التجربة التاريخية والدروس المستفادة
إذا نظرنا إلى مسيرة الجبهة اللبنانية، كمثال حي على هذا الإيمان بالشرعية، نجد أن مؤسسيها لم يكونوا مجرد سياسيين أو ناشطين حزبيين، بل رجالًا أدركوا أن الدولة تحتاج إلى إطار يحميها، وأن الشعب يحتاج إلى صوت موحد يعبر عن إرادته، وأن الفكرة الوطنية تحتاج إلى صونها من أي تحريف أو استغلال. وقد تكررت أمام الجبهة تجارب حادة أظهرت أن التوسع أو الانفتاح التنظيمي دون التحقق من سلامة التمثيل الشعبي أو توافق المبادئ مع الشرعية يؤدي حتمًا إلى تراجع مصداقية القرارات، وإضعاف مشروع الدولة.
فعندما انضم عناصر جدد للجبهة، لم يكونوا جميعهم متفقين على الثوابت التي قامت عليها، ولم يكن فهمهم عميقًا للتاريخ الذي صاغ هوية الجبهة. وبالرغم من حسن النوايا لدى بعضهم، فإن غياب الانسجام الفكري أو الالتزام بالمبادئ الأصلية فتح المجال لاختلافات كبيرة، حتى على المستوى الداخلي، بين من تمسّك بالأسس، ومن حاول إعادة تفسيرها بما يخدم مصلحة فئوية أو شخصية. وهنا يظهر الفرق بين التعاون البناء مع الشرعية وبين العمل خارج إطارها أو بتفسيره الجزئي، فالأول يصنع استقرارًا، والثاني يولّد انقسامًا مستمرًا.
لقد أثبتت التجارب أيضًا أن الشرعية ليست جامدة، وأنها ليست حكرًا على طرف بعينه، بل هي مرنة بما يكفي لاستيعاب المبادرات الوطنية والمشاريع الخلاقة. فهي ليست أداة لإقصاء أحد، بل هي مرجع متجدد يمكن من خلاله تفعيل الأفكار وتحويلها إلى برامج عملية. ومن خلال هذا الإطار، يمكن لأي فرد أو مجموعة وطنية أن تساهم في إنقاذ الوطن، شريطة أن تكون المبادرة ضمن حدود الشرعية، واحترام أسس الدولة والقانون والحق العام.