وحتى يومنا هذا، سلسلة من التجارب التي أثبتت أن أي مشروع وطني مهما بدت قوته أو شعبيته، لا يمكن أن يقوم خارج الشرعية أو ضدها. من الحروب إلى الانقسامات الداخلية، ومن الضغوط الإقليمية إلى التدخلات الدولية، كل هذه العوامل أظهرت أن الشرعية هي الإطار الذي يضمن للدولة وجودها، وللمواطن حقوقه، وللمبادرات الوطنية فرص نجاحها.
في تجربة الجبهة اللبنانية، نجد نموذجًا واضحًا لهذا المبدأ. فقد أسس كبار رجال الجبهة، أمثال الوزير جواد بولس، الرئيس كميل شمعون، الشيخ بيار الجميّل، والرئيس بشير الجميّل، هيكلًا وطنيًا قائمًا على الاعتقاد بأن الدولة فوق كل اعتبار، وأن الشعب هو المصدر الحقيقي للشرعية. لم يكن هؤلاء الرجال يسعون إلى القوة أو النفوذ الشخصي، بل سعوا إلى تأسيس إطار يحمي الدولة ويضمن تمثيل إرادة الشعب اللبناني، بكل تنوعه وتعدد انتماءاته.
3. التعاون مع الشرعية: شرط فعالية المبادرات الوطنية
التعاون مع الشرعية لا يعني الاستسلام أو الرضا المطلق، بل يعني الاعتراف بالواقع السياسي والقانوني كمرجعية أساسية للعمل الوطني. فهو يحول المبادرات الفردية أو الحزبية إلى مشروع متكامل، يضمن استمرارية الدولة، ويصون الحقوق والواجبات، ويعيد ترتيب الأولويات بما يخدم الشعب والوطن.
إن العمل خارج الشرعية، مهما بدا جذابًا أو شعبيًا في اللحظة، غالبًا ما يؤدي إلى الفشل أو الفوضى. فالذي يتجاوز الشرعية لا يحمي الدولة، بل يضعها في خطر، ويحوّل المبادرات الوطنية إلى أدوات للتقسيم والصراع الداخلي، بدل أن تكون قوة موحدة للحفاظ على الكيان الوطني. ومن هنا يظهر الفرق بين التعاون الحقيقي مع الشرعية وبين الانحراف عنها: الأول يعيد بناء الدولة، والثاني يهددها.
4. الشرعية ومبدأ الديمقراطية
الديمقراطية في لبنان، كما في أي دولة، لا تقوم على مجرد تصويت داخلي أو رفع أيدي في اجتماعات الحزبية. بل تقوم على تمثيل إرادة الشعب، واحترام القوانين، وضمان مشاركة جميع الفئات في القرار. وعندما تصبح القرارات داخل أي إطار سياسي، سواء الجبهة اللبنانية أو غيرها، غير منسجمة مع الإرادة الشعبية، تفقد هذه القرارات شرعيتها المعنوية، حتى لو اكتسبت بعض الشكلية في الإجراءات.
إن الإيمان بالشرعية مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالديمقراطية الحقيقية، التي تعتمد على صحة التمثيل، وعلى أن تكون القرارات متوافقة مع مصالح لبنان العليا، لا مجرد مصالح ضيقة أو ظرفية. وهذا ما كان يحرسه مؤسسو الجبهة اللبنانية، الذين أدركوا أن أي تجاوز على الشرعية هو تجاوز على الشعب، وأن كل خطوة خارج القانون أو المؤسسات تقوّض الهدف الأساسي للجبهة: حماية الدولة وإرادة اللبنانيين.
5. التجارب العملية: الدروس المستخلصة
عند دراسة مسار الجبهة اللبنانية، نجد أن كل مرحلة شهدت تحديات داخلية، خصوصًا بعد التوسّع وانضمام عناصر جديدة، لم تكن جميعها متفقة على المبادئ الأصلية. ومع أن بعض هؤلاء دخلوا بنوايا صادقة، فإن عدم فهمهم العميق لتاريخ الجبهة أو لأسسها الفكرية أدى إلى تباينات في الرؤية، أضعفت القرارات أحيانًا، وجعلت الأصوات الداعية إلى الالتزام بالشرعية تبدو وحيدة.
لكن التجربة أثبتت أيضًا أن الشرعية ليست جامدة أو عقيمة، بل مرنة بما يكفي لاستيعاب المبادرات الوطنية، وتفعيلها ضمن إطار مؤسساتي يحمي الوطن، ويحوّل الجهود الفردية إلى مشاريع جماعية. فالذي يعمل مع الشرعية أو من خلالها لا يفقد هويته أو استقلاله، بل يكتسب قوة إضافية، ويضمن استدامة النتائج، ويحول نشاطه من عمل عرضي إلى تأثير دائم.
6. الشرعية والمصلحة الوطنية
التعاون مع الشرعية يحمي المصلحة الوطنية العليا من التمزق والتجزئة. فهو يفرض أولويات واضحة للعمل السياسي، مثل الإصلاح، ومكافحة الفساد، وحماية السيادة، وضبط التوازن بين الطوائف والمناطق، وتعزيز الوحدة الوطنية. أي مشروع وطني خارج هذا الإطار لا يحقق سوى التمزق، ويضع الدولة في مواجهة خطر الانهيار.
إن الشرعية أيضًا هي الضمانة للأجيال القادمة، لأنها تربط الحاضر بالماضي، وتؤكد على أن المبادرات الوطنية يجب أن تُبنى على أسس واضحة، وليس على نزعات شخصية أو مصالح آنية. فمن خلالها، يمكن إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمواطن، وضمان تمثيل إرادة الشعب، وإعادة تأكيد القانون كمرجعية عليا، لا التفاوض حوله كخيار مرحلي.
7. الشرعية كإطار للتوازن الوطني
لبنان بلد متعدد الطوائف والانتماءات، ومن هنا تأتي أهمية الشرعية كإطار يضمن العدالة بين الجميع. فهي التي تمنع الانحياز لفئة على حساب أخرى، وتوازن بين القوى السياسية والاجتماعية، وتمنع الانجراف وراء النزعات الانفصالية أو الهيمنة الفردية. وعندما تتعاون القوى الوطنية مع الشرعية، تتحول الاختلافات إلى نقاشات بناءة، بدل أن تتحول إلى صراعات تهدد الدولة، ويصبح القرار الوطني أكثر صدقية وفاعلية.
8. الشرعية كضمانة للاستقرار في مواجهة الضغوط
لبنان محاط بتحديات إقليمية ودولية مستمرة، من صراعات مجاورة إلى تدخلات خارجية، وكل هذه الضغوط تجعل من الشرعية إطارًا حيويًا لضمان قدرة الدولة على الصمود. فمن خلال الشرعية، يمكن مواجهة هذه التحديات بشكل منسّق، وحماية السيادة الوطنية، وتجنب الانزلاق في الفوضى أو الانقسام، الذي سيكون كارثيًا على الدولة والمجتمع معًا.
9. خاتمة: الشرعية طريق الإنقاذ
في نهاية المطاف، فإن الإيمان بأن لا إنقاذ للبنان إلا عبر التعاون المطلق مع الشرعية، أو على الأقل من خلالها، ليس مجرد نظرية سياسية، بل هو موقف وطني أخلاقي، يجمع بين التاريخ والخبرة، بين الفكر والعمل، بين الماضي والحاضر. فالتعاون مع الشرعية يحمي الدولة من الانهيار، ويحوّل النزعات الفردية إلى مبادرات جماعية، ويؤكد على أن الوطن فوق كل اعتبار شخصي أو حزبي.
فالشرعية ليست مجرد إطار، بل هي ضمانة لبقاء لبنان، وحماية إرادته، واستمرار مؤسساته، وإعادة بناء الدولة على أسس العدالة، والقانون، والمصلحة الوطنية العليا. ومن خلالها يُمكن للبنان أن يستعيد قوته وهويته، ويؤسس لمستقبل مستقر للأجيال القادمة، حيث يكون العمل السياسي مكرّسًا لخدمة الوطن، لا للمصالح الفردية، والإرادة الشعبية محور كل قرار، والحق فوق كل اعتبار.
لبنان والشرعية: وثيقة وطنية لإنقاذ الدولة
المقدمة: الشرعية طريق البقاء
منذ عقود، عاش لبنان تجارب متتابعة من الانتصارات الوطنية إلى الأزمات الداخلية والخارجية، وقد كان دائماً واضحًا بالنسبة إليّ أن لا سبيل لإنقاذ الوطن إلا عبر التعاون المطلق مع الشرعية، أو على الأقل من خلالها. هذه القناعة لم تكن شعورًا عابرًا، ولا موقفًا تكتيكيًا مؤقتًا، بل هي نتاج تراكم الخبرة الوطنية، وملاحظة نتائج كل محاولة للتجاوز على المؤسسات أو العمل خارج الإطار القانوني. فقد أثبتت التجارب المتنوعة أن أي مسعى وطني مهما بدا قويًا أو شعبيًا، لا يحقق أهدافه إذا تحرّر عن الشرعية، أو تجاهلها.
فالشرعية ليست مجرد لقب رسمي أو منصب دستوري، بل هي إطار شامل يجمع بين الإرادة الشعبية، والقانون، والدستور، والمؤسسات، والحق الوطني، والتوازن الاجتماعي والسياسي. إنها البوصلة التي تحفظ الدولة من الانحدار، وتحمي المشروع الوطني من التجزئة، وتحوّل المبادرات الفردية أو الحزبية إلى مشروع جماعي متكامل وفعال. فهي الضمانة الأخلاقية والسياسية لكل عمل وطني، ولا يمكن الاستغناء عنها في بناء لبنان حقيقي مستقر.
القسم الأول: الشرعية والدولة اللبنانية – التجربة التاريخية
لبنان منذ استقلاله عام 1943 لم يمر بطريق مستقيم نحو الدولة، بل واجه سلسلة متتابعة من الصراعات الداخلية، والانقسامات الطائفية، والتهديدات الخارجية، والمصالح الأجنبية المتشابكة. كل هذه العوامل أظهرت أن الدولة اللبنانية الهشة بحاجة إلى إطار يحميها ويضمن استمراريتها، وأن أي محاولة لبناء الدولة خارج الشرعية ستكون مهددة بالفشل.
في هذه المرحلة، برزت الجبهة اللبنانية كإطار وطني جامع، ليس مجرد حزب أو حركة سياسية، بل مشروع لحماية الكيان اللبناني والدفاع عن إرادة الشعب. مؤسسوها، مثل الوزير جواد بولس، الرئيس كميل شمعون، الشيخ بيار الجميّل، والرئيس بشير الجميّل، لم يسعوا إلى السلطة أو النفوذ الشخصي، بل سعوا إلى تأسيس إطار يضمن تمثيل إرادة الشعب بكل تنوعاته الطائفية والجغرافية، ويحمي الدولة من الانحراف والانقسام.
لقد كان الهدف الأساسي للجبهة هو المحافظة على وحدة لبنان، واستقلاله، وسيادته، ورفض أي تدخل خارجي يهدد قراره الوطني. ولتحقيق ذلك، كان التعاون مع الشرعية شرطًا أساسيًا: الشرعية التي تعكس إرادة الشعب، وتوفر إطارًا قانونيًا ينظم العلاقات السياسية، ويحد من التجاوزات.
القسم الثاني: الديمقراطية داخل الجبهة والواقع اللبناني
الديمقراطية، كما أُريد لها في لبنان، ليست مجرد تصويت داخلي، أو رفع أيدي، أو أغلبية شكلية. إنها تمثيل حقيقي لإرادة الشعب، واحترام القوانين، وتوازن القوى المختلفة. وعندما تصبح القرارات داخل أي إطار سياسي، سواء الجبهة اللبنانية أو غيرها، غير متسقة مع إرادة الشعب، تفقد هذه القرارات مشروعيتها، حتى لو اكتسبت الشرعية الشكلية.
التجارب العملية للجبهة اللبنانية، خاصة بعد توسعها وانضمام عناصر جديدة، أظهرت هذا بوضوح. فقد انضم بعض المنخرطين الجدد بحسن نية، لكن غياب الفهم العميق لتاريخ الجبهة أو لمبادئها الأساسية أدى إلى تباين في الرؤية، ما أثر على القرارات وأضعف القدرة على الحفاظ على التوافق الداخلي.
هذا يوضح الفرق بين التعاون الحقيقي مع الشرعية وبين العمل خارجها: الأول يعيد بناء الدولة ويعزز المؤسسات، والثاني يهددها ويزيد الانقسام. الديمقراطية الحقيقية، في هذا السياق، ليست مجرد أكثرية عددية، بل أكثرية تمثل إرادة الشعب الحقيقي، كما كانت الجبهة تعكسها في مراحلها التأسيسية.
القسم الثالث: الشرعية كإطار للمبادرات الوطنية
التعاون مع الشرعية لا يعني الاستسلام أو التضحية بالمبادئ، بل يعني إدراك أن الدولة فوق كل اعتبار شخصي أو حزبي. فالعمل الوطني خارج الشرعية، مهما بدا شعبيًا أو فعالًا في اللحظة، غالبًا ما يؤدي إلى الفوضى، ويضع المبادرات في خطر. بينما التعاون مع الشرعية يمنح المبادرات بعدًا عمليًا وأخلاقيًا، ويحوّلها إلى مشاريع مستدامة، تضمن حماية الدولة واستمرارية المؤسسات، وتحافظ على حقوق المواطنين.
الشرعية هي أيضًا الضمانة لتحقيق الإصلاح السياسي، وتنظيم الاقتصاد، ومكافحة الفساد، وضبط العلاقة بين الطوائف والمناطق، وتعزيز الوحدة الوطنية. أي محاولة للقيام بهذه المهام خارج الشرعية ستكون محدودة النتائج، وقد تضرّ بمصلحة لبنان العليا.
القسم الرابع: الدروس المستخلصة من التاريخ اللبناني
إذا نظرنا إلى التجربة التاريخية للجبهة اللبنانية، نجد أنها أكدت دائمًا أن أي مشروع وطني يحتاج إلى إطار مؤسساتي يحميه. كل مرحلة شهدت تحديات داخلية، خاصة بعد انضمام عناصر جديدة للجبهة، أظهرت أن التوسع دون التحقق من صحة التمثيل الشعبي أو التوافق مع المبادئ الأساسية يؤدي إلى تراجع مصداقية القرارات، وإضعاف قدرة الدولة على مواجهة التحديات.
لكن التاريخ اللبناني أثبت أيضًا أن الشرعية ليست جامدة أو ثابتة، بل مرنة بما يكفي لاستيعاب المبادرات الوطنية، وتحويل الجهود الفردية إلى مشاريع جماعية متكاملة. فالذي يعمل مع الشرعية أو من خلالها لا يفقد استقلاله أو هويته، بل يكتسب قوة إضافية، ويضمن استدامة النتائج، ويحوّل نشاطه من عمل عابر إلى تأثير دائم على الدولة والمجتمع.
القسم الخامس: الشرعية والمصلحة الوطنية
التعاون مع الشرعية يحمي المصلحة الوطنية العليا من الانقسام والتجزئة، ويضمن وضوح الأولويات: الإصلاح السياسي، مكافحة الفساد، حماية السيادة، تعزيز الوحدة الوطنية، وضمان العدالة بين جميع اللبنانيين. فالذي يتجاهل الشرعية، مهما كانت نواياه صادقة، يضع المبادرات الوطنية في خطر، ويحوّل المشروع الوطني إلى أداة للصراع الداخلي أو التجزئة، بدل أن يكون قوة موحدة تحمي الدولة.
القسم السادس: الشرعية كإطار للتوازن الاجتماعي والسياسي
لبنان بلد متعدد الطوائف والانتماءات، ومن هنا تأتي أهمية الشرعية كإطار يوازن بين الجميع. فهي تمنع الانحياز لفئة على حساب أخرى، وتوازن بين القوى المختلفة، وتمنع الانجراف نحو النزعات الانفصالية أو الهيمنة الفردية. عندما تتعاون القوى الوطنية مع الشرعية، تتحول الاختلافات إلى حوار بنّاء، بدل أن تتحول إلى صراع مدمر، ويصبح القرار الوطني أكثر صدقية وفاعلية.
القسم السابع: الشرعية في مواجهة الضغوط الإقليمية والدولية
لبنان محاط بتحديات كبيرة، من صراعات إقليمية إلى تدخلات خارجية. وكل هذه الضغوط تجعل من الشرعية إطارًا أساسيًا لضمان قدرة الدولة على الصمود. فهي تضمن مواجهة هذه التحديات بشكل منسق، وتحمي السيادة الوطنية، وتفعل المؤسسات، وتمنع الانزلاق إلى الفوضى أو الانقسام، وهو ما يضمن استمرار الدولة واستقرار الشعب.
القسم الثامن: الشرعية كضمانة للمستقبل
الإيمان بالشرعية لا يعني الانغلاق، ولا تعطيل المبادرات. بل يعني ضمان استمرارية الدولة، وإضفاء الطابع المؤسسي على كل جهد وطني، وتحويل العمل السياسي إلى مشروع مستدام يحمي الوطن من الانحدار، ويعيد بناء الدولة على أسس صحيحة. فالشرعية هي رابط الحاضر بالماضي، وحامي الذاكرة الوطنية، ومرجعية للأجيال القادمة، التي ستجد فيها الضمانة لمستقبل لبنان الحر والمستقر.
الخاتمة: الطريق إلى لبنان الحر والمستقر
في نهاية المطاف، فإن التعاون المطلق مع الشرعية، أو على الأقل من خلالها، ليس مجرد خيار سياسي، بل موقف وطني أخلاقي وفكري. فهو يحمي الدولة من الانهيار، ويحوّل النزعات الفردية إلى مبادرات جماعية، ويؤكد على أن الوطن فوق كل اعتبار شخصي أو حزبي.
فالشرعية ليست مجرد إطار تنظيمي، بل ضمانة لبقاء لبنان، وحماية إرادته، واستمرار مؤسساته، وإعادة بناء الدولة على أسس العدالة والقانون والمصلحة الوطنية العليا. ومن خلالها يمكن للبنان أن يستعيد قوته وهويته، ويؤسس لمستقبل مستقر للأجيال القادمة، حيث يكون العمل السياسي مكرّسًا لخدمة الوطن، والإرادة الشعبية محور كل قرار، والحق فوق كل اعتبار.
  الشرعية كضمانة للبقاء
منذ عقود، عاش لبنان تجارب متتابعة من الانتصارات الوطنية إلى الأزمات الداخلية والخارجية، وقد كان دائماً واضحًا بالنسبة إليّ أن لا سبيل لإنقاذ الوطن إلا عبر التعاون المطلق مع الشرعية، أو على الأقل من خلالها. هذه القناعة لم تكن شعورًا عابرًا، ولا موقفًا تكتيكيًا مؤقتًا، بل هي ناتج طبيعي من تراكم الخبرة الوطنية، وملاحظة نتائج كل محاولة للتجاوز على المؤسسات أو العمل خارج الإطار القانوني. فقد أثبتت التجارب المتنوعة أن أي مسعى وطني مهما بدا قويًا أو شعبيًا، لا يحقق أهدافه إذا تحرّر عن الشرعية، أو تجاهلها.
فالشرعية ليست مجرد لقب رسمي أو منصب دستوري، بل هي إطار شامل يجمع بين الإرادة الشعبية، والقانون، والدستور، والمؤسسات، والحق الوطني، والتوازن الاجتماعي والسياسي. إنها البوصلة التي تحفظ الدولة من الانحدار، وتحمي المشروع الوطني من التجزئة، وتحوّل المبادرات الفردية أو الحزبية إلى مشروع جماعي متكامل وفعال. فهي الضمانة الأخلاقية والسياسية لكل عمل وطني، ولا يمكن الاستغناء عنها في بناء لبنان حقيقي مستقر.
القسم الأول: لبنان من الاستقلال حتى تأسيس الجبهة اللبنانية
عند الاستقلال في عام 1943، دخل لبنان مرحلة دقيقة من بناء الدولة الوطنية، بعد عقود من الانتداب والتمدد الاستعماري والتدخلات الخارجية. وقد تبيّن بسرعة أن الدولة اللبنانية الوليدة كانت بحاجة إلى إطار يحمي مؤسساتها ويضمن استمراريتها، في مواجهة الانقسامات الطائفية والتحديات السياسية.
في هذا السياق، برزت الجبهة اللبنانية كإطار وطني جامع، ليس مجرد حزب أو حركة سياسية، بل مشروع لحماية الكيان اللبناني والدفاع عن إرادة الشعب. أسسها رجال وطنيون كبار، مثل الوزير جواد بولس، الرئيس كميل شمعون، الشيخ بيار الجميّل، والرئيس بشير الجميّل. هؤلاء الرجال أدركوا أن الدولة تحتاج إلى إطار يحميها، وأن الشعب بحاجة إلى صوت موحد يعبر عن إرادته، وأن المبادرة الوطنية تحتاج إلى صونها من أي تحريف أو استغلال.
كانت الجبهة اللبنانية تتخذ من الشرعية الوطنية أساسًا لكل قرار، ليس فقط كقانون مكتوب، بل كمرجعية أخلاقية تحمي الدولة من الانقسام، وتحافظ على وحدة الشعب، وتضمن أن كل تحرك سياسي يخدم الوطن وليس مصالح فئوية ضيقة.
القسم الثاني: الديمقراطية الحقيقية والتمثيل الشعبي
الديمقراطية في لبنان لا تقوم على رفع الأيدي في الاجتماعات، أو مجرد أكثرية شكلية، بل تقوم على تمثيل إرادة الشعب، واحترام القوانين، وضمان مشاركة جميع الفئات في القرار. وعندما تصبح القرارات داخل أي إطار سياسي، سواء الجبهة اللبنانية أو غيرها، غير متسقة مع إرادة الشعب، تفقد هذه القرارات مشروعيتها، حتى لو اكتسبت الشرعية الشكلية.
عندما توسّعت الجبهة اللبنانية وانضم إليها عناصر جديدة، أظهرت التجربة أن الانضمام دون فهم الأسس الفكرية والتاريخية للجبهة يؤدي إلى ضعف التوافق الداخلي، وتراجع مصداقية القرارات. ومع ذلك، أثبت التاريخ أن الشرعية ليست جامدة، بل مرنة بما يكفي لاستيعاب المبادرات الوطنية وتحويل الجهود الفردية إلى مشاريع جماعية متكاملة.
إن الفارق بين التعاون الحقيقي مع الشرعية والعمل خارجها يظهر في النتائج: الأول يعيد بناء الدولة ويعزز المؤسسات، والثاني يهددها ويزيد الانقسام، ويحوّل المبادرات الوطنية إلى أدوات للهيمنة الفردية أو الفوضى.
القسم الثالث: الشرعية كإطار للعمل الوطني
التعاون مع الشرعية لا يعني الاستسلام أو التضحية بالمبادئ، بل يعني إدراك أن الدولة فوق كل اعتبار شخصي أو حزبي. فالعمل الوطني خارج الشرعية، مهما بدا شعبيًا أو فعالًا، غالبًا ما يؤدي إلى الفوضى، ويضع المبادرات في خطر. بينما التعاون مع الشرعية يمنح المبادرات بعدًا عمليًا وأخلاقيًا، ويحوّلها إلى مشاريع مستدامة تضمن حماية الدولة واستمرارية المؤسسات، وتحافظ على حقوق المواطنين.
الشرعية هي الضمانة لتحقيق الإصلاح السياسي، تنظيم الاقتصاد، مكافحة الفساد، حماية السيادة، وضبط التوازن بين الطوائف والمناطق، وتعزيز الوحدة الوطنية. أي مشروع وطني خارج هذا الإطار لا يحقق سوى الانقسام، ويعرّض الدولة للخطر.
القسم الرابع: أمثلة تاريخية على التعاون والانحراف عن الشرعية
خلال العقود الماضية، شهد لبنان أمثلة حية على آثار التعاون مع الشرعية أو الانحراف عنها:
تأسيس الجبهة اللبنانية: اعتمد مؤسسو الجبهة على الشرعية الوطنية كأساس لاتخاذ القرارات، وهو ما أكسبها مصداقية لدى الشعب اللبناني، وجعل أي تحرك سياسي يمثل إرادة جماعية حقيقية.
الاغتيالات السياسية ومحاولات الانقسام: مثل اغتيال الرئيس بشير الجميّل، الذي شكل اختبارًا صارخًا للجبهة وللبنان. التعاون مع الشرعية خلال هذه الأزمة كان شرطًا أساسيًا للحفاظ على وحدة القرار الوطني وحماية الدولة من الانهيار.
التوسع التنظيمي للجبهة: مع انضمام عناصر جديدة، لم يحافظ الجميع على الالتزام بالمبادئ الأصلية، ما أدى إلى بروز خلافات داخلية، وأظهر الفرق بين العمل ضمن إطار الشرعية وبين العمل خارجها.
هذه التجارب أكدت أن الشرعية ليست مجرد قانون، بل ضامن لاستمرارية الدولة، وحماية الإرادة الشعبية، وتحقيق أهداف الوطن العليا.
القسم الخامس: الشرعية والمصلحة الوطنية العليا
التعاون مع الشرعية يحمي المصلحة الوطنية العليا من التجزئة والانقسام. فهو يفرض وضوح الأولويات: الإصلاح السياسي، مكافحة الفساد، حماية السيادة، تعزيز الوحدة الوطنية، وضمان العدالة بين جميع اللبنانيين.
الذي يتجاهل الشرعية، مهما كانت نواياه صادقة، يضع المبادرات الوطنية في خطر، ويحوّل المشروع الوطني إلى أداة للصراع الداخلي أو التجزئة، بدل أن يكون قوة موحدة تحمي الدولة. الشرعية تحوّل النشاط السياسي من نزعة فردية إلى مشروع جماعي يحمي مصالح الشعب اللبنانية.
القسم السادس: الشرعية كإطار للتوازن الاجتماعي والسياسي
لبنان بلد متعدد الطوائف والانتماءات، ومن هنا تأتي أهمية الشرعية كإطار يوازن بين الجميع. فهي تمنع الانحياز لفئة على حساب أخرى، وتوازن بين القوى المختلفة، وتمنع الانزلاق نحو النزعات الانفصالية أو الهيمنة الفردية.
عندما تتعاون القوى الوطنية مع الشرعية، تتحول الاختلافات إلى نقاشات بنّاءة، بدل أن تتحول إلى صراعات تهدد الدولة. القرار الوطني يصبح أكثر صدقية وفاعلية، لأنه يعكس إرادة الشعب الحقيقي، وليس مجرد مصالح ضيقة.
القسم السابع: الشرعية في مواجهة الضغوط الإقليمية والدولية
لبنان محاط بتحديات كبيرة، من صراعات إقليمية إلى تدخلات دولية، وهو ما يجعل من الشرعية إطارًا حيويًا لضمان قدرة الدولة على الصمود.
من خلال الشرعية، يمكن مواجهة هذه التحديات بشكل منسّق، وحماية السيادة الوطنية، وتجنب الانزلاق في الفوضى أو الانقسام، الذي سيكون كارثيًا على الدولة والمجتمع معًا. التعاون مع الشرعية هو حماية حقيقية للبنان أمام الضغوط الإقليمية، وهو ما يضمن استمرار الدولة واستقرار الشعب.
القسم الثامن: الشرعية كضمانة للمستقبل
الإيمان بالشرعية يعني ضمان استمرارية الدولة، وإضفاء الطابع المؤسسي على كل جهد وطني، وتحويل العمل السياسي إلى مشروع مستدام يحمي الوطن من الانحدار، ويعيد بناء الدولة على أسس صحيحة.
الشرعية هي الرابط بين الحاضر والماضي، وحامي الذاكرة الوطنية، ومرجعية للأجيال القادمة، التي ستجد فيها الضمانة لمستقبل لبنان الحر والمستقر. من خلالها يُمكن للبنان أن يستعيد قوته وهويته، ويؤسس لمستقبل مستدام للأجيال القادمة، حيث يكون العمل السياسي مكرّسًا لخدمة الوطن، والإرادة الشعبية محور كل قرار، والحق فوق كل اعتبار.
الخاتمة: الطريق إلى لبنان الحر والمستقر
في نهاية المطاف، التعاون المطلق مع الشرعية، أو على الأقل من خلالها، ليس مجرد خيار سياسي، بل موقف وطني وأخلاقي وفكري. فهو يحمي الدولة من الانهيار، ويحوّل النزعات الفردية إلى مبادرات جماعية، ويؤكد أن الوطن فوق كل اعتبار شخصي أو حزبي.
فالشرعية ليست مجرد إطار تنظيمي، بل ضمانة لبقاء لبنان، وحماية إرادته، واستمرار مؤسساته، وإعادة بناء الدولة على أسس العدالة والقانون والمصلحة الوطنية العليا. ومن خلالها يمكن للبنان أن يستعيد قوته وهويته، ويؤسس لمستقبل مستقر للأجيال القادمة، حيث يكون العمل السياسي مكرّسًا لخدمة الوطن.
  لبنان والشرعية: الطريق الوطني لإنقاذ الدولة
المقدمة: الشرعية كضمانة للبقاء
منذ عقود، عاش لبنان تجارب متتابعة من الانتصارات الوطنية إلى الأزمات الداخلية والخارجية، وقد كان واضحًا بالنسبة إليّ أن لا سبيل لإنقاذ الوطن إلا عبر التعاون المطلق مع الشرعية، أو على الأقل من خلالها. هذه القناعة ليست شعورًا عابرًا، ولا موقفًا تكتيكيًا مؤقتًا، بل هي ناتج طبيعي من تراكم الخبرة الوطنية، وملاحظة نتائج كل محاولة للتجاوز على المؤسسات أو العمل خارج الإطار القانوني. فقد أثبتت التجارب المتنوعة أن أي مسعى وطني مهما بدا قويًا أو شعبيًا، لا يحقق أهدافه إذا تحرّر عن الشرعية، أو تجاهلها.
فالشرعية ليست مجرد لقب رسمي أو منصب دستوري، بل هي إطار شامل يجمع بين الإرادة الشعبية، والقانون، والدستور، والمؤسسات، والحق الوطني، والتوازن الاجتماعي والسياسي. إنها البوصلة التي تحفظ الدولة من الانحدار، وتحمي المشروع الوطني من التجزئة، وتحوّل المبادرات الفردية أو الحزبية إلى مشروع جماعي متكامل وفعال. فهي الضمانة الأخلاقية والسياسية لكل عمل وطني، ولا يمكن الاستغناء عنها في بناء لبنان حقيقي مستقر.
القسم الأول: لبنان من الاستقلال حتى تأسيس الجبهة اللبنانية
عند الاستقلال في عام 1943، دخل لبنان مرحلة دقيقة من بناء الدولة الوطنية، بعد عقود من الانتداب والتمدد الاستعماري والتدخلات الخارجية. وقد تبيّن بسرعة أن الدولة اللبنانية الوليدة كانت بحاجة إلى إطار يحمي مؤسساتها ويضمن استمراريتها، في مواجهة الانقسامات الطائفية والصراعات على السلطة.
في هذا السياق، برزت الجبهة اللبنانية كإطار وطني جامع، ليس مجرد حزب أو حركة سياسية، بل مشروع لحماية الكيان اللبناني والدفاع عن إرادة الشعب. أسسها رجال وطنيون كبار، مثل الوزير جواد بولس، الرئيس كميل شمعون، الشيخ بيار الجميّل، والرئيس بشير الجميّل. هؤلاء الرجال أدركوا أن الدولة تحتاج إلى إطار يحميها، وأن الشعب بحاجة إلى صوت موحد يعبر عن إرادته، وأن المبادرة الوطنية تحتاج إلى صونها من أي تحريف أو استغلال.
كانت الجبهة اللبنانية تتخذ من الشرعية الوطنية أساسًا لكل قرار، ليس فقط كقانون مكتوب، بل كمرجعية أخلاقية تحمي الدولة من الانقسام، وتحافظ على وحدة الشعب، وتضمن أن كل تحرك سياسي يخدم الوطن وليس مصالح فئوية ضيقة.
القسم الثاني: الديمقراطية الحقيقية والتمثيل الشعبي
الديمقراطية في لبنان لا تقوم على رفع الأيدي في الاجتماعات، أو مجرد أكثرية شكلية، بل تقوم على تمثيل إرادة الشعب، واحترام القوانين، وضمان مشاركة جميع الفئات في القرار. وعندما تصبح القرارات داخل أي إطار سياسي، سواء الجبهة اللبنانية أو غيرها، غير متسقة مع إرادة الشعب، تفقد هذه القرارات مشروعيتها، حتى لو اكتسبت الشرعية الشكلية.
عندما توسّعت الجبهة اللبنانية وانضم إليها عناصر جديدة، أظهرت التجربة أن الانضمام دون فهم الأسس الفكرية والتاريخية للجبهة يؤدي إلى ضعف التوافق الداخلي، وتراجع مصداقية القرارات. ومع ذلك، أثبت التاريخ أن الشرعية ليست جامدة، بل مرنة بما يكفي لاستيعاب المبادرات الوطنية وتحويل الجهود الفردية إلى مشاريع جماعية متكاملة.
إن الفارق بين التعاون الحقيقي مع الشرعية والعمل خارجها يظهر في النتائج: الأول يعيد بناء الدولة ويعزز المؤسسات، والثاني يهددها ويزيد الانقسام، ويحوّل المبادرات الوطنية إلى أدوات للهيمنة الفردية أو الفوضى.
القسم الثالث: الشرعية كإطار للعمل الوطني
التعاون مع الشرعية لا يعني الاستسلام أو التضحية بالمبادئ، بل يعني إدراك أن الدولة فوق كل اعتبار شخصي أو حزبي. فالعمل الوطني خارج الشرعية، مهما بدا شعبيًا أو فعالًا، غالبًا ما يؤدي إلى الفوضى، ويضع المبادرات في خطر. بينما التعاون مع الشرعية يمنح المبادرات بعدًا عمليًا وأخلاقيًا، ويحوّلها إلى مشاريع مستدامة تضمن حماية الدولة واستمرارية المؤسسات، وتحافظ على حقوق المواطنين.
الشرعية هي الضمانة لتحقيق الإصلاح السياسي، تنظيم الاقتصاد، مكافحة الفساد، حماية السيادة، وضبط التوازن بين الطوائف والمناطق، وتعزيز الوحدة الوطنية. أي مشروع وطني خارج هذا الإطار لا يحقق سوى الانقسام، ويعرّض الدولة للخطر.
القسم الرابع: أمثلة تاريخية على التعاون والانحراف عن الشرعية
خلال العقود الماضية، شهد لبنان أمثلة حية على آثار التعاون مع الشرعية أو الانحراف عنها:
تأسيس الجبهة اللبنانية: اعتمد مؤسسو الجبهة على الشرعية الوطنية كأساس لاتخاذ القرارات، وهو ما أكسبها مصداقية لدى الشعب اللبناني، وجعل أي تحرك سياسي يمثل إرادة جماعية حقيقية.
الاغتيالات السياسية ومحاولات الانقسام: مثل اغتيال الرئيس بشير الجميّل، الذي شكل اختبارًا صارخًا للجبهة وللبنان. التعاون مع الشرعية خلال هذه الأزمة كان شرطًا أساسيًا للحفاظ على وحدة القرار الوطني وحماية الدولة من الانهيار.
التوسع التنظيمي للجبهة: مع انضمام عناصر جديدة، لم يحافظ الجميع على الالتزام بالمبادئ الأصلية، ما أدى إلى بروز خلافات داخلية، وأظهر الفرق بين العمل ضمن إطار الشرعية وبين العمل خارجها.
غياب الشخصيات المؤثرة: بغياب فخامة الرئيس سليمان فرنجية وممثل المؤتمر الدائم للرهبنات اللبنانية، والدكتور شارل مالك، والأستاذ فؤاد افرام البستاني، بقيت وحدي من رعيل الجبهة الأول، ما أوضح أهمية الشرعية في الحفاظ على إرث الجبهة وحماية المبادئ الوطنية من الضياع أو الانحراف.
هذه التجارب أكدت أن الشرعية ليست مجرد قانون، بل ضامن لاستمرارية الدولة، وحماية الإرادة الشعبية، وتحقيق أهداف الوطن العليا.
القسم الخامس: الشرعية والمصلحة الوطنية العليا
التعاون مع الشرعية يحمي المصلحة الوطنية العليا من التجزئة والانقسام. فهو يفرض وضوح الأولويات: الإصلاح السياسي، مكافحة الفساد، حماية السيادة، تعزيز الوحدة الوطنية، وضمان العدالة بين جميع اللبنانيين.
الذي يتجاهل الشرعية، مهما كانت نواياه صادقة، يضع المبادرات الوطنية في خطر، ويحوّل المشروع الوطني إلى أداة للصراع الداخلي أو التجزئة، بدل أن يكون قوة موحدة تحمي الدولة. الشرعية تحوّل النشاط السياسي من نزعة فردية إلى مشروع جماعي يحمي مصالح الشعب اللبنانية.
القسم السادس: الشرعية كإطار للتوازن الاجتماعي والسياسي
لبنان بلد متعدد الطوائف والانتماءات، ومن هنا تأتي أهمية الشرعية كإطار يوازن بين الجميع. فهي تمنع الانحياز لفئة على حساب أخرى، وتوازن بين القوى المختلفة، وتمنع الانزلاق نحو النزعات الانفصالية أو الهيمنة الفردية.
عندما تتعاون القوى الوطنية مع الشرعية، تتحول الاختلافات إلى نقاشات بنّاءة، بدل أن تتحول إلى صراعات تهدد الدولة. القرار الوطني يصبح أكثر صدقية وفاعلية، لأنه يعكس إرادة الشعب الحقيقي، وليس مجرد مصالح ضيقة.
القسم السابع: الشرعية في مواجهة الضغوط الإقليمية والدولية
لبنان محاط بتحديات كبيرة، من صراعات إقليمية إلى تدخلات دولية، وهو ما يجعل من الشرعية إطارًا حيويًا لضمان قدرة الدولة على الصمود.
من خلال الشرعية، يمكن مواجهة هذه التحديات بشكل منسّق، وحماية السيادة الوطنية، وتجنب الانزلاق في الفوضى أو الانقسام، وهو ما يضمن استمرار الدولة واستقرار الشعب. التعاون مع الشرعية هو حماية حقيقية للبنان أمام الضغوط الإقليمية، وهو ما يضمن استمرار الدولة واستقرار الشعب.
القسم الثامن: الشرعية كضمانة للمستقبل
الإيمان بالشرعية يعني ضمان استمرارية الدولة، وإضفاء الطابع المؤسسي على كل جهد وطني، وتحويل العمل السياسي إلى مشروع مستدام يحمي الوطن من الانحدار، ويعيد بناء الدولة على أسس صحيحة.
الشرعية هي الرابط بين الحاضر والماضي، وحامي الذاكرة الوطنية، ومرجعية للأجيال القادمة، التي ستجد فيها الضمانة لمستقبل لبنان الحر والمستقر. من خلالها يُمكن للبنان أن يستعيد قوته وهويته، ويؤسس لمستقبل مستدام للأجيال القادمة، حيث يكون العمل السياسي مكرّسًا لخدمة الوطن، والإرادة الشعبية محور كل قرار، والحق فوق كل اعتبار.
الخاتمة: الطريق إلى لبنان الحر والمستقر
في نهاية المطاف، التعاون المطلق مع الشرعية، أو على الأقل من خلالها، ليس مجرد خيار سياسي، بل موقف وطني وأخلاقي وفكري. فهو يحمي الدولة من الانهيار، ويحوّل النزعات الفردية إلى مبادرات جماعية، ويؤكد أن الوطن فوق كل اعتبار شخصي أو حزبي.
فالشرعية ضمانة لبقاء لبنان، وحماية إرادته، واستمرار مؤسساته، وإعادة بناء الدولة على أسس العدالة والقانون والمصلحة الوطنية العليا. ومن خلالها يمكن للبنان أن يستعيد قوته وهويته، ويؤسس لمستقبل مستقر للأجيال القادمة، حيث يكون العمل السياسي مكرّسًا لخدمة الوطن.
  المقدمة: الشرعية كضمانة للبقاء
منذ عقود، عاش لبنان تجارب متتابعة من الانتصارات الوطنية إلى الأزمات الداخلية والخارجية، وقد كان واضحًا بالنسبة إليّ أن لا سبيل لإنقاذ الوطن إلا عبر التعاون المطلق مع الشرعية، أو على الأقل من خلالها. هذه القناعة ليست شعورًا عابرًا، ولا موقفًا تكتيكيًا مؤقتًا، بل هي ناتج طبيعي من تراكم الخبرة الوطنية، وملاحظة نتائج كل محاولة للتجاوز على المؤسسات أو العمل خارج الإطار القانوني. فقد أثبتت التجارب المتنوعة أن أي مسعى وطني مهما بدا قويًا أو شعبيًا، لا يحقق أهدافه إذا تحرّر عن الشرعية، أو تجاهلها.
فالشرعية ليست مجرد لقب رسمي أو منصب دستوري، بل هي إطار شامل يجمع بين الإرادة الشعبية، والقانون، والدستور، والمؤسسات، والحق الوطني، والتوازن الاجتماعي والسياسي. إنها البوصلة التي تحفظ الدولة من الانحدار، وتحمي المشروع الوطني من التجزئة، وتحوّل المبادرات الفردية أو الحزبية إلى مشروع جماعي متكامل وفعال. فهي الضمانة الأخلاقية والسياسية لكل عمل وطني، ولا يمكن الاستغناء عنها في بناء لبنان حقيقي مستقر.
القسم الأول: لبنان من الاستقلال حتى تأسيس الجبهة اللبنانية
عند الاستقلال في عام 1943، دخل لبنان مرحلة دقيقة من بناء الدولة الوطنية، بعد عقود من الانتداب والتمدد الاستعماري والتدخلات الخارجية. وقد تبيّن بسرعة أن الدولة اللبنانية الوليدة كانت بحاجة إلى إطار يحمي مؤسساتها ويضمن استمراريتها، في مواجهة الانقسامات الطائفية والصراعات على السلطة.
في هذا السياق، برزت الجبهة اللبنانية كإطار وطني جامع، ليس مجرد حزب أو حركة سياسية، بل مشروع لحماية الكيان اللبناني والدفاع عن إرادة الشعب. أسسها رجال وطنيون كبار، مثل الوزير جواد بولس، الرئيس كميل شمعون، الشيخ بيار الجميّل، والرئيس بشير الجميّل. هؤلاء الرجال أدركوا أن الدولة تحتاج إلى إطار يحميها، وأن الشعب بحاجة إلى صوت موحد يعبر عن إرادته، وأن المبادرة الوطنية تحتاج إلى صونها من أي تحريف أو استغلال.
كانت الجبهة اللبنانية تتخذ من الشرعية الوطنية أساسًا لكل قرار، ليس فقط كقانون مكتوب، بل كمرجعية أخلاقية تحمي الدولة من الانقسام، وتحافظ على وحدة الشعب، وتضمن أن كل تحرك سياسي يخدم الوطن وليس مصالح فئوية ضيقة.
القسم الثاني: الديمقراطية الحقيقية والتمثيل الشعبي
الديمقراطية في لبنان لا تقوم على رفع الأيدي في الاجتماعات، أو مجرد أكثرية شكلية، بل تقوم على تمثيل إرادة الشعب، واحترام القوانين، وضمان مشاركة جميع الفئات في القرار. وعندما تصبح القرارات داخل أي إطار سياسي، سواء الجبهة اللبنانية أو غيرها، غير متسقة مع إرادة الشعب، تفقد هذه القرارات مشروعيتها، حتى لو اكتسبت الشرعية الشكلية.
عندما توسّعت الجبهة اللبنانية وانضم إليها عناصر جديدة، أظهرت التجربة أن الانضمام دون فهم الأسس الفكرية والتاريخية للجبهة يؤدي إلى ضعف التوافق الداخلي، وتراجع مصداقية القرارات. ومع ذلك، أثبت التاريخ أن الشرعية ليست جامدة، بل مرنة بما يكفي لاستيعاب المبادرات الوطنية وتحويل الجهود الفردية إلى مشاريع جماعية متكاملة.
إن الفارق بين التعاون الحقيقي مع الشرعية والعمل خارجها يظهر في النتائج: الأول يعيد بناء الدولة ويعزز المؤسسات، والثاني يهددها ويزيد الانقسام، ويحوّل المبادرات الوطنية إلى أدوات للهيمنة الفردية أو الفوضى.
القسم الثالث: الشرعية كإطار للعمل الوطني
التعاون مع الشرعية لا يعني الاستسلام أو التضحية بالمبادئ، بل يعني إدراك أن الدولة فوق كل اعتبار شخصي أو حزبي. فالعمل الوطني خارج الشرعية، مهما بدا شعبيًا أو فعالًا، غالبًا ما يؤدي إلى الفوضى، ويضع المبادرات في خطر. بينما التعاون مع الشرعية يمنح المبادرات بعدًا عمليًا وأخلاقيًا، ويحوّلها إلى مشاريع مستدامة تضمن حماية الدولة واستمرارية المؤسسات، وتحافظ على حقوق المواطنين.
الشرعية هي الضمانة لتحقيق الإصلاح السياسي، تنظيم الاقتصاد، مكافحة الفساد، حماية السيادة، وضبط التوازن بين الطوائف والمناطق، وتعزيز الوحدة الوطنية. أي مشروع وطني خارج هذا الإطار لا يحقق سوى الانقسام، ويعرّض الدولة للخطر.
القسم الرابع: أمثلة تاريخية على التعاون والانحراف عن الشرعية
خلال العقود الماضية، شهد لبنان أمثلة حية على آثار التعاون مع الشرعية أو الانحراف عنها:
تأسيس الجبهة اللبنانية: اعتمد مؤسسو الجبهة على الشرعية الوطنية كأساس لاتخاذ القرارات، وهو ما أكسبها مصداقية لدى الشعب اللبناني، وجعل أي تحرك سياسي يمثل إرادة جماعية حقيقية.
الاغتيالات السياسية ومحاولات الانقسام: مثل اغتيال الرئيس بشير الجميّل، الذي شكل اختبارًا صارخًا للجبهة وللبنان. التعاون مع الشرعية خلال هذه الأزمة كان شرطًا أساسيًا للحفاظ على وحدة القرار الوطني وحماية الدولة من الانهيار.
التوسع التنظيمي للجبهة: مع انضمام عناصر جديدة، لم يحافظ الجميع على الالتزام بالمبادئ الأصلية، ما أدى إلى بروز خلافات داخلية، وأظهر الفرق بين العمل ضمن إطار الشرعية وبين العمل خارجها.
غياب الشخصيات المؤثرة: بغياب فخامة الرئيس سليمان فرنجية وممثل المؤتمر الدائم للرهبنات اللبنانية، والدكتور شارل مالك، والأستاذ فؤاد افرام البستاني، بقيت وحدي من رعيل الجبهة الأول، ما أوضح أهمية الشرعية في الحفاظ على إرث الجبهة وحماية المبادئ الوطنية من الضياع أو الانحراف.
هذه التجارب أكدت أن الشرعية ليست مجرد قانون، بل ضامن لاستمرارية الدولة، وحماية الإرادة الشعبية، وتحقيق أهداف الوطن العليا.
القسم الخامس: الشرعية والمصلحة الوطنية العليا
التعاون مع الشرعية يحمي المصلحة الوطنية العليا من التجزئة والانقسام. فهو يفرض وضوح الأولويات: الإصلاح السياسي، مكافحة الفساد، حماية السيادة، تعزيز الوحدة الوطنية، وضمان العدالة بين جميع اللبنانيين.
الذي يتجاهل الشرعية، مهما كانت نواياه صادقة، يضع المبادرات الوطنية في خطر، ويحوّل المشروع الوطني إلى أداة للصراع الداخلي أو التجزئة، بدل أن يكون قوة موحدة تحمي الدولة. الشرعية تحوّل النشاط السياسي من نزعة فردية إلى مشروع جماعي يحمي مصالح الشعب اللبنانية.
القسم السادس: الشرعية كإطار للتوازن الاجتماعي والسياسي
لبنان بلد متعدد الطوائف والانتماءات، ومن هنا تأتي أهمية الشرعية كإطار يوازن بين الجميع. فهي تمنع الانحياز لفئة على حساب أخرى، وتوازن بين القوى المختلفة، وتمنع الانزلاق نحو النزعات الانفصالية أو الهيمنة الفردية.
عندما تتعاون القوى الوطنية مع الشرعية، تتحول الاختلافات إلى نقاشات بنّاءة، بدل أن تتحول إلى صراعات تهدد الدولة. القرار الوطني يصبح أكثر صدقية وفاعلية، لأنه يعكس إرادة الشعب الحقيقي، وليس مجرد مصالح ضيقة.
القسم السابع: الشرعية في مواجهة الضغوط الإقليمية والدولية
لبنان محاط بتحديات كبيرة، من صراعات إقليمية إلى تدخلات دولية، وهو ما يجعل من الشرعية إطارًا حيويًا لضمان قدرة الدولة على الصمود.
من خلال الشرعية، يمكن مواجهة هذه التحديات بشكل منسّق، وحماية السيادة الوطنية، وتجنب الانزلاق في الفوضى أو الانقسام، وهو ما يضمن استمرار الدولة واستقرار الشعب. التعاون مع الشرعية هو حماية حقيقية للبنان أمام الضغوط الإقليمية، وهو ما يضمن استمرار الدولة واستقرار الشعب.
القسم الثامن: الشرعية كضمانة للمستقبل
الإيمان بالشرعية يعني ضمان استمرارية الدولة، وإضفاء الطابع المؤسسي على كل جهد وطني، وتحويل العمل السياسي إلى مشروع مستدام يحمي الوطن من الانحدار، ويعيد بناء الدولة على أسس صحيحة.
الشرعية هي الرابط بين الحاضر والماضي، وحامي الذاكرة الوطنية، ومرجعية للأجيال القادمة، التي ستجد فيها الضمانة لمستقبل لبنان الحر والمستقر. من خلالها يُمكن للبنان أن يستعيد قوته وهويته، ويؤسس لمستقبل مستدام للأجيال القادمة، حيث يكون العمل السياسي مكرّسًا لخدمة الوطن، والإرادة الشعبية محور كل قرار، والحق فوق كل اعتبار.
الخاتمة: الطريق إلى لبنان الحر والمستقر
في نهاية المطاف، التعاون المطلق مع الشرعية، أو على الأقل من خلالها، ليس مجرد خيار سياسي، بل موقف وطني وأخلاقي وفكري. فهو يحمي الدولة من الانهيار، ويحوّل النزعات الفردية إلى مبادرات جماعية، ويؤكد أن الوطن فوق كل اعتبار شخصي أو حزبي.
فالشرعية ليست مجرد إطار تنظيمي، بل ضمانة لبقاء لبنان، وحماية إرادته، واستمرار مؤسساته، وإعادة بناء الدولة على أسس العدالة والقانون والمصلحة الوطنية العليا. ومن خلالها يمكن للبنان أن يستعيد قوته وهويته، ويؤسس لمستقبل مستقر للأجيال القادمة، حيث يكون العمل السياسي مكرّسًا لخدمة الوطن.
تطورات الحرب اللبنانية... باختصار إنطلاق شرارة الحرب اللبنانية في 13 نيسان 1975، وضع الإقتصاد اللبناني في مهب الريح. إستمرت سنوات الحرب عقدًا ونصفًا ونيّف من الزمن. وشهدت فترات من تصاعد الأمل معدودة. إرتفعت فيها حركة الهجرة حتى بلغ عدد المهاجرين نسبة 30 إلى 35% من أهله. إلا أن الوضع المالي استمر على استقراره حتى العام 1982 وميزانية الدولة لم تسجل عجزًا ملحوظًا. في أواخر 1968، دخل الأراضي اللبنانية عدد من الفلسطينيين المسلحين. أحدث هذا الأمر اضطرابات داخلية ليس بالنسبة لعدد الذين دخلوا وكان لا يتجاوز الخمسين، بل لمبدأ وجود فدائيين على الأراضي اللبنانية. أما الاضطرابات الداخلية فكان سببها الانقسام بالرأي حول مبدأ وجود فلسطيني مسلح: فريق يؤيد وفريق يرفض. الفئة التي أيدت لجأت إلى مختلف وسائل الضغوط: الاضطرابات والمظاهرات والمهرجانات الخطابية والعراقيل التي كانت تضعها لدى تشكيل الحكومات... الفئة التي رفضت اقتصر نشاطها على إسداء النصح للفريق المؤيّد بعدم الذهاب بعيدًا بالتأييد خشية التصادم. أخذ عدد الفلسطينيين المسلحين يتزايد يومًا بعد يوم. تفاعلت إسرائيل مع التضخّم الفلسطيني العبثي في الساحة اللبنانية، وحدث خرق أمني على الاراضي اللبنانية بتوقيع إسرائيلي هو الأول من نوعه. الغارة على مطار بيروت الدولي في 28 كانون الأول 1968، كانت باكورة ردود الفعل الإسرائيلية على التطورات اللبنانية والتمدد الفلسطيني المسلّح. شهدت السنتين 1968 و1969 تحركات ميدانية وقرارات محورية غيّرت وجهة الأحداث اللبنانية تغييرًا جذريًا. في نيسان 1968، إنطلقت تظاهرة من ساحة كلية المقاصد في بيروت باتجاه المجلس النيابي. حصل إطلاق نار وسقط 14 قتيلاً وبعض الجرحى. قدّم رشيد كرامي استقالة الحكومة التي كان يرئسها، وتعذر تشكيل حكومة جديدة بسبب استمرار الخلاف حول وجود الفدائيين في الوقت الذي كان عدد هؤلاء يتزايد. رفض رئيس الجمهورية يومذاك الرضوخ للأمر الواقع والتسليم للوجود الفلسطيني المسلّح على الأراضي اللبنانية ووجه رسالة بتاريخ 31 آيار 1969 بهذا المعنى أثارت ردود فعل مختلفة ولاسيما من جهة الفريق المؤيد للوجود الفلسطيني المسلّح. رفض رئيس الجمهورية تشكيل حكومة ترضخ للأمر الواقع وبقيت البلاد دون حكومة. فاستمرت الحكومة المستقيلة تصرّف الاعمال سحابة سبعة أشهر. في اواخر شهر تشرين الأول 1969 حصل اصطدام مسلح بين الفلسطينيين والجيش اللبناني في مجدل سلم في منطقة الجنوب تسبب فيه الفدائيون. وما هي إلا أيام معدودة حتى اشتعلت المناطق الحدودية وكان عدد الفدائيين فيها قد تجاوز الثلاثة آلاف. من أبرز الاصطدامات بين الفلسطينيين والجيش إصطدام أول وقع في ليل 10 – 11 نيسان 1973، حين قُتِلَ ثلاثة مسؤولين فلسطينيين في شارع فردان. إتهم رئيس الحكومة يومذاك قائد الجيش بالتقصير واشترط إقالته أو استقالة الحكومة. أما الاصطدام الثاني فحصل في 2 آيار 1973 على أثر حجز ثلاثة عسكريين على حاجز فلسطيني. أنذر الجيش الفلسطينيين بإعادة المحجوزين خلال مهلة محددة وإلا لجأ إلى القوة. وبعد انقضاء هذه المهلة دون نتيجة، توجهت دورية من الجيش لاستعادتهم بالقوة. وجرى تبادل إطلاق نار تبعه قصف ثكنات الجيش المجاورة من قبل فلسطينيين بالمدافع والصواريخ. عمّت الاشتباكات العاصمة ومناطق عدة من لبنان. وأخذ الفلسطينيون يقصفون الأحياء السكنية والمرافق العامة ومنها مطار بيروت الدولي بمختلف أنواع الأسلحة الصاروخية والمدفعية، ما اضطر الحكومة يومذاك إلى اتخاذ تدابير أمنية مشددة بما فيها منع التجوّل. ما ان أخذت الأمور تعود إلى الحالة الطبيعية حتى عادت وانفجرت عند الساعة العاشرة من ليل السابع من آيار وكان مجلس الوزراء لا يزال منعقدًا. تساقطت القذائف المدفعية والصاروخية وسواها بصورة عشوائية على جميع أحياء بيروت وضواحيها وتسببت بوقوع ضحايا بريئة عدة مما حمل مجلس الوزراء بناء على اقتراح رئيس الحكومة إلى إعلان حالة الطوارئ. قضت بيروت وضواحيها تلك الليلة دون ان يهدأ دوي انفجارات القذائف وأزيز الرصاص. قبل بزوغ الفجر بعد تلك الليلة الرهيبة كان رئيس الحكومة يقدّم استقالته لانه لم يصمد امام الضغوط التي تعرّض لها على أثر إعلان حالة الطوارئ قبل ساعات معدودة ولكن ذلك لم يمنع من اتخاذ التدابير العسكرية ومنها سلاح الطيران والذي بفضله توقفت موجة العنف. إذ تهافت السفراء العرب طالبين وقفها متوسطين بين السلطة اللبنانية والفلسطينيين داعين إلى ضرورة توضيح العلاقات بين السلطة وما أسموه "المقاومة" وكان اتفاق ملكارت. لكنّه، لا اتفاق القاهرة ولا اتفاق ملكارت، ما كان يرمي إليه الفلسطينيون. إستمرت أعمال الشغب وتصاعدت ولم يكن مهرجان خطابي يحصل في أي منطقة يتواجد فيها فلسطينيون إلا ويشترك هؤلاء فيه ويحملون على السلطة ويتهمونها بشتى الاتهامات ولا يكتفون بذلك بل يحملون على نظام الحكم وعلى مؤسسات الدولة الدستورية منها والوطنية ولاسيما الجيش ألخ... إلى أن كان يوم 26 شباط 1975 حيث قامت تظاهرة في صيدا اشترك فيها النائب السابق المرحوم معروف سعد. أطلق النار عليه فأصيب بجراح بالغة نقل على أثرها إلى المستشفى حيث توفي بعد أسبوعين تقريبًا. حدثت أعمال شغب بعد إصابة النائب سعد وبعد وفاته. عشية اندلاع الحرب اللبنانية، حاولت الحكومة برئاسة رشيد الصلح معالجة ذيول الأحداث الامنية، وما إن أخذت اجواء الهدوء تعود إلى البلاد حتى كان يوم 13 نيسان 1975 تاريخ وقوع حادثة عين الرمانة المعروفة. سارعت الحكومة يومذاك إلى العمل على تدارك الامر بعد أن تبين لها أن أجواء غير طبيعية تسود البلاد فأجرت الاتصالات بجميع الأطراف المعنية للوقوف على حقيقة هذه الحادثة وعلى أسبابها ودوافعها ولكن دون جدوى. بذريعة اتهام حزب الكتائب بأنه يعمل على تصفية الفلسطينيين، أقيمت الحواجز المسلحة وجرى خطف بعض المنتسبين للحزب أو المتعاطفين معه حيث كانوا يمرون بمناطق مختلفة من العاصمة ولم يكونوا قد علموا بعد بما حصل. ففقد بعضهم ولا يزال مفقودًا. وعمت الاشتباكات بمختلف الأسلحة الخفيفة منها والثقيلة ووقع ضحايا، وقطعت الطرقات العامة وتمّ الإعتداء على منازل ومكاتب ومتاجر ومصانع ولم تتمكن الحكومة من وقف إطلاق النار إلا بعد أربعة أيام على بدء القتال. وما أن أخذت الأحوال تهدأ تدريجيًا حتى قامت حملات تتهم السلطة بشتى التهم. منها التآمر على المقاومة وبأنها تنفذ مخططًا لتصفيتها من اجل فرض حل سلمي في منطقة الشرق الأوسط ومنها أن أسباب الحوادث هي محض اجتماعية... شعر الفلسطينيون انهم أصبحوا تحت الأضواء فعمدوا إلى توجيه إعلامهم على أنهم يلتزمون حيادًا مطلقًا تجاه ما يجري في لبنان ناسبين ذلك مرة إلى أنه صراع بين يمين ويسار ومرة أخرى إلى أنه صراع بين طوائف حول مطالب مختلفة إلى آخر المعزوفة. تحت وطأة هذه الحوادث اضطرت الحكومة برئاسة رشيد الصلح إلى الاستقالة. وفي الوقت الذي كان رئيس الجمهورية يجري استشارات نيابية لتشكيل حكومة جديدة استؤنفت الاشتباكات في ضواحي بيروت وتحديدًا في منطقة تل الزعتر - الدكوانة وما لبثت أن اتسعت رقعة الاقتتال بسرعة جنونية لا عهد لنا بها في لبنان وأخذت قذائف المدافع والصواريخ تتساقط بصورة عشوائية في كل مكان على الناس والممتلكات مخلفة وراءها الضحايا والخراب. قدمت الحكومة التي ضمت العسكريين استقالتها بعد يومين من تأليفها وجرى تكليف الرئيس كرامي تشكيل حكومة جديدة. لكن الاشتباكات لم تتوقف بل كانت رقعة الاقتتال تتسع فيزداد معها عدد الضحايا والخراب والدمارو الخسائر والتعقيدات إلى أن تم الاتفاق بعد مرور اكثر من شهر على تكليفه على تشكيل حكومة برئاسته، بتاريخ أول تموز 1975. مع ولادة الحكومة الجديدة، مالت الأوضاع إلى الهدوء وأخذت الحياة الطبيعية تعود إلى البلاد والأحوال تتحسن يومًا بعد يوم. وسارت الحكومة في عملها تنفيذًا للبيان الوزاري وتوالت الاجتماعات واللقاءات من أجل تحقيق مصالحة وطنية بين جميع الأطراف تجمع الشمل وتضع مصلحة لبنان فوق كل مصلحة. لم تؤثر الحرب على معنويات وديع الخازن، ولم تحبط عزيمته، بل ظلّ طوال الوقت، يدعم أكثر من نشاط يتجه في سبيل خدمة المجتمع ونهضته من كبوته، وأحيانًا من موقع القائد والمحرك والملهم والمبادر. أثّرت الحرب وتداعياتها بشكل عميق في تحديد أولوياته، كما أنّ مشاهد المعاناة التي اختبرها الشعب اللبناني في يومياته لعبت الدور الأبرز في دفعه إلى البحث عن وسائل علمية وحديثة للتخفيف من حدّة المآسي والآلام. صحيح أنّه في فترة فتوته إنخرط في الكتلة الوطنية، إلا أن نشاطه الإنساني تجلّى في مساهماته الفاعلة في تفعيل عدد من الاندية الاجتماعية والرياضة والثقافية إضافة إلى الجمعيات الخيرية. واكب كل المراحل التي مرّت بها البلاد في النصف الأخير من القرن الماضي لاسيما فترة الحرب وتداعياتها، وهي المرحلة التي أثّرت جذريًا في بلورة فكره الوطني ونهجه الإصلاحي والإنمائي وسعيه الدائم نحو مجتمع مستقر متكامل وناهض. تزامنت هذه المرحلة مع اندلاع الحرب ودخول لبنان في النفق المظلم. وكانت بيروت ومنطقة الرميل تحديدًا، قد منحته ثقافة مثلثة الأبعاد، ترسخت عميقًا مع توالي السنين: البعد الأول محوره القومية اللبنانية بجذورها الضاربة عميقًا في الزمن وحضورها الفاعل في الأسرة الدولية عبر الانتشار اللبناني. البعد الثاني محركه الحرص على رقي المجتمع والسهر على وحدته وسلامته. والبعد الثالث اندفاعه في سبيل قضية الوطن واستقلاله وسيادته. الجنوب اللبناني هو خط تماس التاريخ والجغرافيا مع القضية الفلسطينية وأزمة الشرق الأوسط. مساحة الجنوب 2010 كلم2 تشكل 20% من مساحة لبنان. عدد سكانه في أواخر السبعينيات، حوالي 600 ألف نسمة من مختلف الطوائف اللبنانية. حدوده، نهر الأولي وجزين ومشغرة شمالاً ويمتد جنوبًا إلى الزيب ووادي القرن ووادي قاره وفي الشرق مرجعيون وحاصبيا. وهو يقسم إلى قسمين جنوبي وشمالي يفصل بينهما نهر الليطاني. العام 1923 اقتطعت سلطات الإنتداب 17 قرية جنوبية ونزعت ملكية اللبنانيين في سهل الحولة وحولتها للحركة الصهيونية وفقد لبنان 23 ألف دونم من الاراضي المزروعة الخصبة. وفي العام 1967 إستولت إسرائيل على مزارع شبعا الـ14 وحوّلتها إلى منطقة عسكرية. العام 1973 وأثناء حرب تشرين ضمّت قسمًا من أراضي عيترون وبليدا وعيتا الشعب وعلما الشعب وبعض الأراضي المحيطة بنبع الوزاني وسهل الخيام. وفي العام 1978 إجتاحت لبنان في آذار في عملية أسمتها، "عملية الليطاني" بنتيجة هذه التطورات، صدر القرار القرار 425 عن مجلس الأمن. في مطلع السنة 1980، كانت محور السياسة مسألة دخول الجيش إلى الجنوب وتسهيل مهمته وتحديد أطرها وتسلمه مواقع المسلحين لإسقاط ذرائع إسرائيل ومنعها من القيام باجتياح وشيك. وكانت تشكلت لجنة المتابعة العربية لحل هذه الإشكالية ترجمة لوساطة عربية، وكانت إتصالات أجرتها اللجنة مع رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات وبعض الأطراف غير الرسميين المعنيين بقضية الجنوب. في الثالث من كانون الثاني 1982، إلتقت لجنة المتابعة العربية برئيس الجمهورية الياس سركيس فترأس الإجتماع وكان الثالث في سلسلة اجتماعات ستعقدها اللجنة في إطار وساطتها لإيجاد حل بين الحركة الوطنية من جهة والجبهة اللبنانية من جهة أخرى والتوافق على صيغة الوفاق وتحقيق المصالحة الوطنية، وإسقاط الذرائع التي تحول دون انتشار الجيش على طول الشريط الحدودي وتسلّمه أسلحة الميليشيات في كلا الجبهتين وتواجهه منفردًا مع إسرائيل. في مطلع شباط 1980، كانت حصلت انسحابات لجيش الردع انزعجت منها السلطة اللبنانية لأنها تمت قبل إحاطتها علمًا بها من مناطق لم تكن قوة الردع مطالبة بالإنسحاب منها. وكانت العلاقة بين السلطات السورية والسلطات اللبنانية قد شابها بعض التوتر وعدم التنسيق في مسائل مطروحة على الساحة الداخلية والدولية وصار التنسيق بين الطرفين غير فاعل لا سيما على المستوى الدفاعي والأمني وعلى مستوى السياسة الخارجية حيث أن لبنان أيد قرار الأمم المتحدة في شأن التدخل السوفياتي في أفغانستان بينما سوريا امتنعت عن التصويت، كما أن لبنان حضر المؤتمر الإسلامي في باكستان بينما تغيبت عنه سوريا. وفي وقت طالب لبنان بانسحاب قوات الردع من منطلق أمني ضيق ومنظار محلي محدود، ربطت سوريا وجودها في لبنان بدور قومي لها يتخطى الواقع اللبناني الضيق. في بداية حزيران 1980، أعلن وزير خارجية فرنسا، جان فرنسوا، من واشنطن، عن مبادرة تتعلق بالشرق الأوسط، ستتخذها قريبًا دول السوق المشتركة. طلبت المراجع الرسمية اللبنانية الحصول على معلومات وافية عن المبادرة الأوروبية. في ليل الأحد الإثنين 30 حزيران – 1 تموز 1980، شهدت منطقة القاسمية قرب صور عملية إنزال عسكرية إسرائيلية هي الأوسع في الجنوب منذ الغارة على منطقة أرنون في كانون الثاني 1979. نفّذ الإنزال رجال الكومندوس الإسرائيلي مع تغطية من قصف بحري ورمايات جوّية واستغرقت العملية أربع ساعات. تحدث الإعلام الإسرائيلي عن العملية مشيرًا إلى تدمير قاعدة للفدائيين الفلسطينيين في جنوب لبنان. في 1 آب 1980 إحتفل لبنان بعيد الجيش للمرة الأولى منذ حرب السنتين. جرى الإحتفال في ثكنة شكري غانم في الفياضية مع تخريج 204 ضباط في الجيش وقوى الأمن الداخلي. سلّم الرئيس الياس سركيس الضباط المتخرجين سيوفهم في حضور أركان الدولة ودعاهم إلى جعلها سيوف حق وعدل وكرامة يجردونها من أجل الدفاع عن لبنان. في 27 كانون الأول 1981، تفاقم الوضع الأمني في الشطر الغربي من بيروت، بعد التدهور الخطير، وموجة التفجيرات، وارتفاع عدد الضحايا، ما جعل من المقررات التي كانت اتخذتها اللجنة الأمنية قبل شهرين غير ذي فائدة. أمام هذا الوضع المتدهور، تم التوافق على تقييد حركة المرور بين شطري العاصمة، وساد اتجاه نحو الطلب من قوات الردع العربية الإشراف على تنفيذ الخطة الأمنية المرتقبة مع تحديد أدوار كل من الردع وقوى الأمن الداخلي واللجنة الأمنية العليا. يوم الجمعة 4 حزيران 1982، وبذريعة محاولة اغتيال السفير الأميركي في لندن، وقبيل وصول الموفد الأميركي فيليب حبيب إلى المنطقة في مهمة جديدة، شنت إسرائيل حربًا ضد لبنان، شملت بيروت والجنوب. يوم الإثنين 23 آب، عقد مجلس النواب جلسة في المدرسة الحربية في ثكنة الفياضية، حضرها 62 نائبًا أمنوا النصاب القانوني لها، وقاطعها ثلاثون نائبًا، مع رئيس الحكومة شفيق الوزان والوزراء المسلمون. في هذه الجلسة، إنتخب بشير الجميل رئيسًا للجمهورية بأكثرية 57 صوتًا في مقابل خمسة أوراق بيضاء في دورة الإقتراع الثانية. ما إن أعلن النتيجة رئيس مجلس النواب كامل الأسعد، حتى عمّت الشوارع في المنطقة الشرقية من بيروت موجة من الإبتهاج. في هذه الأثناء غادرت بيروت الغربية إلى عدن، على متن الباخرة اليونانية ألكييون، في إطار خطة الحل السياسي لأزمة بيروت، الدفعة الثالثة من المقاتلين الفلسطينيين، ضمت سبعمئة مقاتل ينتمون إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقاطية لتحرير فلسطين وجبهة التحرير الفلسطينية وجبهة النضال الشعبي الفلسطيني وحركة مال. في 9 شباط 1982، كانت قضية خطف القائم بأعمال سفارة الأردن في لبنان هشام المحيسن، تدخل يومها الرابع والبحث عنه مستمر، لكنه يدور في حلقة مفرغة. في هذه الأثناء، وفي الولايات المتحدة الأميركية، أصدرت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأميركي ولجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ التقرير السنوي الذي رُفع إلى الكونغرس ليكون جزءًا من الوثائق التي يطلبها الكونغرس عادة قبل إقرار موازنة المساعدات الخارجية. تناول التقرير أوضاع حقوق الإنسان في 153 دولة. في حديثه عن لبنان قال "إنه أظهر تقليديًا إحترامًا كبيرًا لحقوق الإنسان لكن قدرته على تنفيذ احترام هذه الحقوق تضاءلت في السنوات الأخيرة بسبب الحرب الأهلية واستعمال الفدائيين وقوات عسكرية أجنبية الأراضي اللبنانية. إن هذا الوضع قلص إلى حد كبير حجم المنطقة من البلاد التي هي تحت السيطرة الفعلية للحكومة. أوضح التقرير أن قسمًا كبيرًا من البلاد هو الآن تحت سيطرة الجيش السوري الموجود في لبنان منذ العام 1976 كجزء من قوات حفظ السلام التابعة للجامعة العربية وتحت سيطرة مجموعات الفدائيين الفلسطينيين وقوات الميليشيات اللبنانية التابعة لمختلف الفئات الدينية. يوم الإثنين 30 آب 1982، غادر ياسر عرفات بيروت عند الحادية عشرة قبل الظهر، بحرًا، على متن الباخرة اليونانية أطلنتيس إلى ميناء ديراييس في أثينا. يوم الثلاثاء 14 أيلول 1982، إستشهد رئيس الجمهورية الثالث عشر المنتخب بشير الجميل بعد 23 يومًا من انتخابه رئيسًا، في عملية تفجير وحشية أودت بحياة أكثر من ستين شخصًا كان يلتقيهم في بيت حزب الكتائب في الأشرفية. إستخدم في التفجير 200 كلم من المواد الشديدة الإنفجار الذي دوى عند الساعة الرابعة بعد الظهر، وقد استنكرته مختلف الجهات اللبنانية. يوم الخميس 16 أيلول، واصلت إسرائيل تقدمها نحو العاصمة اللبنانية، في وقت رشّح حزب الكتائب النائب أمين الجميّل لرئاسة الجمهورية. يوم السبت 18 أيلول 1982، بعد مئة وسبعة أيام من الإجتياح الإسرائيلي، وبعد ثلاثة أيام من احتلال بيروت، وقعت المخيمات الفلسطينية فريسة مذابح رهيبة حيث لقي 1400 فلسطيني حتفهم، تدخل على أثرها المجتمع الدولي مطالبًا إسرائيل بالإنسحاب الفوري. يوم الثلاثاء 22 أيلول 1982، وبعد مرور أسبوع على اغتيال الرئيس بشير الجميّل، إنتخب مجلس النواب النائب أمين الجميّل رئيسًا للجمهورية بأكثرية 77 صوتًا من أصل ثمانين نائبًا حضروا الجلسة التي عقدت في المدرسة الحربية في الفياضية ووجدت ثلاث أوراق بيضاء. في اليوم التالي، الأربعاء 22 أيلول، عقدت جلسة القسم في المدرسة الحربية. توجه بعدها الرئيس المنتخب إلى القصر الجمهوري حيث أقيم حفل التسليم والتسلم بينه وبين الرئيس الياس سركيس الذي تنتهي ولايته يوم الخميس 23 أيلول تاريخ وصول 25 مراقبًا دوليًا إلى بيروت في مهمة دولية، هم طلائع القوة الأميركية الفرنسية الإيطالية، وذلك تنفيذًا لقرار مجلس الأمن الدولي المطالب بإنهاء الإحتلال الإسرائيلي لبيروت وسحب القوات الإسرائيلية منها. يوم الأربعاء 22 أيلول 1982، بعد سبعة أيام من اجتياح بيروت، بدأت القوة الأميركية الفرنسية الإيطالية المتعددة الجنسية، في الإنتشار في العاصمة بشطريها الغربي والشرقي، وبدأت إسرائيل بالإنسحاب من البسطا والأسواق وبرج أبي حيدر ووادي أبو جميل وحوض الولاية والقنطاري تنفيذًا لما تقرر في اجتماعات اللجنة العسكرية اللبنانية الإسرائيلية وقام الجيش اللبناني بالتمركز في مواقع الإنسحاب. يوم الخميس 23 أيلول إنتهى عهد الرئيس الياس سركيس وتسلم خلفه الرئيس أمين الجميل مقاليد الحكم. الأربعاء 22 أيلول 1982، بعد سبعة أيام من اجتياح بيروت بدأت تنتشر طلائع القوة الأميركية الفرنسية الإيطالية في عمق العاصمة بشطريها الغربي والشرقي. في وقت بدأ إنسحب الإسرائيليون من بيروت. يوم الأحد 31 تشرين الأول 1982، شهد لبنان تطورات متسارعة على الصعيدين السياسي والأمني. تصعيد أمني في مناطق الجبل، تزامنًا مع استكمال تنفيذ خطة بيروت الكبرى ودخول الجيش والقوات المتعددة الجنسية إلى المنطقة الشرقية، لاسيما في عين الرمانة وفرن الشباك وتعزيز القوة الموجودة في محيط بلدة الحدت، ثم الإنتشار مع القوة المتعددة الجنسية في الأشرفية. في هذه الأجواء إنعقدت جلسة مجلس الوزراء الإستثنائية برئاسة الرئيس أمين الجميل وحضور الرئيس شفيق الوزان والوزراء، عشية سفر الرئيس الجميّل. يوم الثلاثاء 17 آيار 1983 جرى توقيع الإتفاق اللبناني الإسرائيلي في كل من خلدة وكريات شمونة برعاية أميركية. وقّع في لبنان على نسختين من الإتفاق باللغتين العربية والفرنسية ، في خلدة. وباللغتين الإنكليزية والعبرية في كريات شمونا. كانت الوفود التي أجرت المفاوضات طيلة أربعة أشهر وعشرين يومًا برئاسة السفير الدكتور أنطوان فتّال والسفير الأميركي موريس درايبر ومدير عام الخارجية الإسرائيلية دايفيد كمحي. وفي 18 آيار 1983، وصل المبعوث الأميركي فيليب حبيب إلى بيروت لمتابعة البحث في المراحل اللاحقة لتوقيع الإتفاق اللبناني الإسرائيلي. يوم الأربعاء 31 آب 1983، عاد الجيش اللبناني لينتشر في المنطقة الغربية من بيروت بعد ثلاثة أيام من الإنهيار الأمني الذي ضرب العاصمة وضواحيها كما الجبل إمتدادًا حتى سواحل كسروان. مع عودته إلى الضاحية شهدت شوارعها بعضًا من المواجهات المسلحة في عدد من الأحياء. إنتشار الجيش كان بمثابة عملية هي الأولى من نوعها في عهد الرئيس أمين الجميّل منذ الحرب. وقد رافق عملية الإنتشار هذه إستنفار أمني لكافة الأجهزة في الدولة من سياسية وأمنية وإعلامية، لتأمين نجاحها. وهي ما كانت لتتم لولا التغطية الإسلامية لها مع تأييد الخطوة من الرئيس صائب سلام ومع الصمت تجاهها من البارزين من القيادات الروحية والسياسية. يوم الأحد 23 تشرين الاول 1983، عمليتا تفجير إرهابيتان نفذهما إنتحاريتان إستهدفتا القوات المتعددة الجنسيات العاملة في بيروت، أسفرت عن مصرع 169 جنديًا (145 أميركًا و24 فرنسيًا) وجرح 69 آخرين مع بقاء مصير 63 جنديًا مجهولاً حتى ساعة متأخرة من الليل. نفذت عمليتا التفجير بواسطة سيارتي نقل بيك أب مفخختين، إقتحمت الأولى مقر قيادة مشاة البحرية الأميركية (المارينز) في مبنى المديرية العامة للطيران المدني المؤلف من ثلاث طبقات، والثانية مقر سرية المظليين الفرنسيين قرب مستشفى بيروت في منطقة بئر حسن والمؤلف من تسع طبقات، بفارق زمني ثلاث دقائق. أدى الإنفجاران إلى تدمير للمبنيين بشكل كامل. وكان مجهول اتصل بمكاتب شركة فرانس برس في بيروت متحدّثًا باسم حركة الثورة الإسلامية الحرة وهي المرة الأولى التي يُسمع فيها بهذه الحركة، وأعلن مسؤوليتها عن العمليتين. توفي في العملية الأولى منفذا العملية، الأول يدعى أبو مازن (26 عامًا) والثاني أبو سيجعان (24 عامًا). تلت ذات الحدث الجلل، انتكاسة للوضع الأمني في محاور عاليه والشحار الغربي وتعرضت مواقع الجيش اللبناني في سوق الغرب وضهر الوحش لقصف مدفعي، وتجددت الإشتباكات ليلاً على جميع محاور إقليم الخروب. تلقت الولايات المتحدة بذهول نبأ التفجير الذي أوقع أكبر خسارة بشرية في صفوف القوات الأميركية في عملية واحدة، منذ حرب فييتنام. وأعلن وزير الدفاع كاسبار وينبرغر عن إمكانية نقل القيادة إلى سفينة قبالة الساحل اللبناني، ووجّه أصبع الإتهام إلى إيران دون أن يستبعد السوفيات. أما الرئيس رونالد ريغن الذي كان يقضي عطلة نهاية الأسبوع في أوغوستا في ولاية جورجيا، فدعا مجلس الأمن القومي للإجتماع. من جهتها، لم توجه فرنسا الإتهام لأي طرف، مكتفية بإدانة الحادث وإعلان استمرار قواتها في لبنان وأوفدت وزير دفاعها شارل إرنو إلى بيروت لمعاينة مكان الحادث. يوم الخميس 1 كانون الأول 1983، قمة لبنانية أميركية هي الثالثة بين الرئيس رونالد ريغن وأمين الجميل الذي زار أميركا واجرى مباحثات تناولت حسبما أعلن للإعلام، الإلتزام باتفاق 17 آيار والبحث في آلية تطبيقه. أما الإسرائيليون فلا يزالون يهيمنون على الواقع السياسي في بيروت وترتبط بهم كل محادثات محلية وإقليمية ودولية. وقد أعلم الأميركيون الجانب اللبناني استعداد الإسرائيليين على المباشرة بانسحابات جزئية وعلى مراحل من العاصمة لا تتزامن بالضرورة مع انسحابات سورية مماثلة، مع تكليف واشنطن مهمة ملء الفراغ الناتج عن الإنسحاب الجزئي. في وقت كان انعقد في جنيف مؤتمر الحوار الوطني اللبناني دون أن يصل إلى نتائج مفيدة، بعد أن خسرت الدولة المركزية القوية مناعتها، والمصالحة الوطنية باتت صعبة وثمة تشنج حاد في العلاقات بين مختلف الأطراف المحليين. وكانت القضية الشيعية مع بروز حزب الله، قد فرضت نفسها على الواقع السياسي. بدأت أميركا تتعاطى مع الطوائف اللبنانية كافة في اتجاهات ثلاثة: فئة تعتبرها منضبطة ضمن قواعد اللعبة وفي طليعتها المسيحيون بقيادة الموارنة، والمسلمون السنة أصحاب المصلحة في استمرار صيغة 1943 من دون تعديل. وفئة خطرة، تطالب بإعادة نظر شاملة في النظام السياسي وفي أسس التوازن الديمغرافي وفي طليعتهم الشيعة. وفئة ثالثة من الطوائف من هم حائرون كالدروز والأورثذكس، يعملون على إعادة بناء الصيغة بما يحقق مزيدًا من المكاسب. هذه الفسيفساء، بدأت تتشكل منذ فجر تولي الرئيس الجميل رئاسة الجمهورية، وتفرض روحيتها على الساحة الإقليمية والدولية. الأحد 25 كانون الأول 1983، إتفاق جديد لوقف إطلاق النار أنهى القتال في الضاحية الجنوبية وحول مخيمي صبرا وشاتيلا راح ضحيته أكثر من 63 قتيلاً و244 جريحًا فضلاً عن الأضرار المادية والخراب نتيجة القصف العشوائي على الأحياء السكنية. إلتقط المواطنون أنفاسهم بعد اشتباكات دامية صارت تتقطع من حين إلى آخر ثم عادت لتشتعل مجددًا يوم الإثنين 26 كانون الأول، ليُعلن مجددًا وقف النار بعد اتصال هاتفي بين الرئيس أمين الجميل ووزير الخارجية السوري عبد الحليم خدّام، كان سبقه اتصال بين الأخير ورئيس حركة أمل نبيه بري. في هذه الأجواء أعرب وزير الدفاع الفرنسي شارل إيرنو عن قلقه من الوضع في لبنان الذي يتطور بسرعة إلى حرب أهلية علنية. تصريح جاء بعد عودته من زيارة تفقدية للوحدة الفرنسية في بيروت برفقة سكرتير الدولة الفرنسي للدفاع جان جانيل. يوم الأربعاء 29 كانون الأول 1983، عادت إلى الواجهة المواجهات ضد الإسرائيليين. في وقت تفقد وزير الدفاع الإسرائيلي موشي أرينز الأمكنة التي وقعت فيها ثلاث هجمات ضد المظليين الإسرائيليين في صيدا يوم الثلاثء 27 كانون الأول وأدت إلى مقتل ثلاثة، بينهم ضابط، وجرح أربعة آخرين. في هذه الأثناء فوجئت بيروت بسلسلة عمليات تفجير متلاحقة طالت شطرها الغربي، إستهدفت ممتلكات المواطنين بشكل عشوائي، في الأوذاعي وشارع السادات المتفرع من شارع الحمراء وسواهما... الإثنين 5 آذار 1984، ألغى لبنان رسميًا الإتفاق اللبناني الإسرائيلي بعد تسعة أشهر و21 يومًا من موافقة مجلس الوزراء عليه في 14/5/1983 وبعد تسعة أشهر و18 يومًا على توقيعه في 17/5/1983، و8 أشهر و21 يومًا على إجازة مجلس النواب للحكومة إبرامه في 14/6/1983. أعربت الولايات المتحدة عن أسفها للقرار الذي اتخذه لبنان وطالبت رافضيه بإيجاد صيغة بديلة لتامين الإنسحاب الإسرائيلي مبدية إستعدادها للتوسط بين لبنان وإسرائيل إذا ما كلبتا منها ذلك. وكان انعقد مجلس الوزراء اللبناني يوم الإثنين 5 آذار 1984 برئاسة أمين الجميل وأعلن بطلان الإتفاق الموقع مع إسرائيل وكأنه لم يكن وألغى كل ما يمكن أن يكون قد ترتب عليه. وأبلغ قراره هذا إلى الفرقاء الموقعين عليه إسرائيل وأميركا. وتضمن القرار قيام الحكومة بالخطوات اللازمة لوضع ترتيبات وتدابير أمنية تؤمن السيادة والأمن والإستقرار في الجنوب، والإلتزام بمنع التسلل عبر الحدود الجنوبية، وطالب بانسحاب القوات الإسرائيلية من جميع الأراضي اللبنانية. أما مخرج إلغاء الإتفاق فجاء في خطوة اعتمدت تعويمًا مؤقتًا لحكومة الرئيس شفيق الوزان المستقيلة ما سمح لمجلس الوزراء أن ينعقد إلى حين انعقاد الحلقة الثانية من الحوار الوطني وتشكيل حكومة الوفاق الوطني. هذا المخرج سمح لمجلس الوزراء بالإنعقاد وإسقاط اتفاق 17 آيار. بعد أسبوع من الإجتماعات، انعقدت يوم الأحد 18 آذار جلسة العمل السابعة والثامنة من مؤتمر الحوار الوطني في لوزان في سويسرا، تبعتهما جلسات ثنائية انتهى بها المؤتمر بتعثر الإتفاق بين الأفرقاء بحضور المراقبين السوري والسعودي عبد الحليم خدام ومحمد المسعود وفضت أعمال المؤتمر وتعليقه حتى إشعار آخر مع تمسك كل طرف بما طرحه منذ اليوم لافتتاح المؤتمر. حضر المؤتمر فريق الجبهة اللبنانية بيار الجميل وكميل شمعون، يقابله الفريق الثاني ويضم الرؤساء عادل عسيران وصائب سلام ورشيد كرامي إضافة إلى نبيه بري ووليد جنبلاط كما شارك فيه الرئيس سليمان فرنجيه والرئيس أمين الجميل. شارك في المؤتمر جورج سعادة وجميل كبه ومحمد المشنوق وعادل قانصوه. يوم الإثنين 11 حزيران 1984، مجزرة حصدت 93 قتيلاً و293 جريحًا. قصف عنيف تعرضت له بيروت بشطريها والضاحية الجنوبية والمتن وكسروان وصولاً حتى جونيه. موجة القصف هذه التي استمرت اثنتي عشرة ساعة لم يشهدها لبنان منذ حزيران 1982. بالتوازي انعقدت جلسة الثقة بحكومة الوحدة الوطنية وطلب الصلاحيات الإستثنائية. وقد خاطر 26 نائبًا بحياتهم لتأمين نصاب الجلسة. يوم الجمعة 7 أيلول 1984، مع نهاية عطلة عيد الأضحى، انعقدت قمة ثنائية بين الرئيسين أمين الجميل وحافظ الأسد في العاصمة السورية أسفرت عن اتفاق على تنفيذ المرحلة الأولى من خطة الجبل وانتشار اللواء الأول بقيادة العميد ابراهيم شاهين على الطرق الرئيسة الممتدة من صوفر حتى سوق الغرب وتمركز كتيبة اللواء الثامن بقيادة العقيد سليم كلاس في الجهة المقابلة لقصر بعبدا وكتيبة من اللواء الحادي عشر بقيادة المقدم أمين القاضي من الجهة المقابلة لمواقع الحزب التقدمي الإشتراكي. بدأت يوم الجمعة 7 أيلول اجتماعات عسكرية للبحث بالموضوع بين عسكريين من الجيش للبناني والجيش السوري والحزب التقدمي الإشتراكي وحركة أمل. يوم السبت 20 أيلول 1984، وقعت عملية انتحارية ضد السفارة الأميركية أسفرت عن تسع إصابات بين قتيل وجريح. تمت العملية بواسطة سيارة مفخخة إقتحم سائقها المبنى الجديد للسفارة في عوكر. بين الجرحى السفيران الأميركي ريجينالد بارتولوميو والبريطاني دايفيد مايرز. يوم الخميس 8 أيلول 1984، إنتهت المرحلة الاولى من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية برعاية الأمم المتحدة والتي استغرقت أربعة أيام، واتفق على استئنافها يوم الإثنين 24 أيلول. جرت المفاوضات العسكرية اللبنانية الإسرائيلية برعاية الأمم المتحدة في مقر قيادة الطوارئ الدولية في الناقورة لترتيب الإنسحاب الإسرائيلي الشامل من لبنان. كانت أجواء الجلسة الاولى حادة. رفض خلالها الوفد اللبناني مصافحة الوفد الإسرائيلي وتمسك باعتبار الإجتماع برعاية قائد القوات الدولية في الجنوب الجنرال وليم كالاهان. كما رفض تبني خطة للجنوب طرحها الجانب الإسرائيلي تقضي بتقسيمه إلى منطقتين الأولى تمتد من الحدود الدولية حتى نهر الزهراني والثانية من الزهراني حتى الأولي وبعض مناطق إقليم الخروب حتى الباروك. يوم السبت 24 تشرين الثاني 1984، استقبل الرئيس أمين الجميل في قصره في بكفيا نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام زيارة أدت إلى ترطيب الأجواء بين رئيس الجمهورية ووزير الأشغال العامة والسياحة وليد جنبلاط وساهمت في إعادة الأمور إلى نصابها داخل مجلس الوزراء وأنهت القطيعة بين الرجلين. إستهداف جديد لمدينة صيدا نفّذته إسرائيل في المهندس مصطفى معروف سعد الذي أصيب بجروح بليغة في وجهه وعينيه إستدعت نقله ليلاً إلى مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت. في السادسة والنصف مساء دوى في صيدا انفجار هز المدينة وعلت على أثره سحب الدخان. سرعان ما تبين أنه استهدف منزل مصطفى سعد الكائن مقابل ساحة الشهداء إلى جانب مدرسة الراهبات في حي البرغوث. في هذه الأثناء أكد لبنان ربطه أي ترتيبات أمنية يجري البحث فيها خلال مفاوضات الناقورة التي استؤنفت يوم الثلاثاء 28 كانون الثاني بما ستقدمه إسرائيل من برمجة لانسحاباتها التي بدأت مرحلتها الأولى من منطقة صيدا حيث أخلت الإثنين 21 كانون الثاني مواقعها في مار الياس وشرحبيل والحبيبية وا[قت على وحدات قليلة في إطار خط إعادة الإنتشار الذي يطوق صيدا والزهراني شرقًا وجنوبًا. وكانت الحكومة قد عقدت جلسة إستثنائية في قصر بعبدا استمرت ثلاث ساعات بحثت خلالها في استكمال تنفيذ خطة الساحل وتثبيت الوضع الأمني في العاصمة منعًا لأي انتكاسات مفاجئة. يوم الإثنين 20 آيار 1985، وقعت في المخيمات وحولها اشتباكات بين أمل وتنظيمات فلسطينية أسفرت عن مقتل 45 شخصًا وجرح 382 ثم جرى اتفاق ليلاً على وقف الإقتتال ليدخل بعده اللواء السادس المخيمات. إقتتال المخيمات الفلسطينية وضواحيها في بيروت وفي الضاحية الجنوبية، ترجم حجم الإهتراء الذي تآكل العلاقات بين الطرفين، وزاد في نسب الحقد. يوم الأحد 29 أيلول 1985، إنتقل القتال إلى طرابلس التي احترقت بين نارين ووقع من جراء الإقتتال مئات الضحايا نتيجة معارك ضارية واقتحامات وتراشق مدفعي وهجوم واسع شنته قوات حزبية ضد جماعة التوحيد. لليوم الثاني على التوالي تعارك أطراف اللقاء الإسلامي من جهة وبعض أحزاب جبهة الإتحاد الوطني من جهة أخرى. شن مقاتلو الأحزاب المتحالفة هجومًا واسعًا على محاور ثلاثة مخترقين دفاعات اللقاء الإسلامي وناقلين المعركة إلى وسط طرابلس والميناء. ونجحوا في قطع طريق الإمداد الوحيد لحركة التوحيد الإسلامي عبر المرفأ. يوم السبت 28 كانون الأول 1985 تمّ توقيع الإتفاق الثلاثي، كخلاصة اجتماعات عقدها عبد الحليم خدام مع نبيه بري ووليد جنبلاط وإيلي حبيقة في دمشق. حالة من البلبلة سادت الشارع المسيحي. بدء برئيس الجمهورية أمين الجميل مرورًا بالقوات اللبنانية وانتهاء بعدد من القيادات السياسية والنواب. بعد ثلاثة أشهر وأربعة أيام على بدء المحادثات في شأنه، وأربع عشرة جلسة رسمية، بين حركة أمل والحزب التقدمي الإشتراكي والقوات اللبنانية. تم توقيع الإتفاق وحملت كل نسخة من النسخ الاربعة تواقيع خدام ونبيه بري ووليد جنبلاط وإيلي حبيقة بحضور الوزير جوزف سكاف وأركان جبهة الإتحاد الوطني وعدد من الفاعليات المسيحية التي رافقت وفد القوات. في كانون الثاني 1986، إنقلاب في القوات اللبنانية يقصي إيلي حبيقة عن القيادة ويقضي على الإتفاق الثلاثي بعد 16 ساعة من القمة الاخيرة في دمشق. أسفرت المعارك عن مئتي قتيل و600 جريح. إنقلاب أعاد الوضع إلى البداية. في نهاية المطاف أعلن إيلي حبيقة ومن تبقى له من مقاتلين حوالي 300 عنصر قبولهم بضمانات السلامة التي تلقوها من قائد الجيش العماد ميشال عون. وغادروا مجلس الأمن القومي في الكرنتينا إلى مقر وزارة الدفاع في اليرزة حيث جرت صياغة المخرج الكريم لاقتتال رفاق السلاح القدامى في الحزب الواحد. غصت مستشفيات المنطقة الشرقية بالجرحى الذين سقطوا خلال الإشتباكات التي تمحورت على جبهتين الأولى في المتن الشمالي من ضهور الشوير في اتجاه بكفيا والثانية في الشمال من جرود البترون والساحل في اتجاه حاجز البربارة وثكنة جعجع في القطارة في بلاد جبيل. جبهتان للمرة الأولى تشتعلان منذ 1976. القوى المهاجمة كانت أحزاب منضوية تحت لواء جبهة الإتحاد الوطني وهي الطرف الثاني في الإتفاق الثلاثي وضمت الحزب التقدمي الإشتراكي والشيوعي والقومي وحزب البعث وحركة أمل. يوم الثلاثاء 4 شباط 1986 إرتفع الدولار الأميركي حتى لامس 2750 ليرة. حفل يوم الثلاثاء 25 شباط 1987، بمجموعة من التطورات على صعيد انتشار القوات السورية في بيروت الغربية. إنتشار أدى في منطقة البسطة إلى اشتباك سقط نتيجته اثنان وعشرون قتيلاً. في اليوم التالي تسلم السوريون مركز جل البحر من الحزب التقدمي الإشتراكي وسائر المراكز التابعة لحركة أمل وباقي الأحزاب، ووسعوا رقعة انتشارهم في العاصمة وفي منطقة الأوزاعي وجسر المطار. جرت اتصالات مع حزب الله لإخلاء مركز فتح الله بالطريقة ذاتها التي تمت مع برج المر وجل البحر مع أمل والتقدمي. فوافق الحزب على التسليم والتسلّم. لكن مع توجه قوات سورية إلى المحلة لتتسلم المركز، وقع إشكال. يوم الإثنين 1 حزيران 1987، إغتيل الرئيس رشيد كرامي أثناء توجهه من طرابلس إلى بيروت على متن طوافة عسكرية تابعة للجيش اللبناني بعد أن دست عبوة مضادة للأفراد إلى جانب المقعد الذي يجلس عليه عادة الرئيس أثناء تنقله في الطوافة. نجا من العملية كل الذين رافقوا الرئيس على متن الطوافة وبينهم وزير الداخلية الدكتور عبد الله الراسي الذي أصيب بجروح وحروق بسيطة. تمكن قائد الطوافة من السيطرة عليها بعد انفجار العبوة وقادها من فوق منطقة رأس الشقعة إلى مدرج حالات وهبط بها على بطنها بسبب الخلل الذي حل بالإطارات. يوم الخميس 20 آب 1987، إختراق أبيض لخط التماس عن المتحف. إلتقى الشعب على رفض الحرب والجوع. في وقت تعطلت السياسة حكمًا وحكومة وقيادات ومبادرات ولامس الدولار حدود 2500 ليرة لبنانية والمشاكل المعيشية إلى مزيد من التفاقم وعودة قضية المخيمات إلى الواجهة وتوتر شرقي صيدا، تجمهر الشعب بالعشرات وللمرة الاولى، مشاركين من المنطقتين الغربية والشرقية تحت شعار اليوم الأبيض. تشاركوا في لقاء وطني فتقابلوا وتعانقوا واخترقوا خط التماس احتجاجًا على الحرب الأهلية وحرب التجويع والذل. كانت نقطة بيضاء صغيرة تحيطها ثلاث نقاط سوداء كبيرة. محاولة خجولة متواضعة شارك في تنظيمها مئات المواطنين الذين تجمعوا في الأشرفية وفي البربير وارتدى معظمهم اللباس الأبيض وتقدموا في اتجاه الحاجز الرملي الذي يشطر العاصمة في محلة المتحف وهم يهتفون لا شرقية ولا غربية بدنا وحدة وطنية. كانت هذه التظاهرة الحدث الأبرز في ظل ذاك القحط السياسي والعجز القيادي في مواجهة الازمات الإقتصادية والنقدية والمعيشية. يوم الأحد 8 آيار 1988 دخلت الضاحية الحنوبية في حرب مدمرة بين حركة أمل وحزب الله لثلاثة أيام متواصلة حصدت زهاء 125 قتيلاً وأكثر من 400 جريح معظمهم من المدنيين، حيث جرت معارك ضاربة واقتحامات وعمليات كر وفر شملت الاحياء المكتظة بالسكان ناقضة مجموعة اتفاقات لوقف إطلاق النار توصلت إليها اللجنة المشتركة التي تضم ممثلين من الحركة والحزب والسفارة الإيرانية والمراقبين السوريين. يوم الإثنين 18 تموز 1988، عاشت المنطقة الشرقية على أعصاب سياسية متوترة وهي تترقب حدثين. الأول يتعلق بنتائج زيارة الرئيس سليمان فرنجية إلى دمشق واحتمال ترشيحه لرئاسة الجمهورية والثاني يتصل بأبعاد حادث إطلاق نار تعرض له الرئيس أمين الجميل يوم الأحد 17 تموز في مسبح طبرجا بيتش وجرى حديث عن إمكان انتشار الجيش اللبناني في مناطق سيطرة القوات اللبنانية. يوم الخميس 18 آب 1988، سقطت الجلسة الأول لانتخاب رئيس جديد للجمهورية بالضربة القاضية. ودخلت البلاد في طور آخر من المفاجآت مع الإعلان عن موعد الجلسة الثانية. فقطعت الطريق أمام الرئيس سليمان فرنجية للوصول إلى الرئاسة من دون أن تنتهي ورقته كمرشح أول. إذ ثمة قرار في استمراره لخوض الجولة الثانية من المعركة. يوم الأحد 18 أيلول 1988 بقي من الزمن أربعة أيام من عهد الرئيس أمين الجميل ولبنان تتجاذبه رياح التعطيل. أجواء التفاهم الناجم عن المحادثات السورية الأميركية في شأن الإنتخابات الرئاسية أصيبت بنكسة نتيجة موقف القيادات السياسية والعسكرية والروحية في المنطقة الشرقية التي رفضت نتائج المحادثات. الوفد الأميركي برئاسة مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط ريتشارد مرفي توصل مع القيادة السورية إلى تفاهم على ضرورة إنجاز الإنتخابات قبل 23 أيلول، مع دعم لمساندة النائب مخايل الضاهر لانتخابات رئاسة الجمهورية، المقررة في 22 أيلول 1988. غادر مورفي بيروت على متن طوافة تابعة للجيش اللبناني إلى لارنكا بعد فشله في إقناع الجهات العسكرية والسياسية في المنطقة الشرقية باتفاقه مع السوريين. وأول المبادرين إلى ضرب التفاهم كان قائد الجيش العماد ميشال عون الذي عمل على أن يحظى بإشارة أميركية تعتبره مرشح الإجماع. يوم الخميس 22 أيلول 1988، فاجأ الرئيس أمين الجميل اللبنانيين بتوقيعه مراسيم تشكيل حكومة عسكرية برئاسة قائد الجيش العماد ميشال عون. أعلنت المراسيم من القصر الجمهوري في بعبدا قبل ثماني دقائق من منتصف الليل الأخير من ولاية الجميّل، على أثر اجتماعات نيابية وسياسية وعسكرية، ودخل لبنان عهد الحكومتين الأولى مقرها القصر الجمهوري في الصنائع والثانية مقر قيادة الجيش في اليرزة. إعتذر كل من اللواء محمود طي أبو ضرغم والعقيد نبيل قريطم والعقيد لطفي جابر عن مشاركتهم في الحكومة العسكرية التي اقتصرت على العماد ميشال عون والعميد إدغار معلوف والعقيد عصام أبو جمره. أما الحكومة الثانية فكانت برئاسة الرئيس سليم الحص. الجمعة 3 آذار 1989، مائة وستون يومًا للبنان من دون رئيس للجمهورية. تصدر الجنوب المشهد اللبناني على محورين. محور عسكري مع انتشار قوة من الجيش بين الزهراني والنبطية وشرقي صيدا. ومحور دبلوماسي تمثل بمخاوف الحكومتين من التصريحات التي أدلى بها قائد المنطقة الشمالية الإسرائيلي الجنرال يوسي بيليت حول عزم حكومته على توسيع الحزام الأمني. يوم الثلاثاء 14 آذار 1989، العماد عون يعلن الحرب على سوريا مع مرور مائة وواحد وسبعين يومًا للبنان من دون رئيس للجمهورية. في الرابع عشر من آذار 1989، أعلن العماد عون حرب التحرير فوقع في يوم واحد زهاء أربعين قتيلاً ومئة وخمس وأربعين جريحًا بنيران المدافع والراجمات التي صبت حممها على بيروت بشطريها وطالت مناطق الضاحية والجبل والشرقية وصولاً إلى المديرج وشتورة. إستمرت موجة القصف عشر ساعات ثم هدأت مساء إثر اتصالات غير مباشرة بين قيادتي الجيش في بيرو تالغربية وفي اليرزة. الثلاثاء 18 نيسان 1989، مائتان وستة أيام للبنان من دون رئيس للجمهورية. بعد جولة قصف مدفعي طال مختلف مناطق بيروت، وسقوط مئات القذائف والصواريخ، صدر بيان عن بكركي التي اجتمع تحت سقف صرحها نواب المنطقة الشرقية وأصدروا بيانًا نيابيًا إعتبر خطوة متقدمة وشجاعة مخالفة للمواجهة التي اختارها العماد عون في حربه ضد الوجود السوري في لبنان. تلا البيان النائب إدمون رزق. حضر الإجتماع 23 نائبصا بدعوة من البطريرك نصر الله صفير. جاء في البيان: المجتمعون يدينون القصف الهمجي الذي طال الأهداف المدنية وحصد الأبرياء العزل ويدعون إلى وقف فوري عام وشامل لإطلاق النار على ان يكون الجيش اللبناني مسؤولاً عن تنفيذه في أماكن وجوده وضمن نطتق سيطرته ويكون الجيش السوري مسؤولاً عن تنفيذه في أماكن وجود قواته وضمن نطاق سيطرتها. وتوجه البيان إلى جامعة الدول العربية والمجموعة الأوروبية ومنظمة الأمم املتحدة ومجلس الأمن الدولي بنداء عاجل للتدخل السريع بكل الوسائل لوقف المجازر الجماعية وأكد باسم المجتمعين على العيش المشترك وتجنب البيان موضو عالإنسحاب السوري من لبنان وموضوع تدويل الأزمة إلا في ما يتعلق بالمسائل الإنسانية وركز على وجوب وقف النار. الثلاثاء السادس عشر من أيار 1989، مائتان وأربعة وثلاثون يومًا للبنان من جون رئيس للجمهورية. أودى كمين مفخخ ب150 كلغ من المواد المتفجرة بحياة مفتي الجمهورية الشيخ حسن خالد. وقع الإغتيال على مسافة عشرات الأمتار من دار الفتوى في محلة عائشة بكار. سقط معه ستة قتلى و79 جريحًا. الأحد 4 حزيران 1989، مائتان وواحد وخمسون يومًا للبنان من دون رئيس للجمهورية. كانت تشكلت اللجنة العربية الثلاثية فأعلنت في الخامس من حزيران 1989، في بيان أصدرته في الرباط، عن إقرار خطة عمل لتطبيق قرارات القمة العربية في شأن لبنان وكلفت وزراءا لخارجية القيام فورًا بتنفيذ الإجراءات الأولية التي تضمن الخطة. الأحد 22 تشرين الأول 1989، وقّع سبعة وخمسون نائبًا على النص النهائي لما عرف بوثيقة اتفاق الطائف التي فتحت الباب أمام مشروع الحل العربي من أجل السلام في لبنان. في وقت أعلن العماد عون رفضه لما أنجز في الطائف متحديًا الإجماع العربي عليه. يوم الأربعاء 22 تشرين الثاني 1989 سقط رئيس الجمهورية رونيه معوض شهيدًا في ذكرى الإستقلال بعد سبعة عشر يومًا على انتخابه وقبل 24 ساعة من إعلان حكومة الوفاق الوطني التي كان اتخذ القرار بإصدار مراسيمها بعد التوافق على اسمائها مع الرئيس المكلف سليم الحص ورئيس المجلس النيابي حسيتن الحسيني. قضى الرئيس معوض و13 مواطنًا معظمهم من مرافقيه في عملية تفجير إستهدفت موكبه على بعد مئات الأمتار من القصر الحكومي الذي كان يشهد احتفالاً وطنيًا بالذكرى السادسة والأربعين للإستقلال الذي انقلب مأتمًا وطنيًا أجمعت البلاد على المشاركة فيه باستثناء العماد ميشال عون. إنه الإغتيال الأول بعد اتفاق الطائف. الجمعة 24 تشرين الثاني وبعد يومين على اغتيال معوّض، إنتخب المجلس النيابي أحد أعضائه النائب الياس الهراوي رئيسًا للجمهورية. يوم الثلاثاء 28 تشرين الثاني عينت حكومة الوفاق الوطني العميد إميل جميل لحود قائدًا للجيش اللبناني خلفًا للعماد ميشال عون الذي وضعه مجلس الوزراء في تصرف وزير الدفاع الدكتور ألبير منصور واللواء سامي الخطيب الذي وضع بناء لطلبه في تصرف رئاسة مجلس الوزراء. يأتي تعيين لحود بعد أن رقي إلى رتبة عماد في ظل أجواء محمومة تخيم على البلاد بسبب رفض عون التجاوب مع اية قرارات تصدر عن الحكومة والرئيس الهراوي. الأربعاء الحادي والثلاثون من كانون الثاني 1990، الشرقية تحترق في معارك امتدت من عين الرمانة حتى المدفون هاجم فيها العماد عون مراكز القوات اللبنانية فتصدّته وحاصرت ثكنة صربا وسيطرت على جبيل وعمشيت. تهاوت الوساطات واستمرت المعارك وحمّلت واشنطن عون مسؤوليتها ودعته إلى التنحي فورًا. عاش الأهالي حالة من الذعر والرعب والتلطي في الملاجئ ووقعت خسائر فادحة في الأرواح والأرزاق. هي المرة الثانية في أقل من عام يتفجر الصراع في الشطر الشرقي من بيروت بين العماد عون والقوات اللبنانية. حرب مدمرة طالت العاصمة وضواحيها وصولاً إلى بلاد جبيل مرورًا بالمتن وكسروان موقعة خسائر فادحة في الأملاك والممتلكات. أمام هول المأساة هدد البطريرك صفير يوم الجمعة 2 آذار 1990 بالحرم الكنسي، بعدما دخل الفاتيكان على خط معالجة الأوضاع المتجهورة في المنطقة الشرقية ما أدى إلى تراجع في حدة المعارك دون إخماد نار الإقتتال. كان موقف إستثمائي للبطريرك صفير الذي هدد بالحرم الكنسي جميع الذين يشاركون في المعارك. يوم الأحد 14 تشرين الأول 1990، دخلت القوات السورية المناطق الشرقية وأعلن العماد ميشال عون تنحيه ولجأ إلى السفارة الفرنسية. خلال خمس وأربعين دقيقة من المعارك، كان كل شيء بحكم المنتهي وصار العماد عون لاجئًا في منزل السفير الفرنسي رونيه ألا في منطقة الحازمية طالبًا اللجوء السياسي. عند الدقيقة العاشرة بعد منتصف يوم الخميس 6 حزيرات 1991، صدر مرسوم بتعيين أربعين نائبًا لملء المراكز المستحدثة والشاغرة في المجلس النيابي بعد فترة من التنازع الإعلامي والسياسي. وضع مجلس الوزراء حدًا لها خلال جلسة طارئة عقدها في المقر الرئاسي المؤقت على فترتين، إنتهت إلى حزم الأسماء وتدوينها في المحضر محطات من تحولات في السياسة والأمن والإقتصاد شهد لبنان في الستينيات تنظيم القطاع المصرفي والشأن الإجتماعي. تأسس المصرف المركزي في السنة 1964، وصندوق الضمان الإجتماعي وصدرت قوانين ترعى العمل المصرفي وأخرى تضبط أوضاع المصارف سيما وأن أزمة بنك إنترا في خريف السنة 1966 هزّت القطاع المصرفي. بفضل هذه الخطوات تجاوز لبنان آثار أكبر أزمة تاريخية واجهها خلال تاريخه. ثم جاءت حرب حزيران 1967 بين مصر وسوريا والأردن وإسرائيل، بعد أزمة بنك إنترا مباشرة... فقد العرب سيناء والجولان والضفة الغربية وقطاع غزة. إلا أن القطاع الإقتصادي في لبنان استعاد حيويته وبدأت بيروت تستقطب عبر التوظيفات المباشرة ومكاتب التمثيل الأجنبية غالبية المصارف العالمية المعروفة منها عدد من المصارف اليابانية ومصرف إسباني واحد. إستمرت هذه الطفرة الإقتصادية والمالية حتى العام 1974. ولم تتأثر بالصدامات العديدة بين القوى الفلسطينية المسلحة والجيش اللبناني. وتخطت تداعيات حادثة تدمير الأسطول الجوي المدني التي قام بها كومندوس إسرائيلي على مطار بيروت الدولي ليلة رأس السنة 1968. في السنة 1968، بدا واضحًا نمو الوضع الإقتصادي والمالي في لبنان، إذ زاره مليونان وأربعمئة ألف سائح... رقم قياسي في العالم العربي، ساهم في تمتين سعر صرف العملة الوطنية... إستمرت الليرة اللبنانية في تحسنها قياسًا إلى الدولار حتى بلغت 2،22 ليرة لبنانية للدولار في نهاية العام 1974، في حين كانت تبلغ 3،7 ليرات للدولار تاريخ تحرير العملة اللبنانية من الإرتباط بالفرنك الفرنسي وبالليرة الشورية قبل ربع قرن من ذاك التاريخ... في اواخر 1968، دخل الأراضي اللبنانية عدد من الفلسطينيين المسلحين أي الفدائيين. أحدث هذا الأمر اضطرابات داخلية ليس بالنسبة لعدد الذين دخلوا وكان لا يتجاوز الخمسين، بل لمبدأ وجود فدائيين على الأراضي اللبنانية. أما الاضطرابات الداخلية فكان سببها الانقسام بالرأي حول مبدأ وجود فلسطيني مسلح: فريق يؤيد وفريق يرفض. الفئة التي أيدت لجأت إلى مختلف وسائل الضغوط: الاضطرابات والمظاهرات والمهرجانات الخطابية والعراقيل التي كانت تضعها لدى تشكيل الحكومات... الفئة التي رفضت اقتصر نشاطها على إسداء النصح للفريق المؤيّد بعدم الذهاب بعيدًا بالتأييد خشية التصادم... أخذ عدد الفدائيين يتزايد يومًا بعد يوم. ردود الفعل الإسرائيلية وكان أبرزها الغارة على مطار بيروت الدولي في 28 كانون الاول 1968... في نيسان 1968، قامت تظاهرة انطلقت من ساحة كلية المقاصد في بيروت وسار المتظاهرون باتجاه المجلس النيابي... حصل إطلاق نار وسقط 14 قتيلاً وبعض الجرحى الأمر الذي حمل السيد رشيد كرامي على تقديم استقالة الحكومة التي كان يرئسها. تعذّر تشكيل حكومة جديدة بسبب استمرار الخلاف حول وجود الفدائيين في الوقت الذي كان عدد هؤلاء يتزايد. رفض رئيس الجمهورية يومذاك الرضوخ للأمر الواقع والتسليم للوجود الفدائي على الأراضي اللبنانية ووجه رسالة بتاريخ 31 آيار 1969 بهذا المعنى أثارت ردود فعل مختلفة ولاسيما من جهة الفريق المؤيد للوجود الفدائي... رفض رئيس الجمهورية تشكيل حكومة ترضخ للأمر الواقع وبقيت البلاد دون حكومة، فاستمرت الحكومة المستقيلة تصرّف الاعمال سحابة سبعة أشهر... في أواخر شهر تشرين الأول 1969 حصل اصطدام مسلح بين الفدائيين والجيش اللبناني في مجدل سلم في منطقة الجنوب تسبب فيه الفدائيون، فسار الفريق المؤيد. وما هي إلا أيام معدودة حتى اشتعلت المناطق الحدودية وكان عدد الفدائيين فيها قد تجاوز الثلاثة آلاف. ثم ثارت الدول العربية على رئيس لبنان لموقفه من الفدائيين ومارست تجاه لبنان مختلف أنواع الضغوط ولاسيما منها الإعلام العربي وأقفلت بعضها الحدود مع لبنان وتصاعدت الاشتباكات العسكرية بين الجيش والفدائيين وحلفائهم ومرت بضعة أيام والامور تسير من سيء إلى أسوأ الامر الذي اضطر السلطة إنقاذًا للبلاد من الانقسام داخليًا إلى التسليم بالوجود الفدائي في لبنان وكان اتفاق القاهرة وقد تضمن نصًا سريًا أعطى خطأ الانطباع بأن لبنان سُلّم للفدائيين. ولكن الفلسطينيين لم يكتفوا بما تضمنه اتفاق القاهرة. وخلافًا لهذا الاتفاق ادخلوا جميع أنواع الأسلحة والذخائر ولاسيما الثقيلة منها إلى المخيمات وأنشأوا المكاتب في العاصمة والضواحي والمناطق وكثرت التجاوزات التي كان يرتكبها عناصرهم وتعددت الاصطدامات بينهم وبين قوى الأمن والجيش وأخذوا بإيواء الخارجين على القانون من لبنانيين وفلسطينيين وغيرهم من عرب وأجانب... وفي ليل 10 – 11 نيسان 1973، قتل 3 مسؤولين فلسطينيين في شارع فردان واتهم رئيس الحكومة يومذاك قائد الجيش بالتقصير واشترط إقالته أو استقالة الحكومة... وكان أبرز هذه الاصطدامات بين الفلسطينيين والجيش الاصطدام الذي حصل في 2 آيار 1973 على أثر حجز 3 عسكريين من قبل حاجز من فدائيين. أنذر الجيش الفلسطينيين بإعادة المحجوزين خلال مهلة محددة وإلا لجأ إلى القوة. وبعد انقضاء هذه المهلة دون نتيجة، توجهت دورية من الجيش لاستعادتهم بالقوة. وجرى تبادل إطلاق نار تبعه قصف ثكنات الجيش المجاورة من قبل فلسطينيين بالمدافع والصواريخ. وعمت الاشتباكات العاصمة ومناطق عدة من لبنان. وأخذ الفلسطينيون يقصفون الأحياء السكنية والمرافق العامة ومنها مطار بيروت الدولي بمختلف أنواع الأسلحة ومنها المدافع والصواريخ. واضطرت الحكومة يومذاك إلى اتخاذ تدابير أمنية مشددة منها منع التجول. وما ان أخذت الأمور تعود إلى الحالة الطبيعية حتى انفجرت عند الساعة العاشرة من ليل 7 آيار وكان مجلس الوزراء لا يزال منعقدًا وتساقطت القذائف المدفعية والصاروخية وسواها بصورة عشوائية على جميع أحياء بيروت وضواحيها وتسببت بوقوع ضحايا بريئة عدة مما حمل مجلس الوزراء بناء على اقتراح رئيس الحكومة إلى إعلان حالة الطوارئ. وقضت بيروت وضواحيها تلك الليلة دون ان يهدأ دوي انفجارات القذائف وأزيز الرصاص. وقبل بزوغ الفجر بعد تلك الليلة الرهيبة كان رئيس الحكومة يقدّم استقالته لانه لم يصمد امام الضغوط التي تعرّض لها على أثر إعلان حالة الطوارئ قبل ساعات معدودة ولكن ذلك لم يمنع من اتخاذ التدابير العسكرية ومنها سلاح الطيران والتي بفضلها توقفت موجة العنف. إذ تهافت السفراء العرب طالبين وقفها متوسطين بين السلطة اللبنانية والفلسطينيين داعين إلى ضرورة توضيح العلاقات بين السلطة والمقاومة وكان اتفاق ملكارت.ولكن لا اتفاق القاهرة ولا اتفاق ملكارت كان ما يرمي إليه الفلسطينيون. واستمرت أعمال الشغب وتصاعدت ولم يكن مهرجان خطابي يحصل في أي منطقة يتواجد فيها فلسطينيون إلا ويشترك هؤلاء فيه ويحملون على السلطة ويتهمونها بشتى الاتهامات ولا يكتفون بذلك بل يحملون على نظام الحكم وعلى مؤسسات الدولة الدستورية منها والوطنية ولاسيما الجيش ألخ... إلى أن كان يوم 26 شباط 1975 حيث قامت تظاهرة في صيدا اشترك فيها النائب السابق المرحوم معروف سعد. أطلقت النار عليه فأصيب بجراح بالغة نقل على أثرها إلى المستشفى حيث توفي بعد أسبوعين تقريبًا. حدثت أعمال شغب بعد إصابة النائب سعد وبعد وفاته. وحاولت الحكومة برئاسة رشيد الصلح معالجة ذيول هذا الحادث المؤسف وما إن أخذت اجواء الهدوء تعود إلى البلاد حتى كان يوم 13 نيسان 1975 حيث وقعت حادثة عين الرمانة المعروفة. سارعت الحكومة يومذاك إلى العمل على تدارك الامر بعد أن تبين لها أن أجواء غير طبيعية تسود البلاد فأجرت الاتصالات بجميع الأطراف المعنية للوقوف على حقيقة هذه الحادثة المؤسفة وعلى أسبابها ودوافعها ولكن دون جدوى. وُجِّهت التهمة إلى حزب لبناني بأنه يعمل على تصفية المقاومة الفلسطينية وأقيمت الحواجز المسلحة وجرى خطف بعض المنتسبين للحزب المذكور أو المتعاطفين معه حيث كانوا يمرون بمناطق مختلفة من العاصمة ولم يكونوا قد علموا بعد بما حصل. ففقد بعضهم ولا يزال مفقودًا. وعمت الاشتباكات بمختلف الاسلحة الخفيفة منها والثقيلة وقطعت الطرقات العامة واعتدى على منازل ومكاتب ومتاجر ومصانع ووقعت ضحايا عديدة ولم تتمكن الحكومة من وقف إطلاق النار إلا بعد أربعة أيام على بدء القتال. وما أن أخذت الأحوال تهدأ تدريجيًا حتى قامت حملات تتهم السلطة بشتى التهم. منها التآمر على المقاومة وبأنها تنفذ مخططًا لتصفيتها من اجل فرض حل سلمي في منطقة الشرق الأوسط ومنها أن أسباب الحوادث هي محض اجتماعية... وشعرت المقاومة الفلسطينية انها أصبحت تحت الأضواء فعمدت إلى توجيه إعلامها على انها تلتزم حيادًا مطلقًا تجاه ما يجري في لبنان ناسبة ذلك مرة إلى أنه صراع بين يمين ويسار ومرة أخرى إلى أنه صراع بين طوائف حول مطالب مختلفة إلى آخر المعزوفة. وتحت وطأة هذه الحوادث اضطرت الحكومة برئاسة رشيد الصلح إلى الاستقالة. وفي الوقت الذي كان رئيس الجمهورية يجري استشارات نيابية لتشكيل حكومة جديدة استؤنفت الاشتباكات في ضواحي بيروت وبالضبط في منطقة تل الزعتر الدكوانة وما لبثت أن اتسعت رقعة الاقتتال بسرعة جنونية لا عهد لنا بها في لبنان وأخذت قذائف المدافع والصواريخ تتساقط بصورة عشوائية في كل مكان على الناس والممتلكات مخلفة وراءها الضحايا والخراب. وتجاه إعلان رئيس الوزراء المستقيل أنه لن يمارس مهمة تصريف الأعمال حتى تشكيل حكومة جديدة ولن يبذل أي جهد من أجل وقف النار كان لا بد من مواجهة هذا الأمر بتدبير سريع بوقف النزف البشري فجرى تشكيل حكومة من عسكريين وقف ضدها بصورة خاصة أقطاب الطوائف الإسلامية وتداعوا إلى عقد اجتماعات طائفية مما تقرر فيها: طلب استقالة الحكومة وعدم قبول أية حكومة لا يكون رئيسها رشيد كرامي. وقدّمت الحكومة التي ضمت العسكريين استقالتها بعد يومين من تأليفها وجرى تكليف الرئيس كرامي تشكيل حكومة جديدة ولكن الاشتباكات لم تتوقف بل كانت رقعة الاقتتال تتسع فيزداد معها عدد الضحايا والخراب والدمارو الخسائر والتعقيدات إلى أن تم الاتفاق بعد مرور اكثر من شهر على تكليفه على تشكيل حكومة برئاسة الرئيس كرامي بتاريخ أول تموز 1975. وكعادتهم اتخذ الفلسطينيون من قضية حكومة العسكريين حجة وشنوا حملات عنيفة ضد السلطة بعد ان اتهموها بشتى الاتهامات منها تصفية المقاومة الفلسطينية وتحجيمها. تمرير الحلول السلمية أو الاستسلامية، تنفيذ مخططات الصهيونية والإمبريالية. التآمر على الدول العربية المتلاحمة مع الثورة. ولم ينسوا تبرير ما أقدموا عليه من أعمال تخريبية واعتداءات على الناس والممتلكات فقالوا إنها بسبب التواطؤ مع الإنعزاليين والتستر بهم. استعداء الجيش على المقاومة... تسليح الجيش لضرب المقاومة والهيئات الوطنية والاحزاب التقدمية... المحافظة على نظام الاحتكار ومص الدماء والصفقات المشبوهة... تسليح الميليشيات وتشجيعها للتصادم مع المقاومة تمهيدًا لاستدراجها إلى معارك جانبية يضطر عندها الجيش للتدخل ويضرب المقاومة... مالت الأوضاع إلى الهدوء وأخذت الحياة الطبيعية تعود إلى البلاد والاحوال تتحسن يومًا بعد يوم. وسارت الحكومة الجديدة في عملها تنفيذًا للبيان الوزاري وتوالت الاجتماعات واللقاءات من اجل تحقيق مصالحة وطنية بين جميع الأطراف تجمع الشمل وتضع مصلحة لبنان فوق كل مصلحة ورغبة من الحكومة في استعجال درس جميع المسائل والمواضيع المطروحة للبحث والتي كان البعض يرى أن معالجتها تقطع سبب الشر. قررت عقد جلسات مفتوحة. سئل فخامة الرئيس سليمان فرنجية عن توقعاته من مؤتمر القمة المنعقد حاليًا في القاهرة فأجاب: إن التحركات العربية على مستوى القمة مختصرة كانت أو موسعة دليل عافية... إن أول ما يدعو إلى التساؤل هو لماذا المحركون اليوم لم يتحركوا إلا بعد ثمانية عشر شهرًا من بدء الحوادث التي سريعًا ما استحالت إلى حرب شرسة؟ أقول حربًا ولا أقول أهلية كما يصر على تسميتها المغفلون المتواطئون وسيئو النية. بل أقول حربًا عدوانية شنها على اللبنانيين في أرض لبنان الفلسطينيون وأعوانهم لأهداف شتى. غير أننا نتخطى هذا التساؤل لنقف للمؤتمرين عند حقيقة أن الإعلام الفلسطيني يبني دعايته على المغالطات والافتراء ويروج لها بالضغط والإرهاب او بالإفساد والإغراء. فمن افتراءاته ومغالطاته مثلاً قوله عندما بدأت انتصارات القوى اللبنانية في الجنوب إن إسرائيل تدعم القوى اللبنانية كما سبق لإعلامهم أن قال في معركة ضبيه وتل الزعتر إن القوى السورية ساعدت القوى اللبنانية كل ذلك تغطية لفشل الفلسطينيين في هذه المعارك. هذا فضلاً عن انتقامهم الوحشي بعد كل انكسار إذ يتخيرون نقطة ضعف في الجمهورية اللبنانية فينزلون بكل قواهم إليها ويغدرون بها غدرًا. فالعيشية اليوم كما شكا بالامس والدامور قبلهما. وتابع الرئيس فرنيجة فقال: تلك هي الملاحظات والتخوفات والآمال التي نتوجه بها إلى الملوك والرؤساء المجتمعين اليوم في القاهرة لمعالجة القضية اللبنانية وإيجاد الحلول لها. إننا نرجو لهم التوفيق لأن العالم المتحضر كله ينظر الآن إليهم، يحكم لهم او عليهم قبل حكم التاريخ. وختم بقوله: سيظل لبنان أيًا كانت المحاولات رافضًا لأي حل لا يزيل عنه الاعتداء وآثاره وذيوله غير قابل بما لا يسلم معه تاريخه العريق الأصيل في الحضارة ودوره الفريد النبيل في خدمة الانسانية والإنسان وجهه المتميز في هذا المقلب من الأرض. سئل فخامة الرئيس سليمان فرنجية عن رأيه بالمقررات التي اتخذت في مؤتمر الرياض فأجاب: "ما هي الغاية التي من اجلها تم انعقاد مؤتمر القمة العربية في الرياض؟ إن الغاية بنظرنا هي حقن دماء اللبنانيين. فماذا يجب لذلك؟ وقف الاقتتال ثم الحؤول دون تجدده. اما الاقتتال فأسبابه الوجود الفلسطيني الكثيف على أرض لبنان والمطامع الفلسطينية الجنونية بأرض لبنان التي دوخت عقول الفلسطينيين فأضاعتهم. وسبب الاقتتال الدعم العربي المفرط بالمال والسلاح والرجال الذي قدم لهم لغاية وأنفق على غير غاية. ولم يقم على ذلك رقيب أو حسيب. أما وقف الاقتتال فيجب أن يكون وفقًا لجميع أنواع الاقتتال من حد القصف والقنص والرجم العشوائي بالصواريخ إلى حد التهويل والتهديد والخطف ومن حد التدمير والحرق والتخريب إلى حد السرقة والسلب والنهب. كما يجب أن يكون وقفًا كليًا على جميع الجبهات من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال مرورًا بالجبال والسواحل وبالمدن وضواحيها. وأما الحؤول دون تجدد الاقتتال فلا يكون إلا بإزالة أسبابه ومتى علم أن من أسباب الاقتتال الرئيسية تفرد الفلسطينيين بإدارة قيادة القضية العربية الشاملة المسماة باسمهم والتحالف مع اليسار المحرض الذي زعم الفلسطينيون انه من حقهم أن يعقدوه باسم القضية الفلسطينية على حساب المجموعة العربية فجروا وراءهم على حين غفلة بعض المسؤولين العرب. كل هذا بالإضافة إلى السبب الرئيس الكبير الذي هو تمسك اللبنانيين حتى النفس الأخير بسيادة بلادهم بحريتها وبكرامتها. متى علم ذلك. علم ماذا تعني بالضبط إزالة أسباب القتال وكسيف يجب ان تكون. فإن كان هذا قد تحقق فقد تحققت الغاية من مؤتمر الرياض وإن لا فلا. ثم تابع فقال: يبدو ان فخامة الرئيس سركيس قد عاد مطمئنًا إلى مقررات المؤتمر. إننا نثق بالرئيس سركيس. فعندما يكون هو مطمئنًا يصير سهلاً علينا أن نطمئن. هذا فضلاً عن أن ظاهر القررات يطمئن. غير أنه يبقى أن نعرف بواطن هذه المقررات والدقة والصرامة والصدق التي سترافق تنفيذها. عشية اندلاع الحرب، يوم السبت 12 نيسان 1975، دخل رئيس الجمهورية سليمان فرنجية عند الثامنة صباحًا، إلى الجامعة الأميركية لإجراء عملية جراحية لاستئصال المرارة. إستغرقت الجراحة ثمانين دقيقة، خرج بعدها الرئيس واعيًا وشكر الطبيب الذي أجرى الجراحة الدكتور سامي عبيد والأطباء الأخصائيين والممرضات الذين عاونوه، بقوله "شكرًا لكم ... ألله يقويكم"... على الأثر صدر بيان طبي أولي أكد فيه مستشفى الجامعة نجاح الجراحة وأن الرئيس يتمتع بصحة جيدة، ثم عند المساء صدر بيان آخر: "يتمتع فخامة رئيس الجمهورية الأستاذ سليمان فرنجية بحالة صحية ممتازة بعد الجراحة التي أجريت له صباح اليوم وتظهر كل المؤشرات الطبية أنه يستعيد نشاطه بصورة طبيعية. وطوال النهار، منذ الصباح الباكر، حتى المساء، غص مستشفى الجامعة بوفود الزائرين من أركان الدولة والنواب والدبلوماسيين ورجال الدين وممثلي الأحزاب والهيئات والنقابات والوفود الشعبية... وكانت هناك بالطبع "فرنسا" الزغرتاوية التي استقبلت إعلان نجاح الجراحة بزلغوطة أشاعت الإرتياح في نفوس المحتشدين... وبين مئات السلال من الزهر التي وصلت إلى المستشفى، ثلاث من الرئيس أنور السادات والملك الحسن الثاني والسيد ياسر عرفات الذي انتدب أبو الزعيم وأبو حسن لزيارة المستشفى. صحيفة النهار الخاصة باندلاع الحرب في لبنان المندلعة يوم الأحد 13 نيسان 1975، صدرت متوجة بالعناوين التالية: 30 قتيلاً وعدد من الجرحى - عرفات يستنجد بالملوك والرؤساء العرب، والجميّل يتهم إسرائيل بافتعال الحادث - جنبلاط وأحزاب اليسار يطالبون بحل الكتائب وطرد وزيريها - السادات يتدخل ويدعو إلى حقن الدماء والقضاء على الفتنة بمهدها - ليلاً: إنفجارات ورصاص ونسف محلات وقطع طرق... وفي التفاصيل: 26 فلسطينيًا وكتائبيان وشخصان آخران قتلوا في حادث حصل على دفعتين في عين الرمانة، بين كتائبيين وعناصر فلسطينيين. القيادة الفلسطينية اتهمت الكتائب بمسؤولية ما حصل فيما اتهمت الكتائب سيارتين فولزفاكن وفيات بافتعال الحادث. وكان القتلى الفلسطينيون في أوتوبيس عائد من مسيرة. كذلك وقع بضعة جرحى من الطرفين. عام 1976 إنعقدت جلسة أول مؤتمر قمة عربي في عهد الياس سركيس أقر فيها المجتمعون دخول قوات الردع العربية إلى لبنان. في حزيران 1978 جمعت قمة اللاذقية الرئيسين الياس سركيس وحافظ الأسد اللذين أعلنا عن اتفاق مشترك طالبا فيه بتنفيذ قراري مجلس الأمن الدولي 425 و 426 من أجل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإعادة السلطة إلى الشرعية والسيادة اللبنانية إلى الجنوب وتعزيز التنسيق بين الجيش اللبناني وقوات الردع العربية . كذلك شدّد الاتفاق على ضرورة تنظيم العلاقات اللبنانية الفلسطينية مع المحافظة على سلامة لبنان وسيادة أراضيه. بعد هذه القمة، عقدت اجتماعات عسكرية لبنانية – سورية – دولية لمناقشة الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب ودخول الجيش إليه بالتنسيق مع الطوارئ الدولية إضافة إلى نشر الجيش في بيروت والمناطق بالتنسيق مع قوات الردع العربية. في السادس من حزيران 1978، أعلنت الجبهة اللبنانية رفضها للاتفاقات المعقودة بين السلطة اللبنانية والمقاومة الفلسطينية منذ اتفاق القاهرة عام 1969 حتى اليوم. فانفجر الوضع عسكريًا في أوائل تموز 1978 إنطلاقًا من الضاحية الجنوبية وصولاً حتى الأشرفية ليطاول كل مناطق بيروت الشرقية. شهد الوضع الامني في العام 1978، النكسة تلو النكسة لكن الأمل بحلول السلام في لبنان هيمن على مطالع السنة الجديدة حيث استقبلها اللبنانيون على أمل أن يشهدوا فيها استقرارًا أمنيًا ملحوظًا في الداخل وعلى الحدود وأن تنجح المساعي الهادفة إلى وفاق وطني ثابت وجامع. في الساعات الأولى من العام الجديد، حفل نشاط رئيس الحكومة الدكتور سليم الحص بتحركات اتصلت بمعالجة الناحية الأمنية واتخاذ التدابير الهادفة إلى إزالة المظاهر المسلحة. ثغرات أمنية عدة تنخر الساحة الداخلية. معالجتها تحتاج إلى تنسيق بين القوى الشرعية الثلاث. وكما الداخل اللبناني غير مستقر كذلك الوضع في الجنوب متوتر وهش، رغم المشاورات الدولية الجارية لتجنيبه خطر الانفجار. سعت الحكومة إلى ترجمة مقررات اجتماع بيت الدين وإلى إيجاد قواسم مشتركة بين الأطراف اللبنانيين وبين لبنان والعرب، لاسيما مع سورياوالمقاومة الفلسطينية. في الواقع ما عمدت إلى القيام به الحكومة هو تكريس نوع من الانفراج النسبي الداخلي ريثما يتضح المنحى الذي يسير في فلكه الوضع العام في الشرق الأوسط وانعكاسه المباشر على لبنان. في هذا الإطار بدأ الحكم في لبنان سنته الجديدة مترقبًا للتطورات. في غياب قرار دولي بحل للأزمة اللبنانية. أمنيًا عاد الهدوء الأمني إلى الضاحية الجنوبية من بيروت بعد الاشتباكات التي جرت يوم السبت وأدت إلى سقوط ثلاثة إصابات. في الاول من كانون الثاني كانت إيران تعيش لحظاتها التاريخية، حيث تودع نظامًا وتستعد لاستقبال نظام جديد، وولوج ىفاق جديدة. شاه إيران يعيش أيام حكمه الأخيرة، والإمام الخميني يتحضر للعودة إلى بلاده. في عهد الرئيس الياس سركيس ، إنعقد عدد من مؤتمرات القمة العربية :المؤتمر الأول استضافته الرياض يوم السبت 16 تشرين الأول 1976 بدعوة من المملكة العربية السعودية وامتدّ طوال ثلاثة أيام . أقرّ بيانه الختامي تأليف قوة الردع العربية لوقف الحرب اللبنانية الفلسطينية المستعرة منذ سنتين وفرض تطبيق اتفاق القاهرة على منظمة التحرير الفلسطينية. أما المؤتمر الثاني فاستقبلته القاهرة بعد عشرة أيام من المؤتمر الأول ، حضرته عشر دول عربية وهو تكملة للمؤتمر الأول . أما الثالث فعقد في بغداد في تشرين الثاني 1978 بُعيد مؤتمر كامب دايفيد وتوقيع المعاهدة المصرية الإسرائيلية. إستمر المؤتمر خمسة أيام وبرز فيه الانشقاق العربي والخلاف بين مصر ودول التصدّي والصمود التي تشمل سوريا ، العراق، ليبيا ، الجزائر واليمن الجنوبي. أما المؤتمر الرابع فانعقد في تونس في 20 تشرين الثاني 1979 بطلب من لبنان ودام يومين بحث قضية الجنوب اللبناني والوجود الفلسطيني المسلّح. عملية الليطاني – إجتياح إسرائيل للجنوب ثلاثون ألف جندي دفعتهم إسرائيل ليل 14 – 15 آذار 1978، مدعومين بمئات الدبابات وقطع المدفعية والطائرات والبوارج الحربية. 358 قرية استهدفها العدوان (الذي استمر سبعة أيام) في أقضية حاصبيا وبنت جبيل ومرجعيون وصور والنبطية... 1100 كلم2 من الاراضي اللبنانية تم احتلالها خلال هذا الإجتياح العنيف. 560 مواطنًا استشهدوا وجرح 653. إرتكبت قوات الإحتلال مجازر في بلدات الخيام وكونين والعباسية وجويا. دمرت قرى كاملة كالغندورية والقنطرة، وخمسين مدرسة وعشرة مراكز صحية وخرّبت شبكات المياه والكهرباء والهاتف وأماكن العبادة من مساجد وكنائس وحسينيات، وأتلفت مئات الألوف من الدونمات المزروعة. القراران 425 و 426 على أثر الإجتياح الإسرائيلي للجنوب اللبناني في عملية الليطاني في 14 آذار 1978، صدر عن مجلس الأمن الدولي بتاريخ 19 آذار 1978 القرار 425 الذي نص على ما يلي: إن مجلس الأمن بعدما أخذ علمًا برسالة مندوب لبنان الدائم ورسالة مندوب إسرائيل الدائم. وبعدما استمع إلى كلمتي المندوبين الدائمين للبنان وإسرائيل، إذ يعرب عن اهتمامه بتدهور الوضع في الشرق الأوسط ومضاعفاته بالنسبة إلى الحفاظ على السلام الدولي واقتناعًا منه بأن الوضع الحالي يعوق تحقيق سلام عادل في الشرق الأوسط يدعو إلى احترام صارم لسلامة الأراضي اللبنانية وسيادة لبنان واستقلاله السياسي ضمن حدوده المعترف بها دوليًا. يدعو إسرائيل أن توقف فورًا عملها العسكري ضد سلامة الأراضي اللبناني وتسحب حالاً قواتها من كل الأراضي اللبنانية. يقرر في ضوء طلب الحكومة اللبنانية أن ينشئ فورًا تحت سلطته قوة مؤقتة تابعة للأمم المتحدة في جنوب لبنان وغايتها التأكد من انسحاب القوات الإسرائيلية وإعادة السلام والأمن الدوليين ومساعدة حكومة لبنان على ضمان استعادة سلطتها الفعلية في المنطقة على أن تتألف القوة من عناصر تابعة للدول الأعضاء في الأمم المتحدة. وبعد إطلاع مجلس الأمن على تقرير الأمين العام، أصدر المجلس القرار 426 قرر فيه: تشكيل القوة بالتوافق مع التقرير المذكور لفترة أولية تبلغ ستة أشهر على أن تتابع عملها بعد هذا التاريخ إذا دعت الحاجة، شرط أن يوافق مجلس الأمن على هذا. في الثانية من فجر الجمعة 18 نيسان 1980، أغار الكومندوس الإسرائيلي على مركز تابع للجبهة الشعبية للقيادة العامة في بلدة الصرفند في جنوب صيدا ووقع اشتباك دام ساعتين. في وقت أعلنت قيادة القوات الدولية في الجنوب أن الميليشيات الحدودية قتلت جنديين إيرلنديين وجرحت رفيقًا لهما، بعد خطفهم مع مرافقين دوليين ومراسل وكالة أنباء أميركية ومصورها فيما كانوا متجهين إلى مركز المراقبة الدولية في مارون الراس. بذلك يكون عدد قتلى القوات الدولية قد ارتفع إلى 41 قتيلاً منذ دخولها جنوب لبنان قبل عامين. وقع الكمين المسلح على طريق بنت جبيل – مارون الراس. أثار نبأ مقتل الجنديين الإيرلنديين على أيدي ميليشيات سعد حداد غضبًا في الأمم المتحدة وبدّل المعطيات التي كانت سائدة قبل الحادث وازداد التوتر في مجلس الأمن خصوصًا إثر الإعتداء الإسرائيلي على الصرفند. فطالبت المجموعة العربية في الامم المتحدة بضم هذا الإعتداء على الشكوى اللبنانية من أعمال إسرائيل في الجنوب. عقد مجلس الأمن جلسة وفي أذهان أعضائه مصير القوات الدولية وفي أصدائه تداعيات ما وصفه دبلوماسيون في الأمم المتحدة باغتيال العسكريين الإيرلنديين. وشهدت الجلسة إصرارًا من ممثلي الدول التي لها قوات عاملة في الجنوب على ضرورة صدور قرار فوري عن المجلس حول الحادث. ورفع الأمين العام للأمم المتحدة الدكتور كورت فالدهايم تقريرين الأول يتعلق باستمرار تدهور الوضع في الجنوب والثاني يعرض لظروف مقتل الجنديين الإيرلنديين. وتقدم مندوب تونس بمشروع قرار طالبًا من مجلس الأمن الموافقة عليه يذكّر المشروع بالقرارات السابقة ذات لاأرقام 425 و426 و427 و434 و440 و450 و459، كذلك بشروط عمل القوات الدولية الواردة في تقرير الأمين العام في 19 آذار 1978 والمؤكدة في القرار 426 لناحية تمكين القوات الدولية من العمل كوحدة عسكرية فعالة وضرورة تمتعها بحرية التحرك والدفاع عن النفس والإتصال والتسهيلات الأخرى لتنفيذ مهمتها. ويدين مشروع القرار التدخل العسكري الإسرائيلي داعيًا إلى الإنسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية ووقف أعمالها العدائية المباشرة وغير المباشرة ويدين خرق اتفاق الهدنة والهجمات على القوات الدولية والمراقبين الدوليين وعرقلة أعمالهم في منطقة عمليات الأمم المتحدة. ويستنكر الخسائر في الأرواح وسقوط الجرحى في صفوف القوات الدولية والقصف المتعمد للمستشفى الميداني التابع لها. في بداية تموز 1980، أعلن وزير خارجية فرنسا، جان فرنسوا، من واشنطن، عن مبادرة تتعلق بالشرق الأوسط، ستتخذها قريبًا دول السوق المشتركة. طلبت المراجع الرسمية اللبنانية الحصول على معلومات وافية عن المبادرة الأوروبية. وكان وزير الخارجية اللبناني فؤاد بطرس قد عاد من لندن ولديه انطباعًا بأن بريطانيا تنصح بتأخير المبادرة الأوروبية إلى ما بعد الإنتخابات الأميركية. في وقت كانت الولايات المتحدة تشدد على بقاء معاهدة كمب دايفيد، معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، حجرَ الزاوية لأية تسوية شرق أوسطية شاملة. ولبنان لم يكن ليغرّد خارج السرب العربي، ولن يتبنى أي قرار لا ينسجم مع الموقف العربي الجامع والقائم على بند رئيس قوامه انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة في العام 1967، مع موافقة إسرائيل على إقامة كيان فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، في مقابل اعتراف الدول العربية بإسرائيل، واعتراف متبادل بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية. في ليل الأحد الإثنين 31 تموز – 1 آب 1980، شهدت منطقة القاسمية قرب صور عملية إنزال عسكرية إسرائيلية هي الأوسع في الجنوب منذ الغارة على منطقة أرنون في كانون الثاني 1979. نفّذ الإنزال رجال الكومندوس الإسرائيلي مع تغطية من قصف بحري ورمايات جوّية واستغرقت العملية أربع ساعات نُسِفَت خلالها خمسة منازل في العيتانية في القاسمية. وأدى الإعتداء إلى مقتل 13 بينهم امرأتان وأربعة أطفال وخمسة من "جبهة التحرير العربية" وواحد من البعث. وأصيب 29 فلسطيني بجروح. وغادرت القوة المغيرة مصطحبة معها أسيرين فلسطينيين. وتحدث الإعلام الإسرائيلي عن العملية مشيرًا إلى تدمير قاعدة للفدائيين الفلسطينيين في جنوب لبنان. جاءت العملية الإسرائيلية في جنوب لبنان بعد ساعات من اجتماع لمجلس الأمن انعقد في 31 تموز 1980 في نيويورك لمناقشة موضوع القدس. صدر في نهايته قرار جديد حمل الرقم 476 أكد معارضة المجموعة الدولية أعمال إسرائيل في المدينة المقدسة وتمت الموافقة على مشروع القرار الذي تقدّمت به مجموعة الدول الإسلامية بأكثرية 24 صوتًا وامتناع الولايات المتحدة عن التصويت. في 1 آب 1980 إحتفل لبنان بعيد الجيش للمرة الأولى منذ حرب السنتين. جرى الإحتفال في ثكنة شكري غانم في الفياضية مع تخريج 204 ضباط في الجيش وقوى الأمن الداخلي. سلّم الرئيس الياس سركيس الضباط المتخرجين سيوفهم في حضور أركان الدولة ودعاهم إلى جعلها سيوف حق وعدل وكرامة يجردونها من أجل الدفاع عن لبنان. وفي لقائه وزير الدفاع ووفد قيادة الجيش دعا سركيس إلى بناء جيش وطني مدعوم شعبيًا وقال إن توحيد الوطن ووفاق اللبنانيين يتيحان للجيش أن يتسلّم مهماته في جو تتضاءل فيه الصعوبات والعوائق. إحتفل لبنان بعيد الجيش وسط أزمة سياسية حادة وانقسام عمودي نتج عنهما عدم نضج التوافق على حكومة تتولى إدارة شؤون البلاد والشعب ما حدا بالرئيس سليم الحص إلى التحذير من عدم إمكانية الحكومة المستقيلة الإستمرار في تصريف الأعمال إلى ما لا نهاية في وقت تمر البلاد بظروف صعبة ودقيقة. في 28 أيلول 1980، في وقت يعلن صدام حسين استعداد العراق للتفاوض ووقف النار مع إيران، تتسارع وتيرة الأحداث على مسرح الشرق الأوسط. أما في لبنان فجمود في السياسة وفي الأمن وفي الإقتصاد، ومراوحة في الأزمة الوزارية، وفشل في كل الإتصالات التي أجراها الموفدون والرسل العرب والدوليون، ولا أفقًا فعليًا ملموسًا لانفراجات على الصعيد السياسي ولا على الصعيد الأمني. أما سوريا فتلوّح بتوقيع معاهدة وشيكة مع الإتحاد السوفياتي ستكون لها انعكاسات على المنطقة عمومًا ولبنان بنوع خاص. عشية اندلاع الحرب الإيرانية العراقية في 1 تشرين الأول 1980، إنعقد المؤتمر السنوي الخامس والثلاثون لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وكان رئيس البنك الدولي دعا في كلمته الأعضاء الـ 135 إلى مساعدة البلدان النامية التي تمثلها هذه السنة لجنة من 24 عضوًا تضم لبنان وقد ترأس وفده إلى المؤتمر حاكم مصرفه المركزي في حينه الشيخ ميشال الخوري وضم السادة خطار شبلي ورجا حماده ونسيم صليبا، وأجرى محادثات مع البنك الدولي للحصول على قرض جديد لتمويل مشاريع تتعلق بمرفأ بيروت وكان لبنان من المطالبين برفع حصة الدول النامية من 23 إلى 45% من مجموع رأس مال المؤسستين الدوليتين ما يسمح لها بلعب دور أكبر في رسم استراتيجيتهما المالية العالمية. في 30 تشرين الثاني 1980، إحتشد 10 آلاف لبناني في ملعب برج حمود لمشاهدة مباراة لكرة القدم، هي الأولى من نوعها منذ العام 1975، بين فريق من المنطقة الغربية هو الأنصار وآخر من الشرقية هو الإستقلال. خرقت هذه المباراة الجدار النفسي والحواجز بين اللبنانيين وقد جرى التحضير لها لأشهر عدّة. تجرّأ وقدم إلى المنطقة الشرقية مئات من الشباب اللبنانيين المقيمين في الغربية وملأوا ثلث مقاعد المتفرجين في الملعب الشرقي. مباراة كسرت جليدًا عمره خمس سنوات وقرّبت بين مواطنين باعدت بينهم الحرب المدمرة. هذا في الرياضة، أما الموضوع الأبرز في السياسة فكان تمديدان: الأول تمديد للقوات الدولية العاملة في الجنوب والتي ينتهي انتدابها في 19 كانون الأول. والثاني لقوة الردع العربية والتي ينتهي انتدابها في 27 كانون الثاني. الإثنين 27 تموز 1981، أنهت لجنة المتابعة العربية الدورة الرابعة من اجتماعاتها التي عقدتها يومي السبت والأحد 25 و26 تموز، بعد أن أمضت في لبنان 23 ساعة قوّمت خلالها الوضع في الجنوب عشية قرار مجلس الأمن الداعي إلى وقف النار، وقرارات مجلس الدفاع العربي المشترك. وختمت اللجنة المشتركة العربية أعمالها ببيان مقتضب حددت فيه موعدًا جديدًا للإجتماع في 3 و4 أيلول المقبل مع تسجيلها الإرتياح للإيجابية في مسألة التعامل مع إسرائيل، بعد أن كان الشيخ بشير الجميل قائد القوات اللبنانية قد سلّم إلى الرئيس الياس سركيس موقفه من هذه المسألة. وكانت تركزت مناقشات اللجنة على قضايا ثلاث: الجنوب والوضع الأمني والحوار. بالنسبة للجنوب، فضّلت اللجنة عدم التدخل في معالجة الوضع المتدهور نتيجة الإعتداءات الإسرائيلية لما لهذه القضية من ارتباط بأزمة الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية، ولأبعادها الإقليمية والدولية. وكان لبنان، على هذا الصعيد، قد دعا إلى عقد قمة عربية لمعالجة الوضع بالطريقة المناسبة بعد أن طالب في قمة الطائف الإسلامية باستراتيجية عربية مشتركة لمواجهة إسرائيل يكون له فيها نصيب. أما فيما يتعلق بالوضع الأمني في بيروت، فناقشت اللجنة موضوع فتح الممرات والمعابر بين شطري العاصمة، مع الأطراف اللبنانية المتحاربة الذين أجمعوا على تغليب نظرية الوفاق قبل الأمن. وبالتالي تم استبعاد فتح الممرات قبل موعد الإجتماع المقبل للجنة العربية المشتركة التي ستسعى كمرحلة أولى لفتح بوابة السوديكو. يبقى موضوع الحوار بين الأطراف المتقاتلة. رأت اللجنة في موقف القوات اللبنانية بوقف التعامل مع إسرائيل إيجابية وخطوة متقدمة لتحريك عملية الحوار. عمومًا، شعر اللبنانيون بالإحباط من مبادرة اللجنة العربية بطيئة، حيث أنها لم تقدم الكثير لهم. واعتبروا عملها تمريرًا للوقت وتمديدًا للأزمة ريثما تتضح الصورة الإقليمية والدولية. ما زاد في جمود الحال، عدم لقاء الرئيس الياس سركيس بياسر عرفات رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. لقاء سعى إلى عقده كثيرون. كل الإشارات أوحت بأن الأزمة لا تزال بعيدة عن الحل. وأن الشهر القادم والأيام السبعة التي تفصل عن الإجتماع المقبل للجنة العربية، سيكرس السفراء ممثلو الدول الأعضاء في اللجنة جهودهم لحث الأطراف اللبنانيين للحوار على أن تنطلق أولى جلساته بعد 3 و4 أيلول. وفيما يتعلق بموضوع تأهيل الجيش وتطعيم الردع وما إلى ذلك، بقيت هذه النقاط قيد الكتمان عن الإعلام. وستستفيد اللجنة بعد تأجيل الإجتماعات من الوقت لحلحلة العقد مع ما يعني ذلك من استمرار للمسعى العربي لإيجاد حلول للأزمة اللبنانية. إرجاء بت بعض المواضيع وتأجيل البحث فيها مرده إلى التطورات الإسرائيلية الخطيرة في الجنوب. إن صمود وقف النار من جهة ووضع مجلس الأمن الدولي يده على هذا الملف بطريقة غير منحازة من شأنه إعادة البحث في الملف اللبناني من جديد في عمق وجدية، خصوصًا بعد المواجهات التي حصلت بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل. إن الرئيسين سركيس والوزان وممثلي الدول الأعضاء في اللجنة العربية سيكثفون من اتصالاتهم باتجاه تحريك ملف الوفاق وتبريد المناطق الساخنة. في 27 آب 1981، نجحت مساعي سفير المملكة السعودية في لبنان، الفريق علي الشاعر، في تثبيت هدنة إعلامية بعد اتصالات واسعة أجراها مع الجبهة اللبنانية. مبادرة كان من المتوقع أن تنعكس إيجابًا على الوضع الأمني والسياسي، يتبعها لقاء بين ممثلي كل الدول الأعضاء في لجنة المتابعة مع الشيخ بشير الجميّل قائد القوات اللبنانية. لقاء حضر في مناقشات جرت سابقًا خلال اجتماع الممثلين برئاسة الرئيس سركيس وحضور رئيس الحكومة شفيق الوزان. حينها اقترح الرئيس سركيس الإجتماع وزكّاه السفير السعودي ولم يمانع فيه ممثل سوريا العقيد محمد غانم. شرط موافقة القيادة السورية عليه بعد اتصالات تجريها معها السلطة اللبنانية. وكان الدافع من هذا الإقتراح تهيئة مناخات ملائمة لاجتماع اللجنة على مستوى الوزراء في الثاني والرابع من أيلول المقبل حين يزور وزير خارجية السعودية والكويت، الأمير سعود الفيصل والشيخ صباح الأحمد دمشق ويلتقيان الرئيس السوري حافظ الأسد في محاولة لوضع حد للواقع اللبناني المتدهور. في 26 أيلول 1981، زار رئيس الحكومة شفيق الوزان الجنوب، واستمع إلى مطالب الجنوبيين. بدأ جولته في الزهراني حيث تفقد بناء الجسر الجديد على يد فرقة الهندسة في سلاح الجيش اللبناني. ثم توجه إلى صور والتقى الأهالي وأكد التزام الدولة تنفيذ مطالبهم، إنتقل بعدها إلى أرزون معقل الجيش اللبناني، قبل أن يزور النبطية حيث واجهته تظاهرة شعبية صاخبة شكت له من الحرمان وطلبت منه زيارة ملجأ مضت على بنائه أعوام وهو غير صالح، تحول مستنقعًا للمياه الآسنة. فتعهد بتحقيق مطالب الشعب الصامد في الخط الأول للمواجهة بحسب وصفه. واختتم جولته في صيدا موجهًا الدعوة للعرب إلى إدراك مسؤولياتهم التاريخية فيكونون يدًا واحدة مع لبنان. تزامت جولة الوزان في الجنوب، مع زيارة للرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران إلى المملكة العربية السعودية هي الأولى له لبلد أجنبي منذ توليه رئاسة الجمهورية الفرنسية. وقد أوحت هذه الزيارة بدعم فرنسي للمبادرة السعودية ومشروع الأمير فهد ولي العهد السعودي للسلام. تناولت المحادثات السياسية الموضوعين الفلسطيني واللبناني. في وقت كان السفير السعودي في بيروت علي الشاعر قد انتقل إلى السعودية للمساعدة في إعداد ملف لبنان لطرحه أمام الجانب الفرنسي. من جهة أخرى، عقد عضو اللجنة المركزية لمنظمة الجيش الأرمني السري لتحرير أرمينيا، آرا ألكسندر ينيكومشيان، وأحد قادتها أغوب أغوبيان، في بيروت، مؤتمرًا صحافيًا، أوضحا فيه ملابسات عملية اقتحام القنصلية التركية في باريس واحتجاز رهائن فيها طوال خمس عشرة ساعة. وتليا بيانًا أعلنا فيه أن الثوار قرروا إنهاء العملية بعدما حققت أهدافها وهي كشف حقيقة النظام الفاشي التركي ولفت الرأي العام العالمي إلى المظالم التي يتعرض لها الشعب الأرمني والشعبان التركي والكردي. وعلى عدالة القضية التي يناضل من أجلها الجيش الأرمني السري لتحرير أرمينيا. وشرعية الأعمال العسكرية التي يقوم بها ضد أجهزة النظام التركي. وكان قائد القوة المهاجمة للسفارة قد جرح وأخذ للمعالجة. فجرت المفاوضات بينه وبين وزير الداخلية الفرنسي الذي تعهد بمنح المجموعة المنفذة للهجوم حق اللجوء السياسي. على هذا الأساس سلّم قائد المجموعة، وهو جريح، الشيفرة إلى نائبه الذي كان يقود المجموعة نيابة عنه وهي تطلب من الثوار داخل المبنى إطلاق الرهائن وتسليم أنفسهم إلى أجهزة الأمن الفرنسية. وشهد هذا اليوم أيضًا موافقة المؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة النووية على مشروع قرار قدمته الجزائر والسعودية ودولة الإمارات العربية ينص على البحث في دورة أيلول 1982 في تعليق حقوق إسرائيل وامتيازاتها كعضو في الوكالة الدولية للطاقة النووية إذا لم تخضع من الآن حتى ذلك التاريخ إلى قرار مجلس البأمن الرقم 487 المتعلق بإخضاع المنشآت النووية لمراقبة الوكالة الدولية. في 27 تشرين الأول 1981، إنعقد اجتماع لممثلي الدول الأعضاء في لجنة المتابعة العربية في القصر الجمهوري، لحل مشكلة خطوط التماس وتنفيذ القرارات المتعلقة بفتح الممرات بين شطري العاصمة ومراقبة الشواطئ والمرافئ وذلك قبل اجتماع الوزراء في السابع من تشرين الثاني المقبل. ومن اقتراحات اللجنة: 1 – سحب وحدات الجيش اللبناني المتمركزة على قسم من خط التماس الشرقي وإحلال وحدات أخرى من الجيش نفسه مكانها وتوسيع انتشار هذه الوحدات كي يشمل كل خط التماس الشرقي وتوزيع وحدات من قوى الأمن الداخلي على بعض الحواجز للتعاطي مع المواطنين بمؤازرة وحدات الجيش عند الطلب. 2 – سحب جيش التحرير الفلسطيني عن خط التماس الغربي وإحلال وحدات سورية مكانه وتوزيع وحدات من قوى الأمن الداخلي على الحواجز للتعاطي مع المواطنين بمؤازرة الوحدات السورية. 3 – وضع الوحدات اللبنانية، الجيش وقوى الأمن والوحدات السورية في أمرة وزير الداخلية شفيق الوزان وبقيادة العميد سامي الخطيب قائد الردع. في وقت أصرت الحركة الوطنية وحركة أمل ودمشق على أولوية تنفيذ قرارات لجنة المتابعة، بُحث في تشكيل لجنة مراقبة غرار المراقبين الدولييين في الجنوب. وقبيل اجتماع لجنة المتابعة، عادت التفجيرات للظهور مجددًا بعد اكفاء استمر أسبوعين. وقد انتقلت هذه الموجة إلى الضاحية الشرقية من بيروت حيث انفجرت سيارة ملغومة في منطقة سن الفيل أوقعت عشرين جريحًا وأضرارًا جسيمة وأشعلت حرائق. في 26 تشرين الثاني 1981، فضّت القمّة العربية المنعقدة في مدينة فاس في المغرب برئاسة العاهل المغربي الملك الحسن الثاني، على توتر بين المملكة السعودية وسوريا بعد مقاطعة الرئيس حافظ الأسد لها واكتفائه بحضور ممثله، وزير خارجيته عبد الحليم خدّام. رفعت القمة أعمالها إلى موعد لم يحدد تفاديًا للإحراج ونتيجة مقاطعة ما يسمى بدول الرفض لمعارضتها مشروع الأمير فهد للسلام معتبرة أن فيه اعترافًا ضمنيًا بإسرائيل علمًا أن السعودية نفت ذلك. ويعكس فشل القمة الهوة العميقة والإنقسامات داخل الجامعة العربية. على هامش القمة، استقبل الرئيس اللبناني الياس سركيس بحضور رئيس الحكومة شفيق الوزان ووزير الخارجية فؤاد بطرس، وزير الخارجية الجزائري محمد الصديق بن يحيى، وتم التداول في التحرك الجزائري نحو لبنان الذي بدأ قبل فترة. ثم التقى الرئيس سركيس الأمين العام للجامعة العربية الشاذلي القليبي. بعد القمة غادر الرئيس اللبناني سركيس إلى جنيف برفقة طبيبه الخاص الدكتور ناصيف أبو فاضل، وبعض الضباط ورجال الأمن. في 27 كانون الأول 1981، تفاقم الوضع الأمني في الشطر الغربي من بيروت، بعد التدهور الخطير، وموجة التفجيرات، وارتفاع عدد الضحايا، ما جعل من المقررات التي كانت اتخذتها اللجنة الأمنية قبل شهرين غير ذي فائدة. أمام هذا الوضع المتدهور، تم التوافق على تقييد حركة المرور بين شطري العاصمة، وساد اتجاه نحو الطلب من قوات الردع العربية الإشراف على تنفيذ الخطة الأمنية المرتقبة مع تحديد أدوار كل من الردع وقوى الأمن الداخلي واللجنة الأمنية العليا. تزامنًا مع التطورات الدراماتيكية في بيروت الغربية، جاءت زيارة الرئيس حافظ السوري حافظ الأسد لليمن لتتوج جولة خليجية شملت السعودية والكويت والبحرين وقطر ودولة الإمارات. في وقت إلتقى الرئيس حسني مبارك أعضاء اللجنة البابوية. وكانت تتفاعل إقليميًا مسألة ضم إسرائيل مرتفعات الجولان المحتلة منذ حرب حزيران 1967. وكانت شهدت تطورات الخليج توقيع اتفاق الحدود بين المملكة السعودية والعراق منهيًا خلافًا قديمًا بينهما، مع تأكيد السعودية وقوفها صراحة إلى جانب العراق في حربه مع إيران. في مطلع السنة 1980، كانت محور السياسة مسألة دخول الجيش إلى الجنوب وتسهيل مهمته وتحديد أطرها وتسلمه مواقع المسلحين لإسقاط ذرائع إسرائيل ومنعها من القيام باجتياح وشيك. وكانت تشكلت لجنة المتابعة العربية لحل هذه الإشكالية ترجمة لوساطة عربية، وكانت إتصالات أجرتها اللجنة مع رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات وبعض الأطراف غير الرسميين المعنيين بقضية الجنوب بمن فيهم رموز الحركة الوطنية والمجلس الشيعي الأعلى، فالتقت نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ محمد مهدي شمس الدين ورئيس الحزب الإشتراكي وليد جنبلاط. في الثالث من كانون الثاني 1982، إلتقت لجنة المتابعة العربية برئيس الجمهورية الياس سركيس فترأس الإجتماع وكان الثالث في سلسلة اجتماعات ستعقدها اللجنة في إطار وساطتها لإيجاد حل بين الحركة الوطنية من جهة والجبهة اللبنانية من جهة أخرى والتوافق على صيغة الوفاق وتحقيق المصالحة الوطنية، وإسقاط الذرائع التي تحول دون انتشار الجيش على طول الشريط الحدودي وتسلّمه أسلحة الميليشيات في كلا الجبهتين وتواجهه منفردًا مع إسرائيل. بالتزامن مع هذا السجال السياسي حول الجيش، كان سجال عضوي أيضًا تمثّل بتجميد مرسوم ترقية ضباط الجيش من رتبة نقيب وما فوق كما أقرّها المجلس العسكري بسبب رفض الرئيس سليم الحص التوقيع عليه لوجود أربعة أسماء فيه اعتبرهم رموز الحرب. لم تكن قضية انتشار الجيش في الجنوب المحور الوحيد للنقاش السياسي بل ثمة أيضًا موضوع مستجد فرض نفسه على جلسة مجلس الوزراء الأولى المنعقدة في السنة 1980 في الثاني من كانون الثاني، حيث بحث المجتمعون مسألة دخول حجة الإسلام محمد منتظري لبنان بطريقة غير مشروعة وضرورة معالجة الموضوع مع قوة الردع ودمشق والفلسطينيين. في 9 شباط 1982، كانت قضية خطف القائم بأعمال سفارة الأردن في لبنان هشام المحيسن، تدخل يومها الرابع والبحث عنه مستمر، لكنه يدور في حلقة مفرغة. المعلومات التي توافرت لدى الأجهزة الأمنية والقضاء العسكري لم تحمل أي جديد من شأنه الإرشاد إلى مكان وجوده أو كشف هوية الجهة التي خطفته. بعد تحرك عدد من الدبلوماسيين العرب، زار عميد السلك الدبلوماسي السفير البابوي كارلو فورنو وزير الخارجية فؤاد بطرس في منزله في الأشرفية وسلّمه باسم أعضاء السلك مذكرة حول قضية خطف المحيسن. في هذه الأثناء، وفي الولايات المتحدة الأميركية، أصدرت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأميركي ولجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ التقرير السنوي الذي رُفع إلى الكونغرس ليكون جزءًا من الوثائق التي يطلبها الكونغرس عادة قبل إقرار موازنة المساعدات الخارجية. تناول التقرير أوضاع حقوق الإنسان في 153 دولة. في حديثه عن لبنان قال "إنه أظهر تقليديًا إحترامًا كبيرًا لحقوق الإنسان لكن قدرته على تنفيذ احترام هذه الحقوق تضاءلت في السنوات الأخيرة بسبب الحرب الأهلية واستعمال الفدائيين وقوات عسكرية أجنبية الأراضي اللبنانية. إن هذا الوضع قلص إلى حد كبير حجم المنطقة من البلاد التي هي تحت السيطرة الفعلية للحكومة. أوضح التقرير أن قسمًا كبيرًا من البلاد هو الآن تحت سيطرة الجيش السوري الموجود في لبنان منذ العام 1976 كجزء من قوات حفظ السلام التابعة للجامعة العربية وتحت سيطرة مجموعات الفدائيين الفلسطينيين وقوات الميليشيات اللبنانية التابعة لمختلف الفئات الدينية. وأشار إلى أن القتال بين مختلف هذه القوى أدى إلى سقوط ضحايا مدنية كثيرة خصوصًا منذ العام 1975 وأن أعدادًا من المدنيين اللبنانيين فقدوا أرواحهم أو ممتلكاتهم نتيجة الغارات الإسرائيلية ضد قوات الفدائيين الفلسطينيين في جنوب لبنان. وذكر التقرير أنه وقعت حالات عدة من خرق حقوق الإنسان والتخويف والخطف والإعدام الفوري. لكنه لاحظ أن عدد الذين قتلوا في لبنان تراجع عما كان في العام 1976، من ستين ألفًا إلى نحو 1500 في الأشهر التسعة الأولى من العام 1980. تفجير مقر قوات المارينز والمظليين الفرنسيين في بيروت يوم الأحد 23 تشرين الاول 1983، إستهدفت عمليتا تفجير إنتحاريتان القوات المتعددة الجنسيات العاملة في بيروت، أسفرت عن مصرع 169 جنديًا (145 أميركًا و24 فرنسيًا) وجرح 69 آخرين مع بقاء مصير 63 جنديًا مجهولاً حتى ساعة متأخرة من الليل.نفذت عمليتا التفجير بواسطة سيارتي نقل بيك أب مفخختين، إقتحمت الأولى مقر قيادة مشاة البحرية الأميركية (المارينز) في مبنى المديرية العامة للطيران المدني المؤلف من ثلاث طبقات، والثانية مقر سرية المظليين الفرنسيين قرب مستشفى بيروت في منطقة بئر حسن والمؤلف من تسع طبقات، بفارق زمني ثلاث دقائق. أدى الإنفجاران إلى تدمير للمبنيين بشكل كامل. وكان مجهول اتصل بمكاتب شركة فرانس برس في بيروت متحدّثًا باسم حركة الثورة الإسلامية الحرة وهي المرة الأولى التي يُسمع فيها بهذه الحركة، وأعلن مسؤوليتها عن العمليتين. توفي في العملية الأولى منفذا العملية، الأول يدعى أبو مازن (26 عامًا) والثاني أبو سيجعان (24 عامًا). تلت ذات الحدث الجلل، انتكاسة للوضع الأمني في محاور عاليه والشحار الغربي وتعرضت مواقع الجيش اللبناني في سوق الغرب وضهر الوحش لقصف مدفعي، وتجددت الإشتباكات ليلاً على جميع محاور إقليم الخروب. تلقت الولايات المتحدة بذهول نبأ التفجير الذي أوقع أكبر خسارة بشرية في صفوف القوات الأميركية في عملية واحدة، منذ حرب فييتنام. وأعلن وزير الدفاع كاسبار وينبرغر عن إمكانية نقل القيادة إلى سفينة قبالة الساحل اللبناني، ووجّه أصبع الإتهام إلى إيران دون أن يستبعد السوفيات. أما الرئيس رونالد ريغن الذي كان يقضي عطلة نهاية الأسبوع في أوغوستا في ولاية جورجيا، فدعا مجلس الأمن القومي للإجتماع. من جهتها، لم توجه فرنسا الإتهام لأي طرف، مكتفية بإدانة الحادث وإعلان استمرار قواتها في لبنان وأوفدت وزير دفاعها شارل إرنو إلى بيروت لمعاينة مكان الحادث. الساعات الأولى من أول انهيار لليرة اللبنانية في التاريخ يوم الجمعة 25 كانون الثاني 1985، إستيقظ اللبنانيون على ارتفاع جنوني للدولار. تحول الهم الإقتصادي والمالي همّ الناس الحقيقي لا بل الوحيد بعد تجاوز سعر الدولار الأميركي عتبة 12 ليرة، ما دفع إلى وقف تسعيره وحدوث شلل شبه تام في المبيعات بين المصارف. تراجع تاريخي في سعر الليرة في بلد يعتمد على الإستيراد بالعملة الصعبة لسد أكثر من 75 % من استهلاكه.اجتماعات القصر الجمهوري برئاسة رئيس الجمهورية أمين الجميل وحضور رئيس مجلس الوزراء رشيد كرامي وأعضاء اللجنة الإقتصادية برئاسة وزير الإقتصاد والتجارة فكتور قصير ومجلس إدارة جمعية مصارف لبنان، كلّها بدت مبادرات عبثية. عند السادسة وخمس عشرة دقيقة من مساء الجمعة 25 كانون الثاني ترأس الرئيس الجميل اجتماعًا في حضور الرئيس كرامي مع ممثلين عن جمعية مصارف لبنان برئاسة رئيس الجمعية أنطوان شادر وحضور فريد روفايل والدكتور نعمان الأزهري والدكتور هشام البساط، خصص لمناقشة تطورات الوضع المالي والإقتصادي. وكانت المصارف قد اتفقت على وقف التعامل مع شركتي البروكرز الوحيدتين "باتلر" و"تاولت أندرولي" وحصر شؤون الوساطة والتسعير بشركة لبنان المالية التي يشرف عليها مصرف لبنان وحاكمه إدمون نعيم والسلطات النقدية المسؤولة. أمام هذا التدهور السريع لسعر صرف الليرة وقفت الدولة مشلولة ولم تنجح الجلسة الإستثنائية لمجلس الوزراء التي انعقدت يوم الأحد 27 كانون الثاني من لجمه. مساء الثلاثاء 5 شباط 1985، إنفجرت سيارة مفخخة إستهدفت قوات الإحتلال الإسرائيلي في البرج الشمالي، أوقعت بالإسرائيليين خسائر فادحة، بين قتلى وجرحى، مع تدمير شاحنة عسكرية وناقلة جند وسيارة جيب ملأى بالجنود. بدأت العملية بتفجير عبوة ناسفة على طريق صور البرج الشمالي قرب مؤسسة جبل عامل المهنية. هرعت بعدها قوات إسرائيلية مؤللة إلى مكان الحادث وأخرى كانت تسلك الطريق ذاته منسحبة من منطقة الزهراني. فاقتحم المكان إنتحاري من حركة أمل بسيارة مرسيدس مفخخة بـ400 كلغ من المتفجرات وارتطم بشاحنة تحمل ذخائر، ما ضاهف في نتائج الهجوم. في السادس عشر من آيار 1989، أجرى المفتي حسن خالد حواره الصحفي الأخير، في دار الفتوى، وانتقل من مكتبه إلى منزله في الرملة البيضاء حيث تعرّض في الشارع الرئيس قبالة جامع عائشة بكار لجريمة اغتيال أدت إلى استشهاده ومرافقيه بمن فيهم الدركي أحمد عفيف الغوش. في لقائه الصحفي الأخير أبدى قلقه على مصير لبنان إلا أنه جدّد ثقته بأن تحمل القمة العربية التي كانت على وشك الإنعقاد لبحث سبل وقف الحرب في لبنان وإعادة الامن والإستقرار والسلم إلى ربوعه، وعبّر عن تفاؤله بإرادة اللبنانيين في المنطقتين الغربية والشرقية على تجاوز الإنقسام والتفرقة. رحل المفتي خالد... إنعقدت القمة العربية، وولدت من رحمها مناخات دولية وإقليمية ومحلية أفضت إلى الإتفاق على وثيقة الوفاق الوطني في مدينة الطائف السعودية بجهود اللجنة العربية الثلاثية العليا التي ضمت السعودية والمغرب والجزائر... طويت ستائر الحرب باستشهاده وغابت معه قافلة الرجالات الشهداء الذين سقطوا في زمنها، بدءً بالإمام المغيّب موسى الصدر ، إمام المحرومين وأحد رواد الحوار الإسلامي المسيحي، مرورًا بكمال جنبلاط المتطلع إلى جمهورية لبنانية تقدمية إشتراكية، والمناضل لتحرير الشعوب العربية، فبشير الجميّل الذي التزم جمهورية لبنانية موحدة ودولة عصرية لا سيادة فيها إلا للشعب ولا حكم إلا للقانون، ثم رشيد كرامي العامل من أجل الجمهورية الديمقراطية الوطنية التي يتساوى فيها المواطنون في الحقوق والواجبات. توّج هذه القافلة سماحة المفتي حسن خالد وهو يبشر بولادة قريبة لجمهورية لبنان الواحد التي تسودها القيم ويتعايش فيها مواطنوها المسلمون والمسيحيون في ظل الحرية والعدل والمساواة التامة في الحقوق والواجبات.   لبنان كما حددته الجبهة اللبنانية أما لبنان فهو الذي حددته الجبهة اللبنانية، مرارًا، في بياناتها، ومذكراتها الديبلوماسية المرفوعة إلى قداسة الحبر الأعظم بولس السادس، والسيد فانس وزير الخارجية الأميركية، ووزير خارجية فرنسا لدى مرورهما في لبنان، وهو هذا:
1 – إن لبنان الذي يحيا اللبنانيون من أجله ومن أجله يموتون، هو الذي لم يعتد ولم يتآمر على أحد، ولا هو واطأ أحدًا على شر.
