لدى فئة من اللبنانيين أن تفرض على الفئة الأخرى إكراهًا وبالقوة خيارات معينة بينما من المعروف أن الشعور بالإنتماء القومي لدى شعب من الشعوب ينمو نموًا عفويًا.
في الوقت الحاضر يجب أن يترك أمر تعيين وإعلان هوية لبنان ريثما يختمر هذا الشعور ويتبلور لدى جميع اللبنانيين يومًا من الأيام فينصهرون في بوتقة واحدة لا حيرة فيها ولا تردد.
الولاء للوطن اللبناني
بدون أي تمييز وطن حرية المعتقد الديني، وطن نمو الشخصية الإنسانية الفريدة التامة، وطن البحبوحة في العيش ووطن النور والتقدم والحضارة.
إن وطنًا له ما للبنان من الغمكانيات لتحقيق هذه القيم قادر أن يخلق في قلوب جميع ابنائه ذلك الولاء الذي يستهان معه بذل النفيس في سبيله والدفاع حتى الموت من أجله.
لبنان بين واقعه المؤلم وبين تطلعه المستقبلي الرائع يبدو دائخًا كمن ضرب على رأسه.
عشرات الآلاف من أبنائه ماتوا شهداء في معارك وتفجيرات.
عشرات الآلاف فقدوا أو جرحوا.
عشرات الآلاف هجروا من مكان إلى مكان في ربوعه.
عشرات الآلاف هاجروا إلى مختلف أنحاء الدنيا.
إنتهكت مؤسساته الدستورية والوطنية ودمر اقتصاده وقطعت مسيرته إلى الرقي وخنقت إسهاماته في المسيرة العالمية في مهدها.
في الوقت نفسه، عشرات المئات من اللبنانيين تعبوا من هذا المصير الأسود وقرفوا.
بعض اللبنانيين صار أغنياء حرب وفساد ينصرفون إلى التمتع بما غنموا.
أحزاب حادت عن خطها واختبأت وراء شعارات كاذبة وهربت من واجبها الوطني.
لا بد من أن يكون ثمن لدم الشهداء وللدمار الهائل الذي حل بلبنان.
لا بد من محاربة تسلط واستئثار وفساد وهدر واستعباد وظلم.
لا بد من إشراك الناس في هموم بعضهم البعض والقفز فوق المناطقية والحزبية والمذهبية والعنصرية.
لخّص حنين جوهر الأزمة اللبنانية ووضعها في السياق الراهن للتطورات المحلية والإقليمية، منتقلاً إلى اقتراح سبيل المعالجة والإصلاحات السياسية والدستورية.
في المعالجة رأى أن المنطلق الصحيح هو في النظر إلى اللبنانيين كشعب وطوائف في آن. وهذا المنطلق "يقتضي قيام مؤسسات وطنية لا طائفية في كل ما يتصل بالشأن العام، أي في قضايا الحياة العامة حيث تتشابه وتتداخل التحديات والمشاكل وتتطابق وتتوحد وسائل الفهم والمعالجة. أما حيال قضايا الدين والأحوال الشخصية وقضايا المصير فيقتضي أن تتم المعالجة في غطار مؤسسة مشتركة (مجلس الشيوخ) تستطيع الطوائف من حيث هي تكتلات اجتماعية ومعنوية قائمة أن تعبر داخلها عن وجدانها وأن تشارك ممثلي الكتلة الشعبية (النواب) في بت الأمور المصيرية فقط.
وحصر الإصلاحات في أربع نقاط:
أولاً، إلغاء الطائفية، بمساواة المواطنين أمام القانون وفي المراكز والفرص وفي المنزلة الاجتماعية دون تمييز بسبب الجنس أو الأأصل أو الدين أو الرأي السياسي. ولعل العلمنة تتحقق تدريجًا بقوننة العلاقات السياسية والاجتماعية في الدولة بغية مساواة المواطنين أمام القانون، وبوضع التشريعات اللازمة في شتى المجالات انطلاقًا من الحاجات المجتمعية الموضوعية مع مراعاة الشرائع الدينية للجمهور المؤمن.
ثانيًا، التوافق على تحديد هوية لبنان بأنه وطن عربي، نهائي، ودولة مستقلة كاملة لاسيادة، تتطور نحو نظام ديمقراطي اجتماعي في إطار أسرة عربية تجمعه وأعضاءها روابط التاريخ والمصالح والمصير.
ثالثًا، الاعتراف بحقوق الإنسان التي لا تمس ولا سيما حقّه في الحرية والخبز والعمل والتعليم وتكريسها في صلب الدستور.
