مع رفض وجود السلاح في أيدي الفلسطينيين، خارج وداخل المخيمات، يأتي التخوّف من التوطين ليزيد الواقع ضبابية.
إن رفض التوطين هو من المسلمات الوطنية التي جاءت في مقدمة الدستور وهو يرتدي الأهمية نفسها التي ارتدتها مقاومة الاحتلال الإسرائيلي.
العبء الذي يتحمله لبنان، بفعل وجود ما يزيد عن أربعمائة ألف من اللاجئين الفلسطينيين، فوق أراضيه، هو عبء يفوق طاقة لبنان، من حيث الكثافة السكانية، ويضاعف مشكلة الاكتظاظ السكاني، مقارنة بمساحة لبنان الجغرافية، فيما ترى إحصاءات واقعية أن العدد يتجاوز ستماية ألف فلسطيني.
إن لبنان الذي استضاف اللجوء الفلسطيني، عملاً بالواجب الإنساني والقومي، والذي تحمّل التضحيات القصوى في سبيل نصرة القضية الفلسطينية، المتمثلة بحق العودة، أصبح هدفًا لمؤامرة خطيرة يوم طرح وطنًا للفلسطينيين، بديلاً عن فلسطين.
هذه المؤامرة معززة بالكثافة الفلسطينية في لبنان، وحالة التسلّح بذريعة "العمل الفدائي"، كانت من الأسباب المباشرة، لاندلاع الحرب في لبنان عام 1975، ولتحريك الطروحات القصوى التي هددت وحدة الشعب والأرض، وقد تمثلت بمؤامرة التقسيم.
إن القضية اللبنانية تصدّت لخطر التوطين، فرفضته، أسوة بخطر التقسيم، كمعادلة متلازمة تلازم السبب والنتيجة، فحلّت هذه المسلّمات الثوابت نصًا بارزًا في الدستور اللبناني.
أصدرت جامعة الدول العربية، قرارات عدة حظّرت بموجبها على الدول العربية المضيفة للشتات الفلسطيني، منح جنسيتها للأخوة اللاجئين، حفاظًا على قضيتهم، وحفظًا لحقهم بالعودة، ومنعًا لذوبان هويتهم عبر توطّنهم الدائم في هذه البلدان.
كما أن ثمّة قرارات دولية خاصة بالحقوق الفلسطينية، أبرزها القرار 194، والقرار 242، اللذان يكرسان حق العودة، وحق جمع شمل العائلات، التي شرّدتها نكبة فلسطين والحروب التي تلت تاريخ النكبة.
إن اعتبار حاجة العالم العربي، للسلام العادل والشامل، موازية لحاجة إسرائيل والغرب، وسائر دول العالم لهذا السلام إياه، وما لم يكن الأمر على هذا النحو، فلا حاجة به للبنان وسوريا، ولا لبلدان المنطقة العربية، ولا للأسرة الدولية جمعاء.
تمسّك لبنان بإسقاط مؤامرة التوطين مطلب داخل في صميم محادثات السلام، وبند أساسي في جدول أعمال هذه المحادثات، وشرط وطني، يوازي بأهميته تحرير لبنان.
وبقدر التعاطف مع معاناة الشعب الفلسطيني والتأييد لنضاله من أجل إقامة دولته والاستنكار لما يتعرّض له الفلسطينيون من تنكيل، بقدر ما هي مرفوضة عودة الفلسطينيين في لبنان إلى خطاب تصعيدي أو انفلات أمني تحت أي حجة تفتح بابًا على حرب لسنا مهيئين لها.