منذ ان قامت الحكومة الماثلة امامنا اليوم، رأيت من واجبي ان اهمس في اذن دولة الرئيس، وفي اذان السادة الوزراء، الذين التقيتهم صدفة، رأيا لم اقر عليه. وهو ان تأليف الحكومة بشكلها الحالي كان عملية فلش، فكان يقتضى لها عملية ضم ولم، وبداية عملية الضم واللم، وبيان وزاري مقتضب قليل السطور، يؤتى فيه بخمسة سطور على ذكر ما أوجب تأليف الحكومة بشكلها الحاضر. وبخمسة سطور ترسم خطوط السياسة الخارجية الرئيسية، وبسطرين لكل وزير، يحملان مشروعي قانون لكل وزارة مما اعد لها من هذه المشاريع. فلم ير هذا الرأي. لماذا؟ لان العادة في البيانات الوزارية، هنا وفي كل مكان آخر، هي تضمينها اكثر ما يمكن من القول والوعود لكي توفى، اولا توفى، واذا وفيت، وفيت بالوعود ايضا.
وعادة البيانات الوزارية ان يقدم واضعوها مطولا بالاصلاح. لزيادة فصل على الكتب المعروفة في سياسة الحكم، واصلاح شؤون الدول، كفصل في كتاب السياسة لارسو، وفصل في كتاب الجمهورية لافلاطون، وفصل في كتاب المدينة الفاضلة للغارابي، وفصل في كتب "الثورة يجب ان تعاد" لاندره تارديه، على انه في الظروف الدقيقة، وقد يكون ظرف دقيق في ايام عادية، على ما نحن عليه في هذه الايام، كان يرى المسؤولين، الاقتضاب والايجاز اكثر مما يجب، واكثر مما يقتضي المقام، وذلك لترسيخ فكرة العمل، وللتدليل على العزم والحزم. واني لاذكر يوم غرقت الثورة الفرنسية بالدماء، واعطي روبسبير مكان الصدارة فيها، اعلن خطة عملية، بعبارة واحدة: "سننقذ الثورة من ابنائها، وسنطلع على الدم المراق جمهورية شعبية".
وعلى هذا المنوال درج تشرشل، عندما اسندت اليه الاحكام في الحرب العالمية الثانية، فاكتفى بقوله: "لقد خسرنا الجولة الاولى، ولكننا سنربح الحرب". ورفع اصبعيه، الوسطى والسبابة، فبقيتا في اذهان الناس اكثر من اي بيان.
اما وقد فاتتنا عملية الضم واللم، فارجو من الحكومة الحاضرة ان لا يفوتنا من نشاطها العزم والحزم، لكي تحقق ما رسمت لنفسها وما تأمل من البلاد من خير مستعجل اكيد.
وقد يكون سبب هذا الاسهاب، ان الحكومة ارادت ان تطوق المعارضين، بان ترد مسبقا عليهم. انها لخطة فاشلة، وقد ثبت ذلك، لانه، في الظرف الذي كانت فيه اللجنة الوزارية منكبة على وضع البيان الوزاري، كان كل واحد من خطباء المجلس منكبا على وضع خطابه. وقد تليت علينا جميع الخطب في اليومين الاخيرين. ولو ان معظم الخطباء الذين توالوا على المنبر تمهلوا قليلا، وخاصة من تكلم في اليوم الاول، للاستماع الى البيان الوزاري، ولو مسهبا، لكان اغنانا تمهلهم عن الكثير مما سمعناه. والذي ورد بعضه الاكبر في البيان. ولا ندخل في مناقشة ما يعتقد البعض، ان ما ورد في البيان يدل دلالة صريحة، صحيحة على ما يضمر واضعوه، اولا يدل على هذه الصراحة.