رابعًا، إحلال الضمانات الوطنية محل الامتيازات الطائفية من خلال القواعد الآتية:
أ – إلغاء الطائفية السياسية في جميع المراكز والسلطات والمؤسسات العامة باستثناء مجلس الشيوخ.
بـ - إحداث مجلس للشيوخ تتساوى في عضويته الطوائف اللبنانية الست الكبرى مع مراعاة التوزيع المذهبي داخلها في إطار المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، ليكون ضمانًا للأقليات، وليشارك مجلس النواب المنتخب على أساس وطني لا طائفي في بت القضايا المصيرية والأساسية وهي:
تعديل الدستور، إعلان الحرب وإقرار الصلح، المصادقة على المعاهدات الدولية، وضع قوانين الاحوال الشخصية المذهبية وتعديلها، حماية الحريات العامة، إعلان حالة الطوارئ، قانون انتخابات مجلس الشيوخ.
جـ - زيادة عدد المحافظات وجعلها دوائر لانتخاب أعضاء مجلس الشيوخ، على أن يكون لكل ناخب الحق في انتخاب مرشح واحد فقط.
د – انتخاب رئيس الجمهورية من الشعب بغية جعل الرئاسة الأولى رمزًا للوحدة الوطنية بشرط أن يحوز الفائز الأكثرية على مستوى البلاد وفي نصف عدد المحافظات على الأقل في آن.
هـ - تحقيق الفصل والتوازن بين السلطات العامة من خلال:
- اضطلاع رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء، معًا بأعبا السلطة التنفيذية.
- اختيار رئيس الوزراء في مجلس النواب.
- حصر حق رئيس الجمهورية بإقالة الحكومة في حالتي موافقة رئيس الوزراء، واستقالة نصف أعضائها.
- حصر حق رئيس الجمهورية والحكومة في حل مجلس النواب بحالتي رد الموازنة العامة برمتها وحجب الثقة عن الحكومة مرتين خلال سنة واحدة.
- ضمان الاستقلال التام للسلطة القضائية بجعل المجلس الاعلى للقضاء المرجع الوحيد لتعيين القضاة ونقلهم وترفيعهم وإنهاء خدماتهم.
- إنشاء محكمة عليا للنظر في دستورية القوانين.
و – إصلاح ديمقراطي للتمثيل الشعبي وتعزيز الحريات العامة بجعل لبنان دائرة انتخابية واحدة، أو جعل المحافظات دوائر انتخابية، والأخذ بنظام التمثيل النسبي، وحصر توزيع المقاعد باللوائح التي تحصل على أكثر من عشرة في المئة من أصوات المقترعين فقط لتفادي التشرذم السياسي.
ز – زيادة عدد المحافظات واعتماد اللامركزية الإدارية، وتعزيز الحكم المحلي.
حـ - تتولى المحافظات شؤون الأمن والنظام العام وكامل الاختصاصات المنصوص عليها في قانون البلديات.
طـ - يتولى سلطة التقرير في المحافظة مجلس مؤلف من رؤساء المجالس البلدية في المحافظة ويتولى السلطة التنفيذية محافظ تعيّنه السلطة المركزية من بين مرشحين يسميهم مجلس المحافظة.
يـ - للسلطة المركزية أن تمارس، بحكم ولايتها الشاملة، بعض الاختصاصات للمحافظ، بموجب قانون".
وختم حنين بالإشارة إلى أن "الإصلاحات المقترحة تبقى غير ذات موضوع إذا لم يستعد لبنان وحدته السياسية والإدارية". وأضاف "لكي يتحقق ذلك يقتضي، بادئ الأمر، أن يبادر رئيس الجمهورية، مع زعماء البلاد وممثلي القوى الحية، إلى عقد مؤتمر وطني للمصالحة وللتوافق على جدول أولويات للقضايا الوطنية الملحة وجوهر الإصلاحات السياسية والدستورية المطلوبة. إن الوثيقة التي يتوصل إليها المؤتمر الوطني يمكن أن تشكّل أساسًا لبرنامج حكومة اتحاد وطني موسّعة تأخذ على عاتقها، في الظروف الانتقالية بدور برلمان مصغر قادر أن يقرر، بمراسيم اشتراعية، القواعد اللازمة لمعالجة القضايا الملحة المتفق عليها. ولعل في رأس هذه القضايا سن قانون لانتخاب جمعية تأسيسية يتضمن الإصلاحات الانتخابية المقترحة آنفًا. وفور استتباب الأمن يجري انتخاب الجمعية التأسيسية التي ستتولى وضع دستور جديد للبنان. والمؤمل أن يتضمن الدستور الجديد الإصلاحات التي يكون المؤتمر الوطني أقرّ خطوطها العريضة في وثيقة، وغيرها من الإصلاحات التي يقترحها أعضاء الجمعية التأسيسية والاحزاب السياسية وأهل الفكر والقانون الدستوري والعلوم السياسية والاجتماعية".
