إدوار حنين
المفكر والسياسي
السيرة الذاتية أرشيف الصور أرشيف الأفلام ارشيف الصوت
 

إدوار حنين السياسي والمشرع

قراءة في تاريخ لبنان في بدايات القرن العشرين

قراءة في تاريخ لبنان في بدايات القرن العشرين
ليس الهدف من هذا البحث وضع دراسة مسهبة للصراعات الدولية التي أدّت في نهاية الحرب العالمية الأولى إلى سقوط سلطنة بني عثمان وإلى اقتسام ولاياتها العربية بين الحلفاء المنتصرين تحت غطاء نظام الانتداب.
حسبنا رسم الخطوط الكبرى لأوضاع الشرق الأوسط خلال تلك الحقبة والتوقف فقط عند بعض المحطات، محاولين إلقاء أضواء جديدة عليها، إستنادًا إلى الدراسات الحديثة المخصصة لتاريخ تلك المنطقة وإلى بعض ما يحتوي الأرشيف الأوروبي من وثائق لها علاقة مباشرة بموضوعنا.
تعتبر السنوات الممتدة من 1914 حتى 1920 منعطفًا أساسيًا في تقرير مصير المشرق العربي.
ولكن ما حصل خلالها يشكّل امتدادًا طبيعيًا للتحولات التي عرفتها السلطنة العثمانية منذ عهد التنظيمات وللهيمنة الأوروبية عليها.
لذا سنعالج بإيجاز:
في القسم الأول من بحثنا، المنحى الخطر الذي آلت إليه العلاقات، في مطلع القرن العشرين، بين تلك السلطنة والدول الأوروبية، سنكرّس القسم الثاني لسنوات الحرب وللصراع العلني بين الحلفاء على تركة «الرجل المريض» وسندرس أخيرًا في الثالث مرحلة الحسم التي تمتد على سنتين تقريبًا:
تبدأ بتاريخ انهيار دولة بني عثمان في تشرين الثاني 1918 وتنتهي بولادة دولة لبنان الكبير في 31 آب 1920.
المضائق، قناة السويس والخليج:
مناطق تصادم المصالح الأوروبية.
تمحور الصراع في البدء بين الدول الكبرى حول منطقتين حسّاستين:
المضائق وقناة السويس.
وكانت روسيا منذ عهد بطرس الأكبر تنظر بجشع إلى المضائق وإلى القسطنطينية عاصمة الأورثوذكسية.
وقد ازداد ضغطها في القرن التاسع عشر إذ خاضت ضد العثمانيين ثلاث حروب خطيرة:
الأولى في عامي 1828 – 1829 وأدّت إلى استقلال بلاد اليونان، الثانية بين 1854 و1856 وهي حرب القرم الدامية، الثالثة في سنتي 1877 – 1878 وقد وصلت خلالها الجيوش الروسية إلى أبواب العاصمة العثمانية وفرضت على الباب العالي اتفاقية سان ستيفانو المذلّة.
ولكن في كل مرّة كانت الدول الأوروبية الأخرى تتدخّل إما عسكريًا، كما فعلت في حرب القرم، وإما دبلوماسيًا، كما فعلت عام 1878 في مؤتمر برلين، لتُنقِذ السلطان من مخالب القيصر، وذلك خوفًا من أن يسيطر هذا الأخير على الحوض الشرقي للمتوسط.
كانت بريطانيا أكثر الدول تصلّبًا تجاه روسيا، وكان الباب العالي يرى في حكومة لندن المدافع الأول عن كيان السلطنة وعمّا تبقّى لها من ممتلكات.
ليس الهدف من هذا البحث وضع دراسة مسهبة للصراعات الدولية التي أدّت في نهاية الحرب العالمية الأولى إلى سقوط سلطنة بني عثمان وإلى اقتسام ولاياتها العربية بين الحلفاء المنتصرين تحت غطاء نظام الانتداب.
حسبنا رسم الخطوط الكبرى لأوضاع الشرق الأوسط خلال تلك الحقبة والتوقف فقط عند بعض المحطات، محاولين إلقاء أضواء جديدة عليها، إستنادًا إلى الدراسات الحديثة المخصصة لتاريخ تلك المنطقة وإلى بعض ما يحتوي الأرشيف الأوروبي من وثائق لها علاقة مباشرة بموضوعنا.
