إدوار حنين
المفكر والسياسي
السيرة الذاتية أرشيف الصور أرشيف الأفلام ارشيف الصوت
 

إدوار حنين السياسي والمشرع

فليكن في كل قصر عدلي مكتبة.

فليكن في كل قصر عدلي مكتبة.
فليكن في كل قصر عدلي مكتبة.
وليكن في كل مكتب قاضٍ رفٌّ للمعرفة.
فبهذا وحده يمكن أن نكتب الأحكام لا فقط بالحبر، بل بالبصيرة، والضمير، والعقل المجتهد.
ولتحقيق ذلك، نقترح إنشاء "إدارة المكتبات القضائية" ضمن الهيكل الإداري لوزارة العدل، تتولى: إنشاء وتجهيز المكتبات القانونية في سرايا العدل كافة.
تزويدها دوريًا بالموسوعات، المؤلفات، المجلات القانونية، والدوريات الدولية.
ربط هذه المكتبات بشبكة تواصل موحّدة، تتيح تبادل المعلومات بين القضاة، وتُسهّل الوصول إلى الاجتهادات السابقة.
التنسيق مع كليات الحقوق ونقابة المحامين ودور النشر القانونية لتوفير الموارد والدراسات.
تنظيم ورش ودورات للقضاة في مجالات البحث القانوني المستحدث، وتوجيه الاستخدام الأمثل للموارد المرجعية.
إن قضاءً لا يقرأ لا يمكن أن يُقنع، وإن عدالةً بلا معرفة لا يمكن أن تُطمئن.
فلنُعِد للقضاء مكانته العلمية، ولنعطِ للقاضي حقّه في الاطلاع، ليبقى الحكم عنوانًا للحقيقة، لا اجتهادًا معزولًا في فراغ.
  نقف مع القضاة ولكن بين عدالة المطالب ومأزق الأسلوب. في هذا الزمن المضطرب، حيث تتقلقل الدولة على حافة الانهيار، وتذوب مؤسساتها في ركام الانقسامات، لا شيء يبعث الطمأنينة في النفس مثل رؤية القاضي واقفًا بثبات على منصة الحق، لا يهادن ولا يخضع.
فالقاضي في وطننا، وسط هذه العواصف، هو آخر الجدران التي تردّ الظلم، وآخر الحُرّاس الذين يسهرون على الكيان.
لذلك، نحن لا نتردد لحظة في القول: نحن مع القضاة، في جوهر مطالبهم، وفي حقهم بالعيش الكريم، وفي حاجتهم إلى استقلالٍ حقيقي يصون كرامتهم ويؤمّن أمنهم المعنوي والمهني.
لا دولة تُبنى من دون قضاء مستقل، ولا قضاء يستقيم إن كان القاضي يفتقر إلى أبسط شروط الكفاية والاحترام.
ولكن، في المقابل، نقولها أيضًا بصراحة ومسؤولية: لسنا مع القضاة في طريقة طلبهم، لا حين تُستخدم وسائل الضغط التي تشلّ العدالة، ولا حين تتقدّم المطالب الآنية على قدسية المهمة التي يحملونها.
إن القاضي، مهما اشتدت ظروفه، لا يشبه أي موظف.
إنه ليس في موضع المساومة، ولا يجوز له أن يُهدّد، أو يلوّح بتعليق الجلسات أو وقف العمل، لأن ما يحمله ليس وظيفة بل رسالة.
القاضي لا يُضرِب، لأن العدالة لا تُعلَّق، ومصالح الناس لا تُنتظر.
نفهم ألم القاضي، ونعلم أن هناك غُبنًا يُصيب الكثيرين منهم.
ولكن، ألا يجدر بمن يرفع ميزان الحق أن يطلب حقّه بلغة تُشبه مقامه؟
ألا يجب أن تُعبَّر المطالب بعقلٍ قضائي رفيع، لا بأسلوب يُضعف ثقة الناس بهذه السلطة التي نريد لها أن تكون فوق الجميع؟
نحن نريد لقضاتنا أن يُنصفوا، لا أن يُساء فهمهم.
أن تُلبّى حاجاتهم لا أن تُساءَل نزاهتهم.
ولذلك، فإن المطلوب اليوم ليس التصعيد، بل تفعيل الحوار مع المسؤولين، ضمن أطر راقية، تُبقي للقضاء هيبته، وتُظهر مطالبه في ضوء ما هي عليه: مطالب حق لا استعراض.
كما نطالب الدولة، في الوقت نفسه، ألا تتجاهل هذه الصرخة، وألا تُقابل الألم القضائي بالتقاعس السياسي.
فكرامة القاضي جزء من كرامة الدولة، ومن واجب السلطة التنفيذية أن تُسرع في وضع حلول عادلة ودائمة تضمن للقضاة العيش بكرامة بعيدًا عن الحاجة أو التبعية أو التسييس.
نحن مع القضاة.
ولكننا معهم حين يكونون فوق الأسلوب، وفوق الشكليات، وفوق الانفعالات.
فالقاضي الذي نريد، هو ذاك الذي يُطالب بالحق من موقع صاحب الحق، لا من موقع من يمسك ورقة ضغط على الناس أو على الدولة.
القضاء ليس ميدانًا للشارع، بل مرجعية يُلجأ إليها حين يعجز الشارع.
ولنحذر جميعًا، قضاة ومسؤولين، من أن تهتز صورة القضاء في وجدان الناس، لأن الثقة إذا فُقدت، فُقد معها كل رجاء في العدالة.
  اللبناني. قصة نجاح فردي في وطن مضطرب
في خضم ما نعيشه من أزمات متلاحقة، وويلات حرب عبثية أكلت الأخضر واليابس، أجدني أُمعن النظر في وجه اللبناني، لا بصفتي سياسياً فحسب، بل كمُسبح في أعماق الإنسان اللبناني، أحاول أن أستقرئ من قسماته ما تبقى من رجاء في هذا البلد الصغير الممزق بين المحاور.
وكم هو لافتٌ، بل مدهش، أن ترى هذا الإنسان الذي يُضرب بالعنف والقهر والجوع، لا يزال ينهض كل مرة، كأن فيه شيئاً من الفينيق الذي ينهض من رماده، ومن سِحر الجبل الذي لا يركع، ومن دهاء التاجر الذي لا يفقد الحيلة.
في كل مرفأ من مرافئ الأرض، ثمة لبناني يترك بصمته.
في الخليج، بنى المصارف والمستشفيات وشركات التأمين.
في أفريقيا، نسج علاقات التجارة ونشر اللغة العربية من خلال حضوره اللافت.
في أوروبا، اجتهد في الجامعات والمختبرات، ورفع اسمه بين كبار المفكرين.
وفي الأميركيتين، أسس الصحف، وخاض غمار السياسة، وترك بصمته في الاقتصاد والمسرح والفن.
كيف يُمكن لهذا الفرد، الذي تقذفه وطنه كل يوم في هاوية من الفوضى، أن ينجح بهذا الشكل المتكرر في بلاد الآخرين؟
الجواب، في رأيي، يكمن في "ثقته بذاته".
لقد أثبت اللبناني أنه كمخلوق فردي، ككائن إنساني مستقل، يملك من الذكاء والصلابة والمرونة والاندفاع ما يجعله يتفوق على الظروف، ويبتكر الحل في وسط الخراب.
وهنا يكمن التناقض المؤلم: نجاح الفرد يقابله فشل الجماعة.
فبينما يُثبت اللبناني أنه مبدع، مثابر، ناجح في الخارج، يُثبت نظامه السياسي فشله المتكرر في الداخل.
من الألم إلى الأمل: اللبناني واكتشاف العمل الجماعي عشتُ طويلاً أراقب اللبناني من نوافذ السياسة، ومن شرفات الفكر، ومن عمق القلب الذي يدمع حين يرى هذا الوطن يُذبح على مذابح الطموحات الشخصية والعقليات الانعزالية والأنانيات المذهبية.
رأيت في الفرد اللبناني عبقرياً بالفطرة، يتقن اللغات، ويخترق الأسواق، ويبدع في الجامعات، ويبتكر في المغتربات.
لكنه، على أرض وطنه، ظل طويلاً عاجزًا عن تأسيس حالة وطنية جماعية تُنقذه من الدوران في حلقة الفوضى.
غير أن المحن تُعلّم.
والنكبات تُنضج.
والحرب، مهما اشتدّت لعنتها، تُنجب حكمة.
فها نحن، في ثمانينيات هذا القرن المثقل بالنار والدخان، نلمح تفتّح وعي جديد لدى اللبناني.
لم يعد يركض منفرداً، بل صار يُدرك أن لا خلاص له وحده، ولا معنى لنجاح فردي وسط أنقاض الوطن.
بدأنا نرى تجارب نقابية تعلو فوق الأحزاب، وتيارات طلابية تتجاوز الحواجز الطائفية، ومجموعات مدنية تُصر على بناء لبنان جديد من قلب الخراب.
إنها إرهاصات روح جماعية تتكوّن، ببطء، ولكن بثبات.
بدأ اللبناني يُدرك أن ما لم يقدر عليه بالأنا، قد يبلغه بـ"نحن".
بدأ يفهم أن وحدة الجهد أقوى من سطوة الزعيم، وأن العمل المشترك في النقابة، أو الجمعية، أو البلدية، أو الجامعة، يفتح أبواب التغيير الحقيقي أكثر من صرخات المنابر.
نعم، لقد أدمتنا الحروب، لكنّها علّمتنا.
كسرتنا الطائفية، لكنها فجّرت فينا الحاجة إلى التلاقي.
جرّبتنا المعاناة، فأصبحنا نعرف كيف نداويها.
أنا المُسبح في دروب السياسة اللبنانية، المُتأمل في وجع هذا الشعب، أقولها اليوم بثقة: اللبناني، بعد أن عانى وتألّم، بدأ يتقن درب النجاح الجماعي.
وها هو، رويدًا رويدًا، يتحوّل من كائن فردي ناجح في الخارج، إلى مواطن فاعل في الداخل.
وإذا استمر هذا الوعي في التنامي، فإن لبنان المستقبل لن يُبنى على الأبطال المنفردين، بل على سواعد الجماعات المتعاونة.
هذا هو الرجاء الذي أتمسّك به في ظلال الثمانينات الدامية.
أن يكون اللبناني قد تعلّم من الجرح.
.
.
كيف يُضمّد جرح الوطن.
لا ينفع اللبناني شيء إن ربح العالم كله وخسر لبنان أنا الذي سبحت في مياه السياسة اللبنانية، في عواصفها وخباياها وأسرارها، أكتب اليوم لا من منصة ولا من منبر، بل من قلب موجوع، من رجل عاش في ثمانينيات تخلع الروح من الجسد، وتترك الوطن مقطّع الأوصال، موزّع الولاء، غارقًا في دموعه ودمائه.
كم لبنانيٍّ رفرف اسمه في أصقاع الأرض، وكتب النجاح قصة من حروف اسمه؟
كم لبنانيٍّ حمل علم لبنان في قلبه لا على كتفه، وسار به إلى الجامعات والمختبرات والمصارف والمرافئ؟
كم مغتربٍ رفع اسم الوطن عالياً، بينما الوطن ذاته ينحدر من هاوية إلى هاوية؟
ولكن، ماذا ينفع اللبناني إن ربح العالم كله وخسر لبنان؟
ماذا يُجدي النجاح في باريس أو نيويورك أو الرياض، إذا كانت عين الأم في الجبل تدمع، وبيت الأهل في البقاع محترق، والمدرسة في صيدا مهدومة، والكنيسة في الأشرفية تحرسها البنادق، والمسجد في طرابلس بلا مصلين من الخوف؟
لا يُعوّض المجد الشخصي سقوط الوطن.
ولا يُمكن لمغتربات العالم أن تملأ فراغ الساحة الوطنية حين تفرغ من الدولة، من العدالة، من الأمان، من الكرامة.
ربح العالم هدف مشروع.
.
.
نعم.
لكن لبنان هو الجوهر، هو المبدأ، هو القيمة التي لا تُقايض.
اللبناني الناجح ليس ذلك الذي يبني لنفسه ناطحة سحاب في المهجر، بل الذي يعود ويزرع حجراً في سور الوطن.
ليس من يكدّس الثروة خارج الحدود، بل من يصنع مجتمعًا حيًّا داخل الحدود.
وإنني أرى اليوم، وسط نكبة الحرب، جموعًا من اللبنانيين يظنون أن الهرب خلاص، والنجاح في الخارج تعويض عن الفشل في الداخل.
ولكنهم يتناسون أن غُربتهم تبقى مؤقتة، ومصيرهم مرتبط بأرضهم، وأنه مهما طال الغياب، فإن القلب لا يشفى إلا في تراب الوطن.
لبنان ليس فندقًا نغادره حين يسوء الطقس.
لبنان هو البيت.
وإن سقط السقف، وجب أن نرفعه معًا.
وإن احترقت الجدران، وجب أن نعيد طلاؤها بعرقنا، لا أن نهرب إلى جدران الآخرين.
فيا أيها اللبناني، لا تنخدع ببريق العالم.
.
.
ويا أيها الناجح في الغربة، لا تنسَ أن نجاحك ناقص إن لم يكن للوطن نصيب منه.
في هذا الزمن القاسي، أقولها بوجع الحب: لا ينفعك شيء إن ربحت العالم وخسرت لبنان.
فربح العالم مؤقت.
.
.
أما خسارة الوطن، فجرح لا يندمل.
لبنان: جمهورية الفكرة وصراع الواقع أنا المُسبح في دهاليز الفكر السياسي اللبناني، أعيش في قلب الثمانينيات حيث الدخان يعلو فوق الساحات، والرؤى تضيع في الزواريب، أكتب اليوم عن فكرةٍ طالما تغنّى بها الدستور وأحبّها اللبناني في وجدانه، لكنه لم يلامسها إلا لماماً: لبنان.
.
.
جمهوري ديمقراطي برلماني دستوري.
هكذا يقول النص، وهكذا يجب أن يكون الواقع.
لكن ما بين النص والواقع، انحدرنا نحن اللبنانيين إلى متاهةٍ من الاجتهادات، والاستثناءات، والتأويلات، والوصايات.
لبنان جمهوري؟
نعم، هو كذلك في الشكل.
فلا ملك يملكنا، ولا عرش يورّث.
بل رئيسٌ يُنتخب، ومجلسٌ يُمثّل الشعب.
ولكن، هل مارسنا الجمهورية بروحها، أم جعلناها مرعى للمحاصصة، وحقلاً لتوريث الزعامات الطائفية؟
لبنان ديمقراطي؟
في المبدأ، نعم.
صندوق الاقتراع هو الفيصل.
لكن هل كانت ديمقراطيتنا حقيقية، أم مغلّفة بالطائفية والمال والولاء الأعمى؟
كم من نائبٍ أُنتخب بإرادة حرّة؟
وكم من رأيٍ صادقٍ خُنق تحت وطأة الزعيم أو الشيخ أو المطران؟
لبنان برلماني؟
نعم، السلطة التنفيذية تنبثق من البرلمان.
لكن، هل كان البرلمان عندنا صوت الشعب؟
أم مسرحاً لصراعات الطوائف، ومنصةً للخطابات الفارغة؟
أليس المجلس، في كثير من الأحيان، مجرّد مرآة لعجز النظام عن صوغ إرادة وطنية جامعة؟
لبنان دستوري؟
نعم، لدينا دستور من أرقى الدساتير في الشرق.
ولكن كم مرة دُفع الدستور جانبًا باسم "الميثاقية"، أو "الظروف الاستثنائية"، أو "توازنات الأمر الواقع"؟
كم من بندٍ تعطل؟
وكم من مؤسسة شُلّت؟
وكم من عرفٍ طغى على النص؟
إنني أقولها بمرارة العارف: نظام الحكم عندنا جميلٌ على الورق، ومشوّه في التطبيق.
نحن نعيش في جمهورية الدستور، لكننا نسقط مراراً في جمهورية الطائفة.
نحمل راية الديمقراطية، لكننا نغرق في بحور التبعية.
نُقسم على احترام القوانين، لكننا نتآمر عليها كلما اقتضت المصلحة.
ومع ذلك، فإن الرجاء لم يُطفأ في قلبي.
فهذا الشعب، مهما أُرهق، لا يزال يؤمن بلبنان الكبير – لا بحجمه فقط، بل برؤيته ودستوره ومُثله.
وهذا النظام، على علّاته، لا يزال قابلاً للحياة، إذا أعدنا إليه روحه: أن يكون لبنان فعلاً، لا وهماً.
دولة لا طائفة.
قانوناً لا سلاحاً.
شراكة لا غلبة.
أكتب هذه الكلمات وسط دخان المدافع، لأنني مؤمن أن ما كُتب في الدستور لم يكن وهماً، بل وعدًا.
وما وعد به لبنان لنفسه، يجب أن نُقاتل من أجله لا بالسلاح، بل بالكلمة، بالموقف، بالوعي.
لبنان جمهوري ديمقراطي برلماني دستوري؟
نعم. ويجب أن يعود كذلك، لا بالنص فقط، بل بالحياة اليومية، بالتجربة، وبإرادة اللبنانيين أن يصنعوا وطناً على مقاس الدستور، لا على مقاس زعاماتهم.
حين وُلد الكيان اللبناني، وُلد ومعه وعدٌ كبير: أن يكون واحة حرية وسط صحراء الاستبداد، وأن يكون ملاذاً للفكر في منطقةٍ تطغى فيها العصبيات، وأن يكون جمهورية قائمة على الإنسان، لا على الجماعة، وعلى الدستور، لا على السلاح، وعلى الإرادة المشتركة لا على فُتات الوصايات.
هكذا خُطّت العبارة الأولى: لبنان جمهوري ديمقراطي برلماني دستوري.
عبارةٌ تبدو في ظاهرها تعريفاً قانونياً، لكنها في جوهرها رؤية حضارية، فلسفة سياسية، ومشروع وطن.
وها أنا أكتب من قلب هذه الرؤية، بعدما تراكمت النكبات، وتكشّفت التناقضات، وانكشفت عورات الواقع أمام مرآة النص.
لم تكن الجمهورية اللبنانية ثمرة معادلة بسيطة، بل نتاج توازن دقيق بين أطياف متنازعة ومكونات تبحث عن طمأنينة وجودية.
لذلك لم يكن الدستور اللبناني مجرد وثيقة إدارية، بل تعبيرًا عن تعايش تاريخي، عن اتفاق غير مكتوب سبقه، كُرّس فيه مفهوم أن العيش المشترك هو الأساس، وأن هذا الوطن ليس مُلكاً لفئة دون أخرى.
فهل وفينا بذلك الوعد؟
وهل بقي النص حياً في وجدان اللبنانيين، أم صار واجهة مزيّفة لواقع يتناقض معه كل يوم؟
الجمهورية اللبنانية قائمة، شكلياً، ومستمرة في نصّها.
رئيس يُنتخب، وحكومة تُؤلف، وبرلمان يُجدد.
لكن الجمهورية، كما تُفهم في الفكر السياسي، ليست فقط شكل الحكم، بل نوع الحكم، والروح التي تسري فيه.
فهل مارسنا الجمهورية بروحها؟
أم أننا حولناها إلى جمهورية محاصصة، وورثنا من النظام الملكي ما يكفي من الاستئثار والاحتكار؟
أين المواطن من الجمهورية؟
أين العدالة، وأين المساواة؟
إن ما نعيشه منذ عقود يُحاكي الجمهورية في المظهر، لكنه يفرغها من معناها في الجوهر.
أما ديمقراطية لبنان، فهي ديمقراطية مشروطة، مؤطرة، مرهونة.
لم تكن في يوم من الأيام ديمقراطية ناضجة تنبع من مفهوم المواطنة، بل تداخلت فيها الهويات المتعددة، والمصالح المتقاطعة، والطوائف التي تتقاطع عند مراكز النفوذ أكثر مما تلتقي حول مفهوم الوطن.
الانتخابات تُجرى، نعم، والصناديق تُفتح، لكن السؤال ليس في التقنية، بل في الشرعية الأخلاقية.
هل يختار اللبناني ممثله بحرية؟
أم تختاره الطائفة؟
أم يختاره الزعيم؟
أم يختاره السلاح؟
هنا تكمن المعضلة.
فالديمقراطية في لبنان ليست حكم الشعب بالشعب، بل حكم الطوائف بالطوائف، والزعيم بالوراثة أو بالسطوة أو بالمال.
وأما برلمانية لبنان، فهي شاهد على التناقض المستمر.
فالنظام البرلماني في جوهره يضمن التوازن بين السلطات، ويُعلي سلطة المراقبة، ويجعل من البرلمان قلب السياسة.
لكن البرلمان اللبناني، في تجاربه المتعاقبة، انقسم وتصارع وتواطأ، حتى صار أحيانًا مجلس تصفية حسابات، أو واجهة لقرارات تُصنع خارج جدرانه.
تُنتخب الحكومات من رحم البرلمان، نعم، لكن كم من حكومة تشكلت تحت الضغط، وكم من وزير تم تعيينه ليُمثل فئة لا فكرة، وكم من جلسة تحولت إلى مشهد من مشاهد الاغتراب عن الشعب؟
أين البرلمانية حين تغيب الرؤية، ويغيب المشروع، ولا يبقى سوى تقاسم الغنائم وتثبيت الحصص؟
أما الدستورية، فهي الفكرة الأجمل، والجرح الأعمق.
أن يكون في وطنك دستور، هو في ذاته مكسب.
لكن أن يكون الدستور مُعطّلاً، أو مُجتزأ، أو مُعطىً لقراءتين متضادتين، فتلك مصيبة.
الدستور اللبناني، في مواده، يضمن الحريات، ويفصل بين السلطات، ويحفظ حقوق الطوائف ضمن وحدة الدولة.
لكن في التطبيق، صرنا نحتكم إلى أعراف تتجاوز النص، وإلى اجتهادات ظرفية، وإلى توازنات خارجية تُفرغ الدستور من ثباته.
لا يعود النص مُلزماً حين تكون الكلمة الفصل لـ"الميثاقية" الغامضة، أو لـ"توافق الخارج"، أو "قبول المرجعية".
عندها يفقد الدستور قدسيته، وتفقد المؤسسات شرعيتها.
هذه الأزمة المزدوجة بين النص والواقع، بين المبدأ والممارسة، هي ما جعل لبنان يختنق في منتصف الطريق.
لا هو حسم خياره كنظام مدني حقيقي، ولا هو أعلن نفسه اتحاداً طائفياً.
بقينا نعيش في الحيّز الرمادي، بين جمهورية الطوائف وجمهورية المواطنين، بين دولة القانون ودولة التوافق، بين شرعية الدستور وشرعية الأمر الواقع.
هنا، في قلب الثمانينات، نكتشف أن أزمتنا ليست فقط أزمة وجود، بل أزمة نظام، أزمة وعي، أزمة مفهوم للوطن نفسه.
إن نظام الحكم في لبنان، كما صيغ في الدستور، ليس مسؤولاً عن ما آلت إليه الأمور، بل مسؤولية اللبنانيين أنفسهم، مسؤولية السياسيين، والنخب، والشارع، الذين سمحوا للعرف أن يغلب النص، وللطائفة أن تسبق الوطن، وللزعيم أن يُختزل الدولة.
وإن مراجعة هذا النظام لا تبدأ بتعديل المواد، بل بإعادة الاعتبار للفكرة.
فكرة أن يكون الحكم انعكاسًا لإرادة الناس، لا لإرادة المذاهب.
وأن تكون السلطة مُمثّلة لا لمصالح ضيقة، بل للمصلحة الوطنية العليا.
وسأظل أؤمن، من موقعي المُتأمل في المأساة اللبنانية، أن الطريق إلى الخلاص يبدأ بإحياء هذه المبادئ الأربعة: الجمهورية لا الوراثة، الديمقراطية لا الزبائنية، البرلمانية لا الاستتباع، والدستورية لا الاجتهاد السياسي.
هذا هو الإطار الذي لا يقوم لبنان دونه، ولا يُبنى المستقبل في غيابه.
وإذا لم نُصارح أنفسنا بهذه الحقيقة، فإن كل تسوية تبقى مؤقتة، وكل استقرار هش، وكل دولة مجرد ورقٍ في مهب الريح.
من هنا يبدأ السؤال الجوهري: كيف نسترد الدولة من بين أنياب الطوائف، ونُحيي النظام الذي صاغه الدستور لا ليُجمَّد في خزائن النصوص، بل ليُمارَس ويُفعَّل ويكون مرجعًا لا مجرد ورقة استئناس؟
اللبناني الذي نزل إلى الساحات مرارًا، وسكن الملاجئ شهورًا، ودفن أبناءه على عتبات بيوته، لم يفعل ذلك من أجل أن تبقى الطائفة السيّد الأول والنهائي.
ولا من أجل أن يبقى التوازن هشًا كالزجاج، يُكسر عند أول اهتزاز.
لقد ضحى هذا الشعب، ودمّر بيته بيده في لحظات جنون جماعي، لكنه لم يفقد في عمقه الحلم، حلم الدولة التي تحتضنه كمواطن لا كرقم في دفتر نفوس طائفي.
إن لبنان، رغم ضيق مساحته وتنوعه الكثيف، لم يكن يومًا عاجزًا عن صوغ نظام يليق به.
لكن الصعوبة لم تكن في الصياغة بل في الإرادة.
الإرادة السياسية التي غلّبت التفاهمات المؤقتة على المبادئ الثابتة، والإرادة الشعبية التي استكانت في ظل الزعيم، والإرادة الفكرية التي لم تتمرد كفاية على الواقع لتقترح البديل.
وهذا ما جعل النظام الجمهوري البرلماني الدستوري يبدو في بعض المراحل وكأنه حبر على ورق، وكأنه إطار شكلي تدور فيه نزاعات الخارج، وتتجلى فيه مصالح الداخل.
صار النص يُستخدم عند الحاجة، ويُنسى حين يتعارض مع مصالح الحكم القائم.
لم يكن البرلمان يوماً، في مراحله المتأخرة، صوت الشعب وحده، بل صار أحيانًا امتدادًا لصراعات الخارج داخل مؤسسات الداخل.
وبدل أن يكون ميدان الحوار الديمقراطي، صار ميدان تجاذب، مقاطعة، توتر، وحتى تعطيل.
وكأننا نختبر كل ما لا يليق بالبرلمانية.
فأين الحكومة التي تُحاسب على أساس برنامج؟
وأين الخطط التي تُناقش على ضوء القانون لا على ضوء الرضى أو الغضب الطائفي؟
وأين الوزراء الذين يمثلون كفاءات الأمة لا محاصصة الجماعات؟
وإذا كان البرلمان انعكاسًا للمجتمع، فإن السؤال الأعمق يجب أن يُوجَّه إلى هذا المجتمع.
إلى العقلية السياسية اللبنانية، التي لا تزال حتى الساعة تميل إلى الولاء للأشخاص لا للمؤسسات، وتُغلب الانتماء إلى الطائفة على الانتماء إلى الوطن.
فكيف يُمكن لنظام أن يعمل إذا كانت قواعده مهتزة في الوعي العام؟
إن الثقافة الدستورية لم تُزرع بعد في التربة الشعبية.
لا في المدارس، ولا في الإعلام، ولا في البيوت.
نربي أبناءنا على الحذر من "الآخر" الطائفي، لا على ثقافة "المواطن الآخر".
نعلمهم أن الزعيم هو الحامي، لا أن الدولة هي الضامن.
هكذا يُفرغ الدستور من محتواه، لا بالقوانين، بل بالذهنيات.
ثم جاءت الحرب، وعرّت ما تبقّى.
عرّت الدولة، والمجتمع، والعقد الاجتماعي كله.
فانهارت المؤسسات، وتقهقر النص، وعلت قوة البندقية فوق قوة القلم.
صار الفصيل هو المرجعية، والحزب هو الدولة، والخطاب هو القانون.
ولم يعد المواطن يسأل عن موقعه في النظام، بل عن حصته في التسوية.
عندها ظهرت عورات النظام بشكل فجّ: لم يكن النظام هو المشكلة، بل عدم تطبيقه.
لأننا، في حقيقتنا، لم نكن نعيش في نظام جمهوري ديمقراطي دستوري برلماني فعلي، بل في تجربة متقطعة من نسخ النظام لا روحه.
فإن شئنا خلاصًا، لا بد أن نبدأ من الإنسان اللبناني، من نظرته إلى الدولة، من تصالحه مع مفهوم الجمهورية، من خروجه من كهف الطائفة إلى سعة الوطن.
لا قيمة للنظام إن لم يسكن في الوجدان، وإن لم يُربَّى عليه الجيل الجديد، وإن لم يصبح الثقافة اليومية في العمل، في المدرسة، في البيت، في الإعلام، في العلاقات العامة والخاصة.
والتحدي الأكبر يبقى في ربط المؤسسات بالدستور لا بالمزاج.
فلا يُحلّ البرلمان حين يُغضب الزعيم، ولا تُعطل الحكومة لأن طائفة لم تُرض، ولا يُمدَّد للرئيس لأنه الخيار الوحيد.
الدولة التي تستمد شرعيتها من النص، لا من الضرورة، هي الدولة الوحيدة التي تُبنى.
وكل دولة تُبنى على استثناء، ستنهار عند أول خيبة.
هكذا نعود إلى المربع الأول: لبنان جمهوري ديمقراطي برلماني دستوري.
لكن هذه العبارة ليست مجرد تصنيف سياسي، بل عقد أخلاقي بين الحاكم والمحكوم، بين المواطن والمؤسسة، بين الوطن والزمن.
ومتى أدرك اللبناني أن هذه الكلمات الأربع ليست شعارًا بل مشروعًا، عندها فقط تبدأ القيامة الوطنية، وتُبعث الجمهورية من ركام الحرب.
ليس خافياً على من عاش التجربة اللبنانية من الداخل أن الصراع بين النص والممارسة لم يكن وليد الحرب، بل سبقها وتعمّق فيها وتضاعف بنتائجها.
فحتى في لحظات السلم الظاهري، لم تُمارس الجمهورية اللبنانية على النحو الكامل الذي رسمه الدستور.
لا بسبب خلل في النص، بل لأن ميزان القوى الذي حكم الواقع اللبناني كان دائماً ميالاً إلى تسويات فوقية تُدار خارج المؤسسات، وأحياناً ضدها.
فكم من حكومة تشكّلت لا لأنها استوفت الشروط الدستورية، بل لأنها جاءت بإرادة اتفاق إقليمي أو رضى دولي؟
وكم من رئيسٍ تم انتخابه لا كمشروع قيادة وطنية، بل كحل وسط بين استقطابين متناقضين؟
إن من يمعن في تاريخنا الدستوري يرى بوضوح أن لبنان لم يُختبر يوماً كدولة حقيقية قائمة على حكم القانون، بل ظل مشروع دولة في نزاع دائم مع أمراء الواقع، تارة من الداخل، وطوراً من الخارج.
وهكذا بقيت الهوية السياسية للجمهورية اللبنانية معلقة، لا تستقر على قاعدة مدنية ثابتة، ولا تنهار بالكامل لصالح حكم شمولي.
إنها جمهورية في حالة مقاومة دائمة، تحاول أن تبقى وسط الأعاصير، متشبثة بحدود نصّها، لكنها مهددة كل حين بخروج القوى الفاعلة عن منطق هذا النص.
لم يعرف لبنان في تاريخه استقراراً حقيقياً للنظام إلا في اللحظات التي اقترب فيها من روحية الدستور.
أما كل مرة تم فيها الالتفاف على هذه الروحية، فكانت النتيجة توتراً داخلياً يتدرج إلى الانفجار.
ذلك أن الدستور في بلدٍ كلبنان ليس مجرد إطار، بل صمام أمان، ولعلّ أخطر ما فعلته الحرب الأهلية أنها جعلت الناس تعتاد خرق الدستور وكأنها مسألة هامشية.
صار اللبنانيون يسمعون بانتخابات تؤجل، ورؤساء يُمدَّد لهم، وحكومات لا تُشكل إلا بصفقات، وبرلمانات لا تجتمع إلا على عجل، ووزراء يتجاوزون دورهم الدستوري، وقادة أمر واقع ينافسون الدولة على صلاحياتها.
والأخطر من ذلك أن هذا المسار شجّع فكرة الاستثناء، وجعل منها نمطاً عاماً.
فبدل أن نُدافع عن القواعد الدستورية في وجه الظروف، بتنا نُطوّع الدستور تبعاً للظرف.
بدل أن نقول إن الدستور أعلى من الجميع، صرنا نبحث عمّن يُجيّره لمصلحتنا.
وبذلك فُقدت الثقة: لا بثبات المؤسسات، ولا بقدرة النص على تنظيم الحياة الوطنية، ولا بجدوى النظام برمّته.
عندها صار كل طيف يرى في الدولة خصماً، وفي الجمهورية وهمًا، وفي البرلمانية ترفًا لا لزوم له، وفي الدستور عائقًا في وجه ما يسميه "حقوقه التاريخية".
فكيف يمكن لنظام أن يصمد إذا كان المؤمنون به قلائل، والمشككون به كثر، والمستفيدون من تخريبه هم من يتصدّرون مشهده؟
وكيف لمفهوم الدولة أن يُترجم في حياة الناس إذا كانت هذه الدولة نفسها تتصرف كأنها تعيش في انتظار الحلول من الخارج؟
إن أخطر ما أصاب الجمهورية في عقودها المتأخرة هو هذا الشعور الجمعي بأن لا شيء يُحسم في الداخل، وأن لا قرار وطني مستقل يُمكن اتخاذه ما لم تُوافق عليه مرجعيات الإقليم أو دوائر النفوذ الكبرى.
هكذا تُصاب الديمقراطية في الصميم، حين يتعوّد المواطن أن يمارسها ظاهرياً، ويعرف في داخله أنها لا تُنتج حكماً حقيقياً.
حين ينتخب وهو يعلم أن النتائج ستُفرغ من معناها، وأن التمثيل لا يعني السلطة، وأن المحاسبة محجوبة.
عندها يصبح البرلمان مساحة عبثية، والحكومة مجرّد صورة، والدولة ظلّاً شاحباً لما كان يُفترض أن تكون عليه.
وحين تفقد الدولة قدرتها على التمثيل، تفقد بالتالي مشروعيتها الأخلاقية أمام شعبها، ويصبح الانتماء إليها مجرّد إجراء إداري لا شعور وجداني.
وإذا أردنا أن نبدأ في إعادة بناء هذه الدولة على قاعدة النظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني الدستوري، فلا بد أن نعيد للبناني ثقته بأن النظام الذي يحكمه هو نظامه، لا نظام خصمه.
وأن القوانين التي يُحتكم إليها لا تأتي ضده، بل تحميه.
وأن المؤسسات ليست ملكاً لأحد، بل هي مُلك جميع اللبنانيين، وأن موقعه كمواطن ليس تابعاً لمذهبه، بل مستقلاً بموجب حقه الإنساني والدستوري في المشاركة المتساوية.
هذا لا يتحقق بخطاب رنان ولا بإصلاح جزئي، بل بمسار طويل النفس، تُعاد فيه صياغة العلاقة بين المواطن والدولة، ويُعاد الاعتبار إلى نصوص الدستور، وتُستعاد الثقة بأن لبنان ليس ساحة، بل وطن.
وأن من حق اللبناني أن يعيش في ظل دولة لا يخافها، ولا يستجدي منها، ولا يساومها، بل يؤمن بها، ويطالبها، ويشارك في صنعها.
لبنان جمهوري، نعم، لكنه ليس فقط على الورق، بل في وجدان ناسه منذ أن استقلّ الكيان ووقف أبناؤه على شرفات التاريخ يخطّون تجربتهم الفريدة في محيط مضطرب.
هو ديمقراطي، نعم، لا لأن الدستور نصّ، بل لأن الشعب تمرّن، رغم الجراح، على الحرية كأسلوب حياة.
وهو برلماني، لا لأن الشكل البرلماني يُعتمد في اختيار الحكومات ومراقبتها، بل لأن الكلمة في لبنان ظلت أقوى من السيف.
وهو دستوري، لا لأن كتاب القوانين يزيّن الرفوف، بل لأن فكرة الدستور، فكرة التعاقد والميثاق، استقرت في العقل اللبناني، ولو تعرّضت لكثير من التشويه والخرق والانتهاك.
لبنان ليس دولة عادية.
هو مشروع إنساني في قالب وطني.
لم يكن يومًا مجرّد مساحة جغرافية محكومة بمصالح آنية أو تراتبية سلطوية جامدة.
بل كان، مذ نشأ، حالة تفاعلية بين الجماعات، بين الأفراد، بين الفكرة الوطنية والفكرة الكونية.
ولذلك فإن نظام الحكم فيه لم يكن نتيجة فرض خارجي ولا تسوية فوقية فحسب، بل تعبيرًا عن إرادة وجدانية بالعيش المشترك، شاء من شاء وأبى من أبى.
منذ أن خُطّ أول سطر في مقدمة الدستور: "لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه"، فهمنا أن المسألة ليست فقط تنظيمًا للسلطات، بل التزامًا أخلاقيًا ووجوديًا بالوحدة في التعدّد، وبالمساواة في الكرامة، وبالحرية في ظل القانون.
غير أن هذا الطموح لم يكن سهل التحقيق، بل ظلّ يتعرض لتحديات دهماء: من الحروب، إلى التبعية، إلى الانقسامات، إلى الاغتراب عن الذات.
البرلمان في لبنان ليس مجرد هيئة تشريعية.
هو صورة المجتمع، أو على الأقل مرآة تشوّهاته ومثالبه ومحاسنه.
فإذا ارتقى المجتمع، ارتقى البرلمان.
وإذا سقطت القيم، تحوّلت القبة البرلمانية إلى حلبة مصالح.
لكن مع ذلك، لم يغب عن المشهد لبنانيون استمروا في الدفاع عن مبدأ التمثيل النيابي، عن الحوار تحت القبة، عن شرعية القانون والاحتكام إلى الصندوق، لا إلى البندقية.
أما الجمهورية، فكم مرّة جرى النيل منها؟
كم مرة أفرغت من معناها؟
وكم مرة أُهينت كرامة الرئاسة وتحوّلت مواقع القرار إلى مواقع شلل وعجز؟
ومع هذا، ما زلنا نقول: نحن جمهوريون، لأننا نؤمن أن لا خلاص لهذا الوطن إلا بالمؤسسات، ولا عدالة إلا بالاحتكام إلى الإرادة الشعبية في إطار القانون.
فالحكم في لبنان، برغم الانقلابات المقنّعة، بقي نظريًا مستندًا إلى قواعد الجمهورية.
والديمقراطية، في بلد مثل لبنان، ليست ترفًا.
هي شرط حياة.
لأن البديل عنها هو التفكك والاقتتال.
وكلما ضاقت الحرية، اقتربنا من الفتنة.
لهذا، ظلت الصحافة اللبنانية متنفّسًا، وظلت الأحزاب تعبيرًا عن صراع سياسي مشروع، وظلت الانتخابات، رغم شوائبها، استحقاقًا لا يُمكن تجاوزه إلى ما لا نهاية.
أما الدستور، فهو ذاكرة الوطن القانونية، لكنه أيضًا خريطة خلاصه.
عندما نحترمه، ننجو.
وعندما نتجاوزه، نقع في المحظور.
مشكلتنا لم تكن يومًا في غياب النصوص، بل في غياب النيات.
في غلبة الذهنيات الفئوية على روح الميثاق.
كم من مرة طُرح تعديل الدستور، لا لتطوره بل لإفراغه؟
وكم من مرة جُمدت مواده، لا لتجميده بل لشلّ الجمهورية؟
ومع هذا، فإن عودة اللبنانيين إلى الدستور تظل ممكنة، بل حتمية، كلما ضاقت السبل وتعاظمت الأثمان.
ولأننا نعيش في حقبة مضطربة من تاريخ لبنان، وسط حرب أهلية طاحنة وأدوار إقليمية تتنازع الجغرافيا والقرار، يصبح الحديث عن طبيعة نظام الحكم ضرورة قصوى، لا ترفًا فكريًا.
إن إعادة الاعتبار للجمهورية، للديمقراطية، للبرلمان، للدستور، ليست مجرد أمنيات.
هي معركة، هي مقاومة، هي رهان وجود.
اللبناني الذي يتطلع إلى غدٍ مختلف، لا يبحث عن حكم قوي بل عن حكم عادل.
لا يريد زعيمًا مخلّصًا بل نظامًا منقذًا.
ومن هنا، فإن إعادة بناء الدولة تبدأ بإعادة الاعتبار لهذا التوازن الدقيق بين الحرية والنظام، بين التمثيل والفعالية، بين الخصوصيات والوحدة.
لبنان في أصله فكرة، وفي مساره تجربة، وفي روحه رسالة.
وما كان يومًا وطنًا يُقاس فقط بمساحته أو بعدد سكانه، بل كان في وعي أبنائه مساحة حرية، وملاذ فكر، ومنبر قول، وحضن تنوّع.
وعندما اختار الميثاقيون من آبائنا أن يكون نظام الحكم في لبنان جمهوريًا ديمقراطيًا برلمانيًا دستوريًا، لم يكونوا ينسجون شكلًا هندسيًا جامدًا لدولة على ورق، بل كانوا يؤسّسون لتوازن دقيق بين المكونات، ولعقدٍ وطني يضمن الشراكة والمشاركة، ويصون وحدة الكيان في وجه العواصف المحيطة به.
الجمهورية اللبنانية ليست إسقاطًا لنظام دخيل، بل هي ثمرة صراع ثقافي طويل بين حكم العسكر والحرية، بين الطغيان والحق، بين الشرق الذي عرفنا واحتضننا والغرب الذي ألهمنا وأرهقنا.
إنها جمهورية التفاهم لا الغلبة، جمهورية التنوع لا التذويب، جمهورية الإنسان لا الأيديولوجيا.
وهذا المفهوم ليس ترفًا فكريًا ولا اجتهادًا لغويًا، بل هو واقع مترسّب في بنية المجتمع اللبناني الذي اعتاد أن يرفض الاستبداد حتى لو جاء بلباس خلاص، ويتمرّد على الأحادية حتى لو غُلّفَتْ بشعارات قومية أو دينية.
أما الديمقراطية في لبنان، فهي لم تكن يومًا مثالية ولا مكتملة، لكنها أيضًا لم تكن غائبة كليًا.
كانت ديمقراطية ممزقة أحيانًا، معلّقة في فترات، محاصرة في أخرى، لكنها ظلت حيّة في العمق اللبناني، تُطل برأسها في كل لحظة حقيقية نحتاج فيها للعودة إلى الذات.
لقد عرف اللبناني معنى الانتخاب منذ ما قبل الاستقلال، وذاق طعم الحياة النيابية منذ عهد المتصرفية، وحافظ رغم المحن على فكرة الاقتراع والتعبير وتعدد الرأي.
لم تُلغِ الحرب هذه الميزات، بل عمّقت الحاجة إليها، وعلّمتنا أن الديمقراطية ليست نظامًا مثاليًا، بل خيار ضروري للحياة المشتركة.
البرلمان في لبنان هو بيت الشعب، وهو على هشاشته التاريخية ظل ساحة التوازن بين التمثيل والمحاسبة، بين القول والفعل، بين الحكومة والمعارضة.
ومهما تعثّر هذا البرلمان، ظل قائمًا في ضمير اللبناني كمؤسسة لا غنى عنها، لأنه يعكس تركيبته الفريدة، ويمثّل صوته المتعدد، ويتيح عبر منبره صراع الآراء بدل صراع السلاح.
ففي بلاد الكلمة فيها تُطلق بدل الرصاصة، يكون للبرلمان وظيفة رسالية، تحمي الوطن من الانزلاق إلى متاريس الانقسام.
أما الدستور، فكان ولا يزال النص المرجعي، الإطار الناظم، الروح الحاكمة.
نعم، جرى خرقه، تجاهله، تطويعه، لكنه بقي القاسم المشترك الوحيد بين اللبنانيين، يختلفون على تفسيره لكن لا يجرؤون على نفيه.
وقد وُلد هذا الدستور من رحم تجربة واقعية لا من عباءة نظرية، وصيغَ بلغة توافقية تحترم الخصوصيات ولا تهدم الكيان.
وكلما خُنّ الدستور، خُرقَ لبنان؛ وكلما عاد اللبنانيون إليه، عاد السلام.
إن اجتماع هذه الأركان الأربعة – الجمهورية، الديمقراطية، البرلمان، الدستور – لم يكن صدفة في لبنان، بل كان محاولة واعية لجعل التنوع غنى لا لعنة، ولجعل الاختلاف مصدر حيوية لا مصدر فوضى.
لكن هذه المحاولة ظلت مهددة دائمًا بمشاريع الغلبة، والانقلابات المقنّعة، والتدخلات الخارجية، والتناحر الداخلي.
في ثمانينيات القرن العشرين، ونحن في قلب المعاناة الوطنية، ندرك أكثر من أي وقت مضى أن هذا النظام، على كل عِلاته، يظل أفضل ما أمكن لنا التمسك به.
ليس لأنه مثالي، بل لأنه القابل للإصلاح، القادر على التطوير، المحتمل للحوار.
أما البديل، فكان دومًا حكم الأمر الواقع، أو العسكر، أو الطائفة الواحدة، أو الحزب الواحد، أو الوصي الخارجي.
إن خيار الجمهورية الديمقراطية البرلمانية الدستورية في لبنان لم يكن مجرّد شكل، بل رهان كبير على العقل اللبناني، وعلى قدرته على ضبط تناقضاته، وتحويل الفوضى إلى توازن، والانقسام إلى عقد اجتماعي حيّ.
وإذا كنّا نعيش اليوم لحظة انهيار هذا النظام تحت ضغط الحرب وتعدد الوصايات وتكاثر الطموحات غير المشروعة، فإن الأمل لا يزال ممكنًا، لأن الفكرة ما زالت أقوى من البندقية، ولأن النص ما زال أسبق من الفرض، ولأن الشعب، رغم التعب، ما زال يتوق إلى دولة تُبنى لا تُفرَض.
تتجاوز أهمية النظام في لبنان كونه مجرد آلية حكم أو تقسيم صلاحيات، ليصبح أساساً للفكرة الوطنية ذاتها، فكرياً وواقعياً.
فاللبناني الذي يعيش على هذه الأرض المتعددة الألوان والاتجاهات، لا يمكن أن يفهم وطنه إلا من خلال هذا النظام المركب الذي يحاول أن يحتضن الجميع في كنف واحد.
فالجمهورية ليست صورة فقط بل هي إعلان عن سيادة الشعب، عن إرادة المواطنين، عن حق الجميع في التمثيل والمشاركة، عن رفض الوراثة والاستبداد مهما كانت حُججها.
الديمقراطية ليست فقط انتخابات دورية بل هي حراك مستمر يتطلب وعيًا ونضالاً، من أجل بناء مجتمع مدني يؤمن بالمساواة والعدالة وحرية التعبير.
أما البرلمان فهو القلب النابض لهذه الديمقراطية، الميدان الذي تنضج فيه السياسات، والذي يُمنح فيه صوت المواطن مكانته الحقيقية.
برلمان لبنان يعكس تنوع المجتمع، لكنه أيضاً يعكس أزمات هذا التنوع.
فهو ليس مجرد هيئة تشريع، بل صدى لتوازنات قوى داخلية وخارجية.
لذلك يحتاج إلى تعزيز دوره ليس فقط قانونياً، بل ثقافياً وسياسياً، كي يتحول إلى منبر حقيقي للحوار والتوافق بدلاً من أن يكون ساحة صراعات مفتوحة تضعف الدولة وتُعمّق الانقسامات.
والدستور هو الأساس، فبدونه يضيع كل شيء، ويصبح النظام مجرّد فوضى تحت مسمى قانون.
لكن التحدي لا يكمن في وجود دستور، بل في احترامه وحمايته من الانتهاكات والتجاوزات.
في لبنان، الدستور يحمل أعباء كثيرة، فهو يحاول أن يوازن بين الطوائف والمناطق، بين الحقوق والواجبات، بين الحرية والمسؤولية.
لذلك فإن الالتزام به هو التزام بالمبادئ التي تشكل ركيزة الاستقرار والسلام.
وكل محاولة للتجاوز أو التلاعب به، ليست فقط خيانة قانونية بل خيانة للوطن ولحلم اللبنانيين في دولة حقيقية.
في ظل التحديات الكبرى التي تواجه لبنان، من انقسامات داخلية، إلى تدخلات خارجية، إلى أزمات اقتصادية واجتماعية، يصبح النظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني الدستوري هو الأمل الحقيقي.
هو الحصن الذي يمكن أن يحمي البلاد من التمزق، وهو الإطار الذي يتيح لجميع اللبنانيين العيش بكرامة وسلام.
ولهذا لا بد من الجهد الجماعي من سياسيين، ومجتمع مدني، ووعي شعبي، لتثبيت هذا النظام وتعزيزه، عبر احترام القانون، وتعزيز الديمقراطية، وتشجيع الحوار الوطني، والالتزام بالدستور.
هذا النظام ليس مثالياً، لكنه نظام قابل للتحسين، وهو البديل الوحيد أمام مخاطر الانهيار والفوضى التي يمكن أن تفتك بالوطن.
ومن خلاله فقط يمكن لللبنانيين أن يبنوا دولة القانون والمؤسسات، وأن يحققوا طموحاتهم في حياة أفضل ومستقبل أكثر استقراراً.
لم يكن طريق الجمهورية اللبنانية مفروشاً بالورود، فقد واجه تحديات جسيمة منذ تأسيسها وحتى هذه اللحظة، إلا أن قوة النظام تكمن في مرونته وقدرته على الصمود أمام العواصف، رغم كل محاولات التفكيك والخرق.
لقد كان الدستور اللبناني ناظماً للحياة السياسية، حامياً لتوازنات المجتمع المتنوعة، ولكنه ظل هشاً أمام ضغوط السلطة والسياسة الطائفية، التي أفرغته أحياناً من جوهره الوطني.
الأزمات التي عصفت بالبلاد خلال عقود، وبالأخص في ثمانينيات القرن العشرين، كشفت هشاشة بعض المؤسسات، وأظهرت محدودية التجربة البرلمانية أمام الصراعات الطائفية والسياسية.
إلا أن هذا لا يعني انهيار النظام، بل يشير إلى ضرورة مراجعة عميقة وإصلاح جدي، يبدأ من تعزيز ثقافة احترام الدستور، ويصل إلى تطوير آليات عمل البرلمان والحكومة، وصولاً إلى تفعيل دور المواطن بوصفه صاحب الحق الحقيقي في القرار.
التحدي الأكبر أمام النظام هو تجاوز الانقسامات الطائفية إلى بناء وطن يحكمه القانون والمواطنة، لا الطائفة والانتماء الخاص.
هذا يتطلب انفتاحاً على الإصلاح السياسي، ومشاركة فاعلة من كل اللبنانيين، وتأسيس ثقافة ديمقراطية جديدة، تحترم حقوق الجميع، وتكفل حرياتهم، وتعزز الشفافية والمساءلة.
لا يمكن للبنان أن يستمر إلا إذا تمسك بنظامه الجمهوري الديمقراطي البرلماني الدستوري، لأنه الإطار الوحيد الذي يمكن أن يحفظ كرامة الوطن ويحمي استقراره، ويضمن مشاركة عادلة لجميع أبنائه في صنع مستقبله.
لذلك، فإن استعادة روح الدستور وتفعيل مؤسساته هو الواجب الوطني الذي لا يحتمل التأجيل، والرهان الأكبر الذي يجب أن يربط بين اللبنانيين مهما اختلفوا.
يبقى الدستور في جوهره الميثاق الذي يربط اللبنانيين بعضهم ببعض، ويُحدد أُسس الدولة التي تجمعهم.
فقد وضع نصوصًا تنبثق من التجربة، وتحاول ضبط التوازن بين الطوائف، وبين الحرية والمسؤولية، وبين الحقوق والواجبات.
وعندما يُحترم الدستور، تُحترم الدولة، وينعكس ذلك على الأمن والاستقرار.
لكن ما حدث في لبنان، أن كثرة الاستثناءات والتجاوزات أضعفت هذه المرجعية، وأوجدت ثقافة الاجتهادات على حساب النص، حتى أصبح الدستور أحيانًا أداة تنافس بدلاً من كونه قانونًا جامعًا.
وقد أدّى هذا الواقع إلى إضعاف المؤسسات، وغياب الثقة بينها وبين الناس، بحيث لم يعد المواطن يشعر بأن هناك دولة تحميه، بل صار يتعامل مع مؤسسات تابعة للطائفة أو الزعيم أو الحزب.
وهذا الفهم شلّ القدرة على بناء نظام جمهوري حقيقي يقوم على المساواة والعدالة.