إذ كان في التاريخ كله وبخاصة مجتمعه المسيحي، مصدر خير وخدمة وسلام لذاته، لمحيطه، وللعالم أجمع.
2 – وهو الذي كانت فيه المسيحية دائمًا حرة سيدة أمينة على قيمها وتراثها ومصيرها.
وهي تعتزم، اليوم، أكثر من كل يوم آخر، أن تبقى حرة – سيدة، أمينة على قيمها وتراثها وما تنشد لنفسها من مصير.
3 – وهذه المسيحة في لبنان تذكّر بأنها لم ترد لنفسها، يومًا في الماضي ولا تريد، الآن، لنفسها، وتعتزم ألا تريد في المستقبل ما لا تريده لغيرها من الجماعات الروحية التي تتكون منها الأسرة اللبنانية، على أنها لا تريد لنفسها، كذلك، أن تصبح في مطلق حال، مسودة، أو أن تقبل لنفسها ما لم تقبل به لغيرها.
4 – ولبنان الذي يريده اللبنانيون هو لبنان المنسجم الحب، القادر على تحقيق ذاته في بقاء كريم.
لبنان الحر، المنفتح، المتعدد المجتمعات.
وهو لبنان الذي يؤمن إيمانًا نابعًا من كيانه ومن تراثه، هو، الذي يؤمن بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
فهذه الصورة – الهدف هي، عند القادة اللبنانيين، المقياس الذي به يقيسون ليقروا أو يرفضوا ما هو مبحوث، اليوم أو سيبحث غدًا، من حدود ونُظُم واتجاهات سياسية، وعلاقات.
5 – تلك هي قواعد ترتكز على حقائق من ثوابت التاريخ اللبناني، غير أن قواعد أخرى ترتكز على حصاد التجارب وهي من حتمية الفكر والمنطق يجب أن يُعرف بعضها وأن يُعلن:
أ – إن لبنان الذي من أجله يحيا اللبنانيون ومن أجله يموتون هو موطن اللبنانيين جميع اللبنانيين، المقيمين فيه، ووطن جميع اللبنانيين المتحدرين من أصل لبناني والمنتشرين في العالم، وهو وطن المسيحيين العائشين في العالم الإسلامي المحيط، وهو وطن المناضلين من كل دين ومذهب المروّعين، في هذا العالم المشرقي، الفازعين من بلادهم إليه.
ب – لبنان هذا يجب أن يبقى مختبرًا حضاريًا فذًا فيه تعالَج وتُنقَد النُظُم والمذاهب والتيارات الروحية، وفيه يُحك الناس.
جـ - ولأن لبنان قيمة بحد ذاته فهو يستطيع أن يكون ملتقى تفاعل وتبادل بين حضارات الشرق والغرب والمتخيّر الأمثل لروائعها جميعًا.
د – من هنا وصلت الجبهة اللبنانية إلى التأكيد أن البنيان السياسي الجديد للبنان الموحّد، المعزز للولاء المطلق له والمانع للتصادم بين اللبنانيين، يجب أن يعتمد تعددية المجتمع اللبناني بتراثاته وحضاراته الأصيلة، بحيث ترعى كل مجموعة حضارية فيه جميع شؤونها، وبخاصة ما يتعلق منها بالحرية وبالشؤون الثقافية والتربوية والمالية والأمنية والعدالة المجتمعية، وما يتعلق بعلاقاتها الثقافية والروحية مع الخارج، وفقًا لخياراتها الخاصة.
وهنا، بعد مسيرة الشرف هذه، لا بد من أن يقف سائل ليسأل:
لمن كانت هذه البادرة في بناء هذا لبنان الحضاري هذا؟
بل من كان بناته الأصليون؟
!   لقد شهدت السنوات الأخيرة في لبنان تحوّلات واضحة في مواقف بعض القوى الإسلامية، وهي تحوّلات تستحقّ الإشادة والتقدير، لأنها تشير إلى بداية إدراك أن مصالح لبنان العليا لا يمكن أن تُحقق إلا عبر التعاون بين أبنائه، وليس بالالتحاق المطلق بمشاريع خارجية تهدد كيانه.
في السابق، كانت مواقف بعض القوى الإسلامية متصلبة إلى جانب الفلسطينيين والسوريين، معتبرة أن أي مشروع وطني لبناني مستقل لا يمكن أن يجد صدىً في الوسط الإسلامي إلا بالارتباط بهم.
لكن الواقع المؤلم الذي شهده لبنان بعد تغييب الإمام موسى الصدر، ومقتل القائد الوطني سليم اللوزي، إضافة إلى الاعتداءات المتكررة في بيروت الغربية وفي طرابلس، كشف هشاشة هذا الموقف، وأعاد النظر في خيارات البعض، إذ بدا واضحاً أنّ الانصياع المطلق للقوى الخارجية لم يحقق سوى المزيد من الخراب والمعاناة للبنانيين جميعاً.
وفي هذا السياق، بدأ يظهر تيار إسلامي لبناني جديد، يرى في التعاون مع المسيحي الوطني العامل على إنقاذ لبنان، خياراً أكثر واقعية ومنطقية.
هذا التيار، الذي يُفضّل الانخراط في مشروع وطني جامع، يثبت أنّ الوحدة الوطنية ليست شعاراً فارغاً، بل يمكن أن تصبح حقيقة عملية إذا ما تجاوزت الانقسامات التقليدية، وارتكزت على مصالح لبنان العليا، وعلى حماية كيانه واستقلاله.
إنّ هذا التحوّل لا يخفّف من قيمة الصعوبات والمآسي التي عانى منها اللبنانيون، لكنه يفتح نافذة أمل جديدة.
فالاعتراف بأن التضامن بين اللبنانيين، مهما اختلفت انتماءاتهم الطائفية أو السياسية، هو الطريق الأمثل لحماية وطنهم، يشكل خطوة أساسية في إعادة بناء الثقة بين مكونات الشعب اللبناني، وفي وضع أسس حقيقية للسلام الداخلي.
أؤكد هنا أنّ أي تعاون بناء بين المسلمين والمسيحيين اللبنانيين يجب أن يكون مستنداً إلى مبادئ واضحة: السيادة الوطنية، الاستقلال الكامل، حماية المواطن اللبناني، وتعزيز الوحدة الوطنية فوق كل اعتبار خارجي.
إنّ التاريخ يعلمنا أنّ لبنان لم ينهض إلا عندما توحّدت قوى وطنية من مختلف الطوائف، ضد المشاريع التي تستهدفه من الداخل والخارج معاً.
إنّ ما نراه اليوم من ميل واضح في صفوف بعض المسلمين إلى تبني موقف أكثر واقعية، هو مؤشر أن لبنان قادر على تجاوز أحلك الظروف، وأن الإرادة الوطنية الجامعة، التي تتجاوز الانقسامات، يمكن أن تصبح قوة فاعلة لحماية الوطن وإعادة بناء مؤسساته ومجتمعه.
هذا التوجّه الجديد يستحقّ التشجيع، ويجب أن يُستثمر في رسم خريطة سياسية واجتماعية تقوم على التعاون الحقيقي بين كل اللبنانيين، بعيداً عن أي هيمنة أو تأثير خارجي.
  في زمنٍ غلبت فيه الانقسامات، وتشتّت فيه المواقف داخل الجبهة اللبنانية، برزت شخصية استثنائية، جسّدت ثبات المبدأ ووضوح الرؤية، وكان لها دور بارز في تذكير اللبنانيين بعظمة صيغة الاستقلال لعام 1943.
إنّه الشيخ بيار الجميل، الرجل الذي، وحده، دون سائر أعضاء الجبهة، تمسّك بهذه الصيغة كأساس لأي مشروع لبناني حقيقي، مؤمنًا بأن لبنان لا يُحفظ إلا بالتعايش بين مختلف الطوائف، وبأنّ أي محاولات للجوء إلى حماية أجنبية أو عربية هي مسار خطر يُهدّد استقلاله وسيادته.
لقد رفض الشيخ بيار أن يكون لبنان تابعًا لأحد، أو ساحةً لمصالح الخارج، بل أراده وطناً لكل أبنائه، أرضًا للحرية والتعددية، مساحة يتآخي فيها المواطنون على أساس القيم الوطنية المشتركة لا على أساس الطائفة أو الانتماء الضيّق.
تمسّكه بهذا المبدأ جعل منه صوت العقل في زمن ضبابيّة القرارات، ومثالاً على أنّ المبدأ الوطني لا يمكن التنازل عنه حتى تحت ضغوط الحرب والصراعات.
أكثر ما يثير الإعجاب في مواقفه أنّه لم يكتفِ بالحديث أو الخطابات، بل عمل على ترسيخ ثقافة التعايش بين الطوائف على أرض الواقع.
كانت مبادراته دائمًا تهدف إلى ربط اللبنانيين بعضهم ببعض، وتعزيز روح الأخوّة والتضامن، وخلق شبكة أمان اجتماعية وطنية، بعيدًا عن أي تدخل خارجي.
إنّ الشيخ بيار الجميل لم ينسَ يومًا أنّ صيغة 1943 لم تُبنى لمجرد اتفاق سياسي، بل لتكون رسالة حياة، رسالة تؤكّد أنّ لبنان يمكن أن يكون موحدًا في التنوع، حراً في قراره، مستقلاً في سيادته، ومفتوحًا لجميع أبنائه دون استثناء.
إنّ ثباته على هذه القيم كان، ولا يزال، منارة لكل من يهمه مستقبل لبنان، ودرسًا عمليًا في الوفاء للسيادة والحرية.
في خضم الفوضى والانقسامات التي شهدها وطننا، تبرز مواقف الشيخ بيار الجميل كإشارة واضحة إلى أنّ لبنان الحقيقي لا يُحفظ إلا بالمبادئ الصافية، وبالإيمان بأن الأخوة الوطنية أقوى من أي فاصل طائفي، وأن أي حماية خارجية لا تستطيع أن تحل محل تضامن اللبنانيين مع بعضهم.
إنّنا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى مثال الشيخ بيار الجميل، الذي يثبت أنّ الحفاظ على لبنان قائم على الثبات على المبدأ، وعلى التمسك بالتعايش والتأخي بين جميع أبنائه، هو الطريق الأوحد لضمان استمراره وسيادته، ولتأكيد أنّ وطننا هو وطن لكل اللبنانيين، بغض النظر عن الانتماءات أو الخلافات.
  تصريح لجريدة الانوار.
اجرى الاستاذ منير نجار باسم جريدة الانوار ووكالة الانباء اللبنانية مع الاستاذ ادوار حنين الحديث التالي في موضوع بيان التجمع الاسلامي.
الناشر.
اي متى عينت الجبهة اللبنانية تاريخ الرد على التجمع الاسلامي ؟.
في علمي ان الجبهة لن ترد على بيان التجمع.
وفي علم ايضا ان سقوط الجبهة هو لغير الاسباب التي قيل انها حمله التجمع الاسلامي على السكوت عن الرد على بيان سيدة هالبير.
والامانة العامة ستسكت هي ايضا ؟.
الامانة من الجبهة لسانها.
فعندما تسقط الجبهه سكتت الامانة بالفعل ذاته.
والاستاذ حنين بصفة التي رد بها على الحوادث افلا يرى ضرورة للرد بها على التجمع ؟.
ماذا تريد مني بصفة الشخصية التي لي.
لقد كلفتني غاليا هذه الصفة لاحافظ عليها.
لقد قلت في تصريح سابق ان التجمع الاسلامي لن يرد على بيان الجبهة.
وها انه قد رد.
رد وكانه لم يرد.
اهوى هذا رد التجمع الاسلامي ؟ يكاد لا يكون الا ردا اعلاميا دعائيا جدليا.
والجبهة عندما تصدر بيانا تتوخى العقيدة والوجدان والحق وتبدي مواقف واقتراحات وحلولا.
قلت ان التجمع لن يرد فهل هذا الذي بين ايدينا رد ؟ فاين اجتمع.
التجمع ؟ ومن وقع البيان ؟ ان التجمع الذي نتصور هو غير هذا الذي اذاع البيان الفلاني الا اذا كان هو ذاك وكان ذاك هو.
اذ ذاك يكون التجمع الذي اذاع البيان هو كل التجمع الاسلامي.
جاء في بيان التجمع.
دعني اقاطعك لمصلحة الحديث الذي تدون ولمصلحة الحقيقة الحق.
هناك حقائق نعتبرها اساسا في كل بحث من هذا الموضوع دعني اعلنها على قراءك قبل ان نبعد في الكلام حقيقتان اثنتان لابد من اعلانهما.
الاولى.
لقد اعتبرت الجبهة اللبنانية حرب السنتين حربا مصيرية بالنسبة للبنان.
وقد خاضتها كحرب مصيريه فعلمنا اي موقف وقفت الجبهة من هذه الحرب المصيرية.
فهل يتلطف التجمع الاسلامي فيعلمنا كيف نظر هو الى هذه الحرب ؟ ماذا اعتبرها ؟ وماذا كان موقفه منها مجتمعا كتجمع ومنفردين اعضائه ؟ اين كان وكانوا ؟ الذي اعتبر وان في فترة وجيزة ان الحرب كانت حربا بين اللبنانيين واللبنانيين عليه ان يلزم الصمت الان لانه قال ما قال عن اقتناع بانها ليست كذلك وقال ما قال عن عدم اقتناع بما قال.
من الحكم الماثورة.
ان من لم يصدق الناس حق للناس ان لا يصدقوه جولان والحالة هذه كيف يكون الامر مطاعا والمامور مؤتمرا بامره ؟.
الثانية.
اما الثانية فمن اي منطلق ينطلق التجمع الاسلامي ال؟ كان انطلاق الجبهه من ان حرب السنتين ليست لبنانية لبنانية فلاني بل هي حرب شنها الفلسطينيون على لبنان وخاضها الفلسطينيون وحلفائهم ومرتزقتهم ضد اللبنانيين.
وكان انطلاقها من ان كل ما يجري الان محاولات كما 57 محاولة السابقة لوقف اطلاق النار.
ومن ان وقف اطلاق النار يزيل عزيز الرصاص وذوي المدافع ولا يزيل الاقتتال ومن ان الاقتتال لا يزول الا بازالة الفلسطينيين عن ارض لبنان.
وكان انطلاق الجبهة من انا لبنان الغد لا يمكن ان يعمل له بشد وان يعمل في سبيله باخلاص الا بعد ان ترسخ مقومات بقائه وامنه.
ويثبت كالصخر مستقبله الصاعد.
وكان انطلاقها من مبادئ واضحه صريحه نشرت اول مرة في بيان سيدة البير وكررت بعد ذلك مرارا كما اعلنت في بيان مستقل.
وكان انطلاقها من ان لا ضمانه لللبنانيين الا اللبنانيين انفسهم.
فالجبهة منطلقه من كل هذا حددت لها مواقف واصدرت بيانات.
اما التجمع الاسلامي فمن اي منطلق ينطلق ليصدر بيانه ؟.
يقول البيان انه منذ قيام التجمع الاسلامي وهو يعمل بجهد وصبر لاخراج البلاد من الاقتتال ومن الهوة الصحيقة التي وقعت فيها فما هو رايك في هذا القول ؟.
من الذي ادخل البلاد في الاقتتال ؟ ومن الذي زج بها في الهوة الساحقات جميل او ليس من بين هؤلاء اعضاء التجمع الاسلامي قبل ان يصبح تجمعا والتجمع الاسلامي بالذات بعد ان اصبح تجمعا ؟ وذلك بسكوتهم عن تجاوزات الفلسطينيين المستمرة في لبنان منذ ما قبل حرب 1975 بسنوات عديده منذ ما قبل حوادث ايار سنة 1973.
وذلك ايضا بمعاونتهم الدائمه للمتجاوزين في تجاوزاتهم.
ان اعضاء التجمع قبل ان يجتمعوا والتجمع بعد ان اجتمع هم الاولون الذين مكنوا من زج البلاد في الاقتتال ومن دفع البلاد الى الهوة.
ولقد كان التجمع واله مسؤولين عن الاقتتال وعن الهوهان قبل ان يحصل الاقتتال وتقع البلاد في الهوة.
وقد ظهرت مسؤوليتهم يوم قابلوا ان يتعاونوا مع الفلسطينيين على الفريق اللبناني الاخر.
كما لو كان الفلسطينيون لبنانيين او كان للفلسطينيين وهم فلسطينيون من فلسطين هذا الحق في لبنان.
ويرجع هذا اليوم الى وقت كان معظم الذين يتالف منهم التجمع الان يجتمعون كقمة اسلاميه في عرمون ويعلنون بسولان اذا كان المسيحيون في لبنان يعتبرون جيش لبنان النظامي جيشهم فان للمسلمين من الفدائيين جيشا هو جيشهم البديل ثم يوفدون احد.
كبار المشتركين في قمة عرمون الى قصر الرئاسة في بعبدا ليبلغ بذلك الى رئيس الجمهورية مدمنين بلاغهم هذا التهديدا يقل قليلا ان قال عما يحمل عادة البلاغ رقم واحد.
اسال الذين يعرفون تاريخ بلادهم في التجمع.
اي متى تمكن العثمانيون المسلمون والمصريون المسلمون والفلسطينيون المسلمون من افتعال حوادث في لبنان الا عندما كان يساعدهم عليها المسلمون اللبنانيون.
واسال التجمع ايضا.
اين كان هذان الجهد والصبر عندما كنا نجهد في رد الاعتداء عن لبنان في الاقتتال عنه في توقيف الاقتتال في تعيين اطرافه وفرقائه وفي تبيان حقيقته.
واين كان جهد التجمع وصبره عندما كنا نصبر على الاعلام الكاذب والوعود الكاذبة وبخاصة التي رافقت اتفاقيات وقف اطلاق النار السبع والخمسين ؟ فهل سمع صوت التجمع مرة واحدة الى جانب صوتنا او سمع صوت واحد من اعضائه ؟.
يقول التجمع الاسلامي في بيانه انه بذل كل التضحيات كي تعود اللحمه هنا بين ابناء الوطن الواحد كي ترسى القواعد التي يقوم عليها لبنان الجديد وكي تصان القيم الانسانية وفي طليعتها الحرية.
فما قولك في هذا القول ؟.
بهذا الصدد اسال التجمع الاسلامي ماذا عمل بل ماذا اقترح لكي تعود اللحمة بين ابناء الوطن الواحد جميل ماذا اقترح من القواعد التي يجب ان يقوم عليها لبنان الجديد ؟ وماذا اقترح وعمل لصيانة القيم الانسانية في لبنان ؟ الجبهة اللبنانية على ما اعلم جزمت بضرورة استبعاد صيغة 43.
وهي قريبة من ان تجزم بضرورة اعتماد صيغة جديدة تكون منبثقة من الفيدرالية.
ثم ان الجبهة عينت اسباب الاقتتال بوضوحا كلي وطالبت بازالتها كليا اذا كان في نيه الوسطاء ان يزيل الحرب بازالة اسبابها.
فماذا عمل التجمع الاسلامي قبالة هذا كله ؟.
بيان التجمع الاسلامي هذا البيان الذي هو على ما يبدو رد على بيانات الجبهة اللبنانية ابتداء ببيان سيدة البير وانتهاء ببيان اهدن وهو اساس في مخطط التجمع.
هذا البيان كان عليه ان يعرض مبادئه ومنطلقاته ووسائل عمله بالوضوح الذي لم تتهرب الجبهة منه بل هي قصدت اليه في بياناتها.
لا ان يختبئ وراء اشارات وتلميحات ورموز وارقام تذكر باقوال له سابقة ليست في ذاكره احد لعدم قابلية الذاكرة السليمة على استيعابها.
ابي الكلام المطيب تعود اللحمه بين اللبنانيين ؟ وبالقصائد يبنى لبنان الجديد ؟.
وبالضرب على العود طوسان القيم الانسانيه ؟.
انما يبنى على الكلام باقل من الكلام يزول.
او تلحظون معنا بناء لالف سنة قادمة فنحيا ؟.
يقول التجمع الاسلامي.
ان مشاكل لبنان تنتظر منا جميعا العلاج الصادق من هنا دعاء التجمع في استمرار الى وجوب سلوك طريق الحوار فما قولكم ؟.
طريق الحوار طريقنا فمن منا جميعا يسلك طريق المدفع عندما تكون طريق الحوار سالكة.
اما اذا كانت طريق الحوار لن ترتسم بعد فلان محاور الفريق الاخر لم يتعين بعد كما تعينت الجبهة اللبنانية محاورا من فريقها.
يقول البيان ان التجمع واجه خلوة سيدهون البيرو مقرراتها بسكوت مقصود.
هو سقوط الحكمة فما تقول ؟.
هذا السكوت كان خيرا للتجمع بالذات لا لغيره.
اذ لو قال التجمع يوم ذاك مثل ما قاله اليوم لكان اخطا مرتين.
على ان واحدة تكفيه لتعفيه.
ويقول البيان ان افضل المواقف هو انتظار الرشد عند الجميع فما قولك ؟.
لماذا والحالة هذه لم يسكت التجمع فاستعجل وحكى ؟.
وفي اية حالة تحصل ؟.
هكذا فلنقل ما بنا ما يشغل بالنا ما يحر ضمائرنا ما يقلق خواطرنا وما تحاربه عقولنا لنقل ذلك عاليا بالصوت الجهير ان من اخفى علته قتلته.
وعلى نحو ما يخطئ من يظن ان القوة تقف عليه دون غيره.
هكذا يخطئ من يظن ان في فم الفاظ الامثولة للعاقل وفي الكلام السائم تهديدا للعزائم.
  تصريح لجريدة العمل.
بصفتكم الامين العام للجبهة اللبنانية هية خطوة خطوتم في تنظيم طاقات الاحزاب والشخصيات في جبهة متماسكة وفعالة واي دور لعبته الامانة العامة حتى اليوم ؟.
يا صديقي العمل هل تريد ان تكون الصراحة سائدة بيننا في هذا الحديث على الاقل ؟.
هل تريد ان نقول كل ما في نفوسنا وان نصدق الواقع الذي نراه واقعنا ؟.
ام تريد ان نتكلم بحسب اهوائنا وامالنا ومرتجانا ؟.
اما انا فلا اريد الا الصراحة وقول الحق والسعي الى الحقيقه.
مع التاكيد اني ساظل احب من احب واحترم من احترم.
وما هذا التباين الذي سيظهر بين الغير وبين في هذا الحديث الا من قبيل اختلاف الطرق التي نعتقدها جميعا في الجبهة موصلة الى الغاية التي نصبو اليها.
اعرف ان كثيرين سياخذون مما سيرد هنا ذريعة لمحاربة الجبهة ولمحاولة تخريبها.
ولكني اعرف في الوقت ذاته ان الجبهه التي تقوى على كل ما قويت عليه الى الان لا تخشى من ان تقوى عليها هذه الحرب هذا التخريب.
وفي سبيل الحقيقة ان مثل هذه الحرب التي ستشن على الجبهة استنادا الى حديثنا هذا وان مثل محاوله التخريب هذه هما اقل ما تتعرض له الحقيقة في طريق ظهورها.
فلو كانت جبهتنا من زجاج لما رمينا غيرنا بحجر !.
فلنتكل على الله ولنمش.
وهذا هو الجواب على سؤالك !.
هل جبهة اللبنانية لو كانت ساقية لكان من السهل ان نقني لها ان نحتضنها ضمن حيطين متوازيين وان نسير بها هكذا الى مصبها.
غير ان النهر الهادر مراسه صعب والتقنية له يطول وقتها.
لذلك لا تجزع من التاخير الذي ابتسم به تنظيمها.
فالجبهة فوق انها حزبان كبيران وفوق انها مجموعة الرهبنات اللبنانية وقوى غلابة في الشمال وشخصيات كل واحده منها حزب قائم بذاته.
فوق ذلك كله فان الجبهه شعب قد لا يقل عن 90% من مجموع الشعب اللبناني اللبناني المقيم والمغترب.
هذه الجبهة فهل تعتقد انه من السهل تنظيمها ؟.
وهل من السهل ان تختار منطلقا لهذا التنظيم.
بين ان تجعل من الجبهة حزبا فوق الاحزاب وبين ان تجعل منها اتحادا بين الاحزاب او بين ان تنطلق في تنظيمها من كونها قوة هائلة في الساحة علينا ان نقني لها لتفعل.
هل الكتائب والاحرار يقبلان بان يرفعها حزبا جديدا فوق راس كل واحد منهما ؟ ولمن تكون قيادة الجبهة الذاكره ؟.
هل يقبلان باتحاد يتساوى فيه المتحدون ؟ وكيف يتنازل الاقوى عن قوته ؟.
ام يقبلان بان تظل الجبهه قوه طائشة تدور على نفسها فتفقد من جراء ذلك المنتج من فعاليتها ؟.
ثم هل الكتائب والاحرار ينتظمان في جبهة موحده متماسكة محكمة التنظيم ؟.
وهل الرئيس فرنجية والرهبنات وجواد بولس وشارم مالك وفؤاد افرام البستاني يستطيعون ان يتوقعوا بسهولة في بوتقة واحده وضمن نظام واحد.
هذا الخط الاحمر الذي يريح الاعضاء في الجبهه ظهر مرارا ومرارا صارت المحاولة لوضعه على الخريطه وقد وقانا مرارا كثيره من شر التفرقة.
وضع هذا الخط الاحمر على خريطة العمل الجبهوي يوازي نصف التنظيم.
وسيكون احد الاختيارات الهامه هنا التي تسهل التنظيم بالذات.
ولكي اساير ميلك في الاعتقاد ان الامانة العامه لم تلعب حتى اليوم اي دور مرموق في الجبهة اللبنانية اذكرك بانها عجزت حتى اليوم عن ان تؤمن لها مركزا وعن ان تؤمن لها جهازا بشريا مساعدا في الشؤون الضرورية الاولية.
غير اني اريدك ان تجيب عن سؤال.
هل كان حصل هذا العجز لو ان الجبهة وبخاصة اقطابها تريد ويريدون او تريد اكثريتهم ان يتامن هذا المركز وان يكون هذا التجهيز ؟.
فالمسؤولية اذا مشتركة والمسؤول الاكبر هو الاكبر.
لماذا لا تستطيل ؟.
تعرف انت اني من متقني فن للاستقالة.
ولقد استقرت ثلاث مرات على خمس عينت فيها وزيرا.
غير ان الاستقالة في هذا المجال ليست بطولة.
فالبطوله هي التوصل الى انشاء امانة عامة قابله للحياة.
بعد ذاك نسلمها الى من يستطيع ان يعمل من ضمنها.
اما الان فاخشى ان تكون الاستقالة مميتة لاي هون امانة عامة جبهوية يجب ان تكون في المستقبل.
وبعد فانني متبرع في عملك امين عام فلماذا لا تتبرع انت فتكون مساعدا لنا فيها ؟.
من خلال ورقهان اهل القلم الى خلوه سيدة البير وانتم احد اعضائها فهم انكم تسلكون اتجاها تقسيميا فالى اي حد انتم متمسكون باتجاهكم هذا ؟.
التشبث بايراد تحفظ على هذا الصعيد ستقرني على مضمونه.
انا يوم رئت اهل القلم في السنة 1956 وحتى شهر ايار 1973 لم اكن في اتجاه تقسيمي بل على العكس كنت مشغوفا بلبنان الواحد بلدا مستقلا وبالشعب الواحد قمة لبنانية.
ولقد عملت من اجل لبنان الواحد عمرا كاملا فحاضرت وخاطبت وكتبت في ذلك ارطالا من المخطوطات.
كان ابرزها محاضره في موضوع الطائفية تلك الاكذوبة الكبرى ومحاضرتي في موضوع لبنان الغد ومحاضرتي في موضوع قواعد الجمهورية اللبنانية وعشر خطب بمجلس النواب في موضوع هذه المحاضرات.
ما عدا الندوات والمقالات والتصاريح.
وكنت مخلصا فيما عملت.
وظللت اعمل بنشاط واخلاص حتى طلعت علينا السنة 1973 روعني ما رايت.
واذا انا بين نظرتين نظرة الى ماض لبناني وماضي حياتي فيه ونظره ثانيه الى مستقبل هذا الوطن الطيب.
يومها احسست في نفسي تحولا لم اقو على ردعه لشولان يومها اصبحت انقساميا بيني وبين نفسي.
ولكني حاولت ان اغطي انقساميه بانتفاضة اخيرة انطلقت بها من العلمنة تجسدت بخطاب لي في المجلس.
ثم حاولت ان اداورها في الميثاق الذي اعدناه السنة 1976 على اللبنانيين جواد بولس شارل مالك فؤاد فرام البستاني وانا حيث قلنا.
لبنان الكل للكل.
كل لبنان لكل اللبنانيين.
وعاقبنا على ذلك باتفاق راح يظهر رويدا رويدا هو هذا.
اما اذا استحال الامر فنحن مع اي لبنان كان مع لبنان الكيف ما كان شرط ان يبقى لبنان الرساله.
عندها خبطت صراحة في الانقسامية.
وكان ذروة الصراحة في ورقه الاصدقاء الاربعة في خلوه سيدة البير.
وفي ردودي وبخاصة في الجريدة والحوادث على الموحدين.
وتحت الطبع الان كتاب يحمل اقوالهم واقوالي لينظر فيها الشعب والمفكرون والمراقبون.
اما الى اي حد اتمسك باتجاه الانقسامي اذا فشل الاتجاه الوحدوي ؟ فالى اقصى الحدود.
ومن حقيقه وحق اللبناني من اية ضفة كان ومن اي راي ان يعرف لماذا.
هكذا هي اسباب الموجبة.
لبنان بالنسبة لي حقيقة واجبة الوجوب مستمرة ابدا في الدوام.
والشعب اللبناني اللبناني بالنسبه وليس مشكلة.
ثم هو اقوى من نظامه.
ذلك انه الاصل الثابت ونظامه الشكل العارض.
من هنا كان تطلعي الى الحياه لا الى الجيف والى الانسان لا الى طقمه.
فالحياة توجب على لبنان وشعبه ان يحيى.
ثم تطلعت اذا كان لبنان هذا الواجب الوجوب في طريق الحياه عن فرايت يتعثر بالاضطرابات والفتن والموت.
لماذا السنوات 1840 و 1845 ؟.
لماذا السند هون 1860 ؟.
لماذا السنوات 1914 و 1918 ؟.
لماذا السنة 1925.
لماذا السند هون 1958.
ولماذا السنوات 1973 و 1976.
قلت يجب انقاذ لبنان من عفاره جولان يجب ان نطلب له الحياة جولان يجب ان نجد طريقه اليها.
في تاملات رايت ان لبنان ليس مساحة جغرافية بمقدار ما هو مساحه الروحية.
بدليل انه يتسع ويضيق وتبقى رسالته هي هي.
ايام فخر الدين وصلت حدوده الى تدمر واللاذقية وعكا.
ايام الشهابيين كانت حدوده مشابهة لحدوده الان.
ايام المتصرفية تقلص حتى اصبح ضمن القلمون وجبل الريحان وزحلة.
ثم عاد ايام الانتداب الى مثل ما كانت عليه حدوده ايام الامارة الشهابية او تكاد.
ولقيت في تاملات ان ارضه كلما اتسعت اتسعت مشاكله وكلما ضاقت ضاقت مشاكله.
ورايت ان كل ما قوي استقلاله ضعف كيانه وكلما قوي كيانه ضعف استقلاله.
بل رايت انه كلما استقل اهتز وكلما حمي يعتز.
ورايت ان لبنان لم يكن عرضة في يوم لحرب تشن عليه من الخارج.
بل كان ابدا فريسة الحروب التي تجيئه من الداخل.
كما رايت ان لبنان لم يعتد في حياته على احد بل كان دائما معتدا عليه.
ورايت ان قسما من اهله كان في بعض ظروف حربا عليه مع الذين يدفعون الحرب الى ارضه.
فعندما رايت كل ذلك قلت في نفسي.
اذا لابد من ان يكون خلل في تكوينه او نظامه.
ايام فخر الدين كانت لم تخلق بعد ولم يكن للنهارات الطائفية محرك وكان الحكم قويا فاستقرت الحال اللهم الا ما حركته السلطنة العثمانية على اميره.
في خلال هذه الحرب القذرة وفي ايام تحضيرها رحنا نتطلع الى الاشياء الجارية بعين نفادة متعطشة الى ادراك ابعاد تلك الاشياء فتوقفنا عند مرامي المطالبة بتعديل النظام والدستور وعند مرامي المطالبة بالمساواة والمشاركة عندها مرام السعي لتهديم المؤسسات الدستورية لتهديم الادارات العامة لتهديم الجيش الوطني وعند مرامي العمل على تهديد اقتصاد البلاد ومرام الرفض لكل مقترح.
كما توقفنا عند نغمة كانت في وهمنا فصارت في اذاننا وهي النغمة التي كان لسان حالها حسين القوات لي العامل في دار الفتوى الاسلامية السنية.
هذه النغمه التي لم يتصد لها واحد من اهل المعرفة والخير راحت تذكرنا بما كنا ندفنه في حسن النية من مثل الحديث القائل.
لا يجتمع في ارض العرب دينان.
ومن مثل التمييز عندهم بين المواطن والاخر في الوطن الواحد فيكون المسلم مواطنا كاملا والمسيحي ذميا.
والذمي هو من لا يمكن ان تكتمل حقوقه في المواطنيه فيتفنن شراحهم في تحديده وفي تعيين ما يجيزه له الشرع وما لا يجيزه فيقول ابن عابدين مثلا في كتابه الدر المختار.
يميز الذمي عنا في زي لباسه وهيئته ومركبه وسرجه وسلاحه فلا يركب خيلا الا اذا استعان به الامام لمحاربة.
ويقول لا يجوز للذميه ان يحدث بيعة ولا كنيسة ولا صومعة ولا مقبرة في دار الاسلام.
ومن افتى بالجواز فهو مخطئ ويحجر عليه.
ويقول صاحب البحر والاشباه.
على ذمي ان يلازم الصغار فيما بينه وبين المسلم في كل شيء.
فيمنع من القعود حال قيام المسلم عنده ويحرم عليه مصافحته ولا يبدا بسلام الا لحاجة ويقول صاحب الخانية.
ويامر الظميون بما كان استخفافا لهم وكذا تميز دورهم عن دورنا.
وصاحب الدار المنتقى يقول.
وكذا يمنع عزميون من التعالي في بنائهم على المسلمين.
وعند بعض العلماء يمنع عنهم التساوي.
والاغرب من ذلك كله تاكيد ابن عابدين في الدر المختار ان الجزيه لا تقبل من الذمي ولو بعثها على يد نائبه بل يكلف ان ياتي بنفسه فيعطيها قائما والقابض منه قائد.
لان قبولها من النائب يفوت المامور به من اذلاله عند العطاء.
ثم عدنا نتذكر ان لاوضاع الروميين عمودا في الازهر ظل يعلم ما للزميين وما عليهم في العالم الاسلامي بموجب الشرع يوم لم تكن للاسلام دولة مستقلة استقلالا كاملا ناجزا في العالم كله او يكاد.
وتذكرنا ما كان عليه المسيحيون في الولايات العثمانية.
وما هم عليه اليوم في الدول الاسلامية.
وما قضى على الموارنه ان ينفر من مواطنهم القديمة الى لبنان.
فتمثل لنا كل ما كنا فيه وكل ما صرنا اليه وكل ما هو مزمع ان يعود.
فقلنا.
لنهون على الجماعة الطريق.
واعتنقنا مبدا التقسيم الذي عدنا فتحولنا به الى فيدرالية.
اليس ان الفيدرالية تقسيم ؟.
اذا احسن قيادها تفضي الى الوحدة واذا اصيء فالى التقسيم.
اعود فاسال الى اي حد انتم متمسكون بهذا الاتجاه ؟.
ما دامهم متمسكين بشرعهم وما دمت مقتنعا بان الخلاص في التقسيم.
ولكنهم يتهمونك بانك انت من الذين يجرون الناس الى التقسيم.
فاي عيب في ذلك اذا كان صحيحا واذا كان التقسيم يضمن حق الفريقين وفيه راحتهما.
وهل انا الذي جررت البلاد الى حرب ؟ اصحاب الحرب الهجومية على لبنان ماذا كانوا يريدون ؟ او ليس موقف الانقساميين اليوم نتيجة ملازمه لحربهم ؟ وهنا اسالك لماذا المسلمون ارادوا الانقسام في باكستان ويسعون اليه في الفلبين ويكرهونه في لبنان ؟.
ارد عليك سؤالك لماذا ؟.
لانهم يلوذون بالقسمة حيث لا يستطيعون ان يسيطروا وينفرون منها حيثما يظنون انهم قادرون ان يسيطروا.
فلماذا القسمة وطنيه في حال وخيانة في اخر ؟ ولماذا هي مرفوضة هنا ومطلوبة في الفلبين ؟.
افلا يستطيعون ان يسيطروا في لبنان ؟.
يسيطرون اذا كانوا مع الحق ! افلا ترى كيف خانتهم القوة عندما سعوا لباطل ؟.
لننتقل الان الى دنيوياتنا.
ما هو مصير مقررات سيدة البير ومثيلاتها التي اتخذتها الجبهة وما هي الاسباب الكامنة وراء التلكؤ في التنفيذ ؟.
واسالك ايضا من المسؤول عن القسمة الواقعية الحاصلة في البلاد ؟ لماذا بيروت بيروتان شرقية وغربيه ؟ والشمال شمالان ؟ والجنوب جنوبان جميل ولماذا لبنان في طريقه الى ان يصبح لبنانين ؟ فمن هجر الذين هجروا من كراهم واحيائهم ؟ ومن احتل البيوت المهجورة ؟ ومن يتشبث بالبقاء فيها على رغم عودة اهلها اليها ؟ هذه القسمة الواقعية من ارادها ؟ من سعى اليها ؟ وبقوة من وبقوة ماذا تنفذ ؟ ومن المسؤول عنها ؟.
اذا صغر لبنان فهل يقوى على البقاء كمين.
الم يكن صغيرا وقت المتصرفيا هون ؟ فلماذا بقي ؟.
ابقته الحماية كمين.
الحماية تمتد من حد المعاهدات الى حد الاشغال والاشغال يمتد من حد الاحتلال العسكري الى حد اعلان لبنان ولاية امريكية او مقاطعة فرنسية !.
اولسنا اليوم في حماية ؟ فما الذي يمنعنا ان نكون غدا في حماية منظمة مدروسة نعرف كيف تبدا ونعرف خاصة كيف تنتهي ؟.
اسمع.
هل اذا ظل لبنان كبيرا ومات افضل من ان يصغر ويحيا ؟.
اما كيف يموت ؟ فمن توقفه عن الارتقاء.
لبنان الكبير على ما دلت سنوات استقلاله محكوم عليه اذا ما ظل تصرف المواطنين لاسباب معلومة هو هو.
لبنان الكبير هذا هذا كثيرا عن طريق التقدم وكانه افترق عن موكب الحضارة او تخلف عنه.
فماذا يبقى من بلد اذا خسر امكانات التحضر واذا خارت قدماه في المسيرة الى الحضارة.
فكل بلد يقف في هذه الطريق طريق التقدم والارتقاء يهبط مثله مثل الحجر الذي يرشق به في الفضاء فهو عندما يتوقف عن الصعود يهبط.
واذا ما هبط مات.
ماذا تكون نتيجه التقسيم جميل.
النتائج كثيرة وكبيرة.
الخيرة منها اكثر واكبر من الشريرة.
انه يضمن البقاء الحر السيد المستقل الفريقين اثنيهما.
غير ان من شرور التقسيم الخيرة انه يعيد احد الفريقين المنقسمين الى البداوة اذا ما قصر التقسيم عن حفه على السير في طريق التقدم التي يتخلف عن السير عليها اليوم ومن شروره الخير انه يمنع التواكل اذ لا يحق لفريق ان يظل يستفيد من 80% من دخل الخزينة على انه لا يقدم لها في الواردات اكثر من 20% هون كما ان من شرور التقسيم الخيرة انه يقتل العبوة الناسفة التي تفجر كلما يرغبون في تفجيرها.
واختم في هذا الباب اسئلتي بسؤال اخير.
في جرائد يوم الثلاثاء في اثنين كانون الاول 1977 خبر يقول ان هناك دراسة وضعتها لجان الجبهة اللبنانية ترفض فيها التقسيم والفدرالية فما هي صحة هذا الخبر ؟.
انه اختلاق.
مقررات سيدهون البير كما مقررات اهدن وكما جميع مقررات الجبهة قائمة ابدا غير ان الجبهة هيئة ظله لحكم يحكم.
هيئة الظل عليها ان تراقب وتنبه وتقترح وليس في يدها التنفيف.
فاذا السلطه هنا التنفيذيه لم تستجب لها فلا يبقى عليها الا الاختيار بين اثنين الاذعان او التمرد.
فهل تجد من العيب ان تزعم الجبهة في الوقت الحاضر وان لا تفور ؟ هذا الذي يبدو تنكؤا في التنفيذ ليس تلكها.
بل عجز هو.
او هو يدخل ضمن مفهوم استنفاذ القوى والوسائل.
قوة الجبهة ووسائلها تصل بها الى حد الاقتراح وهي لا تتجاوز هذا الحد.
فليس اذا ما تسميه تلكا تلكؤا.
اما اذا اصررت على انه تلكؤ فيكون هذا التلكؤ من قبل الاحزاب الجبهوية او الاقطاب الجبهويين من رؤساء الاحزاب لان بعضهم يعتقد خطا ان تنفيذ المقررات يعطي قوة للجبهه تعلو بها فوق احزابهم.
كيف تحددون علاقة الجبهة اللبنانية بالحكم وما الذي تطلبه الجبهة بالتحديد من الرئيس سركيس ؟.
علاقة الجبهة بالحكم تبدو زائفة.
اذ اية علاقه صادقه تستطيع ان تقوم بين جبهة قادمه من وراء المتراس وحكم قادم من المخابئ ؟ ومع ذلك تدفع الجبهة نفسها الى التعاون مع هذا الحكم.
هذا التعاون لا يمكن ان يكون وثيقا ولا ان يكون طويل الامد.
اذ لن يطول ان يعود المتراس متراسا والمخبا مخبا فيعود المتراسيون متراسيين والمختبئون مختبئين.
واما الذي تطلبه الجبهة من الرئيس سركيس فهو ان يكون سركيس سركيس.
لبنان يراوح مكانه منذ انهاء مظاهر حالة الحرب في خريف 1976 الى متى ستستمر هذه الحاله ؟ اي صيغة بديلة تقترح الجبهة لبنان ما بعد الحرب ؟.
الى ان تنتهي اقامة الفلسطينيين على ارض لبنان.
اما الصيغة للبنان ما بعد الحرب فهي الفيدرالية عندما يثبت تعذر غيرها.
لماذا لم يعد ادوار حنين بعد الى منزله في كفرشيما ومتى يعود ؟.
لم يعد ادوار حنين الى كفرشيما بعد لانه لم يعد له فيها بيت.
ولا عاد بيت لاهله.
اما متى يعود فعندما تتجمع له القدرة التي كان في جده ووالده اللذين بنياله ولاخوته على مدى 150 عاما ما خربته الهمجية في ساعة.
ابن لغرفة في كفر شيما اعد !.
  النظام الداخلي للجبهة اللبنانية – المقترح مادة مستقلة.
لما كانت هيئة الاركان مؤلفة من رؤساء احزاب ومن شخصيات سياسية وفكرية واقتصادية واجتماعية تبقى لاعضائها حريتهم المطلقة في ادارة احزابهم وفي اقوالهم وتصرفاتهم كرؤساء وشخصيات وذلك في كل ما لا يتناقض مع اي من مبادئ واهداف ومقررات الجبهة.
في الاقوال والاعمال التي تكون على الحد الفاصل بين ما يجوز للعضو كرئيس حزب او كمستقل وبين ما لا يجوز له كعضو في هيئة الاركان يجب بحث هذا القول او العمل المنوي قوله او فعله مسبقا في الهيئة لتقرر بشانه ما يلزم.
اما هذا الخط الفاصل فتعينه المبادئ والاهداف والمقررات التي تكون قد اتخذتها الجبهة على هدي ضمير العضو الركن ووجدانه الوطني.
يكون الحكم في هذا القول او التصرف هيئة الاركان وحدها.
عندما تجتمع هيئة الاركان بهذه الصفة لا يكون على جدول اعمالها سوى القول او التصرف المبحوث ولا يحضر اجتماع الهيئة منعقدة كحكم غير الامين العام.
تقرر الهيئة بالاكثرية في بدء الجلسة تدوين موضوعاتها او عدم تدوينها ويلتزم المجتمعون بالسرية المطلقة.
ملاحظة.
نظام كونفدرالي بين الاحزاب والشخصيات الاعضاء في الجبهة تفضي الى وضع جدول بالمواضيع التي تكون من اختصاص الجبهة كحكومة كونفدرالية.
ان الجبهة اللبنانية اخذة بالحاجة اللبنانية التي كانت في اساس قيامها ومستندة الى مقرراتها وبياناتها والمذكرات السياسية التي سبق ان وضعها في مناسبات شتى ومستلهمة مصلحة لبنان واللبنانيين الحاضرة والمستقبلة حتى ابعد الامداد ومتعظة بالعبر التي خطها تاريخ لبنان القديم والحديث باشراف حرف واوقع كلمة واستجابة لرغبة محازي بها ومؤيديها وانصارها واصدقائها في لبنان المقيم وفيما وراء البحار.
اقالة رئيس الجبهة او طلب تنحيه.
اقالة عضو من هيئة الاركان.
اقالة عضو من الهيئة الاستشارية.
اقرار النظام ومن يقره.
تعديله وكيفية تعديله.
انحلال الجبهة متى تحل ؟ من يحلها ؟ ولاية اسباب ؟.
مصير مقتنياتها.
ان يتقدم بطلب انتمائه معلنا اعتناقه الصريح لمبادئ الجبهة واهدافها.
ان يذعن ويتقيد بجميع مقرراتها دون تحفظ.
ان لا يكون منتسبا الى حزب او مؤسسة او تنظيم او هيئة تتعارض مبادئها مع اهداف الجبهة او نظامها الاساسي.
ان يتضمن طلبه القسم التالي.
اقسم بالله وشرفي ان اكون مؤمنا بمبادئ الجبهة واهدافها وان اعمل على نشر مبادئها وان اكتم اسرارها وان انفذ ما يعهد به اليه وان اذود عن لبنان واستقلاله وسيادته بجميع قواي.
مادة رابعة.
يشترط في الشخص المعنوي الذي يتقدم بطلب انتمائه الى الجبهة.
ان يكون لبناني الجنسية.
ان يتقدم بطلب انتمائه معلنا اعتناقه الصريح لمبادئ الجبهة واهدافها.
ان يذعن ويتقيد بجميع مقرراتها دون تحفظ.
ان لا يكون نظامه الاساسي متعارضا مع مبادئ الجبهة واهدافها.
ان يتضمن طلبه القسم المنوه عنه في المادة السابقة.
مادة خامسة.
يقدم طلب الانتماء الى الامانة العامة الجبهة التي تحيله مشفوعا بملاحظاتها الى هيئة الاركان التي تتمتع بسلطة استنزابية بقبول الطلبات او رفضها باكثرية اعضائها المطلقة في مهلة اقصاها شهرين من تاريخ تقديم الطلب المذكور الى الامانة العامة.
في حال عدم استجابة الطلب ضمن المهلك هون المذكوره كان يعتبر الطلب مرفوضا ولا تجوز اعادة تقديمه الا بعد مرور سنة على تاريخ رفضه.
مادة سادسة.
ان اغتساب العضوية والالحاق باي من اجهزة الجبهة يعين حكما الاذعان والتقيد دون تحفظ بجميع مقرراتها واهدافها والعمل على تنفيذها بصدق واخلاص واتمام المهمات التي تؤكل اليه بامانة مطلقة.
ماده سابعة.
في نزع العضوية بشر يمكن لهيئتان الاركان بناء على اقتراح احد اعضائها او على اقتراح الامين العام او على توصيه من الهيئه هنا الاستشاريه او الهيئة العامة ان تقرر بغالبيه اعضائها المطلقة نزعه العضوية عن كل شخص طبيعي او معنوي يطلع بها بعد الاستماع الى الشخص المطلوب نزع عضويته.
ماده ثانيه.
في الاستقالة.
يحق لاي عضو ان يتقدم بطلب استقالته من عضويته في الجبهة خطيا الى الامانة العامة التي تقبله بعد استطلاع راي هيئة الاركان.
غير انه يعتبر طالب الاستقاله مستقيلا حكما بعد انقضاء شهر على تقديم طلبه فيما عدا الحالات الخاصة التي نص عليها النظام الحاضر.
تطبق نفس الاحكام فيما اذا كان طالب الاستقالة يرغب في الاستقالة من منصبه لدى اي من اجهزة الجبهة.
رئاسة الجبهة.
مادة تاسعة.
تنتخب هيئة الاركان بالاكثرية المطلقة رئيسا للجبهة لمدة سنة قابلة للتجديد اكثر من مرة ويقال باجماع بقية الاعضاء لاسباب موجبة.
مادة عاشرة.
صلاحيات الرئيس.
يمثل الجبهة.
ينطق ويفاوض باسمها في الداخل امام كافة المراجع والسلطات العامة وفي الخارج امام كافة المراجع الدولية على اختلاف انواعها ودراجاتها.
ينفذ مقررات هيئة الاركان ويتقيد بمضمونها.
يستعين بهيئة الاركان في كل ما يخرج عن المقررات الموكل اليه تنفيذها او المفاوضة بشان تحقيقها.
يرفع تقارير شفوية او خطية عندها الاقتضاء بالاعمال والخطوات التي قام بها الى هيئه هنا الاركان بصورة مفصلة.
يتمتع بسلطة تقريرية وتنفيذيه متفردة ضمن اطار المقررات الصادرة عن هيئة الاركان.
يدافع عن مواقف الجبهة ومكرراتها ومبادئها واهدافها.
يقدم الى مفاوضيه الاقتراحة التي يراها مناسبه طالما انها لا تخرج عن مقررات واهداف ومبادئ وسياسة الجبهة يحدد الصفة التي يتكلم بها عند مواجهة الراي العام والصحافة وسائر وسائل الاعلام المحلية والعالمية.
يضع بالاتفاق مع اعضاء هيئة الاركان اوراق العمل ومسودة المحاولات وسلم الاولويات في الاختيارات والمطالب والشكاوى والخطوط العريضه لتحركه سياسي العام.
يمتنع عن تفويض كل او بعد صلاحياته لغير اعضاء هيئة الاركان.
كل ما يخرج من هذه الصلاحيات حصرا يقع حكما في اطار صلاحيات هيئة الاركان.
نيابة الرئاسة.
مادة حادية 10 بشر في حال شهور سدة الرئاسة بصورة مؤقتة او دائمة لاي سبب كان تتولى هيئة الاركان مهام الرئاسه مجتمعة لحين ترفع حالة الشهور والشار يراس اجتماعات الهيئة اكبر اعضائها سنا.
هيئة الاركان.
مادة ثانية 10.
تتالف من الاعضاء المؤسسين.
تتمتع الهيئة باوسع الصلاحيات التقريرية والتنفيذية تحقيقا لاهداف الجبهة ومبادئها باستثناء القيود التي نص عليها النظام الحاضر.
مادة ثالثة 10.
لا يمكن للهيئة ان تعدل في اهداف ومبادئ الجبهة الا باجماع اعضائها وبعد موافقة الهيئة العامة.
مادة رابعة 10.
يمكن احد اعضاء هيئة الاركان ان يسحب عضويته منها شرط ان يبلغ هذه الرغبة لبقية الاركان بصوره سرية ثلاثة اشهر على الاقل قبل تاريخ وضع انسحابه قيد التطبيق.
مادة خامسة 10.
في حال شهور مركز احد اعضاء هيئة الاركان لاي سبب كان تنتذب الهيئة المعنوية التي يمثلها بديلا عنه.
لا يكتسب البديل صفة العضوية في هيئة الاركان الا بعد موافقة بقية اعضاء الهيئة بالاجماع على عضويته.
عند اكتساب البديل صفة العضوية يطلع بنفس الصلاحيات والالتزامات التي كان يتمتع بها سلفه.
ماده سادسة 10.
يحق لهيئة الاركان بالاجماع ان تقرر زيادة عدد اعضائها.
مادة سابعة 10.
لكل من اعضاء هيئة الاركان الحرية المطلقة بالقول والتصرف والتقرير والادارة لشؤون الحزب والهيئة المعنوية التي يمثل في كل ما لا يتعارض او يتنافى او يعدل او يؤثر في مبادئ واهداف ومقررات الجبهة.
كما يلتزم كل عضو في هيئة الاركان بالتشاور والتنسيق مسبقا مع بقية اعضاء الهيئة في كل قول او تصرف او قرار او تحرك سياسي او دبلوماسي او عسكري من شانه ان يؤثر مباشرة او بصورة غير مباشره في التزامات الجبهة او اهدافها او مبادئها او مقرراتها او سياستها او اسلوب تحركها.
ماده ثامنة 10.
تلتم هيئه الاركان بصوره بناء على طلب اي من اعضاء الهيئة.
توجه الدعوة بواسطة الامانة العامة.
مادة تاسعة 10.
لا تكون اجتماعات هيئه هنا الاركان قانونية الا باكثرية ثلاثة ارباع الاعضاء.
تتخذ الهيئة مقرراتها بالاكثرية نفسها.
يحك لكل من اعضاء هيئة الاركان ان ينتدب شخصا يمثله عند غيابه لاي سبب كان على ان تجمع الهيئة على قبوله.
يتمتع عند اذن الممثل بنفس الصلاحيات التي تعود للعضو الاصيل وتكون المقررات المتخذة ملزمة لهذا الاخير طيلة مدة التمثيل الفعلي.
في حال تخلف احد اعضاء هيئه هنا الاركان عن الحضور بدون سبب مشروع وعدم امتداده شخصا مقبولا يمثله تتخذ عند اذن المقررات باجماع الاعضاء الحاضرين.
في حال عدم توفير الاكثرية القانونيه لاتخاذ قرار معين للهيئة ان تقرر بغالبية اعضائها النسبية اما اعادة بحث الموضوع المطروح مجددا في اجتماع لاحق واما احالته للمناقشه هم الاقرار من قبل الهيئة العامة.
مادة 20.
لهيئة الاركان بعد استطلاع راي الهيئه هنا العامة ان تقر الدعوة الى مؤتمرات موسعه تحدد جدول اعمالها وتاريخ انعقادها.
هيئة الاركان الموسعة.
مادة واحدة وعشرون.
تتالف من اعضاء هيئة الاركان واعضاء الهيئة الاستشارية.
ماده ثانية الاركان بناء على اقتراح اثنين من اعضائها ان تستدعي الهيئه الاستشاريه للتداول معها ومشاركتها في اكرار الامور المطروحة في جدول اعمال الاجتماع.
ه يتمتع في هذه الحالة كل من المستشارين بحق مناقشه جميع المسائل والامور المطروحه في جدول اعمال الاجتماع والمشاركة في التصويت على المقررات التي قد تتخذ بنتيجته.
ماده 23.
لا يعتبر اجتماع هيئة الاركان الموسعة قانونيا الا اذا حضرته اكثريه ثلاثه ارباع من اعضاء هيئة الاركان الاكثرية المطلقه لاعضاء الهيئه الاستشارية.
تتخذ بقرارات هيئه الاركان الموسعه باكثريه ثلاثة ارباع اعضاء هيئة الاركان والاكثرية النسبيه لاعضاء الهيئه هنا الاستشارية.
في حال عدم توفر الاكثرية المزدوجة المشار اليها للهيئة ان تقرر باكثرية اعضائها النسبية اما اعاده بحث الموضوع المطروح مجددا في اجتماع لاحق واما احالته للمناقشة والاكرار من قبل الهيئة العامة.
مادة رابعة وعشرون.
لهيئة الاركان العادية او الموسعة ان تنشئ وتنظم اعمال لجان اختصاص تعهد اليها وضع دراسات محددة او القيام بمهام معينة.
مادة خامسة وعشرون.
لهيئة الاركان العادية او الموسعة باكثرية اعضائها النسبية او بناء على توصيات صادرة عن الهيئة العامة ان تقرر احالة موضوع معين لدراسته من اللجنة المختصة بواسطة الامانة العامة.
ماده سادسه لا تعتبر التوصيات الصادرة عن لجنة الاختصاص ملزمه للهيئه التي اقترحت موضوع الدراسة.
ماده سابعة وعشرون.
لاعضاء لجان الاختصاص ان يطلبوا باكثريتهم المطلقة الاجتماع بهيئة الاركان العادية الحصول على الاضاحات والمعطيات الضرورية لمهمتهم او لاطلااعهم على نتيجة المهمة الموكلة اليهم.
يحق لاي عضو في هيئة الاركان او من الهيئه هنا الاستشارية تنتدبه هيئه هنا الاركان نفسها ان يشارك في اعمال اللجنة مع اوسع الصلاحيات لهذه الغاية دون حق التصويت.
تتخذ التوصيات الصادرة عن لجان الاختصاص بالاكثرية المطلقة.
يحق للاعضاء المعارضين ان يدونوا خفيا اسباب معارضتهم وان يرفقوا المستندات الثبوتية التي تايدها.
الهيئة الاستشارية.
مادة ثامنة وعشرون.
تتالف الهيئه هنا الاستشارية من مستشارين تعينهم هيئة الاركان وتقيلهم بالاكثرية المنصوص عنها في المادة 19 لاسباب موجبة بعد استطلاع راي بقية اعضاء الهيئة الاستشارية.
  لماذا انسحبت.
لماذا انسحبنا فؤاد غصن لويس ابو شرف وطوني فرنجية وعبد الله الراسي وانا من المجلس النيابي عندما طرح قرار التمني للتصويت ؟.
للاسباب التي وجد المنسحبون تعبيرا عنها في بيان الجبهة اللبنانية الصادر صباح يوم الاربعاء وبخاصة لانهم يعتقدون ان القضية اللبنانية كما عرضتها حكومة الحص على مجلس الامن الدولي لم تكن كل القضية.
بل لم تكن هي القضية.
اذ القضيه التي كان يجب ان تعرض ذات شقين سويين كلاهما شر بذاته.
الاعتداء الاسرائيلي والاعتداء الفلسطيني ذات منطق واحد بشر لولا الاعتداء الفلسطيني لما كان الاعتداء الاسرائيلي.
كما كان يجب ان تكون ذات مطلب واحد.
ازيل الاعتداء الفلسطيني يزل الاعتداء الاسرائيلي.
ولن يزول هذا بغير زوال ذاك.
والا يكون قرار مجلس الامن رقم 425 الصادر بتاريخ 19 اذار 1978 بناء على شك ولبنان وشك واسرائيل في ان معًا قد حل مشكلة اسرائيل ولم يحل مشكلة لبنان.
اذ يكون مجلس الامن قد ابعد الفلسطينيين عن حدود اسرائيل وهو مطلبها ورمى بهم في قلب لبنان.
فلان قرار التمني الذي صاغه المجلس النيابي اللبناني لم يعبر عن هذا رفضناه.
واننا صاحبنا لاننا وجدنا ان قرار مجلس الامن لم يزل القهر من النفس اللبنانية كما انه لم يزل الحيف عن اللبنانيين وعن ديارهم.
بل خشوا معه ان يكون كل ذلك قد زاد.
فلان قرار التمني الذي صاغه المجلس النيابه اللبناني لم يفعل ذلك رفضناه.
ثم اننا انسحبنا.
لان مشروع القرار لم يطرح للمناقشة كاننا لم نعد في برلمان ديمقراطي.
ولانه قيل انه اول الوفاق.
وليس هذا وفاقا.
لقد رفضناه لاننا نمثل هذا الشعب الغالب المقهور.
والشعب الغالب المقهور كان يريدنا ان ننسحب فانسحبنا.
ادوار حنين.
جريدة الجريدة في 25/3/1978.
لماذا محكمة مشتركة ؟.
ناسفه بل نتالم بحادثة الفياضية وكل ما جرت اليه مشاركين اهل القتلى والجرحى الامهم واوجاعهم ودموعهم جولان ولكن في مثل طان الاسف والتالم الاختصاص من المسؤولين عن هذه الحوادث.
هذا الاقتصاص اوجب فيما اوجب مشروع القانون المعجل مكرر بانشاء محكمه امنيه خاصة موضوع هذا النقاش وهو الموضوع الذي ساحصل كلامي فيه.
انا ممن رحبوا بقدوم قوات الردع العربية وممن كان قد سبق لهم ان رحبوا بالتدخل العسكري السوري حقنا للدماء ايد هون دماء التي كانت تهدى قبل ذلك على الارض اللبنانية.
واجدني اليوم مضطرا اذا كان التعامل شرف المتعاملين ان اكون في جانب كل ما يؤمن مصالح وسلامة هذه القوات دون ان انسى ان مصالحها وسلامتها هي من مصلحة وسلامة لبنان.
بل هي في سبيل مصلحة لبنان كيانا وسيادة واستمرار بقاء التي هي فوق كل مصلحتهم واعتبار.
من هذه الزاوية اقول جولان يتساءل اللبنانيون ونتساءل معهم.
ما دام فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية هو القائد الاعلى للقوات الردع العربية كما هو القائد الاعلى للجيش اللبناني فما هو موجب انشاء محكمة امنية خاصة للنظر في الجرائم التي تمس مصالح وسلامه قوات الامن العربيه في لبنان ؟.
ثانيا ثم ما دام في قانون العقوبات العسكريه الصادر في سنه 1968 نص في المادة 24 الفقرة التاسعة يقول.
تختص المحاكم العسكرية بالنظر في.
الجرائم الواقعة على شخص احد رجال الجيوش الاجنبية او التي تماس بمصلحتها.
ما لم يكن هناك اتفاق مخالف على تحديد الصلاحية بين الحكومة اللبنانية والسلطة التابعة لها هذه الفيوش.
المادة التاسعة.
فما هو موجب انشاء المحكمة الامنية المقترحة ؟.
ثالثا.
اذا كان موجب الهيئة تحتكم اليها قوات ارادع العربيه وفي مثل الحادثة الاخيرة التي عرفت بحادثة الفياضية وردات الفعل التي عقبتها.
فلماذا لا تنشا بموجب اتفاقية كاتفاقية شتورة مثلا هيئة تحقيق من اللبنانيين والسوريين ذات مستوى تعطي صلاحيات واسعة وتخص بحق التقرير الذي يمكن ان يكون ملزما للفريقين فتتفادى الحكومة الاسئلة التي مثل هذه.
هل صحيح ان انشاء هذه المحكمة يشكل خرقا للدستور ؟.
هل صحيح انه يشكل انتقاسا من السيادة ؟.
هل صحيح انه ينتقص من كرامة القضاء اللبناني وبخاصة القضاء العسكري ؟.
افلات نجتنب هكذا بان يسهم غير اللبنانيين باصدار احكام باسم الشعب اللبناني تماما كما كان يسهم الفرنسيون ايام الانتداب في المحاكم المختلطة باصدار احكام باسم الشعب اللبناني على ابناء هذا الشعب.
رابعا.
ومن تساؤلاتهم.
لماذا على اللبنانيين ان يثقوا بقوات الردع العربي وليس على الرادع العربي ان يثق بقضاء اللبنانيين.
خامسا.
كما يتساءل اللبنانيون.
لماذا تتالف المحكمة الامنية الخاصة منقاد عدلي لبناني وضابط لبناني ومن ثلاثة ضباط تابعين لقوات الامن العربية ؟ لماذا الاكثرية العددية لقوات الامن العربية وليست للقوات اللبنانيه ؟.
فان قيل جولان ان تاليف المحكمة على هذا الشكل يعيد التوازن الذي كان قد اختل لدى تاليف هيئة التحقيق حيث ثلاثة ضباط من الجيش اللبناني وضابتان من قوات الامن العربية قلنا شتان بين هذا وذاك.
وان قيل جولان ان رئاسة المحكمة اللي اللبنانيين قلنا.
ولكن حكم المحكمة يتخذ بالاكثرية والاكثرية هي للعدد لا لغيره.
سادسا ما دام لمثل هذه المحكمة المقترح انشاؤها بمشروع القانون هذا شبيه كل ما وجدت قوات عسكرية تابعة لدولة حليفة او صديقة على اراضي دولة مضيفة كما جاء في الاسباب الموجبه فلماذا لا تبادر الحكومة اللبنانية الى الاراضي اللبنانية.
اذا لكان انتفى من ذهن اللبنانيين ان هذا القانون المقترح هو ردع بذاته وعقاب وكان قد حضر ونوقش واقر في جو هادئ وباعصاب باردة.
سابعا.
ولماذا لا تقبل احكام هذه المحكمة اي طريق من طرق المراجعة ؟ افليس في طرق المراجعه طريق للاسراع كما في طريقة المحاكمة التي خصت بها هذه المحكمة ؟ لماذا تنفذ احكامها في الحال ؟ فهل سقط حق العفو الذي خص به الدستور اللبناني رئيس الجمهورية اللبنانية ؟.
ثامنا من المعلوم ان لا مفعول رجعيا للقوانين الجزائية فهل يطبق هذا القانون على حادثة الفياضية وما جرت اليه ام يطبق فقط على ما عداها وما سيحدث بعد اقراره ال.
لا سمح الله.
تاسعا.
هل صحيح كما قيل ان هذه المحكمة كحول دون التجاوزات جميع التجاوزات التي كانت تحصل قبل انشائها بل انما هي تنشا لتحول دونها جميعا ؟.
عاشرا.
هل كلنا مطمئن الضمائر والقلوب حيال ما سنقرر وننشئ ؟ في هذا وفي مثل هذا يتساءل اللبنانيون ونتساءل معهم.
وان موقفي شخصيا من هذا القانون موقوف على الاضاحات وعلى الردود التي ستعطى وسيدلى بها في هذه المناقشة على تساؤلاتنا.
عدم المشاركة في عيد الاستقلال.
لم اشارك هذه المرة في عيد الاستقلال لان الاستقلال الذي كان يعيد له اللبنانيون منذ 1943 لم يعد هو الذي عيدوا له اليوم.
بالامس عيد اللبنانيون لاستقلالهم بعد جلاء الانتداب الفرنسيه اما اليوم فكيف يحق لهم ان يعيدوا لهذا الاستقلال بالذات قبل جلاءين جلاء الفلسطينيين اولا ثم جلاء قوة الردع العربية.
فالذين عيدوا اليوم للاستقلال هل يستطيعون ان يقولوا لاي شيء عيدوا ولماذا ؟.
انا شخصيا ساعيد للاستقلال عندما يستقل لبنان كليا من الذين يشغلونه هل يحتلونه.
وساعيد الاستقلال لبنان عندما يعود لبنان فيعيش لانسانيته بانسانية انيسة ولكرامته بكرامة كريمة ثم عندما لا يعود يعيقه عائق في طريق ممارساته الديمقراطيه وممارسة حرياته وسيادته التي لا حد لها لارادته الغلابة.
اما قبل ذلك فلا مبرر لتعيد الاستقلال.
وعلى الاقل لا اجد مبررا كافيا لنفسي في تعيذه.
اقول هذا واثقا من صوابية ما ذهبت اليه.
الجبهة اللبنانية بيان خلوة سيدة البير.
ان الجبهة اللبنانية.
ايمانا منها بعلاقة التراث اللبناني الحي المتواصل من ستة الاف سنة الى اليوم وبديمومة هذا التراث تجسيدا للقيم الانسانية الخالدة.
وتشديدا على ان الصفة الملازمة للوجود اللبناني على ممر العصور هي احترام الانسان كانسان في كرامته وعقله وضميره.
وتاكيدا منها لدور لبنان الاصيل هذا الدور الطبيعي الفعال في ارساء قواعد السلم في الشرق الاوسط.
واصرارا منها على ان يتابع لبنان اضطلاعه بالمهمة الحضارية الفريدة التي هو مدعون للقيام بها تجاه نفسه وتجاه محيطه المباشر وتجاه العالم.
وحرصا منها على ان يبقى المجتمع اللبناني مجتمعا حرا منفتحا وهو ما كان دائما.
وتذكيرا بان المسيحية في لبنان كانت دائما حرة سيدة امينة على تراثها ومصيرها.
واعلانا بان هذه المسيحية لا تريد نفسها ما لا تريده لغيرها من الجماعات الروحية والثقافية التي تتكون منها الاسرة اللبنانية.
واكرارا منها ان لا لبنان بدون الايمان بالله.
وان لا لبنان بدون الحرية الشخصية الكيانية الملتزمة المسؤولة.
وان لا لبنان بدون الاحترام الحقيقي المتبادل بين مختلف جماعاته.
واعترافا منها بان العيوب والنقائص التي تفاقمت في الخلق اللبناني وفي المجتمع منذ الاستقلال تجب مجابهتها مشابهه هم فعالة.
واعتزازا منها بالبطولات الفائقة التي تفجرت من صميم الشعب في محنته الاخيرة دفاعا عن كرامته وقيمه ومقدساته ومحض وجوده.
واحتفاء بشهدائها الاحياء المهيمنين على مؤتمرنا هذا.
ثم.
انطلاقا من تحسسنا برغباتكم ايها اللبنانيون ومشاعركم وتطلعاتكم وانطلاقا من وعينا لمسؤولياتنا ومن عزمنا على تحملها كاملة والمضي بها الى ان يتحقق لنا ولكم ما نصب اليه.
وتعبيرا عن ارادتكم.
تداعينا نحن اركان الجبهة اللبنانية ؟ شمعون وسليمان فرنجية وبيار الجميل والأباتي شربل القسيس وعدد من رفاقهم في النضال الى عقد خلوة مغلقة في داير سيدة البير استمرت ثلاثة ايام 21 حتى 23 كانون الثاني 1977 استعرضنا في خلالها حاضر اللبنانيين وامسهم وغداهم واتخذنا بصددها من المقررات ما املاه علينا وجداننا الوطني والتزامنا بالمسؤولية.
وهي مقررات راينا ان يرجى اعلان بعض منها الى ما بعد اكراره في المؤتمر الوطني الذي سندعو اليه في وقت قريب.
كما رؤي ان نذيع بعضها الاخر وهو هذا.
اولا فلاني بعد ان تواضح للمجتمعين ما يجب ان تكون اهداف الجبهة اللبنانية ووسائل تحقيقها قرروا تنظيم جبهتهم تنظيما فعالا يجمع طاقاتها وامكاناتها بغية تشديد قدراتها الروحية والمادية والامنية للقيام بجميع المهام التي اخذتها على عاتقها.
كما قرر المجتمعون دعوة جميع القوى والهيئات والفاعليات في الوطن وما وراء البحار التي تشارك الجبهة ايمانها بلبنان لتنشئ واياهم تجمعا لبنانيا موحدا شاملا منظما يتولى السهر والمحافظة على لبنان ويكون ملزما التزام.
لكل طالب حياة حرة كريمة عكرت عليه في بلاده من اجل لبنان او بسببه.
اعتماد تعددية المجتمع اللبناني بتراثه وحضاراته الاصيلة اساسا في البنيان السياسي الجديد لبنان الموحد تعزيزا للولاء المطلق له ومنعا للتصادم بين اللبنانيين بحيث ترعى كل مجموعة حضارية فيه جميع شؤونها وبخاصه ما تعلق منها بالحرية وبشؤون الثقافية والتربوية والمالية والامنية والعدالة الاجتماعية وعلاقاتها الثقافية والروحية مع الخارج وفقا لخياراتها الخاصه.
اعتزام معالجة الشان الاقتصادي على اسس حديثة عادلة تاخذ بالاعتبار المبادرة الفرديه ضمن النظام الحر المنظم.
فيا ايها اللبنانيون.
ان جبهتكم تعرف ما في نفوسكم وتعي همومكم وهواجسكم ومطالبكم فهي عاملة ابدا على السهر عليكم والذود عن حقوقكم.
ان عينها لن تغمض لحظة واحدة عندكم فاطمئنوا.
كل من كان وما كان في الدفاع عنكم ما زال حاضرا.
وسيظل الى ان تزول المكاره.
فالمقاتلون الشرفاء باقون في الساحه معكم فان حياتكم عزيزة عليهم كحياتهم وممتلكاتكم كممتلكاتهم.
هاتوا منكم يدا وهاكم يدنا لنقوم معا الى اعادة بناء ما تهدم من لبنان المتناقل الينا عبر العصور حرا سيدا عزيزا معاندا ورافدا الى الابد.
ان الله معنا ومعكم والخيرين في الدنيا معنا ومعكم وكلنا مع لبنان وله.
عاش لبنان.
؟ شمعون وسليمان فرنجية وبيار الجميل والاباتي شربل القسيس داير سيدة البير.
23 كانون الثاني 1977.
شرف وكرامة بالدفاع عن حقوق هذا الوطن وشعبه وذلك بجميع الطرق التي تقررها الجبهة في حينه بوسائلها في الداخل والخارج.
ثانيا.
تلتزم الجبهه هم بلقاءات دوريه هم تعالج فيها المواضيع الاصلية والقضايا الطارئه فتتخذ بشانها ما يلزم من المواقف ومن الاجراءات الكفيلة بتحقيقها كما عمدت الى تعيين لجان لدرس ولوضع مشاريع التشريعات اللازمة في شؤون الجنسية والمطبوعات والاحزاب والاحوال الشخصيه والوجود الاجنبي على ارض لبنان وتملك الاجانب فيه.
ثالثا.
وقد قررت الجبهه هم بالاضافة الى ذلك.
المحافظة على المنشات والمنجزات والمؤسسات التي حققتها حتى اليوم مزمعة ان تظل تعمل على تطويرها.
تحرير جميع الاراضي اللبنانية المحتله.
العمل على توزيع الفلسطينيين المقيمين في لبنان على الدول الاعضاء في جامعة الدول العربيه وهم كلهم بحسب قدرتها على الاستيعاب.
مساعدة المهجرين اللبنانيين للعودة الى منازلهم.
تكريس اللبنانية جميع اللبنانيين واشراك اللبنانيين ما وراء البحار في حياة لبنان السياسية ثم العمل على الحد من الهجرة اللبنانية الاتية.
حمل السلطة على اعادة تسيير المؤسسات العامه هم تسييرا يضمن حياه اللبنانيين ومصالحهم ويمنع التصادم بعضهم ببعض.
ولكي يتمكن المواطنون المتضررون بمتاجرهم ومصانعهم وسائر موارد رزقهم هم ايضا من العوده او الى تسيير مؤسساتهم فقد شكلت الجبهة لجنة لمتابعة مضمون الاضرار وهكذا اضرار المتضررين للارواح والاجساد والمنازل.
اما المقررات المرجع اعلانها فهي تدور على مسائل ثلاث.
كيفية تامين الحياة الحرة الكريمة لكل مواطن لبناني وابقاء لبنان وطنا.
المذكرة الدبلوماسية.
ان الجبهة اللبنانية الممثله بالرئيس ؟ شمعون والرئيس سليمان فرنجية والشيخ بيار الجميل والاباتي شربل القصيص وباحزابهم ومؤسساتهم ورفاقهم في النضال وهي تعبر عن الاكثرية الساحقة من المسيحيين في لبنان وعن كثير من غير المسيحيين فيه ممن يشاطرونها تحسسها بالمسؤولية والواجب وينظرون نظرتها الى القضية اللبنانية ويتطلعون تطلعها الى مستقبل لبنان يعزها ان تظهر في هذه المذكرة موقفها من الشؤون الاساسية الخطيرة التي تشبه لبنان في هذه اللحظة المصيرية من حياته وهو هذا.
في التاريخ كله ان لبنان وبخاصة مجتمعه المسيحي لم يعتد ولم يتامر على احد ولا هو واطا احدا على شر.
فلقد كان لبنان في التاريخ كله وبخاصه والمجتمعي المسيحي مصدر خير وخدمة والسلام لذاته ولمحيطه وللعالم اجمع.
بعد التطلع بانذهال ووجوم الى الاحداث المجرمه التي كان فيها لبنان هدف اعتداء الاخرين وكان فيها دائما مدافعا شريفا عن نفسه تلك الاحداث التي خضبت ترابه بدماء ابنائه في السنوات 1840 و 1845 و 1860 و 1916 و 1918 و 1920 و 1925 و 1936 و 1958 و 1973 ولا سيما حرب السنوات من 1975 حتى 1977 التي اظهر فيها لبنانيون بطوله اندفاعية خارقة اذهلت العالم كله فانتزعت اعجابه ترفض الجبهة اللبنانية اي تقرير او تدبير او تنظيم لاي لبنان يكمن في بنيانه السياسي واتجاهاته الحكومية اي امكان في اي زمن تتكرر فيه اي من هذه الفواجع والماسي.
ولا يقبل لبنان بعد الان وبخاصه هو المجتمع المسيحي اي اعتداء عليه اي امر مهما صغر من شانه ان ينتقص من كرامته او ينال من مقدساته.
تذكر الجبهة اللبنانية بان المسيحية في لبنان كانت دائما حرة سيدة امينة على قيمها وتراثها ومصيرها.
وهي تعتزم اليوم اكثر من كل يوم اخر ان تبقى حره وما تنشد لنفسها من مصير.
وهي تذكر بان هذه المسيحية لا تستطيع ان تكون وتحقق ذاتها ثم ان تبدع قيما باقية الا اذا كانت حرة مطمئنة الى وجودها بعيدا عن اي افتئات او تسلط.
ذلك ان الحر وحده هو الذي يكون ويخلق.
وتذكر الجبهة ايضا بان المسيحية في لبنان لم ترد لنفسها يوما في الماضي ولا تريد الان بنفسها وتعتزم الا تريد في المستقبل ما لا تريده لغيرها من الجماعات الروحية التي تتكون منها الاسرة اللبنانية.
على انها لا تريد لنفسها كذلك ان تصبح في مطلق حال مسودة او ان تقبل لنفسها ما لم تقبل به لغيرها.
ان لبنان الجديد الذي تريده الجبهة اللبنانية ويريده معها محاسبوها واصدقاؤها وانصارها وجميع الذين يدورون في فلكها هو لبنان العريق الاصيل المتواصل التراث منذ 60000 سنة المتناقل الينا من جيل الى جيل في احترام القدسي بكامل واقعيته التي تحتوي اعرافه وعاداته وتقاليده واساطيره وحكاياته وممارساته الحياتية كما تحتوي مؤسساته ومنشاته وانجازاته.
ولبنان الذي تريد هو لبنان المنسجم الحي القادر على تحقيق ذاته في بقاء كريم.
لبنان الحر المنفتح المتعدد المجتمعات والشهر لبنان الذي يحترم الانسان في شخصه وكرامته.
لبنان الذي تحظى فيه المسيحية بذاتية مميزة وتتمتع فيه باستقلال ذاتي مجتمعي وثق فيه وروحي يمكنها من الاتصال العضوي الدائم بينابيع الفكر والروح في العالم المسيحي.
ثم ان لبنان الذي تريده الجبهه عون اللبنانية هو الذي يشجع فيه الابداع الى اقصى حدوده في جميع نشاطات المجتمع حتى يصبح نتاجه الفكري والفني والعلمي في مستوى يتساوى فيه مع ارفع المستويات الفكرية والفنية والعلمية في العالم.
وهذا يشمل الثقافة العلمية المنضبطة والمتصلة بجامعات العالم الكبرى ويشمل تنمية التكنولوجيا حتى مستويات عالميه هم ويشمل ايضا تعزيز العدالة المجتمعية على اسس علمية تهدف الى الخير العام والى توزيع خيرات الارض والمجتمع التوزيعا عادلا والى اشاعة الرفاهية والرخاء دون المساس بالمبادرة الفردية.
كما يشمل الحرص على الانسان اللبناني من ان يغرق في المادية العلمية.
اذ تريده الجبهة ان يبقى استقاء من عناصر تراثه الروحيه والانسانية حرا كريما عزيزا ليبقى له دوره وان متواضعا في اعادة التوازن بين الروح والعقل وبين الانسان والالة بشر ولبنان الذي تريده الجبهة هو لبنان الذي يؤمن ايمانا نابعا من كيانه ومن تراثه هو بالاعلان العالمي لحقوق الانسان خاصة في هذه الاونه هم بذات اذ تشتد المطالبة باحترام حقوق الانسان في جميع انحاء العالم.
المساواة وتكافؤ الفرص.
وهو لبنان الذي تجعل فيه سيادة القانون فوق كل سيادة وتقدم فيه الكفاءة الشخصية على كل اعتبار والذي يضع في راس اهتماماته تامين المساواه وتكافؤ فرص الحياه بين جميع ابنائه هؤلاء الابناء الذين ياخذ على نفسه اولا حمايتهم من الطارئين بتدابير حكيمة صارمة.
ولذلك ايضا ترى الجبهة لزاما عليها ان توفي هذه الصورة الهدف من كل شر بان تعمل بلا هوادة وبجميع الوسائل على ان تحيطها وتسيجها بضمانات وبالتزامات رسمية عربية غربية وامم متحدية بغية ان تبقى وان تفعل.
تلك هي الصوره الهدف عن لبنان الغد التي تتمسك بها الجبهة اللبنانية.
فكل ما تخطط له من بنيان سياسي واتجاه حضري وعلاقات دوليه ففي سبيل هذا الهدف تخطيطها.
لذلك فان هذه الصورة الهدف هي عند الجبهة المقياس الذي به تقيس لتقر او ترفض ما هو مبحوث اليوم او سيبحث غدا من حدود ونظم واتجاهات سياسية وعلاقات.
ثوابت التاريخ.
كما يعز الجبهة ان تظهر في هذه المذكرة خطة عملها التي ترتكز على حقائق من ثوابت التاريخ اللبناني واخرى من حصاد التجارب ومن حتمية الفكر والمنطق يجب ان يعرف بعضها وان يعلن.
ان لبنان هو وطن اللبنانيين المقيمين فيه ووطن اللبنانيين المتحدرين من اصل اللبناني والمنتشرين في العالم وهو وطن المسيحيين العائشين في العالم الاسلامي المحيط وهو وطن المناضلين المروعين من كل دين ومذهب في هذا العالم المشرقي الفازعين من بلادهم اليه.
لبنان قيمة عالمية بحد ذاته.
ويجب ان يظل هكذا ليستطيع ان يبقى مختبرا حضاريا فذا فيه تعالج وتنقذ النظم والمذاهب والتيارات الروحية وفيه يحك الناس.
على انه يرفض ان يعيد اختيار ما كان قد اختير واختبار ما كان قد اختبر.
ولانه قيمة بحد ذاته يستطيع لبنان ان يكون ملتقى تفاعل وتبادل بين حضارات الشرق والغرب والمتخير الامثل لروائعها جميعا.
وبما انه سيد هذا الملتقى يستطيع لبنان ايضا ان يكون سدا في درب ما لا يصلح ودرع وقاية من قحمة الشرور.
يعيش لبنان الحاضر على متاعب وهواجز قديمة حديثة كلها مريرة اهمها.
اقتناعه بان وجد اعدائه في طلاقي الظروف البترولية والفلسطينية والوحدوية العربية والشيوعية الدولية مع ظروفه الداخلية.
من تفكك قيادي وانحلال اخلاقي وتخاذل في الحكم.
وجد اعدائه في كل هذا فرصة جهنمية نادرة للسعي الى اغراضهم فيه فكانت هذه الحرب القذرة التي شنت عليه بواسطة الفلسطينيين والتي زينا خداعا للناس انها خلاف بين اللبنانيين اللبنانيين.
على ان الامر لو كان خلافا وكان هذا الخلاف بين اللبنانيين واللبنانيين لهان جولان اما وان الامر حرب والحرب بين اللبنانيين والفلسطينيين المعتدين ومن ورائهم فمن هنا المتاعب.
لقد شاع في العالم بعد الحرب اللبنانيه الفلسطينية ان لبنان صد على ارضه الشيوعية الدولية.
ومعلوم ان الشيوعيه لا تبيت على ضيم فولد هاجس لبنان الاكبر لامرين جولان ماذا اذا باتت ارض لبنان ساحة حرب للشيوعية ؟ وماذا اذا تغلبت هي فصار لها موطئ قدم على ارضه ؟.
ثم يعيش لبنان هاجس العودة الى صيغة حكم قبل بها في الظروف الخاصة بالسنة 1943 فكانت من جرائها مجازر ودمار.
فماذا سيكون الثمن اذا عاد اليها من شديد ؟ وهو يعيش متاعب حياه هو مشتركة حتى الان بين ناس في مستويات ثقافية وحضارية وحياتية متباينة.
بعض هؤلاء الناس لا يصدق القول بعضهم الاخر ولا يخلص في ولائه ولا يقبل الا ان يتسلط.
وبعضهم الاخر وهو الفريق المسيحي يعيش هاجس الاهام والاتهام بانه اعطي امتيازات مجحفة بحق الفريق المسلم متجاهلا انها ليست امتيازات ان هي الا ضمانات وجدت في الاصل لحمل الفريق المسيحي على التخلي عن الحماية الاجنبية.
ثم يجد لبنان نفسه اليوم امام غرباء فمادوا في الاعتداء عليه حتى نهبوا الاديار والكنائس ودمروها ودنسوا مقدساتها وهككوا حرمة الموتى في المقابر واعتدوا على الراهبات والروبان تشميعا واذلالا وقتلا وحتى اخرجوا ابناءه من كراهم ومن بيوتهم فشغلوها هم ومكانهم على عين العالم المقر بحقوق الافراد والشعوب وهذا العالم لا يبدي ولا يعيد كانه قبل بان تحل سرعة الغاز في لبنان محل شرعة حقوق الانسان.
وهذا العالم القابل منتسب كله اليها.
تلك هي الحقائق التي تستلهمها الجبهة اللبنانية وتلك هي المتاعب والهواجس التي تخيم على لبنان فيعيش اللبنانيون في همها المقض.
ثلاث مؤامرات.
على هذه الاسس تجد الجبهة اللبنانية ان مؤامرات ثلاثا تستهدف اليوم لبنان لتعطل الصورة الهدف التي ترمي الى جلائها ولتداول الحقائق الاصل التي تعمل دائبة بوحدها.
الاولى مؤامرة لقطع لبنان عن تراث التاريخي المتواصل بصورة تعصبية قهرية.
الثانيه مؤامرة لقطع لبنان المقيم عن لبنان ما وراء البحار.
والثالثة مؤامرة لقطع لبنانيين عن جذورهم في التراث الغربي المتراكم الكثيف الذي تفاعل معه عبر التاريخ والذي اعطاه الكثير واخذوا منه الكثير.
وبده انه اذا نفذت هذه المؤامرات الثلاث او احداها الى ما تهدف اليه تكون قد دكت كل او بعض ما يميز لبنان فيتساوى ذاك والعالم المحيط ويبطل النفع من وجوده فيبطل الخير المرتجى لذاته وللعالم.
لذلك تعتذر الجبهة اللبنانية بشكل قاطع عن تقف في وجه هذه المؤامرات الثلاث ليبقى لبنان ذاتا مميزا في قيمها وحرياتها الاساسية.
ان الجبهة اللبنانية انسجاما مع تلك الصورة الهدف ومع هذه الحقائق الاصل واعتقادا منها بان الولاء للدولة ايسر من الولاء للوطن وبان ذلك هو توطئة لهذا تؤكد ان البنيان السياسي الجديد لبنان الموحد المعزز للولاء المطلق له والمانع للتصادم بين اللبنانيين يجب ان يعتمد تعددية المجتمع اللبناني بترافاته وحضاراته الاصيلة بحيث ترعى كل مجموعة حضارية في جميع شؤونها وبخاصه هو ما يتعلق منها بالحرية وبالشؤون الثقافية والتربوية والمالية والامنية والعدالة المجتمعية ما يتعلق بعلاقاتها الثقافية والروحية مع الخارج وفقا لخياراتها الخاصة.
طبيعي ان تطوير هذا البنيان السياسي الجديد يعود الى اللبنانيين انفسهم.
غير ان الجبهة تامل ان يرافقها الاغيار على طريق حسن النية والقصد الصالح فيكرم انفسهم ويكرموها بالتفهم والتاييد.
ولا يسع الجبهة اللبنانية متهيبة حكم الاجيال والتاريخ الا ان تتوقف عند امور اربعة.
الف.
المبادرة السورية.
انه الجبهة اللبنانية اذ تعطي المبادرة السورية التي افضت الى وقف الاقتتال في لبنان مكانها اللائق من الصداقه ومن بين البلدين ترجو ان تظل هذه الصداقة التي بنيت عليها هذه المبادرة في مجراها الطبيعي فتسهم في المحافظة على استقلال لبنان وعلى تقوية قيم مجتمعه الحر المنفتح ويكون لها وله الاثر الفاعل ببناء السلم والتقدم في الشرق الاوسط.
وفيما يتطلع لبنان باطمئنان الى استعادة حريته الكاملة فوق جميع اراضيه وفيما يبدي حرصه الحريص على قيامه المجتمعية يرجو مخلصا ان لا يصيب الصداقة السورية اللبنانية في حلتها الجديدة ما يزيح بها عن طريق الاخوة الخالصة.
باء.
الدول العربيه.
المبادرة السورية التي اوجبتها حرب الفلسطينيين على لبنان وهذه الحرب الفلسطينية بالذات هما اللتان جره الى قيام قوة الردع العربية.
ان الجبهة اللبنانية التي كانت ترحب بكل ما كان من شانها ان يوقف في حينه الحرب العدوانية على لبنان تذكر بان جامعة الدول العربية بقيت ستة 10 شهرا متفرجة على الفاجعة اللبنانية قبل ان تظهر اي اهتمام فعال ومع ذلك لم تستطع الجبهه الا ان ترحب بقوة الردع هذه ال.
ولقد كاد يكون ترحيبها اقوى لو ان هذه القوة كانت عربية غربية في ان اذا لكان الردع ردعا سويا متوازيا.
غير ان الجبهة منطلقة في مواقفها من اعتبارات اخرى ترى ان التحفظ الذي تبيه الان مما كان ليتبدل حتى لو كان تاليف قوة الردع قد بني على اساس اخر شارك فيه الغربيون العرب.
ذلك ان الجبهة لم تكن تسعى انذاك ولا هي تسعى الان الى قوة توقف الاقتتال بل كان سعيها الى قوه او تزيل اسبابه.
وشلي ان قوة الردعه العربية هذه وقد حددت مهمتها على ما حددت عليه قد تكون الصيغة الثامنة والخمسين من صيغ وقف الاقتتال التي توالت في لبنان منذ سنتين الى يومنا الحاضر.
فلماذا تسال الجبهة لا يكون شان هذه الصيغة من حيث عدم الجدوى شان الصيغ السبع والخمسين السابقة وقد كانت جميعها ترد او لا تحترم او تبطل ساعة بعد الاتفاق عليها في غالب الاحيان.
فالجبهة اللبنانية اذ تشكر الملوك والرؤساء العرب على بادرتهم الكريمة ترى من واجب المصارحه والاخلاص ان تبدي تحافظها حيال الذين يقوم على سواعدهم على القوة ارادها.
افترى ان القصد الصالح الذي شاءته القمة في الرياض والقاهرة لم يصل سليما الى القاعدة المنفذه في لبنان جولان الامر الذي تتراءى لها فيه نتائج غير محمودة.
ويهم الجبهة ان تبدي حرصها بل رجاءها ان تكون العلاقات متبادله ومن بين لبنان الجديد والدول العربية علاقات شرف ومساواه وتعاون صادق بحيث لا تعكر ولا تقود ولا تعطل الصوره الهدف التي يرمي اليها لبنان فلا يلوث ذاتيته المميزة اي تلوين او تشويه.
جيم.
الفلسطينيون.
لولا الفلسطينيون ومطامعهم الوهمية بلبنان لولا غرورهم لولا هذه الحرب التي ارتكبوها بفعل هذا الغرور ولولا سياقهم في التيارات الشيوعية الدولية وتحالفهم معها لما كان موجب لاي تدخل عربيا كان او غير عربي.
عما وان التدخل قد حصل وان القصد البعيد اذا صحت المقاصد هو وضع حد لهذا التدخل ثم الحقول دون العودة الى الحرب الحقول دون التدخل من جديد وقد يكون هذه المرة على مدى اوسع قد يجر الى نتائج بعيدة الاغوار فلم يبق بدهم من اختيار فريق الخلاص ذات الشعب الثلاث وهي التالية.
اولا نزع قيادة القضية الفلسطينية التي هي قضية العرب الاولى والتي ليس للفلسطينيين فيها غير اسم نزعها من يد الفلسطينيين وتكليف مجلس الدفاع المشترك العربي قيادتها جولان ذلك لابعاد هذه القضية عن.
النزوات الشخصية والمزاجات الخاصة والمساومات التي تصل الى حد جعلها مطية ضيعة للشيوعية للمخربين ولغيرهم.
ثانيا.
توزيع الفلسطينيين كل الفلسطينيين الموجودين في لبنان على الدول الاعضاء في جامعة الدول العربيه اون.
كل واحدة منها بمقدار طاقتها على التحمل.
ثالثا.
وضع نظام اقامة واحد يطبق على الفلسطينيين حيثما اقاموا في الديار العربية.
دال.
العالم الخارجي.
لبنان من طبعه لم يكن يوما في ماضيه مصدر خطر على احد جولان ولن يكون في المستقبل مصدر اي خطر على انه محمولا بطبعه ايضا كان طوال الايام التاريخ يوفق صلاته بالغرب حضارة وشعوبا جولان هذه الصلات التقليدية الوثيقة وما سيجد منها يصبر لبنان على الا تنقطع.
فهي طريقه السوي الى العالم الحر المنفتح الذي هو جزء منه ولا يتجزا.
بل يصر على تعميق هذه الصلات وتثميرها لخيره لخير محيطه ولخير العالم.
لنا في الدنيا تحت كل سماء في المشارق والمغارب 5 هون ملايين لبناني ومتحضر من اصل لبناني.
هؤلاء الملايين الخمسة لهم في كل باب علم ويد في كل مكرمة.
فان الجبهة اللبنانية تعمل مواصلة جهد من سبق على تكييف لبنانيتهم وعلى اشراقهم في حياه لبنان الجديد السياسيه هو ذلك ان لبنان الذي تؤمن به الجبهة اللبنانية ليست تلك المساحة الجغرافية الضيقة على حوض البحر الابيض المتوسط فحسب ان هو الا امتداد في كل ارض للمساحة الروحية التي يشغلها لبنان ويحييها ابنائه على جبين هذا المشرق العربي الاسلامي.
انطلاقا من كل هذا واستنادا اليه ثم الطعاظا بالتجارب الماضية وبهذه التجربة المريرة التي عشنا ويلاتها ومقاسيها في السنتين الاخيرتين تؤكد الجبهة اللبنانية على انها لا تسمح بان تذهب سودا كوارث حرب 1975 وعلى الا تهدر دماء ابناءها دون ان تستخلص من هذا كله العبر.
التي تخطط على اساسها بنيانا جديدا للبنان يستحيل معه تكرار مثل هذه الفواجع.
وهي تعلن.
اولا انها تطمح الى مجتمع لبناني جديد يصير فيه التغلب على الضعف والعيوب التي شابته من جراء تراخيه.
ككل شعب عيوبه.
وبخاصة في فترة ما بعد الحرب العالمية الاخيرة.
كما يصير فيه العمل على تحقيق القيم المبنية على الصدق والشرف والكرامة والمحبة والنخوة والطموح والاقدام وبخاصة على احترام الحقيقة والكلمة المسؤولة والحق حتى نعود فنتجذر في التراث اللبناني وفي التراث العالمي لنستحق اكثر فاكثر قيمنا اللبنانية الاصيلة التي توارثناها جيلا بعد جيل في احسن حالات صفائها وتالقها.
ثانيا.
وتعلن الجبهة عزمها على ان يكون لها دور بناء مبدع في اي نظام جديد تتمخض به احداث الشرق الاوسط او ستؤول اليه الدبلوماسية العالمية بالتعاون مع دبلوماسيات المنطقة المحيطة جولان ذلك ان لبنان شغل في مكان وجوده على مدى التاريخ مركزا حضاريا وروحيا وتوازنيا وسلويا مميزا شولاني وتؤمن الجبهة اللبنانية بان اسهامها الاصلي في تكوين هذا النظام المرتقب من شانه ان يثريه وان يقويه.
كما تؤمن ان عدم اسهامها في هذا التطوير الخطير او الحقول دون هذا الاسهام من شانه ان يفقر هذا النظام المرتقب وان يضاعفه.
اما النظام المرتقب الذي تعتزم الجبهة اللبنانية ان تسهم في تكوينه فهو ذاك الذي يضمن لجميع شعوب المنطقة لثقافاتها وحضاراتها الحرية والاستقلال ال.
كما يضمن تفاعلا سلميا يضمن تفاعلا سلميا خلاقا بين بعضها وبعضها الاخر.
وذلك ان الجبهه هم تؤمن بان لبنان الحريه يستطيع ان يقوم في عملية هذا الخلق بدور حضري توازني فاز.
ثالثا.
وتعلن الجبهة في الختام ان لا سلم في الشرق الاوسط بدون لبنان الحر والسيد والمستقل في المجتمع المتصل اتصالا عضويا بالحضارة العالميه الفاعلة الواحدة المتواصلة العطاء مجتمع حر منفتح تتمتع فيه المسيحية كما غيرها من المذاهب الروحية باطمئنان تام على ذاتيتها وسيادتها على نفسها والى بقائها على تواصل حر بجميع ينابيع الروح المسيحية في العالم.
بدون لبنان هذا المرتاح الى وجوده والمطمئن الى ذاته سيجد الشرق الاوسط نفسه امام مجتمع مقهور ومضطهد وثائر يكون مصدر متاعب كثيرة تؤذي مسيرة السلام في العالم ومسيره العالم الى مصيره.
وبدون اللبنانيين هؤلاء الذين بعد ان الف الهناء يضميهم اليوم القلق والتهجس والانغماس في المتاعب والهموم ال.
بدون هؤلاء اللبنانيين لا سعادة ولا تمدد.
وليس صحيحا.
انه لا يحق لشعب ان يكون سعيدا وحده ؟ او ان يكون سعيدا بين تعساء ؟ وصحيحا.
انه لا يكون تمد حيث يكون بفعلنا اجحاف او ظلم او افتئات او اعتداء او الم او تعاسة او بؤس ؟ فكيف اذا كان جميع هذه المؤذيات مجتمعة في ارض واحدة وهي الارض التي شهدت في التاريخ بذوغه مدنيات اصيله قال ما زالت وستظل متماديه ومتفاعله فاعلة.
ان من حق لبنان هذا ان يلفت العالم المتمدن اليه.
وهو مهد مدنيات باقية.
ومن حق اللبنانيين هؤلاء ان يلفتوا اهل السعادة اليهم ال.
وهو مصدر سعادة وهناء.
ويرى لبنان واللبنانيون وافقين ان ليس من حق العالم كله بل ليس من حق اي جزء متمدد فيه ان يحجم يوم يدعى الى تحقيق ذلك عن العمل لتحقيق ذاته فيما يحقق للبنان.
بكل هذا تؤمن الجبهة اللبنانية ومن اجل كل هذا تعمل.
؟ شمعون وسليمان فرنجية وبيار الجميل والاباتي شربل القسيس.
الرساله الى البابا.
قداسة الاب الاقدس.
الجبهة اللبنانية.
التي تحمل اركانها واحزابها ومؤسساتها قيادة الدفاع في الحرب العدوانيه هنا التي شنها على لبنان الفلسطينيون الموجودون بكثافة مسلحة على ارضه والتي لا تزال تقود معركة السلم الى ان يستقر يسعدها ان تتجه الى قداستكم بهذه المذكرة البنوية لتقول.
اولا.
كل شكرها معبرة في ذلك عن شكر لبنان لللفتة الكريمة التي خصصتم بها بلادها اذ سرعتم النظر في تطويب الابشر بالمخلوف ثم في رفعه الى مرتبة القداسة.
وذلك في هذا الظرف بالذات الذي تنتاب بلاده فيه كوارث مخربةدامية.
ثانيا.
ولتقول كل همها مما يصيب لبنان في الان الحاضر غولاني شعب هو شعب الفلسطيني واعد نفسه او هو موعود بارضا يقيم عليها وطنا بديلا عن الوطن الذي فقده بفعل تخازله وكثرة اخطائه سلحته ضد لبنان جهات غربية وشرقية من حد الشيوعية والصهيونية والادارة الامريكية الى حد ليبيا ومصر والعراق واغرقته بالاموال كما تغرقه بالاموال وبشتى المساعدات انظمة عربية خائفة تشتري بها بعد هذا الشعب عن ديارها فكان هذه الانظمة تدفع للفلسطينيين لكي يبقوا بعيدين عنها في لبنان هذا البلد المسيحيه الوحيد بين بلدانها.
هذا الشعب الفلسطيني مقوى بالشيوعية وباليمين العربي مقوى بالتواطئ مع الصهيونية مقوى بالمال والسلاح والرجال المرتزقه هو مستقيم به اعضاء ملوك وامراء ورؤساء العرب بميعة جامعة الدول العربية وبعدم اهتمام منظمة الامم المتحده هم وكبيرات الدول في العالم منتشيا بشراسة قواده وهمجيةج جنده وبربريته هو كشعب شرير راح يقتل ويغتال يخرب ويحرق ويدمر وكان الامر مباح في الساح لا يقوم عليه رقيب او يقف له حسيب بشر حتى ان الام الحنون فرنسا لم تعد لنا اما.
فحيال ذلك وعلى هذا المفترق التاريخي الحاسم لم تر الجبهة بد من الوشوء الى دولتكم والى قداستكم شخصيا لتمد شعبنا وبلادنا بالقوة والعون بما لها ولكم من منزلة بين دول العالم ومن حرمة في قلوب حكامها زولاني ذلك ان لبنان هو الشاهد الاوحد ليسوع المسيح في هذه البقعة من الارض بما يلجا اليوم وبما هو مستعد ان يلجئ غدا اذا دعت الحاجه هو من المسيحيين الذين يربو عددهم على الاثني عشر مليون نسمة المرشوشين في الشرق العربي منتقصي الحقوق منقوصي الكرامة لانهم معتبرون من اهل الذمة الذين في الشارع الاسلامي يقلون كثيرا عن المواطنين ويزيدون قليلا عن العبيد.
هذا فضلا عن ان حقوق اللبنانيين في الاعلان العالمي لحقوق الانسان لا تقل عن حقوق اي مواطن ينتمي الى أية دولة منتسبة كما نحن منتسبون الى منظمة الامم المتحدة.
وبخاصة انا لبنان هو اكثر من اسهم في خدمة الحضارة واكثر من روج لها عاملا على مدها مدا متواصلا دؤوبا الى مختلف انحاء المعمور.
وان لبنان على الاخص هو بموجب تحديد قداستكم له في خطابكم بمناسبة تطويب الابشر بال.
البلد النبيل مفرق الطرق الممتاز ونقطة الالتقاء التقليديه هو بين اقطار العالم.
ان للبنان يقداسة الاب الاقدس حقا من لدن الله وحقا لقاء خدماته لم يوفيه ما له احد.
على ان هذين الحقين ذاتهما دين في ذمه هنا الانسانية والحضارة والمسؤولين بحكم مقامهم عن الانسانية والحضارة.
ثالثا.
فاستنادا الى ذلك.
وايمانا من الجبهة اللبنانية ان قداستكم هي اول من يمثل القيم التي يستمد منها لبنان حقه.
وعلما بان دولتكم دولة كل انسان يطوق الى سيادة السلطة والنظام والقانون.
نلتمس من مقامكم الرفيعه تباركوا خطانا في دروب السلام وان بات امالنا يتضاءل فيه الهادفه الى.
المحافظة على سيادة لبنان وبواجهه المسيحي.
المحافظة على تواصله المستمر الدائم بالغرب والكنيسة المحافظة للحضارة التي يغترف منها ثقافته وانسانيته وكرامة انسانه.
المحافظة على ابنائه الماء وراء البحار.
والمحافظة على امنه لكي يستمر في الخلق والابداع ويستمر في انتاجه الوطني بشر رابعا جولان وفي هذا السبيل مساعدتنا بكل ما اوتيتم من وسائل وامكانات لتمكيننا من الطلوع من الحاله هنا التي نحن فيها اليوم والمستمره او في بلادنا منذ السنة 1840 على بعض انقطاع في السنوات 1864 حتى 1914 والسنوات 1920 حتى 1943.
اما الانقطاعان الرئيسان فالاول منها في عهد المتصرفية الذي كان بحماية الدول السبع والثاني في عهد الانتداب الذي كان بحماية فرنسية.
واما السنة 1943 فهي تمثل عندنا بدء عهد الاستقلال الذي تميز بميثاق سمي الميثاق الوطني يقوم على اتف اق والمسيحيين والمسلمين على ان لا يتطلع المسيحيون اللبنانيون الى الغرب وعلى ان لا يتطلع المسلمون اللبنانيون الى الشرق هذا الميثاق الذي فعل ما كان يرتجى منه كان يبطل فعله كلما قوي المسلمون اللبنانيون بقيام زعيم عربي كبير في البلدان العربية كجمال عبد الناصر او كلما احسوا بقوة طلعت عليهم من الداخل كوجود الفلسطينيين المسلمين الذين راح يتكاثف عددهم يوما.
بعد يوم في جميع انحاء لبنان منذ دخولهم اليه في السنة 1942 الى يومنا هذا هذا الميثاق الذي اصبح جزءا من قواعد الحكم التي اعطيت للبنان في السنة 1943 باتا يسمى مع الاجزاء الاخر صيغة ال 43 هذه الصيغة توخى منها المسيحيون اللبنانيون يوم قبلوا بها ان يظلوا احرارا بممارساتهم الدينيه والثقافية والمجتمعية كره ماء في هذه الممارسات غير مغلوبين على امرهم وغير مقهورين في بلادهم.
لقد ظهر فيما بعد ان هذه الصيغه لم تدرا عنهم الاخطار المزمنة التي عادت فهبت عليهم بحجم اكبر في السنة 1952 وفي السنة 1969 وفي السنة 1973 وفي السنتين 1975 و 1976.
كما ظهر ليثبت من جديد ان لبنان كلما قوي استقلاله ضعف كيانه وانما كلما استقل اهتز وكل ما حمته حماية اعتز.
قد يكون لنا يا صاحب القداسة من روح صيغة ال 43 معدلة خلاص وقد لا يكون.
لذلك نجدنا ساعين بلا هوادا هون وراء صيغة حكم تؤمن لنا الاستقرار والاستمرار والازدهار في حياه حرة كريمة امنة.
رجونا قداستكم ضارعين ان تعملوا على ان تبقى جميع الابواب مفتوحه هم في وجهنا من حد التقسيم والفدرالية الى حد التوحيد وصيغة ال 43.
واذا ما طالبنا بالتقسيم قد لا يكون ذلك لكي نصل اليه بل لندر عنا خطر الوقوع في صيغة 43 او في صيغة مثلها.
وعندما يقوم من اللبنانيين مدنيين وعسكريين اكليريكيين وعلمانيين من يؤكد رفضه للتقسيم مثلا باتت صيغة ال 43 تهددنا بالعودة في ثوبها القديم وبثنا في مركز الضعف بعد ان جعلتنا انتصاراتنا القتالية في مركز القوة.
ليس هذا وحده بل نضيف الى هذا امرين نجد انهما هامين.
الاول ان ما يجري حولنا اليوم في العالم الاسلامي كالعودة الى وضع الشارع الاسلامي بالذات موضع التنفيذ يهدد الاقليات المسيحية العائشة فيه يتقهقر لم تصل في حياتها الى مثله.
وهو امر يعيدها الى ما قبل القرون الوسطى.
ويعيق نموها الروحي والحضري على ما ادركه الاقباط في مصر فاحتجوا عليه واضربوا ضده.
والثاني هو ان المسيحية في الشرق العربي مسيحية مناضلة لم تستقر بعد لتنعم بذاتها كما هي المسيحيه هم في العالم الغربي في.
فان ما يعيق المسيحيين الشرقيين المناضلين في نضالهم وبخاصة عندما يجيء العائق من جهات واشخاص هم في الاصل مناضلون.
ان هذا يدمي قلب المناضلين يسبط عزائمهم مما يعود بالضرر الجسيم عليهم على نضالهم وعلى الكنيسة في ان.
قداسة الاب الاقدس.
