جامعة الدول العربية
في التسمية
للمعاهدات الدولية تسميات متنوعة روّجتها الحياة العملية وأقرّها القانون الدولي العام، أعمّها: معاهدة وميثاق وتصريح وموافقة واتفاق وبراءة عامة وبروتوكول وتبادل مذكرات وغيرها.
في التحديد
سمّي الاتفاق فيصبح "معاهدة" سواء معاهدة أم بروتوكولاً أم غير ذلك: كال اتفاق معقود بين دول حرة مستقلة بواسطة رجالها الرسميين (رؤساؤها عادة) على أن يكونوا مكلّفين للقيام بالأعمال الدولية تلك شرط أن يتم عملهم وفقًا للدستور.
فإذا كانت كل هذه الصفات متوفرة في دول المؤتمر الإسكندري ورجاله وإذا كانت صلاحياتهم مستمرة من دساتير بلدانهم فيكون ما نتج عنهم في ذلك المؤتمر "معاهدة" سارية على جميع الموقعين بالسواء.
في انواع المعاهدات
وليست كل المعاهدات الدولية من فصيلة واحدة فهي إما أن تكون "زوجية" وإما أن تكون "جامعية" وبين هذهمنها ما هو معاهدة بمثابة عقد ومنها ما هو معاهدة بمثابة قانون.
فالمعاهدة التي هي بمثابة عقد يقوم بها اثنان فأكثر، غاية كل منهم تختلف من غاية الآخر، والقصد منها إيصال كل متعاقد من المتعاقدين إلى مطلبه أو إلى بعضه.
أما المعاهدة التي هي بمثابة قانون، فعلى العكس، يقوم بها اثنان فأكثر من ذوات الغاية الواحدة، في الأصل، للوصول إلى نتيجة تفضي إلى خير المجموع فهي تقرر الطرائق القانونية الملائمة لتكون شريعة المستقبل المرجو منه إيصال المتعاقدين إلى غايتهم المشتركة.
يكون بروتوكول الإسكندرية، إذًا، معاهدة اجتماعية بمثابة قانون.
في إبرام بروتوكول الإسكندرية
أما وقد حددنا منزلة بروتوكول الإسكندرية من "ألعلم" وقبل أن ننتقل إلى بحثه لجهة "ألواقع" يحسن أن يعرف شيء عن قيمة هذا البروتوكول القانونية.
من الثابت، علمًا، أن ليست كل معاهدة بحاجة إلى مصادقة الحكومة المركزية لتبرم فقد يولّى المتعاقدون حق إبرام المعاهدة التي أوفدوا إليها ولكنه من الثابت أيضًا أن هناك بعض المعاهدات التي تستلزم مصادفة الهيئات الخاصة في الحكومة المركزية لتبرم وتصبح نافذة على البلاد الموقّعة.
فهل أبرم بروتوكول الإسكندرية أم أنه لم يزل في الطريق؟
في الدستور اللبناني
الجواب على هذا: إن المادة الثانية والخمسين من الدستور اللبناني المعدّلة بالمادة الثالثة من القانون الدستوري الأخير نصّت على ما يلي:
يتولى رئيس الجمهورية المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها ويطلع المجلس عليها حينما تمكنّه من ذلك مصلحة البلاد وسلامة الدولة. أما المعاهدات التي تنطوي على شروط تتعلق بمالية الدولة والمعاهدات التجارية وسائر المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة فلا تعد مبرمة إلا بعد موافقة المجلس عليها."
والحال أن المعاهدة الحاضرة هي من التي لا يجوز فسخها سنة فسنة، فيقتضي لها إذًا موافقة المجلس.
في حق التعديل
وليلاحظ أنه قبل موافقة المجلس، فهل للمجلس حق التعديل في بنود هذه المعاهدة أم انه عليه قبولها برمّتها أم أرفضها برمّتها.
من الجاري عليه الرأي أن المجلس يقبل أو يرفض وليس للمجلس حق التعديل.
وعلى هذا القانون الدستوري الفرنسي (المادة 73 من نظام مجلس الشيوخ والمادة 93 من نظام مجلس النواب)
في التحفظات
إلا أنه لا بد من ملاحظة واقع: وهو أنه يعترف للدول المتعاهدة بحق إبداء بعض التحفظات وقد لاحظ العلامة نيبوييه انه من 14 معاهدة وُقّعت في "لاهاي" السنة 1907 – 12 منها ألحقت بتحفظات. وقد بلغ عدد تلك التحفظات الـ 65 عدًا وقد صدرت عن 28 دولة من أصل 45 دولة موقّعة.