فالفرق بين جمهورية دستورها مجرد إطار فارغ، وجمهورية يعيش فيها المواطن كامل الحقوق، كبير جداً.
ولذلك، إن التمسك بالدستور لا يكفي وحده، بل يجب أن يصاحبه وعي شعبي وسياسي يحمّي هذا الدستور، ويرفض أي استنسابية أو تساهل في تطبيقه.
ويجب أن يكون هناك ضغط مستمر لتفعيل المؤسسات، وجعلها تعمل وفق ما نص عليه القانون، لا وفق منطق التوافقات غير الرسمية أو الحسابات الطائفية.
ولا بد من الاعتراف أيضاً بأن إحياء النظام الديمقراطي البرلماني في لبنان يتطلب إصلاحات عميقة تشمل تغيير العقلية السياسية، وتعزيز ثقافة المواطنة، وتطوير قواعد انتخابية تضمن التمثيل العادل، وتكريس مبدأ الفصل بين السلطات، وتقوية دور القضاء.
وهذا كله لا يمكن أن يتم إلا عبر اتفاق وطني صادق، يلتزم فيه الجميع بالحفاظ على الدولة كأولوية وطنية عليا.
وفي هذا الإطار، يصبح النظام الجمهوري الدستوري اللبناني ليس فقط نصًا مكتوبًا بل حياة يومية، ممارسات تشريعية وتنفيذية وقضائية شفافة، وقبل ذلك عقيدة وطنية متجذرة في قلب كل لبناني.
هذا هو الرهان الحقيقي، وأمل المستقبل، الذي لا يمكن تحقيقه إلا بالتوافق الوطني، والعمل المستمر، والصبر.
لا يمكننا فهم واقع نظام الحكم اللبناني دون الوقوف عند جوهر الفكرة الجمهورية نفسها، التي تمثّل التجديد السياسي الحقيقي في تاريخ لبنان.
فالجمهورية تعني السيادة للشعب، تعني أن مصدر السلطة هو المواطن، لا الدم أو الولاء الطائفي أو النفوذ العائلي.
ولكن في لبنان، ظل هذا المفهوم عالقًا بين طموحات حديثة وتقاليد عميقة، بين جمهوريات مزدهرة وجمهوريات طائفية، بين وطن واحد موحد وأطراف متنازعة تتعامل مع الكيان كما لو كان غنيمة.
في هذا السياق، تصبح الديمقراطية في لبنان أداة حساسة، إذ لا يمكن أن تكون معتمدة فقط على الانتخابات، بل يجب أن تُبنى على ثقافة مشاركة حقيقية، واحترام لحقوق الجميع، وفهم أن الاختلاف ليس عدوًا بل ثراءً.
أما البرلمان فهو ليس مجرد هيئة تشريع، بل جسد سياسي يعكس واقع المجتمع بكل تناقضاته، ويُفترض به أن يكون ساحة لتداول السلطة السلمي، وحل النزاعات بعيدًا عن العنف أو الفوضى.
الدستور هو الضمانة التي تحفظ هذا النظام، وهو التعبير الأسمى عن الرغبة الوطنية في العيش المشترك.
ويجب أن يُفهم الدستور لا كقيدٍ يقيد الحريات، بل كإطار يحرر الناس، يضمن حقوقهم، ويؤسس لاستقرار دائم.
ومن دون احترام الدستور، يتحول النظام إلى غابة لا قانون فيها، فتسود الفوضى والاقتتال.
لقد علمتنا التجارب المريرة في لبنان أن الاستقرار لا يُبنى إلا عبر احترام هذا النظام، وأن أي محاولة لتجاوزه أو الالتفاف عليه تقود حتمًا إلى المزيد من الانقسامات والمعاناة.
فالنظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني الدستوري هو الحصن الأخير الذي يحمي الوطن من الانهيار، والسبيل الوحيد لتحقيق حلم اللبنانيين في دولة عادلة وقوية.
ومع كل التحديات، تبقى المسألة وطنية في جوهرها.
أيّ لبناني يسعى إلى الخير لوطنه عليه أن يكون مدافعًا عن هذا النظام، حاملًا شعلة الإصلاح، ومؤمنًا بأن مستقبل لبنان لا يبنى إلا على أسس هذا النظام.
وهكذا، تصبح المواطنة الحقيقية هي فعل الدفاع عن الجمهورية، وتعزيز الديمقراطية، وتقوية البرلمان، واحترام الدستور.
في محيطنا الإقليمي، حيث تتصارع القوى وتتداخل المصالح، يُبرز النظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني الدستوري اللبناني خصوصيته وتميزه.
فلبنان، بحضوره التاريخي وتركيبته الاجتماعية الفريدة، لا يمكن أن يحيا إلا من خلال احترام هذا النظام الذي يضمن لكل مكون حقه في المشاركة والتمثيل.
هذا النظام هو التوازن الدقيق بين الحرية والاستقرار، بين التعدد والتوافق، بين الهوية الفردية والجماعية.
غير أن هذا التوازن هش، ويحتاج إلى وقاية دائمة.
فالانقسامات الطائفية والسياسية، وتدخلات الخارج، وتداخل المصالح الشخصية، تجعل من الصعب الحفاظ على وحدة هذا النظام واستمراريته.
لذلك، لا يكفي التمسك بنص الدستور، بل يجب العمل على تطوير المؤسسات، وتعزيز الثقافة السياسية، وتشجيع الحوار الوطني، وبناء الثقة بين الأطراف كافة.
التجارب التي مر بها لبنان في الثمانينيات، خصوصاً خلال الحرب الأهلية، كشفت الكثير من نقاط الضعف، لكنها أيضاً أوضحت أن الشعب اللبناني لا يزال متمسكاً بأمل الجمهورية والديمقراطية.
فاللحظات التي عاد فيها الناس إلى فكرة الدولة والمؤسسات كانت لحظات تعبير عن حيوية هذا النظام، وعن قدرة اللبنانيين على التمسك بالأمل رغم الظلام.
إن حماية النظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني الدستوري ليست مهمة النخبة السياسية فقط، بل مسؤولية كل لبناني، كل مواطن، كل إنسان يحب وطنه ويريد له السلام والاستقرار.
وهذا يتطلب جهداً متواصلاً في التربية، والتعليم، والإعلام، والعمل المدني، لزرع قيم المواطنة والاحترام المتبادل، ولإعداد أجيال تؤمن بأن الوطن فوق الجميع وأن النظام هو ضمانة وجوده.
و يبقى النظام اللبناني هذا هو الأمل الأخير، والضمانة الأقوى للبقاء، إذ لا خلاص للبلاد إلا من خلال تقوية مؤسساته، وتفعيل ديمقراطيته، وتجديد عقده الوطني.
فالجمهورية ليست مجرد كلمة في الدستور، بل هي حياة لبنان وروحه التي لا تنطفئ.
لقد علّمنا التاريخ اللبناني أن لا شيء يُؤمن الوحدة الوطنية ويصون الاستقرار إلا الدولة التي تُحترم فيها المؤسسات، ويُقام فيها العدل، وتُراعى فيها الحقوق بالتساوي.
نظامنا الجمهوري الديمقراطي البرلماني الدستوري، رغم كل العقبات، هو التعبير الحقيقي عن هذه الرغبة.
لأنه ينطوي على ضمانات تمنع الاستبداد، وتُسهم في توازن السلطات، وتُكرّس حق المشاركة، وتُثبت قاعدة المواطنة المتساوية.
ولكن هذا النظام يحتاج إلى حماية ليست فقط قانونية، بل ثقافية وفكرية.
فالأزمات التي مررنا بها كشفت مدى هشاشة التوافق حول معنى الجمهورية والديمقراطية والبرلمانية والدستور.
فقد تسللت إلى حياتنا السياسية نزعات محلية ضيقة، ولعبت حسابات المصالح الشخصية والطائفية دوراً كبيراً في تقويض هذه القيم.
وهنا يكمن التحدي الحقيقي: إعادة إحياء هذه القيم في قلوب الناس وعقولهم، وفي سلوكهم وممارساتهم.
إن ما يحتاجه لبنان اليوم، وليس غداً فقط، هو مشروع وطني شامل يقوم على الاعتراف المتبادل، والمواطنة الفاعلة، واحترام الدستور، وتعزيز المشاركة السياسية البناءة، وإعادة الثقة بالمؤسسات.
بدون هذا المشروع، لن يكون هناك استقرار ولا سلام.
والفرصة أمامنا متاحة طالما بقي اللبنانيون متشبثين بفكرة الدولة الجمهورية الديمقراطية البرلمانية.
وفي هذا السياق، لا بد من تعزيز دور الشباب في الحياة السياسية، لأنهم المستقبل، ومن دونهم لن تستمر التجربة اللبنانية.
كما لا بد من تطوير وسائل الإعلام والتعليم لتكونا أداة لتثقيف المواطنين حول حقوقهم وواجباتهم، وتعزيز ثقافة الحوار والتسامح.
النظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني الدستوري هو أساس بقاء لبنان كدولة وطنية، وليس فقط نظام حكم.
والتمسك به هو التزام أخلاقي ووطني يضع لبنان على طريق السلام والاستقرار والازدهار، ويحقق أمل اللبنانيين في وطن يعيشون فيه بكرامة وعدالة.
إنّ إحياء روح النظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني الدستوري في لبنان لا يمر فقط عبر النصوص القانونية والمراسيم الرسمية، بل يمر عبر واقع ممارسات يومية تعكس احترام هذا النظام، وثقة المواطنين به.
فالدولة ليست مجرد مؤسسات جامدة، بل هي حياة تتنفس في شرايين المجتمع، وهي كرامة يتقاسمها كل فرد، وهي ميثاق يعيش في وجدان الجماعة.
عندما ينتقل اللبناني من اعتبار الطائفة مجرد هوية ضيقة إلى اعتبار الوطن البيت الكبير الذي يحتضن الجميع، يبدأ النظام في الصمود.
عندما تتبدل النظرة من سلطة فردية أو زعيمية إلى مؤسسات حاكمة متينة، تبدأ الديمقراطية بالازدهار.
عندما يحترم المواطن دوره في الانتخابات ويطالب بحقوقه، ويؤدي واجباته بإخلاص، تبدأ الجمهورية بالعمل.
والدستور، في هذا السياق، يصبح أكثر من كتاب قوانين؛ يصبح رمزًا للتعاقد الوطني، ورسالة أمل وأمان.
إنه ليس قيدًا يكبل الحرية، بل إطار يحفظ الحقوق، ويكفل التوازن.
ومن دون هذا التوازن لن تستمر الحياة السياسية، ولا الأمن الاجتماعي.
ولكي يتحقق هذا، يجب أن تعود الأجيال الجديدة لتتعلم في مدارسها معنى المواطنة الحقة، وتفهم أن الديمقراطية ليست لعبة نخبة، بل حق ومسؤولية كل مواطن.
ويجب أن تُعزز وسائل الإعلام أدوارها في نشر الوعي المدني، وتحصين الرأي العام ضد الانقسامات الطائفية والحزبية التي تفتت الوحدة.
يبقى النظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني الدستوري هو الحلم الوطني الذي يمكن أن يحقق وحدة لبنان وتقدمه.
هو الأفق الذي يسع الجميع، ويمنحهم الأمل، ويُبقي لبنان رمزًا للحرية والتنوع والتعايش.
لا يمكن أن نغفل أن النظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني الدستوري في لبنان لا يقوم في فراغ، بل هو نتاج تفاعل مستمر بين عوامل داخلية وخارجية.
فالضغوط الإقليمية والتدخلات الدولية، والصراعات بين القوى الكبرى، كلها عوامل تزيد من هشاشة النظام، وتضع أمامه تحديات إضافية لا تستهان بها.
إلا أن قوة هذا النظام تكمن في قدرته على الصمود في وجه هذه المحن، وفي تمسك اللبنانيين به كخيار وطني لا بديل عنه.
كل محاولة للتجاوز أو التفكيك تقود إلى المزيد من الفوضى والتفكك.
وما نراه اليوم من أزمات يعكس بالضبط هشاشة النظام حين يفتقد إلى التوافق الوطني، ويُغيب فيه الحوار الحقيقي بين الأطراف.
وفي الوقت ذاته، تعكس كل محاولات الإصلاح، مهما كانت محدودة، رغبة صادقة في المحافظة على هذا النظام الذي هو العمود الفقري لوجود لبنان كدولة.
لذلك، فإن استعادة الحياة الحقيقية للجمهورية والديمقراطية والبرلمان والدستور تتطلب نهوضًا وطنيًا شاملاً، يقوم على وعي شعبي عميق، وعلى إرادة سياسية حقيقية، وعلى دعم المجتمع المدني.
يجب أن تُعيد المؤسسات بناء ثقة المواطن بها، وأن يتحمل الجميع مسؤولياتهم في إنجاح هذا النظام لا إفشاله.
وفي هذا الإطار، يصبح لكل لبناني دور في الحفاظ على هذا النظام، لا بالقول فقط، بل بالفعل.
بالمشاركة السياسية، والتمسك بالمبادئ الدستورية، والعمل من أجل وحدة وطنية تستند إلى المواطنة الحقيقية، وليس الانتماءات الضيقة.
فلبنان يحتاج إلى كل أبنائه ليكون دولة الحقوق والحريات، دولة المؤسسات والقانون.
إن النظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني الدستوري في لبنان ليس هدفاً بحد ذاته، بل هو الوسيلة لتحقيق ما يصبو إليه اللبنانيون من حياة كريمة، وعدالة اجتماعية، واستقرار سياسي.
هذا النظام يعكس تطلعات شعب يرفض أن يُحكم بطغيان أو استبداد، ويؤمن بأن السلطة يجب أن تكون للناس ولأجلهم، لا لأشخاص أو فئات خاصة.
في سياق الصراعات والتحديات التي شهدها لبنان، تبين أن الأزمات المتعددة لم تكن سوى انعكاسات لفشل في تحقيق توازنات داخلية، وعجز عن إيجاد صيغة وطنية شاملة تجمع اللبنانيين حول مشروع دولة واحدة.
النظام البرلماني والدستور يشكلان الأرضية التي يمكن من خلالها بناء هذا المشروع، لا من خلال الإقصاء أو القهر.
إن تعزيز الديمقراطية في لبنان يعني تمكين المواطن من حقوقه السياسية والاجتماعية، وفتح المجال أمام جميع المكونات للتعبير عن نفسها، ولكن ضمن إطار يحترم وحدة الدولة وقانونها.
لا مكان في هذا النظام لمن يريد فرض رأيه بالقوة أو تجاوز القانون.
يجب أن نؤمن أن لبنان قادر على التجدد، وقادر على بناء دولة تحقق أحلام أجياله.
هذا لن يكون إلا إذا تمسكنا بنظامنا الجمهوري الديمقراطي البرلماني الدستوري، وجعلناه واقعاً حيّاً يتنفسه كل لبناني في يومياته، في حقوقه، وفي واجباته، في حريته، وفي التزامه.
تُعتبر مسألة بناء الدولة في لبنان من أعقد الملفات التي واجهتها التجارب الوطنية الحديثة، خصوصاً في ظل تركيبته الاجتماعية المتعددة والطائفية.
إن النظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني الدستوري ليس فقط إطاراً قانونياً، بل هو مشروع اجتماعي وسياسي يهدف إلى ترسيخ وحدة وطنية قائمة على المشاركة والتعددية.
هذا النظام يفرض على جميع القوى السياسية احترام قواعد اللعبة الديمقراطية، والالتزام بروح الدستور الذي ينص على فصل السلطات وضمان حقوق الجميع.
في هذا الفصل، نتوقف عند أهمية تطوير المؤسسات السياسية في لبنان كركيزة أساسية لتحقيق الاستقرار والعدالة.
فالبرلمان، كمؤسسة تشريعية، يجب أن يُعاد إليه دوره كاملاً في التشريع والرقابة، بعيداً عن الممارسات التي تهمش دوره أو تفرغه من مضمونه.
والحكومة يجب أن تكون مسؤولة أمام البرلمان، وتعبر عن إرادة سياسية متوازنة تمثل طيف المجتمع اللبناني بأكمله.
هذا النظام يعاني من تحديات عدة: محاولات التفرد بالسلطة، تدخلات خارجية، ضعف الأجهزة الرقابية، وانقسامات طائفية تؤثر على حسن سير العمل.
لكن التحدي الحقيقي هو أن نتمكن من خلق مناخ سياسي يستند إلى الاحترام المتبادل، والاعتراف بالآخر، والالتزام بالقوانين.
فبدون ذلك، يصبح النظام مجرد غلاف لا أكثر، تسوده الفوضى والاقتتال.
إن بناء مؤسسات قوية وفعالة يعني كذلك تعزيز استقلال القضاء، الذي يعتبر الضامن الحقيقي لحقوق المواطنين، ولا يمكن أن تقوم دولة حديثة بدونه.
وكذلك تعزيز دور الإعلام الحر كمراقب ومسؤول في إطار الدستور، لخلق شفافية وثقة بين الناس والدولة.
يجب أن يكون النظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني الدستوري في لبنان ليس مجرد نصوص، بل واقعًا يوميًا تتجسد فيه مبادئ العدالة والمساواة والحرية، ليصبح بذلك الضمانة الحقيقية لوحدة الوطن واستقراره.
في لبنان، حيث تنسج الطوائف حيوات الناس وجذورهم، يشكل التوازن بين هذه المكونات عماد النظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني الدستوري.
إن نجاح هذا النظام يعتمد على قدرة الجميع على تجاوز الخلافات الضيقة والتقيد بالمصلحة الوطنية العليا، التي تجسدها دولة المؤسسات والقانون.
إنّ البرلمان اللبناني هو الساحة التي تختبر فيها هذه القدرة، إذ يجمع تحت قبة واحدة ممثلين عن جميع الطوائف والأحزاب، ليشكلوا صورة حقيقية عن التنوع الوطني.
ورغم التحديات والصراعات، يظل البرلمان الركيزة التي يحافظ من خلالها لبنان على وحدته السياسية، لأنه المكان الوحيد الذي يتاح فيه التعبير عن الرأي والتفاوض والاتفاق.
من هنا، تنبع أهمية تطوير العمل البرلماني ليصبح أكثر شفافية وفعالية، من خلال احترام الإجراءات الدستورية، وتمكين المعارضة من أداء دورها الرقابي، وتطوير اللوائح التنظيمية التي تحكم سلوك النواب.
كما يجب أن يتحلى النواب بروح المسؤولية الوطنية، والالتزام بمصلحة البلاد فوق المصالح الخاصة والطائفية.
ولكي يتحقق ذلك، لا بد من رفع مستوى الوعي السياسي لدى المواطنين، وتعزيز ثقافة المشاركة السياسية، فالشعب هو أساس النظام، ويجب أن يكون فاعلاً لا متفرجاً، وأن يعرف حقوقه وواجباته، لكي يختار ممثليه بوعي وحرية، وليحاسبهم على أدائهم.
هذا النظام، بقدر ما هو معقد، بقدر ما يحمل في طياته الفرصة الكبرى للبنان، فرصة التعايش والعمل المشترك، وفرصة بناء دولة عادلة وقوية.
وتظل الانتخابات الدورية والاستحقاقات الدستورية فرصة لا يجب أن تفوت لتعزيز هذا النظام، وتجديد الثقة به.
تُعتبر الانتخابات في لبنان لحظة محورية في حياة النظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني الدستوري، فهي التعبير الأسمى عن إرادة الشعب وعن مدى صحة عمل المؤسسات.
لا يمكن تصور ديمقراطية حقيقية دون انتخابات حرة ونزيهة، تُتيح للمواطنين اختيار ممثليهم بحرية وشفافية.
ومن خلال الانتخابات، يُعبّر الشعب عن آرائه، ويُحدد أولوياته، ويُعيد تشكيل المشهد السياسي بما يتوافق مع تطلعاته.
لكن التحدي في لبنان ليس في مجرد إجراء الانتخابات، بل في ضمان أن تكون هذه العملية سليمة من تأثيرات المحاصصة الطائفية، والضغوط السياسية، والمداخلات الخارجية.
فالانتخابات يجب أن تكون أداة لبناء الوطن، لا لمنصّة لتكريس الانقسامات أو إضعاف المؤسسات.
لهذا، يحتاج لبنان إلى قوانين انتخابية تحمي تمثيل الجميع بعدالة، وتعزز المنافسة السياسية الصحية.
البرلمان الناتج عن هذه الانتخابات يجب أن يكون ممثلاً حقيقياً للناس، لا لمصالح ضيقة أو لأحزاب تتعامل مع الكراسي كغنائم.
ويتوجب على النواب أن يتحلوا بالمسؤولية الوطنية، وأن يعملوا على خدمة الوطن والشعب، بعيداً عن الحسابات الحزبية والطائفية الضيقة.
ويجب أن تكون هناك مؤسسات رقابية فعالة لمتابعة عملهم ومحاسبتهم عند التقصير.
إن احترام نتائج الانتخابات، واحترام الدستور في تشكيل الحكومة، هما أساسان للحفاظ على النظام السياسي.
وأي انتهاك لهذين الأساسين يؤدي إلى إضعاف الدولة، ويفتح الباب أمام الفوضى والانقسامات.
ولهذا، يجب أن تكون الإرادة الوطنية، والالتزام بالقانون، هما القواعد الحاكمة لأي استحقاق انتخابي.
الانتخابات ليست فقط واجباً دستورياً، بل هي فعل وطني يعبر عن نضج المجتمع ورغبته في الاستقرار والتقدم.
وهي فرصة لتجديد النظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني الدستوري، وتعزيز أواصر الوحدة الوطنية، وتحقيق أمل اللبنانيين في دولة قوية وعادلة.
في النظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني الدستوري، تُعتبر الحكومة العمود الفقري الذي يحمل مسؤولية إدارة شؤون البلاد وتنفيذ القوانين التي يصدرها البرلمان.
فالحكومة ليست مجرد هيئة تنفيذية، بل هي تعبير مباشر عن إرادة الشعب، عبر ممثليه المنتخبين، وهي المسؤولة أمام البرلمان الذي يمثّل الأمة كلها.
لكن في لبنان، يواجه تشكيل الحكومة تحديات خاصة بسبب التركيبة الطائفية والسياسية.
فالتمثيل الطائفي المتوازن، الذي هو مطلب أساسي لحماية التنوع والعيش المشترك، قد يؤدي أحيانًا إلى تعقيد عملية تشكيل الحكومة، ويُعرضها لمساومات سياسية تعطل عملها.
وهذا الواقع يفرض على السياسيين ضرورة التوافق على آليات تشكيل تضمن الاستقرار والفعالية.
إدارة الحكومة تتطلب أيضاً أن تلتزم بالشفافية، وتضع المصلحة الوطنية فوق المصالح الشخصية أو الطائفية.
فلا يمكن للحكومة أن تنجح إلا إذا عملت بروح الوحدة، وبعيدة عن التجاذبات التي تضعف الدولة وتعرقل التنمية.
كما يجب أن تُعزز روح التعاون مع البرلمان، الذي يراقب عمل الحكومة ويحاسبها، ليكون ذلك ضماناً للمساءلة والشفافية.
الحكومة مسؤولة عن بناء دولة المؤسسات، عن حماية الحقوق، عن إدارة الاقتصاد، عن تأمين الأمن، وعن خلق الفرص للمواطنين.
وعندما تتعثر الحكومة أو تفشل في أداء واجباتها، يتأثر النظام برمته، ويزداد الشعور بعدم الاستقرار والاحباط.
لذلك، لا بد من العمل على تطوير أساليب اختيار الحكومة، وعلى تعزيز دورها من خلال قوانين واضحة تُلزمها بالشفافية والمسائلة، وتدعم استقلالية القرار الوطني.
وفي الوقت نفسه، يجب أن يكون هناك ضغط من المجتمع المدني والمواطنين لضمان عمل الحكومة بما يخدم المصلحة العامة.
تمثّل الحكومة وجه الدولة العملي، وهي المظهر الحي للنظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني الدستوري في الحياة اليومية للبنانيين.
فنجاح الحكومة يعني نجاح النظام، ونجاح الوطن.
تلعب السلطة القضائية في النظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني الدستوري دوراً محورياً في حماية الحقوق، وضمان سيادة القانون، وتحقيق العدالة.
فهي الضامن الوحيد لاستقلالية القضاء، ولحماية المواطن من أي تعدٍ أو تجاوز، ولحفظ التوازن بين السلطات.
في لبنان، تتطلب السلطة القضائية أن تكون مستقلة تماماً، بعيدة عن التأثيرات السياسية والطائفية، حتى تتمكن من أداء واجبها بكل نزاهة وحيادية.
ومع ذلك، فإن القضاء اللبناني يواجه تحديات متعددة، منها التدخلات السياسية، وضعف الإمكانيات، وأحياناً تأخر في البت في القضايا، ما يُفقد الثقة به في أعين المواطنين.
وهذا يؤدي إلى شعور عام بالظلم، ويزيد من تعقيد المشهد السياسي والاجتماعي، إذ لا يمكن لأي نظام سياسي أن ينجح إذا لم يكن هناك قضاء قوي وعادل.
لذا، لا بد من إصلاحات جذرية لتعزيز استقلالية القضاء، وتحسين بنيته التحتية، وضمان تعيين القضاة على أساس الكفاءة والحيادية، وليس على أسس طائفية أو سياسية.
كما يجب أن يُدعم دور القضاء في مكافحة الفساد، وحماية حقوق الإنسان، وتطبيق القوانين بصرامة.
إن احترام حكم القضاء وتفعيل دوره يرسخان دولة القانون، ويعززان ثقة المواطن في النظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني الدستوري.
وعندما يشعر المواطن أن هناك عدالة فعالة، يكون أكثر التزاماً بالنظام وبالمؤسسات، ويبتعد عن التفكير في الحلول الفردية أو الطائفية.
القضاء هو الحارس الأمين على مبادئ الجمهورية والديمقراطية، والضامن الأساسي لوحدة الوطن واستقراره.
ولذلك، فإن تعزيز دوره وحمايته يجب أن يكون أولوية وطنية قصوى.
لا يمكن الحديث عن النظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني الدستوري في لبنان دون التوقف عند دور المجتمع المدني كقوة حيوية داعمة للتغيير والإصلاح.
فالمجتمع المدني هو القاعدة التي تنطلق منها قيم المواطنة، والشفافية، والمساءلة، والمشاركة الفاعلة في الحياة السياسية.
في لبنان، لعب المجتمع المدني دوراً متزايد الأهمية في السنوات الأخيرة، حيث أصبح منبرًا للتعبير عن مطالب الناس، ومراقبة أداء السلطات، وتعزيز ثقافة الحوار والتعاون بين المكونات المختلفة.
وهو يشكل جسرًا بين المواطن والدولة، ويساهم في تقوية المؤسسات ودعم الديمقراطية.
لكن التحدي يكمن في قدرة المجتمع المدني على الاستقلال عن التأثيرات السياسية والطائفية، والتمسك بقيم النزاهة والشفافية، حتى يتمكن من أداء دوره بفعالية.
كما يحتاج إلى دعم قانوني ومؤسساتي يحمي نشاطه ويعزز مشاركته في صنع القرار.
المجتمع المدني هو الصوت الذي يطالب بالإصلاح، ويحفز السلطات على احترام الدستور والقوانين، ويجسد روح الديمقراطية الحقيقية.
وهو الذي يُعيد الأمل إلى المواطن بأن النظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني الدستوري ليس مجرد كلمات في الدستور، بل واقع يعيشونه ويشاركون في بنائه.
لذلك، يجب أن يكون تعزيز المجتمع المدني ودعمه أولوية وطنية، عبر توفير بيئة مناسبة له، وتشجيع المبادرات الشعبية، وتعزيز التعليم والتثقيف المدني، لتنشئة أجيال جديدة تؤمن بحقوقها وواجباتها، وتعمل على تقوية نظام الحكم.
يبقى المجتمع المدني ركيزة أساسية لاستمرارية النظام اللبناني، وفاعلاً حيوياً في بناء دولة القانون والمؤسسات، وفي تحقيق تطلعات اللبنانيين إلى حياة أفضل.
لا يمكن لأي نظام سياسي أن يستمر ويزدهر دون وجود ثقافة سياسية راسخة لدى المواطنين، تعزز قيم المواطنة، وتعزز روح المسؤولية، وترفض الانقسامات والتطرف.
في لبنان، حيث تتداخل الانتماءات الطائفية والمناطقية، تصبح الثقافة السياسية التي تدعم النظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني الدستوري ضرورة وطنية حتمية.
تتطلب هذه الثقافة تعزيز الوعي بالدستور وأهميته، وفهم معاني الحقوق والواجبات، والتمسك بمبادئ الديمقراطية التي تشمل احترام الآخر، والتسامح، والحوار.
كما تتطلب رفض العنف والسياسات التي تزرع الكراهية والفرقة، وتمكين الشباب من المشاركة السياسية الفعالة والبنّاءة.
تربية هذه الثقافة تبدأ من المدارس، حيث يجب أن يُدرّس الدستور وقيم المواطنة بشكل يرسخها في وجدان الأجيال الجديدة، ويجعلها ترى في الوطن أكبر من أي انتماء خاص.
كما يجب أن تلعب وسائل الإعلام دورًا مسؤولًا في تعزيز هذه القيم، ونشر الوعي السياسي، وتحفيز النقاشات الهادفة التي تبني الجسور بين المختلفين.
الثقافة السياسية ليست مجرد تعليم نظري، بل هي ممارسة يومية في الشوارع، والمنتديات، وأماكن العمل، وفي كل لقاء اجتماعي.
إنها التزام بالمشاركة البناءة، واحترام القانون، ورفض الفساد، والعمل من أجل خير الجميع.
عندما تتجذر هذه الثقافة في المجتمع اللبناني، يكون النظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني الدستوري قد حقق انتصاراً كبيراً، لأنه لم يعد مجرّد إطار قانوني، بل أصبح جزءًا من حياة الناس ووعيه الجماعي، وهو بذلك أقوى من أي أزمة أو تحدي.
تعتبر التربية والتعليم من الركائز الأساسية التي يبنى عليها أي نظام جمهوري ديمقراطي برلماني دستوري ناجح، فهي العملية التي تزرع في الأجيال القادمة قيم المواطنة، وفهم الحقوق والواجبات، واحترام الدستور والقانون.
وفي لبنان، حيث التنوع الاجتماعي والطائفي، تصبح مهمة التربية أكثر أهمية لتعزيز الوحدة الوطنية وتشكيل وعي سياسي يعزز الديمقراطية.
المدرسة اللبنانية عليها دور كبير في تعريف الطلاب بتاريخ الوطن، بنظامه السياسي، بقيم الحرية والمساواة، وبأهمية المشاركة السياسية.
التربية المدنية يجب أن تصبح مادة أساسية، تتناول فيها قضايا الدولة، النظام الجمهوري، الفصل بين السلطات، دور البرلمان والحكومة، وحقوق الإنسان.
كذلك، فإن التعليم العالي والمؤسسات الأكاديمية يجب أن تشجع البحث العلمي والنقاشات الحرة التي تعزز فهم النظام السياسي وتعمل على تطويره.
ولا بد أن تنفتح الجامعات على الحوار الوطني وتستقطب كل الطاقات لتكون منبرًا لبناء المستقبل.
الإعلام والتعليم الموازي أيضاً يشكلان أدوات مهمة في نشر الوعي وتعزيز ثقافة الديمقراطية.
من خلال البرامج الحوارية، والمقالات، وورش العمل، يمكن للناس أن يتعرفوا أكثر على النظام الدستوري، وعلى أهمية احترام المؤسسات والالتزام بالقوانين.
بناء نظام جمهوري ديمقراطي برلماني دستوري مستقر يتطلب جهداً تربوياً متواصلاً، يبدأ منذ الطفولة، ويستمر مدى الحياة، ليصبح جزءاً من ثقافة الشعب وهويته الوطنية.
في لبنان، لا يمكن النظر إلى النظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني الدستوري بمعزل عن الدور الذي تلعبه الحريات العامة وحقوق الإنسان في ترسيخه وحمايته.
فهذه الحقوق تشكل العمود الفقري لأي نظام ديمقراطي حقيقي، وهي الضمانة التي تحمي المواطن من التجاوزات، وتمكنه من المشاركة الفاعلة في الحياة السياسية والاجتماعية.
الحريات الأساسية، مثل حرية التعبير، وحرية الصحافة، وحرية التنظيم والتجمع، تشكل أدوات المواطن في الدفاع عن حقوقه، وفي ممارسة دوره كفاعل سياسي واجتماعي.
أما حقوق الإنسان فتشمل الحقوق المدنية والسياسية، كالحق في التصويت، والحق في المحاكمة العادلة، والحق في التمتع بحياة كريمة.
لكن الواقع اللبناني يشهد تحديات كثيرة في هذا المجال، إذ لا تزال هناك محاولات للحد من الحريات، والتضييق على المعارضين، والتدخل في الشؤون الشخصية للمواطنين، ما يُضعف النظام الديمقراطي ويهدد استقراره.
لذلك، يتطلب الأمر تعزيز القوانين التي تحمي هذه الحريات، وضمان استقلالية القضاء لتطبيقها، ودعم المجتمع المدني الذي يراقب ويحمي حقوق الناس.
كما يجب أن يكون هناك وعي عام بأهمية هذه الحقوق، وأن تتحول من مطالب ثانوية إلى جزء لا يتجزأ من الثقافة السياسية والمجتمعية.
وعندما يعيش اللبناني هذه الحريات ويشعر بأن حقوقه محفوظة، يكون أكثر استعداداً للانخراط في بناء النظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني الدستوري، وتثبيت دعائمه.
الحريات وحقوق الإنسان ليست فقط شعاراً في الدستور، بل هي الحياة الحقيقية التي تعزز النظام، وتحول الدولة إلى وطن يحترم فيه كل فرد ويدافع فيه عن كرامته.
في خضم ما يعانيه لبنان من تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية، يبقى الحوار الوطني هو المفتاح الأساسي لاستعادة النظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني الدستوري.
فالحوار هو السبيل الأمثل لتجاوز الانقسامات، وبناء تفاهمات تتيح للجميع المشاركة الفاعلة في صنع القرار، وتحمي النظام من الانهيار.
الحوار الوطني يعني الاستماع إلى كل الأطراف، احترام وجهات النظر المختلفة، والبحث عن حلول توافقية توازن بين حقوق الجميع ومسؤولياتهم.
إنه ممارسة ديمقراطية تعزز التفاهم، وتكسر حلقة الصراعات، وتبني جسور الثقة بين اللبنانيين.
لكن تحقيق الحوار الوطني يتطلب إرادة حقيقية من الجميع، ورغبة في تجاوز المصالح الضيقة، والاعتراف بأن مستقبل لبنان يتطلب التضحية والعمل المشترك.
كما يحتاج إلى أطر واضحة وآليات فعالة تضمن استمرار الحوار وتطوير نتائجه.
ويجب أن يكون الحوار مدعوماً من المجتمع المدني، والفعاليات الثقافية والإعلامية، التي تلعب دوراً في توعية الناس بأهمية الوحدة الوطنية والتوافق، وبتعزيز ثقافة السلام والتسامح.
إن النظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني الدستوري لا ينجح إلا بوجود حوار وطني دائم، يكرس مبدأ المشاركة والتوافق، ويحول الخلافات إلى فرص للتفاهم والبناء.
وهو بذلك يظل أمل لبنان في تحقيق الاستقرار والازدهار، وحماية كرامة شعبه ووحدته.
يبقى مبدأ الفصل بين السلطات ركيزة أساسية في النظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني الدستوري، حيث تمنح كل سلطة حرية العمل ضمن حدودها، مع الحفاظ على التوازن والرقابة المتبادلة.
في لبنان، يبرز هذا المبدأ كضرورة لضمان عدم استبداد أي جهة، ولكي تحافظ الدولة على وحدتها واستقرارها.
السلطة التشريعية هي التي تمثل الإرادة الشعبية، وتقوم بوضع القوانين التي تنظم الحياة السياسية والاجتماعية.
أما السلطة التنفيذية فهي المسؤولة عن تطبيق هذه القوانين وإدارة شؤون البلاد، في حين تلعب السلطة القضائية دور الحامي للحقوق ومراقب تطبيق القانون.
لكن التحدي في لبنان يكمن في التطبيق الفعلي لهذا الفصل، حيث تتداخل بعض السلطات، وتخضع لمصالح سياسية وطائفية، مما يضعف دور بعضها ويهدد استقلالية أخرى.
لذلك، لابد من تعزيز آليات الفصل والتوازن، وفرض رقابة حقيقية، تجعل كل سلطة تعمل ضمن اختصاصها، مع احترام استقلالية القضاء، وشفافية العمل الحكومي.
هذا الفصل هو الضمانة الحقيقية لمنع الانزلاق نحو الاستبداد أو الفوضى، وهو الذي يحمي النظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني الدستوري من التجاوزات، ويضمن حقوق المواطنين، ويعزز ثقة الناس بالدولة.
من هنا، يجب أن تتضافر الجهود لتفعيل هذا المبدأ، عبر قوانين واضحة، ومؤسسات قوية، وثقافة سياسية تحترم التوازن وتدرك أهميته في بناء دولة ديمقراطية حقيقية.
يشكل التمثيل الطائفي في لبنان أحد أبرز السمات التي تميز النظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني الدستوري، وهو نتاج تاريخ طويل وتوازن دقيق بين مكونات المجتمع اللبناني المتنوعة.
هذا النظام الطائفي يحاول حماية حقوق الجميع ومنع هيمنة طائفة على أخرى، لكنه في الوقت نفسه يطرح تحديات كبيرة أمام بناء دولة مدنية متجانسة.
إن نظام التمثيل الطائفي يهدف إلى تحقيق مشاركة عادلة في السلطة بين الطوائف، ويمنع الاحتكار السياسي، لكنه قد يؤدي أحياناً إلى تعزيز الانقسامات وتعطيل عمل المؤسسات بسبب النزاعات الطائفية والمصالح الخاصة.
لذلك، يحتاج هذا النظام إلى مراجعة مستمرة لضمان أن يبقى أداة للحماية لا سلاحاً للتفريق.
تحقيق التوازن في التمثيل الطائفي يتطلب حواراً وطنياً مستمراً، وتفاهمات سياسية تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
كما يجب العمل على تطوير القوانين الانتخابية لتكون أكثر عدالة وشفافية، بحيث تعكس إرادة الشعب بشكل أفضل وتقلل من التوترات الطائفية.
إن المستقبل يحمل فرصة لتجاوز بعض أوجه القصور في هذا النظام، عبر تعزيز المواطنة الحقيقية التي تتخطى الانتماءات الطائفية، وتقوية المؤسسات الوطنية التي تحمي الحقوق وتعمل لصالح الجميع.
و التمثيل الطائفي يبقى أحد العوامل التي يمكن أن تدعم النظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني الدستوري في لبنان، إذا ما أُدير بحكمة وروح وطنية عالية.
تلعب الحرية الإعلامية دوراً أساسياً في دعم النظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني الدستوري في لبنان، فهي الوسيلة التي تُعبّر من خلالها أصوات المواطنين، وتُراقب أداء المؤسسات، وتُفضح التجاوزات والفساد.
إعلام حر وموضوعي يُمكن الشعب من اتخاذ قراراته السياسية على أساس معلومات دقيقة ومتنوعة، وهو ركيزة من ركائز الديمقراطية.
مع ذلك، فإن الإعلام في لبنان يواجه تحديات كبيرة، منها الانتماءات الطائفية والسياسية التي تؤثر على موضوعيته، والضغوط الاقتصادية التي تحد من استقلاليته، إضافة إلى محاولات الرقابة والتضييق.
هذا الواقع يُضعف من دور الإعلام كسلطة رابعة، ويقلل من فرص الحوار الوطني البناء.
لذلك، فإن دعم الإعلام الحر يتطلب حماية قانونية حقيقية، وتعزيز المهنية والاستقلالية، وتوفير بيئة تسمح بالتنوع والاختلاف، دون خوف من التضييق أو الملاحقة.
كما يجب أن يعمل الإعلام على تعزيز ثقافة المواطنة، ونشر الوعي الدستوري، وتحفيز النقاشات العقلانية بعيداً عن الانقسامات والطائفية.
عندما يتحرر الإعلام من القيود، ويعمل بموضوعية، فإنه يصبح قوة إصلاحية حقيقية، تساعد في تقوية المؤسسات، وتعزيز ثقافة المساءلة، وبناء الثقة بين الدولة والمواطنين.
وهو بذلك يساهم في صون النظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني الدستوري، ويجعله أكثر قدرة على مواجهة التحديات.
يبقى الإعلام الحر والمستقل ضرورة وطنية لا يمكن الاستغناء عنها، لأنه يعكس روح الديمقراطية الحقيقية ويعزز بناء دولة القانون والمؤسسات.
يشكل القانون والدستور القاعدة الصلبة التي يستند إليها النظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني الدستوري في لبنان، إذ يمثلان الإطار القانوني الذي ينظم العلاقة بين السلطات، ويحدد حقوق وواجبات المواطنين، ويضع حدوداً واضحة للسلطة.
وبدون احترام صارم لهذه القواعد، يفقد النظام مصداقيته وتنهار مؤسساته.
في لبنان، على الرغم من أهمية الدستور والقوانين، شهدنا في بعض الأحيان تجاوزات وضعفاً في تطبيقها، مما أدى إلى أزمة ثقة بين المواطن والدولة، وزاد من تعقيد الأوضاع السياسية والاجتماعية.
هذه التجربة تؤكد ضرورة تعزيز سيادة القانون، وضمان استقلالية السلطات القضائية والتنفيذية، والالتزام بنصوص الدستور بروحها ومضمونها.
القانون لا يجب أن يكون أداة قمع، بل حارساً للحقوق وحامياً للمصالح العامة.
كما يجب أن تكون القوانين عادلة ومتوازنة، تأخذ بعين الاعتبار تنوع المجتمع اللبناني، وتعزز روح المواطنة والعدالة الاجتماعية.
إصلاح المنظومة القانونية هو ضرورة ملحة، ويتطلب تعاون جميع الفاعلين السياسيين والاجتماعيين، بهدف بناء نظام قانوني يضمن الحماية للجميع، ويعمل على تطوير مؤسسات الدولة بما يعزز الاستقرار والازدهار.
يصبح احترام القانون والدستور هو الضمانة الحقيقية لبقاء النظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني الدستوري في لبنان، وحصنه ضد كل محاولات التفكيك أو الفساد.
يشكل الاستقرار السياسي ركيزة أساسية لنمو أي دولة ديمقراطية، وفي لبنان، يتجسد هذا الاستقرار في قدرة النظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني الدستوري على التكيف مع التحديات الداخلية والخارجية، والمحافظة على وحدة الوطن وأمنه.
الاستقرار ليس مجرد غياب للصراعات، بل هو حضور لآليات عمل فعالة تضمن استمرار مؤسسات الدولة وسيرها وفق الدستور والقانون.
غير أن لبنان شهد فترات من الاضطراب السياسي والحرب الأهلية، التي هددت وجود النظام نفسه.
لكن التجارب علمتنا أن الاستقرار لا يمكن أن يتحقق إلا عبر التوافق الوطني، واحترام المؤسسات، والحوار الدائم بين جميع الأطراف.
وهذا يضع على عاتق السياسيين مسؤولية كبيرة في العمل من أجل بناء دولة قوية وموحدة.
كما يلعب المواطنون دوراً هاماً في هذا الاستقرار، من خلال مشاركتهم الفاعلة في الانتخابات، واحترامهم للقوانين، والتمسك بقيم المواطنة التي تجمعهم.
فاستقرار لبنان هو مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع.
يجب أن تكون هناك استراتيجيات واضحة لمعالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، لأن هذه الأزمات تؤثر بشكل مباشر على الاستقرار السياسي، وتزيد من الاحتقان الشعبي.
الدولة التي تهتم برفاه شعبها، وتحمي حقوقه، هي الدولة التي تحافظ على استقرارها.
يبقى الاستقرار السياسي هدفاً حيوياً يضمن للنظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني الدستوري في لبنان فرصة للتقدم، وفرصة لتحويل الحلم الوطني إلى واقع ملموس.
تلعب المشاركة السياسية دوراً محورياً في صيانة النظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني الدستوري في لبنان، فهي تعبير حقيقي عن إرادة الشعب في حكم نفسه، ووسيلة لتعزيز الديمقراطية وتقوية المؤسسات.
المشاركة ليست فقط حقاً دستورياً، بل واجب وطني يضمن أن يكون لكل لبناني صوت يُسمع، ويأخذ دوره في بناء وطنه.
تتنوع أشكال المشاركة السياسية بين التصويت في الانتخابات، والانخراط في الأحزاب السياسية، والمشاركة في النقاشات العامة، والانخراط في المجتمع المدني.
ولكل هذه الأدوار أهمية في دعم النظام، وخلق توازن في القوى السياسية، ومنع الاحتكار أو الاستبداد.
لكن لبنان يواجه تحديات في تعزيز المشاركة السياسية بسبب عوامل عدة، منها الانقسامات الطائفية، والبيروقراطية، والفساد، والشعور بالإحباط لدى بعض المواطنين.
وهذا يتطلب جهداً من الدولة والمجتمع المدني لتوعية الناس بأهمية المشاركة، وتسهيل مشاركتهم، وحماية حقهم في التعبير الحر.
كما يجب أن تتسم المشاركة السياسية بالمسؤولية والاحترام المتبادل، والالتزام بالقوانين الدستورية، لأن الديمقراطية الحقيقية تحتاج إلى حوار بناء وتفاهم مستمر بين الجميع.
تظل المشاركة السياسية عموداً فقرياً لنظام الحكم، وهي التي تضمن استمراريته، وتحقق طموحات اللبنانيين في وطن حر، ديمقراطي، ومتماسك.
في النظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني الدستوري اللبناني، يشكل الشفافية والحوكمة الرشيدة من القيم الجوهرية التي تحمي النظام من الانهيار، وتضمن استمراريته.
فالشفافية في اتخاذ القرار، وفي إدارة المال العام، وفي أداء المؤسسات، تخلق بيئة من الثقة بين الدولة والمواطنين، وتقلل من الفساد والمحسوبية.
الحوكمة الرشيدة تعني تطبيق مبادئ الإدارة الفعالة، والمساءلة، والعدالة، واحترام القوانين، مع العمل على تحقيق المصلحة العامة، بعيداً عن المحاباة أو الاستغلال.
وهي تقتضي وجود مؤسسات قوية ومستقلة، تعمل بإخلاص وتحت رقابة مستمرة.
لكن لبنان يواجه تحديات كبيرة في هذا المجال، حيث تسود بعض مظاهر الفساد، وتفتقر بعض المؤسسات إلى الشفافية، مما يؤدي إلى تراجع ثقة المواطنين، ويهدد استقرار النظام.
لهذا، لا بد من اتخاذ إجراءات جادة لتعزيز الشفافية، مثل تشريعات مكافحة الفساد، وتقوية هيئات الرقابة، وتمكين المجتمع المدني من مراقبة الأداء الحكومي.
عندما تتحقق الشفافية والحوكمة الرشيدة، يصبح النظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني الدستوري أكثر قدرة على التكيف مع المتغيرات، وأكثر جذباً للاستثمار والتنمية، وأقرب إلى تحقيق تطلعات اللبنانيين في العدالة والازدهار.
تبقى الشفافية والحوكمة الرشيدة أداة حيوية لحماية النظام، وبناء دولة تحترم مواطنيها، وتحقق لهم حقوقهم.
في إطار النظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني الدستوري اللبناني، تلعب القوى السياسية دوراً رئيسياً في صياغة المسار الوطني وتحديد مستقبل البلاد.
إن هذه القوى ليست مجرد أطراف تنافس على السلطة، بل هي ممثلون لمكونات المجتمع المختلفة، ولها مسؤولية كبيرة في حفظ الاستقرار الوطني وتعزيز النظام الديمقراطي.
لكن لبنان يواجه تحدياً يتمثل في التنسيق بين هذه القوى، حيث تنشأ في بعض الأحيان صراعات تؤدي إلى تعطيل المؤسسات، وإضعاف النظام.
ولتجاوز هذه العقبات، يجب على القوى السياسية تبني روح التفاهم، والابتعاد عن منطق المحاصصة الحزبية والطائفية الضيقة، والعمل من أجل المصلحة الوطنية العليا.
يجب أن تتعزز في لبنان ثقافة السياسة البناءة التي تعتمد على الحوار والاحترام المتبادل، وأن تتوفر الآليات التي تسمح بحل النزاعات داخل المؤسسات الدستورية، بعيداً عن العنف أو الاستقطاب الحاد.
وهذا يتطلب إرادة سياسية حقيقية، ووعي بالمخاطر التي تحيط بالوطن.
عندما تعمل القوى السياسية بتوافق ومسؤولية، يتحقق الاستقرار، وتستطيع المؤسسات أداء مهامها بفعالية، ويستعيد المواطن ثقته في النظام.
كما تفتح هذه الروح المجال أمام إصلاحات ضرورية تعزز النظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني الدستوري.
تبقى القوى السياسية محور نجاح النظام، ومسؤوليتها الوطنية هي ضمان استمراريته، وتحقيق تطلعات اللبنانيين في حياة أفضل، ودولة تحترم الحقوق وتحمي الحرية.
يمثل الشباب في لبنان طاقة وطنية هائلة، وهم الركيزة الأساسية لمستقبل النظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني الدستوري.
فالشباب يحملون في طياتهم أحلام التغيير، والطموح لبناء وطن يعكس قيم الحرية، والعدالة، والمساواة.
ولذا، فإن دمجهم في الحياة السياسية والاجتماعية ليس خياراً، بل ضرورة وطنية لاستمرارية النظام.
لكن الواقع يوضح أن العديد من الشباب يشعرون بالإحباط نتيجة الأوضاع الاقتصادية والسياسية، وعدم وجود فرص كافية للمشاركة الفاعلة.
وهذا يؤدي أحياناً إلى تراجع مشاركتهم السياسية، وابتعادهم عن العمل العام، ما يضعف الحراك الديمقراطي.
لذلك، من المهم أن تتوفر برامج وسياسات تشجع مشاركة الشباب، وتفتح أمامهم مجالات للتعبير عن آرائهم، وللمساهمة في اتخاذ القرار.
التعليم والتدريب، بالإضافة إلى دعم المبادرات الشبابية، يشكلان أدوات رئيسية في هذا الإطار.
كما يجب أن يتم تعزيز ثقافة المواطنة بين الشباب، وترسيخ قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، ليصبحوا فاعلين مسؤولين قادرين على قيادة المستقبل بثقة وحكمة.
إن مستقبل لبنان ومستقبل النظام السياسي مرتبطان ارتباطاً وثيقاً بمدى إشراك الشباب، وبتمكينهم من ممارسة حقوقهم وواجباتهم، وبحمايتهم من عوامل الإحباط والانزواء.
هذا النظام يمثل الأمل الحقيقي للبنان في بناء دولة قوية، عادلة، ومتجانسة.
فهو الإطار الذي يمكن أن يجمع اللبنانيين جميعاً، ويحقق لهم الحرية والمساواة، ويصون كرامتهم.
النظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني الدستوري هو نظام يقوم على المشاركة، على الحوار، وعلى احترام القانون، وهو الطريق الذي يمكن من خلاله تجاوز الانقسامات والصراعات، وتحويل التنوع إلى قوة وطنية بدلاً من أن يكون مصدراً للانقسام.
ومع كل التحديات التي تواجه لبنان، فإن الإيمان بهذا النظام، والعمل على تطويره وتعزيزه، هو الخيار الوحيد لبناء مستقبل أفضل.
هذا المستقبل يحتاج إلى إرادة وطنية صادقة، وإلى تعاون بين جميع القوى السياسية والاجتماعية، وإلى مشاركة فاعلة من كل المواطنين.
إن النظام الذي يحترم الدستور، ويضمن فصل السلطات، ويؤمن المشاركة، ويعزز الحقوق والحريات، هو النظام الذي يحفظ لبنان ويحميه، ويمنحه القدرة على الصمود والتطور.
تظل قيم الجمهورية والديمقراطية والبرلمان والدستور نبراساً ينير طريق اللبنانيين، ويقودهم نحو دولة العدل والاستقرار والازدهار.
  في سياق التحولات الكبرى التي شهدها لبنان مطلع ثمانينيات القرن الماضي، ولا سيما مع انطلاق المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية التي أفضت إلى توقيع اتفاق 17 أيار، برزت معالم مرحلة سياسية جديدة حاولت الدولة اللبنانية من خلالها إعادة تثبيت حضورها وسيادتها في خضم تعقيدات الحرب والانقسامات الداخلية.
