روحية الشعوب هي ما يقابل بالتسمية عندي شخصية الأفراد.
فعلى نحو ما يتكون للرجل من مجمل ما يرث ويكتسب شخصية يتفرد بها في الناس. هكذا روحية الشعوب تتكون مما يرثون ويكتسبون إن عن طريق مناخ بلادهم الروحي ومناخ بلادهم الإقليمي وإن عن طريق التفاعل والتماذج.
بعضهم من راح يستقرئ روحية الشعوب من خلال أجناسهم وألوانهم. وبعضهم من راح يتلمس روحية الشعوب من خصائص أقاليمهم وبلدانهم. وبعضهم من توقف في تبيّن روحية الشعوب عند الحياة التي يحيونها وفنونهم، مستندين في ذلك إلى تواريخهم وآدابهم وفنونهم. إلى مأكلهم وملبسهم. إلى تقاليدهم وعاداتهم.
فنتج لنا عن كل ذلك علم تعينت له معالم وحدود، وارتسمت له قواعد وأصول. وكاد أن يصير الرأي واحدًا في البيض والسود في الآريين والساميين في الأوروبيين والآسيويين، في الفرنسيين واليهود، في الشاطئيين والجبليين والصحراويين.
أما نحن وليس من علم العلماء ما يمكننا أن نمعن في بحاهم فقد حاولنا أمس ان نقعد الشخصية اللبنانية على ما تراءى لنا أنه قواعدها وها نحن اليوم نحاول مستعينين بتاريخ اللبنانيين بتقاليدهم وعاداتهم وبمجمل مظاهر حياتهم ان نعين أبرز ما يظهر لنا من ظاهرات روحية لبنانية وشخصية اللبنانيين.
وسنقصر الكلام اليوم على ظاهرة من تلك الظواهر التي تجمد في رأينا أبرز ما في الشخصية اللبنانية من خطوط.
أريدني إذا ما وجدت إلى ذلك سبيلاً مالكًا نفسي عن الانسياق وراء ما صار في الدارج من انتحال المكارم والامجاد ثم التفاخر بها ادعاء. فالتبجح على غير حق.
وأريدني بعد هذا لإلفات وهو أن روحية الشعوب تظهر تتألق وتخبو على نحو ما تظهر الشموس في الأبكار وتتألق في الاظهار وتخبو في العشيات، بيد أنها تبقى مستمرة الوجود مهما تألبت عليها الأعراض وأحاطت بها الظلمات.
فإذا ما جئنا في سياق الحديث على ذكر ما لا تجودن له أثرًا في الحاضر او ما تجدون له أثرًا خافيًا فليس في ذلك ما يعني اننا نزور على الحقيقة أو نحمّل الحقيقة فوق ما تحتمل.
وبعد فها نحن والموضوع وجهًا إلى وجه.