واني قد انتقيت لنفسي وللذين رأوا ان يسرفوا في انتقاد السياسة الخارجية، بعض مقاطع من هذا البيان الوزاري، تلك المقاطع التي اعتقد، انها لو اخذت بحرفها وروحها، ولو حملت، وارجوا ان تحمل، على محمل الاخلاص، لكان سقط الكثير من الخلافات الناشبة بين اللبنانيين في موضوع السياسة الخارجية ويكفي ان يكون البيان قد قال بهذه الصراحة التي لم يسبق ان لاحظناها في اي بيان آخر:
"اما في الحقل العربي فتعتبر الحكومة ان لبنان جزء لا يتجزأ من العالم العربي. فقد كان، وسيبقى، العضو الخير الفعال في خدمة الاماني والحقوق والاهداف العربية. وللبنان سجل مشرف في هذا الميدان. فمنذ نيف وقرن ولبنان يخدم العرب، وبذلك يكون نفسه ويخدم نفسه، في داره وفي ديار العرب وفي المهجر، في حقول النشاط البشري، في السياسة والاجتماع والاقتصاد والادب والفكر. وكل تاريخ للنهضة العربية الحديثة لا بد ان يضع النشاط اللبناني في الطليعة بين مقدمات تلك النهضة ودعاماتها".
ويقول البيان ايضا:
"واذا كان للبنان من دور شريف نافع يقوم في حلبة الاخوة العربية المشتركة فانما هو دور الاخ المخلص والجار الامين الذي يجعل من بيته لاخوانه ناديا للتلاقي والتشاور والتفاهم والتضامن والاتفاق على كل ما يوطد مجد العرب ويقوي دعائم السلام في هذه البقعة العزيزة الحساسة في العالم".
هذا المقطع وغيره من المقاطع التي هي بمثل صراحته، تدعو جميع اللبنانيين الى الاطمئنان الى ما يضمر الحاكمون، والى ما يرسمون لانفسهم. وتدعونا للتساؤل، بعض اسئلة في صميم هذه السياسة الخارجية العربية، وفي صميم وضعنا اللبناني:
اولا ـ هل يرى بعضنا ان بعضا من العرب اخلص للقضية العربية من بعضه الاخر؟ وهل يرى بعضنا ان الوحدة تحقق مصلحة العرب اكثر من الاتحاد، او الاتحاد اكثر من الوحدة؟
ثانيا ـ ما دمنا مجمعين على الاعتراف بضرورة التمسك بالسيادة والاستقلال والحرية في لبنان، فهل ينكر على لبنان حقه في ان يرسم لنفسه سياسة خارجية مستمدة من موقعه الجغرافي، ووضعه الانساني، بين مغترب ومقيم؟ وهل ينكر ان لنا هذا الحق كاملا ومستمدا من حقنا في السيادة والاستقلال؟
ثالثا ـ هل من غضاضة، ولبنان اخ شقيق في المجموعة العربية، ان يكون دور لبنان في العالم العربي، دور المصلح الوسيط، والاخ الذي يريد ان يكون العرب عربا واحدا لا عربين؟
وهل اغرقت دولة عربية، اية كانت، في خدمة قضايا العرب، اغراق لبنان في خدمة هذه القضايا منذ فجر الاستقلال سنة 1943 الى يومنا الحاضر؟ . وان ما ورد في البيان، وما قريء عليكم من خدمة قضية جلاء الجيوش عن سوريا، الى قضية الجلاء عن ترعة السويس وعن مصر، الى قضية فلسطين الكبرى المتشعبة الاطراف، الى آخر ما في هذا السجل الحافل الذي كان للبنان فيه اليد الكبرى والباع الطويل، هل ان دولة عربية، اية كانت، تجندت واغرقت في خدمة القضايا العربية، تجند لبنان واغراقه في خدمتها؟ ونحن نعلن عكس الرأي الذي ورد علينا صبيحة هذا النهار، بان ما عمله لبنان عمل مفروض عليه، في طبيعته وكيانه، وانه، وهنا وضع الاختلاف، ليس لنا ان نمنن بما عملنا من طبعنا ومن صميم كياننا. هذا صحيح، لو ان ما عمله لبنان في خدمة قضايا العرب كان ماثلا في اذهان الجميع، ولو لم يستغل لمحاربة الحاكمين اللبنانيين ولبنان.
