سرعة التطور المذهلة
يا إخوتي
أن هذا العالم الدائخ من سرعة، الذي اجتاز في السنوات الخمسين الأخيرة مسافات لم يكن قد اجتاز مثلها منذ يوم الخليقة حتى هذه الخمسين.
إن هذا العالم الذي بعض مدائنه تمتلىء وتفرغ كما الفنادق الكبرى تمتلىء وتفرغ كل يوم، أو تكاد.
إن هذا العالم الذي يميل الى تبديل كل شيء، كل يوم، على نحو ما صارت تتبدل، بعد كل استعمال، محرمة الكلينكس، صحون الكرتون، كباية الورق، ملعقة الخشب، وقميص النيلون،
ان هذا العالم الذي أصبح ينطلق في صاروخ كان، الى خمسين سنة خلت، يسعى على ظهر جمل، وان اسرع فعلى متن طنبر أو على عربة خيل.
ولكن هذا العالم الدائخ من سرعة، المتبدل كل يوم، الجاثم على صدر القمر. . .
هذا العالم مهما ازداد من سرعة، مهما تبدل من حال، مهما ألف القمر، مهما توثب الى غيره من الكواكب. . .
عالم الإنسان
يظل، هذا العالم بالذات عالم الإنسان.
الإنسان المشدود الى قواعده، المنبثق من روح الله والعائد الى سمائه.
هذا الإنسان تجمعت له، على مرّ العصور، مقاييس فصارت، بعد بحث وتدقيق وتجارب وإختبار، قيماً إنسانية أخيرة.
مجنحاً أكان هذا الإنسان أما داباً على إثنين،
في البيض، في السود، في الحمر، في الصفر، كان في المغارب أم في المشارق، في الجاهلين أم في العارفين، وفي المرفهين أم في الكادحين.
إنسانك، يا الله، أبداً، إنسانك.
وهو الذي ان أنا توجهت اليه هرما تجاوب معي امردا لأنك بينه وبيني سلكا من نور، وقاسما مشتركا، فيه نخترق، عليه نلتقي منذ أن ولد، سبحانك، الى أن قبرت، ثم بعثت حيا.
الإفادة من خبرة الآخرين
أعرف، يا اخواتي، ان الإنسان تعود الا يستفيد من خبرة الآخرين استفادته من حصاد العلم.
تجربة إنسان، مهما تكن فريدة وعميقة، لا تنفع انسانا آخر. أما المكتشفات والإختراعات فلا تكتشف أو تخترع مرتين. اليها تنتهي معرفة الإنسانية وبها يبدأ علم العالم. وتعاد تجربة الإنسان مع كل إنسان.
من هنا ان العلم يتقدم، وإن الخبرة في مكانها لا يأخذ بيدها سوى صاحبها. العلم يتراكم حتى يبلغ القمر، والخبرة يتبدد متجمعها في الحضيض. ومع ذلك أدعوكم الى اثنين:
تجميع ما امكن من الخبرة.
ثم السهر على الإفادة منها.
صحيح أن تجميع الماء على الماء لا يبني هرما. الا أنه يخلق بحيرة. وهو كاف.
اما الخبرة التي أدعوكم اليها فليست "تراكم الأيام على عمر الطفولة". ان هي الا تعايش، ووعي وتبصر، وتأمل، ثم تجريد يجعل من الحادثة عبرة، ومن القصة مغزى، ومن العابر بقاء.
ثم اني أرى ان الذين يتصل عقلهم بخبرة آبائهم فيكون لها امتداداً هم أنفع لمجتمعهم، لوطنهم، وللإنسانية جمعاء من الذين يتقوقعون في زاويتهم فيحطمون الجسور التي بين الاجيال السابقة وبينهم. اذ انقطاع الإنسان عن أصوله كإنقطاع الساقية عن ينبوعها قتضيع في الطريق، وتبتلعها الرمال.
اكتساب المعرفة
ومن هذا الينبوع. بل من خصلة فيه، اغترف لهم لأقول:
ان الحياة سلسلة متصلة الحلقات يربط بينها، جميعا، خيط واحد أحد هو المعرفة. وهي التي حصلتم وستحصلون على هذه المقاعد وبعدها حتى آخر العمر. فاذكروا، دائما بهذا الصدد، الإمام العلي عندما يقول:
"كل وعاء يضيق بما جعل فيه الا وعاء العلم فإنه يبتسم".
لقد قيل لكم الدنيا قسمة ونصيب. منها الراجع ومنها الشحيح. لا، ان كل قسم راجح. وليس في الانصبة نصيب رديء. نحن الذين نجعل من نصيبنا راجحاً أو شحيحا. اذ الأشياء ليست بما هي هي. بل بما هي في ميزاننا. لكل مسألة مسكتان فلنمسك بالتي تسلسل تحت أصابع اليد، لا بالتي تجرح الأصابع. والمحرومون هم الذين يحرمون أنفسهم لأنهم لا يجدون وراء مطلبهم. من هنا أن المواظبة على العمل باب النجاح. وإن أيسر ما في المطالب المال. لأنه أجبن من أن يتمرد عليكم وأضعف من أن يهرب. وليذكر، أبداً، الذين يحصلون عليه – وقد يكونون كثيرين بيننا ويكون كثيراً لديهم – ان القطعة النقدية لم تجعل كروية – مستديرة الا لتكر فتنتقل من يد الى يد.
وقد قال في ذلك علي:
"يا ابن آدم! ما كسبت فوق قوتك فأنت فيه خازن لغيرك".