المناخ العام الذي يحيط بالمسار الوطني والسياسي في لبنان، يتطلب من كل مسؤول في اي موقع كان، ان يعتمد المبدأ المذهبي في تعامله مع الاحداث في لبنان، الذي يقوم على الدفاع عن كل مستضعف طاولته الاذية وأثخنته جراح، خلفها ضغط او اكراه ناجم عن استعمال قوة السلاح ام سلاح الاستقواء.
المرحلة الحالية التي نعيشها اليوم، تتصف بضبابية سياسية مطبقة، ولو تشكلت ستبقى مسرحا للكباش السياسي في ظل توازن رعب اقليمي ودولي قد يؤدي الى زعزعة الاستقرار في الداخل ضمن مشروع يطاول منطقة الشرق الاوسط بكاملها.
اية حكومة تولد من رحم هذا المناخ الطائفي والمذهبي ستكون قاتلة للامال ولن تستطيع حل هذه الاشكاليات، لارتباط المتنفذين على المستوى السياسي اللبناني بعواصم القرار الاقليمية والدولية ولانصياعهم لاملاءات القناصل وثقافتهم من جهة، ولغرائزهم السلطوية الالغائية القاتلة من جهة اخرى.
يبدو لبنان اليوم منقسما حكما الى فئتين متنازعتين: فئة متسلحة بشرعية دستورية صورية، خاوية من أي مضمون، تحكم بدستور الامر الواقع، وفئة متسلحة بمشروعية الامر الواقع، تفتقر سلطتها الى غطاء داخلي وعربي أو دولي جامع، وفي هذا الاطار يتضح للعيان ان هاتين الفئتين باتتا عاجزتين عن الحكم، كما عن المعارضة بالوسائل الديموقراطية الحقة، وعاجزتين كذلك عن إخراج البلد من المأزق الذي أوصلتاه اليه اليوم، بقصد أم بغير قصد، نتيجة انسياق معظم القوى السياسية في سياسة المحاور الاقليمية التي ترسخت في منطقة الشرق الاوسط.
هذا الواقع الاليم يفرض على القوى السياسية المتنازعة الاقرار بعجز كل منها منفردة عن حكم البلد، بل عن التحكم فيه، وضرورة التخلي فورا عن منطق الاستئثار ولغة القتال، وعن التصعيد الاعلامي، والانتقال العاجل عبر مؤتمر وطني عام، يعقد برعاية عربية ودولية، الى حوار معمق وهادىء بمشاركة جميع القوى السياسية وهيئات المجتمع المدني، يستهدف الاتفاق على عقد وطني جديد يضفي على الشرعية الدستورية مضمونا تمثيليا، بحيث تنطلق البلاد مجددا في حياة عامة ذات مرتكزات دستورية راسخة ومواثيق حكم قابلة للاستمرار والديمومة، حوار يعيد الحياة الى الميثاق الوطني الذي أرسى التسوية التاريخية الفريدة التي يجسدها لبنان، والتي يكمن جوهرها في الاعتراف بالآخر بكل خصوصياته، وفي قبول شراكة الحياة معه بندية في هذه البقعة المتميزة من العالم.
بالنسبة الى التهميش المسيحي فانه عندما "أقرت تسوية الطائف اعتقد واضعوها أن مجلس الوزراء الذي صار بموجبها إدارة جماعية ديموقراطية توافقية" ستحقق المساواة وتزيل الهواجس وتأخذ بيد اللبنانيين نحو الوفاق المنشود، ولكن الادارة الجماعية الديموقراطية التوافقية في دولة مركزية، بالاضافة الى سوء تطبيق الطائف وما شاب هذا الاتفاق في الاساس من ثغرات مهمة جدا أثرت سلبا على فصل السلطات وتوازنها ودفعت بالدولة المركزية الى العجز وإيصال شعبها الى ما وصلت اليه من تمزق.