ملاحظة
إن موافقة المجلس النيابي على مشروع المعاهدة لا تلزم رئيس الجمهورية على المصادقة الإبرام. فهو، وإن وافق المجلس النيابي. حر في إنفاذ المعاهدة أو عدم إنفاذها.
ملاحظة ملحقة
إن كل معاهدة تستلزم موافقة المجلس ومصادقة رئيس الدولة لتنقذ تحمل مهلة يجب أن تتم فيها الموافقة والمصادقة وإذا كانت خلوًا من تعيين المهلة وفي سبيل الاقتصاد بالوقت ومحايدة الإزعاج الناتج عن تبادل الوثائق يصار إلى نص يتفق فيه على أن مخابرة هاتفية أو تلغرافية تكفي لحمل المصادقة اللازمة.
والحال أن بروتوكول الإسكندرية لم يحدد مهلة ما، ولم يلجأ إلى النص المشار إليه.
فكأن في نيّة المتعاقدين أن البروتوكول الإسكندري نافذ لمجرد توقيعهم عليه وأنه ليس بحاجة إلى موافقة المجالس النيابية ومصادقة رؤساء الدول لينفذ ويلزم البلدان المشتركة في توقيعه.
على أن دولة رئيس الوزراء اللبناني قال في بيانه لدى المجلس النيابي:
"خرجنا أيها السادة من اجتماع الإسكندية حاملين نصوصًا وقرارات كلّها يجب أن ترجع إلى لجان فإلى الحكومات فإلى المجالس النيابية وبعدئذ يصار إلى التوقيع عليها بصورة نهائية..."
وقال في مكان آخر من بيانه
"... هذا البروتوكول الذي سيحوّل إلى لجان وحكومات ومجالس ويتطلّب توقيقًا ودروسًا نقدّمها إليكم في حينه ولكم الحق والحرية في إقراره ليصبح جرمًا."
هذا هو الصواب والحق.
في ماهية بروتوكول الإسكندرية
لقد اقتصرنا في كل ما أوردنا في مقدمة هذا البحث على الأمور الشكلية المتعارفة بين علماء القانون الدولي العام وثقاته. فلا بد لنا الآن من التعرض إلى ماهية هذا البروتوكول من حيث الأساس ومن حيث هو ومن حيث المقاصد المرجوة منه. والنتائج الممكن صدورها عنه مستندين في تفهّم كل ذلك إلى نص البروتوكول المذكور وبيان دولة رئيس مجلس الوزرا في لبنان وبيانات رؤساء وفود الأقطار العربية الذين اشتركوا في هذا المؤتمر وفي توقيع هذا البروتوكول والذين قضت عليهم دساتير بلادهم أن يدلوا بتصريحات حول المشاورات والبروتوكول الذي أسفرت عنه تلك المشاورات.
أما أبرز ما في هذا البروتوكول فبنده الاول ، فقرته الاولى، إذ جاء فيها انه:
"تؤلف جامعة الدول العربية من الدول العربية المستقلة التي تقبل الانضمام إليها ويكون لهذه الجامعة مجلس يسمى "مجلس جامعة الدول لاعربية" تمثّل فيه الدول المستركة في الجامعة على قدم المساواة."
وأراد دولة رئيس مجلس الوزراء في بيانه أن يشرح حقيقة الاسم ولماذا وقع الاختيار على اسم "ألجامعة" مستبعدين سواه من أسماء فقال:
ولقد رأينا واستمعنا أسماء كثيرة حتى اهتدينا إلى اسم الجامعة وأقول كما ذكر أنطون الجميل بك رئيس تحرير الأهرام، لقد أغنانا المجتمعون في الإسكندرية عن جهود كبيرة في التفتيش وراء الأسماء فأعطوا لاجتماعهم اسم "جامعة" فوفقوا بذلك توفيقًا كاملاً...
