في موضوع الحرب العربية الاسرائيلية
عطفا على اقوالنا في المطالعة السابقة بموضوع الحرب الناشئة بين مصر وسوريا وبين اسرائيل وموقف لبنان منها فقد صح ما توقعناه وبدات الحكومة توضح موقفها بكلام موجز ولكنه غني. ان خير هذا الكلام هو ما ورد في مقابلة تلفزيونية اجريت ليلة الخميس الفائت مع وزير الدفاع الاستاذ نصري معلوف وعلى لسانه. هذا اهم ما جاء فيه ان لبنان لن يفتح جبهة مع اسرائيل لانه ملزم باتفاق الهدنة ولان مجلس الدفاع العربي المشترك حدد له دوره ولم يفرض عليه ان يهاجم اسرائيل من حدوده. ان فكرة مهاجمتنا نحن من حدودنا للعدو غير وارده لا في ذهننا ولا في ذهن العرب. هل هذا هو الموقف؟ انه الموقف المصمم عليه ولكنه ليس موقفا رسميا لانه لم يقترن بعد بقرار متخذ في مجلس الوزراء غير ان قول المعلوف كاقوال رئيس مجلس الوزراء تقي الدين الصلح كلها نوع من تلمس لما يمكن ان يكون وقع موقف رسمي يتخذ على هذه الاسس. الى الان لم تبدو بوادر مضاده. سننظر ماذا سيحدث في الايام القليله المقبلة من ردات فعل.
بيان المفتي
وهناك امر اخر يلقي النور على الموقف الرسمي الذي لم يحدد بعد من الحرب هو الاجتماع الذي عقده مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ حسن خالد مع العلماء والائمة وخطباء المجالس وقد وجههم توجيها لبنانيا صميما دعاهم فيه الى الموضوعية والبحث. مؤيدا موقف لبنان حكومة وجيشا وشعبا. موقف المفتي هذا يؤيد ما ذهبنا اليه من ان جمهرة اسلامية كبرى تميل الى تجنب الحرب وتكتم ذلك. غير ان الجديد في هذا البيان انه اعرب عن هذا الميل الذي يكاد يصبح رغبة.
الفدائيون
الاتصالات التي جرت بين السلطات اللبنانيه وقواد الفدائيين اوضحت جانبا من الموقف الرسمي وهو ان لبنان لن يقوم بهجوم على اسرائيل ولكنه يدافع عن نفسه حتى اخر نسمة. قيل للفدائيين انكم اذا رغبتم في خوض المعركة ضد اسرائيل فهناك جبهتان مفتوحتان يمكن ان تلتحقوا بواحدة منها او بكلتيهما. بدو ان هذا الجانب الذي تكشف عن موقف الدولة لم يرق لهم فعزموا على افتعال ما من شأنه ان يوهم الرأي العربي والرأي اللبناني ان الاعتداء الاسرائيلي على لبنان حاصل كل يوم فحاولوا انزال صواريخهم على بعض المنشات الحكومية في الجنوب وفي مرجعيون والنبطية خاصة حتى يصير الضغط العربي على لبنان ويصير ضغط الراي العام اللبناني على الدولة برد الهجوم وهذا يعني دخول الحرب مباشرة غير ان المسرحية لم تمثل بحزق وقد عرفت المناورة وليس من المستبعد مع هذا ان تتكرر المحاولة.
كمال جمبلاط
وهنا ملاحظة لابد منها يلاحظ المراقبون السياسيون اللبنانيون ان الحركة الفدائية في لبنان تظل راكدة الى ان يجيء كمال جنبلاط فيحركها. وفي هذه الايام كمال جمبلاط متغيب في الهند التي توجه اليها قبل الحرب لذلك لا نرى تحركا فدائيا ناشطا في المخيمات وفي اماكن نزولهم ضمن الاراضي اللبنانية. اللهم الا ذاك التحرك الذي يجري كل يوم في القرى الاماميو الجنوبية حتى اننا لم نر بعد ردة الفعل المرتقبة على تصريح وزير الدفاع نصري المعلوف المشار اليه اعلاه. يحيرنا هذا ونبحث عن ايضاح في تصرف كمال جنبلاط عامة وتصره مع الفدائيين.