غدا بمناسبة رفع التوباوي شرب المخلوف الى مرتبة القداسة سترون في كنيستكم عشرات الالاف من اللبنانيين مقيمين ومغتربين وسترون بين ايديكم جموعا غفيره من مختلف انحاء الارض.
فاذا ما سمع هؤلاء اللبنانيون من قداستكم وسمعت من قداستكم الجموع ما انتم تريدون للبنان من خير في اطار جديد عاد اللبنانيون الى بلادهم ورددت الجموع بالراي الذي تكونون قد ادليتم به على مذبح القديس شربل.
ذاك يدوي العالم بهذا الصوت المقدس وترتعد في الناس فرائض وتطمئن في غيرهم قلوب ويكون ما يجب ان يكون.
ثم غدا عندما تعود الوفود اللبنانيه الى لبنان ويعود معهم بطريركم فلا يبقى لبناني واحد مسيحيا او مسلما كان الا يتوقع ان يرى راي قداستكم فيما يصدر عن غطته او يظهر عليه.
فخوفا من ان يظن بما ليس هو رايكم انه رايكم ودرا لشر نتمنى ان لا يكون ترجو الجبهة ان تخصوا صاحب الغبطة بطريركنا بالتوجيهات التي يكون فيها ما ينقذ لبنان وقضيته من الميعة والانحراف وبالتالي من الضياع.
ويقداسة الاب الاقدس.
لم يصبغ في التاريخ ان شعبا قليل العدد والعدة كالشعب اللبناني تقلبت عليه قوى تبز عشرات المرات قواه قدر ان يصمت في وجهها.
بل قدر ان ينتصر عليها كما العجب.
او ليس ذلك بفضل القيم الانسانية والمسيحية الاخيرة التي حشدها هو في نفسه فحشدت هي كل زخها للدفاع عن نفسها في ارضه.
وهو الامر الذي يحفظنا الى ان نلح اكثر فاكثر في مطالبة قداستكم بالاسراء الى عونه.
ان لبنان كذا يحتضر فلم يحضر احد من كبار اصدقائه اليه.
فهو الان في اقصى الاضطرار الى الانتعاش.
انه يابى ان ينتعش على غير يد كبار اصدقائه.
بل كبار اهله الذين انتم في راسهم بلا منازع.
وتفضلوا يا قداسة الاب الاقدس بقبول خضوع الجبهة التي تطلب بركتكم وعونكم.
بيروت في 26 ايلول 1977.
؟ شمعون وسليمان فرنجية وبيار الجميل والاباتي شربل القسيس وقبل الختام ماذا يعني ان يكون رئيس الجبهة اللبنانية في لجنة الصياغة وان يكون قد شارك في وضع هذا الاتفاق وان اكون انا قد امتنعت عن توقيعه ؟.
كل هذا لا يعني اكثر من ان بين اعضاء الجبهه هو سباقا على المكارم وسباقا ذا ابعاد لا تدرك.
هذا السباق ينفي ان يكون بين رئيس الجبهة وبين تناقض او تضارب في الاراء والمواقف لانه هو وانا وراءه نسعى الى غاية واحدة عن طريق واحد فلا فرق ان هو سبقني في الطريق او انا سبقت.
اذ المهم ان نصل الى الغاية او يصل احدنا لذلك اطمئن القالقين الى اني ما زلت اشرب من مصب نهره وساظل.
وفي الاوراق التي كانت بين يدي في جلسة ممثلي الاحزاب يوم الثلاثاء 25 نيسان اقرا هوامش من مثل.
لسنا اعداء بعضنا بعضنا الاخر فلماذا لا نكون كلنا اصدقاء لبنان واعداء اعدائه.
من يعمل متطلعا ابدا الى الشارع سيظل عاملا على ابقاء القضيه في الشارع بشر علينا ان لا نخاف من حكم الشارع فلنخف من حكم التاريخ.
ليس من عمل اكثر مما عملت للتعايش الاخوي ال.
وهو الامر الذي يخولني حق اعلان اعتقادي بالطرحة المفروضة على كل حر بشر هذا ما نستطيع ان نعطيه كل ما نستطيع ان نعطيه فمن يطمع بالاكثر فليركض وراءه بالاستقلال فيدرك ذاك كل ما يريد.
من دروب الحقارة ان تقول ما لا تدمر وان تضمر ما لا تقول.
اغمس لسانك في قلبك وانطق.
اغمس عينك في دم شهدائك واشهد.
اغمس نفسك في الام لبنان واعمل لتفرج وليفرح.
ولا تغمص لسانك وعينك ونفسك في اي شيء واسكت.
بيان الجبهة اللبنانية عن مشاريع الاتحادات.
ان الجبهة اللبنانية بعد ان استمعت بارتياح الى مطالعه هو رئيسها فخامة الرئيس ؟ شمعون عن المحادثات التي جرت بينه وبين جلالة الملك حسين ثم بينه وبين المسؤولين السوريين.
وبعد ان دارست في جلستين متصلتين معظم الشؤون اللبنانية ذات الاثر على مصير البلاد.
وبدافع من صميم تحسسها بالمسؤولية التي تقع على عاتقها من جراء الثقه قال التي يمحضها اياها الشعب اللبناني وجريا على عادتها حيال كل امر تجده خطيرا.
توضح ما يلي.
اولا.
تعي الجبهة وعيا تاما حجم الدور الذي تقوم به في هذه المرحلة من حياتها وتعي ماهية هذا الدور ونوعيته وغايته ومداه.
وهي تعي بالتالي انه يقتصر الى اليوم على التنبيه والتحذير واتخاذ المواقف راصدة ومسجلة في كل ذلك ردات الفعل لتحمل عندما يحين الوقت كل مسؤول مسؤوليته قبل ان تنتقل هي الى مرحلة عمل ثانية.
ثانيا ال.
تجد الجبهة عندما كان عليها ان تقوله وان تفعله في التنبيه والتحذير واتخاذ المواقف حيال المسائل الجوهرية قد انبرت له بمسؤولية كاملة وبحس مرهف عميق لهذه المسؤولية.
فنبهت الى بواعف اجتماعي القمة في الرياض والقاهرة والى الاسباب التي افضت الى المقررات التي اتخذت في هذين الاجتماعين متوقفة بصورة خاصة عند المطالبة بتنفيذ اتفاقية القاهرة ملحة في المطالبة مكررة الحاحها حتى انتهت بعد اعياء لاستمرار التهرب من التنفيذ الى اعلان هذه الاتفاقية باطلة وغير في جدوى بعد اليوم.
وحذرت الجبهة من ان المضي في معالجة وقف الاقتتال دون التعرض الى اجتزاز اسبابه من جذورها عمل لا يفضي الى اي نتيجة اذا كانت النتيجة المطوخات هي وضع نهاية لهذا الاقتتال.
وقد اعلنت الجبهة غير مرة عنا اسباب الاقتتال الاصلية الفاعلة تقوم جميعها على الوجود الفلسطيني الكثيف المسلح الفوضوي على ارض لبنان الطامع الى التسلط فيه.
كما اوضحت الجبهة ان قوة الردع العربية قوة صديقة تعمل في الاصل على اعاده الهدوء والسلام الى الربوع اللبنانية وان كل ما يبدو خارجا عن هذا الحيز من جوهر عملها يكون اما منظورا اليه خطا او هو وارد قطعا في غير مكانه جولان وقد نبهت في هذا الصدد برفق الى ما يمكن ان تعني بعض الحوادث الشاذة التي وقعت في مختلف انحاء البلاد راجية الا تنحرف البادره عن جوهر مهمتها وعن جوهر ما اوجبها وعن جوهر ما تهدف اليه.
وكما نبهت الى ضرورة احكام النظر في المراقبة على الصحف والمنشورات لتظل هذه المراقبه هم ضمن الخدود التي اوجبت قيامها فلا تتخطاها الى ما ينتقص من حرية الضمير والراي والقول وذلك في انتظار ان تزول نهائيا وبدون ما ابطاء.
ثم ان الجبهة مستجمعة امرها مذكرة بكل هذا غير لا هي هون عن شؤون العارضة الكثيرة التي لفتت نظر الحكم اليها كمثل ما عملته هي وما قابل ذلك من عمل غيرها بصدد الاعلام والجامعة اللبنانية مثلا لا ترى بد من ان تعلم.
اولا.
ان لبنان لا يجد له دورا في الاتحادات التي يتوارد ذكرها بين مستجمعة امرها مذكرة بكل هذا غير لا هي هون عن شؤون العارضة الكثيرة التي لفتت نظر الحكم اليها كمثل ما عملته هي وما قابل ذلك من عمل غيرها بصدد الاعلام والجامعة اللبنانية مثلا لا ترى بد من ان تعلم.
اولا.
ان لبنان لا يجد له دورا في الاتحادات التي يتوارد ذكرها بين.
حين واخر في المحافل السياسية وتذكر الجبهة بان كل شيء مصيريه يتعلق بلبنان لا يقر الا اذا اجمعت الارادة اللبنانية عليه اجماعا كليا لا شبهة فيه ولا زور ولا اكراه.
وذلك ان المصير اللبناني يقرره اللبنانيون وحدهم بارادة حرة واعية.
وهم يرفضون الانصراف الى تقريره ما دام الوجود الفلسطيني الفوضوي المسلح على ارض لبنان وما دام على الارض اللبنانية وجود عسكري ولو رادع من اي نوع كان ولي اي سبب.
ثانيا.
هنا لبنان مع افتخاره بالارتباط بمحيطه ومع اعتزامه تعميق هذا الارتباط يؤكد افتخاره بانتمائه الى عالم اوسع وابعد اثرا في الحاضر وفي التاريخ.
وهو يؤمن بان مصيره متوقف في اقل تعديل على هذا الانتماء بمقدار ما هو متوقف على ارتباطه بذاك.
ثالثا ان وعي قوة الردع العربية يجب ان يشمل التحركات التي يقوم بها بعض الاحزاب والهيئات التي كانت تقف في الامس القريب موقفا معاديا للبنان ولقوة الردع ذاتها فلا يظن ان لقوة الردع هذه موقفا في العالم واخر في الخفاء فيظل اهل السوء مستفيدين من هذا الاشكال المبهم وتبدو قوة الردع وكانها منخدعة في ذلك انخداعا يجر الى كبائر.
رابعا ان تمادي الحوادث الجارية في الجنوب التي قد تكون لها نتائج خطيرة على مستقبل لبنان والمنطقة جمعاء يعود الى العمل العدواني الذي تقوم به المنظمات الفلسطينية المسلحة لاسباب لا تتفق مع الصالح اللبناني وهي هذه المنظمات الفلسطينية التي لم تتقيد بالتزاماتها الواردة في اتفاق الرياض القاهرة.
فحيال هذه الحوادث تحمل الجبهة المنظمات الفلسطينية والدول العربية مسؤولية كل تطور يمكن ان يحصل على الارض اللبنانية في الجنوب خاصة اذا كان من نتيجة هذه التطورات احتلال اي جزء من اراضي الوطن اللبناني ال.
على ان العرب يعرفون ان ما يحدث للبنان على.
ارضه لن يطول ان يحدث مثله للعرب على ارضهم اقروا بث ارضهم من لبنان ام بعدت.
ثم حيال هذا السقوط من قبل الدول العربية في هذا الشان وفي غيره كما في تنفيذ اتفاقية القاهرة لا مفر من ان تعيد الجبهة مجددا النظر بلوجوء لبنان الى جامعة الدول العربية في حل مشاكله المتاتية بمعظمها عن بعض الدول التي تنتمي معه الى هذه الجامعة ؟.
ان الجبهة اللبنانية.
مع سهرها الدائم على مصلحه هو لبنان واللبنانيين.
تهيب بكل لبناني وكلنا مسؤول ان يظل متاهبا لممارسه هو المسؤوليته التي تفرضها عليهم مواطنيته وحرصه على لبنان.
ايها اللبنانيون ان الرهان عليكم هو جسيم.
فاما ان تكون شعبا تليق به الحياه وقد برهنتم على انكم كذلك فيبقى قادرا على الانتفاض في وجه الظلم والقهر والتعسف والطغيان ال.
واما ان لا تكونوا.
فان كنتم ربحنا نحن واياكم.
والا ربح غيرنا وغيركم واندلعت المصائب التي نكره وتكرهون.
الكسليك في 25 حزيران 1977.
؟ شمعون وسليمان فرنجية وبيار الجميل والاباتي شربل القسيس.
بيان خلوة اهدن.
ان الجبهة اللبنانية.
في ختام خلوتها المنعقدة منذ الصباح الخميس 25 اب 1977 في منزل فخامة الرئيس سليمان فرنجية باهدا مجتمعة في الساعة 9:00 هون من يوم السبت هذا برئاسة فخامة الرئيس ؟ شمعون وبحضور الرئيس فرنجية والشيخ بيار الجميل والاباتي شربل قسيس وجواد بولس وشارل مالك وفؤاد افرام البستاني والارشمندريت سمعان عبد الاحد والشيخ قبلان عيسى الخوري رئيس الجبهة الوطنية في الشمال وسادة هنري طربيه وجان نفاع ودوري شمعون وجوزيف ابو ! وموسى برانس وادوار حنين.
تعلن البيان التالي.
لقد كان متوقعا ان تعقد الجبهة خلوتها الثانية هذه الموعودة في بيان سيدة البير قبل هذا التاريخ وبشكل موسع متابعة للمسيرة التي خططها لنفسها في طريقها الى انشاء لبنان المنتظر غير ان عوائق ناتجة بمعظمها عن وجود الغرباء على ارض لبنان وعن الاوضاع غير المستقرة خارجية وداخلية حملت الجبهة على التمهل في طريق المخارج والحلول التي تنشد من اجل ان تجيء اعمالها حرة صافية الوحي محكمة الوضع كما تريدها ان تكون.
على ان تحسس الجبهة بالواجب الملقى على عاتقها وعزمها على اداء الخدمة التي ندبت نفسها لها حملا اعضائها الى التداعي لخلوة مصغرة تنظر فيها الامور التي باتت تتاذى من طول انتظار فاقر في اثناءها ميثاق الجبهة ونظامها المنتظرين ثم توافقوا على وضع الخطوط الاساسية في بناء لبنان الغد.
اما الميثاق والنظام فيجري اعدادهما للنشر فورا.
واما الخطوط الملحوظة للبنان الغد فلن تنشر الا في الاجواء التي تناسب جيلالها.
كما قرر المجتمعون ان يقفوا من كل ما يبحثوا الاخرون ويعرضونه بهذا الصدد موقف الرفض او القبول بنسبة ما يكون الامر المبحوث متوافقا مع المبادئ التي جعلت في اساس بنائها فعينت الجبهة من اجل ذلك لجنه قام الاختصاصيين لدرس كل هذه الامور وتقديمها في ضوء ما يناسب خطتها وما لا يناسبها.
وبعد ان استعرض المجتمعون شؤون الساعة وبعد ان استعادوا تلاوة بيان سيدة البير وكرر اتفاقهم على كامل مضمونه قررت الجبهة.
اولا.
الموافقة على الامور العسكرية التي بسطها امامها قواد القوات اللبنانية الذين استدعوا للمشاورة في شان حوادث الشوف.
ثانيا.
لفت نظر السلطة الى الماس التي تجري في الجنوب منبهة الى ان حوادثه الدامية لن تتوقف الا اذا صار اخراج الفلسطينيين من ارضه خاصة ان المراقبين يحارون على من يطلق النار هؤلاء الفلسطينيون.
ثالثا الاصرار على وجوب نشر اتفاقية شتورة لتتمكن الجبهة من درسها بندا بندا وكلمة كلمة.
رابعا التحذير من ان التهجير الاهاليل المخطط له منذ بدء الحوادث والذي يجري اليوم على اشده في الجنوب سواء في الكره المسيحية ام في القرى الشيعية ام في المختلطة منها.
وتسال الجبهة لمصلحه من يفتح على هذا التهجير ؟.
خامسا.
القاء مسؤولية الحوادث في الجنوب ومسؤولية التهجير الذي افضت اليه الحوادث على عاتق الفلسطينيين الذين يعرقل وجودهم بالاضافة الى ما ذكر تحرك الاقتصاد الوطني الذي تحرص الجبهة على ابقائه حره المنظما بعد تعويمه وترميمه.
الامر الذي يعزز مطالبة الجبهة بحتمية توزيع الفلسطينيين الموجودين على ارض لبنان افي الجنوب.
كانوا ام في غير الجنوب على الدول الاعضاء في جامعة الدول العربية.
سادسا تهيبوا الجبهة بالمسؤولين ان يحققوا بحركة البواخر التي توالي انزال السلاح والذخيره وفي مرفق صور الذي لم تبسط الدولة اللبنانية بعد سلطتها عليها.
وهو ما يدعو الى الاستغراب والتحصب الشديدين فيدفع هؤلاء المسؤولون البلاد من جراء اهمالهم الى عكس ما وعدت به بتجريد عدوها من سلاحه.
سابعا.
طوعية المسؤولين عن قوة الردعه التي حققت امر النبيلا على التجاوزات التي يرتكبها بعض افرادها في حالات باتت تتكرر كل يوم حتى باتت وكانها تعديات.
ثامنا.
تلفت الجبهة الى امر معيب هو ان اللبنانيين المعتدى عليهم في عقر دارهم بعد ما يقارب السنة من دخول قوة اراد الى لبنان لم يتساووا الى الان على يد هذه القوة بالفلسطينيين المعتدين لجولان اذ ما زلنا نجد مثلا قوه هنا الردع في قلب البسطة والاشرفية ولا نجد لها اثرا في نطاق مخيماي صبرا وشاتيلا وفي غيرها من المخيمات.
تاسعا.
اعداد نداء تتوجه به الجبهة الى الراي العام العالمي في موضوع ما جرى وما لا يزال يجري على ارض لبنان وفي مغبه هم ذلك.
عاشرا مواجهة الحالة الانتقالية التي ما برحت تتخبط فيها البلاد منعا لناس في انسانها بسبب الهجرة ولنزف ما لها بسبب الجمود الاقتصادي.
حادي عشر.
توفيق الروابط بينه وبين اللبنانيين الماء وراء البحار تواصلا الى تمتيعهم بكامل حقوقهم السياسية والى اشراقهم في جميع النشاطات البلاد وبخاصة الثقافية والاقتصادية والسياسية والامنية اشراكها فعليا.
ثاني عشر.
تعلن الجبهة انها وضعت في الدرس علاقتها المقبلة بالدوله اللبنانية.
ايها اللبنانيون لم يكن ليدور في خلدنا ان استعادة العافية بعد ان القي السلاح وقامت نواطير عليه ستكون في مثل هذا التباطؤ الذي يشبه الجمود.
عين جبهتكم لن تغفل.
ولن تمل العمل.
كلكم وكلنا على البلاد خفير.
كونوا متيقظين.
الاباتي شربل القسيس وبيار الجميل وسليمان فرنجيه و؟ شمعون.
اهدن السبت في 27 اب 1977.
الامين العام للجبهة اللبنانية.
ادوار حنين.
فلولا الوجود الفلسطيني الكثيف المسلح الفوضوي في لبنان لما اريد الفلسطينيون مطية.
ولولاهم لما تحرك العرب والمسلمون اللبنانيون.
اذلاء الصهيونية ولا اليسار ولا العرب كانوا شنوا حربا من الخارج على لبنان وللمسلمون اللبنانيون كانوا تحركوا في الداخل.
لان لا هؤلاء ولا اولئك قادرون على شان حرب.
اما لماذا المسلمون اللبنانيون غير قادرين ؟.
فلانهم لا يملكون اسبابها ولا يملكون مبرراتها ولا يملكون سلاحها.
واما لماذا اعاروا انفسهم للفلسطينيين فجعلوا نفسهم في بلادهم مطية لهؤلاء ؟.
فلهذا حكايه تبدا منذ وجود المسلمين في لبنان ولا تنتهي الا بانتهاء مطامعهم الهوجاء فيه !.
هذه الحكاية سنحكي بعضها الان.
السلام الذي تتمناه قداستك للبنان بين ابناء لبنان ليس عصي الجانب لقد كان مرارا ومرارا اختل فليس ما يمنع ان يكون من جديد ليختل ايضا من جديد.
كما في العاده.
غير ان هذا السلام ليست طريقه من لبنان وان كانت مفاعله هامة على ارض لبنان جولان هذا السلام الذي يقوم على اخراج الفلسطينيين من لبنان وتوزيعهم على العالم العربي كل دوله ومن جامعة الدول العربيه بحسب ما تستطيع ان تتحمل ينبع من الخارج قد يجيء عن طريق العرب ويفعل حتما في لبنان.
فهو ينبع من ضمير الامم المتحدة ويشيء ربما عن طريق الدول العربية ويشيع الراحة في لبنان.
ولماذا تريدونه ان يختبر صيغة التعايش بين المسيحية والاسلام ولماذا تريدون ان تستمر صيغة التعايش في لبنان بين المسيحيين والاسلام !.
نعلم مثلا انكم تعتقدون انا من اقوى ركائز الوجود اللبناني هو ان يكون لبنان مختبرا حضاريا عالميا.
فما مبرر وجوده وهو العريق في الحضارة المتميز في خلقها وخدمتها كما هو المبدع الخلاق ان لم ينصرف بكليته او بمعظم جهوده الى مثل هذه الناحيه الفذة من مجهودات العالم.
كما نعلم انكم تريدون ان يختبر لبنان صيغة التعايش بين المسيحية والاسلام لان المسيحية والاسلام يكاد يكونان متساويين فيه جولان انهما متساويان او يكادان من حيث العدد من حيث التحصيل الثقافي والحضاري من حيث المستوى الحياه ومن حيث التمتع بحريه وان قل ما توجد في غير مكان من الدنيا.
فان فات لبنان ان يختبر ذلك فقد يفوت الدنيا كلها ان تختبره.
وكما نعلم انكم تريدون ان يستمر التعايش في لبنان بين المسيحيين والمسلمين لكي تعطوا الدليل ان المسيحية قابلة بهذا التعايش الانساني وقادرة على حملي ابنائها عليه ولكي يكون للمسيحيين للاثني عشر مليون مسيحي المرشوشين في العالم العربي ضمان من موقفكم يعود عليهم بالنفع والراحة.
لبنان المختبر هذا اردناه معكم شخصيا مختبرا حضاريا منذ ما يزيد على الربع قرن.
وقد عبرنا عن ذلك في مناسبات كثيرة داخل لبنان وفي مؤتمرات اقليمية وعالميه كما عبرنا عنه في غير مره هم في المجلس النيابي بشر ولم يكن موقفنا من لبنان المختبر منفردا وانما وقفه معنا كثيرون فليس اذا لبنان المختبر هو الذي نكره ولا نكره على الاخص ان يكون مختبرا للتعايش المسيحي الاسلامي ولقد قلنا حتى حرب السنتين من دعاة هذا التعايش الاكثر حماسا والاقل تعقدا.
ولكن من يضمن لنا ان عودتنا اليه على حاله لا تعيد الينا الحوادث التي انقطعت اليوم بانقطاع اطلاق النار وهي لم تنقطع بعد بازالة اسباب اطلاقها.
من يضمن لنا ان لا نعود في القريب او في البعيد الى التقاتل والذبح على الهوية من البادئ ومن المعيد في ان.
من يدفع معنا ثمن هذه الفواجع ؟.
ثم من من اصحاب المسؤوليات والضمائر الحية يستطيع ان يشير علينا بالرجوع الى التعايش الذي فشل او ينصحنا بهذا الرجوع ؟.
من يتحمل مسؤولية ذلك مسؤولية ضميرية واعية حميمة ؟.
افلم يبق صحيحا ان الله يرى ممالك تنهار وامبراطوريات تندثر وتيجانا تتدحرج فلا يحقق له جفن وان عرشه يهتز عندما يرى انسانا يقع صريعا على الارض ؟.
اليس هذا الانسان اللبناني انسانا ككل انسان بعين ربه وبعين الذي من يمثله بيننا على الارض ؟.
قداس هون الاب الاقدس ! ليس في اللبنانيين اللبناني واحد مع فسخ عقد التعايش المعقود منذ زمن طويل بين المسيحيين والمسلمين في لبنان ولكن اللبنانيين مع لبنان ! اللبنانيين اللبنانيين مع لبنانهم اولا وهم يعتقدون ان لبنان ان فقد فقدوا وفقدت بفقده قيم انسانية اصيلة على الارض لذلك اللبنانيون اللبنانيون يطالبون اللبنانيين الاخرين بالولاء للبنان.
لبنان اولا واخرا.
لبنان قبل كل شيء قبل اي شيء وفوق كل غاية.
ولما كان اللبنانيون اللبنانيون يجدون ان الوصول الى ذلك ليس سهلا وقد لا يكون ممكنا ذلك ان ولاء المسلم هو لاخيه المسلم وان ظالما سواء كان في داخل لبنان ام في خارجه.
لذلك راحوا يفتشون عن حل اخر فما هو ؟ تلك هي المسالة كميه اللبنانيون اللبنانيون يا صاحب القداسة مع لبنان الواحد.
لبنان الكل.
كله لبنان لكل اللبنانيين.
ولكن اللبنانيين اللبنانيين يقبلون بغيره.
اذا كان اللبنانيون الاخرون لا يقبلون بلبنان كما يجب ان يكون.
ولبنان الذي يريده اللبنانيون اللبنانيون هو لبنان الكرامة والانسان.
ثم هو لبنان الذي تنتفي عن ارضه المجازر.
لانه ماذا ينفع لبنان واللبنانيين جميع اللبنانيين اذا بقي لبنان وبقي زريبة يتقاطع فيها سكانها ويتذابحون.
من اجل ان يظل لبنان لبنان الكرامة والانسان لبنان المتصل ابدا بالحضارة بعواصم الحضارة في العالم بمنابعها لبنان القادر على اللحاق بالدنيا التي تقفز قفزا في معارج التقدم والرقي.
وقد وصلت امس الى القمر !.
من اجل هذا وجب ان يتبين لبنان طريقه.
طريق لبنان الى كرامة الانسان هي طريق العالم جميعا اليها طريق من يهمه الوصول الى الكرامة هذه الطريق ليس محتوما ان تكون طريق الوطنية.
هذه الطريق قد لا تلتقي طريق الوطنية او ما سمي وطنية بشر لذلك عزم لبنان اللبناني ان ينقطع لها ويخلص ان يتجرا في مراحلها كل مر وان يمضي حتى اخرها.
في هذه الطريق الحديث عن الاخوة ساقط اذا كان هذا الحديث يعيق.
وساقط الحديث عن التعايش اذا اعاق.
وهكذا الحديث عن الوطنية التي طالما كذب باسمها وباسمها ارتكبت المنكرات.
في هذه الطريق وهي المفضية الى المصير يريد اللبنانيون اللبنانيون ان تكون جميع الابواب مفتوحه في وجههم.
وهم يؤمنون ان من سكر في دربهم بابا سكر باب السماء في دربه !.
ان اللبنانيين اللبنانيين لم يعتدوا الى الان على احد.
ولكنهم يريدون ان لا يعتدى عليهم بشر وفي سبيل رد الاعتداء عنهم يستسهلون كل شيء وبكل شيء يستهين بشر قداسة الاب الاقدس ! ليس في هذا الكلام تطاولا على احد ولا محاولة للحط من قدر احد ولا من قول قائل.
غير ان لبنان يريد ان يخرج عن طريق القدر ال.
فهو يعتبر ان ليس القدر من طبعه وان قدره ليس ان يموت دون ان يسال لماذا يموت ؟.
فقدر لبنان هو ان يحيا وان يحيا ليخدم.
وما الوجع الذي يصيبه الان الا من هذا الجانب.
نقول هذا وبالصراحة المحيية نقوله لان الاخرين عندما راوا بعضا من اللبنانيين اللبنانيين يسد على نفسه وعلى اخوانه بعض الطرق والابواب ظنوا انه صار بمقدورهم ان يعودوا مرتاحين الى شؤونهم فعادوا الى المطالب ذاتها يتوسلونها بالوسائل ذاتها على مثل عنف الماضي واعنف.
فهو الحال هون هذه ما الذي يحول في نظر الحصيفين دون عودة الحوادث الدامية ؟ اذ ذاك ما الذي ينقذ البلاد لننقذ التعايش المطلوب ؟ ومن يكون مسؤولا ؟.
ومن هو المدعو ان يموت عن بلاده.
اهو الذي يسكر ابواب الحلول ام الذي ما زال يقاتل لفتحها ؟.
عند هذا نسال.
الى اي حد تستطيع الحضارة المسيحية ان تعايش الحضاره هنا الاسلامية بتفاعل ايجابي منتج يدفع الانسان والانسانية الى التقدم ؟ بشر وما راي دوائر المدينة الخالدة في قول احدهم جولان ان تعايش الحضارتين يفدي حتما اما الى قاهر ومقهور واما الى التنازل واحدة عن خصائصها لتحيا الواحده الثانية متحضرة ؟.
يبقى ان نعرف لماذا يريد المسلمون لبنان الواحد لبنان غير المنقسم قسمين او اكثر ؟.
لان تقسيم لبنان يعيق نهضته بجناحيها المسلم والمسيحي.
وقد يعيد يقول بعضهم احد جناحيه الى البداوة.
ولان لبنان كان منذ السنة 1840 عبوءة ناسفة موقوتة ومهيئة ابدا الى الانفجار.
فان العالم الاسلامي يجد نفسه بحاجة الى هذه العبوءة.
اما لماذا يريد المسيحيون لبنان المنقسم الى ولايات فيلامركزية مختارة ؟.
فليظل لبنان واحدا.
لان اللامركزية الفيدرالية تاذن لكل واحدة من الحضارتين ومن الجماعات التي تعيش فيه ان تنمو وتتطور بحسب ما فيها من بذور وتعاليم وامكانات فلا تحتك ولا تصطدم مع بذور غير بذورها وتعاليم غير تعاليمها وامكانات قد لا تكون جميعها متكافئة او منصبة عن طريق واحد.
واما لماذا يريد المسيحيون ان لا يغلق في دربهم باب اي باب كان.
فلكي لا يظن انهم قابلون ان يعيشوا في زريبة من اجل وهم ! او الاستمرار التكاذب الذي عاش هذا الوهم عليه.
ويريد المسيحيون ان لا يغلق في دربهم باب لكي لا يفتح الاخرون في دروبهم ابواب التناور او باب الاستضعاف.
ويبقى ان نعرف لماذا المسلمون حيثما يكونون اقلية يسعون وراء التقسيم كما في الباكستان وفي الفلبين وقبرص وحينما يكونون اكثرية او شبه اكثرية يسعون الى البقاء في الوحدة.
ففي الحالة الاولى ليخرجوا من سيادة غير المسلمين.
وفي الحالة الثانية.
ليخضعوا غير المسلمين الى سيادتهم.
اما لماذا ذلك ؟.
فلان الشرع الاسلامي يمنع على المسلم ان يخضع لغير المسلم.
كما يمنع شرعهم ان يتساوى المواطن غير المسلم والمواطن المسلم.
من هنا يقول العارفون ان شرائع العالم جميعا ترى في الناس حكاما ومواطنين الا الشرع الاسلامي فهو يقسم الناس فئات حكاما ومواطنين وذميين.
اما ذا مي فهو في البلاد الاسلامية المواطن غير المسلم الذي تتارجى حقوقه بين المواطن والعبد.
وهو اقرب الى العبد منه الى المواطن ل.
لان حقوقه هناك تستمد من ذمة المسلم لا من القانون !.
هنا وجب القول.
ان النضال اللبناني منذ اقدم زمانه لليوم قائم على ان يظل اللبناني مواطنا لا ذميا وعلى ان يظل المواطن اللبناني مواطنا حرا سيد امره كريما.
اجل ! ان في العالم الاسلامي مسيحيين يحيون مع المسلمين بامان ولكنهم يحيون ذميين.
كالاقباط في مصر والكلدان والسريان والاشوريين في العراق وكالمسيحيين من كل ملة بين سوريا والسعودية والاردن.
كما وجب القول.
ان لبنان في هذا العالم الاسلامي وحده يشهد ليسوع ولكنيسته.
ان لبنان هو الوطن الروحي لجميع مسيحيين الشرق.
ان لبنان وحده يشارك باسم المسيحيين الحكام المسلمين في حكم رعاياهم الذين منهم مسيحيون.
كما يحصل في مؤتمرات القمه هوم.
وان المواطن المسيحي المقهور حيثما كان في انحاء العالم العربي يجد في لبنان الراحة والانفراج.
ويسعدني يا صاحب القداسة ان اعيد هنا على سمع قداستكم بعضا مما يدل على ما هي المارونية المضطهدة اليوم والمعتدى عليها في عقر دارها الجولان وذلك بحسب تحقيقات الراهب البلدي اللبناني الاب بولس نعمان صاحب الصفحات التاريخية اللبنانية النيرة.
قال.
المارونية تراث روحيه شدنا الى الانجيل والسيد المسيح الاله المتجسد بالوسيط القديس مارون مثالنا في عيش الانجيل ببساطه واخلاص وبتفان وبطولة.
وهي تراث حضاري يشدنا ايضا الى المدرسة الانطاكية الكبرى ونهجها في فهم شخصية المسيح الاله الكامل والانسان الكامل.
واذن فالمارونية ليست مفهوما مدنيا صرفا ولا مفهوما دينيا صرفا.
بل هي احدى انجح تجسدات الفكر العملي والتركيب المسيحي في هذه المنطقة.
استطاعت ان تكون في الوقت نفسه ديانة ودوله ومن غير ان تدول الدين وتدين الدولة.
وتتميز المارونية عن غيرها من الكنائس الشرقيه هم بالارتباط الدائم والوثيق بالكنيسة الرومانية وبالتراث الغربي ومن ثم بالمسيحية العالمية الجولان وذلك منذ النشاة اي منذ المجمع الخلقيدوني السنة 451 ال.
وهذا الارتباط قد انشا مع الزمن علاقة وطيدة بين الموارنة وبين الغرب ومنع عنهم الانغلاق وحملهم على مجاراة التقدم العالمي واللاهوتي والفكري والاجتماعي ال.
بل اكثر من ذلك فقد منع هذا الارتباط بواسطتهم الانغلاق عن الشرق عامة لان ما اكتسبوه لانفسهم عكسوه على مجتمعهم علما وحضارة وخلقا ومسلك عيش.
وعندما جاء الفتح العربي فاثار في الشعب المسيحي السوري ردات فعل مختلفة بل متضاربة تميز الرد الماروني بالرفض رفض الامر الواقع.
لقد رفضوا التنازل عن لغتهم وحضارتهم جولان ورفضوا التنازل عن معتقدهم المسيحي الخلقيدوني واثر التخلي عن كل شيء حتى عن الارض والمسكن في سبيل المحافظة على خطهم الفكري والديني والحضاري بشر وتستمر المارونية في خطها متجاوزة جميع العراقيل.
قاهرة جميع المصائب حتى يومها الحاضر تغلب ولا تقهر الى ان تنتصر في المجال الاخير.
ويقول العلامة الاب نعمان في مكان اخر من مدوناته.
هذه المارونيه هنا التي ما زالت في مرحلة النضال التي تعيشها بصبر وفرح المسيحية في الشرق والتي رسمت لنفسها ان تستمر في كدها ونضالها الى ان تصبح المسيحية في الشرق في مستوى المسيحيه هم في الغرب من الاستمتاع بنعم المبادئ المسيحية وبخيرات ظلها الظليل.
ولا نريد ضمانة تخالف القواعد.
قواعد الاكثرية على الاخص ؟ فماذا يبقى ؟ ضمانات فعلية يبدا فعلها عندما تبدا الاعتداءات.
ولا يتوقف فعلها الا عندما تتوقف الاعتداءات.
ما هي هذه الضمانات ؟ هذا هو الحل الحل الذي رجونا ان لا يغلق باب في وجهه.
قداسة الاب الاقدس.
يسال اللبنانيون بعضهم بعضهم الاخر.
لماذا هم مسيحيون ؟.
ولماذا يستمرون في مسيحيتهم ويصمدون.
كانوا ولا يزالون وسيبقون ؟.
او ليس لهم لدى المسيحيين مقام ؟ ومن المسيحيين حافظ ؟.
ويسال اللبنانيون.
اذا كانت عين الامم غافلة عنهم اوليس في العالم عين محتوم عليها ان لا تغفل ؟.
هذه العين ماذا عملت لتظل العين الساهرة العين التي تعي كل شيء وتضع في الميزان كل شيء.
هذه العين عينكم لو تركت امرها الى الله كل امرها الى الله وحده لكان الله سبحانه امرها ان تنتقل الى لبنان تقعد فيه الى ان تنجلي الشرور عنه وتنقش الغيوم عن سمائه.
بل ولو ترك الامر اليكم وهو عليكم لقليل لكنتم رايتم بشان لبنان ما رايتموه بشان المختطفين في طائرة اللافتونزا التي عرضتم نفسكم فديه عن سماوية عنهم جولان ذلك ان لبنان الذي تحبون المختطف من قراصنه هنا الانسانية والحضارة والحق حاليا كالمختطفين من قراصنة الجو بان يفتدى ! ولعله احرى منهم بذلك !.
هذه المارونية التي رفضت منذ نشاتها الاولى القبول بما ينقص الانسان او ينقص كرامته وحريته ورفضت بالتالي الانصياع الى الطغيان والاستبداد والتجبر.
هذه المارونية بالذات ان كان فعلها على مدى التاريخ منقذا للمسيحية للحضارة وللانسان في هذا المشرق العربي او كان فعلها فريدا لم ينبر مثلها لمثله.
اما ان تكون هذه المارونية واجبة الوجوب فيجب انقاذها واما ان لا تكون فدعوها تمضي بسلام.
ولكنها تريد ان تمضي في طريقها بطريقتها هي مصممه عازمة حرة قادرة.
قداسة الاب الاقدس.
لبنان يريد ضمانات لا تطمينات.
الكلام الذي يطمئن كثير وهو حلم في معظمه ولكن الكلام المطمئن يذهب مع الريح كما ذهب مع الريح كله كلام مطمئن اخر قيل الى الان في لبنان.
لا طمانينة للبنان في غير الضمانة التي تبذل له فتؤمن استمرار بقائه.
لبنان المسيحي امس بات يقبل اليوم لسوء حظه ان يكون فقط ذا وجها مسيحي.
ليظل قادرا على القيام برسالته المستمرة ابدا والتي بدونها لا يكون.
هذا الوجه المسيحي لا يتامن بان يكون حاكم لبنان مسيحيا.
فرب مسيحي اسوا من غيره.
ثم من يضمن ذلك ؟.
الاكثريه تحكم في العالم الديمقراطي هذه الاكثرية تتحول عندنا يوما بعد يوم عن طريق التزايد الطبيعي وعن طريق ادخال الاغراب غير المشروع الى الديار اللبنانية.
لان عدد الابرياء المعرضين في لبنان للفناء اكثر من عدد الابرياء الذين عرضهم اختطاف اللافتنزا اليه.
عدد الاطفال اكثر وعدد الشيوخ والنساء اكثر وعدد المرضى والمصابين اكثر.
واكثر كثيرا عدد الذين بكم يثقون وعليكم يلقون اتكالهم.
ولبنان احرى بالفداء من الطائره لانه ان هو ذهب او اضيم ذهبت معه واضيمت الشهادة لله ولكنيسته والانسانه وللحق في هذا الشرق العربي المتقهقر.
ويسهل اللبنانيون ما الذي هو خير من الحياة ؟.
الفناء افضل من البقاء ام البقاء هو الافضل.
فان كان البقاء هو الافضل فلماذا لا يضع لبنان ذاته ولماذا لا يصعف ليضع ذاته في طريق البقاء.
وما الذي كان طوال تاريخ لبنان يحول دون ابادة ابنائه ؟.
ويسالون.
من احق من اللبنانيين بلبنان ؟.
ما هو دافع المعتدين للاعتداء على لبنان ؟.
من يرد الاعتداء عن لبنان بل من يساعد ابنائه في رد الاعتداء عنه.
من المسؤول عن دول الارض.
من المسؤول عن صغيراتها.
من المسؤول عن لبنان.
ولماذا غاب المسؤولون ؟.
قداسة الحبر الاعظم.
رجوناك !.
ثم رجوناك ان تقبل منا ان نظل من ابنائك الواثقين الخاضعين.
روما في 9/10/1977.
ادوار حنين.
جريدة الجريدة في 29/10/1978.
  الجبهة اللبنانية الميثاق.
الماده ١.
لبنان وطن عريق متواصل التاريخ نهائي دائم سيد حر مسؤول منفتح بتقدير واعن على العالم اجمع متعامل معه باحترام وتبادل في حدود سيادته المطلقه.
الماده 2.
لبنان قيمة عالمية واجبة الوجوب ملتقى الحضارات والتيارات الروحية مختبر حضاريفذ.
الماده 3.
لبنان وطن الانسان.
فيه تحترم حقوقه طصان وكرامته ترعى حرياته تنمى شخصيته ويعزز كل ما هو انساني فيه.
المادة ٤.
لبنان وطن المحبة والسعادة والاخاء.
الماده ٥ اللبناني هو من مت الى لبنان بسبب اصيل سواء ظل في ارض لبنان ام طوف مرتادا في انحاء الدنيا.
وهو كل من انتسب للبنان وكان لبناني الولاء.
الماده 6.
المجتمع اللبناني مجتمع انساني حر متصل بكل حق ونور تنهض به روح مجتمعية مميزة.
الماده ٧.
الاعلان العالمي لحقوق الانسان يجد فيه لبنان سرعته الطبيعية.
فهو يلتزم به وبه يتزود.
المادة ٨.
حرية لبنان مطلقة ينعم بها لبنانيون جميعا في حدود الحريه ذاتها.
المادة ٩: الحقيقة قيمة لبنانية والمعرفة طريق الوصول اليها لا يعوج عنها اللبناني من المهدي الى اللحد.
المادة 10.
لبنان نتيجة محتومة لتاريخ مستمر على مدى ستة الاف سنة.
وهو ثمرة حضارات متفاعلة طوال هذه السنين كونت تراثا انسانيا متكاملا.
المادة 11.
لبنان الكل الكل.
كل لبنان لكل اللبنانيين.
الماده 12.
لبنان مع كل تطور انساني يؤول الى التقدم والارتقاء.
المادة 13.
لا ولاء للبنانيين غير ولائهم للبنان.
المادة 14.
اللبنانيون متساوون في الحقوق والواجبات وفي ادارة الحكم وتقرير المصير.
لا يفضل لبناني لبنانيا اخر الا بنسبة اخلاصه للبنان.
المادة 15.
لا ينفع اللبناني شيء ان ربح العالم كله وخسر لبنان.
المادة 16.
ه يظل لبنان الوطن الاوحد الذي يستحق ان نحيا لاجله ومن اجله نموت.
المادة 17.
السياسة هي نظر النفس لخدمة المجتمعية اللبنانية يطمح معها اللبناني من خلال الطاقات الخلقية المجتمعيه الى تطويع المستحيل في سبيل لبنان.
المادة 18.
لبنان مبارك ان اعطى ومبارك ان اخذ ومبارك اذا استطاع ان ياخذ منا فوق ما اعطى.
المادة 19.
ما يستهدف لبنان يستهدف كل مواطن لبناني ويصيبه يصيب كل مواطن فيه.
المادة 20.
نظام الحكم في لبنان جمهوري ديمقراطي برلماني دستوري.
جواد بولس وشارل مالك وفؤاد افرام البستاني وادوار حنين.
الكسليك في ٧ أيلول ١٩٧٦.
ايها اللبنانيون.
حزب لبنان حزب لكم قد من جبالكم من واقعكم من صميمكم فهو حزب لبناني لجميع اللبنانيين.
في هذا الحزب يجد كل من يريد الانتساب اليه مكانه.
لانه زعل على صوره هنا المجتمع اللبناني ومثاله.
لقد كان بالامكان ان ندعو الى انشاء نادا او رهبنة او اخوية او جمعية خيرية.
ولكننا لم نفعل.
لان للنادي وللرهبنة وللاخوية وللجمعية الخيرية اشخاصا معينين تجمع بينهم هواية واحدة او تكوين نفسي واحد.
كان يلتقي اهل النادي على الفروسية واهل الرهبنة على التعبد لله واهل الاخوية على تكريم القديس واهل الجمعيات على خدمة الناس كل.
جمعية بحسب من يتصور الخدمة وكيف يجب ان تكون.
اما نحن فنريد التقاء كل انسان مع كل انسان على خدمة لبنان.
الندوي كمراهب كما ابناء الاخويات والجمعيات كما المزارع والتاجر والمدرس والطبيب والمحامي والسكاف والكاتب والصالوني والزقاقي.
وفي النساء التقاء الام والبنت او الاخت والزوجة عاملات كنا او كنا منقطعات الى بيوتهن وعيالهن او الى تعبدهن.
لماذا نريد حزبنا هكذا ؟.
فلكي يجيء على صورة المجتمع ومثاله ؟ ولماذا على صورة المجتمع مثالي ؟.
فلان الحزب كالانسان ابن بيئته.
وبمقدار ما يكون الانسان او الحزب ابن بيئته بمقدار ذاك يكون قادرا على فهمها وحبها وخدمتها.
اما الانسان والحزب القادمان من بيئة غير بيئتهما لخدمة بيئتهما بالذات فانه ما لا يفهمان بيئتهما ولا يحبانها بالقدر الكافي ولا يتواصلان الى معرفه هم طرائق خدمتها.
وانهما فهماها على حقيقتها فيخشى ان لا تفهمهما هي وان لا تحبه ما هي وان لا تقبل بخدماتهما لان هذه الخدمات لا تنطبق بالضبط عليها ولا تلبي بالضبط حاجاتها.
قد يسال سائل.
لماذا اذا الحزب طالما انه ينسخ المجتمع او ينقل المجتمع اليه ؟.
ان ننسخ المجتمع في حزب او ننقل المجتمع مصغرا الى حزب فطبيعي ان يكون هذا من قبيل ما لا يلزم.
اذ ما ينفع المجتمع ان يكون مجتمعين بكل حسناته وسيئاته ؟ او ماذا ينفع المجتمع ان يكون مكبرا ومصغرا في ان اذا كان المصغر نسخة طبقه الاصل عن مكبر.
الا اذا كانت الانسانية او البشرية او العالم بحاجة الى تكليس مجتمعات على مجتمعات كما المال على المال في سبيل التكفير للانتاج لا في سبيل التجويد.
الحزب الذي ننشئه لكم على صورة المجتمع اللبناني ومثاله انما يكون على صورة المجتمع مثالي من حيث البنية.
فما من لبنانية لا تكون ممثله فيه.
وما من جهد لبناني لا يكون له فيه مكان.
فئات لبنانيين جميعا جهودهم جميعا تكون منه وله وفيه.
لان كل لبنانيه عزيز على لبنان وكل جهد من جهود ابنائه مفيد.
ثم لان اللبنانيين محزومين في حزب اقدر الى خدمه لبنان ومنهم متشتتين ومنفردين.
غير ان بنية الحزب هذه لن تحكم عليه بالاكتفاء وبالجمود جولان اذ عمل حزبكم الاول سيكون تنشئة المحازبين تنشئ هون انسانية لبنانية مجتمعية عصرية ومستقبلية.
فحسبكم اذا هو للجمع بين اللبنانيين جميع اللبنانيين ال.
وهو لتنشئتكم التنشئة الانسانية اللبنانية المجتمعية العصرية المستقبلية السليمة الفاعلة.
نعمل على الانسان نعمل واياه ونعمل له.
حرصنا على ان يكون حزبكم ابن بيئته يعادله الحرص على سلامة اللبناني.
سيظل ماثلا امام عيوننا اننا في هذا الحزب نعمل على الانسان.
اي ان مادة اشتغالنا هو اللبناني كما هو الحجر مادة اشتغال النحات وكما هي الارض مادة اشتغال المزارع جولان هذا يعني انه لا يحق لنا ان نخطئ.
لان الخطا الذي نرتكبه موجع ومؤلم.
فهو موجع لانه يقع على الجسم الحي لجولان ومؤلم لانه يعطل اجيالا من ابنائنا الطالعة جولان اما النحات والمزارع اذا اخطأا فيبدلان حجرا بحجر وارضا بارض او صيغة حجر وارض بصيغة اخرى للارض وللحجر.
وسيظل ماثلا امام عيوننا اننا نعمل والانسان هذا الانسان اللبناني.
فعلينا اذا ان لا نغيب عنه والا ندعه يغيب عنا جولان فالخيط الذي بيننا وبينه في هذا الحزب يجب ان لا ينقطع.
مهما طال ودق.
والا فقد التفاعل والتجاوب وفقدت الغاية من الحزب فكل شيء فقد.
كما سيظل ماثلا امام عيوننا اننا نعمل لهذا الانسان هذا الانسان اللبناني.
لاننا نعتقد ان الانسان المطلق اذا ارتفع حتى السماك وبقي انساننا اللبناني في التراب فان شيئا بالنسبة الينا لم يرتفع.
الانسان اللبناني اولا فهو عندما يرتفع يستطيع ان يشارك الانسان المطلق وكل انسان في اي مكان كان سموه وارتفاعه.
فغاية حزبكم والحالة هذه النهوض باللبناني الى ان يصبح انسانا افضل مواطنا افضل ورجلا افضل.
لماذا انشئ هذا الحزن ؟.
في بلد حيث تتكاثر التجمعات والتكتلات والحركات والهيئات والاحزاب تكاثر الفطر حتى بات الواحد منها لا يعرف الاخر وبات الاحصائي لا يستطيع ان يعد بشر في مثل هذا البلد الذي عاش مئات من عمره على نظام الحزبان الاثنين ابتداء بالقيسية واليمنية ايام الامارة مرورا باليزبكية ايام القائمه قاميتين والمتصرفية وانتهاء بالدستورية والكتلوية ايام الانتداب ل.
ولم ينه نظام الحزبين فيه الا بروز الاحزاب العقائدية التي كان اهمها الحزب الشيوعي والحزب التقدمي السوري.
وقد احدث بروز هذه الاحزاب رد هون فعل عنيفة ومتماديان في المجتمع اللبناني.
فكان من ابرز مظاهر هذه الردة قيام.
القمصان البيض والكتائب والطلائع والغساسنة والنجادة.
ثم تمادت الحركة الحزبية في لبنان فكان من نتيجتها الحزب التقدمي الاشتراكي فحزب الوطنيين الاحرار تخللهما وعقبهما وعشرات من الهيئات والمنظمات والتجمعات على مختلف المستويات من حد التجمعات الطائفية العليا الى حد التجمعات الزقاقية في المدن والكره والاحياء.
في هذا الفايض من الاحزاب وفي بلد الف الحزبين الوحيدين في القسم الابهه من حياته لماذا انشئ هذا الحزب ؟.
لقد انشئ لسد حاجة لبنانية ! فما هي كميه البشار يجتاز لبنان اليوم مرحله من اصعب مراحل حياته في القديم وفي الحديث.
فهو في حرب لم ينشا تنشئة الحروب ولا نشئ ابنائه تنشئة المحاربين.
وهو في سباق مع العصر ولم يحضر للسباق.
ثم هو يجد نفسه دائخا لكثرة ما ضرب على راسه فيجب ان يصحوا جولان تلك هي الحاجة.
فكان هذا الحزب لسد هذه الحاجة.
وكيف ؟.
لبنان في حرب بشر لقد شنت على لبنان حرب هي حرب الفلسطينيين عليه في الوقت الذي كان اقل ما يتوقع حربا عليه.
وبخاصه من الفلسطينيين الذين يضيفهم بسخاء.
ثم اشتعلت على هامش هذه الحرب الشرسة في قلبها حروب حصرت جميعها في حرب واحدة وكانها جميعها في اتجاه واحد.
حرب الطوائف على الطوائف جولان حرب المحرومين على المدخومين والمغبونين على المميزين.
حرب اليمين على اليسار.
حرب الاتحاد السوفياتي على الولايات المتحده هنا الامريكية.
حرب الصهيونيه هنا العالمية على العرب.
حرب اسرائيل على الفدائيين.
حرب بعد الدول العربيه على بعض الدول العربية الاخرى.
وغيرها من الحروب.
هذه الحروب احتوتها حرب الفلسطينيين على لبنان وصارت بها متاججة في نار اتت على الاخضر واليابس جولان وهي لا تزال تتاجج وتتعاظم.
هذه الحرب لم يكن لبنان قد اعد نفسه لها ولا لغيرها من الحروب ما دام انه يؤمن بالسلام وبالتعايش الاخوي.
بل ان الحرب عليه كانت قد اعدت فعمد المخربون الى تفتيت جيشه والى تهديد مؤسساته الدستوريه وبفاعلياته وبنفسه.
حتى حان لهم وقت اغراقه تحت وابل من القنابل والصواريخ والرصاص.
فهب يدافع عن نفسه بما تيسر له.
ولا يزال.
هذا الذي تيسر للبنان في دفاعيه عن نفسه لم يكن بدء كثيرا.
الجبهة اللبنانية: مشروع فكري – ميثاقي حمله المحاربون على أكتافهم ورفعه المجتمع بتضحياته حين انطلقت الجبهة اللبنانية عام 1976، لم تكن مجرّد تكتّل سياسي للدفاع عن مواقع أو نفوذ.
كانت أولاً وأساسًا رؤية فكرية وميثاقًا جديدًا للحفاظ على الكيان اللبناني في وجه الزوال.
في زمن اختلطت فيه البنادق بالشعارات، والأجندات الإقليمية بالولاءات المحلية، وضعت الجبهة نصب عينيها مهمة سامية: إعادة إنتاج فكرة لبنان التاريخي، الحر، السيّد، التعددي، والمستقل، في وقت كانت هذه الفكرة تتفكك تحت ضربات الحروب والانقلابات والتحالفات الخارجية.
الجبهة اللبنانية لم تقف على يسار الدولة ولا على يمينها، بل سعت لأن تكون امتدادًا للميثاق الوطني عام 1943، الذي أرسى الشراكة بين المسلمين والمسيحيين على قاعدة "لا للشرق ولا للغرب"، ولكنها أرادت أن تُعيد له معناه العملي بعدما تآكلت ركائز الدولة وانزلق لبنان إلى فراغ مؤسساتي خطير.
من هنا كان البُعد الفكري للجبهة واضحًا منذ اليوم الأول: لبنان ليس مجرّد مساحة جغرافية، بل رسالة سياسية وثقافية، أرادها فكر الجبهة أن ترتكز على أربع ركائز: 1.
الحرية الفردية والجماعية، كمبدأ غير قابل للتفاوض، في وجه من أراد تحويل لبنان إلى ساحة مقفلة للفكر الواحد والحزب الواحد.
2.
السيادة الكاملة للدولة اللبنانية، ورفض كل أنواع الاحتلالات، سواء أكانت إسرائيلية أم سورية، فلسطينية أم دولية، باسم المقاومة أو باسم "الوحدة القومية".
3.
التعددية الطائفية كثراء روحي ووطني، وليس كعائق للعيش المشترك، لأن في نظر الجبهة، لبنان لا يُبنى بإلغاء الآخر، بل باحتضانه ضمن صيغة متوازنة.
4.
حياد لبنان الإيجابي، المستند إلى وظيفته كجسر بين الحضارات لا كخندق في معارك المحاور، وهذا ما عبّر عنه المفكر شارل مالك حين وصف لبنان بأنه "مخبر حرّ لفكر الإنسان".
كانت هذه المبادئ تُمثّل فلسفة الجبهة السياسية، فخاضت معاركها على أساسها، وكتبت بياناتها بها، ودفعت أثمانًا غالية دفاعًا عنها، لأنها لم تكن تبحث عن لحظة انتصار عابرة، بل عن ترسيخ عقد وطني جديد يُعيد التوازن إلى الدولة ويضمن حضور جميع مكوّناتها.
ومن هنا، كانت الجبهة تُدرك أن السلاح وحده لا يصنع كيانًا، بل إن الوعي هو السلاح الحقيقي.
ولهذا، كانت الخطابات، والنشرات، والمواقف الصادرة عن مجلس الجبهة ولجانها الفكرية، تعبّر عن رغبة صادقة في تأسيس مشروع جمهوري جديد، لا ميليشيوي، مشروع يقوم على العدالة لا الغلبة، وعلى الدولة لا الدويلة، وعلى المؤسسات لا الزعامات العابرة.
ولعلّ القارئ المنصف يدرك أن الجبهة، رغم كل ما واجهته من تحديات واتهامات، لم تتخلّ يومًا عن لغتها السياسية السيادية.
كانت صريحة في رفض الاحتلال الإسرائيلي، كما كانت واضحة في رفض التغلغل السوري.
وعارضت المشاريع الفيدرالية، لا من باب الشعارات، بل لأنها كانت تعتبرها خطرًا على وحدة الكيان ومسوّغًا لتقسيمه.
والأهم من ذلك، أن الجبهة رفضت إلغاء الآخر اللبناني، وسعت إلى حلول ميثاقية تحفظ الشراكة لا الهيمنة.
لم تطلب الغلبة المسيحية، بل الشراكة الوطنية.
وكانت مستعدة للمراجعة والتفاوض ضمن منطق الدولة والدستور، لكنها لم تكن مستعدة أن تسلّم لبنان لقوى الأمر الواقع، لا المحلية ولا الخارجية.
أما على مستوى النخبة الفكرية، فقد أحاطت الجبهة نفسها بمفكرين، جامعيين، ورجال قانون وفكر، ساهموا في صوغ خطاب متماسك عقلاني، بعكس ما شاع عنها في بعض الحملات الإعلامية المغرضة.
ففي بياناتها ومؤتمراتها، حضرت لغة السيادة، وكرامة الإنسان، والتوازن، والإصلاح، واللامركزية، والدولة المدنية.
وهذا ما جعلها تيارًا فكريًا قبل أن تكون جبهة قتال.
ثم جاء اغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميل ليُعيد الجبهة إلى أصلها: فبشير كان ابن الجبهة فكريًا، لا عسكريًا فقط.
أراد بناء "دولة قوية"، لا "جمهورية السلاح"، وكان شعاره الدائم: "نحنا الدولة".
اغتياله لم يكن اغتيال رجل، بل محاولة لاغتيال فلسفة الجبهة بكاملها.
لكنّ الجبهة استمرت، وإن تراجعت بعض قواها العسكرية، بقيت تناضل على المستوى الفكري والسياسي، لأن رسالتها لم تكن مرتبطة بسلاح، بل برؤية للبنان، أرادت أن توصلها إلى العالم، وإلى الداخل على السواء.
نعم، قامت الجبهة اللبنانية على زنود المحاربين، وعلى دماء الشهداء، لكنها قامت أيضًا على فكر واضح، وضمير يقظ، ورؤية وطنية راقية.
واليوم، بعد سنوات طويلة من الحرب، قد يراجع التاريخ كل شيء.
.
.
لكن ما لا يمكن نفيه هو أن الجبهة حملت مشروعًا ميثاقيًا بامتياز، حاول أن يُنقذ الكيان من الضياع، ويمنع سقوط لبنان في زمن المتاهات.
وإذا كان العالم قد تأخر في فهمها، فإن التاريخ سينصفها، لأن لبنان الذي دافعت عنه الجبهة، هو لبنان الذي نريده جميعًا: حرًّا، متوازنًا، سيّدًا، شريكًا، حياديًا، وديمقراطيًا.
  الجبهة اللبنانية، بوصفها تعبيراً عن تيار وطني يسعى إلى حماية لبنان والحفاظ على كيانه وسيادته، اعتبرت أن القضية الفلسطينية باتت تشكل تهديداً مباشراً على الدولة اللبنانية، لا سيما من خلال الانفلات الأمني وغياب السيطرة الرسمية على بعض المناطق، حيث أصبحت هذه المناطق خاضعة لنفوذ فصائل مسلحة تعمل بمعزل عن الدولة.
وهذا الأمر دفع إلى تدهور السيادة الوطنية وتآكل المؤسسات، وأدى إلى اندلاع صراعات داخلية عميقة بين اللبنانيين، حيث استُغلت القضية الفلسطينية كذريعة لتصفية حسابات داخلية وانقسامات سياسية.
يمكن القول إن الوجود الفلسطيني في لبنان أعاد إنتاج الأزمة اللبنانية القديمة، إذ زادت الحساسيات الطائفية والمذهبية، وأثرت بشكل واضح على العلاقات بين مختلف الطوائف، خصوصًا بين المسيحيين والمسلمين، حيث اتخذت القضية أبعادًا مذهبية وسياسية أصبحت من الصعب تجاوزها.
فقد شهد لبنان توازنات هشة كان من الصعب أن تصمد أمام ضغط النزاعات المرتبطة بالقضية الفلسطينية، خصوصًا مع تعدد التدخلات الخارجية التي استغلت هذه القضية لتحقيق مكاسب إقليمية.
من الناحية السياسية، كانت القضية الفلسطينية سبباً في خلق تكتلات وحلفيات جديدة على الساحة اللبنانية، حيث ظهرت جبهات متعددة تعبر عن مصالح طائفية ومناطقية، وتدفع باتجاه صراعات مسلحة تحت شعارات مختلفة.
وكانت الجبهة اللبنانية ترى أن هذا الأمر يشكل خطرًا على وحدة لبنان ويهدد وجوده كدولة ذات سيادة مستقلة، وتؤكد على ضرورة وضع حد لهذا الانفلات عبر تأسيس دولة قانون تقوم على احترام السيادة الوطنية وتعزيز مؤسساتها.
على الصعيد الأمني، تحول وجود الفصائل المسلحة الفلسطينية إلى نقطة توتر دائمة، إذ كان لبروز هذه الفصائل وتسلحها تأثير مباشر على زيادة معدلات العنف، حيث كانت مناطق عدة خارج سيطرة الدولة اللبنانية، وأصبحت تشهد عمليات عسكرية ومواجهات مسلحة بين مختلف الأطراف اللبنانية والفلسطينية.
ولم يكن هذا الوضع منسجمًا مع القوانين اللبنانية، مما أدى إلى تفكك النظام الأمني وضعف قدرة الدولة على فرض القانون والنظام في كل أرجاء البلاد.
اقتصاديًا، أثرت القضية الفلسطينية على الاقتصاد اللبناني من خلال الضغط على الموارد والبنية التحتية، إذ عانى لبنان من تكاليف كبيرة على صعيد تقديم الخدمات إلى اللاجئين، وإدارة الأوضاع الأمنية، واستيعاب موجات النزوح والهجرة الداخلية، مما أرهق الدولة والمجتمع اللبنانيين، وزاد من نسبة البطالة والفقر، وأثر على الاستقرار الاجتماعي.
كما أن استمرار الصراعات المسلحة وأعمال العنف حدّ من فرص الاستثمار والتنمية الاقتصادية، وعطل حركة الحياة الطبيعية في كثير من المناطق اللبنانية.
اجتماعيًا، أنتجت القضية الفلسطينية تحديات عدة على مستوى التعايش بين اللبنانيين، حيث نشأت حالة من الاحتقان والتوتر بين المجتمعات اللبنانية والفلسطينية، وتفاقمت مظاهر الانقسام الطائفي والمذهبي، مع ما رافق ذلك من نزوح داخلي وتغيرات في البنية السكانية لبعض المناطق.
كما ساهمت الأزمة الفلسطينية في تفاقم مشكلة اللاجئين، حيث عاش كثيرون منهم في مخيمات تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة الكريمة، مما أثر على مستوى الحياة الإنسانية في لبنان بأسره.
من زاوية الجبهة اللبنانية، فإنها كانت تنظر إلى القضية الفلسطينية من منظار وطني بحت، ترى أن الحلول لا يمكن أن تكون قائمة على استمرار الوضع الراهن، حيث أن لبنان بحاجة إلى استعادة سيادته الكاملة، وإعادة بناء مؤسساته، وتأمين حياة مستقرة لجميع مواطنيه، من دون أن يتحول إلى ساحة للصراعات الإقليمية.
ولذلك، دعت الجبهة إلى ضرورة التوصل إلى حلول سياسية عادلة للقضية الفلسطينية، في إطار يحترم السيادة اللبنانية، ويحقق الأمن والاستقرار لشعبي البلدين.
إن العلاقة بين القضية الفلسطينية والكيان اللبناني هي علاقة متشابكة ومعقدة، تعكس حجم التأثير المتبادل بينهما، بحيث يصعب فصل تطورات القضية الفلسطينية عن الأوضاع اللبنانية، أو العكس.
وعليه، فإن الفهم العميق لهذه العلاقة هو شرط ضروري لتقديم حلول ناجعة تحفظ حقوق الفلسطينيين، وتضمن حماية لبنان وكيانه الوطني.
في ضوء هذه المعطيات، استخلصت الجبهة اللبنانية أن الحل الأمثل يكمن في إيجاد تسوية سياسية شاملة تحترم حقوق الفلسطينيين، وتعيد التوازن إلى لبنان، وتعيد الأمن إلى كافة المناطق اللبنانية، حيث لا يمكن للسلام في لبنان أن يتحقق إلا من خلال حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية، يعيد الاستقرار إلى المنطقة بأسرها.
من خلال متابعتي لتطورات القضية الفلسطينية في لبنان، أرى أن الاضطرابات التي نشأت من جراء عدم وجود حل دائم جعلت لبنان يدفع ثمنًا باهظًا، وهددت وحدة المجتمع اللبناني.
ففي كل مرة كانت الأمور تخرج عن السيطرة، كانت لبنان تعاني من خسائر بشرية ومادية جسيمة، مما يؤكد على ضرورة أن تكون هناك إرادة لبنانية حقيقية لإيجاد حلول وطنية جامعة تحفظ مصلحة لبنان، وتحميه من تداعيات الصراعات الإقليمية.
لقد شكلت القضية الفلسطينية اختبارًا صعبًا لمفهوم الدولة في لبنان، حيث أظهرت ضعف قدرة الدولة على التحكم الكامل في أراضيها ومؤسساتها، وأعادت إلى الواجهة التساؤل حول طبيعة النظام اللبناني ونجاعته في معالجة الأزمات المتعددة.
وفي هذا السياق، ركزت الجبهة اللبنانية على ضرورة بناء دولة قوية، تقوم على احترام الدستور والقانون، وتضمن لجميع مواطنيها الحقوق والواجبات على حد سواء.
ومع كل ما حدث، لا يمكن إنكار وجود تعاطف لبناني شعبي مع القضية الفلسطينية، التي كانت ولا تزال قضية عادلة، ويشترك اللبنانيون مع الأشقاء الفلسطينيين في آلامهم ومعاناتهم.
ولكن الجبهة اللبنانية ترى أن التعاطف يجب ألا يتحول إلى تهديد للكيان اللبناني، وأن حماية لبنان تستوجب الحفاظ على توازنه الداخلي، وعلى مؤسساته، وضمان عدم المساس بسيادته.
كانت التدخلات الأجنبية والإقليمية أحد الأسباب الأساسية التي عمّقت الأزمة اللبنانية، حيث استغلت بعض القوى الوضع اللبناني لتحقيق أهدافها، مما أدى إلى تحول لبنان إلى ساحة صراع بالوكالة، وأضاع فرص الحلول الوطنية.
ولذلك، دعت الجبهة اللبنانية إلى رفض كل أشكال التدخلات، والعمل على توحيد الموقف اللبناني تجاه هذه القضية الحساسة، بما يضمن حماية مصالح لبنان العليا.
من المهم أن نؤكد أن القضية الفلسطينية، رغم تعقيداتها، لا يمكن أن تحل إلا في إطار إقليمي ودولي يضمن حقوق الشعب الفلسطيني، ويعيد الأمن إلى لبنان والمنطقة، ولذلك فإن الجبهة اللبنانية كانت ولا تزال تدعو إلى حوار عربي شامل يفضي إلى حلول عادلة، تراعي المصالح الوطنية اللبنانية، وتحترم حقوق الفلسطينيين المشروعة.
كما أكدت الجبهة على أن الحفاظ على لبنان كميناء للأمل في المنطقة، كمثال للتعايش بين الطوائف والمذاهب، هو مسؤولية وطنية يجب أن يتحملها جميع اللبنانيين، لأن لبنان بدون وحدة وطنية وسيادة حقيقية لن يكون قادرًا على الصمود أمام التحديات التي فرضتها القضية الفلسطينية وغيرها من القضايا الإقليمية.
لقد تركت الأحداث التي شهدها لبنان خلال السنوات الماضية أثرًا لا يمحى في الوعي الوطني، وجعلت من القضية الفلسطينية موضوعًا لا يمكن فصله عن النضال اللبناني من أجل الاستقلال والكرامة.
إذ تحولت هذه القضية إلى علامة فارقة في تاريخ لبنان الحديث، ودفعت إلى إعادة تقييم العلاقات الداخلية والخارجية، وأثارت الحاجة إلى بناء رؤية وطنية متماسكة قادرة على مواجهة التحديات.
إن هذه الدراسة تهدف إلى تسليط الضوء على هذه الرؤية الوطنية التي عبرت عنها الجبهة اللبنانية، والتي ترى في القضية الفلسطينية تحديًا يستوجب حلاً سياسيًا متوازنًا يضمن الحفاظ على لبنان واستقراره، ويراعي حقوق الفلسطينيين في آن معًا.
وهذا ما يعكس وعيًا عميقًا بالتعقيدات الإقليمية والدولية، وبضرورة حماية لبنان كدولة متعددة الطوائف والأديان، قائمة على العيش المشترك والتضامن الوطني.
في ختام هذا الفصل، يمكن القول إن تأثير القضية الفلسطينية على الكيان اللبناني كان عميقًا وشاملًا، وشكل اختبارًا حقيقيًا لقدرة لبنان على الصمود وحماية كيانه.
فالأزمة اللبنانية، التي ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالقضية الفلسطينية، كانت درسًا قاسيًا في تاريخ لبنان الحديث، دفع الجميع إلى التفكير بجدية في كيفية الحفاظ على لبنان، والبحث عن حلول سياسية وطنية تأخذ في الاعتبار حقوق جميع الأطراف، بما فيها الفلسطينيين الذين يستحقون العيش بكرامة وأمان.
من هنا تأتي أهمية استمرار النقاش الوطني، الذي يجب أن يكون مبنيًا على التفاهم والحوار، وبعيدًا عن الانقسامات والصراعات التي أرهقت الشعب اللبناني وأضعفت مؤسسات الدولة.
ففي نهاية المطاف، لبنان هو الوطن الذي يجمع الجميع، ولا يمكن لأحد أن يعيش فيه بمعزل عن الآخر، وهو بحاجة إلى رؤية واضحة وإرادة صادقة لتحقيق الاستقرار والسلام.
كان الوضع اللبناني في بداية السبعينيات في حالة هشاشة واضحة، مع وجود مخاوف متزايدة من تداعيات القضية الفلسطينية على استقرار الدولة اللبنانية.
فقد تزايدت الضغوط على النظام السياسي والاجتماعي نتيجة تعاظم الدور الفلسطيني على الأراضي اللبنانية، والذي أخذ شكلاً أكثر تعقيدًا من الناحية الأمنية والسياسية.
وكانت الجبهة اللبنانية تراقب هذه التطورات بقلق بالغ، إذ رأت أن استمرار تفاقم الأوضاع على هذا النحو سيؤدي إلى انزلاق لبنان نحو أزمات أكبر لا يمكن السيطرة عليها بسهولة.
ومع ذلك، لم تكن هذه الأزمة وليدة اللحظة، بل هي نتاج تراكمات عديدة من عوامل داخلية وخارجية.
تمثلت المشكلة الأساسية في فقدان الدولة اللبنانية للسيطرة الكاملة على أراضيها، حيث أصبحت بعض المناطق، وخصوصًا في الجنوب والبقاع، خاضعة لنفوذ الفصائل الفلسطينية المسلحة التي كانت تنطلق منها العمليات ضد الاحتلال الإسرائيلي.
هذه السيطرة الفعلية للفصائل المسلحة على بعض الأراضي اللبنانية أدت إلى خلق حالة من الانفلات الأمني، وكان من الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى تصاعد التوترات بين السكان المحليين وبين الفلسطينيين، الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة مستمرة مع القوى اللبنانية التقليدية، سواء على المستوى السياسي أو الميداني.
وكانت الجبهة اللبنانية ترى في هذا الوضع تهديدًا مباشرًا للسيادة الوطنية، وتعتبر أن قبول لبنان بوجود قوة مسلحة خارج إطار الدولة هو انتهاك واضح لمبدأ الدولة المدنية.
هذا الأمر أدى إلى تصاعد الاحتكاكات وعمليات العنف التي ضربت أمن المناطق اللبنانية، ما ساهم في إثارة قلق واسع في الأوساط السياسية والاجتماعية اللبنانية، وأدى إلى نشوء أزمات داخلية متلاحقة.
وهذا الانفلات خلق مناخًا ملائمًا لتدخل قوى خارجية، كان لها دور رئيسي في تعميق الأزمة وإطالة أمدها.
على الصعيد السياسي، أدى التوتر المتزايد إلى انقسام واضح بين القوى اللبنانية، حيث انقسمت المواقف بين من يطالب بضرورة استعادة الدولة سيادتها على كامل الأراضي، وبين من يروج لفكرة تسوية خاصة مع الفصائل الفلسطينية، تتضمن وضعًا خاصًا للفلسطينيين على الأراضي اللبنانية.
هذا الانقسام انعكس على طبيعة النظام السياسي اللبناني، وأدى إلى تراجع قدرة الدولة على إدارة الأزمة بشكل فعال، وأوجد فراغًا ساهم في استغلاله من قبل الفصائل المسلحة.
إضافة إلى ذلك، فإن القلق من التدخلات الأجنبية، سواء من سوريا أو إسرائيل أو غيرهما، كان يفاقم الوضع، لأن كل طرف إقليمي كان يحاول استغلال الأزمة الفلسطينية في لبنان لتحقيق مصالحه الخاصة، مستغلاً هشاشة الدولة اللبنانية وانقساماتها.
ومن هنا جاء موقف الجبهة اللبنانية الذي يدعو إلى رفض كل أشكال التدخلات الأجنبية، والعمل على توحيد الصفوف اللبنانية لمواجهة هذا الخطر.
وفي هذه المرحلة، بدأ الحديث عن إمكانية اللجوء إلى الحل العسكري من قبل بعض القوى اللبنانية التي رأت أن استمرار الوضع الراهن يعني استمرار استنزاف الدولة والمجتمع.
وقد تجلى هذا في تشكيل جبهات مسلحة لبنانية، حيث تصاعدت الأعمال المسلحة ضد الفصائل الفلسطينية، وكانت هذه العمليات نقطة تحول في المسار السياسي والأمني اللبناني.
ورغم التحديات العديدة التي رافقت هذه المرحلة، كان الهدف الأساسي للجبهة اللبنانية هو استعادة الدولة لنفوذها وفرض القانون، حفاظًا على الوحدة الوطنية ومنع تفكك لبنان.
كما أثرت الأزمة الفلسطينية على الاقتصاد اللبناني بشكل ملموس، حيث زادت تكاليف الأمن، وقلّت الاستثمارات، وتراجع الاقتصاد الوطني تحت وطأة الأزمات السياسية والعسكرية.
وعانى الاقتصاد اللبناني أيضًا من مشاكل كبيرة في المناطق التي كانت تشهد مواجهات، مما زاد من الفقر والبطالة وأدى إلى هجرة الكثير من اللبنانيين، الذين فقدوا فرص العمل والاستقرار.
على الصعيد الاجتماعي، ازداد الاحتقان بين اللبنانيين والفلسطينيين، خاصة مع تنامي تأثير الفصائل المسلحة التي كانت تتحرك خارج إطار الدولة.
أدت هذه الاحتكاكات إلى انفصال المجتمعات عن بعضها، وتفاقم الشعور بالخوف وعدم الأمان، ما أثر سلبًا على التعايش الوطني والتلاحم الاجتماعي.
وفي ظل غياب أي حل سياسي أو أمني واضح، أصبح من الصعب تجاوز هذه الانقسامات، ما فتح المجال لتصاعد النزاعات الطائفية والمذهبية التي أخذت أبعادًا جديدة.
ترافق ذلك مع تصاعد استخدام السلاح، وظهور ما يشبه "دولة داخل الدولة"، حيث كانت الفصائل المسلحة تتصرف ككيانات مستقلة، تمارس سلطة في المناطق التي تسيطر عليها، وتفرض قواعدها الخاصة.
هذا الوضع أدى إلى تفكك الدولة وضعف مؤسساتها، مما زاد من حدة الأزمة اللبنانية، وهدد الكيان الوطني بشكل مباشر.
في هذه المرحلة، برزت ضرورة وجود رؤية واضحة وشاملة لمعالجة هذه الأزمة، وقد كانت الجبهة اللبنانية من أبرز المطالبين بوضع حد لهذه الحالة من الانفلات، من خلال حوار وطني يضم كل الأطراف اللبنانية، ويركز على حماية لبنان وسيادته، مع احترام حقوق الإنسان وكرامة اللاجئين الفلسطينيين في إطار يحفظ الأمن والاستقرار.
وقد طالبت الجبهة اللبنانية أيضًا بضرورة إعادة الدولة اللبنانية إلى كامل سيادتها على أراضيها، وتحقيق التوازن بين حماية حقوق اللاجئين الفلسطينيين وضرورة الحفاظ على سلامة لبنان ووحدته الوطنية.
وتزامن ذلك مع الدعوة إلى إبعاد لبنان عن صراعات إقليمية قد لا تعود عليه بالخير، والتركيز على بناء مؤسسات قوية يمكنها التعامل مع هذه الأزمات بفعالية.
كما أبدت الجبهة اللبنانية اهتمامًا خاصًا بمسألة اللاجئين الفلسطينيين من الناحية الإنسانية، معتبرة أن معالجة معاناتهم يجب أن تكون جزءًا من الحل السياسي الشامل، وأن يتم ذلك ضمن إطار دولي يشمل ضمان حقوقهم المشروعة، مع مراعاة خصوصيات لبنان ومصالحه الوطنية.
وقد أكدت على أن التعايش بين اللبنانيين والفلسطينيين ممكن إذا ما تم احترام القوانين وسيادة الدولة، وإيجاد حلول عادلة تسهم في تحقيق الاستقرار.
من الجدير بالذكر أن الأحداث التي شهدها لبنان في هذه المرحلة كانت تحمل في طياتها دروسًا مهمة، فقد أوضحت أن الأزمة لا يمكن حلها بالحلول العسكرية فقط، بل تحتاج إلى مقاربات سياسية واقتصادية واجتماعية متكاملة.
وأن تجاهل أحد هذه الجوانب سيؤدي إلى تعميق الأزمة وتعطيل فرص السلام والاستقرار.
ولهذا، كانت الجبهة اللبنانية تدعو إلى تبني استراتيجيات وطنية شاملة تراعي كل هذه الأبعاد.
لقد كانت القضية الفلسطينية عاملاً محوريًا في تشكيل هوية الأزمة اللبنانية خلال هذه المرحلة، وأدت إلى إعادة النظر في طبيعة العلاقات بين مختلف الطوائف والمجموعات اللبنانية، وفي آليات التوازن السياسي والطائفي.
وكان لزامًا على الجميع أن يفكروا بجدية في كيفية تجاوز هذه المرحلة بأقل الأضرار الممكنة، وبما يضمن استمرار لبنان كدولة حرة مستقلة.
في هذا السياق، لم تكن مطالب الجبهة اللبنانية مجرد مطالب سياسية، بل كانت تعبيرًا عن قلق شعبي حقيقي من استمرار الوضع الراهن، الذي أدى إلى إضعاف مؤسسات الدولة، وزيادة الانقسامات، وتعريض حياة اللبنانيين للخطر.
وكان من المهم أن تجد هذه المطالب صدى على المستوى الوطني، حتى يتم تحقيق حد أدنى من الإجماع الوطني الذي يسمح للبنان بالعودة إلى طريق الاستقرار.
وقد شكّلت هذه المرحلة مدخلاً إلى أحداث لاحقة، حيث تأزمت الأمور بشكل أكبر مع تفجر الحرب الأهلية في لبنان، التي كانت محورها القضية الفلسطينية بشكل أساسي، بالإضافة إلى عوامل أخرى محلية وإقليمية.
ورغم ذلك، كانت رؤية الجبهة اللبنانية تقوم على الثبات على المبادئ الوطنية، والعمل الدؤوب من أجل التوصل إلى حلول سياسية تحمي لبنان وتعزز وحدته.
كما أن الجبهة اللبنانية لم تغفل أهمية الدور العربي والإقليمي في معالجة القضية الفلسطينية، مؤكدة على ضرورة توحيد الجهود العربية لتقديم الدعم السياسي والإنساني للفلسطينيين، دون المساس باستقرار الدول الأخرى، وبما يعزز التضامن العربي ويحقق مصالح الشعوب في المنطقة.
كان من الواضح أن استمرار الوضع على ما هو عليه لن يؤدي إلا إلى مزيد من الانقسامات، وتفكك الدولة، وزيادة معاناة اللبنانيين والفلسطينيين على حد سواء.
ولذلك، كانت الجبهة اللبنانية تدعو إلى تحرك جاد ومسؤول من جميع الأطراف من أجل بناء مستقبل أفضل، بعيدًا عن الصراعات المسلحة، ومعززًا لمبادئ السيادة والحرية.
لقد أثبتت الأحداث أن القضية الفلسطينية، رغم أهميتها العميقة، لا يمكن فصلها عن السياق اللبناني الداخلي، وأن معالجة تداعياتها تتطلب فهمًا دقيقًا للعلاقات اللبنانية الداخلية، ونسيجها الاجتماعي والديموغرافي، والآليات السياسية التي تحكمها.
ومن هنا جاء التأكيد على أهمية الحوار الوطني الشامل، الذي يشكل الوسيلة الأمثل لمعالجة هذه القضية بكل أبعادها.
بالنظر إلى الواقع اللبناني في تلك الفترة، كان من الضروري أن تتجه الجهود إلى تعزيز الدولة، وإعادة بناء مؤسساتها، وتأمين مشاركة عادلة بين مختلف مكونات المجتمع اللبناني، بما يمنع استغلال الأزمات من قبل أي جهة خارجية.
وفي هذا السياق، كانت الجبهة اللبنانية تنادي بضرورة حماية لبنان من التجاذبات الإقليمية، والعمل على إيجاد حلول داخلية تحقق السلام والاستقرار.
إن الدرس الأساسي الذي يمكن استخلاصه من هذه المرحلة هو أن القضية الفلسطينية، رغم حضورها اللافت في المشهد اللبناني، يجب أن تُدار بعناية فائقة، حتى لا تتحول إلى عامل تفكيك للكيان اللبناني، ولا تهدد مستقبل لبنان الذي هو جزء لا يتجزأ من الوطن العربي.
وهذا يتطلب من اللبنانيين جميعًا أن يتحملوا مسؤولياتهم الوطنية في مواجهة التحديات.
خلال هذه المرحلة، برزت الحاجة الملحة إلى تبني سياسات حكيمة تعمل على تحقيق التوازن بين حقوق الفلسطينيين وحقوق اللبنانيين، وبما يحفظ وحدة لبنان الوطنية وسلامته الإقليمية.
وكان على الجميع أن يدرك أن الاستقرار في لبنان هو جزء من الاستقرار في المنطقة، وأن حل الأزمة الفلسطينية يجب أن يأخذ هذا الاعتبار في الحسبان.
في نهاية المطاف، كانت الجبهة اللبنانية تؤمن بأن لبنان قادر على تجاوز أزماته، إذا ما تمسك أبناؤه بالوحدة الوطنية، واستعادوا دور الدولة وسيادتها، وبذلوا الجهود المشتركة لتحقيق السلام العادل، الذي يحترم حقوق جميع الأطراف ويضمن العيش المشترك بكرامة وأمان.
مع تصاعد الأحداث في لبنان خلال منتصف السبعينيات، تبلورت الأزمة اللبنانية الفلسطينية بشكل أكثر حدة وتعقيدًا، حيث أخذت القضية الفلسطينية مكانتها الأساسية كعنصر محفز للصراعات الداخلية التي وصلت إلى ذروتها في الحرب الأهلية اللبنانية.
في هذه المرحلة، كان لبنان يعيش حالة من الانقسام العميق، سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي، ما جعل الكيان اللبناني عرضة لمخاطر التفكك والاندثار.
وكان دور الجبهة اللبنانية في هذه المرحلة محوريًا، إذ حاولت التعبير عن القلق الوطني تجاه هذه التطورات، ودعت إلى البحث عن حلول تحفظ لبنان من الانهيار.
ترى الجبهة اللبنانية أن تأثير القضية الفلسطينية على لبنان تحول إلى عامل مركزي يهدد وجود الدولة اللبنانية، من خلال السماح بوجود ميليشيات مسلحة خارج إطار الدولة، ونفوذ فصائل فلسطينية مسلحة في المناطق اللبنانية.
وقد أدى هذا الواقع إلى تفكيك النظام السياسي والاجتماعي اللبناني، وأحدث فراغًا في مؤسسات الدولة، وساهم في تفجير العنف الذي عم البلاد.
واعتبرت الجبهة أن هذه الحالة من الفوضى التي نشأت من هذا الوضع لا يمكن أن تستمر، لما فيها من خطر على مستقبل لبنان.
من منظور الجبهة، كان من الضروري أن تعود الدولة إلى سيادتها الكاملة على أراضيها، وأن تقوم السلطة السياسية بضبط السلاح المسلح، وإعادة الأمن إلى ربوع لبنان.
فوجود أكثر من قوة مسلحة، بعضها مرتبط بفصائل فلسطينية وأخرى بفصائل لبنانية طائفية، جعل من الصعب تحقيق الاستقرار أو العمل على إعادة بناء الدولة بشكل متجانس.
ونتيجة لذلك، شهد لبنان تفككًا في البنية الوطنية وأزمة في الهوية، ما كان له تداعيات خطيرة على مستقبل الشعب اللبناني.
في هذا السياق، كانت الجبهة اللبنانية من أشد المطالبين بوضع حد للتدخلات الأجنبية في الشؤون اللبنانية، سواء من الدول الإقليمية أو القوى الدولية، التي استغلت الانقسامات الداخلية لتحقيق أهدافها.
وكان من أبرز التدخلات التي رصدتها الجبهة تدخلات إسرائيلية وسورية، والتي أثرت بشكل مباشر على طبيعة الصراع الداخلي، وزادت من حدة العنف والتوترات.
ورأت الجبهة أن أي حل لا يستند إلى إرادة وطنية حرة ومستقلة سيكون عرضة للفشل ومصدراً لمزيد من المشاكل.
وقد أدت هذه الأوضاع إلى تفاقم معاناة اللبنانيين كافة، سواء المسيحيين أو المسلمين، الذين وجدوا أنفسهم ضحايا لهذه الصراعات التي أججتها القضية الفلسطينية.
وفي ظل غياب الأمن والاستقرار، انخفض مستوى الحياة بشكل كبير، وتراجع النمو الاقتصادي، واشتدت معاناة الفئات الضعيفة والمهمشة.
وعليه، أكدت الجبهة على ضرورة العمل على بناء دولة توفر الأمن والعدل والرخاء لجميع المواطنين، بعيدًا عن أية محاصصة طائفية أو تحزب مسلح.
كانت الجبهة اللبنانية ترى أن الحل الأمثل يكمن في صياغة رؤية وطنية جامعة تستوعب كل المكونات اللبنانية، وتجمع على برنامج وطني واضح يعزز الوحدة الوطنية ويضع أسسًا متينة للدولة المدنية الحديثة.
وشددت على أن معالجة الأزمة يجب أن تتضمن حلولًا سياسية شاملة، لا تقتصر على الجانب الأمني أو العسكري فقط، بل تشمل إصلاحات اجتماعية واقتصادية وثقافية تعيد بناء الثقة بين اللبنانيين.
على صعيد آخر، لم تغفل الجبهة اللبنانية أهمية البحث عن حلول عادلة للقضية الفلسطينية، تضمن حق الفلسطينيين في العودة والعيش بكرامة، ولكن في إطار يحترم السيادة اللبنانية ولا يسمح باستغلال الأراضي اللبنانية كمسارح للصراعات.
فقد دعت إلى تبني مواقف عربية موحدة تراعي مصالح لبنان، وتحافظ على استقراره، وتؤمن مستقبلًا مستدامًا للفلسطينيين في إطار سلام عادل.
في تلك المرحلة، ظهرت العديد من المبادرات السياسية التي حاولت معالجة الأزمة، إلا أن هذه المبادرات لم تثمر عن حلول جذرية بسبب تعقيد الصراعات، وتعدد الأطراف، وغياب الإرادة الحقيقية للحوار الوطني الشامل.
وكان لذلك انعكاس سلبي على إمكانية تحقيق المصالحة الوطنية، ما أضاع فرصًا كثيرة لإعادة بناء لبنان على أسس سليمة.
واعتبرت الجبهة اللبنانية أن فشل هذه المبادرات يعود أساسًا إلى غياب الرؤية الوطنية الموحدة، والهيمنة الخارجية على القرار اللبناني.
وفي ظل هذه المعطيات، تبلورت لدى الجبهة اللبنانية قناعة بضرورة تشكيل جبهة وطنية شاملة تجمع كل القوى اللبنانية المستقلة، وتعمل على حماية لبنان من الانقسامات الطائفية والمذهبية، وتعزيز دور الدولة.
وجاءت هذه الدعوة كرد فعل على محاولات تهميش الدور اللبناني، وتحويل لبنان إلى ساحة صراعات بالوكالة، ما يشكل تهديدًا مباشرًا لوجوده.
كان لاحتلال إسرائيل للجنوب اللبناني في عام 1978 ومن ثم عام 1982، أثر بالغ على المشهد اللبناني، حيث زادت التداعيات الأمنية والسياسية سوءًا.
فقد أدت العمليات العسكرية الإسرائيلية إلى دمار واسع، وتفاقم الأزمة الإنسانية، وأظهرت هشاشة الدولة اللبنانية في حماية أراضيها وشعبها.
وقد أثارت هذه التطورات ردود فعل قوية من الجبهة اللبنانية التي أدانت الاحتلال، وأكدت على ضرورة مقاومته ضمن إطار وطني موحد يحمي لبنان ويصون كرامة شعبه.
ومن جهة أخرى، أدت هذه الأحداث إلى زيادة التعقيد في الوضع الفلسطيني داخل لبنان، حيث تراجعت بعض الفصائل أمام التدخلات العسكرية، وظهرت فصائل أخرى تسعى إلى فرض نفوذها، مما زاد من صعوبة المشهد السياسي والأمني.
وكانت الجبهة اللبنانية تدعو إلى وحدة الصف الفلسطيني، وتوجيه طاقاتهم نحو العمل السياسي والدبلوماسي بعيدًا عن التوترات المسلحة التي تزيد الوضع سوءًا.
كما كانت الجبهة تدرك أن استمرار الأزمة اللبنانية الفلسطينية يتطلب معالجة شاملة للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية، فاللاجئون الفلسطينيون يعانون من أوضاع معيشية صعبة في المخيمات، إضافة إلى الفقر والبطالة، ما يجعلهم عرضة للاستغلال من قبل الفصائل المسلحة، وهو ما يستدعي توفير حلول إنسانية متكاملة تحسن من أوضاعهم.
وفيما يتعلق بالمجتمع اللبناني، كان تأثير الأزمة واضحًا على النسيج الاجتماعي، حيث ظهرت مظاهر الهجرة الداخلية والخارجية، وتدهورت الخدمات الأساسية، وزادت حالات الفقر، وانعكس ذلك سلبًا على العلاقات بين الطوائف، وعلى ثقافة التعايش.
وكانت الجبهة تدعو إلى تعزيز القيم الوطنية الجامعة التي ترفض التمييز الطائفي والمذهبي، وتؤكد على ضرورة التمسك بالمواطنة الحقيقية كأساس لبناء الدولة.
بالنظر إلى التطورات، أكدت الجبهة اللبنانية على أن الحل لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال إرادة وطنية حرة ومستقلة، تتجاوز المصالح الخاصة والحسابات الضيقة، وتضع مصلحة لبنان فوق كل اعتبار.
ودعت إلى تعزيز الحوار بين جميع الأطراف، مع احترام سيادة الدولة، وإعادة بناء مؤسساتها على أسس العدالة والمساواة.
في ضوء هذه المبادرات والرؤى، بدأ التوجه نحو بناء مؤسسات أمنية وعسكرية وطنية قوية، تكون قادرة على فرض القانون والنظام، وتحقيق الاستقرار، ووقف النزاعات المسلحة التي أدت إلى هدر الدم اللبناني.
وكان هذا الهدف من أولويات الجبهة اللبنانية، التي رأت في ذلك شرطًا أساسيًا لإعادة لبنان إلى مساره الطبيعي.
كما أدركت الجبهة أهمية التواصل مع المجتمع الدولي، وضرورة إيجاد دعم دولي متوازن يحترم استقلال لبنان، ويساعد في تحقيق حلول عادلة للقضية الفلسطينية، تضمن حقوق الفلسطينيين مع الحفاظ على استقرار لبنان وسيادته.
وأكدت على أن لبنان يجب أن يكون شريكًا فاعلًا في أي تسوية إقليمية، وأن تستند هذه التسوية إلى مبادئ العدل والسلام.
لقد مثلت هذه المرحلة محطة صعبة في تاريخ لبنان، حيث اختبر اللبنانيون قدرة بلدهم على الصمود أمام أزمات مركبة ومعقدة، مستمدة من تطورات القضية الفلسطينية وما رافقها من تدخلات وصراعات داخلية.
وبالرغم من كل الصعوبات، بقيت الجبهة اللبنانية صامدة في الدفاع عن لبنان، داعية إلى الوحدة الوطنية والعمل المشترك من أجل مستقبل أفضل.
في النهاية، فإن الدروس المستفادة من هذه المرحلة توضح أن لبنان لا يمكن أن يحمي نفسه ويصون كيانته إلا من خلال بناء دولة قوية، ذات مؤسسات متماسكة، تعبر عن جميع أبنائه، وتحترم حقوقهم، وتضمن لهم الأمن والكرامة.
وهذه المبادئ التي دعت إليها الجبهة اللبنانية هي السبيل الوحيد لتجاوز التحديات التي فرضتها القضية الفلسطينية وتداعياتها على لبنان.
مع دخول لبنان أتون الحرب الأهلية في منتصف السبعينيات، شهدت الأزمة اللبنانية الفلسطينية تعقيدات متزايدة، حيث تداخلت العوامل المحلية والإقليمية والدولية بشكل لم يعد بالإمكان فصله عن الواقع اللبناني.
ففي ظل هذا الانفجار المسلح، أصبحت القضية الفلسطينية ليست مجرد عامل من العوامل، بل صارت المحرك الأساسي والمُشكّل للأحداث على الساحة اللبنانية.
فالصراعات بين الفصائل الفلسطينية، وبين اللبنانيين أنفسهم، وبين القوى الإقليمية، أوجدت حالة من الفوضى غير المسبوقة، وهددت بقلب معالم لبنان الاجتماعي والسياسي.
كانت الجبهة اللبنانية تدرك أن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى زوال لبنان كما عرفناه، وأن مخاطر التفكك والاستباحة الأمنية تمس جوهر وجود الدولة اللبنانية.
ومن هذا المنطلق، سعت الجبهة إلى تعزيز مفهوم السيادة الوطنية كمدخل أساسي لاستعادة الاستقرار، مؤكدة أن لبنان بحاجة إلى وحدته الوطنية، وإلى بناء دولة تحترم حقوق جميع أبنائه بغض النظر عن انتماءاتهم الطائفية أو المذهبية.
مع تصاعد دور الفصائل الفلسطينية المسلحة، وتحول بعضها إلى قوة سياسية وعسكرية فاعلة على الأرض اللبنانية، بات لبنان يعيش في حالة من الشلل السياسي، وتراجع سلطة الدولة، ما انعكس على مختلف جوانب الحياة.
الجبهة اللبنانية رأت أن هذا التحول كان نتيجة طبيعية لانهيار الدولة اللبنانية التي لم تستطع أن تضبط السلاح المسلح خارج إطارها، فظهرت كيانات مسلحة متعددة، بعضها فلسطيني وبعضها لبناني، كانت تتناحر من أجل النفوذ والسيطرة.
هذا الوضع أدى إلى استنزاف الموارد اللبنانية، وتدمير البنى التحتية، وخلق موجات نزوح داخلية وخارجية، ما زاد من معاناة الشعب اللبناني، خاصة مع تصاعد التدخلات الإقليمية التي حاولت فرض أجنداتها الخاصة، متجاهلة الإرادة الوطنية اللبنانية.
وكانت الجبهة اللبنانية ترى أن هذا التدخل الخارجي هو جزء من المشكلة وليس الحل، وأن الحل يجب أن يكون لبنانيًا داخليًا خالصًا، يعبر عن إرادة الشعب اللبناني الجامعة.
من جهة أخرى، كانت الجبهة تدعو إلى احترام الحقوق الفلسطينية المشروعة، لكنها في الوقت ذاته تؤكد أن هذه الحقوق يجب أن تتحقق في إطار يراعي خصوصية لبنان، ولا يمس بأمنه واستقراره.
وقد أعربت الجبهة عن قلقها من استخدام القضية الفلسطينية كذريعة لتفتيت لبنان، أو لإشعال النزاعات الطائفية، الأمر الذي كان يُهدد مستقبل البلاد.
خلال هذه المرحلة، شهد لبنان صراعات مسلحة عنيفة بين الفصائل المختلفة، حيث كانت المخيمات الفلسطينية تتحول إلى نقاط توتر واشتباك مستمر مع القوى اللبنانية، ما أوجد حالة من الانقسام المجتمعي، وعرقل محاولات التوصل إلى حلول سلمية.
وقد حاولت الجبهة اللبنانية، في ظل هذه الأجواء المتوترة، تعزيز الحوار الوطني، والدعوة إلى تهدئة الأوضاع، وتبني مواقف موحدة تضمن الحفاظ على لبنان.
كان للضغوطات الدولية والإقليمية أثر واضح على لبنان، حيث عجزت الحلول السياسية عن تحقيق تقدم ملموس، بسبب تعقيد المشهد وازدواجية المصالح المتداخلة.
ورغم هذا الواقع، لم تفقد الجبهة اللبنانية إيمانها بضرورة الحفاظ على لبنان موحدًا، وقادرة على تجاوز هذه المحنة من خلال إرادة وطنية قوية.
وقد شددت على ضرورة أن يكون لبنان نقطة التقاء للسلام في المنطقة، لا ساحة للصراعات، وأن يلعب دورًا بناءً في تحقيق المصالح العربية المشتركة.
الأزمة الفلسطينية في لبنان أثرت كذلك على النسيج الاجتماعي اللبناني، إذ بدأت تنشأ مشاعر من عدم الثقة والريبة بين اللبنانيين أنفسهم، وخصوصًا بين الطوائف التي رأت في وجود الفصائل المسلحة تهديدًا مباشرًا لتوازنها ومصالحها.
وقد أدت هذه الحالة إلى تفاقم الأزمات الطائفية، وجعلت من الصعب إقامة علاقات تعاونية سليمة بين مختلف المكونات اللبنانية.
وبدورهم، دعت الجبهة اللبنانية إلى تجاوز هذه الانقسامات، وإلى تعزيز ثقافة الحوار والتفاهم، كخطوة أساسية نحو بناء لبنان القوي.
على المستوى الاقتصادي، كانت الأزمة تلقي بظلالها على كل القطاعات، حيث زاد من تداعيات الحرب الفوضوية تراجع الاستثمارات، وانهيار النظام الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة، مما جعل من الصعب على اللبنانيين تأمين حاجاتهم الأساسية.
وكانت الجبهة اللبنانية تؤكد على ضرورة العمل على إعادة بناء الاقتصاد الوطني من خلال سياسات شاملة تدعم التنمية المستدامة، وتوفر فرص العمل وتحسن مستويات المعيشة.
في مواجهة هذه التحديات، عملت الجبهة اللبنانية على بناء جبهة وطنية قوية تضم مختلف القوى السياسية والاجتماعية، تهدف إلى تحقيق الاستقرار، وتعزيز السيادة الوطنية، ومواجهة المشاريع التي تهدد لبنان.
وشددت الجبهة على أن الحلول لا يمكن أن تأتي إلا من خلال توافق لبناني داخلي، بعيدًا عن الانقسامات، مع التركيز على بناء مؤسسات قوية ومتجانسة.
كانت الجبهة اللبنانية تؤمن بأن القضية الفلسطينية يجب أن تُحل ضمن إطار عربي شامل، يحقق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وفي الوقت ذاته يحترم سيادة لبنان وسلامته الإقليمية.
وقد دعت إلى تحرك عربي جاد وموحد، يعزز التضامن العربي، ويمنع تفاقم الأزمات في لبنان والمنطقة، مع التأكيد على ضرورة احترام المبادئ الدولية لحقوق الإنسان.
في ظل تصاعد وتيرة الحرب الأهلية، كانت الجبهة اللبنانية تسعى إلى توفير بدائل سياسية وحلول سلمية، عبر دعم الحوار الوطني، ومناصرة وحدة الأراضي اللبنانية، ورفض الانقسامات التي أدت إلى تفكيك الدولة.
وركزت على أهمية المشاركة الشعبية في بناء الدولة، وعلى إشراك جميع المكونات في العملية السياسية بطريقة عادلة ومتوازنة.
لم تغفل الجبهة اللبنانية أهمية القضية الإنسانية المتعلقة باللاجئين الفلسطينيين، معتبرة أن توفير الأمن والحماية لهم يجب أن يتم ضمن إطار القانون، وأن تظل حقوقهم محفوظة، مع التأكيد على وجوب احترام القوانين اللبنانية والسيادة الوطنية.
وقد دعت إلى تقديم الدعم الدولي لهذه القضية، لضمان حياة كريمة للاجئين، ووقف المعاناة التي استمرت لسنوات طويلة.
شهدت تلك الفترة أيضًا تصاعدًا في محاولات التوسط الدولية، والتي لم تثمر عن حلول حقيقية بسبب تعقيد المشهد اللبناني، ووجود أطراف متعددة لها مصالح متضاربة.
لكن الجبهة اللبنانية أكدت على أهمية أن تكون أي تسوية مستندة إلى الإرادة الوطنية اللبنانية، ومبنية على أسس تحترم التنوع اللبناني، وتحمي وحدته.
كانت الجبهة ترى أن التحدي الأهم هو بناء دولة حديثة، قادرة على فرض القانون، وتحقيق العدالة، وتوفير الحماية لكل المواطنين، بما يعزز الثقة بين مختلف المكونات.
وهذا ما يخلق بيئة آمنة ومستقرة يستطيع فيها اللبنانيون والفلسطينيون العيش بسلام.
كما دعت إلى تطوير نظام سياسي يضمن المشاركة الحقيقية لكل الطوائف والأحزاب في إدارة شؤون البلاد.
في الختام، يمكن القول إن الأزمة اللبنانية الفلسطينية التي تفجرت في منتصف السبعينيات وما تلاها من سنوات صعبة، شكّلت اختبارًا حقيقيًا لقدرة لبنان على الحفاظ على وحدته وسيادته.
وقد وضعت الجبهة اللبنانية، على مدى هذه الفترة، تصورًا وطنيًا شاملاً يسعى إلى حماية لبنان، ويؤمن بحقوق الفلسطينيين ضمن إطار يحفظ الاستقرار والسلام في المنطقة.
إن هذا الفصل من تاريخ لبنان يذكرنا بأهمية الوحدة الوطنية، والتمسك بسيادة الدولة، وأهمية الحوار الوطني، كأساس للحفاظ على أي كيان متماسك قادر على الصمود أمام التحديات.
وتظل هذه الدروس ذات أهمية قصوى في مواجهة الأزمات التي تعصف بالمنطقة، وفي سعي الشعوب نحو بناء مستقبل أفضل.
في خضم التحولات العاصفة التي ضربت لبنان خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، بدا واضحًا أن القضية الفلسطينية لم تعد مجرد شأن خارجي يطرق باب السياسة اللبنانية من حين إلى آخر، بل غدت حجر الزاوية في الأزمة البنيوية التي أصابت الكيان اللبناني في أساسه.
فالوجود الفلسطيني المسلح، بتشابكاته الإقليمية وامتداداته الدولية، وبما فرضه من واقع أمني وعسكري موازٍ للدولة، مثّل في نظر الجبهة اللبنانية التحدي الأخطر لوحدة لبنان وسيادته وتعدديته.
لم يكن الاعتراض على الحق الفلسطيني المشروع في تقرير المصير والعودة إلى وطنه، وإنما كان جوهر القضية أن هذا النضال العادل حين اتخذ من الأراضي اللبنانية منطلقًا له، متجاوزًا سيادة الدولة اللبنانية، ومنخرطًا في صراعات داخلية، لم يعد نضالًا بقدر ما صار ورقة في لعبة دولية دمّرت الدولة اللبنانية وشوهت بنيتها الداخلية.
إن الجبهة اللبنانية، وهي تتابع بدقة مسار الأمور، كانت ترى أن منطق السلاح الذي اعتمدته الفصائل الفلسطينية في لبنان، بدلًا من أن يعزز قضيتها، عرّضها لتآكل في تعاطف الشعب اللبناني، وأدخلها في متاهات من التحالفات الطائفية والمناطقية التي أضعفت مكانتها وخلقت حولها حساسيات حادة.
فبدلًا من أن تبقى ضيفًا مرحبًا به، تحوّل الوجود الفلسطيني إلى عامل احتكاك دائم، وارتبط اسمه بمواقع اشتباك، وخرق للحدود، واشتراك في النزاعات الداخلية.
وقد عبّرت الجبهة اللبنانية في أكثر من مناسبة عن أن الفلسطينيين في لبنان انتقلوا من موقع الضحية إلى موقع طرف في الصراع اللبناني الداخلي، وهذا ما جرّ الويلات على الفلسطينيين واللبنانيين على السواء.
ومن أبرز مظاهر هذا التداخل أن المخيمات الفلسطينية تحولت إلى جزر أمنية خارجة عن سلطة الدولة، تم فيها تخزين السلاح وتدريب المسلحين، بل واستُخدمت كمنصات لإطلاق القذائف والصواريخ، وهو ما جعل كثيرًا من المناطق اللبنانية عرضة لردود الفعل العنيفة، سواء من الداخل اللبناني أو من الخارج، كما حصل مرارًا في جنوب لبنان وفي محيط بيروت.
لم يكن الخطر فقط في الوجود العسكري الفلسطيني، بل في ما أفرزه من نموذج للدولة الموازية التي لا تعترف بقانون الدولة اللبنانية، بل تحاول فرض قوانينها وأعرافها الخاصة، بالتوازي مع علاقات دولية خاصة لا تمر عبر الشرعية اللبنانية، وهو ما شكل في نظر الجبهة اللبنانية نسفًا للنظام السيادي والاستقلالي الذي قام عليه الكيان اللبناني منذ نشأته.
لقد تزامن هذا التغلغل الفلسطيني مع انفجار التناقضات اللبنانية الداخلية، وكانت النتيجة تحالفًا غير متوازن بين فصائل فلسطينية وأحزاب لبنانية ذات أهداف تختلف عن الأهداف الفلسطينية، لكنها التقت معها ميدانيًا في مواجهة الدولة ومؤسساتها.
وبهذا المعنى، فإن ما جرى في لبنان لم يكن فقط تداعيًا للقضية الفلسطينية، بل كان تمزيقًا للكيان اللبناني على أساس صراعات لا تمُتّ إلى المصلحة الوطنية بصلة، بل خضعت لحسابات فئوية وطائفية ومناطقية، غذّاها الانقسام الحاد حول الوجود الفلسطيني.
وقد وجدت الجبهة اللبنانية نفسها، وسط هذا المشهد، في موقع الدفاع عن فكرة الكيان اللبناني، لا عن طائفة أو مذهب أو فئة بعينها، بل عن نموذج للعيش المشترك والتعدد المتوازن في ظل سيادة القانون والدولة.
فالفكرة اللبنانية كما تبلورت منذ تأسيس الجمهورية لم تكن تقوم على الانغلاق أو الإقصاء، بل على احتضان كل من لجأ إلى لبنان في محنة، شرط احترام القواعد التي تحكم المجتمع والدولة.
أما حين تحوّل اللجوء إلى منصة للهيمنة وفرض الأمر الواقع، صار واجبًا على الوطنيين اللبنانيين أن يتخذوا موقفًا واضحًا للدفاع عن الكيان.
إن الجبهة اللبنانية كانت على يقين بأن معالجة الأزمة لا يمكن أن تكون أمنية فحسب، ولا أن تُختزل بمواجهة عسكرية بين الجيش اللبناني أو القوى الحزبية والفصائل الفلسطينية، بل كانت تنظر إلى المسألة من زاوية أكثر شمولًا: ما هو مستقبل لبنان إذا بقيت أراضيه مرتعًا لصراعات الآخرين، وإذا استمر في عجزه عن بسط سلطته على كل ترابه؟ لقد كانت قناعة الجبهة أن القضية الفلسطينية يجب أن تجد حلها في فلسطين، لا على الأراضي اللبنانية، وأن الفلسطينيين لا يستطيعون أن يُناضلوا على حساب دولة أخرى، ولا أن يطالبوا بحقوقهم عبر تدمير شعب آخر يشاركهم في المأساة، لا ينافسهم عليها.
لم تكن المواجهة مع الفصائل الفلسطينية تهدف إلى إسقاط قضيتهم أو خنق تطلعاتهم الوطنية، بل كانت مواجهة مع المنهج الذي حوّل لبنان إلى ساحة حرب متنقلة، ومع الاستراتيجية التي اعتبرت أن بيروت وصيدا والجنوب والبقاع يمكن أن تكون بدائل موقتة لوطن مفقود، أو محاور ضغط لانتزاع مكاسب سياسية.
وقد ثبت بالتجربة أن هذا الخيار أدى إلى نتائج عكسية، فبدل أن يحشد القضية الفلسطينية دعمًا عربيًا أوسع، كرّس حالة من الانقسام العربي واللبناني حيالها، وأفقدها الكثير من الرصيد الأخلاقي والوجداني الذي راكمته عبر العقود.
وقد رأت الجبهة اللبنانية أن تحوّل المقاومة الفلسطينية إلى طرف في الحرب الأهلية اللبنانية وضعها في تناقض مباشر مع المجتمع الذي احتضنها، وخصوصًا مع شرائح واسعة من المسيحيين والشيعة والدروز، الذين رأوا فيها سببًا لانفجار أزمات أمنية ودموية في مناطقهم.
لقد نشأت بذلك قطيعة بين الشعبين اللبناني والفلسطيني، بعد أن كانا متقاربين في وجدان النكبة والمصير، وتحولت المخيمات إلى بؤر للتوتر، وصار الوجود الفلسطيني في نظر كثيرين مرادفًا للاضطراب وعدم الاستقرار.
ولم تتوانَ الجبهة اللبنانية عن التأكيد على أن مسؤولية ما جرى لا تقع فقط على الفلسطينيين، بل على النظام اللبناني الذي تقاعس طويلًا عن ضبط الأمور، وعلى القوى اللبنانية التي تغاضت عن تنامي السلاح الفلسطيني، واستثمرت تحالفاتها على حساب السيادة الوطنية.
كما أن بعض القوى الإقليمية شجعت هذا المسار، مستفيدة من غياب القرار العربي الموحد، ومن تواطؤ القوى الدولية التي رأت في الساحة اللبنانية مسرحًا مناسبًا لتصفية حساباتها مع خصومها.
وإذا كان الاحتلال الإسرائيلي للجنوب اللبناني في عام 1978 ثم في عام 1982 قد زاد من تعقيد الأزمة، فإنه في الوقت نفسه كشف هشاشة البنية اللبنانية، وغياب القدرة على حماية السيادة.
وقد استغلت إسرائيل هذا الواقع لتبرير تدخلها، تحت شعار الدفاع عن أمنها، لكنها في الحقيقة كانت تترصد الفرصة لفرض نفوذها وخلق شريط أمني يعزل لبنان عن القضية الفلسطينية.
وبهذا المعنى، فإن الفوضى التي أحدثها الوجود الفلسطيني غير المنضبط ساهمت، بشكل غير مباشر، في توفير الذرائع لإسرائيل لتوسيع احتلالها.
أما على الصعيد الإنساني، فقد خلّفت هذه الأحداث مآسي لا تُحصى، حيث قُتل الآلاف من اللبنانيين والفلسطينيين، ودمّرت أحياء ومخيمات، وتشرّد عشرات الآلاف من المدنيين، وتصدّع النسيج الاجتماعي اللبناني، وتفاقم خطاب الكراهية والشيطنة المتبادلة.
وتحمّلت المخيمات الفلسطينية عبء هذا العنف، خصوصًا في تل الزعتر وصبرا وشاتيلا وغيرها، حيث سجل التاريخ فصولًا مؤلمة من التقاتل والمجازر، تبقى جراحها شاهدة على فشل الجميع في صياغة حل متوازن.
أمام هذا الانهيار الشامل، لم تكن دعوة الجبهة اللبنانية إلى إعادة النظر في العلاقة مع القضية الفلسطينية نابعة من موقع العداء أو الرفض المطلق، بل من موقع الدفاع عن كيان يتداعى، وعن نموذج حضاري مهدّد.
لقد أكدت الجبهة على وجوب الفصل بين عدالة القضية الفلسطينية وبين من يديرها على الساحة اللبنانية، مطالبة بقيام دولة فلسطينية مستقلة على أرض فلسطين، وداعية إلى نزع السلاح الفلسطيني على الأراضي اللبنانية كشرط أساسي لأي حل وطني شامل.
إن التجربة اللبنانية مع القضية الفلسطينية، كما قرأتها الجبهة اللبنانية، كشفت عن مأزق بنيوي مزدوج: مأزق نظام لبناني هش وغير قادر على التفاعل مع أزمات المنطقة من موقع القوة، ومأزق مقاومة فلسطينية لم تضع حدودًا واضحة لتحالفاتها وميدان تحركها، فوقعت في فخ الاستقطاب، وانزوت عن هدفها المركزي في التحرير.
ومن هذا التشخيص، بنت الجبهة قناعتها بضرورة تحييد لبنان عن صراعات الآخرين، وخصوصًا حين يكون هذا الصراع محمّلًا بالسلاح والدم.
مع إدراكها لصعوبة هذا الهدف، واصلت الجبهة اللبنانية العمل السياسي والديبلوماسي والإعلامي دفاعًا عن سيادة لبنان، مطالبة المجتمع الدولي والعالم العربي بإدراك خصوصية لبنان، والتوقف عن النظر إليه كأداة لخدمة مصالح غيره.
واعتبرت أن الحفاظ على لبنان الحر التعددي هو المدخل الطبيعي لأي استقرار في المنطقة، وأن تدمير هذا النموذج لا يخدم أي قضية، بل يفتح أبواب الجحيم على الجميع.
وهكذا انتهت سنوات كثيرة من المواجهة، والمأساة، والتجاذب، بما جعل من لبنان ساحة ينعكس عليها كل اضطراب في المنطقة.
لكن الجبهة اللبنانية بقيت تتمسك برؤية لبنانية سيادية واضحة، تدعو إلى عودة القرار الوطني إلى أصحابه، وإلى بناء دولة قادرة وعادلة، تحمي أبناءها، وتصون أرضها، وتمنع تحويلها إلى ساحة بالوكالة.
أما القضية الفلسطينية، فقد آن لها أن تستعيد جوهرها التحريري على أرضها، لا أن تضل الطريق بين العواصم والساحات.
لم تكن الحرب الأهلية اللبنانية في جانب من جوانبها سوى التعبير الأكثر عنفًا عن عجز الكيان اللبناني عن امتصاص الارتدادات الناتجة عن تشابك القضية الفلسطينية مع بنيته الداخلية.
فعندما دخل السلاح الفلسطيني إلى لبنان، لم يكن محايدًا ولا منسجمًا مع الدولة، بل اصطفّ ضمن شبكة معقدة من العلاقات السياسية والميدانية التي اجتذبت أطرافًا لبنانية، وأقصت أخرى، وأدخلت لبنان في مدار صراع لم يكن مُعدًّا له لا جغرافيًّا ولا ديموغرافيًّا ولا دستوريًّا.
وقد تبيّن للجبهة اللبنانية أن لبنان، بنموذجه الهش، لم يكن قادرًا على أن يتحمّل عواقب احتضان قضية بهذا الثقل دون أن يدفع ثمنًا باهظًا من توازنه الداخلي ومن وجوده كدولة.
لقد تفككت السلطة المركزية، وسقطت هيبة المؤسسات الشرعية، وتحولت الدولة إلى مظلة شكلية لم تعد قادرة على ممارسة الحكم، بينما انبثقت سلطة الأمر الواقع المسلحة في أكثر من منطقة، حيث احتكرت الفصائل الفلسطينية ومعها مجموعات لبنانية القرار الميداني، والحق في الأمن والحرب.
وباتت شوارع بيروت، مثلًا، تُقسم بين نفوذ هذا التنظيم وذاك، فيما تراجعت المرجعية الوطنية الجامعة، وانحسر الشعور بالانتماء إلى دولة تتساوى فيها الحقوق والواجبات.
في هذا المناخ، نما خطاب طائفي تعبوي، ووُظفت القضية الفلسطينية في خدمة مشاريع تقسيمية تارة، وانقلابية طورًا، وتحول منطق المقاومة إلى ذريعة للاستيلاء على ما تبقى من الدولة.
وكان من الواضح أن الفصائل الفلسطينية قد تورطت، طوعًا أو كرهًا، في لعبة المحاور الإقليمية، فأصبحت أداة في يد أنظمة تسعى إلى تعزيز نفوذها في لبنان والمنطقة، حتى لو أدى ذلك إلى تدمير وحدة لبنان وتمزيق نسيجه الوطني.
ولم يكن غريبًا أن يُستخدم الفلسطينيون في صراعات بالوكالة، وأن يُجرّ لبنان إلى نزاعات مع دول أخرى بسبب وجود تنظيمات فلسطينية محسوبة على هذا النظام أو ذاك، بما أضعف الموقف اللبناني وأفقده حياده الذي كان يشكّل أحد عناصر استقراره.
وفي هذا السياق، كانت الجبهة اللبنانية تحذر من أن استخدام الساحة اللبنانية لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية سيقود حتمًا إلى تدمير لبنان وإلى طمس هوية قضيته الوطنية.
وقد رفعت الصوت عاليًا في أكثر من مناسبة لتطالب بتجريد كل القوى غير اللبنانية من سلاحها، وبإعادة الاعتبار إلى المؤسسات الرسمية كإطار وحيد لضبط الأمن، وبوقف تدخل أي تنظيم أجنبي في الشأن اللبناني، مهما كانت دوافعه أو مبرراته.
لم يكن هذا الموقف موجهًا ضد الفلسطينيين كشعب، بل كان رفضًا لاستخدام السلاح الفلسطيني خارج أرض فلسطين، واحتجاجًا على تحويل لبنان إلى ورقة في يد القوى الكبرى.
وقد اتهمت الجبهة اللبنانية قادة العمل الفلسطيني في لبنان بأنهم تجاهلوا خصوصية الكيان اللبناني، وأنهم تغافلوا عن التوازنات الدقيقة التي تحكم العلاقات بين طوائفه ومناطقه، ففرضوا أنفسهم لاعبًا محليًا بقوة السلاح، لا ضيفًا مؤقتًا له قضية وطنية عادلة.
وهكذا، بدلاً من أن يكون الوجود الفلسطيني مدخلًا إلى دعم القضية الفلسطينية سياسيًّا، تحوّل إلى عبء على الشعبين، ودخل الفلسطينيون في صدامات دموية مع اللبنانيين، أفرزت توترات لا تزال ارتداداتها مستمرة حتى اليوم.
لم تكن المخيمات مجرد أماكن سكن مؤقت، بل أصبحت مواقع عسكرية محصّنة، تُخزّن فيها الأسلحة الثقيلة، وتدار منها العمليات، وتُستقبل فيها الوفود الأجنبية، في تحدٍّ صارخ للدولة اللبنانية التي لم تكن قادرة على ممارسة سلطتها حتى في شوارع عاصمتها.
وقد بلغ التحدي ذروته حين بدأت الفصائل الفلسطينية تفرض ضرائبها الخاصة، وتدير معابرها المستقلة، وتصدر بيانات سياسية وعسكرية من داخل الأراضي اللبنانية، كأنها دولة ضمن الدولة، ما كان له أثر بالغ في تفاقم الأزمة الوطنية اللبنانية.
وفي نظر الجبهة اللبنانية، فإن هذا الانفلات لم يكن مجرد مشكلة تقنية أو أمنية، بل هو تعبير عن خلل في الفهم الفلسطيني لطبيعة لبنان، وعن فشل لبناني في وضع حد لهذا الخلل قبل أن يتحوّل إلى أزمة وجودية.
ومع تكرار الحوادث والاعتداءات على الجيش اللبناني أو على مدنيين لبنانيين، ومع انتشار عمليات الخطف والاغتيال التي تورطت فيها جهات مرتبطة بالوجود الفلسطيني، باتت العلاقة بين المجتمع اللبناني والمجتمع الفلسطيني علاقة متشنجة قائمة على الريبة والاتهام، بعد أن كانت مبنية على التعاطف والتكافل في سنوات النكبة الأولى.
ومع دخول إسرائيل إلى الساحة بقوة السلاح، خصوصًا بعد اجتياح 1982، أصبحت المعادلة أكثر تعقيدًا.
فقد استغلت تل أبيب الفوضى اللبنانية لتبرير عملياتها، واستثمرت الخلل الفلسطيني-اللبناني لتقول إنها جاءت لمحاربة الإرهاب الذي ينطلق من جنوب لبنان.
وبذلك، لم يجنِ الفلسطينيون من وجودهم المسلح في لبنان سوى نتائج عكسية، إذ سُحقت قواعدهم، ودُمّرت مخيماتهم، وفُرضت عليهم عزلة عربية ودولية متزايدة.
وقد حذّرت الجبهة اللبنانية مرارًا من هذا المصير، وناشدت القيادات الفلسطينية الكفّ عن المغامرات العسكرية العبثية، والتركيز بدلًا من ذلك على سبل التفاوض أو العودة إلى منطلقات العمل السياسي.
لكنّ الواقع أثبت أن الإنذار اللبناني ذهب أدراج الرياح، وأن تراكم الأخطاء من الجانب الفلسطيني ترافق مع تصلّب في المواقف ورفض للمراجعة.
وقد وُجهت الاتهامات إلى الجبهة اللبنانية بأنها تنزع إلى التفرّد، أو أنها تُحرّكها اعتبارات طائفية، لكن كل الوقائع كانت تشير إلى أن ما كانت تسعى إليه هو حماية لبنان، لا التآمر على أحد.
كان موقفها ثابتًا في المطالبة بقيام دولة فلسطينية مستقلة على أرض فلسطين، لكنها رفضت تحويل لبنان إلى بديل عن هذه الدولة، أو إلى ساحة مفتوحة للسلاح والدم.
ومن مآسي المرحلة أن اللبنانيين أنفسهم انقسموا حيال هذا الوجود، فمنهم من تحالف مع الفصائل الفلسطينية بدافع أيديولوجي أو سياسي، ومنهم من رأى فيهم خطرًا وجوديًّا، ومنهم من حاول أن يبني على ظهرهم مشاريع سلطة ونفوذ.
وقد أدى هذا الانقسام إلى مزيد من الانفجار، ففقدت الدولة سلطتها، وانهار النظام السياسي، وسقطت الحدود بين المحلي والإقليمي، وبات القرار اللبناني مرهونًا بما يقرره الخارج أو يُنفَّذ على أيدي من في الداخل.
إن هذا الفصل من تاريخ لبنان لم يكن مجرد حقبة اضطراب، بل هو أخطر لحظة عرفها الكيان اللبناني منذ نشأته.
إذ تداخلت فيه القضية الفلسطينية مع المسألة اللبنانية على نحو مأساوي، فتآكلت الدولة، وتفكك المجتمع، وغرق الجميع في بحر من الدم والدموع.
وقد حاولت الجبهة اللبنانية، بما أتيح لها من وسائل، أن تنقذ ما يمكن إنقاذه، لكنها كثيرًا ما وُوجهت بسوء الفهم أو بسوء النية، فيما كان الآخرون يستسلمون لمنطق القوة، أو يركنون إلى الخارج لحل أزماتهم.
ولعلّ أعظم ما أدركته الجبهة اللبنانية من خلال هذه التجربة أن لبنان لا يستطيع أن يعيش إلا حين يكون سيد قراره، حرّ إرادته، بعيدًا عن السلاح غير الشرعي، وعن المشاريع التي تتجاوز حجمه وموقعه.
وأن القضية الفلسطينية لا يمكن أن تُخدم من خلال تحويل الدول المضيفة إلى ضحايا إضافية، بل من خلال تمتين الشرعية الفلسطينية وبناء المؤسسات في الداخل الفلسطيني.
ولهذا، لم تتوقف الجبهة عن الدعوة إلى مؤتمر عربي جامع يعيد ترتيب العلاقة بين القضية الفلسطينية والدول العربية، وفي طليعتها لبنان، على أسس واضحة، تحفظ لكل طرف سيادته ومصلحته.
وهكذا، ومع تراكم الآلام، اكتشفت فئات واسعة من الشعبين اللبناني والفلسطيني أن لا خلاص في السلاح، ولا استقرار من دون دولة، ولا أمل في التقدم إذا ظلّ لبنان ساحة للصراع بدل أن يكون مساحة للحوار.
ومن هذا المنطلق، دعت الجبهة اللبنانية إلى إعلان حياد لبنان، والتزامه الكامل بالقضية الفلسطينية من موقع الدعم السياسي والديبلوماسي، لا من موقع الميدان والمعركة.
فلبنان الذي عانى ما عاناه، لا يستطيع أن يتحمل مزيدًا من الأعباء، ولا أن يُستخدم وقودًا في صراع لا يملك مفاتيحه.
لم يكن الغرض من وقوف الجبهة اللبنانية في وجه الامتداد الفلسطيني المسلح داخل لبنان هو العداء للمسألة الفلسطينية أو إنكار شرعيتها، بل على العكس، فقد أكدت مرارًا أن معاناة الفلسطينيين هي جزء من معاناة إنسانية عربية جماعية، وأن عدالة قضيتهم لا تخضع للجدل.
إلا أن الطامة الكبرى كانت في كيفية إدارة هذه القضية فوق الأرض اللبنانية، وكيف تحوّلت تدريجيًا إلى أداة تدمير من الداخل، بدل أن تبقى قضيّة تحرّر وكرامة.
لقد كانت الجبهة اللبنانية تدق ناقوس الخطر، لا عن عداء، بل عن وعي بأن هذا الانزلاق إلى تحويل لبنان إلى جبهة مفتوحة لن يُبقي من الكيان شيئًا، وأن التراكمات التي انتجها هذا الوجود المسلح تحولت إلى ألغام زرعت في بنية الدولة، وتفجرت واحدة تلو الأخرى.
لبنان، الذي تأسس على مبدأ التوازن بين مكوناته، لم يحتمل كسر موازينه الدقيقة.
فجاء دخول العامل الفلسطيني المسلح ليخلّ بهذا التوازن، عبر اصطفافات طائفية ومذهبية ومحورية غيّرت ملامح الخريطة السياسية والاجتماعية.
لقد انقسم الداخل اللبناني بين من يناصر القضية الفلسطينية دون قيد أو شرط، ولو على حساب السيادة، وبين من يعارض هذا التوغل المسلح لما يسببه من تهديد فعلي للوجود اللبناني الحرّ.
وكانت الجبهة اللبنانية تعيش هذا الانقسام الحاد وهي ترى المؤسسات تنهار، والمجتمع يتآكل، والعصبيات ترتفع على أنقاض الدولة، والمشاريع الدويلية تتكاثر في ظل غياب المشروع الوطني الجامع.
في وجه هذا المشهد المعقد، كانت الجبهة اللبنانية تحاول قدر الإمكان الحفاظ على جوهر الفكرة اللبنانية، فكرة التعددية ضمن الوحدة، والعيش المشترك في ظل سيادة القانون، ورفض استخدام الساحة اللبنانية لتصفية حسابات الغير.
ومن هنا، اعتبرت أن القضية الفلسطينية لا يجب أن تكون مبررًا لتهميش الدولة، ولا ذريعة لتكريس واقع السلاح غير الشرعي، ولا منصة لإعادة رسم الخريطة الديموغرافية والسياسية للبلاد.
لبنان لم يكن جزءًا من النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي بشكل مباشر، وهو لا يملك قدرة عسكرية ولا اقتصادية ولا سكانية على تحمّل ارتداداته المستمرة، ومع ذلك وجد نفسه في عمق هذا النزاع من دون حماية ولا قرار.
في هذا الإطار، لعب الوجود الفلسطيني المسلح دورًا فاعلًا في تعميق الشرخ بين اللبنانيين، إذ تحوّل التواجد الفلسطيني من ضيف مرحب به إلى عبء أمني وسياسي واقتصادي.
فقد أصبحت المخيمات قواعد عسكرية، والخطاب الفلسطيني محمّلًا بأجندات لا تمتّ بصلة لتاريخ العلاقات اللبنانية – الفلسطينية.
حتى الطروحات السياسية بدأت تنطلق من منطلق أن لبنان قابل للتفكك، وأن الدولة فيه مجرد غطاء مؤقت لصراعات أكبر، وهو ما رأت فيه الجبهة اللبنانية انقلابًا على الكيان، وعلى الكلمة الجامعة التي صاغها اللبنانيون بعد الاستقلال.
لكن الأخطر من كل ذلك كان في تعميق الشروخ بين الجماعات اللبنانية نفسها، حيث لم تعد المسألة فلسطينية فقط، بل باتت تنعكس كصراع داخلي بين من يدعم ومن يعارض، وبين من يرى في السلاح الفلسطيني حليفًا استراتيجيًا ومن يراه تهديدًا وجوديًا.
ولم تنجُ طائفة من الانقسام، ولا منطقة من التجييش، بل تحوّل لبنان كله إلى فسيفساء من ولاءات متضادة، تنهار تحتها أرضية الوحدة الوطنية.
وكانت الجبهة اللبنانية تحذّر من هذا التمزيق المنهجي، داعية إلى العودة إلى الثوابت اللبنانية، لا سيما استقلال القرار الوطني واحتكار الدولة للسلاح والشرعية.
لقد تعمّدت بعض الفصائل الفلسطينية، بدعم من أنظمة عربية وإقليمية، الاستثمار في هذا الانقسام، معتبرة أن الفوضى اللبنانية فرصة لمراكمة النفوذ وإقامة أمر واقع يصعب تغييره لاحقًا.
وهكذا، باتت العلاقة مع الفلسطينيين مرهونة بتحالفات خارجية، واستُخدمت الورقة الفلسطينية على الساحة اللبنانية لخدمة أهداف لا تمت بصلة إلى الكفاح ضد إسرائيل، بل ترتبط بإعادة توزيع موازين القوى في المنطقة.
وهذا ما دفع الجبهة اللبنانية إلى التشديد على ضرورة فصل القضية عن أدواتها المغلوطة، وعن تلك التحالفات التي شوّهت مسارها وشوّهت علاقاتها الطبيعية مع الشعوب التي كانت في الأصل داعمة لها.
في تلك المرحلة، أُجهِضت كل المحاولات الجدية لبناء الدولة اللبنانية الحديثة.
فكلما برزت بوادر لقيام حكومة قادرة على لمّ الشمل، وُوجِهت بتعطيل ممنهج من داخل المؤسسات ومن خارجها.
وكلما دعا أحد إلى حوار وطني جامع، تكسّرت الدعوات على صخرة الاستقطابات والفيتوات المسلحة.
حتى الجيش اللبناني، الذي كان يُفترض أن يكون مؤسسة وطنية جامعة، تعرّض للتفتيت والانقسام والتهميش، بسبب الاصطفافات الطائفية والمواجهات المباشرة مع الفصائل الفلسطينية المدججة بالسلاح.
لقد وجدت الجبهة اللبنانية نفسها في موقع الدفاع عن فكرة الدولة فيما كانت الدولة تُفرَغ من مضمونها قطعةً قطعة.
وما زاد الطين بلّة هو أن الشارع الفلسطيني نفسه في لبنان لم يكن موحّدًا.
فالفصائل كانت في صراعات دموية مع بعضها البعض، وبعضها ارتبط بمحاور إقليمية متنازعة، وبعضها الآخر دخل في تحالفات مع قوى لبنانية متناقضة، ففقدت المقاومة معناها الأصلي، وتحولت إلى فصائل تأتمر بتوجيهات متناقضة.
أما اللاجئون الفلسطينيون، فقد ظلوا رهائن هذه الفوضى، يتنقلون بين القصف والتجويع والتهميش، من دون أمل في العودة ولا أفق للعيش الكريم.
كانت الجبهة اللبنانية ترى في ذلك مأساة مضاعفة، إذ لم يجنِ الفلسطينيون من سلاحهم سوى مزيد من البؤس، ولم يجنِ اللبنانيون سوى الخراب.
وفي المقابل، كان بعض الإعلام العربي، وبضغط من الأنظمة الحليفة للفصائل المسلحة، يشيطن موقف الجبهة اللبنانية، ويصوّره على أنه موقف انعزالي أو معادٍ للفلسطينيين، بينما كانت الحقيقة أن الجبهة تناضل من أجل بقاء لبنان وطنًا لجميع أبنائه، لا ساحة مستباحة، وأنها لم تنكر يومًا حق الفلسطيني في العودة، لكنها رفضت أن يكون هذا الحق مرادفًا لتفكك الدولة اللبنانية.
لقد تم تغييب صوت الجبهة اللبنانية في الإعلام العربي، وتم التلاعب بالرأي العام لتبرير الفوضى القائمة، في حين كانت الوقائع في الداخل تشير بوضوح إلى أن الكارثة آتية ما لم يُضبط الوضع بشكل جذري.
وقد أثبت الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وما تبعه من خروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت، أن الساحة اللبنانية لم تكن قادرة على أن تكون قاعدة للمقاومة الفلسطينية، وأن الاستمرار في هذا النهج لم يؤدِ إلا إلى تعقيد القضية الفلسطينية ذاتها.
ومع ذلك، لم تُفتح صفحة جديدة، بل استمرت محاولات إعادة التموضع الفلسطيني في مخيمات الشمال والبقاع، ما دلّ على أن الدرس لم يُستخلص، وأن لبنان ماضٍ في دوامة جديدة من الفوضى ما لم يكن هناك قرار داخلي لبناني جامع، وقرار فلسطيني حازم بوقف التدخل في الشأن اللبناني.
لقد آمنت الجبهة اللبنانية أن حلّ الأزمة يبدأ بالاعتراف المتبادل بالحدود: حدود لكل قضية، وحدود لكل دولة، وحدود لكل سلاح.
فلا يجوز للبنان أن ينهار كي تبقى قضية ما حيّة، ولا يجوز لقضية ما أن تستمر بإحياء نفسها على حساب وطن آخر.
وقد طالبت الجبهة منذ البداية بميثاق لبناني – فلسطيني جديد، مبني على أساس احترام السيادة، ورفض استخدام الأرض اللبنانية لأي عمليات عسكرية، وتعزيز الحوار والتعاون الثقافي والاقتصادي، لا العسكري والسياسي.
وإذا كان من خلاصة يمكن للبنان أن يستخرجها من هذه التجربة المؤلمة، فهي أن التعدّدية اللبنانية، مهما بلغت قوتها، تبقى هشّة إذا لم تترافق مع مشروع وطني موحّد، يحدد العلاقات مع الداخل والخارج، ويرسم بدقة مكان لبنان في صراعات المنطقة، لا طرفًا منحازًا، بل حكمًا على مسافة واحدة من الجميع.
وكان هذا ما تصبو إليه الجبهة اللبنانية، لا من منطلق الانغلاق، بل من منطلق الحرص على ألا يتحوّل لبنان إلى ضحية دائمة لصراعات الآخرين.
عندما ننظر إلى التجربة اللبنانية مع القضية الفلسطينية خلال العقدين الماضيين، يتبين لنا بوضوح حجم الارتباك الذي أُلقي فوق كاهل الكيان اللبناني، الذي وُلد من رحم التوافق الدقيق، وصيغ بميزان حساس بين مكوناته المختلفة.
فلبنان، الذي طالما لعب دورًا حياديًا فاعلًا في الصراع العربي – الإسرائيلي، وجد نفسه مجرورًا قسرًا إلى قلب النزاع، ليس بقرار ذاتي، بل بفعل تموضع قوى فلسطينية مسلحة على أرضه، ونشوء واقع عسكري وسياسي خارج إرادة الدولة، تخطّى مؤسساتها وتجاهل حدودها، وراح يفرض على اللبنانيين أجندة لا تشبههم ولا تنبع من أولوياتهم الوطنية.
لقد تحوّل لبنان، من موقع الدعم السياسي للقضية الفلسطينية، إلى ساحة مستباحة للحروب المتنقلة، ومن منصة تعاطف عربي إلى ساحة معركة تُستخدم فيها كل أنواع الأسلحة، وتُخترق فيها كل الخطوط الحمراء.
هذا التحول لم يكن لحظة واحدة أو تدبيرًا مفاجئًا، بل جاء نتيجة تراكم طويل من التساهل والتهاون والصمت، دفع فيه اللبنانيون، مسلمين ومسيحيين، ثمنًا باهظًا من أمنهم، واقتصادهم، ووحدتهم الوطنية.
وقد أدركت الجبهة اللبنانية، في خضم هذا التدهور، أن ما يجري ليس تضامنًا مع الشعب الفلسطيني، بل تفكيك للبنان تحت عنوان مقاومة إسرائيل.
ولعلّ المفارقة الكبرى تكمن في أن السلاح الفلسطيني الذي وُجِّه في الأساس إلى الخارج، سرعان ما وُجّه إلى الداخل اللبناني، فانقلبت البندقية عن وجهتها، وأصبح القتال يدور في شوارع بيروت، لا على حدود فلسطين، وسقط الآلاف من الضحايا اللبنانيين، لا الإسرائيليين، وتحوّلت المخيمات إلى معسكرات، وارتبطت بعض الفصائل بعلاقات عضوية مع أجهزة أمنية إقليمية، وخرجت القضية من إطارها التحرري لتدخل دهاليز المحاور العربية المتنازعة.
وأمام هذا المشهد، لم يكن أمام الجبهة اللبنانية سوى الوقوف موقف الصراحة والوضوح، ولو كلّفها ذلك الكثير من الهجمات السياسية والاتهامات المجانية.
فهي كانت ترى أن الدفاع عن لبنان لا يتناقض مع دعم الفلسطينيين، بل إن حماية السيادة اللبنانية شرط لحماية عدالة القضايا العربية، وأنه لا يمكن لقضية شعبٍ أن تنجح إذا بُنيت على أنقاض شعبٍ آخر، وأن اللاجئ لا يجوز أن يتحول إلى محتل، ولا المنفى إلى جبهة مفتوحة بلا حساب.
وقد تمسكت الجبهة بهذا الخط، رغم حملات التخوين التي طالتها، ورغم تشويه مواقفها في بعض الدوائر، لأنها كانت تؤمن أن الحقيقة لا تُقاس بالشعارات، بل بنتائج الوقائع، وأن من يُمعن في تمزيق الدولة اللبنانية، مهما كانت نواياه، فهو يضعف نفسه ويضعف قضيته.
لقد أثبتت التجربة أن كل محاولة لحمل لبنان على ما لا يحتمل كانت تؤول إلى الانفجار.
فلبنان، بتكوينه السكاني وخصوصياته الطائفية والجغرافية، ليس قابلاً لاستيعاب نزاع مفتوح بحجم النزاع العربي – الإسرائيلي، وليس مؤهلاً لأن يكون جبهة دائمة.
إنه بلد صغير، محدود الموارد، يعتمد على توازنه الداخلي أكثر مما يعتمد على قوته العسكرية أو حجمه الجغرافي.
وكل إخلال بهذا التوازن يعني فتح الباب على الفوضى.
والجبهة اللبنانية كانت تردد أن ما يُطلب من لبنان يفوق طاقته، وأن تحويله إلى ساحة نضال مسلح سيحوله حتمًا إلى ساحة خراب.
ولم يكن الجانب العسكري وحده هو الذي شكّل خطرًا على الكيان اللبناني، بل ما استتبعه من تفكك إداري واقتصادي واجتماعي.
فقد تفاقمت أزمات الكهرباء والماء والنقل والمدارس، وتراجعت قيمة الليرة اللبنانية بشكل غير مسبوق، وتفشى الفساد، وهجرت رؤوس الأموال، وازدهر اقتصاد الحرب بدل اقتصاد التنمية.
والطبقة الوسطى، التي كانت ركيزة الاستقرار في لبنان، تآكلت تدريجيًا، وانكفأ الناس إلى طوائفهم ومناطقهم طلبًا للحماية.
كل هذه المظاهر لم تكن سوى ارتدادات مباشرة للانهيار الناتج عن الوجود المسلح الفلسطيني وسلاح الأحزاب اللبنانية المتحالفة معه أو المتنازعة معه.
وفي ظل هذه الأوضاع، كانت الجبهة اللبنانية ترى أن إعادة بناء الدولة اللبنانية يمر أولًا بإعادة الاعتبار للسيادة، ثم بضبط السلاح غير الشرعي، ثم بإقامة علاقات واضحة مع الوجود الفلسطيني في لبنان، قائمة على القانون لا على ميزان القوى.
فاللاجئون الفلسطينيون، رغم كل التوترات، يملكون حق العيش الكريم، والتعليم، والعمل، لكن لا يملكون حق حمل السلاح خارج إطار الدولة، ولا التدخل في السياسات الداخلية، ولا استيراد صراعات الخارج إلى الداخل اللبناني.
وقد دعت الجبهة في أكثر من مرة إلى مؤتمر وطني شامل يعيد تنظيم العلاقة مع الفلسطينيين، بما يضمن لهم الحقوق المدنية ويمنع أي تجاوز للأمن القومي اللبناني.