إن كلمة جامعة قد استبعدت الوحدة والاتحاد على ما قال الأستاذ أنطون الجميل
وأراد دولة الرئيس أن يشرح حقيقة المسمى فقال:
"فالجامعة، وهناك درس حقوقي سيتلى عليكم، ليست دولة، ولا دولة فوق الدولة، ولا كونفدراسيون، ولا أريد الدخول في التفاصيل..."
في الإسم الجامعة
أما الإسم فقد يحلو لبعضهم، وقد يكون المؤتمر قد وفق إلى اختياره – وهذا فضل يسجّل – إلا أن ليس كل "جورج" ملكًا لإنكلترا، ولا كل "ونستون" تشرشلاً. وكما أنه ليس كل اسم يدل على مسماه هكذا ليس كل مسمى يصدق فيه اسمه.
وقد يكون لدولة الرئيس خاصة تمكنه من تمييز النصوص المغفلة وتبيّن أصحابها فيعرف مثلاً أن المقال الوارد في الأهرام عدد الإثنين 9 أكتوبر 1944 رقم 21458 – الصفحة الثالثة تحت العنوان "جامعة الدول العربية" والذي به أستشهد، يعرف أنه للشيخ أنطون الجميل مع أنه خلو من الإمضاء وليس هو بمقام المقال الرئيس في العدد المشار إليه.
وقد ورد في المقطع المستشهد فيه على أنه للشيخ أنطون الدميل ما حرفيته
"وفقت اللجنة التحضيرية في اختيار الإسم "جامعة الدول العربية" وكفتنا بذلك مؤونة الجدل والنقاش في اختيار اسم المولود قبل أن يولد من الوحدة إلى الاتحاد إلى الحلف إلى العصبة والاجتلاف على مدلول كل لفظة من هذه الألفاظ في العرف وفي القانون الدولي".
الحق ان ابتهاج صاحب المقال في الإسم المحظوظ يحتاج غلى كثير من التحفظ وأن سبب البهجة بحاجة إلى تحفظ اكثر.
فإن كان سبب البهجة هو ان اللجنة التحضيرية قد كفت الكاتب مؤونة الجدل والنقاش في مدلول كل لفظة من هذه الألفاظ وهي الوحدة والاتحاد والحلف والعصبة في العرف وفي القانون الدولي . على أن العلم حدد بصراحة مدلول هذه الألفاظ. فحري به أن لا يبتهج لاختيار اللجنة التحضيرية اسم الجامعة لأن هذه اللفظة لم يتبناها العلم بعد ولم يعطها القانون مدلولها الواضح ولم يفرق العلم بعد بين المسمى المنطبقة عليه وبين ما تنظبق عليه الألفاظ المحايدة لوحدة واتحاد وحلف وعصبة من مسميات أصبحت في العرف وجلاها التاريخ وبلورها العلم فباتت تعرف بميزاتتها جميعًا وخصائصها جميعًا من اسمها كما تعرف الأعلام البارزة من أسمائها.
ولو ان حضرة الكاتب رجع غلى استشارة الأئمة في القانون الدولي العام لتبين له انهم مجمعون على أن تلك المواثيق الدولية التي من شأنها أن تجمع بين دول متقاربة تعود بالنتيجة إلى أصناف مصنفة. أصناف عينها العلم وحددها. فهي معروفة عدًا. ما زادت من قبل ولن تزيد. بأن تلك المواثيق التي تحمل جدة وابتكارًا وطرافة تعيش بجدتها وطرافتها وابتكارها ولكن إلى حين، إلى أن يعود بها الاستمرار وتعود بها قوة الناموس إلى العادي من الأصناف المصنفة.
هكذا أثبت وافع التاريخ وهكذا أقر علماء القانون وهكذا يوجب المنطق.
لو عدنا إلى العقود التي تجمع بين الأفراد والتي هي شريعة الأفراد لوجدنا أن كل بند منها لا ينسجم مع ما يدور عليه التعاقد عادة يظل مهملاً غير معمول به.
وهكذا كل مادة في قانون عام فهي تترك في الاستعمال اليومي وتهمل فتبقى في ذمة الشارع وفي ذمة النص إلى أن يقيد لها الله شارعًا حكيمًا يمن عليها بالإلغاء والإبطال إذ لا يحيا من التشريع سوى ما مكنت علاقته بالشرع الأصيل وما انبثق منه عنه.
