غادر الأمين العام للجبهة اللبنانيّة إلى فرنسا لمدّة شهر، في رحلة استجمام بدت في ظاهرها ابتعادًا مؤقّتًا عن ضغوط العمل السياسي، لكنها في عمقها كانت مساحة هادئة للتأمّل وإعادة النظر في المسار والخيارات.
السفر، بالنسبة إليه، لم يكن هروبًا من الواقع، بل فسحة ضروريّة لمراجعة الضمير السياسي بعد مرحلة مثقلة بالتناقضات والخلافات.
خلال إقامته في فرنسا، لم ينقطع حنين عن متابعة الشأن اللبناني، بل ظلّ ذهنه مشغولًا بسؤال جوهري: كيف يمكن الاستمرار في موقع قيادي داخل إطار لم يعد يعبّر عن القناعات التي آمن بها منذ بداياته السياسيّة؟ من هنا، نضجت فكرة الاستقالة لا كقرار انفعالي، بل كنتيجة مسار طويل من القلق والمسؤوليّة.
جاءت هذه الفكرة مدفوعة بواجب يعتبره حنين أسمى من أي موقع أو منصب، وهو واجب العمل من أجل أن يعود لبنان وطنًا حرًا كامل السيادة، يتمتّع أبناؤه بحقوقهم غير منقوصة. فلبنان، في نظره، لا يُختصر بتوازنات مرحليّة ولا بتفاهمات ظرفيّة، بل هو كيان له رسالة وحريّة لا تقبل التجزئة.
يرى حنين أنّ أي عمل سياسي يفقد ارتباطه بهذا الهدف يصبح بلا معنى، مهما علا شأنه أو كبر تأثيره.
حرية لبنان، كما يؤمن، ليست شعارًا يُرفع عند الحاجة، بل شرط وجودي يبرّر الاستمرار في العمل العام من الأساس.
من دون هذه الحرية، تسقط المبرّرات، وتفقد الأدوار قيمتها.
في هذا السياق، يربط حنين بين حرية الوطن وشخصيّته الكاملة، معتبرًا أنّ لبنان لا يمكن أن يكون ذاته إلا إذا استعاد شخصيّته غير المنقوصة، تلك التي تميّزه عن سواه وتمنحه خصوصيّته التاريخيّة والثقافيّة والسياسيّة.
أي انتقاص من هذه الشخصيّة هو، في نظره، انتقاص من جوهر الكيان نفسه.
من هنا، بدا له أنّ الاستمرار في موقع الأمين العام، في ظل المسار الذي سلكته الجبهة، قد يضعه في موقع المتنازل أو المتكيّف مع واقع لا يشبه قناعاته.
هو ما رفضه رفضًا قاطعًا، مفضّلًا الانسحاب بصمت ووضوح على البقاء شاهدًا أو شريكًا في خيارات لا يؤمن بها.
لم تكن الاستقالة مجرّد خطوة تنظيميّة أو ردّ فعل على خلاف سياسي، بل تعبيرًا عن التزام عميق بقضيّة يعتبرها أوسع من الأشخاص والأطر. فقناعته الراسخة أنّ لبنان، إذا لم يعد حرًا بكل معنى الكلمة، فلن يكون لوجوده السياسي أي موجب، ولا لعمله العام أي مبرّر.