كذلك، لم تغفل الجبهة اللبنانية خطورة الصمت العربي والدولي إزاء ما كان يجري في لبنان، حيث كانت بعض العواصم تغض النظر عن الفوضى، لأنها ترى فيها فرصة لتقوية حلفائها، أو لتوجيه الرسائل السياسية إلى خصومها.
هذا التواطؤ الضمني زاد من عمق الأزمة، وترك اللبنانيين وحدهم في مواجهة التعقيدات.
حتى المؤسسات الدولية، التي يفترض بها أن تدافع عن سيادة الدول الصغيرة، التزمت صمتًا مريبًا، أو اكتفت بإصدار بيانات لا تُغيّر في المعادلة شيئًا.
وهكذا، بدا أن لبنان يُذبح أمام الجميع، من دون أن يتحرك أحد لوقف النزيف.
من هذا الموقع، كانت الجبهة اللبنانية تطالب بإعادة تعريف العلاقة اللبنانية – الفلسطينية على أساس الحق والعدل والحدود.
فلبنان ليس خصمًا لفلسطين، لكنه ليس ضحية لها أيضًا.
والشعب اللبناني ليس عدوًا للفلسطينيين، لكنه لم يعد قادرًا على تحمّل أن يكون وحده يدفع ثمن المواجهة.
وقد دعت الجبهة إلى مقاربة جديدة للقضية الفلسطينية، تُخرجها من العسكرة، وتعيدها إلى السياسة، وتُنهي حالة الاستقواء بالسلاح، وتفتح أبواب العودة إلى الحلول السلمية، لأن طريق المدافع أثبت فشله، ولأن الزمن لا ينتظر من يغرق في أوهام السلاح وحده.
إن المأساة اللبنانية لم تكن قدرًا، بل نتيجة خيار سياسي خاطئ، قرر أن يُدخل لبنان في الحرب العربية – الإسرائيلية من دون موافقة اللبنانيين، ومن دون حساب للمخاطر.
واليوم، بعد كل هذا الدمار، آن الأوان لاستخلاص العبر، والاعتراف بأن لبنان يجب أن يُنقذ من دوامة التوظيف الخارجي، وأن الفلسطينيين أنفسهم يجب أن يعيدوا النظر في كيفية إدارة قضيتهم من خارج أراضيهم، وأن يقيموا مع البلدان المضيفة علاقات قائمة على الاحترام المتبادل لا على التحدي والمزايدة.
لقد أرادت الجبهة اللبنانية أن تُنقذ لبنان قبل فوات الأوان، وأن تصون الكيان قبل انهياره، وأن تدافع عن الوجود الحرّ في وجه الفوضى المسلحة.
وقد دفعت ثمناً سياسيًا وإعلاميًا كبيرًا نتيجة ذلك، لكنها بقيت متمسكة بخيار الدولة، وبمبدأ السيادة، وبقيم العيش المشترك، لأنها تعلم أن لا مستقبل للبنان خارج الدولة، ولا حياة لأي قضية تنطلق من أرضه إن كانت تهدمه وهو يحاول أن يبقى واقفًا على قدميه.
وها نحن، بعد سنوات من النزف، نكتشف أن الخيارات التي دافعت عنها الجبهة اللبنانية كانت صائبة، وأن التفريط بالسيادة جلب الاحتلال، وأن السكوت عن السلاح غير الشرعي جلب الدمار، وأن تغليب قضايا الآخرين على حساب المصلحة الوطنية لا يؤدي إلا إلى الخراب.
ولذلك، فإن الاستمرار في هذا النهج لم يعد ممكنًا، وعلى الجميع أن يراجعوا مواقفهم، وأن يعيدوا الاعتبار للبنان كدولة، لا كممر ولا كمستقر، بل ككيان له حدوده وحقوقه وكرامته.
حين ننظر في عمق الأزمة التي عصفت بلبنان، يتضح أن أحد أبرز تجليات الانهيار تمثل في اختلال الأولويات الوطنية، إذ غلبت قضايا الخارج على هموم الداخل، وتقدمت المعارك الوكيلة على مصلحة الشعب، وارتفعت شعارات لاجتذاب العواطف على حساب استقرار البلد وكرامة دولته.
لقد عاش لبنان، خلال السنوات العصيبة الماضية، على إيقاع قرارات لا يصنعها، وحروب لا تخصه، واصطفافات لم يخترها، في وقت كانت الدولة تتفكك، والمؤسسات تتلاشى، والناس يهاجرون أو يذلون على أبواب الميليشيات.
في هذا المشهد المأساوي، تحوّلت القضية الفلسطينية من رمز إلى سلاح، ومن مشروع تحرّر إلى أداة صراع، ومن قضية جامعة إلى عنوان انقسام.
لقد دخل السلاح الفلسطيني إلى لبنان تحت شعار تحرير فلسطين، لكنه لم يتجه نحو الجنوب، بل انغمس في شوارع بيروت والضواحي، ثم انتقل إلى الجبل والشمال والبقاع، واختلط دمه بدم اللبنانيين لا بدم العدو.
وبدل أن يكون الفلسطينيون قوة مقاومة متضامنة مع الدولة اللبنانية، باتوا سلطة فوق الدولة، وأحيانًا سلطة بديلة لها، يُفاوضون باسمها، ويناورون نيابة عنها، ويحكمون مناطق من أرضها.
أمام هذا الواقع، لم يكن ممكنًا أن تظل الجبهة اللبنانية صامتة أو حيادية.
فهي، بحكم تمسكها بجوهر الكيان اللبناني، رأت أن السكوت جريمة، وأن التغاضي تواطؤ، فرفعت الصوت دفاعًا عن الدولة، لا عن الطائفة، وعن السيادة، لا عن التفرّد.
وقد أثبتت التجربة أن التحالفات اللبنانية – الفلسطينية لم تكن بريئة، بل اتُخذت ذريعة للتغلغل الفلسطيني المسلح في مفاصل لبنان.
ففي مقابل التحالفات بين بعض القوى اللبنانية والفلسطينية، ظهرت ردود فعل تحالفية معاكسة مع قوى خارجية، فانشطر البلد على نفسه، وفقد حياده ومركزه وتماسكه، ولم يعد الداخل اللبناني يُدار من بيروت، بل من عواصم أخرى تملي وتُموّل وتُسلّح.
وهكذا، تحوّلت الأرض اللبنانية إلى مسرحٍ لتنازع الإرادات، تُستخدم فيها القضية الفلسطينية تارة، والعروبة تارة، والتحرير تارة، وكل ذلك على حساب المصلحة اللبنانية.
وكان هذا الواقع سببًا في إخضاع اللبنانيين جميعًا لامتحان صعب.
فكل طرف وجد نفسه مجبرًا على اتخاذ موقف من هذا التورط، إما تأييدًا مطلقًا للوجود الفلسطيني المسلح بحجة المقاومة، أو رفضًا كاملاً له بحجة الدفاع عن السيادة.
ولأن هذا الانقسام لم يمر عبر المؤسسات، بل عبر الشارع والسلاح والتعبئة، فقد أدّى إلى نشوب سلسلة من الحروب العبثية التي أنهكت الجميع، ولم تُبْقِ شيئًا من الحياد أو من الوطنية الجامعة.
والأنكى أن الخطاب السياسي الفلسطيني، بدلاً من أن يسعى إلى ترميم العلاقة مع اللبنانيين، ذهب بعيدًا في اتهام الجبهة اللبنانية بالتآمر، والانعزالية، والخيانة، في حين أن الجبهة كانت ترفع صوتها للحفاظ على آخر ما تبقى من كيان الدولة.
ولم تكن المسألة في حمل السلاح بحد ذاته، بل في المشروع الذي يُراد فرضه بالقوة فوق أرض لا تقبل المشاريع الجاهزة.
فلبنان ليس ساحة بيضاء، وليس خاليًا من شعب أو من هوية.
هو بلد متعدد، متنوع، لا يستطيع أحد أن يختصره أو أن يفرض عليه قراءة واحدة للتاريخ أو للواقع أو للمصير.
من هنا، كانت الجبهة اللبنانية تنظر إلى ما يجري على أنه محاولة لتغيير طبيعة لبنان، وفرض نظام سياسي عليه لا ينبع من إرادة شعبه، بل من ميزان السلاح، ومن الوصايات المفروضة، ومن الحسابات الإقليمية العمياء.
ولم يكن ممكنًا أن تُقبل هذه المحاولة، لأن في القبول بها انتحارًا للكيان اللبناني.
وقد أكدت الأحداث أن التحذيرات التي أطلقتها الجبهة اللبنانية لم تكن نابعة من هوى سياسي أو حساب ضيق، بل من رؤية واقعية تستشرف المصير.
فما حذرت منه من فوضى مسلحة تحقق، وما نبهت إليه من انقلاب على المؤسسات حصل، وما تخوفت منه من ردة فعل إسرائيلية وقع في أسوأ صوره.
فقد كان الاجتياح الإسرائيلي نتيجة طبيعية لتحويل الجنوب اللبناني إلى قاعدة لإطلاق الصواريخ، وتجاهل الدولة، وتهميش الجيش، وانفراد الفصائل الفلسطينية بالقرار الميداني.
وحين دخلت إسرائيل، لم تستطع الدولة أن ترد، لأن الدولة لم تكن موجودة.
وحين دُمّرت بيروت، لم يجد اللبنانيون من يدافع عنهم، لأن مؤسساتهم كانت قد انهارت.
وبالرغم من ذلك، استمرت بعض الجهات في تحميل الجبهة اللبنانية مسؤولية ما جرى، بدلًا من أن تسائل نفسها عن سياساتها، وتحاسب حلفاءها، وتراجع خياراتها.
أما الجبهة، فكانت تتقدم الصفوف في الدفاع عن فكرة لبنان، وتحذر من الوقوع مجددًا في الفخ نفسه: أي استبدال الوصاية الإسرائيلية بوصاية فلسطينية، أو وصاية فلسطينية بوصاية سورية، وكأن لبنان لا يُقدَّر له أن يكون سيدًا على أرضه.
وهذا هو لبّ المشروع السياسي الذي دافعت عنه الجبهة: استعادة السيادة الكاملة، لا التفاوض حول أجزاء منها، ورفض كل سلاح غير شرعي، لا القبول به إذا تغيّر صاحبه، وبناء دولة المؤسسات، لا التسويات الوقتية التي تحفظ توازنات هشة إلى حين.
وقد اقترنت هذه المواقف بمبادرات عملية، إذ لم تكتفِ الجبهة بالتحذير، بل طرحت رؤية متكاملة لحل الأزمة: العودة إلى اتفاق الطائف قبل ولادته، الدعوة إلى حياد لبنان، تسوية وضع الفلسطينيين المدني، سحب السلاح، ضبط الحدود، تمكين الجيش، وتدويل المسألة اللبنانية إذا استحال التفاهم الداخلي.
كل هذه المقترحات قوبلت بالرفض، أو بالتشكيك، أو بالتأجيل، إلى أن وصلت البلاد إلى نقطة الانفجار الشامل.
وعندها، باتت كل القوى تكتشف متأخرة أن ما طرحته الجبهة في البدايات هو السبيل الوحيد للخروج من الكارثة.
لقد دافعت الجبهة اللبنانية عن لبنان في وجه من أرادوه فندقًا للحروب، أو مقبرة للقرارات الإقليمية، أو ممرًا للتسويات الكبرى.
ولم تكن هذه الدفاعات مجانية، فقد دفعت الجبهة من دم أبنائها، ومن سمعتها السياسية، ومن علاقاتها الخارجية، ثمنًا لمواقفها.
لكنها لم تتراجع، لأن ما كان على المحك لم يكن سلطة أو مكسبًا، بل بقاء لبنان.
واللبنانيون اليوم، في كل مناطقهم، بدأوا يدركون أن لبنان لا يُحمى إلا بالدولة، ولا يُبنى إلا بمشروع لبناني صافٍ، لا يشبه المشروع الفلسطيني، ولا السوري، ولا الإسرائيلي، ولا سواها من المشاريع المتصارعة على أرضه.
إن القضية الفلسطينية، بكل عدالتها، لم تُحسن إدارة وجودها في لبنان، ولا أدارت علاقتها بالشعب اللبناني بحكمة ووعي لتوازناته.
فقد تركت المجال للفوضى، وتورطت في التحالفات، وانزلقت إلى التقاتل الداخلي، وصادرت القرار الوطني اللبناني في لحظات كثيرة.
والجبهة اللبنانية، إذ تعترف بهذه الحقائق، لا تفرح بها، ولا تتخذها منصة لإدانة الفلسطينيين، بل تحزن أن تكون قضية بهذا النبل قد أُديرت بهذا القصر في النظر.
وكان الأجدى أن يُبنى تحالف تاريخي لبناني – فلسطيني يُنتج معادلة تحمي الجميع، بدلًا من أن يُفرض على لبنان أن يختار بين أمنه وبين فلسطين.
لقد آن الأوان لإعادة النظر في كل هذه المسارات.
فالحقيقة أن لبنان لا يستطيع أن يستمر في حمل أعباء غيره، ولا يجوز أن يُطلب منه دفع ثمن قضايا أكبر من قدرته، ولا بدّ من تحريره من عقدة الممر الإجباري لأي مقاومة.
وإذا كان لا بد من التضامن مع فلسطين، فيجب أن يكون تضامنًا سياسيًا وإنسانيًا، لا عسكريًا وميدانيًا.
ففلسطين لن تتحرر إذا سقط لبنان، ولن تسترجع أرضها إذا خسر اللبنانيون بلدهم.
وأي ربط بين القضيتين لا بد أن ينطلق من احترام السيادة، لا من اختراقها، ومن تكامل الرؤى، لا من تصادم الخيارات.
في خاتمة هذا المسار المضطرب من التاريخ اللبناني الحديث، وقد تراكمت جراح الوطن وتصدعت أركانه بفعل الأحداث التي فُرضت عليه تحت عنوان القضية الفلسطينية، تبدو الضرورة ملحّة للعودة إلى أصل المعادلة الوطنية، لا لتسجيل النقاط أو تبادل الاتهامات، بل لاستخلاص العبرة الكبرى التي دفعت الجبهة اللبنانية منذ البدء إلى دق ناقوس الخطر.
لم يكن الموقف الذي تبنته الجبهة عداءً لفلسطين، ولا تنكرًا لحقوق الفلسطينيين، ولا نكوصًا عن الالتزام القومي، بل كان موقفًا مسؤولًا يستند إلى إدراك عميق لطبيعة الكيان اللبناني، وإلى وعي بأن هذا الكيان، بتعدديته الدقيقة وهويته الفريدة، لا يستطيع أن يصمد إذا ما حُمّل بما يفوق قدرته، ولا سيما حين تُطرح عليه قضايا الخارج بلغة الإملاء لا الحوار، وبمنطق القوة لا الشرعية.
لقد رأت الجبهة اللبنانية أن لبنان، منذ دخوله غير الإرادي في دائرة الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، راح يخسر مقومات سيادته وتماسك مجتمعه، ويصبح تدريجيًا رهينة لمشيئة غيره.
فالسلاح الفلسطيني لم يأتِ في لحظة عزلة لبنانية، بل في زمن كانت فيه الدولة تبحث عن إعادة تكوين شرعيتها بعد أزمات سياسية متراكمة.
لكنّ هذا السلاح، بدل أن يُحسن قراءة الظرف اللبناني، عمد إلى فرض واقع ميداني يتجاوز القانون والمؤسسات، وراهن على الاصطفافات اللبنانية – اللبنانية لتكريس موقعه فوق الدولة، وليس من خلالها.
وهكذا، ومع الوقت، لم يعد الوجود الفلسطيني يُقرأ كعامل دعم للقضية، بل كعامل نسف للمشروع الوطني اللبناني.
وما زاد الأمور تعقيدًا أن المسألة لم تُطرح يومًا على قاعدة شراكة ندية بين الشعبين، بل فُرضت كأمر واقع، وترافق ذلك مع استخدام غير مسؤول للخطاب الثوري الذي وضع اللبنانيين، وبخاصة المسيحيين منهم، أمام معادلة جائرة: إما أن تقبلوا بالقضية كما نراها نحن وبالسلاح حيث نشاء نحن، وإما أن تُتهموا بالانعزالية والخيانة.
وهنا، لم تجد الجبهة اللبنانية بُدًّا من المواجهة، لا مع الفلسطينيين كقضية ولا مع الفلسطينيين كشعب، بل مع السلوكيات المسلحة التي أرادت أن تُقصي الدولة اللبنانية عن دورها، وأن تنقل الوصاية من الاحتلال الإسرائيلي إلى التسلط الفلسطيني ومنه لاحقًا إلى الوصاية السورية، وكأن لبنان خالٍ من الإرادة ومن المصلحة الوطنية المستقلة.
ومن هذا المنطلق، لم تكن الجبهة تطالب بطرد الفلسطينيين أو التنكر لحقوقهم، بل دعت إلى تنظيم الوجود الفلسطيني في لبنان ضمن أطر القانون الدولي، وإلى احترام الحدود السيادية، وإلى فكّ الارتباط بين العمل الفلسطيني والمشروع السياسي الداخلي.
لقد طالبت بتسوية عادلة تحفظ كرامة اللاجئ من دون أن تهدد أمن المقيم، وبصوغ علاقة تكامل لا علاقة ابتلاع، إذ لا يمكن للبنان أن يكون دولة إذا وُضع على أرضه سلاحان ومشروعان وولاءان.
وقد دعت إلى أن تكون المخيمات مناطق مدنية آمنة، لا ساحات صراع أو معابر تهريب أو قواعد اشتباك، وإلى أن تُعطى للفلسطينيين حقوقهم المدنية من دون أن تُمنح لهم صفة الدولة داخل الدولة.
لكنّ رفض هذه الطروحات من بعض القيادات الفلسطينية، واستمرار سياسة التمدد العسكري والتدخل السياسي، وارتكاب الممارسات التي وصلت في بعض الحالات إلى الاغتيالات والخطف والتعدي على الجيش والقوى الأمنية، كل ذلك جعل العلاقة بين الطرفين تنهار بالكامل.
فعاد الفلسطينيون يشعرون بأنهم محاصرون، وعاد اللبنانيون يشعرون أنهم مهددون، وسقطت الثقة بين الطرفين، وتكثفت المشاعر السلبية التي غابت عنها الروح التضامنية التي سادت في الخمسينات والستينات.
وهكذا، انتهت مرحلة من العلاقات التاريخية بين الشعبين، لتحلّ محلها فترة من القطيعة والتوجس والانغلاق.
والمفارقة أن الفصائل الفلسطينية، حين فقدت حاضنتها اللبنانية، لم تجد بديلاً عنها، لا في الداخل الفلسطيني ولا في الخارج العربي.
فعادت تبحث عن ملاذات في البقاع والشمال، وتحالفت مع قوى لا تشترك معها في رؤيتها الوطنية، فقط لتستعيد نفوذها الميداني.
أما لبنان، فقد بات أكثر ضعفًا، وفقد ما كان يمكن أن يشكل له عنصر توازن في مواجهة الاحتلال، وصار أرضًا يفاوض عليها الآخرون، بدل أن يكون طرفًا حرًّا في صياغة مصيره.
لقد انهزم الطرفان، اللبناني والفلسطيني، حين اختلطت المقاومة بالهيمنة، وحين تساوى السلاح بالشرعية، وحين اعتُبرت السيادة تفصيلاً صغيرًا في معركة كبرى.
واليوم، إذا أراد اللبنانيون والفلسطينيون أن يكتبوا صفحة جديدة من العلاقات، فعليهم أن يبدأوا بالاعتراف بالأخطاء، وبالتحلي بالشجاعة الأدبية والسياسية لتسمية الأمور بأسمائها.
على الفلسطينيين أن يدركوا أن الساحة اللبنانية ليست امتدادًا طبيعيًا لفلسطين، وأنها لا تحتمل حروبًا بالوكالة، وعلى اللبنانيين أن يعترفوا بأن بعض تقصيرهم التاريخي في معالجة قضية اللاجئين قد فتح الباب أمام التداخل الأمني والسياسي.
أما على القوى الدولية والعربية، فأن تفهم أن استمرار لبنان كساحة رخوة هو تهديد دائم للأمن الإقليمي، وأن استقراره مصلحة للجميع، لا ترفًا للبنانيين وحدهم.
من هنا، دعت الجبهة اللبنانية منذ زمن إلى إعلان حياد لبنان الفعلي، لا كشعار، بل كمبدأ تأسيسي، وأن يُصار إلى تدويل ضمانة وجوده، ليس لمصادرة قراره، بل لحمايته من مصادرة الآخرين.
وقد نادت بأن يكون لبنان واحة حوار لا مسرح مواجهة، وجسرًا للتلاقي لا خندقًا للتصفيات.
هذا الدور التاريخي للبنان لا يمكن أن يستقيم ما لم يُحترم كيانه، وما لم يُنزع من أرضه كل سلاح غير شرعي، وما لم تُستعاد ثقافة الدولة ومؤسساتها، وما لم يُبنَ عقد اجتماعي جديد يضمن الشراكة الوطنية ويضع حدًا لاستخدام الطوائف غطاءً للمشاريع العابرة.
إن القضية الفلسطينية، مهما طال مداها، ستظل قضية مركزية في الوجدان العربي، لكن خدمتها لا تمرّ من فوق الكيانات الأخرى، ولا على حساب استقرار البلدان الشقيقة.
وقد آن الأوان للقول، بوضوح، إن تحرير فلسطين لا يتم من فوق أنقاض بيروت، ولا من بين أنقاض صيدا أو طرابلس أو الدامور.
وإن انتصار فلسطين لا يكون بتدمير لبنان، بل بالحفاظ عليه حيًّا، داعمًا، حرًّا، سيّدًا، إذ إن لبنان المقسّم لا يستطيع أن يدعم أحدًا، ولبنان الضعيف لا يمكن أن يُعين غيره.
لذلك، فإن حماية لبنان ليست مشروعًا انعزاليًا، بل مهمة قومية، لأن وجوده المستقل شرطٌ لأي عمل عربي مشترك حقيقي.
ولعلّ خلاصة هذه الدراسة، التي كتبتُها من موقع المعاين والمشارك في لحظات المصير اللبناني، هي أن العبرة الأهم ليست في سرد الوقائع ولا في تسجيل المواقف، بل في استنتاج ما يصلح لبناء مستقبل أفضل.
مستقبل لا يلغينا ولا يلغي الآخر، لا يُرهب ولا يُرهبنا، مستقبل يقوم على احترام السيادات، وعلى المصارحة لا المواربة، وعلى شراكة متوازنة، لا على إخضاع صريح أو مقنّع.
فالشعب الفلسطيني يستحق وطنًا مستقلًا، واللبنانيون يستحقون دولة حرة، ولن تقوم أي من الدولتين إذا قامت على أنقاض الأخرى.
إن طريق الخلاص يبدأ من الاعتراف المتبادل، من وعي الحدود، من حفظ الذاكرة من التزوير، ومن الإيمان بأن الشعوب لا تُبنى بالقوة، بل بالثقة والاحترام المتبادل.
وهذه هي الرسالة التي حملتها الجبهة اللبنانية، وتحملت تبعاتها، وستبقى تحملها ما دام في لبنان من يؤمن بوجوده الحرّ، ومن لا يزال يصرخ في وجه الريح: لبنان ليس ساحةً، بل وطن.
  بداية الجبهة اللبنانية لماذا أكتب؟ أكتب لأنني لا أستطيع الصمت.
أكتب من قلب النيران، لا من أمان المكاتب.
أكتب لأن لبنان ينزف من خاصرته، لا بيد غريب بل بيد من دخل لاجئًا فصار وصيًّا.
أكتب لأن صرختنا ضاعت بين طبول الحرب وشعارات الكفاح المسلح، ولأن الخوف على الوطن أصبح خيانة في أعين البعض.
لكنني لا أبحث عن تبرير.
أكتب لأقول: نحن لم نعد نحتمل.
لا باسم فلسطين، ولا باسم العروبة، ولا باسم أي شعار، نُقتل في وطننا وتُسلب منا مدننا وتُكسر دولتنا.
أكتب، لا لأخلّد شهادة، بل لأقاوم بها نسيانًا مقصودًا لتاريخ نُسف فيه الكيان اللبناني أمام أعين الجميع.
لسنا غرباء في هذا الشرق، لكننا أصبحنا غرباء في وطننا.
كأن المسيحي في لبنان محكوم بأن يختار: إمّا التبخّر في حلم الوحدة، أو التحصّن خلف المتاريس.
نحن لسنا دعاة حرب.
لم نولد لنبني متاريس في الأحياء.
لكننا حين شعرنا أن السيادة تُسحق، وأن الأرض تُبتلع، وقفنا دفاعًا عن ما تبقّى من لبنان.
نحن لا نخشى الموت، بل نخشى ضياع المعنى.
نخشى أن نصبح أقليّة بلا صوت، أو مجرد تفصيل في خريطة بلا هوية.
ما رأيناه لم يكن غياب الدولة بل انتحارها.
الحدود مفتوحة، المعابر مشرّعة، والمخيمات تنام على السلاح وتستيقظ على خطط الاجتياح.
المسؤولون صامتون.
والجيش؟ مشلول بالإرادة السياسية.
كأن هناك قرارًا غير معلن بأن لبنان بات متروكًا لحرب الآخرين.
لكننا نعرف أن الدولة حين تسقط، ينهض الوحش.
والوحش لا يرحم، لا دين له ولا قضية، فقط سلاح ودم.
كان سلاح المقاومة. ثم صار سلاح الميليشيا.
ثم لم نعد نعرف إن كان موجّهًا إلى العدو أم إلى جارك في الحي الآخر.
دخل السلاح الفلسطيني من بوابة "الحق" ليخرج من نافذة السيطرة.
لا نستطيع أن نغض الطرف: المخيمات صارت قواعد، والمنظمات صارت جيوشًا.
ليس هذا ما دعمناه.
ليس هذا ما قبلناه حين احتضنّا المهجّرين.
هذا السلاح غدر بلبنان، لا لأنه فلسطيني
ما بين "فتح" و"أمل"، و"الجبهة الشعبية" وسواها، لم نعد نعرف من يقاتل من، ولأجل من.
كل ما نعرفه أن بيروت خُنقت.
طرابلس اهتزت.
الجنوب صار محرّمًا على الدولة.
تحوّل شعار "الطريق إلى فلسطين تمرّ بجونيه" إلى تهديد مباشر، لا مجاز سياسي.
إنه الاحتلال.
ليس بالمعنى الكلاسيكي، بل بمعناه الأعمق: الهيمنة على القرار، التحكم بالميدان، ومصادرة السيادة.
أدخلناهم كضيوف، فبنوا لأنفسهم كيانًا.
لم تعد المخيمات مساكن مؤقتة، بل قواعد عسكرية محصنة.
لا قانون فيها سوى قانون الفصائل.
ولا أمن فيها إلا لمن يطيع أو يحمل السلاح.
مخيمات تُدار كأنها خارج الجغرافيا اللبنانية، لكنها في عمق بيروت وصيدا وطرابلس.
كيف يمكن أن نحفظ الدولة، إذا كانت داخلها كيانات لا تعترف بها؟ لم نعد نعرف لمن يدين البعض بالولاء.
هناك لبنانيون بأجندات فلسطينية، وفلسطينيون بأحلام أممية، والهوية ضاعت بين البندقية والخطاب.
كل من يحمل السلاح يظن نفسه محرّرًا، وكل من يدافع عن الدولة يتّهم بالعمالة.
صرنا في زمن تنقلب فيه المعايير، وتُدان الوطنية ويُكافأ التفلّت.
لكننا نعرف هويتنا، وسندافع عنها: نحن لبنانيون.
فقط لبنانيون.
لا من إسرائيل، ولا من سوريا، ولا من منظمة التحرير.
لبنان ليس ولاية تابعة، ولا ساحة صراع إقليمي.
نقبل الصداقة، نرفض التبعية.
نحترم القضايا العربية، لكن ليس على حساب كياننا.
لبنان بلد نهائي، لا يمكن أن يكون ملحقًا بمشروع أكبر منه.
وهذا ما لم يفهمه من قرر أن يستبيح ساحته.
الخوف الأول لم يكن من الرصاص، بل من الانمحاء.
أن نصحو يومًا فنجد أنفسنا بلا دولة، بلا حدود، بلا جيش.
أن نُحكم من دون أن ننتخب، أن نُخطف من دون أن نسأل، أن نُذبح ثم نُتهم.
خوفنا كان وجوديًا، لا طائفيًا.
من حقنا أن نخاف، ومن واجبنا أن نصرخ.
لم نكن نحلم بجبهة.
لكن الحرب فُرضت علينا.
التقينا من مواقع مختلفة، وتوحّدنا في هدف واحد: الدفاع عن الكيان.
الجبهة ليست حزبًا، ولا طائفة، بل التقاء إرادات.
نريد دولة حقيقية.
نريد سيادة لا تُساوم.
نريد لبنان أولًا وأخيرًا.
وهكذا وُلدت الجبهة اللبنانية، من رحم المعاناة، وفي حضن الرجاء.
سألوني كثيرًا: لماذا الجبهة؟ وجوابي كان دائمًا بسيطًا ومؤلمًا: لأننا لم نجد من يحمينا.
في غياب الدولة، نُكّلت بنا التنظيمات، وفي ظل العجز الرسمي، حُمّلت علينا صفة المتمرّدين لأننا دافعنا عن بيوتنا.
أنشأنا الجبهة اللبنانية لا لنعتدي، بل لنردّ الاعتداء.
لن نسمح أن يُكتب تاريخ لبنان بأقلام غرباء، ولا أن يفرض علينا أحدٌ شكل وطننا أو مصير شعبنا.
إننا أبناء دولة لا أبناء قبائل.
منذ البداية، كان شعارنا واضحًا: الدولة أولًا.
نريد جيشًا واحدًا، قانونًا واحدًا، قرارًا سياديًا لا شريك فيه.
لم نرفع السلاح طمعًا بحكم أو منصب، بل رفضًا للفراغ والوصاية.
الدولة ليست فكرة نظرية، بل حاجة يومية، وهي وحدها من تحفظ الضعيف وتردع القوي.
لا سلاح يعلو فوق سلاح الجيش.
من يحمل السلاح خارج الشرعية هو خارج الدولة، أيًا كانت نواياه.
الفلسطيني حين يتسلح فوق أرض لبنان، يتحول من ضيف إلى متسلّط.
ومن يرضى بذلك من اللبنانيين يشارك في هدم البيت الوطني.
نحن لا نساوم على هذه القاعدة، لأنها ليست مسألة خلاف سياسي، بل مسألة وجود.
حين يتحدثون عن "ثورة" فلسطينية في لبنان، يتجاهلون أن هذه الثورة فرضت علينا نظامًا بالقوة.
كل شارع تحوّل إلى نقطة تفتيش، كل قرار سيادي صار مرهونًا بمزاج التنظيمات.
هذا ليس دعمًا لقضية، بل سقوط في فخ الاحتلال المقنّع، المغلّف بشعارات التحرر.
لقد واجهنا هذا الاحتلال، لأننا نؤمن أن الحرية لا تستقيم مع السلاح المفروض، ولا الوطنية مع التبعية.
لسنا انعزاليين.
نحن لبنانيون.
لم نغلق الباب يومًا في وجه أحد، ولم نرفض الانخراط في قضايا محقة.
لكننا نرفض أن نُختزل أو أن نُستخدم كأدوات.
المسيحي ليس عدوًا للفلسطيني، لكنه يرفض أن يُلغى في بلاده.
العداوة ليست بين الشعوب، بل بين من يؤمن بالسيادة ومن يحتقرها.
ما أبشع أن يُنظر إلى وطنك كساحة.
ساحة يتقاتل فيها الآخرون، يصفّون حساباتهم، ويجعلون من أرضك منصة ووقودًا.
لبنان لم يكن يومًا عدوًا لأحد، فلماذا يدفع ثمن الجميع؟ رفضنا أن نكون ساحة لأننا نؤمن بأن للبنان دوره، لا دوره أن يُستخدم.
من يرضى بأن يكون وطنه ممرًا، يُفقده أن يكون مقرًا.
حين سقطت ثكنات الجيش في بعض المناطق، شعرنا باليتم.
الجيش ليس مجرد مؤسسة، بل هو رمز الشرعية.
رأينا بأعيننا كيف مُنع من التدخل، كيف قُيّدت يده سياسيًا.
ورغم ذلك، آمنا به، ودافعنا عن هيبته حتى حين عجز عن الدفاع عنّا.
كل رصاصة أُطلقت على الجيش، كانت رصاصة على قلب الوطن.
ليست المسألة عددية فقط، بل وجودية.
حين يزداد عدد الوافدين المسلحين في المدن، وتُفرض وقائع على الأرض، تصبح الديموغرافيا سلاحًا بحد ذاته.
لا نتحدث بلغة الطوائف، بل بلغة السيادة.
من يسعى لتغيير التوازن السكاني بالقوة، يُلغينا كمكوّن وطني.
ولذلك كنا نرفض أن يُمنح السلاح لغير اللبناني، وأن يُمنح القرار لغير الدولة.
ما كنّا نحلم بهذه المتاريس.
كل حجر وُضع كان اعترافًا صامتًا بفشل الدولة.
انقسمت الشوارع، تلوّنت الأرصفة، وصار الحي يعرف أبناءه بالسلاح لا بالأسماء.
لم تكن المتاريس ضد الآخر، بل كانت صرخة: لا تقترب من بيوتنا، دعنا نحيا.
ولولا المتاريس، لكان كثيرون منا مجرد أرقام في مجازر تُنسى.
الحرب في ظاهرها طائفية، وفي باطنها على السيادة.
لم نُقاتل لنكسب أرضًا أو نفوذًا، بل لنحفظ فكرة اسمها لبنان.
كل رصاصة أطلقناها كانت دفاعًا عن شرعية مغدورة.
كل مقاومة خضناها كانت صراعًا على من يقرّر مصير هذا الوطن.
في النهاية، الحرب لم تكن بين طوائف، بل بين من يريد دولة ومن يريد أن يُجهز عليها.
زحلة لم تكن مدينة، بل موقف.
حين طُوّقت، لم تنتظر أحدًا، بل صمدت وحدها.
صمدت بالصلاة والرصاص، بالمزارعين والمثقفين، بالعائلات التي حفرت الملاجئ بيديها.
أرادوا إسكات صوتها، فصار صراخها أعلى.
لم تقاتل زحلة لتنتصر، بل لتبقى.
ومن أراد درسًا في الكرامة، فليقرأ ما كُتب على جدرانها بالدم لا بالحبر.
في زواريبها كتب التاريخ بغير حبر.
عين الرمانة لم تبدأ الحرب، لكن الحرب بدأت عليها.
ما جرى في البوسطة لم يكن حادثة معزولة، بل لحظة انفجار غضب تراكم.
ما بين 1975 و1976، تحولت إلى قلعة، لا تسقط ولا تساوم.
منها انطلقت شرارة المقاومة، لا لتقسيم الوطن، بل لحماية من فيه.
لم تكن عين الرمانة متطرفة، كانت خائفة.
.
.
والخائف حين يُركن إلى الجدار، يُقاتل.
يقولون إن الحرب بدأت بالبوسطة.
لكنهم ينسون أن البوسطة سبقتها مئات الاعتداءات، وصمت الدولة، وسلاح غير شرعي ينتشر في العلن.
البوسطة كانت شرارة في هشيمٍ مشتعل.
من ركّب متفجرات الحرب لم يكن راكبًا في البوسطة، بل كان يغذي الخوف في كل شارع لبناني.
ولأننا عرفنا أن الأمر لم يعد مجرد صدام، بل محاولة اجتياح من الداخل، رفعنا الصوت والسلاح معًا.
لم تكن منظمة، ولا مدفوعة بأوامر عليا.
كانت بنت اللحظة، وابنة الإيمان بأننا لا نُمحى بسهولة.
المقاومة المسيحية لم تنشأ من حقد، بل من حبّ الوطن.
حملت البندقية وفي قلبها صليب، لا ثأر.
لم تُقاتل لتستبدل سلطة بأخرى، بل لتحمي بقايا الدولة من الذوبان.
وإن شابها بعض الخطأ، فإنها كانت ضرورة وجود لا خيار انتقام.
كنا نظن أن الانكفاء هو الحل، أن الحياد سيحمينا.
لكن الطلقة الأولى جعلتنا نرى الحقيقة: لا حياد في وجه من يريد أن يجتثّك.
انتقلنا من الخوف إلى المواجهة، لا بفرحٍ بل بوجع.
المواجهة كانت مؤلمة، لأنها كانت مع من استضفناهم بالأمس.
لكن السكوت كان خيانة لما تبقّى من وطن، والمواجهة كانت شهادة بأننا لا نموت صامتين.
كلما سقط شاب لبناني على يد المقاتلين الفلسطينيين، قيل: هذا ثمن دعم القضية.
وكأن الوطن صار عملة تُصرَف في بازار النضال.
رفضنا أن يُقتل أبناؤنا باسم قضية لا نحكم قرارها، ولا نعرف نهايتها.
القضية الفلسطينية محقة، نعم.
لكن لا يُطلب منا أن نموت لنثبت ذلك، ولا أن ننهار لنمنحها الشرعية.
قضيتهم لا يجب أن تمرّ على أشلائنا، ولا أن تُبنى على أنقاضنا.
لا نخجل بما فعلناه.
لا نعتذر لأننا دافعنا.
لو عاد الزمن، لفعلنا الشيء ذاته، لكن ربما بشكلٍ أكثر تنظيمًا وأقل تسرعًا.
كل بيت حمته بندقية شريفة كان يستحق أن يُدافع عنه.
من يقول إن المقاومة كانت خطأ، فليجرب أن يعيش ساعة في حيّ بلا أمن، بين غرباء مسلحين.
لسنا تجار دم، بل أصحاب كرامة لا تُشترى.
رأيتهم. أطفالًا لم يبلغوا السابعة عشرة، يحملون البنادق أكبر من أجسادهم.
لم يُربّهم أهلهم على القتل، بل على المحبة.
لكن الحرب لم تطرق الأبواب، بل خلعَتها.
كبروا قبل أوانهم، وشابوا في الطفولة، وعادوا رجالًا بأرواحٍ مثقوبة.
لم يُقاتلوا ليتفاخروا، بل ليمنعوا الآخر من إحراق منازلهم.
هم ضحية الحرب. وبطلوها.
لم تكن الكنيسة مكانًا محايدًا، بل قلب المجتمع.
كانت ملجأً، ومستشفى، وبيت عزاء.
وفي بعض الليالي، كانت تُقصف كما تُقصف المتاريس، لأن فيها نبضًا مسيحيًا لا يُستسلم.
رجال الدين لم يحملوا السلاح، لكنهم باركوا البقاء.
أصوات الأجراس كانت في أحيان كثيرة أعلى من أزيز الرصاص.
والإيمان وحده هو الذي أبقى الأرواح مشتعلة بالحياة.
وسط الأنقاض، يولد الرجاء.
في زنزانة يملؤها الظلام، تضيء شمعة.
لبنان لم يمت لأن فيه من لا يقبل أن يموت.
الرجاء ليس كلمة شعرية، بل موقف.
وفي كل موقف مقاوم، كل صرخة، كل طفل نجح بالهروب من القذيفة.
.
.
هناك رجاء.
رجاؤنا لم يكن انتصارًا عسكريًا، بل أن يبقى لنا وطن نحيا فيه بحرية، لا في ظلّ البنادق.
كان واضحًا منذ البداية: القرار في لبنان يجب أن يكون لبنانيًا فقط.
لا وصاية من هنا أو هناك، لا تدخلات تحدد مصير شعبنا.
لكن الواقع كان مختلفًا، والقرار السياسي بات سلعة تباع وتشترى في أروقة الخارج.
رفضنا هذا الواقع، لأن من يتخلى عن حق القرار ينسى أنه تخلى عن وطنه.
شعارٌ ترددناه كثيرًا، لكننا لم نكن نكتفي بالكلام.
لبنان أولًا يعني أن نضع مصلحة الوطن فوق كل حساب.
لم نكن ضد الفلسطينيين أو العرب، بل ضد كل من يضع لبنان في الخلفية.
كنا نريد لبنانًا قوياً، يحمي الجميع بلا استثناء، وطنًا يحترم حقوق كل أبنائه.
لم يكن الفلسطينيون وحدهم سبب الأزمة.
الوجود السوري في لبنان، رغم بعض الدعم الذي قدّمه، بات عبئًا جديدًا.
سوريا كانت حاضرة بقواتها، لكن هيبتها على حساب السيادة.
رفضنا أن يكون لبنان مُحتلًا مرتين، وأصررنا على دولة تحكم نفسها، لا تدار من دمشق.
كنا نسمع عن لبنان كمزرعة أو ممراً.
.
.
كنا نرفض هذا التشبيه.
لبنان دولة بكل معنى الكلمة، له حكومته، جيشه، شعبه، وكرامته.
رفضنا أن يُنظر إلينا كأتباع أو ملحقين.
لبنان ليس خلفية لصراعات الآخرين، بل شريك متساوٍ في المنطقة.
من يحكم لبنان؟ سؤال برز أكثر فأكثر مع تعقيد الأوضاع.
هل لبنان يحكمه سياسيون منتخبون؟ أم ميليشيات تسير وفق أجندات خارجية؟ هل القرار يتخذ في بيروت أم في مخيمات اللاجئين أو في عواصم أجنبية؟ كنا نريد أن يكون الحكم في يد اللبنانيين فقط، حرين في قراراتهم، مسؤولين عن وطنهم.
الدستور اللبناني، تلك الوثيقة التي لا يزال الكثيرون يذكرونها، لكن القليل من ينفذها.
كان دستورنا الورقة التي تُرمى جانبًا كلما اشتدّ الصراع.
الدستور الذي يكفل التوازن بين مكونات الوطن صار حبرًا على ورق.
طالبنا بإعادة الدولة إلى مسارها الدستوري، قبل أن ينهار كل شيء.
مَن يمثّل الفلسطينيين؟ في لبنان، الفلسطينيون لا يملكون حق المواطنة.
لكن من يدّعي تمثيلهم؟ هل هي منظمة التحرير أم الأجنحة المسلحة؟ لم نكن نرفض حقهم في التمثيل، لكننا رفضنا أن يتم ذلك بالسلاح وبالتجاوز على الدولة.
نطالب بحقوق الفلسطينيين، لكن عبر مؤسسات الدولة، لا عبر ميليشيات تتحكم بمصيرهم.
الوحدة مقابل الهيمنة لبنان قام على وحدة تنوعه، لا على هيمنة مكوّن على آخر.
رفضنا الهيمنة بأي شكل كانت، سواء كانت فلسطينية، سورية، أو غيرها.
الوحدة ليست إلغاء للاختلاف، بل احترامه ضمن إطار دولة تحمي الجميع.
حاربنا كل محاولات الهيمنة التي تفرّق ولا تجمع.
لا عروبة على حساب الوطن العروبة قيمة عظيمة، ولكنها ليست فوق الوطن.
رفضنا أن يتحول لبنان إلى مرتع للصراعات العربية، أو أن يُضحى به من أجل قضايا إقليمية.
لبنان أولاً، ثم العروبة.
هكذا علّمنا التاريخ، وهكذا نؤمن.
الانتماء للعروبة لا يجب أن يكون سببًا في فقدان الوطن.
الشرعية الدولية لا بديل عنها حين تتعثر السيادة الوطنية، تصبح الشرعية الدولية الملاذ الأخير.
رفضنا الغياب الدولي أو تجاهل المجتمع الدولي لقضيتنا.
الشرعية الدولية هي الضمانة التي تحمينا من الاحتلالات والاحتلالات المقنّعة.
لذلك، سعينا دائمًا لأن يُنظر إلى لبنان كدولة ذات سيادة، لا كحقل تجارب لصراعات الآخرين.
القرار لنا في زمن الحرب، يتغير مفهوم القرار.
لم يعد القرار فقط قانونًا يُتخذ، بل هو صراع مستمر بين من يملك القوة ومن يملك الإرادة.
في لبنان، وجدنا أن القرار صار سلعة تُشترى وتُباع في أروقة السياسة الخارجية.
كنا نرى كيف تُتخذ قرارات تخصّ مصيرنا في عواصم بعيدة، وأحيانًا في غرف مغلقة بُعيدًا عن شعبنا.
رفضنا أن نكون مجرد تابعين في وطننا.
قررنا أن نأخذ مصيرنا بأيدينا، رغم كل الصعوبات والمخاطر.
القرار لنا، لأننا وحدنا من يعيش هذه الأرض، وحدنا من يحق له أن يحدد شكل مستقبلنا.
ولذلك كانت الجبهة اللبنانية صوتًا صارخًا في وجه كل من يريد أن يسلبنا حق القرار.
لبنان أولًا كان شعارنا، لكنه لم يكن فقط كلمات نرددها.
كان مبدأ نؤمن به بعمق، بل هو جوهر وجودنا.
في كل مواجهة، في كل نقاش، كانت مصلحتنا الوطنية هي البوصلة التي لا نحيد عنها.
لبنان أولًا يعني حماية الأرض والإنسان، يعني أن نضع مصير وطننا فوق كل اعتبار.
لم نكن ضد أحد، ولم نكن ضد القضية الفلسطينية، لكننا كنا ضد كل من يجعل لبنان حقل تجارب أو ورقة في لعبة خارجية.
لبنان أولًا يعني أن نرفض أن نصبح مجرد أداة لتنفيذ أجندات لا تعبر عننا.
وهذا هو السبب الذي دفعنا إلى بناء جبهة تحمي لبنان، وتحفظ قراره، وتدافع عن حقوقه.
رفضنا الاحتلال السوري أيضًا لم تكن أزمة لبنان محصورة في الوجود الفلسطيني فقط.
لقد كان الاحتلال السوري واحدًا من أكبر الأزمات التي أثقلت كاهل لبنان.
حين دخلت القوات السورية، لم نكن نراها حامية للسيادة، بل محتلة لها.
رغم بعض المواقف المتباينة داخليًا، كان هناك إجماع ضمن الجبهة اللبنانية على رفض هذا الاحتلال، لأنه يعكس غياب الدولة الحقيقية.
الوجود السوري فرض واقعًا جديدًا، لكنه واقع تحكمه مصالح أخرى، وليس مصلحة لبنان وحده.
رفضنا أن يكون لبنان محتلًا مرتين، وناضلنا من أجل دولة تحكم نفسها، لا دولة تديرها سلطات خارجية.
دولة لا مزرعة كنا نسمع عن لبنان كمزرعة أو ممراً، وكنا نرفض هذا التشبيه بكل قوة.
لبنان بالنسبة لنا هو أكثر من ذلك بكثير.
هو وطن له تاريخ عريق، حضارة نابضة، تنوع غني، رسالة إنسانية لا يمكن أن تُختزل في دور تابع أو ممرّ لغيره.
رفضنا أن يُنظر إلينا كأتباع أو كملحقين، وصرخنا بأن لبنان دولة، ذات سيادة، ذات قرارات، ذات كرامة.
لا نريد أن نكون مزرعة لأحد، ولا محمية لأي قوة.
هذه الأرض هي وطننا، وكرامتنا تُبنى عليها.
من يحكم لبنان؟ هذا السؤال كان يطرح نفسه بإلحاح كل يوم.
هل يحكم لبنان سياسيون منتخبون، أم ميليشيات مسلحة؟ هل القرار يتخذ في بيروت، أم في مخيمات اللاجئين، أم في عواصم أجنبية؟ شاهدنا كيف أُضعف دور المؤسسات، كيف تحولت قرارات السياسة إلى لعبة تنافس ومصالح إقليمية.
كنا نريد أن يعود الحكم إلى الشعب اللبناني، الذي يختار ممثليه بحرية، ويتحمل مسؤولية مصيره.
الحكم يجب أن يكون بيد اللبنانيين فقط، لا بيد من يحمل بندقية خارج الشرعية.
الدستور المغيَّب الدستور اللبناني كان ولا يزال الوثيقة التي تحفظ توازن لبنان وهويته.
لكن للأسف، صار حبرًا على ورق.
كلما تعمقت الحرب وتعددت القوات المسلحة غير الشرعية، ابتعدنا أكثر عن روح الدستور.
طالبنا بإعادة الدولة إلى مسارها الدستوري، لأن فقدان الدستور يعني فقدان لبنان.
دستورنا هو وحدتنا، هو معادلتنا للبقاء، وهو الطريق الوحيد لاستعادة السيادة.
رفضنا أن يستمر الوضع الفوضوي، وطالبنا بإعادة القوانين، وبناء مؤسسات حقيقية.
مَن يمثّل الفلسطينيين؟ الفلسطينيون في لبنان يعيشون حالة معقدة.
لا يتمتعون بحق المواطنة، لكنهم جزء من نسيجنا الوطني.
لكن المشكلة الكبرى كانت في من يدّعي تمثيلهم.
هل هي منظمة التحرير أم الأجنحة المسلحة؟ هذه المنظمات لم تكن ممثلة شرعية فقط، بل أحيانًا كانت فوق الدولة وتتحكم بمصير اللاجئ الفلسطيني.
كنا نطالب بحقوق الفلسطينيين عبر مؤسسات الدولة اللبنانية، لا عبر ميليشيات تسلحها وتسيرها أجندات خارجية.
نؤمن بأن التمثيل يجب أن يكون سياسيًا ومدنيًا، لا عسكريًا.
الوحدة مقابل الهيمنة لبنان كان دائمًا مثالًا على الوحدة في التنوع.
رفضنا الهيمنة بأي شكل، سواء كانت فلسطينية أو سورية أو أي قوة أخرى.
الوحدة بالنسبة لنا ليست إلغاء الاختلافات، بل احترامها ضمن إطار دولة واحدة تحمي الجميع.
كل محاولة للهيمنة كانت تهدد هذا التوازن الدقيق.
حاربنا من أجل وطن يمكن لكل أبنائه العيش فيه بكرامة ومساواة.
لذلك كان رفضنا قاطعًا لكل من يريد فرض نفسه كقوة وحيدة داخل الوطن.
لا عروبة على حساب الوطن العروبة كانت دومًا قيمة نعتز بها، ولكنها لم تكن يوماً فوق الوطن.
رفضنا أن يتحول لبنان إلى مرتع للصراعات العربية، أو أن يُضحى به من أجل قضايا إقليمية لا تعني اللبنانيين مباشرة.
لبنان أولاً، ثم العروبة.
الانتماء للعروبة لا يجب أن يكون سببًا في فقدان الوطن، ولا ذريعة لتبرير احتلال أو إخضاع.
الرسالة التي حملناها كانت واضحة: عروبتنا حية ما بقي وطننا حراً.
الشرعية الدولية لا بديل عنها حين تعجز الدولة عن حماية سيادتها، تصبح الشرعية الدولية الملاذ الأخير.
رفضنا أن يُترك لبنان عرضة للاحتلالات والوصايات.
الشرعية الدولية هي الضمانة التي تحمينا، ولو كانت أدواتها أحيانًا بطيئة أو محدودة.
لذلك سعينا دائمًا لأن ينظر العالم إلى لبنان كدولة ذات سيادة، لا كساحة صراعات أو ملعب لقوى خارجية.
الشرعية الدولية كانت شعاع أمل، وهو الذي يمكن أن يحرر لبنان من قيود الاحتلال المقنّع.
لبنان المصلوب لبنان اليوم مصلوب بين أيدي قوى متعددة، بين أحلام وطنية كبيرة وأطماع صغيرة.
مصلوب بين رغبة أبنائه في الحياة بحرية، وبين أسلحة لا تنتهي في أزقته.
مصلوب بين ما كان، وما قد يصبح، بين ماضي مجيد وحاضر يترنح.
كل منا يحمل صليبه، وكل منا يشهد على الألم.
لكن مهما ثقل الصليب، يبقى لبنان وطننا، لا يمكن أن يموت.
نحن لا نخجل بمسيحيتنا مسيحيتنا ليست عبئًا، بل نورًا وسط الظلام.
ليست قضية عرق أو طائفة، بل إيمان يحثنا على المحبة والعدل.
في زمن الحرب، تزداد الحاجة إلى هذا النور، لأن الظلمات كثيرة.
نفتخر بتاريخنا، ونفتخر بتراثنا، ونفتخر بأننا جزء من لبنان بكل مكوناته.
مسيحيتنا كانت سببًا في بناء لبنان، وستبقى سببًا في إنقاذه.
الحياد كخلاص في خضم الحرب، أدركنا أن الحياد هو خيار للحياة.
ليس حيادًا سلبيًا، بل موقفًا نشطًا يحمي لبنان من الانزلاق في دوامة صراعات لا تخصه فقط.
الحياد يعني أن نقول لا للحروب الإقليمية التي تمر من هنا.
الحياد يعني أن نحمي وطننا من أن يكون ملعبًا للآخرين.
كان الحياد حلمًا للنجاة، وأملًا في السلام.
لم نحلم بالتقسيم لم نكن يومًا دعاة تقسيم أو انفصال.
رغم كل المحن، ظل لبنان حلمنا المشترك.
لكن الواقع فرض علينا خطوطًا فُرشت بالدم.
لم نرغب في الجدران بين الأحياء، لكننا اضطررنا لأن نبني متاريس تحمي منازلنا.
التقسيم كان نتيجة الخوف، وليس رغبة.
نحن ما زلنا نحلم بلبنان جامع، وطن للجميع.
لبنان الرسالة لبنان لم يكن مجرد قطعة جغرافية، بل رسالة.
رسالة التعايش، رسالة التعدد، رسالة الحرية والكرامة.
هذه الرسالة كانت محور نضالنا ووجداننا.
رغم الصراعات، لم نتوقف عن الإيمان بها.
لبنان هو ما يجعلنا مختلفين، وما يجعلنا نرفض الاحتلال بأشكاله المختلفة.
عن الهوية والضياع في زمن الحرب، يضيع الإنسان أحيانًا في هويته.
تشوهت معانٍ كثيرة، وتداخلت مصالح وأجندات.
كنا نرى كيف يُغتال الوطن مع كل محاولة لطمس الهوية.
لكننا تمسكنا بجذورنا، بثقافتنا، بقيمنا.
الهويّة هي مرآة الروح، وحين تضيع، تضيع الحياة نفسها.
متى تعود الدولة؟ كان هذا السؤال يطاردنا كل يوم.
متى تعود الدولة لتحتضن الجميع؟ متى تستعيد سلطتها، وتعيد الأمن، وتحمي حقوق الناس؟ كل يوم بلا دولة هو يوم خسارة لوطن.
كنا نعمل بلا كلل، نطالب بلا هوادة، لأننا نؤمن أن الدولة هي الحل الوحيد.
مرافعة للبنان في كل خطاب، في كل لقاء، في كل مقاومة، كانت المرافعة واحدة: لبنان أولًا.
نرفع صوتنا دفاعًا عن وطن لا يملك سوى أبنائه.
لا نطالب إلا بحقنا في أن نعيش بحرية، بكرامة، بسيادة.
هذه المرافعة ليست مجرد كلمات، بل أفعال وتضحيات.
لبنان يستحق أن نكون له، لا أن يكون لنا.
صليبنا في صدر الشرق صليبنا ليس مجرد رمز ديني، بل هو علامة صمود.
هو قلبنا ينبض في وجه الرياح العاتية.
في شرق يعج بالصراعات، كان المسيحيون منارات للسلام.
صليبنا هو شهادتنا على الألم والأمل.
هو وعد بأن نبقى، رغم كل شيء، رغم كل الخيبات.
وصيتي للبنان الغد لو كنت أكتب هذه الكلمات غدًا، فإني أوصي لبنان الغد بأن لا ينسى.
لا ينسى تاريخه، لا ينسى دماء أبنائه، لا ينسى دروس الماضي.
لبنان الغد يجب أن يكون وطنًا للجميع، يحمي حقوق كل مواطن.
أن تكون السيادة هي المبدأ، والعدالة هي الأساس، والوحدة هي الهدف.
وصيتي هي أن يبقى لبنان حُلمًا، وأن يتحقق ذلك الحلم في زمن السلام.
  العلاقات التاريخية بين الموارنة والدروز: من الشراكة إلى الشرخ ليس التاريخ سلسلة انتصارات متصلة، بل هو، في بلاد مثل لبنان، سلسلة محاولات للعيش المشترك، تتخللها هدنات وتُفجرها نزاعات.
هكذا هي العلاقة بين الموارنة والدروز، علاقة كتبتها الجغرافيا وأعاد تشكيلها الصراع على السلطة، وتخللتها صفحات دامية لا يمكن محوها بالتناسي، ولا معالجتها بالمسايرة الخطابية.
منذ القرن السابع عشر، شكّل الجبل الماروني – الدرزي مختبرًا سياسيًا مبكرًا لمفهوم الكيانية اللبنانية.
ففي عهد الأمير فخر الدين الثاني، ظهرت أولى ملامح التوازن الطائفي – السياسي، حين استقدم الموارنة من الشمال، وأسكنهم في أراضي الدروز، وجعلهم جزءًا من نظام الإقطاع المحلي.
لم تكن العلاقة آنذاك قائمة على المساواة، بل على تراتبية اجتماعية سياسية تتيح للدروز قيادة الجبل، وللموارنة أن يتدرجوا من موقع الفلاح الخاضع إلى موقع الشريك الحذر.
ولم يكن الأمر محض تعايش اجتماعي، بل سرعان ما ارتدى لبوسًا سياسيًا في القرن التاسع عشر، حيث أدى الصراع على الحكم بين العائلات الدرزية الكبرى من جهة، وتنامي النفوذ الماروني المدعوم من الكنيسة ومن فرنسا من جهة أخرى، إلى احتدام التنافس على السيادة.
فجاءت تجربة القائمقاميتين بين 1840 و1860، لتجسد هذا التوازن الهش، قبل أن تنهار في واحدة من أكثر صفحات التاريخ اللبناني دمًا: مجازر 1860.
في تلك المجازر، سقط آلاف الموارنة ضحايا للغضب الدرزي المتراكم، كما سقط أيضًا مئات الدروز في المجازر المقابلة.
وتمت عمليات تهجير ونهب وتدمير لم تُمحَ آثارها من الذاكرة الجمعية، على الرغم من محاولة النظام اللبناني الوليد بعد الاستقلال تضميد الجراح تحت شعار العيش المشترك.
فبقيت العلاقة بين الموارنة والدروز – برغم التحالفات السياسية الظرفية – علاقة مشوبة بالخشية وعدم الثقة.
ولما اندلعت الحرب اللبنانية في العام 1975، عادت الشياطين المدفونة إلى السطح، ولكن هذه المرة على نحو أكثر عنفًا وتفككًا.
ومع دخول القوى الفلسطينية إلى مناطق الجبل، ومع صعود الجبهة اللبنانية كرد فعل مسيحي، كان لا بد أن تقع المواجهة الكبرى بين الموارنة والدروز.
فشكلت أحداث 1983 في الجبل – وما تلا انسحاب الجيش الإسرائيلي – ذروة الصدام الدامي.
سقطت قرى مسيحية كاملة تحت سيطرة الميليشيات الدرزية، وتكررت المجازر والتهجير والقتل على الهوية، تمامًا كما حصل في دير القمر، وعين زحلتا، ومناطق متعددة في الشوف وعاليه.
لقد كُتب في الجبل فصل من أكثر فصول الحرب اللبنانية مأساوية.
عشرات الآلاف من الموارنة اقتُلعوا من بيوتهم، لا كغرباء، بل كمواطنين فقدوا فجأة الحق في الوجود، ومئات من العائلات المارونية لم تجد من يحتضنها سوى مناطق المتن وكسروان.
لم يكن ذلك نتيجة خلاف سياسي عابر، بل انفجار عميق للذاكرة التاريخية المثقلة بالجراح.
أما الأحقاد التي تسربت إلى الأجيال الجديدة، فقد زادتها الحرب نارًا.
لم تكن مجازر الجبل من فعل طارئ، بل نتيجة تراكمات عميقة من التوتر التاريخي غير المعالَج.
ولعلّ الطامة الكبرى أن الزعامات الطائفية – من الجانبين – لم تملك الشجاعة الكافية للجلوس إلى مائدة الحقيقة، بل اكتفت بحسابات الربح والخسارة الآني، وأوهمت الناس أن التعايش مسألة توقيع ورقة لا اعتراف بذاكرة الآخر.
اليوم، ونحن في منتصف عقد الثمانينات، لا يمكن أن نغضّ الطرف عمّا حلّ بالجبل، ولا أن نستكين إلى سردية الانتصار أو الهزيمة.
فكل طائفة انتصرت في لحظة، ودُفعت إلى الثمن لاحقًا.
أما الخاسر الأكبر، فهو الوطن، والتعدد، والكيان.
إنني، كمسيحي ماروني نشأ على حكايات الفلاحة مع الدروز، وعلى تعاليم الإيمان المشبع بالمغفرة، أجد نفسي حائرًا بين الوجع والغفران.
نعم، نحن والموارنة والدروز رضعنا من تراب واحد، لكننا ما زلنا لا نعرف كيف نعيش فيه معًا.
فهل نُعيد قراءة التاريخ بعيون الحقيقة، لا بروح الثأر؟ أم أننا محكومون أن نكرر كل خمسين سنة نفس المجازر، بنفس الأيديولوجيات، ولكن بأسماء جديدة؟ الجواب لن يأتي من السلاح، بل من ضمير يحترم الشهداء، كل الشهداء، ومن عدالة لا تساوي بين الجلاد والضحية، ولكن لا تبقى أيضًا رهينة الثأر.
  في التطورات السياسية، جرى توقيع الإتفاق اللبناني الإسرائيلي، يوم الثلاثاء 17 آيار 1983 في كل من خلدة وكريات شمونة برعاية أميركية.
وقّع في لبنان على نسختين من الإتفاق باللغتين العربية والفرنسية، في خلدة.
وباللغتين الإنكليزية والعبرية في كريات شمونا.
وفي 18 آيار 1983، وصل المبعوث الأميركي فيليب حبيب إلى بيروت لمتابعة البحث في المراحل اللاحقة لتوقيع الإتفاق اللبناني الإسرائيلي.
يوم الأربعاء 31 آب 1983، عاد الجيش اللبناني لينتشر في المنطقة الغربية من بيروت بعد ثلاثة أيام من الإنهيار الأمني الذي ضرب العاصمة وضواحيها، كما الجبل إمتدادًا حتى سواحل كسروان.
يوم الأحد 23 تشرين الاول 1983، عمليتا تفجير إرهابيتان نفذهما إنتحاريان إستهدفتا القوات المتعددة الجنسيات العاملة في بيروت، أسفرت عن مصرع 169 جنديًا (145 أميركًا و24 فرنسيًا) وجرح 69 آخرين مع بقاء مصير 63 جنديًا مجهولاً حتى ساعة متأخرة من الليل.
نفذت عمليتا التفجير بواسطة سيارتي نقل بيك أب مفخختين، إقتحمت الأولى مقر قيادة مشاة البحرية الأميركية (المارينز) في مبنى المديرية العامة للطيران المدني المؤلف من ثلاث طبقات، والثانية مقر سرية المظليين الفرنسيين قرب مستشفى بيروت في منطقة بئر حسن والمؤلف من تسع طبقات، بفارق زمني ثلاث دقائق.
أدى الإنفجاران إلى تدمير للمبنيين بشكل كامل.
تلت ذاك الحدث الجلل، انتكاسة للوضع الأمني في محاور عاليه والشحار الغربي، وتعرضت مواقع الجيش اللبناني في سوق الغرب وضهر الوحش لقصف مدفعي، وتجددت الإشتباكات ليلاً على جميع محاور إقليم الخروب.
تلقت الولايات المتحدة بذهول نبأ التفجير الذي أوقع أكبر خسارة بشرية في صفوف قواتها في عملية واحدة، منذ حرب فييتنام.
ووجّه وزير الدفاع كاسبار وينبرغر أصبع الإتهام إلى إيران دون أن يستبعد السوفيات.
أما الرئيس رونالد ريغان فدعا مجلس الأمن القومي للإجتماع.
من جهتها، لم توجه فرنسا الإتهام لأي طرف، مكتفية بإدانة الحادث وإعلان استمرار قواتها في لبنان وأوفدت وزير دفاعها شارل إرنو إلى بيروت لمعاينة مكان الحادث.
يوم الخميس 1 كانون الأول 1983، قمة لبنانية أميركية هي الثالثة بين الرئيس رونالد ريغان وأمين الجميل الذي زار أميركا وأجرى مباحثات تناولت، حسبما أعلن للإعلام، الإلتزام باتفاق 17 آيار والبحث في آلية تطبيقه.
وقد أعلم الأميركيون الجانب اللبناني استعداد الإسرائيليين للمباشرة بانسحابات جزئية وعلى مراحل من العاصمة لا تتزامن بالضرورة مع انسحابات سورية مماثلة، في وقت كان انعقد في جنيف مؤتمر الحوار الوطني اللبناني، دون أن يصل إلى نتائج مفيدة، بعد أن خسرت الدولة المركزية القوية مناعتها، والمصالحة الوطنية باتت صعبة، وثمة تشنج حاد في العلاقات بين مختلف الأطراف المحليين.
وكانت القضية الشيعية مع بروز حزب الله، قد فرضت نفسها على الواقع السياسي.
ميدانيًا واكبتُ من موقعي القيادي في القوات اللبنانية، مرحلة الإنسحابات من الجبل والمجازر التي ارتكبت بحق المسيحيين.
يوم الإثنين 5 آذار 1984، ألغى لبنان رسميًا الإتفاق اللبناني الإسرائيلي بعد 8 أشهر و21 يومًا على إجازة مجلس النواب للحكومة إبرامه في 14/6/1983.
إنعقدت يوم الأحد 18 آذار جلسة العمل السابعة والثامنة من مؤتمر الحوار الوطني في لوزان في سويسرا، تبعتهما جلسات ثنائية انتهى بها المؤتمر بتعثر الإتفاق بين الأفرقاء وذلك بحضور المراقبين السوري عبد الحليم خدام، والسعودي محمد المسعود.
حضر المؤتمر فريق الجبهة اللبنانية بيار الجميل وكميل شمعون، يقابله الفريق الثاني ويضم الرؤساء عادل عسيران وصائب سلام ورشيد كرامي إضافة إلى نبيه بري ووليد جنبلاط.
كما شارك فيه الرئيسان سليمان فرنجيه وأمين الجميل.
يوم الإثنين 11 حزيران 1984، خرجت الأمور عن السيطرة وعاد التقاتل وطال القصف بيروت بشطريها وتمدد نحو الضاحية الجنوبية والمتن وكسروان وصولاً حتى جونيه.
يوم الجمعة 7 أيلول 1984، انعقدت قمة ثنائية بين الرئيسين أمين الجميل وحافظ الأسد في العاصمة السورية أسفرت عن اتفاق على تنفيذ خطة الجبل وانتشار اللواء الأول على الطرق الرئيسة الممتدة من صوفر حتى سوق الغرب، وتمركز كتيبة اللواء الثامن في الجهة المقابلة لقصر بعبدا وكتيبة من اللواء الحادي عشر من الجهة المقابلة لمواقع الحزب التقدمي الإشتراكي.
يوم الجمعة 25 كانون الثاني 1985، إستيقظ اللبنانيون على ارتفاع جنوني وتاريخي غير مسبوق للدولار متجاوزًا عتبة 12 ليرة.
يوم السبت 16 شباط 1985، القوات الإسرائيلية تنسحب من صيدا ومحيطها.
ويوم الجمعة 16 آذار 1985، صراع في المنطقة الشرقية واشتباكات هي الأولى من نوعها.
كذلك سقطت بيروت الغربية يوم الثلاثاء 16 نيسان 1985، في بحر هائج من الفلتان حيث انتشر المسلحون ونشأت اشتباكات بين حركة أمل و"المرابطون" في كل الأحياء وتحولت الشوارع إلى ساحات اشتباكات عنيفة بالأسلحة الرشاشة والقذائف الصاروخية والمدفعية.
الأربعاء 25 نيسان 1985، وبعد سنتين وعشرة أشهر و21 يومًا من غزو إسرائيل للبنان، إنسحب الإسرائيليون من مناطق البقاع الغربي وراشيا الوادي وجبل الباروك وجزين ومحيطها.
ويوم الخميس 9 آيار 1985، كانت الإنتفاضة الثانية في القوات اللبنانية، قادها إيلي حبيقة، فضعفت آمالي في قيام مجتمع مسيحي متماسك كامل المواصفات الإدارية والأمنية والسياسية، وأضحى الإرتماء في الأحضان السورية مسيطرًا.
وهذا ما كنت أرفض وأعارض.
.
.
يوم السبت 28 كانون الأول 1985 تمّ توقيع الإتفاق الثلاثي، كخلاصة اجتماعات عقدها عبد الحليم خدام مع نبيه بري ووليد جنبلاط وإيلي حبيقة في دمشق.
حالة من البلبلة سادت الشارع المسيحي! في كانون الثاني 1986، إنقلاب في القوات اللبنانية يقصي إيلي حبيقة عن القيادة ويقضي على الإتفاق الثلاثي بعد 16 ساعة من القمة الاخيرة في دمشق.
فغادر حبيقة مجلس الأمن القومي في الكرنتينا إلى مقر وزارة الدفاع في اليرزة حيث جرت صياغة المخرج للأزمة.
يوم الأحد 8 آيار 1988 دخلت الضاحية الحنوبية في حرب مدمرة بين حركة أمل وحزب الله لثلاثة أيام متواصلة حصدت زهاء 125 قتيلاً وأكثر من 400 جريح معظمهم من المدنيين، حيث جرت معارك ضارية شملت الاحياء المكتظة بالسكان.
يوم الخميس 18 آب 1988، سقطت الجلسة الأول لانتخاب رئيس للجمهورية بالضربة القاضية.
  هي أيام سوداء بكل ما للكلمة من معنى.
رحم الله الشهداء! فلا أحد يتحدث عنهم باعتبارهم النتيجة الأغلى والأفدح للمجازر.
الحرب التي عصفت بلبنان أكثر ما مست القيم.
لقد انهار المجتمع بعد سنوات من الموت البطيء والإحباط والهمجية وغياب الدولة التدريجي.
إلا أن الخير بقي عنصرًا أصيلاً في أخلاقنا.
نحن إذ التزمنا في الأحزاب لم نستزلم لزعيم بل كنا حماة قضية ورواد تغيير.
لم ندع إلا للكرامة واحترام الذات.
لقد تهيأت باكرًا للإضطلاع بدوري في إنماء المجتمع وتطويره.
وجيّرت كل ما أملك من همة ونشاط واندفاع في سبيل لعب هذا الدور الفاعل.
فعملت على التنمية واتكلت على نفسي وكفاءتي وقناعاتي الشخصية.
جعلتني الحياة رجلاً لا يمكن ترويضه.
المساومة على المبادئ مستحيلة لدي.
لبنان والحرية مقدسان، هذا ما آمنت به، ولا أزال.
في مرحلة معينة، لم أتعب من اتخاذ المواقف الجريئة، لكنني سئمت التحدث في السياسة.
شعرت بعد هذه الأعوام أنها أخذت من حياتي أكثر مما تستحق.
إمتلكت نظرة خاصة إلى أمور الدنيا، جعلتني لا أنغمس فيها ولا أبقى بعيدًا منها.
لقد نلت نصيبي من الطعن في الظهر حتى باتت لدي مناعة.
لكنني تمسكت بثوابتي وقناعاتي.
أدركتُ أن الحرب تركت تجاعيد عميقة في خد لبنان ولن يكون سلام في بلاد الأرز إلا بإخراج الفلسطينيين والسوريين والإسرائيليين من أرضه والفاسدين تجار الهيكل من إداراته ووزاراته وسلطته.
لبنان بين واقعه المؤلم وتطلعه المستقبلي الرائع يبدو دائخًا كمن ضُرب على رأسه.
عشرات الآلاف من أبنائه ماتوا شهداء في معارك وتفجيرات.
عشرات الآلاف فُقدوا أو جُرحوا.
عشرات الآلاف هجروا من مكان إلى مكان في ربوعه.
عشرات الآلاف هاجروا إلى مختلف أنحاء الدنيا.
في الوقت نفسه، عشرات المئات من اللبنانيين تعبوا من هذا المصير الأسود وقرفوا.
لا بد من أن يكون ثمن لدم الشهداء وللدمار الهائل الذي حل بلبنان.
لم تؤثر الحرب يومًا على معنوياتي، ولم تحبط عزيمتي، بل استمرّيْتُ طوال الوقت، أدعم أكثر من نشاط يتجه في سبيل خدمة المجتمع ونهضته من كبوته، وأحيانًا من موقع القائد والمحرك والمبادر.
وبما أن تدهور الأمن هو أيضا من نتائج الأوضاع الإجتماعية المتردية، فإن معالجة شؤونه يجب أن تبدأ من معالجة أسباب الحرمان.
عجزت الحكومات طيلة الحرب عن تأمين الضمانات الاجتماعية بالشكل المطلوب، وسمحت الأزمات المتتالية بقيام معادلات وصيغ تتجاهل واقع الدولة.
لقد كشفت المحنة القاسية التي مرت بها البلاد وجود لبنان الآخر، لبنان الفقراء والمتألمين والجرحى والمرضى والمقهورين.
هذا الوجود الذي طالما أقرت المعادلات السياسية القائمة تجاهله، وعدم الاعتراف به وبمشاكله وبقضاياه.
  في خضم السجالات السياسية والفكرية التي تعصف بلبنان في منتصف الثمانينيات، ترتفع أصوات تدعو إلى تحويل النظام اللبناني إلى حكم إسلامي، محاولةً استنساخ تجارب إقليمية لا تمتّ إلى واقع لبنان بصلة.
هذه الدعوات سرعان ما تواجه برفض واسع من القيادات المسيحية والإسلامية المستنيرة على السواء، التي ترى أن خصوصية لبنان تكمن في تعدديته وفرادته الحضارية، لا في استنساخ أنظمة أحادية تعزل مكوّنات أساسية من نسيجه.
النائب إدوار حنين كان من أبرز المعترضين على هذه الطروحات، مؤكداً أن لبنان ليس قابلًا للمقايضة أو التجريب.
بالنسبة له، لبنان هو واجب الوجوب، كما وصفه أكثر من مرجع وطني، وطن الرسالة الذي لا بديل عنه.
وهو بذلك يشيد بمواقف البطريرك أغناطيوس الرابع هزيم، الذي شدّد على أن لبنان ميدان للتلاقي لا للاستبدال، كما يثمّن قرار الرئيس كميل شمعون برفع الدعم عن المحروقات كخطوة جريئة في مواجهة الأزمة الاقتصادية، تعكس حرصاً على توجيه الدعم إلى مساره الصحيح وتحمّل المسؤولية بشجاعة.
وفي السياق نفسه، توقف حنين عند خطاب الدكتور شارل مالك الذي أكد أن لبنان، بحريته وتعدديته، يشكّل تميزاً حضارياً لا يجوز التفريط به أو المساس بجوهره.
فمالِك رأى في لبنان قيمة كونية ورسالة إنسانية، وهذا ما يلتقي مع رؤية حنين ورفاقه في الجبهة اللبنانية وكل القوى الوطنية التي تعتبر أن أي مشروع بديل عن الصيغة اللبنانية هو حكم بالإعدام على التجربة التاريخية التي جعلت من هذا الوطن منارة في الشرق.
هكذا يلتقي حنين مع هزيم وشمعون ومالك في دعوة صريحة إلى ترك لبنان يعيش في تميّزه، بعيداً عن المشاريع المفروضة أو الأيديولوجيات المستوردة، مؤكداً أن سرّ بقاء لبنان هو في حريته وتعدديته وقيمه التي ترفض الذوبان في محاور أو أنظمة بديلة.
  في خضم التحولات السياسية والعسكرية التي شهدها لبنان عام 1985، برز موقف النائب إدوار حنين، المعروف بقربه من الجبهة اللبنانية، مدافعاً عن الثوابت الوطنية المسيحية ورافضاً مشاريع التسوية التي تنتقص من سيادة الدولة وخصوصية النظام اللبناني.
حنين، وفي سلسلة مداخلاته وتصريحاته، وجّه انتقادات حادّة إلى التدخلات الإقليمية في الشأن اللبناني، ولا سيّما من جانب إيران وباكستان، معتبراً أن هذا التدخل يحمل أبعاداً مذهبية تهدد صيغة العيش المشترك.
كما أشار إلى أن الحضور السوري في لبنان تجاوز منذ سنوات حدود المساعدة إلى التدخل المباشر في رسم التوازنات الداخلية، الأمر الذي يرفضه من منطلق الحفاظ على السيادة اللبنانية الكاملة.
وفي السياق نفسه، شدّد حنين على رفض أي محاولة لطرح الإسلام السياسي بديلاً عن النظام اللبناني القائم على التعددية والشراكة الوطنية.
ورأى أن هذه الطروحات تناقض طبيعة لبنان التاريخية، حيث لا يمكن أن يُبنى الوطن إلا على أسس العيش المشترك والمساواة بين جميع أبنائه.
أما في ما يتعلّق بـ"الاتفاق الثلاثي"، فقد اعتبر حنين أن هذا المشروع الذي تدفع به قوى سياسية داخلية بدعم سوري يشكّل خطراً على الكيان اللبناني لأنه يكرّس وصاية ويقيّد الدور المسيحي الحر.
وأكد أن أي اتفاق لا ينطلق من سيادة الدولة اللبنانية ووحدة قرارها، لا يمكن أن يكون مدخلاً إلى حلّ حقيقي.
  بعد اغتيال بشير الجميل وما تلاه من أحداث مأساوية مثل مجازر صبرا وشاتيلا، دخلت الجبهة اللبنانية مرحلة من إعادة التقييم والتجديد.
كانت الفترة بين 1983 و1985 مرحلة حاسمة في صمود المنطقة الشرقية، حيث تجمّعت القوى السياسية والعسكرية لإعادة تنظيم صفوفها وتوحيد خطابها لمواجهة التحديات المتصاعدة.
واجهت الجبهة اللبنانية تحديات داخلية كبيرة، تمثلت في الصراعات بين الأحزاب المسيحية، لا سيما بين الكتائب والقوات اللبنانية، والتي أدت أحيانًا إلى مواجهات مسلحة محدودة.
ولكن، رغم هذه التوترات، نجحت قيادات الجبهة في بلورة رؤية وطنية جامعة تركزت حول الحفاظ على الكيان اللبناني كدولة تعددية تقوم على احترام الحقوق السياسية لكل مكون.
على الصعيد العسكري، شهدت هذه الفترة تعزيزًا لتنظيم القوات المسلحة المسيحية، حيث تم التركيز على التدريب والتجهيز، بالإضافة إلى تطوير شبكة الاتصالات والتنسيق بين مختلف الوحدات المسلحة المسيحية.
كما تمّ توسيع الجبهة السياسية لتعزيز حضورها في مختلف المؤسسات اللبنانية والإقليمية.
سياسيًا، بذلت الجبهة جهودًا مستمرة للضغط على المجتمع الدولي من أجل الاعتراف بشرعية تمثيلها، ورفض كل أشكال الاحتلال أو التدخل الخارجي، سواء السوري أو الإسرائيلي.
وتم التركيز على تطوير العلاقات مع الفاتيكان والدول الغربية، لا سيما فرنسا والولايات المتحدة، سعياً لدعم سياسي ودبلوماسي.
كما شجعت الجبهة اللبنانيين المسيحيين على المشاركة السياسية من خلال الانتخابات البلدية والنيابية، مع التشديد على أهمية الوحدة الوطنية والحفاظ على الهوية اللبنانية.
في هذا المناخ، بدأت بوادر حوار داخلي مع بعض الأطراف السياسية الأخرى، رغم استمرار التوترات والصراعات المسلحة في مناطق أخرى من لبنان.
وكانت هذه المحاولات تهدف إلى بناء جبهة لبنانية جامعة قادرة على مواجهة الأزمات السياسية والأمنية، وإنهاء الحرب بأقل الخسائر.
وبذلك، شكّل هذا العقد محطة مهمة في تثبيت قواعد الصمود المسيحي في المنطقة الشرقية، وتعزيز موقف الجبهة اللبنانية كممثل شرعي ومشروع وطني ضمن المشهد اللبناني المعقد.
  إعادة بناء القوة السياسية والعسكرية (1983–1985) الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 — المتغيّرات الإقليمية وصمود المنطقة الشرقية مثّل الاجتياح الإسرائيلي للبنان في حزيران 1982 محطة حاسمة في تاريخ الحرب اللبنانية، حيث اصطدمت مشاريع الدول الكبرى والإقليمية بالواقع الميداني اللبناني الهش، الممزق بين ولاءات متعددة، وبين مشاريع أمنية متضاربة.
وقد تعاملت الجبهة اللبنانية، بوصفها الحامل السياسي للمنطقة الشرقية ذات الغالبية المسيحية، مع هذه المرحلة الحساسة بمزيج من الحذر، الواقعية، والتمسك بالثوابت الوطنية.
كانت خلفية الاجتياح تتعلق أساسًا بتعاظم الدور الفلسطيني المسلح في لبنان، وهو ما رأت فيه إسرائيل خطرًا وجوديًا يهدد أمن حدودها الشمالية.
وقد مهّدت العملية الواسعة التي أطلقتها إسرائيل تحت اسم "سلامة الجليل" لاجتياح وصل إلى بيروت، وأسفر عن حصار طويل للعاصمة وتفكك إضافي في بنية الدولة اللبنانية.
من جهة الجبهة اللبنانية، فإن الموقف من الاجتياح لم يكن موحدًا بشكل مطلق.
فبين من رأى فيه فرصة تاريخية لإخراج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت واستعادة القرار اللبناني الحر، ومن عبّر عن قلقه من تداعيات الاحتلال الإسرائيلي على السيادة الوطنية، تبلورت رؤية دقيقة قائمة على حماية الوجود المسيحي في المنطقة الشرقية، وضرورة إنهاء الحرب من دون تقديم تنازلات استراتيجية.
في خضم هذه الأحداث، انطلق حوار سري وعلني بين بعض أقطاب الجبهة اللبنانية وبين المسؤولين الإسرائيليين، لا سيما في ظل رهان حكومة مناحيم بيغن ووزير دفاعه أرييل شارون على إمكانية إبرام اتفاق سياسي شامل مع قيادة مسيحية لبنانية، يتيح لهم إعادة تشكيل ميزان القوى في المنطقة.
غير أن الطموحات الإسرائيلية اصطدمت بسرعة بثوابت الجبهة اللبنانية، التي رغم تباين تكتيكاتها، لم تكن مستعدة للارتهان الكامل لمشروع الخارج.
جاء انتخاب بشير الجميّل رئيسًا للجمهورية اللبنانية في 23 آب 1982 كتتويج سياسي لهذا المنعطف، حيث مثّل، في نظر الجبهة اللبنانية، لحظة أمل ببناء دولة قوية على أنقاض الانقسام والدويلات.
إلا أن اغتياله في 14 أيلول من نفس العام، وما تلاه من مجازر في مخيمي صبرا وشاتيلا، أعاد الأمور إلى مربع الدم والانهيار، وأظهر مدى هشاشة التوازنات اللبنانية، وحدود التدخل الإسرائيلي.
رأت الجبهة اللبنانية في ذلك مرحلة مفصلية: فقد فشل الرهان على الدعم الخارجي وحده، وأصبح من الضروري إعادة بناء المشروع الوطني المسيحي من الداخل، بروح الحذر والتحصين الذاتي، والتمسك بالكيان اللبناني الواحد الموحد، مع رفض الاحتلال الإسرائيلي والتصدي لمحاولات فرض شروط سياسية بالقوة.
هكذا دخلت المنطقة الشرقية مرحلة جديدة من الحرب، أكثر تعقيدًا وتشظّيًا، كان لا بد معها من مراجعة عميقة للاستراتيجيات، وإعادة تحديد الأولويات، مع التمسك بثوابت الكيان، السيادة، والعيش المشترك على قاعدة الشراكة الكاملة في الدولة، لا الغلبة بالسلاح ولا الارتهان للخارج، أيًا كان مصدره.
  الانقسام الوطني وتراجع الدولة في هذا الفصل، تُسلّط الأضواء على عمق الانقسام الذي ضرب الكيان اللبناني، وتحوّل تدريجًا إلى تآكل شامل لمؤسسات الدولة.
فقد شكّلت الأعوام الممتدة من أواخر السبعينيات وحتى بداية الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 مرحلة دقيقة من تاريخ الحرب، حيث باتت الشرعيتان تتنازعان الصلاحيات: شرعية الدولة الضعيفة والفاقدة للسيطرة، وشرعية الأمر الواقع التي فرضتها القوى المسلحة في المناطق كافة، وفي طليعتها منظمة التحرير الفلسطينية في الجنوب والعاصمة الغربية، و"القوات اللبنانية" في المنطقة الشرقية.
تراجع موقع الدولة، لا سيما الرئاسة، بدا واضحًا مع تزايد الفلتان الأمني، وتحوُّل الوزارات والإدارات إلى واجهات شكلية.
كان رئيس الجمهورية الياس سركيس يحاول تدوير الزوايا وتفادي الانفجار الشامل، لكنه بدا عاجزًا عن الإمساك بزمام المبادرة، في ظل تفكك الأجهزة الأمنية وتداخل الولاءات السياسية والطائفية داخلها.
وكان الضغط الشعبي في المنطقة الشرقية، خصوصًا بعد مجازر زحلة وصراع الأشرفية وتهديد جونية، يفرض على قيادة "القوات اللبنانية" اتخاذ مواقف سيادية مستقلة، بمعزل عن مؤسسات الدولة المترهلة.
في المقابل، كرّست الحركة الوطنية ومنظمة التحرير سلطتهما في ما عُرف بـ"بيروت الغربية"، حيث سيطر السلاح الفلسطيني واليساري على الحياة العامة، وفرضت الضرائب وأُقيمت نقاط التفتيش، واستُخدمت بعض الأحياء لشن عمليات ضد "المناطق الشرقية"، ما زاد منسوب القلق لدى المسيحيين من تحول هذه السيطرة إلى مشروع دائم، يُهدد الكيان برمّته.
وفي الجنوب، كانت المواجهة بين الجيش اللبناني المنقسم، والقوى الفلسطينية المتوسعة بدعم سوري في البداية ثم إيراني لاحقًا، تتسبب بفراغ سياسي وأمني، أتاح لميليشيات محلية جديدة كـ"حركة أمل" أن تظهر إلى الواجهة، وتفرض معادلاتها على الأرض.
فيما بدأت إسرائيل بتمويل ودعم ميليشيا سعد حداد التي تحولت إلى "جيش لبنان الجنوبي"، ما زاد من الانقسامات الوطنية والخلافات حول مفهوم السيادة والتحالفات.
أما على الساحة المسيحية، فقد شهدت السنوات نفسها نشوء الدينامية الفيدرالية في الخطاب، كرد فعل على سيطرة "الغريب" على أجزاء من البلاد.
فبرزت في تلك المرحلة دعوات صريحة إلى إعادة النظر في صيغة العيش المشترك، واستُعيدت مقولات "لبنان التاريخي"، و"لبنان الرسالة"، وتحولت "الجبهة اللبنانية" إلى التعبير السياسي الأبرز عن قلق المسيحيين من الذوبان في محيط عربي وإسلامي لا يعترف بخصوصيتهم ولا بشراكتهم.
كما لعبت الكنيسة المارونية في هذه الحقبة دورًا محوريًا، عبر مواقف البطريرك صفير ومجلس المطارنة، التي شددت على ضرورة الحفاظ على وحدة الكيان، شرط احترام التوازنات التاريخية التي أرساها الميثاق الوطني.
وكان حضور البطريركية على خط التهدئة أو التعبير عن الرفض الشعبي لأي حل يُفرض على المسيحيين، عاملًا كابحًا أمام سيناريوهات التقسيم أو التوطين.
بروز نواة الدولة البديلة في المنطقة الشرقية، عبر تنظيم إداري وأمني وخدماتي حاول ملء الفراغ الذي تسببت به الدولة الرسمية.
هذه النواة، رغم كل ما اعتراها من تناقضات وصراعات داخلية، شكّلت في نظر الجبهة اللبنانية محاولة جدية لصون ما تبقّى من لبنان، بانتظار تبلور حل شامل يعيد للدولة مركزيتها ووحدتها.
  صمود المنطقة الشرقية وتحوّلاتها (1982 - 1984) في مطلع عام 1982، بدا أنّ الساحة اللبنانية على مشارف منعطفٍ حاسم، إذ تراكمت الانهيارات الأمنية في أكثر من منطقة، وتنامت هيمنة منظمة التحرير الفلسطينية في الجنوب، وتعقّدت علاقة الدولة المركزية بمحيطها.
وفي هذا السياق، رأت القوى المسيحية في المنطقة الشرقية، وفي طليعتها "الجبهة اللبنانية"، أن الكيان اللبناني مهدّد في جوهره، وأنّ لا بد من خطوات إنقاذية جذرية تعيد الاعتبار للسيادة والقرار اللبناني.
وجاء الاجتياح الإسرائيلي للبنان في حزيران 1982 كحدث مفصلي، أحدث صدمة في المشهد السياسي والميداني.
ففي حين شكّل الاجتياح فرصة لانسحاب منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت، إلا أنّ ارتداداته طرحت تحديات وجودية على المسيحيين.
كان الدور الأساسي الذي أدّاه بشير الجميل، الذي انتُخب رئيساً للجمهورية في 23 آب 1982، بمثابة محاولة تاريخية لإعادة بناء الدولة، ولتجسيد الطموح المسيحي بقيام نظام قوي سيادي غير مرتهن لأي سلاح خارج الشرعية.
لكنّ اغتيال بشير الجميل في 14 أيلول 1982 شكّل نكسة كبرى للجبهة اللبنانية.
ومع أنّ شقيقه أمين الجميل خَلَفَه في الرئاسة، إلا أنّ ميزان القوى لم يعد يسمح بإعادة تكوين السلطة على النحو الذي تطمح إليه "الجبهة"، وسط إصرار النظام السوري على الإمساك بالقرار اللبناني.
وشهدت هذه الفترة ما عُرف بـ"حرب الجبل" (1983-1984)، والتي اعتُبرت من أقسى المحطات الدامية، إذ أسفرت عن تهجير عشرات الآلاف من المسيحيين من قرى الشوف وعاليه والمتن الأعلى.
وتلقّت "القوات اللبنانية" خسائر ميدانية مؤلمة، ما شكّل تحوّلاً استراتيجياً في ميزان القوى الداخلي.
وشعرت الجبهة اللبنانية أن ثمّة محاولة لمحاصرة الوجود المسيحي من جديد، لكن هذه المرّة بأسلوب عسكري ومباشر، لا بوسائل سياسية فقط.
في المقابل، لم تتراجع "الجبهة" عن تمسّكها بلبنان التعددي، وبالكيان كصيغة توازنات لا كغلبة، وبدأت تحذّر من الدخول في لعبة المحاور الإقليمية والدولية، كما بدأت تعيد النظر في بعض خياراتها، خصوصاً بعد تراجع الحضور الأميركي وانهزام مشروع الاتفاق الثلاثي الذي وُقّع مع الحكومة في عهد الرئيس الجميل.
في هذه المرحلة، بدا واضحاً أنّ المنطقة الشرقية تحوّلت إلى شبه "محمية سياسية وعسكرية"، تدير شؤونها الذاتية، وتدافع عن حدودها، فيما السلطة المركزية أُضعفت تدريجياً، وتراجعت قدراتها في فرض هيبتها على جميع الأراضي اللبنانية.
ورغم هذه العزلة، فإنّ المنطقة الشرقية استطاعت الحفاظ على قدر من الاستقرار والانتظام، بفضل إدارات محلية وتنسيق بين القوى السياسية والاجتماعية والكنسية، ما جعل منها نموذجاً "مصغراً" للبنان الذي لم يسقط رغم محاولات الإجهاز عليه.
شكلت الأعوام بين 1982 و1984 منعطفاً بالغ الخطورة في الحرب، حيث التقت التحولات الإقليمية (انسحاب إسرائيل من الجبل، تراجع الدور الأميركي، تصاعد النفوذ السوري) مع إعادة رسم الخريطة السياسية اللبنانية، مما أفرز واقعاً جديداً عميق التعقيد، عايشته المنطقة الشرقية وهي تحاول الصمود كآخر معاقل الدولة والمؤسسات.
  المقاومة السياسية في المنطقة الشرقية: مشروع البقاء والتمايز حين اجتمعت القيادات المسيحية في بداية الحرب، لم تكن رؤيتها للمواجهة محصورة بالسلاح والميدان، بل أسست منذ اللحظة الأولى لمقاومة سياسية تسعى إلى بناء مشروع متكامل للبقاء في الوطن، لا عبر الذوبان أو التبعية، بل من خلال التمايز البنّاء والانخراط الكامل في الدولة على أساس الشراكة الفعلية.
تميّزت المنطقة الشرقية، التي ضمت في إطارها الجغرافي المؤسسات الدستورية والجمهورية في بعبدا، والقيادة الروحية المارونية في بكركي، والإدارات الرسمية والجيش اللبناني، بموقف سياسي موحد نسبياً منذ 1976، رغم اختلاف الأحزاب والتيارات.
وقد حرصت القيادات على التماسك السياسي الداخلي وتقديم خطاب سيادي وطني، يواجه المشروع الفلسطيني التوسّعي المدعوم من سوريا والاتحاد السوفياتي، والذي هدد كيان الدولة اللبنانية.
برز دور الرئيس كميل شمعون، بشخصيته الجريئة وصراحته في المواجهة، وقيادة الشيخ بيار الجميل لحزب الكتائب كرافعة تاريخية للعمل السياسي، فيما شكل سليمان فرنجية حلقة وازنة، وإن كانت متمايزة في الرؤية عن شركائه، ولاحقًا انضم البطريرك صفير إلى الجبهة السياسية المعارِضة لاحتلال القرار الوطني، ثم جاء بشير الجميّل ليحوّل هذا المشروع إلى خطاب شعبي تعبوي جامع.
في خضم الانقسامات، سعت الجبهة إلى تأكيد شرعيتها السياسية، فتمسكت بالدستور، ودعت إلى انتخابات رئاسية برلمانية حتى في عز الحرب، ورفضت الانقلابات، كما تمسكت بالمؤسسات الرسمية ورفضت تسليمها للميليشيات.
وقدّمت نفسها على أنها حامية الجمهورية لا فقط من الفلسطينيين أو السوريين، بل من الانحراف عن مفهوم الدولة.
خاضت الجبهة اللبنانية معارك سياسية متعددة في وجه المحاولات الإقليمية لفرض تسويات من خارج الإرادة اللبنانية.
فرفضت اتفاق القاهرة المعدّل، واعترضت على أي صيغة تُعطي الفلسطينيين وضعًا شبيهًا بالحكم الذاتي في الجنوب والبقاع الغربي.
كما عارضت النفوذ السوري الذي حاول فرض وصايته عبر حلفائه في الداخل.
ورغم الظروف الصعبة التي أحاطت بها، نجحت هذه الجبهة في إنتاج خطاب متماسك في الإعلام والسياسة والثقافة.
أنشأت إذاعات ومنابر صحافية ناطقة باسمها، مثل إذاعة "صوت لبنان"، التي تحولت إلى منبر تعبوي ووطني، تدافع عن الحضور المسيحي ضمن الصيغة اللبنانية، لا ككيان منفصل بل كجزء مؤسس للدولة الحديثة.
وفي هذا الإطار، ظهرت مفاهيم جديدة في أدبيات الجبهة: "الخصوصية اللبنانية"، "الحياد الإيجابي"، "اللامركزية"، و"التحالف العربي المعتدل"، وكانت هذه كلها مفاهيم سياسية تهدف إلى كسر الطوق السوري-الفلسطيني والتأسيس لرؤية لبنانية خالصة تتمايز عن الاصطفافات الإقليمية.
لم تكن هذه المقاومة السياسية بلا أخطاء، إذ عرفت محطات من التوتر والانقسام، أبرزها انسحاب الرئيس فرنجية من الجبهة، والصراع بين الكتائب وحلفائها، لكنّها بقيت تحافظ على جوهر خطها السيادي الرافض لأي شكل من أشكال الإلحاق، سواء من قبل الشرق أو الغرب، وحرصت على إبقاء شعلة الحرية مشتعلة في شرقي بيروت، كأنها تحرس بقايا الجمهورية في منطقة محدودة.
واستطاعت هذه الجبهة أن تفتح قنوات دعم خارجية لدى الفاتيكان وفرنسا والولايات المتحدة، مدافعة عن الحضور المسيحي المشرقي في وجه موجات الأسلمة أو العسكرة، مؤكدة أن ما تطلبه هو دولة لا دويلة، وشراكة لا هيمنة، وعيش مشترك لا تعايش قسري.
شكل اغتيال بشير الجميّل عام 1982 ضربة موجعة لهذا المشروع، لكنه لم يسقط.
استمر التيار السيادي في الجبهة، فواجه الاحتلال السوري كما واجه الاحتلال الفلسطيني، وخاض معارك سياسية شرسة في ما تبقّى من عهد أمين الجميّل، ومن ثمّ في مرحلة الانتفاضات السياسية التي سبقت الطائف.
هذا المشروع السياسي الذي بدأت ملامحه في السبعينيات لم ينطفئ بانتهاء الحرب، بل تحوّل إلى جذوة كامنة بقيت تنبض في وجدان فئات لبنانية واسعة، فساهمت لاحقًا في انتفاضة الاستقلال في 2005، وفي الدعوات المستمرة اليوم إلى بناء دولة الشراكة والحرية، وتحرير القرار اللبناني من كل وصاية.
  الانفجار الكبير: الحرب اللبنانية من وجهة نظر الجبهة اللبنانية (1975–1976) لم يكن 13 نيسان 1975 مجرد تاريخ دموي، بل لحظة فاصلة دخل فيها لبنان زمنًا جديدًا، زمن العنف المنفلت، والاصطفاف الطائفي، وانهيار ما تبقّى من الدولة.
في هذا اليوم، انطلقت الشرارة من عين الرمانة، بعد حادثة اغتيال النائب بيار الجميّل ومحاولة استهداف كنيسة فيها، وما تلاها من ردّ فعل مسلّح على حافلة تقلّ مسلحين فلسطينيين.
من هناك بدأ الانهيار الشامل، وتحوّل الحذر إلى اقتتال، والخلاف إلى صدام مسلح.
من وجهة نظر القوى المسيحية في المنطقة الشرقية، لم يكن ما جرى نتيجة لحظة عفوية أو سوء تفاهم، بل تتويجًا لمسار طويل من التعدي على السيادة، وتمدد السلاح الفلسطيني، وانحياز واضح للدولة – أو ما تبقى منها – لصالح قوى الأمر الواقع المسلحة.
كانت الحادثة بمثابة إعلان عن فقدان السيطرة، وبدء معركة الدفاع عن النفس.
برز في هذا السياق تيار سياسي – فكري – عسكري ضمّ أحزابًا وشخصيات مسيحية كبرى، اجتمعت تحت مسمى "الجبهة اللبنانية"، وأهمها حزب الكتائب اللبنانية، حزب الوطنيين الأحرار، الكتلة الوطنية، إضافة إلى شخصيات مستقلة وكنسية.
كان الهدف الأساسي لهذا التجمّع هو تنظيم الرؤية السياسية للمسيحيين، وتشكيل مظلة فكرية وسياسية لمواجهة التحالف الفلسطيني–اليساري–الناصري الذي تجسّد في "الحركة الوطنية اللبنانية" بقيادة كمال جنبلاط.
رأت الجبهة اللبنانية أن الكيان مهدَّد، وأن الصيغة الوطنية مهدَّدة، وأن مشروع "تحرير فلسطين من جنوب لبنان" ليس سوى غطاء لتدمير ما تبقى من لبنان ككيان حرّ وذو سيادة.
انطلقت من منطلق وطني صرف، اعتبرت فيه أن المقاومة المشروعة لا تُبنى على حساب الدولة، وأن تحرير فلسطين لا يمكن أن يكون من بيروت أو من الدكوانة أو من جونيه، بل من داخل فلسطين ذاتها.
في الأشهر الأولى للحرب، اندلعت المعارك في كل الاتجاهات: من بيروت إلى الجبل، من عكار إلى الجنوب.
لم تعد المناطق الشرقية مجرد أحياء، بل صارت كيانًا دفاعيًا يُحكم بإدارة ذاتية، وينظّم نفسه ضمن "المناطق الحرة".
تأسست لجان أمنية، انتظمت الأحزاب في غرف عمليات مشتركة، وانطلقت موجة التعبئة الشعبية بين الشباب المسيحي، فبرزت وحدات حزبية مسلحة: الكتائب، الحراس، التنظيم، الجيش اللبناني المنحلّ، وانضوت تدريجيًا في قوى موحدة لاحقًا عُرفت بـ"القوات اللبنانية".
تُوّج هذا التشكّل السياسي–العسكري بانعقاد لقاء سيدة البير في فبراير 1976، الذي جمع أبرز أركان الجبهة اللبنانية في دير سيدة البير – بعبدا.
هناك رُسمت ملامح المواجهة: رفض السلاح الفلسطيني، رفض الانقلاب على الصيغة، المطالبة بإعادة بسط السيادة، وتحذير من "تفكيك الدولة باسم الثورة".
في المقابل، اتّهمت "الحركة الوطنية" المسيحيين بالانعزالية، وربطتهم بإسرائيل والرجعية.
تصاعد الخطاب الأيديولوجي، وراح يختزل موقف الجبهة على أنه رفضٌ للعروبة، وخيانةٌ لفلسطين، ورغبة في الهيمنة.
لكن من داخل المنطقة الشرقية، بدا المشهد مقلوبًا: شعب بأكمله يُطلب منه التسليم بسلاحٍ دخيل، وغلبة ديموغرافية مشكوك بها، وسلطة رسمية غائبة أو متواطئة.
في ربيع 1976، وقعت الكارثة الإنسانية الأكبر في تل الزعتر.
فبعد أشهر من الحصار، ومع تصاعد الاشتباكات، سقط المخيم في قبضة القوات المسيحية، وسط دمار ومجازر ومآسٍ استثمرها إعلاميًا الطرف الآخر بوصفها "جريمة مسيحية"، من دون التوقف عند السياق العسكري والسياسي والمعيشي للمخيم، الذي كان مركزًا لعمليات عسكرية ضد الأحياء المجاورة.
في موازاة هذه التطورات، اتسعت الهوة بين الجيش اللبناني وجناحي النزاع.
انقسم الجيش طائفيًا، وسقطت وحدته، وانشطر بين ضباط موالين للجبهة، وآخرين داعمين للحركة الوطنية.
ومع الانهيار العسكري، غاب الدور الرسمي للدولة بالكامل، لتُترك الساحة للميليشيات والمبادرات الدولية المتعثرة.
في يونيو 1976، ومع تفاقم الوضع، دخلت القوات السورية الأراضي اللبنانية تحت شعار "قوة ردع عربية"، لكن من وجهة نظر الجبهة اللبنانية، كان ذلك بداية مرحلة جديدة من السيطرة، لا التهدئة.
رأت في الدخول السوري محاولة لوأد مشروعها السيادي، ومساومة على الحساب المسيحي، لا تسوية داخلية حقيقية.
بنهاية 1976، كانت الحرب قد تجاوزت حدود الصراع الداخلي.
أصبح لبنان مسرحًا لصراعات إقليمية، وبدأ الخط الفاصل بين المنطقة الشرقية والغربية يتكرّس.
وبين الضاحية والأشرفية، بيروت الغربية وبيروت الشرقية، كُرّست خطوط التماس لا كحدود أمنية فقط، بل كرمز لتصدّع الكيان، وتحوّل الحرب إلى صراع وجودي.
  الخيارات المغلقة: من ولادة الكيان إلى مقدمات الانفجار (1920–1969) تاريخ لبنان الحديث لا يبدأ بالحرب، بل بانفجار الصيغة.
فقبل أن تتساقط القنابل، كان التراكم السياسي والاجتماعي والطائفي يُنذر بانهيار مرتقب، إذ تأسس الكيان على تناقض جوهري بين مكوّناته، في نظرتهم إلى الذات والآخر والكيان والدور.
عام 1920، وفي لحظة انهيار السلطنة العثمانية، أعلن الجنرال الفرنسي غورو من قصر الصنوبر قيام "دولة لبنان الكبير"، بضمّ الأقضية الأربعة: البقاع وراشيا وحاصبيا وطرابلس وصيدا إلى جبل لبنان.
لم تكن هذه الولادة نتاج إرادة محلية جامعة، بل ثمرة تفاهم دولي برعاية الانتداب الفرنسي، ومطلب ماروني واضح بقيادة البطريرك الحويك، الذي رأى في المشروع خلاصًا روحيًا ووطنيًا لمسيحيي المشرق، بعد قرون من القلق الوجودي تحت حكم السلطنة.
غير أن هذا الضمّ لم يلقَ قبولًا لدى جزء كبير من المسلمين، الذين رأوا فيه انفصالًا عن الفضاء العربي، وانحيازًا إلى مشروع فرنكوفونيّ الهوى.
وهكذا، وُلد الكيان على هشاشة بنيوية، لم تُعالَج لا بالدستور ولا بالمواطنة، بل بالتسويات الطائفية والترضيات.
خلال فترة الانتداب (1920–1943)، أُرسيت قواعد الحكم على قاعدة الموارنة في الرئاسة، والسنة في رئاسة الحكومة، والشيعة في رئاسة المجلس، كترجمة غير مكتوبة لتوازن القوى.
لكن سرعان ما برزت الهواجس المتبادلة: المسيحيون خائفون من الذوبان العددي، والمسلمون ناقمون على "هيمنة الأقليات".
عام 1943، جاء الاستقلال الرسمي، نتيجة تقاطع إرادة داخلية وضغط بريطاني على الفرنسيين.
فُرضت تسوية الميثاق الوطني، التي أفرغت الاستقلال من مضمونه السيادي الكامل، حيث تخلّى المسيحيون عن الحماية الغربية، مقابل تخلّي المسلمين عن الوحدة مع سوريا الكبرى.
لكن هذه الصيغة بقيت هشة، غير مدعومة بثقافة دولة، ولا بنموذج اقتصادي واجتماعي عادل.
في العقود التالية، ازدهر لبنان اقتصاديًا وثقافيًا، وتحوّل إلى نموذج مصرفي وسياحي وحرّ في محيطه.
بيروت أصبحت "باريس الشرق"، والتعدد الطائفي بدا كأنه ميزة.
لكنّ خلف هذا الازدهار، كانت التصدعات تتراكم: غياب التخطيط الإنمائي، وتفشّي الفساد، وتزايد الشعور بالغبن، خصوصًا لدى الشيعة في الجنوب والبقاع، والدروز في الجبل، والفلسطينيين في المخيمات.
في المقابل، بقي المسيحيون، وخصوصًا الموارنة، يرون في لبنان "الوطن النهائي" و"المختبر الحضاري"، واعتبروا الحفاظ على الكيان مسؤولية تاريخية ووجودية.
هذا الوعي الوطني – القومي الصغير – عبّر عنه مفكرون كميشال شيحا، الذي رأى أن التعدد هو جوهر لبنان، شرط أن يُدار ضمن سيادة قوية وهوية مستقلة.
لكن المشروع الماروني اصطدم بثلاثة مشاريع كبرى: 1.
المشروع العربي الوحدوي الذي مثّله عبد الناصر، ووجد صدى في أوساط واسعة من المسلمين اللبنانيين.
2.
المشروع الفلسطيني المسلح الذي بدأ بالتبلور بعد النكبة، ثم تعزّز بعد النكسة.
3.
المشروع السوري التوسعي الذي رأى في لبنان جزءًا طبيعيًا من "سوريا الطبيعية".
كل هذه المشاريع اصطدمت بالمشروع اللبناني، فخلقت تناقضًا فادحًا: فريق يريد الدولة بوصفها وطنًا نهائيًا، وفريق آخر يراها ساحةً، أو محطة عبور.
أحداث عام 1958 كشفت هشاشة الصيغة.
تمرد مسلح ضد الرئيس كميل شمعون، المدعوم من الغرب، بتهمة تفضيله التحالف مع واشنطن ضد المد القومي العربي.
انتهت الأزمة بتسوية قضت بانتخاب اللواء فؤاد شهاب رئيسًا للجمهورية، وتميّز عهده بمحاولة بناء دولة مؤسسات، وإنشاء أجهزة أمنية وخدمة مدنية حديثة، لكنه اصطدم بالطبقة السياسية الطائفية، التي رأت في مشروعه تهديدًا لامتيازاتها.
في هذه المرحلة، بدأ يتكون في أذهان كثير من المسيحيين – وخصوصًا في بيروت الشرقية – شعور بأنهم يخسرون المعركة الكبرى: فالشارع المسلم أكثر تعبئةً بالعروبة والمقاومة، والفصائل الفلسطينية بدأت تتوسع، والدولة تتراخى، والجيش يتفكك بين ولاءات سياسية وطائفية.
وجاء عام 1969 ليؤكد المخاوف.
اتفاق القاهرة، الذي فُرض على لبنان برعاية مصرية، منح المقاومة الفلسطينية شرعية العمليات انطلاقًا من الأراضي اللبنانية، مقابل التزامها بعدم المساس بالسيادة.
لكن ما حصل كان العكس: تنامت ظاهرة السلاح، واحتلّ المسلحون أحياء بكاملها، وشهد الجنوب اختراقًا كاملًا لسيادة الدولة.
من وجهة نظر المسيحيين في المنطقة الشرقية، بدا ذلك خيانة موصوفة من الدولة لالتزاماتها الدستورية.
اللبنانيون يتخلّون عن سيادتهم طوعًا، والمسيحيون يُطلب منهم القبول بذلك بحجج أخلاقية وقومية.
لكن إلى متى؟ وما الثمن؟ هنا، بدأ يتكون المزاج الدفاعي في الأحياء الشرقية من بيروت: من الأشرفية إلى الرميل إلى السوديكو، ومن الكسليك إلى بكفيا إلى المتن وكسروان.
تحرّكت الكنيسة، وبدأ خطاب الدفاع عن الذات، وظهر فرقاء سياسيون ومثقفون يحذرون من التفريط بالكيان.
البعض رأى أن زمن المقاومة لا يعني إسقاط الدولة، والبعض الآخر بدأ يعدّ العدة لمواجهة قادمة، إذا ما استمرّ الانهيار.
هكذا، ومع نهاية الستينيات، لم يكن لبنان على حافة حرب فقط، بل على حافة تفكك عميق في الرؤية إلى الوطن.
الشرخ كان أكبر من مجرد خلاف سياسي، بل صراع على المعنى، والهوية، والمصير.
وكان لا بد، في نظر كثيرين، من لحظة حسم، أيًّا كان شكلها.
  عايش لبنان واحدة من أكثر الحروب الأهلية تشظّيًا في القرن العشرين، حربًا تجاوزت كونها نزاعًا داخليًا على السلطة، لتتحول إلى تصادم دموي بين تناقضات الهوية والمصالح، وتداخلات الداخل والخارج، وصراعات المشاريع فوق أرض وطن لم يُتح له أن يستقرّ أو يكتمل.
ما يُطرح هنا هو مقاربة مختلفة، تنطلق من زاوية كثيرًا ما وُضعت في قفص الاتهام: زاوية الجبهة اللبنانية، ورؤية المسيحيين في المنطقة الشرقية لبيروت ومحيطها، حيث تبلورت مقولة الدفاع عن الكيان والوجود والخصوصية، لا من باب الانعزال، بل من باب الشعور العميق بأن لبنان الذي عرفوه كان يُنتزع منهم، قطعةً بعد أخرى.
لا تروى هذه الحقبة لتبرئة أو إدانة أحد، بل لفهم المسارات كما وُلدت، ولتسليط الضوء على خيارات اتُّهمت بالتطرّف، لكنها – في نظر أصحابها – كانت دفاعًا عن صيغة، ومواجهة لما اعتبروه اختطافًا للكيان ومصادرته لصالح مشاريع عابرة للبنان وحدوده.
بعيدًا عن السرديات الغالبة التي قدّمت الحرب وكأنها نتاج تمرّد على العروبة أو استعانة بالخارج، تُستعرض الوقائع من داخل المنطقة الشرقية، كما رآها أهلها: من سيدة البير إلى الباش، من تل الزعتر إلى الكرنتينا، من الاجتياح السوري إلى الاجتياح الإسرائيلي، من خطاب بشير الجميل إلى عزلة ما بعد الطائف.
ثمّة أسئلة ظلت حبيسة الشعارات أو مؤجلة: هل كان الانفجار محتومًا أم مفتعلًا؟ هل السلاح المسيحي مشروع دفاعي أم مشروع سلطة؟ ما الذي دفع إلى التلاقي مع إسرائيل؟ وهل كان خيارًا تكتيكيًا أم اضطرارًا وجوديًا؟ لماذا وُئدت كل محاولات تحييد لبنان؟ وأين كان الجيش والدولة، وأين كانت المرجعيات العربية والدولية؟ الرؤية المسيحية، كما صاغها مفكرون كميشال شيحا، وترجمها سياسيون كبيار الجميل وكميل شمعون وريمون إدّه، لم تكن انعزالية بالمعنى الاتهامي، بل مشروعًا لتثبيت التعددية وضمان الشراكة.
لكنها وُوجهت بمشروع آخر: العروبة النضالية، المقاومة المسلحة، وتكريس لبنان ساحة لحسابات أكبر.
ما بين جبهة رفضت اتفاق القاهرة وميليشيات دعمته، وما بين سلاح نشأ دفاعًا عن الأرض وسلاح اعتُبر مشروع تحرير، ضاع مفهوم الدولة.
وتحوّلت الحرب إلى حلبة بين شركاء لم يعودوا يؤمنون بالصيغة المشتركة.
اليوم، بعد مرور عقود على وقف إطلاق النار، لا تزال الأسئلة نفسها قائمة، والأجوبة أكثر تعقيدًا.
فالمسيحيون خسروا الموقع والدور، لا فقط بالسلاح بل أيضًا بالسياسة.
والمنطقة الشرقية باتت ذكرى محفورة في الذاكرة، بعدما كانت جبهة متقدّمة في الدفاع عن كيانٍ يتآكل.
هذه القراءة ليست استذكارًا لماضٍ مجيد، ولا نحيبًا على زمن مضى.
إنها محاولة جادّة لتفكيك الخيارات، مواجهة التناقضات، واستعادة حق سرد الحكاية، بعيدًا عن الرقابة الجماعية التي فرضتها "المصالحة" الهشّة بعد الحرب.
ما يُسرد هنا يندرج في سياق المسؤولية التاريخية: أن تُفهم الحرب لا لتُعاد، بل لكي لا تُكرّر.
وأن يُنصف أولئك الذين اختاروا طريقًا صعبًا، قادهم إلى العزلة والتهميش، لكنهم – رغم كل شيء – حاولوا إنقاذ فكرة لبنان.
  "لبنان والأمم المتحدة: إعادة تحديد دور اليونيفيل مدخلاً لاسترداد السيادة وضبط الاشتباك" في أيار 1979، لم يكن لبنان خارج دائرة التصعيد، لا على حدوده الجنوبية ولا في خريطة الانقسامات الداخلية.
فبعد مرور أكثر من عام على الاجتياح الإسرائيلي الواسع للجنوب في آذار 1978، والذي استتبع بصدور القرار 425 والانتشار الأولي لقوات الطوارئ الدولية (اليونيفيل)، بدا واضحاً أن الالتباس لا يزال يحيط بدور هذه القوات، بين مهمة حفظ السلام وتطبيق الانسحاب الإسرائيلي وضبط التداخل بين الجيش الإسرائيلي والمليشيات الحليفة له، لا سيّما جيش لحد.
من هذا المنطلق، جاءت المذكرة التي رفعها وزير الخارجية اللبناني فؤاد بطرس إلى الأمم المتحدة، بتكليف من رئيس الجمهورية إلياس سركيس، لتطرح أسئلة جوهرية حول فعالية التفويض الممنوح لليونيفيل، ومدى استجابته لمقتضيات السيادة اللبنانية.
فقد تبيّن أن الغموض في التفويض، وغياب التنسيق الفعّال مع السلطة اللبنانية، سمحا بفرض وقائع على الأرض تتناقض مع جوهر القرار 425، وأهمها استمرار الاحتلال الإسرائيلي لمناطق من الجنوب، وتنامي دور ميليشيات مرتبطة بالعدو، ما أدّى إلى تفريغ القرار الدولي من محتواه.
المذكرة تطالب، بوضوح، بعقد جلسة عاجلة لمجلس الأمن، وإعادة تحديد مهمة القوات الدولية، بما يحصّن دورها في تمكين الجيش اللبناني من العودة إلى الجنوب، وبما يمنع تحوّل مناطق انتشارها إلى مناطق عازلة لصالح قوى الأمر الواقع.
السياسي المسيحي الذي يعدّ هذه الدراسة يرى أنّ مبادرة الدولة في هذا التوقيت تشكّل محاولة لاستعادة المبادرة الوطنية، بعد مرحلة من التردّد والارتباك.
لكنها أيضاً لا تخلو من المخاطر، خصوصاً إذا ما قُرئت في سياق التوازنات الدولية المتغيرة، والانكفاء الأمريكي النِسبي عن التفاصيل اللبنانية، وانشغال واشنطن باتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، ما قد يضعف تأثير لبنان داخل مجلس الأمن.
الخشية، بحسب هذا السياسي، أن يتحوّل طلب إعادة تعريف الدور الدولي إلى مناسبة لشرعنة تقطيع أوصال السيادة اللبنانية، ما لم تُرفق المبادرة بحشد داخلي صلب، وتوافق وطني على أولويات المرحلة المقبلة.
ولعلّ هذا الحشد لا يتم إلا بإعادة بناء الثقة بين المكوّنات اللبنانية، وتفادي توظيف المبادرات الدبلوماسية في بازار المكاسب الفئوية.
ويختم السياسي دراسته بالتشديد على أنّ أي دور للقوى الدولية، لا بد أن يُصاغ ضمن نظرة شاملة تعترف بسيادة لبنان الكاملة، وتعيد إلى الدولة احتكار السلاح والقرار، على أن يتكامل هذا المسار مع إعادة فتح الحوار الوطني الداخلي، والاستعداد لمرحلة استحقاقات كبرى تبدأ بإعادة بناء المؤسسات.
  في ربيع العام 1978، يترنّح الجنوب اللبناني بين واقع أمني مفكك، وانسحاب إسرائيلي لا يشمل كامل الأراضي اللبنانية، واحتجاز متبادل يعكس شبح الحرب الطويلة.
فمع تأخر وصول قوى الدرك اللبناني إلى بلدة القعقعية، واستمرار منع النازحين من العودة إلى قراهم الجنوبية من قبل الاحتلال الإسرائيلي، تبدو الدولة اللبنانية مُقصاة من أرضها، والمواطن محرومًا من بيته، والسيادة مجتزأة بقرار من الخارج.
وفي ظل حديث إسرائيل عن انسحاب "على مرحلتين" في 11 و14 نيسان الجاري، يتضح أن هذا الانسحاب ليس إلا مناورة جزئية تُبقي الجنوب رهينة التوتر، خصوصًا أنه لا يشمل كل الأراضي اللبنانية المحتلة منذ "عملية الليطاني" في آذار.
في موازاة ذلك، تُعلن المقاومة الفلسطينية احتجازها أربعة جنود إسرائيليين في الجنوب وتسعى إلى مبادلتهم بأسرى فلسطينيين، ما يفتح الباب مجددًا على سياسة الرهائن والمقايضات التي تُضاعف هشاشة الوضع الأمني والسياسي في المنطقة.
أولًا: إسرائيل تفرض واقعًا احتلاليًا بحجّة الانسحاب رغم التصريحات المتكررة من تل أبيب عن "الانسحاب المرحلي"، فإن الوقائع على الأرض تُشير إلى أن الوجود الإسرائيلي لا يزال فعليًا ومباشرًا في عدد كبير من القرى والبلدات الجنوبية، إما عبر الجيش النظامي أو من خلال وكلائه من ميليشيا سعد حداد.
إسرائيل تتصرّف كأن الجنوب منطقة أمنية عازلة دائمة، وليست منطقة لبنانية ذات سيادة.
وقرارها عدم السماح بعودة النازحين ما هو إلا تكريس لهذا الواقع: تفريغ الأرض من سكانها، ومنع عودة الدولة إليها.
ثانيًا: الدولة اللبنانية في موقع العجز. الدرك لم يصل إلى القعقعية إن عدم وصول قوى الدرك اللبناني إلى بلدة القعقعية حتى الآن، رغم انقضاء أسابيع على إعلان الانسحاب الإسرائيلي من محيطها، هو إشارة مؤلمة إلى غياب الدولة عن الجنوب، في وقت يحتاج فيه الجنوبيون إلى حماية رسمية وضمانات للعودة الكريمة.
هذا الغياب يُضعف هيبة الدولة، ويفتح الباب أمام سيطرة أمراء الحرب والميليشيات، سواء المحلية أو الأجنبية، ما يعني أن الجنوب دخل فعليًا في نفق اللا دولة.
ثالثًا: المقاومة الفلسطينية وسياسة الأسرى في مواجهة الانسحاب المجتزأ، أعلنت الفصائل الفلسطينية أنها احتجزت أربعة جنود إسرائيليين، وهي تسعى إلى مبادلتهم بأسرى فلسطينيين في سجون العدو.
هذه العملية، وإن كانت مفهومة في سياق الصراع، إلا أنها تُعيد الجنوب إلى مشهد المواجهة المفتوحة، وتُهدّد بنسف كل المبادرات الدبلوماسية أو الأممية التي حاولت تثبيت الهدنة عبر قوات الطوارئ الدولية.
والأخطر، أن هذه العمليات تُستخدم مبرّرًا دائمًا لتجديد الاجتياح الإسرائيلي وفرض شروط "أمنية" على الدولة اللبنانية، ما يزيد الطين بلّة.
رابعًا: المطلوب – إعادة الاعتبار للدولة وتوحيد القرار أمام هذا المشهد المأسوي، المطلوب من القوى الوطنية اللبنانية، وخصوصًا من المسيحيين الذين يضعون السيادة والكيان في صدارة أولوياتهم، أن يُطالبوا فورًا بما يلي: 1.
نشر قوى الدرك والجيش اللبناني فورًا في المناطق التي انسحب منها العدو.
2.
تأمين عودة آمنة وسريعة للنازحين إلى قراهم.
3.
رفض أي انسحاب إسرائيلي لا يشمل كل الأراضي اللبنانية 4.
تحميل الأمم المتحدة مسؤولية الضغط على إسرائيل للانسحاب الكامل.
5.
إعادة النظر في أداء السلطة المركزية وتوحيد القرار الأمني والعسكري.
الجنوب ليس ملفًا أمنيًا فحسب، بل اختبار حقيقي لجدوى الدولة، ولا يجوز أن يُدار من خارج بيروت، أو من وراء البحار.
الجبهة اللبنانية تدرس لقاء شمعون – سلام: هل الحوار ممكن بين تباعد الرؤى وتلاقي الضرورات؟   في تشرين الثاني 1976، كان لبنان على مفترق طرق خطير، وقد بدأ أخيرًا تنفيذ الخطوات الأولى لإرساء الهدوء بعد سنتين من التقاتل الأهلي الدامي.
فقد بدأت "قوات الردع العربية" بالانتشار الفعلي في مناطق بيروت وبعض المحافظات، في محاولة عربية جماعية لتثبيت وقف إطلاق النار وفرض السلم الأهلي بقوة الردع، بعد أن تعذّرت المعالجات السياسية والأمنية الداخلية، وغرقت البلاد في جولات متكررة من الفوضى المسلحة.
تلك القوات، التي وُلدت نتيجة المبادرة السورية المدعومة من قرارات القمة العربية في الرياض والقاهرة، لم تكن سوى صيغة معدّلة ومتوسعة للتدخل السوري، إنما بإطار عربي "شرعي"، بغية طمأنة الداخل اللبناني، خصوصًا القوى المتحفّظة أو المعارضة للنفوذ السوري المنفرد، وعلى رأسها الجبهة اللبنانية وبعض الأوساط المسيحية.
إن هذه الخطوة، وإن تأخرت، شكّلت نقطة تحوّل في مسار الأزمة، وسمحت للبنانيين أن يلتقطوا أنفاسهم، بعد أشهر من القصف والخطف والقتل على الهوية.
وكانت الرسالة الأبرز أن القرار العربي، بوساطة سوريا ومشاركة رمزية من الجزائر والسودان والسعودية وغيرها، قرّر أن يأخذ المبادرة ويضع حداً لتدهور الوضع في لبنان، بعد أن سقطت كل المبادرات الداخلية في مستنقع التجاذب الدموي.
ولعل الموقف اللافت في هذا السياق جاء من الرئيس الياس سركيس، الذي لم يكن بعد قد بسط سلطته فعليًا على كامل البلاد، لكنه تحرّك بدبلوماسية وحنكة ليعطي الجبهة اللبنانية تطمينات واضحة بشأن نوايا المرحلة المقبلة.
فالرئيس أكد أن لا مشروع عسكري أو سياسي يُفرض بالقوة، بل إن الحوار والمصالحة الوطنية هما السبيل الوحيد.
وقد تجاوبت الجبهة اللبنانية مع هذه الرسائل، متوقفة عن التصعيد، ومرسلة إشارات إيجابية إلى مساعي الرئيس.
وفي المقابل، أتى ترحيب الزعيم كمال جنبلاط بدخول قوات الردع تعبيراً عن قبوله بشرط وقف القتال وبدء مسار تسوية، ولو كان لا يزال يتحفّظ على دور سوريا المهيمن.
لكنه، في الوقت نفسه، قرأ المرحلة الجديدة كفرصة لتجنب المزيد من الانزلاق نحو التقسيم أو الهيمنة الكاملة لإسرائيل على الجبهة الجنوبية.
لقد ظهر جليًا أن الساحة اللبنانية دخلت مرحلة جديدة تقوم على معادلة عربية–سورية تحفظ التوازن، وتعيد ضبط اللعبة الأمنية ضمن خطوط حمراء.
لكنها، من جهة أخرى، لم تُلغِ القلق المشروع لدى القوى المسيحية حيال مشروع طويل الأمد للوصاية، وإن أتى بثوب "الردع العربي".
إن هذا التحرك، وإن خفّف من أتون النار، لا يمكن أن يشكّل بديلاً عن مشروع مصالحة داخلية حقيقية، أساسها الاعتراف المتبادل، وإعادة بناء الدولة على قواعد تمثيلية متوازنة.
ولا يمكن لقوات الردع، مهما بلغ عددها، أن تبني دولة بديلة عن الدولة اللبنانية.
إنما تبقى مهمتها مرحلية، لحماية المهلة السياسية التي يجب أن تُستثمر للعودة إلى المؤسسات، لا لخلق واقع جديد بالقوة.
وهكذا، يضع لبنان اليوم رجله الأولى على سكة التهدئة، لكن التحدي الأكبر لا يزال أمامه: كيف نبني السلم، لا فقط نوقف الحرب؟   الوساطة العربية لتحقيق الحسم السياسي وتهدئة الأوضاع اللبنانية في أيلول من العام 1976، وبينما لبنان لا يزال يغرق في دوامة الحرب والدمار، ومع اتساع الشرخ بين اللبنانيين وتعاظم التدخلات الخارجية، برزت الوساطة العربية كضرورة وجودية تهدف إلى الحسم السياسي وتهدئة الأوضاع المتفجرة.
فبعد أشهر من الاقتتال الأهلي، وتفاقم الفراغين الدستوري والأمني، جاءت المبادرات العربية لتعيد للبنان شيئاً من الأمل، وإن كان مشوباً بالحذر.
المبادرة الأبرز تمثلت في الجهود التي بذلتها جامعة الدول العربية، مدفوعة بإصرار بعض الدول الفاعلة كالسعودية ومصر، لتوحيد الموقف العربي تجاه الأزمة اللبنانية.
فقد بات واضحاً أن التمدد السوري لا يمكن أن يستمر من دون ضوابط عربية، ولا أن يُترجم إلى وصاية سياسية أو أمر واقع مرفوض من غالبية القوى اللبنانية، لا سيما المسيحية منها.
تسارعت اللقاءات في العواصم العربية، وتم تكليف عدد من الشخصيات اللبنانية – بدعم من الجبهة اللبنانية – بنقل الرسائل والتحذيرات إلى دمشق، التي كان عليها أن تُدرك أن الحسم العسكري لا يعوّض غياب التسوية السياسية.
فالمبادرة العربية ليست فقط تهدئة مؤقتة، بل محاولة لإرساء أرضية تفاهم تنقذ لبنان من الانهيار الكامل.
ولعلّ اللقاءات التي رعاها الرئيس المصري أنور السادات وبعض المحاورين من السعودية والكويت، أفضت إلى تفاهمات مبدئية حول ضبط التدخلات الخارجية وإعادة الاعتبار للدولة اللبنانية ومؤسساتها.
كما طُرحت فكرة تعديل طبيعة الدور السوري من "قوة تدخل حاسم" إلى "قوة ردع عربية" تحت مظلة الجامعة العربية، وهو طرحٌ وإن لم يكتمل بعد، شكّل محوراً لنقاشات حساسة بين العواصم المعنية.
في هذا السياق، رأى كثير من الساسة المسيحيين أن لا خلاص للبنان دون توافق عربي يرعى انتقالاً سياسياً آمناً.
فالرئيس إلياس سركيس الذي انتُخب أخيراً، لا يمكن أن يحكم فعلياً ما لم تُستكمل تسوية إقليمية تضمن غطاءً عربياً لدوره.
كما أن الانفلات الأمني في بيروت والجبل والشمال لا يمكن وقفه إلا من خلال إجماع عربي على احترام السيادة اللبنانية، والتخلي عن منطق تسوية الصراعات اللبنانية على أرض لبنان.
من هنا، كانت مواقف الجبهة اللبنانية، وتحديداً البطريرك صفير وكميل شمعون وبيار الجميل، تميل إلى دعم المبادرة العربية شرط أن تكون متوازنة، لا تصادر القرار الوطني، بل تواكب جهود الرئيس سركيس لإطلاق حوار لبناني شامل، وإعادة ترتيب البيت الداخلي على قاعدة الميثاق الوطني وتوازن السلطات.
ختاماً، إن أيلول 1976 شكّل نقطة تقاطع حاسمة: فإما يُكتب للوساطة العربية النجاح، أو يُترك لبنان لمزيد من الانهيار والفوضى.
والمسؤولية تقع على العرب أولاً، وعلى اللبنانيين ثانياً، لاغتنام الفرصة قبل أن يضيع ما تبقى من الوطن.
  زيارة وفد الجبهة اللبنانية إلى دمشق بهدف وضع حد للتدهور الأمني والمساهمة في إعادة السلام وترسيخ السلم الأهلي في لحظة بالغة الحساسية من تاريخ لبنان الحديث، وتحديدًا في شهر تموز من عام 1976، تبلورت مبادرة سياسية تحمل طابعًا وطنيًا جامعًا تمثلت بزيارة وفد من الجبهة اللبنانية إلى العاصمة السورية دمشق.
جاءت هذه الخطوة في سياق تصاعد القتال الأهلي وتعمّق الانقسام الداخلي، ما وضع الكيان اللبناني أمام خطر وجودي داهم، وانسداد شبه تام في أفق الحلول الداخلية.
إنّ زيارة الوفد لم تكن حركة معزولة عن واقع الانهيار العام، بل كانت محاولة جدية لإعادة إحياء الدور السياسي في خضم العنف، ولفتح قناة حوار مباشرة مع الجوار السوري الذي كان قد بدأ يتدخّل عسكريًا على الأرض اللبنانية تحت عنوان إعادة التوازن ومنع انهيار الدولة.
من هنا، كانت المبادرة تعبّر عن إدراك عميق من الجبهة اللبنانية، وخصوصًا قياداتها المسيحية، أن طريق الإنقاذ الوطني لا يمر فقط عبر البندقية، بل أيضًا عبر طاولة المفاوضات مع الأطراف ذات التأثير المباشر على الأزمة.
سعى الوفد إلى تأكيد ثوابت الجبهة اللبنانية في ما يخصّ سيادة لبنان، وضرورة احترام خصوصيته التعددية، ورفض مشاريع التوطين أو التقسيم، كما شدّد على أهمية التوازن في أيّ عملية سياسية أو أمنية تتم برعاية إقليمية.
وأكد أعضاء الوفد في لقاءاتهم مع القيادة السورية أنّ الحل لا يكون بتعزيز طرف على حساب آخر، بل بإعادة الاعتبار للمؤسسات اللبنانية، وانبثاق سلطة دستورية موثوقة، يتوافق حولها اللبنانيون.
لكن الزيارة أثارت في المقابل نقاشًا داخليًا واسعًا، إذ عبّر البعض عن تخوفهم من تحوّل المبادرة إلى غطاء لتثبيت الوصاية السورية، فيما رأى فيها آخرون فرصة لتقليص حدة المواجهات العسكرية وتوفير فرصة حقيقية لبناء مسار سلمي جديد.
ورغم التحفظات، فإن خطوة الجبهة اللبنانية إلى دمشق عبّرت عن إحساس بالمسؤولية التاريخية، وعن وعي بأن الحلّ لا يمكن أن يكون أحادي الجانب، وأنه لا بدّ من مشاركة كل القوى الفاعلة في الداخل والخارج في عملية إنقاذ الوطن من محنته.
لقد شكّلت الزيارة مناسبة لطرح الرؤية المسيحية حول مستقبل لبنان، وموقعه العربي، وتوازن مكوّناته، كما ساهمت في تظهير إرادة وطنية بإعادة بناء الشراكة بين الطوائف، بعيدًا عن لغة الحرب، وبروح المصالحة التاريخية التي يحتاجها اللبنانيون.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو الخطوة بمثابة تمرين مبكر على الدبلوماسية الداخلية-الإقليمية، ومؤشّر على أن الجبهة اللبنانية، رغم ما يُقال عنها، كانت مستعدة للذهاب إلى أبعد الحدود من أجل وقف النزيف، شرط ألا يكون الثمن تفكك لبنان أو المسّ بجوهر كيانه.
  الجبهة اللبنانية تدرس لقاء شمعون – سلام: هل الحوار ممكن بين تباعد الرؤى وتلاقي الضرورات؟ تمهيد في لحظة دقيقة من تاريخ لبنان، وعلى أبواب استحقاقات تشريعية مفصلية، تطرح الساحة السياسية اللبنانية سؤالًا مركزيًا: هل يمكن لجبهة ذات هوية مسيحية واضحة، كالجبهة اللبنانية، أن تنفتح على لقاء سياسي مع شخصية سنية بارزة كالرئيس صائب سلام؟ إنّ تداول فكرة هذا اللقاء بين الرئيس كميل شمعون والرئيس صائب سلام داخل أطر الجبهة ليس حدثًا عابرًا، بل هو مؤشر على تحوّل تدريجي في مقاربة المرحلة، نابع من إدراك عميق بأن التفاهم المسيحي – السني هو شرط أساسي لحماية الكيان، وتحصين النظام، وتفادي انفجار مستقبلي محتمل.
أولًا: سياق المرحلة السياسية في ربيع 1972 في مطلع السبعينيات، بدا أن الحياة السياسية اللبنانية تتجه نحو انسداد تدريجي، على خلفية تصاعد التجاذبات حول السلاح الفلسطيني، وتردي الوضع الاقتصادي، وتعاظم الصراعات الطائفية المقنّعة.
الرئيس كميل شمعون، بصفته أحد أبرز أركان الجبهة اللبنانية، كان يُمثّل تيارًا مسيحيًا يرفع راية السيادة، ويرفض التنازل أمام الأمر الواقع الفلسطيني.
أما الرئيس صائب سلام، فكان لا يزال في موقع القائد السني المعتدل، الذي يوازن بين الوفاء للقضية الفلسطينية والانتماء إلى مشروع الدولة اللبنانية.
بين الرجلين تاريخ من التباعد، ولكن أيضًا خيوط دقيقة من الواقعية السياسية، خاصة حين تتطلب المرحلة مقاربات وطنية تتجاوز الحسابات الشخصية والحزبية.
ثانيًا: الجبهة اللبنانية والتفكير في اللقاء داخل الجبهة اللبنانية، تتباين الآراء حول جدوى اللقاء.
الرأي الأول يرى أن لا مصلحة للجبهة في تطبيع العلاقة مع رموز سياسية كانت في الماضي على طرف نقيض من مشروع بناء الدولة القوية، خصوصًا من كانت مواقفهم مهادنة للفصائل الفلسطينية أو داعية لتعديل النظام الطائفي.
الرأي الثاني – وهو ما يتبناه هذا السياسي – يعتبر أن اللقاء بين شمعون وسلام قد يكون مناسبة لكسر الجليد وتقديم صورة مختلفة عن الجبهة اللبنانية، لا بصفتها تكتلًا طائفيًا، بل إطارًا وطنيًا قابلًا للانفتاح والحوار.
فالجبهة إن أرادت أن تتوسع شعبيًا وتكرّس شرعيتها، لا بد أن تنفتح على الاعتدال السني، لأن استمرار القطيعة سيؤدي حتمًا إلى فرز طائفي قاتل، لن يبقي من لبنان إلا شكله الدستوري دون جوهره التعددي.
ثالثًا: دلالات اللقاء الممكن لقاء شمعون وسلام، إن تم، سيكون رمزيًا أكثر منه تقنيًا.
فهو لا يُفترض أن ينتج حكومة أو ائتلافًا انتخابيًا، بل يوجّه رسالة مزدوجة: إلى الداخل، بأن القيادات التاريخية قادرة على تجاوز الحساسيات.
وإلى الخارج، بأن لبنان لا يزال يتحاور، رغم السلاح، ورغم الاحتقان، ورغم الانقسام.
ومن وجهة نظر استراتيجية، فإن هذا اللقاء يُخرج الجبهة من عزلتها المفترضة، ويحرج من يدّعي أنها تسعى إلى الانغلاق المسيحي أو إلى تفتيت الدولة.
رابعًا: شروط اللقاء وجدواه اللقاء وحده لا يكفي، إن لم يُبنَ على وضوح في الثوابت، وأهمها: احترام السيادة اللبنانية الكاملة، رفض منطق السلاح غير الشرعي، رفض أي تعديل في الميثاق أو الدستور لا يتم بالتوافق، والتزام صريح بأن لبنان بلد نهائي لجميع أبنائه، لا ساحة أو ممرًا لأي صراع خارجي.
إذا استطاع اللقاء أن يُرسّخ هذه المبادئ، فهو خطوة أولى في طريق طويل نحو وفاق وطني حقيقي.
  إذا عرقل الجنوب مسيرة الوفاق الوطني. فحكومة التضامن الوطني هي المدخل الوحيد إلى إنقاذ لبنان تمهيد في ظل التصعيد المتواصل في الجنوب اللبناني، الذي لم يعد ساحة اشتباك فقط بين الفصائل الفلسطينية والقوات الإسرائيلية، بل بات أيضًا مرآةً لانقسام لبناني داخلي حول السيادة والقرار، تطرح الأزمة الجنوبية نفسها كعقبة حقيقية في وجه مسيرة الوفاق الوطني التي يحتاجها لبنان أكثر من أي وقت مضى.
من هنا، نرى أن المدخل العملي والوحيد للعودة إلى طريق الإنقاذ الوطني هو تشكيل حكومة تضامن وطني تجمع الممثلين الحقيقيين لمختلف الطوائف والقوى السياسية، على قاعدة التفاهم لا الغلبة، والوطن لا الفئوية.
أولاً: الجنوب اللبناني. الساحة التي تكشف هشاشة الوفاق لم يكن الجنوب يومًا مجرد رقعة جغرافية منسية، بل هو بوابة الكيان اللبناني على القضية الفلسطينية، ومنطقة تماس دائم بين التوازن الداخلي اللبناني والتوترات الخارجية.
وقد أثبتت الأحداث الأخيرة – من تصاعد عمليات الكفاح المسلح الفلسطيني، إلى الردود الإسرائيلية الدامية، إلى هشاشة القرار اللبناني الرسمي – أن الجنوب تحوّل إلى رهينة صراعات لا يملك لبنان مفاتيحها.
ما يزيد من خطورة هذا الواقع هو الانقسام السياسي الحاد في مقاربة هذا الملف: فريق يرى في المقاومة الفلسطينية امتدادًا لقضية عادلة ويغضّ النظر عن تجاوزها لسيادة الدولة.
وفريق آخر يحمّل هذا الوجود المسؤولية الكبرى عن تفكك الدولة واندلاع الحرب.
وهذا الانقسام، الذي يلبس لبوسًا طائفيًا أحيانًا، يُجهض كل محاولة حقيقية للوفاق الوطني، لأن أساس الوفاق هو الحد الأدنى من التفاهم حول مفهوم السيادة ومرجعية القرار الأمني والسياسي.
ثانيًا: لماذا حكومة تضامن وطني؟ الواقع اللبناني المأزوم لا يحتمل بعد اليوم حكومات محاصصة أو مراضاة شكلية.
كما أن حكومة من لون سياسي واحد، أو تابعة لمحور دون آخر، لن تكون إلا وقودًا إضافيًا للنزاع.
حكومة التضامن الوطني ليست شعارًا، بل حاجة مصيرية.
هي تلك الحكومة التي: تضم كل القوى السياسية الممثَّلة فعليًا في الساحة، تضع ملف الجنوب على الطاولة بندًا أولًا، تتعاطى مع الفلسطينيين بصراحة لا بعداء ولا تبعية، وتطالب المجتمع الدولي، لا بالشعارات، بل بمواقف ملزمة لوقف الاعتداءات الإسرائيلية واحترام سيادة لبنان.
هذه الحكومة، وبهذه الروحية، يمكنها أن تفتح الباب أمام حل لبناني – لبناني أولاً، يسبق أي وساطة خارجية مشروطة.
ثالثًا: مسؤولية المسيحيين والقيادات الوطنية كسياسي مسيحي، أعي أن الهواجس المسيحية ليست محصورة بالخطر الديمغرافي أو بالبعد الفلسطيني فقط، بل تتعداها إلى الخوف من ضياع الكيان بمفهومه التاريخي والميثاقي.