ومثل هذا مصير البنود التي تخرج بالمعاهدات الدولية عما قرر لها الاستمرار في كيان معين. فهي وإن عاشت إلى حين مقضي عليها بالموت والزوال شأنها شان النواة في كرة اعدت للتدحرج أبدًا. إنها طريق إلى وقت ثم تزول بحكم الحاجة والناموس.
في المسمى
أما وقد استغرق كلامنا على الإسم وقتًا طال وقد اخطرنا لاستيعابه ان ننعطف إلى المسمى مرارًا فإننا نوجز مكتفين بقول ما لم نقله بعد.غن دولة الرئيس في كلامه عن حقيقة الجامعة إنه لا يريد الدخول في التفاصيل فنحن معه إلى ان يدخل ومتى دخل فندخل إثره.
إلا أنه قال مع ذلك إن الجامعة ليست دولة ولا دولة فوق الدولة ولا هي كونفدراسيونًا، قلنا وما هي إذًا؟
ومعلوم أن السلب لا يفيد الإيجاب.
فإن هي لم تكن تلك ولا تلك فما هي إذًا؟
قال "وانتم تعلمون إنه قامت هناك مؤسسة اسمها دامعة الأمم انضوت تحتها كل الدول المستقلة ولم يصب استقلال واحدة منها بوهن. وما تشكلت من هذا الانضمام.
أجل إلا أننا نعلم في الوقت ذاته غنه ليس سوى الإسم الجامعة يجمع بين جامعتنا وجامعة الأمم. وهل فات دولة الرئيس أن هذه جامعة دول وتلك جامعة أمم ؟ وهل تقرنا اللجنة التحضيرية على استبدال اسم باسم؟
الغاية من هذا البروتوكول
يريد العقل أن يجعل من القول ومن صاحب القول واحدًا.
ويعز على الفكر أن يفرق بين القائل وما يجب ان يقال. لذلك نرى أن بروتوكول الإسكندرية الذي هو من وضع موقفيه وحدة مستمرة هو وموقعوه فإن ما فيه يشرحه ويكمله اتباع سياسة خارجية تضر بسياسة جامعة الدول العربية او أية دولة منها.
وننظر فنرى أن دولة الجابري بعد أن عدد الأدوار التي مرت على البلاد التي انتهت إلى كيانها تحدث عن مؤتمر مشاورات الوحدة والبحوث التي دارت فيه بما فيها والكلام كله لألف باء عمرو 13 تشرين الأول 1944، بعث سوريا الكبرى، سوريا ولبنان وفلسطين وشرقي الأردن وغيرها...
وقال "إن كل هذه الأبحاث لها أجوبتها ونتائجها وبإمكانكم الاطلاع عليها ولكن لا يجوز نشرها".
ثم قال: "قد يكون لكل بلد أسبابه الخاصة، ولذلك اضطررنا للتساهل والمشي معهم. ولكن هناك مبادئ عامة قررناها، احتفظنا بحقنا فيها. فهناك وحدة عربية لا بد أن نصل إليها ووحدة سورية نريدها".
اين هذا من القرار الخاص المتعلق بلبنان ومن الفقرة الثانية من البند الاول.
وننظر فنرى ان دولة سمير الرفاعي باشا ساعة سلم مقاليد الحكم قال في حضرة أعضاء الوزارة وأعضاء المجلس التشريعي وكبار موظفي الدولة: "إننا نعتمد على حليفتنا بريطانيا العظمى ونثق بها في معاونتنا على تحقيق امانينا القومية".
فأين هذا من الفقرة الخامسة من البند الاول وأين هذا من موقف دولة الجابري الذي أعلن في بيانه: "وبينما نحن في انتظار تسليم الجيش وإذ بطلب يأتينا من الحكومة الفرنسية لكي نعقد معها معاهدة يكون لها فيها المركز الممتاز فلم تقبل به الحكومة ورفضته."؟
ومن موقف دولة الرئيس اللبناني "كما اننا لا نريد ان نعقد معاهدة مع دولة معينة معلومة كذلك لا نريد أن نعقد معاهدة مع دولة معلومة اخرى. بل نريد أن نذهب إلى مؤتمر السلام أحرارًا طلقين".
فأين كل هذا من بعض ذاك؟
ولماذا أللهم يعتمدون هناك حليفتهم العظمى ويثقون في معاونتها لهم على تحقيق امانيهم القومية؟