طوال أعوام مرحلة ما قبل الحرب بقيت المبادرات الرسمية خجولة لردم الهوة بين الشعب اللبناني ، رغم أن الحواجز المادية التي قطعت أوصال الوطن اختفت ، بقيت الحواجز النفسية عميقة في نفوس الشعب وبدأت المذهبية تطغى على الفكر اللبناني وتمثّل الأولوية على حساب المواطنية الشاملة وقد ساعدت في ترسيخ هذا المنحى داخل المجتمع اللبناني مصالح الزعامات المحلية في مختلف المناطق والطوائف.
عام 1952 إستقال الرئيس بشارة الخوري تحت ضغط معارضة متعددة الطوائف، رغم أن غالبية أعضاء مجلس النواب كانت تدعمه . في تلك المرحلة كانت سوريا تشهد انقلابها العسكري الثالث.
كانت أزمة 1952 قصيرة الامد وتمّذذت معالجتها في إطار مؤسسات الحكم القائمة ، فانتقلت السلطة سلميًا عبر الانتخابات.
هذه الأزمة تعتبر الاضطراب السياسي الأول الذي واجهه لبنان بعد استقلاله ، ولّدتها ظاهرة الفساد المستشري في إدارة الرئيس بشارة الخوري وتراجع التأييد الشعبي له.
بعد سنوات إندلعت أزمة جديدة في لبنان هي أزمة 1958 وكان بُعدها الخارجي واضحًا. ففي تلك المرحلة بدا جليًا أن لبنان تحوّل في عهد الرئيس كميل شمعون إلى محطة من محطات الحرب الباردة في العالم.
تزامنت أزمة 1958 مع اضطراب داخلي ضرب الأردن عام 1957 وسقوط النظام الملكي في العراق عام 1958.
إثر إفلاس بنك إنترا تأزّم الوضع المصرفي في لبنان وضربته هزّة خطيرة ، تمّ تعيين الرئيس الياس سركيس في 16 حزيران 1967 حاكمًا لمصرف لبنان، فواجه الأزمة بحزم وحكمة وأصدر قانون وضع اليد على المصارف العاجزة وقانون ضمان الودائع والتوقف عن إعطاء التراخيص لإنشاء مصارف جديدة وتشكّلت لجنة العشرين وكلّفت بإعادة النظر في نظام النقد العالمي وكان قد دعي سركيس مندوبًا عن لبنان لدى صندوق النقد الدولي.
في 8 آيار 1976 عقد مجلس النواب جلسة في قصر منصور الواقع بين المتحف والبربير ، حضرها 69 نائبًا رغم تساقط القذائف العشوائية. نال الرئيس سركيس 66 مقابل 3 أوراق بيضاء. وكان رئيس مجلس النواب يومها كامل الأسعد ورئيس الحكومة رشيد كرامي. غاب عن الجلسة 29 نائبًا من بينهم ريمون إده، إدوار حنين، كمال جنبلاط وجميع نواب جبهته باستثناء بهيج تقي الدين والطحيني.
عام 1976 إنعقدت جلسة أول مؤتمر قمة عربي في عهد الياس سركيس أقر فيها المجتمعون دخول قوات الردع العربية إلى لبنان.
في حزيران 1978 جمعت قمة اللاذقية الرئيسين الياس سركيس وحافظ الأسد اللذين أعلنا عن اتفاق مشترك طالبا فيه بتنفيذ قراري مجلس الأمن الدولي 425 و 426 من أجل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإعادة السلطة إلى الشرعية والسيادة اللبنانية إلى الجنوب وتعزيز التنسيق بين الجيش اللبناني وقوات الردع العربية . كذلك شدّد الاتفاق على ضرورة تنظيم العلاقات اللبنانية الفلسطينية مع المحافظة على سلامة لبنان وسيادة أراضيه.
بعد هذه القمة ، عقدت اجتماعات عسكرية لبنانية – سورية – دولية لمناقشة الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب ودخول الجيش إليه بالتنسيق مع الطوارئ الدولية إضافة إلى نشر الجيش في بيروت والمناطق بالتنسيق مع قوات الردع العربية.
في السادس من حزيران 1978 ، أعلنت الجبهة اللبنانية رفضها للاتفاقات المعقودة بين السلطة اللبنانية والمقاومة الفلسطينية منذ اتفاق القاهرة عام 1969 حتى اليوم. فانفجر الوضع عسكريًا في أوائل تموز 1978 إنطلاقًا من الضاحية الجنوبية وصولاً حتى الأشرفية ليطاول كل مناطق بيروت الشرقية.