الاستحقاقات السياسية والأمنية التي واجهتها الجبهة اللبنانية والقوات اللبنانية خلال الحرب في لبنان كانت من أكثر المراحل تعقيداً في التاريخ اللبناني المعاصر، إذ تداخل فيها الصراع الوجودي مع الحسابات السياسية الداخلية والإقليمية والدولية.
في ما يلي عرض شامل لأبرز هذه الاستحقاقات:
أولاً: الاستحقاقات السياسية
1. تحديد الموقف من الكيان اللبناني
منذ اندلاع الحرب عام 1975، حملت الجبهة اللبنانية شعار الدفاع عن لبنان الكيان والسيادة والهوية، في وجه مشاريع التقسيم أو الذوبان في المحيط. فكانت معركة الجبهة في جوهرها سياسية – فكرية تهدف إلى تثبيت فكرة "لبنان الوطن النهائي لجميع أبنائه" كما ورد لاحقاً في اتفاق الطائف.
2. المواجهة مع مشروع اليسار الفلسطيني والسوري
وجدت الجبهة نفسها أمام استحقاق مواجهة النفوذ الفلسطيني المسلح الذي تمدّد داخل الدولة ومؤسساتها، مدعوماً من قوى يسارية وبدعم سوري في مرحلة لاحقة. فاضطرت إلى بلورة موقف سياسي يوازن بين رفض الاحتلال والدفاع عن السيادة، وبين المطالبة بإصلاح النظام من دون المسّ بجوهر الكيان.
3. محاولات إقامة سلطة بديلة في المناطق الشرقية
في ظل انهيار مؤسسات الدولة، واجهت الجبهة تحدي تنظيم الإدارة المحلية، فتولّت إدارة شؤون المناطق الواقعة تحت سيطرتها، ما فرض عليها استحقاقات سياسية ودستورية خطيرة، أبرزها كيفية التعامل مع الحكومة المركزية، والعلاقة مع رئاسة الجمهورية، والموقف من المجتمع الدولي.
4. العلاقة مع الرئاسة اللبنانية
عرفت الجبهة مواقف متباينة تجاه الرؤساء الذين تعاقبوا على الحكم، من سليمان فرنجية إلى بشير الجميل وأمين الجميل. وقد شكّل انتخاب بشير الجميل عام 1982 ذروة هذا المسار، إذ سعت الجبهة من خلاله إلى تحقيق مشروع الدولة السيادية الواحدة، لكن اغتياله أعاد خلط الأوراق.
5. الموقف من الاحتلال الإسرائيلي واتفاق 17 أيار
بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، واجهت الجبهة والقوات اللبنانية استحقاقاً دقيقاً في تحديد العلاقة مع إسرائيل: بين من رأى فيها حليفاً ظرفياً ضد الوجود الفلسطيني والسوري، ومن اعتبرها قوة احتلال تهدد السيادة اللبنانية. وقد أثار اتفاق 17 أيار 1983 انقساماً حاداً داخل الجبهة وأوساط القوات.
6. إعادة التموضع بعد الانسحاب الإسرائيلي وعودة النفوذ السوري
مع انسحاب إسرائيل من مناطق عدة عام 1985 وعودة السيطرة السورية التدريجية، وجدت الجبهة والقوات نفسيهما أمام استحقاق إعادة تحديد الدور والموقع، في ظل ميزان قوى داخلي وإقليمي جديد فرضته دمشق.
ثانياً: الاستحقاقات الأمنية والعسكرية
1. مواجهة التنظيمات الفلسطينية والقوى اليسارية
خاضت القوات اللبنانية، المنبثقة عن الجبهة، معارك قاسية ضد المنظمات الفلسطينية والقوى اليسارية في بيروت والجبل، دفاعاً عن الوجود المسيحي في لبنان الشرقي.
2. تنظيم القوة العسكرية وتوحيدها
واجهت القوات استحقاق توحيد الفصائل العسكرية المسيحية المتعددة (الكتائب، الأحرار، حراس الأرز، التنظيم، إلخ) تحت قيادة واحدة، وهو ما تحقق تدريجياً حتى تأسيس “القوات اللبنانية” بقيادة بشير الجميل، ثم لاحقاً إيلي حبيقة وسمير جعجع.
3. المعارك الداخلية والانقسامات العسكرية
واجهت القوات اللبنانية نزاعات داخلية أبرزها الصراع بين إيلي حبيقة وسمير جعجع بعد توقيع “اتفاق طرابلس” و”اتفاق دمشق”، ما أدى إلى معارك داخل الصف المسيحي نفسه، وانقسام سياسي – عسكري حاد داخل الجبهة.
ثالثاً: الأبعاد الفكرية والوطنية
كانت الجبهة اللبنانية والقوات اللبنانية في نظر مؤيديها التعبير الأبرز عن “المقاومة اللبنانية” في وجه التهميش والهيمنة، وفي نظر خصومها مشروعاً انعزالياً. لكنّها بلا شك لعبت دوراً محورياً في تحديد هوية لبنان المعاصر، وفي فرض النقاش حول السيادة، والحياد، والعيش المشترك، وهي قضايا بقيت إلى اليوم في صلب الحياة السياسية اللبنانية.