قول مأثور معلوم يردده العالم، ونحن في لبنان اكثر ما نردد هذا القول.
في البدء كانت الكلمة، والكلمة هي الفعل الذي بواسطته خاطب الخالق المخلوق، ومنها تجسدت الكلمة في الكتب السماوية. فالكلمة اذا، وهي بدء الكون، وقيد في الكتب السماوية، تأتي في قدسيتها كأعلى ما خلق الله، ومنها على الانسان المخلوق ان يضبط مفهوم الكلمة بقدر ما يستطيع، وبقدر ما يضبط مفهوم الكلمة، بقدر ما يتقرب من الله عز وجل.
ونحن في لبنان عندنا انجيل وقرآن، فكيف فهمنا الكلمة المجسدة فيهما؟ فوالله، بعد البحث والتدقيق والواقع، ترى ان اكثرنا عطل احكام الانجيل، وعطل احكام القرآن، وجعل الخطف والقتل والسجن وسيلة للتقرب الى الله. فوالله ان الله براء منا. فأخشى ان يكون براء منذ مجموعنا جميعا. اذا كانت هذه حالنا في الانجيل والقرآن، فما هي حالنا امام الدستور الذي هو يجسد قول الشرف عند الدول لتنضبط وتتقيد فيه.
يقول "دوغيه" في مجلده الرابع "العلم الدستوري": "الدستور لا يقيده في مفاهيمه سوى حسن نية وشرف وامانة من يطبق الدستور".
فاذا ما رجعنا الى ضمائرنا، هل اننا منذ سلمنا الاستقلال سنة 1943، حافظنا على كلمة الدستور؟ فمن الخير أن نحدد ما هو مفهوم الدستور؟ العالم كله يعلم مفهوم الدستور. ما كتب وما تم التعارف عليه، وما استمر عليه الاجتهاد. لا يمكن لدساتير العالم ان تفصل جميع الاحكام. اما وان الحالة على ما هي عليه في لبنان، وما تم التعارف عليه في تفسير الدستور، فأرى انه لا بد من الانطلاق من مبدأ واضح، ان يتم تعديل الدستور لا تغيير الدستور، على ان تضاف حرفية الاعراف الدستورية وما امكن ضم حرفية ما تم واستمر عليه الاجتهاد الدستوري في العالم. اذا ما اردنا ان نستعرض دساتير العالم المجسدة في انظمة العالم، نرى ان هناك النظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني، وهناك النظام الملكي الجمهوري البرلماني، وهناك الانظمة التوتاليرية، وهناك الانظمة الرئاسية، والانظمة الشبه الرئاسية في الجمهورية الخامسة. وليس ثمة انظمة غير ما ذكرت. وباجماع فقهاء الدساتير في العالم، يقولون: "ان دستور الجمهورية الثالثة الفرنسية الذي استقى دستورنا منه اكثر احكامه، ان لم يكن كلها هو على سوءه افضل من جميع دساتير العالم، ومن جميع الانظمة". ولكن عجبا. نتعارف على هذا المفهوم، وترانا بأكثريتنا، ان لم يكن باجماعنا، نتعارف على ان العلة في الدستور، فنقول: الدستور كان سبب الهيمنة، فأقول ان الهيمنة اتت نتيجة عدم تطبيق الدستور بمفهومه الذي ذكرت. يقول "اسمن" الامر الوحيد الذي بامكان رئيس الجمهورية ان يفعله منفردا هو ترأس الحفلات الرسمية فقط لا غير. ويقول غيره من فقهاء الدستور، وكل من كتب دستورا وعلل دستورا: "ان رئيس الوزراء هو الذي يعطي الكلام في مجلس الوزراء، وهو الذي يقرر جدول الاعمال".
يقولون ان الهيمنة وليدة الدستور فقلت ما هي صلاحيات رئيس الجمهورية؟ في العرف والنص والفقه، جميع قرارات رئيس الجمهورية يجب ان يوقع عليها وزير واتى الشرع واستمر على الاطلاق ان يسبق توقيع الوزير بتوقيع رئيس الوزراء او ما عبر عنه بالوزير الاول.
يقولون ان الدستور لا يؤمن المشاركة. فيا غيرة الدين، ويا قميص عثمان. الدستور ومفهومه واحكامه واعرافه تحصر جميع الصلاحيات بمن يتحمل المسؤوليات. ينتج عن ذلك ان رئيس الوزراء هو الاول في تحمل المسؤولية ويتبعه الوزراء، ورئيس الجمهورية ليس في مجلس الوزراء الا صمام امان، حكم، اذ ان الوزارة يمكن ان تكون لحزب او لاكثرية مجلسية، ومركز رئيس الجمهورية لكل الوطن ولجميع الناس، فهو يكون صمام امان ليكون محل الغائب عن مجلس الوزراء، فيوجه حتى يستقيم الحكم، لا اكثر ولا اقل. واذا ما اصر الوزراء ورئيس الوزراء على امر، عليه ان يحضر ويحتكم الى المجلس النيابي، والمجلس يحكم بينهما، فاما ان يستقيل واما ان يقال واما ان يحل المجلس فيعاد الانتخاب. ونحن نعلم في التاريخ ان الشعب كان دائما في اغلب الاحيان مع المجالس التي حلت. "وغامبيتا" مثله مع اشهر رئيس جمهورية، اول رئيس جمهورية في الجمهورية الثالثة "ماك ماهون" معروف:
واذ "بماك ماهون" خضع ومن ثم اعتزل. هكذا حكمنا ايها الزملاء. يقولون الدستور ورث الحرمان، فنقول الدستور فرض العدالة، فرض المساواة، ليس فقط بين الافراد، انما بين المناطق. فاذا بنا منذ 1943 نعهر الدستور واحكامه، فنوزع الاعتمادات دون عدالة ودون مساواة حتى ان المتنفس الوحيد اي الدستور اصبح كبش الفداء، هذا الدستور الذي لا ناقة له ولا جمل بما صنعت ايدينا وقلة مطالعاتنا وقراءاتنا. نحن قوم بأكثريتنا لا نقرأ، واذا قرأنا لا نفقه، واذا فقهنا فبغير ما فقهنا نعمل، لان رائدنا مصالحنا الشخصية لا شعورنا الوطني. وهذا كلام صادق، يجب ان نعترف به ونردده كل يوم اناء الليل والنهار.