تعتبر السنوات الممتدة من 1914 حتى 1920 منعطفًا أساسيًا في تقرير مصير المشرق العربي.
ولكن ما حصل خلالها يشكّل امتدادًا طبيعيًا للتحولات التي عرفتها السلطنة العثمانية منذ عهد التنظيمات وللهيمنة الأوروبية عليها.
لذا سنعالج بإيجاز:
في القسم الأول من بحثنا، المنحى الخطر الذي آلت إليه العلاقات، في مطلع القرن العشرين، بين تلك السلطنة والدول الأوروبية، سنكرّس القسم الثاني لسنوات الحرب وللصراع العلني بين الحلفاء على تركة «الرجل المريض» وسندرس أخيرًا في الثالث مرحلة الحسم التي تمتد على سنتين تقريبًا:
تبدأ بتاريخ انهيار دولة بني عثمان في تشرين الثاني 1918 وتنتهي بولادة دولة لبنان الكبير في 31 آب 1920.
لذا تنازل السلطان طوعًا للإنكليز عن جزيرة قبرص بعد مؤتمر برلين، ليكونوا على مقربة من المضائق وليراقبوا تحركات الروس في تلك المنطقة.
بعد أن انجزت ألمانيا وحدتها، أخذت بدورها تعير منطقة البلقان أهمية كبرى، فدفع بسمارك أولاً بالنمسا باتجاه الشرق ثم نصّب نفسه محاميًا عن وحدة الإمبراطورية العثمانية وعن حرية الملاحة في المضائق.
ارتاح عبد الحميد لموقف حكومة برلين المستجد، فاستعان بخبراء ألمانيين لإعادة تنظيم الجيش والإدارة.
وقد أبدى هؤلاء مقدرة وفعالية فائقتين في عملهم.
في تلك الظروف وُلد مشروع الخط الحديدي بين برلين وبغداد وقد حصلت شركة ألمانية على امتياز الجزء الأول منه عام 1888.
بعد استقالة بسمارك، تابع غليوم الثاني السياسة نفسها.
قام عام 1898 بزيارة عبد الحميد في اسطنبول، ثم انتقل إلى فلسطين فدمشق حيث ألقى خطبة في السابع من تشرين الثاني أعلن فيها نفسه صديقًا للثلاثمائة مليون مسلم المنتشرين في العالم.
أثارت سياسة غليوم الثاني هذه حفيظة بريطانيا وزادت من خشيتها من أن تصل ألمانيا عبر الخط الحديدي إلى منطقة الخليج ومن ثم إلى الهند.
كانت بريطانيا قد أحكمت قبضتها على المداخل الجنوبية للمتوسط بعد أن استولت على مضيق جبل طارق عام 1704 ثم على مالطة عام 1801 فقبرص عام 1878 وأخيرًا على مصر عام 1882.
لذا رأت أن مصلحتها تقضي التخلّي عن سياستها التقليدية تجاه العثمانيين والتنسيق مع القيصر لدرء الخطر الألماني.
قد أدى هذا التوجّه الجديد عام 1907 إلى ولادة الحلف الثلاثي الذي ضمّ فرنسا وروسيا وبريطانيا.
كانت حكومة لندن قد اتخذت عددًا من الإجراءات لمنع خط برلين – بغداد من النفاذ إلى منطقة الخليج، فعقدت عام 1899 اتفاقًا مع أمير الكويت تعهّد هذا الأخير بموجبه بعدم السمّاح للشركة الألمانية ببناء المحطة الأخيرة لهذا الخط في أراضيه دون موافقة الإنكليز.
وكانت الكويت، على عكس الساحل العراقي الضيّق حيث يصبّ شط العرب، تشكّل على الخليج المنطقة الوحيدة الملائمة لبناء مثل هذه المحطة.
عندما اندلعت الحرب العالمية الأول، فصلت بريطانيا الكويت نهائيًا عن الإمبراطورية العثمانية وفرضت عليها حمايتها وهكذا فعلت بقبرص وبمصر.
الهيمنة الاقتصادية والثقافية على السلطنة.