لكن هذا لا يعفينا من واجب المبادرة.
فالمسيحيون لا يمكن أن يكونوا متفرجين على انهيار الدولة، بل شركاء في إعادة بنائها، شرط أن تكون الشراكة حقيقية ومتوازنة، وشرط أن تُترجم هذه النوايا السياسية بتأليف حكومة قادرة على اجتراح الحلول لا تبادل الاتهامات.
رابعًا: ماذا بعد؟ إذا استمرت الفوضى في الجنوب، فإنها ستنسحب تلقائيًا على كل لبنان.
وإذا بقي الانقسام قائماً، فإن الحرب الأهلية ستتغذى من الجنوب كما من الداخل.
لذلك، فإنّ الحل ليس في انتظار المجهول، بل في اتخاذ مبادرة وطنية جريئة: تشكيل حكومة تضامن وطني، تضع الجنوب في صلب مشروع الدولة، وتعيد الاعتبار إلى فكرة الوطن الجامع، لا الوطن المنقسم إلى محميات وساحات.
  في كانون الأول من عام 1976، شهد لبنان تشكيل حكومة مصغّرة تتألّف من ثمانية وزراء، برئاسة الدكتور سليم الحص، وسط ظروف استثنائية تمرّ بها البلاد، أمنياً وسياسياً واجتماعياً.
وقد جاءت هذه الحكومة كمحاولة متقدّمة للانتقال من مشهد الحرب المفتوحة إلى مشهد الدولة المتماسكة، عبر توافق سياسي داخلي، ودفع خارجي عربي ودولي.
تألّفت الحكومة من شخصيات معروفة باعتدالها أو برمزيتها في الطوائف والمناطق، أبرزهم الوزير فؤاد بطرس، والوزير شوقي سلمان، وعبد المجيد شعييتو، والدكتور نديم البزري، وميشال دوما، وجورج رزق، وشارل روفايل.
وقد سعى الرئيس الحص إلى أن تشكّل هذه التشكيلة نقطة انطلاق لتهدئة سياسية ومؤسساتية، تبدأ من بيروت وتتمدّد نحو كل لبنان.
اللافت في هذه المرحلة، أن قادة الجبهة اللبنانية لم يمانعوا ولادة الحكومة، بل صدرت عن الرئيس بشير الجميّل مواقف مرحّبة، ربطاً بالتطمينات التي قدّمها الرئيس إلياس سركيس بخصوص التوازن الوطني والتوجّه إلى حوار حقيقي.
كذلك، أعلن كمال جنبلاط من موقعه التقدّمي تأييداً لحكومة "التقاط الأنفاس"، وسهّل ولادتها رغم الغموض الذي كان يلف بيانها الوزاري.
أما الرئيس كميل شمعون، فقد أبدى تحفّظه عن المشاركة الكاملة في دعم الحكومة، مفضلاً التريث إلى حين صدور البيان الوزاري، الذي سيبيّن برأيه مدى التزام الحكومة بوقف التدهور الأمني، وبمكافحة النزعات الانفصالية، وباستعادة وحدة القرار في مؤسسات الدولة الشرعية.
أما من جهتنا، كمراقب مسيحي ملتزم بالدولة والمؤسسات، نعتبر هذه الحكومة مدخلاً مسؤولاً إلى إعادة الاعتبار للشرعية، وإلى التأسيس لمرحلة جديدة من السلم الأهلي.
فلبنان بات بحاجة إلى دولة قوية تقف على مسافة واحدة من جميع أبنائه، وتعيد تنظيم العلاقة مع الفلسطينيين، وتستفيد من الوجود العربي في إطار قوات الردع، لا في سياق المحاور.
إننا نثمّن اختيار الرئيس سليم الحص، المعروف بنزاهته وحكمته، ونعتبر أن فرصة ذهبية قد فُتحت أمام لبنان، بشرط أن تتوقف كل المناورات الميدانية، وأن يتم الالتزام الكامل من جميع الأطراف بمسار السلم وإعادة بناء الدولة.
ونناشد المجتمع الدولي والعربي المساهمة في دعم هذه الحكومة، عبر إعادة إعمار ما تهدّم، وتعزيز ثقة المواطنين بمستقبل بلدهم.
  في تشرين الثاني 1976، كان لبنان على مفترق طرق خطير، وقد بدأ أخيرًا تنفيذ الخطوات الأولى لإرساء الهدوء بعد سنتين من التقاتل الأهلي الدامي.
فقد بدأت "قوات الردع العربية" بالانتشار الفعلي في مناطق بيروت وبعض المحافظات، في محاولة عربية جماعية لتثبيت وقف إطلاق النار وفرض السلم الأهلي بقوة الردع، بعد أن تعذّرت المعالجات السياسية والأمنية الداخلية، وغرقت البلاد في جولات متكررة من الفوضى المسلحة.
تلك القوات، التي وُلدت نتيجة المبادرة السورية المدعومة من قرارات القمة العربية في الرياض والقاهرة، لم تكن سوى صيغة معدّلة ومتوسعة للتدخل السوري، إنما بإطار عربي "شرعي"، بغية طمأنة الداخل اللبناني، خصوصًا القوى المتحفّظة أو المعارضة للنفوذ السوري المنفرد، وعلى رأسها الجبهة اللبنانية وبعض الأوساط المسيحية.
إن هذه الخطوة، وإن تأخرت، شكّلت نقطة تحوّل في مسار الأزمة، وسمحت للبنانيين أن يلتقطوا أنفاسهم، بعد أشهر من القصف والخطف والقتل على الهوية.
وكانت الرسالة الأبرز أن القرار العربي، بوساطة سوريا ومشاركة رمزية من الجزائر والسودان والسعودية وغيرها، قرّر أن يأخذ المبادرة ويضع حداً لتدهور الوضع في لبنان، بعد أن سقطت كل المبادرات الداخلية في مستنقع التجاذب الدموي.
ولعل الموقف اللافت في هذا السياق جاء من الرئيس الياس سركيس، الذي لم يكن بعد قد بسط سلطته فعليًا على كامل البلاد، لكنه تحرّك بدبلوماسية وحنكة ليعطي الجبهة اللبنانية تطمينات واضحة بشأن نوايا المرحلة المقبلة.
فالرئيس أكد أن لا مشروع عسكري أو سياسي يُفرض بالقوة، بل إن الحوار والمصالحة الوطنية هما السبيل الوحيد.
وقد تجاوبت الجبهة اللبنانية مع هذه الرسائل، متوقفة عن التصعيد، ومرسلة إشارات إيجابية إلى مساعي الرئيس.
وفي المقابل، أتى ترحيب الزعيم كمال جنبلاط بدخول قوات الردع تعبيراً عن قبوله بشرط وقف القتال وبدء مسار تسوية، ولو كان لا يزال يتحفّظ على دور سوريا المهيمن.
لكنه، في الوقت نفسه، قرأ المرحلة الجديدة كفرصة لتجنب المزيد من الانزلاق نحو التقسيم أو الهيمنة الكاملة لإسرائيل على الجبهة الجنوبية.
لقد ظهر جليًا أن الساحة اللبنانية دخلت مرحلة جديدة تقوم على معادلة عربية–سورية تحفظ التوازن، وتعيد ضبط اللعبة الأمنية ضمن خطوط حمراء.
لكنها، من جهة أخرى، لم تُلغِ القلق المشروع لدى القوى المسيحية حيال مشروع طويل الأمد للوصاية، وإن أتى بثوب "الردع العربي".
إن هذا التحرك، وإن خفّف من أتون النار، لا يمكن أن يشكّل بديلاً عن مشروع مصالحة داخلية حقيقية، أساسها الاعتراف المتبادل، وإعادة بناء الدولة على قواعد تمثيلية متوازنة.
ولا يمكن لقوات الردع، مهما بلغ عددها، أن تبني دولة بديلة عن الدولة اللبنانية.
إنما تبقى مهمتها مرحلية، لحماية المهلة السياسية التي يجب أن تُستثمر للعودة إلى المؤسسات، لا لخلق واقع جديد بالقوة.
وهكذا، يضع لبنان اليوم رجله الأولى على سكة التهدئة، لكن التحدي الأكبر لا يزال أمامه: كيف نبني السلم، لا فقط نوقف الحرب؟   الوساطة العربية لتحقيق الحسم السياسي وتهدئة الأوضاع اللبنانية في أيلول من العام 1976، وبينما لبنان لا يزال يغرق في دوامة الحرب والدمار، ومع اتساع الشرخ بين اللبنانيين وتعاظم التدخلات الخارجية، برزت الوساطة العربية كضرورة وجودية تهدف إلى الحسم السياسي وتهدئة الأوضاع المتفجرة.
فبعد أشهر من الاقتتال الأهلي، وتفاقم الفراغين الدستوري والأمني، جاءت المبادرات العربية لتعيد للبنان شيئاً من الأمل، وإن كان مشوباً بالحذر.
المبادرة الأبرز تمثلت في الجهود التي بذلتها جامعة الدول العربية، مدفوعة بإصرار بعض الدول الفاعلة كالسعودية ومصر، لتوحيد الموقف العربي تجاه الأزمة اللبنانية.
فقد بات واضحاً أن التمدد السوري لا يمكن أن يستمر من دون ضوابط عربية، ولا أن يُترجم إلى وصاية سياسية أو أمر واقع مرفوض من غالبية القوى اللبنانية، لا سيما المسيحية منها.
تسارعت اللقاءات في العواصم العربية، وتم تكليف عدد من الشخصيات اللبنانية – بدعم من الجبهة اللبنانية – بنقل الرسائل والتحذيرات إلى دمشق، التي كان عليها أن تُدرك أن الحسم العسكري لا يعوّض غياب التسوية السياسية.
فالمبادرة العربية ليست فقط تهدئة مؤقتة، بل محاولة لإرساء أرضية تفاهم تنقذ لبنان من الانهيار الكامل.
ولعلّ اللقاءات التي رعاها الرئيس المصري أنور السادات وبعض المحاورين من السعودية والكويت، أفضت إلى تفاهمات مبدئية حول ضبط التدخلات الخارجية وإعادة الاعتبار للدولة اللبنانية ومؤسساتها.
كما طُرحت فكرة تعديل طبيعة الدور السوري من "قوة تدخل حاسم" إلى "قوة ردع عربية" تحت مظلة الجامعة العربية، وهو طرحٌ وإن لم يكتمل بعد، شكّل محوراً لنقاشات حساسة بين العواصم المعنية.
في هذا السياق، رأى كثير من الساسة المسيحيين أن لا خلاص للبنان دون توافق عربي يرعى انتقالاً سياسياً آمناً.
فالرئيس إلياس سركيس الذي انتُخب أخيراً، لا يمكن أن يحكم فعلياً ما لم تُستكمل تسوية إقليمية تضمن غطاءً عربياً لدوره.
كما أن الانفلات الأمني في بيروت والجبل والشمال لا يمكن وقفه إلا من خلال إجماع عربي على احترام السيادة اللبنانية، والتخلي عن منطق تسوية الصراعات اللبنانية على أرض لبنان.
من هنا، كانت مواقف الجبهة اللبنانية، وتحديداً البطريرك صفير وكميل شمعون وبيار الجميل، تميل إلى دعم المبادرة العربية شرط أن تكون متوازنة، لا تصادر القرار الوطني، بل تواكب جهود الرئيس سركيس لإطلاق حوار لبناني شامل، وإعادة ترتيب البيت الداخلي على قاعدة الميثاق الوطني وتوازن السلطات.
ختاماً، إن أيلول 1976 شكّل نقطة تقاطع حاسمة: فإما يُكتب للوساطة العربية النجاح، أو يُترك لبنان لمزيد من الانهيار والفوضى.
والمسؤولية تقع على العرب أولاً، وعلى اللبنانيين ثانياً، لاغتنام الفرصة قبل أن يضيع ما تبقى من الوطن.
  في لحظة بالغة الحساسية من تاريخ لبنان الحديث، وتحديدًا في شهر تموز من عام 1976، تبلورت مبادرة سياسية تحمل طابعًا وطنيًا جامعًا تمثلت بزيارة وفد من الجبهة اللبنانية إلى العاصمة السورية دمشق.
جاءت هذه الخطوة في سياق تصاعد القتال الأهلي وتعمّق الانقسام الداخلي، ما وضع الكيان اللبناني أمام خطر وجودي داهم، وانسداد شبه تام في أفق الحلول الداخلية.
إنّ زيارة الوفد لم تكن حركة معزولة عن واقع الانهيار العام، بل كانت محاولة جدية لإعادة إحياء الدور السياسي في خضم العنف، ولفتح قناة حوار مباشرة مع الجوار السوري الذي كان قد بدأ يتدخّل عسكريًا على الأرض اللبنانية تحت عنوان إعادة التوازن ومنع انهيار الدولة.
من هنا، كانت المبادرة تعبّر عن إدراك عميق من الجبهة اللبنانية، وخصوصًا قياداتها المسيحية، أن طريق الإنقاذ الوطني لا يمر فقط عبر البندقية، بل أيضًا عبر طاولة المفاوضات مع الأطراف ذات التأثير المباشر على الأزمة.
سعى الوفد إلى تأكيد ثوابت الجبهة اللبنانية في ما يخصّ سيادة لبنان، وضرورة احترام خصوصيته التعددية، ورفض مشاريع التوطين أو التقسيم، كما شدّد على أهمية التوازن في أيّ عملية سياسية أو أمنية تتم برعاية إقليمية.
وأكد أعضاء الوفد في لقاءاتهم مع القيادة السورية أنّ الحل لا يكون بتعزيز طرف على حساب آخر، بل بإعادة الاعتبار للمؤسسات اللبنانية، وانبثاق سلطة دستورية موثوقة، يتوافق حولها اللبنانيون.
لكن الزيارة أثارت في المقابل نقاشًا داخليًا واسعًا، إذ عبّر البعض عن تخوفهم من تحوّل المبادرة إلى غطاء لتثبيت الوصاية السورية، فيما رأى فيها آخرون فرصة لتقليص حدة المواجهات العسكرية وتوفير فرصة حقيقية لبناء مسار سلمي جديد.
ورغم التحفظات، فإن خطوة الجبهة اللبنانية إلى دمشق عبّرت عن إحساس بالمسؤولية التاريخية، وعن وعي بأن الحلّ لا يمكن أن يكون أحادي الجانب، وأنه لا بدّ من مشاركة كل القوى الفاعلة في الداخل والخارج في عملية إنقاذ الوطن من محنته.
لقد شكّلت الزيارة مناسبة لطرح الرؤية المسيحية حول مستقبل لبنان، وموقعه العربي، وتوازن مكوّناته، كما ساهمت في تظهير إرادة وطنية بإعادة بناء الشراكة بين الطوائف، بعيدًا عن لغة الحرب، وبروح المصالحة التاريخية التي يحتاجها اللبنانيون.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو الخطوة بمثابة تمرين مبكر على الدبلوماسية الداخلية-الإقليمية، ومؤشّر على أن الجبهة اللبنانية، رغم ما يُقال عنها، كانت مستعدة للذهاب إلى أبعد الحدود من أجل وقف النزيف، شرط ألا يكون الثمن تفكك لبنان أو المسّ بجوهر كيانه.
يعيش لبنان في خضم أخطر مراحله المصيرية، بعدما تحوّل الصراع من أزمة داخلية إلى نزاع إقليمي-دولي تتداخل فيه أطراف متعددة تتسابق على التأثير في مسار الأحداث.
وبعد انتخاب الرئيس الياس سركيس في 8 أيار الماضي، أملنا بمرحلة جديدة تعيد التوازن إلى مؤسسات الدولة، وتعزّز منطق الشرعية في مواجهة الفوضى، إلا أنّ التطورات الأمنية المتسارعة واندلاع معارك الجبل وعودة التوتر إلى العاصمة وضع الجميع أمام واقع أكثر تعقيدًا.
وفي هذا السياق، أعلنت الجامعة العربية في اجتماع وزراء الخارجية العرب المنعقد في القاهرة، توسيع ما بات يُعرف بـ«قوات الردع العربية» لتشمل وحدات جزائرية وليبية وسودانية وسعودية إلى جانب القوات السورية والفلسطينية المنتشرة أصلًا على الأراضي اللبنانية.
لم يكن مبدأ الدعم العربي مرفوضًا بطبيعته، بل على العكس، فإن أي جهد صادق يصب في اتجاه تهدئة النزاع مرحّب به من اللبنانيين، لكن ما أثار القلق والامتعاض هو غياب التمثيل اللبناني الرسمي عن هذا الاجتماع المصيري، ما اعتُبر تجاهلًا للسيادة الوطنية ولحق اللبنانيين في تقرير مصيرهم بأنفسهم.
توسيع قوات الردع، بصيغته الحالية، وُضع خارج أي إطار تفاوضي مع الدولة اللبنانية، أو أي تفويض صادر عن رئاسة الجمهورية أو الحكومة اللبنانية، ما يُفقد هذه المبادرة شرعيتها الأخلاقية والسياسية.
فكيف يمكن لقوى خارجية أن تقرر توزيع السلاح والجنود على أرض لبنان من دون الرجوع إلى سلطة لبنان الدستورية؟ وأين موقع السيادة اللبنانية في هذا المشهد؟ المفارقة المؤلمة أن بعض هذه الدول، لا سيما الجزائر وليبيا، لم تكن يومًا منخرطة فعليًا في الملف اللبناني، بل إنّ تدخلها في هذا التوقيت الحرج يثير تساؤلات عن الأجندات المتخفّية تحت غطاء التضامن العربي.
أما المشاركة الفلسطينية، فهي أكثر ما يثير الجدل، إذ إن الفصائل الفلسطينية جزء من النزاع الداخلي، ولا يمكن لها أن تكون عنصرًا محايدًا في قوة تُفترض أنها ردعية وضامنة للسلم الأهلي.
لقد تزامن هذا القرار مع استمرار التدهور الأمني وغياب المرجعية الدستورية الفاعلة، مما جعل لبنان يُدار، أو بالأحرى يُنهك، من الخارج والداخل في آنٍ معًا.
من هنا، فإنّ المطلوب اليوم ليس تكثيف عدد الجيوش على الأرض، بل إعادة الاعتبار إلى منطق الدولة، والاحتكام إلى الحوار الوطني، وإعطاء الرئيس المنتخب فرصة لتثبيت دعائم الشرعية، من دون فرض أمر واقع عليه من القوى الشقيقة أو الصديقة.
المطلوب أيضًا أن لا يكون تدخل الأشقاء العرب على حساب الميثاق الوطني والخصوصية اللبنانية، بل أن ينطلق من تشاور صادق مع القيادات اللبنانية في كافة المواقع، وبموافقة صريحة من رئاسة الجمهورية ومجلس النواب.
لا يجوز أن يُفرض الأمن بالسلاح فقط، بل بالحوار والمصالحة، واحترام التوازنات اللبنانية المعروفة، وتطبيق اتفاقية القاهرة بروحها لا بحرفها، بعيدًا عن التجاوزات والانحيازات.
ختامًا، نرى أنّ كل مبادرة عربية لا تمرّ عبر الدولة اللبنانية تبقى قاصرة وغير قابلة للحياة، لأنّ الشرعية وحدها هي من يُكتب لها الاستمرار.
  الجبهة اللبنانية: حين حمل الوطن على زنود المحاربين ودموع الأرامل وضمائر الأحرار لم تُولد الجبهة اللبنانية من عبث، ولا نشأت على هامش الصراعات.
بل كانت ردة فعلٍ واعية، أخلاقية، وسيادية في آن، على انهيار الدولة، وتمدد السلاح الغريب، وتفاقم الوصايات، وسقوط الشرعية في وحول الصفقات.
هي جبهة نشأت لتكون صوت لبنان الحرّ، ولتقول كلمة "لا" مدوية في وجه الاستتباع والتهجير والاغتيال.
في عام 1976، ومع اشتداد نيران الحرب وغياب الدولة عن القرار، اجتمع رجال الكلمة والسلاح، السياسة والكنيسة، لينادوا بقيام جبهة تنقذ الكيان.
كانت الجبهة اللبنانية تعبيرًا سياسيًا عن إرادة وجودية رفضت أن يتحول لبنان إلى ساحة للثورة الدائمة أو بوابة تحرير على حساب أبنائه.
في تلك اللحظة المصيرية، اجتمع كميل شمعون وبيار الجميّل وريمون إده وشارل مالك وغيرهم من رجالات لبنان في مشروع لا يُشبه إلا لبنان.
مشروع عنوانه السيادة، وجوهره الشراكة، ومحرّكه الإيمان العميق بأن لبنان ليس مرحلة، بل رسالة، كما وصفه البابا القديس يوحنا بولس الثاني لاحقًا.
لكنّ الجبهة لم تكن مجرد بيان سياسي، بل جسدها آلاف الشباب الذين حملوا البندقية دفاعًا عن قراهم وأحيائهم وبيوتهم.
حملوها في الأشرفية وزحلة، في الدكوانة وعين الرمانة، في كسروان والشمال.
وكانت زنودهم هي حدود الوطن، وعرقهم هو خرائطه الحقيقية.
لم يكن هناك جيش موحد، ولم تكن هناك مؤسسات فاعلة.
الجبهة وحدها كانت المؤسسة الروحية والسياسية التي آمن بها هذا الجمهور.
نذكر عام 1981، حين حوصرت زحلة بأكثر من عشرين ألف مقاتل من القوى السورية والفلسطينية، ودافع عنها بضع مئات من المحاربين اللبنانيين، بأسلحتهم المتواضعة ولكن بإيمانهم الجبّار.
لم تكن معركة عسكرية فحسب، بل كانت رمزية كيانية – صمود زحلة كان صمود لبنان في وجه محاولة محوه.
ثم جاءت انتخابات 1982 الرئاسية، فحملت الجبهة اللبنانية بشير الجميل إلى قصر بعبدا، في لحظة حلم وطني لم تدم إلا أيامًا قبل أن يغتاله أعداء الكيان في انفجار لم يقتل بشير فحسب، بل حاول اغتيال الحلم كله.
ولكن إرثه بقي في ذاكرة الجبهة، وفي ضمير المقاومين، وفي وجدان شعب قرر أن لا يستسلم.
ما تلا ذلك كان أكثر مرارة، من الاجتياح الإسرائيلي، إلى انقسام العاصمة، إلى صراع الميليشيات، إلى صعود مشروع الهيمنة السورية.
لكنّ الجبهة، رغم الانقسامات الداخلية والضغوط الدولية، بقيت حاملة لمشروع السيادة.
وكانت ضميرًا يُنادي بأن لا خلاص إلا بعودة الدولة، لا خلاص إلا بالحياد، لا خلاص إلا بلبنان كما أراده المؤسسون.
ولم تكن المعارك وحدها هي التي رسمت ملامح الجبهة، بل التضحيات اليومية.
كانت الأرملة اللبنانية في تلك المرحلة جبهة قائمة بحد ذاتها.
زوجات الشهداء، أمهات المحاربين، نساء غسّلن بدموعهن شهداء المقاومة، وربّين أبناءهن على الرجاء، وفتحن بيوتهن للمحاربين الهاربين من الحصار، وسهرن ليالٍ طويلة يصلّين من أجل سلام لم يأتِ.
تلك الأرامل، هنّ من بنى الجبهة الاجتماعية الأخلاقية حول الجبهة العسكرية والسياسية.
وكانت الكنيسة حاضرة، بصلابة الموارنة، وبكلمات البطريرك صفير قبل أن تُدوَّن، في صلوات الرهبان، وفي مقاومة الصمت والخوف.
كانت الجبهة المسيحية تحمل في قلبها بعدًا روحيًا رساليًا: الدفاع عن الحضور الحرّ في هذا الشرق، لا كمجتمع مغلق، بل كشريك في بناء الوطن.
كل ذلك كان ثمنه باهظًا: اغتيالات، حصارات، دمار، تهجير، انشقاقات، لكن بقي شيء واحد صلبًا لا يُكسر: الإيمان بلبنان.
ذلك الإيمان هو الذي حملته الجبهة، في وجه المؤامرات، في زمن انهيار المؤسسات، حين صار كل شيء مباحًا، وكل شيء للبيع. إلّا لبنان.
اليوم، ونحن في قلب هذه المحنة المستمرة، لا نطلب من الناس أن يعبدوا الجبهة ولا أن يُقدّسوا زعماءها، بل أن يعرفوا حقيقة ما جرى، وأن يفهموا أن ما دفعه هذا المجتمع من دموع ودماء وخراب، لم يكن عبثًا، بل في سبيل فكرة.
فكرة أن لبنان لا يموت، وأنه لا يُؤخذ لا بالعنف ولا بالتطويع، وأن شعبه، حين يتهدّد كيانه، يتحوّل من ضحية إلى مقاوم، ومن ساكن إلى شهيد، ومن خائف إلى صانع تاريخ.
الجبهة اللبنانية هي إحدى حلقات هذا التاريخ.
لا تكتمل حكاية لبنان من دونها، ولا يُفهم الصراع اللبناني من دون أن تُفهم دوافعها، وآلامها، وانكساراتها، وانتصاراتها.
هي ليست صفحة انتهت، بل صوت باقٍ في ضميرنا، يذكّرنا: أن لبنان قام، وسيبقى، لأن هناك من رفض أن يسقط.
لبنان والقضية الفلسطينية تعد القضية الفلسطينية إحدى القضايا المركزية التي شكلت، وما زالت تشكل، محور الصراعات السياسية والاجتماعية في الشرق الأوسط، وخصوصًا في لبنان الذي بات جزءًا لا يتجزأ من هذه المعادلة المعقدة.
منذ اندلاع النكبة الفلسطينية في عام 1948، وإلى يومنا هذا، تحولت القضية الفلسطينية إلى قضية محورية لها أبعاد وطنية وإقليمية وعالمية، أثرّت بشكل مباشر على الأوضاع اللبنانية بكل ما تحمله من تفاصيل سياسية واجتماعية وأمنية.
وكان للبنان، بتركيبته الديموغرافية والاجتماعية والسياسية الفريدة، وقع خاص في التعامل مع هذه القضية التي شكلت تحديًا حقيقيًا للكيان اللبناني ومستقبله.
منذ بداية وجود اللاجئين الفلسطينيين على الأراضي اللبنانية، شهد لبنان تغيرات جذرية على المستوى الداخلي، إذ دخلت معه قضية اللاجئين البُعد السياسي الذي زاد من تعقيد المشهد اللبناني.
فقد برزت على الساحة اللبنانية حركة المقاومة الفلسطينية التي وجدت في لبنان منطلقًا لعملياتها ضد إسرائيل، الأمر الذي جلب لبنان إلى قلب دائرة الصراعات الإقليمية، وجرّ معه تبعات متعددة كان اللبنانيون يتحملون أوزارها يومًا بعد يوم.
ومن هنا تنبع أهمية دراسة أثر هذه القضية على الكيان اللبناني، لا من منظور مجرد تسجيل الأحداث، بل من وجهة نظر الجبهة اللبنانية التي ترى في القضية الفلسطينية قضية وطنية تتداخل فيها أبعاد الدفاع عن لبنان وصيانة كيانه وحماية هويته الوطنية.
الجبهة اللبنانية، التي تمثل رؤية سياسية لمسؤولية اللبنانيين تجاه وطنهم، تحلل هذه القضية ضمن إطار الحفاظ على التوازن الوطني وحماية النسيج اللبناني من أي اختراق أو استهداف قد يهدد الاستقرار والعيش المشترك.
في نظر الجبهة، إن وجود اللاجئين الفلسطينيين في لبنان ليس مجرد ظاهرة إنسانية أو اجتماعية، بل له أبعاد سياسية وعسكرية أثرّت في كل الميادين، وأسهمت في إحداث خلل في التركيبة اللبنانية الدقيقة التي يقوم عليها النظام الطائفي.
على مدى السنوات التي تلت وصول اللاجئين الفلسطينيين، برزت العديد من التوترات والصراعات التي لم تكن بعيدة عن خلفيات القضية الفلسطينية، فقد انعكست هذه القضية على السياسة الداخلية اللبنانية عبر ظهور ميليشيات وأحزاب ذات توجهات مختلفة، وممارسات لا تحترم السيادة اللبنانية، خاصة مع تصاعد عمليات المقاومة المسلحة داخل لبنان.
كما ساهمت الأحداث التي جرت في لبنان خلال السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، والتي شهدت حروبًا أهلية وتدخلات خارجية، في تعميق الأزمة التي ترتبط بالقضية الفلسطينية وتبعاتها الأمنية والسياسية والاجتماعية.
ولم تكن الأوضاع في لبنان منجرد انعكاسات سلبية فقط، بل أسهمت في تكوين وعي لبناني جديد بشأن أهمية الحفاظ على السيادة والقرار الوطني، والحاجة إلى إعادة النظر في آليات التعامل مع هذه القضية بما يحفظ الأمن والاستقرار اللبنانيين.
من هذا المنطلق، أخذت الجبهة اللبنانية على عاتقها مسؤولية التوعية والتمسك بخيار الحلول الوطنية التي تعزز وحدة لبنان وتحميه من التفكك.
وفي هذا الإطار، يرى العديد من الباحثين والسياسيين أن القضية الفلسطينية ليست قضية مجرد حضور أو نزوح للاجئين فقط، بل هي قضية مصيرية تتعلق بوجود لبنان نفسه ومستقبل أبنائه، خصوصًا أن اشتداد النزاعات على الأراضي اللبنانية انعكس على كل مفاصل الحياة، من اقتصاد إلى بنية اجتماعية، مرورا بالسياسة والامن، حتى أصبحت الأزمة الوطنية اللبنانية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمآلات القضية الفلسطينية.
فالوجود المسلح على الأراضي اللبنانية، في ظل غياب السيطرة الرسمية الكاملة، كان سببًا رئيسيًا في دخول لبنان في أتون الصراعات، وتدهور مؤسساته الوطنية.
كما أن تأثير هذه القضية على الحياة السياسية اللبنانية كان واضحًا من خلال انقسامات سياسية حادة بين القوى اللبنانية المختلفة، والتي عبرت عن نفسها من خلال الجبهات السياسية والعسكرية التي شكلت ملامح الحرب اللبنانية.
وقد ساهمت الأزمة الفلسطينية في تصاعد هذا الانقسام، حيث كانت الأجندات الخارجية والإقليمية تتغذى من هذا التوتر، مما أدى إلى تعميق الأزمة الوطنية اللبنانية.
ومع ذلك، فقد حاولت الجبهة اللبنانية تقديم رؤية واضحة وشاملة لكيفية تجاوز الأزمة، من خلال دعوة جميع الأطراف اللبنانية إلى الوحدة والعمل على إعادة بناء الدولة التي تستوعب الجميع، وتحترم سيادتها على كامل أراضيها، بما في ذلك حقوق اللاجئين الفلسطينيين إنسانياً ضمن إطار يحفظ الأمن الوطني اللبناني.
فالجبهة تؤمن بأن الحل لا يمكن أن يكون عسكريًا أو قائمًا على الاحتلال أو التدخلات الأجنبية، بل هو سياسي ووطني يجب أن ينبع من إرادة الشعب اللبناني نفسه، الذي يرفض التنازل عن كيانه ومستقبله.
تاريخيًا، شكلت القضية الفلسطينية نقطة اختبار حقيقية للبنان في قدرته على الصمود والحفاظ على تماسكه، وكانت الدروس المستخلصة من تلك المرحلة مؤلمة لكنها ضرورية لفهم حقيقة التحديات التي تواجهها الدول التي تعاني من اختراقات إقليمية.
وبدون فهم عميق لهذه الأبعاد، لن يتمكن لبنان من اتخاذ الخطوات الحاسمة اللازمة لتحقيق الأمن والاستقرار، فالمعركة ليست فقط بين القوى السياسية على الساحة اللبنانية، بل هي معركة وجود وكرامة لكل اللبنانيين.
في هذا السياق، تسعى هذه الدراسة إلى تقديم قراءة معمقة لتأثير القضية الفلسطينية على الكيان اللبناني من منظور الجبهة اللبنانية، محاولين تسليط الضوء على الجوانب المختلفة لهذه العلاقة المركبة، وتبيان كيف انعكست هذه القضية على بنية النظام اللبناني، وعلى التوازنات الداخلية، وعلى السياسة الوطنية.
كما تهدف الدراسة إلى استعراض بعض المواقف والأفكار التي طرحها ممثلو الجبهة اللبنانية في مواجهة هذه الأزمة، والسبل التي دعت إليها للحفاظ على لبنان.
ومن خلال ذلك، تأمل هذه الدراسة في أن تسهم في إثراء النقاش الوطني، وأن تفتح أبوابًا للحوار البنّاء بين مختلف القوى اللبنانية، بما يعزز من فرص بناء مستقبل يضمن لجميع اللبنانيين العيش بكرامة وأمان، بعيدًا عن النزاعات والصراعات التي أثرت على حياتهم لعقود طويلة.
فالقضية الفلسطينية، على أهميتها، يجب ألا تتحول إلى ورقة ضغط أو وسيلة لتعميق الخلافات الداخلية، بل يجب أن تعالج بما ينسجم مع المصالح الوطنية العليا، وبما يحفظ لبنان ويصون هويته الوطنية المتعددة.
إن فهم تأثير القضية الفلسطينية على لبنان ليس مهمة سهلة أو محصورة في الأبعاد السياسية فقط، بل يتطلب استيعابًا عميقًا للبُعد الاجتماعي والاقتصادي والثقافي الذي أنتجته هذه القضية على الأرض اللبنانية.
فاللاجئون الفلسطينيون، رغم معاناتهم، كانوا جزءًا من المشهد اللبناني، لكن وجودهم تحت تأثير فصائل مسلحة وبعيدة عن أي سلطة رسمية، أوجد حالة استثنائية أثرت على مفاصل الدولة ونظامها السياسي.
كما أن الأزمة اللبنانية في ظل هذه القضية شكلت تحديًا على صعيد النظام الطائفي الذي يقوم على مشاركة القوى اللبنانية المختلفة، إذ أوجدت متغيرات جديدة فرضت إعادة النظر في العلاقات بين الطوائف، وفي كيفية ضمان التوازن الوطني الذي يضمن الكيان اللبناني.
ومن هنا تأتي أهمية رؤية الجبهة اللبنانية التي ترى في حماية الدولة وأمنها وأمن مواطنيها أساسًا لكل الحلول الممكنة.
وفي خضم الصراعات التي عصفت بالمنطقة، ظل لبنان يعاني من تبعات وجود هذه القضية على أراضيه، بين احتلال خارجي وتدخلات أجنبية وحروب أهلية، كان الشعب اللبناني يدفع ثمنها باهظًا.
لذا، فإن الجبهة اللبنانية تنادي بضرورة وضع حد لهذه المآسي من خلال تبني مقاربات وطنية جامعة تحمي لبنان، وتعيد له دوره الإقليمي المعتدل، بعيدًا عن محاولات استغلاله من قبل قوى إقليمية ودولية.
إن هذه الدراسة، رغم ما تحمله من وقائع وأحداث صعبة، تسعى إلى إظهار أن الأمل في لبنان يكمن في الوحدة الوطنية والتمسك بالسيادة والقرار الحر، وأن مواجهة التحديات، ومن ضمنها القضية الفلسطينية، لا يمكن أن تتم إلا من خلال تضافر الجهود الداخلية التي تحمي الكيان اللبناني، وتحافظ على هويته الوطنية المتعددة التي تعتبر ثروة يجب صونها وحمايتها.
بهذا الفهم، تبرز أهمية الدراسة في توثيق تجربة لبنانية فريدة من نوعها، تلقي الضوء على تعقيدات القضية الفلسطينية في لبنان، وتبيّن كيف أثرت في بناء وصمود الكيان اللبناني، وكيف يمكن من خلالها استشراف مستقبل يكون فيه لبنان أكثر قدرة على حماية نفسه، وفتح آفاق للحلول السياسية التي تحقق السلام والاستقرار للجميع.
لم يكن لبنان بمنأى عن تداعيات القضية الفلسطينية منذ أن أخذت هذه القضية مركز الصراع العربي الإسرائيلي بعد نكبة عام 1948، حيث تحول لبنان، بكل تعقيداته الاجتماعية والسياسية، إلى ساحة مفتوحة لتفاعلات متعددة تتعلق بالقضية الفلسطينية التي اجتاحت المنطقة.
في الواقع، أثرت القضية الفلسطينية على لبنان بشكل عميق، بحيث لم تعد مجرد قضية لاجئين أو نزوح مؤقت، بل تحولت إلى ظاهرة سياسية وعسكرية واجتماعية أثرت بشكل مباشر على بنية الدولة اللبنانية ونسيجها الوطني.
فقد أدخل وجود اللاجئين الفلسطينيين على الأراضي اللبنانية تحديات جديدة متعددة الأوجه، كان من أبرزها تغيير التوازنات الديموغرافية، وزيادة الانقسامات السياسية، وتدهور الأوضاع الأمنية، الأمر الذي أثر سلباً على الاستقرار الوطني.
إن لبنان، بنظامه الطائفي الدقيق والمتوازن، وجد نفسه أمام تحديات ضخمة فرضتها التطورات المرتبطة بالقضية الفلسطينية، لا سيما بعد أن أصبحت الفصائل الفلسطينية مسلحة وذات تأثير سياسي وعسكري واضح على الأرض اللبنانية.
فقد ساهم وجود هذه الفصائل المسلحة في تفجير الأوضاع الداخلية، وفتح المجال أمام تدخلات إقليمية ودولية، ما أدى إلى تعقيد المشهد اللبناني وافتعال حروب أهلية كان لها أثر مدمر على الدولة والمجتمع.
  صرخة في زمن العتمة: أن تكون مسيحيًّا في لبنان المحترق لا أكتب بدموعي، بل بما تبقّى من صوتي بعدما اختنق الصراخ.
كل شيء من حولي ينطفئ.
الصور، الوجوه، الأحلام.
.
.
وحتى اللهجة التي كنّا نغنّي بها للوطن باتت تخنقنا حين ننطق بها.
لم نعد نعرف كيف نعبّر عن وجعنا، نحن الذين لم نكن نتقن إلا الحياة.
كل شيء يتفكك.
لا المؤسسات بقيت، ولا الثقة، ولا السقف الذي كان يجمع بين المختلفين.
والمسيحي في قلب هذا الانهيار بات يشعر أنه يُحاصَر لا بالسلاح وحده، بل بالعزلة، وبالتشكيك، وبمحاولات سلخه عن دوره، وعن ذاته، وعن كيانه.
لسنا نبحث عن امتياز.
نحن فقط نُدافع عن وجود، عن معنى، عن جذور تضرب في عمق هذه الأرض.
وما نشهده اليوم ليس سوى محاولة خبيثة لنقلنا من موقع الشراكة إلى موقع الدفاع اليائس.
وكأنهم يريدوننا أن نصمت، أن نطأطئ الرؤوس، أن نغادر، أو أن نقبل بوطن لا يشبهنا.
كثيرون من حولنا يقولون إنها حرب كغيرها، وإن النار تأكل الجميع.
لكن لا، هذه النار تلسعنا في الروح.
لأنها تطال ما بنيناه على مدى أجيال: الإيمان، الكرامة، الانفتاح، العيش مع الآخر على قاعدة الحرية، لا الخضوع.
في كل جبهة، يقاتل شبان لا يدافعون عن سلطة، بل عن هوية.
كل وجه بينهم يصرخ: نحن هنا، لن نباع، لن نُمحى.
الجبهة اللبنانية لم تقم لتصنّف الناس، بل لتحمي فكرة.
والفكرة كانت وما زالت بسيطة: لا لبنان من دون المسيحيين أحرارًا، أقوياء، شركاء.
لكن كم بات صعبًا أن نشرح هذا الألم لمن لا يشعر به.
أن نصرخ في آذان لا تصغي، وفي عواصم لا ترى.
أن نُثبت أننا لسنا ضد أحد، بل مع أنفسنا، مع تاريخنا، مع أبنائنا الذين نخاف أن يُولدوا في أرضٍ بلا ملامح.
الحرب تطحن كل ما هو إنساني.
لكنها لا تستطيع أن تطحن الإيمان.
لذلك نُقاوم.
لا فقط بالبندقية، بل بالحرف، بالصلاة، بالعناد، بالكرامة.
نُقاوم لأننا لا نملك ترف الفرار، ولا نعرف طعم الانكسار.
في هذا الليل الطويل، قد لا نجد من يسمعنا.
لكن لا بأس.
المهم أن يبقى الصوت.
أن يبقى الحرف.
أن يبقى الإيمان بأن هذه الأرض لم تكن يومًا ملك أحد، بل صليبًا مشتركًا نحمله جميعًا، بعرقنا ودموعنا ودمنا.
هذا الحبر هو دمي.
وهذه الكلمات نُطْق من بقية روح تحترق.
عسى أن يصل وجعي إلى من يعنيه الأمر، قبل أن يُغلق باب الرجاء، ويصير الوطن ذاكرة بعيدة في وجدان شعب أُرغم على النسيان.
  تمهيد في لحظة دقيقة من تاريخ لبنان، وعلى أبواب استحقاقات تشريعية مفصلية، تطرح الساحة السياسية اللبنانية سؤالًا مركزيًا: هل يمكن لجبهة ذات هوية مسيحية واضحة، كالجبهة اللبنانية، أن تنفتح على لقاء سياسي مع شخصية سنية بارزة كالرئيس صائب سلام؟ إنّ تداول فكرة هذا اللقاء بين الرئيس كميل شمعون والرئيس صائب سلام داخل أطر الجبهة ليس حدثًا عابرًا، بل هو مؤشر على تحوّل تدريجي في مقاربة المرحلة، نابع من إدراك عميق بأن التفاهم المسيحي – السني هو شرط أساسي لحماية الكيان، وتحصين النظام، وتفادي انفجار مستقبلي محتمل.
أولًا: سياق المرحلة السياسية في ربيع 1972 في مطلع السبعينيات، بدا أن الحياة السياسية اللبنانية تتجه نحو انسداد تدريجي، على خلفية تصاعد التجاذبات حول السلاح الفلسطيني، وتردي الوضع الاقتصادي، وتعاظم الصراعات الطائفية المقنّعة.
الرئيس كميل شمعون، بصفته أحد أبرز أركان الجبهة اللبنانية، كان يُمثّل تيارًا مسيحيًا يرفع راية السيادة، ويرفض التنازل أمام الأمر الواقع الفلسطيني.
أما الرئيس صائب سلام، فكان لا يزال في موقع القائد السني المعتدل، الذي يوازن بين الوفاء للقضية الفلسطينية والانتماء إلى مشروع الدولة اللبنانية.
بين الرجلين تاريخ من التباعد، ولكن أيضًا خيوط دقيقة من الواقعية السياسية، خاصة حين تتطلب المرحلة مقاربات وطنية تتجاوز الحسابات الشخصية والحزبية.
ثانيًا: الجبهة اللبنانية والتفكير في اللقاء داخل الجبهة اللبنانية، تتباين الآراء حول جدوى اللقاء.
الرأي الأول يرى أن لا مصلحة للجبهة في تطبيع العلاقة مع رموز سياسية كانت في الماضي على طرف نقيض من مشروع بناء الدولة القوية، خصوصًا من كانت مواقفهم مهادنة للفصائل الفلسطينية أو داعية لتعديل النظام الطائفي.
الرأي الثاني – وهو ما يتبناه هذا السياسي – يعتبر أن اللقاء بين شمعون وسلام قد يكون مناسبة لكسر الجليد وتقديم صورة مختلفة عن الجبهة اللبنانية، لا بصفتها تكتلًا طائفيًا، بل إطارًا وطنيًا قابلًا للانفتاح والحوار.
فالجبهة إن أرادت أن تتوسع شعبيًا وتكرّس شرعيتها، لا بد أن تنفتح على الاعتدال السني، لأن استمرار القطيعة سيؤدي حتمًا إلى فرز طائفي قاتل، لن يبقي من لبنان إلا شكله الدستوري دون جوهره التعددي.
ثالثًا: دلالات اللقاء الممكن لقاء شمعون وسلام، إن تم، سيكون رمزيًا أكثر منه تقنيًا.
فهو لا يُفترض أن ينتج حكومة أو ائتلافًا انتخابيًا، بل يوجّه رسالة مزدوجة: إلى الداخل، بأن القيادات التاريخية قادرة على تجاوز الحساسيات.
وإلى الخارج، بأن لبنان لا يزال يتحاور، رغم السلاح، ورغم الاحتقان، ورغم الانقسام.
ومن وجهة نظر استراتيجية، فإن هذا اللقاء يُخرج الجبهة من عزلتها المفترضة، ويحرج من يدّعي أنها تسعى إلى الانغلاق المسيحي أو إلى تفتيت الدولة.
رابعًا: شروط اللقاء وجدواه اللقاء وحده لا يكفي، إن لم يُبنَ على وضوح في الثوابت، وأهمها: احترام السيادة اللبنانية الكاملة، رفض منطق السلاح غير الشرعي، رفض أي تعديل في الميثاق أو الدستور لا يتم بالتوافق، والتزام صريح بأن لبنان بلد نهائي لجميع أبنائه، لا ساحة أو ممرًا لأي صراع خارجي.
إذا استطاع اللقاء أن يُرسّخ هذه المبادئ، فهو خطوة أولى في طريق طويل نحو وفاق وطني حقيقي.
  لبنان يرفض أي تسوية تقضي بإبقاء الفلسطينيين في أرضه: من الوجود المؤقت إلى خطر التوطين المقنّع تمهيد منذ أن اندلعت الحرب اللبنانية عام 1975، بات الوجود الفلسطيني المسلح على الأراضي اللبنانية أحد أعقد أسباب الانقسام الوطني.
ومع تصاعد وتيرة المبادرات العربية والدولية في أواخر عام 1977 وبداية 1978، أخذ يُطرح في الكواليس والمنتديات الدبلوماسية ما يشبه "تسوية كبرى" تضمن للفلسطينيين استقرارًا جغرافيًا آمنًا، ولو كان مؤقتًا، فوق الأراضي اللبنانية.
هذه الأفكار، وإن لم تُعلن رسميًا، تنذر بخطر أكبر: التوطين المقنّع.
أولاً: الخلفية السياسية والأمنية الوجود الفلسطيني في لبنان بدأ يأخذ منحى عسكريًا منذ اتفاق القاهرة عام 1969، الذي منح الفصائل الفلسطينية حرية التحرك في جنوب لبنان وبعض مناطق البقاع والشمال.
وقد تطوّر هذا الوجود إلى ما يشبه "الدولة داخل الدولة"، بحيث باتت المخيمات الفلسطينية خارجة عن سيطرة الدولة اللبنانية، ومرتعًا لصراعات إقليمية تُستخدم فيها الأرض اللبنانية كساحة تصفية حسابات.
تفاقمت الأمور مع اندلاع الحرب، إذ أصبحت بيروت ومحيطها الجغرافي رهينة للسلاح الفلسطيني في عدة مناسبات، مما أجج الخوف لدى شريحة واسعة من اللبنانيين، خصوصًا في الأوساط المسيحية، من مشروع توطيني ينسف خصوصية لبنان الديمغرافية والسياسية.
ثانيًا: التوطين كأمر واقع زاحف إن أي كلام عن "استقرار للفلسطينيين في لبنان" أو عن "تسوية تُنهي النزاع بتمكينهم من البقاء المؤقت" هو في جوهره توطين مبطّن.
فما يُسمّى بـ"البقاء المؤقت" غالبًا ما يتحول إلى بقاء دائم، خاصةً إذا تزامن مع استمرار غياب حلّ عادل للقضية الفلسطينية، ورفض إسرائيل لحق العودة.
ومن هذا المنطلق، فإن لبنان ليس وطنًا بديلًا، ولا يملك القدرة الديمغرافية أو السيادية لتحمّل ثقل هذا الملف.
إن التوطين، إن حصل، سيُقضي على الكيان اللبناني بشكله الفريد، وسينسف الميثاق الوطني والصيغة التوافقية التي بُني عليها لبنان.
ثالثًا: السيادة فوق كل اعتبار أي تسوية في المنطقة، عربية كانت أم دولية، يجب أن تنطلق من مبدأ أن السيادة اللبنانية ليست قابلة للتفاوض أو للتقاسم.
لا يُمكن لأي طرف خارجي، ولا لأي جهة فلسطينية أو عربية أو دولية، أن تفرض على لبنان مصيرًا لا يختاره، ولا مستقبلًا لا يقبله.
لبنان بلد نهائي لجميع أبنائه، لا يُمكن أن يكون وطنًا بديلًا لأي شعب آخر، مهما بلغت مأساته.
وعلى المجتمع الدولي أن يُفهم أن استمرار الإقامة الفلسطينية في لبنان هو استنزاف متواصل للبنية اللبنانية: أمنيًا، اقتصاديًا، وسياسيًا.
رابعًا: البدائل العادلة الحل العادل لا يكون إلا بعودة الفلسطينيين إلى أرضهم، وليس بتوطينهم في أرض الآخرين.
كل كلام عن "حل مؤقت" هو تضليل، وكل خطوة باتجاه الإبقاء على الفلسطينيين في لبنان هي مساس بجوهر الكيان اللبناني.
من هنا، فإن الموقف الوطني الصريح هو رفض قاطع لأي تسوية تنص، صراحة أو مواربة، على إبقاء الفلسطينيين في لبنان، لأن ذلك يقوّض لبنان كوطن نهائي، ويحوّله إلى ساحة صراع دائمة.
خامسًا: مسؤولية المسيحيين واللبنانيين عمومًا إن الواجب الوطني، وخصوصًا لدى القيادات المسيحية التي طالما دفعت ثمنًا غاليًا دفاعًا عن الكيان اللبناني، يقتضي توحيد الصفوف ورفع الصوت عاليًا في وجه أي مشروع توطيني.
فالصمت في هذه اللحظة الحاسمة هو مشاركة ضمنية في مؤامرة التوطين، ومَن يساير الصيَغ المرحلية سيكون شاهد زور على ضياع لبنان.
  ولادة حكومة الثمانية برئاسة سليم الحص في كانون الأول من عام 1976، شهد لبنان تشكيل حكومة مصغّرة تتألّف من ثمانية وزراء، برئاسة الدكتور سليم الحص، وسط ظروف استثنائية تمرّ بها البلاد، أمنياً وسياسياً واجتماعياً.
وقد جاءت هذه الحكومة كمحاولة متقدّمة للانتقال من مشهد الحرب المفتوحة إلى مشهد الدولة المتماسكة، عبر توافق سياسي داخلي، ودفع خارجي عربي ودولي.
تألّفت الحكومة من شخصيات معروفة باعتدالها أو برمزيتها في الطوائف والمناطق، أبرزهم الوزير فؤاد بطرس، والوزير شوقي سلمان، وعبد المجيد شعييتو، والدكتور نديم البزري، وميشال دوما، وجورج رزق، وشارل روفايل.
وقد سعى الرئيس الحص إلى أن تشكّل هذه التشكيلة نقطة انطلاق لتهدئة سياسية ومؤسساتية، تبدأ من بيروت وتتمدّد نحو كل لبنان.
اللافت في هذه المرحلة، أن قادة الجبهة اللبنانية لم يمانعوا ولادة الحكومة، بل صدرت عن الرئيس بشير الجميّل مواقف مرحّبة، ربطاً بالتطمينات التي قدّمها الرئيس إلياس سركيس بخصوص التوازن الوطني والتوجّه إلى حوار حقيقي.
كذلك، أعلن كمال جنبلاط من موقعه التقدّمي تأييداً لحكومة "التقاط الأنفاس"، وسهّل ولادتها رغم الغموض الذي كان يلف بيانها الوزاري.
أما الرئيس كميل شمعون، فقد أبدى تحفّظه عن المشاركة الكاملة في دعم الحكومة، مفضلاً التريث إلى حين صدور البيان الوزاري، الذي سيبيّن برأيه مدى التزام الحكومة بوقف التدهور الأمني، وبمكافحة النزعات الانفصالية، وباستعادة وحدة القرار في مؤسسات الدولة الشرعية.
أما من جهتنا، كمراقب مسيحي ملتزم بالدولة والمؤسسات، نعتبر هذه الحكومة مدخلاً مسؤولاً إلى إعادة الاعتبار للشرعية، وإلى التأسيس لمرحلة جديدة من السلم الأهلي.
فلبنان بات بحاجة إلى دولة قوية تقف على مسافة واحدة من جميع أبنائه، وتعيد تنظيم العلاقة مع الفلسطينيين، وتستفيد من الوجود العربي في إطار قوات الردع، لا في سياق المحاور.
إننا نثمّن اختيار الرئيس سليم الحص، المعروف بنزاهته وحكمته، ونعتبر أن فرصة ذهبية قد فُتحت أمام لبنان، بشرط أن تتوقف كل المناورات الميدانية، وأن يتم الالتزام الكامل من جميع الأطراف بمسار السلم وإعادة بناء الدولة.
ونناشد المجتمع الدولي والعربي المساهمة في دعم هذه الحكومة، عبر إعادة إعمار ما تهدّم، وتعزيز ثقة المواطنين بمستقبل بلدهم.
ان ممالك تنهار وامبراطوريات تمحى وتيجانا تتدحرج فلا يخفق جفن الله.
ولكنه عندما يرى انسانا يقع صريعا على الارض فان عرشه ينهز لشولاني العلكم ايها السادة اقوى من الله.
ام فقط ليس فيكم من الوهة الله شيئا ؟.
ادوار حنين.
جريدة الجريدة في 26/1/1978 بين منطق ومنطق.
بين منطق منظمة التحرير الفلسطينية ومنطق اسرائيل يتبصر لبنان في المنطقين ويسال اوى هذا هو المنطق ؟.
منظمة التحرير الفلسطينيه ان تصر على استرجاع فلسطين وتضرب لبنان.
اسرائيل تعزم على ضرب قواعد المخربين وتضرب لبنان.
فلا منظمة التحرير تريد شرا بلبنان ولا اسرائيل على حد قولهما !.
ولكن ما العمل اذا كانت طريق العودة الى فلسطين تمر بجونية وعينطورة والمتين وعيون السيمان.
وكانت قواعد المخربين قرب حدود اسرائيل هي ذاتها قواعد القرى اللبنانية الحدودية مع اسرائيل كبير هل تخرب عينطورة والمتين في طريق العودة الى فلسطين ام تخرب بنت جبيل ورميش في عملية كنس المخربين.
لا باس.
فلتخرب ! سواء اوصلت الطريق باصحابها الى فلسطين فيما تتهدم عينطوره والمتين ام ولم تصل وسواء خربت قواعد المخربين فيما تخرب ورميش وبنجابيل ام لم تخرب ؟.
منطق لبنان.
ان اقرب طريق من نقطة الى نقطة هو الخط المستقيم.
وان الذي يريد ان يكش ذبابة عن انفه لا يكشها باطلاق المدفع عليها.
الا اذا كان سالكو الطريق على غير الخط المستقيم وكشيش الذبابة بالمدفع كلاهما يلعبان البليار فيوجهان الكلة التي يطلقها الاولاد الصغار تصيب كلك هون الغير عن اجلس طريق.
المنطق المعكوس منذ زمن بعيد هو المنطق الذي به تعال الشؤون لبنان من ابنائه حينا ومن غير ابنائه اكثر الاحيان.
وفي زعم اهل المنطق المعكوس انه بمنطقهم هذا يميتون لبنان.
ولبنان الذي ككل ثقيف رهيف تميته السماجة قرر هذه المرة ان لا يموت.
سعيد فريحة الكبير الذي غاب ما تعب يردد منذ بداية حرب السنتين جولان لبنان لن يموت ولن يرث لبنان احد غير ابنائه.
لقد مات سعيد فريحة لكن قوله هذا لن يموت وسيظل لبنان صامدا في وجه الثقلاء صموده في وجه القنابل لانه عازم على ان لا يموت.
وهو قادر على ذلك.
ادوار حنين.
جريدة في 18/3/1978 الى الطلاب اللبنانيين في فرنسا.
اخوتي الطلاب.
يوم كنت في مثل اعمالكم كان بي حنين كبير الى ما انتم به الان.
وكنت على قاب قوسين من مطارحكم.
غير ان يد الله ليلة اعددت لابحر لم تردني ان اكون مطرح ما انتم اليوم !.
اعرف ما الذي اوصلكم الى باريس وليون وبوردو ومنبليه وما اوصل اقرانكم الى موسكو ومدريد ولندن وبرلين وهارفرد وعين شمس.
اعرف مشاغلكم اليوم اعرف لهوكم واعرف طموحكم.
فمن زاوية ما اعرف وما اردت لنفسي ان اكون وما اريد لكم ان تكونوا احدثكم.
امراني لا اجل ولا احب.
طلاب المعرفة وطلاب الحرية.
اما طلاب الحرية فكان يكفي ان تعرفوا سيرة اجدادكم لتعرفوه جولان هؤلاء الاجداد الذين قبل مجيء الاسلام رفضوا سيطرة ليعاقب هون على نسطوريتهم.
فعافوا بيوتهم وحقولهم في سهول اباميا في سوريا.
ولجاوا الى جبال لبنان ثم بعد مجيء الاسلام رفضوا ان يعيشوا ذميين فاحتموا احرارا في جبال لبنان جولان وكمثل هذا الدروز والشيعة وسنة من الصينيين على ما ساتمكن من ان ارويه لكم ان شاء الله.
كما عادوا فنفروا من جبالهم ايام عبد الحميد فملئ صوتهم الدنيا ولا يزال.
وكما راحوا يشاركون في كل حرب تحررية في العالم.
مثالهم في ذلك ذاك اللبناني الجبلي الذي تطوع في الجيش الفرنسي في الحرب العالمية الاولى وشارك في معركة فيردان حيث اصيب وقتل وقبل ان يلفظ نفسه الاخير كتب بدنه على صخرة هناك.
اموت من اجل ان يحيا لبنان حرا.
واما طلاب المعرفة فانكم في هذا ايضا احفاد قوما ركبوا البحار يوم كان فيها الجن الى الفاتيكان والاسكوريال وباريس فتعلموا وعلموا.
واحفاد قوم دارت دواليب مطابعهم منذ السنة 1610 في دينمر انطونيوس قزحيه في قنوبين فنثرت على جلجلتها جحافل الجهل من ديارهم.
واحفاد جدود كانوا اول من الف في قواعد اللغة في القواميس في دوائر المعارف ليعلموا.
كما كانوا اول من انشا مدارس وجرائد ومجلات ليحملوا المعرف الى من لم يكن قد عرف مذاقها بعد.
مثالهم في ذلك مثال سليم وبشاره تقلا الاخوين اللذين انشا جريدة الاهرام في مصر فكنايا صفان حروفها بايديهما ويطبعانها بايديهما ويوزعانها على الناس بايديهما.
ثم كانا في الليل يعلمان المصريين القراءة ليقراوها في ساحاتهم.
طلاب المعرفة وطلاب الحرية.
مطلباكم اليوم يجب ان يظلاه من مطالب اعماركم.
لان المعرفة والحرية ان لم تمارسا كل يوم وساعه تفلتان كما العصفور من قفصه.
فانه ما كما الحجر يرشق به الفضاء صبي يلهو فهو عندما يتوقف عن الصعود يهبط !.
وانكم تعرفون ولا شك اية علي بن ابي طالب الخالدة في قوله.
كل وعاء يضيق بالذي فيه الا وعاء العلم فهو يتسع.
ثقوا يا اخوتي ان الحرية والمعرفة بجلالة المحبة والايمان يزيدان ولا ينقصان.
الحريه والمعرفه لا وطن لهما.
ولكن لهما ارضا يعيشان عليها جولان ان نفوسا لهما في اجواءها تستطيعان ان تعيش وهكذا انتم يوم تكتنز نفوسكم بالحرية والمعرفة قد يصبح وطنكم العالم الا ان ارضا يجب ان تظل ارضكم هذه الارض هي التي بصرتم فيها النور.
هذه الحفنه هو من تراب التي اسندتم رؤوسكم عليها التي عليها حبوت ومشيتم وركضتم وكانت مسرح العابكم هذه الحبة من تربة التي قفزت الى دمائكم واعرافكم من جرح جرحتموها او تفاحة او زيتونة او يد مغموسة بالتراب.
هذه الارض.
هذه الحفنة هذه الحبة من تراب.
لا هي تستطيع ان تتخلص منكم.
ولا انتم تستطيعون !.
انكم واياها واحد وستبقون واحدا واياها الى اخر عمر الزمن.
قبل ان يصبر العالم.
قبل ان باتت تنهب مسافاته نهبا القطر والسيارات.
قبل ان صارت الطائرات تقفز من فوق الجبال والولاد والبحار فتقطب ارضا بارضا كما شداتنا فساتينهن.
قبل ان اصبح الانسان يتنفس في باريس وطوكيو ونيويورك فيسمع في المومو والزنزبار.
في ايامنا قبل هذا جميعا كان سهلا علينا في اعتقادكم ان نبقى مرتبطين بارضنا.
فهل ان هذا لا يزال اليوم سهلا عليكم ؟.
اقول انه لاسهل !.
لان ما كان يربطنا امس الى ارضنا حنين.
اما اليوم فرباطنا عضوي.
فهو تليفون وراديو وتلفزيون وطائرة وغدا صاروخ او ما هو اسرع من الصاروخ عليم هو الله ! ففي ثانية تتصل بارضك وفي ساعه ان تكون عليها.
اما حاجتنا اليها ! فما دانت هي في دمك فلانفكاك عنها ولا فطور.
يا اخوتي !.
اثنان لا يبرحان.
الام التي سلمتنا الى الارض.
والارض التي احتضنتنا بعدها.
اما العالم الوطن.
والانسان المواطن.
والحدود التي بليت.
والوحدة الانسانية التي قامت مقامها.
فكل ذلك من الخيال وسيبقى.
فلا شيء يحل محل مشرق الشمس ومغيبها في بلادك.
ولا شيء يغني عن سقسقة نهر ضيعتك وزقزقة عصفورها وهيمنات نسائمها وطعمها ترابها.
شعر !.
انه لشاعر هذا الذي يقال فيه الوطن الاكبر الوطن الكبير الواحد.
اما ما يقال في ارض قبضة فاوزا من الارض كلها وهو وحده واقع.
ومن يدريكم يا اخوتي انه سيجيء يوم يثبت العالم فيه ان العالم الكبير ما لم تحافظ على ارضك الصغيرة لا يكون.
او يكون الانسان لولا برعمته ؟ والاقيانوس لولا قطرة مائه ؟ والجبال لولا ذرة ترابها ؟.
اقول هذا كاشحا النظر عن انكم من لبنان.
فلو ذكرت في اول الطريق انكم لبنانيون لكنت اغنيت نفسي واغنيتكم عن كل ما قلت.
ذلك ان لبنانكم يعبد.
يعبد بعد الله سبحانه لكي لا اقول بمقداره ومثله.
هنيئا لكم لبنانكم.
هنيئا لنا لبناننا.
عشتم.
ادوار حنين.
الاختيار السياسي.
دولة الرئيس.
اغلى من الثقة اغلى من الصلاحيات الاستثنائية الثقة الاستثنائية التي انتم بحاجة اليها الثقه هنا الاستثنائية التي نريد ان نعطيكم اياها والتي انتم بحاجة اليها في هذا الظرف العصيب.
من اجل ان تستحق هذه الثقه هنا الاستثنائية من اجل ان نستحق نحن اعطائها ومن اجل ان يطمئن الشعب اليكم والينا والى جميع المسؤولين حاكمين كانوا او ناظرين الى الحكم او مشيرين عليه باشارة من اجل ان تتكون لكم هذه الثقة وجب ان نضع يدنا جميعا على العلة على الداء من اجل ان تعالج العله حول ومن اجل ان نعالج الداء.
انا لست من الذين اخترعوا او يخترعون بان ما جرى في لبنان هو تقاتل طائفي تقاتل بين لبنانيين ولبنانيين.
لا استطيع ان افهم ذلك وليس في الواقع ما يجبرني على ان اقتنع بذلك.
في لبنان لاسباب كثيرة منها خارجية ومنها داخلية ومنها ظاهرة.
ومنها مستترة كان هذا الاقتتال الذي هو حرب لا فتنة الذي هو حرب لا ثورة.
اذا ما اردنا ان نحصل على ثقة استثنائية وجب ان يعرف الناس اننا عرفنا ما هو المطلوب منا.
المطلوب منا هو لا انوقف الاقتتال بل المطلوب ان نزيل اسباب الاقتتال فاذا ما نظرنا الى مشكلتنا هذه وصلنا ولا شكل ازالة اسباب الاقتتال.
ما هي اسباب الاقتتال ؟.
اذا خشينا ان نطرح على انفسنا هذا السؤال بهذه الصراحة بل اقول بهذه الوقاحة لن نكون جريئين لمعالجة هذا الاقتتال.
فكيف نستطيع ان نزيل اسبابه ؟.
الاقتتال في ظاهره الواضح وفي حقيقته الراهنة هو اعتداء فلسطين على لبنان لماذا ؟ سنقول ذلك بمناسبة اخرى وسنبعد ما قدرنا وما استطعنا عن الاشارة والتلميح.
هذه الاسباب التي جرت الى هذه الحرب البشعة القذره الوسخه الدانسة الشرسة الحقيرة هذه الاسباب كثيرة خارجية وداخلية وفي راسها التواجد الفلسطيني الذي هدد السيادة اللبنانية والذي شبه في وقت من الاوقات بالغزو والاحتلال.
اذا شئنا ان نزيل اسباب الاقتتال كان علينا ان ننظر الى هذا اولا وان نقول.
القضية الفلسطينية التي هي قضيتنا جميعا لانها قضية القدس لانها قضية مغارة بقت لحم لانها قضية المسجد الاقصى جميعنا في لبنان وجميعنا ننتمي الى هذا او ذاك من النبيين جميعنا تهمنا قضيه هنا القدس ولا يمكن ان يستاثر بها احد ال.
ولو انها اتخذت اسما من الفلسطينيين انها قضية العرب الاولى قضيتنا جميعا.
لذلك وجب ان نبعد عنها عن الاهواء والمزاجات والاشياء الكيفيه فنعهد بقيادتها الى مجلس الدفاع العربي لكي نبعد بها عن النزوات ونبعد بها عن الحلول المساجية.
فاذا خسر العرب قضيتهم هذه خسروا انفسهم ولا هوادة في ذلك.
ثم وجب علينا ان نوزع الفلسطينيين الذين كفوا عددهم وتواجدهم على ارضنا ان نوزعهم بالعد على جميع البلدان الاعضاء في جامعة الدول العربية ال.
ولا اقول على البلدان العربية اقول على جميع الدول الاعضاء في جامعة الدول العربية.
لكي لا يفهم بذلك اننا نريد ان نقذف بهؤلاء من هنا الى هناك فيقعون في سوريا او في عمان مثلا او في بغداد او في مصر مثلا اخر.
ثم يجب ان ينشا نظامه اقامه اون موحد الفلسطينيين فلا يكونون اذلاء حيث السلطة قوية ولا يكونون طاغين معتدين حيث تضعف السلطة.
نظام واحد يؤمن الكرامة لهم ويؤمن الكرامة للمضيف.
اعرف يا دوله هنا الرئيس ان هذا ليس بيدكم ولكن اعرف ان على راس الدبلوماسية اللبنانية رجلا احببناه كثيرا لاخلاصه الكبير ولذكائه الواسع انه يستطيع ان يضع في راس اعماله هذا العمل فاذا اقتنعت الدول الاعضاء في جامعة الدول العربية بهذا استجابوا لنا وان لم يقتنعوا فنواهم ليست سليمة بحق لبنان.
وانت يا دولة الرئيس لك من سمعتك لك من ماضيك ولك مما يعرف اللبنانيون عنك ولو القليل وسيعرفون الاكثر في مستقبل الايام ما تشجعنا على ان نمضي في هذه المطالبه وتشجعنا على ان لا نطمئن الا اذا كانت الطمانينه هو النتيجة حتمية للتدابير هي اذا عملنا على ازالة اسباب الاقتتال.
لا على وقفه.
اذا ازلتم اسباب الاقتتال يا دولة الرئيس زالت هواجسنا.
وهواجسنا ليست وهمية جولان هواجسنا مغترفه هو من واقعنا اللبناني ومن تاريخنا اللبناني ومن صميم حياتنا اللبنانية.
نحن في السنة 1842 شاهدنا على ارضنا مذابح.
في السنة 1860 شاهدنا على ارضنا مذابح.
في السنة 1916 و 1918 شاهدنا على ارضنا مجاعة اشر من المذابح.
في السنة 1952 شاهدنا على ارضنا مذابح.
في السنة 1973 شاهدنا على ارضنا مذابح.
وهكذا في السنوات 1975 و 1976.
والامل بالله ان لا تمتد الى السنة 1977 بشر هذا الذي شهدناه شاهده اباؤنا واجدادنا خلق في نفوسنا هاجسا لا يستقر.
هذا الهاجس المطلوب الاول منكم ان تقتلوه في نفوسنا.
ومن اجل ان نقتله في نفوسنا طرق كثيره هم سنعود الى بحثها عندما ستعرض الفرصة وستعرض يوم تنصرفون الى خلق وانشاء لبنان الجديد.
اما الان فاني اخذ من هذه اللمحه هنا التاريخية موقفا لنفسي.
ولا اعتقد ان لبنانيا مخلصا نزيها في ضميره وفي نفسه وتفكيره وفي لسانه وقوله الا وياخذ مثل هذا الموقف بشر انني مع جميع اللبنانيين ومعكم بصورة خاصة لما قرات في بيانكم انا لبنان لكل اللبنانيين ومن اجل ان يكون لبنان للكل وجب ان نخلق الطمانينة.
والا فانا واحد من اللبنانيين الذين يرتضون بلبنان الكيف ما كان شرط ان يبقى لبنان وشرط ان يبقى قائما برسالته.
شيء خطير اقوله هجولان شيء خطير يقيدني وقد يقيد سوايه من اشخاص.
اننا معكم الى اخر الطريق من اجل ان نعيد لبنان الواحد الموحد كما تقولون من اجل ان نعيد لبنان الذي نبت لنا من السنة 1920 وتكلس اكثر فاكثر في السنة 1943 وحاولنا ان نكرسه اكثر فاكثر في الدستور.
ملاحظة.
اوصلنا اللبنانيين جميعا الى ما يريدون واذا لم نصل فان العاقبة خطيره وبعيدة الامداء.
وقد تخلق ليس للبنان واني اعني ما اقول مشكلة لا يستطيعون في مستقبل الايام ان يحلوها او يتخلص من نتائجها بشر اعرف يا دولة الرئيس ان الكلام بلي هون وبلية الكلام ككل بليا هو لذلك لم اقل الا ما كان من واجبي ان اقول.
ولا اريد ان اقول كلمة زائدة وقمت تمنيت لو انني اكتفيت بان قلت لزملائي الاحباء ولرئيس الحكومة والحكومة كلمة واحدة.
انه لا ينفع لبنانيين شيء اذا ربحوا العالم وخسروا لبنان.
فهذه يدنا في يدكم وقلوبنا معكم ومجهوداتنا جميعا جميع مجهوداتنا مضمومة الى مجهوداتكم من اجل ان نصل الى ترسيخ هذا البلد والى ترسيخ وجود لبنان لانه مؤمن انا بما يؤمن به الشعب.
لا ينفع اللبناني شيء اذا ربح العالم كله وخسر لبنان.
وهؤلاء الذين يظهرون ويبدون انهم لا يسالون عن لبنان هم اكبر الخاسرين وهم اول السائلين عنه وهم اول الذين يريدون ان يبطلوا له اركانه.
ويا ايها السادة عيدية اللبنانيين في عيد راس السنة الهجرية وفي عيد راس السنة المسيحيه عيدية اللبنانيين هؤلاء لا ان نحملهم على التلاهي فانهم يعرفون من دروب له كل ضروبه ال.
وانما عيديتهم هي ان نحملهم على الايمان بان يستحقون اسلامهم وبانهم يستحقون مسيحيتهم وبانهم يستحقون نبيهم وبانهم يستحقون مسيحهم وباننا نستحق جميعا لبنان.
حضرة رئيس مجلس النواب المحترم.
ارجو احالة سؤالي هذا الى جانب الحكومة مع قبول الاحترام.
دولة رئيس الحكومة.
لبنان الذي تشرف على مقدراته اليوم هو غير لبنان الامس فلبنان الحالي يطلع من حمام الدم الذي اغتسل فيه على اشلاء القتلى وينهد من الدمار الذي دك بعض كراه واحياء مدونه وخلع بعضا اخر وخلخله من الحد الى الحد.
الامر الذي يحملنا على الاعتقاد بان لبنان الذي ترث هو غير لبنان الذي وارث.
يعرف اللبنانيون ان الحكم اسند اليك باراده ان تمثل لبنان الواحد.
لان هذه الارادة المجتمع هون مبدئيا في المجلس النيابي هي التي انتخبت فخامة الرئيس تركيز الذي عاد فقضى بتعيينك.
يعرف اللبنانيون ذلك.
كما يعرف اللبنانيون انك محمول بحكم هذا الواقع على الالتزام بالطريق التي تعيد للبنان وحدته فتنقذه من التفتت والانقسام.
لذلك ستحاول بكل ما لديك من عزم وحزم المحافظة على صيغة التعايش التي فرضت طويلا ثم ظهر فشلها في زمن الاخير ل.
حتى اذا لم تستقم الصيغة بين يديك حاولت بكل ما لديك من تعقل وحكمة ان توجد صيغة بديلة تستطيع هي ما لا تستطيع تلك لتامين الوحده ومن بين اللبنانيين ارضا وشعبا وكرامة.
اما اذا فشلت في هذه ايضا فلا يبقى الا ان تذهب لانه ليس في يدك.
ان تعمل ضد الارادة التي جاءت بك الى الحكم.
هكذا في المنطق السياسي.
على معرفتنا ان للسياسة منطقا قلم يمطقها.
تعلم يا دولة الرئيس اننا من الذين يريدون لك ان تنجح.
وتعلم ان ارادتنا في نجاحك ارادة عاملة وملتزمة متعاونة باخلاص في كل ما يقول الى نجاحك زولا واني ما بارحت الح مع المخلصين منذ ما يزيد على العشرين سنة على ضرورة تدعيم الصيغه هنا التي على الرغم من محاولات التدعيمها بقيت هزيله لا تقوى على الصمود والاستمرار بل لا يليق ان تصمد وان تستمر ؟.
حيال ذلك.
ولما كنت منصرفا وحكومتك وانك لمشكور الى تامين مسيرة السلام واعادة تعمير ما تهدم روحيا وماديا من ركائز وجوانب هذا الوطن الصغير المفدى ولما كنت عرضة الى مفاجات دامية كتلك التي اصابت الاشرفيه مساء الثالث من كانون الثاني 1977.
ارى من الواجب ان تعمد اولا وقبل مواصلة الطريق الى اختيار سياسي صريح تضع فيه نفسك امام مسؤولية الحكم وتضع فيه الشعب امام مسؤولية المصير.
دولة الرئيس.
نعرف جميعا كيف قدمت وحكومتك الى الحكم ونعرف ان هذه الحكومة على الطريقه ولكننا نعرف ونعرف انك تعرف ان الحرب التي شنت على لبنان فتصدى لها اللبنانيون كما تصدوا اثارت مسائل سياسيه هامة وطرحت قضايا سياسية اهم.
فهي ان لم تعالج بذات النفس المديد وذات الاهتمام الفائق فشل العمل الذي من اجله قادمه وفشلت حكومتك وفشلت.
ومن ان.
نستعيد الوقت الذي تكون قد اضاعت واضعت ؟ اذ لا امن بدون سياسة ولا اقتصاد بدون سياسة ولاء ما بدون سياسة.
ذلك انا للامن وللاقتصاد والانماء خط النون وحدها السياسه قادرة على تعيينه بعد ذلك العمل.
والا نكون كالخابطين في الظلام بشر ولا يمكن ان يرد على هذا يا دولة الرئيس لان الاختيار السياسي عمل سياسي يعود امره الى السياسيين.
ولسنا رجال سياسة شو يعني لان السياسة لا تولد مع صاحبها انما هي تبتسم بالممارسة ال.
لذلك فان كل من وضع نفسه في المعترك السياسي غدا حتما رجلا سياسيا فبات عليه ان يتصرف تصرف اهل السياسة حيال الاختيارات الكبرى والعمل الدائم اليومي وما الاختصاص الذي تتحلون به سوى معين لتجويد العمل ولتسديد الاختيار بشر لذلك اسال.
اولا هل ترى الحكومة ان تقدم على الاختيار السياسي قبل تواغلها في الطريق الذي تسلك لتعمل من اجله كما تعمل من اجل الامن والتعمير والانماء فيتكامل عمل الحكم ويصلح ؟.
هل حصل ذلك وفي اية حدود ؟ وماذا كان هذا الاختيار ؟ وماذا سيكون ان هو لم يحصل بعد ؟.
ثانيا هل ان هذا الاختيار عمل وجداني ام هو عمل وطني منهجي يلزم صاحبه بالسير على طريقه هو المعينة معلنة يستطيع ان يشارك في السير عليها كل من يريد ان يساند الحكومة وان يقاسمها الجهد والمسؤولية.
ثالثا هل خطط لتهيئة اعلان هذا الاختيار ل.
فما هي هذه الخطة ؟ وهل تتناول اجلاء الاجانب عن لبنان او تنظيم اقامتهم فيه ؟ وهل تتناول تنظيم الاحزاب العاملة على ارض لبنان ووضع قانون للمطبوعات جديد ؟.
رابعا هل يرد على الحرب التي نشرت المصير اللبناني على رؤوس الحراب ودوت به المدافع وصارت به صواريخ.
هل يرد على هذه الحرب المدوية بتدابير سرية يهمس بها همسا او يصير التفاهم عليها بالايماء ؟ ام يجب ان تكون مدويه هي ايضا مرفوعة فوق رؤوس اللبنانيين ومنشورة امام عيونهم ؟.
ادوار حنين.
نائب بعبدا المتن الاعلى.
بيت شباب في 17 كانون الثاني 1977 معركة الانسان مستمرة ابدا فهي لا تهدا ويوم تهدا تنتهي ويموت الانسان الذي من اجله نعمل.
بداية معركة الانسان هي ان ننتصر بمعركة المصير.
وان مشاركة حزبكم في معركة المصير يعطيه الحق للعمل في معركة الانسان.
وبنسبة ما يكون عمل حزبكم في معركة المصير كبيرا بنسبه هناك يستطيع عمل حزبكم في معركة الانسان كبيرا واذا لم يكن عمل حزبكم كبيرا في معركة الانسان يكون قد خسر السبب الثاني وقد يكون الاول على المدى البعيد من مسببات قيامه.
لبنان الدائخ.
ان لبنان اليوم بين واقعه المؤلم وبين تطلعه المستقبلي الرائع يرى نفسه دائخا كمن ضرب على راسه.
وما الذي يديخه بالضبط والتعيين ؟.
30,000ا من ابنائه ماتوا في معركة مصيره.
30 اخرون فقدوا او جرحوا.
عشرات الالاف هجروا من مكان الى مكان في ربوعه.
عشرات اخرى هاجروا الى مختلف انحاء الدنيا.
ما قيمته 40 مليار ليره لبنانية هدم واحرق.
مؤسساته الدستورية والوطنية انتهكت وحطمت.
اقتصاده جرح ودمر.
مسيرته الى الرقي قطعت عليه.
اسهامه في المسيرة العالمية قد جعل دونه.
هذا من جهة.
ويديخه من جهة ثانية.
ان بعضا من المحاربين اللبنانيين لم يحرصوا على رفعة شرف المحارب.
ان بعضا اخر من المحاربين تعبوا من التحارب او قرفوا او منعوا عن ذلك.
وان بعضا اخيرا منهم قد اصبحوا اغنياء حربا يؤثرون ان ينصرفوا الى التمتع بما غنموا.
ويديخه من جهة ثالثة.
ان بعض الاحزاب نفضت يدها من القتال لتنصرف الى تحضير ما بعد القتال على صعيد التحكم والتسلط والاستئصار.
وان بعض الاحزاب الاخر احاد عن خطه الوطني او اختبا وراء شعار كاذب ليتهرب من واجبه الوطني.
او اخطا طريق القيام بواجبه الوطني.
ويديخه من جهه رابعة.
ان بعضا من اللبنانيين يدهم في النار ويد بعضهم الاخر في الزنار.
ان بعضهم يتقلى وبعضهم الاخر يتحلى.
فكان لابد من ان يكون ثمن لدم الشهداء ولدمار الهائل الذي حل بلبنان.
وكان لابد من مساندة المحاربين او ابدال محاربين بمحاربين.
وكان لابد من محاربة تحكم وتسلط واستئثار الحزب الواحد او ما يشبه نظام الحزب الواحد.
ثم كان لابد من محاوله هو لاشراك الناس في هموم الناس فلا يقوم منهم عليهم جلادون.
هذا ما اخذ حزبكم على نفسه ان ينبري له ان يقوم به وان يضمن نجاحه.
وهذا هو السبب الثالث وهو لا يقل اهمية عن السببين السابقين الذي ادى الى انشاء حزب لبنان.
وليكن معلوما.
يحرص حزب لبنان ان يكون معلوما.
انه لم يكن ليناوي الاحزاب والكتل والتجمعات القائمة بل قام لمساندتها ولت؟ عملها تحقيقا لرسالة لبنان.
كان تقوم جامعة في بلد ما بعد قيام عشرات الجامعات او رهبنا هون في العالم بعد قيام عشرات الرهبنات او ناد في بيروت بعد عشراتها.
انه لا يسعى ان يكون الحزب اللبناني الواحد.
بل كان لمناوئة الحزب الواحد.
لان الحزب الواحد يتهدد الحريات العامه والخاصة وبالتالي الكرامة الانسانية.
انه منفتح للتحالف وللتعاون مع اي حزب او تجمع او حركة تكون اهداف واهدافا لبنانية ويكون عملهم من اجل لبنان جولان ويهم حزب لبنان بصورة خاصة ان يعيد او يكمل الحلف الثلاثي بغية الوصول به الى حلف بمثابة حزب يقوم بواجهه الحزب الثاني املا بالعودة الى نظام الحزبان الجولان وهي التجربة التي لاقت نجاحا في لبنان ثم يظل الباب مفتوحا لتكتل فعل استنضم اليه الاحزاب الباقية ويعمل للموازنة يشرف العالم والانسان تهون الشؤون الكثيرة التي لم تسقط من اهتمامات حزبكم ال.
ولكن كلا بما يتناسق ويتناغم مع غايته واهدافه الكبرى.
الشؤون الكثيرة.
اما ما شان شارل مالك وجواد بولس وفؤاد افرام البستاني وادوار حنين في قيادة الحزب بهذا ؟.
تبقى لهم القيادة العقائدية الروحية كاملة.
فانهم عندما ينسحبون من قيادته العقائدية الروحية يعتبر الحزقه حلم.
وانهم عندما تاخذون اي ماخذ عليه وتبلغونه قيادته المسؤولة بشخص قائده الاول او بواسطة احدى مؤسساته المسؤولة فعلى هذه المؤسسات ان.
تجتمع فورا للنظر في الماخذ او الشكوى تسديدا لخطى الحزب في الحال بشر لبولس ومالك والبستاني وحنين الحق المطلق في تعيين وتوجيه عقيدة هذا الحزب وروحيته بشر لمن هي قيادة هذا الحزب ؟.
شارل مالك وجواد بولس وفؤاد فرام البستاني وادوار حنين يصلحون لقيادة عالم ما داموا يقولون ضمائر الناس.
غير ان جواد بولس وفؤاد فرام البستاني وشار المالك وادوار حنين ليسوا قوات هذا الحزب.
ولن يكون واحد منهم قائده جولان ذلك لسببين.
الاول انهم يرغبون في البقاء على القيادة الروحية التي تعودوا مصاعبها ومسؤولياتها طوال نصف قرن كامل.
ان اجيالا لبنانية تتوق الى ان تتلمذ بعد على يدهم.
كما تتلمز على يدهم اباؤهم واخوانهم فلا يريدون ان يفشلوا طوقهم.
اما الثاني فلانهم يؤمنون ان الحرب التي شنت على لبنان فتشنج لها ابناءه وانبروا عنه يدافعون هذه الحرب وما جرت اليه من اقتتال وحوادث مذهلة ستخلق في اعتقادهم ملاحم كثيرة رائعه وقائدا واحدا كبيرا.
لمن قيادة الحزب ؟.
هذا القائد الكبير الواحد هو الذي يكون قائد هذا الحزب رجل الحشود التي ستلتف عليه والماشي بها الى النصر.
مخاض لبنان هذا يقولون سيسفر عن رجال عن ابطال وعن منقذين كثيرين.
وكل هؤلاء سيسفرون عن قائد جولان هذا القائد سيكون قائد حزبكم.
الحق اننا لا نزال نجهل من هو !.
ولكننا نعلم انه بيننا الان حاضر.
وانه سيطلع الى النور بين يوم ويوم ومن صوته تعرفونه.
ومن الان الى ان يقفز لاستلام مكانه سنظل في الساحة عنه نعمل بكل ما اوتينا من قوة وقدرة مرتقبين مجيئه.
مناهج العمل للحزب.
تلك كانت عقيدة حزب لبنان.
اما طريقة عمله لتحقيق تلك العقيدة ولتجفيدها فهي العمل من ضمن المجتمعية اللبنانية.
فما هي ؟ وكيف يكون العمل بها ؟.
الثالث المجتمعية اللبنانية.
المجتمع اللبناني مجتمع انسانيا حر.
الانسان في قولنا ان مجتمع لبنان الجديد هو مجتمع انساني حر يعني ان لبنان يلتزم باحكام الاعلان العالمي لحقوق الانسان الذي اسهم لبنان اسهاما فعالا في وضعه والذي يعبر في كثير من نصوصه عن اعمق ما في التراث اللبناني من قيم وخلق.
وتعني الحرية في قولنا زولاني انا مجتمع لبنان الجديد هو مجتمع انساني حر.
ان هذا المجتمع في قوانينه وفي اعرافه وعاداته يحترم ويضمن ويطبق حرية الفكر والضمير والمعتقد والتعبير والتفتيش والتصرف والتغير في نطاق القانون وفي نطاق احترام حريه هنا الاخرين.
وان الحرية انما هي الاحرار.
ولذلك وجب تعيين من هم الاحرار وما هي صفاتهم.
وتعني الديمقراطية في قولنا ان نظام الحكم في لبنان الجديد هو نظام جمهوري ديمقراطي دستور برلماني.
اولا من الناحية السياسية تنص عليه الفقرة الثالثة من المادة الحادية والعشرين الاعلان العالمي لحقوق الانسان التي هذا نصها.
قوام الحكم مشيئة الشعب ال.
ويجب لهذه المشيئة ان تتبين بانتخاب نزيه وياتي في مواعيد دورية ويكون على الاقتراع العام السري المساواه فيه بين المقترعين او على اسلوب اخر معادل له يكفل حرية الاقتراع.
ثانيا من الناحية الحضارية ان الشعب هو منتج الحضارة حاملها ولذلك فهو في مجهوده الفرديه الحر وفي مجهود مؤسساته الحرة المبدع لكل قيمة مادية كانت او معنوية والحكومة المنبثقة من هذا الشعب المبدع هي بالتالي مسؤولة تجاهه وهو كافراد ومؤسسات ليس من اجلها وليس خادما لها بل هي ذاتها من اجله وخادمة له.
وتعني السياسة نذر النفس لخدمة المجتمعية اللبنانية وترويض المستحيل.
والمسؤولية السياسية تعني قبول المحاكمة في اي ظرف بمقياس مبادئ مجتمعية لبنان الجديد.
مجتمعية لبنان الجديد هي الاطار العام الذي تنتظم فيه جميع نشاطات اهله.
تنهض روح المجتمعية اللبنانية الجديدة على اساسين.
اولا الشعور الذاتي الصادق لكل لبناني بالمسؤولية المجتمعية التي تضع بوحي ومسؤولية تامين الخير العام فوق الخير الخاص.
وثانيا الخلقية المجتمعية الجديدة.
بفعل المسؤولية المجتمعية في هذا المجتمع الجديد تتحقق العدالة والمساواه المجتمعتان بجميع معانيهما امام القانون في الحقوق والواجبات السياسية في الاقتصاد وجميع اصناف الامَنَة والضمان المجتمعين في اتاحة فرص التقدم الثقافي والحضاري لكل مواطن.
تتكفل ببث الروح المجتمعية الجديدة القوانين العامة التي ستطبق تطبيقا فعليا صادقا التربية العائلية التربية المدرسية جميع وسائل النشر والاعلام.
الهدف تكوين مجتمع جديد عضوي متماسك متراص متفاعل خلاط تسوده الثقة المتبادلة مجتمع يفتخر به وبقيمه كل لبناني ويوليه ولئه التام ويزود عنه بكل شيء حتى بالحياة.
اهم شيء اطلاقا في المجتمع اللبناني الجديد هو الخلقية المجتمعية الجديدة بهذه الخلقية فقط يكون كل شيء وبدونها لا يكون شيء.
عناصر هذه الخلقية 12.
الالفة والشرف والولاء والنزاهة والعقل والحرية والمسؤولية.
والعدالة والرجولة والجدية والتضحية واحترام الخير العام.
كل من هذه العناصر المجتمعية يعني شيئا مميزا في الفكر وفي نمط الحياة.
انسانية المجتمع اللبناني وحريته يتالفان من هذه العناصر الاثني عشر بالذات ولبنان الجديد هو بالضبط هذا المجتمع الانساني الحر الذي يبدو يوما فوق كل من نخبته القيادية في جميع نقاط المجتمع.
هذا رجل اليف.
هذا رجل شريف.
هذا رجل ذوق ولاء.
هذا رجل نزيه.
هذا رجل عاقل.
هذا رجل حر.
هذا رجل مسؤول.
هذا رجل عادل.
هذا رجل رجل.
هذا رجل جدي.
هذا رجل مضحن.
هذا رجل يحترم بطبعه الخير العام.
ان الخلقية المجتمعية اللبنانية الجديدة لا تتم بسن القوانين ولا بالتعليم والارشاد فقط بل بالقدوة لذلك تعتزم القيادة اللبنانية الجديدة ان تتقيد تقيدا صادقا افراديا وجماعيا بالخلقية المجتمعية الجديدة.
وشرط الانتساب الى هذه القيادة والعمل من داخلها ان يقبل كل عضوا فيها بالحكم على تصرفي بموجب ميثاق يسمى عهد الشرف اما الناظر في امر هذا التصرف والحاكم عليه على اساس هذا الميثاق فهو هيئة رفيعة ونزيهة من خيرة اللبنانيين تعينها القيادة الجديدة.
هذا البيان الذي نحونا فيه نحو البيانات الشهيرة في التاريخ اي توضيح ما كان قد اعلن في الموافيق ورش بذور جديدة للتطور يكون من ضمن المبادئ الاساسيه التي فيها.
هذا البيان نتركه مفتوحا لتوفبات الغد لالا يختنق هو في الغد او يختنق الغد فيه والامران يفضيان الى انقطاع الفاعلية والعمل.
عسى الله ان ييسر لهذا العمل العمل الحزب الملحوظ وتطوير هذا الحزب المرتجى جماعه من اهلنا يكون في عقلهم النور في قلبهم المحبة وفي عزمهم القوه ليمضوا صادقين معاندين في هذه الطريق الشاقة التي رسمناها لانفسنا ومشيناها بخطى ثابتة الينا على انفسنا بحكم مراصنا القديم ان لا تتردد او تنحرف.
وعسى الله الساهر ابدا على لبنان ان يظل ساهرا على حزبكم هذا بمقدار ما يجده قد وضع في خدمة لبنان وديمومته وخيره.
ورقة العمل والشر ايها السادة ويا ايها الشهداء الاحياء ابدا.
بعد هذه الحرب الهائلة التي اريق فيها الدم اللبناني انهارا وبنت فيها داره ركاما فماذا علينا ان نفعل ؟.
ان نعزم على الحقول دون اراقة دماء اللبنانيين ام مدرارا ودون تهدم بيوتهم تكرارا.
فكيف يكون ذلك ؟.
بان لا نرتجل الحلول.
بان لا نجبن في مواجهتها.
وبان نقبل مسبقا بكل ما يمكن ان تفرضه علينا من تضحيات بشر يبقى الاهم وهو ان نعرف ما هو الحل.
ان الحل الذي نقترح رفاقي وانا اهتدينا اليه عبر طريق طويلة بداها بعضنا من بداية التاريخ وبعضنا الاخر من بداية التجربة اللبنانية واستمرينا فيها جميعا نلملم العبر والتجارب نخضع لها تجربتنا ونطوع انفسنا لمرارتها احيانا.
ايها السادة.
قبل الدخول في موضوع الحل نود ان نعلن.
اولا نعرف ان التاريخ لا يعيد نفسه غير انه مليء بالعبر والمغازي.
ثانيا نعرف ان السياسة علم ولكنها كعلم التاريخ وعلم الاجتماع ليست علما محكما واذا هي لا تتمشى على قواعد اخيرة كما الرياضيات والفيزياء بشر ثالثا نعرف ان اي حل لا يمكن ان يعتمد ما لم تسانده قوة جولان قوة تمتد من حد قوة الراي لتنتهي الى قوه هنا السلاح مرورا بقوة الاقناع والضغط والاكراه.
رابعا.
نعرف ان لا مكنة للوصول الى الحل الافضل الذي يتهدده باستمرار الحل الانسب.
على ان الفارق بين الاثنين هو ان الحل الافضل يجيء مطابقا للتصور والتمني والكمال.
اما الحل الانسب فيجيء قريبا من الواقع ومن اجماع الفرقاء.
خامسا نعرف ان يكون لبنان مختبرا حضاريا امر من ركائز الوجود اللبناني.
ونعرف ان اطرف ما يعالج في هذا المختبر اليوم هو صيغة التعايش بين المسيحية والاسلام كدينين وحضارتين.
ولكننا نعرف ان التجربة بحياة الشعوب ومصائبهم امر لا يجوز لان الشعب يفقد فلا يعود.
وهكذا المصير.
ليس الشعب ولا المصير كما المواد الكيميائية في المختبر اذا فقدت منها كمية لجا المختبر الى اخرى فاخرى دون ما خوف عليها ان تنضب.
سادسا ونعرف في الختام ان صيغة لبنان الجديد يجب ان تلملم عن جميع الدروب والخواطر ب.
وان تغترف من صميمنا لتحيي ولتحيا.
الانطلاق نحو الحل.
اما بعد.
فاننا ننطلق من اعلان بعض الحقائق اللبنانية المتلاصقه هم بالحل الذي سنقترح وهي ثوابت من التاريخ اللبناني تبينناها على مجرى العصور.
اولا ان لبنان مساحة روحية لم يكن على مدى تاريخه الحديث ثابت الحدود ولكن شعبه ثابت التركيب.
فلبنان فخر الدين وصل الى تدمر وعكا واللاذقيه.
امل لبنان الامارة الشهادية فتقلص الى مثل حدود الجمهورية الحاضرة او يكاد وقد زاد تقلصا في عهد المتصرفية ثم عاد الى حدود لبنان الامارة او يركاد في عهدين ومن رافدين.
ان الاصيلين من سكان لبنان الذين تقدموا الهجرة المارونية اله شعب اختار لنفسي الحياة.
عاند الصخور ففجر منها الينابيع وعائد الجبال فتمت منها الجنائن ثم قدم الموارنة الى لبنان وهم حصيله م الى معتقد الاكثرية يوم كان الصراع محتدما في افاميا بين اليعاقبة والنساطره بشر ثم رفض الخنوع لان يعيشه في ذمه هنا الاكثرية الاسلامية الحاكمة ذلك ان الموارنهم يريدون حقهم من نبعه من الشريعه اون لا من الذميه المبنية على الرحمه والتسامح.
ثم تواردت على لبنان اقليات درزيه وشيعية رافضة سنيه.
فاقلية سنية رافضة ان تخضع بدورها لاكثريه سنية هي ايضا مستقوية بولاة الولايات.
وبخاصة في ولايتي حلب ودمشق.
واذا الحرية عامل اساسي في حياة هذا الشعب.
ثالثا الشعب اللبناني في تكوينه الحاضر يعيش على مستوى متباين في الدين والحضاره.
المسيحيه والاسلام.
ولابد من تسوية المستويين او فصلهما لتصبح الحياة ممكنة.
رابعا.
التعايش المسيحي الاسلامي على ارض لبنان مسالة قديمة ولدت مع ولادة لبنان المعاند والرافض ال.
غير ان الصيغة هذا التعايش الحالي يا هون ولدت مع الجمهورية اللبنانية في السنة 1920.
فاعلان الجمهورية اللبنانية في اول ايلول 1920 ضم الى لبنان اقضياهم وولايات فانضمت اليه في اثرها شعوب تخلخل من جرائها التوازن والانسجام بين اللبنانيين.
لا احد من السياسيين لمح ذلك.
ولا احد ما هذا له قبل الضم او وجد له علاجا بعد الضم الامر الذي جعل الخلل يتسع والمحاولات التي جرت بصدد العلاج اهمها ثلاث دستور السنة 1926 والميثاق الوطني في السنة 1943 ومحاولة الوحدة الوطنية ايام الرئيس شهاب.
هذه المحاولات لم تصب كبد الموضوع فظل الخلل يتسع.
ان يكون لبنان مختبرا حضاريا لهذه الصيغة ولغيرها من الاشياء الحضارية فهذا امر مفروغ منه جولان اما ان ظل قابلين بالمخاطرة بحياة الشعب اللبناني وبمصيره فهذا ما يجب ان يعاد فيه النظر.
الوقوف عند امرين.
من هنا اهمية التوقف عند امرين.
خطورة اعلان لبنان الكبير في السنه عام 1920 المستمرة الى الان في شكلها الحاضر.
والثاني حداثة عهد صيغة التعايش التي نعيش بظلها اليوم.
اريد ان اجيب هنا وقبل الابتعاد عن هذه النقطة عن سؤال اراه يجول في خاطركم.
اذا تقولون ان المسلمين اللبنانيين هم المسؤولون عن هذه الاحداث ؟.
لولا المسلمون اللبنانيون لما كانت هذه الحوادث على الشكل الذي جرت فيه.
لانه لما وجد في لبنان من يواطئ الفلسطينيين على مثل هذه الحرب وغاياتها جولان وعلة ذلك ان المسلم اللبناني لم يوطن ولائه بعد لبنان جولان وهو لم يفصل شعوره بعد عن شعور المسلم خارج لبنان فظل يعير نفسه للمسلم مجاورا كان او بعيدا سواء كان هذا المسلم عربيا كما هي الحال اليوم او كان عثمانيا كما كانت الحال في السنة 1860.
اعود فاتابع.
اولا قدروا لبنان هو ان يفصد دوريا بمعدل فصدة كل 20 عاما.
1842 و 1860 و 1916 و 1918 و 1958 و 1973 و 1975.
من هنا اننا نعيش على فوهه هوم بركان.
ثانيا.
كلما قوي استقلال لبنان ضعف كيانه وكل ما قوي كيانو لبنان ضعف استقلاله.
على ذلك شواهد كثيرة اهمها.
عندما كان كيان لبنان في ضمانة الدول السبع ايام متصرفية كان استقلاله على دروب العواصم السبع هباء منثورا.
وهكذا عندما كان كيانه في حماية شراب الجيش الفرنسي المنتصر الاكبر في حرب 1918.
وعندما اصبح استقلال لبنان في يد ابنائه اخذ كيانه يرتقص على كف عفريت.
من هنا ان اللبنانيين مدعوون ابدا ان يتدارسوا صيغه مع الاستقلالهم بعمق وانفتاح.
ثالثا كلما كثر تراب لبنان كثرت مشاكله وكل ما قل ترابه قلت بشر رابعا.
كلما اضطرب الحكم في لبنان لجا الحاكم الى اعتناق المارونية او نصب عليه حاكم مسيحي.
على هذا الاساس اعتنق فخر الدين بحسب بعض المؤرخين المارونية كما اعتنق الامير بشير الشابي الكبير بحسب ما ذكر في وصيته المارونية.
وهكذا اضطرت السلطنة العثمانية الى تعيين حاكم مسيحيه على لبنان ايام المتصرفية واستمر امر الحاكم المسيحي في لبنان الى يومنا هذا.
ماذا يريد اللبنانيون بشر ايها السادة.
اخذا بهذه الحقائق وانطلاقا من هذه الاعتبارات ماذا يريد اللبنانيون ؟.
جوابنا وهذا.
يريدون جولان ان يعيشوا بسلام مطمئنين الى غدهم مستمتعين بحريتهم لينصرفوا الى العمل والخلق والابداع فيحقق انسانهم كاملا ويصل حاضرهم بماضيهم العريق الاصيل المتمادي منذ ستة الاف سنة وتستمر هكذا مسيرة تقدمهم وارتقائهم فينتفعوا هم وينتفع بهم العالم.
اما كيف يتحقق لهم ذلك ؟.
فبان ينشئ لبنان منسجما وقابلا للحياه ؟.
اما كيف يتحقق لهم ذلك ؟.
فهذا عليكم ان تعرفوه انتم !.
عندنا في كلام التجارين كلام يقول عملناك ريس تجر الريح من قرونه.
ومع ذلك فان الناس الذين من حوالي تطارحهم الاسئلة المحرقة يمدون لكم في هذا الموضوع الشائك يدها المساعدة والعون فيلفتونكم الى ان ذلك لا يتحقق الا في مدار لبنان منسجم وقابل الحياه هم.
فاذا امكن ذلك باصلاح صيغة التعايش الحالي هون قبل.
واذا امكن ذلك عن طريق اللامركزية او الكونفدرالية او الفيدرالية قبلوا واذا امكن ذلك عن طريق الحياد قبلوا.
واذا لم يمكن ذلك الا عن طريق تصغير لبنان او تقسيمه فهم لا يستطيعون الا ان يقبلوا.
لان وجود لبنان عندهم على اي شكل كان خير من عدم وجوده.
هذا الذي عنيناه في المجلس النيابي عند مناقشته البيان الوزاري نهار الجمعة في 24 كانون الاول 1976 في قولنا.
لبناننا هو لبنان الكل الكل.
كل لبنان لكل اللبنانيين ال.
اما اذا لم يتحقق ذلك فيكون لبناننا اي لبنان كان.
لبنان الكيف ما كان رجلان شرط ان يبقى لبنان.
ولكن لكي نقع في لبنان الكيف ما كان علينا ان نتدبر امرنا بعقل وحكمة وشجاعة وصدق فنعمل على اساس تخطيط مدروس وشامل.
كل الصيغ بحاجة الى اجوبة بشر على هذا وجب عندما تبحث صيغة التعايش ان نشيب عن سؤال هل اللبنانيون جميعهم في مستويات حضارية ثقافية حياتية متساوية سوية ؟ وان لا فكيف العمل لتسوية هذه المستويات ؟ ام التصرف بموجب وجودها ؟.
كما وجب عندما نبحث اللامركزية والكونفدرالية والفدرالية ان نجيب عن سؤال.
هل اللبنانيون جميعهم من النضج والمهاره هم بحيث يستطيعون ان يستعملوا الة الفيدرالية والكونفدرالية وهي الة دقيقة الصنع.
بل فائقة الدقة استعمالا يفدي الى الخير الذي ينتج عادة عن هذه الاله ؟.
ام تؤدي بهم هذه الالة وبالبلاد لهاوية سحيقة ؟.
واذا بحث الحياد وجب ان نجيب عن سؤال.
الى اي حد يمكن فاصل شعور المسلمين عن مشاعر الشعوب الاسلامية المحيطة ؟ والى اي حد يمكن ان يصبح ولاء اللبنانيين كل اللبنانيين للبنان ولا ان كليا اصليا ما فوقه ولاء ؟.
واذا ما بحثنا التصغير والتقسيم وجب ان نجيب عن سؤال.
ما الذي يؤمن للبنان المصغر او المنقسم الحرمة والحماية والاستمرار والاستقرار ؟.
اما اذا بحثت لدينا صيغة طريقة جديدة تشتمل على محاسن هذه الصيغ جميعا دون معايبها فوجب ان نجيب عن هذه الاسئلة جميعا.
بعد ذلك يشيء دور التقرير.
ايها السادة.
عندما يجيء التقرير تجيء معه امور مهمة في راسها.
اولا جولان ان التقرير شيء وان الاعلان عن القرار شيء اخر وان طريقة تنفيذه امر ثالث.
وكل واحد من الامور الثلاثة هذه خطير بحد ذاته وخطير بما هو جزء من كل.
جزء من خطة.
ولكل واحد من الامور الثلاثة الخطيرة هذه مراس.
اذ يقتضي للتقرير.
ايمان وشجاعة وصدق.
ويقتضي الاعلان القرار.
حكمة ومرونة ودهاء.
كما يفتضي لتنفيذه.
عناد ونفس طويل وبذل.
ثانيا.
ان لبنان كما ننظر اليه نحن حل بذاته.
وكما ينظرون اليه هم ازمة مستمره.
ثالثا.
ان كل ما يعيق لبنان في طريق ارتقائه يصلح للبنانهم ومعظم ما يصلح للبنانهم يعيق وارتقاء لبناننا.
اضرب مثلا على ذلك في الشان التربوي.
فان جميع المناهج المقترحة منهم تفضي الى خفض المستوى التربوي لنتساوى في الجاهلية وجميع المناهج التي في ضمائرنا تفضي الى رفع المستوى لنلتقي في الحضارة.
دور القرار.
ثم يجيء القرار.
فقرارنا هو هذا.
ان يكون لنا لبنان واحد ينسجم فيه شعبه وقادر على الحياة فلبنان المنسجم الواحد هذا نتصوره هكذا.
لبنان المتصرفيه هو المضاف اليه بيروت ورقعة ارض في البقاع تبدا من اقدام جبل الارز وصنين والكنيسة والباروك وتمتد 10 هون كيلو مترات في.
السهل باتجاه سلسلة جبال لبنان الشرقية.
على ان تبحث بعمق مسالة الكره المسيحية فيما تبقى من البقاع وفي عكار وفي الجنوب.
الى لبنان المنسجم الواحد هذا قابل للحياة.
لان دخله يكفيه ولاننا نستطيع ان نؤمن له الحماية.
لهذين الامرين دراسة معمقة يجيء بحثها في حينه.
وقبل الختام تساؤل يطرح ذاته لماذا نقبل بلبنان هذا ولا يقبلون ؟.
لماذا يقبل المسيحيون بلبنان المنسجم الواحد ولا يقبل به المسلمون كل المسلمين المؤمنين في لبنان وغير المقيمين في ؟.
يعود ذلك في رايي لنا المسلمين في لبنان يريدون من المحافظة على لبنان الحالي ان يحافظوا على مستويات في التجاره وفي المجتمع وفي شؤون الحياة اليومية جولان انهم يخشون العودة الى البداوة اذا فقدوه بشر اما المسلمون العرب فيريدون من بقاء لبنان الحالي على حاله يريدون ان تبقى لهم في المسلمين المقيمين في لبنان عبوه هم ناسفة يشعلونها كل ما راوا ظرفهم ماتيا بشر واما المسيحيون فان لهم في لبنان مارب اخرى.
وهناك تساؤل اخر.
لماذا حيثما راى المسلمون في العالم انهم لا يستطيعون ان يسيطر على البلد الذي فيه يعيشون عمدوا الى القسمة وقسموها.
ولماذا في لبنان يخافون القسمهم ويرفضونها ؟ لعلهم يتوهمون انهم قادرون على السيطرة على هذا البلد ؟.
ايها السادة.
حاولنا قدر المستطاع ان نقدم في نصف ساعة عصارة ما به نعتقد.
فحيثما وجب التصريح صرحنا وحيث ما كان يكفي التلميح المحنه.
ولم نغض الا حيثما راينا الاغضاء لا يعيب.
وسنعود في النقاش الى حقنا في الكلام للتبسط في التبيين.
هجرنا في هذا البيان اننا تخففنا من ثقل كان يطا قويا على صدورنا وضمائرنا.
واجرنا اننا في هذا حاولنا ان نعطي المقاتلين والشهداء اجرهم.
ويجب ان لا يغيب عن بالنا ايها السادة اننا وصلنا الى هذا المكان جميعا على انهار من دم وعبر جبال من ركام.
عاش لبنان صحافة حرب التفاسير.
الاطراف اللبنانية تضع عقبات في وجه تلاقيها بعضها مع بعض.
فلال جبهة اللبنانية تعترف بمحاور اسلامي مقبول ولا التجمع الاسلامي والفئات اليسارية تبيح لنفسها محاورة الجبهة.
والجهة الوحيدة المتحركة التي نجدها غير معقدة من الاتصال بجميع الاطراف هي القيادة الفلسطينية التي تقابل البطريرك الماروني وبشير الجميل وبالسهولة نفسها التي تقابل بها صائب سلامه وليد جنبلاط.
وهكذا لا يظهر في الساحة الى الفلسطينيون والجبهة اللبنانية.
والجبهة اللبنانية لا تمثل لبنان كله بطبيعة الحال وان كانت تمثل الفريق الماروني.
ومما يضعفها في تطلعها الى تمثيل اللبنانيين منطلقها الخاطئ في موضوع واحدة لبنان ارضا وشعبا.
فوحدة لبنان التي يجب ان تكون احد مقدسات اللبناني قد حولتها السياسة الى ورقة ضغط وابتزاز.
والجبهة اللبنانيه تمارس في موقفها من موضوع وحدة الوطن سياسة تصح تسميتها بسياسة الوحدة المشروطه.
والوحدة المشروطة منطق مرفوض من زاوية الولاء اللبناني السليم.
فواحدة الوطن لا تخضع ولا يجوز ان تخضع لشروط مهما كانت هذه الشروط غالية على اصحابها بل مهما كانت هذه الشروط محقة.
والقول باننا نقبل بوحدة الوطن اذا توفر لنا المطلب الفلاني ونتجاوز هذه الوحدة اذا لم يتوفر هذا القول اقل ما يقال فيه انه تفريط بالوطن وتثقيف خاطئ للمواطنين.
لا شرط على الوحدة ولا شرط فيها.
انها مقدس من مقدسات الوطن فاذا خسرت قدسيتها في نظر المواطن وتحولت عنده الى نقطة قابلة للجدل او موضوع يتحمل الاخذ والعطاء فقدت الوطنية اللبنانية اهم مقوماتها.
وببساطة ووضوح ومن موقع التطلع الى لبنان الديمقراطي المتوازي نقول ان الجبهة اللبنانيه لا تستطيع ان تقنع اللبنانيين بشيء من وجهات نظرها ما دامت تقول انني مستعدة لاعادة النظر في وحدة الوطن اذا لم يطبق العرب والفلسطينيون واللبنانيون الاخرون اتفاق القاهرة او العلمانية المطلقة او غيرها من مطالب الجبهة.
ان الطرح مطالب الجبهة بصيغة اما اتفاقية القاهرة والعلمانية ولا عروبة في لبنان واما اللامركزية السياسية والفدرالية والمشاريع الانقسامية لا هو طرح في قوي لا ياخذ بعين الاعتبار مصالح جميع اللبنانيين وطن واحد تتعايش فيه الافكار والتيارات في ظل الحرية والمساواة.
وهل تستطيع الجبهة اللبنانيه ان تقول انها وطنية اكثر من اللبنانيين الاخرين قد تخلت عنهم بلا مسؤولية وطنية واضحة ؟.
اننا نطرح هذه الاسئله حبا بان لا يجدي اي حوار مقبل بين الاطراف اللبنانية الا على الاسس الوطنية السليمة وعلى القواعد الاصيلة الارض والشعب في لبنان.
ان مطالب الجبهة كلها بلا استثناء مرشحة بان تبحث في اي عملية حوار وطني واسع سواء تم هذا الحوار عن طريق الرئيس سركيس وعبره كما يقول البعض او عن طريق لقاءات ثنائية او جماعية هنا وهناك.
ولكن هذه المطالب تخسر اي حق لها في دخول حلبة الحوار اذا جاءت كشروط على وحدة الوطن والشعبه.
من حق الجبهة اللبنانية ان تنادي بهذا المطلب او ذاك ومن واجب غيرها ان يناقش هذه المطالب بموضوعية بعيدة عن التشنج او عن فكره وواعيا يريد ان يحكم في لبنان قانون الكثرة العددية وحده هو قد كان رؤساء الحكومات المسلمون لا يصرون على اجراء الاحصاء في لبنان لانهم لم يكونوا يجدون مصلحة لوطنهم ولا لطائفتهم في ان يشعر المسيحيون بانهم مهددون بارهاب العدد.
وكان بعض هؤلاء رؤس اء يقول ليس المهم ان يثبت ان المسلمين كثر هون والمسيحيون قلة بل المهم ان لا يشعر احد انه مقهور في وطنه !.
ومثل هذا المنطق ليس ضعيفا في اوساط مسلمين في لبنان بدليل ان اكثرية قياداتهم السياسية اقرت مارونية رئاسة الجمهورية ولم تخدعها لنتيجة احصاء او غير ذلك.
واللبنانيون من غير طائفة الجبهة اللبنانية مستعدون لبحث اي فكرة من شانها تبديد المخاوف مقابل ان تقول الجبهة اللبنانية مرة واحدة انها تطرح افكارها في اطار الولاء للوطن الواحد غير القابل للتجزئة او انها لا تؤمن لا اليوم ولا غدا بوضع اي شرط على الوحدة.
فاذا كانت الوحدة المشروطة منطقه المرفوضا عند الوحدويين حتى في بناء الوحدات الكبرى كوحده عنصريه ومصر مثلا فكيف يكون هذا المنطق مقبولا في رقعه او جغرافية محددة كتلك التي يقوم عليها الوطن اللبناني ؟.
ان لبنانية اللبناني لم تولد عفوا ولكنها كانت نتيجة نضال خاضته اجيال.
واذا كنا لم نصل بعد الى حد الشعور كله لبناني بلبنانيته سواء بين المسيحيين او المسلمين فما ذلك الا لان التصرفات والاجتهادات والافكار لم تكن منطبقة دائما على المقاييس الوطنية الصارمه وابرازها بل اقدسها وحدة لبنان واللبنانيين.
مجله الحوادث.
الجمعة في 1/7/1977   لبنان، بحكم تركيبته التاريخية وتنوّعه السياسي والطائفي، لا يمكن أن يُدار بقرارات تُصاغ خارج حدوده أو بإرادات مفروضة من عواصم بعيدة. فكل تجربة حكم قامت على الوصاية أو التدخل الخارجي، مهما بدت قوية في لحظتها، سرعان ما اصطدمت بواقع داخلي معقّد لا يقبل الإملاء ولا يستقيم إلا إذا نبع القرار من الداخل اللبناني نفسه. إن خصوصية لبنان تجعل من التوافق قاعدة حكم لا خياراً ظرفياً. فالتوازنات الدقيقة بين مكوّناته لا تُدار بالغلبة ولا بالأكثرية الصمّاء، بل بتفاهمات وطنية تضمن مشاركة الجميع في القرار وتحفظ الاستقرار السياسي والاجتماعي. وعندما يُهمَّش هذا المبدأ، تتحوّل السلطة إلى عامل انقسام بدل أن تكون مظلة جامعة. التوافق لا يعني تعطيل الدولة أو شلّ مؤسساتها، بل يعني البحث عن قواسم مشتركة تُترجم في سياسات عامة تحظى بحدّ أدنى من الرضى الوطني. وهو المدخل الطبيعي لإعادة بناء الثقة بين اللبنانيين، ولإنتاج سلطة قادرة على مواجهة الأزمات الاقتصادية والمالية والأمنية بروح جماعية لا بروح التحدّي والكسر.
من هنا، فإن أي مشروع إنقاذي للبنان لا يمكن أن ينجح إذا استند فقط إلى دعم خارجي أو إلى تسويات تُعقد بعيداً عن إرادة اللبنانيين.
وحده التوافق الداخلي، القائم على احترام الشراكة والدستور، كفيل بإعادة انتظام الحياة السياسية ووضع البلاد على سكة التعافي، بعيداً عن الارتهان للخارج وقريباً من مصلحة الوطن العليا.
  يمكن تلخيص الأسباب المعلنة لاستقالة أدوار حنين من الجبهة اللبنانية، استنادًا إلى رسالته الموجهة إلى الشعب، في أربعة نقاط رئيسية كما يلي:
وجود عناصر غير ملتزمة بالمبادئ الأصلية للجبهة: يرى حنين أن بعض العناصر في الجبهة تعمل وفق اعتبارات شخصية أو مصالح خاصة، لا تتماشى مع الأسس والقيم التي قامت عليها الجبهة منذ تأسيسها.
غياب الديمقراطية الداخلية: يؤكد أن أركان الجبهة لا يمثلون الغالبية الشعبية الحقيقية، مما يعكس نقصًا في المشاركة الفعلية والتمثيل الديمقراطي داخلها.
مقررات الجبهة لا تعكس الإرادة اللبنانية: يشعر بأن القرارات والسياسات الصادرة عن الجبهة لا تعبّر عن توجهات الشعب اللبناني أو مصالحه الحقيقية، بل تبتعد عن الطموحات الوطنية.
عدم التعاون مع الشرعية الوطنية: يرى أن الجبهة لا تعمل بالشكل المطلوب مع السلطات الشرعية، ولا تؤمن بأن إنقاذ لبنان ممكن إلا من خلال تعاون كامل مع الشرعية الوطنية، وهو ما يشكل عائقًا أمام تحقيق أهداف الإنقاذ.
  يمكن ان تنحصر أسباب الاستقالة في نقاط اربعه اولا تضم الجبهه عناصر بنت عملها على غير الاعتبارات التي قامت عليها الجبهه اساسا ثانيا لا وجود للديمقراطيه فاركان في الجبهه لا يمثلون الغالبيه الشعبيه الصحيحه ثالثا مقررات الجبهه لا تمثل الاراده اللبنانيه رابعا لا تتعاون الجبهه مع الشرعيه ولا تؤمن بان لا وصول الى انقاذ لبنان الى بالتعاون المطلق مع الشرعية.
  أعلن النائب فيليب حنين استقالته من منصب الأمين العام للجبهة اللبنانية، وذلك بعد لقائه الرئيس أمين الجميل العائد من نيويورك.
وقد جاء هذا الإعلان في توقيت حساس، يعكس التطورات الأخيرة في المشهد السياسي اللبناني.
ويرى المراقبون أنّ الاستقالة جاءت على خلفية تفاقم حركة الاستقالات والتعيينات داخل حزب الكتائب، الأمر الذي ألقى بظلاله على الأطر التنظيمية للجبهة اللبنانية وأثر على استقرارها الداخلي.
فالتغيرات المتكررة في المواقع القيادية تثير التساؤلات حول الانسجام بين القيادة وأعضاء الحزب والجبهة.
وقد عزت أجهزة رقابية داخلية تابعة لقوى القوات اللبنانية مراقبة الاستقالة إلى خلافات داخلية واعتبارات شخصية بين القيادة وأعضاء الجبهة، معتبرة أنّ هذه العوامل تؤثر بشكل سلبي على مصداقية الجبهة وقدرتها على تمثيل الشعب بكفاءة وفاعلية.
ويؤكد المراقبون أنّ ما يزيد من حساسية الأمر أنّ الاستقالة صادرة عن مرجع كان يرافق الجبهة منذ تأسيسها، وكان له دور أساسي في تشكيل هويتها ومبادئها.
وهذا يجعل للقرار أبعادًا رمزية وأثرًا نفسيًا على قاعدة المؤيدين والناشطين داخل الجبهة.
وتشير المصادر إلى أنّ العلاقة التاريخية بين النائب حنين والجبهة اللبنانية كانت قائمة على الثقة والولاء للمبادئ الوطنية، وهو ما يجعل استقالته حدثًا لافتًا، إذ أنّ أي تغيير في موقع قيادي بهذا المستوى ينعكس على مستوى التماسك الداخلي للجبهة.
كما يرى بعض المحللين أنّ الاستقالة قد تحمل في طياتها رسائل متعددة، من بينها الحاجة إلى إعادة النظر في الهياكل التنظيمية للجبهة، وإعادة تقييم طرق اتخاذ القرار، بما يضمن تقليل الاحتكاكات الداخلية وتعزيز القدرة على التمثيل الشعبي.
ويلاحظ أن هذه الاستقالة تأتي في سياق تغييرات سياسية أوسع داخل حزب الكتائب، ما يعكس تفاعلات القوى التقليدية في لبنان مع التحديات الراهنة، سواء على مستوى إدارة الأحزاب أو على صعيد العلاقة مع المجتمع المدني والجمهور الواسع.
وتشير المصادر إلى أنّه رغم الطابع الشخصي للاستقالة، فإنها تستدعي مراجعة استراتيجية للجبهة اللبنانية، لتأكيد استمرارها كممثل شرعي وفعّال للشعب، وضمان عدم تراجع تأثيرها السياسي أو قدرتها على قيادة المبادرات الوطنية.
ويُبرز المحللون أنّ هذه المرحلة تشكّل اختبارًا للجبهة وللقيادة الجديدة، في كيفية التعامل مع الخلافات الداخلية، والقدرة على الحفاظ على المبادئ المؤسسية، وتجنّب الانقسامات التي قد تقلّص من أثرها السياسي.
وفي الختام، يظل الرأي العام والمراقبون السياسيون على متابعة دقيقة لتداعيات استقالة النائب حنين، سواء على مستوى الجبهة اللبنانية أو على مستوى المشهد السياسي العام، مع التأكيد على أنّ قدرة الجبهة على التماسك وإعادة ترتيب صفوفها ستكون مفتاحًا للحفاظ على مصداقيتها وتمثيلها للشعب اللبناني.
  يشكّل إعلان الاستقالة عن منصب الأمين العام للجبهة اللبنانية حدثًا مهمًا من حيث الشكل، لكنه ليس بالضرورة تحولًا جذريًا في طبيعة الجبهة أو في مسارها العام.
فالجبهة اللبنانية، بوصفها إطارًا سياسيًا ومقاومًا، تمتلك جذورًا عميقة في المجتمع اللبناني، وتستند إلى قيم ومبادئ ثابتة تجعلها قادرة على الاستمرار رغم التغييرات المؤقتة في قيادتها.
فطبيعة الجبهة اللبنانية، كما يرى المراقبون، تجعلها متجذرة في المقاومة كخيار استراتيجي ووطني.
المقاومة ليست نشاطًا عرضيًا، بل هي استمرار لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية التي تواجه لبنان، وهي في جوهرها تمثل روح الجبهة وسياستها العامة، مما يمنحها القدرة على الاستمرار مهما تغيرت مواقع الأفراد أو القيادات.
وبالتالي، فإن أي استقالة لأمين عام لا تعني انهيار الجبهة أو توقف مقاومتها، بل هي جزء من دورة طبيعية لأي حركة سياسية أو مقاومة.
فالتغيير في المناصب القيادية قد يحدث لأسباب متعددة، سواء كانت شخصية أو تنظيمية، وهو في كثير من الحالات يعكس عملية تحديث وتطوير داخلي أكثر من كونه أزمة حقيقية.
وتُعتبر عملية دخول مقاومين جدد إلى الجبهة أو انسحاب آخرين من طبيعة العمل المقاوم ذاته.
فالجبهة كمؤسسة حية تحتاج إلى دماء جديدة وأفكار متجددة، في الوقت نفسه تحترم الانسحاب الطوعي للمقاومين الذين قد يغيرون أولوياتهم أو ظروفهم الشخصية، وهو ما يُسهم في ديناميكية مستمرة للجبهة.
إنّ هذه المرونة في الانضمام والانسحاب لا تقلل من قوة الجبهة، بل تعززها.
فوجود أعضاء جدد يمد الجبهة بطاقة وحيوية إضافية، ويجعلها أكثر قدرة على مواجهة التحديات المعقدة والمتجددة، بينما يحافظ انسحاب بعض الأعضاء على توازن القوى الداخلية ويمنع الجمود التنظيمي أو العجز عن التجديد.
ويمكن النظر إلى الاستقالة أيضًا كفرصة لإعادة تقييم الأداء القيادي والسياسات الداخلية.
فالجبهة اللبنانية، بفضل تاريخها الطويل في العمل المقاوم والسياسي، تعرف أن القيادة ليست شخصية محصورة، بل منظومة مؤسسية تتطلب توافق الرؤية بين الأفراد والجماعة، وهذا يتيح للجبهة الاستفادة من الاستقالات في تعزيز برامجها ومشاريعها المستقبلية.
كما تعكس هذه العملية قدرة الجبهة على التكيف مع المتغيرات الداخلية والخارجية، فهي لا تعتمد على شخص واحد فقط لتحديد مسارها، بل تبني استراتيجياتها على قاعدة مشتركة من المبادئ الوطنية والمقاومة، مما يجعلها أقل عرضة للاختلال أو التراجع عند تغييرات محدودة في القيادة.
وعلى صعيد المقاومة، يشير المراقبون إلى أنّ استمرارها مرتبط بتماسك الجبهة ومصداقيتها لدى جمهورها وبيئتها.
فالتحولات القيادية لا تلغي إرادة المقاومة، بل هي فرصة لتجديد الالتزام، وتأكيد أن المقاومة ليست شخصية، بل مشروع جماعي مستمر، يتجاوز أي منصب إداري أو أي قائد بعينه.
كما أنّ ديناميكية الانضمام والانسحاب تتيح للجبهة أن تبقى مرنة ومتجددة، فتستوعب الأفكار الجديدة، وتطوّر استراتيجياتها بما يتناسب مع تطورات الواقع السياسي والأمني في لبنان والمنطقة.
وهذا يضمن لها قدرة على البقاء والتأثير رغم أي صدمات أو تغييرات في قياداتها.
في الخلاصة، يمكن القول إن استقالة الأمين العام للجبهة اللبنانية ليست نهاية الطريق، بل مرحلة ضمن مسار طبيعي للجبهة المقاومة.
فهي مؤسسة حية، تواجه التحديات بالمرونة والتجديد المستمر، وتستمر المقاومة بفضل قيمها المؤسسية، ووجود أفراد جدد يساهم في الحفاظ على قوتها وتماسكها على المدى الطويل.
  يشير السيد ادوار حنين إلى أنّ الجبهة اللبنانية مطالبة بأن تكون وفية للشرعية الدستورية والسياسية، الممثلة برئاسة الشيخ أمين الجميل.
فهذه الشرعية ليست مجرد رمزية، بل تمثل القاعدة الثابتة التي تنطلق منها كل جهود إعادة الاستقرار إلى البلاد وإعادة بناء مؤسساتها على أسس سليمة.
ويؤكد حنين أنّ دعم رئاسة الشيخ أمين الجميل يجب أن يكون شاملاً، بحيث لا يقتصر على التأييد الرمزي، بل يشمل التعاون الفعلي في إدارة شؤون الحكم.
فالتناغم بين الجبهة اللبنانية والقيادة الشرعية يشكّل ركيزة أساسية لنجاح أي مشروع وطني يسعى إلى توحيد البلاد.
كما يرى حنين أنّ على الجبهة ألا تقف في وجه مقررات الشيخ أمين الجميل أو مساره السياسي، إذ أنّ هذه المقررات والمسار يهدفان إلى معالجة الانقسامات الداخلية ودرء خطر الانهيار الوطني، سواء على صعيد الأمن أو الاقتصاد أو النسيج الاجتماعي.
ويشير إلى أنّ توحيد البلاد ليس هدفًا ثانويًا، بل جوهر أي مشروع إنقاذ، حيث يساهم في إعادة الثقة بين المواطنين والدولة، ويخلق بيئة مستقرة تُتيح تنفيذ إصلاحات ضرورية وتحريك عجلة الاقتصاد المتوقفة بفعل سنوات الحرب والانهيار.
ويعتبر حنين أنّ دعم رئاسة الشيخ أمين الجميل هو أيضاً عامل حماية ضد شبح الحرب، إذ أنّ الاستقرار السياسي الداخلي يقلّل من فرص اندلاع صراعات مسلحة أو نزاعات بين الأطراف المختلفة، ويمنح البلاد فرصة للتركيز على التنمية والبناء.
كما يؤكد أنّ نهج الشيخ أمين الجميل يسعى إلى إعادة تفعيل الاقتصاد الوطني المتعثر، من خلال سياسات إصلاحية متدرجة، وإعادة الثقة في مؤسسات الدولة، وتحفيز الاستثمار، وتشجيع القطاع الخاص على لعب دوره في إنعاش الحياة الاقتصادية.
ويشير حنين إلى أنّ الولاء للشرعية لا يعني الغياب عن النقد البناء، بل يشمل توجيه الجهود بما يخدم مصلحة الوطن العليا، ويُعزز من قدرة الدولة على تحقيق أهدافها الوطنية دون أن تتشتت الموارد أو الطاقة في صراعات جانبية.
ويضيف أنّ وحدة الصف الوطني حول قيادة الشيخ أمين الجميل تمثل رسالة واضحة إلى الداخل والخارج بأن لبنان قادر على إعادة ترتيب أولوياته، واستعادة دوره الطبيعي في المنطقة، بعيدًا عن الانقسامات والخلافات التي أرهقت البلاد لعقود.
ويختم حنين بالتأكيد على أنّ أي مشروع لبناني يطمح للنجاح لا بد أن يقوم على قاعدة الشرعية والدعم الشعبي المتواصل، مع الالتزام بخطط واضحة لإعادة البناء السياسي والاقتصادي، بما يحقق الاستقرار المستدام للبلاد ويحميها من المخاطر المتجددة.
  بعدما أعلن النائب إدوار حنين استقالته من الأمانة العامة للجبهة اللبنانيّة، تحوّل منزله إلى محطة لزيارات متتالية قام بها عدد من الأصدقاء والسياسيّين، بدافع الاستيضاح لا المجاملة.
فقد ساد انطباع لدى كثيرين بأنّ الأسباب المعلنة في نصّ الاستقالة، على أهميّتها، لا تختصر وحدها الخلفيّات الحقيقيّة لهذا القرار، ولا تفي بشرح حجم القلق الوطني الذي دفع إليه.
وخلال هذه اللقاءات، لم يتعامل حنين مع زوّاره بوصفهم مستجوبين، بل شركاء في الهمّ اللبناني العام.
شرح بهدوء أنّ الاستقالة ليست انسحابًا من القضيّة، بل محاولة لإعادة تصويب البوصلة، حين يشعر المرء أنّ موقعه لم يعد يسمح له بأن يكون صادقًا مع نفسه ولا مع الناس.
ونقل عنه زوّاره تأكيده أنّ واجب إنقاذ لبنان لا يقتصر على من هم في مواقع السلطة، بل يقع على عاتق كل لبناني، حاكمًا كان أم محكومًا، مسؤولًا أو مواطنًا عاديًا.
لبنان، في نظره، ليس ملكًا لفئة أو حزب، بل أمانة في يد جميع أبنائه، ولا يجوز التخلّي عنها أو التفريط بها تحت أي ذريعة.
شدّد حنين، في هذا السياق، على أنّ الوطن لا يُنقذ بالشعارات ولا بالاصطفافات الضيّقة، بل بالفعل اليومي والمسؤول، وبالاستعداد لتحمّل كلفة الموقف حين يتعارض مع المصالح الآنية أو الحسابات الشخصيّة.
من هنا، اعتبر أنّ الاستقالة قد تكون أحيانًا فعل مقاومة سياسيّة، لا علامة ضعف أو تراجع.
كما أكّد أنّ المآسي التي واجهها لبنان، نتيجة ممارسات من استبدّوا بالحكم أو انحرفوا به عن مساره الديمقراطي، يجب أن تكون حافزًا إضافيًا للعمل من أجل قيام دولة راقية، تحترم التعدديّة وتؤمن بالتداول الحقيقي للسلطة، لا ذريعة للاستسلام أو القبول بالأمر الواقع.
ورأى حنين أنّ الديمقراطيّة لا تُختزل بالأكثريّة العدديّة، بل تُقاس بمدى احترام الرأي الآخر، وبالقدرة على اتخاذ القرارات بروح وطنيّة جامعة.
لهذا، دعا إلى وضع حدّ لهيمنة أصحاب الميول الشخصيّة الذين يغلّبون مصالحهم على مصلحة الوطن، ويحوّلون العمل العام إلى ساحة تصفية حسابات.
في خلاصة أحاديثه، بدا واضحًا أنّ استقالة إدوار حنين لم تكن نهاية دور، بل انتقالًا إلى موقع آخر في خدمة القضيّة اللبنانيّة.
هو، كما نقل عنه مقرّبوه، سيبقى يعمل من أجل بقاء لبنان حرًا وديمقراطيًا، مؤمنًا بأنّ المسؤولية الوطنيّة لا تسقط بتغيير الموقع، بل تتكرّس بالثبات على القيم.
  يطرح الجمع بين رئاسة الدكتور جورج سعادة لحزب الكتائب اللبنانية ورئاسته في الوقت نفسه للجبهة اللبنانية إشكالية سياسية وتنظيمية دقيقة، تتصل بطبيعة العلاقة بين الحزب والجبهة، وحدود الفصل أو التداخل بين النهجين الحزبي والجبهوّي.
الجبهة، التي نشأت أصلاً كإطار وطني جامع، كانت تقوم على تعددية داخلية وتوازنات دقيقة، لا على منطق الهيمنة الحزبية أو وحدة القرار الأحادي.
هذا الجمع في الموقعين أدى، وفق ملاحظات معترضين، إلى توحيد النهج السياسي والتنظيمي بين الحزب والجبهة، بحيث بات القرار الجبهوي يُدار بذهنية حزبية، وانعكس ذلك على آليات اتخاذ القرار وعلى طبيعة النقاش الداخلي.
مع الوقت، بدا أن الفارق بين ما هو كتائبي وما هو جبهوي يتقلص، إلى حد التماهي، الأمر الذي أثار قلق شخصيات كانت ترى في الجبهة مساحة أوسع من الانتماء الحزبي الضيق.
في هذا السياق، برز اعتراض عدد من المستقيلين من المكتب السياسي الكتائبي على الأسلوب المعتمد في إدارة شؤون الحزب، معتبرين أن النهج القائم يقوم على فرض القرارات كأمر واقع، بدل أن يكون نتاج حوار داخلي وتوافق سياسي يعكس التعدد داخل المؤسسة.
رأى هؤلاء أن تغييب النقاش الحقيقي أضعف الحياة الديمقراطية الداخلية، وحوّل القرار إلى مسألة أكثرية وأقلية، لا إلى شراكة سياسية فعلية.
هذا الاعتراض لم يكن موجهاً ضد الأشخاص بقدر ما كان اعتراضاً على المنهج، إذ اعتبر المستقيلون أن الحزب، بتاريخه ودوره، لا يمكن أن يُدار بعقلية الغلبة التنظيمية، بل يحتاج إلى مقاربة تشاركية تأخذ في الاعتبار التنوع الفكري والسياسي داخل صفوفه.
الديمقراطية الحزبية، برأيهم، لا تُختصر بعدّ الأصوات، بل تُبنى على التفاهم والاقتناع المشترك.
وانسحب هذا الإشكال أيضاً على عمل الجبهة اللبنانية، حيث اعتبر معترضون أن اعتماد المنهج نفسه في إدارة الجبهة أفقدها جزءاً من طابعها التوافقي، وحوّلها تدريجياً إلى امتداد سياسي للحزب الأقوى داخلها.
هذا ما أدى إلى شعور بعض القيادات الجبهوية بأن دورها بات شكلياً، وأن القرارات تُتخذ سلفاً خارج الأطر الجامعة.
من هنا، يرى مراقبون أن هذا التداخل بين رئاسة الحزب ورئاسة الجبهة شكّل أحد أسباب التصدع الداخلي، سواء داخل الكتائب أو في صفوف الجبهة اللبنانية.
الخلط بين المؤسستين، من حيث الرؤية وآليات القرار، أضعف استقلالية كل منهما، وأدخل العمل الجبهوي في منطق حزبي لم يكن منسجماً مع فلسفة نشأته.
الاعتراض على النهج المتبع، والاستقالات التي سُجلت، لا يمكن فصلها عن هذه المعادلة، حيث برزت مطالبة واضحة بالعودة إلى منطق التوافق، واحترام التعدد، ورفض إدارة الشأن السياسي بمنطق الأكثرية والأقلية.
هو اعتراض يعكس في جوهره خشية حقيقية من أن يؤدي استمرار هذا النهج إلى إفراغ الحزب والجبهة معاً من روحيتهما السياسية الجامعة، وتحويلهما إلى أطر مغلقة لا تحتمل الاختلاف.
  جاءت استقالة النائب إدوار حنين من الأمانة العامة للجبهة اللبنانية بوصفها اعتراضاً صريحاً على النهج الجديد المعتمد في إدارة شؤون الجبهة واتخاذ مقرراتها.
حنين رأى أن المسار الذي تسلكه القيادة الجبهوية لم يعد ينسجم مع الروحية التي قامت عليها الجبهة، ولا مع طبيعة الدور الوطني الذي أُنشئت من أجله كإطار جامع يتجاوز الحسابات الفئوية والعددية.
بحسب مقاربة حنين، فإن القرارات داخل الجبهة باتت تُتخذ بمنطق الأكثرية في مواجهة الأقلية، من دون السعي إلى تحقيق الحد الأدنى من التوافق السياسي.
هذا الأسلوب، برأيه، لا يعبّر عن ديمقراطية حقيقية، بل يختزلها في عملية تصويت عددية تُقصي الرأي المخالف، وتحول الخلاف السياسي الطبيعي إلى حالة انقسام بنيوي داخل المؤسسة.
يعتبر حنين أن هذه الأكثرية التي تفرض قراراتها داخل الجبهة لا تمثل الإرادة الشعبية الصحيحة، لا من حيث تكوينها ولا من حيث امتدادها الحقيقي في المجتمع اللبناني.
التوسع التنظيمي الذي شهدته الجبهة، والانضمام السريع لعناصر جديدة، أديا إلى نشوء توازنات داخلية لا تعكس بالضرورة المزاج الشعبي ولا القاعدة الوطنية التي قامت عليها الجبهة في بداياتها.
في هذا الإطار، يرى حنين أن المقررات الصادرة عن هذه الأكثرية تفتقر إلى الدقة في التعبير عن الإرادة اللبنانية العامة، لأنها تُبنى على حسابات تنظيمية داخلية أكثر مما تُبنى على قراءة واقعية للشارع اللبناني وتطلعاته.
هو ما جعله يشعر بأن الجبهة بدأت تبتعد عن دورها التمثيلي الجامع، لتتحول إلى إطار تحكمه معادلات قوة داخلية.
كما أن اعتماد هذا النهج، وفق حنين، يضرب جوهر العمل الجبهوي القائم على الشراكة والتوازن، ويُفرغ المؤسسة من بعدها التوافقي الذي شكّل أحد أبرز أسباب صمودها واستمرارها.
الجبهة، في نظره، لم تُنشأ لتكون ساحة صراع بين أكثرية وأقلية، بل منصة التقاء بين رؤى متعددة يجمعها الحد الأدنى من الثوابت الوطنية.
يضيف حنين أن الاستمرار في هذا المسار من شأنه أن يؤدي إلى مزيد من التباعد بين القيادة الجبهوية وقاعدتها الشعبية، وإلى اهتزاز صدقيتها أمام الرأي العام.
الجبهة التي لا تعكس بدقة نبض المجتمع ولا تحترم التعدد داخلها، تخاطر بفقدان مشروعيتها السياسية، مهما امتلكت من قوة تنظيمية أو عددية.
جاءت استقالة حنين كموقف سياسي وأخلاقي في آن واحد، يعبّر عن رفضه القاطع لنهج يرى فيه انحرافاً عن فلسفة الجبهة وأهدافها.
هي ليست انسحاباً من العمل الوطني، بل رسالة اعتراض واضحة على تحويل الديمقراطية إلى أداة إقصاء، وعلى استبدال التوافق بمنطق الغلبة، في مؤسسة وُلدت أصلاً لتكون صوتاً جامعاً لا منبراً للأكثرية وحدها.
  كان النائب إدوار حنين من أوائل الداعين إلى توسيع إطار الجبهة اللبنانية، ولا سيّما منذ بدأت تفقد عدداً من أركانها التاريخيين، إدراكاً منه لخطورة الانكفاء التنظيمي والسياسي على دورها الوطني العام.
رأى في هذا التوسيع ضرورة ملحّة للحفاظ على حيوية الجبهة وتجديد تمثيلها، بما يسمح لها بمواكبة التحولات السياسية والاجتماعية التي يشهدها لبنان.
غير أنّ هذا الطرح لم يُكتب له أن يتحقق كما كان مأمولاً.
في محطات عدّة، اصطدم بممانعة ضمنية من بعض أركان الجبهة البارزين، الذين لم يبدوا حماسة فعلية لفتح الأبواب أمام دمٍ جديد، سواء بدافع التحفّظ السياسي أو الخشية من تبدّل التوازنات الداخلية.
في محطات أخرى، تعثّر مشروع التوسيع بفعل الخلافات حول هوية الشخصيات التي ينبغي ضمّها إلى الجبهة، ومعايير اختيارها ودورها المستقبلي داخل الإطار الجبهوي.
إذ طغت الاعتبارات الشخصية والتنظيمية على النقاش، ما حال دون التوافق على أسماء قادرة على الإضافة الفعلية وعلى تعزيز الحضور الشعبي للجبهة.
بين الرفض الضمني والخلافات المعلنة، بقيت دعوة حنين إلى التوسيع معلّقة، ما أسهم تدريجياً في تعميق الهوّة بين الرؤية التي كان يطرحها وبين المسار الذي سلكته الجبهة لاحقاً.
هو مسار اعتبره حنين أحد الأسباب الجوهرية التي مهّدت للأزمة الداخلية، وأفضت في نهاية المطاف إلى خياره بالاستقالة، اعتراضاً على نهج رأى فيه إقفالاً للأفق بدل توسيعه، وتكريساً للانكفاء بدل التجديد.