وقد شكّل دخول لبنان في مسار تفاوضي برعاية الولايات المتحدة الأمريكية تحوّلاً نوعياً في مقاربة الصراع، إذ أتاح له تثبيت حقه في التفاوض، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، تحت مظلة دولية، في محاولة لتكريس نفسه طرفاً سيادياً يسعى إلى حماية مصالحه الوطنية وسط توازنات إقليمية دقيقة.
في هذا الإطار، برزت رئاسة الجمهورية، بقيادة أمين الجميل، كمرجعية أساسية في إدارة هذا الملف، حيث سعت إلى تعزيز شرعية الدولة كممثل وحيد في القضايا السيادية، في مواجهة واقع تعددية القوى العسكرية والسياسية التي كانت تتحكم بمفاصل القرار على الأرض. وقد أضفى هذا الدور على موقع الرئاسة بعداً سياسياً ودبلوماسياً متقدماً، داخلياً وخارجياً.
كما ساهمت هذه المفاوضات في خلق مناخ سياسي أقل توتراً نسبياً، سمح بإعادة طرح أولويات الدولة، ولو بشكل محدود، في مجالات إعادة الإعمار وتنظيم المؤسسات، في وقت كانت فيه البلاد لا تزال ترزح تحت وطأة تداعيات الاجتياح الإسرائيلي عام 1982. كذلك، شكّل فتح قنوات التواصل السياسية محاولة لخفض احتمالات التصعيد العسكري، ولو أن الوقائع الميدانية بقيت متقلبة.
على الصعيد الدولي، عكست الرعاية الأميركية المباشرة للمفاوضات مستوى عالياً من الانخراط في الملف اللبناني، حيث حرصت واشنطن على مواكبة تفاصيل العملية التفاوضية، ما جعلها بمثابة الضامن الأساسي لأي تفاهمات محتملة. وقد تجلّى ذلك من خلال حضور دبلوماسي رفيع، وإدراج الملف اللبناني ضمن أولويات السياسة الأميركية في الشرق الأوسط في تلك المرحلة الحساسة من الحرب الباردة.
هذا الدعم لم يقتصر على الجانب السياسي، بل حمل في طياته إشارات إلى استعداد المجتمع الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، لتقديم مساعدات اقتصادية وإعادة إعمار، في حال نجاح المسار التفاوضي وتثبيت الاستقرار. كما أسهم في إعادة تفعيل قنوات التواصل بين بيروت وواشنطن، بعد مراحل من الاضطراب، ما عزّز موقع لبنان ضمن شبكة الاهتمام الدولي.
في موازاة ذلك، برز دور المؤسسات الأمنية، ولا سيما الجيش اللبناني، كعنصر أساسي في أي ترتيبات ميدانية محتملة، في محاولة لإعادة بناء سلطة الدولة على كامل أراضيها. كما ساهمت هذه المرحلة في تحسين صورة لبنان خارجياً كدولة تسعى إلى اعتماد الدبلوماسية والحوار، رغم التعقيدات الداخلية والانقسامات الحادة.
ومع أن هذه المكتسبات بقيت رهناً بمسار التنفيذ والتوازنات الداخلية والإقليمية، فإن مرحلة مفاوضات 1983 عكست محاولة جدية لإخراج لبنان من منطق المواجهة المفتوحة إلى أفق التسويات السياسية، ولو أن هذا المسار سرعان ما واجه تحديات كبيرة أدت لاحقاً إلى تعثره وانهياره تحت ضغط الواقع الداخلي والتحولات الإقليمية.   تتجه الأنظار في ربيع عام 1983 إلى مفاوضات لبنانية – إسرائيلية غير مسبوقة في ظل تداعيات الاجتياح الإسرائيلي للبنان للعام 1982، وفي لحظة مفصلية تختلط فيها الحسابات الديبلوماسية بنيران الميدان المشتعل في الجنوب، ولا سيما في بنت جبيل التي تتحول إلى عنوان موازٍ لطاولة التفاوض.
ويشكّل اللقاء الذي يجمع ممثلي الدولة اللبنانية مع نظرائهم الإسرائيليين محطة تأسيسية لمسار تفاوضي جديد برعاية الولايات المتحدة الأمريكية، يعيد فتح قنوات التواصل المباشر بين الطرفين، تمهيداً لصياغة تفاهمات قد تفضي إلى اتفاق سياسي – أمني شامل، تُوّج لاحقاً بتوقيع اتفاق 17 أيار.
هذا المسار ينطلق تحت وطأة حرب مفتوحة وواقع لبناني شديد التعقيد، ما يجعله أقرب إلى اختبار للقدرة على تثبيت الوقائع الميدانية ضمن أطر سياسية، أكثر منه مفاوضات تقليدية مكتملة العناصر. فلبنان يدخل هذه الجولة مثقلاً بنتائج الحرب، ساعياً إلى تثبيت أولوية انسحاب القوات الإسرائيلية ووقف الأعمال العسكرية، كمدخل لأي تسوية سياسية لاحقة، ومحاولة إعادة بناء سلطته السيادية على كامل أراضيه.
في المقابل، تذهب إسرائيل إلى التفاوض من موقع ميداني متقدّم، مستندة إلى انتشارها العسكري في مناطق واسعة من الجنوب والبقاع الغربي، ومتمسكة بترتيبات أمنية تضمن لها منطقة عازلة، إلى جانب طرح قضايا تتصل بضبط الحدود ومنع أي نشاط مقاوم، بما يتجاوز مفهوم الهدنة التقليدية نحو صيغة أقرب إلى اتفاق سلام مشروط.
بين هذين السقفَين، تبدو المفاوضات محكومة بعوامل ضغط مزدوجة: أولها ميداني يتجلى في استمرار الاشتباكات والتوترات في الجنوب، حيث تبقى مناطق مثل بنت جبيل مسرحاً لتداخل العمل العسكري مع المسار السياسي، وثانيها داخلي لبناني يرتبط بمدى قدرة الدولة، بقيادة أمين الجميل، على توحيد القرار الرسمي في ظل الانقسامات الحادة بين القوى السياسية والعسكرية.
ولا تنفصل هذه المفاوضات عن سياق تاريخي ممتد، بدأ مع اتفاق الهدنة 1949، مروراً بمحطات متعددة من التوتر والصدام، ما يعكس أن المسار التفاوضي في عام 1983 لا ينطلق من فراغ، بل يأتي نتيجة تراكمات سياسية وأمنية معقدة.
تقف مفاوضات واشنطن آنذاك عند تقاطع دقيق بين فرصة ديبلوماسية تسعى من خلالها الأطراف الدولية إلى فرض تسوية، ومخاطر ميدانية تهدد بإفشالها. فإما أن تشكّل مدخلاً لإعادة ترتيب الوضع في الجنوب ووضع أسس استقرار نسبي، أو تتحول إلى محطة عابرة تصطدم بواقع الانقسام الداخلي اللبناني والتجاذبات الإقليمية.
وفي انتظار ما ستؤول إليه نتائج هذه المحادثات، يبقى واضحاً أن مسار التفاوض في عام 1983 وُلد من قلب الأزمة، في محاولة لاحتواء تداعيات الحرب، لا من رحم تسويات مستقرة أو توازنات راسخة.
  لبنان في ستينيات القرن العشرين صورة خاصة في الشرق، دولة صغيرة في مساحتها لكنها واسعة في حيويتها، تقوم على نظام جمهوري ديمقراطي يجعل من الحرية السياسية والاقتصادية ركيزتين لنهضته. في هذا المشهد، لا يُنظر إلى الاقتصاد بوصفه مجرد أرقام في ميزانيات الدولة، بل باعتباره تعبيراً عن روح مجتمع يؤمن بالمبادرة الفردية وبقدرة الإنسان على تحويل الفرص الصغيرة إلى إنجازات كبيرة. فبيروت التي تعج بالمصارف والشركات والأسواق تتحول إلى مركز نابض بالحياة، وإلى مختبر يومي للأفكار الجديدة ولطاقات رجال الأعمال الذين يجعلون من التجارة والخدمات العمود الفقري للاقتصاد الوطني.
لا يقوم دور الدولة على فرض التوجيه الصارم أو التدخل القسري في النشاط الاقتصادي، بل على خلق التوازن بين الحرية والتنظيم. فالقناعة السائدة أن الاقتصاد لا ينمو بالأوامر، بل بالتنسيق بين القوى المنتجة وبالثقة المتبادلة بين الدولة والمواطنين وأصحاب المبادرات. ومن هذا المنطلق يكتسب الاقتصاد اللبناني سمعة فريدة في المنطقة، إذ يقوم على مرونة الأسواق وعلى قدرة التجار والمصرفيين والصناعيين على التكيف السريع مع المتغيرات المحلية والدولية.
تشكل روح المبادرة الفردية إحدى أبرز سمات الحياة الاقتصادية في البلاد. فالشباب الذين يتخرجون من الجامعات اللبنانية أو يعودون من جامعات أوروبا وأميركا يجدون في وطنهم مساحة مفتوحة للتجربة والعمل. تتوسع المصارف، وتزدهر الشركات التجارية، وتتحول المرافئ إلى جسور تربط الشرق بالغرب. وفي هذا المناخ يبرز رجال أعمال يثبتون أن الاقتصاد الحر ليس مجرد نظرية، بل قوة حقيقية قادرة على خلق الثروة وتوفير فرص العمل وتعزيز مكانة لبنان في محيطه الإقليمي.
غير أن الحرية الاقتصادية لا تعني غياب الدولة أو تخليها عن مسؤولياتها الاجتماعية. فازدهار الأسواق يترافق مع ضرورة حماية مصالح المواطنين وضمان المنافسة العادلة. تحضر الدولة هنا كمراقب ومنظم، تسهر على منع الاحتكار وتصون التوازن بين حرية الأعمال ومصلحة المجتمع. وبفضل هذا التوازن ينجح الاقتصاد اللبناني في الجمع بين الحيوية الرأسمالية والحس الاجتماعي الذي يحمي الاستقرار العام.
إلى جانب هذا المشهد الاقتصادي الحيوي، تحتل قضية العمل مكانة مركزية في التفكير الاجتماعي والسياسي. فالعمل لا يُنظر إليه كوسيلة لكسب الرزق فحسب، بل كقيمة أخلاقية ووطنية في آن واحد. العامل يظهر بوصفه حجر الأساس في بناء المجتمع، واليد التي تحول الأرض إلى حقول، والفكرة إلى مشروع، والحلم إلى واقع ملموس. كل حجر في مدرسة، وكل طريق في قرية، وكل مصنع في مدينة يحمل بصمة أولئك الذين يجعلون من العرق لغة يومية للانتماء إلى الوطن.
تنشأ قناعة راسخة بأن المجتمع الذي يحمي عماله ويصون كرامتهم هو مجتمع قادر على النهوض والاستمرار. فالعمل يمنح الإنسان كرامته، ويجعل المواطن شريكاً حقيقياً في بناء الدولة. لذلك تتعزز الدعوات إلى تطوير أنظمة الضمان الاجتماعي وإلى توسيع شبكة الحماية التي تقي العامل مخاطر المرض والشيخوخة والعجز. فالضمان الاجتماعي لا يُعد مجرد خدمة إدارية، بل تعبيراً عن فكرة العدالة التي تربط بين الاستقرار الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.
وفي موازاة ذلك، تبرز مسألة البطالة، ولا سيما بين الشباب، كإحدى القضايا التي تستدعي اهتماماً متزايداً في الأوساط الفكرية والسياسية. فالمجتمع الذي يترك طاقاته الشابة بلا عمل يفتح الباب أمام اليأس والهجرة والاضطراب الاجتماعي. ومن هنا تتصاعد الدعوات إلى سياسات وطنية شاملة تهدف إلى تحويل القوى العاطلة إلى طاقات منتجة، عبر تشجيع الصناعات الصغيرة، وتطوير الزراعة الحديثة، وتعزيز التعليم المهني والتقني الذي يربط المعرفة بسوق العمل.
وفي هذا السياق تطرح أيضاً قضية تنظيم العمالة الأجنبية التي تتزايد مع توسع النشاط الاقتصادي. فالحفاظ على فرص العمل للمواطنين لا يتعارض مع انفتاح لبنان على محيطه، لكنه يتطلب تشريعات واضحة تنظم سوق العمل وتحمي اليد العاملة المحلية من المنافسة غير المتكافئة. ويُنظر إلى هذا التنظيم بوصفه جزءاً من سياسة اقتصادية واجتماعية متكاملة تسعى إلى تحقيق التوازن بين حاجات الاقتصاد وحقوق المجتمع. أما على المستوى الاجتماعي الأوسع، فيعيش لبنان تجربة فريدة في التعددية الدينية والثقافية. فهذا البلد الصغير يضم فسيفساء من الطوائف والأقاليم والمناخات الاجتماعية المختلفة، الأمر الذي يفرض على السياسات العامة أن تقوم على مبدأ التوازن والعدالة. فالمساواة بين المواطنين ليست مجرد شعار دستوري، بل ضرورة للحفاظ على الاستقرار الوطني. لذلك تُطالب الحكومات بأن تراعي في قراراتها حاجات المناطق المختلفة وأن تسعى إلى توزيع التنمية والخدمات بطريقة تضمن استفادة الجميع.
يشكل هذا التنوع في الوقت نفسه تحدياً وفرصة. فحين يُدار بحكمة يتحول إلى مصدر غنى ثقافي واجتماعي، ويجعل من لبنان نموذجاً للتعايش والتفاعل بين الهويات المختلفة. ولذلك تُصاغ السياسات الاجتماعية بما يراعي الفوارق الواقعية بين المناطق، ويقدم الدعم للمناطق الأقل نمواً من دون الإخلال بتوازن الموارد الوطنية.
وفي ظل هذه المعادلة الدقيقة يبقى الاقتصاد الحر أحد أعمدة التجربة اللبنانية. فالأسواق المفتوحة وروح المبادرة الفردية تثبتان قدرتهما على خلق دينامية اقتصادية واسعة، شرط أن يواكبهما تنظيم عادل ورؤية اجتماعية مسؤولة. فالتجارة والخدمات والمصارف لا تمثل مجرد قطاعات اقتصادية، بل أدوات تعزز حضور لبنان في محيطه وتحوّله إلى مركز إقليمي للأعمال والثقافة.
هكذا تتبلور صورة لبنان في تلك الحقبة: دولة ديمقراطية تسعى إلى التوفيق بين الحرية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وبين المبادرة الفردية والمسؤولية العامة. وفي قلب هذه المعادلة يقف الإنسان اللبناني، العامل والمزارع والتاجر والمفكر، بوصفه العنصر الحاسم في صناعة التجربة. بجهده اليومي وبقدرته على الابتكار يجعل من وطنه الصغير مساحة حيوية للنشاط الاقتصادي والفكري، ويؤكد أن الأمم لا تُقاس بحجمها الجغرافي، بل بحيوية مجتمعها وإرادة أبنائها.
يشكّل لبنان في ستينيات القرن العشرين نموذجاً فريداً في الشرق العربي، إذ تقوم دولته على نظام جمهوري ديمقراطي يجعل من الحرية السياسية والاقتصادية ركناً أساسياً في بنيانه. وفي هذا الإطار لا يظهر الاقتصاد بوصفه مجرد نشاط مادي محدود بإنتاج السلع وتبادلها، بل يتجلى كأحد تعابير المجتمع الحر الذي يؤمن بالمبادرة الفردية وبقدرة الإنسان على تحويل الفرص إلى مشاريع منتجة. وتبدو بيروت، في قلب هذا المشهد، مدينة نابضة بالحركة، تحتضن المصارف والشركات والأسواق، وتتحول تدريجياً إلى مركز اقتصادي ومالي يستقطب الرساميل والأفكار ويجعل من لبنان محطة أساسية في حركة التجارة والخدمات في المنطقة.
يقوم النظام الاقتصادي اللبناني على مبدأ الحرية المنظمة، حيث تسعى الدولة إلى تحقيق التوازن بين إطلاق المبادرة الفردية من جهة، وضمان الاستقرار الاجتماعي من جهة أخرى. فلا يُنظر إلى تدخل الدولة في الاقتصاد بوصفه غاية بحد ذاته، بل كوسيلة لضبط الإيقاع العام للأسواق ومنع الاختلالات التي قد تضر بالمصلحة الوطنية. وتستند هذه الرؤية إلى قناعة راسخة مفادها أن الاقتصاد ينمو بالثقة وبالتنسيق بين القوى المنتجة، لا بالقرارات القسرية أو التوجيهات الإدارية الصارمة.
ومن هنا يبرز الدور الحيوي الذي يؤديه رجال الأعمال والتجار والمصرفيون والصناعيون في تنشيط الحياة الاقتصادية. فالمبادرات الفردية تتكاثر، والمؤسسات المالية تتوسع، والأسواق تنفتح على محيطها العربي والدولي، فيتحول لبنان إلى مساحة اقتصادية مرنة قادرة على التكيف السريع مع التحولات الإقليمية والدولية. وفي هذا المناخ يترسخ الاعتقاد بأن الاقتصاد الحر ليس مجرد خيار نظري، بل تجربة عملية تثبت قدرتها على توليد النمو وخلق الفرص وتعزيز مكانة البلاد في محيطها.
غير أن الحرية الاقتصادية لا تعني غياب المسؤولية الاجتماعية. فالمجتمع الذي يقوم على المبادرة الفردية يحتاج في الوقت ذاته إلى منظومة من الضمانات التي تحمي الفئات العاملة وتصون التوازن الاجتماعي. لذلك تتجه السياسات العامة إلى إرساء قواعد للعدالة الاجتماعية، من خلال تعزيز دور الضمان الاجتماعي وتوفير الحماية للعامل في مواجهة مخاطر المرض والشيخوخة والعجز. ويُنظر إلى هذه الإجراءات بوصفها جزءاً من التوازن الضروري بين دينامية الاقتصاد وحقوق الإنسان العامل.
وفي قلب هذه المعادلة تحتل مسألة العمل مكانة أساسية في الفكر الاجتماعي اللبناني. فالعمل لا يُختزل في كونه وسيلة للعيش فحسب، بل يُعد قيمة أخلاقية ووطنية في آن واحد. إنه الجهد الذي يبني القرى والمدن، ويحول الموارد المحدودة إلى إمكانات إنتاجية، ويجعل من الإنسان شريكاً حقيقياً في بناء الدولة. ومن هنا تتعزز الدعوات إلى احترام كرامة العامل وإلى توفير الظروف التي تتيح له المشاركة الفعلية في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
لكن مع توسع النشاط الاقتصادي وتزايد عدد السكان، تبرز مشكلة البطالة، ولا سيما بين الشباب الذين يدخلون سوق العمل بعد تخرجهم من الجامعات والمعاهد. ويُنظر إلى هذه المشكلة بوصفها تحدياً اجتماعياً يتطلب سياسات وطنية واضحة، تقوم على تطوير التعليم المهني والتقني، وتشجيع الصناعات الصغيرة، وتحديث القطاع الزراعي، بما يسمح بتحويل الطاقات العاطلة إلى قوة إنتاجية تسهم في دعم الاقتصاد الوطني. وفي موازاة ذلك تطرح قضية تنظيم العمالة الأجنبية التي تتدفق إلى لبنان مع اتساع الحركة الاقتصادية. فالمطلوب ليس إغلاق الأبواب أمام هذه العمالة، بل وضع تشريعات واضحة تضمن التوازن بين حاجات الاقتصاد وحقوق اليد العاملة اللبنانية، بحيث تبقى فرص العمل الأساسية متاحة للمواطنين من دون أن يتأثر انفتاح البلاد الاقتصادي.
أما على الصعيد الاجتماعي العام، فإن خصوصية المجتمع اللبناني تكمن في تعدديته الدينية والثقافية، وهي تعددية تفرض على الدولة أن تعتمد سياسات تقوم على التوازن والإنصاف بين مختلف المكونات. فالتنمية لا تقتصر على المدن الكبرى، بل يجب أن تشمل المناطق كافة، وأن تراعي الفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين الأقاليم. ومن هنا تظهر أهمية توزيع المشاريع والخدمات بطريقة عادلة تضمن استفادة جميع المواطنين من ثمار النمو الاقتصادي.
إن هذه التعددية، على الرغم مما تحمله من تعقيدات، تشكل في الوقت نفسه مصدر غنى للمجتمع اللبناني. فهي تتيح تفاعلاً دائماً بين الثقافات والبيئات المختلفة، وتمنح البلاد حيوية فكرية واجتماعية تميزها عن محيطها. ولذلك تسعى السياسات العامة إلى تحويل هذا التنوع إلى عنصر قوة، من خلال تعزيز روح المواطنة وترسيخ مبدأ المساواة أمام القانون.
وفي ضوء هذه المعطيات تتبلور التجربة اللبنانية في الستينيات بوصفها محاولة للتوفيق بين الحرية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وبين المبادرة الفردية والمسؤولية الوطنية. فالاقتصاد الحر يمنح المجتمع طاقته الحيوية، في حين تؤمن السياسات الاجتماعية الحد الأدنى من الاستقرار والتوازن. وبين هذين البعدين تنمو الحياة الوطنية وتتطور، معتمدة على طاقات الإنسان اللبناني الذي يثبت يوماً بعد يوم قدرته على الابتكار والعمل والمشاركة في بناء مستقبل وطنه.
وهكذا يتجلى لبنان في تلك المرحلة دولة تسعى إلى ترسيخ نموذج اقتصادي واجتماعي قائم على الحرية والتنظيم، وعلى التفاعل الخلاق بين الفرد والمجتمع. وفي هذا النموذج يبقى الإنسان العامل هو الركيزة الأساسية، لأنه القوة التي تحول الأفكار إلى مشاريع، والطموحات إلى واقع، وتجعل من وطن صغير مساحة واسعة للحياة والإبداع.
  أولاً: أزمة الكيان والدولة
يعيش لبنان اليوم أزمة عميقة في مفهوم الدولة والكيان. فالدولة تبدو عاجزة عن بسط سلطتها الكاملة على أراضيها، كما أن الانقسامات السياسية والطائفية الحادة تعيق قيام مؤسسات قوية قادرة على إدارة البلاد. هذا الواقع يذكّر بما أشار إليه الكاتب من مخاطر تهدد موقع لبنان في الخريطة السياسية، ليس عبر الإلغاء المباشر، بل عبر إضعافه تدريجياً حتى يصبح كياناً هشاً.
ثانياً: الاقتصاد في حالة انهيار
إذا كانت المقالة تحدثت عن محاولات ضرب الاقتصاد اللبناني في قطاعات الصناعة والتجارة والزراعة، فإن لبنان اليوم يواجه انهياراً اقتصادياً غير مسبوق منذ عام 2019. فقد انهار النظام المصرفي، وتراجعت القدرة الإنتاجية، وانهارت العملة الوطنية، فيما يعاني القطاع الزراعي والصناعي من ضعف التمويل وارتفاع كلفة الإنتاج وانسداد الأسواق.
ثالثاً: الهجرة واستنزاف المجتمع
من أبرز الظواهر التي تعكس هشاشة الواقع اللبناني استمرار موجات الهجرة، ولا سيما بين الشباب والمتعلمين. فلبنان الذي طالما تميّز بانتشار أبنائه في العالم وتحويل هذا الانتشار إلى عنصر قوة، بات اليوم يفقد طاقاته البشرية الأساسية، الأمر الذي يهدد توازن المجتمع ومستقبل التنمية فيه.
رابعاً: الصراع على هوية لبنان
أحد المحاور الأساسية في مقالة إدوار حنين كان الحديث عن «شخصية لبنان المميزة» القائمة على التعددية والانفتاح والحضور الحضاري. واليوم ما زال الجدل قائماً حول هوية لبنان ودوره الإقليمي:
هل هو دولة حيادية منفتحة على العالم؟
أم ساحة صراع إقليمي؟
هذا السؤال يشكل محور الانقسام السياسي بين القوى اللبنانية، خصوصاً في ظل الصراعات الإقليمية والحروب المحيطة.
خامساً: تأثير الصراعات الإقليمية
لبنان اليوم يتأثر بشكل مباشر بالصراعات الإقليمية، سواء من خلال التوتر مع إسرائيل أو من خلال ارتباط بعض القوى اللبنانية بمحاور إقليمية. وقد أدى ذلك إلى جعل لبنان في كثير من الأحيان ساحة لتصفية الحسابات، وهو ما يفاقم الأزمات الداخلية ويعطل الاستقرار.
سادساً: صمود المجتمع رغم الأزمات
ورغم كل هذه التحديات، يبقى المجتمع اللبناني قادراً على إظهار قدر كبير من الصمود. فالمبادرات الفردية والقطاع الخاص والمجتمع المدني ما زالت تحاول تعويض ضعف الدولة. كما أن التنوع الثقافي والانفتاح على العالم يشكلان عامل قوة تاريخياً للبنان.
إن الواقع اللبناني اليوم يعكس مزيجاً من الأزمات السياسية والاقتصادية والهووية. وإذا كان تحذير إدوار حنين قبل عقود قد ركز على محاولات إضعاف لبنان من الخارج، فإن التحدي الأكبر اليوم يكمن أيضاً في الداخل: ضعف الدولة، الانقسام السياسي، وسوء الإدارة.
لكن في المقابل، فإن تاريخ لبنان يظهر أن هذا البلد الصغير استطاع في محطات كثيرة أن يتجاوز أزماته بفضل حيوية مجتمعه وتعددية مكوناته، وهو ما يجعل مستقبل لبنان مفتوحاً بين سيناريوين: استمرار التدهور، أو إعادة بناء الدولة على أسس جديدة أكثر استقراراً.
  انطلاقاً من الأفكار التي طرحها إدوار حنين في مقالته «من فصل إلى فصل»، يمكن مقاربة الواقع اللبناني اليوم من زاوية تشخيصية تربط بين ما كان يواجهه لبنان في ثمانينيات القرن الماضي وبين التحديات التي يعيشها حالياً. فالمقالة كتبت في سياق الاتفاق الذي وُقِّع بين لبنان وإسرائيل عام 1983، لكنها تطرح إشكالية أعمق تتعلق بضعف الدولة اللبنانية وارتباط أزماتها بتوازنات القوى الإقليمية والدولية.
أول ما يلفت في هذا التشخيص هو استمرار مأزق السيادة. فلبنان، كما وصفه الكاتب، كان ساحة تتقاطع فيها مصالح قوى خارجية متعددة، ولم يكن قادراً على تنفيذ قراراته الكبرى من دون توافق هذه القوى. وهذا الواقع لا يزال يتكرر اليوم، إذ إن كثيراً من القرارات السيادية في لبنان تتأثر بالتوازنات الإقليمية والدولية وبالصراعات المحيطة به.
ثانياً، تكشف المقالة عن أزمة القرار اللبناني نفسه. فالدولة غالباً ما تجد نفسها في موقع انتظار مواقف الآخرين قبل أن تحسم خياراتها. وهذه الظاهرة ما زالت واضحة في الحياة السياسية اللبنانية، حيث يؤدي الانقسام الداخلي بين القوى السياسية إلى تعطيل القرارات المصيرية أو تأجيلها إلى حين اتضاح اتجاهات الخارج.
ثالثاً، يبرز في المقالة الدور الحاسم للقوى الدولية الكبرى في إدارة أزمات الشرق الأوسط. ففي زمن الكاتب كان الصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي عاملاً أساسياً في رسم مسار الأحداث. أما اليوم، فالمشهد الدولي تغيّر، لكنه ما زال يقوم على توازنات بين قوى كبرى تؤثر في مسار الأزمات الإقليمية، ومنها الأزمة اللبنانية. رابعاً، تعكس المقالة أيضاً هشاشة النظام السياسي اللبناني. فكل أزمة إقليمية كانت تتحول سريعاً إلى أزمة داخلية، بسبب البنية الطائفية للنظام السياسي وتعدد الولاءات السياسية. وهذه الهشاشة ما زالت قائمة، حيث يظهر لبنان سريع التأثر بأي توتر إقليمي أو صراع دولي.
خامساً، تشير قراءة الواقع الحالي إلى أن لبنان يواجه اليوم أزمة مركبة تتجاوز البعد السياسي، إذ تترافق مع انهيار اقتصادي ومالي غير مسبوق وتراجع قدرة الدولة على إدارة مؤسساتها وتأمين الخدمات الأساسية للمواطنين. وهذا يضاعف من خطورة الأزمات السياسية ويجعل حلها أكثر تعقيداً.
يظهر من خلال قراءة أفكار إدوار حنين أن المشكلة اللبنانية ليست مجرد أزمة ظرفية مرتبطة بحدث سياسي معين، بل هي أزمة بنيوية تتعلق بطبيعة الدولة اللبنانية وموقعها الجغرافي والسياسي في منطقة شديدة التعقيد. ولذلك فإن تشخيص الواقع اللبناني اليوم يقود إلى نتيجة أساسية: إن استقرار لبنان يبقى رهناً بقدرة اللبنانيين على بناء دولة قوية ذات قرار مستقل، وبنجاحهم في تحييد بلادهم قدر الإمكان عن صراعات المحاور الإقليمية والدولية.
  في الرابع من تموز 1980، وفي سياق تصاعد الجدل السياسي، جاء ردّ أمين عام الجبهة اللبنانية النائب إدوار حنين على خطاب رئيس الحكومة الدكتور سليم الحص الذي ألقاه في النبطية، ليشكّل محطة بارزة في مسار السجال حول ربط الأزمة اللبنانية بالقضية الفلسطينية وتداعيات ذلك على مستقبل البلاد.
الخطاب الذي ألقاه الحص في الجنوب، على مقربة من الشريط الحدودي، لم يكن حدثاً عادياً في ظرف سياسي وأمني دقيق، بل حمل دلالات تتجاوز مكانه وزمانه، خصوصاً أنه جاء في ظل احتدام الصراع في الجنوب اللبناني وتنامي الدور الفلسطيني المسلّح، إضافة إلى تزايد الضغوط الإقليمية والدولية على الساحة اللبنانية. وقد اعتبر حنين أنّ هذا الخطاب سعى إلى إرضاء أطراف متعددة، من الفلسطينيين إلى القوى العربية والدولية، على حساب المصلحة اللبنانية، ما أثار ردود فعل رافضة داخل الأوساط السيادية آنذاك.
وفي قراءته السياسية، ركّز حنين على مسألة الربط بين القضية اللبنانية والقضية الفلسطينية، معتبراً أنّ هذا الطرح يُدخل لبنان في دائرة صراعات مفتوحة ويؤخّر إيجاد حلّ لأزمته الخاصة. وأعاد التذكير بورقة العمل التي أُعدّت في بعبدا وجرى تقديمها إلى مؤتمر وزراء الخارجية العرب في تونس، والتي شدّدت، بموافقة كبار المسؤولين اللبنانيين، على ضرورة فصل القضية اللبنانية عن أي قضية أخرى، لا سيما القضية الفلسطينية وقضية الشرق الأوسط، تفادياً لتعقيد الحلول وربط مصير لبنان بمسارات تفاوضية طويلة وغير مضمونة.
هذا التباين بين ما ورد في ورقة بعبدا وبين مواقف الحص في النبطية عكس، بحسب حنين، نوعاً من التناقض داخل السلطة التنفيذية، وأثار تساؤلات حول ثبات السياسة الرسمية اللبنانية في مرحلة شديدة الحساسية. كما عبّر عن خشية شريحة واسعة من اللبنانيين من أن يتحوّل بلدهم إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، أو إلى ورقة تفاوض في صراعات أكبر منه.
ويكتسب هذا السجال أهميته من كونه جاء في مرحلة كان فيها لبنان يعيش واحدة من أكثر فتراته اضطراباً، حيث تداخلت الحرب الأهلية مع الصراع العربي–الإسرائيلي، وتحوّل الجنوب إلى ساحة مواجهة مفتوحة، فيما كانت الدولة تكافح للحفاظ على حدّ أدنى من السيادة والقرار المستقل. وفي هذا السياق، شكّلت مواقف الجبهة اللبنانية، ومن بينها موقف حنين، تعبيراً عن توجّه سياسي يدعو إلى تحييد لبنان وفصل أزمته عن النزاعات الإقليمية، في مقابل اتجاهات أخرى رأت في الترابط بين القضايا أمراً واقعاً لا يمكن تجاوزه.
كما عكس خطاب حنين بعداً شعبياً في موقفه، إذ شدّد على رفض اللبنانيين، وفق تعبيره، أن تكون قضيتهم رهينة قضايا أخرى، أو أن يُستخدم بلدهم وقوداً لصراعات لا تنتهي. وهو طرح لامس هواجس شريحة واسعة من المجتمع اللبناني التي كانت تعاني من تداعيات الحرب وتداعيات الانخراط في صراعات إقليمية تفوق قدرات البلاد.
شكّل هذا التبادل في المواقف بين الحص وحنين نموذجاً واضحاً عن الانقسام السياسي العميق الذي طبع تلك المرحلة، كما عكس طبيعة الخيارات الصعبة التي واجهها لبنان بين الاندماج في قضايا المنطقة أو السعي إلى انتهاج سياسة فصل وتحييد. وقد بقي هذا الجدل، بأشكاله المختلفة، حاضراً في الحياة السياسية اللبنانية لسنوات طويلة، باعتباره أحد المحاور الأساسية في تحديد موقع لبنان ودوره في محيطه الإقليمي.
  في سياق المرحلة الدقيقة التي عاشها لبنان في صيف عام 1980، برزت مواقف سياسية حادّة عكست عمق الانقسام الداخلي وتداخل العوامل المحلية مع الصراعات الإقليمية، في ظل استمرار الحرب الأهلية وتراجع سلطة الدولة المركزية. وفي هذا الإطار، شكّلت مواقف أمين عام الجبهة اللبنانية النائب إدوار حنين، كما وردت في تصاريحه لصحيفتي “النهار” في 19 تموز و“الأنوار” في الأول من آب 1980، نموذجاً واضحاً عن طبيعة السجال السياسي الدائر آنذاك حول قضايا السيادة، ودور القوى الحزبية، وموقع لبنان في خريطة الصراعات العربية.
في تصريحه الأول، قدّم حنين قراءة نقدية للواقع الداخلي، مستعيداً العلاقة بين حزب الكتائب والشعب اللبناني، ومشدداً على أن هذا الحزب وُجد لملء فراغ سياسي ووطني، لا ليكون ضحية هذا الفراغ. وقد عكست هذه المقاربة هواجس عميقة لدى شريحة واسعة من اللبنانيين من خطر انهيار البنى الحزبية والتنظيمية في ظل الفوضى، وما قد يترتب على ذلك من تفكك إضافي في المجتمع والدولة.
كما ركّز حنين على مسألة القرار الوطني، مؤكداً أن الرأي في القضايا اللبنانية يجب أن يبقى حصراً بيد اللبنانيين، في موقف يعكس رفضاً واضحاً لأي تدخل خارجي، وخصوصاً في ظل الحضور الفلسطيني المسلح آنذاك. ويأتي هذا الطرح في سياق تصاعد الجدل حول دور منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، وتأثيره على التوازنات الداخلية، وهو جدل شكّل أحد أبرز عناوين المرحلة وأحد أسباب تفاقم الصراع.
ولم يخلُ خطاب حنين من البعد التعبوي، إذ استخدم لغة رمزية ومباشرة في آن، من خلال جملة من “الخواطر” التي عبّرت عن رؤية سياسية تتقاطع مع خطاب القوى السيادية في تلك المرحلة، لا سيما في ما يتعلق برفض النزوح كخيار دائم، والتشديد على ضرورة التماسك الداخلي، ورفض تحوّل لبنان إلى ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين. كما أضاء على إشكالية “الأكثرية الصامتة” ودورها، في إشارة إلى القاعدة الشعبية التي بقيت خارج الاصطفافات العسكرية لكنها كانت حاضرة عند لحظات التعبئة. وفي موازاة ذلك، برزت في كلامه دعوة واضحة إلى إعادة تنظيم القوى العسكرية ضمن إطار موحّد، مع التأكيد على ضرورة الفصل بين السلطتين العسكرية والمدنية، بما يضمن عدم الانزلاق نحو حكم عسكري أو نظام الحزب الواحد. وهذه الدعوة تعكس إدراكاً مبكراً لمخاطر عسكرة الحياة السياسية، في وقت كانت فيه الميليشيات تتكاثر وتتنازع النفوذ على حساب مؤسسات الدولة. أما في تصريحه الثاني، فقد وسّع حنين مقاربته لتشمل البعد الإقليمي، معتبراً أن اغتيال موسى شعيب يدخل في إطار الصراعات العربية التي تُخاض على الأرض اللبنانية، وهو توصيف يعكس واقع لبنان كمساحة مفتوحة لتصفية الحسابات بين قوى إقليمية متنازعة. ويعزّز هذا الطرح ما كان قد عبّر عنه مؤسس حزب الكتائب الشيخ بيار الجميل حين قال إن “بترول لبنان هو أمنه”، في إشارة إلى أن استقرار لبنان هو ثروته الأساسية في ظل غياب الموارد الطبيعية. وفي بُعد مختلف، توقّف حنين عند شخصية البطريرك أغناطيوس الرابع هزيم، مقدّماً صورة روحية وإنسانية تعبّر عن توق اللبنانيين إلى قيادات تتجاوز الانقسامات وتعيد الاعتبار للقيم الأخلاقية والوطنية. وقد عكس هذا التوصيف حاجة المجتمع اللبناني، في ظل الحرب، إلى نماذج جامعة تعيد ترميم ما تهدّم في النسيج الوطني. سياسياً، أبدى حنين تفاؤلاً بالمشاورات الجارية بين حزبي الكتائب والوطنيين الأحرار، معتبراً أن هذه المساعي قد تشكّل مدخلاً لإعادة توحيد الصفوف داخل الجبهة اللبنانية، وهو ما يعكس إدراكاً لأهمية توحيد القوى المتقاربة في مواجهة التحديات المشتركة. وقد حدّد بوضوح معالم “جادة الصواب” من خلال توحيد القوات العسكرية، وتعزيز مرجعية السلطة المدنية، وتوفير ضمانات فعلية للحريات ضمن نظام ديمقراطي برلماني. كما شدّد على أن الشعب اللبناني، بتاريخ انتفاضاته، لا يمكن أن يخضع طويلاً لأي شكل من أشكال القهر، معتبراً أن الإرادة الشعبية تبقى العامل الحاسم على المدى البعيد. وفي هذا السياق، دعا إلى اعتماد التدرّج والحكمة في مقاربة الحلول، انطلاقاً من أن ما يُبنى برويّة يكون أكثر ثباتاً وأقل كلفة.
أضاء حنين على العلاقة الشخصية والسياسية التي جمعته بالشيخ بيار الجميل، مشيراً إلى تقديره للموقف الإيجابي الذي عبّر عنه الأخير بحقه، في ما يعكس جانباً من التفاعلات الداخلية داخل الجبهة اللبنانية، حيث تداخلت الخلافات السياسية مع علاقات شخصية قائمة على الاحترام المتبادل.
تعكس هذه المواقف صورة مرحلة مفصلية في تاريخ لبنان، حيث تداخلت الصراعات الداخلية مع التوازنات الإقليمية، وبرزت محاولات لإعادة تعريف الأولويات الوطنية بين السيادة والاستقرار، وبين التعددية السياسية ومخاطر الانقسام. وهي مرحلة أسست لكثير من النقاشات التي استمرّت لاحقاً حول دور الدولة، وحدود العمل الحزبي، وموقع لبنان في محيطه المضطرب.
  حوار صحافي مع إدوار حنين
الصحافي: دولة النائب، هل كنتم تتوقعون أن يصل الاجتياح الإسرائيلي إلى عاصمة لبنان، بيروت؟
حنين: كنت أتوقع استغلال إسرائيل لأي ذريعة لتحطيم آخر ما تبقى من السيادة اللبنانية، لكن لم أكن أتصور أن تجرؤ على اقتحام العاصمة دون رادع دولي أو تحرك عربي حقيقي.
ما حصل فضيحة في سجل العلاقات الدولية.
الصحافي: البعض يرى في الوجود الفلسطيني المسلح السبب المباشر، ألا توافق؟
حنين: لا يمكن تبرئة الفلسطينيين من الخطأ، لكن الخطأ لا يبرر الاجتياح.
نحن نرفض أن تكون أرض لبنان منطلقاً لأي عمل عسكري خارجي، لكننا نرفض أيضاً أن يكون ذلك مبرراً لسحق شعب بأكمله.
السيادة لا تتجزأ.
الصحافي: تحدثتم في دراستكم عن "الخطر المزدوج"، هل توضحون هذه الفكرة؟
السياسي: نعم.
نحن في مواجهة مزدوجة: إسرائيل تريد فرض إرادتها بالقوة، ومنظمات فلسطينية تتصرف وكأن لبنان بلا سيادة.
كنا ولا زلنا مع القضية الفلسطينية، لكن ليس على حساب الكيان اللبناني.
الصحافي: ما المطلوب الآن؟
حنين: المطلوب هو موقف لبناني موحد أولاً، يرتكز إلى الشرعية وحدها.
ومطلوب أيضاً تدخل دولي فوري لفرض وقف إطلاق النار، ثم انسحاب كل القوى غير اللبنانية، وإطلاق حوار داخلي لبناني-لبناني تحت سقف الدستور.
الصحافي: وهل أنتم متفائلون؟
حنين: لا مجال للتفاؤل في ظل هذا الخراب، لكن الإيمان بلبنان أقوى من كل المؤامرات.
علينا أن نعيد الاعتبار للدولة، وللدولة وحدها، قبل أن نضيع كل شيء.
  حوار صحفي مع السياسي اللبناني – تموز 1982
سعادة النائب، الحصار الإسرائيلي يشتدّ، والمنظمة تعلن استعدادها للانسحاب، كيف ترون هذا التلاقي المتأخر بين مواقف الطرفين؟
إدوار حنين:
للأسف، جاء التلاقي بعد دمار هائل.
كان بالإمكان تفادي كل هذا لو تم التفاهم منذ البداية على انسحاب منظم ضمن آلية دولية.
لكن إسرائيل أرادت أن تملي الشروط بالقوة، والمنظمة تأخرت في إدراك أن الساحة اللبنانية ليست رهينة للنزاعات.
وماذا عن التحرك الفرنسي، هل هو كافٍ برأيكم؟
إدوار حنين:
هو خطوة بالاتجاه الصحيح، خاصة أنه إنساني الطابع وسياسي الأفق.
لكنه يحتاج إلى دعم دولي وتعاون عربي، ولا يجب أن يُترك وحده في مواجهة الحسابات الإسرائيلية الثقيلة.
هل هناك خوف من تصفية الوجود الفلسطيني كلياً من لبنان؟
إدوار حنين:
هناك خطر فعلي، نعم.
لكن لا بد أن يكون وجود الفلسطينيين ضمن الأطر الشرعية اللبنانية، لا ككيانات مستقلة.
وإلا فسنبقى في حلقة العنف.
الحل ليس بإلغاء الوجود، بل بتنظيمه ومأسسته.
هل توافقون على مطلب إسرائيل بخروج كل التنظيمات من لبنان؟
إدوار حنين:
نحن مع خروج كل السلاح غير الشرعي من لبنان.
لكن من يطالب بذلك عليه أن يبدأ بنفسه.
فإسرائيل هي الطرف الأول الذي ينتهك السيادة ويزرع الموت.
على الجميع احترام سيادة الدولة اللبنانية.
هل أنتم مع إرسال قوات دولية؟
إدوار حنين:
نعم، إذا كانت مهمتها حماية المدنيين، والمساعدة على الانتقال إلى حالة سلمية لا تُقصي أحداً ولا تفرض هيمنة جديدة.
شرط أن تبقى هذه القوات ضمن تفويض واضح، وتحت سقف الدولة اللبنانية.
  حوار صحفي مع السياسي اللبناني إدوار حنين
المحاور: في ضوء التطورات الأخيرة، ما قراءتكم لمشهد بيروت بين الحصار، الانسحاب الفلسطيني، واستحقاق الرئاسة؟
إدوار حنين: المشهد مركّب وخطير.
بيروت تعيش حالة احتلال شبه مباشر، والانسحاب الفلسطيني حصل بضمانات دولية لكن في ظل هيمنة إسرائيلية تهدد السيادة الوطنية.
أما الانتخابات الرئاسية، فهي على مفترق بين أن تكون مدخلاً لاستعادة القرار الوطني أو تكريس وصاية الأمر الواقع.
المحاور: هل ترون أن انتخاب رئيس كـبشير الجميل، المقرّب من إسرائيل، يخدم مصلحة لبنان؟
حنين: علينا أن نفصل بين الشخص والدور.
بشير الجميل قائد له حيثية، لكنه يجب أن يأتي من موقع لبناني لا مفروضاً عبر دبابة إسرائيلية.
الشرعية الحقيقية لا تأتي من الخارج بل من وفاق داخلي يعيد الثقة بالدولة.
المحاور: وما هو دور المسيحيين اليوم في هذه المعادلة؟
حنين: المسيحيون أمام مفترق خطير.
هم مدعوون إلى أن يكونوا رأس الحربة في مشروع وطني جامع لا ملحقين بمحور خارجي.
فإسرائيل لا تحمل مشروع دولة للبنان بل مشروع تفتيت.
والمطلوب هو صياغة رؤية لبنانية تنقذ ما تبقى من الدولة.
المحاور: هل هناك فرصة لإعادة بناء الدولة؟
حنين: نعم، لكن بثلاثة شروط:
1.
الخروج من عباءة الخارج.
2.
بناء جيش وطني حقيقي.
3.
انتخاب رئيس جمهورية يحظى بشرعية داخلية لا خارجية.
لبنان لا يحتمل رئيساً يُفرض بالقوة، بل يحتاج رئيساً يُنتخب بالتفاهم ويُبنى حوله مشروع إنقاذي جامع.
  الاشتباكات العنيفة قرب بعلبك: التقاتل بين المسلحين الفلسطينيين وجناحي فتح – قراءة من سياسي مسيحي في حزيران 1983
في حزيران 1983، تشهد منطقة بعلبك تصعيدًا خطيرًا في الاشتباكات بين المسلحين الفلسطينيين، وتحديدًا بين جناحي حركة فتح المتصارعين، في ظل توترات متصاعدة تهدد الأمن والاستقرار في المنطقة، وتلقي بظلالها على المشهد اللبناني برمته.
هذا الصراع الداخلي الفلسطيني، الذي يتحول إلى قتال دموي، يعكس الانقسامات العميقة داخل الفصائل الفلسطينية، والتي تصب في مجملها في إطار الصراعات السياسية والإيديولوجية المتعلقة بمستقبل القضية الفلسطينية، والتأثيرات الإقليمية والدولية عليها.
إن تداعيات هذه الاشتباكات لا تقتصر على الفلسطينيين فحسب، بل تمتد إلى اللبنانيين، خصوصًا سكان بعلبك والقضاء المحيط، الذين يعانون من تداعيات العنف وتأثر حياتهم اليومية بأحداث النزاع، من تهجير ونقص في الخدمات وأزمة أمنية حقيقية.
  في تلك المرحلة القاتمة من تاريخ لبنان، حيث كان الوطن يرزح تحت وطأة الحرب والانقسام، وكنّا نحن، المسيحيين، نحمل في قلوبنا قلقًا مضاعفًا على هوية لبنان وصيغته ورسالته، لم يكن انهيار الليرة اللبنانية حدثًا اقتصاديًا معزولًا، بل شكّل أحد أخطر مظاهر التفكك الوطني، وساحة جديدة من ساحات الحرب التي مزّقت البلاد، لا بالصواريخ وحدها بل أيضًا بالأرقام والنقد والمعيشة الكريمة.
كانت الليرة اللبنانية، قبل الحرب، رمزًا للاستقرار، بل كانت العملة اللبنانية موضع احترام في محيطها العربي والدولي، تمثل قوة الثقة بالاقتصاد الوطني وبالدولة اللبنانية، وبالنظام المصرفي الذي لطالما تباهينا به، نحن اللبنانيين، كجسر بين الشرق والغرب.
لكن مع اشتداد الحرب وتلاشي السلطة المركزية، دخلت الليرة نفق الانحدار السحيق.
رأينا الانهيار يتسلّل إلى جيوب الناس، يحوّل رواتب الموظفين إلى فتات، ويدفع بالفقراء إلى ما تحت عتبة الجوع، ويذلّ الطبقة الوسطى التي كانت تشكّل العمود الفقري للبنان ما قبل الحرب.
وما كان لهذا الانهيار أن يتم لولا التداخل المريع بين السياسة والسلاح، بين الطوائف والمصارف، بين أمراء الحرب وأصحاب الرساميل السوداء.
لقد صار الاقتصاد رهينة للميليشيات التي طبعت النقد في غياب الرقابة، وفرضت إتاوات على المرافئ والمعابر، وتحكّمت بأسعار المواد الأساسية.
وصار السوق مسرحًا للمضاربة وسحب العملة الصعبة إلى الخارج، فيما تُطبع الليرات بلا غطاء، وتُهدر الاحتياطات المتبقية في سياسات ترقيعية قصيرة النظر.
باتت الليرة، التي كانت مرآة الثقة، مرآةً للضياع، تهتز مع كل طلقة وتتهاوى مع كل تسوية مشبوهة.
ومن موقعنا كمسيحيين في قلب هذه العاصفة، كنّا نرى في هذا الانهيار تهديدًا مزدوجًا: تهديدًا للحياة الاقتصادية والاجتماعية للمواطن، وتهديدًا للكيان نفسه، لأن قوة لبنان في استقراره، وفي ثقته بذاته، وفي القدرة على العيش المشترك تحت مظلة دولة عادلة.
وكنّا نخشى أن يؤدي انحدار الليرة إلى انحدار الضمير الوطني، إلى يأس الأجيال، إلى الهجرة الجماعية، إلى التفريط بالأرض، وإلى صعود أمراء المال والتهريب على أنقاض المؤسسات الشرعية.
لقد طالت تداعيات الانهيار كل بيت.
لم يكن المواطن يحصي خسائره فحسب، بل كان يُجبر على التكيّف مع واقع جديد، واقع فقدان القدرة الشرائية، وتقلّص الضمانات الاجتماعية، وانهيار التعليم الرسمي، وازدهار السوق السوداء.
صرنا نرى الموظف الرسمي يبيع أثاث منزله ليشتري الحليب لأطفاله، والطالب الجامعي يهاجر قبل أن يتخرّج، وربّة المنزل تعدّل وصفاتها بما يتناسب مع ما تبقّى من القدرة على الشراء.
وما زاد الطين بلة أنّ الانهيار الاقتصادي ترافق مع انهيار في منظومة القيم.
فالمال الملوّث صار يشتري النفوذ، والمساعدات الخارجية صارت تُوزّع وفق الاصطفافات الطائفية، والكنيسة نفسها، بكل عظمتها ودورها، وجدت نفسها أمام مسؤوليات جديدة تتخطى الخدمة الروحية لتشمل الإغاثة، والرعاية، والتثبيت المعنوي.
وصار دورنا السياسي المسيحي، في تلك الظروف، أن نصرخ في وجه هذا الجنون المالي، أن نذكّر بأن لا اقتصاد من دون دولة، ولا نقد من دون ثقة، ولا سلام من دون عدالة اجتماعية.
في زمن الشدّة هذا، كانت دعواتنا إلى إعادة الاعتبار للدولة كمفهوم وسلطة ومرجعية.
وكنّا نطالب، بإلحاح، بوقف النزف النقدي، بكبح الفساد، بإقفال المعابر غير الشرعية، بضبط الإنفاق العام، وباستعادة البنك المركزي لدوره كضامن للثقة.
وكنا نعرف أن لا خلاص إلا بإرادة وطنية جامعة تعيد الاعتبار لليرة، لا كقطعة ورقية بل كرمز للسيادة والاستقلال والكرامة الوطنية.
إن انهيار الليرة اللبنانية لم يكن حادثًا اقتصاديًا فحسب، بل كان علامة فارقة في مسار الانهيار الوطني العام.
وهو إن دلّ على شيء، فعلى أن الأوطان لا تُبنى بالشعارات، ولا تُحمى بالسلاح الخارج عن الشرعية، ولا تُدار بمنطق الزعامات الفئوية.
واليوم، ونحن في خضم تلك الحقبة العاصفة، نكتب بمرارة، لا لنرثي الماضي، بل لننبه الحاضر، ونستنهض الهمم من أجل مستقبل لا يكون فيه المال فوق الإنسان، ولا الميليشيا فوق الدولة، ولا الطائفة فوق الوطن.
  هذا التقاتل بين جناحي فتح يظهر هشاشة الوضع الفلسطيني في لبنان، ويضع لبنان أمام تحديات جديدة في الحفاظ على سيادته وأمنه، خاصة في ظل تعدد الفصائل المسلحة وتداخل مصالح القوى الإقليمية والدولية التي تدعم كل جهة وفق حساباتها.
