لقد شهدت السنوات الأخيرة في لبنان تحوّلات واضحة في مواقف بعض القوى الإسلامية، وهي تحوّلات تستحقّ الإشادة والتقدير، لأنها تشير إلى بداية إدراك أن مصالح لبنان العليا لا يمكن أن تُحقق إلا عبر التعاون بين أبنائه، وليس بالالتحاق المطلق بمشاريع خارجية تهدد كيانه.
في السابق، كانت مواقف بعض القوى الإسلامية متصلبة إلى جانب الفلسطينيين والسوريين، معتبرة أن أي مشروع وطني لبناني مستقل لا يمكن أن يجد صدىً في الوسط الإسلامي إلا بالارتباط بهم. لكن الواقع المؤلم الذي شهده لبنان بعد تغييب الإمام موسى الصدر، ومقتل القائد الوطني سليم اللوزي، إضافة إلى الاعتداءات المتكررة في بيروت الغربية وفي طرابلس، كشف هشاشة هذا الموقف، وأعاد النظر في خيارات البعض، إذ بدا واضحاً أنّ الانصياع المطلق للقوى الخارجية لم يحقق سوى المزيد من الخراب والمعاناة للبنانيين جميعاً.
وفي هذا السياق، بدأ يظهر تيار إسلامي لبناني جديد، يرى في التعاون مع المسيحي الوطني العامل على إنقاذ لبنان، خياراً أكثر واقعية ومنطقية. هذا التيار، الذي يُفضّل الانخراط في مشروع وطني جامع، يثبت أنّ الوحدة الوطنية ليست شعاراً فارغاً، بل يمكن أن تصبح حقيقة عملية إذا ما تجاوزت الانقسامات التقليدية، وارتكزت على مصالح لبنان العليا، وعلى حماية كيانه واستقلاله.
إنّ هذا التحوّل لا يخفّف من قيمة الصعوبات والمآسي التي عانى منها اللبنانيون، لكنه يفتح نافذة أمل جديدة. فالاعتراف بأن التضامن بين اللبنانيين، مهما اختلفت انتماءاتهم الطائفية أو السياسية، هو الطريق الأمثل لحماية وطنهم، يشكل خطوة أساسية في إعادة بناء الثقة بين مكونات الشعب اللبناني، وفي وضع أسس حقيقية للسلام الداخلي.
أؤكد هنا أنّ أي تعاون بناء بين المسلمين والمسيحيين اللبنانيين يجب أن يكون مستنداً إلى مبادئ واضحة: السيادة الوطنية، الاستقلال الكامل، حماية المواطن اللبناني، وتعزيز الوحدة الوطنية فوق كل اعتبار خارجي. إنّ التاريخ يعلمنا أنّ لبنان لم ينهض إلا عندما توحّدت قوى وطنية من مختلف الطوائف، ضد المشاريع التي تستهدفه من الداخل والخارج معاً.
إنّ ما نراه اليوم من ميل واضح في صفوف بعض المسلمين إلى تبني موقف أكثر واقعية، هو مؤشر أن لبنان قادر على تجاوز أحلك الظروف، وأن الإرادة الوطنية الجامعة، التي تتجاوز الانقسامات، يمكن أن تصبح قوة فاعلة لحماية الوطن وإعادة بناء مؤسساته ومجتمعه. هذا التوجّه الجديد يستحقّ التشجيع، ويجب أن يُستثمر في رسم خريطة سياسية واجتماعية تقوم على التعاون الحقيقي بين كل اللبنانيين، بعيداً عن أي هيمنة أو تأثير خارجي.