  عندما أُقدِم على توسيع الجبهة اللبنانية، لم يكن للأمين العام فيها، النائب إدوار حنين، رأي حاسم أو تأثير مباشر في اختيار معظم الأسماء التي جرى ضمّها إلى هذا الإطار.
إلا أنّه، رغم تحفظاته، آثر تغليب المبادئ على الأشخاص، واضعاً ثقته في أن يلتزم التوسيع بالاعتبارات الوطنية والأسس السياسية التي قامت عليها الجبهة منذ نشأتها.
في تلك المرحلة، اختار حنين اعتماد نهج المراقبة والمتابعة، مترقباً مدى التزام الجبهة، بعد توسيعها، بالأهداف التي أنشئت من أجلها، وبالثوابت التي شكّلت جوهر عملها ودورها في الحياة السياسية.
غير أنّ الوقائع التي تلت سرعان ما بدّدت هذه الرهانات، إذ تبيّن له، مع مرور الوقت، أنّ الجبهة الموسّعة بدأت تنحرف في مقرّراتها عن تلك الاعتبارات، وتبتعد تدريجياً عن الخط الوطني الذي آمن به.
بحسب مقاربة حنين، لم يقتصر هذا الابتعاد على اختلاف في وجهات النظر أو على تباين في الأساليب، بل بلغ أحياناً حدود التعارض والتصادم مع مفهوم الشرعية، التي كان يرى أنّ لا سبيل إلى إنقاذ لبنان إلا عبر التعاون الكامل معها، أو على الأقل العمل من خلالها وعدم القطيعة معها تحت أي ظرف.
في هذا السياق، كان حنين، بعد كل اجتماع للجبهة، يبذل جهداً كبيراً في صياغة بياناتها الختامية، محاولاً انتقاء العبارات بعناية فائقة، بما يضفي على المقرّرات المتخذة قدراً من المرونة والليونة في مقاربتها لمسألة الشرعية.
سعى، من خلال هذه الصياغات، إلى تجنيب الجبهة مواقف حادّة قد تُفسَّر على أنها قطيعة نهائية مع مؤسسات الدولة، أو خروج عن الإطار الوطني الجامع الذي طالما دافع عنه.
  تحمّل النائب إدوار حنين هذا الواقع الجديد على مضض، مدفوعًا بحرصه على وحدة الجبهة اللبنانيّة وعلى عدم تعريضها لمزيد من التصدّع في مرحلة دقيقة من تاريخ البلاد.
اختار، رغم اعتراضه العميق، البقاء داخل الأطر التنظيميّة، آملًا أن ينجح الحوار الداخلي في تصويب المسار وإعادة الاعتبار للمبادئ التي قامت عليها الجبهة منذ تأسيسها.
غير أنّ موقعه داخل الجبهة تبدّل تدريجيًا، إذ وجد نفسه في صفّ الأقلية التي يُطلب منها القبول بالمقرّرات الصادرة عن أكثريّة باتت تفرض خياراتها كأمر واقع.
هذه الأكثريّة، بحسب حنين، لم تعد تعتمد منطق التوافق الذي كان سائدًا في مراحل سابقة، بل اتّجهت إلى حسم القضايا الخلافيّة بالتصويت العددي، بما همّش الآراء المخالفة وأضعف النقاش السياسي الجدي.
ورأى حنين أنّ المشكلة لم تكن في مبدأ الاختلاف بحدّ ذاته، بل في طبيعة هذه الأكثريّة وتركيبتها بعد توسيع الجبهة.
برأيه، إنّ التوسيع الذي كان يُفترض أن يعزّز التمثيل الوطني الشامل، أفضى عمليًا إلى خلل في التوازنات الداخليّة، وأنتج قرارات لا تعكس حقيقة المزاج الشعبي اللبناني ولا أولوياته الوطنية.
شدّد حنين على أنّ الأكثريّة الجبهويّة المستجدّة لم تعد تمثّل الأكثريّة الشعبيّة الصحيحة، لا على صعيد اللبنانيّين المقيمين في الوطن، ولا على صعيد المنتشرين في بلدان الاغتراب.
اعتبر أنّ الفجوة اتّسعت بين الخطاب السياسي الصادر عن الجبهة وبين نبض الشارع اللبناني، ما أفقد العديد من المواقف صدقيّتها وقدرتها على التعبير الدقيق عن الإرادة العامة.
كما عبّر عن امتعاضه من تحوّل بعض المقرّرات إلى بيانات متشنّجة، لا تراعي حساسيّة المرحلة ولا متطلّبات الحفاظ على الحدّ الأدنى من التفاهم مع الشرعيّة الدستوريّة.
كان يرى أنّ مثل هذا النهج يهدّد بعزل الجبهة سياسيًا، ويدفعها إلى مواجهة غير محسوبة العواقب مع مؤسّسات يعتبرها المدخل الإلزامي لأي مشروع إنقاذ وطني.
رغم كل ذلك، حاول حنين في أكثر من مناسبة التخفيف من حدّة هذه المقرّرات، سواء عبر مداخلاته داخل الاجتماعات أو من خلال صياغة البيانات الختاميّة بلغة أكثر توازنًا.
سعى إلى إدخال عبارات مرنة تحفظ للجبهة هامش المناورة السياسيّة، وتمنع القطيعة الكاملة مع الشرعيّة، من دون أن ينجح دائمًا في فرض هذا التوجّه.
أمام هذا التراكم من الخلافات، ومع شعوره المتزايد بأنّ صوته لم يعد مسموعًا ولا مؤثّرًا، توصّل حنين إلى قناعة بأنّ الاستمرار في موقعه بات يكرّس واقعًا لا يؤمن به.
كان خياره بالانسحاب تعبيرًا عن اعتراض سياسي وأخلاقي، أكثر منه موقفًا شخصيًا، مؤكّدًا في بيانه أنّ الجبهة، بصيغتها الموسّعة، لم تعد تعبّر عن الأكثريّة الشعبيّة الحقيقيّة التي يعيش لبنان على أساسها، في الداخل كما في الانتشار.
  غادر الأمين العام للجبهة اللبنانيّة إلى فرنسا لمدّة شهر، في رحلة استجمام بدت في ظاهرها ابتعادًا مؤقّتًا عن ضغوط العمل السياسي، لكنها في عمقها كانت مساحة هادئة للتأمّل وإعادة النظر في المسار والخيارات.
السفر، بالنسبة إليه، لم يكن هروبًا من الواقع، بل فسحة ضروريّة لمراجعة الضمير السياسي بعد مرحلة مثقلة بالتناقضات والخلافات.
خلال إقامته في فرنسا، لم ينقطع حنين عن متابعة الشأن اللبناني، بل ظلّ ذهنه مشغولًا بسؤال جوهري: كيف يمكن الاستمرار في موقع قيادي داخل إطار لم يعد يعبّر عن القناعات التي آمن بها منذ بداياته السياسيّة؟ من هنا، نضجت فكرة الاستقالة لا كقرار انفعالي، بل كنتيجة مسار طويل من القلق والمسؤوليّة.
جاءت هذه الفكرة مدفوعة بواجب يعتبره حنين أسمى من أي موقع أو منصب، وهو واجب العمل من أجل أن يعود لبنان وطنًا حرًا كامل السيادة، يتمتّع أبناؤه بحقوقهم غير منقوصة.
فلبنان، في نظره، لا يُختصر بتوازنات مرحليّة ولا بتفاهمات ظرفيّة، بل هو كيان له رسالة وحريّة لا تقبل التجزئة.
يرى حنين أنّ أي عمل سياسي يفقد ارتباطه بهذا الهدف يصبح بلا معنى، مهما علا شأنه أو كبر تأثيره.
حرية لبنان، كما يؤمن، ليست شعارًا يُرفع عند الحاجة، بل شرط وجودي يبرّر الاستمرار في العمل العام من الأساس.
من دون هذه الحرية، تسقط المبرّرات، وتفقد الأدوار قيمتها.
في هذا السياق، يربط حنين بين حرية الوطن وشخصيّته الكاملة، معتبرًا أنّ لبنان لا يمكن أن يكون ذاته إلا إذا استعاد شخصيّته غير المنقوصة، تلك التي تميّزه عن سواه وتمنحه خصوصيّته التاريخيّة والثقافيّة والسياسيّة.
أي انتقاص من هذه الشخصيّة هو، في نظره، انتقاص من جوهر الكيان نفسه.
من هنا، بدا له أنّ الاستمرار في موقع الأمين العام، في ظل المسار الذي سلكته الجبهة، قد يضعه في موقع المتنازل أو المتكيّف مع واقع لا يشبه قناعاته.
هو ما رفضه رفضًا قاطعًا، مفضّلًا الانسحاب بصمت ووضوح على البقاء شاهدًا أو شريكًا في خيارات لا يؤمن بها.
لم تكن الاستقالة مجرّد خطوة تنظيميّة أو ردّ فعل على خلاف سياسي، بل تعبيرًا عن التزام عميق بقضيّة يعتبرها أوسع من الأشخاص والأطر.
فقناعته الراسخة أنّ لبنان، إذا لم يعد حرًا بكل معنى الكلمة، فلن يكون لوجوده السياسي أي موجب، ولا لعمله العام أي مبرّر.
  لدى عودته من الخارج، سارع النائب إدوار حنين إلى لقاء رئيس الجمهوريّة الشيخ أمين الجميّل، واضعًا أمامه خلاصة المرحلة وما انتهى إليه من قناعات بعد فترة الابتعاد والتأمّل.
لم يكن اللقاء بروتوكوليًا، بل اتّسم بصراحة كاملة، إذ كاشف حنين رئيس الجمهوريّة بنيّته تقديم استقالته من موقعه في الأمانة العامّة للجبهة اللبنانيّة، شارحًا له الخلفيّات السياسيّة والوطنيّة التي دفعته إلى هذا الخيار.
حنين، في هذا اللقاء، لم يطرح الاستقالة كأمر واقع بقدر ما عرضها كقرار نابع من أزمة قناعة عميقة، مؤكدًا أنّه لا يستطيع الاستمرار في موقع عام إذا شعر بأنّه لم يعد قادرًا على خدمة لبنان وفق المبادئ التي آمن بها.
شدّد أمام الرئيس الجميّل على أنّ المسألة بالنسبة إليه تتجاوز الخلافات التنظيميّة لتلامس جوهر العمل الوطني ودوره في هذه المرحلة الدقيقة.
أما الرئيس الشيخ أمين الجميّل، فاستمع إلى حنين بهدوء ومن دون محاولة للضغط أو الإقناع بالعدول عن قراره.
لم يسعَ إلى ثنيه عن الاستقالة، ولم يُبدِ اعتراضًا أو تحفّظًا، بل فضّل احترام استقلاليّة الرجل وخياره السياسي، إدراكًا منه لطبيعة شخصيّته ومسيرته.
في موقف عكس قدرًا من الواقعيّة السياسيّة، قال الرئيس الجميّل لحنين إنّ عليه أن يفعل ما تمليه عليه المصلحة العامّة، تاركًا له حريّة القرار وتحمل مسؤوليّته كاملة.
كانت هذه العبارة، في دلالتها، إقرارًا بحق الرجل في أن يختار طريقه من دون وصاية أو إملاء.
هذا الموقف الرئاسي أراح حنين، إذ وجد فيه تفهّمًا لموقفه لا محاولة لاستثماره أو توظيفه سياسيًا.
كما عزّز لديه القناعة بأنّ الاستقالة، إذا ما حصلت، ستكون خطوة شخصيّة ووطنيّة في آن، لا موجّهة ضد أحد ولا في خدمة حسابات ضيّقة.
خرج حنين من اللقاء أكثر ثباتًا على خياره، مقتنعًا بأنّ احترام الذات السياسيّة لا يقلّ أهميّة عن شغل المواقع.
الدعم الضمني الذي منحه إيّاه رئيس الجمهوريّة، عبر تركه حرّ القرار، شكّل بالنسبة إليه تأكيدًا على أنّ الاستقالة، حين تكون بدافع المصلحة العامّة، لا تحتاج إلى تبرير إضافي.
  تطرح استقالة النائب إدوار حنين من الأمانة العامة للجبهة اللبنانية مجموعة أسئلة تتجاوز الإطار التنظيمي، لتلامس جوهر التحولات السياسية داخل الجبهة نفسها.
حنين، الذي شكّل أحد أعمدتها الفكرية والسياسية، لم يكن شخصية عابرة في مسيرتها، بل كان من صانعي خطابها ومنظّري توجهاتها، ما يجعل خروجه منها حدثاً ذا دلالات عميقة، لا يمكن اختزاله بقرار شخصي أو خلاف إداري محدود.
في كتاب استقالته المعلَن، حرص حنين على تحديد أسباب واضحة، تمحورت حول ابتعاد الجبهة عن المبادئ التي قامت عليها، ولا سيما في ما يتصل بالشرعية الوطنية والتمسك بالأسس التي شكّلت منطلقها التاريخي.
غير أن هذا التحديد، على وضوحه، لم يبدُ كافياً لدى المراقبين، الذين رأوا فيه صيغة سياسية محسوبة، تخفي خلفها أسباباً أخرى آثر حنين عدم الإفصاح عنها في هذه المرحلة.
تزداد علامات الاستفهام مع الحديث المتزايد عن وجود اعتبارات إضافية يحتفظ بها حنين لنفسه، قد يكشف عنها لاحقاً عندما تتبلور الظروف السياسية المناسبة.
الرجل المعروف بدقته في اختيار توقيت مواقفه، لا يُقدم عادة على خطوة بهذا الحجم من دون حسابات بعيدة المدى، خصوصاً في مرحلة دقيقة تمر بها الجبهة اللبنانية على مستوى بنيتها القيادية وخياراتها السياسية.
في هذا السياق، يبرز التساؤل حول مدى الترابط بين استقالة حنين والتوترات القائمة داخل القيادة الكتائبية، حيث سُجلت اعتراضات داخلية على النهج المعتمد وأساليب إدارة المرحلة.
التوقيت لم يأتِ معزولاً عن هذه الخلافات، بل تزامن معها، ما فتح الباب أمام قراءة سياسية ترى في الاستقالة انعكاساً غير مباشر لصراع أعمق داخل مكونات الجبهة.
عبّر حنين نفسه، بعبارة ذات دلالة قوية، عن شعوره بالعزلة داخل الإطار الذي كان ينتمي إليه، حين قال إنه بات «طائراً يغرّد في غير سربه».
هذه العبارة لم تكن توصيفاً أدبياً فحسب، بل عكست إحساساً حقيقياً بأن الجبهة، بعد توسيعها وانضمام عناصر جديدة إليها، لم تعد تشبه الجبهة التي ساهم في تأسيسها، لا في أولوياتها ولا في منطلقاتها الفكرية والسياسية.
يرى متابعون أن توسيع الجبهة شكّل نقطة تحوّل مفصلية، إذ دخلتها قوى وشخصيات بنت عملها السياسي على اعتبارات مختلفة، بعضها ظرفي وبعضها سلطوي، ما أحدث خللاً في التوازن الداخلي، وأضعف حضور الخط الفكري الذي مثّله حنين.
هذا التحول جعل الأخير يشعر بأن دوره بات هامشياً في مؤسسة لم تعد تعكس قناعاته العميقة.
من هنا، تبدو استقالة النائب إدوار حنين أكثر من مجرد انسحاب من موقع قيادي، بل أشبه بإعلان موقف سياسي وأخلاقي في آن واحد، يعبّر عن رفضه التكيّف مع مسار لم يعد يرى فيه امتداداً للمشروع الذي آمن به.
بين ما قيل في الاستقالة وما لم يُقل بعد، تبقى هذه الخطوة مفتوحة على احتمالات سياسية إضافية، قد تظهر تباعاً مع تطور المشهد داخل الجبهة اللبنانية وخارجها.
  تعقد الجبهة اللبنانية اجتماعها الأسبوعي وسط أجواء سياسية مشحونة، حيث تتصدر قضية استقالة الأمين العام للجبهة النائب أدوار حنين جدول الأعمال.
أثار قرار حنين بالاستقالة موجة من النقاشات داخل الجبهة وخارجها، نظراً لما يمثله من بعد تنظيمي وسياسي.
هو شخصية محورية في الجبهة ومرجع أساسي في إعداد البيانات والمذكرات التي شكلت هوية المؤسسة.
تجدر الإشارة إلى أن استقالة حنين تحمل بعداً رمزياً، إذ تُعتبر موقفاً يعكس التمسك بالمبادئ والشرعية الوطنية، وهو ما أكده في كتاب استقالته، معتبراً أن الالتزام بالشرعية أهم من أي منصب أو موقع.
على خلفية هذه التطورات، اتصل رئيس حزب الوطنيين الأحرار المهندس داني شمعون بالنائب حنين فور تلقيه خبر الاستقالة، مستوضحاً الأسباب والدوافع، وتم الاتفاق على لقاء قريب لمناقشة الموضوع بشكل مباشر.
كما تواصل شمعون مع قائد القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع، لعرض التطورات المتعلقة بالاستقالة، ويُتوقع أن تجري سلسلة اتصالات ولقاءات مع المعنيين لدراسة الملف بدقة وإيجاد موقف متوازن يحفظ وحدة الجبهة ومبادئها.
زارت المصادر الصحافية أيضاً تفاصيل اللقاء المرتقب بين شمعون وحنين، حيث من المقرر أن يسعى شمعون لإقناع حنين بالعدول عن الاستقالة، مع التأكيد على أن العودة ممكنة فقط في إطار الحفاظ على استقلالية القرار ووحدة الجبهة.
أوضح حنين في لقاءاته السابقة أنه يرى في استقالته دعوة لإعادة النظر في التوجهات الجديدة داخل الجبهة، والتي لا تتوافق دائماً مع المبادئ التي قامت عليها المؤسسة منذ تأسيسها.
ويعتبر النائب حنين أن أي قرار داخلي يجب أن يعكس الإرادة الشعبية الحقيقية، بعيداً عن أي انحراف محتمل من قبل أغلبية حزبية أو مصالح ضيقة، وهو ما جعله يصر على موقفه من الاستقالة.
في السياق نفسه، كانت زيارة حنين الأخيرة للرئيس حسين الحسيني رمزية واستراتيجية، حيث أراد من خلالها التأكيد على استقلالية القرار الوطني وقدرته على التوازن بين المبادئ السياسية والواقع العملي.
ويرى مراقبون أن وحدة الجبهة اللبنانية معرضة لاختبار حقيقي في ظل هذه الاستقالة، خصوصاً أن حنين يمثل رمزاً للاستقلالية والرصانة، وقدرته على الجمع بين الالتزام بالمبادئ والتعاطي مع الضغوط الداخلية والخارجية تجعله شخصية محورية في أي خطوة نحو إعادة وحدة الجبهة.
تأتي هذه التطورات في وقت يواجه فيه لبنان أزمة اقتصادية متصاعدة، مع ارتفاع أسعار العملات الأجنبية وتدهور قيمة العملة الوطنية، ما يزيد الضغوط على المواطنين ويضاعف تحديات الحكومة.
ويولي حنين اهتماماً كبيراً لهذه الأزمة، مشدداً على أن الحلول الاقتصادية تتطلب سياسات واضحة وجدية، بعيداً عن الشعارات، مع التركيز على حماية المواطنين وإعادة الاستقرار المالي.
كما تتزامن هذه الأزمة مع زيارة الرئيس أمين الجميل الأخيرة إلى نيويورك، والتي تناولت محادثات هامة مع المسؤولين الدوليين حول تحريك الحلول وإخراج لبنان من أزمته الاقتصادية والسياسية.
ويرى حنين أن متابعة نتائج هذه الزيارة مهمة للجبهة اللبنانية، فهي تعكس قدرة الدولة على التحرك دولياً وتؤكد أهمية التنسيق بين الداخل والخارج لمعالجة الأزمات.
إضافة إلى ذلك، يضع المجتمعون على جدول أعمالهم متابعة القمة العربية المرتقبة في عمان، وضرورة تحديد موقف لبنان من الدور العربي في دعم الاستقرار السياسي والاقتصادي، مع الحفاظ على استقلالية القرار الوطني.
ويشير حنين إلى أن الدور العربي يمكن أن يكون دعماً مهماً للبنان، شرط أن يكون ضمن إطار يحفظ السيادة ويعزز مصالح الشعب اللبناني، بعيداً عن أي تدخل يمس استقلالية القرار.
ويرى مراقبون أن اجتماع الجبهة المقبلة سيكون محطة حاسمة لتحديد مصير استقالة حنين، خصوصاً بعد الاتصالات المتواصلة بين شمعون وجعجع ومحاولات إقناع النائب بالعدول عن قراره.
ويؤكد حنين أنه ملتزم بخدمة لبنان والجبهة، ومستعد لأي دور يطلب منه، بما في ذلك تصرفه في إطار الجمهورية إذا اقتضت التطورات ذلك، مع الحفاظ على استقلاليته ومبادئه.
ويرى الحزبيون أن عودة حنين عن الاستقالة ستعزز وحدة الجبهة ومصداقيتها، في حين أن عدم العودة قد يترك أثراً على صورة المؤسسة أمام الرأي العام.
يستمر النقاش حول استقالة حنين باعتباره نقطة محورية في الاجتماع، إذ تركز كل الأطراف على دراسة أسباب الاستقالة وتداعياتها، مع التأكيد على أن أي قرار يجب أن يوازن بين المبادئ السياسية والمصلحة الوطنية.
وتظل وحدة الجبهة اللبنانية والتزامها بالمبادئ الوطنية حجر الأساس لكل مناقشات واستحقاقات المستقبل، بما يضمن استمرار دورها التاريخي في حماية السيادة الوطنية وتعزيز الاستقرار في البلاد.
  رأى رئيس حزب الوطنيين الأحرار المهندس داني شمعون أن موضوع استقالة الأمين العام للجبهة اللبنانية النائب أدوار حنين يجب أن يُؤخذ بعين الاعتبار على نحو أساسي، ليكون في طليعة المواضيع التي ستناقشها الجبهة في اجتماعها المقبل.
وأكد شمعون على أهمية هذه النقطة ليس فقط لما تمثله من بعد تنظيمي داخل الجبهة، بل أيضاً لما تنطوي عليه من دلالات سياسية ورمزية، إذ أن حنين يشكل شخصية محورية في الجبهة اللبنانية، ويُنظر إليه كرمز للالتزام بالمبادئ واستقلالية القرار السياسي.
وأشار إلى أن استقالة حنين، إذا لم يتم التعامل معها بحكمة، قد تترك أثراً على وحدة الجبهة وعلى مصداقيتها أمام الرأي العام، ما يجعل البحث في أسبابها وتداعياتها خطوة ضرورية لضمان استمرار الدور التاريخي للجبهة في المشهد الوطني.
وشدد شمعون على أن أي نقاش في اجتماع الجبهة يجب أن يركز على إعادة التوازن، والحفاظ على المبادئ الأساسية التي قامت عليها المؤسسة، مع التأكيد على أن أي قرار يتعلق بالاستقالة يجب أن يحافظ على استقلالية حنين ودوره الرمزي داخل الجبهة.
كما لفت إلى أن النقاش حول استقالة الأمين العام سيكون مرتبطاً بالملفات الأخرى المهمة على جدول الاجتماع، مثل الوضع الاقتصادي المتردي، الغلاء وارتفاع أسعار العملات الأجنبية، ومتابعة نتائج زيارة رئيس الجمهورية الأخيرة إلى نيويورك، فضلاً عن الاستعداد للقمة العربية المرتقبة في عمان.
وأضاف شمعون أن حنين يمثل رمزاً للوحدة الوطنية والاستقلالية السياسية، وأن أي قرار أو نقاش بشأنه يجب أن يعكس تقدير الجبهة لدوره التاريخي، ويضمن استمراره في المساهمة الفاعلة في صياغة القرار الوطني.
واختتم شمعون بأن البحث في هذه النقطة سيكون أساسياً لضمان أن تظل الجبهة اللبنانية قادرة على ممارسة دورها السياسي بفاعلية، وأن تحافظ على صورتها أمام الشعب اللبناني باعتبارها مؤسسة تمثل المبادئ والقيم الوطنية، وليس فقط مصالح الأغلبية الداخلية.
  تعقد الجبهة اللبنانية اجتماعها الأسبوعي قبل ظهر اليوم، وسط أجواء سياسية واقتصادية متشابكة، ويترأس الاجتماع جدول أعمال يتضمن عدداً من الملفات المهمة والحساسة على الساحة الوطنية.
أولى النقاط على جدول الأعمال هي استقالة الأمين العام للجبهة النائب إدوار حنين، والتي أثارت ردود فعل واسعة داخل المؤسسة وخارجها.
وتشير المعلومات إلى وجود اتجاه داخل الجبهة لتأليف وفد يزور النائب المستقيل، بهدف حثه على إعادة النظر في موقفه والعودة عن الاستقالة، حفاظاً على وحدة الجبهة واستقرار دورها السياسي.
ويتناول الاجتماع أيضاً الوضع الاقتصادي المتردي، في ظل تصاعد أسعار العملات الأجنبية وتأثير ذلك المباشر على تدهور قيمة العملة الوطنية.
  أولى النقاط على جدول الأعمال هي استقالة الأمين العام للجبهة النائب إدوار حنين، والتي أثارت موجة من النقاشات والتكهنات داخل الأوساط السياسية والجبهة نفسها.
يُنظر إلى حنين كشخصية مؤثرة تاريخياً، فهو نائب قديم وأحد مؤسسي الجبهة، ومرجع في إعداد البيانات والمذكرات الأساسية التي شكلت هوية المؤسسة.
وتأتي استقالته لتشكل اختباراً حقيقياً لوحدة الجبهة ووفاء أعضائها للمبادئ التي تأسست عليها، خصوصاً في ظل الصراعات الداخلية والتنافس على مواقع النفوذ داخل المؤسسة.
المعلومات المتوفرة تشير إلى وجود توجه داخل الجبهة لتأليف وفد يزور النائب المستقيل، بهدف حثه على إعادة النظر في موقفه والعدول عن الاستقالة.
ويعكس هذا التوجه إدراك قيادة الجبهة إلى أن عودة حنين أمر أساسي لاستعادة التوازن السياسي، وإبقاء المبادئ الثابتة في صلب عمل المؤسسة.
حنين يمثل الاستقلالية والرصانة، وقدرته على التوازن بين الالتزام بالمبادئ الوطنية وبين التعاطي مع الضغوط الداخلية والخارجية تجعله شخصية محورية في أي خطوة نحو إعادة وحدة الجبهة.
استقالة حنين لا تُنظر فقط كتحرك إداري، بل كموقف سياسي ورسمي يعكس قلقه من الانحراف عن الشرعية وقيود السيطرة الحزبية على القرار داخل الجبهة.
أعلن في كتاب استقالته أن الولاء للشرعية، خصوصاً شرعية الرئيس الجميل، هو الطريق الوحيد لحماية لبنان، وأن أي محاولة لتجاوز هذه المرجعية تمثل تهديداً لاستقلالية القرار ولأهداف المؤسسة.
كما أن استقالته تأتي في سياق خلافات استراتيجية مع بعض القيادات داخل الكتائب والقوات اللبنانية، الذين لم يكونوا دائماً في انسجام مع هذه الرؤية، ما جعل موقفه الرمزي والسياسي أكثر وضوحاً.
في هذا الإطار، تعتبر المبادرة لتأليف وفد لزيارته دعوة للحوار وإعادة ترتيب التوازنات الداخلية، لتجنب أي فراغ سياسي قد يضعف الدور التاريخي للجبهة.
النقاش حول حنين في الاجتماع الأسبوعي يشمل أيضاً تقييم تأثير استقالته على صورة الجبهة أمام الشعب اللبناني، إذ يُنظر إليه على أنه رمز للالتزام بالمبادئ، والقدرة على الجمع بين السياسة والأدب السياسي، مما يعزز مصداقية المؤسسة ويؤكد أن القرار السياسي يجب أن يظل مستقلاً وغير خاضع لأي تأثيرات ضيقة.
بهذه الخطوة، يظهر المجتمعون إدراكهم أن الحفاظ على وحدة الجبهة، واستمرار حضور حنين، ليس فقط ضرورة تنظيمية، بل عامل جوهري لضمان استمرار الجبهة في لعب دورها التاريخي، والدفاع عن السيادة الوطنية، ومواجهة أي تحديات داخلية أو خارجية تهدد استقرار لبنان.
من هذا المنطلق، تصبح استقالة حنين نقطة محورية في الاجتماع، حيث تُناقش بكل جدية، ليس فقط من أجل عودته إلى منصبه، بل لإعادة التأكيد على المبادئ التي تقوم عليها الجبهة اللبنانية، وتعزيز الدور الرمزي والسياسي للنائب كرمز للوحدة الوطنية، والاستقلالية، والرصانة في اتخاذ القرارات المصيرية.
  أولى النقاط على جدول الأعمال هي استقالة الأمين العام للجبهة النائب إدوار حنين، والتي أثارت موجة من النقاشات والتكهنات داخل الأوساط السياسية والجبهة نفسها.
يُنظر إلى حنين كشخصية مؤثرة تاريخياً، فهو نائب قديم وأحد مؤسسي الجبهة، ومرجع في إعداد البيانات والمذكرات الأساسية التي شكلت هوية المؤسسة.
وتأتي استقالته لتشكل اختباراً حقيقياً لوحدة الجبهة ووفاء أعضائها للمبادئ التي تأسست عليها، خصوصاً في ظل الصراعات الداخلية والتنافس على مواقع النفوذ داخل المؤسسة.
المعلومات المتوفرة تشير إلى وجود توجه داخل الجبهة لتأليف وفد يزور النائب المستقيل، بهدف حثه على إعادة النظر في موقفه والعدول عن الاستقالة.
ويعكس هذا التوجه إدراك قيادة الجبهة إلى أن عودة حنين أمر أساسي لاستعادة التوازن السياسي، وإبقاء المبادئ الثابتة في صلب عمل المؤسسة.
حنين يمثل الاستقلالية والرصانة، وقدرته على التوازن بين الالتزام بالمبادئ الوطنية وبين التعاطي مع الضغوط الداخلية والخارجية تجعله شخصية محورية في أي خطوة نحو إعادة وحدة الجبهة.
استقالة حنين لا تُنظر فقط كتحرك إداري، بل كموقف سياسي ورسمي يعكس قلقه من الانحراف عن الشرعية وقيود السيطرة الحزبية على القرار داخل الجبهة.
أعلن في كتاب استقالته أن الولاء للشرعية، خصوصاً شرعية الرئيس الجميل، هو الطريق الوحيد لحماية لبنان، وأن أي محاولة لتجاوز هذه المرجعية تمثل تهديداً لاستقلالية القرار ولأهداف المؤسسة.
كما أن استقالته تأتي في سياق خلافات استراتيجية مع بعض القيادات داخل الكتائب والقوات اللبنانية، الذين لم يكونوا دائماً في انسجام مع هذه الرؤية، ما جعل موقفه الرمزي والسياسي أكثر وضوحاً.
في هذا الإطار، تعتبر المبادرة لتأليف وفد لزيارته دعوة للحوار وإعادة ترتيب التوازنات الداخلية، لتجنب أي فراغ سياسي قد يضعف الدور التاريخي للجبهة.
النقاش حول حنين في الاجتماع الأسبوعي يشمل أيضاً تقييم تأثير استقالته على صورة الجبهة أمام الشعب اللبناني، إذ يُنظر إليه على أنه رمز للالتزام بالمبادئ، والقدرة على الجمع بين السياسة والأدب السياسي، مما يعزز مصداقية المؤسسة ويؤكد أن القرار السياسي يجب أن يظل مستقلاً وغير خاضع لأي تأثيرات ضيقة.
بهذه الخطوة، يظهر المجتمعون إدراكهم أن الحفاظ على وحدة الجبهة، واستمرار حضور حنين، ليس فقط ضرورة تنظيمية، بل عامل جوهري لضمان استمرار الجبهة في لعب دورها التاريخي، والدفاع عن السيادة الوطنية، ومواجهة أي تحديات داخلية أو خارجية تهدد استقرار لبنان.
من هذا المنطلق، تصبح استقالة حنين نقطة محورية في الاجتماع، حيث تُناقش بكل جدية، ليس فقط من أجل عودته إلى منصبه، بل لإعادة التأكيد على المبادئ التي تقوم عليها الجبهة اللبنانية، وتعزيز الدور الرمزي والسياسي للنائب كرمز للوحدة الوطنية، والاستقلالية، والرصانة في اتخاذ القرارات المصيرية.
  تعقد الحبهة اللبنانية احتماعها الاسبوعي قبل ظهر اليوم وعلى جدول اعمالها النقاط التالبة: استقالة الأمين العام للجبهة النائب ادوار حنين وثمة اتحاه بتأليف وفد يزور الأمين العام المستقيل والطلب اليه العودة عن هذه الاستقالة.
الاوشاع الاقتصادية المتردية في ظل تصاعد العملات الاجنبية وانعماس ذلك تدهورا في العملةالوكنية اضافة الى قضية الغلاء الزيارة الأخيرة لرئيس الجمهورية الشيخ امين الجميل لنيويورك ومحادثاته في شان تخريك حلول واخراج لبنان من أزمته.
القمة العربية التي ستنعقد في عمان في ٨ تشرين الثاني والموقف اللبناني من الدور العربي في لبنان.
  النائب إدوار حنين الذي استقال من الأمانة العامة للجبهة اللبنانية لم يتصرف فقط كأمين عام سابق، بل كرمز سياسي ملتزم بالمبادئ، على غرار استقالة الرئيس كرامي التي وجهها إلى الشعب اللبناني، ليصبح موقفه رسالة واضحة لكل اللبنانيين حول الولاء للوطن والتمسك بالمبادئ الثابتة.
فقد كان حنين، من خلال كتاب استقالته، يضع نفسه في قلب القضية الوطنية، مُعلناً أن المصلحة العامة والولاء للشرعية هما معيار كل قرار يتخذه.
إذا كانت استقالة الرئيس كرامي قد ظلت غير مقدمة خطياً إلى رئيس الجمهورية وغير مقبولة رسمياً، وأثارت معركة شاركت فيها الجبهة اللبنانية والكتائب والقوات اللبنانية، فإن استقالة النائب حنين مرشحة أيضاً لأن تظل غير مقدمة خطياً إلى الجبهة اللبنانية وغير مقبولة رسمياً منها، بما يعكس طبيعة القرارات الكبرى في السياسة اللبنانية، حيث الرمزية والمبدأ أحياناً أهم من الشكل الإداري.
وكما أن استقالة الرئيس كرامي زادت سياسة المقاطعة تجاه رئيس الجمهورية، فإن استقالة الأمين العام للجبهة ستفضي إلى مقاطعة بينه وبين المؤسسة، ما يعكس أن القرارات الشخصية المرتبطة بالمبادئ الوطنية يمكن أن تؤدي إلى فجوات رمزية لكنها عميقة داخل الهياكل السياسية.
الرئيس كرامي حمل الرئيس الجميل المسؤولية عن أوضاع الحكم والحكومة، وكذلك حمل النائب حنين مسؤولية استقالته لمن سماهم "عناصر جديدة" التي بنت عملها على غير الاعتبارات الأصلية للجبهة، معتبرًا أن أي خروج عن نهج المؤسسة يمثل تهديداً لتماسكها وغاياتها الوطنية.
وصف هؤلاء العناصر بأنهم "طائر يغرد في غير سربه" يعكس القلق من الانحراف التنظيمي والسياسي، ويؤكد أهمية الانضباط والالتزام بالمبادئ داخل الجبهة.
الواقع أن الصراع القائم، ولو غير المعترف به رسمياً، بين الرئيس الجميل والدكتور سمير جعجع، يسيطر على الجبهة ويؤثر على قراراتها، وخصوصاً في ظل سيطرة جعجع على الكتائب.
هذا التوتر شكل العامل الأول في دفع حنين إلى اتخاذ موقفه الاستراتيجي، مؤكداً أن أي هيمنة داخلية على القرار الوطني للجبهة لا تتوافق مع مبادئه أو التزاماته الوطنية.
بعد غياب الرئيس شمعون، أبدى الدكتور جعجع موقفاً سلبياً تجاه محاولات التقارب بين الوزير وليد جنبلاط والمهندس داني شمعون، وكذلك تجاه إعلان المهندس شمعون ترشيحه للرئاسة من طرف واحد، ما شكل مؤشرًا إضافيًا على الاختلاف في الرؤية السياسية داخل الجبهة اللبنانية، وأثر مباشرة على قرارات واستقالة حنين.
حنين، الذي لم يُقترح رسمياً لرئاسة الجبهة رغم أهليته وخبرته ومكانته كمؤسس ومعد للبيانات والمذكرات الأساسية للجبهة، وجد في هذا التجاهل مؤشراً على تعقيدات الصراعات الداخلية ومحاولات التحكم في مسار المؤسسة، ما دفعه إلى اتخاذ موقفه الحازم واستقالته كخطوة لإعادة التوازن وحماية المبادئ.
النائب حنين، المؤمن المزمن بالشرعية، كان يرى أن التعاون مع الشرعية، لا سيما شرعية الرئيس الجميل، هو السبيل الوحيد لإنقاذ لبنان، وأن الدكتور جعجع ومن معه في الكتائب والقوات لم يكونوا دائماً في انسجام مع هذه الشرعية، ما جعل انحيازه للشرعية بمثابة موقف استراتيجي يضع المبادئ فوق كل اعتبار حزبي أو شخصي.
بالإضافة إلى ذلك، لم يؤيد حنين اندفاع القوات اللبنانية نحو خوض معركة ضد الرئيس حسين الحسيني، وخاض في الخفاء معركة داخلية ضد هذه المبادرة، ونجح في فرض رؤيته بطريقة رمزية من خلال زيارة مميزة للرئيس الحسيني، التي بدت للجميع وكأنها مبايعة أو زيارة انتخابية مسبقة، لكنها في الواقع كانت إظهاراً لاستراتيجيته السياسية وصموده أمام الضغوط الداخلية.
إلى جانب ذلك، أعلن حنين أنه يضع نفسه في خدمة القضية اللبنانية، وأنه مستعد، إذا تطلبت التطورات السياسية، أن يكون في تصرف الجمهورية، بما في ذلك إمكانية الوصول إلى رئاسة الدولة، مؤكداً أن الولاء للوطن والمصلحة العامة يتقدمان على أي اعتبار شخصي أو حزبي.
حنين يتصرف على أساس أن منطلقات الوصول إلى الرئاسة تختلف عنده عن منطلقات القوات اللبنانية، فهو يؤمن، كما العميد ريمون إده، بالروح اللبنانية التي أساسها التعايش المسيحي-الإسلامي على قاعدة الديمقراطية والبرلمان الحر، ويرى أن الأغلبية التي تمارسها القوات أحياناً لا تعكس الإرادة الشعبية الصحيحة، سواء داخل لبنان أو في الشتات، ما يجعلها غير قادرة على تمثيل الشعب اللبناني بدقة.
استقالته ومواقفه تُظهر رفضه لأي محاولة لا تعكس الإرادة الحقيقية للجبهة أو الشعب، مؤكداً أن كل تكرارات الأغلبية وقراراتها لا تعبّر بدقة عن الإرادة اللبنانية التي أسست الجبهة، وأن الالتزام بالمبادئ الوطنية فوق كل اعتبار حزبي أو شخصي.
وفي ظل هذا السياق، يبارك حنين سنة الرئاسة، سنة المفاجآت، ويبدو كأنه يقول للجميع: "جبهتكم لكم، ولي جبهتي"، مؤكداً استقلاليته ووعيه بأن الولاء للوطن لا يتجزأ، وأن كل خطوة يقوم بها تخضع للمبادئ وليس للضغوط الحزبية.
رفاقه السابقون، وخصوصاً العميد ريمون قده، قد يرون أنه خرج من الأمانة العامة للكتلة الوطنية ثم من الأمانة العامة للجبهة "بخفي حنين"، إلا أن الحقيقة أن حنين لم يتغير، وظل نفسه المستقل والفريد في قراراته وسلوكه السياسي والأدبي، ملتزماً بالقيم والمبادئ التي تميز بها منذ الاستقلال.
أصدقاء حنين الحاليون يؤكدون أن الرجل في كل الاتجاهات وفي كل الحالات، لم يفقد استقلاليته ولا احترامه للمعايير السياسية والأدبية، ويظل نموذجاً للسياسي الحر والأديب السياسي، الذي يرفع رأسه عالياً ويعمل لصالح المبادئ الوطنية والإنسانية دون مساومة.
كما كان منذ أن أصبح رئيساً لجمعية أهل القلم بعد غياب صلاح لبكي، يواصل حنين ممارسة السياسة بأسلوب متزن، يحترم الجميع لكنه لا يتنازل عن المبادئ، محافظاً على استقلالية الرؤية، ومستمرًا في رفع جبهته ومنتعلاً خفاه الرمزي، كما كان منذ البداية.
تصرفاته تعكس قدرة على الجمع بين المبدأ والسياسة، بين الولاء للجبهة اللبنانية والالتزام بالمبادئ الوطنية، مؤكداً أن الاستقامة السياسية تتطلب أحياناً خطوات واضحة وصارمة للحفاظ على استقلالية القرار وحماية الهوية الوطنية.
استقلاليته، ومواقفه تجاه الشرعية، والرئاسة، والجبهة اللبنانية، ومعاركه الداخلية، تظهر جميعها رجلاً ملتزماً بالقيم، يضع مصلحة لبنان أولاً، ويتصرف بحكمة وصبر، بعيداً عن الانفعالات أو الضغوط الداخلية والخارجية.
بهذه الطريقة، يصبح أدوار حنين نموذجاً للسياسي والأديب الوطني، ملتزماً بالقيم والمبادئ، محافظاً على استقلاليته، حاملاً جبهته عالياً ومنتعلاً خفاه الرمزي، مؤكدًا أنه مهما تبدلت الظروف، يظل ثابتاً على مواقفه، ملتزماً بخدمة لبنان والجبهة اللبنانية والشعب اللبناني.
النص بالكامل يرسم صورة النائب إدوار حنين كشخصية وطنية فريدة، ملتزمة بالمبادئ، وواعية بالمسؤولية الوطنية، حريصة على حماية الهوية اللبنانية، والحفاظ على استقلالية القرار، ومواجهة النفوذ الداخلي والخارجي بحنكة وحكمة، مستعدة دائماً لوضع الوطن فوق كل اعتبار.
  الصحافي: سيد حنين، هناك أنباء عن استقالتكم من الأمانة العامة للجبهة اللبنانية، ما الذي دفعكم لاتخاذ هذا القرار؟ إدوار حنين: استقالتي تعكس موقفاً سياسياً واضحاً، فهي ليست مجرد خطوة تنظيمية.
شعرت بأن بعض الاتجاهات داخل الجبهة بدأت تتحرك بعيداً عن المبادئ التي قامت عليها المؤسسة، وكنت أرى أن الحفاظ على الشرعية الوطنية والالتزام بالمبادئ أهم من أي منصب.
الصحافي: هناك من يحاول إقناعكم بالعدول عن الاستقالة، مثل زيارة المهندس داني شمعون إليكم مؤخراً، ما تعليقكم؟ إدوار حنين: بالفعل، زارني المهندس شمعون لمناقشة الأوضاع ومحاولة إقناعي بالعدول عن القرار.
هذا الحوار مهم، وأقدّر جهوده، لكن أي قرار لديّ يجب أن يحافظ على استقلاليتي ويعكس المبادئ التي أؤمن بها، لا مجرد مصالح حزبية أو ضغوط خارجية.
الصحافي: كيف تنظرون إلى تأثير هذه الاستقالة على وحدة الجبهة؟ إدوار حنين: وحدة الجبهة أساسية، والاستقالة رمز للمبادئ أكثر من كونها مسألة تنظيمية.
الهدف هو تحريك النقاش الداخلي وإعادة التأكيد على الالتزام بالشرعية والمبادئ الوطنية، وهذا يضمن استمرار الجبهة في دورها التاريخي.
الصحافي: وما موقفكم من الملفات الأخرى، مثل الوضع الاقتصادي وزيارة الرئيس الجميل إلى نيويورك والقمة العربية؟ إدوار حنين: كل هذه القضايا حاسمة.
الأزمة الاقتصادية وارتفاع الأسعار تهدد المواطنين، وزيارة الرئيس الجميل مهمة لتحريك الدعم الدولي، بينما القمة العربية يجب أن تؤكد دعم الأشقاء العرب للبنان مع الحفاظ على استقلالية القرار الوطني.
الصحافي: هل يمكن أن نرى عودتكم عن الاستقالة في المستقبل؟ إدوار حنين: أي عودة ممكنة فقط إذا كانت في إطار إعادة التوازن وحفظ المبادئ الأساسية للجبهة، بحيث تظل استقلاليتي ومصداقيتي السياسيّة محفوظتين، وما زلت ملتزماً بخدمة لبنان والشعب اللبناني.
 
كتب ميشال أبو جوده: النائب ادوار حنين الذي استقال من الامانه العامه للجبهه اللبنانيه عمل كما عمل الرئيس كرامي فرئيس الحكومه السابق قدم استقالته من الحكم ووجهها الى الشعب والامين العام للجبهه اللبنانيه وجهها كتاب استقالته الى الشعب تحت عنوان الرساله الى الشعب اللبناني.
اذا كانت استقاله رئيس كرامي قد ظلت غير مقدمه خطيا الى رئيس الجمهوريه وغير مقبوله رسميا منه وقامت معركه حولها قادتها الجبهه اللبنانيه والكتائب والقوات اللبنانيه لم تحمل الرئيس الجميل الا على التراجس فان استقاله النائب حنين مرشحه لتظل ايضا غير مقدمه خطيا الى الجبهه اللبنانيه وغير مقبوله رسميا منها.
وكما ان استقاله الرئيس كرامي زادت سياسه المقاطعه لرئيس الجمهوريه فان استقاله الامين العام للجبهه ستصفر عن مقاطعه بينه وبينها.
وكما ان الرئيس كرامي حمل الرئيس لجميل كل المسؤوليه عن اوضاع الحكم والحكومه والتفاقم الازمه كذلك حمل النائب حنين مسؤوليه استقالته لمن سماهم عناصر جديده بنت عملها على غير الاعتبارات التي قامت عليها الجبهه في الاصل فبت فيها كطائرا يغرد في غير سربه.
الواقع انه كما كان للصراع بين الرئيسين الجميل والاسد الدوري الاساسي في سياسه المقاطعه الكراميه التي تكرست بالاستقاله هكذا فان للصراع القائم ولو غير المعترف به بين الرئيس الجميل والدكتور سمير جعجع يسيطر على الجبهه وتزعمها من خلال السيطره على الكتائب الدور الاول في استقاله ادوار حنين.
فالدكتور جعجع بعد غياب الرئيس شمعون وخلال وداعه كان له راي سلبي في عمليه التقارب بين الوزير جنبلاط والمهندس داني شمعون رئيس حزب الوطني الاحرار كما كانت له رده فعل سلبيه عندما اعلن المهندس شمعون ترشيحه للرئاسه من طرف واحد.
دكتور جعجع لم يتقدم بعد غياب الرئيس شمعون ليقترح انتخاب الامين العام للجبه ادوار حنين رئيسا عليها وهو اضافه الى انه نائب واكبر الاعضاء سنا واكثرهم اهليه فضلا عن انه كان مع الرئيس شمعون من المؤسسين والمنظرين الكبار وواضع البيانات والمذكرات الاساسيه والتاريخيه للجبهه وهم رشح طبيعي للرئاسه وربما كانت هذه هي المشكله الاساسيه مع الدكتور جاجا مع ان قائد القوات اللبنانيه لم يعلن مساله ترشيحه ولا سمح لاحد بالاشاره اليها سلبا او ايجابا.
والنائب حنين المؤمن المزمن بالشرعيه او كما قال في كتاب استقالته لما كنت مؤمنا بان لا وصول الى انقاذ لبنان الا بالتعاون المطلق مع الشرعيه او على الاقل من خلالها لابد انه شعر بان الدكتور جعجع ومن معه في الكتائب والقوات ليسوا دائما على التفاهم مع هذه الشرعيه خصوصا شرعيه الرئيس الجميل فاثر الانضمام الى شرعيه الرئيس الجميل.
والنائب حنين لم يؤيد اندفاع القوات اللبنانيه نحو خوض معركه ضد الرئيس حسين الحسين ولعله خاض سرا معركه داخليه ضد هذه المعركه ويبدو انه انتصر فيها وتوج انتصاره بان قام بزياره مميزه لاحظها الجميع للرئيس حسين الحسيني ظهرت كانها زياره انتخاب مسبق او زياره مبايعه تصحيح الاسم: حسين الحسيني.
والنائب ادوار حنين الذي يعلن انه يضع نفسه في خدمه القضيه اللبنانيه يضع نفسه في نظر النواب والشعب اللبناني في تصرف الجمهوريه اذا ادت التطورات الى وصوله الى الرئاسه.
النائب والسياسي والكتله والصادق وامين الكتله الوطنيه السابق ادوار حنين يتصرف على اساس ان منطلقات الوصول الى الرئاسه تختلف عنده عن منطلقات قوات اللبنانيه فهو يقول كما يؤمن العميد ريمون اده بالروحيه اللبنانيه التي اساسها الروحيه المسيحيه اي التعايش المسيحي الاسلامي على الاساس الديمقراطي البرلمان الحر بينما ينصب البعض وربما ادوار حنين من خلال تضاعيف كتاب استقالته الى القوات اللبنانيه ومن معها انها مارست وتمارس اكثريه ديمقراطيه شاب هويه باتت بعد توسيع الجبهه لا تمثل الاكثريه الشعبيه الصحيحه التي تعيش على ارض لبنان وخارج ارضه في انحاء العالم المختلفه وكانت مكررات التي تصدر عن هذه الاكثريه لا تعبر بدقه عن الاراده اللبنانيه التي قضت بقيام الجبهه والتي لا تذعن لها.
ويبارك يا سيد سنه الرئاسه سنه مفاجات ومفاجات ادوار حنين الرفيع الراس والجبهه انه يبدو كانه يقول لكم جميعكم جبهتكم لكم ولي جبهتي طبعا رفاق ادوار حنين السابقون وخصوصا الحاليون وفي طليعاتهم العميد ريمون قده سيقولون ان ادوار حنين خرج من الامانه العامه للكتله الوطنيه بخفي حنين ثم خرج من الامانه العامه للجبهه اللبنانيه بخفين حنين اما اصدقاء ادوار حنين فيقولون انه في الاتجاهين وفي الحالين كان ولا يزال هو نفسه ادوار حنين الفريد في استقلاليته وادابه السياسي والادميه كما كان منذ الاستقلال ومنذ اصبح رئيسا لجمعيه اهل القلم بعد غياب صلاح لبكي وكان ولا يزال مثل صلاح الاديب السياسي الحر والسياسي الاديب الحر رافعا جبهته ومنتعلا خفاي ادوار حنين في الحالين وفي كل الحالات.
  ويبارك سنة الرئاسة، سنة المفاجآت، سنة أدوار حنين الرفيع الرأس والجبهة، وكأنها رسالة واضحة لكل من يتابع المشهد السياسي: "جبهتكم لكم، ولي جبهتي".
هذه المقولة الرمزية تعكس استقلاليته ووعيه العميق بأن الولاء للوطن لا يتجزأ، وأن مواقفه لا تحددها الضغوط الحزبية أو الانقسامات الداخلية، بل المبادئ الثابتة التي تحكم كل خطوة يتخذها.
رفاقه السابقون، وخصوصاً العميد ريمون قده، قد يرون أن حنين خرج من الأمانة العامة للكتلة الوطنية بخفي حنين، ثم تكرر المشهد مع الأمانة العامة للجبهة اللبنانية، إلا أن هذه القراءات لا تنسجم مع الحقيقة الكاملة لشخصيته.
فحتى في هذه التحركات، ظل محافظاً على استقلاليته وثباته، من دون أن يفرط بمبادئه أو يتنازل عن قيمه.
أما أصدقاء حنين الحاليون فيؤكدون أن الرجل لم يتغير، وأنه في الاتجاهين، سواء داخل المؤسسة أو في مواجهة الضغوط الخارجية، ظل نفسه أدوار حنين الفريد، المستقل في قراراته، المتوازن في مواقفه، والملتزم بالقيم السياسية والإنسانية التي تميز بها منذ بداية مسيرته السياسية.
حنين يمثل نموذجاً للأدب السياسي والأدمي في آن واحد، فهو يحتفظ باللياقة والاحترام في كل مواقفه، ويراعي العرف السياسي دون أن يتنازل عن المبادئ.
هذه الصفة جعلت منه مرجعية في الوسط السياسي اللبناني، وقدوة لمن يريد الجمع بين الكفاءة والالتزام بالمبادئ في آن واحد.
كما كان منذ الاستقلال، ومنذ أن أصبح رئيساً لجمعية أهل القلم بعد غياب صلاح لبكي، يواصل حنين إظهار السياسة الأنيقة والهادفة، التي تحترم الجميع لكنها لا تساوم على القيم الوطنية.
قيادته للجمعية كانت استمراراً لمساره الطويل في الدفاع عن المبادئ والأفكار، مع الحفاظ على استقلالية الرؤية.
حنين، مثل صلاح لبكي، يمثل السياسي الحر والأديب السياسي الحر، الذي يرفع رأسه عالياً، ويحافظ على كرامة المؤسسة والجبهة، ويركز على الهدف الوطني الأكبر، بعيداً عن النزاعات الثانوية أو المناورات الشخصية.
لقد كانت خطواته دائماً محكومة بالوعي والاعتدال، حتى في أصعب الظروف السياسية.
بهذه الطريقة، يظهر أدوار حنين في كل الحالات وعلى كل الأصعدة كرمز للاستقلالية والرصانة السياسية، حاملاً جبهته عالية ورافعاً خفاه الرمزي في كل التحركات، مؤكدًا أنه، مهما تبدلت المواقع أو الظروف، يظل ثابتاً على مبادئه، ملتزماً بالقيم الوطنية والإنسانية، حريصاً على أن تبقى الجبهة اللبنانية وسيلة للحفاظ على سيادة لبنان واستقرارها.
  النائب والسياسي والكتلة الصادق وأمين الكتلة الوطنية السابق، إدوار حنين، يتصرف على أساس أن منطلقات الوصول إلى الرئاسة تختلف عنده عن منطلقات القوات اللبنانية.
فهو يرى أن معايير القيادة والمسؤولية الوطنية يجب أن ترتكز على التوازن بين المبادئ والقيم الأساسية للجبهة اللبنانية، لا على المصالح المؤقتة أو السيطرة الحزبية الضيقة.
حنين يؤمن، كما يؤمن العميد ريمون إده، بالروح اللبنانية التي أساسها الروح المسيحية المتجذرة في التعايش المسيحي-الإسلامي، على أسس الديمقراطية والبرلمان الحر.
هذا الإيمان يجعل من أي محاولة لتغيير التوازنات التاريخية داخل المؤسسات المسيحية أو فرض أغلبية لا تمثل إرادة الشعب اللبناني أمرًا مرفوضًا بالنسبة له.
من خلال تضاعيف كتاب استقالته، يظهر أن حنين يرى أن القوات اللبنانية ومن معها تمارس نوعاً من الأغلبية الديمقراطية التي شابها انحراف في الهوية.
فهو يعتقد أن هذه الأغلبية، بعد التوسعات التي شهدتها الجبهة، لم تعد تعكس الإرادة الشعبية الصحيحة، سواء داخل لبنان أو في الشتات اللبناني حول العالم، ما يجعلها غير قادرة على تمثيل الشعب اللبناني كما أرادت الجبهة منذ تأسيسها.
الاستقالة بالنسبة لحنين ليست مجرد رفض إداري، بل هي موقف واضح يوضح أن القرارات والسياسات التي تتخذ باسم الأغلبية لا يمكن أن تفرض على الجميع، وأن أي ممارسة لا تعكس المبادئ الوطنية أو الإرادة الحقيقية للشعب يجب أن تواجه بالتمسك بالحق والمبدأ.
حنين يرفض أن تُصبح الأغلبية في الجبهة أداة للتحكم والسيطرة على إرادة المؤسسات أو الشعب، ويعتبر أن كل تكراراتها وقراراتها لا تعبر بدقة عن الإرادة اللبنانية التي أسست الجبهة، ولا تلتزم بالمبادئ التي قامت عليها المؤسسة منذ البداية.
هذا الموقف يعكس حرصه على إعادة الاعتبار للديمقراطية الصحيحة والحفاظ على استقلالية القرار السياسي.
من زاوية أخرى، يظهر موقفه كرسالة لكل الأطراف أن الاستقرار والشرعية الوطنية يتطلبان احترام الإرادة الحقيقية للشعب اللبناني، وأن أي محاولة لإخضاع المؤسسات أو الجبهة لآراء الأغلبية المشوهة تهدد الوحدة الوطنية وتضعف الأسس الديمقراطية التي قامت عليها الدولة والجبهة.
بهذه الطريقة، تصبح مواقف حنين حول الرئاسة والأغلبية والجبهة اللبنانية تعبيرًا عن رؤية شاملة ترتكز على المبادئ الوطنية، وتعكس حرصه على الحفاظ على الهوية اللبنانية الحقيقية، وضمان أن القرارات الكبرى تتخذ بما يتوافق مع إرادة الشعب اللبناني وتوازناته الحقيقية، بعيدًا عن أي تحكم حزبي ضيق أو مصالح مؤقتة.
  النائب إدوار حنين أعلن مراراً أنه يضع نفسه في خدمة القضية اللبنانية، معتبرًا أن الولاء للوطن يتطلب تفضيل المصلحة العامة على أي اعتبار شخصي أو حزبي.
هذا الموقف يعكس إدراكه العميق للمسؤولية الوطنية وحرصه على أن تكون كل خطواته سياسية وموضوعية، بعيداً عن الانفعالات أو المصالح الضيقة.
إيمانه بخدمة الوطن جعل من موقفه تجاه المؤسسات الرسمية والمراجع الشرعية أكثر وضوحاً، فهو يرى أن النائب يجب أن يكون أداة لحماية سيادة لبنان، والعمل على تعزيز مؤسسات الدولة.
وبالتالي، كل تحرك يقوم به، سواء داخل الجبهة اللبنانية أو على مستوى البرلمان، يتوافق مع هذا الالتزام الوطني العميق.
بالنسبة للنواب، يضع حنين نفسه في خانة الشخص الذي يمكن الاعتماد عليه كمرجع سياسي ملتزم، لا يبتغي سوى المصلحة العامة.
تصرفاته وقراراته، بما فيها الاستقالة أو رفضه لأي تحرك خارج الشرعية، تعكس حرصه على المحافظة على التوازن السياسي داخل البرلمان، وعلى حماية حقوق الشعب اللبناني ومصالحه.
أما بالنسبة للشعب اللبناني، فيراه مثالاً للالتزام الوطني المستند إلى المبادئ الثابتة.
فهو لا يسعى وراء المناصب أو الألقاب، بل يسعى إلى أن تكون مواقفه وقراراته دائماً في خدمة الوطن، بما يضمن استقرار الدولة وتعزيز سيادتها.
هذا يمنحه مصداقية قوية في أعين المواطنين ويجعل من أي خطوة يقوم بها محل متابعة دقيقة.
النائب حنين يضع نفسه أيضاً في تصرف الجمهورية، بحيث يكون مستعداً للقيام بأي دور يتطلبه الوضع الوطني، بما في ذلك احتمال الوصول إلى رئاسة الدولة إذا ما استوجبت التطورات السياسية ذلك.
هذا التصرف يظهر التزامه الكامل بالواجب الوطني، واستعداده لوضع مصلحة لبنان فوق أي اعتبار شخصي أو حزبي.
استعداده لتولي أعلى المناصب ليس دليلاً على الطموح الشخصي، بل هو تأكيد على فهمه العميق لدور الدولة والمؤسسة، ورغبته في أن يكون جزءاً من الجهود التي تعيد للبنان استقراره ومكانته، وتحميه من أي تهديدات داخلية أو خارجية.
بهذه الطريقة، يرسخ النائب إدوار حنين صورته كشخصية وطنية ملتزمة، تجعل من كل قرار يتخذه انعكاساً لرؤيته الشاملة حول حماية لبنان والوفاء لقضية شعبه، وتؤكد أنه مستعد دائماً لأن يكون في خدمة الوطن، سواء على صعيد البرلمان أو على مستوى أعلى المسؤوليات الوطنية.
  النائب إدوار حنين لم يؤيد اندفاع القوات اللبنانية نحو خوض معركة مباشرة ضد الرئيس حسين الحسيني، إذ رأى أن مثل هذه الخطوة قد تفتت وحدة القوى المسيحية وتضر بمصالح الجبهة اللبنانية والوطنية.
موقفه هذا لم يكن مجرد تحفظ عابر، بل كان نتاج تقدير سياسي عميق للواقع الداخلي والتوازنات الدقيقة بين القوى اللبنانية.
على الرغم من عدم إعلان موقفه العلني، يبدو أن حنين خاض في الخفاء معركة داخلية ضد هذه المعركة، مستخدماً خبرته ومكانته داخل الجبهة لتوجيه المسار بعيداً عن المواجهة المفتوحة.
كان هذا التحرك يهدف إلى حماية استقرار الجبهة والحفاظ على المبادئ التي قامت عليها، دون الدخول في صدام مباشر قد يضر بسمعة المؤسسة أو يفتت التحالفات.
ويبدو أن حنين نجح في تحقيق مكاسب مهمة في هذه المعركة الداخلية، إذ تمكن من فرض رؤيته وإقناع الأطراف المعنية بأن الانقضاض المباشر على الرئيس الحسيني ليس الطريق الأمثل.
هذا الانتصار لم يكن معركته الشخصية فقط، بل كان حماية للهوية الوطنية للجبهة اللبنانية، وامتداداً لاستراتيجيته في الحفاظ على الشرعية والتوازن الداخلي.
توج حنين هذا الانتصار بطريقة رمزية واضحة للجميع، من خلال قيامه بزيارة مميزة للرئيس حسين الحسيني.
هذه الزيارة لم تمر مرور الكرام، فقد لاحظها الجميع وظهرت كما لو كانت زيارة انتخابية مسبقة أو مبايعة، لكنها في الحقيقة كانت رسالة سياسية دقيقة تعكس انتصاره في معركته الداخلية وسعيه للحفاظ على وحدة واستقرار الجبهة.
الزيارة حملت دلالات واضحة عن قدرة حنين على إدارة الصراعات الداخلية بحنكة، فهو لم يلجأ إلى التصعيد العلني أو المواجهة المفتوحة، بل اعتمد على التحركات الذكية والمؤثرة لضمان تحقيق أهدافه وحماية المبادئ التي يؤمن بها.
بهذا، استطاع أن يفرض وجوده السياسي كقوة مؤثرة ومرجعية مهمة داخل الجبهة.
من زاوية أخرى، تعكس هذه الخطوة موقفه الثابت تجاه الاستقرار السياسي واحترام المواقع، إذ أظهر أن القيادة الحكيمة تتطلب أحياناً العمل بصمت، وتحقيق النتائج عبر خطوات استراتيجية دقيقة، بعيداً عن الصخب السياسي أو الانفعالات العابرة.
بهذه الطريقة، تصبح هذه المعركة الداخلية واستراتيجية حنين في التعامل معها نموذجاً للقدرة على الجمع بين المبدأ والسياسة، وبين الولاء للجبهة اللبنانية والالتزام بالمبادئ الوطنية، مؤكداً أن النجاح في السياسة أحياناً يحتاج إلى التروي والتخطيط، لا إلى الاندفاع المباشر والصدام العلني.
  النائب إدوار حنين كان معروفاً بإيمانه العميق بالشرعية كمبدأ أساسي للحياة السياسية، وهو ما أكد عليه صراحة في كتاب استقالته حين ذكر أنه كان مؤمناً بأنه لا سبيل لإنقاذ لبنان إلا بالتعاون المطلق مع الشرعية، أو على الأقل من خلالها.
هذا الالتزام لم يكن مجرد شعارات، بل كان مرجعية حقيقية تصوغ مواقفه وقراراته السياسية.
لقد شعر حنين بأن جزءاً من القيادات داخل الكتائب والقوات، وعلى رأسهم الدكتور سمير جعجع، لا يكون دائماً في تناغم تام مع هذه الشرعية، خصوصاً شرعية الرئيس الجميل.
هذا التباين في الرؤية جعل من الصعب بالنسبة له أن يستمر في موقعه دون أن يشعر أن المبدأ الذي يعتنقه ويتشبث به يتعرض للتهميش أو الانحراف.
اتجاه حنين نحو الشرعية، وبخاصة شرعية الرئيس الجميل، لم يكن مجرد موقف رمزي، بل كان اختياراً استراتيجياً يعكس فهمه العميق لواقع لبنان السياسي.
فالثبات على الشرعية، بحسب رؤيته، يمثل الضمان الأساسي لسيادة الدولة واستقلالها، وهو ما يفسر موقفه الحاسم تجاه كل المحاولات التي قد تقوض هذا المبدأ.
استقالة حنين لم تكن مجرد احتجاج على تصرفات محددة، بل كانت رسالة واضحة بأن الولاء للشرعية فوق أي اعتبار آخر.
لقد أراد أن يوضح أن أي خطوات سياسية داخل الجبهة أو خارجه يجب أن تتماشى مع القيم الأساسية التي أقام عليها الرئيس الجميل سلطته ومشروعه الوطني.
من زاوية أخرى، يظهر القرار كتحرك لتأكيد أن المبادئ السياسية لا يمكن أن تُساوم، وأن أي تراجع عن الشرعية تحت ضغط النفوذ الداخلي أو الخارجي يمثل تهديداً حقيقياً لمستقبل الجبهة اللبنانية واستقلال لبنان.
حنين أراد أن يضع هذه الحدود واضحة أمام الجميع، من قيادات وأعضاء على حد سواء.
هذا الالتزام بالشرعية جعل موقفه تجاه الدكتور جعجع والكتائب والقوات أكثر حساسية، إذ رأى أن الانسجام مع الشرعية يجب أن يكون معياراً لكل قرار سياسي وجمعي، وأن أي خروج عن هذا المبدأ يُضعف وحدة الجبهة ويعرض لبنان لمخاطر سياسية إضافية.
في النهاية، تصبح استقالة النائب إدوار حنين أكثر من مجرد خطوة شخصية؛ فهي موقف استراتيجي يؤكد التزامه الثابت بالشرعية، ورفضه لأي محاولات لتجاوز المبادئ التي قامت عليها الجبهة اللبنانية، وإيمانه بأن الحفاظ على الشرعية هو السبيل الوحيد لاستقرار لبنان وسيادته، وأن الانتماء لها يفوق أي ولاء حزبي أو شخصي.
  بعد غياب الرئيس شمعون، لم يتقدم الدكتور سمير جعجع لاقتراح النائب إدوار حنين انتخابه أميناً عاماً للجبهة اللبنانية، رغم أن حنين كان يمتلك كل المقومات اللازمة لهذا المنصب.
فهو ليس مجرد نائب في المجلس، بل أكبر الأعضاء سناً وأكثرهم خبرة وأهليّة، بالإضافة إلى كونه واحداً من المؤسسين والمنظرين الأساسيين للجبهة، والمعد الرئيسي للبيانات والمذكرات التاريخية والسياسية التي شكلت الأسس الفكرية والسياسية للمؤسسة.
كان من الطبيعي أن يُنظر إلى حنين كمرشح لرئاسة الجبهة، فهو يجمع بين الخبرة التنظيمية والسياسية والمعرفة العميقة بأهداف الجبهة ومبادئها، فضلاً عن الاحترام الكبير الذي يتمتع به داخل المؤسسة وخارجها.
هذا الوضع يجعله اختياراً واضحاً لمن يحرص على استمرار الهوية الوطنية للجبهة والحفاظ على أسسها التاريخية.
ربما كانت هذه الحقيقة هي جوهر المشكلة مع الدكتور جعجع، إذ بدا أن مواقفه وسلوكه لم تسمح بالاعتراف بطبيعة المكانة التي يحتلها حنين في الجبهة.
فقد تعارضت طبيعته القيادية المستقلة مع رغبة جعجع في السيطرة على مسارات القرار داخل الجبهة والكتائب، ما خلق توتراً خفياً لكنه مؤثر على مسار الأحداث واتخاذ القرارات الحيوية.
قائد القوات اللبنانية، من جهته، لم يعلن أي موقف رسمي حول مسألة ترشيح حنين، ولم يسمح لأي طرف بالإشارة إليها سواء بشكل سلبي أو إيجابي.
هذا الصمت الرسمي أضاف طبقة من التعقيد على الوضع، إذ ترك المجال مفتوحاً للتفسيرات والتوترات الداخلية، بينما ظل حنين، بصفته نائباً ومؤسساً كبيراً، شخصية محورية في كل النقاشات.
استقالة حنين في هذا السياق لم تكن مجرد تصرف عاطفي، بل كانت رد فعل على محاولة إقصائه أو تجاهل مؤهلاته، وهي خطوة تهدف إلى التأكيد على أن القيادة الحقيقية للجبهة لا يمكن أن تُحدد بآراء محدودة أو نفوذ حزبي، بل يجب أن تستند إلى الكفاءة والخبرة والالتزام بالمبادئ المؤسسة.
من زاوية أخرى، تظهر الاستقالة كتحرك استراتيجي للحفاظ على المبادئ التي قامت عليها الجبهة اللبنانية، ولتوضيح أن أي محاولة لتهميش دور مؤسسي بارز أو لإضعاف رموزها التاريخية ستواجه بموقف واضح وحاسم.
حنين أراد أن يضع حدّاً لأي محاولات للتقليل من أهميته أو التأثير على استقلالية القرار السياسي للجبهة.
بهذه الطريقة، يصبح موقف حنين من ترشيحه ورفضه ضمنياً، جزءاً من السياق الأكبر لصراع النفوذ داخل الجبهة، ويؤكد على أن الاستقامة الوطنية والسياسية تتطلب أحياناً اتخاذ خطوات واضحة لحماية المؤسسة وحفظ مبادئها، حتى في مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية على حد سواء.
  بعد غياب الرئيس شمعون وخلال فترة وداعه، كان للدكتور سمير جعجع رأي سلبي حول محاولات التقارب بين الوزير وليد جنبلاط والمهندس داني شمعون، رئيس حزب الوطنيين الأحرار.
هذا الموقف لم يكن مجرد تحفظ شخصي، بل كان تعبيراً عن استراتيجية واضحة للسيطرة على التحالفات السياسية ولحماية مصالح الجبهة اللبنانية، بما يعكس حرص جعجع على تحديد مسارات القرار وفق رؤيته السياسية الخاصة.
لقد كانت ردة فعل جعجع تجاه إعلان المهندس داني شمعون ترشيحه للرئاسة من طرف واحد سلبية وحادة، إذ اعتبرها تحركاً يخل بتوازن القوى داخل الساحة المسيحية ويؤثر على قدرة الجبهة على لعب دورها القيادي في السياسة الوطنية.
هذا الموقف أظهر بوضوح أن أي خطوة خارج نطاق التحكم الداخلي للجبهة أو الكتائب كانت تلقى رفضاً قوياً، وهو ما شكّل عاملاً مؤثراً في المشهد السياسي اللبناني آنذاك.
تأثر النائب إدوار حنين بشكل مباشر بهذه الديناميكية، إذ رأى أن تدخل جعجع ورؤيته للسيطرة على التحالفات أضرت بالخط الوطني العام للجبهة اللبنانية.
استقالة حنين لم تكن مجرد تصرف فردي، بل كانت رد فعل على محاولة فرض رؤى معينة على المؤسسة، بما يهدد استقلالية القرار ويبتعد عن المبادئ التي قامت عليها الجبهة منذ البداية.
حنين كان شديد الحرص على ألا تتحول الجبهة اللبنانية إلى أداة لمصالح شخصية أو حزبية، بل إلى مؤسسة تحافظ على مبادئها الوطنية وتحمي سيادة لبنان.
لذلك، أي تدخل من هذا النوع، سواء عبر رفض التقارب بين الشخصيات المسيحية أو من خلال التحكم في الترشيحات الرئاسية، كان بالنسبة له سبباً مشروعاً لاتخاذ موقف صارم وواضح عبر الاستقالة.
هذا الموقف يعكس إدراك حنين العميق لتشابك السياسة الداخلية مع القضايا الوطنية الكبرى.
فهو رأى أن رفض جعجع لأي تحرك خارج إطار نفوذه المباشر يخلق توتراً داخل الجبهة، ويهدد القدرة على مواجهة الضغوط الخارجية، سواء الفلسطينية أو السورية، وبالتالي كان لا بد من تحرك يُظهر استقلالية القرار ووضوح المواقف.
استقالة حنين هنا، في ضوء موقف جعجع السلبي، تكتسب بعداً رمزيًا وسياسيًا في آن واحد، إذ ترسخ فكرة أن الولاء للمبادئ الوطنية يتطلب أحياناً مواجهة النفوذ الداخلي، وأن القدرة على حماية الجبهة اللبنانية من الانحرافات الداخلية تعكس أيضاً القدرة على حماية لبنان من التحديات الخارجية.
بهذه الطريقة، تظهر استقالة النائب إدوار حنين كخطوة استراتيجية، تعكس رفض أي سيطرة مفرطة على الجبهة اللبنانية، وتوضح أن الحفاظ على المبادئ الوطنية والسيادة اللبنانية لا يمكن أن يخضع لمصالح شخصية أو حزبية، بل يتطلب موقفاً حاسماً وواضحاً يضع المبادئ قبل كل اعتبار آخر.
  الواقع أن الصراعات السياسية تلعب دوراً محورياً في رسم مسارات القرارات داخل المؤسسات اللبنانية، تماماً كما كان الصراع بين الرئيسين الجميل والأسد له الدور الأساسي في سياسة المقاطعة الكرامية، التي تكرست بالاستقالة.
هذه الصراعات ليست مجرد خلافات شخصية، بل تعكس تناقضات أوسع في السياسات والتوجهات الوطنية، وتؤثر على مواقف القيادات تجاه الاستقالات والتحركات السياسية.
في السياق نفسه، يسيطر الصراع القائم، وإن كان غير معترف به رسمياً، بين الرئيس الجميل والدكتور سمير جعجع على الجبهة اللبنانية، ويؤثر مباشرة في قراراتها الكبرى.
هذا التوتر ينعكس على طريقة إدارة الجبهة وتحركاتها الداخلية، بما في ذلك السياسات المتعلقة بالاستقالات، ويعطي دلالات واضحة عن تداخل النفوذ الشخصي مع المصالح المؤسسية الوطنية.
استقالة النائب إدوار حنين لم تكن بعيدة عن هذا الواقع، إذ يمكن القول إن الخلافات بين القيادة السياسية للجبهة والكتائب، وخصوصاً سيطرة الدكتور جعجع على الاتجاهات الأساسية للكتائب، لعبت الدور الأول في دفع حنين لاتخاذ موقفه.
الاستقالة هنا ليست مجرد اعتراض إداري، بل موقف سياسي يعكس رفضه لأي هيمنة أو تحكم خارجي على القرار الوطني للجبهة اللبنانية.
حنين، طوال مسيرته، كان حريصاً على أن تعكس الجبهة المبادئ التي قامت عليها، وأن تبقى قيادتها ملتزمة بالخطوط الوطنية الثابتة.
أي محاولة للسيطرة على الجبهة من خلال النفوذ على الكتائب أو فرض توجهات جديدة كانت بالنسبة له مؤشراً على خطر محتمل على تماسك المؤسسة وعلى قدرة لبنان على مواجهة الضغوط الخارجية والداخلية.
من زاوية أخرى، تعكس الاستقالة وعي حنين العميق بالعلاقة بين السياسة الداخلية للجبهة والموقف الوطني العام.
فهو رأى أن أي صراع على السيطرة أو النفوذ داخل المؤسسة يمكن أن يؤثر سلباً على استقلالية القرار الوطني، وعلى قدرة الجبهة على الحفاظ على سيادة لبنان وحقوق الشعب، وبالتالي اتخذ موقفاً صارماً من أجل التذكير بالحدود الصحيحة للسلطة والنفوذ.
الخطوة التي اتخذها حنين تضع الاستقالة في سياق أوسع من مجرد خلاف شخصي، فهي تعكس صراع المبادئ والثوابت الوطنية مع محاولات الهيمنة الداخلية، وتؤكد أن الولاء للوطن لا يقاس بالانخراط في النزاعات الداخلية فقط، بل بالقدرة على الوقوف موقف مستقل يحمي مصلحة الجبهة والوطن معاً.
بهذه الطريقة، تصبح استقالة النائب إدوار حنين ليست مجرد فعل سياسي عابر، بل موقف استراتيجي يوضح أن النزاع على السيطرة داخل الجبهة يمكن أن يكون حافزاً لاتخاذ قرارات تهدف إلى حماية المبادئ الوطنية والحفاظ على استقلالية القرار السياسي، وأن المسؤولية الوطنية تتطلب أحياناً اتخاذ خطوات حاسمة حتى في وجه النفوذ الداخلي والخارجي.
  كما أن الرئيس كرامي حمل الرئيس الجميل كامل المسؤولية عن أوضاع الحكم والحكومة والتفاقم المستمر للأزمة، فإن النائب إدوار حنين حمل استقالته مسؤولية من سمّاهم "عناصر جديدة" اعتمدت في عملها على مقاييس مختلفة عن المبادئ والأسس التي قامت عليها الجبهة في الأصل.
كان هذا التحرك بمثابة صرخة تحذيرية، تؤكد أن أي خروج عن نهج الجبهة التاريخي يمكن أن يضعف تماسكها ويهدد أهدافها الوطنية.
استقالة حنين لم تكن مجرد تصرف شخصي، بل كانت موقفاً واضحاً يوضح أن الولاء للجبهة يتطلب احترام أسسها وأهدافها، وأن أي محاولة لاعتماد مقاييس أو مصالح جديدة خارج هذه الأسس تمثل تهديداً للمسار الذي حددته القيادة والمجتمع السياسي اللبناني.
لقد أراد بذلك توجيه رسالة صريحة لكل من يحاول الانحراف عن القواعد والمبادئ.
وصف حنين هؤلاء العناصر الجديدة بأنها "طائر يغرد في غير سربه" يعكس قلقه العميق من الانفلات التنظيمي والسياسي، ومن احتمالات استغلال هذا الانفلات لتحقيق مصالح شخصية أو حزبية على حساب مصالح الجبهة والوطن.
هذا التشبيه يحمل دلالة على أهمية الانضباط الداخلي، وأهمية الالتزام بالخط الوطني الموحد للحفاظ على القوة والمصداقية السياسية.
من منظور آخر، تؤكد الاستقالة على أن المسؤولية السياسية لا تتجزأ، وأن أي قيادة أو نائب يجب أن يتحمل نتائج القرارات والانحرافات داخل المؤسسة.
حنين لم يترك الأمور للصدفة، بل أخذ على عاتقه تحمّل مسؤولية موقفه تجاه الجبهة والشعب، ليكون مثالاً على النزاهة السياسية والتمسك بالمبادئ.
التزامه بالمبادئ لم يمنعه من الاعتراف بأن الاستقالة قد تثير جدلاً أو توتراً داخل الجبهة، لكنه اختار المضي في موقفه لضمان أن يتم النظر في أي تغييرات أو تحولات سياسية وفقاً للأسس والقيم التي قامت عليها الجبهة منذ البداية.
كانت هذه خطوة لإعادة التوازن والتذكير بالهوية الوطنية للمؤسسة.
كما أنها استقالة تحمل في طياتها درساً لكل من يحاول أن يفرض توجهات جديدة على الجبهة دون مراعاة المبادئ الأصلية، إذ تظهر أن أي محاولة للانحراف أو لتغيير المسار يجب أن تواجه بموقف واضح وحاسم، وأن السلطة والقيادة الحقيقية تُقاس بالقدرة على الحفاظ على الثوابت الوطنية والسياسية.
لقد جسدت هذه الاستقالة موقفاً وطنياً وشخصياً في آن واحد، يضع المبادئ فوق الاعتبارات المؤقتة، ويؤكد على أن الاستقامة السياسية تتطلب أحياناً اتخاذ خطوات صعبة، بما فيها مواجهة الانحرافات الداخلية، للحفاظ على الوحدة الوطنية والسيادة اللبنانية، وللتأكيد على أن الولاء الحقيقي للوطن يفوق الولاء لأي شخص أو مجموعة.
  كما أن استقالة الرئيس كرامي أسهمت في زيادة سياسة المقاطعة لرئيس الجمهورية، فإن استقالة الأمين العام للجبهة اللبنانية تحمل في طياتها انعكاسات مماثلة قد تؤدي إلى فجوة واضحة بينه وبين المؤسسة التي ينتمي إليها.
فكل خطوة من هذا النوع ليست مجرد فعل شخصي، بل لها أبعاد استراتيجية تؤثر على التحالفات الداخلية والتوازنات السياسية.
النائب إدوار حنين كان يدرك تماماً أن الاستقالة من موقعه القيادي ستشكل علامة فارقة على خط الانفصال الرمزي بينه وبين الجبهة اللبنانية، لا سيما في الأوقات التي تتطلب التماسك الداخلي لمواجهة الأخطار المحيطة بالوطن.
لقد كان وعيه بهذا الأمر جزءاً من حساباته السياسية، ما يجعل الخطوة متعمّدة ومدروسة.
السياسة اللبنانية، بطبيعتها، تعطي لكل تصرف بعداً مزدوجاً، إذ يمكن للاستقالة أن تكون في الوقت نفسه رسالة احتجاج ورمزاً للثبات على المبادئ.
واستقالة حنين لم تكن استثناءً، فهي جاءت لتوضح أنه لن يكون هناك مساومة على سيادة لبنان وحقوق الشعب اللبناني، حتى لو أدى ذلك إلى مواجهة رسمية أو مقاطعة من المؤسسة نفسها.
من زاوية أخرى، تحمل الاستقالة بعداً رمزياً، فهي تشير إلى رفض أي ضغوط داخلية أو خارجية تهدف إلى تقييد حرية القرار السياسي داخل الجبهة.
حنين أراد أن يؤكد أن الولاء للمبادئ الوطنية يسبق الولاء لأي منصب حزبي أو التزام إداري، وأن الانسجام مع المؤسسة لا يعني القبول بأي تنازلات تمس السيادة.
في الوقت ذاته، يمكن النظر إلى الاستقالة كآلية لضبط العلاقة بين الفرد والمؤسسة، فهي تفتح النقاش حول حدود السلطة والمسؤولية، وتضع إطاراً لما يمكن أن يشكّل مقاربة جديدة في التعاطي مع الملفات الحساسة.
هذه الخطوة تعكس وعي حنين العميق بالسياسة كأداة حماية للمصالح العليا للبلاد.
التحليل السياسي يشير إلى أن المقاطعة التي قد تنشأ بين الأمين العام والجبهة اللبنانية ليست عشوائية، بل هي انعكاس طبيعي لتباين الرؤى والمواقف حول الملفات الوطنية الكبرى.
الاستقالة، في هذا السياق، تصبح وسيلة لإعادة رسم خطوط العلاقة بين القيادة والفرد، وتأكيد وجود حدود للسلطة المؤسسية أمام الضمير الوطني.
وبذلك، تتحول الاستقالة من مجرد فعل إداري إلى بيان سياسي واضح، يوضح للجميع أن المواقف الثابتة تجاه السيادة اللبنانية والرفض القاطع للهيمنة الأجنبية لا يمكن أن تُضحى بها من أجل الانسجام المؤسسي، وأن الالتزام بالمبادئ الوطنية قد يؤدي أحياناً إلى مسافات رمزية أو حتى مقاطعة داخلية بين الأفراد والمؤسسة.
  استقالة النائب إدوار حنين جاءت في سياق حساس ودقيق، إذ حملت طابعاً سياسياً قوياً يعكس موقفه الثابت من الخطر الذي يتهدد لبنان.
كانت خطوة تحمل الكثير من الرمزية، فقد أظهر فيها التزامه الشخصي بمبادئه الوطنية ورفضه لأي تسوية تتجاهل حقوق اللبنانيين أو تهدد استقلال البلاد.
كما هو معروف، فإن استقالة الرئيس كرامي لم تُقدّم رسمياً إلى رئيس الجمهورية ولم تُعترف بها، ما أطلق معركة سياسية واسعة قادتها الجبهة اللبنانية والكتائب والقوات اللبنانية.
حاولت هذه القوى دفع الرئيس الجميل إلى التراجع، وكان المشهد حينها شاهداً على تعقيدات السياسة اللبنانية وعمق الانقسامات حول المسألة الاستقالية.
في هذا السياق، يمكن النظر إلى استقالة حنين على أنها مرشحة لأن تواجه مصيراً مشابهاً.
فالمخاوف من انعكاساتها على الجبهة اللبنانية وإرباك توازناتها الداخلية قد تجعلها غير مقدمة رسمياً أو غير مقبولة، تماماً كما حصل مع الرئيس كرامي.
إدوار حنين كان واعياً لهذه المخاطر، لكنه اختار أن يرفع صوته من أجل مبدأ واضح: أن المسؤولية الوطنية تتطلب أحياناً اتخاذ خطوات صعبة، حتى لو كانت النتيجة عدم القبول الرسمي أو تجاهل الاستقالة من قبل السلطة المعنية.
كان هذا الاختيار تعبيراً عن موقفه الثابت تجاه حماية السيادة اللبنانية والرفض القاطع لكل أشكال النفوذ الخارجي.
من زاوية أخرى، تمثل استقالته رسالة سياسية للجمهور، تشدد على أن الولاء للوطن لا يقاس بالبقاء في المناصب أو بالرضوخ لضغوط داخلية وخارجية، بل بالتمسك بالمبادئ والثبات على الحق، حتى في مواجهة التجاهل أو الرفض الرسمي.
التحليل السياسي لهذه الخطوة يشير إلى أن حنين أراد التأكيد على أهمية الاستقلالية في القرارات الوطنية، وعدم السماح لأي طرف بفرض إرادته على اللبنانيين.
استقالته إذن ليست مجرد فعل فردي، بل موقف يضع المبادئ الوطنية فوق أي اعتبار شخصي أو حزبي.
بهذه الطريقة، تصبح استقالة النائب حنين حالة رمزية تحمل دلالات قوية، إذ تعكس صراعاً مستمراً بين من يريد حماية لبنان وسيادته وبين من يحاول تقويض ذلك بالسياسات التنازلية أو الانخراط في مصالح خارجية، ما يجعل خطوة حنين موضوع نقاش وتحليل داخل أروقة الجبهة اللبنانية والمشهد السياسي الأوسع.
  إدوار حنين شخصية بارزة في المشهد السياسي اللبناني، يتميز بموقفه الواضح والصريح تجاه قضايا الوطن، بعيداً عن المهادنة أو المساومة.
لم تكن استقالته خطوة عابرة، بل قراراً نابعاً من وعيه العميق بالمسؤولية الوطنية، يعكس تقديره لحق الشعب في معرفة الحقيقة ومواجهة التحديات التي تعصف بالبلاد.
اتخذ حنين قراره بعد دراسة مستفيضة للوضع السياسي العام، إذ رأى أن الصمت في مواجهة الانتهاكات والاحتلالات كان يساوي التواطؤ.
استقالته لم تكن مجرد ترك للمناصب، بل كانت رسالة صريحة لكل اللبنانيين، تبرز أن الولاء الحقيقي للوطن يتجاوز المناصب والألقاب، وأن الشجاعة في السياسة تتطلب أحياناً التضحية الشخصية من أجل المصلحة الوطنية العليا.
الرسالة التي وجهها إلى الشعب اللبناني لم تكن رسالة شكوى أو تنديد فحسب، بل كانت خطة واضحة لرؤية وطنية، تعكس فهمه العميق للواقع اللبناني المعقد.
تركزت على ضرورة تحمّل الجميع لمسؤولياتهم، وأهمية الوعي الشعبي في مواجهة كل القوى التي تهدد سيادة واستقلال لبنان، بما في ذلك الاحتلالات الخارجية والتدخلات المدمرة.
من خلال هذه الاستقالة، أراد حنين أن يرسل صرخة مدوية ضد كل محاولات فرض واقع جديد على اللبنانيين بالقوة، سواء من القوى الفلسطينية المسلحة أو من النظام السوري الذي سعى إلى الهيمنة على مقدرات البلاد.
لقد مثلت الرسالة دعوة صادقة لكل المواطنين للوقوف صفاً واحداً من أجل حماية الهوية الوطنية والحفاظ على حقوق الشعب اللبناني المشروعة.
تميز أسلوب حنين في كتابة استقالته بالرصانة والوضوح، فهو لم يقتصر على الهجوم أو النقد، بل أظهر في الوقت نفسه إحساسه العميق بالمسؤولية تجاه الجبهة اللبنانية والمواطنين على حد سواء.
أراد أن يكون صوته مرآة لما يشعر به الشعب من قلق وحيرة، مع الحفاظ على الكرامة الوطنية ومبادئ الوفاء للوطن.
لقد حملت الاستقالة رسالة قوية مفادها أن الوطن فوق كل اعتبار شخصي أو حزبي، وأن الأمانة الوطنية تتطلب المصداقية والشفافية، ورفض كل أشكال الهيمنة الأجنبية على لبنان.
كما شددت على أن الدفاع عن استقلال البلاد وحماية سيادتها لا يكون بالكلام وحده، بل يتطلب اتخاذ خطوات جريئة وواضحة، مهما كانت التكاليف شخصية أو سياسية.
في نص الاستقالة، تجلت شجاعة النائب إدوار حنين وحرصه على ترك بصمة واضحة في الذاكرة الوطنية، ليبقى مثالاً يحتذى به في مواجهة كل ما يهدد الحرية والكرامة اللبنانية، وللتأكيد على أن الولاء الحقيقي للوطن يُقاس بالعمل الجاد والصادق، وليس بالمناصب أو الامتيازات السياسية.
  تظهر التجربة أن قوة الدولة الداخلية هي حجر الأساس لحماية السيادة اللبنانية، فغياب المؤسسات القوية يسمح للقوى الخارجية والمحلية بالتدخل وإعادة إنتاج الفوضى.
في سياق آخر، تبين أن مشاركة المواطنين في حماية مؤسسات الدولة وتعزيز الوعي الوطني يشكل الدرع الأول ضد أي محاولات لتقويض القرار الوطني أو فرض أجندات غير وطنية.
من منظور الاستقرار، يصبح الحوار الداخلي أداة استراتيجية ضرورية، فهو يخلق أرضية لتسوية الخلافات بين المكونات ويحول التباينات السياسية والاجتماعية إلى قوة بناء، بدلاً من أن تتحول إلى أداة للصراع.
وعند النظر إلى العلاقات الخارجية، يتضح أن أي تفاوض أو زيارة رسمية يجب أن تُدار من موقع قوة، بحيث تدعم السيادة وتضمن عدم استغلال أي ضعف داخلي لفرض أجندات خارجية على الدولة والمجتمع.
كما يوضح التاريخ أن وحدة الصف الداخلي، وبالأخص بين المكونات المسيحية، تلعب دورًا مركزيًا في صيانة التوازن الوطني، فهي تمنع استغلال الانقسامات لتقويض الدولة أو استهداف حقوق المواطنين.
وبالإضافة إلى ذلك، يتبين أن مؤسسات الدولة الفاعلة والقادرة على إدارة الأزمات الداخلية بشكل مستقل تشكل الضمان الأساسي للاستقرار، وتمنع القوى الخارجية من فرض واقع جديد على لبنان أو تعديل توازن القوى داخليًا.
الاستقرار الوطني يعتمد على توازن متكامل بين القوة الداخلية، ووعي المجتمع بحقوقه ومسؤولياته، ووحدة الصف بين المكونات، مع القدرة على مواجهة التدخلات الخارجية، وضمان استمرار السيادة الوطنية على المدى الطويل.
  التدخلات الإقليمية كانت أحد أهم العوامل التي هددت استقرار لبنان، إذ استغلت القوى الخارجية الانقسامات الداخلية لتوسيع نفوذها وتحقيق مصالحها على حساب الدولة والمجتمع.
كما تبين أن أي تدخل خارجي يزيد من هشاشة المؤسسات الوطنية، ويضعف قدرة الدولة على فرض القانون، ويهدد حقوق المواطنين، مما يجعل الاستقرار الداخلي مؤقتًا وقابلًا للانهيار عند أدنى تغير في الظروف الإقليمية.
وركزت التجربة على أن الحوار الداخلي المتوازن والمتجذر في قاعدة وطنية هو أفضل وسيلة لمواجهة التدخلات الخارجية، إذ يعزز الوحدة، ويقوي مؤسسات الدولة، ويحول الاختلافات السياسية إلى أدوات لإنتاج حلول مستدامة بدلاً من أدوات للانقسام.
كما ظهر أن وعي المجتمع بأهمية حماية السيادة الوطنية يلعب دورًا رئيسيًا في مواجهة التدخلات الإقليمية، فالمواطن المستنير يراقب كل قرار داخلي وخارجي، ويضغط لضمان أن أي تعامل مع الخارج يخدم المصلحة اللبنانية العليا.
وأكدت التجربة أن استقرار لبنان يعتمد على قوة الدولة وقدرتها على إدارة الأزمات الداخلية بشكل مستقل، بحيث تمنع أي قوة خارجية من فرض واقع جديد أو تعديل توازن القوى لصالح مصالحها، بعيدًا عن إرادة الشعب اللبناني.
كما تبين أن الحفاظ على وحدة الصف المسيحي والمكونات اللبنانية الأخرى يرفع قدرة الدولة على مواجهة أي تدخل إقليمي، ويعزز من مصداقية الدولة داخليًا وخارجيًا، ويحول المجتمع إلى شريك فاعل في حماية السيادة والاستقرار.
ويُستنتج أن حماية الاستقرار الداخلي في لبنان تتطلب قوة الدولة، مؤسسات فعالة، ووعي المجتمع، مع وحدة الصف بين المكونات، بحيث تكون الدولة قادرة على مواجهة التدخلات الإقليمية، والحفاظ على السيادة الوطنية، وضمان استمرارية الاستقرار الوطني على المدى الطويل.
  أي زيارة رسمية أو تفاوض خارجي يجب أن تُدار من موقع قوة واستقلالية، بحيث تكون أداة لتعزيز السيادة وحماية المصلحة الوطنية، وليس لتقييد القرار الداخلي أو فرض أجندات خارجية.
كما تبين أن العلاقات الدولية يمكن أن تدعم الاستقرار الداخلي فقط عندما تكون مبنية على احترام كامل للسيادة الوطنية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وإلا فإن أي اتفاق أو دعم خارجي يبقى هشًا وسريع الزوال.
وركزت التجربة على أن الحوار الداخلي يجب أن يكون متوازناً قبل أي تفاعل خارجي، بحيث يكون المجتمع قادرًا على الدفاع عن مصالحه، ويضمن أن أي تفاوض دولي لا يفرّط بالحقوق أو يعطل توازن القوى بين المكونات اللبنانية.
كما ظهر أن وعي المجتمع بدوره في حماية الدولة والسيادة يشكل خط الدفاع الأول، فالمواطن المستنير يساهم في مراقبة أي تعامل خارجي والتأكد من أنه يخدم المصلحة الوطنية، ويمنع أي استغلال للفراغ أو الضعف الداخلي.
وأكدت التجربة أن القوة الداخلية، وتمتين مؤسسات الدولة، هي العامل الحاسم لتحويل أي علاقة خارجية إلى فرصة لتعزيز الاستقرار، وليس وسيلة لتقويض الوحدة الداخلية أو الهيمنة على المكونات اللبنانية.
كما تبين أن الحفاظ على وحدة المكونات، وخصوصًا الصف المسيحي، يشكل أساسًا لمواجهة أي تدخل خارجي يسعى لتجزئة الدولة أو فرض واقع جديد، وأن كل ضعف داخلي يزيد من قدرة القوى الخارجية على فرض شروطها على لبنان.
ويُستنتج أن الاستقرار اللبناني يتطلب قدرة الدولة على إدارة علاقاتها الخارجية بحكمة، مع الحفاظ على استقلال القرار الوطني، وتقوية مؤسساتها، وضمان توازن المكونات داخليًا، بحيث تصبح أي علاقة خارجية خدمة للمصلحة الوطنية وليست أداة ضغط أو تفتيت.
  استقرار لبنان مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتوازن بين مكوناته، فغياب هذا التوازن يؤدي إلى استغلال القوى الخارجية للصراعات الداخلية، ويضعف قدرة الدولة على فرض القانون وحماية المواطنين.
كما تبين أن إعادة الثقة بين المكونات هي عنصر أساسي لإعادة بناء الدولة، فالمجتمع الذي يشعر بالمساواة والعدالة قادر على دعم المؤسسات والمشاركة في حماية سيادة الوطن.
وركزت التجربة على أن الحوار الداخلي الفاعل هو الأداة المركزية للحفاظ على هذا التوازن، بحيث يضمن تكافؤ القوى، احترام الحقوق المتبادلة، وتحويل الخلافات إلى فرص لإنتاج حلول وطنية مستدامة، لا إلى أداة للصراع أو الهيمنة.
كما ظهر أن أي تدخل خارجي يستهدف لبنان يمكن مواجهته فقط من خلال قوة الدولة وتماسك مكوناتها، فالوحدة الداخلية هي الدرع الأساسي الذي يمنع القوى الأجنبية من فرض أجنداتها وتقويض الاستقرار.
وأكدت التجربة أن مشاركة المواطنين في حماية مؤسسات الدولة والوعي بحقوقهم ومسؤولياتهم، يشكل خط الدفاع الأول للاستقرار، ويضمن استمرار قدرة الدولة على إدارة الأزمات الداخلية وحماية السيادة الوطنية.
كما تبين أن تعزيز مؤسسات الدولة، وضمان استقلاليتها وفعاليتها، يمكّن لبنان من مواجهة أي محاولة لتفتيت مكوناته، ويحول الحوار بين المكونات إلى أداة بناء استقرار حقيقي ومستدام.
ويُستنتج أن الحفاظ على التوازن الداخلي بين المكونات اللبنانية هو شرط أساسي لحماية السيادة، وتمكين الدولة من اتخاذ قراراتها بحرية، وضمان استمرار الاستقرار الوطني، مع القدرة على مواجهة أي تدخل خارجي أو محاولات لإضعاف الدولة.
  القضية اللبنانية تتطلب وحدة وطنية حقيقية، بحيث يصبح كل مكوّن قادرًا على حماية الدولة وضمان سيادتها، بعيدًا عن أي نفوذ خارجي أو تدخلات تهدد الاستقرار.
كما تبين أن الحفاظ على الهوية اللبنانية يجب أن يشمل جميع المكونات، مع إدراك أن أي انقسام داخلي يضعف موقف لبنان في مواجهة التحديات الإقليمية ويتيح للقوى الخارجية فرض أجنداتها.
وركزت التجربة على أن الحوار الداخلي هو أداة استراتيجية لحماية لبنان، بحيث يضمن تكافؤ القوى واحترام الحقوق المتبادلة، ويحول الخلافات السياسية والاجتماعية إلى فرص لإنتاج حلول وطنية مستدامة.
كما ظهر أن تعزيز الوعي الوطني بالقضية اللبنانية أمر أساسي، فالمواطنون الذين يفهمون أهمية سيادة بلادهم ومصالحها القومية هم الركيزة الأساسية لاستقرار الدولة، ويشكلون خط الدفاع الأول ضد أي محاولة للتدخل الخارجي أو فرض واقع غير وطني.
وأكدت التجربة أن استقرار لبنان يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالقوة الداخلية، وبناء مؤسسات فعالة قادرة على إدارة الأزمات، وحماية الحقوق، وضمان التوازن بين المكونات، بحيث يكون الوطن قادرًا على مواجهة أي تهديد داخلي أو خارجي.
كما تبين أن الوحدة المسيحية والصفوف المتماسكة لكل المكونات اللبنانية تلعب دورًا مركزيًا في حماية القضية اللبنانية، إذ تعزز قدرة الدولة على فرض القانون وإدارة الصراعات، وتمنع أي قوى خارجية من استغلال الانقسامات لتحقيق مصالح غير وطنية.
ويُستنتج أن القضية اللبنانية ليست مجرد شعار، بل مشروع متكامل يقوم على السيادة، القوة الداخلية، ووعي المجتمع بحقوقه ومسؤولياته، بحيث تظل الدولة قادرة على حماية نفسها، الحفاظ على استقلال القرار الوطني، وتعزيز التوازن بين جميع المكونات، في مواجهة كل محاولات التدخل أو التفتيت.
  وحدة الصف المسيحي كانت عنصرًا أساسيًا في قدرة لبنان على الصمود أمام التحديات الداخلية والخارجية، فهي توفر قوة حقيقية قادرة على حماية الحقوق وضمان التوازن بين المكونات.
كما تبين أن أي انقسام داخلي داخل المكون المسيحي يضعف موقف الدولة ويتيح للقوى الخارجية استغلال الفوضى لتوسيع نفوذها، وبالتالي يصبح الاستقرار هشًا وغير مستدام.
وركزت التجربة على أن الحوار الداخلي يجب أن يضمن إشراك المكونات المسيحية بشكل متوازن، بحيث تعكس القرارات مصالح الجميع ولا يتم استبعاد أي طرف، مما يعزز الثقة ويحول الخلافات إلى فرصة لإنتاج حلول وطنية.
كما تبين أن الحفاظ على وحدة الصف المسيحي يعزز قدرة الدولة على فرض القانون، وإدارة الأزمات، والمفاوضة من موقع قوة، إذ يشكل تماسك المكون المسيحي دعامة أساسية لاستقرار لبنان ومقاومة أي تدخل خارجي يسعى لتقسيم المجتمع أو فرض أجندات غير وطنية.
وأكدت التجربة أن مشاركة المواطنين المسيحيين في حماية الدولة ومؤسساتها، من خلال وعيهم بحقوقهم ومسؤولياتهم، يضمن أن يكون للمجتمع صوت موحد في الدفاع عن السيادة والقرار الوطني، ويمنع استغلال أي فراغ أو ضعف داخلي.
كما تبين أن قوة الصف المسيحي تساعد على تعزيز التوازن بين المكونات اللبنانية كافة، بحيث تصبح الدولة قادرة على إدارة الصراعات الداخلية بفعالية، وتحويل الحوار بين المكونات إلى أداة لبناء الاستقرار، لا إلى ساحة للهيمنة أو الصراع.
ويُستنتج أن وحدة الصف المسيحي ليست فقط مطلبًا طائفيًا، بل شرط استراتيجي لبناء لبنان قادر على حماية نفسه، الحفاظ على سيادته، وضمان التوازن بين المكونات، مع مواجهة أي تدخل خارجي أو محاولات لإضعاف الدولة أو تفتيت المجتمع.
  الاستقرار في لبنان لا يمكن تحقيقه إلا من خلال قوة الدولة وقدرتها على فرض القانون وحماية المواطنين، فالفراغ أو الضعف المؤسسي يفتح المجال لتدخلات خارجية وتوسع نفوذ القوى المحلية غير الوطنية.
كما تبين أن بناء مؤسسات فاعلة ومستقلة هو شرط أساسي للحفاظ على التوازن بين المكونات، وتقديم الخدمات الأساسية، وتنظيم المجتمع، بحيث يشعر كل لبناني بالانتماء والمسؤولية تجاه وطنه بعيدًا عن أي تبعية أو وصاية خارجية.
وركزت التجربة على أن الحوار الداخلي يجب أن يكون متجذرًا في قاعدة وطنية، يضمن تكافؤ القوى واحترام الحقوق، ويحوّل الخلافات السياسية والاجتماعية إلى أدوات لإنتاج حلول مستدامة، لا إلى ساحة للصراع أو فرض الهيمنة.
كما ظهر أن أي تعامل مع الخارج يجب أن يتم من موقع قوة واستقلالية، بحيث تُستخدم المفاوضات والزيارات الدبلوماسية لتعزيز السيادة الوطنية وحماية المصالح اللبنانية، لا لتمرير أجندات خارجية أو إضعاف القرار الداخلي.
وأكدت التجربة أن حماية السيادة تتطلب مشاركة المواطنين في الدفاع عن الدولة، عبر الوعي السياسي، المراقبة المستمرة للمؤسسات، والمطالبة بحقوقهم، بحيث يصبح المجتمع شريكًا فعالًا في استقرار الوطن واستدامة الدولة.
كما تبين أن الاستقرار لا يقتصر على وقف النزاعات، بل يشمل قدرة الدولة على إدارة الأزمات داخليًا، والحفاظ على توازن القوى بين المكونات، ومنع أي جهة داخلية أو خارجية من فرض واقع مفروض على الدولة أو المجتمع.
ويظهر أن الاستقرار المستدام في لبنان يرتبط بالقوة الداخلية، المؤسسات الوطنية الفاعلة، ووعي المجتمع بحقوقه ومسؤولياته، بحيث تكون الدولة قادرة على حماية نفسها وحفظ سيادتها، وإدارة الخلافات الداخلية بفعالية، مع مواجهة أي تدخل خارجي أو محاولات لإضعاف القرار الوطني.
  الاستقرار في لبنان لا يتحقق بمجرد وقف إطلاق النار أو التهدئة المؤقتة، بل عبر بناء دولة قادرة على فرض القانون وإدارة الصراعات الداخلية بفعالية، بحيث يشعر كل مواطن بالأمان والعدالة.
كما تبين أن المؤسسات الوطنية هي الركيزة الأساسية لأي استقرار، فهي التي تحمي الحقوق، توفر الخدمات، وتنظم المجتمع، وتمنع الفراغ من أن يصبح ساحة لتدخل القوى الخارجية أو لفرض أجندات غير وطنية.
وركزت التجربة على أن الحوار الداخلي يجب أن يكون قائمًا على قاعدة وطنية واضحة، تضمن تكافؤ القوى، احترام الحقوق المتبادلة، وإشراك جميع المكونات في صنع القرار، بحيث يتحول الخلاف إلى فرصة لإنتاج حلول عملية ومستدامة.
كما تبين أن التعامل مع الخارج، سواء عبر المفاوضات أو الزيارات الدبلوماسية، يجب أن يكون من موقع قوة واستقلالية، بحيث تدعم أي مبادرة السيادة الوطنية، وتضمن ألا تُفرض أجندات خارجية على الدولة أو المجتمع اللبناني.
وأكدت التجربة أن مشاركة المواطنين في حماية الدولة والسيادة ضرورية، سواء من خلال الوعي السياسي، أو المراقبة المستمرة للمؤسسات، أو الضغط على صانعي القرار لضمان احترام القوانين والحقوق، مما يحول المجتمع إلى شريك فاعل في استقرار الوطن.
كما تبين أن الاستقرار الحقيقي لا يقتصر على إدارة الأزمة، بل يشمل بناء قدرة الدولة على الصمود أمام التحديات الداخلية والخارجية، وتحقيق التوازن بين مختلف المكونات، بما يضمن عدم استغلال أي فراغ أو ضعف لتحقيق مكاسب غير وطنية.
وبناءً على ذلك، يصبح الاستقرار في لبنان مرتبطًا بالقوة الداخلية، مؤسسات الدولة الفاعلة، ووعي المجتمع بحقوقه ومسؤولياته، بحيث تكون الدولة قادرة على حماية نفسها وحفظ سيادتها، وإدارة الخلافات الداخلية بشكل متوازن، مع مواجهة أي محاولات للتدخل الخارجي أو فرض واقع مفروض.
  أي استقرار في لبنان لا يقوم على التسويات الخارجية أو فرض النفوذ الخارجي، بل على قدرة الدولة على فرض القانون وحماية المواطنين.
فالفراغ المؤسسي سمح للقوى الداخلية والخارجية بالتحكم في مجريات الأحداث وإعادة إنتاج الفوضى.
وركزت التجربة على أن استعادة سيادة الدولة تتطلب بناء مؤسسات قوية قادرة على إدارة الصراعات الداخلية، وتنظيم المجتمع، وتقديم الخدمات الضرورية، بحيث يشعر كل مواطن بالانتماء والمسؤولية تجاه وطنه، بعيدًا عن التبعية أو الهيمنة الخارجية.
كما تبين أن الحوار الداخلي الفاعل يجب أن يكون مبنيًا على قاعدة وطنية متينة، يضمن تكافؤ القوى بين المكونات، ويحول الخلافات إلى أدوات لإنتاج حلول مستدامة، لا إلى ساحة للصراعات أو فرض الهيمنة على الآخرين.
رأت التجربة أن أي تعامل مع الخارج، بما في ذلك المفاوضات والزيارات الدولية، يجب أن يكون من موقع قوة واستقلالية، بحيث يتم استغلال كل تفاعل دولي لتعزيز السيادة وحماية المصلحة الوطنية، وليس لتمرير أجندات خارجية أو إضعاف القرار الوطني.
كما ظهر أن حماية السيادة تتطلب مشاركة المواطنين في الدفاع عن الدولة، من خلال الضغط المدني والمشاركة في الحياة السياسية والمراقبة المستمرة لمؤسسات الدولة، بما يضمن تنفيذ القوانين وحماية الحقوق، ويحول المجتمع إلى شريك فاعل في استقرار الوطن.
كما تأكد أن الاستقرار الحقيقي لا يقتصر على وقف النزاع أو الفوضى، بل يشمل بناء قدرة الدولة على إدارة الأزمات داخليًا، ومنع أي تدخل خارجي أو محلي من فرض واقع مفروض، مع ضمان فعالية واستقلالية المؤسسات الوطنية.
ويُستنتج أن الاستقرار المستدام يرتبط بالقوة الداخلية، المؤسسات الفاعلة، ووعي المجتمع بحقوقه ومسؤولياته، بحيث تكون الدولة قادرة على حماية نفسها ومواطنيها، والحفاظ على التوازن بين مكونات الوطن، ومواجهة أي تهديدات خارجية أو محاولات لإضعاف السيادة.
  أثبتت تجربة الثمانينيات أن الاستقرار في لبنان لا يمكن أن يُبنى على الصراعات الميليشياوية أو النفوذ الخارجي، بل يبدأ من قوة الدولة وقدرتها على فرض القانون وحماية المواطنين.
فالفراغ المؤسسي فتح المجال لتدخلات خارجية أعاقت أي جهود للحوار والتوافق الداخلي.
ورأت المقاومة المسيحية أن تعزيز سيادة الدولة يشمل بناء مؤسسات قادرة على إدارة الصراعات الداخلية، وتنظيم المجتمع، وتقديم الخدمات للمواطنين، بحيث يشعر كل لبناني بالانتماء والمسؤولية تجاه وطنه، بعيدًا عن أي هيمنة خارجية أو تدخلات فئوية.
كما شددت على أن الحوار الداخلي يجب أن يكون قائمًا على أساس من الاعتراف المتبادل بحقوق المكونات اللبنانية المختلفة، وتكافؤ الفرص في صنع القرار، بحيث يتحول الخلاف إلى أداة للإبداع السياسي وإنتاج حلول مستدامة، لا وسيلة للهيمنة أو فرض التبعية.
ورأت أن أي تعامل مع الخارج، بما في ذلك المفاوضات والزيارات الدولية، يجب أن يخدم مصالح لبنان الوطنية أولاً، وأن يكون من موقع قوة واستقلالية، بحيث يصبح كل تفاعل دولي أداة لتعزيز السيادة، لا لتمرير أجندات خارجية أو تقويض القرار الوطني.
كما أكدت المقاومة على أن الدفاع عن السيادة الوطنية مسؤولية جماعية تشمل جميع اللبنانيين، ليس فقط عبر القوة العسكرية بل أيضًا من خلال المشاركة المدنية، والمطالبة بحقوقهم، والمراقبة المستمرة لمؤسسات الدولة لضمان تطبيق القانون وحماية المصلحة الوطنية.
وشددت على أن استقرار لبنان لا يقتصر على وقف العنف، بل يشمل القدرة على إدارة الأزمات داخليًا، ومنع أي قوى خارجية أو محلية من فرض واقع مفروض على الدولة، وضمان أن تبقى المؤسسات الوطنية فعّالة ومستقلة.
ومن هذا المنطلق، يظهر أن الاستقرار المستدام يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالقوة الداخلية، المؤسسات الوطنية، ووعي المجتمع بحقوقه ومسؤولياته، بحيث تكون الدولة قادرة على حماية نفسها ومواطنيها، والحفاظ على التوازن بين مكونات الوطن، ومواجهة أي تدخل خارجي أو محاولات لإضعاف السيادة.
  ركزت الجبهة اللبنانية على أن أي مسار للاستقرار لا يمكن أن يقوم إلا على استعادة الثقة بين المكونات اللبنانية، بعد سنوات من الانقسامات والصراعات الداخلية التي استغلتها القوى الخارجية لتوسيع نفوذها.
فالاستقرار يتطلب مجتمعًا قادرًا على الحوار والتفاهم، لا مجتمعًا منهكًا بالخوف والشكوك.
رأت المقاومة المسيحية أن قوة الدولة ليست فقط في سلطتها السياسية أو العسكرية، بل في قدرتها على حماية التنوع اللبناني وضمان التعددية بين المكونات.
فغياب هذا التوازن يجعل أي اتفاق أو تسوية هشًا، ويجعل المجتمع عرضة للانفجار عند أدنى تهديد خارجي أو داخلي.
وأكدت الجبهة أن الحوار الداخلي يجب أن يكون قائمًا على قاعدة وطنية راسخة، حيث يُسمع صوت كل مكوّن، ويتم احترام حقوق الجميع، وتكون المصالح الوطنية فوق أي اعتبار آخر.
فهذا النوع من الحوار يحول الاختلاف إلى قوة بنّاءة ويمنع استخدامه كسلاح لفرض الهيمنة أو الوصاية.
كما رأت أن أي تفاعل مع الخارج يجب أن يكون مستندًا إلى شروط واضحة، بحيث تكون الزيارات والمفاوضات الدولية أدوات لتعزيز القرار الوطني وحماية السيادة، وليس وسيلة لفرض أجندات خارجية أو إضعاف موقف الدولة الداخلي.
وشددت المقاومة على أن حماية السيادة تتطلب تكامل كل القوى الوطنية، بحيث يشارك المواطنون في الدفاع عن الدولة وسيادتها، سواء من خلال الدعم المعنوي أو الضغط السياسي أو المشاركة في المؤسسات، ليصبح الاستقرار مشروعًا جماعيًا، لا مجرد هدوء زائف.
كما أكدت الجبهة اللبنانية أن بناء مؤسسات قوية وفعّالة هو الضمان الحقيقي لاستدامة الاستقرار، فالمؤسسات القادرة على فرض القانون وحماية الحقوق تمنع أي ميليشيا أو قوة خارجية من إعادة إنتاج الفوضى، وتحوّل الدولة إلى مرجعية حقيقية للمواطنين.
ومن هذا المنطلق، يظهر أن الاستقرار في لبنان يرتبط مباشرة بالقوة الداخلية، مؤسسات الدولة، ووعي المجتمع بحقوقه، بحيث تكون الدولة قادرة على حماية نفسها، وحفظ سيادتها، وإدارة الخلافات الداخلية بفعالية، بعيدًا عن أي وصاية أو تأثير خارجي، مع ضمان استمرار التوازن بين مكونات الوطن.
  برزت خلال الثمانينيات أهمية استعادة الدولة لسيطرتها على كامل أراضيها، بعد أن فقدت بعض المناطق إلى ميليشيات محلية وتدخلات خارجية.
رأت الجبهة اللبنانية أن قوة الدولة هي الضمان الأول للاستقرار، وأن أي اتفاق سياسي أو تفاوض خارجي يبقى هشًا دون قدرة الدولة على فرض القانون وحماية المواطنين.
اعتبرت المقاومة المسيحية أن تعزيز مؤسسات الدولة يجب أن يشمل كل القطاعات، سواء الأمنية أو الإدارية أو الاقتصادية، بحيث تتمكن الدولة من تقديم الخدمات وحماية الحقوق، ويصبح المجتمع قادرًا على الاعتماد على مؤسسات وطنية مستقرة بدل الفوضى أو التبعية للميليشيات.
كما ركزت الجبهة على أهمية الحوار الداخلي الصادق والمبني على قاعدة وطنية، يضمن تكافؤ القوى واحترام المكونات كافة، ويحول الاختلاف إلى آلية لإنتاج حلول مستدامة، لا إلى ساحة للصراع أو فرض الهيمنة على الآخرين.
رأت أن التعامل مع الخارج يجب أن يكون من موقع قوة، بحيث يتم استثمار الزيارات الدبلوماسية والمفاوضات الدولية لدعم السيادة الوطنية وليس لإدامة تبعية الدولة للضغوط الخارجية، وأن أي دعم يُقدّم يجب أن يكون مرتبطًا بتحقيق أهداف وطنية واضحة.
وأكدت المقاومة على أن حماية السيادة تتطلب مشاركة المواطنين في الدفاع عن الدولة، ليس فقط بالقوة العسكرية بل أيضًا عبر الوعي الوطني والمطالبة بحقوقهم، بحيث يصبح كل لبناني شريكًا في حماية الدولة واستقرارها.
كما شددت الجبهة اللبنانية على أن الاستقرار لا يقتصر على وقف النزاع، بل على بناء قدرة الدولة والمجتمع على إدارة الأزمات داخليًا، بحيث تصبح الدولة قادرة على منع أي تهديدات خارجية أو داخلية من تهديد وحدة الوطن.
وبناءً على ذلك، يصبح الاستقرار المستدام مرتبطًا بوجود دولة قوية، مؤسسات فعّالة، مجتمع واعٍ، وقدرة على الحوار الداخلي المستمر، بحيث يتمكن لبنان من الحفاظ على سيادته وحقوق مكوناته ومواجهة أي تدخل خارجي، مع تعزيز القوة الوطنية كأساس لكل مسار سياسي ناجح.
  ارتكزت الجبهة اللبنانية على فكرة أن بناء لبنان القوي يبدأ من إعادة الثقة بالمؤسسات الوطنية، التي تعرضت خلال الثمانينيات للتهميش والاختراق، سواء من قبل القوى المحلية أو من الوصاية السورية.
فغياب هذه المؤسسات خلق فراغًا استخدمته الأطراف الخارجية للضغط وفرض أجنداتها، ما أدى إلى هشاشة الدولة وتفاقم الانقسامات الداخلية.
رأت المقاومة المسيحية أن أي محاولة لإعادة الاستقرار يجب أن تشمل تقوية الروح الوطنية لدى اللبنانيين، وتعزيز مفهوم الانتماء للوطن بدلاً من الولاءات الفرعية أو الطائفية الضيقة.
فالاستقرار الحقيقي يبدأ من المجتمع الذي يفهم حقوقه وواجباته تجاه الدولة، ويكون قادرًا على المشاركة في حمايتها وصون سيادتها.
أكدت الجبهة أن الحوار الداخلي الفاعل يجب أن يكون مبنيًا على الاعتراف المتبادل بالحقوق، وضمان مشاركة جميع المكونات في صنع القرار، بحيث يتحول الحوار إلى أداة لإعادة التوازن وتصحيح الأخطاء، لا مجرد وسيلة لتسويق واقع مفروض أو لتجميل الخلل السياسي.
ورأت أن أي تعامل مع الخارج يجب أن يخدم مصالح لبنان الوطنية، لا مصالح القوى الأجنبية.
فالزيارات الدبلوماسية والمفاوضات الدولية مفيدة فقط حين تدعم السيادة وتُعزز قدرة الدولة على فرض شروطها، ولا يمكن لها أن تكون بديلًا عن القوة الداخلية أو القرار الوطني المستقل.
كما شددت المقاومة على أن الدفاع عن السيادة هو التزام جماعي يشمل كل المكونات اللبنانية.
فالمقاومة الوطنية ليست مجرد قوة عسكرية، بل هي تعبير عن القدرة على حماية الدولة، وضمان أن أي تسوية سياسية لا تنتقص من حقوق اللبنانيين أو من استقلال قرارهم.
ورأت الجبهة أن استقرار لبنان مرتبط ارتباطًا وثيقًا بوعي المجتمع ودوره في حماية الدولة.
فالمجتمع الواعي يشكل قاعدة ضغط لحماية المؤسسات، ويمنع أي تلاعب خارجي بالقرارات الوطنية، بينما المجتمع المغيب يسهل فرض أجندات خارجية ويزيد الانقسامات الداخلية.
وكانت النتيجة أن أي مشروع لبناني لاستعادة الاستقرار يجب أن يرتكز على قوة الدولة الداخلية، مؤسساتها، ووعي المجتمع، بحيث تكون الدولة قادرة على حماية نفسها ومواطنيها، وصون سيادتها، والحفاظ على التوازن بين مكونات لبنان، بعيدًا عن أي وصاية خارجية أو تأثير غير مشروع.
  ركّزت الجبهة اللبنانية على أن الاستقرار الحقيقي في لبنان لا يمكن أن يُبنى إلا على أساس إرادة وطنية حرة، مؤسسات قوية، وسيادة واضحة، بعيدًا عن أي تدخل أو وصاية خارجية.
فغياب الدولة الفاعلة خلال الثمانينيات سمح للقوى الخارجية والميليشيات بالتمدد، وأضعف قدرة الشعب على حماية حقوقه وممارسة قراره الوطني.
رأت المقاومة المسيحية أن القوة الداخلية ليست مجرد سلاح، بل تشمل قدرة الدولة على فرض القانون، وتنظيم المجتمع، وحماية التعددية اللبنانية.
فبدون مؤسسات قوية وإدارة فعّالة، تصبح أي تسوية خارجية مجرد هدوء زائف مؤقت لا يصنع استقرارًا حقيقيًا.
أكدت الجبهة على أن الحوار الداخلي يجب أن يكون جدّيًا ومتوازنًا، قائمًا على تكافؤ القوى واحترام الإرادة الوطنية، بحيث يعيد بناء الثقة بين المكونات اللبنانية ويصيغ توافقًا على أساس السيادة والمصلحة المشتركة، بعيدًا عن أي هيمنة خارجية أو ضغط مفروض.
رأت أن أي تواصل مع الخارج، بما في ذلك الزيارات والمفاوضات الدولية، يجب أن يكون من موقع قوة واستقلالية، بحيث يصبح أداة لتعزيز القرار الوطني وحماية مصالح لبنان، لا وسيلة لتمرير أجندات خارجية أو شرعنة واقع مفروض.
أشارت الجبهة إلى أن المقاومة الوطنية ليست مجرد قوة دفاعية، بل جزء أساسي من حماية الدولة والحقوق الوطنية، فهي تضمن قدرة لبنان على الحفاظ على حريته وسيادته، وتمنع أي طرف من فرض واقع يتجاوز إرادة الشعب اللبناني.
كما شددت على أن وعي المجتمع اللبناني بأهمية الدفاع عن هويته وسيادته يشكل قاعدة الاستقرار، فالشعب الواعي قادر على حماية مؤسسات الدولة، وتعزيز قوة الدولة الداخلية، وضمان استمرارية القرار الوطني في مواجهة أي تحديات إقليمية أو داخلية.
  ومن هذا المنطلق، اعتبرت الجبهة اللبنانية أن بناء أي استقرار دائم يتطلب استراتيجية شاملة تجمع بين القوة الداخلية، والمؤسسات القوية، والوعي الوطني الجماعي.
فالاستقرار لا يقتصر على وقف العنف أو تهدئة الأوضاع، بل هو قدرة الدولة والمجتمع على حماية الحقوق، وضمان سيادة القرار، وتحقيق توازن حقيقي بين المكونات اللبنانية.
كما شددت المقاومة المسيحية على أن أي تفاوض أو تواصل مع الخارج يجب أن يكون مبنيًا على شروط واضحة تخدم المصلحة الوطنية، ولا تتحول إلى أداة لإضفاء شرعية على واقع مفروض أو لتقييد حرية القرار الداخلي.
فالزيارات والمفاوضات تصبح مفيدة فقط حين تدعم سيادة الدولة وتعزز من قدرة اللبنانيين على حماية مصالحهم.
ورأت الجبهة أن الحوار الداخلي يجب أن يكون جادًا ومتوازنًا، قائمًا على الاعتراف المتبادل بالحقوق، واحترام التعددية، وعدم السماح لأي طرف بفرض هيمنة على الآخرين.
فالحوار الحقيقي هو الذي يعيد بناء الثقة بين المكونات، ويخلق أرضية صلبة لتطبيق القرارات والسياسات الوطنية بشكل متكامل، بعيدًا عن أي تأثير خارجي.
كما أكدت على أن المقاومة الوطنية ليست مجرد قوة دفاعية، بل جزء من منظومة حماية الدولة والمصلحة الوطنية.
فهي تؤمن بأن الحفاظ على الحرية والسيادة والقدرة على الدفاع عن لبنان يشكل العمود الفقري لأي مسار سياسي داخلي، وأن أي تجاهل لهذا الدور يهدد استقرار الدولة ويقوض مشروعها الوطني.
وأخيرًا، رأت الجبهة اللبنانية أن وعي المجتمع اللبناني بأهمية الدفاع عن هويته وسيادته يشكل الأساس لأي استقرار حقيقي.
فالمجتمع الذي يفهم دوره ويشارك في حماية حقوقه وقراره هو المجتمع القادر على بناء دولة قوية ومستقرة، بينما المجتمع المغيب عن وعيه يترك المجال لتراكم الأزمات والانقسامات، ويجعل أي تسوية أو اتفاق هشًا وقابلًا للانهيار مع أدنى تغير في الظروف الداخلية أو الإقليمية.
  ومن هذا المنظور، ركّزت الجبهة اللبنانية على أن بناء الاستقرار في لبنان يرتبط ارتباطًا وثيقًا بإعادة إنتاج الدولة على أسس متينة تضمن تكافؤ المكونات الوطنية، وحماية الحقوق، وتحصين القرار الوطني.
فالاستقرار الذي يُفترض من الخارج أو يُفرض بالقوة لا يمكن أن يصمد أمام أي تقلب إقليمي أو صراع داخلي.
كما رأت المقاومة المسيحية أن أي مسار لإعادة الاستقرار يجب أن يشمل تعزيز قدرات الدولة على فرض القانون وحماية المواطنين، إلى جانب تطوير مؤسسات قادرة على إدارة الصراعات الداخلية بفعالية.
فالسيادة ليست مجرد مفردة دستورية، بل ممارسة يومية تتطلب قوة وإرادة وطنية متماسكة.
وركّزت الجبهة على أهمية أن يكون الحوار الداخلي متجذرًا في إرادة وطنية حرة، بعيدًا عن أي ضغوط أو وصاية خارجية.
فالحوار، حين ينطلق من قاعدة وطنية قوية، يتحول إلى أداة لإعادة بناء الثقة بين المكونات اللبنانية، ويصبح محركًا لتصحيح الخلل السياسي والاجتماعي، لا مجرد وسيلة لتجميل الواقع المفروض.
كما أكدت على أن العلاقات الخارجية يجب أن تُدار من موقع قوة وسيادة، بحيث يصبح كل تفاعل دولي أداة لتعزيز القرار الوطني وحماية المصالح اللبنانية، لا وسيلة لتمرير أجندات خارجية أو شرعنة واقع غير متوازن.
فاللبنانيون وحدهم يملكون الحق في تحديد شروط التعامل مع الخارج بما يحافظ على استقلالهم وقدرتهم على اتخاذ القرار.
وفي هذا السياق، شددت المقاومة على أن وعي الشعب اللبناني بأهمية الدفاع عن هويته وسيادته هو الضامن الحقيقي للاستقرار.
فبدون هذا الوعي، تصبح أي مؤسسات أو اتفاقيات عرضة للانهيار، بينما المجتمع الواعي يشكل قاعدة متينة لحماية الدولة، وتعزيز مؤسساتها، وضمان استمرار لبنان حرًا ومستقلًا في قراراته ومصيره.
  وفي هذا السياق، أصبح جليًا أن أي مسار لبناني نحو الاستقرار لا يمكن أن يُبنى على التفويض الخارجي وحده، بل يتطلب استعادة الإرادة الوطنية وتحصين الدولة من النفوذ الخارجي.
فالسيادة ليست مجرد شعار، بل آلية عملية تتجلى في قدرة الدولة على اتخاذ القرارات المستقلة وحماية حقوق جميع المواطنين، دون تدخل أو وصاية.
كما شددت الجبهة اللبنانية على أن القوة الداخلية ليست محصورة في الجانب العسكري، بل تشمل القوة السياسية والمؤسساتية والثقافية.
فالمؤسسات القوية والقادرة على فرض القانون وحماية الحقوق هي الضامن الأساسي لاستقرار طويل المدى، وهي التي تحول الحوار الداخلي إلى أداة بناء لا مجرد وسيلة لتسويق واقع مفروض.
ورأت المقاومة المسيحية أن أي حوار داخلي لا يقوم على تكافؤ القوى واحترام الإرادة الوطنية يبقى ناقصًا، ويخدم مصالح خارجية أكثر من كونه يصنع استقرارًا حقيقيًا.
الحوار الفاعل هو الذي يعيد بناء الثقة ويصيغ التوافق بين المكونات اللبنانية على أسس السيادة والمصلحة المشتركة، بعيدًا عن الهيمنة أو الإملاءات.
كما اعتبرت أن العلاقات مع الخارج يجب أن تُدار من موقع قوة واستقلالية، بحيث لا تتحول الزيارات والمفاوضات الدولية إلى أداة لإضفاء شرعية على واقع مفروض أو لتقويض موقف الدولة الداخلي.
فاللبنانيون وحدهم من يحددون شروط تعاملهم مع الخارج، ويحولون كل تفاعل دولي إلى أداة لتعزيز القرار الوطني.
كما شددت على أن وعي المجتمع اللبناني بأهمية الدفاع عن هويته وسيادته يشكل حجر الزاوية لأي استقرار دائم.
فالسكوت أو قبول الوصاية يؤدي إلى تراكم الأزمات وزيادة الانقسامات، بينما المجتمع الواعي يشكل قوة ضغط تحمي الدولة وتدعم مؤسساتها وتضمن استمرار حريتها وقدرتها على اتخاذ القرار.
  أكدت الجبهة اللبنانية أن استعادة السيادة اللبنانية لا تتحقق بمجرد توقيع اتفاقات أو تفاهمات خارجية، بل تتطلب بناء دولة قوية قادرة على فرض القانون وحماية حقوق جميع المواطنين.
فالاستقرار الحقيقي هو الذي ينبع من الداخل، من إرادة شعبية حرة ومؤسسات وطنية متينة، وليس من التوازنات الإقليمية أو الرهانات الخارجية.
كما شددت المقاومة المسيحية على أن أي تحرك خارجي يجب أن يُقاس بمدى خدمته للمصلحة الوطنية وليس لمصالح القوى الأجنبية.
فالزيارات الدبلوماسية والتفاهمات الدولية قد توفر هوامش مؤقتة، لكنها لا تصنع دولة، ولا تعيد لللبنانيين قدرتهم على تقرير مصيرهم.
لذلك، يجب أن تكون أي علاقة مع الخارج خاضعة لمبادئ السيادة والقرار الوطني، لا عكس ذلك.
وفي السياق نفسه، رأت الجبهة اللبنانية أن الحوار الداخلي لا يمكن أن يكون مجرد شكل من أشكال التظاهر السياسي، بل يجب أن يكون عملية جدية لإعادة بناء الثقة بين المكونات اللبنانية المختلفة.
ويشترط في هذا الحوار تكافؤ القوى وغياب أي وصاية خارجية، بحيث يصبح أداة لتصحيح الخلل وإعادة إنتاج الاستقرار الحقيقي، لا وسيلة لتسويق واقع مفروض.
كما أكدت على أن المقاومة الوطنية ليست هدفًا بحد ذاته، بل وسيلة لحماية السيادة واستعادة الدولة.
فهي ليست قوة موازية، بل جزء من استراتيجية الدفاع عن لبنان وحق شعبه في تقرير مصيره بحرية.
وأي استهانة بهذا الدور من شأنها أن تضعف الدولة وتعرض الاستقرار للخطر.
وأخيرًا، شددت على أن أي استقرار قائم على القوة الداخلية، السيادة، ووعي المجتمع بحقوقه هو استقرار مستدام.
بينما أي هدوء خارجي أو تسوية مؤقتة بلا هذه الأسس يبقى هشًا ومهددًا بالانهيار.
فلبنان الحر القادر على حماية نفسه هو فقط القادر على تحقيق الاستقرار الحقيقي والدوام في مواجهة أي تحديات داخلية أو إقليمية.
  برزت الحاجة إلى مشروع وطني شامل يعيد تعريف دور الدولة اللبنانية في حماية مواطنيها والحفاظ على سيادتها.
فغياب رؤية واضحة خلال الثمانينيات أدى إلى فراغ مؤسسي وغياب لآليات الردع، ما سمح للقوى الخارجية بالتحكم في مجريات الأمور، وإعادة إنتاج نمط من الفوضى المنظمة وفق مصالحها الخاصة.
كما شددت الجبهة اللبنانية على أن أي مسار لإعادة الاستقرار يجب أن يربط بين القوة العسكرية والسياسية والثقافية.
فالمقاومة لا تقتصر على الدفاع عن الأرض، بل تشمل أيضًا الدفاع عن الحقوق الوطنية، وحماية التعددية اللبنانية، والحفاظ على الهوية التاريخية للبلاد.
أي غياب لهذا التكامل يجعل أي تسوية سطحية ومهددة بالانهيار عند أول اختبار.
ورأت أن أي حوار داخلي لا يصاحبه مشروع لإعادة بناء مؤسسات الدولة يبقى ناقصًا.
فالمؤسسات القوية هي الضامن الأول لنجاح أي اتفاق، لأنها تحمي التوازن بين القوى، وتمنع أي طرف من فرض واقع مغاير للإرادة الوطنية.
ومن دونها، يصبح الحوار مجرد واجهة لإدارة الفوضى وليس لإنتاج استقرار حقيقي.
كما اعتبرت الجبهة أن العلاقات مع الخارج يجب أن تُدار من موقع القوة، لا الحاجة.
فالزيارات والمفاوضات الدولية مفيدة إذا استخدمت لتعزيز السيادة الوطنية، وإلا فإنها تصبح وسيلة لإضفاء شرعية على واقع مفروض، أو لإضعاف الموقف الداخلي.
لذلك، كان التأكيد على استقلالية القرار الوطني شرطًا لا بد منه لأي تعامل مع القوى الكبرى.
وفي الوقت نفسه، شددت المقاومة على أن الاستقرار مرتبط مباشرة بمستوى وعي المجتمع اللبناني، وقدرته على حماية حقوقه والسيطرة على مصيره.
فالسكوت أو قبول الوصاية لا يؤدي إلا إلى تراكم الأزمات وإضعاف الدولة، بينما الوعي الوطني يشكل خط الدفاع الأول لحماية لبنان وحريته.
وبذلك تتضح الصورة: أن أي استقرار حقيقي ينبع من الداخل اللبناني الحر، ويقوم على سيادة الدولة، قوة المؤسسات، ووعي المجتمع بحقوقه، ويستند إلى مقاومة وطنية تحمي الأرض والقرار.
فبدون هذه الركائز، يبقى أي هدوء خارجي هشًا، وأي تسوية زائلة، لا تصنع دولة قادرة على الصمود أمام التحديات الإقليمية أو الداخلية.
  رأت الجبهة اللبنانية أن إعادة بناء الثقة بين المكونات اللبنانية لا يمكن أن تتم إلا عبر احترام كامل للحقوق والامتيازات الوطنية لكل طرف، وضمان دور متوازن للمقاومة كحامي للسيادة وليس كأداة ضغط منفصلة عن الدولة.
أي تجاهل لهذه الحقيقة يؤدي إلى إعادة إنتاج الخلل، مهما كانت الاتفاقيات أو التسويات المعلنة.
كما اعتبرت المقاومة المسيحية أن أي استقرار يفرض بالقوة أو تحت ضغط خارجي يبقى هشًا، مؤقتًا، وقابلًا للانهيار مع أدنى تغير في التوازنات الإقليمية.
لذلك، ركزت على أن الحلول المستدامة يجب أن تُبنى على إرادة شعبية حرة ومؤسسات وطنية قوية قادرة على فرض القانون وحماية الحقوق.
ورأت أن الحوار الداخلي، ليكون فاعلًا، لا يمكن أن يكون شكليًا، بل يجب أن ينطلق من قاعدة وطنية متينة تضمن تكافؤ القوى ورفض أي هيمنة خارجية، بحيث يصبح أداة لإعادة بناء الثقة والمصالح المشتركة بين المكونات، وليس مجرد وسيلة لتسويق واقع مفروض.
كما شددت على أهمية أن يكون أي تفاعل مع الخارج قائمًا على موقف واضح ومستقل، فالزيارات الدبلوماسية والمفاوضات الدولية لا تصنع دولة ولا سيادة إذا لم تكن مدعومة بقوة وطنية داخلية قادرة على فرض شروطها، وحماية لبنان من أي تدخل يهدد استقلال القرار الوطني.
وفي الوقت نفسه، أكدت المقاومة على أن استدامة الاستقرار مرتبطة بوعي المجتمع اللبناني بأهمية الدفاع عن هويته وسيادته، وبالقدرة على مواجهة أي محاولات لتهميش الحقوق أو فرض واقع قسري.
فالتاريخ أثبت أن السكوت أو القبول بالوصاية يؤدي إلى تراكم الأزمات وزيادة الانقسامات.
ومن هنا، يصبح الاستقرار الحقيقي مرتبطًا بإعادة تأسيس الدولة على أسس السيادة، القوة الداخلية، والوعي الوطني الجماعي، بحيث يكون لبنان قادرًا على حماية نفسه، وحفظ حريته، وإعادة إنتاج فرص للحوار والتعاون الداخلي بعيدًا عن أي وصاية أو تأثير خارجي.
  أصبح واضحًا لدى الجبهة اللبنانية أن أي خطة لإعادة الاستقرار يجب أن ترافقها استراتيجية واضحة لتعزيز المؤسسات الوطنية.
فغياب الدولة الفاعلة خلال الثمانينيات سمح للقوى الخارجية والميليشيات بالتمدد، ما أضعف قدرة اللبنانيين على ممارسة سيادتهم.
لذلك، اعتُبرت إعادة بناء المؤسسات شرطًا أساسيًا لكل مسار داخلي أو خارجي يُراد له النجاح.
كما شددت المقاومة المسيحية على أن حماية الاستقرار لا تتحقق إلا من خلال تحصين القرار الوطني.
فالقدرة على الدفاع عن الأرض والسيادة ليست مجرد شعار، بل قاعدة لبناء أي دولة قابلة للصمود.
بدون هذا العمود، تصبح أي تسوية خارجية أو تفاهم مؤقت وسيلة لإدامة الهيمنة، لا لبناء لبنان حر مستقل.
وفي هذا الإطار، ارتفع الاهتمام بمفهوم الحوار الداخلي، شرط أن يكون متوازنًا ومستندًا إلى قاعدة وطنية قوية.
فقد أظهرت تجربة الثمانينيات أن أي حوار يُفرض تحت ضغط الوصاية أو النفوذ الخارجي يفضي إلى شرعنة واقع خاطئ لا إلى حل جذري.
لذلك، كان الحوار وسيلة لإعادة بناء الثقة بين المكونات، وضمان تكافؤ القوى، وليس مجرد واجهة لتسويق الواقع المفروض.
كما ركّزت الجبهة اللبنانية على ضرورة أن يكون الانخراط في الشأن الدولي قائمًا على موقف واضح ومستقل.
فالزيارات والمفاوضات مع دول القرار قد توفر هوامش أو تهدئة مؤقتة، لكنها لا تصنع دولة ولا سيادة.
لذلك، اعتبرت المقاومة المسيحية أن لبنان الحر هو الذي يفرض شروطه ويحوّل كل تفاعل خارجي إلى أداة لتعزيز القرار الوطني، لا للانصياع لمصالح الآخرين.
وفي الوقت نفسه، أكدت هذه القوى على أن الاستقرار مرتبط بوعي الشعب اللبناني بأهمية الدفاع عن هويته وسيادته.
فالسكوت أو القبول بالوصاية يؤدي إلى تراكم المشكلات وإطالة أمد الأزمات.
ولذلك، كان جزء من مشروع الجبهة اللبنانية تثقيف المجتمع حول مفهوم السيادة، وممارسة الضغط لإعادة الدولة إلى واجهة القرار.
لبنان في الثمانينيات علم أن الاستقرار الحقيقي لا يُستمد من الخارج ولا من اتفاقات مؤقتة، بل من بناء داخلي متين قائم على السيادة، والمؤسسات، والمقاومة الوطنية.
أي طريق آخر يظل هشًا ومؤقتًا وقابلًا للانهيار مع أي تغيير في المعادلات الإقليمية أو الدولية، وهو ما يوضح جوهر رؤية الجبهة اللبنانية والمقاومة المسيحية في تلك الحقبة.
  برزت أهمية الحفاظ على هوية لبنان الوطنية كعنصر مكمل لاستراتيجية الاستقرار.
فالقوى المسيحية رأت أن أي مشروع سياسي يتجاهل التنوع اللبناني ويهمل الاعتراف بالمكونات المختلفة لا يمكن أن يحقق استقرارًا حقيقيًا.
من هنا، أصبح الدفاع عن الهوية الوطنية ومبدأ الشراكة بين المكونات شرطًا لبناء أي دولة قادرة على الصمود أمام الضغوط الخارجية.
كما ركّزت الجبهة اللبنانية على أن الحوار الداخلي لا يكتمل إلا إذا كان مبنيًا على الاعتراف بالمقاومة كحق مشروع للدفاع عن السيادة والحرية.
أي محاولة لتهميش المقاومة أو اعتبارها قوة موازية غير شرعية تُلغي من قوة الدولة، بل تزيد الفوضى وتعقّد المشهد السياسي.
لذلك، رأت أن الشرط الأول لأي تفاهم داخلي هو تأمين دور واضح للمقاومة ضمن إطار الدفاع عن الدولة، لا خارجها.
في المقابل، شدّدت هذه القوى على أن الرهان على الخارج لا يمكن أن يكون إلا مصحوبًا بالتمسك بالخطوط الوطنية.