في هذا المناخ المتوتر، على القيادة اللبنانية التحرك بحزم للحفاظ على الأمن والاستقرار، وتفعيل المؤسسات الرسمية للدولة، والعمل مع المجتمع الدولي والعرب، للضغط على الفصائل الفلسطينية لإنهاء هذا الاقتتال الداخلي، وحصر السلاح في إطار الدولة اللبنانية.
إن استمرار هذا العنف يهدد ليس فقط الأمن المحلي، بل يعرقل جهود السلام والاستقرار في لبنان والمنطقة، ويزيد من تعقيد الأزمة الوطنية اللبنانية التي لا تزال تعاني من التدخلات الخارجية والانقسامات الداخلية.
  ينطلق فهمي للواقع اللبناني من قناعة راسخة بأنّ الأزمات التي نعيشها ليست قدراً، بل نتيجة تراكمات في الأداء السياسي واختلالات في بنية الدولة. لذلك، فإنّ أيّ مقاربة جدّية للإنقاذ يجب أن تبدأ بتشخيص الداء قبل البحث عن الدواء، بعيداً عن المزايدات والخطابات التي لم تعد تقنع شعباً أنهكته الأزمات. في الشأن الديمقراطي، أرى أنّ التعبير الأصدق عن الإرادة الشعبيّة يبقى في إشراك المواطن مباشرةً في صناعة القرار، لأنّ الشعب هو مصدر السلطات، وصوته يجب أن يكون المرجع النهائي. غير أنّ هذه القناعة تصطدم بواقع لبناني معقّد تحكمه اعتبارات دقيقة وتوازنات تاريخيّة، ما يفرض التدرّج في أيّ إصلاح، تفادياً للانزلاق نحو أنظمة قد تُخلّ بالتوازن القائم أو تُحدث خللاً في توزيع الصلاحيّات. فالديمقراطيّة ليست مجرّد آليّة انتخاب، بل منظومة متكاملة تحتاج إلى نضج سياسي ومؤسّساتي. أمّا في السياسة الداخليّة، فأعتبر أنّ الانقسام القائم ليس وليد لحظة، بل هو نتيجة تداخل عوامل متعدّدة بين خلل في الإدارة الداخليّة وتباينات في الخيارات الخارجيّة، فضلاً عن صراع على المواقع والنفوذ. لذلك، فإنّ المعالجة لا يمكن أن تكون جزئيّة أو انتقائيّة، بل تتطلّب رؤية شاملة تعالج الأسباب الحقيقيّة للأزمة، سواء عبر إصلاح الداخل أو إعادة النظر في السياسات المعتمدة، أو من خلال تصحيح الخلل في التمثيل السياسي. إنّ تحميل المسؤولية لفريق واحد دون الآخر لا يختصر الحقيقة، بل يساهم في تعميق الأزمة. وفي مقاربتي للعمل النيابي والحكومي، أرى أنّ المشكلة لا تكمن في قلّة النقاش، بل في غياب الجدوى منه. فجلسات طويلة وخطابات متكرّرة لا تصنع حلولاً، ولا تُخرج البلاد من أزماتها. المطلوب هو الانتقال من منطق السجال إلى منطق الإنتاج، ومن التنافس على الكلام إلى التنافس على تقديم المشاريع الإنقاذيّة. فالشعب لم يعد ينتظر خطابات، بل أفعالاً ملموسة تخفّف من معاناته. إنّ أولويّتي هي أن تتحوّل المؤسّسات الدستوريّة إلى ورش عمل حقيقيّة، حيث تتلاقى الحكومة والمجلس، وكذلك الموالاة والمعارضة، في سباق نحو خدمة المواطن. فالمسؤوليّة مشتركة، ولا يجوز أن تبقى أسيرة التجاذبات. ما يحتاجه اللبنانيّون اليوم هو قرار شجاع بالتعاون، لأنّ الاستمرار في النهج نفسه لن يؤدّي إلا إلى مزيد من التدهور. في الشأن الأمني، أرى أنّ الخطر لا يكمن فقط في الاعتداءات، بل في العجز عن مواجهتها. فانتشار العنف ومحاولات الاغتيال ليسا مجرّد أحداث عابرة، بل مؤشّر خطير على خلل في القدرة الوقائيّة. إنّ ترك المجال مفتوحاً أمام هذه الأعمال يطرح تساؤلات جدّية حول الجهوزيّة والإرادة في التصدي لها. لذلك، فإنّ المطلوب هو الانتقال من ردّ الفعل إلى الفعل الاستباقي، عبر تعزيز الرقابة والكشف المبكر، لأنّ الأمن لا يُبنى بالصدف، بل بالوعي واليقظة والعمل المنهجي. أمّا في المجال التربوي، فأرى أنّ التركيز غالباً ما ينحصر في القضايا الموسميّة، كتنظيم الامتحانات، فيما تُهمل المسائل البنيويّة المرتبطة بتطوير البرامج والمناهج. إنّ تحسين جودة الامتحانات خطوة ضروريّة، لكنّها غير كافية إذا لم تترافق مع رؤية تربويّة شاملة تُعيد النظر في مضمون التعليم وأهدافه. فالتربية ليست مجرّد استحقاقات سنويّة، بل هي الأساس في بناء الإنسان والمجتمع.
ما نحتاجه اليوم هو إعادة توجيه البوصلة نحو العمل المنتج، وتغليب المصلحة العامّة على الحسابات الضيّقة. فالصخب السياسي لا يبني دولة، والرهان الحقيقي هو في القدرة على تحويل المعاناة الشعبيّة إلى حافز للإصلاح. وحده العمل الجاد والمسؤول كفيل بإسكات أنين الناس، أمّا ما عدا ذلك فليس سوى تكرارٍ لعبثٍ لم يعد يحتمله أحد.
  عندما انعقد مؤتمر لوزان عام 1984، كنا نحمل جراحنا في حقائب السفر، ونصعد إلى الطائرة لا كسفراء سلام بل كأبناء وطن مكسور يبحث عن ذاته بين أنقاض الطوائف، ومآسي الخيانات، وفوضى البنادق.
لم يكن أحدٌ منا بريئًا من دم الوطن، ولكننا ذهبنا نحاول إنقاذ ما تبقى من الدولة، ولو بخيط تفاهم هشّ.
غير أنّ لوزان لم تكن محطة خلاص، بل مرآة كاشفة لانقسامنا العميق، وعجزنا عن التلاقي في الحدّ الأدنى على تعريف الوطن نفسه.
كنا نعلم أنّ الحرب اللبنانية لم تكن حربًا أهلية فحسب، بل كانت أيضًا حربًا بين المشاريع، ومباراة دموية بين الإرادات الإقليمية.
ومن الطبيعي أن يعكس مؤتمر لوزان هذا الواقع المعقّد، حيث جلسنا حول الطاولة وعيوننا شاخصة إلى الخارج أكثر مما هي إلى الداخل.
لم تكن المشكلة في طاولات الحوار، بل في النيات المحجوبة، والمشاريع المضادة، والإصرار الأعمى على الرؤى المتعارضة التي حملها كل فريق معه، تمامًا كما يحمل الجندي بندقيته في وجه الآخر.
في لوزان، فشلنا لأننا لم نتجاسر على تسمية الأشياء بأسمائها: لم نضع أصبعنا على جرح لبنان الحقيقي، الممزّق بين ولاءات خارجية وحسابات داخلية ضيقة.
فشلنا لأننا لم نتواضع أمام فكرة الدولة، ولم نتنازل لصالح صيغة لبنانية عابرة للطوائف والمصالح الشخصية.
كنّا نفاوض، لا من موقع اللبناني الموجوع على وطنه، بل من موقع اللاعب المتحفّز لكسب المزيد من النفوذ في الحرب.
ولم يكن المسيحيون، ولا المسلمون، ولا القادة العسكريون، ولا حتى ممثلو الدولة، خارج هذه الحلقة المفرغة.
بل إننا جئنا إلى لوزان محمّلين بأحلام النصر على الآخر، لا بأحلام الوحدة.
كلّ منا اعتقد أنّه قادر على فرض تصوره للبنان على سائر الأطراف.
والمفارقة أنّ أحدًا لم يكن يملك مفتاح القرار النهائي، لأن المفتاح كان في العواصم التي تموّل وتسلّح وتدير صراعاتنا عن بُعد.
لقد خسرنا لوزان لأنّنا لم نكن نملك الشجاعة السياسية الكافية للاعتراف بأنّ العيش المشترك ليس مجرد شعار، بل هو عقد اجتماعي يحتاج إلى تنازلات متبادلة وتضحيات حقيقية.
فشلنا لأننا كنّا أسرى لغة السلاح، وعبيدًا للشك المتبادل، ولم نتحرّر من وهم الحسم العسكري الذي أثبتت التجارب أنه سراب.
ومن موقعنا كمسيحيين، كنّا نرى في لوزان فرصة لإعادة تثبيت دورنا في المعادلة اللبنانية.
كنا نحمل في وجداننا الخوف من التهميش، والهواجس من زوال الكيان.
لكن الخوف الصادق يجب أن يقود إلى الشراكة، لا إلى الانكفاء أو العناد.
لقد أهدرنا لحظة نادرة كان يمكن أن نرسم فيها بداية جديدة، تُخرج لبنان من منطق المتاريس وتضعه على طريق المصالحة الوطنية.
مؤتمر لوزان لم يفشل فقط بسبب الخلاف على بند أو فقرة، بل فشل لأنه لم يُبْنَ على أرضية روحية ـ سياسية صلبة.
لم يسبقه اعتراف حقيقي من كل طرف بخطايا الحرب.
لم يصحبه نَفَسُ التوبة الجماعية.
لم تعالَج جراح الناس قبل معالجة مصالح السياسيين.
ولهذا، عاد كل فريق إلى منطق سلاحه، يبرّر العنف بالحجج القديمة، ويستأنف الحرب كأن شيئًا لم يكن.
لم يكن لوزان مؤتمر حوار بل مؤتمر صدى.
صدى لصراع طويل لم ينضج بعد نحو سلام.
صدى لأطراف لم تحسم خيارها بين لبنان الوطن ولبنان الساحة.
صدى لزعماء أضناهم الغرور، وناس أنهكتهم الدماء، وشباب ضاع مستقبلهم في دهاليز الجبهات.
ولكننا، رغم الفشل، كنا ندرك أنّ الحوار قدرنا.
وأنّنا، كلبنانيين، مهما طال الشرخ بيننا، لا مفرّ لنا من العودة إلى بعضنا البعض.
فبعد كل حريق، لا بد من رماد يبنى عليه.
وبعد كل نكسة، تشرق بارقة أمل.
ولعلّ لوزان، رغم سقوطه السياسي، أسّس في الذاكرة الوطنية درسًا قاسيًا مفاده أنّ المصالحة لا تُصنع في الفنادق، بل في الضمائر.
لقد مات مؤتمر لوزان، لكن الحاجة إلى روحه باقية.
وسنظل، نحن أبناء تلك الحقبة، نحمل الحلم اللبناني المعلّق في الهواء، علّه يجد يومًا أرضًا صلبة ليحطّ عليها، ويُزهر وطنًا لا يُباع ولا يُقسم.
  اغتيال الرئيس رشيد كرامي لقد شكّل اغتيال الرئيس الشهيد رشيد كرامي في الأوّل من حزيران عام 1987، لحظة مفصلية في مسار الحرب اللبنانية، بل لعلّه كان أحد أشدّ الضربات التي وُجّهت للكيان اللبناني المتصدّع، وللشرعية السياسية التي ما تزال تقاوم بقاياها في زمن الانهيار والتقسيم والانقسام.
إن اغتيال هذا الرجل الذي ظلّ يمثّل حتى اللحظة الأخيرة من حياته نبض الوحدة الوطنية وضمير الدولة اللبنانية، ليس حدثاً عارضاً في روزنامة الحرب، بل هو فصل تراجيدي في كتاب انهيار الدولة.
لقد كنّا في الثمانينيات، كمسيحيين ملتزمين بالدولة اللبنانية ومؤمنين بعروبتها السيادية المتوازنة، نراقب من موقع القلق الوطني كيف تتهاوى المؤسسات الواحدة تلو الأخرى.
وها هو رجل الدولة الأول في طرابلس والشمال، ووجه السنّة الأبرز في الجمهورية، يُغتال في طوافة عسكرية كان يستقلها من طرابلس إلى بيروت، فيما كانت البلاد في أمسّ الحاجة إليه، لا لتسوية حسابات، بل لترميم ما تبقى من الوطن.
لم يكن رشيد كرامي رجلاً عابراً في الحياة السياسية اللبنانية، بل كان واحداً من أعمدة الجمهورية، ابن الرئيس عبد الحميد كرامي، صانع الاستقلال، وريث النهج الوطني الطرابلسي العروبي المنفتح.
قاد حكومات في أصعب المراحل، وكانت له مواقف صلبة من مسألة السيادة اللبنانية، كما من مسألة العدالة الاجتماعية، وكان صوتاً صارخاً ضد الفساد وضد السلاح غير الشرعي.
وفي كل مرة كان يُطلب منه العودة إلى الحكم، كان يعود وفي قلبه غصّة، ولكنه يعود لأنه كان يعرف أن للبنان رجالاً لا يملكون ترف الهروب.
لم يكن اغتياله موجّهاً إلى شخصه فحسب، بل إلى ما يمثله.
كان اغتيالاً لمعسكر الوفاق، ومحاولة جديدة لاغتيال صيغة العيش المشترك، واغتيالاً للذاكرة الوطنية المشتركة التي جمعت بين طرابلس والجبل، وبين السنة والمسيحيين، في زمن كانت الهويات تتصدّع والجبهات تتكاثر والانتماءات تتفتّت.
لقد شعرنا، نحن الذين بقينا نتمسّك بخيوط الشرعية الواهية، أنّ الطلقة التي أصابت رشيد كرامي في الجو، أصابت ما تبقى من الحلم اللبناني.
وسرعان ما بدأت تتهاوى بعدها محاولات الإنقاذ.
لم يكن ذلك مجرد حدث أمني، بل لحظة سقط فيها القناع عن الكثير من الخطابات الزائفة التي ادّعت الدفاع عن لبنان الواحد.
وكمسيحي ملتزم، لم يكن اغتيال رشيد كرامي حدثاً يخصّ طائفة بعينها.
بل شعرت أن صديقاً سيادياً قد سقط، وأن الشراكة الوطنية فقدت ضلعاً من أضلاعها الأساسية.
لقد كان يمثل الصوت الآخر الذي نحاوره، لا الصوت الذي نخشاه.
وكان يمثل التوازن الذي نحتاج إليه كشركاء في الوطن، لا غلبة الفريق الواحد.
وكان، رغم خلافنا معه في بعض السياسات، رجل دولة لا يتنازل عن الثوابت.
ومن هنا، فإن غيابه لم يكن مجرد خسارة سنّية، ولا حتى فقط خسارة شمالية، بل خسارة وطنية مسيحية أيضاً، لأن لبنان كان بحاجة إلى رجاله الحقيقيين، لا إلى أدوات الخارج.
ومن كان يشكّك بذلك، فلينظر إلى ما حلّ بالشمال بعد غيابه، وإلى ما حلّ بالحكومة التي سقطت بعدها في الفراغ والعجز.
لقد كشفت التحقيقات، وما تلاها من محاكمات، حجم التداخل بين السياسة والجريمة، وبين الحرب والمصالح.
وكانت أصابع الاتهام تشير إلى الداخل، لا إلى الخارج فحسب.
وإن كنّا لا نستطيع أن نطلق حكماً من موقعنا، إلا أننا كنّا نعلم علم اليقين أنّ هذا النوع من الاغتيالات لا يتمّ إلا بقرار كبير، قرار يريد أن يقول للبنانيين إن لا مكان للشرعية في زمن الميليشيات.
ولعلّ ما يزيد من مرارة هذا الاغتيال، أنّه تمّ بعد محاولات حثيثة كانت تجري لجمع اللبنانيين حول طاولة تفاهم، خصوصاً بعد اتفاق 17 أيار الذي رفضه رشيد كرامي بشجاعة، ومعه كثر من الوطنيين من مختلف الطوائف، لأنه رأى فيه مسّاً بسيادة لبنان وتطبيعاً مرفوضاً مع العدوّ.
وها هو بعد سنوات قليلة، يُغتال وهو على الطريق ذاتها: طريق السيادة، طريق الدولة.
لقد دفع الرجل ثمن موقفه، وثمن كلمته، وثمن توقه إلى أن يكون لبنان وطناً سيداً مستقلاً، لا تابعاً ولا ساحة.
وكان اغتياله جزءاً من مشروع لإسكات الأصوات الوطنية المتبقية، كما اغتيل آخرون بعده وقبله، في محاولة مستمرة لتصفية الكيان من رجاله قبل مؤسساته.
واليوم، ونحن في خضم هذا الانهيار العام، لا نملك إلا أن نستذكره بكثير من الألم والوفاء، ونقول: كان رشيد كرامي صوتاً وطنياً وإنسانيًا فريداً، واغتياله لا يزال جرحًا في جسد لبنان، لم تندمل أطرافه، لأن اليد التي أطلقت النار ما تزال تسرح وتمرح، والأصوات التي حرّضت على القتل، ما تزال تتحدث عن السيادة.
إن اغتيال الرئيس رشيد كرامي لم يكن نهاية رجل، بل بداية مرحلة من الفوضى السياسية والفراغ الوطني، لن يملأها إلا رجال شجعان، يعرفون أن لبنان لا يُبنى إلا بالدمع والدم، ولكن أيضاً بالوفاء والأمل.
  لقد شكّل اغتيال الرئيس الشهيد رشيد كرامي في الأوّل من حزيران عام 1987، لحظة مفصلية في مسار الحرب اللبنانية، بل لعلّه كان أحد أشدّ الضربات التي وُجّهت للكيان اللبناني المتصدّع، وللشرعية السياسية التي ما تزال تقاوم بقاياها في زمن الانهيار والتقسيم والانقسام.
إن اغتيال هذا الرجل الذي ظلّ يمثّل حتى اللحظة الأخيرة من حياته نبض الوحدة الوطنية وضمير الدولة اللبنانية، ليس حدثاً عارضاً في روزنامة الحرب، بل هو فصل تراجيدي في كتاب انهيار الدولة.
لقد كنّا في الثمانينيات، كمسيحيين ملتزمين بالدولة اللبنانية ومؤمنين بعروبتها السيادية المتوازنة، نراقب من موقع القلق الوطني كيف تتهاوى المؤسسات الواحدة تلو الأخرى.
وها هو رجل الدولة الأول في طرابلس والشمال، ووجه السنّة الأبرز في الجمهورية، يُغتال في طوافة عسكرية كان يستقلها من طرابلس إلى بيروت، فيما كانت البلاد في أمسّ الحاجة إليه، لا لتسوية حسابات، بل لترميم ما تبقى من الوطن.
لم يكن رشيد كرامي رجلاً عابراً في الحياة السياسية اللبنانية، بل كان واحداً من أعمدة الجمهورية، ابن الرئيس عبد الحميد كرامي، صانع الاستقلال، وريث النهج الوطني الطرابلسي العروبي المنفتح.
قاد حكومات في أصعب المراحل، وكانت له مواقف صلبة من مسألة السيادة اللبنانية، كما من مسألة العدالة الاجتماعية، وكان صوتاً صارخاً ضد الفساد وضد السلاح غير الشرعي.
وفي كل مرة كان يُطلب منه العودة إلى الحكم، كان يعود وفي قلبه غصّة، ولكنه يعود لأنه كان يعرف أن للبنان رجالاً لا يملكون ترف الهروب.
لم يكن اغتياله موجّهاً إلى شخصه فحسب، بل إلى ما يمثله.
كان اغتيالاً لمعسكر الوفاق، ومحاولة جديدة لاغتيال صيغة العيش المشترك، واغتيالاً للذاكرة الوطنية المشتركة التي جمعت بين طرابلس والجبل، وبين السنة والمسيحيين، في زمن كانت الهويات تتصدّع والجبهات تتكاثر والانتماءات تتفتّت.
لقد شعرنا، نحن الذين بقينا نتمسّك بخيوط الشرعية الواهية، أنّ الطلقة التي أصابت رشيد كرامي في الجو، أصابت ما تبقى من الحلم اللبناني.
وسرعان ما بدأت تتهاوى بعدها محاولات الإنقاذ.
لم يكن ذلك مجرد حدث أمني، بل لحظة سقط فيها القناع عن الكثير من الخطابات الزائفة التي ادّعت الدفاع عن لبنان الواحد.
وكمسيحي ملتزم، لم يكن اغتيال رشيد كرامي حدثاً يخصّ طائفة بعينها.
بل شعرت أن صديقاً سيادياً قد سقط، وأن الشراكة الوطنية فقدت ضلعاً من أضلاعها الأساسية.
لقد كان يمثل الصوت الآخر الذي نحاوره، لا الصوت الذي نخشاه.
وكان يمثل التوازن الذي نحتاج إليه كشركاء في الوطن، لا غلبة الفريق الواحد.
وكان، رغم خلافنا معه في بعض السياسات، رجل دولة لا يتنازل عن الثوابت.
ومن هنا، فإن غيابه لم يكن مجرد خسارة سنّية، ولا حتى فقط خسارة شمالية، بل خسارة وطنية مسيحية أيضاً، لأن لبنان كان بحاجة إلى رجاله الحقيقيين، لا إلى أدوات الخارج.
ومن كان يشكّك بذلك، فلينظر إلى ما حلّ بالشمال بعد غيابه، وإلى ما حلّ بالحكومة التي سقطت بعدها في الفراغ والعجز.
لقد كشفت التحقيقات، وما تلاها من محاكمات، حجم التداخل بين السياسة والجريمة، وبين الحرب والمصالح.
وكانت أصابع الاتهام تشير إلى الداخل، لا إلى الخارج فحسب.
وإن كنّا لا نستطيع أن نطلق حكماً من موقعنا، إلا أننا كنّا نعلم علم اليقين أنّ هذا النوع من الاغتيالات لا يتمّ إلا بقرار كبير، قرار يريد أن يقول للبنانيين إن لا مكان للشرعية في زمن الميليشيات.
ولعلّ ما يزيد من مرارة هذا الاغتيال، أنّه تمّ بعد محاولات حثيثة كانت تجري لجمع اللبنانيين حول طاولة تفاهم، خصوصاً بعد اتفاق 17 أيار الذي رفضه رشيد كرامي بشجاعة، ومعه كثر من الوطنيين من مختلف الطوائف، لأنه رأى فيه مسّاً بسيادة لبنان وتطبيعاً مرفوضاً مع العدوّ.
وها هو بعد سنوات قليلة، يُغتال وهو على الطريق ذاتها: طريق السيادة، طريق الدولة.
لقد دفع الرجل ثمن موقفه، وثمن كلمته، وثمن توقه إلى أن يكون لبنان وطناً سيداً مستقلاً، لا تابعاً ولا ساحة.
وكان اغتياله جزءاً من مشروع لإسكات الأصوات الوطنية المتبقية، كما اغتيل آخرون بعده وقبله، في محاولة مستمرة لتصفية الكيان من رجاله قبل مؤسساته.
واليوم، ونحن في خضم هذا الانهيار العام، لا نملك إلا أن نستذكره بكثير من الألم والوفاء، ونقول: كان رشيد كرامي صوتاً وطنياً وإنسانيًا فريداً، واغتياله لا يزال جرحًا في جسد لبنان، لم تندمل أطرافه، لأن اليد التي أطلقت النار ما تزال تسرح وتمرح، والأصوات التي حرّضت على القتل، ما تزال تتحدث عن السيادة.
إن اغتيال الرئيس رشيد كرامي لم يكن نهاية رجل، بل بداية مرحلة من الفوضى السياسية والفراغ الوطني، لن يملأها إلا رجال شجعان، يعرفون أن لبنان لا يُبنى إلا بالدمع والدم، ولكن أيضاً بالوفاء والأمل.
  الاشتباكات بين حزب الله وحركة أمل حين نتأمّل في مجريات الأحداث التي عصفت بالضاحية الجنوبية لبيروت، وعلى امتداد مناطق النفوذ الشيعي في البقاع والجنوب، منذ منتصف الثمانينات، لا يسعنا، كسياسيين لبنانيين مؤمنين بلبنان الواحد المتعدّد، إلا أن نشعر بقلق عميق على مصير الكيان اللبناني أمام اشتباكات تُسفك فيها الدماء باسم القضية الواحدة، وتُوجَّه فيها البنادق إلى صدور الإخوة، لا إلى العدو المشترك.
إن ما يجري بين حزب الله وحركة أمل منذ العام 1987، من مواجهات مسلحة، وعمليات تطهير داخل البيئة الشيعية، لا يندرج إلا في خانة الحرب الأهلية المصغّرة التي تستنزف فئة لبنانية محورية، لطالما لعبت دورًا رياديًا في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، فإذا بها اليوم تُستدرج إلى صراع داخلي مرير، يحوّل البنادق من مواجهة الاحتلال إلى صراع على السلطة والتمثيل والنفوذ داخل الطائفة الواحدة.
لقد كنّا شهودًا، من موقعنا المسيحي الوطني، على تحوّل الصراع من صراع أفكار إلى صراع مواقع.
فحركة أمل، المنبثقة من وجدان الإمام موسى الصدر، حاولت أن توازن بين شعارات المقاومة والحفاظ على الدولة اللبنانية، أما حزب الله، الآتي من رحم الثورة الإسلامية في إيران، فدخل الساحة بعقيدة مغايرة، لا تعترف بلبنان إلا كممر إلى دولة إسلامية شاملة، تستوحي ولايتها من طهران لا من بكفيا أو بعبدا.
ومع دخول الحرس الثوري الإيراني إلى البقاع، وإسناده العلني لحزب الله، بدأ ميزان القوى يختلّ.
ومع كل اشتباك، تتراجع فكرة الدولة أمام فكرة "المجتمع المقاوم"، وتتحوّل الأحياء الفقيرة في الضاحية إلى ساحات حرب بين تنظيمين ينتميان إلى الطائفة نفسها، لكنّ كلًّا منهما يزعم أنه المعبّر الأوحد عن تطلعاتها.
إننا، كمسيحيين لبنانيين، لا نقرأ هذه الاشتباكات بمعزل عن المشروع الإيراني الكبير، الذي لا يخفي نيّته في مدّ نفوذه عبر التشيّع السياسي والعسكري، من طهران إلى بيروت مرورًا ببغداد ودمشق.
وهذه الاشتباكات، وإن بدت ظاهرًا صراعًا داخليًا بين أبناء الطائفة الواحدة، إلا أنها في العمق مرآة لصراع إقليمي على هوية لبنان ودوره في خريطة الشرق الأوسط المتحوّل.
لقد حاولت أطراف لبنانية وعربية عدة أن ترعى مصالحة بين الطرفين، لكن الحقيقة المؤلمة أن تلك المصالحات كانت شكلية، هشّة، تغلّب التكتيك على المبدأ، وتُخفي تحت الطاولة صراعًا مكتومًا يتجدّد مع كل فرصة.
فكلّ اتفاق مؤقت سرعان ما ينهار أمام رغبة كل طرف في الانفراد بالقرار الأمني والاجتماعي والديني داخل بيئته.
ووسط هذه المعمعة، يُدفع بالمواطن الشيعي إلى خانة الاختيار القاتل: إمّا الانضواء تحت عباءة ولاية الفقيه، وإمّا الاتهام بالخيانة أو التخاذل.
وهكذا يُختطف القرار الشيعي كما اختُطف من قبل القرار المسيحي والقرار السني، لصالح مشاريع أكبر من لبنان، وأوسع من قدرة طوائفه على التحكّم بمصيرها.
ما يزيد الطين بلّة هو غياب الدولة اللبنانية عن هذه المعارك، واكتفاؤها بدور المتفرّج الضعيف.
إذ لم تعد الدولة تملك القدرة، لا السياسية ولا العسكرية، على ضبط السلاح المنفلت، ولا على فرض هيبتها في الضاحية والجنوب.
وكلما طال الصراع بين حزب الله وحركة أمل، تراجعت سلطة الدولة، وازدادت سلطات "الأمر الواقع" التي تفرض قوانينها على الناس، وتغتال هيبة الجمهورية بندقيةً بندقية.
إن الاشتباكات بين حزب الله وحركة أمل لا تهدّد الشيعة وحدهم، بل تهدّد لبنان كلّه، لأنها تعمّق الشرذمة، وتكرّس الدويلات، وتضرب النسيج الاجتماعي، وتجعل من الحرب سبيلاً للوصول إلى السلطة.
وهي في جوهرها، كما نراها، ليست سوى حرب بالوكالة، تخوضها طهران ودمشق، وترعاها حسابات تتجاوز حدود لبنان.
من هنا، فإننا ندعو، من موقع المسؤولية، إلى أن تتوحّد كل القوى الوطنية، مسيحية كانت أم سنّية أم شيعية، حول مشروع دولة حقيقية، لا تُختزل بطائفة، ولا تُختطف من فصيل، ولا تُدار من الخارج.
لبنان بحاجة إلى صوت عاقل، إلى قيادة شجاعة، توقف نزيف الداخل قبل أن يستفحل المرض وتستحيل العودة.
إننا نخشى أن تتحوّل هذه الاشتباكات إلى نواة فتنة طويلة، تغرق لبنان في مزيد من الانقسام، وتعيدنا إلى سنوات الحرب السوداء.
وإن أول الخاسرين من هذا الصراع هو القضية اللبنانية، التي تتقلّص كلّ يوم أمام جحيم السلاح غير الشرعي، والعقائد المستوردة، والنزاعات العبثية.
فلنُعد الاعتبار إلى لبنان، الوطن، لا إلى لبنان الساحة.
ولنصنّ وجدان الشيعة من أن يتحوّلوا إلى أدوات صراع.
فاللبناني لا يولد مقاتلًا لأجل الآخرين، بل لأجل وطنه.
  يتبلور لدى النائب أدوار حنين تصور سياسي وطني يقوم على إدراك مبكر لحساسية التحولات الديموغرافية والسياسية التي كان لبنان يواجهها في تلك المرحلة، ولا سيما في ما يتعلق بمسألة الوجود الفلسطيني على أرضه. فهو لا يتعامل مع هذا الملف بوصفه جدلًا سياسيًا عابرًا أو اختلافًا في التقدير بين المرجعيات الوطنية، بل يرفعه إلى مستوى الخطر الوجودي الذي يستدعي يقظة دائمة واستعدادًا دائمًا، حتى لو لم تتأكد معطياته بشكل نهائي. ومن هنا تأتي دعوته إلى التعاطي مع مسألة الاستيطان وكأنه واقعٌ غدًا، لا انطلاقًا من تسليمٍ بحتميته، بل من باب الوقاية الوطنية الاستباقية التي تضع مصلحة الأرض والكيان فوق أي اعتبارات أخرى. في هذا الإطار، يظهر حنين كصاحب مقاربة تتجاوز الانقسام بين التفاؤل والإنكار من جهة، والتحذير المفرط من جهة أخرى، ليضع نفسه في موقع الوسيط بين قراءتين مختلفتين للواقع اللبناني. فهو يلاحظ التباين في مواقف القيادات السياسية الكبرى، لكنه لا يكتفي بتسجيله، بل يحوّله إلى عنصر دافع لبلورة موقف أكثر حذرًا وشمولية. هذا التباين، في نظره، قد يكون مريحًا على المستوى النفسي لأنه يعكس تنوعًا في الرأي، لكنه في الوقت نفسه يحمل مخاطر سياسية إذا لم يُترجم إلى خطة وطنية موحدة تأخذ في الاعتبار أسوأ الاحتمالات. ومن هنا تنبع رؤيته الوطنية القائمة على أن القضايا المصيرية لا تُقاس فقط بمدى صحتها الآنية أو خطأ تقديرها، بل بمدى قدرتها على التأثير في مستقبل الكيان اللبناني واستقراره. فهو يعتبر أن الاستناد إلى الطمأنينة المطلقة أو إلى نفي المخاطر قد يقود إلى مفاجآت خطيرة، بينما الاستعداد المسبق هو الشكل الحقيقي للحكمة السياسية. لذلك يدعو إلى بناء موقف وطني يتعامل مع التحديات الكبرى بوصفها احتمالات قائمة تستوجب جهوزية دائمة، وليس مجرد نقاشات نظرية قابلة للأخذ والرد. كما تتضح في هذا النص رؤية إنسانية-وطنية متداخلة، حيث يربط بين مفهوم الإنسان ومفهوم حماية الأرض. فهو لا يفصل بين الحفاظ على الكرامة الإنسانية وبين حماية الوطن، بل يرى أن صون الإنسان يمرّ عبر صون البيئة السياسية والأمنية التي يعيش فيها. ومن هنا تأتي إشارته إلى أن “الإنسان يجب أن يحمي إنسانيته بسلاحه”، في تعبير رمزي عن أن الدفاع عن القيم والوجود لا يمكن أن يكون سلبيًا أو نظريًا فقط، بل يحتاج إلى قوة حماية تمنع سقوط هذه القيم أمام التهديدات. وفي خلفية هذا الخطاب، يبرز تصور وطني يعتبر أن لبنان ليس مساحة محايدة بين القوى، بل كيان مهدد يحتاج إلى وعي دائم وإلى إرادة دفاع مستمرة عن الأرض والهوية. لذلك فإن رؤيته تتسم بقدر من الواقعية القلقة التي لا تنكر التهديدات ولا تبالغ في الطمأنينة، بل تدعو إلى تحويل القلق إلى سياسة استباقية تحفظ الوجود وتمنع الانكسار.   تعكس مواقف النائب إدوار حنين رؤية سياسية وطنية قائمة على إدراك عميق لطبيعة الأزمة اللبنانية بوصفها أزمة مركّبة تتجاوز الحدود الداخلية، وترتبط بتوازنات إقليمية ودولية تجعل من لبنان ساحة تداخل مصالح وصراعات. من هذا المنطلق، ينطلق حنين في مقاربته من ضرورة إخراج القضية اللبنانية من إطارها المحلي الضيق إلى فضاء الاهتمام العالمي، معتبرًا أن إنقاذ لبنان لا يمكن أن يتحقق من دون تحرّك رسمي على أعلى المستويات، يقوده رأس الدولة، ويهدف إلى استنهاض المجتمع الدولي وتحميله مسؤولياته تجاه ما يتعرض له هذا البلد. وفي هذا السياق، يبرز إيمانه بدور الدولة ومؤسساتها، حيث يضع في مقدمة الأولويات تفعيل طاقات الدولة وتعبئة إمكاناتها، بالتوازي مع حشد قوى المجتمع، في معادلة تكاملية بين السلطة والشعب. فالدولة بالنسبة إليه ليست مجرد إطار إداري، بل هي أداة نضال سياسي ودبلوماسي يجب أن تتحرك بجرأة ووعي، ضمن رؤية مدروسة لا تخلو من الحزم، بهدف حماية الكيان اللبناني ومنع انزلاقه إلى مصير تفرضه عليه صراعات الآخرين. كما تكشف هذه الرؤية عن وعي حاد بخطورة إدراج لبنان ضمن لعبة المحاور الدولية، حيث يُنظر إليه كجزء من لوحة شطرنج أكبر، تُدار فيها الصراعات وفق حسابات تتجاوز مصالحه الوطنية. لذلك، يرفض حنين منطق الاستسلام لهذه المعادلة، ويدعو إلى مبادرة لبنانية فاعلة تعيد طرح القضية على مستوى العالم، ليس كملف ثانوي، بل كقضية شعب مهدد في وجوده وكيانه. ومن جهة أخرى، تتجلى في خطابه نزعة سيادية واضحة تقوم على التمسك بوحدة لبنان أرضًا وشعبًا، ورفض أي مساس بهذه الوحدة تحت أي ذريعة. فهو يؤكد أن لبنان هو لجميع أبنائه، وأن هذه الحقيقة تشكّل أساسًا لا يمكن التنازل عنه أو التفريط به. ومن هذا المنطلق، يعبّر عن موقف حازم تجاه مسألة التوطين، معتبرًا إياها خطرًا وجوديًا يهدد هوية لبنان وتكوينه، ويدعو إلى مواجهتها بكل الوسائل المتاحة، ضمن إطار وطني جامع. ولا تقف رؤيته عند حدود الموقف السياسي، بل تتعداها إلى دعوة صريحة لتوحيد اللبنانيين بمختلف انتماءاتهم، حول قضية وطنهم، بعيدًا عن الانقسامات الفئوية والطائفية. فهو يرى أن التحديات المصيرية التي يواجهها لبنان تفرض على جميع مكوناته أن ترتقي إلى مستوى المسؤولية، وأن تعلن موقفًا موحدًا يحمي البلاد من التفكك والانهيار. ترتكز رؤية حنين على ثلاث ركائز أساسية: أولًا، تدويل القضية اللبنانية عبر تحرّك دبلوماسي يقوده رأس الدولة؛ ثانيًا، تعزيز دور الدولة وتعبئة قدراتها بالتكامل مع قوى المجتمع؛ وثالثًا، التمسك بالسيادة الوطنية ورفض أي مشاريع تمس هوية لبنان ووحدته. وهي رؤية تعكس قلقًا عميقًا على مصير الوطن، لكنها في الوقت نفسه تعبّر عن إرادة مقاومة سياسية تسعى إلى حماية لبنان من أن يكون مجرد ساحة في صراعات الآخرين، وتؤكد حقه في البقاء وطنًا حرًا مستقلاً لجميع أبنائه.   يعكس هذا التصريح المبكر للنائب إدوار حنين، الصادر عام 1958، ملامح رؤية سياسية تتبلور في سياق إحدى أكثر المراحل حساسية في تاريخ لبنان الحديث، أي مرحلة أزمة 1958 التي شهدت اهتزازًا عميقًا في النظام السياسي اللبناني نتيجة التداخل بين الانقسام الداخلي والتجاذبات الإقليمية، خصوصًا في ظل صعود المدّ الناصري في المنطقة وانعكاساته المباشرة على الساحة اللبنانية. في هذا الإطار، يبرز لقاء حنين مع الرئيس السابق كميل شمعون كمدخل أساسي لفهم مقاربته السياسية، إذ يتعامل مع شمعون ليس فقط بوصفه رئيسًا سابقًا، بل كفاعل سياسي لا يزال حاضرًا في النقاش حول طبيعة السلطة وصلاحياتها في ظل حالة استثنائية كانت تعيشها البلاد. إنّ طرح مسألة “السلطات الاستثنائية” في ذلك السياق يعكس إدراكًا مبكرًا لحجم التحديات التي كانت تواجه الدولة اللبنانية، حيث كانت مؤسسات الحكم تتأرجح بين ضرورة الحفاظ على النظام الدستوري من جهة، ومتطلبات الأمن والاستقرار في ظل اضطرابات سياسية وأمنية متصاعدة من جهة أخرى. ومن خلال ملاحظته أن كميل شمعون يبدو “أكثر ليونة” من نواب حزب الوطنيين الأحرار، يقدّم حنين قراءة سياسية لافتة لطبيعة الاصطفافات داخل المعسكر السياسي نفسه، لا بين السلطة والمعارضة فقط، بل داخل البيئة الداعمة للرئيس شمعون. هذا التوصيف يعكس وجود تباين في مقاربة إدارة الأزمة داخل الفريق الواحد، بين من يميل إلى قدر من المرونة السياسية في التعامل مع التطورات، وبين من يتمسك بخيارات أكثر تشددًا في ما يتعلق بالدستور وبآليات الحكم، خصوصًا في ظل النقاش الحاد الذي كان يدور حول شرعية السلطة ومدى توسعها في استخدام الصلاحيات الاستثنائية. أما انتقاد حنين لحزب الوطنيين الأحرار وتمسكه بما يسميه “الشكليات”، فيمكن قراءته في سياق أوسع يتعلق بالصراع بين رؤيتين للدولة في تلك المرحلة: رؤية تعتبر أن الالتزام الصارم بالقواعد الدستورية والإجراءات المؤسساتية هو الضمانة الأساسية لاستمرارية الدولة، ورؤية مقابلة ترى أن الواقع السياسي والأمني المضطرب يفرض مقاربات أكثر مرونة وواقعية، حتى لو اقتضى ذلك توسيع هامش السلطة التنفيذية على حساب بعض الأطر التقليدية. كما أن إشارته إلى مسألة الاقتصاد اللبناني الحر ورفض المساس به تعكس جانبًا أساسيًا من النقاشات السياسية في أواخر الخمسينيات، حيث كان الاقتصاد اللبناني يُقدَّم كأحد ركائز “الاستثناء اللبناني” في المنطقة، في مقابل أنظمة اقتصادية أكثر تدخلًا في دول الجوار. وفي ظل الأزمة السياسية، كان الخوف من انتقال الانقسام السياسي إلى البنية الاقتصادية أحد الهواجس الأساسية لدى القوى السياسية، ما جعل مسألة “حرية الاقتصاد” جزءًا من الخطاب السياسي المتصل مباشرة بفكرة الاستقرار. أما الإصرار على مناقشة الموازنة في مجلس النواب، فيعكس تمسكًا بمركزية المؤسسة التشريعية كإطار شرعي لإدارة المال العام، في وقت كانت فيه البلاد تعيش حالة من التوتر الأمني والسياسي الذي يهدد انتظام الحياة الدستورية. وهذا يعكس، في عمقه، إيمانًا بأن الدولة لا يمكن أن تُدار خارج مؤسساتها مهما كانت الظروف الاستثنائية، وأن الحفاظ على الشكل الدستوري هو جزء من الحفاظ على الكيان نفسه. من خلال هذا التصريح، يمكن استشراف ملامح مبكرة في فكر إدوار حنين تقوم على ثلاث ركائز أساسية: أولها، الاعتراف بضرورة التعامل المرن مع الأزمات السياسية ضمن حدود الدستور عند الحاجة؛ ثانيها، رفض الانزلاق نحو الفوضى المؤسسية حتى في ظل الظروف الاستثنائية؛ وثالثها، التمسك بدور المؤسسات الدستورية، خصوصًا البرلمان، كضمانة لعدم انهيار النظام السياسي. وبذلك، لا يبدو هذا التصريح مجرد تعليق على لقاء سياسي، بل نافذة على طريقة تفكير ترى في التوازن بين الصرامة الدستورية والمرونة السياسية شرطًا أساسيًا لإدارة الأزمات اللبنانية، في مرحلة كانت فيها البلاد تقف على حافة الانقسام الداخلي والتجاذب الإقليمي الحاد، الذي سيشكل لاحقًا أحد العوامل البنيوية في تاريخ لبنان السياسي الحديث.
  عندما التقيت الرئيس السابق كميل شمعون، لم أتعامل معه فقط بصفته رئيسًا سابقًا، بل كطرف سياسي لا يزال حاضرًا في النقاش حول طبيعة السلطة وصلاحياتها في ظروف استثنائية. وقد طرحت معه موضوع السلطات الاستثنائية انطلاقًا من قناعتي بأن الدولة في لحظات الانقسام الحاد تحتاج إلى أدوات دستورية قادرة على حماية الكيان، من دون أن يؤدي ذلك إلى انهيار الإطار المؤسساتي.
ومن خلال ملاحظتي أن كميل شمعون بدا لي أكثر ليونة من نواب حزب الوطنيين الأحرار، أردت أن أُبرز وجود تباين داخل المعسكر السياسي نفسه، لا بين السلطة والمعارضة فقط، بل داخل الفريق الداعم للرئاسة أيضًا. هذا التباين يعكس في رأيي اختلافًا في مقاربة إدارة الأزمة: بين من يميل إلى المرونة السياسية باعتبارها ضرورة لاحتواء الانفجار، ومن يتمسك بصرامة دستورية تعتبر أن النص هو الضمانة الأساسية لاستمرار الدولة.
أما انتقادي لحزب الوطنيين الأحرار وتمسكه بما أسميه “الشكليات”، فهو نابع من قناعتي بأن الإفراط في التمسك بالشكل الدستوري، في لحظة انهيار سياسي وأمني، قد يحول دون القدرة على اتخاذ قرارات فعالة. أنا لا أدعو إلى تجاوز الدستور، بل إلى قراءته بروح تسمح للدولة بأن تستمر في أداء وظائفها في أصعب الظروف.
وفي ما يتعلق بالاقتصاد اللبناني الحر، فإنني أعتبره أحد الأعمدة الأساسية لفكرة لبنان التي نشأت عليها الدولة الحديثة. لذلك أتمسك بضرورة حمايته من أي اهتزاز سياسي، لأنني أرى أن ضرب الاستقرار السياسي ينعكس مباشرة على النموذج الاقتصادي اللبناني القائم على الانفتاح والحرية الاقتصادية. كما أؤكد على أهمية عرض الموازنة في مجلس النواب، لأنني أعتبر أن المؤسسة التشريعية تبقى الإطار الشرعي الوحيد لضبط المال العام ومراقبته، حتى في أصعب الظروف. إنني أرى أن الحفاظ على دور البرلمان هو جزء أساسي من الحفاظ على الدولة نفسها، وليس مجرد إجراء إداري. ومن خلال هذا النقاش، تتبلور في ذهني ثلاثة ثوابت أساسية: أولًا، ضرورة التوازن بين الصرامة الدستورية والمرونة السياسية في إدارة الأزمات؛ ثانيًا، رفض الانزلاق نحو تعطيل المؤسسات مهما كانت حدة الظروف؛ وثالثًا، التمسك بدور المؤسسات الدستورية، وفي مقدمتها مجلس النواب، كضمانة لاستمرار الدولة ومنع انهيارها. و لا أتعامل مع تلك المرحلة باعتبارها مجرد أزمة عابرة، بل كاختبار حقيقي لقدرة الدولة اللبنانية على البقاء، بين ضغط الواقع السياسي والأمني من جهة، ومتطلبات الدستور من جهة أخرى، وهو توازن أراه أساسيًا لفهم معنى الدولة واستمرارها في لبنان.   يعكس هذا التصريح للنائب إدوار حنين رؤية سياسية متشددة وواضحة المعالم، تنطلق من مناخ الحرب اللبنانية في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات، حيث كانت الدولة اللبنانية تعاني من تفكك مؤسساتي حاد، وتداخل غير مسبوق بين المحلي والإقليمي والدولي في إدارة الأزمة اللبنانية.
في هذا السياق، يظهر حنين كأحد الأصوات السياسية التي تربط بشكل مباشر بين الأزمة الأمنية الداخلية وبين ما يعتبره امتدادات خارجية للصراع اللبناني. فمهاجمته لمؤتمر باريس لا تنفصل عن قناعة راسخة لديه بأن جزءًا من المقاربات الدولية تجاه لبنان لا يعالج جوهر الأزمة، بل يعيد إنتاجها عبر مؤتمرات يعتبرها شكلية أو منحازة، لا تعكس حقيقة ما يجري على الأرض اللبنانية. وهو في ذلك ينطلق من رؤية تعتبر أن لبنان لم يعد مجرد ساحة داخلية، بل أصبح موضوعًا لصراع مصالح دولي وإقليمي، ما يجعل أي حل لا يمر عبر إعادة الاعتبار للسيادة اللبنانية حلًا ناقصًا أو مشوهًا. وفي المقابل، يبرز في خطابه بُعد نقدي واضح للدور الفلسطيني في لبنان، حيث يربط بين الوجود الفلسطيني المسلح وبين اختلال التوازن الأمني والسياسي الداخلي. هذا الطرح يعكس مناخًا سياسيًا واسعًا في تلك المرحلة داخل بعض القوى اللبنانية، التي رأت في السلاح الفلسطيني خارج المخيمات أحد أبرز عوامل انهيار سلطة الدولة. غير أن حنين لا يكتفي بالتوصيف الأمني، بل يذهب إلى تحميل هذا الواقع أبعادًا سياسية مرتبطة بطبيعة النظام اللبناني نفسه، وبعجزه عن فرض سيادته الكاملة على أراضيه. أما في ما يتعلق بالموقف من أوروبا، فيدعو حنين إلى دور أوروبي أكثر فاعلية ومبادرة تجاه لبنان، في مقابل ما يعتبره ترددًا أو مقاربات غير مباشرة للأزمة. وهذا يعكس إدراكًا لديه بأن الحل اللبناني لا يمكن أن يبقى محصورًا ضمن الإطار المحلي أو الإقليمي، بل يحتاج إلى رعاية دولية أكثر وضوحًا، شرط أن تكون هذه الرعاية قائمة على دعم الدولة اللبنانية لا على تجاوزها أو الالتفاف عليها.
وفي الجانب المتعلق بتأليف الحكومة، يطرح حنين فكرة “الحكومة الرباعية” كصيغة استثنائية تعكس طبيعة المرحلة. هذه الدعوة لا يمكن قراءتها بمعزل عن الواقع السياسي اللبناني آنذاك، حيث كانت الحكومات التقليدية عاجزة عن إنتاج استقرار فعلي أو فرض قرارات سيادية. لذلك، تأتي فكرته كنوع من البحث عن نموذج حكم مصغّر، سريع وفعّال، قادر على اتخاذ القرار بعيدًا عن التعقيدات التوافقية التي كانت تشلّ العمل السياسي. وهي في العمق تعبير عن قناعة بأن النظام السياسي اللبناني بصيغته التقليدية لم يعد صالحًا لإدارة أزمة بهذا الحجم. وتكشف هذه الرؤية مجتمعة عن ثلاث ثوابت في فكر إدوار حنين السياسي في تلك المرحلة: أولًا، أولوية استعادة الدولة وسيادتها كمدخل لأي حل؛ ثانيًا، اعتبار السلاح غير الشرعي، خصوصًا الفلسطيني، عنصرًا مركزيًا في الأزمة اللبنانية؛ ثالثًا، القناعة بأن الحلول التقليدية لم تعد كافية، ما يستدعي مقاربات استثنائية سواء على مستوى الحكم أو على مستوى إدارة العلاقة مع الخارج.
وبذلك، يظهر حنين كأحد الأصوات التي تنتمي إلى تيار سياسي يرى أن لبنان في تلك المرحلة لم يكن بحاجة إلى إصلاحات تدريجية، بل إلى إعادة تأسيس فعلية لمفهوم الدولة، حتى لو استدعى ذلك خيارات سياسية غير مألوفة أو صادمة في الشكل، لكنها من وجهة نظره ضرورية لإنقاذ الكيان من الانهيار.
  عندما أتناول مؤتمر باريس، فإنني أعتبر أن كثيرًا من المقاربات الدولية المطروحة تجاه لبنان لا تعالج جوهر الأزمة، بل تساهم في إعادة إنتاجها من خلال مؤتمرات أراها شكلية أو غير منسجمة مع حقيقة ما يجري على الأرض اللبنانية. أنا أنطلق من قناعة بأن لبنان لم يعد مجرد ساحة داخلية، بل أصبح موضوعًا لصراع مصالح دولي وإقليمي، ولذلك فإن أي حل لا يقوم على استعادة السيادة اللبنانية الكاملة يبقى حلًا ناقصًا وغير قابل للحياة.
وفي ما يتعلق بالوجود الفلسطيني في لبنان، فإنني أرى أن هذا الوجود، وخاصة حين يتخذ طابعًا مسلحًا خارج إطار الدولة، يشكّل أحد أبرز عوامل اختلال التوازن الأمني والسياسي الداخلي. أنا لا أتعامل مع هذه المسألة كقضية أمنية فقط، بل أراها جزءًا من أزمة أعمق تتعلق بقدرة النظام اللبناني على فرض سيادته الكاملة على أراضيه، وهو ما لم يتحقق في ظل الظروف التي تمر بها البلاد.
أما في مقاربتي للدور الأوروبي، فإنني أدعو إلى أن يكون لأوروبا دور أكثر فاعلية ومبادرة في معالجة الأزمة اللبنانية، بدل الاكتفاء بمواقف غير مباشرة أو مترددة. أنا أرى أن الحل اللبناني لا يمكن أن يبقى محصورًا في الإطار الداخلي أو الإقليمي، بل يحتاج إلى انخراط دولي واضح، شرط أن يكون هذا الانخراط داعمًا للدولة اللبنانية لا بديلًا عنها أو متجاوزًا لها.
وفي ما يخص تشكيل الحكومة، فإنني أطرح فكرة “الحكومة الرباعية” كصيغة استثنائية تعكس حجم الانسداد السياسي القائم. أنا أنطلق من قناعة بأن الحكومات التقليدية لم تعد قادرة على إنتاج حلول فعلية أو فرض استقرار حقيقي، لذلك أبحث عن نموذج حكم محدود وأكثر فعالية، قادر على اتخاذ القرار بعيدًا عن التعقيدات التي يشهدها النظام السياسي اللبناني. هذه الفكرة بالنسبة لي تعبّر عن ضرورة كسر الجمود السياسي وإعادة إنتاج السلطة بشكل مختلف عن الصيغ التقليدية.