إن الضعف العسكري والسياسي الذي أصاب دولة بني عثمان رافقه شلل اقتصادي بلغ ذروته في عهد عبد الحميد الثاني وتزامن مع الهجمة الإمبريالية الاوروبية على العالم.
فكانت السلطنة إحدى ضحاياها.
أخذ الأوروبيون يمدّون الباب العالي بالقروض ويوظفون رؤوس أموالهم في المشاريع العامة والخاصة.
نذكّر هنا بأن حصّة فرنسا من الدين العام العثماني كانت تفوق الستين بالمئة.
وبان أموالها الموظفة داخل السلطنة بلغت، قبيل اندلاع الحرب الكبرى، 53% من مجموع الاستثمارات الأجنبية.
ونشير أيضًا إلى أن فرنسا، ابتداء من عام 1911، أخذت توجّه توظيفاتها بصورة أولية، إلى الولايات السورية وإلى متصرفيّة جبل لبنان.
بالإضافة إلى هذه الهيمنة الاقتصادية، فقد بسط الأوروبيون نفوذهم على القطاع التعليمي.
ففي عام 1914، كانت المدارس الفرنسية المنتشرة في ولايات السلطنة الآسيوية وفي مصر تعدّ تسعين ألف طالب، مقابل 23500 طالب للمدارس الانكلو – أميركية.
وقد حافظت فرنسا، إلى جانب ذلك، على حقّها في حماية كاثوليك الشرق وفي حماية الأماكن المقدّسة في فلسطين.
عشية اندلاع الحرب العالمية الأولى، كانت الدول الإمبريالية قد أحكمت قبضتها على ما تبقّى من ممتلكات للدولة العثمانية، فتقاسمتها وحوّلتها إلى مناطق نفوذ اقتصادي، فكانت الولايات السورية مع سنجق القدس ومتصرّفية جبل لبنان من نصيب فرنسا.
فشل التنظيمات.
إن الهجمة الإمبريالية على السلطنة العثمانية أتت كنتيجة للتفكك الداخلي وللوهن اللذين أصاباها ولم تكن سببًا لهما.
يضاف إلى ذلك أن برامج الإصلاح المعروفة بالتنظيمات والتي نادت بالمساواة بين الرعايا دون النظر إلى العرق أو الدين أو المذهب، بقيت بمجملها حبرًا على ورق، وظلّت صبغة الدولة إسلامية وظل العرق التركي هو المسيطر.
وبعد أن اعتمد عبد الحميد على الرابطة الدينية واضطهد الأقليات غير الإسلامية، لا سيما الأرمن، قام الاتحاديون من بعده بتطبيق سياسة عنصرية جعلت الشعوب غير الطورانية، ومن بينها العرب، تنفر من حكمهم.
بالإضافة إلى العدالة والمساواة، هدفت التنظيمات إلى إصلاح أوضاع السلطنة وإدخال الحداثة إليها.
ولكن التحسّن البسيط الذي أصاب بعض القطاعات أتى مخيّبًا للآمال، لذا قام عدد من المفكّرين يفتشون عن حلول جديدة تخرج شعوب الإمبراطورية من التخلّف والسبات، وكان مبدأ القومية المعتمد في أوروبا قد توغّل داخل الدولة العثمانية وفرض نفسه كأحد الحلول الممكنة.
تجدر الإشارة هنا إلى أن التيار الإصلاحي نشط بشكل خاص في بيروت حيث برزت الجمعية الإصلاحية البيروتية، وكان قسم من أعضائها يسعى للحصول على الاستقلال الإداري بدعم من أوروبا.
بينما هال بعض المنتسبين إليها من المسيحيين التنكيل الذي كان يتعرّض له النصارى العثمانيون، لا سيما بعد حرب البلقان، فأخذوا يتّصلون سرًا بممثلي فرنسا مطالبين بإلحاق مدينتهم بيروت بالجبل وبفرض الحماية الفرنسية على كافة الولايات السورية.
نذكّر هنا بأن فكرة الاستقلال عن السلطنة قديمة في لبنان، تعود إلى عهد الإمارة المعنية، وقد ترسّخت خلال حكم بشير الثاني وتبلورت في عهد المتصرّفية، وقد ساعد على ظهورها عدد من العوامل أهمها التركيبة السكانية المعقّدة والفريدة وطبيعة التضاريس والموقع الجغرافي المميز.