فالزيارات الدبلوماسية والمفاوضات الدولية، مهما كانت ضرورية، تصبح بلا جدوى إذا لم تُدعّم بموقف داخلي قوي يفرض شروطه ويحدد حدوده.
وهكذا، تصبح الدولة، لا الخارج، الفاعل الرئيس في صياغة الحلول.
كما اعتبرت الجبهة اللبنانية أن أي استقرار زائف، قائم على فرض واقع من الخارج، يؤدي إلى مزيد من الاحتقان الداخلي ويؤجل حل الأزمة الحقيقية.
فالهدوء القسري أو التوازنات المؤقتة ليست سوى مراوغات تؤخر انفجار الصراع، لكنها لا تصنع دولة أو مجتمعًا قادرًا على العيش بسلام.
الاستقرار الحقيقي، وفق هذه الرؤية، هو الذي ينبع من توافق داخلي مبني على السيادة والحرية والعدالة.
في نهاية المطاف، أكدت المقاومة المسيحية أن تجربة الثمانينيات أظهرت أن أي دولة قادرة على البقاء والاستقرار يجب أن تقوم على ثلاث ركائز: إرادة وطنية حرة، مؤسسات قوية، وقدرة على الدفاع عن السيادة.
أي نقص في هذه الركائز يجعل الاستقرار هشًا ومؤقتًا، ويضع لبنان في موقف تابع للأطراف الخارجية، غير قادر على حماية حقوقه وقراره.
لبنان، وفق رؤية الجبهة اللبنانية والمقاومة المسيحية، لا يمكن أن ينمو أو يحقق السلام إلا إذا تم تأسيسه على قاعدة وطنية صلبة، تستند إلى السيادة، القوة الداخلية، والوعي الجماعي بحق اللبنانيين في تقرير مصيرهم بعيدًا عن أي وصاية أو هيمنة خارجية.
  أكدت الجبهة اللبنانية أن أي محاولة لإعادة لبنان إلى مسار الاستقرار لا يمكن أن تنجح دون بناء دولة قادرة على فرض القانون وممارسة السيادة على كامل أراضيها.
فغياب الدولة الفعلية خلال الثمانينيات أتاح للقوى الخارجية والميليشيات المحلية أن تملأ الفراغ، ما أضعف قدرة الشعب على تقرير مصيره.
هذا الواقع عزز قناعة المقاومة المسيحية بأن إعادة بناء المؤسسات الوطنية كان شرطًا مسبقًا لأي حوار أو تفاوض.
كما شددت القوى المسيحية على أن أي استقرار يتجاهل المقاومة الشعبية لسيادة لبنان هو استقرار ناقص، هش، وموضع شك دائم.
فالقدرة على الدفاع عن الأرض والقرار الوطني ليست خيارًا تكميليًا، بل أساس لنجاح أي مسار سياسي.
بدون هذا العمود، تصبح أي اتفاقية أو تفاهم خارجي مجرد مسكّن مؤقت، لا أكثر.
في هذا الإطار، برزت مسألة الحوار الداخلي كضرورة حتمية، شرطها أن يكون مبنيًا على قاعدة وطنية قوية تضمن تكافؤ القوى وعدم الهيمنة.
فقد أثبتت تجربة الثمانينيات أن أي حوار يُفرض في ظل وجود وصاية خارجية يفضي إلى شرعنة واقع خاطئ لا إلى حل جذري.
من هنا، أصبح الحوار وسيلة لحماية السيادة وإعادة بناء الثقة بين المكونات، لا مجرد واجهة شكلية.
كما رأت الجبهة اللبنانية أن الانخراط في المسار الدولي يجب أن يكون قائمًا على موقف واضح ومستقل.
فالزيارات والمفاوضات مع دول القرار قد توفر دعمًا أو تهدئة، لكنها لن تصنع دولة ولا سيادة.
لذلك، رأت المقاومة المسيحية أن لبنان الحر هو الذي يفرض شروطه، ويحول كل تفاعل خارجي إلى أداة لتعزيز القرار الوطني، لا للانصياع لمصالح الآخرين.
في الوقت نفسه، أكدت هذه القوى على أن أي استقرار مستدام مرتبط بوعي الشعب اللبناني بأهمية الدفاع عن هويته وسيادته.
فالتاريخ أثبت أن السكوت أو القبول بالوصاية يؤدي إلى تراكم المشكلات وإطالة أمد الأزمات.
ولذلك، كان جزء من مشروع الجبهة اللبنانية تثقيف المجتمع حول مفهوم السيادة، وممارسة الضغط لإعادة الدولة إلى واجهة القرار.
لبنان في الثمانينيات علم أن الاستقرار الحقيقي لا يُستمد من الخارج ولا من اتفاقات مؤقتة، بل من بناء داخلي متين قائم على السيادة، والمؤسسات، والمقاومة الوطنية.
أي طريق آخر يظل هشًا، مؤقتًا، وقابلًا للانهيار مع أي تغيير في المعادلات الإقليمية أو الدولية، وهو ما يوضح جوهر رؤية الجبهة اللبنانية والمقاومة المسيحية في تلك الحقبة.
  ركّزت الجبهة اللبنانية على أن إعادة بناء لبنان لا يمكن أن تتحقق إلا عبر التمسك بالخطوط الوطنية الأساسية، وعدم التنازل عن أي جزء من السيادة مهما كانت الضغوط أو الإغراءات.
فالاستقرار الحقيقي، في نظرها، لا يقوم على التسويات المؤقتة أو التوازنات المفروضة، بل على إرادة وطنية واضحة قادرة على حماية الأرض والقرار والحقوق.
كما شددت المقاومة المسيحية على أن الحوار الداخلي يجب أن يكون مبنيًا على شروط واضحة: الاعتراف المتبادل بالحقوق، احترام التعددية، ورفض أي تدخل خارجي يختزل الدولة إلى أداة لمصالح أخرى.
هذا الفهم جعل من الحوار أداة دفاع عن الدولة، لا مجرد مسرحية سياسية لتسويق واقعة الواقع المفروض.
فالحوار، حين ينطلق من هذه الشروط، يصبح وسيلة لبناء الثقة وإعادة الاعتبار للمؤسسات.
في المقابل، اعتبرت الجبهة أن أي شكل من أشكال الاعتماد على الخارج يجب أن يكون محدودًا ومراقبًا.
فالزيارات والمفاوضات قد توفر هوامش أو تهدئة مؤقتة، لكنها لا تنتج سيادة أو استقرارًا دائمًا.
لذلك، ركّزت على أن لبنان الحر هو الذي يفرض شروطه في الخارج لا الذي يُفرض عليه، وأن أي تسوية خارجية بلا أساس داخلي صلب هي مجرد مراهنة على وهم الاستقرار.
كما أن هذه الرؤية أعادت الاعتبار لمفهوم المقاومة، ليس بوصفه سلاحًا أو قوة عسكرية فحسب، بل كأداة لحماية الهوية الوطنية والسيادة.
فالمقاومة، وفق هذه الفلسفة، واجب وطني لحماية ما تبقى من حرية القرار، ومنع أي جهة من فرض واقع يخالف إرادة اللبنانيين.
وهي بذلك تصبح جزءًا من مشروع الدولة لا بديلًا عنها، ومؤشرًا على جدية الدولة في الدفاع عن سيادتها.
الدرس الأكبر من الثمانينيات هو أن الاستقرار الحقيقي لا يُستورد ولا يُفرض، بل يُبنى على ثلاثة أعمدة مترابطة: قوة وطنية حقيقية، مؤسسات سيادية، وإرادة حرة للشعب اللبناني.
أي مسار خارج هذه الأسس سيظل هشًا، مؤقتًا، وقابلًا للانهيار، مهما بدا ناجحًا على المستوى الخارجي.
هذا الإدراك شكّل قاعدة استراتيجية للجبهة اللبنانية والمقاومة المسيحية، وأساسًا لكل مشاريعهم السياسية لاحقًا.
  أصبح واضحًا أن أي مسار لاستقرار لبنان يجب أن ينطلق من إعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز شرعيتها.
فغياب مؤسسات قادرة على ضبط النفوذ الخارجي وفرض القانون أدى إلى انفراط عقد الدولة وتفاقم الفوضى.
المقاومة المسيحية رأت أن القوة الشرعية لا تُستعاد إلا عبر إرادة وطنية واضحة، قادرة على حماية الكيان ومنع أي طرف من تحويله إلى ساحة صراع بالوكالة.
كما شددت الجبهة اللبنانية على أن أي تدخل خارجي، مهما بدا مدنيًا أو دبلوماسيًا، لا يمكن أن يكون فعالًا إلا إذا جاء داعمًا لمشروع سيادي داخلي.
فالتحركات الخارجية التي لا ترتبط بخارطة طريق وطنية تصبح أدوات لإدامة النفوذ المهيمن، ولا تتيح فرصة حقيقية لإعادة التوازن الداخلي.
لذلك، كان شرط أي حوار أو تفاوض دولي أن يكون تابعًا، لا أن يكون بديلاً، عن الإرادة الوطنية.
في هذا السياق، تم تأكيد أولوية الدفاع عن السيادة في كل معادلة لبنانية.
فالاستقرار الزائف، الذي يُفرض بالقوة أو بالتهديد، لا ينتج سوى ركود مؤقت وحساسية عالية لأي تغيير في البيئة الإقليمية.
وعليه، ركّزت المقاومة المسيحية على بناء قوة داخلية متماسكة، تستطيع التفاوض من موقع الندّية، لا من موقع الحاجة أو التبعية، لتكون أي تسوية حقيقية قائمة على أساسها.
كما اعتبرت الجبهة اللبنانية أن استعادة السيادة والقرار الوطني ليست فقط مسألة سياسية أو عسكرية، بل أيضًا ثقافية وفكرية.
فوعي المجتمع اللبناني بأهمية الحرية والسيادة والتعددية كان وما يزال شرطًا لإنتاج استقرار مستدام.
وأي محاولة لتهميش هذا الوعي أو تقويضه عبر سياسات خارجية أو محلية مضللة تقوّض كل جهود بناء الدولة.
تتضح الفكرة الجوهرية أن الاستقرار الحقيقي في لبنان لا يمكن أن يُستورد أو يُفرض، بل يُبنى على أسس وطنية متينة: سيادة حقيقية، مؤسسات قادرة، إرادة شعبية حرة، وحوار داخلي متوازن.
وتجربة الثمانينيات، برؤية الجبهة اللبنانية والمقاومة المسيحية، تؤكد أن أي طريق آخر يقود إلى استقرار هش، ينهار مع أول أزمة إقليمية أو داخلية، ولا يضمن للبنان حريته أو مستقبله.
  تبلورت لدى الجبهة اللبنانية قناعة راسخة بأن الاستقرار في لبنان لا يمكن فصله عن مسألة الشرعية.
فالشرعية، في معناها العميق، ليست مجرد اعتراف دولي أو غطاء سياسي، بل تعبير عن إرادة شعبية حرة قادرة على إنتاج سلطة تمثيلية.
في الثمانينيات، كانت هذه الشرعية مغيّبة أو مصادرة، ما جعل أي حديث عن استقرار مجرّد توصيف لحالة ركود قسري لا أكثر.
في هذا السياق، رأت المقاومة المسيحية أن أخطر ما أفرزته الوصاية السورية هو ضرب مفهوم المحاسبة.
فالسلطة التي لا تنبثق من إرادة اللبنانيين لا تشعر بأنها ملزمة تجاههم، بل تجاه الجهة التي تحميها وتمنحها الغطاء.
هذا الخلل البنيوي حوّل الدولة إلى أداة ضبط، لا إلى إطار خدمة، وأفقد المواطن ثقته بإمكانية التغيير عبر الوسائل السياسية الطبيعية.
كما اعتبرت هذه القوى أن تغييب الحرية السياسية كان له أثر تراكمي بالغ الخطورة.
فحين يُقمع الرأي المعارض، وتُختزل السياسة في خطوط حمراء مرسومة خارجيًا، تُقتل الحياة العامة، ويُدفع المجتمع إمّا إلى الصمت وإمّا إلى الانفجار.
من هنا، لم يكن القمع ضمانة للاستقرار، بل وصفة مؤجلة للفوضى، حتى وإن طال أمد الصمت.
في المقابل، شدّد خطاب الجبهة اللبنانية على أن التجربة اللبنانية أثبتت أن التعددية ليست مشكلة بحد ذاتها، بل تتحول إلى مشكلة عندما تُدار بالقوة لا بالشراكة.
فلبنان، بطبيعته، بلد توازنات دقيقة، وأي محاولة لإلغاء مكوّن أو إخضاعه تؤدي حتمًا إلى خلل عام.
لذلك، كان الدفاع عن التعددية جزءًا لا يتجزأ من الدفاع عن السيادة، لا نقيضًا لها.
هذا الفهم قاد إلى رفض أي صيغة استقرار تقوم على منطق الغالب والمغلوب.
فالتجارب التي حاولت فرض “سلام المنتصر” في لبنان فشلت جميعها، لأنها تجاهلت طبيعة المجتمع اللبناني المركّبة.
السلام الحقيقي، كما رأت المقاومة المسيحية، لا يُبنى على الإخضاع، بل على الاعتراف المتبادل، ولا يُفرض بالقوة، بل يُصاغ بالتوافق الحر.
في هذا الإطار، برزت مسألة الذاكرة الوطنية كعنصر أساسي في بناء الاستقرار.
فطمس التجربة، أو إعادة كتابتها وفق رواية المنتصر، لا يداوي الجراح، بل يفاقمها.
من هنا، اعتبرت الجبهة اللبنانية أن المصالحة الحقيقية لا تقوم على النسيان القسري، بل على الاعتراف بالمسؤوليات، واحترام تضحيات من دافعوا عن فكرة لبنان الحر، مهما حاولت بعض القوى تشويه هذه التضحيات أو اختزالها.
الاستقرار في لبنان، كما أظهرته تجربة الثمانينيات، ليس مسألة أمنية ولا نتيجة تفاهمات فوقية، بل مسار طويل يبدأ بإعادة الاعتبار للحرية والشرعية والتوازن.
من دون هذه الركائز، يبقى أي هدوء هشًا، وأي تسوية مؤقتة، وأي دولة مشروعًا معلقًا على إرادة الخارج لا على قناعة الداخل.
  تناولت الجبهة اللبنانية مسألة التفاوض الأميركي–السوري بقدر كبير من الريبة السياسية.
فمن وجهة نظرها، لم يكن هذا التفاوض يومًا مخصصًا لإنقاذ لبنان، بل لاستخدامه كورقة في بازار إقليمي أوسع.
فلبنان، في هذه المقاربة، لم يكن طرفًا على طاولة التفاوض، بل بندًا ثانويًا يُبحث حين تقتضي مصلحة الطرفين ذلك، ويُهمَل حين تتقدّم أولويات أخرى.
رأت هذه القوى أن التفاهم الأميركي–السوري في الثمانينيات أدّى عمليًا إلى منح دمشق تفويضًا غير معلن بإدارة الملف اللبناني أمنيًا وسياسيًا.
هذا التفويض، الذي قُدّم تحت عنوان الاستقرار ومنع الانفجار، شكّل في الواقع غطاءً لاستمرار الوصاية وتعميقها.
فكلما اشتد القمع أو تراجعت الحريات، كان الجواب الجاهز أن البديل هو الفوضى، وكأن الحرية والاستقرار نقيضان لا يجتمعان.
من هذا المنطلق، اعتبرت المقاومة المسيحية أن خفض التصعيد الناتج عن هذا التفاهم لم يكن سوى إعادة تنظيم للصراع، لا إنهاءً له.
فالتوتر كان يُضبط، لكن أسبابه الجذرية تُترك من دون معالجة.
الدولة لم تُستعد، والمؤسسات لم تُرمَّم، والسيادة لم تُعاد.
وبذلك، تحوّل لبنان إلى ساحة هادئة ظاهريًا، لكنها مشحونة بعوامل الانفجار المؤجّل.
كما رأت الجبهة اللبنانية أن هذا النوع من التفاهمات عزّز منطق الإفلات من المحاسبة.
فحين تُدار الأزمات عبر قنوات خارجية مغلقة، يُقصى الشعب عن القرار، وتُهمَّش القوى السيادية، ويُكافأ من يملك القدرة على فرض الأمر الواقع.
هذا المنطق، في نظرها، لا يبني سلامًا، بل يرسّخ ثقافة القوة ويقوّض أي أمل بدولة القانون.
الأخطر من ذلك، وفق هذا التصور، أن التفاوض الأميركي–السوري ساهم في إعادة تعريف المشكلة اللبنانية بطريقة مقلوبة.
فبدل أن تكون المشكلة هي غياب الدولة والاحتلالات والوصاية، جرى تصوير المشكلة على أنها تعدّد القوى الرافضة للأمر الواقع.
هكذا، أصبح الاعتراض على الوصاية يُقدَّم كتهديد للاستقرار، فيما تُقدَّم الوصاية نفسها كحلّ اضطراري.
هذا الواقع دفع قوى الجبهة اللبنانية إلى التشديد على أن أي استقرار لا يقوم على العدالة والسيادة هو استقرار زائف.
فالسلام الذي يُبنى على الإكراه لا يصمد، والتسويات التي تُفرض من فوق رؤوس اللبنانيين لا تخلق ولاءً وطنيًا، بل تراكم نقمة صامتة.
وتجربة الثمانينيات، في نظرها، كانت دليلًا حيًا على هذه الحقيقة.
التفاوض الخارجي قد يخفّف حدّة الصراع، لكنه لا يعالج جوهر الأزمة اللبنانية.
بل قد يتحوّل، إذا أسيء استخدامه، إلى أداة لتكريس الوصاية وإدامة الخلل.
لذلك، فإن أي مسار يُراد له أن يخدم الاستقرار الحقيقي يجب أن ينطلق من الداخل اللبناني الحر، لا من تفاهمات تُعقد باسم لبنان ومن دونه.
  برزت مسألة الزيارات الخارجية للمسؤولين اللبنانيين بوصفها ساحة اختبار إضافية لمفهوم السيادة.
من منظور الجبهة اللبنانية، لم تكن المشكلة في مبدأ التواصل مع دول القرار، بل في طبيعة هذا التواصل ووظيفته.
فحين تُستخدم الزيارات لتكريس وصاية قائمة أو لطلب تثبيت ميزان قوى مختل، تتحول من أداة ديبلوماسية إلى اعتراف ضمني بفقدان القرار الوطني.
خلال الثمانينيات، لاحظت هذه القوى أن كثيرًا من التحركات الخارجية لم تكن تعبّر عن موقف لبناني جامع، بل عن اصطفافات داخلية متناقضة.
كل فريق كان يحمل روايته الخاصة إلى الخارج، طالبًا دعمًا يعزّز موقعه في الصراع الداخلي.
هذا السلوك، في نظر المقاومة المسيحية، لم يضعف الدولة فحسب، بل شرعن التدخل الخارجي، وحوّل لبنان إلى ساحة مفتوحة أمام التأثيرات المتعارضة.
كما رأت الجبهة اللبنانية أن العواصم الكبرى لم تتعامل مع لبنان كدولة ذات سيادة كاملة، بل كملف أمني قابل للإدارة.
لذلك، كانت الزيارات الخارجية تُقابل غالبًا بوعود عامة، أو بتفاهمات غير مكتوبة، تُعطي أولوية للاستقرار الظاهري على حساب العدالة السياسية.
هذا الواقع عزّز الشك العميق في جدوى الرهان على الخارج بوصفه ضامنًا لحرية لبنان.
في المقابل، شدّد هذا التيار على أن الديبلوماسية الحقيقية تبدأ من وحدة الموقف الداخلي.
فالدولة التي لا تعرف ماذا تريد، لا يمكنها أن تفرض رؤيتها على الآخرين.
من هنا، اعتُبرت الزيارات الخارجية، في غياب مشروع وطني واضح، مجرّد جولات شكلية لا تغيّر في جوهر الأزمة، بل قد تُستخدم لتلميع صورة واقع مختلّ بدل تصحيحه.
هذا النقد لم يكن موجّهًا ضد الانفتاح الدولي بحد ذاته، بل ضد تحويله إلى بديل عن النضال السيادي الداخلي.
فالمقاومة المسيحية رأت أن التحرر لا يُمنح، بل يُنتزع، وأن الخارج لا يحترم إلا من يحترم نفسه ويفرض قضيته بوضوح.
لذلك، كان التركيز دائمًا على أولوية بناء القوة الداخلية السياسية والمؤسساتية قبل طلب الدعم الخارجي.
في هذا السياق، تبلورت قناعة مفادها أن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يكون نتاج حركة ديبلوماسية معزولة عن الواقع الداخلي.
فالزيارات قد تُخفّف ضغوطًا أو تفتح قنوات، لكنها لا تبني دولة ولا تُعيد سيادة.
بل إن الإفراط في التعويل عليها قد يؤدّي إلى عكس المطلوب، عبر تعميق الارتهان وتهميش الداخل أكثر فأكثر.
تجربة الثمانينيات أثبتت محدودية المسار الخارجي حين ينفصل عن مشروع وطني سيادي واضح.
فلبنان، من منظور الجبهة اللبنانية والمقاومة المسيحية، لا يستقر بالوساطات وحدها، بل بإعادة تكوين ذاته كدولة حرة قادرة على مخاطبة الخارج من موقع الندّية، لا من موقع الحاجة أو الخضوع.
  أعادت قوى الجبهة اللبنانية تعريف مفهوم الحوار الداخلي بعيدًا عن الصيغ التقليدية التي طُرحت خلال الثمانينيات.
فالحوار، كما تراه، لا يمكن أن يكون مجرد اجتماع شكلي بين ممثلين عن قوى واقعة تحت الضغط أو الإكراه، بل مسارًا سياديًا يسبقُه تحرير الإرادة الوطنية.
من دون ذلك، يصبح الحوار أداة ضبط لا أداة حل، ومساحة لتدوير الزوايا لا لإعادة بناء الكيان.
هذا الفهم جعل المقاومة المسيحية تتعامل بحذر شديد مع كل المبادرات الحوارية التي جرت برعاية إقليمية أو دولية.
فقد رأت فيها محاولة لشرعنة ميزان قوى مختل، وإضفاء طابع توافقي على وقائع مفروضة.
لذلك، كان الاعتراض لا على مبدأ الحوار بحد ذاته، بل على شروطه وسياقه وأهدافه، إذ لا معنى لحوار لا يعالج أصل المشكلة المتمثلة بمصادرة القرار اللبناني.
في المقابل، شدّد هذا التيار على أن الحوار الحقيقي يبدأ من الاعتراف المتبادل بلبنان كوطن نهائي، حر، مستقل، متعدّد، لا كساحة ولا كرسالة مؤجلة ولا كخط تماس.
هذا الاعتراف، في نظره، كان الغائب الأكبر في الثمانينيات، حيث تعاملت قوى داخلية وخارجية مع لبنان كأداة أو مرحلة انتقالية في مشاريع أوسع، ما جعل أي تسوية داخلية هشّة وقابلة للانهيار.
من هنا، برزت فكرة النأي بلبنان عن الصراعات الإقليمية كخيار استراتيجي، لا كشعار ظرفي.
ورغم أن هذا المفهوم لم يكن مطروحًا بصيغته المكتملة في تلك المرحلة، إلا أن جذوره الفكرية كانت حاضرة في خطاب الجبهة اللبنانية، التي رأت أن تورّط لبنان في صراعات لا قدرة له على تحمّلها هو أحد أسباب انهياره.
فلبنان، بتركيبته الدقيقة، لا يحتمل أن يكون جزءًا من محاور صدامية مفتوحة.
غير أن هذا الطرح اصطدم بواقع السلاح غير الشرعي وتعدّد الولاءات، ما جعل تطبيقه شبه مستحيل في ظل غياب الدولة.
وهنا يتكرّس التناقض الأساسي: لا حياد من دون دولة قوية، ولا دولة قوية من دون قرار سيادي مستقل.
هذا التناقض شكّل جوهر المأزق اللبناني في الثمانينيات، وأحد أسباب استمرار الأزمة حتى بعد توقف المعارك الكبرى.
في هذا السياق، يُفهم موقف الجبهة اللبنانية الرافض لأي استقرار شكلي يقوم على القبول بالأمر الواقع.
فالاستقرار، كما تراه، ليس غاية بحد ذاته إذا كان ثمنه التخلي عن الحرية والسيادة.
تجربة الثمانينيات أثبتت أن التنازل عن المبادئ التأسيسية للدولة لا يحمي السلم الأهلي، بل يؤجل انفجاره، ويجعله أكثر عنفًا حين يقع.
الطريق إلى الاستقرار في لبنان لا يمر عبر التسويات المفروضة ولا عبر تفاهمات الخارج، بل عبر إعادة بناء عقد وطني جديد يقوم على الشراكة الفعلية، والحياد الواعي، والقرار الحر.
هذه الخلاصة، المستقاة من تجربة المواجهة مع الوصاية السورية، لا تُختزل في موقف سياسي آني، بل تشكّل رؤية طويلة الأمد لدولة لم تولد بعد، لكنها كانت، ولا تزال، ممكنة إذا ما توفرت الإرادة.
  اعتبرت قوى الجبهة اللبنانية أن أي حديث عن حوار داخلي في ظل الوجود السوري هو حوار مختلّ الشروط سلفًا.
فالحوار، كي يكون منتجًا، يفترض حدًّا أدنى من الحرية وتكافؤ الأطراف، وهو ما كان غائبًا بالكامل في ظل ميزان قوى مفروض بالقوة العسكرية والأمنية.
لذلك رأت هذه القوى أن الدعوات المتكررة إلى التسوية لم تكن سوى محاولات لتكريس الأمر الواقع، لا لتجاوزه.
من هذا المنطلق، رفضت المقاومة المسيحية مقولة أن سوريا كانت عامل توازن بين اللبنانيين.
في قراءتها، لم يكن هناك توازن، بل كسر ممنهج لطرف لمصلحة آخر، ما أدّى إلى اختلال عميق في الصيغة اللبنانية.
هذا الاختلال لم يُضعف فريقًا بعينه فحسب، بل ضرب فكرة الشراكة التي قام عليها لبنان، وحوّل النظام السياسي إلى واجهة شكلية تخفي خلفها سلطة فعلية غير لبنانية.
كما رأت هذه القوى أن الهدوء الذي فرضته الوصاية السورية لم يكن استقرارًا، بل صمتًا قسريًا.
فالاستقرار الحقيقي، في نظرها، لا يقوم على القمع ولا على إسكات الأصوات المعارضة، بل على التفاهم الحر بين مكوّنات الوطن.
أما الهدوء الناتج عن الخوف، فهو مؤقت بطبيعته، ينهار عند أول تصدع في ميزان القوى الإقليمي، وهو ما أثبتته التجارب اللاحقة.
في المقابل، شدّد خطاب الجبهة اللبنانية على أن المقاومة المسيحية لم تكن مشروع حرب دائمة، بل مشروع بقاء.
فهي لم تسعَ إلى إلغاء الآخرين، بل إلى منع إلغائها.
هذا التمييز كان أساسيًا في سرديتها السياسية، إذ قدّمت نفسها كقوة تدافع عن التعددية اللبنانية في وجه مشروع أحادي يسعى إلى إخضاع البلاد لمنطق المحور الواحد، سواء تحت عناوين قومية أو أمنية.
في هذا السياق، اكتسبت العلاقة مع الغرب، ولا سيما الولايات المتحدة وفرنسا، بعدًا مختلفًا.
لم تُقدَّم هذه العلاقة كبديل عن القرار الوطني، بل كوسيلة ضغط لكسر الاحتكار السوري للملف اللبناني.
غير أن التجربة أثبتت، في نظر هذه القوى، أن الرهان على الخارج يبقى محدود الفعالية، إذ سرعان ما كانت المصالح الكبرى تتقدّم على المبادئ، ويُترك لبنان مرة أخرى وحيدًا في مواجهة واقعه.
هذا الإدراك عزّز قناعة مفادها أن المعركة الأساسية ليست فقط مع الوصاية السورية، بل مع منطق إدارة لبنان من الخارج أيًا يكن هذا الخارج.
فالوصاية السورية كانت النموذج الأكثر فجاجة، لكنها ليست الخطر الوحيد.
الخطر الحقيقي، كما رآه هذا التيار، هو قبول اللبنانيين بأن يكونوا مجرّد أوراق تفاوض، لا أصحاب قضية وقرار.
الاستقرار الذي يُفرض بالقوة ليس استقرارًا، والسيادة المجتزأة ليست سيادة.
تجربة الثمانينيات، من منظور الجبهة اللبنانية والمقاومة المسيحية، تثبت أن أي مسار لا ينطلق من استعادة الحرية الوطنية الكاملة محكوم بالفشل، مهما طال أمده أو بدا متماسكًا.
وهذه القناعة ستشكّل الخلفية الفكرية لمقاربة الحوار الداخلي، وللسؤال الجوهري الذي سيُطرح لاحقًا: كيف يمكن بناء دولة في ظل ذاكرة الوصاية والخوف؟   في الوعي السياسي للقوى المسيحية المنضوية في إطار الجبهة اللبنانية، لم يكن الوجود السوري في الثمانينيات عامل استقرار كما جرى تسويقه، بل كان امتدادًا مباشرًا لأزمة السيادة اللبنانية.
فالدخول السوري، الذي بدأ تحت عناوين عربية وتهدويّة، تحوّل تدريجيًا إلى نظام هيمنة يقيّد القرار الوطني ويصادر حق اللبنانيين في تقرير مصيرهم.
من هذا المنطلق، رأت هذه القوى أن المشكلة لم تكن في الفوضى وحدها، بل في الجهة التي تديرها وتستثمر فيها.
اعتبرت الجبهة اللبنانية أن سوريا لم تتدخل لحماية لبنان، بل لإعادة ضبطه وفق مصالحها الاستراتيجية.
فبدل أن تكون وسيطًا بين اللبنانيين، نصّبت نفسها حكمًا وخصمًا في آن واحد، مستخدمة أدوات عسكرية وأمنية وسياسية لفرض وقائع جديدة.
هذا السلوك، في نظر المقاومة المسيحية، لم يؤدِّ إلى إنهاء الحرب، بل إلى إطالتها عبر كسر التوازن الداخلي لمصلحة محور واحد، وإلغاء مبدأ الشراكة الوطنية.
من زاوية هذه الرؤية، لم يكن الصدام مع سوريا خيارًا أيديولوجيًا أو انفعاليًا، بل نتيجة طبيعية لمحاولة الدفاع عن الكيان اللبناني الحر.
فالمقاومة المسيحية رأت نفسها في موقع الدفاع الأخير عن فكرة لبنان المستقل، في وجه مشروع إقليمي يسعى إلى تحويله ساحة تابعة أو ورقة تفاوض.
لذلك، اكتسب الصراع بعدًا وجوديًا، حيث لم يعد الخلاف سياسيًا فقط، بل مرتبطًا بمصير الكيان ودوره.
في هذا السياق، اكتسب مفهوم المقاومة معنى مختلفًا عن السائد في الخطاب الإقليمي.
لم تكن مقاومة احتلال خارجي مباشر فحسب، بل مقاومة وصاية مقنّعة تتسلل عبر الشعارات القومية والتحالفات المرحلية.
هذه المقاومة، كما رآها خطاب الجبهة اللبنانية، لم تكن عدوانية، بل دفاعية، هدفها منع ذوبان لبنان في مشاريع لا تشبهه ولا تعبّر عن تاريخه التعددي.
الانتقاد الأساسي الذي وجّهته هذه القوى للمسار السوري تمثّل في إلغائه مبدأ الدولة.
فبدل دعم المؤسسات الشرعية، جرى تفريغها من مضمونها، وتحويلها إلى أدوات شكلية تخدم واقع السيطرة.
هذا النهج عمّق الانقسام الداخلي، وأفقد اللبنانيين الثقة بإمكانية قيام دولة عادلة، ما دفع كل طرف إلى الاحتماء بخياراته القصوى، بدل البحث عن تسوية وطنية متوازنة.
كما رأت الجبهة اللبنانية أن التفاهمات الدولية التي منحت سوريا دورًا مرجعيًا في لبنان لم تكن بريئة، بل جاءت على حساب سيادة لبنان.
فالسكوت الأميركي والغربي عن الممارسات السورية لم يكن اعترافًا بشرعيتها، بل تعبيرًا عن أولوية الاستقرار الأمني على حساب الحرية السياسية.
هذا الواقع عزّز قناعة القوى المسيحية بأن الخارج لا يحمي لبنان إلا بقدر ما يخدم مصالحه، وأن الرهان عليه رهان خاسر.
لا استقرارًا حقيقيًا في لبنان من دون إنهاء الوصاية السورية، ولا دولة من دون استعادة القرار الوطني الحر.
هذا الموقف، الذي شكّل جوهر خطاب الجبهة اللبنانية والمقاومة المسيحية في الثمانينيات، لم يكن مجرّد رد فعل على ظرف طارئ، بل رؤية متكاملة تعتبر أن السيادة ليست تفصيلًا، بل الشرط الأول لأي حوار داخلي وأي تسوية قابلة للحياة.
  مع تفاقم التفكك الداخلي، دخل لبنان في الثمانينيات مرحلة جديدة عنوانها تحويل الأزمة الوطنية إلى وظيفة إقليمية.
لم يعد الصراع اللبناني يُقرأ بمعزل عن محيطه، بل أُعيد تعريفه كجزء من توازنات أوسع تتجاوز قدرته على الاحتمال أو التأثير.
في هذا السياق، بدأ لبنان يفقد ليس فقط سيادته، بل أيضًا حقه في تحديد أولويات أزمته، إذ باتت الأولويات تُستمد من حسابات الخارج لا من حاجات الداخل.
أخذ الدور السوري يتبلور بوصفه العامل الأكثر حضورًا وتأثيرًا.
لم يكن هذا الدور وليد لحظة عسكرية فقط، بل نتيجة مسار سياسي طويل استثمر في الفراغ اللبناني.
سوريا تعاملت مع لبنان باعتباره امتدادًا لأمنها القومي، وساحة ضرورية لضبط التهديدات، سواء تلك المرتبطة بإسرائيل أو بالتوازنات العربية.
هذا المنطق جعل الوجود السوري يبدو في نظر البعض ضمانة للاستقرار، وفي نظر آخرين تكريسًا للوصاية.
في المقابل، لم تكن الولايات المتحدة غائبة عن المشهد، لكنها تعاملت مع لبنان من زاوية مختلفة.
الأولوية الأميركية لم تكن إعادة بناء الدولة، بل منع الانزلاق إلى فوضى إقليمية أوسع، وحماية مصالحها وحلفائها.
لذلك، كانت مقاربتها تقوم على إدارة الصراع لا حلّه، وعلى استخدام القنوات الدبلوماسية والأمنية للضغط حينًا والتساهل حينًا آخر، وفقًا لتطورات المنطقة.
إسرائيل بدورها دخلت الثمانينيات وهي ترى في لبنان جبهة مفتوحة ومصدر تهديد دائم.
هذا التصور قاد إلى سياسات تصعيدية بلغت ذروتها في الاجتياحات والاحتلالات المتكررة.
التدخل الإسرائيلي لم يكن عسكريًا فحسب، بل سياسيًا أيضًا، إذ سعى إلى إعادة تشكيل الواقع اللبناني بما يضمن أمنه، من دون اعتبار لتداعيات ذلك على وحدة البلاد أو استقرارها الداخلي.
هذا التزاحم الإقليمي والدولي على الساحة اللبنانية حوّلها إلى مساحة تجريب للسياسات، حيث تُختبر الخطوط الحمراء وتُعاد صياغة قواعد الاشتباك.
لبنان لم يعد طرفًا يُفاوض، بل ساحة يُتفاوض عليها.
ومع كل تفاهم أو تصعيد، كان الداخل اللبناني يدفع الثمن، إما على شكل هدوء قسري، أو انفجار جديد يعيد خلط الأوراق.
في ظل هذه المعادلة، تراجعت قيمة المبادرات الداخلية مهما بلغت أهميتها.
أي حوار لبناني كان يصطدم سريعًا بسقف الخارج، وأي محاولة لتسوية وطنية كانت تُقاس بمدى انسجامها مع التوازنات الإقليمية.
وهكذا، تحوّل الحوار من أداة لبناء الدولة إلى أداة لشراء الوقت، بانتظار نضوج تسوية خارجية.
يصبح السؤال مشروعًا: هل يمكن لمسار كهذا أن ينتج دولة قابلة للحياة؟ أم أنه يكرّس نموذجًا مؤقتًا يُعيد إنتاج الأزمة بصيغ مختلفة؟ هذه الأسئلة سترافق الفصول التالية، مع التعمّق في طبيعة التفاوض الدولي وتأثيره على الداخل اللبناني.
  مع الدخول الفعلي إلى عقد الثمانينيات، لم يكن لبنان ينتقل من مرحلة إلى أخرى بقدر ما كان يغوص أعمق في مسار الانهيار الشامل.
الحرب لم تعد حدثًا طارئًا، بل أصبحت الإطار الناظم للحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
في هذا المناخ، تآكلت فكرة الدولة بوصفها مرجعية جامعة، وحلّ مكانها منطق الجماعات، حيث بات الولاء للزعيم أو للتنظيم أو للطائفة يتقدّم على أي انتماء وطني جامع.
تراجع حضور الدولة لم يكن نتيجة هزيمة عسكرية بقدر ما كان نتيجة عجز سياسي مزمن.
السلطة المركزية فقدت قدرتها على فرض القانون، لا بسبب غياب النصوص، بل بسبب غياب القوة الشرعية القادرة على تنفيذها.
القرارات السيادية لم تعد تصدر من المؤسسات الدستورية، بل من غرف عمليات عسكرية أو مكاتب سياسية مرتبطة مباشرة بمحاور خارجية، ما حوّل الدولة إلى هيكل فارغ تُستخدم شرعيته عند الحاجة فقط.
في ظل هذا الفراغ، نشأت سلطات موازية أدارت مناطق كاملة من البلاد.
لكل منطقة نظامها الأمني، مواردها، قوانينها غير المكتوبة، وحتى خطابها السياسي والإعلامي.
هذا التفتت الجغرافي ترافق مع تفتت اقتصادي، حيث تعطّلت الدورة المالية الوطنية، وحلّت مكانها اقتصاديات الحرب: تهريب، جبايات، مساعدات خارجية، وتمويل سياسي مشروط.
وهكذا لم يعد الاقتصاد وسيلة عيش، بل أداة صراع.
الجيش اللبناني، الذي يُفترض أن يكون عماد الوحدة الوطنية، وجد نفسه أسير هذا الانقسام.
انقسامه لم يكن مجرد انشقاقات عسكرية، بل انعكاسًا لانقسام سياسي عميق.
فقدان الإجماع على دوره ووظيفته جعله عاجزًا عن لعب دوره الطبيعي، فغاب كضامن للاستقرار، وحضر كعنصر متأثر بالصراع، لا قادر على حسمه أو احتوائه.
في المقابل، تغيّر موقع المواطن اللبناني في المعادلة.
لم يعد فردًا محميًا بالقانون، بل أصبح جزءًا من جماعة تحميه بقدر ما يلتزم بخطابها وخياراتها.
الخوف حلّ محل الثقة، والبقاء حلّ محل المشاركة.
هذا التحول العميق في علاقة الفرد بالدولة والمجتمع أسّس لثقافة سياسية جديدة، تقوم على الشك، والتوجس، واعتبار السياسة شأنًا خطيرًا لا مجال للاختلاف السلمي فيه.
وسط هذا المشهد، تراجعت فكرة الاستقرار بوصفها هدفًا بحد ذاته.
لم يعد السؤال كيف يستقر لبنان، بل كيف تُدار الفوضى فيه.
وهنا بدأ الخارج يتعامل مع لبنان كملف أمني لا كدولة، وكأزمة قابلة للاحتواء لا كمشروع قابل للبناء.
هذا التحول في النظرة الدولية انعكس مباشرة على طبيعة التدخلات، التي باتت تفضّل التوازن الهش على الحل الجذري.
حين تُفقد الدولة، لا يعود الاستقرار مسألة قرارات أو اتفاقات، بل مسألة إعادة تعريف للكيان نفسه.
من هنا، يصبح فهم هذا التفكك شرطًا أساسيًا لفهم لماذا فشلت معظم محاولات التهدئة لاحقًا، ولماذا بقي لبنان عالقًا بين تسويات مؤقتة وأزمات متجددة، وهي الإشكالية التي ستتعمّق أكثر مع اتساع التدخلات الخارجية في الفصول اللاحقة.
  لبنان قد دخل مرحلة تاريخية جديدة لا تشبه ما سبقها، مرحلة فقد فيها توازن الدولة من دون أن يولد بديل وطني جامع.
لم يعد الانقسام السياسي مجرّد تنافس على السلطة، بل تحوّل إلى صراع وجودي بين مشاريع متناقضة، بعضها داخلي وأكثرها مستورد.
بات الكيان اللبناني نفسه موضع اختبار، لا من حيث حدوده الجغرافية فقط، بل من حيث فلسفة قيامه ودوره ووظيفته في محيط مضطرب.
كانت الدولة اللبنانية في تلك المرحلة تعيش حالة تفكك بنيوي.
المؤسسات موجودة شكلاً، لكن القرار غائب، والشرعية موزّعة بين سلطات أمر واقع.
الجيش منقسم، الإدارة مشلولة، والاقتصاد يتحرك وفق منطق الحرب لا منطق الدولة.
هذا التفكك لم يكن وليد اللحظة، بل نتيجة تراكمات بدأت منذ أواخر الستينيات، حين عجز النظام السياسي عن استيعاب التحولات الاجتماعية والإقليمية المتسارعة.
في الداخل، لم تكن الانقسامات طائفية فحسب، بل سياسية ورؤيوية.
كل مجموعة لبنانية تقريبًا كانت تحمل تصورًا مختلفًا للبنان: موقعه، هويته، علاقته بالعرب، وبالغرب، وبالصراع العربي–الإسرائيلي.
ومع غياب مرجعية وطنية جامعة، تحوّلت هذه التصورات إلى خطوط تماس، ثم إلى جبهات مفتوحة، فصار السلاح لغة السياسة، وصارت السياسة غطاءً للسلاح.
أما العامل الخارجي، فقد دخل الثمانينيات وهو لاعب حاسم لا مجرد مؤثّر.
سوريا، الولايات المتحدة، إسرائيل، ومن خلفهم الاتحاد السوفياتي وقوى إقليمية أخرى، وجدوا في لبنان ساحة مثالية لتصفية الحسابات، أو لضبط التوازنات، أو لاختبار النفوذ.
لم يكن لبنان طرفًا في هذه المعادلة، بل موضوعًا لها، يُدار أحيانًا، ويُترك للفوضى أحيانًا أخرى، بحسب المصالح والظروف.
في هذا المناخ، فقد اللبنانيون الإحساس بالزمن السياسي الطبيعي.
لم تعد الأحداث تُقاس بالسنوات أو الأشهر، بل بالمعارك والاغتيالات والاجتياحات والاتفاقات المؤقتة.
الاستقرار لم يكن مفهومًا مطروحًا، بل هدنة عابرة بين جولة وأخرى.
وحتى حين كان الهدوء يسود، كان هشًا، مشروطًا، وقابلًا للانفجار عند أول تبدّل في ميزان القوى.
الثمانينيات كشفت أيضًا هشاشة فكرة الاعتماد على الخارج كحل دائم.
فكل تدخل خارجي كان يَعِد بالاستقرار، لكنه في الواقع كان يعيد إنتاج الأزمة بصيغة مختلفة.
لم يكن الخارج معنيًا ببناء دولة لبنانية قوية، بل بإدارة التناقضات بما يخدم مصالحه.
هنا بدأت تتكرّس معادلة خطيرة: كلما ضعف الداخل، تعاظم الخارج، وكلما تعاظم الخارج، تآكل الداخل أكثر.
من هذه الزاوية، لا يمكن فهم مسألة الاستقرار في لبنان من دون العودة إلى هذه اللحظة التأسيسية في الثمانينيات.
هي المرحلة التي تبيّن فيها أن غياب الحوار الداخلي، وانعدام القرار الوطني المستقل، يحوّلان أي مسار خارجي، مهما بدا عقلانيًا أو واقعيًا، إلى مسكّن مؤقت لا علاج فعلي.
وهذا الفصل يشكّل مدخلًا لفهم كيف ولماذا تعثّر الاستقرار، تمهيدًا للبحث في المسارات التي طُرحت لاحقًا، وما إذا كانت قادرة فعلًا على كسر هذه الحلقة المفرغة.
استقالتي من الجبهة اللبنانية: حين تغيب الوجوه وتتقزّم القضايا لم أكتب هذه السطور خفّةً، ولا غضبًا، ولا نكاية.
بل أكتبها بألم عميق يشبه وجع وداع الوطن حين يُسلَب وجهه، وتُختزل رسالته، ويغيب عنه من نذروا أنفسهم له ذات زمن مجيد.
أكتبها اليوم، وأنا أعلن استقالتي من الجبهة اللبنانية، لا نكرانًا لتاريخ ناضلنا فيه سويًا، بل رفضًا لأن أكون شاهد زور على ما آلت إليه الأمور، وسكوتًا عن انحراف لا يليق بالقضية التي آمنا بها.
لقد دخلتُ صفوف الجبهة يوم كانت منبرًا لكرامة لبنان، وصرخة في وجه الاحتلالات، وساحة حوار بين أحرار يحملون رؤى مختلفة يجمعهم حب الكيان والخوف عليه.
كنا، رغم التباين، نلتقي على الثوابت: على السيادة، على اللامركزية، على الحرية، على الوجود المسيحي الحر في الشرق، وعلى صيغة لبنان التي حملناها في عقولنا وقلوبنا، لا على فوهات البنادق فقط.
لكنّ الجبهة تغيّرت. تغيّر نبضها حين غاب المؤسسون أو غُيّبوا، وحين صمتت الوجوه التي كانت توقظ ضمائرنا كلما اعوجّ المسار.
تغيّرت حين صار المقعد أغلى من الوطن، والزعامة أهم من الدم، والحياد أمام الحق جائزة، والمساومة على المصير وجهة نظر.
لقد انكفأت الجبهة عن دورها التأسيسي، وتحوّلت إلى واجهة خالية من الروح، تُدار بالتكتيك لا بالرؤية، وتُستنفر عند المصالح، لا عند المبادئ.
ما عدت أرى فيها ما دخلت لأجله.
فالقضية الوطنية لم تعد همًّا يوميًا، بل ورقة تُلوّح بها كلما دعت الحاجة.
والقضية القومية، التي كانت تعني لنا الكيان اللبناني المستقل المتجذر في هويته التاريخية، تقزّمت إلى نزاعات فئوية، واصطفافات ظرفية، وكأننا نفاوض على حيّ لا على وطن.
لقد تحولت الجبهة، مع الوقت، إلى صندوق مغلق، لا يستوعب النقد، ولا يرحب بصوت الاعتراض.
كُنا نريدها بيتًا للقرار المسيحي الوطني، فصارت دهليزًا للخطابات المعادة، والمواقف المترددة، والرهانات الخاطئة.
كنا نحلم بلبنان الدور، فصار الكلام عن لبنان الكيان يثير الشكوك ويُحسب على "اليمين المتكلّس" أو "الحنين البائد".
وهل هذا هو المصير الذي أردناه حين وقفنا بوجه تسلّط الخارج، وواجهنا الاحتلال، ورفضنا أن نُختزل؟ أيعقل أن تصبح الجبهة التي أسّسها الكبار، من شارل مالك إلى بيار الجميل، ومن كميل شمعون إلى ريمون إده، واجهة فارغة؟ أيعقل أن تنطفئ فيها نار الرسالة التي جمعتنا؟ أن يصبح الاسم أكبر من الفعل، والشعار أغلى من الحقيقة؟ لذلك، ولأنني لا أرى بعد اليوم ما يشبهني في هذه الجبهة، ولأني أرفض أن أكون جزءًا من وهم يزيّن الواقع، ولأني ما زلت أؤمن أن لبنان يستحق جبهة أوسع، أشمل، أكثر صدقًا مع نفسه وتاريخه، فإنني أُعلن استقالتي.
استقيل من الجبهة، لا من القضية.
أغادر الإطار، لا المبدأ.
أخرج من السقف، لأعود إلى الأرض التي انطلقت منها القضية: الناس، السيادة، الحرية، الكيان، والكرامة.
قد يخسرني بعض الرفاق، لكنني أستعيد نفسي، وأستعيد صوتي، وأستعيد حقي في أن أقول: لبنان ليس سلعة، ولا تحالفًا، ولا مرآةً للواقع.
لبنان رسالة، والجبهة التي لا تحمل هذه الرسالة، ليست جبهتي.
  من حديث لمجلة الأفكار لم ابرر استقالتي من الجبهه اللبنانيه بل اشرت الى الاسباب التي اوجبت هذه الاستقاله وهي وارده في الاستقاله التي واجهتها الى الشعب اللبناني ولم اشا ان اقول الا ما ورد فيها فلن ازيد عليها شيئا ويمكن نشرها مستقله ضمن هذا الحديث لكي لا نقع في التكرار وانا لما كان توسيع الجبهه قد افضى الى انضمام عناصر جديده اليها بنو عملهم على غير الاعتبارات التي قامت عليها الجبهه في الاصل فبطت كطائر يغرد في غير سربه
ان التسلسل الزمني الوارد في رساله الاستقاله هو الذي قضى بذكر احتجاب الدكتور شارل مالك والاستاذ فؤاد افرام البستاني حيث ورد ذكرهما وان احتجاب هذين العملاقين كان وحده كافيا لاستقاله نظرا لارتباط بهما منذ زمن بعيد ولكنني لم افعل حرصا مني على الجبهه وثقه بان بقاء الرئيس كميل شمعون على راسها كان كفيلا بسد الفجوه الكبيره التي حدثت في الجبهه عند غياب اللذين تقدموهما
انا لم ادخل سباق رىاسة الجمهوريه ولكن المحبين هم الذين ادخلوني في هذا السباق كما تعودوا ان يدخلوني في كل سباق كان يجري اليها وعندما سئلت مره في ذلك اجبت انني غير مرشح لرئاسه الجمهوريه ولكن المرشح مزمن للخدمه والخدمه تكون من الخندق حتى الرئاسه فعندما ادعى الى الخدمه استجيب حيثما تكون الخدمه ذلك اني لا اريد ان اسجل على نفسي اني افر من واجب اما الذين يربطون بين الترشيح نفس المزعوم الى الرئاسه وبين استقاله من الجبه فهم احرار في تكرههم غير اني اريد ان اؤكد ان استقالتي اريدت لذاتها لا خلفيات لها ولا مقاصد مكتومه
تقدمت باستقالتي الى الشعب لاني اعتبر نفسي مسؤولا امامه كما اعتبر نفسي متضامنا مع رفاق في الجبهه ولما كان الرفاق الذين تضامنت معهم عند تاسيسها قد غابوا جميعهم عن الجبهه فلم يعد بالامكان ان اتقدم باستقالتي اليهم.
اتمنى ان تكون الغلبه للرئيس الذي سيدخل قصر بعبدا في ايلول المقبل هو الذي يحمل معه حلا للازمه
  ان التجارب التي مر بها فخامه الرئيس سليمان فرنجيه وفخامه الرئيس الياس سركيس وفخامه الرئيس الشيخ امين الجميل غنيه بحيث تؤمل ان من سيقدم بعدهم الى سده الرئاسه ايا كان ستكون في نفسي بذور الحل المنشود اما انا ففي نفسي طمانينه
علاقتي بالرئيس سليمان الفرنجيه كانت قبل تسلمه الرئاسه وفي اثنائها وبعد تنحيه عنها وهي علاقه صديق ومعجب ولن يجد ما يوجب تحول هذه العلاقه او فتورها
سقطت نمره المجلس النيابي عن سيارتي لان سيارتي التي كنت اقودها تلفت واني استخدم يوم سياره ابني المحامي صلاح الذي رغب ان لا تعلق عليها نمره لا حق له فيها ويوم تصبح لي سياره خاصه ستعود النمره الى مكانها الطبيعي.
  الجبهة اللبنانية تحذر وتتصدى للتحديات في الجنوب والداخل
في يوم الجمعة 16 أيار 1980، أكدت الجبهة اللبنانية، من خلال تصريح النائب إدوار حنين، موقفها الثابت تجاه ما يحدث على الساحة اللبنانية من مخاطر محلية وإقليمية. فقد نبهت الجبهة إلى الزحف الإسرائيلي نحو الجنوب، وإلى نشاط الفلسطينيين الذي يهدف إلى تثبيت واقع استيطاني في مناطق مختلفة، محذرة من الدور الذي يلعبه هامشيون، عن وعي أو غير وعي، في تيسير هذه التحركات على الأرض. موقف الجبهة من الاقتتال الداخلي
تعتبر الجبهة اللبنانية أن الاقتتال في مناطق مثل بدادون وأهمج والصفراء جزء من مخطط لزعزعة استقرارها وإضعاف صمودها الداخلي. ولهذا، سارعت قيادة الجبهة وأعضاؤها إلى التدخل لوقف الاقتتال، مؤكدين على ضرورة حماية الوحدة الداخلية للجبهة والحفاظ على قدرة القوى اللبنانية على مواجهة الأخطار الخارجية.
التعامل مع الأحداث في الزعرور والمرسوم التنظيمي للجيش
في شأن الزعرور، وضعت الجبهة موقفًا واضحًا: منع أي تصادم مباشر مع الجيش السوري، والعمل على تهدئة الوضع ومنع استغلاله لخلق مواجهات داخلية. أما في ما يخص المرسوم التنظيمي للجيش، فقد حذرت الجبهة من محاولات استغلاله لإحداث فتور بين السلطات الرسمية، مؤكدة على أهمية تجنب الفراغ السياسي والحفاظ على استمرارية الحكم، بعيدًا عن أي توجه يؤدي إلى الانقسامات أو استقالات متلاحقة.
سياسة الجبهة الثابتة
تؤكد الجبهة اللبنانية على أن سياساتها قائمة على ثلاث أولويات رئيسية: الحفاظ على وحدة الصف الداخلي ومواجهة أي محاولات لإضعافها. التصدي للزحف الإسرائيلي والممارسات الفلسطينية التي تهدد الأمن والاستقرار. حماية المؤسسات الرسمية ومنع استغلال أي حدث داخلي لخلق فراغ سياسي أو اضطراب إداري.
الجبهة اللبنانية تتعامل مع كل حدث بوعي كامل وتحليل دقيق، موازنة بين حماية مصالح لبنان الداخلية والدفاع عن سيادته، مع تحذير الجميع من الانشغال بالمنازعات الثانوية على حساب الأخطار الكبرى. وتؤكد الجبهة أن أي تهدئة أو حل يجب أن يكون منسجمًا مع الحفاظ على الأمن الوطني ووحدة الجبهة واستقرار المؤسسات اللبنانية.   بيان صادر عن الجبهة اللبنانية
في ضوء ما يمرّ به لبنان من أخطر المراحل في تاريخه الحديث، ومع تفاقم المآسي التي تطال الإنسان والدولة والمؤسسات، تجد الجبهة اللبنانية أنّ الصمت لم يعد مقبولاً، وأنّ الاكتفاء بإدارة الأزمة من الداخل لم يعد كافياً أمام حجم الأخطار المحدقة بالكيان الوطني.
وانطلاقاً من مسؤوليتها الوطنية، تؤكد الجبهة اللبنانية ضرورة قيام تحرّك رسمي حكيم ومدروس على أعلى المستويات، يهدف إلى وضع معاناة لبنان في صدارة الاهتمام العربي والدولي، وكشف ما يتعرض له من اعتداءات وانتهاكات وتدخلات تمسّ بسيادته ووحدته واستقراره، وذلك بلغة عقلانية تستند إلى الشرعية الدولية والقيم الإنسانية، بعيداً من الانفعال أو المزايدات.
وترى الجبهة أنّ أي مبادرة خارجية ناجحة تفترض قبل كل شيء توحيد الموقف الداخلي، لأن انقسام اللبنانيين يضعف قضيتهم ويشوّه صورتهم أمام العالم. ومن هنا، تدعو الجبهة جميع القوى السياسية إلى الالتفاف حول مرجعية الدولة الدستورية، ومنحها الغطاء الوطني اللازم للتحدث باسم لبنان الواحد، لا باسم فئاته المتناحرة.
كما تشدد الجبهة اللبنانية على الدور المحوري لرئاسة الجمهورية كمرجعية جامعة وقادرة، إذا ما أُحسن استخدام موقعها الدستوري، على إعادة لبنان إلى موقعه الطبيعي في وجدان المجتمع الدولي كقضية عادلة، لا كساحة صراعات مفتوحة على كل التدخلات. فالرئاسة، بما تمثله من رمز للوحدة الوطنية، مدعوة إلى المبادرة وتحمل مسؤولياتها التاريخية في هذه المرحلة الدقيقة.
وتؤكد الجبهة أنّ إبراز حقيقة ما يجري في لبنان يجب أن يتم ضمن إطار قانوني وأخلاقي واضح، يذكّر المجتمع الدولي بالتزاماته تجاه دولة مؤسسة في الأمم المتحدة، وتجاه شعب يدفع ثمناً باهظاً دفاعاً عن حريته وتعدديته وحقه في العيش بسلام وأمان.
إنّ الجبهة اللبنانية، إذ تجدّد تمسكها بالسيادة والاستقلال وقيام الدولة القادرة والعادلة، تعتبر أنّ إنقاذ لبنان لا يكون بالمواجهة العشوائية ولا بالاستسلام للأمر الواقع، بل بسياسة متبصّرة تحوّل الألم الوطني إلى قوة معنوية ضاغطة، وتستنهض ضمير العالم لتحمّل مسؤولياته تجاه لبنان، البلد الجريح الذي يرفض السقوط.
  لبنان كما حددته الجبهة اللبنانية، هو ذاك الذي أكّدته مراراً في بياناتها ومذكراتها الدبلوماسية المرفوعة إلى قداسة الحبر الأعظم بولس السادس، وإلى السيد فانس وزير الخارجية الأميركية، وإلى وزير خارجية فرنسا لدى مرورهما في لبنان.
لبنان الذي يحيا من أجله اللبنانيون.
وهو أولاً لبنان الذي يحيا اللبنانيون من أجله، ومن أجله يموتون؛ لبنان الذي لم يعتدِ ولم يتآمر على أحد، ولم يواطئ أحداً على شرّ، إذ كان في تاريخه كله، وبخاصة في مجتمعه المسيحي، مصدر خير وخدمة وسلام بذاته لمحيطه وللعالم أجمع.
المسيحية الحرة في لبنان.
ثانياً، هو لبنان الذي كانت فيه المسيحية دائماً حرّة، سيّدة، أمينة على قيمها وتراثها ومصيرها، وهي تعتزم اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن تبقى حرّة سيّدة أمينة على قيمها وتراثها وما تنشده لنفسها من مصير.
احترام الجماعات الروحية الأخرى.
ثالثاً، إن هذه المسيحية في لبنان تذكّر بأنها لم تُرد لنفسها يوماً في الماضي، ولا تريد الآن، ولا تعتزم أن تريد في المستقبل، ما لا تريده لغيرها من الجماعات الروحية التي تتكوّن منها الأسرة اللبنانية، على أنها لا تقبل لنفسها في أي حال أن تصبح مسودة، ولا أن ترضى لنفسها بما لا ترضاه لغيرها.
لبنان الحر المتعدد المجتمعات.
رابعاً، إن لبنان الذي يريده اللبنانيون هو لبنان المنسجم الحيّ، القادر على تحقيق ذاته في بقاء كريم؛ لبنان الحر المنفتح، المتعدد المجتمعات، وهو لبنان الذي يؤمن إيماناً نابعاً من كيانه وتراثه بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
الصورة والهدف عند القادة اللبنانيين.
فهذه الصورة-الهدف هي عند القادة اللبنانيين المقياس الذي به يقيسون ليقبلوا أو يرفضوا ما يُبحث اليوم أو سيُبحث غداً من حدود ونُظم واتجاهات سياسية وعلاقات.
القواعد التاريخية والتجارب العملية.
خامساً، تلك قواعد ترتكز على حقائق من ثوابت التاريخ اللبناني، غير أن قواعد أخرى ترتكز على حصاد التجارب، ومن حتمية الفكر والمنطق أن يُعرَف بعضها ويُعلَن: إن لبنان الذي من أجله يحيا اللبنانيون ومن أجله يموتون هو وطن اللبنانيين جميعاً، المقيمين فيه، ووطن جميع اللبنانيين المتحدرين من أصل لبناني والمنتشرين في العالم، وهو وطن المسيحيين العائشين في العالم الإسلامي المحيط، وهو وطن المناضلين من كل دين ومذهب، المروّعين في هذا العالم المشرقي والفازعين من بلادهم إليه.
لبنان كمختبر حضاري.
لبنان هذا يجب أن يبقى مختبراً حضارياً فذاً في معالجة النظم والمذاهب والتيارات الروحية، وفيه يلتقي الناس ويتحاورون، ولأن لبنان قيمة بحدّ ذاته، فهو يستطيع أن يكون ملتقى تفاعل وتبادل بين حضارات الشرق والغرب، والمتخيّر الأمثل لروائعها جميعاً.
التعددية في البنيان السياسي الجديد.
من هنا وصلت الجبهة اللبنانية إلى التأكيد أن البنيان السياسي الجديد للبنان الموحد، المعزّز للولاء المطلق له، والمانع للتصادم بين اللبنانيين، يجب أن يعتمد تعددية في المجتمع اللبناني بتراثاته وحضاراته الأصيلة، بحيث ترعى كل مجموعة حضارية فيه جميع شؤونها، وبخاصة ما يتعلق منها بالحرية، وبالشؤون الثقافية والتربوية والمالية والأمنية، وبالعدالة الاجتماعية، وما يتصل بعلاقاتها الثقافية والروحية مع الخارج وفقاً لخياراتها الخاصة.
وقفة بعد مسيرة الشرف.
وهنا، بعد مسيرة الشرف هذه، لا بدّ من أن يقف سائل ليسأل: لمن كانت البادرة في بناء لبنان الحضاري؟ لمن كانت هذه البادرة في بناء هذا لبنان الحضاري؟ ومن كان بناته الأصليين؟ سيداتي سادتي، قد يبدو أن الموارنة يرغبون في الاستئثار بخدمة لبنان، غير أن الحقيقة أن كثيرين من غير الموارنة أسهموا قديماً وحديثاً، كما الموارنة بالذات، في بناء لبنان الذي نحب وله نتعبد.
مساهمات وطنية من مختلف الطوائف.
ففي طليعة هذه الكثرة النقيب فؤاد الخوري وشارل مالك وأمثالهما ممن خدموه بعقولهم، وأحمد الأسعد وصبري حماده وأمثالهما ممن خدموه بنبلهم، والأمير مجيد أرسلان ونجيب علم الدين وأمثالهما ممن خدموه بأصالتهم.
الصدق والاستمرارية في خدمة لبنان.
وهنري فرعون ويوسف سالم وأمثالهما ممن خدموه بصدقهم، وأنيس فريحة وشارل سعد وخليل رامز سركيس وأمثالهم ممن خدموه باستمراريتهم.
رفض اتهام الموارنة بالاستئثار.
لا، ألف مرة لا؛ إنه لافتراء على الموارنة، وعلى الحقيقة والحق، أن يُتَّهَموا بالتفرّد في حب لبنان أو بالاستئثار في خدمته.
الموارنة ورسالتهم الإيمانية والوطنية.
هؤلاء الموارنة هم بمثابة المؤذنين الذين، كل يوم، وكل واحد منهم خمس مرات في اليوم، في الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء، يسبّحون من مآذنهم: الله أكبر، لا إله إلا الله.
وهم أيضاً بمثابة الكهنة الذين من آلاف المذابح يهتفون كل يوم: نؤمن بإله واحد.
لقد عرف المسيحيون اللبنانيون، منذ قرون، مبادرات الحبر الأعظم والفاتيكان، وكانوا على الدوام متيقظين لها، مستوعبين قيمتها الروحية والدينية والسياسية في آن.
إن علاقتهم بالكرسي الرسولي لم تكن مجرد علاقة بروتوكولية، بل كانت علاقة ركنية، صلبة، متجذّرة في الإيمان والتاريخ، شكّلت الرابط بين لبنان المسيحي والعالم الكنسي، وبين الطموحات الوطنية والروحانية الجامعة.
منذ الأزمنة القديمة وحتى حضور الباباوات في العصر الحديث، كان لبنان محط اهتمام الحبر الأعظم.
وقد أدرك المسيحيون اللبنانيون أن وجودهم على هذه الأرض لا يقتصر على التمسك بالدين أو الهوية، بل يحمل مسؤولية روحية تجاه الكنيسة جمعاء، ويجعل من لبنان حالة خاصة في كنيسة الشرق، مثالاً للصمود والإبداع الروحي والثقافي.
وأثبت التاريخ أن الكنيسة، بقيادة الباباوات، قادرة على أن تقدم للبنان دعماً روحياً وأخلاقياً في أصعب الظروف، عبر نشر قيم العدالة والإنسانية، والدفاع عن حقوق اللبنانيين في المحافل الدولية، والتواصل مع الكنائس المحلية والعالمية لنقل قضيتهم إلى مختلف الميادين.
وكانت المبادرات البابوية دائماً منارة في حماية الحقوق، وفي توجيه المسيحيين نحو العمل البنّاء والوحدة في مواجهة التحديات.
غير أن العلاقة بين الكنيسة والمسيحيين اللبنانيين ليست طريقاً باتجاه واحد، فالمسيحيون في لبنان مدعوون ليكونوا رافعة حقيقية للكنيسة العالمية، من خلال صمودهم وإبداعهم والتزامهم بالقيم الروحية، ليقدّموا نموذجاً حضارياً يجمع بين الإيمان الراسخ والوعي الوطني.
أما في ما يتصل بالحكاية الفلسطينية في ضوء القضية اللبنانية، فإن تاريخ فلسطين المتلازم مع تاريخ الإنسانية يرقى إلى ما قبل التوراة، وقد تعاقب على هذه الأرض أنبياء وأحداث صنعت وجدان المنطقة.
وتلازم تاريخ فلسطين مع تاريخ لبنان في مراحل متعددة، من العهد الصليبي إلى عهد الأمير فخر الدين، ثم في ظل الانتداب بعد الحرب العالمية الأولى.
عند صدور وعد بلفور إبّان الحرب العالمية الأولى، تصدى أدباء وصحافيون ومفكرون لبنانيون للتنبيه إلى مخاطره وأبعاده.
وبعد النكبة، فتح لبنان أبوابه أمام اللاجئين الفلسطينيين بدافع إنساني وأخلاقي، من دون أن يحدّد أعدادهم أو طاقته الاستيعابية أو ضوابط واضحة لإقامتهم، فنشأت مخيمات في قلب المدن وعلى أطرافها، خارج إطار التنظيم الكافي.
ومع تصاعد العمل الفدائي المسلح، انتقل الوجود الفلسطيني من حالة لجوء إلى واقع مسلح، فظهرت ممارسات مسّت بسيادة الدولة وبحياة المواطنين، ووقعت تجاوزات خطيرة من قتل وخطف وسلب وفرض أمر واقع، ما أدّى إلى اهتزاز الاستقرار الداخلي، وتحويل لبنان إلى ساحة صراعات متشابكة.
إن مقاربة هذه المسألة لا تعني إنكار حق الشعب الفلسطيني ولا التقليل من عدالة قضيته، بل تعني التأكيد أن لبنان لم يكن وطناً بديلاً، ولا يمكن أن يكون ساحة مستباحة لأي صراع.
فسيادة الدولة، ووحدة القانون، وحصر السلاح بيد الشرعية، تبقى شروطاً أساسية لصون الكيان اللبناني وإنصاف القضايا العادلة في آن.
إن لبنان، رغم أزماته ومحنه، يظل قيمة حضارية وروحية لا تُقاس بمساحته ولا بعدد سكانه، بل برسالته.
وهو، كما كان، وطن الشهادة للحق، ومختبر الحرية، وملتقى الحضارات.
ومن هنا فإن إنقاذه واجب وطني وروحي، وصموده فعل إيمان بأن الحق، مهما اشتدّت العواصف، لا يموت.
  دراسة موسعة حول السياسة الخارجية اللبنانية.
السياسة الخارجية لأي دولة هي مرآة شخصيتها واستقلالها، وهي التي تعكس موقفها من المحيط الإقليمي والدولي، ومدى قدرتها على حماية مصالحها العليا.
بالنسبة للبنان، الذي يتميز بموقع جغرافي استراتيجي وتعدد اجتماعي وثقافي فريد، تصبح السياسة الخارجية أكثر حساسية وتعقيدًا، لما لها من تأثير مباشر على استقراره الداخلي واقتصاده وعلاقاته الدولية.
الركائز الأساسية للسياسة الخارجية اللبنانية.
حماية الشخصية اللبنانية المميزة.
لبنان دولة ذات هوية فريدة تجمع بين تاريخ حضاري عريق، وموطن ديني متعدد، ونموذج للتعايش بين الطوائف والأديان.
ولهذا، يجب أن تكون سياسته الخارجية قادرة على حماية هذه الهوية، وضمان عدم تدخل القوى الكبرى أو الإقليمية في شؤونها الداخلية.
حماية الشخصية المميزة تعني أيضًا تعزيز السيادة الوطنية، وعدم السماح لأي طرف خارجي أن يفرض على لبنان قرارات تمس استقلاله السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي.
تعزيز التعاون الدولي المتكافئ.
ينبغي على لبنان أن يسعى لتعزيز علاقاته بالدول الديمقراطية، عامة، والدول العربية خاصة، على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
هذه العلاقات يجب أن ترتكز على التعاون البنّاء في المجالات الاقتصادية، والتجارية، والثقافية، والسياسية، بما يضمن الاستفادة المتبادلة لكل الأطراف.
تطوير شبكة دبلوماسية نشطة وفعالة.
لابد للبنان من شبكة دبلوماسية نشطة، تشمل السفارات والبعثات الدبلوماسية، والقنوات الثقافية والاقتصادية، لتعزيز صورته في الخارج.
يتضمن ذلك الترويج للاستثمارات اللبنانية في الخارج وجذب الاستثمارات الأجنبية.
توسيع التعاون الثقافي والتعليمي مع الدول الصديقة.
المشاركة الفعالة في المنظمات الدولية والإقليمية لضمان صوت لبنان في المحافل العالمية.
السياسة الوقائية والمرنة في مواجهة الضغوطات الإقليمية والدولية لبنان يواجه تحديات مستمرة من الضغوطات الإقليمية والدولية، سواء على صعيد النزاعات الحدودية، أو تأثير القوى الكبرى في القرارات المحلية، أو المحاولات للتدخل في الشؤون الداخلية.
لذلك، يجب أن تكون السياسة الخارجية اللبنانية مرنة، قادرة على التكيف مع المستجدات، وفي الوقت نفسه صلبة في حماية مصالح الدولة وشعبها.
الأهداف العملية للسياسة الخارجية اللبنانية.
ضمان السيادة الوطنية واستقلال القرار السياسي: عدم السماح لأي قوة إقليمية أو دولية بالتأثير على السياسات الداخلية اللبنانية.
تعزيز التنمية الاقتصادية من خلال العلاقات الدولية: فتح أسواق جديدة للتجارة اللبنانية، وجذب الاستثمارات الأجنبية، ودعم الصناعات الوطنية، بما يعود بالنفع على الاقتصاد والمواطن اللبناني.
تعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي: التعاون مع الدول المجاورة والدول العربية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة، ومكافحة الإرهاب والتطرف.
الحفاظ على صورة لبنان الحضارية والثقافية: إبراز لبنان كبلد متعدد الثقافات والأديان، ونموذج للتعايش والتسامح، مما يعزز دوره كوسيط ثقافي ودبلوماسي في المنطقة.
الإجراءات المقترحة لتفعيل السياسة الخارجية.
إعادة هيكلة وزارة الخارجية لتعزيز الكفاءة، وتحديد الأولويات، وربط الخطط الخارجية بالاستراتيجيات الداخلية.
تنويع العلاقات الدولية بحيث لا يقتصر التعاون على دول بعينها، بل يشمل القوى الكبرى والدول الصاعدة والدول المجاورة على حد سواء.
تفعيل الدبلوماسية الاقتصادية من خلال برامج تشجيع الاستثمار، وتسهيل الصادرات اللبنانية، ودعم المشاريع المشتركة بين لبنان والدول الصديقة.
تعزيز التعاون العربي: المشاركة الفاعلة في المبادرات العربية المشتركة، ودعم التكامل الاقتصادي والسياسي مع الدول العربية، مع مراعاة المساواة في المصالح والاحترام المتبادل.
بناء تحالفات دولية قائمة على الاحترام والمصلحة المشتركة بعيداً عن الهيمنة أو التبعية، لتكون السياسة الخارجية اللبنانية نموذجًا للتوازن والاعتدال.
السياسة الخارجية اللبنانية ليست مجرد أداة علاقات دولية، بل هي وسيلة لحماية وجود الدولة والمواطن، وتعزيز استقلالية القرار الوطني، وضمان استمرار لبنان كنموذج فريد للسلام والتعايش.
إن نجاح لبنان في هذه السياسة يرتبط بقدرة الحكومة والقيادة الدبلوماسية على الموازنة بين الدفاع عن المصالح الوطنية والانفتاح على فرص التعاون الدولي، بما يضمن رفاهية المواطن اللبناني ويعزز دور لبنان في محيطه الإقليمي والعالمي.
  تساءل النائب أدوار حنين بصراحة وجرأة عن جدوى استمرار بعض الرؤساء في تمديد ولاياتهم ومناصبهم على حساب روح الديمقراطية ومبادئ التداول السلمي للسلطة.
وقال حنين إن السؤال ليس مجرد تكهن سياسي، بل مسألة جوهرية تمس نزاهة النظام الديمقراطي اللبناني، وشرعية المؤسسات، وحقوق المواطنين في التعبير عن إرادتهم بحرية.
وأشار حنين إلى أن تمديد الرئيس لنفسه بشكل متكرر يطرح إشكالية دستورية وأخلاقية، ويثير علامات استفهام حول مدى احترام مبادئ الفصل بين السلطات ومبدأ التداول على السلطة، الذي يُعد ركيزة أساسية لأي نظام ديمقراطي.
وأضاف أن هذه الظاهرة قد تؤدي إلى تكريس المركزية المطلقة للسلطة، بما يضعف مؤسسات الدولة ويحد من قدرة البرلمان والمجتمع المدني على محاسبة المسؤولين وتحقيق التوازن بين السلطات.
ورأى النائب حنين أن أي تمديد مستمر للسلطة لا ينبغي أن يكون مرتبطًا بمصالح شخصية أو ضغوط سياسية، بل يجب أن يخضع لرقابة واضحة، وضوابط دستورية، وآليات انتخابية تضمن أن التمديد لا يتحول إلى أداة للحكم الفردي أو الهيمنة على الدولة.
وقال: "ماذا يمنع أن يستهدف كل رئيس مقبل التجديد لنفسه؟ وهل في ذلك وجه ديمقراطي؟ أم أن الأمر يتحول إلى تكرف في الحكم بعيدًا عن إرادة الشعب؟".
واعتبر حنين أن السؤال عن حدود التمديد للرؤساء ليس مجرد سؤال شكلي، بل دعوة للتفكير العميق في مستقبل الدولة اللبنانية، وحاجة المؤسسات إلى أن تكون قوية ومستقلة، تتيح تداول السلطة بشكل طبيعي ومنظم، مع احترام حق الشعب في الاختيار.
كما حذر من أن استمرار تجاوز هذه المبادئ قد يؤدي إلى تراجع الثقة بالمؤسسات، وتفاقم الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ما يهدد الاستقرار الوطني.
وختم النائب أدوار حنين مؤكدًا أن الحفاظ على الديمقراطية يعني احترام دور البرلمان، وتفعيل الرقابة الشعبية، وتقييد الممارسات التي قد تعيق التغيير السلمي للقيادات السياسية.
وأوضح أن التمسك بمبدأ التداول السلمي للسلطة ليس رفاهية سياسية، بل ضرورة أساسية لضمان استقرار لبنان واستمرارية الدولة.
  تقرير صحافي.
يتساءل إدوار حنين بعمق حول طبيعة التوافق في لبنان، وكيف يمكن أو يجب أن يمتد إلى العلاقات الإقليمية، لا سيما مع الفلسطينيين والسوريين.
بحسب رأيه، إذا كان التفاهم بين اللبنانيين قائمًا على اتفاق داخلي واحترام متبادل، فإنه يصبح من الضروري التساؤل عما إذا كان هذا المبدأ يمكن تطبيقه خارجيًا.
فاللبنان، كدولة متجذرة في التاريخ العربي والمتوسطي، لا يمكنه تجاهل علاقاته مع جيرانه، لكن الدبلوماسية يجب أن تتبع قواعد واضحة ورسميّة.
يؤكد حنين أن موقف لبنان في السياسة الإقليمية يجب أن يكون متماسكًا واستراتيجيًا.
فلا يمكن أن يقتصر على توافق داخلي بين الطوائف والمجتمعات اللبنانية فقط، لأن استقرار البلاد مرتبط ارتباطًا وثيقًا بقدرتها على إدارة علاقاتها مع الفلسطينيين المقيمين على أراضيها منذ أجيال ومع سوريا، التي تجمعه بها روابط تاريخية واقتصادية وثقافية.
وفقًا له، هذه العلاقات لا يمكن أن تقتصر على اتفاقات ضمنية أو تسويات مؤقتة، بل يجب أن تُؤطر من خلال اتفاقيات دبلوماسية ومعاهدات ثنائية أو متعددة الأطراف، تكفل الأمن والتعاون والاعتراف المتبادل.
من خلال تحليل خطاب الرئيس سركيس، يميز حنين ثلاثة مستويات من التوافق: الأول، داخل الشعب اللبناني نفسه، القائم على التعايش والحوار واحترام التنوع الطائفي والسياسي؛ الثاني، بين اللبنانيين والفلسطينيين المقيمين في لبنان، حيث تظل قضايا الاندماج وحقوق الإقامة والمشاركة السياسية حساسة ومعقدة؛ الثالث، بين اللبنانيين وسوريا، الأمر الذي يتطلب توازنًا بين السيادة الوطنية والتعاون الإقليمي.
ويرى حنين أن اعتبار هذه العلاقات مجرد تسويات مؤقتة غير كافٍ، ويجب تحويلها إلى أدوات دبلوماسية واضحة ومستدامة، تتيح للبنان الدفاع عن هويته والمساهمة في استقرار المنطقة.
ويؤكد حنين أيضًا على المسؤولية التاريخية للبنانيين: فالتوافق الداخلي ضروري للحفاظ على السلام والوحدة الوطنية، لكنه يجب أن يقترن برؤية سياسية على المستوى الإقليمي.
وهذا يتطلب صياغة التزامات رسمية، واحترام المعاهدات الدولية، وبناء سياسة خارجية متماسكة تحمي مصالح لبنان مع الحفاظ على علاقات بنّاءة مع الفلسطينيين والسوريين.
وتُظهر هذه المقاربة، بحسبه، ليس فقط استراتيجية سياسية، بل التزامًا أخلاقيًا تجاه السلام والعدالة وكرامة الشعوب المعنية.
ويحذر حنين في النهاية من أن غياب التوضيح والتأطير في العلاقات الإقليمية قد يؤدي إلى توترات دائمة ويهدد استقرار لبنان.
إذ يرى أن التوافق الداخلي لا قيمة له إلا إذا اكتمل بسياسة خارجية مسؤولة تحترم حقوق وواجبات الجميع.
فالحوار يجب أن يُؤطر، والاتفاقيات يجب أن تكون واضحة، والمفاوضات الدبلوماسية يجب أن تُدار بشفافية والتزام.
لبنان، بحسب حنين، لديه القدرة والواجب ليكون نموذجًا للاستقرار والتعاون في المنطقة، ولكن فقط إذا أدرك قادته أن السلام الداخلي والسياسة الخارجية لا يمكن فصلهما.
  رؤية الجبهة اللبنانية: سياسة وإصلاح واستقرار.
تسعى الجبهة اللبنانية إلى تقديم رؤية شاملة للبنان، ترتكز على الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي، مع الحفاظ على استقلالية الدولة وهويتها الوطنية.
وهي ترى أن لبنان، رغم تاريخه المليء بالتحديات، قادر على مواجهة أزماته، إذا ما توفرت الإرادة الوطنية الجامعة والسياسات الحكيمة التي تراعي مصالح المواطن وتضمن استقرار الدولة.
في المجال السياسي، تؤكد الجبهة على ضرورة تعزيز الحوار بين جميع المكونات اللبنانية، وضمان مشاركة جميع القوى السياسية في صياغة القرار الوطني.
كما ترى أن التجديد للمناصب الرئاسية والحكومية يجب أن يكون خاضعًا لمعايير ديمقراطية واضحة، بعيدًا عن التمركز في السلطة أو استغلالها لمصالح شخصية، بما يضمن احترام الإرادة الشعبية والتوازن بين القوى.
على الصعيد الخارجي، تعتبر الجبهة أن لبنان يجب أن يحافظ على شخصيته المميزة في السياسة الدولية، مع تعزيز التعاون البناء مع الدول الديمقراطية بشكل عام، والدول العربية بشكل خاص، على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
وتؤكد أن التوافق الداخلي بين اللبنانيين يجب أن يمتد إلى العلاقات الإقليمية مع الفلسطينيين والسوريين، على أن يُؤطر ذلك عبر اتفاقيات ومعاهدات واضحة تحفظ سيادة لبنان ومصالحه.
أما في المجال الاقتصادي والاجتماعي، فتضع الجبهة الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي على رأس أولوياتها، بهدف تحسين مستوى حياة المواطن اللبناني.
وتشمل هذه الرؤية وضع سياسات مالية عادلة، إصلاح النظام الجمركي والضرائب، دعم الصناعة والزراعة، وتشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة، بالإضافة إلى حماية حقوق العمال وتسهيل فرص العمل للشباب.
كما تؤكد على أهمية تطوير التعليم الوطني وتعزيز التربية الوطنية، مع الاهتمام بالتعليم المهني والفنون والرياضة، بما يسهم في تكوين جيل واعٍ ومؤهل.
في الشؤون الاجتماعية، تدعو الجبهة إلى إنشاء ضمانات اجتماعية شاملة، تشمل التقاعد والتأمين الصحي ودعم الفئات الضعيفة، مع التركيز على العدالة الاجتماعية وتخفيف معاناة المواطنين من البطالة والفقر.
وتولي اهتمامًا خاصًا بتنظيم الأسواق وحماية المستهلك، وضمان حقوق المزارعين والصناعيين على حد سواء.
أما على صعيد القضايا الوطنية الكبرى، فتؤكد الجبهة أن لبنان يتحمل مسؤولية حماية حقوق جميع أبنائه، سواء كانوا لبنانيين أو فلسطينيين مقيمين على أراضيه، مع ضرورة ضبط أي تصرفات تهدد الأمن الداخلي أو المساس بسيادة الدولة.
وتؤكد على ضرورة مواجهة الفوضى وحماية الدولة من الانفلات، مع دعم الحوكمة الرشيدة وتفعيل المؤسسات.
من منظور الجبهة اللبنانية، يبقى لبنان وطنًا ذا خصوصية روحية وثقافية، له دور محوري في المنطقة، ومسؤولية تاريخية في تعزيز السلام والعدالة.
وهي ترى أن الحلول المستدامة للأزمات اللبنانية تقوم على الدمج بين الإصلاح الداخلي، سياسة خارجية متوازنة، وحماية الحقوق الوطنية لكل اللبنانيين، بما يضمن استمرار لبنان دولة حرة، مستقلة، ومزدهرة.
  الإصلاح، السيادة، والاستقرار.
تتبنى الجبهة اللبنانية رؤية وطنية شاملة للبنان، تقوم على تعزيز سيادته، تطوير مؤسساته، وحماية حقوق جميع أبنائه، في ظل التحديات الداخلية والإقليمية المتصاعدة.
وترى الجبهة أن لبنان، رغم تاريخ تحدياته وأزماته المستمرة، يمتلك القدرة على مواجهة محنته إذا ما توفرت الإرادة الوطنية الصادقة والإصلاح الشامل في جميع القطاعات.
في السياسة الداخلية، تؤكد الجبهة على ضرورة وضع أسس الديمقراطية الحقيقية، بحيث يكون التجديد للمناصب العامة خاضعًا لمعايير واضحة، ويمنع أي محاولة للتمركز في السلطة أو استغلالها لأغراض شخصية.
وتدعو إلى إشراك كل القوى السياسية في صياغة القرار الوطني لضمان التوازن بين مكونات الدولة، مع تأكيد وحدة اللبنانيين أمام كل التحديات.
وتطرح الجبهة فكرة أن التفاهم الداخلي بين اللبنانيين يجب أن يمتد إلى العلاقات الإقليمية، بما في ذلك مع الفلسطينيين والسوريين، عبر اتفاقيات ومعاهدات تحمي مصالح لبنان وسيادته.
أما السياسة الخارجية، فتشدد الجبهة على أن لبنان يجب أن يحافظ على شخصيته الوطنية المميزة، مع تعزيز علاقاته مع الدول الديمقراطية، والدول العربية بشكل خاص، على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
وترى أن استقلالية القرار اللبناني ضرورة، وأن أي تدخل خارجي يجب أن يكون محدودًا ومحكومًا بالمصلحة الوطنية.
على الصعيد الاقتصادي، تضع الجبهة الإصلاح الشامل على رأس أولوياتها، بدءًا من إعادة هيكلة المالية العامة والضرائب، مرورًا بإصلاح النظام الجمركي، ودعم الصناعة والزراعة، إلى تشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
وتؤكد الجبهة أن الهدف هو رفع مستوى حياة المواطن اللبناني، وزيادة فرص العمل، وتحقيق العدالة الاجتماعية، مع وضع برامج لتنمية الريف وحماية العمال، وتحفيز المهاجرين اللبنانيين للاستثمار في وطنهم.
كما ترى الجبهة ضرورة تنظيم الأسواق وتحديد أرباح الوسطاء، بما يحفظ حقوق المنتج والمستهلك.
في مجال التعليم والتربية، تركز الجبهة على تعزيز التعليم الرسمي والحر، وتوسيع نطاق التعليم المهني، مع الاهتمام بالفنون والرياضة وتربية الجيل الجديد على قيم الانتماء الوطني.
وتدعو إلى تخفيض الرسوم المدرسية، وتوفير مستلزمات التعليم دون عوائق جمركية، بما يضمن تكافؤ الفرص لجميع الطلاب، ويعزز من دور لبنان كمركز حضاري وثقافي في المنطقة.
أما الشؤون الاجتماعية، فتسعى الجبهة إلى إقامة نظام ضمان اجتماعي شامل يشمل التقاعد، التأمين الصحي، ودعم الفئات الأكثر ضعفًا.
وتشدد على ضرورة حماية الحقوق الفردية، وتوفير الحماية القانونية للموظفين والمزارعين والصناعيين، بما يعزز الاستقرار الاجتماعي ويحد من مظاهر الفوضى والانتهاكات.
تتضمن رؤية الجبهة أيضًا معالجة القضايا الوطنية الكبرى، بما في ذلك العلاقة مع اللاجئين الفلسطينيين.
وترى أن لبنان، رغم استقباله لللاجئين، يجب أن يضمن ضبط الوضع داخل مخيماتهم، وحماية المواطنين اللبنانيين من أي تصرفات تؤدي إلى تهديد الأمن العام أو المساس بسيادة الدولة.
كما تؤكد الجبهة أن الفوضى أو الانفلات داخل الأراضي اللبنانية يجب مواجهتها من خلال تفعيل مؤسسات الدولة وتعزيز حكم القانون.
كما تولي الجبهة اهتمامًا خاصًا للحفاظ على الهوية الثقافية والروحية للبنان، ورعاية مكانته التاريخية والدينية.
وترى أن لبنان يمثل نموذجًا فريدًا من التجربة الديمقراطية والتعايش الطائفي، مع قدرة على لعب دور محوري في المنطقة، ومساهمة فعالة في تعزيز السلام والعدالة.
تؤكد الجبهة أن الإصلاح الشامل لا يقتصر على تحسين الأداء الاقتصادي أو السياسي فقط، بل يشمل إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وتعزيز الوحدة الوطنية، ووضع لبنان على مسار التنمية المستدامة.
وتعتبر أن التحديات الداخلية، بما في ذلك الفساد والممارسات غير القانونية، يجب مواجهتها بحزم، مع ضمان حماية حقوق جميع المواطنين.
ترى الجبهة أن لبنان يملك القدرة على تجاوز محنته، إذا ما تم التزام المبادئ الوطنية، وتعزيز الإصلاح الشامل في جميع المجالات، وتحقيق التوازن بين السيادة الوطنية والانفتاح الإقليمي والدولي.
وتؤكد الجبهة أن مستقبل لبنان يعتمد على وعي المواطن، وفعالية مؤسسات الدولة، والتزام السياسيين بخدمة المصلحة العامة قبل أي اعتبار آخر.
  على مدى عقود، بقي الرئيس كميل شمعون شخصية محورية في السياسة اللبنانية، ليس فقط من خلال المواقع الرسمية التي شغلها، بل من خلال الرؤية الوطنية التي قاد بها لبنان في أصعب مراحل تاريخه الحديث.
لقد جسّد شمعون نموذج القائد الذي يوازن بين التعددية السياسية والتزامه العميق بالوحدة الوطنية، محافظًا على الاستقرار الداخلي في مواجهة الأزمات الإقليمية والداخلية.
يتميز دور شمعون بكونه محوريًا على مستويات عدة.
أولًا، كان دائمًا المدافع عن الوفاق الوطني، مؤكدًا أن التعاون بين جميع القوى اللبنانية هو الأساس في بناء الدولة والحفاظ على مؤسساتها.
كما أظهر مرونة سياسية تمكنه من التعامل مع مختلف الأطراف السياسية، مع تمسكه بالثوابت الوطنية والشرعية اللبنانية.
ثانيًا، كان للرئيس شمعون دور محوري في السياسة الخارجية اللبنانية.
فقد حرص على تعزيز علاقات لبنان بالدول العربية والدول الديمقراطية على حد سواء، مع تأكيد احترام سيادة لبنان ومصالحه، وتحقيق التعاون المتبادل بما يخدم مصلحة الدولة والمواطن اللبناني.
كانت هذه السياسة تمثل مزيجًا فريدًا من الواقعية والحكمة، مما منح لبنان مكانة مميزة في المحافل الدولية.
ثالثًا، كانت القيادة الوطنية لشمعون مرادفة لخط الدفاع عن حقوق اللبنانيين ومصالحهم الاقتصادية والاجتماعية.
فقد دعم المشاريع التنموية والإصلاحية التي تهدف إلى تحسين مستوى حياة المواطن اللبناني، سواء في القطاع الزراعي أو الصناعي، وكان دائمًا مناصراً لحق اللبنانيين في العيش الكريم ومواجهة الفساد والاستغلال.
الرئيس شمعون رم للثبات والاعتدال، وهو الذي لم يسمح لأي أزمة داخلية أو خارجية أن تزعزع موقفه الوطني، وكان دائمًا الحصن الذي يحمي مؤسسات الدولة ويحافظ على استمراريتها، في الوقت الذي كانت فيه أيادي الإجرام والتطرف تحاول ضرب النسيج الوطني اللبناني.
من هنا، أؤكد، أن دور الرئيس كميل شمعون في السياسة اللبنانية درس دائم لكل من يسعى إلى بناء لبنان مستقرًا وقويًا، وأن احترام قيادته وتقدير رؤيته الوطنية واجب وطني يحمينا جميعًا من مخاطر الانقسام والفتن.
أدوار حنين.
  يرى أدوار حنين أن العلاقة بين لبنان وفرنسا ليست علاقة عابرة أو مصلحية، بل هي علاقة تاريخية – حضارية – سياسية، تأسست على شراكة عميقة في القيم والرسالة، قبل أن تتعرض، في مراحل لاحقة، لاختبارات قاسية فرضتها التحولات الدولية وحسابات المصالح.
ويتوقف حنين عند خطاب الرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان خلال احتفال تسلمه أوراق اعتماد سفير لبنان فوق العادة في باريس، الدكتور بطرس ديب، معتبرًا أن الصوت الذي سُمع يومها لم يكن، في جوهره، صوت فرنسا الذي عرفه اللبنانيون عبر التاريخ، بل صوت دبلوماسية ظرفية انزلقت إلى مقاربات سياسية لا تعكس حقيقة الدور الفرنسي التقليدي تجاه لبنان.
ويقول حنين إن فرنسا التي يعرفها اللبنانيون هي تلك التي عبّر عنها القديس لويس التاسع في رسالته الشهيرة إلى البطريرك الماروني، حين اعتبر أن الأمة المارونية جزء لا يتجزأ من الأمة الفرنسية، وأن لأبنائها في فرنسا ما للفرنسيين من حقوق، دون أن تترتب عليهم واجبات إضافية.
وهي فرنسا التي ثبّتت، عبر المعاهدات المشرقية، حق اللبنانيين في الوجود والاستمرار الدائم، ورسّخت كيانهم في محيط مضطرب.
ويضيف أن صوت فرنسا الحقيقي هو ذاك الذي حملته المدارس والإرساليات التعليمية الفرنسية، فصاغ وجدان النخبة اللبنانية وأسهم في بناء ثقافتها الحديثة، وهو الصوت الذي تجلّى أيضًا في حملة نابليون الثالث عام 1860 دفاعًا عن لبنان وأهله، وفي مؤتمر فرساي حيث نادت فرنسا بإعادة الأقسام المسلوخة عن لبنان إلى كيانه الطبيعي، كما هو صوت جول الذي وقف إلى جانب لبنان في كل محطة كبرى من تاريخه الحديث.
في المقابل، يلاحظ حنين أن الخطاب الذي سُمع من الرئيس جيسكار ديستان، والقائل بأن استقلال لبنان ووحدة أرضه وسيادة شرعيته تتحقق فقط عبر تفاهم اللبنانيين في ما بينهم، بدا خطابًا منقوصًا، لأنه ينظر إلى الحقيقة بعين واحدة.
فالمأساة اللبنانية، برأيه، لا تنبع من الخلافات الداخلية وحدها، بل هي نتيجة سلسلة احتلالات وضغوط تدك أسوار لبنان، من الاحتلال الفلسطيني والسوري والإسرائيلي، إلى المؤامرات التي تُحاك على حقوق اللبنانيين في أعلى المستويات العربية والدولية.
ويذهب حنين أبعد من ذلك، معتبرًا أن فرنسا، في بعض مراحل هذا المسار، أصبحت جزءًا من شبكة التوازنات الدولية التي تعاملت مع القضية اللبنانية بمنطق الإدارة لا بمنطق العدالة التاريخية، ما شكّل خيبة أمل لدى اللبنانيين الذين لطالما رأوا في فرنسا صوت الحق وحامية الشرعية والحرية.
ويخلص أدوار حنين إلى أن إعادة تصويب العلاقات اللبنانية–الفرنسية لا تكون بقطع الجسور، بل بعودة فرنسا إلى ذاتها، إلى تاريخها، وإلى رسالتها الأصلية تجاه لبنان: دولة سيدة، حرة، مستقلة، لا تُختصر أزمتها بتسويات داخلية، ولا تُفصل عن سياق الاحتلالات والتدخلات التي استهدفت كيانها ودورها.
  في يوم الجمعة الواقع في السادس عشر من أيار عام 1980، أطلق النائب إدوار حنين موقفًا تحذيريًا بالغ الدلالة، كاشفًا فيه عن مشهد لبناني قاتم تتقاطع فيه الأخطار من أكثر من جهة، وتتوزع فيه المسؤوليات بين فاعلين مباشرين ومتواطئين بالصمت أو بالانشغال.
ففي تصريح لصحيفة «الأنوار»، رسم حنين لوحة سياسية شديدة القتامة، حيث رأى إسرائيل تزحف بثبات نحو الجنوب، فيما يزحف الفلسطينيون في اتجاه تثبيت واقع استيطاني‑عسكري، وبين هذا وذاك يقف هامشيون، عن وعي أو عن غير وعي، يطاوعون المشروعين معًا: إسرائيل في عدوانها، والفلسطينيين في شيطنة الكيان اللبناني وضرب أسسه.
غير أن الأخطر، في نظر حنين، لم يكن فقط هذا الزحف المزدوج، بل غياب الانتباه الرسمي إلى ما يجري.
فالمسؤولون، ولا سيما غير الرسميين منهم، بدوا وكأنهم غارقون في معارك جانبية، موزعين اهتمامهم بين اقتتال داخلي هنا، وتنظيم إداري هناك، غير مدركين أن ثمة لعبة أكبر تُدار في العمق، وأن ما يبدو أحداثًا متفرقة ليس سوى خيوط متشابكة في مخطط واحد.
وانطلق حنين في تحليله من ثلاث وقائع متزامنة: الاقتتال في بدادون وأهمج والصفراء، الاشتباكات في الزعرور، والمرسوم التنظيمي للجيش.
ورأى أن هذه الشؤون الثلاثة، على خطورتها كلٌّ بذاته، تُستخدم معًا لتحقيق غايتين أساسيتين.
الغاية الأولى تكمن في تحويل كل شأن إلى أزمة قائمة بذاتها، بما يستنزف المسؤولين ويشغلهم عن الخطر الحقيقي الداهم.
أما الغاية الثانية، فهي أخطر وأعمق، إذ تهدف إلى ضرب الجبهة اللبنانية من الداخل، وإضعاف تماسكها السياسي والعسكري، تمهيدًا لإحداث خلل شامل في بنية الحكم.
ففي الاقتتال الداخلي، رأى حنين محاولة واضحة لهدّ الجبهة اللبنانية عبر استنزافها وإشغالها بنفسها، بدل توجيه طاقاتها نحو مواجهة الأخطار الخارجية.
أما في أحداث الزعرور، فاعتبر أن القصد الأول منها هو جرّ الجيش السوري إلى مواجهة مباشرة مع القوات اللبنانية، بما يعيد إشعال فتيل اقتتال دموي جديد بين الطرفين، ويعيد خلط الأوراق بما يخدم مشاريع الهيمنة والوصاية.
وفي المرسوم التنظيمي، قرأ حنين محاولة للإيقاع بين أهل السلطة أنفسهم، ودفعهم إلى نفور متبادل يقود إلى استقالات متلاحقة، والغاية النهائية هي إحداث فراغ في الحكم، يفتح الباب واسعًا أمام الفوضى والتدخلات.
غير أن حنين، رغم قتامة المشهد، لم يكتب من موقع اليأس.
فقد شدد على أن أبناء الجبهة اللبنانية وعوا هذه المقاصد الثلاثة، وتعاملوا معها بقدر عالٍ من المسؤولية.
فسارعوا إلى وقف الاقتتال في ما بينهم، وإلى تحصين الجبهة الداخلية، والعمل على تجنيب البلاد مواجهة جديدة مع الجيش السوري في الزعرور وسواها.
كما تحرك نواب الجبهة داخل المجلس النيابي لمنع الانزلاق نحو الفراغ، والسعي إلى تحييد المؤسسات عن التصلب الأعمى والمواقف المغرضة التي لا تخدم سوى مشاريع التفكيك.
قدّم إدوار حنين قراءة استباقية للأحداث، تنبّه إلى أن أخطر ما يواجه الأوطان ليس فقط العدو الخارجي، بل لحظة الغفلة الداخلية، حين تتحول الصراعات الصغيرة إلى ستار يُخفي الزحف الكبير، وحين يُستدرج الحكم إلى الفراغ بدل أن يُستنهض للدفاع عن الكيان.
  الجبهة اللبنانية تحذر وتتصدى للتحديات في الجنوب والداخل.
في يوم الجمعة 16 أيار 1980، أكدت الجبهة اللبنانية، من خلال تصريح النائب إدوار حنين، موقفها الثابت تجاه ما يحدث على الساحة اللبنانية من مخاطر محلية وإقليمية.
فقد نبهت الجبهة إلى الزحف الإسرائيلي نحو الجنوب، وإلى نشاط الفلسطينيين الذي يهدف إلى تثبيت واقع استيطاني في مناطق مختلفة، محذرة من الدور الذي يلعبه هامشيون، عن وعي أو غير وعي، في تيسير هذه التحركات على الأرض.
موقف الجبهة من الاقتتال الداخلي تعتبر الجبهة اللبنانية أن الاقتتال في مناطق مثل بدادون وأهمج والصفراء جزء من مخطط لزعزعة استقرارها وإضعاف صمودها الداخلي.
ولهذا، سارعت قيادة الجبهة وأعضاؤها إلى التدخل لوقف الاقتتال، مؤكدين على ضرورة حماية الوحدة الداخلية للجبهة والحفاظ على قدرة القوى اللبنانية على مواجهة الأخطار الخارجية.
التعامل مع الأحداث في الزعرور والمرسوم التنظيمي للجيش في شأن الزعرور، وضعت الجبهة موقفًا واضحًا: منع أي تصادم مباشر مع الجيش السوري، والعمل على تهدئة الوضع ومنع استغلاله لخلق مواجهات داخلية.
أما في ما يخص المرسوم التنظيمي للجيش، فقد حذرت الجبهة من محاولات استغلاله لإحداث فتور بين السلطات الرسمية، مؤكدة على أهمية تجنب الفراغ السياسي والحفاظ على استمرارية الحكم، بعيدًا عن أي توجه يؤدي إلى الانقسامات أو استقالات متلاحقة.
سياسة الجبهة الثابتة.
تؤكد الجبهة اللبنانية على أن سياساتها قائمة على ثلاث أولويات رئيسية.
الحفاظ على وحدة الصف الداخلي ومواجهة أي محاولات لإضعافها.
التصدي للزحف الإسرائيلي والممارسات الفلسطينية التي تهدد الأمن والاستقرار.
حماية المؤسسات الرسمية ومنع استغلال أي حدث داخلي لخلق فراغ سياسي أو اضطراب إداري.
الجبهة اللبنانية تتعامل مع كل حدث بوعي كامل وتحليل دقيق، موازنة بين حماية مصالح لبنان الداخلية والدفاع عن سيادته، مع تحذير الجميع من الانشغال بالمنازعات الثانوية على حساب الأخطار الكبرى.
وتؤكد الجبهة أن أي تهدئة أو حل يجب أن يكون منسجمًا مع الحفاظ على الأمن الوطني ووحدة الجبهة واستقرار المؤسسات اللبنانية.
  الخيارات الإسرائيلية المأزومة واحتمال الحرب مع سوريا: بين صناديق الاقتراع، وجبهات الجنوب، ونيران الخليج في خضم تعقيد المشهد الإقليمي المتسارع، تلوح في الأفق ثلاثة عوامل رئيسية قد تدفع إسرائيل إلى خيار الحرب، وتحديداً مع سوريا، في محاولة لتغيير الوقائع وتصدير أزماتها الداخلية.
هذه العوامل تتداخل في لحظة حساسة تتقاطع فيها حسابات الداخل الإسرائيلي مع تطورات الجنوب اللبناني وانعكاسات الحرب العراقية-الإيرانية على ميزان القوى في المشرق.
1.
الانتخابات الإسرائيلية المقبلة: الحرب كأداة حشد وعبور تعيش إسرائيل لحظة سياسية حرجة، تتسم بانقسام داخلي حاد وصراع مستعر بين حزب العمل والليكود، وسط تراجع في التأييد الشعبي للحكومة نتيجة إخفاقات الحرب في لبنان وتبعات الاجتياح.
وفي مثل هذه اللحظات، جرى العرف السياسي الإسرائيلي أن تُستعمل أوراق الحرب أو التصعيد الميداني كرافعة لتوحيد الداخل خلف القيادة، وصرف النظر عن الفشل السياسي أو الاقتصادي.
من هنا، قد تكون المواجهة مع سوريا، سواء على الأراضي اللبنانية أو عبر استهداف مواقع للجيش السوري، وسيلة لإعادة شد العصب الانتخابي وضمان السيطرة على القرار السياسي.
2.
عمليات الاستنزاف في الجنوب: بين ضربات المقاومة وردع الانتشار السوري يشهد الجنوب اللبناني في حزيران 1984 تصعيدًا متزايدًا في وتيرة عمليات المقاومة اللبنانية ضد مواقع الجيش الإسرائيلي، لا سيما في الشريط الحدودي المحتل.
هذا التآكل البطيء في قدرة إسرائيل على تثبيت حضورها الأمني، بالتزامن مع انتشار الجيش السوري في البقاع وتعزيز موقعه العسكري، قد يُفسَّر في تل أبيب كتهديد مزدوج: من جهة تعاظم العمليات النوعية للمقاومة، ومن جهة أخرى ترسيخ الوجود السوري في خطوط متقدمة.
الرد الإسرائيلي قد يتخذ شكل حملة عسكرية محدودة أو ضربة استباقية تستهدف كبح النفوذ السوري قبل أن يُترجم إلى توازن ردع دائم.
3.
اتساع رقعة الحرب العراقية-الإيرانية: فراغ إقليمي وفرص المناورة مع اتساع جبهات الحرب العراقية-الإيرانية، وانشغال القوى العربية الأساسية في صراعات استنزافية، تجد إسرائيل فرصة نادرة للتحرك من دون خوف من رد عربي موحد.
غياب العراق ومصر عن المعادلة الإقليمية الفاعلة، وانشغال دول الخليج بدعم العراق وتحصين جبهاتها، يمنح إسرائيل هامشًا أوسع للمناورة.
وقد ترى في هذا الانشغال فرصة لفرض وقائع جديدة في الجبهة السورية – اللبنانية، من دون أن تُواجه بردّ واسع النطاق.
خاتمة: من حيث الظرف السياسي الإقليمي والديناميات الداخلية الإسرائيلية، يبدو أن احتمال الحرب مع سوريا ليس نابعًا من نية توسعية محضة، بل من اضطرار ناتج عن أزمة بنيوية داخل تل أبيب، ورغبة في إعادة تموضع تكتيكي في لبنان.
أمام هذا المشهد، تبدو الحاجة إلى تحرك دبلوماسي لبناني وعربي عاجل لتجنيب البلاد تبعات هذا الخيار العسكري الإسرائيلي، ولإعادة تثبيت المعادلات السياسية التي تحمي الاستقرار النسبي في الجبهة اللبنانية.
العلاقات التاريخية بين الموارنة والدروز: من الشراكة إلى الشرخ ليس التاريخ سلسلة انتصارات متصلة، بل هو، في بلاد مثل لبنان، سلسلة محاولات للعيش المشترك، تتخللها هدنات وتُفجرها نزاعات.
هكذا هي العلاقة بين الموارنة والدروز، علاقة كتبتها الجغرافيا وأعاد تشكيلها الصراع على السلطة، وتخللتها صفحات دامية لا يمكن محوها بالتناسي، ولا معالجتها بالمسايرة الخطابية.
منذ القرن السابع عشر، شكّل الجبل الماروني – الدرزي مختبرًا سياسيًا مبكرًا لمفهوم الكيانية اللبنانية.
ففي عهد الأمير فخر الدين الثاني، ظهرت أولى ملامح التوازن الطائفي – السياسي، حين استقدم الموارنة من الشمال، وأسكنهم في أراضي الدروز، وجعلهم جزءًا من نظام الإقطاع المحلي.
لم تكن العلاقة آنذاك قائمة على المساواة، بل على تراتبية اجتماعية سياسية تتيح للدروز قيادة الجبل، وللموارنة أن يتدرجوا من موقع الفلاح الخاضع إلى موقع الشريك الحذر.
ولم يكن الأمر محض تعايش اجتماعي، بل سرعان ما ارتدى لبوسًا سياسيًا في القرن التاسع عشر، حيث أدى الصراع على الحكم بين العائلات الدرزية الكبرى من جهة، وتنامي النفوذ الماروني المدعوم من الكنيسة ومن فرنسا من جهة أخرى، إلى احتدام التنافس على السيادة.
فجاءت تجربة القائمقاميتين بين 1840 و1860، لتجسد هذا التوازن الهش، قبل أن تنهار في واحدة من أكثر صفحات التاريخ اللبناني دمًا: مجازر 1860.
في تلك المجازر، سقط آلاف الموارنة ضحايا للغضب الدرزي المتراكم، كما سقط أيضًا مئات الدروز في المجازر المقابلة.
وتمت عمليات تهجير ونهب وتدمير لم تُمحَ آثارها من الذاكرة الجمعية، على الرغم من محاولة النظام اللبناني الوليد بعد الاستقلال تضميد الجراح تحت شعار العيش المشترك.
فبقيت العلاقة بين الموارنة والدروز – برغم التحالفات السياسية الظرفية – علاقة مشوبة بالخشية وعدم الثقة.
ولما اندلعت الحرب اللبنانية في العام 1975، عادت الشياطين المدفونة إلى السطح، ولكن هذه المرة على نحو أكثر عنفًا وتفككًا.
ومع دخول القوى الفلسطينية إلى مناطق الجبل، ومع صعود الجبهة اللبنانية كرد فعل مسيحي، كان لا بد أن تقع المواجهة الكبرى بين الموارنة والدروز.
فشكلت أحداث 1983 في الجبل – وما تلا انسحاب الجيش الإسرائيلي – ذروة الصدام الدامي.
سقطت قرى مسيحية كاملة تحت سيطرة الميليشيات الدرزية، وتكررت المجازر والتهجير والقتل على الهوية، تمامًا كما حصل في دير القمر، وعين زحلتا، ومناطق متعددة في الشوف وعاليه.
لقد كُتب في الجبل فصل من أكثر فصول الحرب اللبنانية مأساوية.
عشرات الآلاف من الموارنة اقتُلعوا من بيوتهم، لا كغرباء، بل كمواطنين فقدوا فجأة الحق في الوجود، ومئات من العائلات المارونية لم تجد من يحتضنها سوى مناطق المتن وكسروان.
لم يكن ذلك نتيجة خلاف سياسي عابر، بل انفجار عميق للذاكرة التاريخية المثقلة بالجراح.
أما الأحقاد التي تسربت إلى الأجيال الجديدة، فقد زادتها الحرب نارًا.
لم تكن مجازر الجبل من فعل طارئ، بل نتيجة تراكمات عميقة من التوتر التاريخي غير المعالَج.
ولعلّ الطامة الكبرى أن الزعامات الطائفية – من الجانبين – لم تملك الشجاعة الكافية للجلوس إلى مائدة الحقيقة، بل اكتفت بحسابات الربح والخسارة الآني، وأوهمت الناس أن التعايش مسألة توقيع ورقة لا اعتراف بذاكرة الآخر.
اليوم، ونحن في منتصف عقد الثمانينات، لا يمكن أن نغضّ الطرف عمّا حلّ بالجبل، ولا أن نستكين إلى سردية الانتصار أو الهزيمة.
فكل طائفة انتصرت في لحظة، ودُفعت إلى الثمن لاحقًا.
أما الخاسر الأكبر، فهو الوطن، والتعدد، والكيان.
كمسيحي ماروني نشأ على حكايات الفلاحة مع الدروز، وعلى تعاليم الإيمان المشبع بالمغفرة، أجد نفسي حائرًا بين الوجع والغفران.
نعم، نحن والموارنة والدروز رضعنا من تراب واحد، لكننا ما زلنا لا نعرف كيف نعيش فيه معًا.
فهل نُعيد قراءة التاريخ بعيون الحقيقة، لا بروح الثأر؟ أم أننا محكومون أن نكرر كل خمسين سنة نفس المجازر، بنفس الأيديولوجيات، ولكن بأسماء جديدة؟ الجواب لن يأتي من السلاح، بل من ضمير يحترم الشهداء، كل الشهداء، ومن عدالة لا تساوي بين الجلاد والضحية، ولكن لا تبقى أيضًا رهينة الثأر.
  دراسة تحليلية حول العلاقات التاريخية بين الموارنة والدروز: من الشراكة التاريخية إلى الانقسام الدموي مقدمة.
تُعد العلاقة بين الموارنة والدروز في لبنان إحدى المحطات المحورية التي شكلت مسار الكيان اللبناني، وجزءًا لا يتجزأ من نسيجه الطائفي والاجتماعي.
تنبع هذه العلاقة من تراكمات تاريخية طويلة، تداخلت فيها عوامل دينية، سياسية، اجتماعية وجغرافية، انعكست في نمط تفاعل متقلب بين الشراكة والتنافس، التعايش والصراع.
ومن هنا تنطلق هذه الدراسة التحليلية لفهم أبعاد هذه العلاقة، مع إضاءة خاصة على الأسباب التي أدت إلى الانقسامات الحادة والتوترات العميقة التي شهدها لبنان في ثمانينيات القرن العشرين، خاصة في سياق الحرب الأهلية.
1.
الجذور التاريخية للعلاقة تعود علاقة الموارنة والدروز إلى القرن السابع عشر حين بدأت موجات هجرة الموارنة من شمال لبنان إلى مناطق الجبل التي كان يقطنها الدروز بشكل رئيسي.
في تلك الفترة، تميز الجبل بكونه منطقة إقطاعية تحكمها قبائل وعائلات قوية، وفي مقدمها العائلات الدرزية الكبرى مثل شهاب والماهوز، والسلطة كانت منحصرة إلى حد كبير في أيدي الزعامات الدرزية.
لقد تميزت العلاقة آنذاك بأنها قائمة على تبادل مصالح: الموارنة حصلوا على أراضٍ وفرص استقرار، بينما الدروز حافظوا على هيمنتهم السياسية المحلية، وفي المقابل كانت هناك مشاركة محدودة للموارنة في الشؤون العامة.
هذا النمط من التعايش، وإن لم يكن متكافئًا، مثل الأساس الأول لشراكة الجبل، والتي يمكن اعتبارها نواة الدولة اللبنانية المبكرة.
2.
عوامل تصعيد التوتر: من القائمقاميتين إلى مجازر 1860: بدأت العلاقة تتوتر مع تحول القوى السياسية والديموغرافية في القرن التاسع عشر، حيث ازداد عدد الموارنة في مناطق نفوذ الدروز، وبرزت نخبة مارونية تطالب بحقوق أكبر، مدعومة من فرنسا والكنيسة المارونية.
في المقابل، حافظت القيادات الدرزية على هيمنتها السياسية والتقليدية، ما أدى إلى تصاعد التنافس.
نظام القائمقاميتين (1842-1860) الذي قسمت فيه جبل لبنان إلى قسمين (شمالي ماروني وجنوبي درزي)، حاول فرض توازن طائفي وإداري، لكنه في الواقع رسخ الانقسامات بدلاً من معالجتها، وأدى إلى تفاقم النزاعات.
وجاءت مجازر 1860 كذروة هذا التصعيد، حيث استغلّت قوى خارجية ومحلية النزاع الطائفي لتحقيق أهداف سياسية، وراح ضحيتها آلاف من المدنيين في مجازر وحشية تركت أثرًا عميقًا في الذاكرة الجماعية للطائفتين.
3.
مرحلة ما بعد المجازر: السعي نحو التعايش في ظل الدولة الحديثة.: بعد مجازر 1860 وتدخل الدولة العثمانية، ثم الانتداب الفرنسي، وسعت القيادة اللبنانية المارونية إلى بناء دولة مؤسساتية، حافظت على نظام التوازن الطائفي في الإدارة والسياسة، فيما حافظ الدروز على موقعهم السياسي والاجتماعي في مناطق الجبل، خاصة في الشوف.
في هذه المرحلة، تبلورت شراكة سياسية بين الموارنة والدروز أُسست على ميثاق غير مكتوب من التوازن والاحترام المتبادل، لكنه ظل هشًا، ولم يتجاوز آثار النزاعات السابقة، وظل الاستقرار السياسي مرتبطًا بالمصالح الظرفية والتحالفات الإقليمية والدولية.
4.
أزمة لبنان 1975-1985: لماذا انهارت العلاقة؟: بدأت الحرب اللبنانية في 1975 كسلسلة من الصراعات السياسية والاجتماعية المعقدة، لكن بين مكونات الجبل، تحولت العلاقة بين الموارنة والدروز إلى مواجهات دامية.
عدة عوامل أدت إلى ذلك: تدخل الفصائل الفلسطينية وازدياد التسلح: دخول الفلسطينيين إلى مناطق الجبل أزعج الزعامات الدرزية التي رأت في ذلك تهديدًا لمصالحها، بينما لم يكن للموارنة قدرة كافية على التصدي.
تحول التحالفات الإقليمية: تغيرت مواقف القوى الإقليمية، حيث دعم السوريون الدروز في صراعهم مع الموارنة، فيما كان للمسائل السياسية اللبنانية تأثير مباشر على الصراعات الداخلية.
المجابهات العسكرية والمجازر: شهدت الجبل معارك وحشية (مثل مجازر دير القمر وعين زحلتا وغيرها) حيث تعرض آلاف المدنيين للقتل والتهجير، ما عمّق الكراهية بين الطرفين، وأدّى إلى تهجير مئات العائلات المارونية من مناطقها التقليدية.
فشل الطبقة السياسية في إدارة الخلافات: غابت الرؤية الوطنية الجامعة، وتحولت الزعامات إلى أدوات للصراعات الطائفية والمناطقية، مع غياب آليات حقيقية للصلح والمصالحة.
5.
قراءة تحليلية للأسباب العميقة: تتعدّد الأسباب التي يمكن أن تُفسر انهيار العلاقة بين الموارنة والدروز: تراكم الذاكرة التاريخية المؤلمة: مجازر 1860 وأحداث أخرى لم يتم التعامل معها بآليات مصالحة حقيقية، ما جعل الذاكرة الجماعية للطائفتين تحمل الأحقاد على مدى أجيال.
الاقتصاد السياسي للطائفية: هيمنة الزعمات الطائفية واستغلالها لمشاعر الانتماء الطائفي لصالح بقاءها السياسي، مما أدى إلى تأجيج النزاعات بدلاً من حلها.
تدخل القوى الإقليمية والدولية: كل طرف استفاد من دعم خارجي، مما عمّق الانقسامات وحوّل الصراع الداخلي إلى حرب بالوكالة.
الاختلافات الدينية والمذهبية: رغم أن الخلافات لم تكن دينية في جوهرها، إلا أن الأديان والطوائف استخدمت كأدوات للتعبئة السياسية وتبرير العنف.
6.
الخاتمة: دروس من الماضي وأفق المستقبل. إن فهمنا العميق للعلاقات التاريخية بين الموارنة والدروز لا يمكن أن يقتصر على سرد الأحداث أو تحميل طائفة ما المسؤولية فقط، بل هو دعوة إلى قراءة نقدية لمسار تاريخي طويل، يحوي فرصًا ضائعة وأخطاء قاتلة.
في ظل واقع لبنان اليوم، حيث تنذر علامات الانهيار السياسي والاجتماعي، لا بد من استلهام الدروس من تجربة الجبل، والعمل على إعادة بناء الثقة بين المكونات، على قاعدة العدالة التاريخية والاعتراف بالجرح.
المصالحة ليست رفاهية، بل ضرورة وجودية للحفاظ على لبنان كدولة متعددة الطوائف قادرة على التعايش.
إن مآسي الحرب اللبنانية ليست مجرد صفحات سوداء في الماضي، بل تحذير مستمر لنا جميعًا من خطر استغلال الخلافات التاريخية لإدامة الصراع والدمار.
  حوار صحافي
الصحيفة: دولة النائب، كيف تصفون المدخل الرئيسي لهذه الدراسة التي أثارت الكثير من الجدل حول نظرتكم للقضية الفلسطينية؟
النائب حنين: المدخل بسيط ومعقّد في آن.
نحن لم نكتب هذه الدراسة بدافع الخصومة مع الشعب الفلسطيني أو تنكرًا لعدالة قضيته، بل من باب الدفاع عن الكيان اللبناني الذي جُرّ إلى صراعات لم تكن من صلب تكوينه، ولا ضمن قدرته.
الصحيفة: هل تعنون بذلك أن لبنان لم يكن مهيأ لتحمل تبعات الصراع العربي الإسرائيلي؟
النائب حنين: بالضبط.
لبنان بخصوصياته التعددية وبتكوينه الحساس، لا يحتمل أن يُستعمل كمنصة عسكرية مفتوحة من دون حساب، أو كأرض بديلة تقام فوقها جبهة لا تشبه تاريخه ولا واقعه.
الصحيفة: ولكن ألا يبدو هذا الموقف قريبًا من مواقف انعزالية أو انكفائية كما يُتهم؟
النائب حنين: على العكس، ما نفعله هو نقيض الانعزال.
نحن نطالب بتنظيم العلاقة مع الفلسطينيين بما يحفظ لهم كرامتهم، ويحفظ لنا سيادتنا.
لا نطلب أكثر من احترام الدولة اللبنانية وقرارها الحرّ.
الصحيفة: أين بدأ الخلل تحديدًا في العلاقة اللبنانية – الفلسطينية من وجهة نظركم؟
النائب حنين: منذ أن تحوّل الوجود الفلسطيني من لجوء إنساني إلى تموضع عسكري مسلح، ومن تعاطف سياسي إلى هيمنة أمنية على جزء كبير من القرار اللبناني.
الصحيفة: وهل كنتم تعتبرون أن الفلسطينيين أقاموا كيانًا سياسيًا داخل لبنان؟
النائب حنين: عمليًا نعم.
أن تُطلق الصواريخ من أراضٍ خارجة عن سيطرة الدولة، وأن تُمنع قوى الأمن من دخول المخيمات، وأن تفرض التنظيمات الفلسطينية نوعًا من السيادة داخل السيادة، كل هذا يعني أن الكيان اللبناني بدأ يتشظى.
الصحيفة: لكن الفلسطينيين كانوا يقاومون إسرائيل، أليس هذا سببًا كافيًا لتفهم وضعهم؟
النائب حنين: نحن نتفهم القضية، لكننا لا نقبل أن تُستعمل أرضنا وشعبنا كحطب في حرب الآخرين.
المقاومة الحقيقية يجب ألا تدمّر ما تبقى من بلدان داعمة.
الصحيفة: كيف تفسرون انقسام الداخل اللبناني حول الوجود الفلسطيني؟
النائب حنين: بسبب الاصطفافات الداخلية والتناقضات الطائفية، استثمر البعض القضية الفلسطينية لتقوية موقعه الداخلي، ووقعت كارثة الاستقطاب، حيث صار دعم فلسطين يعني خيانة لبنان عند البعض، والعكس بالعكس.
الصحيفة: هل تقصدون أن الجبهة اللبنانية حوصرت إعلاميًا وسياسيًا بسبب مواقفها؟
النائب حنين: إلى حد بعيد، نعم.
صُورنا وكأننا أعداء للقضية، بينما كنا أول من دافع عن عدالة الشعب الفلسطيني.
لكننا رفضنا الممارسات التي دمّرت نسيجنا الوطني تحت شعار التحرير.
الصحيفة: هل أخطأت منظمة التحرير الفلسطينية في تقدير خصوصية لبنان؟
النائب حنين: نعم.
كان عليها أن تدرك أن لبنان ليس ساحة مفتوحة، وأنه بلد هشّ، يحتاج إلى دعم لا إلى تفجير داخلي.
وأن النضال من أجل فلسطين لا يكون عبر استباحة دولة شقيقة.
الصحيفة: هل تعتبرون أن الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 كان نتيجة مباشرة للوجود الفلسطيني المسلح؟
النائب حنين: لا أبرّر الاجتياح، لكنه كان ارتدادًا طبيعيًا لواقع لم يضبط.
حين لا تستطيع الدولة اللبنانية ضبط أرضها وحدودها، تُفتح الأبواب لتدخلات خارجية.
هذا ما حصل للأسف.
الصحيفة: ما مسؤولية النظام العربي الرسمي في ما جرى في لبنان؟
النائب حنين: كبيرة جدًا.
فبعض الأنظمة العربية استعملت الساحة اللبنانية لتصفية حساباتها، وبعضها سلّح ومَوَّل وسكت، ولم يسعَ إلى حل جذري يحمي فلسطين ولبنان معًا.
الصحيفة: كيف تقرأون التواطؤ الدولي في الأزمة اللبنانية؟
النائب حنين: المجتمع الدولي ترك لبنان يُذبح.
لم تكن هناك إرادة جدية لإنقاذه، لأن القوى الكبرى كانت تنظر إليه كمنطقة نفوذ، لا كوطن مستقل يحتاج إلى حماية شرعية.
الصحيفة: هل كنتم مع تدويل القضية اللبنانية؟
النائب حنين: نعم.
حين سقطت المؤسسات، لم يبقَ لنا من سبيل سوى أن نطلب حماية دولية للكيان.
لا نريد وصاية، بل مظلّة تمنع استباحة السيادة مجددًا.
الصحيفة: في المقابل، كيف كنتم ترون الحل للعلاقة مع الفلسطينيين داخل لبنان؟
النائب حنين: بوضوح: تنظيم الوجود، نزع السلاح، احترام القانون، إعطاء الحقوق المدنية للاجئين، والتزام الحياد التام تجاه النزاعات اللبنانية الداخلية.
الصحيفة: هل أنتم مع إعطاء الفلسطينيين حق التملك والعمل بحرية؟
النائب حنين: مع الحقوق المدنية، لا مع الحقوق السياسية التي تهدد التوازن الديموغرافي والسياسي.
نريد لهم حياة كريمة، دون أن يتحولوا إلى عنصر تفجير ديموغرافي.
الصحيفة: ماذا عن الحديث عن التوطين، هل كنتم تخشونه؟
النائب حنين: التوطين مرفوض، لا لأنه ضد الفلسطينيين، بل لأنه يقضي على حق العودة، ويفجر الكيان اللبناني من الداخل.
فلسطين للفلسطينيين، ولبنان للبنانيين.
الصحيفة: وهل تعتقدون أن الشعب الفلسطيني كان ضحية قياداته داخل لبنان؟
النائب حنين: إلى حد بعيد، نعم.
الشعب الفلسطيني في لبنان عانى من الحروب والتهميش والفقر، وهو لم يجنِ شيئًا من التسلح والتورط في الصراعات اللبنانية سوى المزيد من التشريد.
الصحيفة: ما حجم المسؤولية التي تتحملها الأحزاب اللبنانية الحليفة لمنظمة التحرير؟
النائب حنين: مسؤولية كبيرة.
لأنها غلّبت مكاسبها على المصلحة الوطنية، وارتبطت بمشاريع الخارج، وراهنت على موازين قوى ثبت لاحقًا أنها غير مستقرة.
الصحيفة: أين أخطأ المسيحيون في التعامل مع القضية الفلسطينية؟
النائب حنين: أخطأوا أحيانًا حين خلطوا بين الشعب الفلسطيني والقيادات المسلحة، أو حين ذهبوا بعيدًا في ردود الفعل، أو حين استعانوا بدول لا تريد خيرًا للبنان.
الصحيفة: أين أخطأ المسلمون؟
النائب حنين: أخطأوا حين ساووا بين مقاومة إسرائيل وخرق السيادة، وحين غضوا الطرف عن تسليح الفلسطينيين على حساب الكيان، وحين لم يسمعوا صوت التحذير قبل الانهيار.
الصحيفة: ما هو دور البطريركية المارونية في الدفاع عن لبنان؟
النائب حنين: البطريركية كانت دائمًا صرخة ضمير.
دعت إلى الحياد، وإلى بناء الدولة، وإلى عدم الانجراف خلف المغامرات، وحافظت على البعد الأخلاقي للكيان اللبناني.
الصحيفة: هل لبنان قادر اليوم على الخروج من هذه التجربة أقوى؟
النائب حنين: نعم، شرط أن يعترف الجميع بالخطأ، وأن نبني على العبرة لا على الثأر، وأن نحمي صيغة العيش المشترك بوصفها الخيار النهائي لكل اللبنانيين.
الصحيفة: ما رؤيتكم لمستقبل العلاقات اللبنانية – الفلسطينية؟
النائب حنين: نريد علاقة تعاون واحترام.
الفلسطيني شقيق لا عدو، لكنه ليس شريكًا في القرار اللبناني.
نحن شعبان تجمعنا المأساة، ويجب أن يوحدنا الحوار لا السلاح.
الصحيفة: ما مصير المخيمات الفلسطينية بعد كل هذه التطورات؟
النائب حنين: يجب أن تتحول إلى تجمعات مدنية منظّمة، تحت سلطة الدولة، بعيدًا عن السلاح والهيمنة.
وأن يُمنح سكانها حياة كريمة تليق بهم كضيوف لا كغرباء.
الصحيفة: كيف تردون على من يقول إن الجبهة اللبنانية كانت سبب الحرب؟
النائب حنين: الجبهة كانت نتيجة الحرب، لا سببها.
حملت مشروع الدولة حين تخلّى عنه الجميع.
دافعت عن السيادة عندما تواطأ الآخرون على تقاسمها.
الصحيفة: وماذا تقولون لمن يعتبر مواقفكم خيانة للقضية الفلسطينية؟
النائب حنين: أقول له: خيانة فلسطين هي أن تدمروا لبنان باسمها.
أما من يدافع عن سيادة وطنه ويطالب بعودة الفلسطينيين إلى وطنهم، فهو من بقي مخلصًا للقضية.
الصحيفة: ما الرسالة الأخيرة التي توجهونها في ختام هذا الحوار؟
النائب حنين: لبنان ليس ساحة، بل وطن.
وفلسطين لا تتحرر من فوق أنقاضه.
فلنحفظ الكيانات العربية من الدمار، إن كنا نريد مستقبلًا لشعوبنا وكرامة لقضايانا.
  نقف اليوم على أعتاب فصل جديد في تاريخ لبنان، فصل يكتب بدموع الحزن، لكنه يحمل في طياته بذور الأمل.
غدًا، يُنتخب الشيخ بشير الجميل رئيسًا للجمهورية، رجلًا حمل على عاتقه حلم لبنان الحر السيادي، لبنان القوي الموحد، لبنان الذي يحمي أبنائه من كل اعتداء واحتلال.
بشير مثال للشجاعة والكرامة، صوت صارخ في وجه الاحتلال، رمز للمقاومة وللعزم الوطني.
في زمن تكالب فيه الأعداء، وتآمر فيه الداخل والخارج على كيان لبنان، نرى في انتخاب بشير بداية لاستعادة السيادة المفقودة، وبداية لاستعادة الكرامة الوطنية.
في الجبهة اللبنانية، نعلم أن بشير سيكون رأس حربة في مواجهة التحديات، وأنه سيقف بكل قوة دفاعًا عن حقوق المسيحيين، وعن حق لبنان أن يكون دولة واحدة قوية، لا تفرّقها ميليشيات ولا تهزمها الاحتلالات.
غدًا، نضع أيدينا في أيديه، ونشدّ على عزيمته، ونعلنها: لبنان لنا، وسيادته لنا، ومستقبلنا بيد أبنائه الأوفياء.
فلنكن على قدر هذه اللحظة، نعيد بناء وطننا، نحقق الوحدة، ونرسم طريق الحرية والسيادة.
حفظ الله لبنان، وحفظ شعبه الحر، وبارك انتخاب بشير الجميل رئيسًا لجمهوريتنا الحبيبة.
  منذ ما يزيد عن مئة وخمسين عاماً، شهد لبنان ولادة حركة فكرية وثقافية غير مسبوقة أسهمت في إشعال جذوة النهضة العربية الحديثة، والتي كان للمسيحيين اللبنانيين دور بارز في قيادتها وإطلاقها.
تميزت هذه الحركة بانفتاحها على قضايا اللغة، التعليم، الصحافة، والفكر السياسي، حيث سعت إلى إحياء الهوية العربية والتصدي للتحديات التي واجهت الأمة في ظل التراجع السياسي والاجتماعي الذي كان يعيشه العالم العربي آنذاك.
لم تكن النهضة مجرد تحرك ثقافي، بل كانت محاولة جريئة لإعادة بناء العقل الجمعي للأمة، من خلال إعادة صياغة اللغة العربية وإدخالها في الحياة الحديثة، فضلاً عن تبني قيم الحرية والتجديد.
جاءت النهضة في لبنان في فترة حساسة، حيث كانت البلاد خاضعة للحكم العثماني، لكن موقع لبنان الجغرافي والطائفي جعله نقطة التقاء للأفكار والتجارب الغربية، وخاصة عبر البعثات التعليمية والتبشيرية التي أسست مدارس حديثة فتحت آفاقاً جديدة للشباب اللبناني.
في هذا المناخ، تحرك المسيحيون اللبنانيون ليشكلوا نواة حقيقية لهذه النهضة، فأسسوا مؤسسات تعليمية وصحافية لعبت دوراً حيوياً في نشر الثقافة واللغة العربية الحديثة، وفتحت المجال أمام النقاشات الفكرية والقومية التي ساهمت في إشاعة روح الانتماء والهوية.
اللغة كانت في صلب هذه الحركة، حيث اجتهد النهضويون في تطويرها وتحديث أساليب التعبير الأدبي والفكري، وجعلها وسيلة قوية للتواصل بين الشعوب العربية، كما كانت الصحافة منبرهم الأساسي، عبر صحف ومجلات مثل "النهضة" و"المقتطف" التي استقطبت الأدباء والمفكرين لنشر المقالات التي تناقش قضايا الأمة السياسية والاجتماعية والثقافية.
هذا النشاط الصحافي لم يقتصر على لبنان فقط، بل امتد تأثيره إلى مختلف البلدان العربية، ما جعل لبنان مركزاً للفكر والحداثة في المنطقة.
ومن بين الشخصيات التي لعبت دوراً محورياً في هذه النهضة نذكر جبران خليل جبران، الذي عبر في أعماله عن هموم الإنسان والبحث عن الذات والهوية، وكذلك بشارة الخوري وأمثالهم ممن كانوا من أوائل الذين أدركوا أهمية التفاعل بين الأصالة والحداثة.
هؤلاء الرواد لم يكتفوا بالإبداع الأدبي فحسب، بل كانوا أيضاً ناشطين سياسيين وفكريين سعوا إلى ترسيخ القومية العربية والهوية الوطنية في وجدان الناس.
على الصعيد السياسي والاجتماعي، ساهمت النهضة في بناء وعي قومي جديد، حيث بدأت تطلعات الشعوب العربية تتبلور نحو التحرر من القيود الاستعمارية والحكم السلطوي.
وكان لبنان نموذجاً مميزاً لتعايش الطوائف والأديان، بفضل هذا الحراك الثقافي الذي دافع عن قيم التسامح والتعددية، وجعل من التنوع مصدر قوة وثراء للمجتمع اللبناني.
بالطبع، لم تكن النهضة خالية من الصعوبات والتحديات، فقد واجهت مقاومة من السلطان العثماني الذي حاول كبح الحريات الفكرية والسياسية، بالإضافة إلى بعض الخلافات الداخلية بين التيارات المحافظة والتيارات الحداثية داخل المجتمع اللبناني نفسه.
إلا أن هذه التحديات لم تنجح في إيقاف زحف النهضة، بل كانت دافعاً لمزيد من النضال الفكري والسياسي.
اليوم، وبعد أكثر من قرن ونصف من انطلاقها، ما زالت إرث النهضة العربية التي أطلقها المسيحيون في لبنان حاضراً بقوة، فشكلت هذه الحركة نقطة انطلاق أساسية لتطور الثقافة والفكر والهوية العربية الحديثة.
لقد أرسى النهضويون اللبنانيون عبر جهودهم بذور التغيير والتقدم التي ساهمت في بناء أجيال واعية، قادرة على مواجهة تحديات العصر، محققين بذلك نموذجاً فريداً للجمع بين الأصالة والمعاصرة، ولعبوا دوراً لا يُستهان به في تاريخ النهضة العربية الحديثة.
في سماء بيروت التي كانت يومًا صافية كعيني طفل يلعب على ضفاف المتوسط، تغيّرت الألوان وتحولت إلى رماد ثقيل.
غدت المدينة التي كانت تنبض بالحياة وتحتضن كل الأحلام، مسرحًا لصوت القذائف المتواصلة، وكأن الأرض نفسها تنهار تحت وطأة الألم.
تحت وطأة القصف السوري، لم يكن لبنان مجرد بلدٍ يعاني من ويلات الحرب، بل أصبح جسداً يئن، وروحاً ترتجف، وأملًا يتصارع بين رماد الماضي وظلال المستقبل.
في كل شارع، وفي كل زقاق، ترقص أطياف الناس على إيقاع الانفجارات، يتناثرون في مآذن المساجد والكنائس، يتلاحقون بين بقايا البيوت المدمرة، يهربون من صوت الموت الذي لا يفرق بين طفل وشيخ.
بيروت التي عرفناها، تلك المدينة التي تجمع بين دفء العائلة وضجيج الأسواق، تكسّرت تحت نيران لا تعرف الرحمة، وحُولت إلى لوحة حزينة رسمها الحزن بمداد الدم والدموع.
اللبنانيون، رغم الألم، ظلوا صامدين.
في أعينهم بريق من العزيمة، كأنها شعلة صغيرة في ظلام دامس.
حكاياتهم ملأى بالصبر والوجع؛ أم فقدت ابنها في لحظة، وأب يدفن حلمه بين الركام، وشاب يسير على أطلال مدينته باحثًا عن أثر ذكرى، عن قطعة من حياته التي أزهقتها الرصاصات.
لا تزال أصواتهم تملأ الهواء، بين حكايات الألم والمقاومة، ترددها ألسنة الناس وأصداء الجدران المهدمة.
تحت ذلك القصف، لم تقتل فقط البيوت، بل قُتل السلام، والحب، والوحدة التي كانت تجمع بين القلوب على اختلاف انتماءاتها.
صارت الكلمات ثقيلة، تتحول إلى غبار يتطاير مع كل انفجار، وحلت مكانها الصرخات والآهات.
ولم يعد هناك مكان للبسمة التي كانت تُشرق على وجوه الأطفال في شوارع بيروت، فباتت عيونهم المليئة بالدموع شاهدة على مأساة لا تنتهي.
لكن رغم كل ذلك، كان هناك نبض خفي، أمل يتسلل من بين الأنقاض، رسالة تقول إن لبنان سيبقى، وأن بيروت ستشرق من جديد، وأن الإنسان اللبناني، مهما امتدت ظلمة الحرب، سيظل يزرع زهرة في قلب الخراب، يحمل شعلة الحرية والكرامة في يديه المملوءتين بالدموع.
في وجه هذا القصف الذي لم يعرف الرحمة، عرف اللبنانيون كيف يصنعون من الألم قصيدة حياة، ومن الدمار عزفًا على أوتار الصمود.
  الصحافي: كيف تقرأ ولادة حكومة الثمانية برئاسة الدكتور سليم الحص؟
إدوار حنين: أراها خطوة شجاعة ومتقدّمة في ظرف مأزوم.
هي حكومة مصغّرة ولكن بثقل سياسي كبير، والأسماء فيها ليست عشوائية، بل محسوبة لطمأنة الجميع وللتأسيس لمرحلة انتقالية.
الصحافي: وهل برأيك سيكتب لهذه الحكومة النجاح؟ أم ستواجه مصير الحكومات السابقة في ظل هذا الانقسام الحاد؟
إدوار حنين: النجاح ليس مضموناً طبعاً، لكن الفرصة متوفّرة أكثر من أي وقت مضى.
هناك مناخ عربي ضاغط لدعم المؤسسات، ورئيس الجمهورية يحاول جاهداً إعادة بناء الثقة.
المهم ألا تكون هذه الحكومة منصة لصراعات جديدة.
الصحافي: كيف تفسّر تجاوب الجبهة اللبنانية وكمال جنبلاط مع هذه الولادة؟
إدوار حنين: كل طرف لديه حسابات.
الجبهة نالت تطمينات رئاسية، وربما تراهن على استثمار هذه المرحلة لفرض شروطها في المستقبل.
أما جنبلاط، فيبدو أنه أراد أن يثبت مرة أخرى أنه شريك في الحل، وليس مجرد خصم سياسي.
الصحافي: وشمعون؟ لماذا التريث والتحفّظ؟
إدوار حنين: الرئيس شمعون رجل دولة لا يغامر بموقف مبكر.
هو يريد أن يرى البيان الوزاري، وأن يلمس مدى التزام الحكومة بالحفاظ على التوازن الوطني.
تحفظه ليس رفضاً، بل انتظار حذر.
الصحافي: هل تؤيّد هذا التوجّه الحكومي؟ إدوار حنين: نعم، أؤيده من حيث المبدأ.
نحن نحتاج إلى سلطة شرعية تطبّق القانون وتحفظ السيادة.
ما دامت الحكومة تعمل على وقف الحرب وبناء الدولة، فأنا إلى جانبها.
أدعو الجميع، من دون استثناء، إلى إعطاء فرصة للسلام.
لبنان لا يحتمل المزيد من الدماء والدمار.
لنمنح هذه الحكومة مساحة للعمل، ولندعم أي مشروع يوقف النزف ويعيد إلينا وطننا.
  لبنان بين تحديات الحرب الباردة وإرادة البقاء خلال ثمانينيات القرن العشرين، وقعت لبنان في قلب صراع عالمي وإقليمي معقد، حُوّل فيه الوطن الصغير إلى مسرح لحرب باردة ظلت تلقي بظلالها على كل جوانب الحياة السياسية، الاجتماعية، والاقتصادية.
دخل لبنان مرحلة من الانقسام والتفكك، وصار عرضة لتداخل مصالح دولية وإقليمية، ما أضعف مؤسساته، وهدد وحدته الوطنية.
لكن رغم كل هذا، بقي لبنان وطنًا لا يريد أن يموت.
فقد أظهرت إرادة اللبنانيين في أصقاع الوطن وفي الشتات قدرة استثنائية على الصمود، والمحافظة على الروح الوطنية، والسعي المستمر لتحقيق السلام والاستقرار.
كانت هذه الإرادة بمثابة شعاع أمل يضيء في ظلمات الحرب، يدعو إلى تجاوز الانقسامات، وإعادة بناء دولة تحتضن الجميع.
إن درس لبنان في تلك الحقبة المؤلمة يُبرز أهمية الاستقلال الوطني، ووحدة المجتمع، ورفض التدخلات الخارجية التي تهدد سيادة الدول.