قالوا الدستور والقوانين قسمت الجيش، فأوجدوا المادة الخامسة في قانون الدفاع، وارادوا ان يفهموا منها ان امرة الجيش تنحصر في رئاسة الدولة. فأقول ان كان هذا النص وجد عندنا بقانون، ففي فرنسا كرمى لعيون "ماك ماهون" وجد في الدستور. فأتى فورا المجلس النيابي والفقه الدستوري ليقول: هذا قول مخزي، لان رئيس الجمهورية لا يملك اطلاقا امرة الجيش، وامرة الجيش محصورة بالحكومة، برئيس الحكومة ووزير الدفاع ثم بعده بمجلس الوزراء. غابت عنا هذه المفاهيم، فاذا برؤساء الجمهورية يصنعون من الجيش جيوشا خاصة، وقد استمرينا على هذه البدعة حبا بالجيش.
قالوا ان دستورنا فيه احكام طائفية، والطائفية مقيتة. واذا ما رجعوا الى الدستور، نرى ان عدم فهم الدستور، وعدم قراءة الدستور، تسخير الدستور بعدم تطبيق الطائفية، كما فرضها الدستور، وكما يجب ان تفرض، جعلتنا نقع بهيمنة التطييف والطائفية. اذ ما معنى الطائفية في الدستور؟ يقول الدستور اذا ما قضت الحاجة عادة، الا اذا خولفت احكام منفعة الوطن. وبما ان الدستور فرض المساواة والعدالة، فنرى ولسوء الحظ ما نرى، كان بودنا ورغبتنا واصرارنا ان نستغني عن الطائفية، من هرم الدولة حتى اسفل الهرم لو كان عندنا احزاب سياسية برلمانية تحمي المواطن من هيمنة الطوائف على بعضها البعض، حتى تقيض لنا قوانين انتخابية ترتكز على اساس احزاب سياسية، فلا بد الا ان نطبق الطائفية في الدولة، ليس فقط في وظائف الفئة الاولى، انا اقول في جميع الوظائف من ذروة الهرم حتى اسفله، ولكن على ان تؤمن العدالة وان تكون المناصب مداورة كما اقرت في عهد فخامة الرئيس سليمان فرنجية، وعندها نرى ان كل من ينادي اليوم بالغاء الطائفية، سيتبنى الطائفية لانها تحفظ استمرارية الوطن مؤقتا وعلى مضض، ريثما تهيء لنا قوانين انتخابية صحيحة.
والبدعة الكبرى حين نقول: الدستور، اياكم ان يمس الدستور، ونرى بعض الامور، فنقول عنها انها امور صغيرة لا تستأهل والضرورة لها احكام فنصوت على الموازنة بمادة وحيدة خلافا لنص صريح واضح. ثم في قانون الموازنة، العلم المالي ومفاهيم الدستور الديمقراطية لا تجيز وضع اي مادة تخرج عن نطاق احكام تنفيذ الموازنة. ماذا يتم؟ نهرب القوانين عن طريق لجنة المال والموازنة من امام مجلس النواب بالذات فنحرمه، ان صوتنا على الموازنة بمادة وحيدة نحرمه حق مناقشة هذه القوانين والتوقف عندها، فعلتنا يا سادة. لا من المؤامرات الخارجية، علتنا بأنفسنا، نحن استأهلنا الحالة التي وصلنا اليها؟ فاذا اردتم يا دولة الرئيس والكلام لك ولدولة رئيس المجلس النيابي ان تتداركوا الامر ولو في آخر الطريق فتعمدوا الى فرض عقد لجان دائمة للتباحث في امر توقيع وتعديل وانشاء دستور مستقى من احكام الدستور الحالية فتستقيم الامور ويعرض على الحكومة، فان قبلت به، كان بها والا وجب علينا ان نحجب الثقة، والا وصلنا الى ما لا نريد ولا نشتهي، لاننا بالفعل لا نستأهل الديمقراطية، ولا نستحق وطنا وحذار ان يكون في هذه الايام بالذات في ايام المحن ان نعمل على تسهيل ما سموه بالمؤامرة والتي نحن بدأنا بتسهيل دخولها من ابوابنا وافواهنا وعقولنا، فبيدنا تشاريع في اساسها ومفهومها، واحكام، هي لؤلؤة الاحكام الديمقراطية في العالم ثم حذار ان نصل الى الندامة فنضيع ونضيع الوطن ولا نستأهله وشكرا.