الدعوة إلى إنشاء “المجلس الوطني للتربية” تنطلق من الحاجة الملحّة إلى إطار وطني جامع ينسّق السياسات التربوية ويضمن استمراريتها بعيدًا عن التقلبات السياسية والإدارية. فالتعليم لا يحتمل الانقطاع ولا التجارب المتسرعة، بل يحتاج إلى مؤسسة مرجعية عليا ترسم الاتجاهات الكبرى وتراقب حسن التنفيذ.
يقوم هذا المجلس على فكرة الاستقرار المؤسسي، بحيث يشكّل مظلة دائمة تتجاوز عمر الحكومات، وتؤمّن تراكماً في الرؤية والإنجاز. فلا تُلغى الخطط بتغيّر الوزراء، ولا تتبدّل الأولويات بتبدّل الظروف، بل تبقى السياسة التربوية خاضعة لاستراتيجية وطنية طويلة الأمد.
ويُفترض أن يضم المجلس ممثلين عن الدولة والجامعات والخبراء التربويين والقطاع الخاص والمجتمع المدني، بما يحقق شراكة حقيقية في صنع القرار. فالتربية قضية وطنية جامعة، ومن الطبيعي أن يشارك في رسم مسارها أصحاب الاختصاص وممثلو مختلف القطاعات المعنية.
من مهام هذا المجلس وضع رؤية تربوية شاملة تحدد الأهداف الكبرى للتعليم، من مرحلة الطفولة المبكرة حتى التعليم العالي والتقني، وتربطها بخطط التنمية الوطنية. فالتخطيط المجتزأ يفقد فاعليته، بينما الرؤية المتكاملة تخلق انسجامًا بين المراحل والبرامج.
كما يتولى المجلس تقييم السياسات القائمة بصورة دورية، واقتراح التعديلات اللازمة استنادًا إلى مؤشرات علمية دقيقة. فالإصلاح التربوي لا ينجح بالشعارات، بل بقياس النتائج ومراجعة الأداء وتصحيح المسار عند الحاجة.
ومن الأدوار الأساسية أيضًا تنسيق العلاقة بين القطاعين العام والخاص في التعليم، لضمان تكامل الجهود وتوحيد المعايير، ومنع الازدواجية أو التفاوت المفرط في الجودة. فالمجلس يمكن أن يكون منصة حوار دائمة تُعالج الإشكالات قبل تفاقمها.
كذلك يسهم المجلس في حماية التعليم من التسييس المفرط، عبر إرساء معايير مهنية واضحة للتعيينات والتخطيط والمناهج. فوجود مرجعية وطنية مستقلة نسبيًا يخفف من التأثيرات الظرفية ويعزز الثقة العامة بالمنظومة التربوية.
ومن المهم أن يعمل المجلس على استشراف المستقبل، من خلال لجان بحثية تُعنى بالتحولات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، ومتطلبات سوق العمل، بما يضمن أن تبقى المناهج والبرامج مواكبة للتطورات العالمية.
كما يمكن أن يشكّل قناة تواصل مع المغتربين والمؤسسات الدولية الداعمة، لتعبئة الموارد والخبرات ضمن إطار منظم يخدم الأولويات الوطنية، بدل أن تبقى المبادرات مشتتة أو ظرفية.
إنشاء “المجلس الوطني للتربية” ليس إضافة إدارية فحسب، بل خطوة إصلاحية استراتيجية تهدف إلى تثبيت التعليم كقضية دولة ومجتمع، وضمان استمراريته وجودته عبر مؤسسة قادرة على التنسيق والتخطيط والمساءلة، بما يؤسس لنهضة تربوية حقيقية ومستدامة.