الحرب ومصير الشرق الأوسط:
أضواء جديدة على الصراع بين الحلفاء.
عندما اندلعت الحرب قرّر الحلفاء وضع حد نهائي للمسألة الشرقية بتجزئة الأراضي العثمانية، فكانت موجة الاتفاقيات السرية، وما يهمّنا منها هي اتفاقية سايكس بيكو التي أُبرمت عام 1916 والتي نصّت على اقتسام الولايات العربية بين فرنسا وبريطانيا في نهاية الحرب، فيكون لبنان مع الساحل السوري وكيليكيا من نصيب فرنسا وجنوب العراق من نصيب بريطانيا وفلسطين تحت إشراف دولي.
أما الداخل فيحكمه العرب ويقسم بدوره إلى قسمين:
- في الشمال منطقة «أ» وتكون تحت النفوذ الفرنسي، - وفي الجنوب منطقة «ب» وتكون تحت النفوذ البريطاني.
إلى جانب تلك الاتفاقية هناك المراسلات التي تبودلت في عامي 1915 و1916 بين الشريف حسين والمفوّض البريطاني في مصر، هنري مكماهون، وقد تعهّد فيها هذا الأخير، باسم حكومته، مساعدة العرب على بناء دولة مستقلّة إن هم ثاروا على الترك؛ هناك أخيرًا وعد بلفور الذي صدر عام 1917 وقد تعهّدت فيه لندن العمل على إنشاء الوطن القومي للشعب اليهودي في فلسطين.
أما اتفاقيتا القسطنطينية (1915) وسان جان دي موريان (1917) اللتان نصّتا على تجزئة {سيا الصغرى، فقد سقطتا بعد انسحاب البولشفيك من القتال وتوقيعهم صلح برست – ليتوفسك مع الدول الوسطى في ربيع 1918 وبعد أن تصدّى مصطفى كمال للحلفاء ولمعاهدة سيفر ورفض أن تمس وحدة الأناضول.
وكانت فرنسا الدولة الوحيدة القادرة على الوقوف في وجه المخططات البريطانية في فلسطين وذلك لاعتبارات لا مجال للتوقف عندها في هذه الدراسة.
التنافس على سورية ولبنان في المحادثات التي مهّدت لاتفاقية سايكس – بيكو حاول المفاوضون الإنكيز ان يبعدوا الفرنسيين عن لبنان بهدف إضعاف وجودهم في المتوسط الشرقي بعد الحرب.
ففي أول جلسة عقدها بيكو في لندن، في 21 كانون الأول 1915، مع ممثلي الحكومة البريطانية، أصرّ هؤلاء على أن لا تتعدّى المنطقة التي ستقع تحت الحماية الفرنسية المباشرة الساحل السوري الممتد من الإسكندرونة حتى طرطوس، على ان تلحق المناطق الأخرى بما فيها الساحل اللبناني والجبل، بالدولة العربية التي سيحكمها الشريف حسين.
رفض بيكو هذا الاقتراح مؤكدًا أنّه لا يجوز أن يعاد لبنان إلى الوراء بعد أن تمتّع بإدارة ذاتية تحت الحكم التركي، وأن اللبنانيين لن يقبلوا بالتخلّي عن وضعهم المميز ولا بالتراجع عن مطلبهم الحيوي وهو ضم بيروت وطرابلس والبقاع إلى الجبل.
تابع بيكو قائلاً إن الأتراك عندما رسموا حدود المتصرفية وحصروها في المنطقة الجبلية الصخرية الوعرة كانوا يهدفون إلى تهجير السكان وقد نجحوا في ذلك.
جرت المفاوضات اللاحقة فقط بين سايكس وبيكو، وقد استطاع ممثل فرنسا أن يقنع زميله الإنكليزي بوجهة نظره.
فوضعا سوية نص الاتفاقية التي عُرفت باسميهما.
تعتبر هذه الاتفاقية في نظرنا تراجعًا تكتيكيًا لبريطانيا أمام حليفتها ومنافستها فرنسا.