كمال جنبلاط عامة
في التاريخ اللبناني ان جد الجنبلاطيين الاعلى هو جان بولاد من اصل كردي قدم الى جبل لبنان واستوطن الشوف الذي كان معروفا انذاك بجبل الدروز واعتنق الدرزية ثم اصبحت سليلته بعد معركة عين داره على ايام فخر الدين المعني كبيرة العائلات الاقطاعية اللبنانية. ايام الامير بشير الشهابي الكبير كان الشيخ بشير جنبلاط كاقطاعي اوسع غنى من امير لبنان الامير بشير وكان عظيم النفوذ. فنشات بينه وبين الامير بشير خصومة حادة كادت تكون عداوة. الامر الذي حمل الامير بشير ان يسعى بالشيخ بشير لدى الجزار والي عكا وان يسير ضغينته عليه حتى استدعاه اليه وقتله. منذ ذلك الحين نشات روح عدائية في بني جنبلاط ضد الحاكم اللبناني. هذه الروح تظهر وتخبو بحسب الظروف والحالات وبحسب نوعية الرجل واحيانا المرأة الست نظيرة جنبلاط ام كمال الذي يتزعمهم ففي ايام كمال جنبلاط كان اميل دائما الى معاداة الحكام ولم تنقطع هذه السيرة الا في عهد الرئيس اللواء فؤاد شهاب لاسباب كثيره اهمها تخوفه من الجيش وبطش المكتب الثاني انذاك. على ان المتوقع كان ان تشتد خصومته لحاكم لبنان باعتبار انه شهابي ومن سليلة الامير الذي فتك بجده الاعلى الشيخ بشير. واليوم يعود جنبلاط سيرته الاولى غير ان هذا ليس السبب الاوحد فبعد ان انشا كمال جنبلاط الحزب التقدمي الاشتراكي وتزعمه تبدت له ميول يساريه وقد توصل مع الايام ان يلف حوله وحول حزبه جميع الحركات اليساريه في لبنان بما فيها الحزب الشيوعي نفسه بحيث انه اليوم يراس اليسار اللبناني بحزبه بنقاباته وبمختلف نشاطاته. المراقبون يقولون ان اليسار العالمي تعتمد كمال جنبلاط وتمده بالنصح والعون والسلاح والمال. ويستند المراقبون في ذلك الى ان الخطط التي يجري تنفيذها في لبنان على يد كمال جنبلاط في طبعة لبنانية منقحة بحسب العقلية اللبنانية والحاجة اللبنانية حتى ان بعضهم يذهب الى ابعد فيقول ان مرتبة كمال جنبلاط في الحركة الشيوعيو العربية تعلو مراتب الكثيرين حتى الحكام انفسهم وييتندون على ذلك بالشان الذي يعطى له في الدول العربية التي دخلت في الانظمة اليسارية كسوريا والعراق ويشدد المراقبون على امر وهو عندما يقوم كمال جنبلاط بزيارة دمشق تجرى له استقبالات مماثلة لاستقبال رؤساء الدول والحكومات وقد لاحظوا مرة انه قام بزيارة دمشق فتوجه فورا الى قصر الضيافة حيث زاره حافظ الاسد ثم عاد فزار الاسد في قصر الرئاسة.
ومن اساليبه السياسية في هذا الصدد انه يهدد دائما الحكام اللبنانيين بالعراق وسوريا حكومة وشعبا. ويلاحظ المراقبون ان الحكام العراقيين والسوريين يتجاوبون معه في غالب الاحيان ان لم يكن في كل حين. خطورة كمال جمبلاط تكمن في مكانته الكبيرة في الحركة اليسارية العالمية وفي تزعمه اليسار العربي واليسار اللبناني وفي قوة شخصيته وطاقته الكبرى على العمل اذ الحق يقال ان اليمين اللبناني لا يملك شخصية بحجم شخصية كمال جمبلاط ثم بالنظر الى تفككه فان اليمين اللبناني لا يملك طاقة العمل مجتمعا التي يملكها كمال جنبلاط. من هنا ان الصراع في لبنان يقوم بين يسار موحد حول جنبلاط ويمين مبعثر بين الدولة والاحزاب اليمينية وفي راسها الكتائب والكتلة الوطنية والاحرار والنجادة. وهو يقوم بين حركة مدعومة وممولة من الخارج وبين حركة لا يابه لها احد.
لقد نشرت الصحف في الايام الاخيرة ان الحزب التقدمي الاشتراكي وجبهة النضال والهيئات الشعبية ابرقت لكمال جنبلاط في الهند طالبة منه العودة سريعا الى لبنان غير انه لم يعد بعد وعندما يعود يبدا على الغالب التحرك اليساري المتوقع وليس من المستبعد ان يكون تاخره عن العودة منوط بامرين مراقبة الحرب وتطوراتها وانتظار ان يبين الخط الاسود عن الخط الابيض ليعرف ايه ضربو يجب ان يضرب. واعداد الخطط لجميع الاحتمالات لن تخلوا خطته المرتقبه من التركيز على تكبيد النقمه على المسؤولين ومن اثاره الفوضى لان هذين الامرين من صلب خطته الماضيه وما يجعل كمال جنبلاط اكثر شرا اليوم منه في السابق ان وزاره الداخليه اللبنانيه في يده ولوزاره الداخليه في حياة البلاد وامنها شان كبير وقد تعود اليسار في العالم ان ينفذ الى تنفيذ خططه بواسطة وزارة الداخلية اذ في يد وزير الداخلية تشكيلات الدرك والشرطه وقوى الامن الداخلي جميعا فهو يلجا الى اقصاء اليمينيين وتقريب اليساريين واسناد المراكز الحساسه اليهم اذا بدا الصراع بين اليمين واليسار كان المهيمنون على الامن الداخلي في يد اليسار لا في يد اليمين.
