جاءت استقالة النائب إدوار حنين من الأمانة العامة للجبهة اللبنانية بوصفها اعتراضاً صريحاً على النهج الجديد المعتمد في إدارة شؤون الجبهة واتخاذ مقرراتها.
حنين رأى أن المسار الذي تسلكه القيادة الجبهوية لم يعد ينسجم مع الروحية التي قامت عليها الجبهة، ولا مع طبيعة الدور الوطني الذي أُنشئت من أجله كإطار جامع يتجاوز الحسابات الفئوية والعددية.
بحسب مقاربة حنين، فإن القرارات داخل الجبهة باتت تُتخذ بمنطق الأكثرية في مواجهة الأقلية، من دون السعي إلى تحقيق الحد الأدنى من التوافق السياسي.
هذا الأسلوب، برأيه، لا يعبّر عن ديمقراطية حقيقية، بل يختزلها في عملية تصويت عددية تُقصي الرأي المخالف، وتحول الخلاف السياسي الطبيعي إلى حالة انقسام بنيوي داخل المؤسسة.
يعتبر حنين أن هذه الأكثرية التي تفرض قراراتها داخل الجبهة لا تمثل الإرادة الشعبية الصحيحة، لا من حيث تكوينها ولا من حيث امتدادها الحقيقي في المجتمع اللبناني.
التوسع التنظيمي الذي شهدته الجبهة، والانضمام السريع لعناصر جديدة، أديا إلى نشوء توازنات داخلية لا تعكس بالضرورة المزاج الشعبي ولا القاعدة الوطنية التي قامت عليها الجبهة في بداياتها.
في هذا الإطار، يرى حنين أن المقررات الصادرة عن هذه الأكثرية تفتقر إلى الدقة في التعبير عن الإرادة اللبنانية العامة، لأنها تُبنى على حسابات تنظيمية داخلية أكثر مما تُبنى على قراءة واقعية للشارع اللبناني وتطلعاته.
هو ما جعله يشعر بأن الجبهة بدأت تبتعد عن دورها التمثيلي الجامع، لتتحول إلى إطار تحكمه معادلات قوة داخلية.
كما أن اعتماد هذا النهج، وفق حنين، يضرب جوهر العمل الجبهوي القائم على الشراكة والتوازن، ويُفرغ المؤسسة من بعدها التوافقي الذي شكّل أحد أبرز أسباب صمودها واستمرارها.
الجبهة، في نظره، لم تُنشأ لتكون ساحة صراع بين أكثرية وأقلية، بل منصة التقاء بين رؤى متعددة يجمعها الحد الأدنى من الثوابت الوطنية.
يضيف حنين أن الاستمرار في هذا المسار من شأنه أن يؤدي إلى مزيد من التباعد بين القيادة الجبهوية وقاعدتها الشعبية، وإلى اهتزاز صدقيتها أمام الرأي العام.
الجبهة التي لا تعكس بدقة نبض المجتمع ولا تحترم التعدد داخلها، تخاطر بفقدان مشروعيتها السياسية، مهما امتلكت من قوة تنظيمية أو عددية.
جاءت استقالة حنين كموقف سياسي وأخلاقي في آن واحد، يعبّر عن رفضه القاطع لنهج يرى فيه انحرافاً عن فلسفة الجبهة وأهدافها.
هي ليست انسحاباً من العمل الوطني، بل رسالة اعتراض واضحة على تحويل الديمقراطية إلى أداة إقصاء، وعلى استبدال التوافق بمنطق الغلبة، في مؤسسة وُلدت أصلاً لتكون صوتاً جامعاً لا منبراً للأكثرية وحدها.