إعادة بناء القوة السياسية والعسكرية (1983–1985)
الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 — المتغيّرات الإقليمية وصمود المنطقة الشرقية
مثّل الاجتياح الإسرائيلي للبنان في حزيران 1982 محطة حاسمة في تاريخ الحرب اللبنانية، حيث اصطدمت مشاريع الدول الكبرى والإقليمية بالواقع الميداني اللبناني الهش، الممزق بين ولاءات متعددة، وبين مشاريع أمنية متضاربة. وقد تعاملت الجبهة اللبنانية، بوصفها الحامل السياسي للمنطقة الشرقية ذات الغالبية المسيحية، مع هذه المرحلة الحساسة بمزيج من الحذر، الواقعية، والتمسك بالثوابت الوطنية.
كانت خلفية الاجتياح تتعلق أساسًا بتعاظم الدور الفلسطيني المسلح في لبنان، وهو ما رأت فيه إسرائيل خطرًا وجوديًا يهدد أمن حدودها الشمالية. وقد مهّدت العملية الواسعة التي أطلقتها إسرائيل تحت اسم "سلامة الجليل" لاجتياح وصل إلى بيروت، وأسفر عن حصار طويل للعاصمة وتفكك إضافي في بنية الدولة اللبنانية.
من جهة الجبهة اللبنانية، فإن الموقف من الاجتياح لم يكن موحدًا بشكل مطلق. فبين من رأى فيه فرصة تاريخية لإخراج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت واستعادة القرار اللبناني الحر، ومن عبّر عن قلقه من تداعيات الاحتلال الإسرائيلي على السيادة الوطنية، تبلورت رؤية دقيقة قائمة على حماية الوجود المسيحي في المنطقة الشرقية، وضرورة إنهاء الحرب من دون تقديم تنازلات استراتيجية.
في خضم هذه الأحداث، انطلق حوار سري وعلني بين بعض أقطاب الجبهة اللبنانية وبين المسؤولين الإسرائيليين، لا سيما في ظل رهان حكومة مناحيم بيغن ووزير دفاعه أرييل شارون على إمكانية إبرام اتفاق سياسي شامل مع قيادة مسيحية لبنانية، يتيح لهم إعادة تشكيل ميزان القوى في المنطقة. غير أن الطموحات الإسرائيلية اصطدمت بسرعة بثوابت الجبهة اللبنانية، التي رغم تباين تكتيكاتها، لم تكن مستعدة للارتهان الكامل لمشروع الخارج.
جاء انتخاب بشير الجميّل رئيسًا للجمهورية اللبنانية في 23 آب 1982 كتتويج سياسي لهذا المنعطف، حيث مثّل، في نظر الجبهة اللبنانية، لحظة أمل ببناء دولة قوية على أنقاض الانقسام والدويلات. إلا أن اغتياله في 14 أيلول من نفس العام، وما تلاه من مجازر في مخيمي صبرا وشاتيلا، أعاد الأمور إلى مربع الدم والانهيار، وأظهر مدى هشاشة التوازنات اللبنانية، وحدود التدخل الإسرائيلي.
رأت الجبهة اللبنانية في ذلك مرحلة مفصلية: فقد فشل الرهان على الدعم الخارجي وحده، وأصبح من الضروري إعادة بناء المشروع الوطني المسيحي من الداخل، بروح الحذر والتحصين الذاتي، والتمسك بالكيان اللبناني الواحد الموحد، مع رفض الاحتلال الإسرائيلي والتصدي لمحاولات فرض شروط سياسية بالقوة.
هكذا دخلت المنطقة الشرقية مرحلة جديدة من الحرب، أكثر تعقيدًا وتشظّيًا، كان لا بد معها من مراجعة عميقة للاستراتيجيات، وإعادة تحديد الأولويات، مع التمسك بثوابت الكيان، السيادة، والعيش المشترك على قاعدة الشراكة الكاملة في الدولة، لا الغلبة بالسلاح ولا الارتهان للخارج، أيًا كان مصدره.