كمال جنبلاط والفدائيون
يبقى ان الفدائيين في لبنان مستسلمون لكمال جون بلاط فهو الذي ينطق باسمهم بمقدار زعمائهم وهو الذي يتزعم حركاتهم وتصرفاتهم وقد دلت حوادث ايار الماضي على ذلك فالفدائيون في لبنان قسم منهم يساري كالعاصفه لارتباطهم بحركة البعث السوري وقسم اخر ينقاد للقسم الاول لانه يرى ان قيادة القسم الاول ناشطة وقوية ومتحركة ومعلوم ان التحرك الفدائي في لبنان امر خطير عندما يمشون به الى احداث الفوضى وتعجيز الحكام. خاصه اذا بقيت سوريا في مركز قوة. في اجواء اللبنانيين اليوم في اجواء المدينة موجات تظهر وتخبو تقوى وتضعف بحسب كثير من الاعتبارات حتى قيل ان بيروت كما هي تجارية ومالية ايضا هي بارومتر سياسي عالمي وداخلي. فماذا في اجواء بيروت اليوم؟ طبيعي ان اللبنانيين يتجاوبون مع العرب تجاوب الشقيق مع الشقيق الا انه ليس تجاوبا كاملا. وهذا النقص في التجاوب مبني على حذر فئه لبنانية من الفئة الاخرى. وطبيعي اذا ان يركب اللبنانيون جميعا موجة الارتياح الى التفوق الحربي العربي غير انه في اليومين الاخيرين يطرح بعض اللبنانيين على نفسه سؤالا يسري في المدينة سريان النار في الهشيم: ما الاوفق للبنان الانتصار الاسرائيلي ام الانتصار العربي؟ وقد التقيت امس صديقا حميما كان قد ادركه خبر الموجة فجعلناها موضوع تباحثنا وهو مثقف عليم ولبناني صميم فقال لي انا لا استغرب هذا السؤال وقد جاء يوم لم يعد الان قائما كنت اعتقد فيه بالنظر الى المحيط الذي كنت احيا فيه والى ما كنت ارى واسمع كنت اعتقد انه لو لم تكن اسرائيل لكان لبنان اسرائيل العرب. اني لا ازال اتتبع هذه الموجة لاعرف اذا كانت ستشتد ام ستلين مع الايام المقبلة ام انها ستخبو او ستموت. غير انها اليوم تقلقني كثيرا كما تقلق سواي من مثل الصديق المسلم الذي اشرت الى حديثه اعلاه. جوابا على قوله كررت على صديقي المسلم هذا نظرية تقول ان لبنان لو لم يكن لكان يجب ان يخترعه العرب لاسباب كثيرة اهمها ان في العالم العربي اقليو مسيحية موزعة هنا وهناك. هذه الاقلية ترتاع الى ان تكون لها في العالم العربي قاعدو تمثلها. صحيح ان هذه الاقليات الموزعة في كل دولة عربية تدين بالولاء لدولتها الا انها تجد نفسها مرتاحو عندما يكون في العالم العربي وطن على راسه مسيحي يحضر باسمهم مؤتمرات الملوك والرؤساء ويشترك معهم في التقرير عند بحث المصائر ثم نظريتي ان تعايش العرب مع المسيحيين اللبنانيين يثبت في وجه العالم ان العرب قادرون على العيش مع غيرهم هذا فضلا عن ان لبنان هو الاخ الوسيط وهو الملجا في كل حال فاقر للصديق على هذا القول واتمنى لو ان هذا التفكير يشيع بين جميع الفئات والاوساط اللبنانية. ومن جهة اعتقد ان هذا التفكير لم يعد غريبا عن كثير من اللبنانيين في جميع الفئات.
قلت في مكان ما من هذه الرسالو ان وزارة الداخلية اللبنانية في يد كمال جنبلاط ما دام على راسها بهيج تقي الدين احد اعضاء جبهة النضال التي يراسها كمال وقلت تخوفي من ان تبادر وزارة الداخلية الى تشكيلات حزبية يدفع فيها اليسار في الموقع الحساس الذي سيقسى عنه اليمينيون وقبل ان ادفع هذه الكلمة اليك قرات في جريده النهار ان الظروف الاستثنائيه لم تمنع وزير الداخلية من اجراء تشكيلات في قوى الامن الداخلي من غير ان يلزم نفسه بحرفية القانون. فبدل ان يعرض الحركة على مجلس القيادة او ينتظر ان يرفع مجلس القيادة له مشروع حركو ليقره او اذا كان له راي مخالف ليبديه اصدر مذكرة فثل بموجبها بعض ضباط قوى الامن الى مراكز جديدة واجرى تبديلات بين بعض المراكز من غير اخذ موافقة مجلس القيادة.
هذه التشكيلات لم تخل من الاعتبارات الحزبية
كأن تمثيليو براج تعود في بيروت
وقانا الله سبحانه