الينبوع يعطي، ويعطي بدون حساب، ولكن من اجل ان يكون الينبوع خيرا يجب ان نحتفظ بمائه.
لقد اسلمنا عمل لبنان الى الذمم، فتبين ان الذمم افلتت ما اودع فيها، وكان علينا ان نسلم التاريخ ما كنا قد سلمناه الى الذمم، كان علينا ان نعطي مادة العمل مادة للتاريخ، وليس في هذا تكابر وتمنين، وانما تسجيل خدمات.
خامسا ـ هل ان بين اللبنانيين، او بيننا على الاقل، من يبعد في تفكيره الى اكثر من التعاون بين لبنان وبين الدول الشقيقة العربيات، تعاونا مخلصا الى آخر درجات التعاون؟ وهل حقا ان الذين يشكون من وزير خارجية لبنان، يشكون مخلصين بينهم وبين انفسهم وبينهم وبين ضمائرهم، وبينهم وبين الله، وبينهم وبين لبنان؟
وهل قدمت لنا الدول العربية، مجتمعة، رجلا كهذا الرجل، كتب على نفسه خدمة لبنان خدمة ترفع رأس ابناء لبنان، المقيمين والمغتربين، خدمة وضع فيها مواهب، لو وزعت لكفت عشرة رجال، مواهب لم نعرفها بعد في رجل واحد.
وانني اخشى ان يكون الرأي منساقا في هذه الاونة الاخيرة للشارع، في الوقت الذي يجب فيه ان يكون الشارع منساقا للرأي. وقد جاءت لنا هذه المناسبة لكي نوجه كلمة شكر صحيحة الى الذين اشرفوا على قيادة الجماهير في طرابلس العزيزة، ننتزعها من نفوسنا اللبنانية المخلصة لنزفها بكل اخلاص، لدولة الرئيس رشيد كرامي، الذي يعمل بوحي لبناني صادق، بوحي وطني صحيح، وعرف ان يحد مطالب الشارع عند حد معقول، وان يسير به الوجهة التي تكتب العزة للبنان وللعرب.
حضرات السادة الزملاء.
لقد شارفت على النهاية، وتبقى لي كلمة في ما سمعت من القول حول السياسة الداخلية.
في السياسة الداخلية، اجمع الخطباء على التنديد بحالة الامن وعلى التطير من الفتنة والطائفية.
اما حالة الامن، فالمسؤولية فيها مشتركة بين الواقفين والجالسين، بين المعارضين والحاكمين.
مسؤولية الواقفين في انهم يخضون او يحركون الفوضى، ومسؤولية الجالسين في انهم لا يقمعون الفوضى بالقوة.
سمعت على لسان الزميل تقي الدين الصلح من ان للحكومة يدا في تحريك الفوضى الداخلية.
من يستفيد يا صديقي، من تحريك الفوضى الداخلية، الواقفون ام الجالسون؟
الجالس جالس مستريح والواقف يطلب مقعدا له. واني اميل الى تحميل المسؤولية الكبرى للحكومة، لان عليها، لا على اي انسان اخر، ان تمسك بيدها، كل ما من شأنه ان يعيد الامن كاملا للبلاد.