لم يتردد عدد من المسؤولين البريطانيين في التصريح علنًا أنها حل دبلوماسي مؤقت وانها ستعدّل حتمًا في المستقبل.
التطلعات الإمبريالية الجديدة لبريطانيا.
في كانون الأول 1916، انتقلت السلطة في لندن إلى حكومة إئتلافية يترأسها لويد جورج.
فقررت هذه مضاعفة مجهودها الحربي في منطقة الشرق الأوسط، وقد تزامن انتقال المسؤولية إليها مع ثورة شباط في روسيا.
خشي البريطانيون انسحاب الجيش الروسي من القتال، لذا اقترحوا على حكومة اسطنبول عقد صلح منفرد، من شروطه استقلال الحجاز ووضع العراق وفلسطين تحت الحماية البريطانية وإعطاء مصر وأرمينيا حكمًا ذاتيًا.
رفض الاتحاديون هذه الشروط واستمرت الحرب بين الدولتين.
في نيسان 1917، أوكلت حكومة لويد جورج إلى لجنة خاصة من أعضائها البارزين اللورد كورزون والجنرال سمطس، وضع دراسة حول المقاطعات التي يجب أن تلحق بالإمبراطورية البريطانية في نهاية الحرب.
رفعت هذه اللجنة تقريرها إلى الحكومة في الأول من آيار 1917، وقد طالبت فيه بوضع فلسطين والعراق تحت الرقابة البريطانية وتعديل اتفاقية سايكس بيكو بشكل يجعل من فلسطين محمية إنكليزية تمتد حدودها حتى نهر الليطاني وحتى شمال حوران.
بعد هذا التقرير حدث تحوّل جذري في سياسة لندن تجاه الشرق، فولدت عند بعض المسؤولين فكرة ربط مصر والعراق بشبكة من الخطوط الحديدية وإخضاع المنطقة بكاملها للسيطرة البريطانية المباشرة أو غير المباشرة، واقتلاع فرنسا نهائيًا منها.
هنا بدأ صراع علني بين الدولتين كان مسرحه في بادئ الأمر فلسطين.
فلسطين، أول امتحان لصدق النوايا.
كانت الحكومة الفرنسية قد اتخذت الإجراءات اللازمة منذ ربيع 1917 للمشاركة ولو بقوات رمزية في الهجوم على فلسطين وقد جعلت من بور سعيد قاعدة خلفية لها، وعيّنت الكولونيل دوبييباب قائدًا للفرقة الفرنسية التي سترافق الجيش البريطاني في زحفه نحو الشمال، كما عينت فرنسوا جورج – بيكو مندوبًا لها في فلسطين وسوريا.
في خريف 1917 شنّ اللنبي هجومه المرتقب انطلاقًا من مصر واستولى على القدس في التاسع من كانون الأول.
وتقيدًا للتوجيهات التي تلقّاها من حكومته، حاول بيكو ان يتصرّف في فلسطين كممثل رسمي لبلاده وأن يشارك في إدارة الأراضي المحتلة وأن يعيد لفرنسا المكانة التي كانت لها قبل الحرب كحامية للأماكن المقدسة المسيحية.
لكنه اصطدم بعدد من العقبات أهمها التصدي العنيد الذي واجهه به الإيطاليون وكانوا هم أيضًا يشاركون بفرقة رمزية في الحملة على فلسطين.
كانت إيطاليا تسعى آنذاك لتحل محل فرنسا في حماية الأراضي المقدّسة ولا سيما أن باريس كانت على خلاف عميق مع الكنيسة الرومانية وقد ادّى هذا الخلاف إلى فصل الدين عن الدولة وإلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع الكرسي الرسولي.
لذا لم يدعم البابا موقف فرنسا في فلسطين.
بالإضافة إلى هذه الصعوبات التي كانت تخدم الأهداف الإنكليزية فإن القائد العام للقوات الحليفة الجنرال اللنبي، منع بيكون عن التدخّل بشؤون الإدارة المحلية وبشؤون الأراضي المقدّسة، ورفض أن يعترف به ممثلاً لفرنسا في فلسطين، وأفهمه أنّه يعتبره مستشارًا له، ليس إلا.
وهدده، إن هو لم يرضخ لأوامره، بإبعاده عن القدس إلى يافا.