كما يذكّرنا بأن الشعوب هي الفاعل الحقيقي في صنع التاريخ، وأنها قادرة على تجاوز أصعب الأزمات بالإرادة والتضامن.
لذلك، يبقى لبنان مثالًا حيًا على وطن يستحق الحياة، على شعب يحمل في قلبه الحلم بالمستقبل، وعلى رسالة تردد صداها بأن إرادة البقاء أقوى من كل محاولات التمزق والدمار.
  في زمن يتقاذف لبنان فيه بين أهوال الحرب ومآسي الانقسامات، تبقى أمامنا مهمة عظيمة لا تحتمل التأجيل أو التراجع، وهي أن يعود لبنان إلى موقعه الطبيعي والتاريخي كمنارة للتطور والحضارة والفن في الشرق الأوسط.
كان لبنان دومًا ذلك النبض الحضاري الذي يجمع بين الأصالة والحداثة، بين الشرق والغرب، بين التاريخ والمستقبل، ولذا علينا أن نُحيي هذه الروح من جديد، ونشيد على أساسها مستقبلًا يليق بتاريخ هذا البلد العريق.
لبنان فكرة حضارية عظيمة تتجسد في التنوع الثقافي والاجتماعي الذي يزخر به، وفي التلاقي الفريد بين مختلف الطوائف والأديان، الذي أفرز ثروة ثقافية وفنية نادرة.
هذه المكونات ليست عبئًا أو سببًا للفرقة كما يعتقد البعض، بل هي ثروة حقيقية ينبغي أن تُستثمر في بناء مجتمع متماسك، يحتفي بالتنوع ولا يخشى الاختلاف، مجتمع ينبض بالحياة والإبداع.
العودة إلى دور لبنان كمنارة للتطور تبدأ من الاستثمار في الإنسان، في طاقاته، وفي تعليمه، وفي تنمية قدراته الثقافية والفنية.
عمن في الجبهة اللبنانية من أجل أن نرعى المدارس والجامعات والمؤسسات الثقافية التي تخرج أجيالًا قادرة على مواجهة تحديات العصر، أجيالًا تملك أدوات العلم والمعرفة، وتمتلك الحس الوطني والرؤية المستقبلية التي لا تلتفت إلى صراعات الماضي بل تبني عليه لبنة لبنة نحو غد أفضل.
الفن في لبنان ليس مجرد نشاط جمالي، بل هو لغة تعبير عن الذات والهوية، وعن التجربة الإنسانية بكل ألوانها وأوجاعها وآمالها.
كانت بيروت دومًا مركزًا للابتكار الفني والموسيقي والأدبي، وملتقى للفنانين والمبدعين من شتى أنحاء المنطقة والعالم.
لقد أنتج لبنان عبر التاريخ أعمالًا فنية تمثل ذروة التعبير الإنساني، ويجب أن يعود إلى هذا الدور ليكون ملتقى عالميًا للفنون والثقافة، حيث تتلاقى الأفكار وتتبادل التجارب.
التطور في لبنان لا يقتصر على الثقافة والفنون فقط، بل يشمل كافة نواحي الحياة: الاقتصاد، الصناعة، الزراعة، التكنولوجيا، والإدارة.
لبنان كان ولا يزال يحتل موقعًا استراتيجيًا يؤهله لأن يكون جسرًا للتواصل والتبادل بين الشرق والغرب.
في عرف الجبهة اللبنانية، لا بد من إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس شفافة وعصرية، تواكب التطورات العالمية، وتفتح المجال أمام رواد الأعمال والمفكرين والمبدعين ليبثوا روح التجديد في كل زاوية من زوايا الوطن.
استعادة لبنان لدوره كمنارة لا يتم إلا من خلال الوحدة الوطنية التي تُبعد كل أشكال الفرقة والاقتتال الداخلي، فالانقسام هو العدو الأول الذي يحول بيننا وبين تحقيق أحلامنا في وطن متطور ومبدع.
وحدتنا هي الأساس الذي تقوم عليه كل مشاريع النهضة والتقدم، وهي الضامن لاستقرار لبنان وأمنه، مما يسمح بنمو الثقافة والفنون وتوسعها في فضاء واسع ينعم فيه كل لبناني بحريته وإبداعه.
نحن بحاجة إلى رؤية متجددة ومبادرات عملية تعزز مكانة لبنان في العالم كحاضنة للعلم والفكر والفن، لا مجرد ساحة نزاعات أو ميدان صراعات.
دورنا في الجبهة اللبنانية وفي هذه المرحلة يتخطى الإطار السياسي، ليدفعنا نحو آفاق أبعد. يحثنا أن نكون دعاة السلام والوحدة والتطور، أن نبني على ما تبقى من إنجازات، وأن نزرع في الأجيال القادمة الإيمان بأن لبنان بلد الفرص والابتكار، بلد العقول والقلوب المفتوحة على العالم.
لا بد أن نؤمن بأن لبنان قادر على النهوض من بين الركام، قادر على استعادة مكانته المرموقة، ليس فقط بفضل موقعه الجغرافي أو ثرواته الطبيعية، بل بفضل روحه التي لا تموت، وبفضل أبنائه الذين يعشقون هذا الوطن بلا حدود.
لبنان منارة لا تنطفئ، ولا يزال بإمكانه أن يكون مهدًا للتطور والفن، ومصدر إلهام لكل شعوب الشرق الأوسط، شرط أن نستعيد فيه ثقافة الحوار، ونسير على درب الوحدة والتقدم.
في هذا السياق تؤكد الجبهة اللبنانية أن أبناء هذا الوطن العريق، ملتزمون بحمايته، وبأن نجعل من لبنان مجددًا حلمًا يُعاش، ومنارًا يشع ضوءه في سماء العالم.
  في زمن الدمار والصراعات التي اجتاحت بلادنا خلال ثمانينيات القرن العشرين، حين التقت العواصف على لبنان من كل جانب، يقف الإنسان اللبناني كالأرز الشامخ، يتحدى الرياح العاتية والبرد القارس، جذوره تمتد عميقًا في تربة الوطن الحبيب، لا تهابه العواصف ولا تقهره رياح الفتن.
في الجبهة اللبنانية، مَثَلُنا مثل الأرز الذي لا ينحني، لا ينكسر، بل يزداد صلابة وثباتًا مع كل زفرة عاصفة تمرّ فوقه.
هذه الأرض ليست مجرد تراب تحت أقدامنا، بل هي قلبنا ونبض حياتنا، هي الذاكرة التي تحفظ أسرار أجدادنا، والعشق الذي لا يموت مهما اشتدت المحن.
عندما تهب رياح اليأس، قد يعتقد البعض أن الطريق قد انتهى، وأن لا منجى لنا من الهاوية، لكننا نعلم جيدًا أن مثل هذا الظن ليس سوى وهم.
لا مجال للخوف في قلوبنا، لأن الخوف يزرع الفشل والانهزام في النفوس.
أما نحن، فقد تعلمنا أن نحول خوفنا إلى إرادة، ضعفنا إلى قوة، وأن نواجه العواصف بقلب ملؤه الرجاء.
فكل عاصفة تمرّ تُغسل معها شوائب الزمن، وتنبت من جديد بذور الأمل والتجدد.
الصعوبات لا تثنينا عن مواصلة المسير.
تاريخنا مليء بمراحل من التحديات، لكننا صمدنا، ولم نسمح لليأس أن يقيم فينا.
الجبهة اللبنانية وأكثر من أي وقت مضى، تدعونا كي نثبت هذا الصمود، وأن نُظهِر للعالم أن لبنان، على الرغم من أوجاعه، قادر على البقاء، على أن يكون منارة للعيش المشترك والسلام.
ونحن لا نرتجف أمام رياح الفتن، ولا نخشى من إغراءات التفرقة، لأن وحدتنا هي من تبقينا، هي ركيزتنا التي لا تهتز.
الوحدة منبع قوتنا، وشرط استمرارنا.
هي شبكة متشابكة من المحبة والتضامن والاحترام المتبادل بين أبناء وطن واحد.
في زمن شحّت فيه المعاني، يجب أن نعيد تأكيد هذا المعنى بكل ما نملك من قوة وعزيمة.
الوحدة التي تصبو إليها الجبهة اللبنانية هي وحدتنا الحقيقية التي تتجاوز الطوائف والمذاهب، والتي تحمل في طياتها روح لبنان الحقيقية؛ لبنان الذي لا يُقهر، لبنان الذي يعانق السماء بأرزاته الخالدة.
علينا أن نرفض كل محاولة لتفكيك هذا النسيج الاجتماعي الوطني.
فكل يد تحاول أن تزرع بذور الشقاق، لن تلقى منا إلا صلابة وإصرارًا على المقاومة.
لا يمكن أن نسمح لأعدائنا أن يشقوا صفوفنا، لأن في وحدة اللبنانيين القوة الحقيقية، وفي تمسكنا بهذه الوحدة يكمن سر النجاة.
نحن نزرع اليوم بذور الوفاق، ونرويها بدموع المحبة والتضحية، لنقطف غدًا ثمار السلام والازدهار.
وإذا كانت الأوقات عصيبة، فإنها في الوقت ذاته تفتح أمامنا أبواب الفرص.
فرصًا لإعادة البناء على قواعد صلبة، فرصًا لتجديد العهد مع الوطن، وفرصة لإعادة كتابة قصة لبنان بحروف من نور.
فلننظر إلى المستقبل بعين لا تعرف اليأس، ولنمسك بيد بعضنا البعض متكاتفين، لأن في تلاحمنا يكمن خلاصنا، وفي وحدتنا يزدهر لبنان.
إن الأرز، بشموخه وبقوته، يعلمنا درسًا عميقًا: لا مجال للتراجع، لا مجال للاستسلام.
جذوره متشابكة بعمق في الأرض، متينة لا تتحرك، كأنها تقول لنا: «قفوا صامدين، تمسكوا بأرضكم، فأنتم كما أنا، رمز الخلود والاستمرارية».
والجبهة اللبنانية تستلهم من هذا الرمز الكبير، قوة لا تنفد، وأملًا يتجدد مع كل يوم جديد.
وفي خضم الحروب والانقسامات، تظل رسالة الأرز حاضرة في وجداننا: الصبر والمثابرة والتكاتف.
لا شيء يمكن أن يقف أمام إرادة شعب متمسك بوطنه، مؤمن بأن رغم الألم والدمار، ستشرق شمس الحرية والسلام، وستعود البلاد مزدهرة كما كانت، بل أكثر قوة وصلابة.
وحدتنا الوطنية ليست خيارًا، هي قدرنا، وهي الميثاق الذي يحكم علاقتنا بأرضنا وببعضنا البعض.
هي الحصن الذي يحمي لبنان من الانهيار، وهو الغطاء الذي يحفظ كرامتنا وعزتنا.
علينا أن نحافظ عليها، وأن نغذيها بالحب والتسامح، وأن نرفض كل ما يمكن أن يُضعفها أو يُهددها.
إنّ لبنان، بمقاومته وتضحيات أبنائه، يستحق أن يبقى نورًا في هذا الشرق، مزارًا للأمل والحياة، بلدًا للأرز والصمود.
في الجبهة اللبنانية نردد بفخر واعتزاز: نحن متجذرون مثل الأرز، لا مجال للخوف أبدًا، والصعوبات ستمر، وعليه، علينا أن نحافظ على وحدتنا كما نحافظ على أنفاسنا، لأن وحدتنا هي الحياة، وهي الطريق إلى المستقبل الذي نحلم به جميعًا.
  في خضم سنوات الحرب والدمار التي عصفت بلبنان خلال ثمانينيات القرن العشرين، تتبدى أمامنا حقيقة واحدة لا تقبل الشك أو الجدال: نحن متجذرون مثل الأرز، جذورنا عميقة في أرضنا وهويتنا وتاريخنا، لا مجال للخوف أبدًا، والصعوبات مهما عظمت فإنها ستمر، وبقاؤنا يتطلب منا الحفاظ على وحدتنا بكل ما أوتينا من قوة.
الأرز، رمز لبنان الخالد، هو الذي يعلّمنا معنى الصمود والثبات في وجه العواصف.
جذوره المتشابكة في الأرض، تشكل قاعدة صلبة لا يمكن زعزعتها بسهولة، تمامًا كما هو حال شعبنا الذي يحمل في عروقه تاريخًا من العزيمة والإرادة لا تنكسر أمام المحن.
الجبهة اللبنانية تستلهم من هذا الرمز العريق صبرًا لا ينضب، وإيمانًا بأن لبنان، رغم الجراح والآلام، سيعود أكثر قوة وألقًا.
لا يمكننا أن نسمح للخوف أن يتسلل إلى قلوبنا، ولا أن تستلب منا إرادتنا.
اليأس ألدّ أعدائنا، والضياع هو بُعدنا عن الذات والتاريخ.
نحن أبناء هذه الأرض، وكلما اشتدت المحن، تعاظم فينا الإصرار على البقاء والدفاع عن حقنا في الوجود والكرامة.
الصعوبات أمواج عابرة على بحر الحياة، لا بد وأن تتلاشى لتُفسح المجال لشمس السلام والتعايش.
الحفاظ على وحدتنا الوطنية هو الواجب الأسمى الذي نلتزم به في مواجهة التحديات.
الوحدة هي حصننا المنيع ضد كل محاولات التفرقة والتقسيم، هي الخيط الذي يربط بين مكوناتنا الطائفية والمذهبية، ويؤمن استمرارية الدولة والشعب.
الوحدة تتطلب منّا تجاوز الخلافات المؤقتة، والتشديد على المشترك، والحرص على ما يجمعنا من قيم وتاريخ ومصير مشترك.
لقد شهدنا كيف استغلت أعداؤنا هذه التفرقة ليزرعوا الفتن ويعمقوا الانقسامات، ولكننا لم نستسلم، بل قاومنا بعزيمة قوية تحثنا على الصبر والتماسك.
مواجهة الحرب ليست فقط على الأرض، بل هي أيضًا معركة في القلوب والعقول، تتطلب وعيًا جماعيًا ورؤية وطنية واضحة تُبعدنا عن الانجرار وراء النزعات التي تؤدي إلى التمزق.
في زمن الظلام، نرى الأمل مضيئًا في عيون أطفالنا، وفي رغبة شبابنا بالحياة والعمل، وفي التمسك بالقيم التي أسست لبنان كدولة جامعة لكل أبنائه.
الجبهة اللبنانية تعمل من أجل أن نُشعر كل لبناني أن وطنه هو البيت الذي لا بديل له، وأن الدفاع عنه هو واجب الجميع بلا استثناء.
إن الصعوبات التي نمر بها اليوم هي اختبار لإرادتنا وقدرتنا على الصمود.
ونحن، مثل الأرز، متمسكون بأرضنا، لا نهاب الرياح العاتية، ولا تتزعزع ثقتنا بأن الغد أفضل، طالما أننا موحدون.
وحدتنا هي سر بقائنا، وهي الشرط الأول لتحقيق السلام والاستقرار.
علينا أن نحميها، أن نغذيها بالحب والتسامح، وأن نرفض كل ما يمكن أن يُضعفها أو يُهددها.
لبنان هو وطننا، والأرز هو رمزنا، ونحن أبناء هذا الوطن الذين لا يعرفون إلا أن يكونوا صامدين كالأرز، متحدين في وجه العواصف، مؤمنين بأن رغم كل المصاعب، لا مجال للخوف أبدًا.
هذه الأرض لا تستحق منا إلا العطاء والتضحيات، وهذه الوحدة لا يمكن أن تنهار طالما بقي فينا قلب ينبض بحب لبنان.
  في زمن كثرت فيه الاصطفافات وتعمقت فيه الانقسامات الطائفية والمذهبية، ووسط مشهد سياسي مرتبك ومشحون، برزت الحاجة إلى أصوات عاقلة تعيد التوازن إلى الساحة اللبنانية.
من هذا المنطلق، كان لا بدّ من التفكير بصوت عالٍ، وبنية وطنية صافية، في تجربة التكتل النيابي اللبناني المستقل الذي وُلد في نيويورك خلال إحدى محطات المواجهة الدبلوماسية الكبرى حول لبنان في الأمم المتحدة.
لم تكن فكرة التكتل ضربًا من الرفاه السياسي أو مجرد استعراض شكلي أمام المجتمع الدولي، بل كانت ردّ فعل تلقائي ونابع من عمق الإحساس بالمسؤولية تجاه وطن ينزف، ومواطنين فقدوا الثقة بالطبقة السياسية التقليدية، وخارطة إقليمية كانت تسحب لبنان أكثر فأكثر نحو مشاريع لا تشبهه.
كان لا بد من إعلان موقف وطني حرّ، لا يخضع لاملاءات المحاور، ولا يتأثر برياح الخارج، بل يعكس الضمير الوطني للنواب الذين بقوا أوفياء للقضية اللبنانية بوصفها قضية حرية وكرامة وعيش مشترك.
لقد عبّر التكتل في تلك المرحلة عن حسّ سياسي مغاير للسائد، إذ اجتمع أعضاؤه في نيويورك على قاعدة رفض الوصايات ورفض الاصطفاف العقيم، وراحوا يصيغون معالم مشروع نيابي لبناني حرّ، يقوم على أساس استعادة الدور النيابي كسلطة رقابية وتشريعية مستقلة، لا كتابع لمزاج أمراء الحرب، ولا كصدى لصراخ الشوارع.
وكان التكتل يجاهر في مواقفه بأن الأزمة اللبنانية ليست حتمية، وأنه يمكن للبنان أن يخرج من عنق الزجاجة متى توفرت الإرادات الصادقة، وأن الحلّ ليس باستيراد مشاريع الآخرين، بل بإحياء روح الميثاق الوطني والعودة إلى ثوابت الكيان.
شكّل التكتل مساحة لقاء بين نواب من مشارب متنوعة لكنهم توحدوا حول ثوابت مشتركة: سيادة لبنان، حياده الإيجابي، رفض تقسيمه أو فدرلته، صون العيش المشترك، وتكريس دور الدولة الواحدة.
وقد حاول أعضاؤه نقل صوت لبنان الحقيقي إلى منابر الأمم المتحدة، ليس بلغة الخصومة ولا خطاب الانفعال، بل بمنطق عقلاني ومعتدل، بعيد عن الشعبوية والانفعالات الظرفية.
كانوا يدركون أن صوت الاعتدال خافت في زمن الضجيج، لكنه وحده القادر على الاستمرار والصمود.
وإن انطلقت المبادرة من خارج الأراضي اللبنانية، فإن جذورها كانت في صميم الأرض اللبنانية، في عمق الوجدان المسيحي والوطني، الذي رفض أن يكون شاهد زور على انهيار الدولة أو على ذوبان لبنان في مشاريع لا تشبه تاريخه ولا صيغته.
وقد حمل التكتل همّ الناس، وأوجاع المغتربين، وصرخات الأمهات الثكالى، ودموع الأطفال النازحين، إلى منصة دولية أراد لها أن تنقل صورة لبنان الحقيقية، لا كما يرسمها المحور الغربي أو الشرقي.
لم تكن الطريق سهلة، إذ وُوجه التكتل بحملات تخوين من هنا، واستهزاء من هناك، لكنه أصرّ على أن يكمل الطريق، وأن يُبقي شعلة السيادة مشتعلة، ولو في ظلمة الزمن الرديء.
ولم يكن غايته قلب موازين القوى، بل بناء خطاب بديل، يشكل نواة حركة وطنية عابرة للطوائف، قادرة على مخاطبة الضمير الدولي من موقع أخلاقي، لا من موقع الارتهان.
لقد فتحت تجربة التكتل النيابي اللبناني المستقل في نيويورك نافذة أمل في جدار اليأس، وأثبتت أن العمل النيابي، حين يتحرر من الأجندات الحزبية الضيقة، يمكن أن يصبح عملًا إنقاذيًا.
وكانت رسالته أن لبنان ما زال ممكنًا، متى وُجد الرجال الذين يضعون المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.
وفي زمن تغلب فيه المصالح، كان التكتل نداءً صارخًا للعقل، وصوتًا للضمير في غابة الأصوات المتوحشة.
ومن هنا، فإن تلك المبادرة، وإن لم تُحدث تغييرات جذرية مباشرة، فإنها تركت بصمة أخلاقية وسياسية، لا تزال تشهد على أن في لبنان من يستطيع أن يواجه التيار، وأن يقول لا في زمن الـ"نعم" الخانعة، وأن يرفع الصوت في وجه القهر، وأن يضع الميثاق والكيان فوق كل أجندة وأوهام.
  في هذا الزمن اللبناني المثقل بالجراح، حيث غابت البوصلة وتكاثرت الأهواء، تبدو الحاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى إلى العودة إلى منطق العقل، ذاك المنطق الذي لطالما كان جزءًا من هوية لبنان، وركيزة من ركائز حضوره في محيطه العربي وعلى خارطة العالم.
لقد دفعنا الكثير من الأثمان لأننا، مجتمعين، تركنا الانفعال يسبق التفكير، والغريزة تطغى على البصيرة، فتعثرت مسيرتنا الوطنية وسقطنا في محنة لا يبدو أن لها نهاية قريبة إن لم يُستعاد صوت العقل من وسط الضجيج.
منذ اندلاع الحرب، دخل اللبنانيون في دوامة اختلط فيها الحق بالباطل، والوطن بالمذهب، والمصالح بالثوابت، فصار كل فريق يفسر الأحداث على هواه، ويبرر العنف بمنطقه الخاص، ويُمعن في التشكيك بالآخر بدل أن يمدّ له يد التفاهم.
لا يمكن لوطن أن يصمد طويلاً في ظل هذا الانفصام بين الفكر والممارسة، بين الخطاب السياسي والمصلحة العامة، بين الشعارات الكبرى والحقائق الصغيرة المؤلمة.
إن ما يحتاجه لبنان ليس شعارات إضافية تُطلق في الساحات، ولا مؤتمرات حوار تُعقد ثم تُنسى، بل صحوة ضمير جماعية تعيد الاعتبار للعقل في مقاربة الأزمة.
هذا العقل لا نعني به البرود أو الحياد السلبي، بل المقاربة الحكيمة والشجاعة للأمور، بعيدًا عن المكابرة، والغرور، والرهانات الخاسرة على الخارج.
العقل يقتضي الاعتراف بالأخطاء، والتوقف عن المكابرة، ورفض منطق الانتصار الكامل الذي لا مكان له في المجتمعات التعددية.
تغليب منطق العقل يعني أولاً أن ندرك عبثية ما نحن فيه، وأن لا نُكابر في توصيف المأساة.
لقد سقط الآلاف، وتدمرت مدن، وتهجر الملايين، ومع ذلك لا تزال الأطراف تتحدث عن نصر أو عن "صمود".
أي صمود هذا، حين تنهار القيم والمؤسسات، ويتحوّل الإنسان إلى مجرّد رقم في نشرات الأخبار؟ وحده العقل يعترف بأن الخسارة تطال الجميع، وأن الربح الحقيقي يكمن في وقف هذا النزيف، لا في كسب مواقع موقتة على خريطة من دم.
ثم إن منطق العقل يدعونا إلى مراجعة الذات لا محاكمة الآخر فقط.
فنحن، كمسيحيين لبنانيين، لنا دور أساسي في هذا الكيان، لكن هذا الدور لا يمكن أن يستمر ما لم نُحسن صياغته في ضوء المتغيرات، وما لم ننفتح على شركائنا في الوطن برؤية وطنية لا تنطلق من الخوف، بل من الإيمان العميق بلبنان الرسالة.
العقل يرفض الانعزال والتقوقع، كما يرفض التبعية والانقياد، وهو لا يسعى إلى الهيمنة، بل إلى الشراكة الصادقة.
إن المسؤولية تقع أيضًا على القيادات، التي كثيرًا ما اختارت الهتاف بدل التأمل، والتجييش بدل الإصغاء، والتحريض بدل المصارحة.
القائد العاقل هو الذي يُنقذ شعبه من الهوة، لا الذي يقوده نحو المجهول.
وما نحتاجه اليوم هو هذا النوع من القيادة، التي تتجرأ على السير بعكس التيار، وتخاطب الناس بلغة الحقيقة لا الوهم، وتضع كرامة الإنسان فوق أي حساب سياسي أو طائفي.
العقل هو أساس بناء الدولة.
لا دولة تُبنى على الغرائز، ولا مجتمع يُنهضه العنف، ولا مستقبل يُرسم بالتحريض.
الدولة تحتاج إلى مؤسسات، إلى عدالة، إلى قوانين تطبّق على الجميع، وإلى رؤية اقتصادية تعيد للبناني كرامته في العيش، بعيدًا عن ذلّ الهجرة أو طوابير المساعدات.
أما منطق القوة، فقد أثبت فشله، لأنه يولّد قوى مضادة، ويغذي النزاعات، ويُفقد الوطن روحه.
في ظل هذه الصورة القاتمة، لا يزال الأمل قائمًا، ما دام في هذا الوطن رجال ونساء يرفضون الاستسلام، ويؤمنون بأن العقل، رغم كل شيء، لا يزال يملك الكلمة الأخيرة.
مهما اشتدت العاصفة، لا بد من عودة إلى الجذور، إلى ذلك اللبنان الذي عرف كيف يصنع من تنوّعه غنى، ومن اختلافه ثقافة، ومن حضوره رسالة.
دعوتنا في الجبهة اللبنانية لتغليب منطق العقل ليست مجرد موقف سياسي، بل نداء روحي وأخلاقي، صادر عن إيمان عميق بأن لبنان لا يُبنى بالدمار ولا يُحكم بالحقد، بل يُنهض بالعقلاء، وبالحوار، وبالرؤية التي تضع الوطن فوق الجميع.
لقد تعب هذا الشعب من الانتظار، من الموت المجاني، ومن القيادات الغائبة عن نبضه.
فلنمنح العقل فرصة أخيرة، قبل أن يتحوّل الوطن إلى ذكرى.
  في خضم الحرب التي عصفت بلبنان منذ عام 1975، كان للرصاص وجهان: وجهٌ يُطلق في ساحات المعارك، ووجهٌ آخر يتسلل من نوافذ البيوت، ومن أفراح المناسبات، ومن تواقيع الفوضى، ليخطف الأرواح البريئة بلا سابق إنذار.
ونحن نعاين جراح الوطن، لا يمكننا أن نتجاهل آفة الرصاص الطائش التي تحوّلت، على مرّ السنين، إلى واحدة من أبشع صور التسيّب واللامبالاة بحياة الإنسان اللبناني.
لقد دفع المواطن اللبناني ثمن الحرب بأشكال كثيرة، لكن من بين أكثرها فظاعة وظلمًا كانت تلك الأرواح التي سقطت على الطرقات، أو على الشرفات، أو في ساحات المنازل، برصاصة لا تحمل عنوانًا ولا هدفًا واضحًا، سوى أنها كانت نتيجة عبث في السلاح أو رعونة في الاحتفال أو انفلات في الأمن.
ومن المحزن أن يتحوّل مشهد الموت العبثي إلى مشهد يومي، لا يُثير الاستغراب بقدر ما يُعمّق الإحساس بالعجز.
إن ضحايا الرصاص الطائش ليسوا مجرد أرقام في سجلات الطب الشرعي، بل هم وجوه، وأسماء، وأحلام مقطوعة، وذكريات مفجعة تسكن ذاكرة الأحياء.
هم أطفال كانوا يلهون في باحات المدارس، وأمهات كنّ يُحضرن الطعام لعائلاتهن، وشبان لم يتورطوا في القتال، بل كانوا يحاولون العيش بسلام وسط الجحيم.
هذا النوع من الضحايا يكشف عن وجه آخر للحرب، وجه بلا حدود، يطال الجميع من دون تمييز، ويصيب الكرامة الإنسانية في صميمها.
لم يكن الرصاص الطائش يومًا صدفة.
هو نتيجة مباشرة لغياب الدولة، وتفكك المؤسسات، واحتكار السلاح خارج الشرعية، وهو مرآة صادقة لفقدان الانضباط في حياة اللبناني اليومية.
فحين يصبح السلاح متاحًا لكل فرد أو مجموعة، وحين تغيب المحاسبة، وحين تتحوّل ثقافة السلاح إلى مكوّن من مكونات الشخصية الوطنية، فإن النتائج ستكون كارثية حتمًا.
وإذا كان البعض يبرر هذه الظاهرة بواقع الحرب أو بالظروف الاستثنائية التي يعيشها اللبنانيون، فإن هذا التبرير لا يصمد أمام حجم الألم الذي يتسبب به، ولا أمام الحاجة الملحة إلى إعادة ترسيخ مفهوم قدسية الحياة، خصوصًا في مجتمع تمزقه الطوائف والمذاهب وتغلب عليه مشاعر الحقد والخوف.
المسؤولية لا تقع فقط على مطلق النار، بل على البيئة التي تبرّر هذا الفعل، وعلى المنظومة التي تسمح به، وعلى كل من يتهاون في تطبيق القانون أو يُبرّر الانفلات الأمني بحجج سياسية أو طائفية.
لقد آن الأوان لنُقرّ بأن الضحية لا تُميّز بين رصاصة حرب ورصاصة طائشة، وأن الحياة الإنسانية لا يجوز أن تكون عُرضة لرغبات الأفراد أو لهواجس السلاح غير المنضبط.
إن الوعي المجتمعي يجب أن يتطور نحو اعتبار هذه الظاهرة جريمة موصوفة، لا مجرّد خطأ عارض، ويجب أن تكون هناك إرادة سياسية حقيقية لتجفيف منابع هذا العبث، عبر مصادرة السلاح غير الشرعي، وتشديد العقوبات، وتنظيم حمل السلاح ضمن الأطر القانونية فقط.
كما أن على المؤسسات التربوية والدينية والإعلامية أن تلعب دورًا توعويًا واضحًا، يُعيد الاعتبار لقيمة الإنسان ولحرمة الحياة.
لقد خسرنا الكثير في هذا الوطن، ولا نملك رفاهية الاستمرار في خسارة الأبرياء بصمت.
فالسكوت عن الرصاص الطائش هو تواطؤ مع القاتل، وهو مشاركة في جريمة جماعية يُسأل عنها الجميع.
المطلوب أن نستفيق، أن نقف دقيقة صمت لا حدادًا فقط على الضحايا، بل صرخةً في وجه ثقافة الموت، واستنهاضًا للضمير اللبناني الذي غرق طويلاً في تفاصيل الحرب ونسي واجباته الإنسانية والأخلاقية.
في النهاية، نحن مدعوون إلى أن نُعيد لهذا الوطن هيبته، ولن يكون ذلك ممكنًا إلا عندما نُعيد للإنسان قيمته، وللحياة معناها، وللرصاصة وجهتها الوحيدة: أن تُغادر إلى غير رجعة، وتحلّ مكانها كلمة الحق، وبناء الدولة، والسلام.
  في خضم العاصفة اللبنانية التي اجتاحت البلاد منذ منتصف السبعينيات، بدا واضحًا أن الوطن لم يعد يحتمل مزيدًا من المراوغات السياسية ولا المزيد من الرهانات الإقليمية والدولية.
من موقع الالتزام الوطني والروحي، ومن موقع الدفاع عن كرامة الإنسان اللبناني وحقه في حياة حرة وكريمة، أجد أن الحوار بين اللبنانيين لم يعد ترفًا، بل صار قدرًا لا مهرب منه، إن أراد هذا الشعب أن يبقى وله وطن.
إن الدعوة إلى الحوار ليست موقفًا حياديًا يتخذ شكلاً شكليًا وسط دوامة الدم، بل هي نداء أصيل يرتكز إلى قناعة راسخة بأن الكلمة، إذا صدقت النوايا، أقوى من الرصاصة، وأن ما يجمع اللبنانيين في تاريخهم وجغرافيتهم وإنسانهم، أقوى بكثير من كل ما يفرّقهم من مصالح وقتية أو ولاءات خارجية.
لقد أثبتت التجربة أن الرهان على الخارج لا يبني وطنًا، وأن الاتكال على فائض القوة يفتح الباب على جحيم لا يُقفل.
الحوار المطلوب بين اللبنانيين لا يمكن أن يكون مجرّد لقاءات موسمية تُعقد بين الطوائف أو الزعامات، لتوزيع الأدوار أو اقتسام المغانم، بل يجب أن يكون فعل إيمان بالعيش المشترك، ومسارًا صعبًا ولكنه ضروري نحو بناء دولة المواطنة، لا دولة الطوائف.
نحن لا ندعو إلى حوار النيات الحسنة فقط، بل إلى حوار الإرادات الجدية، التي تعترف بوجود الآخر، وتحترم خصوصيته، وتسعى إلى شراكة حقيقية لا إلى هيمنة مقنّعة.
لا حوار من دون وضوح، ولا وضوح من دون اتفاق على الأطر.
وأولى هذه الأطر، الاعتراف بأننا شعب واحد متعدد، له روافده الثقافية والدينية والسياسية، ولكن لا بد أن يجتمع تحت سقف الدستور، وتحت راية جيش واحد وسلاح واحد وقرار سيادي واحد.
إن تجاوز هذا المبدأ ينسف أي حوار من أساسه، ويُبقي الوطن أسير دويلات ومرجعيات متصارعة.
من هنا، لا بد من إطار جامع للحوار، يرتكز على مرجعيتين أساسيتين: الأولى وطنية، تتمثل في الدستور اللبناني الذي أُقرّ عام 1926، والثانية روحية، تتجلى في ميثاق 1943 الذي أسّس للاستقلال، وفي التفاهم الذي شهده لبنان سنة 1949 بعد الاضطرابات، والذي أكّد أن لا غلبة لفريق على آخر.
كل حوار يتجاوز هذين الإطارين مهدّد بالسقوط في فخ التنازلات المؤقتة، التي تعود وتنفجر لاحقًا.
الحوار يجب أن يشمل كل الفئات، لا أن يكون حكرًا على الأقوياء في لحظة معينة.
فالوطن لا يُبنى فقط بمن يملك القوة أو الموقع، بل يُبنى بمن يملك الرؤية والصدق والجرأة في مواجهة الذات قبل الآخر.
لذلك، لا بد من إشراك الطاقات الشابة، والمثقفين، والمرأة، وأصحاب الرأي الحر، إلى جانب الزعماء السياسيين والدينيين، كي يأتي الحوار متكاملًا ويعبّر فعلًا عن نبض المجتمع.
أما مضمون الحوار، فيجب أن يتجاوز الطروحات التقليدية التي سئمها اللبنانيون، وأن يلامس جوهر الأزمة: مستقبل النظام، العدالة الاجتماعية، علاقة الطوائف بالدولة، مسألة اللامركزية الإدارية، إصلاح القضاء، والسلاح غير الشرعي.
فالحوار الحقيقي لا يكتفي بتدوير الزوايا، بل يسعى إلى مراجعة شاملة لكل ما أدى إلى الانهيار.
إن تجارب الماضي علمتنا أن تجاهل الأصوات الوطنية الصادقة أو تهميشها، يفتح الطريق أمام الفوضى، وأن الاستخفاف بنداءات الحوار غالبًا ما ينتهي بمرحلة عنف جديدة.
لذلك، فإن المسؤولية اليوم تفرض على كل من يمتلك كلمة حرة، أن يرفع صوته من أجل عقد وطني جديد، لا يُقصي أحدًا ولا يُكرّس هيمنة أحد، بل يؤسس لعصر لبناني جديد، قوامه الشراكة والمواطنة والكرامة.
في النهاية، ليس المطلوب من الحوار أن يصنع معجزات، بل أن يعيد للبنانيين ثقتهم بأنهم قادرون، إذا صدقوا، أن يلتقوا حول القيم المشتركة، وأن يعيدوا ترميم البيت اللبناني الذي تصدّع تحت ضغوط الحرب والنزاعات والانقسامات.
إن مستقبل لبنان رهن بحوار أبنائه، وحريّ بنا ألا نضيّع هذه الفرصة مرة أخرى، قبل أن تسبقنا رياح الفتنة إلى المجهول.
  تشكل الجامعات المارونية الثلاث – جامعة القديس يوسف، جامعة الروح القدس – الكسليك، وجامعة سيدة اللويزة – ركناً أساسياً في الحياة الثقافية والعلمية والاجتماعية في لبنان.
وإن نظرة متأنية في مسار هذه الجامعات منذ نشأتها حتى ثمانينيات القرن العشرين تُظهر كيف تحوّلت إلى مؤسسات جامعة بين العلم والإيمان، وبين الهوية والانفتاح، وبين التراث الماروني والرسالة اللبنانية.
لقد انطلقت هذه الجامعات من رؤية روحية بالدرجة الأولى، إذ لم تكن نشأتها مجرد استجابة لحاجة أكاديمية، بل تعبيراً عن رسالة تربوية متكاملة رافقت الكنيسة المارونية عبر قرون من التفاعل مع الشرق والغرب.
فجامعة القديس يوسف، التي أنشأتها جمعية الآباء اليسوعيين في القرن التاسع عشر، جسدت منذ بداياتها انفتاحاً علمياً استثنائياً، فجمعت بين العلوم اللاهوتية والحقوقية والطبية، وكانت حاضنة للنخب اللبنانية والعربية من مختلف الطوائف.
وفي هذا التنوع، أكدت الجامعة على الطابع الوطني للمعرفة، مع التمسك بروحية مسيحية إنسانية لا تفرض ولا تعزل.
أما جامعة الروح القدس – الكسليك، فانبثقت من عمق الروحانية المارونية التي تحملها الرهبانية اللبنانية المارونية، وجاءت لتؤكد أن الموارنة ليسوا فقط طائفة تسعى إلى الحفاظ على ذاتها، بل جماعة تؤمن بالعلم كأداة خلاص اجتماعي وثقافي.
أسست هذه الجامعة توازناً دقيقاً بين التراث الشرقي والحداثة الغربية، واحتضنت الفكر الفلسفي واللاهوتي والفني، ورافقت مشروع بناء الدولة من خلال تخريج قادة رأي ونخبة ملتزمة بالقيم والهوية.
وجامعة سيدة اللويزة، التي أسستها الرهبانية المارونية الأنطونية، أتت لاحقاً لتكمل هذا المشهد.
حملت هذه الجامعة روحاً رعوية، إذ أرادت أن توصل العلم إلى مناطق بعيدة عن المركز، وأرادت أن تجعل من التعليم العالي امتداداً للرسالة الكنسية في المجتمع.
فكانت قريبة من هموم الناس، وشجعت التعليم باللغة العربية، وطرحت مقاربات حديثة في الفنون والإعلام والعلوم الإنسانية.
إن الجامعات المارونية الثلاث لم تكن مجرد مؤسسات تربوية، بل مراكز مقاومة فكرية في زمن الخوف والانغلاق.
خلال الحرب اللبنانية، لم تغلق أبوابها رغم الظروف الصعبة، بل فتحت قاعاتها للنقاش، ومكتباتها للبحث، ومختبراتها للإبداع.
فكانت، في عمق الحرب، منارات استقرار، وحافظت على دور لبنان الرسالة، لبنان الجسر بين الحضارات.
ولعل الأهم في مسيرة هذه الجامعات أنها لم تكتف بتخريج طلاب يحملون شهادات، بل عملت على بناء شخصيات حرة، منفتحة، ملتزمة بالعدالة، ومؤمنة بالشراكة الوطنية.
ساهمت في الحفاظ على النسيج اللبناني من خلال طلابها الذين أتوا من مختلف المناطق والطوائف، فتعلموا معاً، وتحاوروا، وارتبطوا بصداقات تجاوزت الحرب والانقسام.
واليوم، ونحن في خضم معركة الدفاع عن لبنان التعددي الحر، ندرك أن هذه الجامعات المارونية هي جزء من العمق الاستراتيجي للوجود المسيحي في الشرق، وهي صروحٌ يجب أن تبقى فوق كل اصطفاف سياسي أو مصلحي، لأنها تؤدي دوراً يتجاوز اللحظة السياسية إلى المصير الوطني.
من هذا المنطلق، أدعو إلى دعم هذه الجامعات ليس فقط بالدعم المادي، بل عبر تحصين استقلاليتها، وتوفير التشريعات التي تضمن حريتها الأكاديمية، وتعزيز حضورها في مشروع النهوض الوطني.
فهي لم تكن يوماً جامعات طائفية، بل كانت ولا تزال جامعات ذات روح مارونية ورسالة وطنية، تحمل في جوهرها إيماناً عميقاً بأن الإنسان هو محور كل بناء، وأن لبنان لا يمكن أن يستمر إلا بثقافة المعرفة والحرية والعيش المشترك.
لقد أثبتت التجربة أن هذه الجامعات قادرة على التجدّد رغم كل التحديات، لأنها تقوم على أسس صلبة تجمع بين العقل والإيمان، بين الجذور والآفاق.
والرهان اليوم، كما الأمس، هو أن نواصل البناء على هذا الإرث، وأن نجعل من هذه الصروح محركات للتغيير والإنقاذ في زمن الحاجة إلى قيامة وطن.
  الخيارات الإسرائيلية المأزومة واحتمال الحرب مع سوريا: بين صناديق الاقتراع، وجبهات الجنوب، ونيران الخليج في خضم تعقيد المشهد الإقليمي المتسارع، تلوح في الأفق ثلاثة عوامل رئيسية قد تدفع إسرائيل إلى خيار الحرب، وتحديداً مع سوريا، في محاولة لتغيير الوقائع وتصدير أزماتها الداخلية.
هذه العوامل تتداخل في لحظة حساسة تتقاطع فيها حسابات الداخل الإسرائيلي مع تطورات الجنوب اللبناني وانعكاسات الحرب العراقية-الإيرانية على ميزان القوى في المشرق.
1.
الانتخابات الإسرائيلية المقبلة: الحرب كأداة حشد وعبور تعيش إسرائيل لحظة سياسية حرجة، تتسم بانقسام داخلي حاد وصراع مستعر بين حزب العمل والليكود، وسط تراجع في التأييد الشعبي للحكومة نتيجة إخفاقات الحرب في لبنان وتبعات الاجتياح.
وفي مثل هذه اللحظات، جرى العرف السياسي الإسرائيلي أن تُستعمل أوراق الحرب أو التصعيد الميداني كرافعة لتوحيد الداخل خلف القيادة، وصرف النظر عن الفشل السياسي أو الاقتصادي.
من هنا، قد تكون المواجهة مع سوريا، سواء على الأراضي اللبنانية أو عبر استهداف مواقع للجيش السوري، وسيلة لإعادة شد العصب الانتخابي وضمان السيطرة على القرار السياسي.
2.
عمليات الاستنزاف في الجنوب: بين ضربات المقاومة وردع الانتشار السوري يشهد الجنوب اللبناني في حزيران 1984 تصعيدًا متزايدًا في وتيرة عمليات المقاومة اللبنانية ضد مواقع الجيش الإسرائيلي، لا سيما في الشريط الحدودي المحتل.
هذا التآكل البطيء في قدرة إسرائيل على تثبيت حضورها الأمني، بالتزامن مع انتشار الجيش السوري في البقاع وتعزيز موقعه العسكري، قد يُفسَّر في تل أبيب كتهديد مزدوج: من جهة تعاظم العمليات النوعية للمقاومة، ومن جهة أخرى ترسيخ الوجود السوري في خطوط متقدمة.
الرد الإسرائيلي قد يتخذ شكل حملة عسكرية محدودة أو ضربة استباقية تستهدف كبح النفوذ السوري قبل أن يُترجم إلى توازن ردع دائم.
3.
اتساع رقعة الحرب العراقية-الإيرانية: فراغ إقليمي وفرص المناورة مع اتساع جبهات الحرب العراقية-الإيرانية، وانشغال القوى العربية الأساسية في صراعات استنزافية، تجد إسرائيل فرصة نادرة للتحرك من دون خوف من رد عربي موحد.
غياب العراق ومصر عن المعادلة الإقليمية الفاعلة، وانشغال دول الخليج بدعم العراق وتحصين جبهاتها، يمنح إسرائيل هامشًا أوسع للمناورة.
وقد ترى في هذا الانشغال فرصة لفرض وقائع جديدة في الجبهة السورية – اللبنانية، من دون أن تُواجه بردّ واسع النطاق.
خاتمة: من حيث الظرف السياسي الإقليمي والديناميات الداخلية الإسرائيلية، يبدو أن احتمال الحرب مع سوريا ليس نابعًا من نية توسعية محضة، بل من اضطرار ناتج عن أزمة بنيوية داخل تل أبيب، ورغبة في إعادة تموضع تكتيكي في لبنان.
أمام هذا المشهد، تبدو الحاجة إلى تحرك دبلوماسي لبناني وعربي عاجل لتجنيب البلاد تبعات هذا الخيار العسكري الإسرائيلي، ولإعادة تثبيت المعادلات السياسية التي تحمي الاستقرار النسبي في الجبهة اللبنانية.
العلاقات التاريخية بين الموارنة والدروز: من الشراكة إلى الشرخ ليس التاريخ سلسلة انتصارات متصلة، بل هو، في بلاد مثل لبنان، سلسلة محاولات للعيش المشترك، تتخللها هدنات وتُفجرها نزاعات.
هكذا هي العلاقة بين الموارنة والدروز، علاقة كتبتها الجغرافيا وأعاد تشكيلها الصراع على السلطة، وتخللتها صفحات دامية لا يمكن محوها بالتناسي، ولا معالجتها بالمسايرة الخطابية.
منذ القرن السابع عشر، شكّل الجبل الماروني – الدرزي مختبرًا سياسيًا مبكرًا لمفهوم الكيانية اللبنانية.
ففي عهد الأمير فخر الدين الثاني، ظهرت أولى ملامح التوازن الطائفي – السياسي، حين استقدم الموارنة من الشمال، وأسكنهم في أراضي الدروز، وجعلهم جزءًا من نظام الإقطاع المحلي.
لم تكن العلاقة آنذاك قائمة على المساواة، بل على تراتبية اجتماعية سياسية تتيح للدروز قيادة الجبل، وللموارنة أن يتدرجوا من موقع الفلاح الخاضع إلى موقع الشريك الحذر.
ولم يكن الأمر محض تعايش اجتماعي، بل سرعان ما ارتدى لبوسًا سياسيًا في القرن التاسع عشر، حيث أدى الصراع على الحكم بين العائلات الدرزية الكبرى من جهة، وتنامي النفوذ الماروني المدعوم من الكنيسة ومن فرنسا من جهة أخرى، إلى احتدام التنافس على السيادة.
فجاءت تجربة القائمقاميتين بين 1840 و1860، لتجسد هذا التوازن الهش، قبل أن تنهار في واحدة من أكثر صفحات التاريخ اللبناني دمًا: مجازر 1860.
في تلك المجازر، سقط آلاف الموارنة ضحايا للغضب الدرزي المتراكم، كما سقط أيضًا مئات الدروز في المجازر المقابلة.
وتمت عمليات تهجير ونهب وتدمير لم تُمحَ آثارها من الذاكرة الجمعية، على الرغم من محاولة النظام اللبناني الوليد بعد الاستقلال تضميد الجراح تحت شعار العيش المشترك.
فبقيت العلاقة بين الموارنة والدروز – برغم التحالفات السياسية الظرفية – علاقة مشوبة بالخشية وعدم الثقة.
ولما اندلعت الحرب اللبنانية في العام 1975، عادت الشياطين المدفونة إلى السطح، ولكن هذه المرة على نحو أكثر عنفًا وتفككًا.
ومع دخول القوى الفلسطينية إلى مناطق الجبل، ومع صعود الجبهة اللبنانية كرد فعل مسيحي، كان لا بد أن تقع المواجهة الكبرى بين الموارنة والدروز.
فشكلت أحداث 1983 في الجبل – وما تلا انسحاب الجيش الإسرائيلي – ذروة الصدام الدامي.
سقطت قرى مسيحية كاملة تحت سيطرة الميليشيات الدرزية، وتكررت المجازر والتهجير والقتل على الهوية، تمامًا كما حصل في دير القمر، وعين زحلتا، ومناطق متعددة في الشوف وعاليه.
لقد كُتب في الجبل فصل من أكثر فصول الحرب اللبنانية مأساوية.
عشرات الآلاف من الموارنة اقتُلعوا من بيوتهم، لا كغرباء، بل كمواطنين فقدوا فجأة الحق في الوجود، ومئات من العائلات المارونية لم تجد من يحتضنها سوى مناطق المتن وكسروان.
لم يكن ذلك نتيجة خلاف سياسي عابر، بل انفجار عميق للذاكرة التاريخية المثقلة بالجراح.
أما الأحقاد التي تسربت إلى الأجيال الجديدة، فقد زادتها الحرب نارًا.
لم تكن مجازر الجبل من فعل طارئ، بل نتيجة تراكمات عميقة من التوتر التاريخي غير المعالَج.
ولعلّ الطامة الكبرى أن الزعامات الطائفية – من الجانبين – لم تملك الشجاعة الكافية للجلوس إلى مائدة الحقيقة، بل اكتفت بحسابات الربح والخسارة الآني، وأوهمت الناس أن التعايش مسألة توقيع ورقة لا اعتراف بذاكرة الآخر.
اليوم، ونحن في منتصف عقد الثمانينات، لا يمكن أن نغضّ الطرف عمّا حلّ بالجبل، ولا أن نستكين إلى سردية الانتصار أو الهزيمة.
فكل طائفة انتصرت في لحظة، ودُفعت إلى الثمن لاحقًا.
أما الخاسر الأكبر، فهو الوطن، والتعدد، والكيان.
إنني، كمسيحي ماروني نشأ على حكايات الفلاحة مع الدروز، وعلى تعاليم الإيمان المشبع بالمغفرة، أجد نفسي حائرًا بين الوجع والغفران.
نعم، نحن والموارنة والدروز رضعنا من تراب واحد، لكننا ما زلنا لا نعرف كيف نعيش فيه معًا.
فهل نُعيد قراءة التاريخ بعيون الحقيقة، لا بروح الثأر؟ أم أننا محكومون أن نكرر كل خمسين سنة نفس المجازر، بنفس الأيديولوجيات، ولكن بأسماء جديدة؟ الجواب لن يأتي من السلاح، بل من ضمير يحترم الشهداء، كل الشهداء، ومن عدالة لا تساوي بين الجلاد والضحية، ولكن لا تبقى أيضًا رهينة الثأر.
  حوار صحافي الصحيفة: سعادة النائب، كيف تصفون المدخل الرئيسي لهذه الدراسة التي أثارت الكثير من الجدل حول نظرتكم للقضية الفلسطينية؟ النائب حنين: المدخل بسيط ومعقّد في آن.
نحن لم نكتب هذه الدراسة بدافع الخصومة مع الشعب الفلسطيني أو تنكرًا لعدالة قضيته، بل من باب الدفاع عن الكيان اللبناني الذي جُرّ إلى صراعات لم تكن من صلب تكوينه، ولا ضمن قدرته.
الصحيفة: هل تعنون بذلك أن لبنان لم يكن مهيأ لتحمل تبعات الصراع العربي الإسرائيلي؟ النائب حنين: بالضبط.
لبنان بخصوصياته التعددية وبتكوينه الحساس، لا يحتمل أن يُستعمل كمنصة عسكرية مفتوحة من دون حساب، أو كأرض بديلة تقام فوقها جبهة لا تشبه تاريخه ولا واقعه.
الصحيفة: ولكن ألا يبدو هذا الموقف قريبًا من مواقف انعزالية أو انكفائية كما يُتهم؟ النائب حنين: على العكس، ما نفعله هو نقيض الانعزال.
نحن نطالب بتنظيم العلاقة مع الفلسطينيين بما يحفظ لهم كرامتهم، ويحفظ لنا سيادتنا.
لا نطلب أكثر من احترام الدولة اللبنانية وقرارها الحرّ.
الصحيفة: أين بدأ الخلل تحديدًا في العلاقة اللبنانية – الفلسطينية من وجهة نظركم؟ النائب حنين: منذ أن تحوّل الوجود الفلسطيني من لجوء إنساني إلى تموضع عسكري مسلح، ومن تعاطف سياسي إلى هيمنة أمنية على جزء كبير من القرار اللبناني.
الصحيفة: وهل كنتم تعتبرون أن الفلسطينيين أقاموا كيانًا سياسيًا داخل لبنان؟ النائب حنين: عمليًا نعم.
أن تُطلق الصواريخ من أراضٍ خارجة عن سيطرة الدولة، وأن تُمنع قوى الأمن من دخول المخيمات، وأن تفرض التنظيمات الفلسطينية نوعًا من السيادة داخل السيادة، كل هذا يعني أن الكيان اللبناني بدأ يتشظى.
الصحيفة: لكن الفلسطينيين كانوا يقاومون إسرائيل، أليس هذا سببًا كافيًا لتفهم وضعهم؟ النائب حنين: نحن نتفهم القضية، لكننا لا نقبل أن تُستعمل أرضنا وشعبنا كحطب في حرب الآخرين.
المقاومة الحقيقية يجب ألا تدمّر ما تبقى من بلدان داعمة.
الصحيفة: كيف تفسرون انقسام الداخل اللبناني حول الوجود الفلسطيني؟ النائب حنين: بسبب الاصطفافات الداخلية والتناقضات الطائفية، استثمر البعض القضية الفلسطينية لتقوية موقعه الداخلي، ووقعت كارثة الاستقطاب، حيث صار دعم فلسطين يعني خيانة لبنان عند البعض، والعكس بالعكس.
الصحيفة: هل تقصدون أن الجبهة اللبنانية حوصرت إعلاميًا وسياسيًا بسبب مواقفها؟ النائب حنين: إلى حد بعيد، نعم.
صُورنا وكأننا أعداء للقضية، بينما كنا أول من دافع عن عدالة الشعب الفلسطيني.
لكننا رفضنا الممارسات التي دمّرت نسيجنا الوطني تحت شعار التحرير.
الصحيفة: هل أخطأت منظمة التحرير الفلسطينية في تقدير خصوصية لبنان؟ النائب حنين: نعم.
كان عليها أن تدرك أن لبنان ليس ساحة مفتوحة، وأنه بلد هشّ، يحتاج إلى دعم لا إلى تفجير داخلي.
وأن النضال من أجل فلسطين لا يكون عبر استباحة دولة شقيقة.
الصحيفة: هل تعتبرون أن الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 كان نتيجة مباشرة للوجود الفلسطيني المسلح؟ النائب حنين: لا أبرّر الاجتياح، لكنه كان ارتدادًا طبيعيًا لواقع لم يضبط.
حين لا تستطيع الدولة اللبنانية ضبط أرضها وحدودها، تُفتح الأبواب لتدخلات خارجية.
هذا ما حصل للأسف.
الصحيفة: ما مسؤولية النظام العربي الرسمي في ما جرى في لبنان؟ النائب حنين: كبيرة جدًا.
فبعض الأنظمة العربية استعملت الساحة اللبنانية لتصفية حساباتها، وبعضها سلّح ومَوَّل وسكت، ولم يسعَ إلى حل جذري يحمي فلسطين ولبنان معًا.
الصحيفة: كيف تقرأون التواطؤ الدولي في الأزمة اللبنانية؟ النائب حنين: المجتمع الدولي ترك لبنان يُذبح.
لم تكن هناك إرادة جدية لإنقاذه، لأن القوى الكبرى كانت تنظر إليه كمنطقة نفوذ، لا كوطن مستقل يحتاج إلى حماية شرعية.
الصحيفة: هل كنتم مع تدويل القضية اللبنانية؟ النائب حنين: نعم.
حين سقطت المؤسسات، لم يبقَ لنا من سبيل سوى أن نطلب حماية دولية للكيان.
لا نريد وصاية، بل مظلّة تمنع استباحة السيادة مجددًا.
الصحيفة: في المقابل، كيف كنتم ترون الحل للعلاقة مع الفلسطينيين داخل لبنان؟ النائب حنين: بوضوح: تنظيم الوجود، نزع السلاح، احترام القانون، إعطاء الحقوق المدنية للاجئين، والتزام الحياد التام تجاه النزاعات اللبنانية الداخلية.
الصحيفة: هل أنتم مع إعطاء الفلسطينيين حق التملك والعمل بحرية؟ النائب حنين: مع الحقوق المدنية، لا مع الحقوق السياسية التي تهدد التوازن الديموغرافي والسياسي.
نريد لهم حياة كريمة، دون أن يتحولوا إلى عنصر تفجير ديموغرافي.
الصحيفة: ماذا عن الحديث عن التوطين، هل كنتم تخشونه؟ النائب حنين: التوطين مرفوض، لا لأنه ضد الفلسطينيين، بل لأنه يقضي على حق العودة، ويفجر الكيان اللبناني من الداخل.
فلسطين للفلسطينيين، ولبنان للبنانيين.
الصحيفة: وهل تعتقدون أن الشعب الفلسطيني كان ضحية قياداته داخل لبنان؟ النائب حنين: إلى حد بعيد، نعم.
الشعب الفلسطيني في لبنان عانى من الحروب والتهميش والفقر، وهو لم يجنِ شيئًا من التسلح والتورط في الصراعات اللبنانية سوى المزيد من التشريد.
الصحيفة: ما حجم المسؤولية التي تتحملها الأحزاب اللبنانية الحليفة لمنظمة التحرير؟ النائب حنين: مسؤولية كبيرة.
لأنها غلّبت مكاسبها على المصلحة الوطنية، وارتبطت بمشاريع الخارج، وراهنت على موازين قوى ثبت لاحقًا أنها غير مستقرة.
الصحيفة: أين أخطأ المسيحيون في التعامل مع القضية الفلسطينية؟ النائب حنين: أخطأوا أحيانًا حين خلطوا بين الشعب الفلسطيني والقيادات المسلحة، أو حين ذهبوا بعيدًا في ردود الفعل، أو حين استعانوا بدول لا تريد خيرًا للبنان.
الصحيفة: أين أخطأ المسلمون؟ النائب حنين: أخطأوا حين ساووا بين مقاومة إسرائيل وخرق السيادة، وحين غضوا الطرف عن تسليح الفلسطينيين على حساب الكيان، وحين لم يسمعوا صوت التحذير قبل الانهيار.
الصحيفة: ما هو دور البطريركية المارونية في الدفاع عن لبنان؟ النائب حنين: البطريركية كانت دائمًا صرخة ضمير.
دعت إلى الحياد، وإلى بناء الدولة، وإلى عدم الانجراف خلف المغامرات، وحافظت على البعد الأخلاقي للكيان اللبناني.
الصحيفة: هل لبنان قادر اليوم على الخروج من هذه التجربة أقوى؟ النائب حنين: نعم، شرط أن يعترف الجميع بالخطأ، وأن نبني على العبرة لا على الثأر، وأن نحمي صيغة العيش المشترك بوصفها الخيار النهائي لكل اللبنانيين.
الصحيفة: ما رؤيتكم لمستقبل العلاقات اللبنانية – الفلسطينية؟ النائب حنين: نريد علاقة تعاون واحترام.
الفلسطيني شقيق لا عدو، لكنه ليس شريكًا في القرار اللبناني.
نحن شعبان تجمعنا المأساة، ويجب أن يوحدنا الحوار لا السلاح.
الصحيفة: ما مصير المخيمات الفلسطينية بعد كل هذه التطورات؟ النائب حنين: يجب أن تتحول إلى تجمعات مدنية منظّمة، تحت سلطة الدولة، بعيدًا عن السلاح والهيمنة.
وأن يُمنح سكانها حياة كريمة تليق بهم كضيوف لا كغرباء.
الصحيفة: كيف تردون على من يقول إن الجبهة اللبنانية كانت سبب الحرب؟ النائب حنين: الجبهة كانت نتيجة الحرب، لا سببها.
حملت مشروع الدولة حين تخلّى عنه الجميع.
دافعت عن السيادة عندما تواطأ الآخرون على تقاسمها.
الصحيفة: وماذا تقولون لمن يعتبر مواقفكم خيانة للقضية الفلسطينية؟ النائب حنين: أقول له: خيانة فلسطين هي أن تدمروا لبنان باسمها.
أما من يدافع عن سيادة وطنه ويطالب بعودة الفلسطينيين إلى وطنهم، فهو من بقي مخلصًا للقضية.
الصحيفة: ما الرسالة الأخيرة التي توجهونها في ختام هذا الحوار؟ النائب حنين: لبنان ليس ساحة، بل وطن.
وفلسطين لا تتحرر من فوق أنقاضه.
فلنحفظ الكيانات العربية من الدمار، إن كنا نريد مستقبلًا لشعوبنا وكرامة لقضايانا.
  نقف اليوم على أعتاب فصل جديد في تاريخ لبنان، فصل يكتب بدموع الحزن، لكنه يحمل في طياته بذور الأمل.
غدًا، يُنتخب الشيخ بشير الجميل رئيسًا للجمهورية، رجلًا حمل على عاتقه حلم لبنان الحر السيادي، لبنان القوي الموحد، لبنان الذي يحمي أبنائه من كل اعتداء واحتلال.
لقد كان بشير مثالاً للشجاعة والكرامة، صوتًا صارخًا في وجه الاحتلال، رمزًا للمقاومة وللعزم الوطني.
في زمن تكالب فيه الأعداء، وتآمر فيه الداخل والخارج على كيان لبنان، نرى في انتخاب بشير بداية لاستعادة السيادة المفقودة، وبداية لاستعادة الكرامة الوطنية.
نحن، في الجبهة اللبنانية، نؤمن بأن بشير سيكون رأس حربة في مواجهة التحديات، وأنه سيقف بكل قوة دفاعًا عن حقوق المسيحيين، وعن حق لبنان أن يكون دولة واحدة قوية، لا تفرّقها ميليشيات ولا تهزمها الاحتلالات.
غدًا، نضع أيدينا في أيديه، ونشدّ على عزيمته، ونعلنها: لبنان لنا، وسيادته لنا، ومستقبلنا بيد أبنائه الأوفياء.
فلنكن على قدر هذه اللحظة، نعيد بناء وطننا، نحقق الوحدة، ونرسم طريق الحرية والسيادة.
حفظ الله لبنان، وحفظ شعبه الحر، وبارك انتخاب بشير الجميل رئيسًا لجمهوريتنا الحبيبة.
  الصحافي: أستاذ إدوار، بداية، كيف تقرأ ولادة حكومة الثمانية برئاسة الدكتور سليم الحص؟ إدوار حنين: أراها خطوة شجاعة ومتقدّمة في ظرف مأزوم.
هي حكومة مصغّرة ولكن بثقل سياسي كبير، والأسماء فيها ليست عشوائية، بل محسوبة لطمأنة الجميع وللتأسيس لمرحلة انتقالية.
الصحافي: وهل برأيك سيكتب لهذه الحكومة النجاح؟ أم ستواجه مصير الحكومات السابقة في ظل هذا الانقسام الحاد؟ إدوار حنين: النجاح ليس مضموناً طبعاً، لكن الفرصة متوفّرة أكثر من أي وقت مضى.
هناك مناخ عربي ضاغط لدعم المؤسسات، ورئيس الجمهورية يحاول جاهداً إعادة بناء الثقة.
المهم ألا تكون هذه الحكومة منصة لصراعات جديدة.
الصحافي: كيف تفسّر تجاوب الجبهة اللبنانية وكمال جنبلاط مع هذه الولادة؟ إدوار حنين: كل طرف لديه حسابات.
الجبهة نالت تطمينات رئاسية، وربما تراهن على استثمار هذه المرحلة لفرض شروطها في المستقبل.
أما جنبلاط، فيبدو أنه أراد أن يثبت مرة أخرى أنه شريك في الحل، وليس مجرد خصم سياسي.
الصحافي: وشمعون؟ لماذا التريث والتحفّظ؟ إدوار حنين: الرئيس شمعون رجل دولة قديم، لا يغامر بموقف مبكر.
هو يريد أن يرى البيان الوزاري، وأن يلمس مدى التزام الحكومة بالحفاظ على التوازن الوطني.
تحفظه ليس رفضاً، بل انتظار حذر.
الصحافي: كسياسي مسيحي، هل تؤيّد هذا التوجّه الحكومي؟ إدوار حنين: نعم، أؤيده من حيث المبدأ.
نحن نحتاج إلى سلطة شرعية تطبّق القانون وتحفظ السيادة.
ما دامت الحكومة تعمل على وقف الحرب وبناء الدولة، فأنا إلى جانبها.
الصحافي: كلمة أخيرة؟ إدوار حنين: أدعو الجميع، من دون استثناء، إلى إعطاء فرصة للسلام.
لبنان لا يحتمل المزيد من الدماء والدمار.
لنمنح هذه الحكومة مساحة للعمل، ولندعم أي مشروع يوقف النزف ويعيد إلينا وطننا.
  المحاور الصحافي: أستاذ إدوار، بدايةً، كيف تصف لنا دوافع الجبهة اللبنانية لإيفاد وفد إلى دمشق في هذا التوقيت الحرج من مسار الأزمة اللبنانية؟ إدوار حنين: نحن نعيش في قلب المأساة.
لبنان ينزف، والناس يقتلون على الهوية، والدولة تنهار.
لا يمكن أن نبقى متفرجين أو أسرى مواقعنا السياسية.
زيارة وفد الجبهة إلى دمشق ليست نزهة سياسية، بل هي فعل مسؤولية.
نحن ندرك أن لسوريا دورًا مباشرًا في ما يجري، وأن لا بديل عن الحوار معها لوقف التدهور الأمني ووضع أسس سلم أهلي قابل للحياة.
المحاور الصحافي: البعض في الأوساط المسيحية رأى في الزيارة نوعًا من التنازل السياسي أو تمهيدًا للوصاية السورية.
ما ردّكم؟ إدوار حنين: هذا فهم قاصر ومشوّه للمبادرة.
نحن لم نذهب إلى دمشق حاملين راية الاستسلام، بل ذهبنا مرفوعي الرأس، نحمل رؤية واضحة للبنان السيد، الحر، التعددي.
لقد ذهبنا لنقول للأشقاء السوريين إننا شركاء في هذه الأرض، لا تابعون لأحد.
وإذا كان لسوريا هواجس أمنية، فنحن نريد أن نطمئنها ضمن احترام سيادة لبنان لا عبر إلغائها.
المحاور الصحافي: هل حملتم معكم مطالب محدّدة أو خريطة طريق لحل الأزمة اللبنانية؟ إدوار حنين: بالتأكيد.
نحن شددنا على ضرورة وقف إطلاق النار الشامل، انسحاب المسلحين الغرباء، إعادة دور الجيش اللبناني، ودعم مشروع دولة قوية تتولى بنفسها إدارة شؤون الأمن والسيادة.
كما طلبنا من السوريين عدم دعم طرف لبناني ضد آخر، بل أن يكونوا عامل توازن لا عامل انحياز.
رسالتنا كانت واضحة: لا نريد أن تُحلّ المشكلة اللبنانية على حساب وحدة لبنان أو طبيعته التعددية.
المحاور الصحافي: هل شعرتم بتجاوب من الجانب السوري خلال اللقاءات؟ إدوار حنين: وجدنا آذانًا صاغية، ولكن أيضًا حسابات معقدة.
سوريا تنظر إلى لبنان من زاوية الأمن القومي وموقعه الإقليمي.
نحن شرحنا لهم أن أمن لبنان هو من أمن سوريا، ولكن أمن سوريا لا يتحقق بإلغاء لبنان، بل بدعمه كدولة قائمة ومستقرة.
أعتقد أن اللقاءات فتحت ثغرة في جدار الأزمة، ولكن الحل لا يزال يتطلب إرادة لبنانية أولًا، وضمانات خارجية ثانيًا.
المحاور الصحافي: هل تعتبرون أن الجبهة اللبنانية انتقلت من الموقف الدفاعي إلى المبادرة السياسية عبر هذه الزيارة؟ إدوار حنين: نعم، ونحن فخورون بذلك.
لا نريد أن نبقى في موقع ردّ الفعل أو أسرى الرهانات العسكرية.
نحن تيار سياسي يؤمن بالحوار، بالوفاق، وبصناعة المستقبل.
وما قمنا به هو محاولة صادقة لإنقاذ الوطن، لا مناورة سياسية.
وإذا اضطررنا إلى طرق أبواب أخرى لتحقيق السلام، فلن نتردد، شرط أن نحفظ كرامتنا وكرامة وطننا.
المحاور الصحافي: وأخيرًا، أستاذ إدوار، هل تؤمنون بإمكانية العودة إلى الشراكة الوطنية مع الأطراف الأخرى، رغم ما جرى من اقتتال وانقسامات؟ إدوار حنين: لا خيار آخر أمام اللبنانيين سوى العودة إلى بعضهم.
لا أحد يستطيع أن يلغي الآخر، ولا أحد قادر على بناء لبنان وحده.
نعم، الجراح عميقة، والمآسي كبيرة، لكن لبنان لا يُبنى بالحقد ولا يُحكم بالقوة.
المطلوب اليوم مصالحة حقيقية، وشجاعة الاعتراف بالأخطاء، والانطلاق إلى مشروع دولة مدنية عادلة.
وهذا ما نعمل لأجله، رغم كل الصعوبات.
  تحفظ لبناني مشروع في مواجهة توسعة قوات الردع من دون شراكة وطنية حزيران 1976 يعيش لبنان في خضم أخطر مراحله المصيرية، بعدما تحوّل الصراع من أزمة داخلية إلى نزاع إقليمي-دولي تتداخل فيه أطراف متعددة تتسابق على التأثير في مسار الأحداث.
وبعد انتخاب الرئيس الياس سركيس في 8 أيار الماضي، أملنا بمرحلة جديدة تعيد التوازن إلى مؤسسات الدولة، وتعزّز منطق الشرعية في مواجهة الفوضى، إلا أنّ التطورات الأمنية المتسارعة واندلاع معارك الجبل وعودة التوتر إلى العاصمة وضع الجميع أمام واقع أكثر تعقيدًا.
وفي هذا السياق، أعلنت الجامعة العربية في اجتماع وزراء الخارجية العرب المنعقد في القاهرة، توسيع ما بات يُعرف بـ«قوات الردع العربية» لتشمل وحدات جزائرية وليبية وسودانية وسعودية إلى جانب القوات السورية والفلسطينية المنتشرة أصلًا على الأراضي اللبنانية.
لم يكن مبدأ الدعم العربي مرفوضًا بطبيعته، بل على العكس، فإن أي جهد صادق يصب في اتجاه تهدئة النزاع مرحّب به من اللبنانيين، لكن ما أثار القلق والامتعاض هو غياب التمثيل اللبناني الرسمي عن هذا الاجتماع المصيري، ما اعتُبر تجاهلًا للسيادة الوطنية ولحق اللبنانيين في تقرير مصيرهم بأنفسهم.
توسيع قوات الردع، بصيغته الحالية، وُضع خارج أي إطار تفاوضي مع الدولة اللبنانية، أو أي تفويض صادر عن رئاسة الجمهورية أو الحكومة اللبنانية، ما يُفقد هذه المبادرة شرعيتها الأخلاقية والسياسية.
فكيف يمكن لقوى خارجية أن تقرر توزيع السلاح والجنود على أرض لبنان من دون الرجوع إلى سلطة لبنان الدستورية؟ وأين موقع السيادة اللبنانية في هذا المشهد؟ المفارقة المؤلمة أن بعض هذه الدول، لا سيما الجزائر وليبيا، لم تكن يومًا منخرطة فعليًا في الملف اللبناني، بل إنّ تدخلها في هذا التوقيت الحرج يثير تساؤلات عن الأجندات المتخفّية تحت غطاء التضامن العربي.
أما المشاركة الفلسطينية، فهي أكثر ما يثير الجدل، إذ إن الفصائل الفلسطينية جزء من النزاع الداخلي، ولا يمكن لها أن تكون عنصرًا محايدًا في قوة تُفترض أنها ردعية وضامنة للسلم الأهلي.
لقد تزامن هذا القرار مع استمرار التدهور الأمني وغياب المرجعية الدستورية الفاعلة، مما جعل لبنان يُدار، أو بالأحرى يُنهك، من الخارج والداخل في آنٍ معًا.
من هنا، فإنّ المطلوب اليوم ليس تكثيف عدد الجيوش على الأرض، بل إعادة الاعتبار إلى منطق الدولة، والاحتكام إلى الحوار الوطني، وإعطاء الرئيس المنتخب فرصة لتثبيت دعائم الشرعية، من دون فرض أمر واقع عليه من القوى الشقيقة أو الصديقة.
المطلوب أيضًا أن لا يكون تدخل الأشقاء العرب على حساب الميثاق الوطني والخصوصية اللبنانية، بل أن ينطلق من تشاور صادق مع القيادات اللبنانية في كافة المواقع، وبموافقة صريحة من رئاسة الجمهورية ومجلس النواب.
لا يجوز أن يُفرض الأمن بالسلاح فقط، بل بالحوار والمصالحة، واحترام التوازنات اللبنانية المعروفة، وتطبيق اتفاقية القاهرة بروحها لا بحرفها، بعيدًا عن التجاوزات والانحيازات.
نرى أنّ كل مبادرة عربية لا تمرّ عبر الدولة اللبنانية تبقى قاصرة وغير قابلة للحياة، لأنّ الشرعية وحدها هي من يُكتب لها الاستمرار.
  الخيارات الإسرائيلية المأزومة واحتمال الحرب مع سوريا: بين صناديق الاقتراع، وجبهات الجنوب، ونيران الخليج حزيران 1984 في خضم تعقيد المشهد الإقليمي المتسارع، تلوح في الأفق ثلاثة عوامل رئيسية قد تدفع إسرائيل إلى خيار الحرب، وتحديداً مع سوريا، في محاولة لتغيير الوقائع وتصدير أزماتها الداخلية.
هذه العوامل تتداخل في لحظة حساسة تتقاطع فيها حسابات الداخل الإسرائيلي مع تطورات الجنوب اللبناني وانعكاسات الحرب العراقية-الإيرانية على ميزان القوى في المشرق.
1.
الانتخابات الإسرائيلية المقبلة: الحرب كأداة حشد وعبور تعيش إسرائيل لحظة سياسية حرجة، تتسم بانقسام داخلي حاد وصراع مستعر بين حزب العمل والليكود، وسط تراجع في التأييد الشعبي للحكومة نتيجة إخفاقات الحرب في لبنان وتبعات الاجتياح.
وفي مثل هذه اللحظات، جرى العرف السياسي الإسرائيلي أن تُستعمل أوراق الحرب أو التصعيد الميداني كرافعة لتوحيد الداخل خلف القيادة، وصرف النظر عن الفشل السياسي أو الاقتصادي.
من هنا، قد تكون المواجهة مع سوريا، سواء على الأراضي اللبنانية أو عبر استهداف مواقع للجيش السوري، وسيلة لإعادة شد العصب الانتخابي وضمان السيطرة على القرار السياسي.
2.
عمليات الاستنزاف في الجنوب: بين ضربات المقاومة وردع الانتشار السوري يشهد الجنوب اللبناني في حزيران 1984 تصعيدًا متزايدًا في وتيرة عمليات المقاومة اللبنانية ضد مواقع الجيش الإسرائيلي، لا سيما في الشريط الحدودي المحتل.
هذا التآكل البطيء في قدرة إسرائيل على تثبيت حضورها الأمني، بالتزامن مع انتشار الجيش السوري في البقاع وتعزيز موقعه العسكري، قد يُفسَّر في تل أبيب كتهديد مزدوج: من جهة تعاظم العمليات النوعية للمقاومة، ومن جهة أخرى ترسيخ الوجود السوري في خطوط متقدمة.
الرد الإسرائيلي قد يتخذ شكل حملة عسكرية محدودة أو ضربة استباقية تستهدف كبح النفوذ السوري قبل أن يُترجم إلى توازن ردع دائم.
3.
اتساع رقعة الحرب العراقية-الإيرانية: فراغ إقليمي وفرص المناورة مع اتساع جبهات الحرب العراقية-الإيرانية، وانشغال القوى العربية الأساسية في صراعات استنزافية، تجد إسرائيل فرصة نادرة للتحرك من دون خوف من رد عربي موحد.
غياب العراق ومصر عن المعادلة الإقليمية الفاعلة، وانشغال دول الخليج بدعم العراق وتحصين جبهاتها، يمنح إسرائيل هامشًا أوسع للمناورة.
وقد ترى في هذا الانشغال فرصة لفرض وقائع جديدة في الجبهة السورية – اللبنانية، من دون أن تُواجه بردّ واسع النطاق.
من حيث الظرف السياسي الإقليمي والديناميات الداخلية الإسرائيلية، يبدو أن احتمال الحرب مع سوريا ليس نابعًا من نية توسعية محضة، بل من اضطرار ناتج عن أزمة بنيوية داخل تل أبيب، ورغبة في إعادة تموضع تكتيكي في لبنان.
أمام هذا المشهد، تبدو الحاجة إلى تحرك دبلوماسي لبناني وعربي عاجل لتجنيب البلاد تبعات هذا الخيار العسكري الإسرائيلي، ولإعادة تثبيت المعادلات السياسية التي تحمي الاستقرار النسبي في الجبهة اللبنانية.
حوار صحفي: الصحافي: تربطون بين الانتخابات الإسرائيلية واحتمال التصعيد العسكري، ألا تعتقدون أن هذا الربط قد يُعد مبالغة في التفسير؟ إدوار حنين: أبدًا، التاريخ السياسي الإسرائيلي يزخر بأمثلة عن استخدام الحرب كأداة انتخابية.
في 1981، سبق الاجتياح الإسرائيلي للبنان الانتخابات بفترة قصيرة، وكان له أثر تعبوي داخل إسرائيل.
اليوم، ومع الفشل في تحقيق أهداف الحرب، قد يحتاج قادة إسرائيل إلى "نصر محدود" يعيد ثقة الشارع بهم، ولا شيء يخدم هذا الهدف كما مواجهة مع عدو واضح مثل سوريا.
الصحافي: ماذا عن عمليات المقاومة في الجنوب، هل ترون أن وتيرتها كافية لدفع إسرائيل إلى رد واسع؟ إدوار حنين: عمليات المقاومة باتت أكثر دقة وتنظيماً، وبعضها طال مواقع حيوية، ما يضع القيادة العسكرية الإسرائيلية أمام خيارين: الانسحاب التدريجي غير المعلن، أو ردع الطرف المقابل بضربة كبيرة.
ومادام الانسحاب يُفسَّر داخل إسرائيل كضعف، فإن التصعيد يبدو مرجحًا.
الصحافي: وهل تعتقد أن الحرب العراقية-الإيرانية تُسهّل هذا التوجه؟ إدوار حنين: بالتأكيد، إذ تتيح لإسرائيل التحرك بحرّية أكبر.
القوى التي كان يمكن أن ترد أو تردع، مشغولة في نزاعاتها.
العراق غارق في حربه، وسوريا بدورها توزّع قواتها بين لبنان والجولان.
وهذا يفتح مجالًا أمام إسرائيل للمراهنة على عدم وجود جبهة معاكسة موحدة.
  شهد لبنان في الستينيات تنظيم القطاع المصرفي والشأن الإجتماعي.
تأسس المصرف المركزي في السنة 1964، وصندوق الضمان الإجتماعي وصدرت قوانين ترعى العمل المصرفي وأخرى تضبط أوضاع المصارف سيما وأن أزمة بنك إنترا في خريف السنة 1966 هزّت القطاع المصرفي.
بفضل هذه الخطوات تجاوز لبنان آثار أكبر أزمة تاريخية واجهها خلال تاريخه.
ثم جاءت حرب حزيران 1967 بين مصر وسوريا والأردن وإسرائيل، بعد أزمة بنك إنترا مباشرة.
فقد العرب سيناء والجولان والضفة الغربية وقطاع غزة.
إلا أن القطاع الإقتصادي في لبنان استعاد حيويته وبدأت بيروت تستقطب عبر التوظيفات المباشرة ومكاتب التمثيل الأجنبية غالبية المصارف العالمية المعروفة منها عدد من المصارف اليابانية ومصرف إسباني واحد.
إستمرت هذه الطفرة الإقتصادية والمالية حتى العام 1974.
ولم تتأثر بالصدامات العديدة بين القوى الفلسطينية المسلحة والجيش اللبناني.
وتخطت تداعيات حادثة تدمير الأسطول الجوي المدني التي قام بها كومندوس إسرائيلي على مطار بيروت الدولي ليلة رأس السنة 1968.
في السنة 1968، بدا واضحًا نمو الوضع الإقتصادي والمالي في لبنان، إذ زاره مليونان وأربعمئة ألف سائح.
رقم قياسي في العالم العربي، ساهم في تمتين سعر صرف العملة الوطنية.
إستمرت الليرة اللبنانية في تحسنها قياسًا إلى الدولار حتى بلغت 2،22 ليرة لبنانية للدولار في نهاية العام 1974، في حين كانت تبلغ 3،7 ليرات للدولار تاريخ تحرير العملة اللبنانية من الإرتباط بالفرنك الفرنسي وبالليرة الشورية قبل ربع قرن من ذاك التاريخ.
في اواخر 1968، دخل الأراضي اللبنانية عدد من الفلسطينيين المسلحين أي الفدائيين.
أحدث هذا الأمر اضطرابات داخلية ليس بالنسبة لعدد الذين دخلوا وكان لا يتجاوز الخمسين، بل لمبدأ وجود فدائيين على الأراضي اللبنانية.
أما الاضطرابات الداخلية فكان سببها الانقسام بالرأي حول مبدأ وجود فلسطيني مسلح:
فريق يؤيد وفريق يرفض.
الفئة التي أيدت لجأت إلى مختلف وسائل الضغوط:
الاضطرابات والمظاهرات والمهرجانات الخطابية والعراقيل التي كانت تضعها لدى تشكيل الحكومات.
الفئة التي رفضت اقتصر نشاطها على إسداء النصح للفريق المؤيّد بعدم الذهاب بعيدًا بالتأييد خشية التصادم.
أخذ عدد الفدائيين يتزايد يومًا بعد يوم.
ردود الفعل الإسرائيلية وكان أبرزها الغارة على مطار بيروت الدولي في 28 كانون الاول 1968.
في نيسان 1968، قامت تظاهرة انطلقت من ساحة كلية المقاصد في بيروت وسار المتظاهرون باتجاه المجلس النيابي.
حصل إطلاق نار وسقط 14 قتيلاً وبعض الجرحى الأمر الذي حمل السيد رشيد كرامي على تقديم استقالة الحكومة التي كان يرئسها.
تعذّر تشكيل حكومة جديدة بسبب استمرار الخلاف حول وجود الفدائيين في الوقت الذي كان عدد هؤلاء يتزايد.
رفض رئيس الجمهورية يومذاك الرضوخ للأمر الواقع والتسليم للوجود الفدائي على الأراضي اللبنانية ووجه رسالة بتاريخ 31 آيار 1969 بهذا المعنى أثارت ردود فعل مختلفة ولاسيما من جهة الفريق المؤيد للوجود الفدائي.
رفض رئيس الجمهورية تشكيل حكومة ترضخ للأمر الواقع وبقيت البلاد دون حكومة، فاستمرت الحكومة المستقيلة تصرّف الاعمال سحابة سبعة أشهر.
في أواخر شهر تشرين الأول 1969 حصل اصطدام مسلح بين الفدائيين والجيش اللبناني في مجدل سلم في منطقة الجنوب تسبب فيه الفدائيون، فسار الفريق المؤيد.
وما هي إلا أيام معدودة حتى اشتعلت المناطق الحدودية وكان عدد الفدائيين فيها قد تجاوز الثلاثة آلاف.
ثم ثارت الدول العربية على رئيس لبنان لموقفه من الفدائيين ومارست تجاه لبنان مختلف أنواع الضغوط ولاسيما منها الإعلام العربي وأقفلت بعضها الحدود مع لبنان وتصاعدت الاشتباكات العسكرية بين الجيش والفدائيين وحلفائهم ومرت بضعة أيام والامور تسير من سيء إلى أسوأ الامر الذي اضطر السلطة إنقاذًا للبلاد من الانقسام داخليًا إلى التسليم بالوجود الفدائي في لبنان وكان اتفاق القاهرة وقد تضمن نصًا سريًا أعطى خطأ الانطباع بأن لبنان سُلّم للفدائيين.
ولكن الفلسطينيين لم يكتفوا بما تضمنه اتفاق القاهرة.
وخلافًا لهذا الاتفاق ادخلوا جميع أنواع الأسلحة والذخائر ولاسيما الثقيلة منها إلى المخيمات وأنشأوا المكاتب في العاصمة والضواحي والمناطق وكثرت التجاوزات التي كان يرتكبها عناصرهم وتعددت الاصطدامات بينهم وبين قوى الأمن والجيش وأخذوا بإيواء الخارجين على القانون من لبنانيين وفلسطينيين وغيرهم من عرب وأجانب.
وفي ليل 10 – 11 نيسان 1973، قتل 3 مسؤولين فلسطينيين في شارع فردان واتهم رئيس الحكومة يومذاك قائد الجيش بالتقصير واشترط إقالته أو استقالة الحكومة.
وكان أبرز هذه الاصطدامات بين الفلسطينيين والجيش الاصطدام الذي حصل في 2 آيار 1973 على أثر حجز 3 عسكريين من قبل حاجز من فدائيين.
أنذر الجيش الفلسطينيين بإعادة المحجوزين خلال مهلة محددة وإلا لجأ إلى القوة.
وبعد انقضاء هذه المهلة دون نتيجة، توجهت دورية من الجيش لاستعادتهم بالقوة.
وجرى تبادل إطلاق نار تبعه قصف ثكنات الجيش المجاورة من قبل فلسطينيين بالمدافع والصواريخ.
وعمت الاشتباكات العاصمة ومناطق عدة من لبنان.
وأخذ الفلسطينيون يقصفون الأحياء السكنية والمرافق العامة ومنها مطار بيروت الدولي بمختلف أنواع الأسلحة ومنها المدافع والصواريخ.
واضطرت الحكومة يومذاك إلى اتخاذ تدابير أمنية مشددة منها منع التجول.
وما ان أخذت الأمور تعود إلى الحالة الطبيعية حتى انفجرت عند الساعة العاشرة من ليل 7 آيار وكان مجلس الوزراء لا يزال منعقدًا وتساقطت القذائف المدفعية والصاروخية وسواها بصورة عشوائية على جميع أحياء بيروت وضواحيها وتسببت بوقوع ضحايا بريئة عدة مما حمل مجلس الوزراء بناء على اقتراح رئيس الحكومة إلى إعلان حالة الطوارئ.
وقضت بيروت وضواحيها تلك الليلة دون ان يهدأ دوي انفجارات القذائف وأزيز الرصاص.
وقبل بزوغ الفجر بعد تلك الليلة الرهيبة كان رئيس الحكومة يقدّم استقالته لانه لم يصمد امام الضغوط التي تعرّض لها على أثر إعلان حالة الطوارئ قبل ساعات معدودة ولكن ذلك لم يمنع من اتخاذ التدابير العسكرية ومنها سلاح الطيران والتي بفضلها توقفت موجة العنف.
إذ تهافت السفراء العرب طالبين وقفها متوسطين بين السلطة اللبنانية والفلسطينيين داعين إلى ضرورة توضيح العلاقات بين السلطة والمقاومة وكان اتفاق ملكارت.
ولكن لا اتفاق القاهرة ولا اتفاق ملكارت كان ما يرمي إليه الفلسطينيون.
واستمرت أعمال الشغب وتصاعدت ولم يكن مهرجان خطابي يحصل في أي منطقة يتواجد فيها فلسطينيون إلا ويشترك هؤلاء فيه ويحملون على السلطة ويتهمونها بشتى الاتهامات ولا يكتفون بذلك بل يحملون على نظام الحكم وعلى مؤسسات الدولة الدستورية منها والوطنية ولاسيما الجيش ألخ.
إلى أن كان يوم 26 شباط 1975 حيث قامت تظاهرة في صيدا اشترك فيها النائب السابق المرحوم معروف سعد.
أطلقت النار عليه فأصيب بجراح بالغة نقل على أثرها إلى المستشفى حيث توفي بعد أسبوعين تقريبًا.
حدثت أعمال شغب بعد إصابة النائب سعد وبعد وفاته.
وحاولت الحكومة برئاسة رشيد الصلح معالجة ذيول هذا الحادث المؤسف وما إن أخذت اجواء الهدوء تعود إلى البلاد حتى كان يوم 13 نيسان 1975 حيث وقعت حادثة عين الرمانة المعروفة.
سارعت الحكومة يومذاك إلى العمل على تدارك الامر بعد أن تبين لها أن أجواء غير طبيعية تسود البلاد فأجرت الاتصالات بجميع الأطراف المعنية للوقوف على حقيقة هذه الحادثة المؤسفة وعلى أسبابها ودوافعها ولكن دون جدوى.
وُجِّهت التهمة إلى حزب لبناني بأنه يعمل على تصفية المقاومة الفلسطينية وأقيمت الحواجز المسلحة وجرى خطف بعض المنتسبين للحزب المذكور أو المتعاطفين معه حيث كانوا يمرون بمناطق مختلفة من العاصمة ولم يكونوا قد علموا بعد بما حصل.
ففقد بعضهم ولا يزال مفقودًا.
وعمت الاشتباكات بمختلف الاسلحة الخفيفة منها والثقيلة وقطعت الطرقات العامة واعتدى على منازل ومكاتب ومتاجر ومصانع ووقعت ضحايا عديدة ولم تتمكن الحكومة من وقف إطلاق النار إلا بعد أربعة أيام على بدء القتال.
وما أن أخذت الأحوال تهدأ تدريجيًا حتى قامت حملات تتهم السلطة بشتى التهم.
منها التآمر على المقاومة وبأنها تنفذ مخططًا لتصفيتها من اجل فرض حل سلمي في منطقة الشرق الأوسط ومنها أن أسباب الحوادث هي محض اجتماعية.
وشعرت المقاومة الفلسطينية انها أصبحت تحت الأضواء فعمدت إلى توجيه إعلامها على انها تلتزم حيادًا مطلقًا تجاه ما يجري في لبنان ناسبة ذلك مرة إلى أنه صراع بين يمين ويسار ومرة أخرى إلى أنه صراع بين طوائف حول مطالب مختلفة إلى آخر المعزوفة.
وتحت وطأة هذه الحوادث اضطرت الحكومة برئاسة رشيد الصلح إلى الاستقالة.
وفي الوقت الذي كان رئيس الجمهورية يجري استشارات نيابية لتشكيل حكومة جديدة استؤنفت الاشتباكات في ضواحي بيروت وبالضبط في منطقة تل الزعتر الدكوانة وما لبثت أن اتسعت رقعة الاقتتال بسرعة جنونية لا عهد لنا بها في لبنان وأخذت قذائف المدافع والصواريخ تتساقط بصورة عشوائية في كل مكان على الناس والممتلكات مخلفة وراءها الضحايا والخراب.
وتجاه إعلان رئيس الوزراء المستقيل أنه لن يمارس مهمة تصريف الأعمال حتى تشكيل حكومة جديدة ولن يبذل أي جهد من أجل وقف النار كان لا بد من مواجهة هذا الأمر بتدبير سريع بوقف النزف البشري فجرى تشكيل حكومة من عسكريين وقف ضدها بصورة خاصة أقطاب الطوائف الإسلامية وتداعوا إلى عقد اجتماعات طائفية مما تقرر فيها:
طلب استقالة الحكومة وعدم قبول أية حكومة لا يكون رئيسها رشيد كرامي.
وقدّمت الحكومة التي ضمت العسكريين استقالتها بعد يومين من تأليفها وجرى تكليف الرئيس كرامي تشكيل حكومة جديدة ولكن الاشتباكات لم تتوقف بل كانت رقعة الاقتتال تتسع فيزداد معها عدد الضحايا والخراب والدمارو الخسائر والتعقيدات إلى أن تم الاتفاق بعد مرور اكثر من شهر على تكليفه على تشكيل حكومة برئاسة الرئيس كرامي بتاريخ أول تموز 1975.
وكعادتهم اتخذ الفلسطينيون من قضية حكومة العسكريين حجة وشنوا حملات عنيفة ضد السلطة بعد ان اتهموها بشتى الاتهامات منها تصفية المقاومة الفلسطينية وتحجيمها.
تمرير الحلول السلمية أو الاستسلامية، تنفيذ مخططات الصهيونية والإمبريالية.
التآمر على الدول العربية المتلاحمة مع الثورة.
ولم ينسوا تبرير ما أقدموا عليه من أعمال تخريبية واعتداءات على الناس والممتلكات فقالوا إنها بسبب التواطؤ مع الإنعزاليين والتستر بهم.
استعداء الجيش على المقاومة.
تسليح الجيش لضرب المقاومة والهيئات الوطنية والاحزاب التقدمية.
المحافظة على نظام الاحتكار ومص الدماء والصفقات المشبوهة.
تسليح الميليشيات وتشجيعها للتصادم مع المقاومة تمهيدًا لاستدراجها إلى معارك جانبية يضطر عندها الجيش للتدخل ويضرب المقاومة.
مالت الأوضاع إلى الهدوء وأخذت الحياة الطبيعية تعود إلى البلاد والاحوال تتحسن يومًا بعد يوم.
وسارت الحكومة الجديدة في عملها تنفيذًا للبيان الوزاري وتوالت الاجتماعات واللقاءات من اجل تحقيق مصالحة وطنية بين جميع الأطراف تجمع الشمل وتضع مصلحة لبنان فوق كل مصلحة ورغبة من الحكومة في استعجال درس جميع المسائل والمواضيع المطروحة للبحث والتي كان البعض يرى أن معالجتها تقطع سبب الشر.
قررت عقد جلسات مفتوحة.
سئل فخامة الرئيس سليمان فرنجية عن توقعاته من مؤتمر القمة المنعقد حاليًا في القاهرة فأجاب:
إن التحركات العربية على مستوى القمة مختصرة كانت أو موسعة دليل عافية.
إن أول ما يدعو إلى التساؤل هو لماذا المحركون اليوم لم يتحركوا إلا بعد ثمانية عشر شهرًا من بدء الحوادث التي سريعًا ما استحالت إلى حرب شرسة؟
أقول حربًا ولا أقول أهلية كما يصر على تسميتها المغفلون المتواطئون وسيئو النية.
بل أقول حربًا عدوانية شنها على اللبنانيين في أرض لبنان الفلسطينيون وأعوانهم لأهداف شتى.
غير أننا نتخطى هذا التساؤل لنقف للمؤتمرين عند حقيقة أن الإعلام الفلسطيني يبني دعايته على المغالطات والافتراء ويروج لها بالضغط والإرهاب او بالإفساد والإغراء.
فمن افتراءاته ومغالطاته مثلاً قوله عندما بدأت انتصارات القوى اللبنانية في الجنوب إن إسرائيل تدعم القوى اللبنانية كما سبق لإعلامهم أن قال في معركة ضبيه وتل الزعتر إن القوى السورية ساعدت القوى اللبنانية كل ذلك تغطية لفشل الفلسطينيين في هذه المعارك.
هذا فضلاً عن انتقامهم الوحشي بعد كل انكسار إذ يتخيرون نقطة ضعف في الجمهورية اللبنانية فينزلون بكل قواهم إليها ويغدرون بها غدرًا.
فالعيشية اليوم كما شكا بالامس والدامور قبلهما.
وتابع الرئيس فرنيجة فقال:
تلك هي الملاحظات والتخوفات والآمال التي نتوجه بها إلى الملوك والرؤساء المجتمعين اليوم في القاهرة لمعالجة القضية اللبنانية وإيجاد الحلول لها.
إننا نرجو لهم التوفيق لأن العالم المتحضر كله ينظر الآن إليهم، يحكم لهم او عليهم قبل حكم التاريخ.
وختم بقوله:
سيظل لبنان أيًا كانت المحاولات رافضًا لأي حل لا يزيل عنه الاعتداء وآثاره وذيوله غير قابل بما لا يسلم معه تاريخه العريق الأصيل في الحضارة ودوره الفريد النبيل في خدمة الانسانية والإنسان وجهه المتميز في هذا المقلب من الأرض.
سئل فخامة الرئيس سليمان فرنجية عن رأيه بالمقررات التي اتخذت في مؤتمر الرياض فأجاب:
"ما هي الغاية التي من اجلها تم انعقاد مؤتمر القمة العربية في الرياض؟
إن الغاية بنظرنا هي حقن دماء اللبنانيين.
فماذا يجب لذلك؟
وقف الاقتتال ثم الحؤول دون تجدده.
اما الاقتتال فأسبابه الوجود الفلسطيني الكثيف على أرض لبنان والمطامع الفلسطينية الجنونية بأرض لبنان التي دوخت عقول الفلسطينيين فأضاعتهم.
وسبب الاقتتال الدعم العربي المفرط بالمال والسلاح والرجال الذي قدم لهم لغاية وأنفق على غير غاية.
ولم يقم على ذلك رقيب أو حسيب.
أما وقف الاقتتال فيجب أن يكون وفقًا لجميع أنواع الاقتتال من حد القصف والقنص والرجم العشوائي بالصواريخ إلى حد التهويل والتهديد والخطف ومن حد التدمير والحرق والتخريب إلى حد السرقة والسلب والنهب.
كما يجب أن يكون وقفًا كليًا على جميع الجبهات من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال مرورًا بالجبال والسواحل وبالمدن وضواحيها.
وأما الحؤول دون تجدد الاقتتال فلا يكون إلا بإزالة أسبابه ومتى علم أن من أسباب الاقتتال الرئيسية تفرد الفلسطينيين بإدارة قيادة القضية العربية الشاملة المسماة باسمهم والتحالف مع اليسار المحرض الذي زعم الفلسطينيون انه من حقهم أن يعقدوه باسم القضية الفلسطينية على حساب المجموعة العربية فجروا وراءهم على حين غفلة بعض المسؤولين العرب.
كل هذا بالإضافة إلى السبب الرئيس الكبير الذي هو تمسك اللبنانيين حتى النفس الأخير بسيادة بلادهم بحريتها وبكرامتها.
متى علم ذلك.
علم ماذا تعني بالضبط إزالة أسباب القتال وكسيف يجب ان تكون.
فإن كان هذا قد تحقق فقد تحققت الغاية من مؤتمر الرياض وإن لا فلا.
ثم تابع فقال:
يبدو ان فخامة الرئيس سركيس قد عاد مطمئنًا إلى مقررات المؤتمر.
إننا نثق بالرئيس سركيس.
فعندما يكون هو مطمئنًا يصير سهلاً علينا أن نطمئن.
هذا فضلاً عن أن ظاهر القررات يطمئن.
غير أنه يبقى أن نعرف بواطن هذه المقررات والدقة والصرامة والصدق التي سترافق تنفيذها.
عشية اندلاع الحرب، يوم السبت 12 نيسان 1975، دخل رئيس الجمهورية سليمان فرنجية عند الثامنة صباحًا، إلى الجامعة الأميركية لإجراء عملية جراحية لاستئصال المرارة.
إستغرقت الجراحة ثمانين دقيقة، خرج بعدها الرئيس واعيًا وشكر الطبيب الذي أجرى الجراحة الدكتور سامي عبيد والأطباء الأخصائيين والممرضات الذين عاونوه، بقوله "شكرًا لكم .
ألله يقويكم".
على الأثر صدر بيان طبي أولي أكد فيه مستشفى الجامعة نجاح الجراحة وأن الرئيس يتمتع بصحة جيدة، ثم عند المساء صدر بيان آخر:
"يتمتع فخامة رئيس الجمهورية الأستاذ سليمان فرنجية بحالة صحية ممتازة بعد الجراحة التي أجريت له صباح اليوم وتظهر كل المؤشرات الطبية أنه يستعيد نشاطه بصورة طبيعية.
وطوال النهار، منذ الصباح الباكر، حتى المساء، غص مستشفى الجامعة بوفود الزائرين من أركان الدولة والنواب والدبلوماسيين ورجال الدين وممثلي الأحزاب والهيئات والنقابات والوفود الشعبية.
وكانت هناك بالطبع "فرنسا" الزغرتاوية التي استقبلت إعلان نجاح الجراحة بزلغوطة أشاعت الإرتياح في نفوس المحتشدين.
وبين مئات السلال من الزهر التي وصلت إلى المستشفى، ثلاث من الرئيس أنور السادات والملك الحسن الثاني والسيد ياسر عرفات الذي انتدب أبو الزعيم وأبو حسن لزيارة المستشفى.
صحيفة النهار الخاصة باندلاع الحرب في لبنان المندلعة يوم الأحد 13 نيسان 1975، صدرت متوجة بالعناوين التالية:
30 قتيلاً وعدد من الجرحى - عرفات يستنجد بالملوك والرؤساء العرب، والجميّل يتهم إسرائيل بافتعال الحادث - جنبلاط وأحزاب اليسار يطالبون بحل الكتائب وطرد وزيريها - السادات يتدخل ويدعو إلى حقن الدماء والقضاء على الفتنة بمهدها - ليلاً:
إنفجارات ورصاص ونسف محلات وقطع طرق.
وفي التفاصيل:
26 فلسطينيًا وكتائبيان وشخصان آخران قتلوا في حادث حصل على دفعتين في عين الرمانة، بين كتائبيين وعناصر فلسطينيين.
القيادة الفلسطينية اتهمت الكتائب بمسؤولية ما حصل فيما اتهمت الكتائب سيارتين فولزفاكن وفيات بافتعال الحادث.
وكان القتلى الفلسطينيون في أوتوبيس عائد من مسيرة.
كذلك وقع بضعة جرحى من الطرفين.
عام 1976 إنعقدت جلسة أول مؤتمر قمة عربي في عهد الياس سركيس أقر فيها المجتمعون دخول قوات الردع العربية إلى لبنان.
في حزيران 1978 جمعت قمة اللاذقية الرئيسين الياس سركيس وحافظ الأسد اللذين أعلنا عن اتفاق مشترك طالبا فيه بتنفيذ قراري مجلس الأمن الدولي 425 و 426 من أجل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإعادة السلطة إلى الشرعية والسيادة اللبنانية إلى الجنوب وتعزيز التنسيق بين الجيش اللبناني وقوات الردع العربية .
كذلك شدّد الاتفاق على ضرورة تنظيم العلاقات اللبنانية الفلسطينية مع المحافظة على سلامة لبنان وسيادة أراضيه.
بعد هذه القمة، عقدت اجتماعات عسكرية لبنانية – سورية – دولية لمناقشة الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب ودخول الجيش إليه بالتنسيق مع الطوارئ الدولية إضافة إلى نشر الجيش في بيروت والمناطق بالتنسيق مع قوات الردع العربية.
في السادس من حزيران 1978، أعلنت الجبهة اللبنانية رفضها للاتفاقات المعقودة بين السلطة اللبنانية والمقاومة الفلسطينية منذ اتفاق القاهرة عام 1969 حتى اليوم.
فانفجر الوضع عسكريًا في أوائل تموز 1978 إنطلاقًا من الضاحية الجنوبية وصولاً حتى الأشرفية ليطاول كل مناطق بيروت الشرقية.
شهد الوضع الامني في العام 1978، النكسة تلو النكسة لكن الأمل بحلول السلام في لبنان هيمن على مطالع السنة الجديدة حيث استقبلها اللبنانيون على أمل أن يشهدوا فيها استقرارًا أمنيًا ملحوظًا في الداخل وعلى الحدود وأن تنجح المساعي الهادفة إلى وفاق وطني ثابت وجامع.
في الساعات الأولى من العام الجديد، حفل نشاط رئيس الحكومة الدكتور سليم الحص بتحركات اتصلت بمعالجة الناحية الأمنية واتخاذ التدابير الهادفة إلى إزالة المظاهر المسلحة.
ثغرات أمنية عدة تنخر الساحة الداخلية.
معالجتها تحتاج إلى تنسيق بين القوى الشرعية الثلاث.
وكما الداخل اللبناني غير مستقر كذلك الوضع في الجنوب متوتر وهش، رغم المشاورات الدولية الجارية لتجنيبه خطر الانفجار.
سعت الحكومة إلى ترجمة مقررات اجتماع بيت الدين وإلى إيجاد قواسم مشتركة بين الأطراف اللبنانيين وبين لبنان والعرب، لاسيما مع سورياوالمقاومة الفلسطينية.
في الواقع ما عمدت إلى القيام به الحكومة هو تكريس نوع من الانفراج النسبي الداخلي ريثما يتضح المنحى الذي يسير في فلكه الوضع العام في الشرق الأوسط وانعكاسه المباشر على لبنان.
في هذا الإطار بدأ الحكم في لبنان سنته الجديدة مترقبًا للتطورات.
في غياب قرار دولي بحل للأزمة اللبنانية.
أمنيًا عاد الهدوء الأمني إلى الضاحية الجنوبية من بيروت بعد الاشتباكات التي جرت يوم السبت وأدت إلى سقوط ثلاثة إصابات.
في الاول من كانون الثاني كانت إيران تعيش لحظاتها التاريخية، حيث تودع نظامًا وتستعد لاستقبال نظام جديد، وولوج ىفاق جديدة.
شاه إيران يعيش أيام حكمه الأخيرة، والإمام الخميني يتحضر للعودة إلى بلاده.
في عهد الرئيس الياس سركيس ، إنعقد عدد من مؤتمرات القمة العربية :
المؤتمر الأول استضافته الرياض يوم السبت 16 تشرين الأول 1976 بدعوة من المملكة العربية السعودية وامتدّ طوال ثلاثة أيام .
أقرّ بيانه الختامي تأليف قوة الردع العربية لوقف الحرب اللبنانية الفلسطينية المستعرة منذ سنتين وفرض تطبيق اتفاق القاهرة على منظمة التحرير الفلسطينية.
أما المؤتمر الثاني فاستقبلته القاهرة بعد عشرة أيام من المؤتمر الأول ، حضرته عشر دول عربية وهو تكملة للمؤتمر الأول .
أما الثالث فعقد في بغداد في تشرين الثاني 1978 بُعيد مؤتمر كامب دايفيد وتوقيع المعاهدة المصرية الإسرائيلية.
إستمر المؤتمر خمسة أيام وبرز فيه الانشقاق العربي والخلاف بين مصر ودول التصدّي والصمود التي تشمل سوريا ، العراق، ليبيا ، الجزائر واليمن الجنوبي.
أما المؤتمر الرابع فانعقد في تونس في 20 تشرين الثاني 1979 بطلب من لبنان ودام يومين بحث قضية الجنوب اللبناني والوجود الفلسطيني المسلّح.
  في 31 كانون الثاني 1976 تم الإعلان من مقر جامعة الكسليك عن تأسيس «جبهة الحرية والإنسان». وفي 21 و22 و23 كانون الثاني 1977 تم الإعلان في خلوة دير سيدة البير عن مقررات «الجبهة اللبنانية» وعن تنظيم هذه الجبهة ووضع نظام داخلي لها في ما يمكن اعتباره إعلانا للتأسيس الثاني والإنتقال من «جبهة الحرية والإنسان» إلى «الجبهة اللبنانية» التي استمرت تجتمع وتصدر البيانات تحت هذا الإسم. منذ العام 1976 وحتى العام 1987 عاشت الجبهة اللبنانية وعايشت كل المحطات المفصلية. ومثلت طيلة هذه المرحلة وجدان قضية وشعب ووطن وكانت بحجم المسؤولية التي حملتها دفاعًا عن لبنان. لم يكن من السهل أن تختصر الجبهة كل الأحزاب والتيارات والشخصيات الإستقلالية والسيادية، ولكنها فعلت من دون أن تلغي خصوصية أي من هؤلاء الذين انضووا تحت قيادتها وكانوا يعبّرون عنها منفردين ومجتمعين. لم تولد الجبهة من فراغ ولكنها استطاعت أن تملأ فراغاً كان مطلوباً ألا يظل فراغاً. قبل الجبهة كانت الهواجس موجودة والخطر موجودًا وكانت الحاجة إليها موجودة، وعندما ولدت كان الإعلان عن ولادتها كأنه إعلان عمّا كان صار معلومًا. قبل 31 كانون الثاني 1976 تاريخ الإعلان الأول عنها كانت هناك اجتماعات تمهيدية لبلورة هذه الفكرة التي استدعتها ضرورات المعارك السياسية والعسكرية. الذين التقوا في الجبهة كانوا التقوا في ميادين المواجهة كل من موقعه وخلفيته وتنظيمه. في الأساس كانت الفكرة موجودة وكانت الحاجة ماسة وكان الخطر يدق على الأبواب وكانت الدولة قد غابت وكان مطلوبًا أن يكون هناك من يتصدى للخطر ويتحمّل المسؤولية ويخرج إلى الجماعة الخائفة والقلقة ليقول إن الوقت قد حان لتولي القيادة. كان من الطبيعي أن تولد الجبهة من رحم الأفكار التي كانت سبقت ولادتها من لجنة بحوث الكسليك ومن المؤتمر الدائم للرهبانيات اللبنانية ومن عدد من المفكرين والباحثين، ولذلك كان من الطبيعي أن يكون اللقاء الأول في دير الكسليك لأنه كان القاسم المشترك بين الجميع، وكان من الطبيعي أيضًا أن يتم الإعلان عن عهد الجبهة في 13 شباط 1976 من دير مار أنطونيوس في الأشرفية. كان المطلوب أن تلتقي القيادات السياسية والعسكرية والحزبية والفكرية في إطار واحد. وهكذا كان اللقاء طبيعيًا بين الشخصيات الأولى التي تكوّنت منها الجبهة: كميل شمعون وبيار الجميل وشارل مالك وشربل قسيس وفؤاد الشمالي وشاكر أبو سليمان وجواد بولس وسعيد عقل وغيرهم من الأسماء التي كانت في الكواليس ووراء الستار تساهم في خلق الأفكار وتقديم المقترحات وصياغة المواقف. ولدت الجبهة في 31 كانون الثاني 1976 بعد عشرة أيام فقط على تهجير الدامور وبينما كانت المعارك تشتعل في كل المناطق. كان يكفي أن ينتقل كميل شمعون من قصر السعديات إلى الإقامة في قصر بعبدا حتى يكون منذ البداية الرئيس الفعلي للجبهة حتى من دون الإعلان عن مثل هذا الأمر في البداية. وكان يكفي أن يكون بيار الجميل رئيسًا للكتائب ليكون قطب الجبهة الثاني مستندًا إلى قوة عسكرية حزبية منظمة. وكان من المطلوب أن يتم التوازن بين حضور بيار الجميل وكميل شمعون وبين حضور الشخصيات التي لم يكن لديها تنظيمات مقاتلة، وكان من الرائع أيضًا أن يكون حضورالجميع متساويًا تقريبًا. لم يكن من المتاح في مرحلة التأسيس تلك أن يكون الرئيس سليمان فرنجية عضوًا في الجبهة لأنه كان رئيس الجمهورية ولكن ممثلين عنه كانوا يشاركون بطبيعة الحال لأن قوات عسكرية تابعة له كانت تشارك في القتال على الأرض على أكثر من جبهة. ولادة الجبهة ترافقت أيضًا مع بداية تبدل في موقف النظام السوري من مجريات الحرب والتحالفات وكان المطلوب أولاً مواكبة محاولة الخروج من الحرب من خلال الوثيقة الدستورية التي كان يتم التحضير لها بين الرئيس فرنجية ورئيس النظام السوري حافظ الأسد وقد تم الإعلان عنها في 14 شباط 1976 بعد يوم واحد من الإعلان عن عهد جبهة الحرية والإنسان. ولكن وحدة التنظيم السياسي ضمن الجبهة بقيت في تلك المرحلة عرضة للإختلاف في المواقف. بداية كان هناك إختلاف حول مقاربة العلاقة مع النظام السوري بين من هو رافض وبين من يعتبر أنها لا مفر منها لتقطيع المرحلة الضاغطة عسكريًا. وكان هناك إختلاف وتمايز في النظرة إلى إنقلاب العميد عزيز الأحدب بين من اعتبره منقذاً للبنان ومن اعتبره إنقلابًا على الشرعية، خصوصًا أنه طالب باستقالة رئيس الجمهورية. وهذا الموضوع، أي المطالبة باستقالة الرئيس كان موضع اختلاف بين من وافق على الفكرة وبين من رفضها، خصوصًا بعدما تمسك فرنجية بالبقاء في سدة المسؤولية حتى آخر يوم قبل أن يكون هناك حل وسط بتعديل الدستور وانتخاب رئيس للجمهورية قبل ستة أشهر على أن يتسلم مقاليد الرئاسة في 23 أيلول، وعلى هذا الأساس كان الياس سركيس مرشح الجبهة اللبنانية وقد تم انتخابه في 8 أيار 1976. لم يكن هذا التوافق على تقطيع المرحلة يعبّر عن وحدة موقف حقيقي، ذلك أن الإختلاف عاد وظهر حول العلاقة السياسية مع النظام السوري من جهة وحول دخول القوات العسكرية التابعة للنظام إلى لبنان في حزيران 1976 ثم حول دورها بعد تحوّلها القوة الأكبر ضمن قوات الردع العربية وتوسيع إنتشارها داخل المناطق الشرقية بينما كانت الجبهة بشكل عام تعتبر أن المطلوب ألا يشمل إنتشارها هذه المناطق وأن تعمل على سحب السلاح الفلسطيني. صحيح أن الجبهة كانت أيدت إنتخاب الرئيس الياس سركيس ولكن العلاقة معه لم تكن متوازنة وشابتها في البداية نزاعات كثيرة. وإذا كان دخول لبنان مرحلة من السلام الخادع قد أمّن إنتقال السلطة ومحاولة إعادة بناء الجيش والدولة، فإن تلك المرحلة شهدت أيضًا حدثين على مستوى الجبهة هما مشاركة الرئيس سليمان فرنجية فيها كعضو أساسي بعدما كانت بدأت إجتماعاتها معه كرئيس للجمهورية في قصر بعبدا، ثم بعد انتقاله إلى القصر البلدي في زوق مكايل قبل أن يستقر في الكفور. أما الحدث الثاني فكان التخلي عن تسمية جبهة الحرية والإنسان والإنتقال رسميًا إلى تسمية الجبهة اللبنانية مع خلوة سيدة البير في 23 كانون الثاني 1977 وخروج الدكتور فؤاد الشمالي منها ثم الشاعر سعيد عقل. العام 1978 شهد خلوتين للجبهة في زغرتا وفي إهدن وذلك بعدما بدأت مرحلة السلام تنهار بعد حوادث ثكنة الفياضية في شباط 1978 وعودة الخلاف مع النظام السوري عسكريًا وسياسيًا، الأمر الذي انعكس خلافاً كبيرًا مع الرئيس الياس سركيس خصوصًا لجهة عجزه عن ممارسة دوره كقائد أعلى لقوات الردع العربية. الخضة الأولى الكبيرة حصلت داخل الجبهة مع أحداث إهدن وما سبقها وتلاها وأدت إلى خروج الرئيس سليمان فرنجية منها وفصل مناطق الشمال عن العمق المسيحي. ولكن هذا الخروج وإن كان أضعف الجبهة إلا أنه لم يحل دون استمرارها بقوة أكبر لاحقاً عندما توسعت عمليات الحرب بين القوى المسيحية وبين الجيش السوري في حرب المئة يوم. الخضة الثانية التي تعرضت لها الجبهة كانت مع الحوادث بين الكتائب والأحرار وبعد عملية 7 تموز 1980. ولكن بحس المسؤولية الذي تحلى به الرئيس شمعون أمكن تخطي هذه المرحلة التي شهدت تكريس قيادته السياسية للجبهة وتكريس قيادة الشيخ بشير الجميل العسكرية «القوات اللبنانية» التي شهدت عملية التوحيد التي تعذر الوصول إليها في كل المحاولات السابقة، وبذلك أضحى الشيخ بشير الممثل القوي ل»القوات» داخل الجبهة وانطلقت عملية الإعداد لوصوله إلى رئاسة الجمهورية. وبهذا الحضور لبشير وللجبهة تمت مواجهة حرب زحلة. ترشيح بشير لرئاسة الجمهورية تم عبر الجبهة اللبنانية. كان الرئيس كميل شمعون طامحًا أيضًا ليكون مرشح الجبهة، ولكن التطورات العسكرية والسياسية وحّدت الجبهة حول قرار ترشيح بشير الذي كان وصوله إلى الرئاسة بمثابة وصول الجبهة اللبنانية ونجاح تجربتها وخياراتها. بعد اغتيال بشير وانتخاب شقيقه الشيخ أمين الجميل خلفاً له، وبعد سلسلة الحروب في الجبل وبيروت والضاحية، ضعف موقف الجبهة اللبنانية التي كان انضم إليها فادي فرام ممثلاً ل»القوات» بعدما صار قائدها. في 27 آب 1984 توفي الشيخ بيار الجميل ففقدت الجبهة أحد ركنيها الأساسيين ولكنها استمرت مع انضمام الدكتور إيلي كرامه إلى عضويتها بعد اختياره رئيسًا للكتائب. كانت الجبهة قد اعتمدت مقرًا لها في دير مار جرجس عوكر التابع للرهبانية الأنطونية. من ذلك المكتب المتواضع الذي كان كناية عن غرفة صغيرة كانت الجبهة تصدر بياناتها التي ينتظرها اللبنانيون وتذيّلها بعبارة عاشت الجبهة اللبنانية عاش لبنان وتحاكي هواجس الناس ومخاوفهم وتحاول أن تبقى على قدر آمالهم. ومن حول تلك الطاولة المستطيلة الخضراء وتحت صليب خشبي معلق على الجدار كان أركان الجبهة يلتقون ويبحثون ويتداولون في مختلف القضايا. وقد انعكست على الجبهة سلبًا الخلافات داخل الصف المسيحي، خصوصًا بعد إنتفاضة 12 آذار ثم مع سعي إيلي حبيقة الذي تولى رئاسة الهيئة التنفيذية ل»القوات اللبنانية» لفرض الإتفاق الثلاثي الذي عارضته الجبهة، وخصوصًا الرئيس كميل شمعون. في 12 تشرين الثاني 1985 حصلت عملية التفجير التي استهدفت الجبهة خلال اجتماعها الأسبوعي في دير مار جرجس في عوكر، ولكن وإن تم تدمير قسم كبير من الدير فإن أعضاءها نجوا من المحاولة وإن كانوا تعرضوا لإصابات بقيت طفيفة. كان يكفي أن يطل الرئيس شمعون مضمدًا بعد الإنفجار ليتأكد الناس أن الجبهة مستمرة. ولكن بفعل هذه العملية خفت لقاءات الجبهة خصوصًا مع محاولات حبيقة تنصيب قيادات جديدة في الكتائب والأحرار قبل أن تعود بعد انتفاضة 15 كانون الثاني التي أسقطت الإتفاق الثلاثي. بعدما أصبح الدكتور سمير جعجع رئيسا للهيئة التنفيذية في «القوات» بات ممثل «القوات» داخل الجبهة، وبعد انتخاب الدكتور جورج سعاده رئيسًا للكتائب بات ممثلاً للحزب فيها وباتت تعقد اجتماعاتها في مقر المجلس الحربي. العام 1987 شهد وفاة ركني الجبهة كميل شمعون في 7 آب وشارل مالك في 28 أيلول وانتهى بذلك عهد الجبهة الذهبي، خصوصًا أن إجتماعاتها كانت تقطعت، لا سيما بعد محاولة الإغتيال التي تعرض لها الرئيس شمعون في 7 كانون الثاني 1987 وبقيت هذه الإجتماعات مستمرة، ولكن دور الجبهة الطليعي كان غاب في ظل التطورات وانتفى تلقائيًا مع حكومة العماد ميشال عون العسكرية. طيلة عشرة أعوام تقريبًا مثلت الجبهة اللبنانية ضمير لبنان الكيان وكانت المدافع الأول عن حريته وسيادته واستقلاله والأحرص على عودة الجمهورية القوية والدولة والمؤسسات ضماناً لاستمرار لبنان الوطن الذي يتسع لجميع أبنائه، وهي في كل أدبياتها وبياناتها وخلواتها وقراراتها لم تخرج عن هذا الخط وبقيت الصوت الصارخ في وجه محاولات تبديل صورة لبنان. وهي نتيجة كل ذلك تبقى مثالاً يُحتذى في القيادة الواعية والحكيمة على رغم الخضات الكثيرة التي مرت بها، ذلك أنه وعلى رغم كل الظروف استطاعت أن تبقى وأن تستمر.   الجبهة اللبنانية Lebanese Front هي تحالف عدة أحزاب و شخصيات يمينية، تأسس سنة 1976 في بداية الحرب الأهلية اللبنانية لمواجهة الحركة الوطنية اللبنانية. طالبت بسيادة لبنان على كامل أراضيه، ومن بين مقترحاتها اقامة نظام فيدرالي. لـُقِبت بالجبهة الانعزالية من طرف خصومها. ترأسها الرئيس الأسبق كميل شمعون زعيم حزب الوطنيين الأحرار. من أهم أقطابها رئيس حزب الكتائب الشيخ بيار الجميل والرئيس سليمان فرنجية (الذي كان ابنه يقود ميليشيا المردة المتمركزة في الشمال)، اضافة إلى إتيان صقر (حراس الأرز) والمفكرين الدكتور شارل مالك والدكتور فؤاد أفرام البستاني. رغم أن مكونات الجبهة بدت أكثر تجانسا من الحركة الوطنية، إلا أنها عرفت هي الأخرى خلافات أدت واحدة منها إلى انفصال فرنجية سنة 1978. عسكريا قامت الجبهة بتشكيل القوات اللبنانية بعد المعارك الاولى، لتكون جناحها العسكري، تحت قيادة بشير الجميل. فقدت الجبهة الكثير من دورها في منتصف الثمانينات بفقدانها السيطرة الفعلية على القوات اللبنانية. وبوفاة أعضائها أو استقالتهم، شكلت سنة 1988 جبهة اخرى سميت "الجبهة اللبنانية الجديدة" بقيادة داني كميل شمعون. اتخذت الجبهة الجديدة موقفا مؤيداً للعماد ميشال عون، لكنها ما لبثت أن حـُلـَّت هي الأخرى مع اغتيال داني سنة 1990.   في العام 1976، وبعدما بلغت المعارك درجة كبيرة من الخطورة، شُكّلت “جبهة الحرية والانسان” في 31 كانون الثاني من العام ذاته، والتي صار اسمها في ما بعد “الجبهة اللبنانية”، وتضمنت تحالفات عدة بين أحزاب وشخصيات مسيحية، لمواجهة مؤامرة احتلال لبنان. في ذلك الوقت، سطع نجم الأباتي شربل قسيس الذي كان قد انتُخب حديثاً رئيساً للرهبانية اللبنانية المارونية، عندها تحوّلت جامعة الكسليك إلى ملتقى لكبار السياسيين، ومن هناك تمّ الإعلان عن انطلاقة “الجبهة” التي وُلِدَت في كنف الرهبانية اللبنانية المارونية، حيث عقدت اجتماعات تمهيدية لبلورة فكرتها. في العام 1980 انتخب الرهبان الأباتي بولس نعمان رئيساً عاماً للرهبانية، التي زادت من توغلها في دعم المقاومة اللبنانية. ضمّت الجبهة أقطاباً كبارَ ومجموعة انتلجنسيا، أبرزهم الرئيسان كميل شمعون وسليمان فرنجية والشيخ بيار الجميّل وشارل مالك وفؤاد افرام البستاني وشاكر أبو سليمان وادوار حنين وجواد بولس وفؤاد الشمالي وسعيد عقل، والأباتيين شربل قسيس وبولس نعمان. تزامن تأسيس الجبهة اللبنانية مع دخول الجيش السوري إلى لبنان تحت عنوان قوات الردع العربية، وخلافاً لما يعتقده كثيرون، لم تكن “الجبهة” موافقة على انتشار قوات الردع داخل المناطق الشرقية بل الاكتفاء بسحب السلاح الفلسطيني. اتخذت الجبهة من دير مار جرجس عوكر التابع للرهبانية الأنطونية مقراً لها، وكانت تُصدر بياناتها من هناك، إلا أن اجتماعاتها المفصليّة في الانعطافات الكبيرة كانت تعقدها في دير سيدة البير، الذي شهد على خلوتها الأولى الكبيرة، وتحوّل اسمها في 23 كانون الثاني من العام 1977 من جبهة الحرية والإنسان إلى الجبهة اللبنانية. لم تسلم “الجبهة” من الضربات القاسية التي تمثلت أولها بانسحاب الرئيس سليمان فرنجية منها على أثر أحداث إهدن في العام 1978، لكنها صمدت، وكانت خير من يمثّل الوجدان المسيحي في تلك المرحلة. صعد نجم بشير في “الجبهة” في العام 1979، وتحديداً عندما انعقدت خلوة 16 شباط بغية توحيد البندقية، وجرى حوار بين كميل شمعون وبيار وبشير الجميل، أظهر فيها الأخير تطوراً ووعياً للقضية. طال الحوار وبقي مستمراً حتى تمّ الاتفاق على الفصل بين المهمات السياسية والعسكرية، وهو الأمر الذي أمّن الانسجام بين جناحيّ “الجبهة اللبنانية” التي أصبح شعارها، “تعددية سياسية ووحدة عسكرية”. كان سهلاً التفاهم نسبياً على هذه المعادلة لأن الرئيس شمعون كان سيّد اللعبة السياسية بينما كان بشير سيّد اللعبة العسكرية، وتجرّأ كل منهما على استفزاز سوريا والدفع بالمجتمع الدولي إلى الالتزام بلبنان أكثر فأكثر. أما الرجل الثاني الذي أحاط ببشير في “الجبهة اللبنانية” فكان شارل مالك، الذي ترأس الجمعية العمومية للأمم المتحدة وكان يتمتع بهامة مهيبة، وبثقافة انغلوساكسونية واسعة، فشكّل ضمير بشير ومرجعه في الشؤون الدولية. احتفظ بشير لشارل مالك بإحترام كبير، إذ فرض نفسه على اجتماعات الجبهة بسعة اطلاعه، فكان يستمع اليه مطوّلاً وبإنتباه شديد. من جهته، كان مالك معجباً جداً ببشير وعلّق عليه آمالاً كبيرة، فسانده ومنحه دفعاً معنوياً كبيراً، إضافة إلى دعم كبير من الرهبانية اللبنانية المارونية متمثلة بالآباتي بولس نعمان الذي رافقه في كثير من المحطات وخصوصاً في اجتماعات الجبهة، وقد أدى دوراً أساسياً في اقناع اعضاء الجبهة بالقبول به كمرشح للرئاسة. كسب بشير احترام كل أعضاء الجبهة، وكان عندما يشارك في نقاش يلتزم الحقيقة والرصانة. صحيح انه كان الأصغر سناً وكانت ردّات فعله عفوية احياناً، الاّ انها صريحة وغير ملتوية. وكثيراً ما كان يؤثر الصمت عندما يتعلّق النقاش بمواضيع من خارج اختصاصه أو غير مرتبط بالمهمات العسكرية. قوّته انه كان مؤمناً بكل ما يقول، ولا يقول ما لم يكن مؤمناً به. الخلوة الأكثر أهمية للجبهة في دير سيدة البير، عقدت في 27 أيلول من العام 1980، وكان موضوعها درس استراتيجية للمرحلة المقبلة انطلاقاً من ورقة أعدتها “لجنة الدراسات الاستراتيجية” التي ترأسها انطوان نجم. حتى ذلك التاريخ، كانت “القوات اللبنانية” قد سارت شوطاً بعيداً في الورشة الداخلية وإعادة تنظيم نفسها وتثبيت وحدة البندقية. وبمقدار ما كان الاطمئنان يعود إلى النفوس والقلوب، كان بعض ممن يتتبع الاحداث ويهتم بالمستقبل، يطرح التساؤلات الآتية: ماذا بعد؟ ما الذي سيحصل؟ وماذا تخبىء الايام؟. إذاً، خلوة سيدة البير كانت البحث الجدي الرسمي الأول في موضوع تسلّم المقاومة الحكم. ومنذ ذلك التاريخ سار كل شيء ضمن خط هذه الاستراتيجية، إلا أن لقاءات كانت تُعقد من حين لآخر، لتقويم الأوضاع المستجدة، ومنها اجتماع 3 أيلول من العام 1981، الذي تزامن مع المواجهة في زحلة مع السوريين، والانتصار السياسي الكبير للمقاومة اللبنانية التي أخذت بعداً دولياً مرموقاً. في هذا الاجتماع تكرر النقاش مرة جديدة حول آلية وصول بشير إلى الحكم الذي أصرّ على اعتماد الطريقة الدستورية التقليدية، بعدها انصرف “الباش” إلى تعزيز قدرات “القوات اللبنانية”. كان رجل التفاصيل، الذي يلاحق ويخلق الحوافز ويشجع ويسأل ويوجّه يومياً، فيستمع إلى الجميع ويتلقى شخصياً الشكاوى والاقتراحات ليبتّ بها، ويصوّب الخطأ.   ددد من الأرشيف/بقلم الأمين العام للجبهة اللبنانية إدوار حنين/15 آب 1987 كان كميل شمعون في الخامسة والعشرين من عمره. وكنت في العاشرة، يوم عرفته في بيتنا في الوروار – كفرشيما حيث كان لأبيه الذي كانت تربطه بوالدي صداقة حميمة، بيت يرتاح الى أهله والى موقعه في غابات غضة من الصنوبر والزيتون، وحيث كان يجد كميل واخوته مكاناً يمارسون فيه هواية صيد العصافير، ثم تسجلت في مكتبه للتدرج، وبقيت أعيش في كنفه، بعدما انتخبت نائباً عن قضاء بعبدا – المتن الأعلى، ايام رئاسته للجمهورية، السنة 1957، ولا أزال. كانت مسيرة كميل شمعون في المحاماة، في النيابة، في الوزارة، في رئاسة الجمهورية، في رئاسة حزب الوطنيين الأحرار، وفي رئاسة الجبهة اللبنانية مسيرة مميزة في الاستقامة والنشاط والصلابة وفي حسن التعامل مع الناس. الطرافة في حياة كميل شمعون انه عاش في بيت جبلت فيه شخصيته، من صفات اللبنانيين، جيدة ورديئة، التي منها الجدية والعمل والمحبة والشجاعة والصمود والمشاركة في الواجبات والعونات، وطلاب الافضل بفهم وآدمية ومواظبة مستمرة، والتي يقابلها حب المراجل والتباهي والافتخار، مع ما يرافق كل ذلك منذكر وقائع التاريخ، الكبيرة منها والصغيرة، واخبار الشطارة والبطولات والمحازبة، ومن الرغبة في التعرف الى ائمتها. في المحاماة كان يستمع الى قضايا الناس، وينصح ويوجه بمقدار ما كان يتولى خدمتهم. مرة، قدم اليه رجل من “مجد المعوش” يشكو اليه أن جاراً له اقتحم جنينته ليلاً، وأخذ يقطع من عماد اشجارها ويقلع ويخرب، فسأله هل انت اكيد من ان جارك فلان هو الفاعل، وهل له ملك؟ قال نعم، فقال عد الى بيتك وافعل بجارك ما فعله هو بك، ودعه يتقدم بشكواه عليك، بعدها، ترجع الي وانا اتولى الدعويين، في آن دعواه عليك ودعواك عليه، ثم ارسل “زلمته” الياس يسأل عن الشاكي في قريته، فعاد الياس ولم يعد الشاكي. ومرة ثانية، وكانت أوكلت اليه النيابة عن الشوف، قدم اليه رجل من “وادي الست” يشكو رجلاً من قرية في جوار قريته غار عليه محاولاً قتله. فقال له هل تقدر، انت، على قتله اذا شئت؟ فقال الرجل: لا، انه قوي وله عائلة قوية. فقال النائب شمعون استعن بأصدقائك عليه، وأجرِ معه ما اجراه معك، وقف، كما وقف هو، عند حدود المحاولة والتهديد، فالمرء قوي بأخيه، والقوة تلجم القوة. اما وقد اصبح كميل شمعون وزيراً فأصبح الحاكم العادل، وصار ينصح باحترام القانون، ويقسو في معاقبة الذين يخالفونه، ولا يقبل وساطة يستفيد منها مخالف. وفي رئاسة الجمهورية عمل فخامة الرئيس شمعون لخدمة القضايا العامة ولا يهمل علاقته مع الناس الذين كانوا مشوا في معاركه الانتخابية. وظل هكذا، بعدما غادر الرئاسة، الى ان ولي رئاسة الجبهة اللبنانية بإرادة مجمعة من الرئيس سليمان فرنجية والشيخ بيار الجميل والاباتي شربل قسيس وجواد بولس وشارل مالك وفؤاد افرام البستاني وانا. ففي الجبهة اللبنانية كانت تكاملت شخصية الرئيس شمعون المكونة مما كان قد جبل منه من صفات اللبنانيين، ومما كان اخذ عن ابيه، ومما كان كسب من نضج وخبرة، فراح يتصرف تصرف المرجع الاخير في معالجة القضايا العامة، وفي التعامل مع الناس. فما من قضية عامة الا لقيت، عنده تفهما. وما من عقدة الا لقيت حلا. وما من مظلوم الا لقي فيه نصيرا، وما من تجاوز الا وجد فيه محذرا ومسعفا على استبعاد التجاوز. فالمواقف التي كان الرئيس شمعون يحمل الجبهة على وقوفها كانت تتميز، جميعا، بالشجاعة وباحترام الحقوق وابتغاء الخير والحفاظ على كرامة الانسان. وكان مؤمنا بان القضية العادلة التي لا تقترن بموافقة الجبهة يزهق شيء من عدلها، وان المراجعة التي لا تقع موقع القبول في الجبهة يصعب عليها ان تقبل. وكان واثقا ان الجبهة اللبنانية هي المرجع الذي لا يليه مرجع من المراجعات، فيجد ان عليه ان ينصف في حكمه، والا خشي على الانصاف ان لا يكون، او ان يضام. لذلك كان يتمهل في الاستعلام والاستقصاء، وكان يكثر الاصغاء الى اقوال اعضائها، ويعطي اهتماما كبيرا لشهادة من كان يرى استدعاءه للشهادة. فكان واحداً من سلالة سليمان الحكيم يحكم، او كبيراً من كبار اساتذة مدرسة الحقوق الرومانية في بيروت يتولى النظر في القضايا العامة المعروضة على الجبهة اللبنانية.   ادوار حنين- اشاطر بادئ ذي بدء اهالي القتلى لوعتهم على من فقدوا، واشاطر الجرحى واهل الجرحى على ما يتكبدون ويتحملون، ثم اشارك الشعب اللبناني حزنه على ما حدث وعلى ما اصيب بقتل كان او بجراح. واغتنم هذه المناسبة لاعلن ان امبراطوريات وممالك تنهد وتنهار، وان تيجانا تتدحرج فلا يخفق لعين الخالق جفن، اما اذا سقط انسان صريعا على الارض فان عرشه يضطرب . ولكن عندما يقتل انسان من اجل ان يحيا كريما كل انسان، اذ ذاك يصبح مع المضحى لاجلهم لا مع الضحية. ايها السادة، اجواء المدينة والبلاد، كلها كانت تنذر باقتراب العاصفة، وكلها كانت تدعو الحكومة للتخلص واخذ الحيطة بوجه هذه العاصفة، ومن هذا المجلس بالذات سيقوم من الزملاء الاحباء من يقول بهذا، ومن يعطي الدليل، ومن يترك على عاتق الحكومة مسؤولية ما حصل، اما انا، فسواء اكانت الحكومة مسؤولة عما حدث من اعمال لها ماضية، وسواء لم تكن مسؤولة عما حدث فانني، اقرها على الشدة التي استعملت في مقاومة التظاهرات التي لم تكن لنصرة الفدائيين وانما كانت على ما ظهر من بيان معالي وزير الداخلية، لاغراض اخر. هذه الردة، التي رات الحكومة ولو مرة في حياة الحكومة، ان تكون قوية، هذه الردة، كان يجب ان تكون في مستوى الحكومة، بل كان يجب ان تكون في مستوى البلاد والدولة، بقدر ما نثق بالدولة وما نؤمن بالبلاد، لان هذا الذي حصل اقول تكرارا لم يكن لتدعيم العمل الفدائي، وانما كان سيستهدف امن البلاد، والبلاد عندما ينفرط امنها تنفرط البلاد كليا، وبنفرط ازدهارها وتتزعزع دعائم الوجود، انها في نظري، بعدما سمعت ما سمعت على لسان وزير الداخلية، معركة بقاء يجب ان تستنفد في سبيلها كل شيء. المتظاهرون جماعة من اهل الشعب يوقتون عملهم في كل عام في مثل هذا الوقت، على ابواب الصيف، وعلى مقدم السياح، لماذا ؟ لكي يخرب الصيف، ويخرب عمل السياحة في البلاد، كل هذا من اجل ان يهدم اقتصاد البلاد، وعندما يهدم اقتصاد البلاد تهدم ركيزة من ركائز الوجود. لذلك، ارى ان الاستمرار في استعمال الشدة، في قمع التظاهرات المفتعلة المبيتة، ان الاستمرار في استعمال الشدة هذه ضروري وعمل مرسوم لهذه الحكومة الى ان تعود الحال الى حالها الاول، والا تكون الحكومة فرارية متهربة عن القيام باقدس واجباتها. الفدائيون، من قال ان في لبنان من يعارض عملهم، قال معالي وزير الداخلية، نؤمن بان العمل الفدائي هو عمل مشروع يقوم به اخواننا لاسترجاع وطنهم ولن يفكر احد منا بان يطفئ نار هذا العمل، ونزيد نحن ولن نفكر احد منا باطفاء نار هذا العمل ولكن ضمن شروط. اننا كلبنانيين، نكون مارقين على ديننا، وديننا يقوم على الفداء، ان لم نكن مع الفداء واننا كمسيحيين لا نكون ابناء الله، اذا لم نساعد الذين يستعيدون بيت الله من يد غاصبية، ولكن من قال ان بنصرة العمل الفدائي يجب ان ينهدم لبنان، اننا مع العمل الفدائي طالما هذا العمل الفدائي يقيم حرمة للبنان ولكل بلد عربي من اجل ان يظل لبنان وذاك البلد العربي الاخر يقويان على مساندة العمل الفدائي وعلى تدعيمه وعلى تصعيده، واذا كان في اللبنانيين من يقول بانه جائز ان يهدم لبنان من اجل ان تعمر فلسطين، فليس في اللبنانيين واحد، ايا كان مذهبه وتاييده العمل الفدائي، يقبل ان يرى لبنان امام عينه جريحا من اجل ان تقوى فلسطين، الا انه نستطيع ان نحافظ على العمل الفدائي وان نشجع هذا العمل دون ان يمس كياننا، ودون ان تمس بلادنا ودون ان يضطر زميل لنا في هذا المجلس ان ينبري بالقائل كما انبرى وقال قولا يعبر عن حقيقة ولكن بتجاوز حدودها بعض الشيء. ايها السادة: حالة الطوارئ. حالة الطوارئ كان يمكن ان لا تعلن على اننا باشد الحاجة الى مؤازرة الجيش مشكلة الطوارئ وكنت اجلس بجانب مرتين،كنت في حكومتين واجهتنا زميلي سليمان بك فرنجية، مرة اولى عندما واجهت البلاد عملية الانتخابات العامة، ومرة ثانية عندما وقع الاعتداء الاثم على فخامة الرئيس كميل شمعون، وفي المرتين كانت ترى الحكومة اننا في غنية عن اعلان الطوارئ وكانت تستمد من المراسيم الاشتراعية والقوانين ما يمكنها على الاستعانة بالجيش من اجل ان يدعم قوى الامن الداخلي دون ان تعلن حالة الطوارئ. اما وقد اعلنت ، فان الحكومة مشكورة على انها حددت نهاية هذه الحالة بيوم معين ولم تترك الامر مفتوحا، وانني لعلى ثقة وجيشنا عما هو من حيث النظامية، والحكومة ساهرة على البلاد والعباد، انني على ثقة من انها سترى في يوم قريب ان لا حاجة لاستكمال المدة المعينة بالمرسوم وانها ستعود عن ذلك بعدما يستتب الامر وقد بدأ يستتب . ولي في الختام كلمة مخلصة اتوجه بها الى دولة الرئيس كرامي: يا دولة الرئيس، لغة التظاهرات والاضرابات لغة خوطبت فيها الحكومات التي كان لي الحظ في الاشتراك بها ولم تخاطب بعد اية حكومة من حكوماتك بلغة الاضرابات والتظاهرات.. هذه اللغة تعني ما تعنيه، وتعنيه دائما، في السابق في الحاضر وفي اللاحق، ولا يستطيع انسان ان يحمل الكلام معاني ليست له في الاصل. هذه اللغة تفهمها وانت رجل دولة، فالقصد من ان تضعها في موضع التنفيذ بعد ان تستكمل العمل الكبير الذي تقوم به من قمع ومن وضع الامن في نصابه، بعد ذاك، تفكر بالرحيل على ان تاتي حكومة ولا باس اذا كنت على راسها، تتمثل فيها جميع اتجاهات الشعب اللبناني، اذاك ، المقاومة في وجه هذه الحكومة تضعف ويقوى الرد من الحكومة على هذه المقاومة، وقد تكلف الشعب والحكومة ثمنا اقل، وهو المطلوب والسلام عليكم.  
إدوار حنين السياسي والمشرع

• إدوار حنين النائب
• إدوار حنين الوزير
• ادوار حنين والجبهة اللبنانية
• حزب الكتلة الوطنية
• إدوار حنين في الصحافة
• كتابات سياسية
• كتابات في السياسية
المجموعة الأولى

• كتابات في السياسية
المجموعة الثانية
ادوار حنين في الصحافة

• مجلة الفصول
• مقالات بو ابراهيم
• مقالات متفرقة
إدوار حنين المفكر والأديب

• أدب الرحلات
• أدب الرثاء
• محاضرات
• كتابات أدبية
• كتابات في مناسبات
الارشيف

• ارشيف الصوت
• أرشيف الصور
• أرشيف الأفلام
• ارشيف الكتب
ارسل لنا

• لمعلوماتك الاضافية
• لديك مخطوطات غير منشورة
• اتصل بنا
• ارسل هذه الصفحة
• أطبع هذه الصفحة
اطلقت هذا الموقع جمعية أندية الليونز في 30 حزيران 2013 من ضمن احتفاليات مئوية ولادة ادوار حنين.