لقد طلبتم منا ان نشدد لكم قانون العقوبات فشددناه وبلغنا في بعض مواده التي تعاقب جرائم التخريب، الى حد الاعدام، فلم تسلموا مخربا واحدا الى المحاكم، ومن اسلمتموه لم يكن فاعلا. واما الفتنة الاهلية، فليتق الله في عباده كل من يحدث عنها، فليس من السهل ان يجر اللبناني الى التحارب في شارع او في قرية من اجل ان يروي غلة او ينال مطلبا او يحقق شهوة واهواء، ليس من السهل على هذا اللبناني الذي يعلم ويفقه اكثر مما نظن، ليس من السهل ان يعطي دمه لقضية حقيرة تتنازع فيها النفوس والاهواء. ذلك ان اللبناني، جبليا وساحليا، يحتفظ بدمه لمعركة بقاء لبنان، هذه المعركة التي لا تنتهي بانتصار او بانكسار دبلوماسي ولا بانتصار او انكسار عسكري، انما تنتهي مع اخر نقطة دم في شرايينه. لمعركة البقاء هذه يعطي من دمه وليس لسواها.
وان المخلصين اللبنانيين يغضون على الحديث الطائفية الذي اثير خارج هذه الاسوار وفي داخل هذه القاعة، مرة ومرارا. حقيقة يجب ان تعلن. ليست الطائفية ولا الاديان التي توزع اللبنانيين شعبا واحزابا، انما هي تيارات فكرية، روحية، وطنية، تجعل من هؤلاء فئة ومن اولئك اخرى. فمن الحرام ان ننزل بهذا الشعب الكريم الابي من علو جباله الى حضيض منازعاتنا الحزبية ـ ونضج عندما يقال امر لا نرتضيه وينسب لطائفة اخرى ـ ان هي الا تيارات فكرية، وطنية، محض لبنانية. واللبنانيون بمجموعهم يعرفون، ان لبنان كان قبل محمد والمسيح، وانه مستمر الى ابد الدهر بشفاعة محمد والمسيح. وبهذا الصدد ـ وتمنيت لو ان من يطاله هذا الكلام موجود بيننا الان، اذ اعتب على رفيق صديق، وجه الى معالي الوزير شادر كلمة رأيتها في غير مكانها، وقيلت لغير رجلها، متعلقة بالطائفية ايضا، اقول: ان الاستاذ شادر ينتمي، في هذه البلاد، الى حركة وطنية تستمد وحيها من اصفى المنابع اللبنانية، ويستحيل عليها ان تحيد عن الطريق الصحيح، والاستاذ شادر مفخرة من مفاخر المجالس. يستحيل ان يحيد عن الطريق السوي.
قبل الختام، تمنيت لو ان جميع الذين رأوا المثالب والمطاعن في البيان او في الحكومة، تمنيت لو انهم تلطفوا واعطونا بعض الحلول والاقتراحات التي من شأنها ان تخرج الوضع والاوضاع الحالية من الحالة التي هي فيها.
وكلمة اوجهها الى الزميل العزيز جان عزيز الذي اعلن من هنا عدم ايمانه بالنظام الديموقراطي البرلماني، الذي قد يكون شرا، ولكنه بين الشرور اقلها شرا، فلنرتض اذن بان يكون هذا الشر الاقل هو الشر الذي ينزل بنا لانه اذا خرجنا من النظام الديموقراطي البرلماني فبأي نظام نقع؟ لقد كنا في الامس في صفوف المعارضة واليوم اصبحنا في الضفة الثانية لماذا؟ اننا لم نتنكر لنداء الواجب يوم كنا في صفوف المعارضة وكان اقتناعنا ان المعارضة واجب واليوم انتقلنا الى صفوف الضفة الثانية وكان اقتناعنا ان انتقالنا تلبية لنداء الواجب وان هذه التلبية في هذا الظرف العصيب الان تتطلب شجاعة اكثر من النقد والتجريح من اجل هذا انتقلنا من الصف هناك الى الصف هنا. لذلك ولما نأمل ان يتحقق على يد الحكومة الحاضرة فاننا نعطيها الثقة، وانني شخصيا اعطيها بشيء من المزيد الى معالي وزير الاشغال العامة لانه يوم طرح ترشيحه للنيابة رأى من واجبه ان يستقيل من وظيفة اسندت اليه لكي لا يجمع بين النيابة والوظيفة.