و أستند إلى ثلاث قناعات أساسية: أولًا، أن أزمة لبنان هي في جوهرها أزمة سيادة قبل أن تكون أزمة حكم؛ ثانيًا، أن السلاح غير الشرعي، خصوصًا الفلسطيني، يشكل عنصرًا محوريًا في تفكك الدولة؛ وثالثًا، أن المرحلة الحالية تتطلب حلولًا استثنائية تتجاوز الأدوات السياسية التقليدية، سواء على المستوى الداخلي أو في العلاقة مع الخارج.
لبنان لا يحتاج فقط إلى إصلاحات تدريجية، بل إلى إعادة تأسيس فعلية لدولة قادرة على استعادة قرارها وسيادتها، حتى لو تطلّب ذلك خيارات سياسية غير مألوفة في الشكل، لكنها ضرورية في الجوهر لإنقاذ الكيان من الانهيار.
حادثة الاعتداء على الجيش اللبناني تتجاوز البعد الأمني إلى البعد السياسي والوطني،
أي مسّ بالمؤسسة العسكرية هو مسّ بكيان الدولة نفسه، لا مجرد حادث عرضي. في هذا الإطار، يبرز الجيش في خطابه كرمز للوحدة الوطنية وركيزة الشرعية، ما يفسّر تشديده على ضرورة أن يكون موقف الضباط موحّدًا ومتطابقًا مع مفهوم “الكرامة العسكرية”، في مواجهة محاولات التفكك أو الانقسام. هذا النقد يعكس رؤية تعتبر أنّ الدولة، بمؤسساتها السياسية، عاجزة أو مترددة في اتخاذ قرارات حاسمة، وهو ما يفتح المجال أمام قوى الأمر الواقع لفرض منطقها. ومن هنا، تأتي الدعوة إلى إجراءات “حازمة” تكشف بازدواجية خطاب بعض القوى المسلحة، في إشارة واضحة إلى رفض أي دور يتجاوز سلطة الدولة أو ينافسها. موقف متقدم تجاه السلاح الفلسطيني في الداخل اللبناني، إذ لا يكفي بإدانة الاعتداءات، بل ربطه بمسار أوسع يهدد السيادة والاستقرار.
القضية الفلسطينية، رغم عدالتها، لا يمكن أن تُدار على حساب الدولة اللبنانية أو أمنها الداخلي. وتبرز هنا مفارقة لافتة، حيث يميّز بين “العدو الخارجي” الذي يجب أن يوجّه إليه السلاح، وبين الاستخدام الداخلي لهذا السلاح، الذي يعتبره مرفوضًا ومصدرًا للفوضى.
أما تحرك صيدا، فيعكس حساسية سياسية واجتماعية لافتة، في احتجاجات المدينة تعبير صادق عن وجع وطني جامع، لا مجرد رد فعل محلي. وهو يرفع هذا الصوت إلى مستوى وطني، معتبرًا أنه يجسّد التقاء اللبنانيين حول فكرة الدولة والشرعية، بعيدًا عن الانقسامات التقليدية. بهذا المعنى، يحاول تحويل حدث موضعي إلى مؤشر على إمكانية بناء إجماع وطني أوسع.
  في الشق السياسي الأوسع، يقدّم حنين قراءة تشاؤمية لمسار “الوفاق اللبناني”، إذ يرى أنّ كل محاولات التوافق كانت تُجهض بفعل قوى لا مصلحة لها في الاستقرار. وهو بذلك يعبّر عن أزمة ثقة عميقة بالمسارات الداخلية، ويطرح ضمنيًا خيار تدويل القضية اللبنانية أو عرضها بوضوح على المجتمع الدولي، في محاولة لحماية لبنان من حلول تُفرض عليه من الخارج على حساب مصلحته.
تكشف هذه المقابلة عن رؤية سياسية متماسكة قوامها: الدفاع عن الدولة المركزية، التمسك بالجيش كمرجعية جامعة، رفض أي سلاح خارج الشرعية، والدعوة إلى حسم سياسي يضع حدًا للازدواجية والتردد. وهي رؤية تجمع بين البعد السيادي والبعد الإصلاحي، وتعكس في الوقت نفسه هواجس مرحلة كانت تتسم بتداخل العوامل الداخلية والخارجية، وبصراع مفتوح على هوية الدولة ودورها. أولوية الدولة وهيبتها، وأضع مسألة السيادة في صلب أي مقاربة للأزمة اللبنانية في هذه المرحلة الدقيقة. أنطلق من حادثة الاعتداء على الجيش اللبناني لأبني عليها قراءة أوسع تتجاوز البعد الأمني إلى البعد السياسي والوطني، إذ أعتبر أنّ أي مسّ بالمؤسسة العسكرية هو مسّ بكيان الدولة نفسه، وليس مجرد حادث عرضي. ومن هذا المنطلق، أرى في الجيش رمزًا للوحدة الوطنية وركيزة الشرعية، لذلك أشدد على ضرورة أن يكون موقف الضباط موحّدًا ومتطابقًا مع مفهوم الكرامة العسكرية في مواجهة كل محاولات التفكك والانقسام. وفي المقابل، أوجّه نقدًا واضحًا للحكومة، ليس فقط بسبب ضعف ردّ فعلها، بل أيضًا بسبب ما أراه تقاعسًا بنيويًا في مواجهة التحديات التي تضرب السيادة. إنني أعتبر أنّ الدولة، بمؤسساتها السياسية، تبدو عاجزة أو مترددة في اتخاذ قرارات حاسمة، ما يفتح المجال أمام قوى الأمر الواقع لفرض منطقها. ومن هنا، أدعو إلى إجراءات حازمة تكشف الازدواجية في خطاب بعض القوى المسلحة، وأرفض أي دور يتجاوز سلطة الدولة أو ينافسها. كما أعبّر عن موقفي من مسألة السلاح الفلسطيني في الداخل اللبناني، فأنا لا أكتفي بإدانة الاعتداءات، بل أربطها بمسار أوسع يهدد السيادة والاستقرار. أؤمن بأنّ القضية الفلسطينية، رغم عدالتها، لا يمكن أن تُدار على حساب الدولة اللبنانية أو أمنها الداخلي. وأميّز بوضوح بين العدو الخارجي الذي يجب أن يوجَّه إليه السلاح، وبين استخدام هذا السلاح في الداخل، وهو أمر أرفضه بشكل قاطع لما يسببه من فوضى وضرب للاستقرار. وفي قراءتي لتحرك صيدا، أُظهر حساسية سياسية واجتماعية تجاه ما عبّر عنه أهل المدينة، إذ أرى في احتجاجاتهم تعبيرًا صادقًا عن وجع وطني جامع، لا مجرد رد فعل محلي. وأرفع هذا الصوت إلى مستوى وطني، معتبرًا أنه يجسّد التقاء اللبنانيين حول فكرة الدولة والشرعية، بعيدًا عن الانقسامات التقليدية، وأعتبره مؤشرًا على إمكانية بناء إجماع وطني أوسع. أما في الشق السياسي العام، فأقدّم قراءة نقدية لمسار الوفاق اللبناني، إذ أرى أنّ كل محاولات التوافق كانت تُجهض بفعل قوى لا مصلحة لها في الاستقرار. وأعبّر عن أزمة ثقة عميقة بالمسارات الداخلية، وأطرح ضمنيًا ضرورة عرض القضية اللبنانية بوضوح على المجتمع الدولي، لحماية لبنان من حلول تُفرض عليه على حساب مصلحته الوطنية. و أقدّم رؤية سياسية متماسكة تقوم على الدفاع عن الدولة المركزية، والتمسك بالجيش كمرجعية جامعة، ورفض أي سلاح خارج إطار الشرعية، والدعوة إلى حسم سياسي ينهي حالة التردد والازدواجية. إنها رؤية تجمع بين البعد السيادي والبعد الإصلاحي، وتعكس هواجسي في مرحلة تتداخل فيها العوامل الداخلية والخارجية، ويحتدم فيها الصراع حول هوية الدولة ودورها. يعكس الحديث الصحافي للنائب إدوار حنين في مطلع حزيران 1980 رؤية سياسية متشددة في مقاربة الأزمة اللبنانية، تقوم على إعادة تعريف دور الدولة، وإعادة ضبط علاقة لبنان بالوجود الفلسطيني المسلح، وعلى بلورة تصور راديكالي لإدارة السلطة في ظل الانهيار المؤسساتي الذي كانت تشهده البلاد آنذاك. ويمكن قراءة مواقفه بوصفها امتدادًا لمرحلة اتساع الفوضى الأمنية والسياسية، وتراجع قدرة الدولة المركزية على فرض سلطتها، مقابل صعود قوى الأمر الواقع وتعدد مراكز النفوذ. في مقاربته لرسالة الرئيس إلياس سركيس إلى رئيس وزراء إيطاليا في سياق التحضير لمؤتمر البندقية، يركز حنين على ملفين أساسيين يعتبرهما جوهر الأزمة اللبنانية: الوجود الفلسطيني الكثيف داخل لبنان، ورفض أي صيغة تؤدي إلى التوطين. وهو لا يتعامل مع هذا الملف بوصفه قضية ديموغرافية أو إنسانية فحسب، بل باعتباره عامل خلل في “التوازن الوطني”، أي في البنية السياسية والاجتماعية للدولة اللبنانية. هذا الطرح يعكس في تلك المرحلة اتجاهاً واسعاً داخل بعض القوى اللبنانية التي رأت في السلاح الفلسطيني داخل المخيمات وخارجها أحد أبرز عوامل انهيار سلطة الدولة، خاصة في ظل تصاعد المواجهات بين الجيش والفصائل الفلسطينية وتوسع مناطق النفوذ المسلح خارج سلطة الحكومة.
يدعو حنين الرئيس سركيس إلى نقل هذا الملف إلى الرأي العام الدولي، في محاولة لرفع المسؤولية عن لبنان وتحميلها “للعالم” وفق تعبيره، في سياق قراءة تعتبر أن لبنان تحوّل إلى ساحة لتصفية صراعات إقليمية ودولية. هذا التوجه يعكس شعوراً متزايداً في تلك المرحلة بأن الحلول الداخلية باتت شبه مستحيلة، وأن الأزمة اللبنانية باتت مرتبطة مباشرة بالتوازنات الإقليمية، خصوصاً بعد اتفاق القاهرة 1969 وما نتج عنه من تنظيم الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان، ثم انهيار هذا التوازن تدريجياً مع اندلاع الحرب الأهلية عام 1975.
أما في ما يتعلق بـ“خلوة الجبهة اللبنانية”، فيقدم حنين تصوراً تنظيمياً يعكس محاولة لإعادة إنتاج القرار السياسي داخل قوى الجبهة، عبر منهجية تقوم على إعداد الدراسات والوثائق المسبقة قبل النقاش. ويمكن قراءة هذا الطرح كجزء من سعي القوى المسيحية السياسية والعسكرية آنذاك إلى تطوير أطر تنظيمية أكثر صلابة في مواجهة حالة التفكك العام، خصوصاً مع تصاعد دور الميليشيات وتراجع فعالية المؤسسات الدستورية. لكن البعد الأبرز في هذا الحديث يظهر في مقاربته للأزمة الحكومية، حيث يذهب حنين إلى توصيف حاد وغير تقليدي للواقع السياسي، حين يقترح ما يسميه “حكومة مجانين” في إشارة رمزية إلى الحاجة إلى سلطة قادرة على الصدمة وكسر الجمود السياسي القائم. هذا الطرح، رغم طابعه الجدلي، يعكس قناعة بأن الحكومات التقليدية في تلك المرحلة لم تعد قادرة على إدارة الانهيار، وأن النظام السياسي اللبناني بصيغته التوافقية بات عاجزاً عن إنتاج حلول فعلية.
كما يستعيد حنين نماذج حكومية تاريخية مثل حكومتي إميل إده ورياض الصلح، في محاولة لإبراز لحظات مفصلية في تاريخ لبنان ارتبطت إحداها ببناء الكيان والأخرى بإعلان الاستقلال، ليقارنها بواقع يعتبره متفككاً وفاقداً للقدرة على الإنتاج السياسي. ومن خلال هذه المقارنة، يطرح ضمنياً سؤالاً حول شرعية النظام القائم وقدرته على الاستمرار في ظل الحرب.
وفي تناوله للخطاب السياسي المتبادل بين القوى اللبنانية، ولا سيما الردود بين القيادات المسيحية وبعض القيادات الإسلامية، يظهر حنين منحى تصعيدياً واضحاً في استخدام اللغة السياسية، حيث تتداخل الاعتبارات الوطنية بالطابع التعبوي، في ظل استقطاب طائفي وسياسي بلغ ذروته في تلك المرحلة. ويعكس ذلك واقعاً كانت فيه الخطابات السياسية تتحول إلى أدوات تعبئة مباشرة في سياق الحرب الأهلية، أكثر من كونها نقاشات مؤسساتية. أما في موقفه من التصريحات الدينية والسياسية، فيحاول حنين توظيف البعد الديني في إطار وطني جامع، عبر التركيز على فكرة “وحدة الكلمة” مقابل “كلمة التوحيد”، في إشارة إلى ضرورة توحيد اللبنانيين حول مشروع الدولة، رغم التباينات الطائفية والسياسية. غير أن هذا الخطاب، رغم طابعه التوافقي الظاهر، يأتي ضمن سياق سياسي مشحون يعكس صراعاً على تعريف هوية لبنان بين مشروع الدولة المركزية ومشاريع القوى المسلحة والمجتمعية المتعددة.
  منطلقًا من قناعة أساسية مفادها أنّ الأزمة اللبنانية هي في جوهرها أزمة سيادة ودولة قبل أن تكون أزمة حكم. أرى أنّ تفكك السلطة المركزية وتراجع قدرة المؤسسات الدستورية على فرض حضورها، في ظل تصاعد القوى المسلحة وتعدد مراكز القرار، جعل من الضروري إعادة تعريف وظيفة الدولة ودورها في حماية الكيان اللبناني.
وعندما أتوقف عند رسالة الرئيس إلياس سركيس إلى رئيس وزراء إيطاليا في سياق التحضير لمؤتمر البندقية، فإنني أعتبر أنّ هناك ملفين أساسيين لا يمكن تجاهلهما: الوجود الفلسطيني الكثيف داخل لبنان ورفض أي صيغة تؤدي إلى التوطين. أنا لا أتعامل مع هذا الملف كمسألة إنسانية أو ديموغرافية فقط، بل أراه عنصر خلل مباشر في التوازن الوطني والسياسي. ومن هنا أدعو إلى نقل هذه القضية إلى الرأي العام الدولي، لأنني أعتقد أنّ لبنان بات في موقع لا يستطيع فيه وحده تحمل نتائج هذا التعقيد الإقليمي والدولي، خصوصًا بعد التحولات التي رافقت اتفاق القاهرة وتداعيات الحرب.
وفي ما يتعلق بخلوة الجبهة اللبنانية، فإنني أرى ضرورة اعتماد منهجية تنظيمية واضحة تقوم على إعداد الدراسات والوثائق مسبقًا قبل الدخول في النقاشات، لأنني أعتبر أن التخطيط المسبق هو جزء أساسي من أي عملية سياسية جدية في ظل مرحلة مضطربة ومعقدة. هذا الأسلوب في العمل يعكس بالنسبة لي محاولة لتثبيت الحد الأدنى من التنظيم السياسي في مواجهة الفوضى التي تحيط بالدولة.
أما في قراءتي للوضع الحكومي، فأنا أعبّر بصراحة عن قناعتي بأن الحكومات التقليدية لم تعد قادرة على مواجهة حجم الانهيار القائم. وعندما أستخدم تعبير “حكومة مجانين”، فإنني أستخدمه كصورة رمزية للدلالة على الحاجة إلى صدمة سياسية كبرى تكسر الجمود القائم وتعيد إنتاج القرار السياسي بطريقة مختلفة عن كل ما هو مألوف. وفي هذا السياق أستحضر تجارب حكومية سابقة، مثل حكومتي إميل إده ورياض الصلح، ليس للمقارنة الشكلية فقط، بل للتذكير بمحطات مفصلية ارتبطت بتأسيس الكيان والاستقلال، في مقابل واقع أراه اليوم متفككًا وعاجزًا عن إنتاج أي مشروع دولة متماسك. وفي تعاطي مع الخطاب السياسي السائد بين القوى اللبنانية، أرى أنّ حدّة الاستقطاب بلغت مستوى خطيرًا، حيث تحوّل الخطاب السياسي إلى أداة مواجهة مباشرة بدل أن يكون مساحة للحوار. لذلك أتعاطى مع هذا الواقع من موقع التحذير من انزلاق البلاد نحو مزيد من التفكك والانقسام، في ظل حرب مفتوحة تعيد صياغة كل التوازنات الداخلية.
وعندما أتناول بعض المواقف الدينية والسياسية، فإنني أحاول أن أستحضر البعد الوطني الجامع، من خلال التأكيد على فكرة وحدة الكلمة مقابل التشرذم، لأنني أعتبر أن أي مشروع لإنقاذ لبنان لا يمكن أن يقوم إلا على قاعدة الحد الأدنى من الالتقاء الوطني، رغم كل التباينات الطائفية والسياسية.
في الخلاصة، أقدّم رؤيتي على أساس ثلاث قناعات مركزية: أولًا، أنّ الأزمة اللبنانية هي أزمة سيادة قبل أن تكون أزمة إدارة؛ ثانيًا، أنّ الوجود المسلح خارج إطار الدولة يشكّل أحد أبرز عوامل انهيار الكيان؛ وثالثًا، أنّ المرحلة تتطلب نمطًا استثنائيًا من التفكير السياسي القادر على كسر الجمود وإعادة بناء مفهوم الدولة. وأعتبر أنّ هذه الرؤية تنبع من واقع مأزوم تعيشه البلاد في ظل حرب مفتوحة على شكل الدولة وهويتها ودورها.
  موقف سياسي مسيحي من رفض الاستراتيجية اللبنانية السورية الموحدة في أيلول 1984
في أيلول 1984، يعيش لبنان حالة دقيقة للغاية على الصعيد السياسي والأمني، وسط تعقيدات داخلية وخارجية متشابكة، أهمها الدور السوري المتزايد في الساحة اللبنانية، الذي يترافق مع مبادرات سورية لبناء استراتيجية موحدة مع لبنان لمواجهة التحديات الأمنية والسياسية في المنطقة، لا سيما في ظل استمرار الحرب الأهلية وتوترات الجنوب.
بيد أن هذه الاستراتيجية اللبنانية-السورية الموحدة تواجه رفضاً واضحاً من جانب شريحة من السياسيين المسيحيين الذين يرون في هذه الخطوة محاولة لتمويه توسيع النفوذ السوري داخل لبنان، وإضعاف سيادة الدولة اللبنانية واستقلال قرارها السياسي.
هذا الرفض ينبع من جملة مخاوف رئيسية: 1.
رفض توصيع الدور السوري: يرى السياسي المسيحي أن الدور السوري يجب أن يبقى داعماً ومراقباً وليس متحكماً ومقررًا، أي أن سوريا ليست شريكاً في الحكم بقدر ما هي قوة توازن وإطار أمني.
2.
التمسك بنتائج القمة اللبنانية-السورية كإطار للانسجام لا للتحكم: نتائج القمة يجب أن تُترجم على أساس احترام السيادة اللبنانية وعدم فرض أجندات سياسية سورية داخلية على لبنان.
3.
رفض استراتيجية المواجهة الموحدة: حيث تعتبر هذه الاستراتيجية إلغاء فعلياً للخصوصية اللبنانية وللخيار السياسي الوطني اللبناني، وتحويل كل القرارات إلى إطار إقليمي محصور بين بيروت ودمشق، مما يُضعف فرص الحل الداخلي الحقيقي.
4.
الدعوة إلى سيادة القرار اللبناني: ضرورة أن يكون القرار السياسي اللبناني نابعاً من توافق داخلي لبناني بعيداً عن ضغوط خارجية، وإن كانت الصداقة مع سوريا من ثوابت السياسة اللبنانية.
5.
المخاوف من تفاقم الانقسامات: أن فرض استراتيجية موحدة من دون توافق داخلي شامل قد يؤدي إلى مزيد من الانقسامات الطائفية والمناطقية، ويعمق الأزمة.
بناء عليه، يؤكد السياسي المسيحي أنه لا بد من إعادة قراءة دور سوريا بشكل دقيق يضمن مصالح لبنان أولاً، ويبعد عن لبنان أية سياسة توسيعية أو سيطرة، مع تعزيز الحوار الوطني اللبناني الداخلي للوصول إلى حلول تحترم التنوع اللبناني وتعزز الدولة.
حوار صحافي – حزيران 1984 الصحافي: تربطون بين الانتخابات الإسرائيلية واحتمال التصعيد العسكري، ألا تعتقدون أن هذا الربط قد يُعد مبالغة في التفسير؟
إدوار حنين: أبدًا، التاريخ السياسي الإسرائيلي يزخر بأمثلة عن استخدام الحرب كأداة انتخابية.
في 1981، سبق الاجتياح الإسرائيلي للبنان الانتخابات بفترة قصيرة، وكان له أثر تعبوي داخل إسرائيل.
اليوم، ومع الفشل في تحقيق أهداف الحرب، قد يحتاج قادة إسرائيل إلى "نصر محدود" يعيد ثقة الشارع بهم، ولا شيء يخدم هذا الهدف كما مواجهة مع عدو واضح مثل سوريا.
الصحافي: وهل تعتقد أن الحرب العراقية-الإيرانية تُسهّل هذا التوجه؟
إدوار حنين: بالتأكيد، إذ تتيح لإسرائيل التحرك بحرّية أكبر.
القوى التي كان يمكن أن ترد أو تردع، مشغولة في نزاعاتها.
العراق غارق في حربه، وسوريا بدورها توزّع قواتها بين لبنان والجولان.
وهذا يفتح مجالًا أمام إسرائيل للمراهنة على عدم وجود جبهة معاكسة موحدة.
الصحافي: هل نحن أمام نهاية مرحلة وبداية أخرى فعلاً، كما توحي التطورات في العاصمة والمعابر؟
إدوار حنين: بلا شك، ما يجري اليوم ليس مجرد إجراءات تقنية، بل يحمل دلالات عميقة.
فتح المعابر، تشغيل المطار والمرفأ، كلّها إشارات إلى رغبة – ولو خجولة – بإعادة توحيد الكيان.
نحن نشهد انتقالاً من هدنة هشّة إلى بداية تفكير جدي ببناء سلام داخلي.
إذا توافرت النية الحقيقية لتجاوز الحسابات الضيقة، فإن الإمكانية قائمة.
الجنوب ليس قضية حدود فقط، بل قضية وطن.
لا يمكن الحديث عن استقرار إذا بقي الجنوب خارج حسابات الدولة.
المطلوب خطة واضحة لتحرير الأرض، وإعادة إعمار البشر والحجر.
أي تأخير في هذا الملف سيُفقد كل الخطوات الأخرى معناها.
الشعب تعب، لكنه لم يفقد الأمل.
حين يرى أن الطرق تفتح، وأن الدولة تتحرك، وأن الحوار يعود إلى الواجهة، يشعر بأن هناك ضوءاً في آخر النفق.
المطلوب الآن هو البناء على هذا الضوء، لا خنقه مجدداً بمغامرات أو صفقات.
تموز 1984 قد يكون منعرجاً حقيقياً في تاريخ لبنان، فلنحوله من هدنة عابرة إلى بداية لمسار سلام دائم، نابع من الداخل، ومحصّن بالشراكة والعدالة.
المحاور الصحافي: كيف تقرأ أهمية فتح طريق بيروت - دمشق حتى صوفر في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ لبنان؟
إدوار حنين: فتح هذا الطريق يعد خطوة استراتيجية ليس فقط من الناحية الاقتصادية، بل من الناحية السياسية أيضاً.
فهو يعكس رغبة جدية في إعادة ربط لبنان بمحيطه العربي، خصوصاً مع سورية التي لطالما كانت بوابة حيوية.
الطريق قد يساهم في تخفيف الحصار الاقتصادي على لبنان ويعيد تحريك قطاعات عدة، مع أنه يواجه تحديات أمنية لا يمكن تجاهلها.
خطة الجبل فرصة حقيقية لاستعادة الاستقرار في مناطق الجبل؟
الخطة تمثل محاولة جدية للتهدئة والتعايش السياسي، وهي مبنية على تقاسم السلطة والضمانات الأمنية للطوائف المختلفة.
لكن كما تعلم، السياسة في لبنان معقدة، وانتظار الموافقة يعكس الحذر الكبير الذي يتسم به الوضع.
إن نجحت الخطة، فستكون خطوة نحو استقرار أكبر، ولكن الطريق لا تزال محفوفة بالتحديات.
تصريحات الوزير بري تبعث رسالة إيجابية عن وعي لمعاناة الجنوب.
لكن الأهم هو التنفيذ العملي وليس التصريحات فقط.
يجب أن تتحول الكلمات إلى إجراءات ملموسة تدعم الأهالي وتوفر لهم الحماية والفرص.
الجبهة تمثل محاولة لتوحيد قوى وطنية عبر الطوائف والأحزاب من أجل حماية السلم الأهلي وتعزيز البدائل السياسية الوطنية.
وجودها مهم في هذه المرحلة التي تحتاج إلى جهود حقيقية لاحتواء الأزمة وتقديم رؤية وطنية شاملة.
إنها مشروع طموح، ومتابعة تطوراتها ستكون مهمة لرصد ما إذا كانت قادرة على إحداث تغيير حقيقي.
في ظل التطورات الأخيرة، الاستراتيجية اللبنانية السورية الموحدة التي تم الإعلان عنها مؤخرا لا تعكس واقعاً سياسياً سليماً في لبنان، بل هي محاولة لسحب القرار اللبناني من يد أبنائه وإحلال أجندة خارجية مكانه.
التنسيق والاحترام المتبادل ضروريان بين البلدين، ولكن التنسيق لا يعني التفريط في السيادة ولا قبول فرض أجندات موحدة تجعل من لبنان مجرد امتداد سياسي لسوريا.
أخشى أن يؤدي فرض هذه الاستراتيجية إلى إضعاف المؤسسات اللبنانية وإلغاء التعددية السياسية التي هي جوهر لبنان.
هناك خطر كبير أن تزيد الانقسامات الطائفية والمناطقية، وأن تُستغل سوريا كأداة للضغط الداخلي.
الترجمة الحقيقية لنتائج القمة اللبنانية-السورية تكون عبر احترام السيادة اللبنانية، وعودة الحوار الوطني بين اللبنانيين أنفسهم بعيداً عن التوصيات الإقليمية التي تملي أدواراً خارجية على الساحة اللبنانية.
لبنان دولة ذات خصوصية، لا يمكن لأي قوة إقليمية أو خارجية أن تتجاوز إرادة شعبه.
الاحترام المتبادل والحوار الداخلي هما السبيل الوحيد للخروج من الأزمة، والتمسك بسيادة القرار الوطني هو الضمانة لبناء سلام دائم.
  زيارة باريس وعشاء العمل بين الرئيس كرامي والمسؤولين الفرنسيين في تشرين الأول 1984 في ظل تطورات الوضع اللبناني والإقليمي
في خضم الأوضاع السياسية المضطربة التي شهدها لبنان في تشرين الأول 1984، برزت زيارة الرئيس اللبناني الأمين كرامي إلى باريس كواحدة من المحطات الدبلوماسية المهمة التي حاولت من خلالها الحكومة اللبنانية إيجاد مسارات جديدة للتعامل مع التداعيات الإقليمية والدولية التي كانت تؤثر على لبنان.
جاءت هذه الزيارة في وقت تشهد فيه البلاد تصعيداً عسكرياً وسياسياً محلياً، ووسط تناقضات في المواقف الدولية تجاه الملف اللبناني.
تميزت الزيارة بعشاء عمل جمع الرئيس كرامي مع كبار المسؤولين الفرنسيين، بحضور وزراء الحكومة اللبنانية: الوزير ريمون شامعون، وزير الإعلام إلياس بري، ووزير الخارجية أنطوان اسكاف.
في هذا اللقاء، حاول الجانب اللبناني التأكيد على عمق العلاقات التاريخية بين لبنان وفرنسا، وإبراز دور فرنسا كطرف فاعل في دعم لبنان للحفاظ على سيادته واستقلال قراره الوطني في وجه التدخلات الخارجية، خصوصاً السورية والإسرائيلية.
كانت باريس تعبر عن رغبتها في تعزيز دورها الدبلوماسي في لبنان، مع إدراكها للأهمية الاستراتيجية التي يحتلها لبنان في الشرق الأوسط.
كما كانت فرنسا تسعى لتقديم مبادرات سياسية متوازنة تأخذ بعين الاعتبار تعقيدات الأزمة اللبنانية، خاصة بعد سنوات الحرب الأهلية التي أنهكت البلاد وعمقت الانقسامات الطائفية والسياسية.
وفي السياق ذاته، كان يلفت الانتباه في تلك المرحلة تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي شيمون بيريز، الذي كان متواجداً في نيويورك حيث صرح بأنه سيعتبر زيارته للولايات المتحدة ناجحة إذا تم الاتفاق على انسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان.
هذه التصريحات حملت رسائل سياسية مزدوجة: من جهة، محاولة لعرض إسرائيل كطرف راغب في تحقيق تسوية، ومن جهة أخرى، وضع شروط وضغوط على القوى اللبنانية والدولية لضبط مفاوضات الانسحاب.
بالنسبة للحكومة اللبنانية، كانت هذه التصريحات تأكيداً على أهمية توحيد الموقف الوطني حول مسألة انسحاب القوات الأجنبية من لبنان، لا سيما في ظل استمرار وجود القوات الإسرائيلية في الجنوب، وكذلك القوات السورية في مناطق أخرى من البلاد.
كما أكد الوزراء اللبنانيون المشاركون في عشاء باريس على ضرورة دعم المبادرات الدولية التي تسعى إلى وقف إطلاق النار واستعادة الوحدة اللبنانية، مع الإشارة إلى أهمية دعم المؤسسات اللبنانية وتقوية دور الحكومة في إدارة الأزمة.
تأتي هذه الزيارة في إطار مساعٍ لبنانية لإعادة تفعيل الدور الفرنسي في لبنان، وهو ما يعكس أيضاً رغبة الحكومة في الحصول على دعم دولي أوسع لإيجاد حلول سياسية تحقق الحد الأدنى من الاستقرار.
لكنها تظل محاطة بتعقيدات كثيرة، منها تباين المواقف الدولية من جهة، وتعدد القوى الداخلية المتصارعة من جهة أخرى.
إن زيارة كرامي وعشاء العمل مع المسؤولين الفرنسيين يعكسان محاولة لبنانية دبلوماسية لإعادة ترتيب الأوراق وإيجاد صيغة توافقية تحافظ على السيادة اللبنانية، وترسم خارطة طريق للخروج من الحرب الأهلية، في ظل وجود تهديدات إقليمية ودولية.
  لبنان ألف وفضة والعسكري لمفاوضة إسرائيل في إطار الهدنة وقرارات مجلس الأمن – قراءة سياسية في تشرين الثاني 1984
في ظل تعقيدات الحرب اللبنانية المستمرة وتداخل القوى الإقليمية والدولية في شؤون لبنان، يبرز في الأفق مفهوماً جديداً يعبر عن طموح وطني عميق في سبيل استعادة سيادة لبنان وأرضه وكرامته، وهو مفهوم "لبنان ألف وفضة".
هذه التسمية التي تبرز كرمز لفكرة لبنان المشرق القوي، الذي يحمل في طياته معاني الألف – رمز للأصالة والتاريخ العريق – والفضة – رمز للنقاء والقيمة الرفيعة، تعبّر عن مشروع وطني جامع يهدف إلى الخروج من دائرة الحرب والانقسامات إلى فضاء سياسي جديد يسوده السلام والاستقرار.
أبعاد فكرة "لبنان ألف وفضة"
فكرة "لبنان ألف وفضة" ليست مجرد شعار أو ترفٍ فكري، بل هي خطة سياسية واستراتيجية شاملة تتجاوز المصالح الحزبية والطائفية، وتهدف إلى بناء دولة وطنية مدنية تحترم التنوع، وتلتزم بالدستور وسيادة القانون.
وتنبع هذه الفكرة من إدراك أن لبنان لا يمكن أن يستعيد عافيته إلا بعودة الوحدة الوطنية والمصالحة بين أبنائه، وتجاوز المحاور الخارجية التي تحكم المشهد اللبناني.
في هذا السياق، يشكل العسكري اللبناني المفاوض مع إسرائيل في إطار الهدنة وقرارات مجلس الأمن، لاعباً محورياً في تحقيق هذا الهدف.
فالمفاوضات القائمة، وعلى الرغم من التعقيدات والتحديات، هي محاولة ضرورية لإيجاد حلول سلمية تضمن انسحاب القوات الأجنبية، وتؤمن استقرار الجنوب اللبناني، وتفتح الطريق لإعادة بناء المؤسسات الوطنية.
المفاوضات في الناقورة ودورها
اجتماع الناقورة الأخير، الذي جمع ممثلي لبنان وإسرائيل برعاية دولية، يُعد محطة هامة في مسار البحث عن حلول سلمية.
وفيه تم توضيح التصورات اللبنانية التي تتمسك بحقوق لبنان كاملة في أراضيه، وتطالب بتنفيذ قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، خاصة القرار 425 الذي يدعو إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية.
الوفد اللبناني المفاوض، رغم كل الضغوط، يتمسك بثوابته الوطنية ويرى في الناقورة فرصة لإظهار الجدية اللبنانية في السعي إلى حل سياسي يوقف نزيف الدم ويعيد لبنان إلى موقعه الطبيعي كدولة مستقلة وذات سيادة.
التحديات والفرص
من المؤكد أن المسار المفاوض يحمل في طياته الكثير من التحديات، خصوصاً في ظل استمرار التوترات المسلحة داخل لبنان وبين الأطراف المتنازعة، وكذلك وجود قوى خارجية تسعى إلى توسيع نفوذها على حساب لبنان.
لكن مع ذلك، فإن "لبنان ألف وفضة" يفتح أفقاً جديداً يبشر بفرصة استثنائية لتوحيد الجهود الوطنية، والعمل بروح المسؤولية على إنهاء حالة الحرب، واستعادة الدولة وحماية الهوية اللبنانية الجامعة.
إن فكرة "لبنان ألف وفضة" في تشرين الثاني 1984 هي تعبير عن أمل لبناني حقيقي في السلام والكرامة، يدعمها الموقف العسكري الوطني المفاوض مع إسرائيل في إطار الهدنة، ويؤكد ضرورة الالتزام بقرارات مجلس الأمن والاجتماعات الدبلوماسية مثل اجتماع الناقورة لتوضيح التصورات وتحقيق النتائج المرجوة.
وهذا يتطلب من جميع اللبنانيين، وفي مقدمتهم السياسيين والمفاوضين العسكريين، تحمل المسؤولية الوطنية والعمل دون كلل أو ملل لتجسيد هذا المشروع الكبير.
محاولة تعويم "خطة الساحل" ودور المجلس العسكري في كانون الأول 1984
في أجواء متشابكة وصعبة، يعيش لبنان في أواخر عام 1984 مرحلة حرجة تعكس تعقيدات الصراع الداخلي، الإقليمي والدولي.
في هذا السياق، برزت محاولة جدية لتعويم ما يعرف بـ"خطة الساحل"، تلك المبادرة التي تسعى إلى إعادة ترتيب الأوضاع في المناطق الساحلية، لا سيما في ظل انتشار الفصائل العسكرية المتعددة على طول الساحل اللبناني، والتي تشكل بؤرة تنازع مستمرة.
المجلس العسكري اللبناني، كجهة مسؤولة عن حفظ الأمن ومحاولة فرض النظام العسكري، طرح في كانون الأول 1984 تصورًا جديدًا يهدف إلى استعادة السيطرة على الساحل من خلال اعتماد استراتيجية واضحة تقوم على تخليص الانتشار العسكري العشوائي في الإقليم.
تمحورت هذه الاستراتيجية حول ثلاثة محاور رئيسية: 1.
تخليص انتشار القوى المسلحة: حيث تم العمل على تقليص عدد النقاط العسكرية المنتشرة عشوائياً، مع تكثيف الرقابة على الطرقات والمداخل والمخارج الحيوية.
هذه الخطوة جاءت في إطار تقليل الصدامات بين الفصائل المختلفة ومحاولة إعادة السيطرة على الساحة الأمنية.
2.
اعتماد الدوريات المشتركة: اقترح المجلس العسكري تشكيل دوريات عسكرية وأمنية مشتركة تضم عناصر من مختلف الأطراف اللبنانية، بهدف ضمان توزيع عادل للقوة ولمنع أي استفراد أو استغلال من قبل أي جهة.
هذه الدوريات من شأنها أن تكون آلية عمل فعالة للمراقبة والحفظ على الأمن والاستقرار النسبي.
3.
الحوار مع الأطراف السياسية والعسكرية: مع إدراك المجلس العسكري أن فرض الأمن بالقوة وحدها لن ينجح، تم توجيه دعوات متكررة إلى الأطراف السياسية والعسكرية لفتح قنوات حوار جدي حول مستقبل الساحل اللبناني ودور كل طرف، مع التأكيد على ضرورة التهدئة والانسحاب من المناطق التي تشكل بؤر توتر.
مع ذلك، فإن هذه الخطة واجهت عدة تحديات أبرزها غياب الثقة بين الفصائل المسلحة، وكذلك التدخلات الإقليمية التي أفرزت منطقاً مغايراً للتنسيق الداخلي.
كما أن القوى الخارجية لم تكن على وفاق بشأن مستقبل لبنان، ما أعاق أي محاولة حقيقية لتطبيق الخطة على الأرض.
ورغم هذه الصعوبات، بقيت محاولة تعويم "خطة الساحل" وسيلة مؤقتة لتخفيف حدة التوترات في المناطق الساحلية، مع أمل أن تساهم التدابير العسكرية المقترحة من قبل المجلس العسكري في إعادة الاستقرار والأمن إلى لبنان في هذه المرحلة الحرجة.
  حوار صحافي المحاور الصحافي: كيف تقرأ زيارة الرئيس كرامي إلى باريس في هذا التوقيت الدقيق من الأزمة اللبنانية؟
إدوار حنين: زيارات من هذا النوع دائماً تحمل رسائل سياسية مهمة.
زيارة كرامي إلى باريس في تشرين الأول 1984 جاءت لتعكس رغبة الحكومة اللبنانية في تعزيز الدعم الدولي، خصوصاً الفرنسي، في مواجهة التحديات التي تمر بها البلاد.
فرنسا لها تاريخ طويل مع لبنان، ودورها مهم في محاولة تحقيق توازن دبلوماسي بين مختلف الأطراف.
عشاء العمل الذي جمع الرئيس كرامي مع المسؤولين الفرنسيين بحضور الوزراء اللبنانيين كان فرصة لعرض موقف لبنان بشكل متماسك، حيث شارك فيه وزراء يمثلون قطاعات مهمة كالإعلام والخارجية.
وهو مؤشر على رغبة لبنان في الحفاظ على وحدة الموقف الرسمي وتوحيد الرؤية حول كيفية التعامل مع الأزمات، لاسيما موضوع انسحاب القوات الأجنبية.
ثمة تصريحات لرئيس الوزراء الإسرائيلي بيريز في نيويورك تشير إلى شروط لنجاح زيارته تتمثل في الانسحاب الإسرائيلي من لبنان.
تصريحات بيريز ليست جديدة، فهي جزء من لعبة الضغط السياسية التي تمارسها إسرائيل.
لكنها في الوقت نفسه تعطي فرصة للدبلوماسية اللبنانية لتطالب بشكل أوضح بالانسحاب الكامل.
التصريحات تعكس حالة من عدم اليقين، لكن من ناحية أخرى تشكل حافزاً للحكومة اللبنانية وللشركاء الدوليين لتكثيف جهودهم لإيجاد حلول.
ثمة الكثير من التعقيدات الداخلية والخارجية.
لكن هذه التحركات تبقى ضرورية لإبقاء ملف لبنان حياً على طاولة النقاش الدولي، وهو ما يتيح فرصة لفتح نوافذ أمل للخروج من الأزمة، خاصة إذا ما تم توحيد الجهود اللبنانية وتضافرت مع الدعم الدولي.
توحيد الصف الداخلي، التعامل مع الوجود العسكري الأجنبي، وإقناع الأطراف الدولية بدعم سيادة لبنان واستقلاله.
الأهم من ذلك، هو إيجاد رؤية سياسية واضحة ترتكز على الحوار الوطني الشامل والبحث عن حلول سلمية تحفظ لبنان وتحميه من الانزلاق أكثر في دوامة الحرب.
الصحافي: في ظل الوضع الراهن في لبنان، ما هي قراءتك لفكرة "لبنان ألف وفضة" التي تطرح كخطة وطنية؟
إدوار حنين: الفكرة تحمل في طياتها الكثير من الأمل.
هي ليست مجرد شعار، بل مشروع يهدف إلى إعادة لبنان إلى مساره الطبيعي، حيث الوحدة الوطنية والسلام هما الأساس.
في زمن تتقاذفنا فيه الأزمات، يجب أن نتمسك بهذه الرؤية القادرة على توحيد اللبنانيين.
المفاوضات العسكرية مع إسرائيل في إطار الهدنة وقرارات مجلس الأمن هي طريق مؤلم لكنه ضروري.
رغم كل العقبات، يجب أن نحاول استثمار كل فرصة لإعادة السلام إلى أرضنا.
التزام لبنان بقرارات مجلس الأمن يضمن له الحق في استعادة أراضيه ووقف الاعتداءات.
لذلك، الوفد العسكري يمثل صوت الوطن ويجب دعمه.
اجتماع الناقورة الذي عُقد مؤخراً كان محطة مهمة لعرض موقف لبنان بوضوح، ولتأكيد التمسك بالقرارات الدولية.
كان فرصة لتوضيح التصورات الوطنية، ولإظهار أننا جادون في السعي إلى سلام مستدام.
التحديات داخلية وخارجية كثيرة.
داخلية تتمثل في الانقسامات والاقتتال، وخارجية في محاولات بعض القوى الإقليمية والدولية فرض أجنداتها.
لكن، مع الإرادة الوطنية الصادقة، يمكن تجاوز هذه العقبات.
أتطلع إلى أن يعود لبنان آمناً موحداً قوياً، "لبنان ألف وفضة"، نموذجاً للتعايش والكرامة، بعيداً عن الحرب والاقتتال، حيث يستطيع أبناؤه العيش بكرامة وأمان.
  في سياق التحولات الكبرى التي شهدها لبنان مطلع ثمانينيات القرن الماضي، ولا سيما مع انطلاق المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية التي أفضت إلى توقيع اتفاق 17 أيار، برزت معالم مرحلة سياسية جديدة حاولت الدولة اللبنانية من خلالها إعادة تثبيت حضورها وسيادتها في خضم تعقيدات الحرب والانقسامات الداخلية. وقد شكّل دخول لبنان في مسار تفاوضي برعاية الولايات المتحدة الأمريكية تحوّلاً نوعياً في مقاربة الصراع، إذ أتاح له تثبيت حقه في التفاوض، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، تحت مظلة دولية، في محاولة لتكريس نفسه طرفاً سيادياً يسعى إلى حماية مصالحه الوطنية وسط توازنات إقليمية دقيقة. في هذا الإطار، برزت رئاسة الجمهورية، بقيادة أمين الجميل، كمرجعية أساسية في إدارة هذا الملف، حيث سعت إلى تعزيز شرعية الدولة كممثل وحيد في القضايا السيادية، في مواجهة واقع تعددية القوى العسكرية والسياسية التي كانت تتحكم بمفاصل القرار على الأرض. وقد أضفى هذا الدور على موقع الرئاسة بعداً سياسياً ودبلوماسياً متقدماً، داخلياً وخارجياً. كما ساهمت هذه المفاوضات في خلق مناخ سياسي أقل توتراً نسبياً، سمح بإعادة طرح أولويات الدولة، ولو بشكل محدود، في مجالات إعادة الإعمار وتنظيم المؤسسات، في وقت كانت فيه البلاد لا تزال ترزح تحت وطأة تداعيات الاجتياح الإسرائيلي عام 1982. كذلك، شكّل فتح قنوات التواصل السياسية محاولة لخفض احتمالات التصعيد العسكري، ولو أن الوقائع الميدانية بقيت متقلبة. على الصعيد الدولي، عكست الرعاية الأميركية المباشرة للمفاوضات مستوى عالياً من الانخراط في الملف اللبناني، حيث حرصت واشنطن على مواكبة تفاصيل العملية التفاوضية، ما جعلها بمثابة الضامن الأساسي لأي تفاهمات محتملة. وقد تجلّى ذلك من خلال حضور دبلوماسي رفيع، وإدراج الملف اللبناني ضمن أولويات السياسة الأميركية في الشرق الأوسط في تلك المرحلة الحساسة من الحرب الباردة. هذا الدعم لم يقتصر على الجانب السياسي، بل حمل في طياته إشارات إلى استعداد المجتمع الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، لتقديم مساعدات اقتصادية وإعادة إعمار، في حال نجاح المسار التفاوضي وتثبيت الاستقرار. كما أسهم في إعادة تفعيل قنوات التواصل بين بيروت وواشنطن، بعد مراحل من الاضطراب، ما عزّز موقع لبنان ضمن شبكة الاهتمام الدولي. في موازاة ذلك، برز دور المؤسسات الأمنية، ولا سيما الجيش اللبناني، كعنصر أساسي في أي ترتيبات ميدانية محتملة، في محاولة لإعادة بناء سلطة الدولة على كامل أراضيها. كما ساهمت هذه المرحلة في تحسين صورة لبنان خارجياً كدولة تسعى إلى اعتماد الدبلوماسية والحوار، رغم التعقيدات الداخلية والانقسامات الحادة. ومع أن هذه المكتسبات بقيت رهناً بمسار التنفيذ والتوازنات الداخلية والإقليمية، فإن مرحلة مفاوضات 1983 عكست محاولة جدية لإخراج لبنان من منطق المواجهة المفتوحة إلى أفق التسويات السياسية، ولو أن هذا المسار سرعان ما واجه تحديات كبيرة أدت لاحقاً إلى تعثره وانهياره تحت ضغط الواقع الداخلي والتحولات الإقليمية.
  تضمّ بلدة كفرشيما عددًا من الرعايا والكنائس المارونية التي تعكس تاريخها الديني العريق ضمن نطاق أبرشية بيروت المارونية، وأبرزها:
كنيسة مار أنطونيوس الكبير (الرعية الأساسية)
تُعدّ من أهم كنائس البلدة ومركز الحياة الرعوية فيها، وتستقطب النشاطات الدينية والاجتماعية، خصوصًا في عيد مار أنطونيوس الكبير.
كنيسة مار الياس
من الكنائس القديمة في كفرشيما، وترتبط بتقاليد شعبية ودينية متجذّرة، لا سيما في عيد مار الياس الذي يحتل مكانة خاصة في القرى اللبنانية.
كنيسة مار جرجس
تحمل اسم مار جرجس، وتُعد من الكنائس التي يقصدها المؤمنون للصلاة وطلب الشفاعة، وله حضور واسع في الوجدان الشعبي اللبناني.
كنائس ومزارات أخرى
إلى جانب هذه الكنائس، توجد مزارات صغيرة وكنائس فرعية تعبّر عن الامتداد التاريخي المسيحي في البلدة، وتدلّ على دورها في الحياة الكنسية ضمن نطاق جبل لبنان.
تاريخيًا، عُرفت كفرشيما بنشاطها الثقافي والديني، وكانت من البلدات التي حافظت على تقاليدها المارونية من خلال هذه الرعايا التي لعبت دورًا أساسيًا في التربية والإرشاد والعمل الاجتماعي.
  يمكن تلمّس مؤشرات الدعم الأميركي المباشر للبنان من خلال هذا الاجتماع عبر مجموعة إشارات سياسية وعملية تعكس حجم الانخراط الفعلي لـ الولايات المتحدة الأمريكية في إدارة هذا المسار، وأبرزها:
أولاً، مستوى التمثيل الأميركي في الاجتماع، إذ إن إرسال مسؤولين رفيعي المستوى يعكس جدية واشنطن في مواكبة الملف اللبناني وعدم تركه في دائرة الإهمال.
ثانياً، رعاية واشنطن المباشرة لمسار التفاوض، ما يعني أنها ليست مجرد وسيط بل ضامن لمسار العملية، وهو عنصر أساسي لأي تقدم محتمل.
ثالثاً، إدراج الملف اللبناني ضمن أولويات السياسة الأميركية في المنطقة، في ظل تزامنه مع ملفات ساخنة، ما يدل على رغبة في منع تفجر الوضع في لبنان.
رابعاً، تأكيد الدعم لمؤسسات الدولة، وخصوصاً الشرعية، بما يعزز موقعها التفاوضي ويمنحها غطاءً دولياً.
خامساً، إشارات إلى استعداد لتقديم دعم اقتصادي أو مالي، سواء بشكل مباشر أو عبر المؤسسات الدولية، في حال تحقيق تقدم سياسي.
سادساً، التركيز على استقرار الجنوب اللبناني، بما يشمل دعم دور الجيش اللبناني وضبط التوتر.
سابعاً، الدفع باتجاه حلول دبلوماسية بدلاً من التصعيد العسكري، وهو ما يشكل بحد ذاته دعماً للبنان الذي يسعى لتفادي الانزلاق إلى مواجهة واسعة.
ثامناً، إعادة تفعيل قنوات التواصل السياسية بين بيروت وواشنطن، بعد فترة من الفتور، ما يفتح الباب أمام تعاون أوسع.
تاسعاً، إعطاء إشارات طمأنة للمجتمع الدولي بأن لبنان بات ضمن مظلة متابعة دولية، ما يشجع الدول الأخرى على الانخراط في دعمه.
عاشراً، ربط أي تسويات محتملة بضمانات أميركية، وهو ما يعزز فرص تنفيذها ويحدّ من احتمالات انهيارها لاحقاً.
بهذه المؤشرات، لا يظهر الدعم الأميركي فقط في الشكل الدبلوماسي، بل في المضمون السياسي والأمني والاقتصادي، ما يعكس تحوّلاً في مقاربة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه لبنان في هذه المرحلة.
  يمكن مقاربة انطلاق المفاوضات الإسرائيلية – اللبنانية كحدث مفصلي يفتح الباب أمام جملة من المكاسب السياسية والاستراتيجية للبنان ولرئاسة الشيخ أمين الجميل، سواء على مستوى الداخل أو في علاقاته الخارجية.
وفي هذا السياق، يمكن تعداد أبرز عشرة مكتسبات محتملة: أولاً، تكريس شرعية الدولة اللبنانية كمرجعية وحيدة في التفاوض، بما يعزز موقع الرئاسة ويعيد تثبيت دور المؤسسات الرسمية في إدارة الملفات السيادية.
ثانياً، استعادة لبنان موقعه على الخريطة الدبلوماسية الدولية بعد سنوات من العزلة، عبر بوابة الانخراط المباشر مع الولايات المتحدة الأمريكية كوسيط أساسي في المنطقة.
ثالثاً، تثبيت دور رئيس الجمهورية كقائد لمرحلة التفاوض، ما يمنحه زخماً سياسياً داخلياً ويعزز موقعه التوافقي بين القوى اللبنانية.
رابعاً، فتح الباب أمام دعم اقتصادي ومالي محتمل، إذ غالباً ما ترتبط المفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية بإعادة تفعيل قنوات المساعدات والاستثمارات.
خامساً، خفض منسوب التوتر.
سادساً، تحسين شروط التفاوض حول الملفات العالقة، سواء الحدودية أو الأمنية، بما يمنح لبنان هامشاً أوسع للدفاع عن مصالحه.
سابعاً، تعزيز موقع الجيش اللبناني كمؤسسة ضامنة للاستقرار، في ظل الرعاية الدولية لأي تفاهمات قد تنتج عن هذه المفاوضات.
ثامناً، إعادة بناء الثقة الدولية بلبنان، ما قد ينعكس إيجاباً على علاقاته مع المؤسسات المالية والدول المانحة.
تاسعاً، إضعاف احتمالات الانزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة، عبر فتح قنوات دبلوماسية مباشرة أو غير مباشرة لإدارة النزاع.
عاشراً، تكريس نهج الحوار كخيار استراتيجي للدولة اللبنانية، ما يعزز صورة لبنان كدولة تسعى إلى الحلول السلمية ويعيد الاعتبار للدبلوماسية كأداة رئيسية في إدارة الأزمات.
هذه المكتسبات تبقى مرتبطة بمسار المفاوضات ونتائجها، لكنها في حدّها الأدنى تشكل فرصة سياسية مهمة يمكن للبنان ورئيسه البناء عليها في المرحلة المقبلة.
