الى مفاوضات لبنانية – إسرائيلية غير مسبوقة في ظل تداعيات الاجتياح الإسرائيلي للبنان للعام 1982، وفي لحظة مفصلية تختلط فيها الحسابات الديبلوماسية بنيران الميدان المشتعل في الجنوب، ولا سيما في بنت جبيل التي تتحول إلى عنوان موازٍ لطاولة التفاوض.
ويشكّل اللقاء الذي يجمع ممثلي الدولة اللبنانية مع نظرائهم الإسرائيليين محطة تأسيسية لمسار تفاوضي جديد برعاية الولايات المتحدة الأمريكية، يعيد فتح قنوات التواصل المباشر بين الطرفين، تمهيداً لصياغة تفاهمات قد تفضي إلى اتفاق سياسي – أمني شامل، تُوّج لاحقاً بتوقيع اتفاق 17 أيار.
هذا المسار ينطلق تحت وطأة حرب مفتوحة وواقع لبناني شديد التعقيد، ما يجعله أقرب إلى اختبار للقدرة على تثبيت الوقائع الميدانية ضمن أطر سياسية، أكثر منه مفاوضات تقليدية مكتملة العناصر. فلبنان يدخل هذه الجولة مثقلاً بنتائج الحرب، ساعياً إلى تثبيت أولوية انسحاب القوات الإسرائيلية ووقف الأعمال العسكرية، كمدخل لأي تسوية سياسية لاحقة، ومحاولة إعادة بناء سلطته السيادية على كامل أراضيه.
في المقابل، تذهب إسرائيل إلى التفاوض من موقع ميداني متقدّم، مستندة إلى انتشارها العسكري في مناطق واسعة من الجنوب والبقاع الغربي، ومتمسكة بترتيبات أمنية تضمن لها منطقة عازلة، إلى جانب طرح قضايا تتصل بضبط الحدود ومنع أي نشاط مقاوم، بما يتجاوز مفهوم الهدنة التقليدية نحو صيغة أقرب إلى اتفاق سلام مشروط.
بين هذين السقفَين، تبدو المفاوضات محكومة بعوامل ضغط مزدوجة: أولها ميداني يتجلى في استمرار الاشتباكات والتوترات في الجنوب، حيث تبقى مناطق مثل بنت جبيل مسرحاً لتداخل العمل العسكري مع المسار السياسي، وثانيها داخلي لبناني يرتبط بمدى قدرة الدولة، بقيادة أمين الجميل، على توحيد القرار الرسمي في ظل الانقسامات الحادة بين القوى السياسية والعسكرية.
ولا تنفصل هذه المفاوضات عن سياق تاريخي ممتد، بدأ مع اتفاق الهدنة 1949، مروراً بمحطات متعددة من التوتر والصدام، ما يعكس أن المسار التفاوضي في عام 1983 لا ينطلق من فراغ، بل يأتي نتيجة تراكمات سياسية وأمنية معقدة.
تقف مفاوضات واشنطن آنذاك عند تقاطع دقيق بين فرصة ديبلوماسية تسعى من خلالها الأطراف الدولية إلى فرض تسوية، ومخاطر ميدانية تهدد بإفشالها. فإما أن تشكّل مدخلاً لإعادة ترتيب الوضع في الجنوب ووضع أسس استقرار نسبي، أو تتحول إلى محطة عابرة تصطدم بواقع الانقسام الداخلي اللبناني والتجاذبات الإقليمية.
وفي انتظار ما ستؤول إليه نتائج هذه المحادثات، يبقى واضحاً أن مسار التفاوض في عام 1983 وُلد من قلب الأزمة، في محاولة لاحتواء تداعيات الحرب، لا من رحم تسويات مستقرة أو توازنات راسخة.