  يمكن مقاربة انطلاق المفاوضات الأميركية – اللبنانية كحدث مفصلي يفتح الباب أمام جملة من المكاسب السياسية والاستراتيجية للبنان ولرئيس الجمهورية جوزف عون، سواء على مستوى الداخل أو في علاقاته الخارجية.
وفي هذا السياق، يمكن تعداد أبرز عشرة مكتسبات محتملة: أولاً، تكريس شرعية الدولة اللبنانية كمرجعية وحيدة في التفاوض، بما يعزز موقع الرئاسة ويعيد تثبيت دور المؤسسات الرسمية في إدارة الملفات السيادية.
ثانياً، استعادة لبنان موقعه على الخريطة الدبلوماسية الدولية بعد سنوات من العزلة، عبر بوابة الانخراط المباشر مع الولايات المتحدة الأمريكية كوسيط أساسي في المنطقة.
ثالثاً، تثبيت دور رئيس الجمهورية كقائد لمرحلة التفاوض، ما يمنحه زخماً سياسياً داخلياً ويعزز موقعه التوافقي بين القوى اللبنانية.
رابعاً، فتح الباب أمام دعم اقتصادي ومالي محتمل، إذ غالباً ما ترتبط المفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية بإعادة تفعيل قنوات المساعدات والاستثمارات.
خامساً، خفض منسوب التوتر في الجنوب، خصوصاً في المناطق الحدودية مثل بنت جبيل، بما ينعكس استقراراً أمنياً على الداخل اللبناني.
سادساً، تحسين شروط التفاوض حول الملفات العالقة، سواء الحدودية أو الأمنية، بما يمنح لبنان هامشاً أوسع للدفاع عن مصالحه.
سابعاً، تعزيز موقع الجيش اللبناني كمؤسسة ضامنة للاستقرار، في ظل الرعاية الدولية لأي تفاهمات قد تنتج عن هذه المفاوضات.
ثامناً، إعادة بناء الثقة الدولية بلبنان، ما قد ينعكس إيجاباً على علاقاته مع المؤسسات المالية والدول المانحة.
تاسعاً، إضعاف احتمالات الانزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة، عبر فتح قنوات دبلوماسية مباشرة أو غير مباشرة لإدارة النزاع.
عاشراً، تكريس نهج الحوار كخيار استراتيجي للدولة اللبنانية، ما يعزز صورة لبنان كدولة تسعى إلى الحلول السلمية ويعيد الاعتبار للدبلوماسية كأداة رئيسية في إدارة الأزمات.
هذه المكتسبات تبقى مرتبطة بمسار المفاوضات ونتائجها، لكنها في حدّها الأدنى تشكل فرصة سياسية مهمة يمكن للبنان ورئيسه البناء عليها في المرحلة المقبلة.
  المفاوضات المباشرة والمسار المفخخ في لحظة سياسية وأمنية دقيقة، تتجه الأنظار إلى انطلاق مسار تفاوضي لبناني – إسرائيلي برعاية أميركية مباشرة، بدأ فعلياً تمهيداً لجلسة أولى مرتقبة الأسبوع المقبل كاختبار أولي لإمكانية الانتقال من إدارة التصعيد إلى إدارة التسوية.
الادارة الأميركية تقود واشنطن هذا المسار عبر مقاربة تقوم على خفض التصعيد أولاً، وفرض وقفة ميدانية مؤقتة، على أن تمتد هذه المرحلة نحو أسبوعين كمرحلة اختبار للنيات السياسية والعسكرية.
اسرائيل في المقابل، تتعامل إسرائيل مع هذا المسار وفق مقاربة تدريجية يقودها رئيس الوزراء، تقوم على البدء بملفات تقنية وإجرائية تتعلق بوقف النار وترتيبات الميدان، قبل الانتقال إلى الملفات السياسية أو الحدودية الكبرى، وفق مبدأ “التدرج المشروط” المرتبط بتطور الميدان.
الشرعية اللبنانية لبنانياً، تبدو الصورة أكثر تعقيداً، إذ ثمّة انقسام داخلي حول طبيعة التفاوض وحدود الدولة ودور القوى غير الرسمية.
فالدولة اللبنانية، عبر رئاسة الجمهورية، تتعامل مع المسار بوصفه فرصة لوقف الحرب واحتواء الانهيار، وإعادة إدراج لبنان على جدول الاهتمام الدولي، بما يتيح فتح نافذة دبلوماسية طال انتظارها، رغم إدراكها لحجم المخاطر المحيطة بهذا المسار.
القوى المناهضة في المقابل، ترفض القوى المناهضة للشرعية هذا المسار بصيغته المطروحة، وتعتبره محاولة لفرض وقائع سياسية تحت ضغط النار، مؤكدة على استمرار “المقاومة” ورفض العودة إلى ما قبل الحرب، ما يفتح الباب أمام احتكاك داخلي متزايد.
سوريا سورياً، يُنظر إلى هذا التطور من زاوية أوسع مرتبطة بإعادة رسم التوازنات في الإقليم، حيث يُقرأ المسار اللبناني كجزء من شبكة تفاهمات وضغوط متبادلة، رغم السعي الأميركي لإنجاح التفاوض.
واشنطن في واشنطن، يظهر الدور الأميركي كراعي وضاغط في آن، هدفه تثبيت تهدئة ميدانية سريعة ومنع توسع الحرب، وفتح مسار تفاوضي مضبوط الإيقاع، يمنع الانفجار الشامل ويحول دون انزلاق الساحة اللبنانية إلى مواجهة إقليمية أوسع.
الداخل اللبناني داخلياً، ينعكس هذا التباين على الشارع اللبناني بتعقيدات واضحة، حيث تتباين المواقف بين بيئات سياسية وطائفية مختلفة: في الشارع المعارض حضور قوي لهواجس المواجهة والرفض، في مقابل أصوات مسيحية تميل إلى دعم دور المؤسسات الرسمية وتثبيت القرار السيادي.
ميدانيًا على الأرض، تتزامن التحضيرات الدبلوماسية مع تصعيد عسكري لافت، ما يعكس خطاً متوازياً بين مسار التفاوض الناشئ ومسار المواجهة المستمر، ويزيد من تعقيد المشهد، ما يجعل من الجولة الأولى المرتقبة اختباراً حقيقياً ليس فقط لإمكانية التفاوض، بل لقدرة النظام اللبناني نفسه على إدارة واحدة من أكثر المراحل دقة في تاريخه الحديث.
  مبادرة سياسية لحوار وطني مسؤول حول مطالب السلك القضائي انطلاقًا من إيماننا بدور القضاء كسلطة مستقلة وركن أساسي من أركان الدولة، وحرصًا على حماية كرامة القضاة وتلبية حقوقهم المعيشية والمهنية، وتفاديًا لكل ما من شأنه أن يُسيء إلى صورة القضاء أو يُزعزع الثقة العامة بعدالته، نقترح، بصفتنا مسؤولين وطنيين، المبادرة إلى ما يلي: أولًا: تشكيل لجنة حوار وطني مؤقتة تتألف من: ممثل عن رئاسة الحكومة ممثل عن وزارة العدل ممثل عن مجلس القضاء الأعلى ممثل عن نقابة المحامين قضاة من مختلف الدرجات يُنتخبون داخليًا من الجسم القضائي خبير اقتصادي مستقل ثانيًا: مهام اللجنة الاستماع إلى المطالب المعيشية والمهنية للقضاة، وتحليل أسباب الأزمة دراسة الإمكانيات التشريعية والإدارية لتصحيح أوضاع السلك القضائي ماليًا ومعنويًا وضع خارطة طريق لإعادة الثقة بموقع القاضي، وتفعيل استقلالية السلطة القضائية اقتراح نصوص تنظيمية لتعزيز أمن القضاة الاجتماعي والوظيفي، دون إخلال بمبدأ حيادية القضاء اقتراح إنشاء "صندوق دعم العدالة" مستقل، لتأمين استمرارية الخدمات القضائية في كل الظروف ثالثًا: مخرجات الحوار تقديم تقرير شامل إلى مجلس الوزراء خلال مهلة شهرين إحالة التوصيات التشريعية إلى مجلس النواب، مرفقة بمقترحات قوانين الالتزام السياسي العلني بتطبيق التوصيات تدريجيًا وفق جدول زمني إن هذه المبادرة ليست تدخلًا في شؤون القضاء، بل جسر تواصل دستوري مشروع بين السلطات، ووسيلة عقلانية لتجنيب البلاد مواجهة بين من يُفترض أنهم حماة الدولة ومؤتمنوها.
فلنضع معًا، كسياسيين وقضاة ومشرّعين، نموذجًا حضاريًا في إدارة الخلاف، يؤكّد أن العدالة لا تُطلب بالصراخ، ولا تُحقّق بالصمت، بل تُبنى بالحوار والشراكة والمسؤولية.
دراسة تحليلية حول العلاقات التاريخية بين الموارنة والدروز: من الشراكة التاريخية إلى الانقسام الدموي
تُعد العلاقة بين الموارنة والدروز في لبنان إحدى المحطات المحورية التي شكلت مسار الكيان اللبناني، وجزءًا لا يتجزأ من نسيجه الطائفي والاجتماعي.
تنبع هذه العلاقة من تراكمات تاريخية طويلة، تداخلت فيها عوامل دينية، سياسية، اجتماعية وجغرافية، انعكست في نمط تفاعل متقلب بين الشراكة والتنافس، التعايش والصراع.
ومن هنا تنطلق هذه الدراسة التحليلية لفهم أبعاد هذه العلاقة، مع إضاءة خاصة على الأسباب التي أدت إلى الانقسامات الحادة والتوترات العميقة التي شهدها لبنان في ثمانينيات القرن العشرين، خاصة في سياق الحرب الأهلية.
1.
الجذور التاريخية للعلاقة تعود علاقة الموارنة والدروز إلى القرن السابع عشر حين بدأت موجات هجرة الموارنة من شمال لبنان إلى مناطق الجبل التي كان يقطنها الدروز بشكل رئيسي.
في تلك الفترة، تميز الجبل بكونه منطقة إقطاعية تحكمها قبائل وعائلات قوية، وفي مقدمها العائلات الدرزية الكبرى مثل شهاب والماهوز، والسلطة كانت منحصرة إلى حد كبير في أيدي الزعامات الدرزية.
لقد تميزت العلاقة آنذاك بأنها قائمة على تبادل مصالح: الموارنة حصلوا على أراضٍ وفرص استقرار، بينما الدروز حافظوا على هيمنتهم السياسية المحلية، وفي المقابل كانت هناك مشاركة محدودة للموارنة في الشؤون العامة.
هذا النمط من التعايش، وإن لم يكن متكافئًا، مثل الأساس الأول لشراكة الجبل، والتي يمكن اعتبارها نواة الدولة اللبنانية المبكرة.
2.
عوامل تصعيد التوتر: من القائمقاميتين إلى مجازر 1860 بدأت العلاقة تتوتر مع تحول القوى السياسية والديموغرافية في القرن التاسع عشر، حيث ازداد عدد الموارنة في مناطق نفوذ الدروز، وبرزت نخبة مارونية تطالب بحقوق أكبر، مدعومة من فرنسا والكنيسة المارونية.
في المقابل، حافظت القيادات الدرزية على هيمنتها السياسية والتقليدية، ما أدى إلى تصاعد التنافس.
نظام القائمقاميتين (1842-1860) الذي قسمت فيه جبل لبنان إلى قسمين (شمالي ماروني وجنوبي درزي)، حاول فرض توازن طائفي وإداري، لكنه في الواقع رسخ الانقسامات بدلاً من معالجتها، وأدى إلى تفاقم النزاعات.
وجاءت مجازر 1860 كذروة هذا التصعيد، حيث استغلّت قوى خارجية ومحلية النزاع الطائفي لتحقيق أهداف سياسية، وراح ضحيتها آلاف من المدنيين في مجازر وحشية تركت أثرًا عميقًا في الذاكرة الجماعية للطائفتين.
3.
مرحلة ما بعد المجازر: السعي نحو التعايش في ظل الدولة الحديثة بعد مجازر 1860 وتدخل الدولة العثمانية، ثم الانتداب الفرنسي، وسعت القيادة اللبنانية المارونية إلى بناء دولة مؤسساتية، حافظت على نظام التوازن الطائفي في الإدارة والسياسة، فيما حافظ الدروز على موقعهم السياسي والاجتماعي في مناطق الجبل، خاصة في الشوف.
في هذه المرحلة، تبلورت شراكة سياسية بين الموارنة والدروز أُسست على ميثاق غير مكتوب من التوازن والاحترام المتبادل، لكنه ظل هشًا، ولم يتجاوز آثار النزاعات السابقة، وظل الاستقرار السياسي مرتبطًا بالمصالح الظرفية والتحالفات الإقليمية والدولية.
4.
أزمة لبنان 1975-1985: لماذا انهارت العلاقة؟
بدأت الحرب اللبنانية في 1975 كسلسلة من الصراعات السياسية والاجتماعية المعقدة، لكن بين مكونات الجبل، تحولت العلاقة بين الموارنة والدروز إلى مواجهات دامية.
عدة عوامل أدت إلى ذلك: تدخل الفصائل الفلسطينية وازدياد التسلح: دخول الفلسطينيين إلى مناطق الجبل أزعج الزعامات الدرزية التي رأت في ذلك تهديدًا لمصالحها، بينما لم يكن للموارنة قدرة كافية على التصدي.
تحول التحالفات الإقليمية: تغيرت مواقف القوى الإقليمية، حيث دعم السوريون الدروز في صراعهم مع الموارنة، فيما كان للمسائل السياسية اللبنانية تأثير مباشر على الصراعات الداخلية.
المجابهات العسكرية والمجازر: شهدت الجبل معارك وحشية (مثل مجازر دير القمر وعين زحلتا وغيرها) حيث تعرض آلاف المدنيين للقتل والتهجير، ما عمّق الكراهية بين الطرفين، وأدّى إلى تهجير مئات العائلات المارونية من مناطقها التقليدية.
فشل الطبقة السياسية في إدارة الخلافات: غابت الرؤية الوطنية الجامعة، وتحولت الزعامات إلى أدوات للصراعات الطائفية والمناطقية، مع غياب آليات حقيقية للصلح والمصالحة.
5.
قراءة تحليلية للأسباب العميقة تتعدّد الأسباب التي يمكن أن تُفسر انهيار العلاقة بين الموارنة والدروز: تراكم الذاكرة التاريخية المؤلمة: مجازر 1860 وأحداث أخرى لم يتم التعامل معها بآليات مصالحة حقيقية، ما جعل الذاكرة الجماعية للطائفتين تحمل الأحقاد على مدى أجيال.
الاقتصاد السياسي للطائفية: هيمنة الزعمات الطائفية واستغلالها لمشاعر الانتماء الطائفي لصالح بقاءها السياسي، مما أدى إلى تأجيج النزاعات بدلاً من حلها.
تدخل القوى الإقليمية والدولية: كل طرف استفاد من دعم خارجي، مما عمّق الانقسامات وحوّل الصراع الداخلي إلى حرب بالوكالة.
الاختلافات الدينية والمذهبية: رغم أن الخلافات لم تكن دينية في جوهرها، إلا أن الأديان والطوائف استخدمت كأدوات للتعبئة السياسية وتبرير العنف.
6.
الخاتمة: دروس من الماضي وأفق المستقبل إن فهمنا العميق للعلاقات التاريخية بين الموارنة والدروز لا يمكن أن يقتصر على سرد الأحداث أو تحميل طائفة ما المسؤولية فقط، بل هو دعوة إلى قراءة نقدية لمسار تاريخي طويل، يحوي فرصًا ضائعة وأخطاء قاتلة.
في ظل واقع لبنان اليوم، حيث تنذر علامات الانهيار السياسي والاجتماعي، لا بد من استلهام الدروس من تجربة الجبل، والعمل على إعادة بناء الثقة بين المكونات، على قاعدة العدالة التاريخية والاعتراف بالجرح.
المصالحة ليست رفاهية، بل ضرورة وجودية للحفاظ على لبنان كدولة متعددة الطوائف قادرة على التعايش.
إن مآسي الحرب اللبنانية ليست مجرد صفحات سوداء في الماضي، بل تحذير مستمر لنا جميعًا من خطر استغلال الخلافات التاريخية لإدامة الصراع والدمار.
  مقال غير منشور الجرح اللبناني الفصل الأول: مشهد من الانهيار في بداية الثمانينيات، بدا لبنان وكأنه وطن يتفتّت على مرأى من العالم، قطعةً قطعة، وزمنًا زمنًا.
لم تكن العاصمة بيروت، التي طالما وُصفت بسويسرا الشرق، سوى ظلٍ باهتٍ لما كانت عليه.
أصوات الانفجارات كانت تعلو على صرخات الحياة، ورائحة البارود كانت أقوى من عبق الياسمين في الأزقة القديمة.
بدا أن كل شيء يسير نحو الانهيار، لكنّ الحقيقة الأعمق أن هذا الانهيار لم يكن عشوائيًا، بل كان نتاجًا طبيعيًا لصراع عالمي أكبر: الحرب الباردة.
لبنان لم ينفجر من داخله فقط.
بل هو ضحية خيوط خفية تمتد من واشنطن إلى موسكو، من تل أبيب إلى دمشق، ومن طهران إلى باريس.
كل طرف كان يبحث عن موطئ قدم في هذا الوطن الصغير، لا حبًا به، بل خدمةً لأجنداته، وتحقيقًا لتوازنات عالمية أبعد ما تكون عن همّ المواطن اللبناني الذي وقف في الطابور يطلب الخبز، أو حمل جثمان ولده من تحت الأنقاض.
في تلك اللحظة التاريخية، كان لبنان يعاني من اختناق سياسي كامل.
المؤسسات الدستورية مشلولة، الشرعية موزعة، الجيش مشرذم، والمجتمع منقسم على ذاته، وكأن الجميع ينتظر طلقة الرحمة التي لن تأتي.
ومع ذلك، لم يكن هذا الانهيار سوى الباب الذي عبرت منه القوى الدولية لتتلاعب بلبنان كما تشاء، بزعم الوساطة أو التدخل لحماية الأقليات أو منع المدّ السوفياتي أو تطويق الثورة الإسلامية أو إنهاء "الإرهاب الفلسطيني".
وكان لافتًا أن معظم اللبنانيين، على اختلاف انتماءاتهم، لم يكونوا واعين تمامًا لطبيعة ما يحدث.
ظنّ البعض أن ما يجري هو صراع طائفي داخلي، أو مجرد نزاع على السلطة.
لكن الحقيقة كانت أعمق بكثير.
لبنان كان في قلب نار دولية، تحترق على أطرافها شعوب كثيرة، لكنه كان أحد الميادين التي سمحت فيها الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي لبعضهما البعض بتبادل الضربات بالوكالة، دون الوصول إلى مواجهة مباشرة.
وهكذا، دخل لبنان الثمانينيات مثخنًا بالجراح، غير أن جراحه لم تكن وليدة صدفة، بل نتاجًا لتراكمات عقود من التداخل بين المحلي والدولي.
فالحرب فيه لم تكن داخلية تمامًا، ولا خارجية بالكامل، بل خليط مرعب من الاثنين.
والنتيجة: بلد على حافة الانتحار، لكنه لم يمت.
في افتتاحية هذا الجرح، نستطيع أن نرى بوضوح كم كان لبنان هشًا أمام الأعاصير الدولية، وكم كانت سيادته رخوة حين تُترَك لعواصم العالم أن تقرر مصيره.
لقد بات واضحًا أن الساحة اللبنانية لم تكن فقط تُستَخدم لتصفية الحسابات، بل كانت تُستَهلك بأكملها في عملية تمزيق ممنهجة.
وبينما العالم كان ينشغل بـ"توازن الردع النووي"، و"الكرملين مقابل البيت الأبيض"، كان لبنان يدفع الثمن: موتًا، تهجيرًا، جوعًا، ونسيانًا.
في هذا المشهد المأساوي، تنكشف بداية الحقيقة: لبنان لم يكن مجرد بلد يعيش حربًا أهلية، بل كان مرآةً دامية لصراع عالمي بارد لم يرحم أحدًا.
  الفصل الثاني: ساحة بلا سيادة – بداية التدويل حين اندلعت الحرب اللبنانية في منتصف السبعينيات، كان الأمل قائماً أن تُحل الأزمة في إطار لبناني محض.
لكن سرعان ما انكشفت الحقيقة المرة: القرار اللبناني لم يعد ملكًا لأهله.
ومع دخول لبنان عقد الثمانينيات، كانت السيادة قد أصبحت مجرد عنوان على ورق، لا أثر لها في الأرض ولا في السياسة.
أصبح لبنان ساحة مفتوحة، يتقاطع فيها الإقليمي والدولي، وتُدار شؤونه من خارج حدوده، بتدخلات مباشرة أو عبر أدوات محلية.
في هذا المناخ، لم تعد كلمة "التدويل" توصيفًا بلاغيًا، بل واقعًا جيوسياسيًا صارخًا.
القوى العظمى لم تكن تكتفي بإبداء الرأي في الأزمة اللبنانية، بل بدأت تُصيغ الحلول، وتُسلّح الفصائل، وتفرض الشروط، وترسم خطوط النار والهدنة على الخريطة اللبنانية كأنها تلعب على لوحة شطرنج.
وكل ذلك كان يتمّ على حساب الدولة اللبنانية، التي تقلّص دورها حتى باتت عاجزة حتى عن السيطرة على قصرها الجمهوري، ناهيك عن ضواحي بيروت أو الجنوب أو الجبل أو الشمال.
ولم تكن الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي غائبتين عن المشهد، بل حاضرتين بقوة عبر حلفائهما في الداخل.
واشنطن دعمت ما تسميه “قوى الاعتدال”، ورعت الجيش الإسرائيلي في اجتياحاته، فيما كانت موسكو تمدّ الفصائل الفلسطينية وبعض التنظيمات اليسارية اللبنانية بالسلاح والخبراء.
والكل يزعم الدفاع عن لبنان، فيما الوطن يُقطع كقماشة بين الخياطين.
التدويل لم يكن فقط عسكريًا أو سياسيًا، بل تمدّد ليشمل كل مكونات الحياة.
فحتى في الإعلام والثقافة والتعليم، أصبحت المعايير الدولية تحكم، والمساعدات المشروطة تتسلل إلى المدارس والمستشفيات، والمؤتمرات الدولية تُعقد لتقرير مصير لبنان بغياب اللبنانيين أنفسهم.
في ظل هذا التدويل، بدأت خريطة الولاءات تتغير.
لم يعد الانتماء للوطن هو المعيار، بل الانتماء إلى محور، إلى سفارة، إلى جهاز استخبارات، أو إلى دولة راعية.
وأصبح اللبناني الذي يرفع صوته بالحق يبدو كمن يغرّد خارج السرب، لأن اللعبة صارت أكبر من حجمه، والقرار لم يعد يُصنع في بعبدا ولا في السراي الحكومي، بل في واشنطن وموسكو وباريس ودمشق وتل أبيب.
وهكذا، تحوّل لبنان إلى نموذج مأساوي لوطنٍ فَقَد سيادته تدريجيًا، حتى صار لاعبوه المحليون أدوات في أيدي الغير، وقراراته الوطنية تخضع لميزان القوى الدولية.
هذا الواقع لم يُكتب له أن ينتهي في الثمانينيات، بل زرع بذورًا طويلة الأمد لعقود لاحقة، إذ كلما حاول لبنان أن يسترجع قراره، كان يُذكَّر بأنه "ساحة" قبل أن يكون "دولة".
ولعل أخطر ما في هذا التدويل، أنه لم يكن مفروضًا بالقوة وحدها، بل كان مقبولًا – وأحيانًا مطلوبًا – من أطراف لبنانية رأت فيه خلاصًا من الخصوم أو وسيلة لحماية الذات.
وهكذا، سقط لبنان مرة ثانية، لا فقط برصاص الخارج، بل بخيانة الداخل.
  الفصل الثالث: بيروت الغربية وبيروت الشرقية – انعكاس الانقسام العالمي في قلب العاصمة بيروت، ظهر الانقسام بأبشع تجلياته: لا مجرد خطوط تماس بين أحياء، بل انقسام أيديولوجي، سياسي، وثقافي يعكس خارطة الحرب الباردة العالمية بكل تفرّعاتها.
لم يكن ما يجري في بيروت مجرد نزاع أهلي، بل تجسيدًا صارخًا لصراع الكبار، حيث تحوّلت المدينة إلى مرآة مكبرة تُظهر تفاصيل الانقسام الدولي بين المعسكرين: الشرقي السوفياتي والغربي الأميركي.
بيروت الشرقية كانت تنطق بلسان المعسكر الغربي: ترفع شعارات الحرية الاقتصادية، تنفتح على أوروبا، تقف في وجه المدّ الفلسطيني والسوري، وتخشى الهيمنة الإسلامية كما تخشى السوفيات.
وكانت القوى المسيحية، خصوصًا "القوات اللبنانية"، تقود هذا التوجه، بمواقف حادة تجاه التوسع الفلسطيني، وتفضيل معلن لعلاقات متينة مع الغرب – لا سيما فرنسا والولايات المتحدة – ولو اقتضى الأمر تواصلًا غير معلن مع إسرائيل.
أما بيروت الغربية، فكانت تنطق بلغة الثورة والرفض: مقرات الفصائل الفلسطينية، تنظيمات اليسار اللبناني، النفوذ السوري، الحضور الإيراني بعد الثورة، وخطاب مُعادل لأميركا والغرب.
في تلك الرقعة، انتشرت صور لينين، وجيفارا، والزعيم عرفات، ورفرفت رايات الحزب الشيوعي اللبناني، وحزب البعث، وحركة أمل، وحزب الله في ولادته الأولى.
هناك كان الحديث عن الإمبريالية والهيمنة الغربية لا يتوقف، بل يُترجم في البيانات والمواجهات والشارع.
لم تكن خطوط التماس مجرد جدران من الإسمنت أو المتاريس من الرمل، بل كانت حدودًا أيديولوجية حقيقية.
من جهة، مطابع تنشر كتب الفلسفة الليبرالية، من جهة أخرى، منشورات تُمجّد الكفاح المسلح والتغيير الثوري.
من جهة، مدارس فرنسية المنهاج، ومن جهة أخرى، حلقات تثقيف ماركسي أو بعثي أو إسلامي.
بيروت لم تكن واحدة، بل مدينتين في مدينة واحدة، تنبضان بإيقاعين متناقضين، وتعيشان في زمنين مختلفين.
وكان اللافت أن القوى الكبرى كانت تتعامل مع هذا الانقسام وكأنه أمر طبيعي، بل مُفيد.
فقد وجدت فيه الولايات المتحدة وإسرائيل فرصة لتمرير مشاريعها عبر دعم المسيحيين، فيما رأت فيه موسكو ودمشق وطهران مجالًا لتوسيع نفوذها داخل النسيج العربي من خلال دعم "حركات التحرر".
وهكذا، تحوّلت بيروت إلى مسرح حرب باردة مصغّرة، حيث يجرّب كل محور أسلحته الأيديولوجية واللوجستية، ويخوض اختباراته على أجساد اللبنانيين وخرائط أحيائهم.
كان الأطفال في بيروت يعرفون كيف يميزون بين صوت قذيفة الـ155 من جهة الشرقيّة، وصوت صاروخ الكاتيوشا من الغرب.
يعرفون متى تنقطع الكهرباء، ومتى يعود خط الهاتف إنْ عاد.
يعرفون أن المدينة واحدة في الجغرافيا، لكنها منشطرة في الذاكرة والحلم والانتماء.
هذا الانقسام البنيوي ما كان ليحصل لولا أن لبنان كان مكشوفًا بالكامل على التدخلات الخارجية، دون غطاء داخلي قوي يحمي وحدته.
ما جرى في بيروت لم يكن مجرّد انعكاس للحرب الأهلية، بل كان صورة شاملة لحال الوطن برمّته: وطن تتجاذبه القوى الكبرى، تنقسم عاصمته كما ينقسم مجتمعه، وتُصبح شوارعه ساحات صراع عالمي بكل أبعاده.
والسؤال الذي طرحه كثر في تلك الأيام: هل ستبقى بيروت مدينة واحدة أم تُكرَّس فيها القسمة؟
وهل بالإمكان لملمة الجراح التي زرعها العالم في خاصرتها؟
أم أن الجرح أعمق من أن يُشفى؟
  الفصل الرابع: البندقية المؤجّرة – الميليشيات كأدوات للحرب الباردة في خضمّ الحرب اللبنانية، لم تكن الميليشيات المسلحة مجرّد ظاهرة محلية، بل تحوّلت إلى أذرع سياسية وعسكرية لقوى خارجية، وجُعلت أدواتٍ تنفيذية ضمن مشروع الحرب الباردة.
تكاثرت التنظيمات المسلحة، ورفعت شعارات متناقضة، لكنها اجتمعت على حقيقة واحدة: لم تكن بندقيتها حرّة، بل مؤجّرة لأجندات تتجاوز حدود لبنان.
الميليشيات، في ظاهرها، ادّعت الدفاع عن الطائفة أو الأرض أو الكرامة، لكنها في العمق كانت تتغذّى من خزائن دولية.
لم تكن تملك القدرة على الاستمرار لولا الدعم المالي والعسكري والدبلوماسي الآتي من عواصم الصراع.
وما إن بدأ عقد الثمانينيات، حتى باتت تلك التنظيمات تتبع لخطابات دولية أكثر مما تتبع لقيادات لبنانية.
الميليشيات المسيحية، وعلى رأسها "القوات اللبنانية"، حصلت على دعم غربي غير مباشر، أوروبي الطابع، أميركي المنبع، وبعض قنواته مرّت عبر إسرائيل، بحجة حماية "الأقليات" و"التوازن".
تلقّت السلاح، والعتاد، والخبرة، ووجدت نفسها تدريجيًا في موقع أقرب إلى الحلف الأطلسي منه إلى الداخل اللبناني، رغم أنها انطلقت بشعار وطني صرف.
في المقابل، الميليشيات الفلسطينية واليسارية والإسلامية تلقت دعمًا من المعسكر الشرقي، عبر سوريا أو عبر إيران في ما بعد.
كانت بندقية "فتح" تحمل ذخيرة سوفياتية، وراية "الحزب الشيوعي" تعلوها صور لينين، وتدريبات "أمل" و"حزب الله" تتم في مخيمات خاضعة للنفوذ السوري أو الإيراني، كلٌّ بحسب تموضعه في محور الشرق.
وهكذا، وجدنا لبنان مقسّمًا إلى مربّعات أيديولوجية مسلّحة.
الميليشيا لم تعد مجرد فصيل، بل كيان سياسي وعسكري له مناطقه ومصارفه ومستشفياته ومحاكمه وضرائبه، ويمثل مصالح دولة خارجية بعينها.
وإذا كانت الدولة اللبنانية قد ضعفت، فإن هذه التنظيمات ملأت الفراغ، ولكن لا بوصفها بديلًا وطنيًا، بل بديلًا تابعًا.
لقد شجعت الحرب الباردة هذا النموذج.
فالمعسكران الكبيران لم يكونا بحاجة إلى دخول مباشر في الصراع، بل اكتفيا بتمويل "وكلاء".
والميليشيا كانت الوكيل المثالي: لا تكلف المجتمع الدولي الكثير، ولا تُحرج الدول الكبرى دبلوماسيًا، وتقوم بالمطلوب على الأرض.
وكانت النتيجة أن لبنان أصبح حقل تجارب لأسلحة جديدة، وخطط عمليات سرّية، وصراعات تصفوية بدمٍ لبناني صرف.
أما على المستوى الأخلاقي والاجتماعي، فقد دفعت البلاد ثمنًا فادحًا.
تحوّلت الطائفة إلى جيش، والحيّ إلى ثكنة، والشباب إلى جنود تحت الطلب.
تفككت الدولة، ونُسفت شرعية المؤسسات، وغُسلت العقول بخطابات تبرّر العنف باسم الدفاع عن الوجود.
ولم تكن الميليشيات بمعزل عن الشعب، بل استثمرت في خوفه وغضبه وحرمانه.
صارت الراية الحزبية أقوى من علم الوطن، والسلاح رمزًا للكرامة بدل أن يكون رمزًا للفوضى.
وما بدأ كحالة دفاع ذاتي سرعان ما تحوّل إلى آلة قتالية متكاملة، تخدم سياسات تتغيّر بحسب مصالح الدول التي تدفع وتوجّه وتُخطّط من وراء الستار.
وهكذا، تحوّل اللبناني من مواطن إلى مقاتل بالوكالة، ومن حامل همّ وطنه إلى حامل بندقية غيره.
وكان السلاح الذي يوزَّع بالمجّان لا يُراد منه الانتصار للبنان، بل لاستمرار نزاع طويل الأمد، يُرهق البلد ويضعفه ليبقى أرضًا خصبة للنفوذ.
وفي زمن الحرب الباردة، لم يكن أحد يريد حلًّا حقيقيًا في لبنان.
المطلوب كان فقط: ألا ينتصر الطرف الآخر.
وبهذا المنطق، أصبحت الميليشيات جزءًا من آلة الموت الدولي، تعمل تحت شعارات لبنانية، ولكن بأوامر لا تُترجم إلا بلغة الصراع الكوني.
  الفصل الخامس: فلسطين في قلب الصراع – الورقة المشتعلة دومًا لم يكن الحضور الفلسطيني في لبنان مجرّد تفصيل عابر في مسار الحرب اللبنانية، بل كان عنصرًا مركزيًا فجّر التوازنات الداخلية، وفتح الباب واسعًا أمام التدويل.
فالقضية الفلسطينية، بوصفها بؤرة اشتعال دائمة في قلب الصراع العربي–الإسرائيلي، وورقة صراع بين الشرق والغرب، اتّخذت من لبنان في السبعينيات والثمانينيات ساحة مواجهة جديدة.
وهكذا، صار الفلسطيني في لبنان أكثر من لاجئ، وأكثر من مقاوم، بل لاعبًا إقليميًا، وشريكًا في توازنات الحرب الباردة، شاء أم أبى.
منذ انتقال منظمة التحرير الفلسطينية إلى لبنان بعد خروجها من الأردن عام 1970، تزايد ثقلها العسكري والسياسي في الجنوب والبقاع وبيروت، حتى باتت تُوصف بـ"دولة داخل الدولة".
هذا الوجود، على الرغم من مشروعية مقاومته للاحتلال الإسرائيلي، لم يكن محصنًا من التدخلات الخارجية.
فالمنظمة نفسها كانت تحظى بدعم من الاتحاد السوفياتي وحلفائه، وتسليحها وتمويلها وتدريب كوادرها جرى في أغلب الأحيان تحت إشراف المعسكر الشرقي، لا سيما عبر دمشق وموسكو وبلغراد وكوبا.
في المقابل، نظر المعسكر الغربي – خصوصًا الولايات المتحدة وإسرائيل – إلى هذا الوجود الفلسطيني بوصفه تهديدًا مباشرًا لمصالحه في الشرق الأوسط، وأداة سوفياتية مزعجة يجب تحجيمها أو اجتثاثها.
وهكذا، أصبح الوجود الفلسطيني في لبنان ميدانًا مثاليًا لتصفية الحسابات: إسرائيل تُهاجم، أميركا تضغط، وسوريا تساوم، والمنظمة تقاتل وتحاول الحفاظ على ما تبقّى من موقعها في لعبة الأمم.
لبنان الرسمي لم يكن قادرًا على ضبط هذا الوجود، لا من الناحية العسكرية، ولا من الزاوية السياسية.
فضعف الدولة، وغياب إجماع وطني حول القضية الفلسطينية، جعلا من التنظيمات الفلسطينية حرة الحركة، وقادرة على نسج تحالفات متشابكة مع أطراف لبنانية متناقضة، ما أدّى إلى مزيد من التفتّت في النسيج الوطني.
بعض القوى اللبنانية رأى في منظمة التحرير حليفًا في وجه "اليمين الانعزالي"، وبعضها الآخر اعتبرها جيش احتلال بديلًا، يهدد السيادة والكيان والخصوصية.
وكان الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 تتويجًا لهذا التوتر الإقليمي–الدولي.
فبذريعة ضرب البنية التحتية لمنظمة التحرير، شنّت إسرائيل عملية عسكرية ضخمة بدعم أميركي ضمني، أدّت إلى إخراج قيادة المنظمة من بيروت إلى تونس، ولكنها في العمق كانت أيضًا ضربة للنفوذ السوفياتي في المنطقة، ومقدمة لتحجيم الدور السوري والفلسطيني على حدّ سواء.
ومع خروج المنظمة، لم تنتهِ الورقة الفلسطينية في لبنان، بل دخلت في مرحلة جديدة.
بقيت المخيمات، وبقي الفلسطينيون دون حقوق مدنية، يتحركون في ظل الشك والاتهام، ويحملون عبء مرحلة لم يكونوا هم وحدهم من صنعها.
تحوّلوا من شركاء سياسيين في الساحة اللبنانية إلى لاجئين معزولين، خائفين، مشكوك في أمرهم، يدفعون ثمن حرب لم تكن كل أطرافها لبنانية أو فلسطينية فحسب، بل دولية بامتياز.
والأخطر، أن الورقة الفلسطينية في لبنان لم تُحسم بالكامل، بل بقيت معلّقة، تُستَخدم عند الحاجة، وتُثار كلما اشتد النزاع الإقليمي، أو احتاج محور من المحاور إلى تذكير خصمه بأن أوراقه لا تزال موجودة على الأرض اللبنانية.
وهكذا، بقي الفلسطيني في قلب المعادلة، لا فقط كمقاتل، بل كرمز لصراع لا يريد أن ينتهي.
إن وجود منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان لم يكن مجرد لحظة تكتيكية، بل كان تموضعًا استراتيجيًا في قلب معركة الحرب الباردة.
وقد أُحسن استغلاله من طرفي الصراع الدولي، حتى تحوّل المخيم إلى جبهة، واللاجئ إلى متّهَم، والقضية إلى ساحة استنزاف.
وهكذا، تكرّس مشهد إضافي من مأساة لبنان: وطن صغير، تحمّل فوق طاقته صراعًا لا يُحتمل، فصار يحترق في صراع الآخرين، وأرضه تُحرَث بقدم كل طامح.
.
.
فلسطينيًا كان أم دوليًا.
  الفصل الثالث: تقاطع المشاريع الدولية على الأرض اللبنانية منذ أن بدأت بوادر الحرب الباردة تتخذ طابعًا عالميًا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، أصبح لبنان، بتعدديته الثقافية والدينية وموقعه الاستراتيجي، ساحة مثالية لتلاقي المشاريع الدولية المتضادة.
لم يكن الصراع بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة مجرد منافسة سياسية أو سباق تسلح، بل كان سعيًا محمومًا لزرع النفوذ في دول الأطراف، ولبنان كان أحد هذه الدول التي استهدفتها القوى الكبرى لتكون مختبرًا لمخططاتها وتجاذباتها.
فمنذ الخمسينيات، بدا واضحًا أن الولايات المتحدة تسعى إلى تثبيت حضورها في لبنان من خلال تعزيز علاقاتها مع النخب الاقتصادية والمالية، ودعم المؤسسات التربوية الغربية النمط، ورعاية بعض التوجهات السياسية ذات الطابع الليبرالي.
في المقابل، حاولت موسكو اختراق النسيج اللبناني عبر قنوات ثقافية ونقابية وأحيانًا حزبية، حيث نشأت في تلك الحقبة حركات يسارية حملت أفكارًا أممية، وسعت إلى تحويل الصراع اللبناني إلى جزء من المعركة الكبرى بين رأس المال والاشتراكية.
لكن الخطورة لم تكمن فقط في وجود هذين المشروعين، بل في طبيعة الأرض اللبنانية الهشة التي سمحت لهذه المشاريع أن تتغلغل عبر خطوط التماس الطائفي، وأن تعيد تشكيل التحالفات الداخلية بما يتماشى مع مصالح العواصم الكبرى.
فكان كل معسكر يحاول اجتذاب طائفة أو فريق سياسي، ما أدى إلى تدويل الانقسام الوطني، وتحويل الخلافات اللبنانية من نزاعات داخلية قابلة للحوار إلى صراعات وجودية مرتبطة بميزان القوى العالمي.
ازدادت حدة هذا التقاطع مع اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، حيث راحت الدول الكبرى تموّل وتدعم أطرافًا لبنانية بالمال والسلاح، وسمحت لدول إقليمية متحالفة معها بالتدخل أيضًا.
فإسرائيل، المرتبطة عضوًا بالمعسكر الغربي، وجدت في النزاع اللبناني فرصة لتقويض ما تبقى من الجبهة العربية الرافضة لمشروعها.
وسوريا، بدورها، سعت إلى فرض وصاية شاملة مستندة إلى دعم متذبذب من موسكو أو واشنطن، بحسب المصلحة والمرحلة.
أما منظمة التحرير الفلسطينية، فكانت رقعة شطرنج تتقاذفها ضغوطات عربية ودولية، ما زاد من هشاشة الوضع اللبناني.
وهكذا، تحوّلت أرض الأرز إلى ملتقى السيوف العالمية، وأصبحت السيادة اللبنانية مرتهنة لمعادلات أكبر من قدرة اللبنانيين على فهمها أو مواجهتها.
وتكرّست مع الوقت ظاهرة استدعاء الخارج لحلّ الداخل، في مشهد سياسي لا يخلو من المأساوية، ويعبّر بوضوح عن ضياع القرار الوطني وسط دوامات الحرب الباردة.
  الفصل السابع: اختراق الإعلام اللبناني وتجييره في خدمة المحاور المتصارعة في ثمانينيات القرن العشرين، لم يكن الإعلام اللبناني مجرد ناقل للأحداث أو صوت حرّ يعكس واقع المجتمع، بل أصبح ساحة مواجهة بين أجهزة استخباراتية خارجية، وسلاحًا مموّهًا يُستخدم لتوجيه الرأي العام اللبناني، بل والعربي، وفق أجندات الحرب الباردة.
فمن صحف تكتب بمداد التمويل الأجنبي، إلى إذاعات تبث الرسائل المبطّنة، كان الإعلام إحدى أبرز الجبهات التي تم اختراقها وتحويلها إلى أدوات ضغط وتأثير في النزاع الإقليمي والدولي.
وقد ساعد على ذلك مناخ الحريات الواسع نسبيًا في لبنان مقارنة بجيرانه، فباتت بيروت وجهة لمراسلي الصحافة العالمية، ومركزًا مفتوحًا تتدفق عبره المعلومات والرسائل والدعايات.
لكنّ هذه الميزة تحوّلت إلى نقطة ضعف مع تصاعد الصراع الإيديولوجي بين الشرق والغرب، حيث بدأت السفارات، والمراكز الثقافية، والبعثات الأجنبية، تتسابق لاختراق الجسم الإعلامي اللبناني عبر الدعم المالي أو التدريبات أو التجنيد غير المباشر.
أُنشئت صحف وإذاعات ناطقة باسم قوى إقليمية أو عالمية، وتحوّلت أقلام بعض الصحافيين إلى أبواق لأجندات خارجية، تروّج لمقولات الحرب الباردة: "المعسكر الاشتراكي المنقذ" في مقابل "العالم الحر"، أو "الهيمنة الرأسمالية" في مقابل "تحرير الشعوب".
حتى الصحف العريقة لم تسلم من الضغوط، بل كان بعضها يتنقل بين التمويل العربي والغربي والسوفياتي وفق الحاجة والظرف السياسي.
كما استخدم الإعلام لبثّ الفتنة الطائفية، والتأجيج المذهبي، وتأليب الفئات اللبنانية بعضها على بعض.
ونشطت حملات تشويه سمعة قادة أو أحزاب أو تحالفات بناءً على موقفهم من هذا المحور أو ذاك.
فكان الإعلام وسيلة لتصفية الحسابات السياسية الداخلية بأدوات خارجية.
وفي أحيان كثيرة، تحوّل المقال الصحافي أو البيان الإعلامي إلى مقدّمة لاندلاع اشتباك أو اغتيال سياسي أو انقسام شعبي.
وفي موازاة ذلك، ازدهر "الإعلام الحزبي" الذي انخرط في آلة الحرب، وبات لكل ميليشيا أو تنظيم سياسي منبره الناطق باسمه، يُستخدم في التعبئة والتحريض والدعاية.
هذا الواقع جعل من الصحافة اللبنانية رهينة لانقسامات سياسية واستقطابات دولية حادة، وكرّس حالة من التبعية والارتهان بدلًا من الموضوعية والمهنية.
ورغم بروز بعض الأصوات الحرة والمستقلة التي حاولت أن تحافظ على شرف الكلمة وكرامة القلم، فإنها غالبًا ما وجدت نفسها محاصَرة أو مهدَّدة، أو في أحسن الأحوال مهمَّشة، في وسط بحر متلاطم من المصالح المتشابكة والمعلومات المضلِّلة.
لقد مثّل الإعلام في تلك الحقبة مرآة مشروخة للصراع اللبناني ـ الدولي، ودفع اللبنانيون الثمن مرتين: مرة بتضليلهم، ومرة بتحويل إعلامهم من سلطة رقابة إلى سلعة تخضع لسعر الدولار أو الرغبة الاستخباراتية.
  الفصل الثامن: المدارس والجامعات كمسارح للصراع الفكري والاستخباراتي في خضمّ الحرب الباردة، تحوّلت المدارس والجامعات اللبنانية إلى ميادين مفتوحة للصراع الفكري، والتجاذب الإيديولوجي، والتأثير الاستخباراتي المتبادل بين الشرق والغرب.
لم تكن قاعات الدراسة، في ثمانينيات القرن العشرين، بمنأى عن صخب المعارك الإقليمية والدولية، بل شكّلت أحد أهم المفاصل التي حاولت القوى الخارجية التحكم بها، إذ رأت فيها مستودعًا بشريًا لفكر المستقبل، ومنصة لبناء النخب القادمة.
فقد اجتذبت الجامعات اللبنانية، لا سيما الكبرى منها، اهتمامًا خارجيًا بالغًا، سواء عبر التمويل أو عبر النشاطات الثقافية أو من خلال البعثات التعليمية والمنح المشروطة.
فكل محور – سواء كان اشتراكيًا أم ليبراليًا – سعى إلى زرع رجاله في الهيئات التعليمية، أو التأثير على مناهج التعليم، أو استمالة الطلاب المتفوقين.
وبدأ التسلّل الفكري يأخذ طابعًا ناعمًا حينًا، وعنيفًا حينًا آخر، عبر تنظيم التظاهرات، أو توزيع المنشورات، أو استخدام المجموعات الطلّابية المرتبطة بالأحزاب العقائدية.
اليساريون المدعومون من الاتحاد السوفياتي والمنظومات التقدمية حاولوا أن يرسّخوا ثقافة الثورة، والنضال الطبقي، ومعاداة "الإمبريالية"، فيما دافع الليبراليون عن الحريات الفردية، واقتصاد السوق، والانفتاح على العالم الغربي.
وبين هذا وذاك، كان الطلاب اللبنانيون وقودًا لصراع أوسع منهم، يُزجّ بهم في سجالات لا تخلو من العنف أحيانًا، ولا من التجييش الطائفي الذي خدم أجندات خارجية.
وكانت بعض المدارس، لا سيما الأجنبية منها، منابر متقدّمة لتسويق الرؤى الغربية، وتعزيز فكرة "النموذج الأمريكي" أو "النموذج الفرنسي"، فيما شكّلت مدارس أخرى بيئة خصبة لنشر فكر قومي أو عقائدي أو حتى ديني متشدد.
وقد فشلت السلطات اللبنانية – بفعل ضعف الدولة وتفككها – في تنظيم الحياة التربوية وضبط التجاذب الخارجي داخلها، ما فتح المجال واسعًا أمام أجهزة الاستخبارات الأجنبية لتجنيد الأساتذة، أو الموجّهين، أو حتى الإداريين، واستخدامهم كمخبرين أو أدوات تأثير.
ورغم وجود محاولات تربوية جادة لتحييد التعليم عن الصراعات السياسية، إلا أن الانقسام المجتمعي العميق، والانهيار المؤسساتي، حوّلا التعليم إلى ساحة توظيف سياسي وفكري.
وكثيرًا ما كانت الانتماءات الطائفية والحزبية تتحكم بمناخ المدرسة أو الجامعة، فتُزرع الأفكار قبل أن تُدرّس، ويُشكّل الوعي الجمعي عبر بوابات ممسوكة من الخارج.
لقد خسر التعليم اللبناني في تلك المرحلة قدرته على أن يكون مساحة للنهضة، فصار مرآة مشروخة لانقسام الوطن، ومستنقعًا للفكر الموجَّه، بدلًا من أن يكون سلّمًا للارتقاء الوطني.
وانعكس ذلك لاحقًا في انهيار مفهوم المواطنة، وفي تشظّي النخب، وتعمّق الانقسامات العمودية داخل المجتمع اللبناني.
  الفصل التاسع: الأوقاف والمؤسسات الدينية بين الدعوة والوصاية السياسية في قلب المشهد اللبناني المعقّد خلال ثمانينيات القرن العشرين، لم تبقَ الأوقاف والمؤسسات الدينية مجرّد أطر روحية أو هيئات تُعنى بالشأن الإيماني والوعظي، بل تحوّلت، بفعل التنازع السياسي والطائفي، إلى أدوات ذات طابع زمني، تخضع أحيانًا لوصايات قوى نافذة، وأحيانًا أخرى تُستثمر كمنصات للتعبئة أو التهدئة، تبعًا لحسابات تتجاوز دورها التقليدي.
فقد تداخل الديني بالسياسي على نحو فاضح، إذ ارتبطت بعض المرجعيات الدينية بقوى حزبية أو أمنية أو خارجية، واستُخدمت منابر المساجد والكنائس للترويج لمواقف سياسية أو لصياغة رأي عام مؤيّد لهذا المحور أو ذاك.
وانتقلت خطب الجمعة والعظات الأحدية من فضاء التأمل والوعظ إلى لغة الشجب والتجييش والمواقف الحادّة، فأصبح رجل الدين ناطقًا باسم جماعته، لا حاملًا لهمّ الإنسان أو راعيًا للقيم الجامعة.
أما إدارات الأوقاف، فقد دخلت في لعبة النفوذ، فشهد بعضها محاولات سيطرة حزبية أو تدخلات استخباراتية، تمظهرت في التعيينات والتكليفات، أو في إدارة الأموال والعقارات والوقفيات.
وتحوّلت بعض المؤسسات إلى مصدر تمويل مباشر للفئات المتنازعة، أو إلى وسيلة ضغط تُستخدم ضد الخصوم.
ولم يكن غريبًا أن تتصاعد الخلافات داخل البيت الديني الواحد، لا سيما في ظل الانقسام الوطني وتداخل المرجعيات الطائفية بالخيارات الجيوسياسية الكبرى.
وإلى جانب ذلك، برزت ممارسات تتناقض مع الرسالة الإيمانية من حيث التحيّز والانخراط في الصراع، مما قوّض ثقة العديد من اللبنانيين بمؤسساتهم الدينية، وجعلهم يرون فيها امتدادات للنفوذ السياسي، لا حاضنات للسلام والرجاء.
وفي المقابل، لم تكن جميع المرجعيات في هذا الاتجاه، إذ حاولت شخصيات دينية ذات رؤى وطنية أن تحافظ على استقلالها وحيادها، فدعت إلى الوحدة، ورفضت عسكرة الطوائف، وناشدت العودة إلى لغة الحوار بدلًا من السلاح.
غير أن هذه الأصوات، رغم سموّها، لم تكن دومًا قادرة على خرق جدار الانقسام، بسبب واقع الانحياز الطاغي، والارتباط العميق بين المال الديني والقرار السياسي.
وهكذا، تراجعت قدرة المؤسسات الدينية على ممارسة دور الوسيط أو الضامن، وتقلّصت مكانتها الجامعة، لتحلّ محلّها خطابات متنافرة تعزّز الشقاق وتؤسس لتصنيف اللبنانيين وفق انتماءاتهم العقائدية، لا وفق انتمائهم الوطني.
لقد كانت الأوقاف في ذلك الزمن مرآة لواقع أكبر: دولة ضعيفة، ومجتمع مشرذم، ومؤسسات تئنّ تحت وطأة المصالح، فيما ظلّ الأمل معقودًا على نهضة روحية جديدة تعيد للدين صفاءه، وللمؤمنين رجاءهم، وللبنان توازنه الروحي والأخلاقي.
  الفصل العاشر: الاقتصاد اللبناني في زمن الحرب الباردة – بين الانهيار والتبعية شهد الاقتصاد اللبناني خلال ثمانينيات القرن العشرين مرحلة من الانهيار والتفكك، لم تكن نتيجة لأسباب داخلية فقط، بل بفعل تأثيرات الحرب الباردة التي جمدت حركة النمو، وأربكت الأسواق، وجعلت لبنان في مرمى استراتيجيات إقليمية ودولية هدفها التحكم بالموارد وتأمين المصالح.
في سنوات ما قبل الحرب، كان لبنان يُعرف بمرونته الاقتصادية وبموقعه كمركز مالي وتجاري إقليمي، يجذب رؤوس الأموال العربية والأجنبية، ويشهد تنوعًا في القطاعات الاقتصادية من مصرفية وصناعة وتجارة وسياحة.
لكن مع اندلاع الحرب الأهلية وتصاعد التدخلات الأجنبية، أصبح الاقتصاد في حالة تراجع مستمر، حيث تأثرت البنى التحتية بشدة، وتعرضت الأسواق للانغلاق والتشظي.
الحرب الباردة لعبت دورًا محورياً في هذا الانهيار، فالقوى الكبرى لم تكن تسعى إلى دعم اقتصاد لبناني قوي ومستقل، بل كانت تفضل وضعه تحت سيطرة حليفتها الإقليمية أو ضمن شبكة من التبعية تُجبره على القبول بشروط سياسية واقتصادية معينة.
فالتمويل الدولي غالبًا ما كان مشروطًا بخيارات سياسية، أو مرتبطًا بمصالح الشركات العالمية، أو موجَّهًا لدعم فصائل محددة لا لبنانية بحتة.
كما أن إسرائيل وسوريا استغلتا الحالة الاقتصادية لتثبيت وجودهما عبر فرض رسوم غير رسمية، أو التحكم بالمنافذ الحدودية، ما أدى إلى تهريب السلع، وارتفاع الأسعار، وتراجع قيمة العملة المحلية.
وباتت الأسواق اللبنانية منقسمة، حيث كان لكل منطقة اقتصاداتها الخاصة المرتبطة بخطوط نفوذ خارجية، ما جعل لبنان يفقد وحدته الاقتصادية إلى جانب وحدته السياسية.
تزامن ذلك مع تراجع القطاع السياحي، الذي كان يُعتبر من أبرز موارد العملة الصعبة، إذ توقف تدفق السياح، وانهارت الفنادق، وتبدد حلم لبنان كـ"سويسرا الشرق".
كما هرب العديد من المستثمرين ورجال الأعمال اللبنانيين، تاركين اقتصاد البلد بين أيدي قوى لا تهتم سوى بمصالحها.
بالمقابل، نشأ اقتصاد ظلّيات الحرب، حيث ازدهرت الأسواق السوداء، وانتشرت شبكات التهريب، وارتفع دور الاقتصاد غير الرسمي، مما أسهم في تعميق الفقر والتفاوت الاجتماعي.
هذا الاقتصاد الموازٍ كان مرتبطًا بالميليشيات، والسلطات المحلية غير الرسمية، ودول الجوار، وغيّر من طبيعة النشاط الاقتصادي إلى تجارة السلاح والمخدرات والسلع المهربة.
وقد أدى هذا الواقع إلى اتساع الهوة بين فئات المجتمع، وزيادة البطالة، وتراجع الخدمات الأساسية، ما أسهم في زيادة اليأس والهجرة، وانهيار أواصر التماسك الاجتماعي.
كان الاقتصاد اللبناني في ثمانينيات القرن العشرين خاضعًا لآليات الحرب الباردة، فاقدًا لقدرته على النمو والازدهار، محاصرًا بين مصالح دولية متضاربة، ومؤسسات وطنية منهارة، ومجتمع منكسر.
وهو الاقتصاد الذي دفع ثمن هذه الحرب أكثر من غيره، وحُرِم من فرص بناء دولة مستقرة، مزدهرة، ذات سيادة.
  الفصل الحادي عشر: دور القوى الإقليمية في لبنان – امتداد الحرب الباردة عبر الحدود في سياق الحرب الباردة، لم يقتصر الصراع على القوى العظمى فحسب، بل تداخلت فيه القوى الإقليمية بشكل مكثف على الأراضي اللبنانية، مستغلةً هشاشة الدولة وغياب الوحدة الوطنية لتحقيق أهدافها الخاصة التي كانت في الغالب امتدادًا لمصالح دولية كبرى.
كانت سوريا واحدة من أهم اللاعبين الإقليميين الذين جعلوا من لبنان ساحة نفوذ رئيسية.
بدعم من الاتحاد السوفياتي، سعت دمشق إلى فرض وصايتها السياسية والعسكرية، عبر التدخل المباشر في الشؤون اللبنانية، وتجنيد بعض الفصائل اللبنانية، والسيطرة على المنافذ الحدودية، لتثبيت نفوذها وتعزيز موقعها الاستراتيجي في المنطقة.
وقد أدى هذا التدخل إلى تعميق الانقسامات اللبنانية، وتحويل البلاد إلى دولة محمية بيد النظام السوري، الأمر الذي أثار ردود فعل لبنانية ودولية معارضة.
على الجانب الآخر، لعبت إسرائيل دوراً رئيسياً في الصراع اللبناني، حيث استغلت الحرب الأهلية لتقويض النفوذ الفلسطيني وتوسيع رقعة نفوذها على الحدود الشمالية.
وبدعم من الولايات المتحدة، نفذت إسرائيل سلسلة من الاجتياحات العسكرية، أبرزها الاجتياح الكبير عام 1982، الذي هدف إلى إخراج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان.
وبهذا الشكل، أصبح لبنان ساحة تصفية حسابات إقليمية متشابكة مع الحسابات الدولية، حيث تداخلت مصالح إسرائيل مع السياسة الأميركية، مع تأثيرات سلبية كبيرة على السيادة اللبنانية.
كما كان لإيران حضور متزايد، خاصة بعد الثورة الإسلامية عام 1979، حيث دعمت بعض المجموعات الإسلامية في لبنان، لا سيما حزب الله الذي برز كقوة عسكرية وسياسية لاحقاً.
وكان ذلك جزءًا من استراتيجية إيرانية لتصدير الثورة الإسلامية، والتأثير في دول الجوار، وتحدي النفوذ الغربي والإسرائيلي في المنطقة.
ولا يمكن إغفال الدور الذي لعبته بعض الدول العربية الأخرى، سواء عبر دعم فصائل لبنانية مختلفة، أو من خلال مساعي الوساطة التي كانت تتخلل الصراع.
فالعرب كانوا منقسمين بين محور مؤيد لسوريا والاتحاد السوفياتي، وآخر مؤيد للموقف الغربي، مما انعكس في الانقسامات اللبنانية وتغذية الحرب الأهلية.
وهكذا، تحولت الحدود اللبنانية إلى امتداد لجبهات الحرب الباردة، حيث اختلطت المصالح الدولية بالإقليمية، واضطر اللبنانيون إلى مواجهة أزمات مركبة لم تكن مصنوعة فقط داخليًا، بل كانت مفروضة من الخارج عبر قوى إقليمية تتصارع في ظل نزاع عالمي.
إن فهم دور هذه القوى الإقليمية أمر محوري لفهم كيف تحولت لبنان خلال ثمانينيات القرن العشرين إلى ساحة معركة متعددة الأبعاد، لا تتوقف تداعياتها عند حدود الوطن فقط، بل تتصل بخيوط معقدة من النفوذ الدولي.
  الفصل الثاني عشر: الفصائل اللبنانية وارتباطاتها الدولية – شبكة متشابكة من الولاءات في سياق الحرب الباردة والتدخلات الإقليمية والدولية، لم تكن الفصائل اللبنانية مجرد مجموعات مسلحة محلية تسعى للدفاع عن طائفتها أو منطقتها، بل تحولت إلى أدوات وأذرع تخدم مصالح قوى خارجية وتنفذ أجندات لا تصب بالضرورة في مصلحة لبنان كدولة وشعب.
تعددت الفصائل وتنوعت أيديولوجياتها، لكنها اتفقت على عامل مشترك: ارتباط وثيق بمحاور دولية أو إقليمية تحميها وتزوّدها بالسلاح والمال والدعم السياسي.
فكان لكل فصيل مرجعية خارجية، تحميه وتوجهه وتتحكم في خياراته الاستراتيجية.
مثلاً، تحالف "القوات اللبنانية" بقيادة بشير الجميل تلقى دعمًا من جهات غربية وخاصة من فرنسا والولايات المتحدة، باعتباره الحصن المسيحي ضد التمدد الفلسطيني واليساري.
هذا الدعم لم يقتصر على الجانب العسكري، بل شمل الدعم السياسي والدبلوماسي، ما أكسب الفصيل ثقلاً في المعادلة اللبنانية.
في المقابل، كانت الفصائل الفلسطينية، وعلى رأسها منظمة التحرير الفلسطينية، تحظى بدعم الاتحاد السوفياتي وبعض الدول العربية كدمشق وبغداد، مما جعلها لاعبًا رئيسيًا في الصراع الإقليمي والدولي في لبنان.
أما "حزب الله"، الذي بدأ في أواخر الثمانينيات، فكان نواة جديدة انطلقت بدعم إيراني مباشر، مستفيدًا من المظلة الدينية والمالية التي وفرتها الثورة الإسلامية.
أصبح الحزب ممثلًا لمحور المقاومة الذي يواجه النفوذ الغربي والإسرائيلي، مما أدخله في مواجهة طويلة الأمد مع العديد من الفصائل اللبنانية والدولية.
كما لعبت فصائل أخرى مثل "حركة أمل" بدعم سوري، و"الحزب الشيوعي اللبناني" بدعم سوفياتي، أدوارًا محورية في الصراع، كل حسب مصالح داعميه وأجندته.
هذه الترابطات الدولية والإقليمية أفقدت لبنان سيادته الفعلية، إذ لم يكن قرار الفصائل الداخلية مستقلًا، بل مرتبطًا بمحاور أكبر تتحكم في المعادلات السياسية والعسكرية.
هذا الواقع ضاعف من حالة الفوضى والاقتتال الداخلي، وحول البلاد إلى ملعب للنفوذ الدولي، تبرز فيه الولاءات أكثر من الوطنية.
إن فهم هذه الشبكة المعقدة من الولاءات ضروري لاستيعاب أسباب استمرار الصراع وتأزيم الوضع اللبناني، حيث لم يكن هناك فريق وطني محض، بل كان كل طرف مرتبطًا بمحور خارجي يستمد منه قوته وشرعيته.
  الفصل الثالث عشر: الشباب اللبناني في زمن الحرب الباردة – ضحايا وأدوات شهد لبنان في ثمانينيات القرن العشرين تحوّلًا مأساويًا في دور الشباب، الذين صاروا أحد أهم أركان الصراع الداخلي والإقليمي والدولي، سواء كضحايا أو كأدوات يتم استغلالها في خضم الحرب الباردة.
فقد فقد الكثير من هؤلاء الشباب براءتهم وحياتهم الطبيعية، ليصبحوا جزءًا من آلة الحرب، وأبطالًا مكرَرين في معارك لا تدين لهم بالولاء.
منذ سن مبكرة، انخرط آلاف الشباب اللبنانيين في صفوف الميليشيات والفصائل المتعددة، مدفوعين بمزيج من الحماسة السياسية، الشعور بالانتماء الطائفي، وتأثيرات الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي خلقتها الحرب.
كانوا يتلقون تدريبات عسكرية، ويخضعون لغسيل دماغ فكري وسياسي، لتحويلهم إلى مقاتلين ملتزمين بقضايا لا تمت لهم شخصيًا بصلة، وإنما هي مرتهنة لخطوط النزاع الدولي.
كما لعبت الأجهزة الاستخباراتية الإقليمية والدولية دورًا كبيرًا في توظيف هؤلاء الشباب، فتجنيدهم كان يمر عبر شبكات معقدة من المدارس، المساجد، الجامعات، وحتى الأحياء، حيث يتم استدراجهم بالأفكار والثقافة والسلاح، ليصبحوا جندًا في حروب الآخرين.
وكان الشباب أيضًا الأكثر تضررًا من واقع الانقسام المجتمعي، حيث فقدوا فرص التعليم والعمل، وانقطعوا عن حياة مدنية طبيعية، بل تعرضوا للقتل، الاعتقال، والاختطاف، في سياق صراعات طائفية وسياسية دامية.
آلاف منهم باتوا لاجئين داخل وطنهم، أو هاجروا إلى الخارج، تاركين لبنان في أزمة مستمرة في بناء جيل جديد.
إن هذا الفصل المأساوي من تاريخ لبنان يعكس كيف أن الحرب الباردة في الشرق الأوسط لم تكن مجرد تنازع على الكراسي والحدود، بل كانت حربًا على النفوس والقلوب، حيث تحول الشباب إلى أدوات يُختبر من خلالها مدى نجاح أو فشل الاستراتيجيات الدولية.
  الفصل الرابع عشر: الإعلام اللبناني بين الاستقلالية والتبعية في زمن الحرب الباردة في ثمانينيات القرن العشرين، لم يكن الإعلام اللبناني مجرد وسيلة نقل أخبار أو منصة للرأي العام، بل أصبح ساحة صراع استراتيجي بين قوى محلية وإقليمية ودولية، حيث لعب دورًا مركزيًا في تشكيل الوعي، وتحريك الرأي العام، وتأجيج النزاعات أو التهدئة.
وقد شهد الإعلام في هذه المرحلة حالة من التمزق بين محاولات الاستقلالية والصمود، وبين موجات من التبعية والتحكم.
إذ استُغلت حرية الصحافة في لبنان، التي كانت واحدة من أبرز ميزات المجتمع اللبناني، من قبل أجهزة استخبارات متعددة، وأحزاب متنازعة، لتوجيه الرسائل السياسية والأيديولوجية، بما يخدم أجندات الحرب الباردة.
فقد شجعت هذه القوى إنشاء صحف وإذاعات ومحطات تلفزيونية تُروّج لخطاب معين، وتستخدم كأدوات للدعاية، ونشر المعلومات المضللة، بل والتجسس.
ورغم ظهور بعض الصحافيين والمذيعين الذين سعوا للحفاظ على المصداقية المهنية، فإنّ التحديات كانت كبيرة، بما في ذلك الخطف والاغتيال والتهديدات المباشرة، ما جعل كثيرين يلجأون إلى الرقابة الذاتية أو الانحياز حفاظًا على حياتهم أو مصالحهم.
كما كان للإعلام دور مزدوج، فهو في الوقت نفسه مصدر للمعلومات وللثقافة، لكنه تحول إلى وسيلة تأجيج للفتن الطائفية، ونشر الكراهية، وتقسيم المجتمع اللبناني أكثر، وهو ما عمّق الأزمة وأطالت أمد الحرب.
هذا الواقع الإعلامي يبرز كمثال واضح على كيف أن الحرية يمكن أن تُستغل، وأن الإعلام يمكن أن يكون سلاحًا ذا حدين في أيدي من يتحكم به، خصوصًا في أجواء الحرب الباردة حيث الصراع لا يقتصر على الأرض فقط، بل يمتد إلى عقول الناس ووجدانهم.
  الفصل السادس عشر: المؤسسات العسكرية اللبنانية بين التفكك والتبعية في ظل الحرب الباردة في ثمانينيات القرن العشرين، عانت المؤسسات العسكرية اللبنانية، وبخاصة الجيش اللبناني، من تحديات جمة انعكست بشكل مباشر على قدرتها على أداء دورها الوطني في حفظ الأمن والاستقرار.
فقد كانت هذه المؤسسات تعاني من تفكك داخلي على خلفية الانقسامات الطائفية والسياسية، إضافة إلى الضغوط والابتزازات الخارجية التي فرضتها قوى الحرب الباردة عبر وكلائها المحليين.
كانت التحديات داخل المؤسسة العسكرية متعددة الأوجه؛ إذ انقسم الجيش إلى وحدات طائفية تفتقد إلى التنسيق والولاء الوطني الموحد، ما جعل من تنفيذ المهام العسكرية والوطنية أمرًا معقدًا ومهددًا.
العديد من الضباط والجنود انشقوا وانضموا إلى ميليشيات طائفية، مما أدى إلى فقدان السيطرة المركزية وأضعف من قدرات الجيش في مواجهة التحديات الأمنية.
إلى جانب ذلك، تعرض الجيش لضغوط كبيرة من قبل القوى الإقليمية والدولية التي رأت في المؤسسات العسكرية اللبنانية وسيلة لضبط المعادلات المحلية وتوجيهها وفق مصالحها.
فدخلت قوى كبرى في لعبة تسليح وتدريب معينة، لكن هذا الدعم غالبًا ما كان مشروطًا بتبني توجهات سياسية أو إضعاف خصوم محددين.
وبالرغم من هذه الظروف، حاول الجيش اللبناني الحفاظ على بعض مظاهر الاستقلالية الوطنية، حيث كان يسعى إلى القيام بدوره كمؤسسة وطنية تحفظ وحدة الدولة.
لكن الأوضاع على الأرض، مع تعقد النزاع الداخلي وتعدد القوى المسلحة غير النظامية، حالت دون تحقيق هذا الهدف بشكل كامل.
وكان للانشقاقات العسكرية تأثير مباشر على نزاهة القرارات، وعلى قدرة الجيش في حماية المدنيين، مما عزز من حالة الفوضى، وسمح للميليشيات بالتحكم في مناطق واسعة من البلاد.
إن وضع الجيش اللبناني في زمن الحرب الباردة يعكس مدى هشاشة الدولة اللبنانية، وصعوبة الحفاظ على سيادتها في ظل تداخل المصالح الإقليمية والدولية، وضعف الوحدة الوطنية.
هذا الواقع ترك بصمة عميقة على الأمن والاستقرار اللبنانيين لسنوات طويلة بعد ذلك.
  الفصل السابع عشر: دور الميليشيات اللبنانية كأذرع للحرب الباردة في ثمانينيات القرن العشرين، أصبحت الميليشيات اللبنانية من أبرز عناصر النزاع الذي مزق لبنان، لكنها لم تكن مجرد مجموعات محلية تناضل من أجل مصالح طائفية أو مناطقية فقط، بل كانت أدوات وأذرع في يد القوى الإقليمية والدولية المتصارعة في إطار الحرب الباردة.
كل ميليشيا لبنانية، بغض النظر عن حجمها أو أيديولوجيتها، كانت مرتبطة بمحور خارجي يوفر لها السلاح، الدعم المالي، والتدريب، مقابل تنفيذ أجندات محددة.
كانت هذه الميليشيات تجسّد صراعات أكبر، بين الشرق والغرب، بين الإقليم والدول الكبرى، مما جعل لبنان مسرحًا لتجارب حربية غير مباشرة تُدار من خلف الكواليس.
على سبيل المثال، تلقت "القوات اللبنانية" الدعم من الولايات المتحدة وفرنسا، وكانت تمثل تيارًا مسيحيًا حازمًا في مواجهة الفلسطينيين واليساريين، فيما كانت "حركة أمل" مدعومة من سوريا التي استثمرت في هذه الحركة كوسيلة لفرض نفوذها.
وفي المقابل، دعم الاتحاد السوفياتي الفصائل اليسارية والحزب الشيوعي اللبناني، بينما كانت إيران تمد "حزب الله" بكل الوسائل لإرساء مشروعها في المنطقة.
لم تكن الميليشيات مجرد أدوات عسكرية فحسب، بل امتدت تأثيراتها إلى المجال السياسي والاجتماعي، حيث فرضت واقعًا جديدًا في المناطق التي كانت تسيطر عليها، وأدارت مؤسسات شبه حكومية، معتمدة على تمويلها ودعمها الخارجي.
تحولت هذه المناطق إلى دول صغيرة داخل الدولة اللبنانية، مما مزق النسيج الوطني.
كما تسببت الميليشيات في زيادة موجات العنف، والاغتيالات السياسية، والخطف، وأعمال الانتقام الطائفي، مدمرةً فرص السلام والوحدة الوطنية.
واستخدمت هذه الجماعات الإعلام كوسيلة لتعبئة أتباعها، وتصعيد الخطاب الطائفي، وبث الرعب في صفوف المدنيين.
إن وجود الميليشيات وأدوارها المتشابكة مع الحرب الباردة يُظهر كيف أن الصراع في لبنان لم يكن صراعًا داخليًا فقط، بل كان انعكاسًا لمنافسة دولية أعادت تشكيل الواقع اللبناني إلى صراع معقد ومتداخل.
  الفصل الثامن عشر: انعكاسات الحرب الباردة على الحياة اليومية في لبنان لم تكن الحرب الباردة صراعًا جيوسياسيًا بعيدًا عن حياة الناس، بل تركت أثارًا عميقة على الواقع اليومي للمواطن اللبناني في ثمانينيات القرن العشرين.
فقد تحول لبنان من بلد صغير ينعم بالتنوع والازدهار النسبي، إلى مسرح للمعاناة والتشظي الذي طاول كل جانب من جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية.
على المستوى الاقتصادي، شهدت الأسر اللبنانية تراجعًا حادًا في مستويات المعيشة بسبب الانهيار الاقتصادي، التضخم، وارتفاع الأسعار نتيجة توقف النشاط التجاري والتخريب المتكرر للبنى التحتية.
تأثرت سبل كسب الرزق، وازداد عدد العاطلين عن العمل، مما دفع العديد من اللبنانيين إلى الهجرة طلبًا للأمان والفرص.
في الحياة الاجتماعية، تفككت الروابط بين الطوائف والمناطق، إذ برزت الحواجز الطائفية والمناطقية التي حدّت من حرية التنقل والاختلاط الاجتماعي، حتى باتت المناطق تتحول إلى دويلات مصغرة يهيمن عليها حزب أو ميليشيا معينة.
هذا الانقسام أدّى إلى عزلة المجتمعات بعضها عن بعض، وأضعف من الشعور بالوطنية الجامعة.
أما الجانب النفسي، فكان له أثر بالغ على الأجيال الشابة والكبار على حد سواء، حيث عاش اللبنانيون في حالة دائمة من القلق والخوف من الاغتيالات والقصف والخطف، إلى جانب انعدام الأمان العام.
تأثرت الصحة النفسية بشكل كبير، مع ارتفاع معدلات التوتر والاكتئاب، خصوصًا بين الذين فقدوا أحبّاءهم أو تعرضوا لدمار منازلهم.
في المجال التعليمي، توقفت المدارس أو عملت بشكل جزئي، مما أدى إلى تدهور جودة التعليم، وتراجع فرص النهوض العلمي والمعرفي، فيما بات الشباب عرضة لاستغلالهم في النزاعات المسلحة.
ومع كل ذلك، برزت مظاهر صمود مجتمعي، حيث حاول اللبنانيون الحفاظ على حياتهم اليومية، والتنظيم المحلي، والاحتفال بالمناسبات، على رغم كل المخاطر، تعبيرًا عن إصرار على الحياة ورغبة في تجاوز الأزمة.
إن هذه الانعكاسات اليومية للحرب الباردة في لبنان تظهر كيف أن الصراع الدولي امتد إلى أدق تفاصيل حياة المواطنين، وكيف أن لبنان، رغم كل التحديات، بقي وطنًا يتشبّث بالحياة، لا يرغب في الموت.
  الفصل التاسع عشر: محاولات الحلول والوساطات الدولية في ظل الحرب الباردة خلال ثمانينيات القرن العشرين، برزت جهود عدة محلية ودولية لاحتواء النزاع اللبناني الذي كان محوره الداخلي يتشابك مع الحرب الباردة، الأمر الذي صعّب التوصل إلى حل سريع أو مستدام.
حاولت هذه الجهود الوساطة بين الأطراف المتنازعة، لكن تعقيدات الصراع وتداخل المصالح الإقليمية والدولية أعاقت نجاحها.
من بين أبرز المحاولات كانت المبادرات التي تبنتها الأمم المتحدة، التي أرسلت بعثات مراقبة وأعمال مساعدة إنسانية، لكنها عجزت عن فرض سلام شامل نتيجة غياب الإرادة السياسية من الأطراف الدولية الكبرى التي كانت تتصارع على النفوذ.
كما لعبت بعض الدول الغربية دورًا في محاولة إعادة إطلاق حوار لبناني ـ لبناني، لكنها غالبًا ما ربطت مشاركتها السياسية بتوازنات الحرب الباردة، ما قلّل من تأثيرها.
إلى جانب ذلك، قامت بعض الدول العربية، وعلى رأسها مصر وسوريا، بمحاولات وساطة لإيقاف الاقتتال، لكنها واجهت تحديات داخلية وخارجية، واتهامات بالتدخل، مما أضعف مصداقيتها.
كما كانت المبادرات السياسية اللبنانية نفسها متأثرة بالمشاريع الدولية، فغالبًا ما كانت تدور في إطار توازنات أكبر منها، مع صعوبة توحيد القوى اللبنانية خلف رؤية واحدة.
وبينما اتسمت هذه المحاولات بالتكرار والتجديد، بقيت معوقات النجاح قائمة، إذ أدت انقسامات الحرب الباردة إلى تشتيت الجهود، وتغذية أجواء عدم الثقة، وعرقلة تنفيذ أي اتفاقات ممكنة.
مع ذلك، تركت هذه الوساطات بصمات في وعي اللبنانيين حول ضرورة الحوار والتفاهم، وأكدت على أهمية الحلول السلمية، على رغم صعوبة تحقيقها في ظل الهيمنة الدولية على الملف اللبناني.
  الفصل العشرون: الإرادة اللبنانية في مواجهة الحرب الباردة – وطن لا يريد أن يموت رغم كل ما مرّ به لبنان في ثمانينيات القرن العشرين من حروب وصراعات معقدة ومتداخلة مع أبعاد الحرب الباردة، بقيت الإرادة اللبنانية حية، تشق طريقها عبر الركام، وتثبت أن لبنان وطن لا يريد أن يموت.
لقد كانت تلك الإرادة تظهر في أصغر التفاصيل: في صمود العائلات التي رفضت النزوح، وفي المعلمين الذين أصروا على تعليم الأطفال رغم القصف، وفي الأطباء الذين عملوا بلا توقف لإنقاذ الجرحى، وفي الشباب الذين رفضوا أن يكونوا مجرد أدوات حرب، وطالبوا بالسلام والكرامة.
كما تجلت الإرادة اللبنانية في محاولات بناء جبهات وطنية تتجاوز الانقسامات الطائفية والإقليمية، في لقاءات الحوار المدني والسياسي، وفي النشاطات الثقافية والفنية التي عبّرت عن الرغبة في حياة طبيعية ومستقبل أفضل.
رغم الألم والدمار، كان هناك صوت داخلي لبناني يردد باستمرار أن لبنان أكبر من صراعاته، وأنه قادر على النهوض والتجدد، شريطة الوحدة والتضامن والابتعاد عن التبعية.
ولذلك، بقي لبنان في تلك الحقبة رمزًا للتحدي، ومثالا على وطن يتشبث بحياته، لا يستسلم للظروف ولا للضغوط الخارجية، وطن يؤمن بأن موته ليس خياره، وأنه قادر على تحقيق المصالحة والعيش المشترك رغم كل الأزمات.
في النهاية، إن إرادة لبنان الحقيقية كانت ولا تزال نبراسًا وأملًا لمستقبل يشرق بعد عتمة الحرب، تذكيرًا بأن الوطن هو الروح التي لا تموت، حتى لو اجتاحته رياح التغيير العاصفة.
الخاتمة: لبنان بين تحديات الحرب الباردة وإرادة البقاء خلال ثمانينيات القرن العشرين، وقعت لبنان في قلب صراع عالمي وإقليمي معقد، حُوّل فيه الوطن الصغير إلى مسرح لحرب باردة ظلت تلقي بظلالها على كل جوانب الحياة السياسية، الاجتماعية، والاقتصادية.
دخل لبنان مرحلة من الانقسام والتفكك، وصار عرضة لتداخل مصالح دولية وإقليمية، ما أضعف مؤسساته، وهدد وحدته الوطنية.
لكن رغم كل هذا، بقي لبنان وطنًا لا يريد أن يموت.
فقد أظهرت إرادة اللبنانيين في أصقاع الوطن وفي الشتات قدرة استثنائية على الصمود، والمحافظة على الروح الوطنية، والسعي المستمر لتحقيق السلام والاستقرار.
كانت هذه الإرادة بمثابة شعاع أمل يضيء في ظلمات الحرب، يدعو إلى تجاوز الانقسامات، وإعادة بناء دولة تحتضن الجميع.
إن درس لبنان في تلك الحقبة المؤلمة يُبرز أهمية الاستقلال الوطني، ووحدة المجتمع، ورفض التدخلات الخارجية التي تهدد سيادة الدول.
كما يذكّرنا بأن الشعوب هي الفاعل الحقيقي في صنع التاريخ، وأنها قادرة على تجاوز أصعب الأزمات بالإرادة والتضامن.
لذلك، يبقى لبنان مثالًا حيًا على وطن يستحق الحياة، على شعب يحمل في قلبه الحلم بالمستقبل، وعلى رسالة تردد صداها بأن إرادة البقاء أقوى من كل محاولات التمزق والدمار.
"مفاوضات ومحادثات الناقورة في كانون الثاني 1985: قراءة سياسية من منظور لبناني مسيحي" في مطلع العام 1985، دخل لبنان في مرحلة دقيقة من المفاوضات السياسية التي عُقدت في الناقورة بين وفدي لبنان وإسرائيل، وسط أجواء دولية وإقليمية معقدة نتيجة الحرب الأهلية اللبنانية والوجود الإسرائيلي في جنوب لبنان منذ عام 1982.
جاءت هذه المحادثات في ظل مبادرة سياسية طرحتها القيادة اللبنانية آنذاك، وعلى رأسها الرئيس أمين الجميل، ساعية إلى فتح أفق جديد يُمكن أن يساهم في تخفيف التوترات ويعيد لبنان إلى مساره الطبيعي كدولة مستقلة ذات سيادة.
خلفية المبادرة اللبنانية: طرح الرئيس الجميل مبادرة سياسية تركزت على تحقيق وقف شامل لإطلاق النار، سحب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، وضمان سلامة لبنان وسيادته.
ومع ذلك، كانت المبادرة تحمل في طياتها جملة من النقاط التي حاولت الموازنة بين الحقوق الوطنية اللبنانية والواقع الإقليمي المعقد، خصوصًا في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الجنوبية.
موقف إسرائيل من مبادرة الجميل: في محادثات الناقورة، أبدت إسرائيل موقفًا تحفظيًا تجاه المبادرة اللبنانية.
لم تكن واضحة الموقف، إذ استوضحت إسرائيل تفاصيل المبادرة بدقة، محاولة فهم التزامات لبنان الفعلية وما إذا كانت المبادرة تتضمن تنازلات جوهرية على أرض الواقع.
في الوقت ذاته، لم تكن المفاوضات معلقة بشكل كامل، حيث لم يُعلن عن وقفها أو إنهائها، لكنها أيضًا لم تُحرز تقدمًا ملموسًا أو حاسمًا يُشيد به.
يمكن وصفها بأنها مفاوضات في حالة ترقب مع بقاء سقف التوقعات منخفضًا.
أسباب تعثر المفاوضات:
تعقيدات الواقع اللبناني الداخلي: الصراعات السياسية والطائفية والميليشيات المسلحة التي تقاتل على الأرض أعاقت قدرة لبنان على تقديم موقف موحد وقوي خلال المفاوضات.
الضغط الإسرائيلي والإقليمي: إسرائيل لم تكن راغبة في الانسحاب الكامل بدون ضمانات أمنية تتيح لها الحفاظ على مصالحها، فيما كانت القوى الإقليمية تلعب أدوارًا متداخلة تزيد من تعقيد الملف.
غياب دعم دولي موحد: لم تحصل المبادرة اللبنانية على دعم قوي من الولايات المتحدة أو الدول الأوروبية، التي كانت تتبع سياسات أكثر توازنًا، ما ترك لبنان في وضع هش.
الموقف اللبناني المسيحي من المفاوضات:
من منظور سياسي مسيحي لبناني، تُعد محادثات الناقورة محطة حساسة بين ضرورة حماية السيادة الوطنية وبين واقع الاحتلال الذي أرهق الجنوب اللبناني.
يرى السياسي المسيحي أن المفاوضات لم تكن معلقة بالكامل لأنها تحمل بصيص أمل، لكنها أيضًا ليست مطلقة لأنها لم تنجح في إحداث اختراقات حقيقية.
يُنظر إلى ضرورة توحيد الصف الداخلي اللبناني والعمل على خلق موقف لبناني موحد يعزز من فرص نجاح المفاوضات.
محادثات الناقورة في كانون الثاني 1985 مثلت محاولة جادة من جانب لبنان للانخراط في مسار دبلوماسي مع إسرائيل، لكنها في ظل ظروف معقدة لم تثمر عن نتائج حاسمة.
المفاوضات لم تكن معلقة أو منتهية، لكنها بقيت معلقة بين الأمل في تقدم محتمل والواقع السياسي المعقد.
يُستنتج أن نجاح هذه المحادثات بحاجة إلى تحركات داخلية لبنانية حقيقية توحد القوى الوطنية، ودعم دولي وإقليمي ملموس.
الاستحقاق الجنوبي يقفز إلى واجهة اهتمام لبنان في شباط 1985
في ظل المتغيرات السياسية والأمنية التي تشهدها المنطقة، يبرز الجنوب اللبناني كأحد أبرز الملفات التي لا يمكن تجاهلها أو إهمالها على الإطلاق.
مع بداية عام 1985، يقفز موضوع الإستهداف الإسرائيلي للجنوب إلى مقدمة اهتمامات الدولة اللبنانية، بعد تصاعد التوترات العسكرية وتزايد حجم الحملة الإسرائيلية التي تستهدف مناطق عدة في الجنوب، مدفوعة بأهداف سياسية وعسكرية توسعية.
يعيش لبنان حالة استثنائية تجعل من الجنوب ساحة مواجهة حاسمة لا تحتمل المماطلة أو التأجيل.
فالتدخلات الإسرائيلية التي تجاوزت الحدود التقليدية للاحتلال العسكري، واتساع عمليات القصف والتوغلات، فرضت على الحكم اللبناني ضرورة التعاطي الجدي مع هذا الملف من زاوية وطنية جامعة.
فالشعب اللبناني بات ينظر إلى الجنوب ليس فقط كمكان جغرافي بل كرمز لكرامة الوطن وأمنه.
في هذا المناخ، بدأ صراع سياسي داخلي يتبلور حول كيفية التعاطي مع هذه المرحلة الدقيقة.
فقد اجتمع فريقا الحكم اللبناني والحزب التقدمي الاشتراكي على مائدة حوار موسع، سعيًا للوصول إلى تفاهمات مبدئية ترسم استراتيجية وطنية واضحة لمواجهة الحملة الإسرائيلية في الجنوب.
حيث ركز الطرفان على أهمية توحيد الجهود الأمنية والعسكرية، وتعزيز المقاومة الشعبية، إلى جانب الدفع بمبادرات دبلوماسية داخلية وخارجية لتفعيل المجتمع الدولي في دعم القضية اللبنانية.
اتفق الفريقان مبدئيًا على خطة شاملة ترتكز على محاور عدة، منها: تعزيز قدرة المقاومة الشعبية: عبر تنظيمها وتدريبها وتزويدها بالدعم اللوجستي المناسب.
وضع خطة إعلامية: لتوعية الرأي العام اللبناني والعالمي بخطورة الإستهداف الإسرائيلي وأهدافه الحقيقية.
العمل على توحيد المواقف السياسية: بين مختلف القوى اللبنانية لضمان موقف موحد في مواجهة التحديات.
تحريك الوساطات الدولية: وخاصة عبر الأمم المتحدة والجامعة العربية، من أجل الضغط على إسرائيل لوقف عملياتها.
هذه الخطط التي وُضعت لم تكن مجرد أفكار نظرية، بل كانت تعبيرًا عن إدراك عميق لخطورة المرحلة التي يمر بها لبنان، وبضرورة وحدة الصف في مواجهة مخاطر تُهدد الأرض والشعب.
شباط 1985 محطة مفصلية على طريق استعادة السيادة ووقف العدوان، ومن هنا جاءت أهمية دراسة هذه المرحلة، التي تستحق من كافة اللبنانيين التأمل والعمل المشترك من أجل استعادة الجنوب وإعادة بناء الوطن.
تدهور مفاجئ في بيروت وتجدد الاشتباكات في الجبل والمواجهة الثالثة بين الجيش اللبناني والقوات الإسرائيلية في الجنوب (أذار 1985) شهد لبنان في آذار 1985 مرحلة جديدة من التوتر الأمني والسياسي الذي يعكس أبعادًا معقدة ومتعددة في الصراع الداخلي والإقليمي.
فقد عاودت العاصمة بيروت مفاجئًا تسجيل حالة من التدهور الأمني التي أضرت بجو الاستقرار الهش الذي كان يعم أجزاء من المدينة في الفترة الأخيرة.
هذا التدهور المفاجئ في بيروت لم يكن معزولًا عن مجريات الأحداث في بقية الأراضي اللبنانية، بل كان انعكاسًا لتفاعلات أكبر على صعيد الجبل والجنوب.
في الجبل، تجددت الاشتباكات العنيفة بين الفصائل المتناحرة، وسط تصاعد مقلق في حدة العنف الذي يهدد بإعادة البلاد إلى دائرة الفوضى الكاملة.
هذه المواجهات المتجددة في الجبل تحمل في طياتها دلالات سياسية وأمنية عميقة، فهي تعبّر عن استمرار الانقسامات الطائفية والسياسية، وعن صراع محموم على السيطرة والنفوذ في مناطق حيوية من البلاد.
أما في الجنوب، فقد شهدنا مواجهة ثالثة مباشرة بين الجيش اللبناني والقوات الإسرائيلية التي تستمر في انتهاك السيادة اللبنانية عبر توغلات متكررة وهجمات على مواقع المقاومة والمناطق السكنية.
هذه المواجهة الثالثة ليست مجرد تبادل لإطلاق النار، بل هي اختبار حقيقي لقدرة الجيش اللبناني على الصمود والدفاع عن أراضيه في مواجهة قوة عسكرية غاشمة.
المشهد الأمني والسياسي العام يعكس أزمة مركبة، إذ تداخلت أزمات داخلية مع عدوان خارجي، مما دفع البلاد إلى حالة من الاستنفار الوطني.
السياسة اللبنانية تعيش في هذه المرحلة حالة من الانقسام، ولكن هناك مؤشرات إلى محاولات تنسيق بين القوى السياسية لتوحيد الجهود في مواجهة التحديات المشتركة.
تساؤلات كثيرة تطرح نفسها: هل ينجح الجيش اللبناني في المحافظة على تماسكه وقوته وسط هذه المواجهات المتكررة؟
وهل تنجح القوى السياسية اللبنانية في تجاوز خلافاتها الداخلية ووضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار؟
وكيف ستتفاعل الأطراف الإقليمية والدولية مع هذا التصعيد في لبنان؟
لم يعد من الممكن فصل ما يحدث في بيروت والجبل والجنوب عن بعضها، فكلها أجزاء من ذات المشهد الوطني الذي يحتاج إلى رؤية وطنية شاملة وخطة عملية للتعامل مع الأزمات المتعددة.
  مؤتمر بكركي: الخيارات المسيحية والواقع السياسي في نيسان 1985 في ظل الأوضاع السياسية والأمنية المتدهورة في لبنان، جاء مؤتمر بكركي في نيسان 1985 كخطوة بارزة حاولت من خلالها القوى المسيحية وضع أسس واضحة لتمثيلها السياسي والوطني في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
إذ مثل المؤتمر محاولة جادة لتوحيد الكلمة المسيحية وتحديد خيارات واضحة تعزز دور المسيحيين في صياغة مستقبل لبنان، وتؤسس لمرحلة جديدة نحو عقد مؤتمر وطني شامل يخرج البلاد من أزمتها المتواصلة.
انعقد مؤتمر بكركي في ظل ظروف صعبة، مع وجود حالة انقسام داخلي في الطائفة المسيحية وعدم وضوح الرؤية السياسية، خاصة مع استمرار التدخلات الخارجية وتفاقم الحرب الأهلية.
كان الهدف من المؤتمر ليس فقط توحيد المواقف المسيحية، بل تشكيل لجنة متابعة لتعزيز التواصل بين الأطراف المسيحية المختلفة، والعمل على تمهيد الطريق لعقد المؤتمر الوطني الكبير الذي يمكن أن يجمع كل اللبنانيين.
الخيارات المسيحية التي حدّدها المؤتمر:
تأكيد السيادة اللبنانية: جاء المؤتمر بتأكيد صريح على احترام سيادة لبنان وسلامته الوطنية، ورفض كل أشكال الاحتلال والتدخلات الأجنبية.
التأكيد على الحقوق السياسية للمسيحيين: تم الاتفاق على ضرورة تثبيت الحقوق الدستورية والسياسية للطائفة المسيحية في لبنان، باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من نسيج الدولة اللبنانية.
الدعوة إلى الوحدة المسيحية: شدد المؤتمر على أهمية الوحدة بين كافة القوى المسيحية وتوحيدها في موقف موحد يضمن تمثيلاً حقيقياً وقوياً في الحوار الوطني.
اللجنة الوطنية للمتابعة: تشكلت لجنة متابعة من قادة مسيحيين مهمين، مهمتها التنسيق بين القوى المختلفة وتحضير الأرضية لعقد مؤتمر وطني موسع يعالج القضايا الكبرى التي تواجه لبنان.
مواقف رئيس الوزراء رشيد كرامي: برزت في البيان الصادر عن المؤتمر مواقف إيجابية لعدد من المسؤولين، على رأسهم رئيس الوزراء رشيد كرامي، الذي رحّب بمبادرة المؤتمر، معتبراً أنها تشكل خطوة مهمة باتجاه الحل السياسي الوطني، مع تأكيده على ضرورة استمرار الحوار وتوسيع دائرة المشاركة لتشمل جميع الأطراف اللبنانية.
مواقف القوات اللبنانية: في المقابل، أعربت القوات اللبنانية عن تحفظها على نتائج المؤتمر، معتبرة أن المؤتمرين لا يمثلون القاعدة الشعبية الحقيقية للمسيحيين، ورفضت بعض التوصيات، مؤكدة على تمسكها بموقفها المستقل وأنها تتابع خياراتها السياسية بعيدة عن المماحكات التي لا تخدم المصلحة الوطنية.
تقييم عام: على الرغم من التباينات في المواقف بين القوى المسيحية، كان مؤتمر كركي محاولة جدية لتأسيس حوار مسيحي داخلي منظم.
اللجنة المكلفة بالمتابعة تمثل آلية حيوية لتعزيز التواصل بين هذه الأطراف، وبالفعل تمهيد الطريق لعقد مؤتمر وطني شامل بات ضرورة ملحة للخروج من المأزق السياسي.
انحسار موجات العنف وتسارع الخطوات السياسية: معالم أمل في أجواء أيار 1985 يشهد لبنان في هذه المرحلة مفترق طرق حاسم بعد سنوات طويلة من الصراع المسلح والاقتتال الداخلي.
مع بداية أيار 1985، بدأت موجات العنف تتراجع نسبياً بعد أن استنزفت القوى المتصارعة قدراتها، وهو ما أتاح فسحة للخطوات السياسية أن تسرع وتجد طريقها وسط التوترات التي لم تختف تمامًا لكنها لم تعد تحكم المشهد وحدها.
في هذا السياق، ظهرت القوات اللبنانية كممثل سياسي مسيحي يتبنّى مقاربة واضحة تُركّز على الحوار الوطني كمدخل ضروري لإنهاء الأزمة.
هذه القوات، التي تحمل على عاتقها مسؤولية تمثيل مكونات واسعة من الطائفة المسيحية، تدعو بحزم إلى حوار وطني شامل، وتؤكد أن عودة لبنان إلى طبيعته السياسية والاقتصادية لا يمكن أن تتم إلا عبر الانفتاح على الخيار السوري كعنصر محوري في استقرار البلاد.
تجسد هذا الخيار في ضرورة تحريك المسار السياسي على خط بيروت - دمشق، باعتبار أن سوريا لا تزال صاحبة دور أساسي في أي حل سياسي قابل للحياة، سواء من ناحية ضبط التوازنات الداخلية أو من ناحية البحث عن مخرج سياسي للأزمة.
إن الدعوة التي ترفعها القوات اللبنانية تُعد تمهيدًا لمشروع حل سياسي يعيد لبنان إلى مسار الاستقرار.
فبينما انحسرت أعمال العنف، يفتح هذا الواقع الباب أمام مبادرات سياسية تُصاغ بعناية، وتعيد تشكيل خريطة التحالفات وتوازن القوى في الداخل والخارج.
ومع أن الواقع الأمني لا يزال هشًا، إلا أن الأجواء العامة تُبشر بمفاوضات قد تقود إلى تفاهمات على مستوى مكونات المجتمع اللبناني كافة، على قاعدة سياسية واضحة تضمن احترام السيادة الوطنية، وتحفظ الحقوق الدستورية لكل الطوائف، وتمنع تكرار ما حدث خلال السنوات الماضية من انتهاكات وإراقة دماء.
يبدو أن الخطوة القادمة تتطلب من الجميع تفضيل لغة العقل والحوار على لغة السلاح، وتقدير أهمية الدور السوري كضامن لتوازنات لبنان في المرحلة الراهنة، خصوصًا في ظل الاستقطاب الإقليمي والدولي.
الحكم على كل الأطراف لمعالجة لبنان في حزيران 1985
في هذا الشهر الحساس من تاريخ لبنان، حزيران 1985، نجد أنفسنا أمام واقع سياسي معقد وشديد الدقة، حيث بات واضحاً أن لا حل حقيقياً يمكن أن يُبنى دون افتعاب حقيقي من جميع الأطراف اللبنانية لضرورة معالجة الأزمة الوطنية المستفحلة.
فالحرب الأهلية التي مزقت لبنان على مدى أكثر من عقد لم تترك مكاناً للسكون، ولا خياراً سوى الانكباب الجماعي على وضع حد للصراعات المتعددة، والبحث عن الحلول الممكنة والنهائية للقضايا العالقة، التي عكرت صفو الوطن وأسست لدوامة العنف المستمرة.
الإيجابيات التي أصبحت في متناول اللبنانيين
رغم كل التعقيدات، ثمة سمة إيجابية يمكن تسجيلها في هذا الفصل من تاريخ لبنان، وهي بداية تحرك الأطراف السياسية على خط الحوار، وظهور بوادر صادقة تُعبّر عن رغبة في التفاهم، ولو بخطوات مترددة وبطيئة.
فحوار بيروت-دمشق أعاد بعض الحيوية إلى مسار معالجة الأزمة، إذ بات من الواضح أن خيار الاستبعاد لن يؤدي إلى شيء سوى مزيد من الانقسام والتشظي.
كما أن القوات اللبنانية، رغم مواقفها الصارمة، بدأت تتجه نحو الحوار، مؤكدين حتمية العودة إلى الخيار السوري كعنصر استقرار وحل سياسي.
من جهة أخرى، رصدنا تأييداً متزايداً لفكرة التهدئة ووقف موجات العنف، على اعتبار أن استمرارها لا يصبّ إلا في مصلحة أعداء لبنان، ويعقّد فرص التوافق الوطني.
وعليه، فإن كل خطوة على هذا الصعيد هي مكسب حقيقي، يفتح الباب لوضع حلول سياسية متوازنة تعيد بناء الثقة بين اللبنانيين.
تحذير من سقوط جزين
لا يمكن الحديث عن معالجة لبنان دون التوقف عند واقع الجنوب، وخصوصاً منطقة جزين التي تعتبر بوابة حيوية للكيان اللبناني.
فالسقوط المحتمل لجزين لن يكون مجرد خسارة عسكرية، بل سيمثل سقوطاً رمزيًا وواقعياً للكيان اللبناني بأسره.
فجزين ليست مجرد منطقة جغرافية، بل تمثل حائط صدّ للتهديدات الإسرائيلية، وتُعدّ دعامة أساسية لاستقرار لبنان.
لذلك، فإن افتعال الأطراف المعنية لكل أسباب المحافظة على جزين، والعمل على تدعيمها سياسياً وعسكرياً، هو أمر أساسي لا يقبل المساومة.
فغاب هذا الحائط، سيجد لبنان نفسه معرضاً لمزيد من الانهيارات الأمنية والسياسية، ولن يكون بمقدوره أن يستعيد وحدته الوطنية.
إن استيعاب كل الأطراف اللبنانية لأهمية التوافق الوطني، والبدء بخطوات فعلية على طريق الحوار والتهدئة، يجعلنا أمام فرصة نادرة لإعادة بناء لبنان من جديد، ووضع حد للنزيف المستمر.
لكن هذه الفرصة تبقى هشة ما لم تكن هناك إرادة صادقة ومستدامة من الجميع.
والرسالة الأهم هي أن سقوط جزين يعني سقوط لبنان، وأن العمل الموحد على حمايتها هو ركيزة أي خطة وطنية ناجحة.
فكرة تشكيل قوة ضاربة من الجيش اللبناني بدعم الجيش السوري لإعادة الأمن (تموز 1985) في ظل الأوضاع الأمنية والسياسية المتدهورة التي عاشها لبنان خلال سنوات الحرب الأهلية الممتدة، برزت الحاجة الملحة لإعادة بناء هيبة الدولة وتجديد السلطة الأمنية، خصوصاً بعد موجات العنف المتجددة التي شهدتها عدة مناطق لبنانية خلال النصف الأول من عام 1985.
وفي هذا السياق، برزت فكرة تشكيل قوة ضاربة من الجيش اللبناني، مدعومة من الجيش السوري، من أجل إعادة فرض الأمن واستتباب الاستقرار على الأراضي اللبنانية.
مع بداية العام 1985، شهد لبنان تزايداً في حالات الاشتباكات المسلحة، خاصة في مناطق متعددة مثل بيروت الجبلية، البقاع، والجنوب، حيث تصاعدت وتيرة الفوضى الأمنية والتفلت المسلح، مما أفقد الدولة قدرتها على فرض القانون والنظام.
وكان الجيش اللبناني يعاني من ضعف في التنظيم، قلة في العدة، وتشرذم في الولاءات السياسية والطائفية، وهو ما جعله غير قادر على القيام بدوره كاملاً في حفظ الأمن.
دور الجيش السوري والدعم المتوقع
الجيش السوري، الذي دخل لبنان في عام 1976 كقوة "مراقبة" وفقاً للاتفاقيات الإقليمية والدولية، أصبح لاعباً محورياً في المشهد اللبناني.
ومع تفاقم الوضع الأمني، ظهرت ضرورة التنسيق مع الجيش السوري، ليس فقط على مستوى التنسيق الاستخباري، بل على مستوى دعم عسكري مباشر لتعزيز قدرة الجيش اللبناني على فرض النظام.
الدعم السوري كان يشمل التدريب، التسليح، والخبرة الاستخباراتية، مما يجعل القوة الضاربة أكثر فعالية.
أهداف تشكيل القوة الضاربة
إعادة فرض هيبة الدولة والنظام في المناطق الساخنة.
التصدي للمجموعات المسلحة الخارجة عن القانون، ومنع تفشي الفوضى.
تعزيز التعاون والتنسيق بين الجيش اللبناني والجيش السوري للحفاظ على الأمن والاستقرار.
تقديم نموذج للجيش اللبناني قادر على مواجهة التحديات الأمنية المتنوعة.
الإيجابيات المتوقعة
تقوية الجهاز الأمني اللبناني عبر وحدة وتنسيق مع قوة إقليمية صديقة.
توفير الاستقرار الأمني اللازم لاستئناف الحياة السياسية والاجتماعية.
تقليل الحوادث المسلحة وحماية المدنيين من ويلات الصراع.
تأكيد سيادة الدولة اللبنانية من خلال استعادة السيطرة على الأرض.
التحديات والمعوقات
مخاوف من أن يؤدي الدعم السوري إلى سيطرة غير مباشرة على القرار اللبناني العسكري.
مقاومة بعض الأطراف السياسية والطائفية لفكرة توحيد الجيش أو لتدخل خارجي حتى لو كان عبر دعم.
احتمالات تعرض القوة الضاربة لمعارضة من المجموعات المسلحة أو القوى السياسية التي ترى في الجيش السوري تهديداً لمصالحها.
حاجة لتنسيق سياسي داخلي واضح لضمان نجاح القوة وعدم تفككها.
توصيات
ضرورة وضع خطة مشتركة دقيقة بين الجيش اللبناني والجيش السوري تشمل آليات عمل واضحة وصلاحيات محددة.
إشراك القوى السياسية اللبنانية في الحوار لدعم المشروع وضمان شرعيته.
تقديم الدعم اللوجستي والمالي للقوة الضاربة لتكون قادرة على تنفيذ مهامها بشكل فعال.
مراعاة حساسية الوضع اللبناني وعدم السماح لأي جهة بالتأثير السلبي على استقلالية القرار الأمني.
لملمة الوضع الداخلي بمساعدة دمشق تمهيدًا لحلول شاملة في لبنان عام 1985
بعد سنوات من الحرب الأهلية التي أنهكت لبنان ومؤسساته، يواجه لبنان واقعًا داخليًا متشابكًا ومعقدًا يستدعي تدخلاً جديًا وفعّالاً من أجل استعادة الاستقرار الوطني.
كان من الواضح أن الحلول الفردية أو الأحادية لأي طرف لا يمكنها أن تعيد بناء الدولة اللبنانية أو توحيد اللبنانيين.
في هذا السياق، تتبلور أهمية الدور السوري كعنصر خارجي فاعل قادر على المساعدة في لملمة الوضع الداخلي.
الواقع الداخلي اللبناني
لقد شهد لبنان منذ عام 1975 فصولًا متعاقبة من النزاعات المسلحة بين الأطراف المختلفة، مما أدى إلى تفكك الدولة وإضعاف مؤسساتها.
توسع النفوذ العسكري والسياسي لفصائل متعددة مع تدخل قوى إقليمية جعل من الصعب إيجاد حل داخلي بعيدًا عن تدخل هذه الأطراف.
وبالتالي، تبلورت الحاجة إلى وجود وسيط أو ضامن خارجي قادر على جمع الأطراف وإعادة فتح أفق الحوار.
الحكومة الموسعة كمدخل
إن تشكيل حكومة موسعة تضم كافة الأطراف اللبنانية تمثل المدخل الأول والأساسي لطي صفحة الحرب وفتح الباب أمام بناء الدولة من جديد.
هذه الحكومة يجب أن ترتكز على:
التمثيل العادل لجميع المكونات اللبنانية.
ضمان الأمن الداخلي من خلال تنسيق أمني وعسكري بين الأطراف المختلفة.
وضع أجندة واضحة لحل القضايا العالقة على الساحة اللبنانية، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية.
أهمية الحوار والتفاهم
تؤكد الدراسة على أن الحوار هو السبيل الوحيد للخروج من الأزمة.
ولن يتحقق ذلك إلا عبر فتح قنوات تواصل دائمة بين الأطراف، على أن تكون دمشق حاضنة لهذا الحوار لضمان استمرار العملية وتفادي العودة إلى الاشتباكات.
التحديات التي تواجه المشروع
تشبث بعض الأطراف بمواقفها ورفضها التخلي عن بعض المكاسب.
التداخل الإقليمي والدولي في شؤون لبنان.
غياب الثقة المتبادلة بين الأطراف اللبنانية، خصوصًا بعد سنوات الحرب.
إن لملمة الوضع الداخلي اللبناني هي الخطوة العملية والمنطقية الوحيدة التي يمكن أن تنقذ لبنان من الانهيار التام.
وعلى جميع الأطراف اللبنانية أن تتحلى بالمسؤولية الوطنية وتضع مصلحة لبنان فوق أي اعتبار آخر.
رفض زيارة وفد القوات اللبنانية إلى دمشق ولقاء خدام ورفض الدور العربي السوري في المساهمة في الحل اللبناني البلاد تعيش فصولاً جديدة من الحرب الأهلية التي طالت جميع مكوناته، مع تصاعد النفوذ السوري على الأرض اللبنانية.
في هذا المناخ المتوتر، برزت قضية زيارة وفد القوات اللبنانية إلى دمشق ولقائه بالرئيس السوري حافظ الأسد ووزير خارجيته خدام، كحدث سياسي له دلالاته وتبعاته العميقة على الداخل اللبناني، خاصة في أوساط القوى المسيحية.
خلفية الزيارة
في ظل الضغوط السياسية والعسكرية التي كان يتعرض لها لبنان، خصوصاً القوات اللبنانية المسيحية التي واجهت تحديات متعددة من الميليشيات اللبنانية والعربية، جاءت زيارة وفد القوات إلى دمشق بهدف البحث عن دعم، أو على الأقل توافق مع السلطات السورية على صيغة سياسية تُخرج البلاد من أزمتها.
رغم هذه المبادرة، قابلها داخل الطائفة المسيحية رفض شديد.
أسباب الرفض
خوف من الهيمنة السورية: رأى العديد من السياسيين المسيحيين أن قبول الدور السوري في الحل هو بمثابة تنازل عن السيادة الوطنية، وتحول لبنان إلى مجال نفوذ سوري مباشر، وهو ما يهدد استقلال القرار الوطني.
عدم ثقة بجدية النوايا السورية: اعتُبرت زيارة وفد القوات مجرد مناورة لتثبيت النفوذ السوري على لبنان، من خلال فرض حل يهمش القوى السياسية اللبنانية الحقيقية، ويكرّس واقعاً جديداً ينزع عنها دورها التاريخي.
الاحتجاج على لقاء خدام: لقاء وفد القوات مع الوزير خدام، الذي كان معروفاً بسياساته التوسعية في لبنان، اعتُبر خيانة للموقف الوطني المسيحي الرافض لأي تدخل أجنبي في الشؤون الداخلية.
رفض إضعاف الحضور المسيحي: خشيت الطائفة المسيحية من أن يؤدي الدور السوري في الحل إلى إضعاف حضورها السياسي، عبر إعادة رسم موازين القوى بطريقة تخدم مصالح دمشق على حساب التمثيل المسيحي في لبنان.
تداعيات الزيارة والرفض
أدى الرفض الداخلي العلني لهذه الزيارة إلى تفاقم الانقسامات بين القوى المسيحية نفسها، حيث اتهمت بعض الأطراف القوات بالتصرف منفردة وبدون تنسيق مع باقي الفصائل.
كما عمق ذلك الهوة بين القوى المسيحية والدور السوري، مما أضعف فرص الحل السياسي في تلك المرحلة، وجعل الأزمة اللبنانية أكثر تعقيداً.
الموقف السياسي المسيحي في أيلول 1985
عبر سياسي مسيحي بارز عن موقفه الرافض بقوة لهذه الزيارة واللقاء، مؤكدًا أن الحل الوطني يجب أن ينبع من الداخل اللبناني بجهود جميع القوى دون تدخل خارجي يفرض إرادته بالقوة.
كما شدد على ضرورة التمسك بالسيادة اللبنانية واستقلال القرار الوطني، مشدداً على أن الحلول الوهمية التي تستند إلى النفوذ السوري لن تنجح، بل ستؤدي إلى المزيد من التمزق والاقتتال.
رفض زيارة وفد القوات اللبنانية إلى دمشق ولقاء خدام يعكس رفضاً جوهرياً لفكرة الحلول التي تُفرَض من الخارج، وخاصة عبر النفوذ السوري.
إن أي حل سياسي مستدام في لبنان لا بد أن يكون لبنانياً داخلياً متوافقاً عليه بين جميع مكونات المجتمع، ومرتبطاً بحماية السيادة الوطنية، وهو ما كان وما يزال مطلباً أساسياً للطائفة المسيحية التي تسعى إلى دور فاعل وحيوي في مستقبل لبنان.
القمة التاسعة بين الرئيس بشير الجميل والرئيس حافظ الأسد (تشرين الأول 1985) - قراءة نقدية في المسار اللبناني السوري
إن انعقاد القمة التاسعة بين الرئيس اللبناني بشير الجميل والرئيس السوري حافظ الأسد في تشرين الأول 1985 يمثل محطة بارزة في العلاقات اللبنانية السورية التي ظلت متواصلة عبر سنوات الحرب اللبنانية الطاحنة، والتي شكلت كل قمة منها نقطة استقرار أو توتر في معادلة النفوذ السوري في لبنان.
لقد عُرفت العلاقات بين لبنان وسوريا بتواتر اللقاءات الرسمية على أعلى المستويات، حيث انعقدت سابقًا ثماني قمم رئيسية جمعت بين الرئيسين، حاولت تدارك الأزمة اللبنانية من وجهة نظر الطرفين.
غير أن هذه اللقاءات، رغم أهميتها، لم تضع حدًا لسيطرة النفوذ السوري على مفاصل القرار اللبناني، بل عمّقت القلق من تبعية لبنان المطلقة لسوريا.
تأتي هذه القمة التاسعة وسط وضع داخلي لبناني متأزم على أكثر من صعيد، مع استمرار الحرب الأهلية التي تزيد من تفتت الدولة وتهدد الكيان اللبناني.
ومن هنا، يظهر من منظور سياسي مسيحي قلق شديد من الانزلاق أكثر نحو مستنقع الحرب الداخلية التي لا تخدم سوى توسيع دائرة النفوذ السوري عبر أدواتها المحلية المختلفة.
إن هذه القمة تؤكد، للأسف، استمرار السياسة السورية في استثمار الانقسامات اللبنانية لإضعاف الدولة، لا لحل الأزمة، وهو ما يجعل من أي محاولة إصلاح أو سلام وطني مرتبطًا بفهم واقعي لطبيعة الدور السوري، وعدم القبول بأي شكل من أشكال التبعية المطلقة.
ومن هنا، يُدعى الجميع إلى مناهضة هذا النفوذ الذي يشكل عبئًا ثقيلاً على لبنان، إلى تبني موقف وطني مسيحي يعزز من استقلالية القرار اللبناني ويعيد بناء الدولة على أسس وطنية سليمة، ويعمل على تحرير لبنان من هذه الهيمنة التي تحول دون قيام الدولة ووقف الحرب.
إن التحرر الوطني، وفق هذه الرؤية، لا يعني قطع العلاقات الأخوية والتاريخية مع سوريا، بل يعني وضع العلاقة على أسس الاحترام المتبادل والمصلحة الوطنية بعيدًا عن أي تدخل سلبي في الشؤون الداخلية.
و فإن الدعوة إلى مواجهة النفوذ السوري بموقف موحد ووطني هو السبيل الوحيد للحفاظ على لبنان واستقراره، ولمنع الانزلاق في حرب داخلية تزيد من الدمار وتعمّق الانقسامات.
إنهاء حالة الحرب وفتح ملف التغيير وإغلاق ملف التحرير
في سنة 1882، يعيش اللبناني المسيحي في واقع معقد، حيث تتشابك مصالح الإمبراطوريات الكبرى، وتتداخل فيها النزاعات الطائفية والسياسية، مما يجعل لبنان يعيش حالة شبه دائمة من التوتر والحرب الأهلية.
في ظل هذه الأجواء، تتبلور لدى السياسي المسيحي رؤية واضحة تستهدف وضع حد لهذا النزيف المستمر من الدماء، والسير نحو مرحلة جديدة عنوانها التغيير والإصلاح.
أولاً: حالة الحرب وأثرها السلبي
حالة الحرب التي يعاني منها لبنان، لا سيما في المناطق ذات التركيبة الطائفية المتنوعة، قد أرهقت الشعب وأضعفت القدرة على البناء والتقدم.
إذ لم تعد الحرب وسيلة للتحرير أو الدفاع عن الحقوق، بل تحولت إلى مستنقع يبتلع جهود الوطنيين والفاعلين الاجتماعيين والسياسيين.
من هنا، يتطلب الموقف السياسي المسيحي في 1882 إعلان موقف واضح: لا للحرب، لا للتقاتل الأهلي، نعم للسلام والاستقرار.
ثانياً: فتح ملف التغيير
التغيير المطلوب هو تغيير بنيوي في طريقة إدارة البلاد، بحيث ينتقل لبنان من حالة الضعف والصراع إلى دولة المؤسسات والقانون.
يجب أن يُفتح ملف التغيير على قاعدة احترام حقوق جميع الطوائف، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتنمية الاقتصاد، وتوفير الأمن للمواطن.
التغيير هو فرصتنا الوحيدة للخروج من دوامة الحرب والفقر والتأخر.
ثالثاً: إغلاق ملف التحرير
التحرير في زمننا هذا لم يعد يحمل ما يبرر استمرار النزاع، إذ إن مطالب التحرير الوطنية غالباً ما تُستغل سياسياً من قوى خارجية، أو تتحول إلى ذريعة للصراعات الداخلية.
لذلك، يرى السياسي المسيحي أن الوقت قد حان لإغلاق ملف التحرير بمعناه التقليدي، والبدء في التركيز على بناء لبنان من الداخل، ووضع أسس الدولة الحديثة التي تتسع لكل أبنائها.
رابعاً: الدعوة إلى الوحدة الوطنية
يبقى الحل الأسمى هو الوحدة الوطنية والعيش المشترك.
يجب أن يتوقف اللبنانيون عن النظر إلى بعضهم كأعداء، وأن يعملوا معاً من أجل لبنان مزدهر وآمن، بعيداً عن سياسات التفرقة والعنف.
القوى الخاصة تتحرك وخطة بيروت الغربية في ظل تحركات الجيش وقوى الأمن وأطباء الجامعة الأمريكية يلوحون بالإضراب يعيش لبنان هذه الأيام منعطفاً حاسماً في تاريخه السياسي والأمني، خصوصاً في ظل تصاعد التوترات التي تشهدها العاصمة بيروت، التي تتعرض لضغوط متزايدة من عدة قوى محلية وخارجية.
في هذا الإطار، بدأت القوى الخاصة تتحرك بقوة في الساحة، مما يزيد من تعقيد المشهد السياسي ويضع الجيش اللبناني وقوى الأمن أمام مسؤولية ثقيلة لتنفيذ خطة "بيروت الغربية" التي تهدف إلى استعادة الأمن والاستقرار في هذه المنطقة الحيوية من العاصمة.
تُظهر التحركات الأخيرة للقوى الخاصة إصرارها على فرض نفوذها، مما يجعل المنطقة الغربية من بيروت مسرحاً لصراعات مسلحة وأعمال عنف متكررة.
هذه القوى، التي تتنوع بين ميليشيات مسلحة وتنظيمات ذات أجندات سياسية متباينة، تلجأ إلى أساليب القوة والضغط لإعادة تشكيل المشهد السياسي بما يخدم مصالحها الخاصة.
في المقابل، يظهر الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي التزاماً واضحاً بتنفيذ خطة "بيروت الغربية" التي تسعى إلى فرض النظام والقانون، وحماية المدنيين من تداعيات الصراع المسلح.
لكن، وبالرغم من الإمكانيات المتاحة، فإنهم يواجهون تحديات كبيرة على الأرض، بدءاً من ضعف التنسيق بين الوحدات الأمنية، مروراً بالنقص في العتاد، وانتهاءً بالحساسيات السياسية التي تحيط كل تحرك عسكري أو أمني.
أزمة أطباء الجامعة الأمريكية:
من جهة أخرى، لم تخلُ الساحة الصحية في بيروت من أزمات، حيث يلوح أطباء الجامعة الأمريكية بإضراب شامل إذا لم تتم الاستجابة لمطالبهم، والتي تتعلق بتحسين ظروف العمل، وتأمين الموارد اللازمة لمواجهة الوضع الصحي المتدهور في ظل الحرب.
هذا الإضراب، في حال تنفيذه، سيكون له انعكاسات كبيرة على صحة المواطنين، خاصة في منطقة غرب بيروت التي تعاني من آثار النزاعات المسلحة، ويزيد من أعباء المؤسسات الصحية.
في ظل هذه التطورات، لا بد من التوصل إلى حل متكامل يدمج بين ضبط الأمن وإعادة تفعيل المؤسسات الصحية والاجتماعية.
على الجيش وقوى الأمن أن يحظوا بدعم سياسي ولوجستي كامل لتمكينهم من تنفيذ خطة "بيروت الغربية" بنجاح.
كما يجب التعامل مع مطالب الأطباء بجدية لتفادي أزمة صحية قد تتفاقم.
الأهم من ذلك، أن يتم تحييد بيروت عن الصراعات الحزبية والعسكرية ليعود الأمن والاستقرار إليها.
الانسحاب الإسرائيلي والانسحاب السوري كشرط لتحقيق السلام في لبنان (1986)
في خضم الفوضى السياسية والأمنية التي تعصف بلبنان في عام 1986، يجد اللبنانيون أنفسهم محاصرين بين تداعيات الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب، والتواجد العسكري السوري المستمر في العديد من المناطق اللبنانية.
من هذا المنطلق، تنبع ضرورة التفكير الجدي في آفاق السلام، كهدف لا بد من السعي لتحقيقه من خلال خطوات عملية وواقعية.
هذه الدراسة تحاول الوقوف عند نقطة الانسحاب الإسرائيلي والسوري، كعوامل رئيسية لتقليل دائرة العنف وتحقيق استقرار في لبنان والمنطقة ككل.
الواقع الحالي وتأثير الاحتلالين
إن الاحتلال الإسرائيلي للجنوب اللبناني منذ العام 1982 قد خلق حالة مستمرة من العنف والفوضى، وأعاق بناء مؤسسات الدولة، وزاد من معاناة المواطنين.
بالمقابل، فإن التواجد العسكري السوري في لبنان، رغم أنه يرى نفسه كقوة لحفظ النظام، يثير جدلًا واسعًا حول مدى شرعيته وأثره على سيادة لبنان واستقلال قراره السياسي.
الانسحاب الإسرائيلي: ضرورة ملحة
الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية هو خطوة أساسية تمهد الطريق نحو استعادة لبنان لسيادته الكاملة.
انسحاب إسرائيل يعني تقليص مصدر العنف المباشر وإزالة المبرر لحمل السلاح من قبل الفصائل اللبنانية، وإعادة الأمل للمواطنين في بناء بلدهم بعيدًا عن النزاعات المسلحة.
الانسحاب السوري: شرط لاستقرار داخلي
رغم أن البعض يرى أن الوجود السوري يشكل عامل استقرار نسبي، إلا أن استمرار هذا الوجود العسكري يحول دون قيام دولة حقيقية ذات سيادة كاملة، ويزيد من تعقيد الأوضاع السياسية.
انسحاب سوريا، أو على الأقل إعادة تعريف وجودها في إطار اتفاقيات دولية واضحة، هو شرط أساسي لإنهاء حالة الفعل ورد الفعل التي تنتج عن احتكاكات السلطة والهيمنة، وهو السبيل نحو خلق بيئة سياسية متوازنة تسهل الحوار الوطني.
الفعل ورد الفعل: دوامة العنف المستمرة
في غياب انسحاب الطرفين، تتكرر حلقات الفعل ورد الفعل، حيث تؤدي كل خطوة عسكرية أو سياسية إلى رد مماثل أو أكثر حدة من الطرف الآخر، ما يجعل من الصراع مستمرًا دون نهاية، ويزيد من معاناة اللبنانيين ويهدد استقرار المنطقة بأكملها.
الانسحاب المتزامن: مفتاح السلام والاستقرار
إن تحقيق انسحاب إسرائيل وسوريا بشكل متزامن ومدروس يفتح الباب أمام عملية سياسية جديدة تعتمد على احترام سيادة لبنان ووحدته.
هذا الانسحاب سيمهد لتشكيل حكومة وحدة وطنية، تركز على إعادة الإعمار، وتعزيز مؤسسات الدولة، وتحقيق المصالحة الوطنية.
ومن شأن ذلك أن يحقق حالة من الاستقرار ليس فقط في لبنان بل في المنطقة بأسرها، حيث تتبدد أسباب النزاعات وتتمتع الدول المجاورة بفرص للتعاون والتعايش السلمي.
إننا أمام مفترق طرق حاسم: إما الانسحاب المتزامن يفتح آفاق السلام والتنمية، أو استمرار الاحتلالات يكرس حالة العنف والفوضى.
على جميع الأطراف المعنية أن تتحمل مسؤولياتها الوطنية والدولية، وأن تتبنى موقفًا شجاعًا يضع مصلحة لبنان أولاً، حمايةً لأمنه واستقراره، ورافعة لتحقيق السلام في المنطقة.
انتقاد عمل اللقاء الإسلامي وزياراته المتكررة إلى دمشق ودوره في تعميق الأزمة اللبنانية
في ظل التطورات السياسية والعسكرية التي يشهدها لبنان منذ بداية العام 1986، لا يمكن إغفال الدور المحوري الذي تلعبه بعض القوى اللبنانية، وأخص بالذكر اللقاء الإسلامي الذي أصبح له تأثير واضح على مسار الأزمة اللبنانية وتطوراتها.
إن الزيارات المتكررة التي يقوم بها وفد اللقاء الإسلامي إلى دمشق تثير قلقًا عميقًا في أوساط واسعة من اللبنانيين، خصوصًا المسيحيين، الذين يرون فيها تأكيدًا على خضوع هذا اللقاء للمشاريع الخارجية، وعلى رأسها النفوذ السوري، الذي لا يزال يلعب دورًا مركزيًا في السياسة اللبنانية.
إن اللقاء الإسلامي، بدلاً من العمل على تهدئة الأوضاع وإيجاد حلول وطنية جامعة، ساهم في ترسيخ عوامل الانقسام والتصعيد، خصوصًا من خلال تغذيته لما يعرف بمعركة "قطلول" التي فجرت المواجهة المسلحة بين الفصائل اللبنانية، وأدخلت البلاد في دوامة من العنف الطائفي والمذهبي.
ويبدو واضحًا أن هذا اللقاء يغفل عمداً العامل الخارجي، ويتجاهل تأثير القوى الإقليمية والدولية التي تحرك الأحداث في لبنان.
هذا التجاهل المتعمد للعامل الخارجي يضع لبنان في دائرة خطر متزايد، إذ لا يمكن فهم تعقيدات الأزمة اللبنانية بمعزل عن السياق الإقليمي والدولي، وخاصة الدور السوري الذي يستثمر في الأزمة لتعزيز نفوذه وسيطرته على القرار اللبناني.
وفي المقابل، فإن تمركز اللقاء الإسلامي في دمشق وارتباطه بها يجعل من دوره مشكوكًا في قدرته على تحقيق وحدة وطنية أو تهدئة الأزمة، بل هو جزء من منظومة تحكمها مصالح خارجية على حساب استقرار لبنان.
يبقى لبنان كيانًا هشًا أمام هذه التداخلات والاشتباكات، وحالة الاستقطاب التي يعيشها اللقاء الإسلامي تؤدي إلى تعميق الانقسامات الوطنية، وتوليد معارك داخلية تضع مستقبل البلاد على المحك.
من دون إعادة النظر في هذا الدور وإدراك خطورة الانزلاق نحو مزيد من الفتنة الداخلية، سيكون لبنان معرضًا لخطر داهم يهدد كيانه ووحدته.
زيارة المونسينيور أشيل سيلفستريني والمبادرة الفاتيكانية: أمل جديد في إعادة السلام والوئام في لبنان في ظل أجواء الحرب الأهلية التي مزقت لبنان منذ خمس سنوات، وأمام استمرار التدهور الأمني والسياسي والاجتماعي، تأتي زيارة أمين سر مجلس القضايا العامة في الكنيسة الكاثوليكية المونسينيور أشيل سيلفستريني إلى لبنان كمحطة بارزة تحمل معها بصيص أمل، تعكس إرادة الفاتيكان في الدفع نحو استعادة السلام الوطني والوحدة الوطنية.
هذه الزيارة تتزامن مع إطلاق المبادرة الفاتيكانية التي تسعى إلى إعادة فتح قنوات الحوار بين مختلف الأطراف اللبنانية، وتعزيز المصالحة الوطنية، بما يعيد لبنانية لبنان هويتها ويحفظ التعايش بين جميع مكوناته.
زيارة المونسينيور سيلفستريني تجسّد موقف الفاتيكان الملتزم بدعم لبنان، ليس فقط كدولة بل كرمز لتعددية دينية وحضارية في المنطقة.
وهي تأتي في وقت بالغ الحساسية، إذ إن لبنان يعيش مرحلة حساسة تتطلب جهوداً مكثفة لإعادة الوحدة الوطنية ومواجهة التحديات التي باتت تهدد الكيان اللبناني، داخليًا وخارجيًا.
تسعى المبادرة الفاتيكانية إلى إحداث تقارب بين الأطراف المسيحية والمسلمة على حد سواء، مع التأكيد على أهمية تنسيق الجهود مع الجهات الفاعلة في سوريا، التي تلعب دوراً محورياً في مسار الأزمة اللبنانية.
وهذا يعكس فهمًا دقيقًا لطبيعة التعقيدات اللبنانية، حيث لا يمكن لأي حل أن يتحقق بمعزل عن دور الأصدقاء الإقليميين.
تحديات المبادرة:
اختلاف وجهات النظر بين القوى السياسية اللبنانية، خصوصاً على مستوى العلاقة مع دمشق، وما إذا كان الدور السوري جزءاً من الحل أو جزءاً من المشكلة.
توحيد الصف المسيحي في هذه المرحلة الحساسة، الذي يعاني من انقسامات داخلية تتطلب جهوداً صادقة لتعزيز وحدة الموقف والتنسيق.
القلق من استمرار تدخلات قوى خارجية أخرى قد تعرقل مسار المصالحة.
التطلعات والآمال:
تتمنى المبادرة الفاتيكانية أن تشكل جسرًا للحوار وتسهّل المهمة الوطنية، فتقود إلى: وحدة الصف الداخلي المسيحي وتوحيد المواقف الوطنية بعيداً عن التبعية الخارجية.
تسهيل مسار الحل السياسي عبر الحوار مع سوريا، التي يمكن أن تلعب دور الوسيط البنّاء.
إطلاق مبادرات لبنانية داخلية مشتركة تقوم على التوافق الوطني بعيداً عن الإقصاء والهيمنة.
زيارة المونسينيور أشيل سيلفستريني ومبادرة الفاتيكان تمثل فرصة حقيقية لإعادة الروح إلى المشروع الوطني اللبناني، مع تركيز على الوحدة الداخلية والتفاهم الإقليمي.
وفي ظل التحديات الكبيرة التي يواجهها لبنان، تبقى هذه المبادرة علامة مضيئة تدعو إلى التفاؤل والتمسك بالأمل في لبنان واحد، مزدهر وسيد على أرضه.
"الاتفاق الثلاثي بين الرفض المسيحي ومخاطر الإقرار به كما هو"
من موقع الالتزام الوطني والمسيحي، ومن عمق المأساة اللبنانية التي تطحن أبناء هذا الوطن منذ أكثر من عقد، تأتي هذه الدراسة لتسلّط الضوء على واحدة من أخطر المحطات التي كادت أن تُشرعن واقع الحرب وتُقنن تفتيت الدولة: الاتفاق الثلاثي الذي وُقّع في دمشق أواخر عام 1985 بين قادة الميليشيات اللبنانية الثلاث: إيلي حبيقة عن "القوات اللبنانية"، وليد جنبلاط عن "الحزب التقدمي الاشتراكي"، ونبيه بري عن "حركة أمل"، برعاية سورية مباشرة.
لقد وقف المسيحيون، لا سيّما في معظمهم الرافض للاتفاق، في طليعة المواجهة السياسية والروحية لهذا النص، واعتبروه محاولة لفرض تسوية غير عادلة على اللبنانيين، وخصوصاً على المكوّن المسيحي الذي لم يكن ممثَّلاً بتوازن حقيقي، لا في مضمون النص، ولا في من وقّع باسمه.
أولاً: في الشكل والظروف
تم التفاوض حول الاتفاق في دمشق، وبرعاية رسمية من النظام السوري، الذي يُعد طرفاً مباشراً في الصراع اللبناني – سواء عبر تدخله العسكري أو دعمه لفصائل محددة.
وجاء التفاوض معزولاً عن الشرعية اللبنانية، ودون إشراك رئيس الجمهورية أو المؤسسات الدستورية، مما يجعل الاتفاق خارج الإطار الشرعي والدستوري.
ثانياً: في المضمون
الخطورة لا تكمن فقط في الشكل، بل في المضمون أيضاً.
إذ يتبنّى الاتفاق ثلاثية السلطة (المجلس، الحكومة، ورئاسة الجمهورية) بصيغة جديدة تكرّس موازين القوى العسكرية لا التوازن الوطني، كما يفتح الباب واسعاً أمام هيمنة سورية رسمية على القرار اللبناني تحت غطاء "الدور العربي" لحفظ الأمن.
كما يُضعف الاتفاق صلاحيات رئيس الجمهورية المسيحي، ويُعيد النظر ببنية الدولة دون المرور بالآليات الدستورية المعروفة.
وهذا يشكل خروجاً على اتفاق الطائف حتى قبل ولادته، ويؤسس لعرف سياسي خطير، يُسقط مبدأ الشراكة الحقيقية ويستبدله بمبدأ الغلبة.
ثالثاً: في النتائج المحتملة
لو تم تمرير الاتفاق بصيغته الأصلية، لتكرّست سابقة خطيرة: أن الميليشيات المسلحة هي من تقرّر مستقبل لبنان، لا الدولة ولا الشعب.
كما كان سيُعمّق الشرخ الطائفي، ويحوّل لبنان إلى محميات تتنازعها المجموعات العسكرية برضى إقليمي.
ولولا انتفاضة القوى المسيحية الرافضة، وفي طليعتها البطريركية المارونية، وأوساط واسعة من المجتمع المدني والسياسي، لما سقط الاتفاق أو أُجبر من وقّع عليه على التراجع.
رابعاً: الحاجة إلى تعديل جذري
لا يمكن لأي تسوية أن تُكتب لها الحياة إلا إذا استندت إلى إرادة وطنية جامعة، واحترام للدستور، والتوازنات اللبنانية.
لذلك فإن أي اتفاق سياسي يجب أن يُعرض على المؤسسات الرسمية، ويأخذ في الاعتبار مبدأ السيادة والاستقلال، ويُعيد الاعتبار للتمثيل المسيحي المتوازن، لا أن يُفرض فرضاً على قاعدة الغلبة العسكرية.
خامساً: النداء الأخير
إننا نرفع الصوت مجدداً، من أيار 1986، لنقول: لا للاتفاق الثلاثي بصيغته الموقعة.
نعم لأي حوار لبناني–لبناني جامع، يضم كافة القوى السياسية، وتحت سقف الشرعية الدستورية، وبرعاية دولية حيادية، تحفظ للبنان سيادته وهويته ورسالة العيش المشترك.
الاتفاق الثلاثي بين انقسام الداخل وتحرك الاغتراب: محاولة سورية لإحكام القبضة أم فرصة للحل؟
في حزيران 1986
يمر لبنان بمرحلة دقيقة من تاريخه، حيث يستعر الجدل الداخلي حول الاتفاق الثلاثي الذي وُقّع في دمشق في كانون الأول من العام الماضي بين أطراف لبنانية وُصفت بأنها تمثل مكونات رئيسية في الحرب.
ومع دخول هذا الاتفاق حيّز التداول السياسي، تبدو البلاد مقسومة بحدة بين مؤيدين يرونه مقدّمة للحل، ورافضين يعتبرونه تكريسًا للوصاية السورية وتهديدًا لمبدأ السيادة والاستقلال.
من موقعنا كسياسيين مسيحيين نحمل همّ الوطن، نعاين بقلق كيف يتحوّل هذا الاتفاق إلى أداة للشرذمة بدل أن يكون مشروعًا جامعًا.
فبدل أن ينقذ البلاد من أتون الحرب، يغرقها في مزيد من الاستقطاب، ويهدد جوهر الكيان اللبناني ببنية تكرّس مبدأ الغلبة وتلغي الميثاقية الوطنية.
لقد عبّر الاغتراب اللبناني، الممتد من أوروبا إلى أميركا وأستراليا، عن استيائه الكبير من هذا المسار.
ففي خلال الأشهر الماضية، نشهد حركة احتجاج واسعة في أوساط المنتشرين الذين رأوا في الاتفاق الثلاثي خيانة لتضحيات الأجيال التي هاجرت قسرًا بحثًا عن الأمن والحرية.
وقد انطلقت بيانات ورسائل مفتوحة من جمعيات لبنانية في المهجر تطالب بإسقاط الاتفاق وإعادة النظر في مرتكزاته السياسية.
إن تحرّك المنتشرين لا يأتي في فراغ، بل هو استمرار طبيعي لارتباط اللبنانيين في الخارج بقضايا وطنهم.
ورفضهم العارم للاتفاق هو في حقيقته رفض لوضع لبنان تحت عباءة النفوذ السوري المباشر، ورفض لتكريس الميليشيات كلاعب شرعي في النظام السياسي المقبل.
لقد وصلت أصوات الاغتراب إلى المحافل الدولية، حيث رفعت مطالب واضحة تدعو إلى تحرير لبنان من الاحتلالات الظاهرة والمقنّعة، وإعادة الاعتبار إلى المؤسسات الدستورية الشرعية.
وقد بادر عدد من الكفاءات اللبنانية في المهجر إلى تقديم مشاريع بديلة للحل، تركّز على تطبيق اتفاق الطائف بروحية سيادية، وضمان انسحاب كل القوات الأجنبية، لا سيما السورية، من الأرض اللبنانية.
من هنا، نجد أن مسؤوليتنا كقوى وطنية في الداخل تكمن في التقاط هذه المبادرة الاغترابية، وتحويلها إلى دعامة سياسية لتحرّك داخلي يعيد التوازن إلى المعادلة اللبنانية.
ليس من المقبول أن يُفرض على اللبنانيين اتفاقٌ صيغ في غياب الإرادة الوطنية الجامعة وتحت ضغط الميليشيات والسلاح.
إن المطلوب اليوم ليس التوقيع على تسوية قسرية، بل إطلاق حوار وطني صادق برعاية دولية متوازنة، ينطلق من احترام السيادة وتكريس استقلالية القرار اللبناني.
ولا سبيل لذلك إلا بإسقاط الاتفاق الثلاثي، والعودة إلى منطق الدولة الواحدة والشرعية الواحدة، وبمواكبة من الاغتراب الذي أثبت أنه لا يزال قلب لبنان النابض بالخلاص.
بين ضبط المخيمات الفلسطينية في لبنان وإغلاق المكاتب في عمّان: لحظة مفصلية في المسار الفلسطيني
تعيش القضية الفلسطينية اليوم مرحلة دقيقة تتطلب من جميع المعنيين بها قراءة متأنية للمتغيرات المتسارعة على الساحة العربية والدولية.
ففي لبنان، تتقدم السلطة الشرعية في محاولة حثيثة لضبط المخيمات الفلسطينية التي تحوّلت بفعل السلاح والانقسام والارتباطات الخارجية إلى بؤر أمنية خارجة عن سيطرة الدولة، وتشارك في صراعات تتخطى الشأن الفلسطيني إلى ما هو لبناني وسيادي.
أما في الأردن، فقد بادرت السلطات إلى إغلاق مكاتب الفصائل الفلسطينية، وهو قرار يترجم أزمة ثقة عميقة بين القيادة الأردنية والمنظمات الفلسطينية، ويعكس تبدلاً في النظرة إلى القضية الفلسطينية، ودورها الإقليمي، وآفاقها المستقبلية.
هاتان الخطوتان، المتزامنتان زمنيًا وإن اختلفتا في الأسباب والسياقات، تشيران إلى أن المسألة الفلسطينية باتت تمرّ في مرحلة إعادة تموضع، لا على مستوى الفصائل فقط، بل على صعيد حضورها في الأجندة العربية الرسمية.
ويبدو أن المرحلة المقبلة ستشهد تحولات نوعية، أبرزها انتقال الدور الفلسطيني من الفاعل المتفلت إلى الطرف المراقَب والمشروط في أي تفاوض أو تسوية.
في لبنان، أعادت محاولة الدولة ضبط الأمن داخل المخيمات إلى الواجهة سؤال السيادة الوطنية وحدودها، كما طرحت مجددًا مسألة التداخل بين الوجود الفلسطيني والعمل المقاوم من جهة، والفوضى المسلحة والتدخلات الخارجية من جهة أخرى.
والمفارقة أن معظم القوى اللبنانية، وإن اختلفت في التفاصيل، أبدت تأييدًا لهذه الخطوات، انطلاقًا من الحرص على حفظ الاستقرار ومنع انفجار أمني جديد.
أما في الأردن، فقرار إغلاق المكاتب لم يكن مفاجئًا تمامًا، لكنه جاء كإشارة قاطعة على تراجع العلاقة بين القيادة الهاشمية ومنظمة التحرير، خصوصًا بعد إعلان عمان رغبتها في تبنّي خيار سلمي مستقل يعيد الأردن إلى طاولة التسوية دون المرور بالمعبر الفلسطيني.
وقد تكون هذه الخطوة تمهيدًا لرؤية أردنية-دولية حول شكل الحل النهائي، يكون فيه الدور الفلسطيني مقيدًا ومشروطًا برضى الدول المحيطة.
وعليه، فإن القضية الفلسطينية، وبدل أن تكون اليوم محور نهوض عربي، تكاد تتحوّل إلى عنصر توتر وتفكك.
وإذا لم تبادر القيادة الفلسطينية إلى مراجعة سياساتها، وإعادة تموضعها في ضوء هذه المتغيرات، فإن القضية قد تنزلق إلى هامش الأحداث، لا بفعل المؤامرة وحدها، بل نتيجة سوء الإدارة والمواقف المتسرعة.
إن ضبط المخيمات في لبنان، وإغلاق المكاتب في الأردن، ليسا تطورَين منفصلين، بل مؤشرين على ولادة مرحلة جديدة في الصراع العربي-الإسرائيلي، يُراد فيها ضبط الفلسطيني قبل التفاوض مع الإسرائيلي.
وهذا ما ينبغي التنبه له، ليس فقط في بيروت أو عمان، بل في كل عاصمة تعتبر نفسها معنِيّة بحق الشعب الفلسطيني.
دعم المبادرات السلمية المشروطة بالحفاظ على السيادة والشرعية: رؤية سياسية مسيحية من قلب الأزمة اللبنانية
آب 1986،
بينما البلاد تتخبط في أتون أزمات متداخلة سياسية وأمنية واقتصادية، تتعالى الأصوات المطالبة بالخروج من نفق الحرب المظلم عبر مبادرات سلام توفّر الحد الأدنى من التوافق الوطني.
وفي هذا السياق، يبرز موقف واضح لعدد من السياسيين المسيحيين الذين لا يرفضون فكرة المبادرات بحد ذاتها، بل يرفضون كل مبادرة لا تضع في مقدّمة أهدافها الحفاظ على السيادة اللبنانية واستقلال الكيان ووحدة الشعب والشرعية الدستورية.
إن أي مبادرة للسلام في لبنان لن يكتب لها النجاح أو تجد القبول الشعبي والسياسي ما لم تحترم الخطوط الوطنية الحمراء التي تشكّل جوهر القضية اللبنانية.
إن السيادة الوطنية ليست تفصيلًا يمكن القفز فوقه، بل هي المعيار الأول لأي طرح جدّي.
واستقلال لبنان لا يمكن التفاوض عليه، وهو شرط أساسي لأي صيغة مستقبلية تُطرح على اللبنانيين.
كذلك فإن وحدة الأرض والشعب والمؤسسات هي الأُسس التي لا يُبنى الوطن من دونها.
استمرار الشرعية الدستورية – مهما كانت هشاشتها أو محدودية فعاليتها في بعض المراحل – يبقى الركن الوحيد الباقي الضامن لعدم انهيار ما تبقّى من مقوّمات الدولة.
فالسقوط في متاهات الدويلات أو مشاريع التقسيم أو الانقلاب على المؤسسات الدستورية لا يمكن أن يؤدي إلا إلى مزيد من الخراب والاقتتال.
ومن هنا، فإن تحويل الحكومة إلى ما يشبه "لجنة حوار دائمة" قد يكون طرحًا واقعيًا يساهم في فتح ثغرة في جدار الأزمة.
فالحكومة، بصفتها تمثّل مختلف القوى والمكوّنات، يمكنها أن تؤدي دور المساحة المشتركة للحوار الداخلي، بدل أن تكون مجرد هيئة تنفيذية معطّلة.
هذا التحوّل في دور الحكومة قد يشكل جسرًا بين مشروع الدولة ومشاريع التفاهم الوطني.
إنّ دعم أي مبادرة سلام يجب أن يكون مشروطًا بإجماع وطني لا يُفرَّط فيه، وعلى قاعدة التفاهم على الثوابت الوطنية التي لا مساومة عليها.
بذلك فقط، يمكن الحديث عن أمل جديد، وعن إمكانية حقيقية لخروج لبنان من الدمار المستمر منذ سنوات.
الناس بحاجة إلى بصيص نور، إلى وعود حقيقية بالتغيير من داخل المشروع الوطني الجامع، لا من مشاريع الفرض أو التسويات الخارجية.
هذه القراءة المتمسّكة بالثوابت الوطنية والرافضة لأي سلام هشّ أو مفرّغ من جوهر السيادة، لا تأتي في سياق التشدد العقيم، بل تنبع من حرص عميق على لبنان الواحد، وعلى الدولة التي تجمع كل أبنائها تحت راية الحق والعدالة.
القرار 242 والسلام المشروط: لبنان بين التحرير والعدالة
في خضم التجاذبات الإقليمية وتداخل المبادرات الدولية، يعود القرار 242 الصادر عن مجلس الأمن في تشرين الثاني 1967 إلى الواجهة، باعتباره القاعدة التي يسعى المجتمع الدولي إلى فرضها كأساس لأي تسوية سلمية في المنطقة.
لكن ما يطرحه هذا القرار من غموض وتفسيرات مزدوجة، يضع الدول العربية، وعلى رأسها لبنان، أمام معادلة غير متوازنة تهدد جوهر حقها في تحرير أرضها من دون شروط.
منذ بداية الاجتياح الإسرائيلي 1982، تموضعت المقاومة اللبنانية، وبدعم شعبي واسع، في موقع الدفاع المشروع عن السيادة والكرامة.
واليوم، في أيلول 1986، وبعد مضي أكثر من أربع سنوات على الاحتلال الإسرائيلي المباشر والضغط الدبلوماسي المتصاعد، يُطرح على لبنان – بطريقة غير مباشرة – أن يربط انسحاب الاحتلال بقبوله القرار 242، بل أن يُعتبر هذا القرار أساسًا للمفاوضات السياسية المقبلة.
هذا الربط غير البريء، في مضمونه وتوقيته، يجعل من لبنان ساحة اختبار لمرونة العرب في السلام، وورقة ضغط لاستدراج تنازلات لا تحتملها الجغرافيا اللبنانية ولا تركيبتها السياسية والاجتماعية.
فهل المطلوب من لبنان وحده أن يحرر أرضه وأرض العرب؟
وهل يُعقل أن يُطلب من شعب أنهكته الحروب، ودولة مثقلة بالأعباء، أن تتحمل وزر التطبيع السياسي مع إسرائيل تحت شعار "القرار 242"؟
لقد جاء هذا القرار بلغة ملتبسة، فتحدث عن "انسحاب من أراضٍ احتُلت عام 1967"، دون أن يحدد "جميع الأراضي"، ما فتح الباب أمام إسرائيل للمناورة، فاعتبرت أنها غير ملزمة بالانسحاب الكامل، بل بما يتوافق مع أمنها ومصالحها.
وهو ما ترفضه الدول العربية التي تطالب بانسحاب شامل مقابل سلام عادل، وليس سلامًا مفروضًا.
لبنان، من جهته، لم يكن يومًا في حالة حرب هجومية مع إسرائيل، بل كان ضحية اعتداءاتها المتكررة.
وبالتالي فإن ربط انسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان بالقبول المسبق بالقرار 242 – الذي يتضمن ضمنًا اعترافًا ضمنيًا بإسرائيل وحدودها – يُعد سابقة خطيرة، تمهد لفرض حلول قسرية على حساب الحقوق اللبنانية والعربية.
إن المطلوب ليس قبولًا بقرار صيغ بلغة الغموض البناء، بل الضغط لتنفيذ القرارات الدولية التي تنص على انسحابها الكامل وغير المشروط من كافة الأراضي المحتلة، ومنها جنوب لبنان.
فلبنان لا يمكنه أن يكون رأس حربة في مشروع سلام غير متوازن، ولا أن يُطلب منه أن يدفع الثمن عن سواه، لا عن الفلسطينيين ولا عن الجولان ولا عن سيناء.
أي صيغة للسلام العادل لا يمكن أن تُبنى على مقايضة الأرض بالقرار 242، بل على قاعدة تطبيق القرار 425 الصادر عن مجلس الأمن عام 1978، والذي يطالب إسرائيل بالانسحاب الفوري وغير المشروط من الجنوب اللبناني.
فأي تجاهل لهذا القرار لصالح ربط الانسحاب بـ242 يُفقد لبنان حقه المشروع بالتحرر من الاحتلال، ويجعل من القرار 242 سلاحًا موجّهًا ضد سيادته.
من هنا، فإن الموقف الوطني السليم يتطلب رفض ربط الانسحاب بأي قرار آخر، والتمسك بحق لبنان في استعادة سيادته دون شروط مسبقة، وعدم القبول بأن يكون لبنان مدخلًا لمفاوضات عربية-إسرائيلية على حساب قضيته الخاصة.
فالتحرير ليس منّةً من أحد، بل حق تفرضه شرعة الأمم، ويجب أن يُنتزع لا أن يُقايض.
لكي لا يُظلَم الناس من ضيق الاطلاع. المكتبة في قلب العدالة
في زمن تتشظّى فيه الدولة، وتتهاوى فيه المؤسسات، نحلم لا فقط باستمرار القضاء، بل بنهضته من الداخل.
فنحن لا نريد قضاءً قائمًا على الحد الأدنى من الهيكلية، بل نريده قضاءً يُفكر، يُحلّل، يُرجّح، ويحتكم إلى أوسع مراجع المعرفة.
وهذا لن يتحقّق ما لم تكن في سرايا العدل، وفي قلب كل دار قضائية، مكتبة قانونية حية، نابضة، متجددة، تشكّل خزانًا فقهيًا للقضاة، ومرجعًا أصيلًا لمن يكتب الأحكام.
إن القاضي، مهما علا شأنه وسمت تجربته، ليس معصومًا عن الخطأ، ولا مكتفيًا بذاته.
إنه باحث في النص، ومُفسّر في الهامش، ومتأمل في السوابق والاجتهادات.
ولذلك، لا يمكن له أن يُصدر حكمًا متينًا متماسكًا إن لم يكن بين يديه رصيد علمي راسخ: موسوعات، اجتهادات، قوانين مقارنة، شروح فقهية، فهارس مرجعية، ودراسات معمّقة.
فهل يُعقل أن نطلب من القضاء أن يكون منارة عدل، بينما يُحتجز القاضي في غرفة خالية إلا من ملفّات مكدّسة وآلة كاتبة؟
وهل يجوز أن يكون عقل العدالة فقيرًا إلى المصادر، بينما نغرق في تنظيرنا عن أهمية القضاء ورفعة موقعه؟
ما نطالب به ليس ترفًا فكريًا، بل شرط من شروط جودة العدالة.
إن وجود مكتبة قانونية في كل سرايا عدل، وفي كل دار قضاء، هو من صلب العمل القضائي، لا من كمالياته.
فكما نوفّر القلم والورق والموظف والإداري، يجب أن نوفّر المرجع والكتاب والموسوعة.
بل أكثر من ذلك، إننا نرى في هذه المكتبات مشروعًا وطنيًا ثقافيًا.
مشروعًا يجب أن تشارك فيه الدولة، ونقابة المحامين، وكلية الحقوق، والمراجع العلمية الكبرى، بحيث تُرفد هذه المكتبات دوريًا بكل جديد، وتُربط فيما بينها بشبكة وطنية لتبادل الاجتهادات والمراجع.
فمن العار أن نُبقي القضاة معزولين عن تطورات الفكر القانوني، بينما يطّلع العالم يومًا بعد يوم على أحدث التحليلات والأحكام والنصوص الدولية.
لبنان، هذا الوطن الصغير، بقدر ما هو ساحة معركة، هو أيضًا ساحة فكر.
وقضاته لم يكونوا يومًا موظفين عاديين، بل كانوا كتّاب تاريخ وصنّاع توازن.
فلنمنحهم أدوات الكتابة وأسلحة المعرفة، لا فقط عبء الفصل في نزاعات معقّدة.
ونحن إذ نطالب بهذه الخطوة، لا نطرح مطلبًا إداريًا، بل نُطلق دعوة إلى تحويل القضاء من وظيفة إلى رسالة ثقافية مستندة إلى العلم، لا إلى الحدس والانطباع.
دعوة إلى أن ترفق الدولة بالقاضي، وأن تعينه على أداء واجبه، لا أن تتركه في خواء مكتبي مقيت.
فليكن في كل قصر عدلي مكتبة.
وليكن في كل مكتب قاضٍ رفٌّ للمعرفة.
فبهذا وحده يمكن أن نكتب الأحكام لا فقط بالحبر، بل بالبصيرة، والضمير، والعقل المجتهد.
انقلاب الجيش السوري على المكون المسيحي في لبنان: مأساة وطن وحلم مسلوب
في هذه السنوات العصيبة من تاريخ لبنان، أجد نفسي عاجزًا أمام ما يجري للمكون المسيحي الذي شكل، ولا يزال، ركيزة أساسية لهذا الوطن العريق.
انقلاب الجيش السوري على هذا المكون ليس فقط حدثًا سياسيًا عابرًا، بل هو جرح عميق في ضمير لبنان، ووصمة لا يمكن نسيانها على جبين تاريخنا الحديث.
دخل الجيش السوري لبنان بادئ الأمر تحت ذريعة حفظ السلام، لكن سرعان ما تحوّل هذا الحضور إلى احتلال مدروس، هدفه السيطرة على لبنان بأكمله، وابتلاع المكون المسيحي خصوصًا، الذي طالما حمل راية الدولة اللبنانية وحافظ على هويتها واستقلالها.
كم هو مؤلم أن ترى وطنك، أرض أجدادك، يتحول إلى ساحة لتجاذبات إقليمية، بينما تعيش أنت وأبناؤك لحظات الطرد والتشريد، في ظل صمت دولي وصمت مريب من بعض القوى اللبنانية التي اختارت المهادنة أو التواطؤ.
لقد كان الانقلاب السوري على المكون المسيحي انقلابًا على الأمل ذاته، على حق اللبناني المسيحي في العيش بكرامة في وطنه، على حقه في حماية تاريخه وتراثه وحضوره.
لقد تعرضنا لعمليات عسكرية مدروسة، لمجازر، للتهجير القسري، وللضغط السياسي الذي أراد أن يكسر إرادتنا، ويشطب دورنا التاريخي.
هذا الانقلاب لم يكن مجرد حركة عسكرية، بل كان رسالة واضحة: أنتم غير مرحب بكم في وطنكم، وأنه لا مستقبل لكم إلا بالتراجع والانكفاء.
وكيف لا، وقد تمّت محاصرة مناطقنا، وتهديد قادتنا، وزرع الفتن بيننا وبين إخوتنا في الوطن.
إن قلوبنا تئن تحت وطأة الخيانة المتعددة الوجوه، من داخلنا ومن خارجنا، فالبعض من أبناء لبنان قبل التخلّي عن شراكتنا، والبعض الآخر رضي أن يكون أداة لهذا الانقلاب المظلم.
أما سوريا، فقد مارست بكل جبروتها سيطرة ظالمة لم نكن نتصورها.
أطالب اليوم بجرأة ووضوح: لا بد من استعادة الكرامة الوطنية، لا بد من مواجهة الاحتلال السوري الذي طعن في خاصرة لبنان، وشرّد شعبه، ولا بد من وقوف كل الشرفاء في لبنان خلف المكون المسيحي الذي دفع أغلى الثمن.
إننا لا نريد حربًا جديدة، لكننا لن نصمت عن حقنا في الوجود، ولن نرضى أن تكون أقدام الغزاة والاحتلال تمشي فوق أرضنا وتاريخنا ومستقبل أبنائنا.
لبنان بدون المكون المسيحي ليس لبنان، والجيش السوري الذي خان الوطن، عليه أن يرحل، لأن لبنان لا يبنى إلا بالحرية، بالعدل، وبالوحدة التي تحترم الجميع، لا بالاحتلال والاضطهاد.
إدوار حنين السياسي والمشرع

• إدوار حنين النائب
• إدوار حنين الوزير
• ادوار حنين والجبهة اللبنانية
• حزب الكتلة الوطنية
• إدوار حنين في الصحافة
• كتابات سياسية
• كتابات في السياسية
المجموعة الأولى

• كتابات في السياسية
المجموعة الثانية
ادوار حنين في الصحافة

• مجلة الفصول
• مقالات بو ابراهيم
• مقالات متفرقة
إدوار حنين المفكر والأديب

• أدب الرحلات
• أدب الرثاء
• محاضرات
• كتابات أدبية
• كتابات في مناسبات
الارشيف

• ارشيف الصوت
• أرشيف الصور
• أرشيف الأفلام
• ارشيف الكتب
ارسل لنا

• لمعلوماتك الاضافية
• لديك مخطوطات غير منشورة
• اتصل بنا
• ارسل هذه الصفحة
• أطبع هذه الصفحة
اطلقت هذا الموقع جمعية أندية الليونز في 30 حزيران 2013 من ضمن احتفاليات مئوية ولادة ادوار حنين.