ثارت ثائرة جورج بيكو وأدرك أن ما حصل في فلسطين هو مقدمة لما سيحصل في سوريا ولبنان، إن تابعت الجيوش البريطانية زحفها نحو الشمال، وأن فرنسا قد خسرت مكانتها في الشرق وأن اتفاقية 1916 لا قيمة لها إن لم تدعمها قوى مسلّحة على الأرض.
لذا، أخذ يرسل البرقية تلو الأخرى، يطلب من حكومته زيادة عدد أفراد الفرقة الفرنسية العاملة في فلسطين ويصف الوضع بأنه مأساوي، وقد تجاوب وزير الخارجية بيشون مع بيكو وكتب مرارًا إلى زميله وزير الحربية بهذا الشأن.
لكن القيادة العسكرية كانت منهمكة في القطاع على الجبهة الغربية، فأهملت الموضوع وترددت في فصل قوات إضافية لترسل إلى الشرق الأوسط.
في العشرين من كانون الثاني 1918، أبرق بيكو إلى حكومته يقول:
«لا نستطيع أن نحافظ على حقنا في الحماية الدينية في الشرق ونقطع في الوقت نفسه علاقاتنا مع الكرسي الرسولي.
لا نستطيع أن نحكم فلسطين وأن نكتفي من أجل ذلك بإرسال مفوّض سام يرافقه معاونان اثنان فقط.
لا نستطيع أن ننفذ اتفاقيات كالتي توكل إلينا الإشراف على إدارة سوريا وإرمينيا وان نترك لسوانا عملية تحرير شعوب هذه البلدان، علينا أن نختار (.
) نحن معرضون في الوقت الحاضر لهزيمة وعلينا أن نرضخ للواقع وأن نعي الهزائم اللاحقة.
غدًا سنخسر نفوذنا في فلسطين، ولكن بعد غد سنخسره في سوريا (.
) وإذا لم تعمل الحكومة على تغيير الوضع العسكري القائم فمن الأفضل أن يوضع حد لوجود بعثتنا لأن هذا الوجود أصبح بلا فائدة».
يعبر هذا النداء اليائس عن حقيقة الوضع على الأرض ولكن العاصفة هدأت نسبيًا ابتداء من شهر آذار 1918 حيث قبل الكرسي الرسولي بعد أن ضغط عليه بعض الأساقفة الفرنسيين بتجميد مسألة الأماكن المقدّسة حتى نهاية الحرب وطلب من الرهبانيات الكاثوليكية الاعتراف من جديد بالامتيازات التي كان يتمتع بها ممثل حكومة باريس.
لكن موقف الكرسي الرسولي المبدئي لم يتغيّر:
إن الحماية الفرنسية بنظره قد زالت مع زوال الحكم التركي.
ويبدو أن البابا كان يميل إلى إيكال أمر الإشراف على فلسطين إلى الحكومة البلجيكية.
اما الفرقة الفرنسية فرفض الإنكليز زيادة عدد أفرادها بحجة أن القيادة العامة في فلسطين تفتقر إلى وسائل النقل وإلى المؤن فلا يمكنها بالتالي استقبال قوات إضافية.
في النهاية ألانت لندن موقفها.
ألحق الفرنسيون عناصر جديدة بفرقتهم فارتفع عدد رجالها من 3675 إلى مايقارب 7000.
اما البريطانيون فكانوا يحشدون اكثر من مئتي ألف مقاتل على الجبهة نفسها.
الحلفاء يطلعون الحسين على مضمون اتفاقية سايكس – بيكو.
على رغم مشاركتها المحدودة في القتال على الجبهة الفلسطينية السورية، ظلت فرنسا متمسكة باتفاقية سايكس بيكو وما كانت تسميه «حقوقها التاريخية في سوريا».
في مطلع 1917 قررت حكومتا لندن وباريس إرسال كل من مارك سايكس وفرنسوا جورج بيكو إلى الحجاز ليطلعا الحسين على مضمون الاتفاقية المعقودة بينهما.
فوصلا إلى جدّة في 18 آذار 1917 واجتمعا في اليوم التالي بالملك وتبع هذا اللقاء الاول لقاءات اخرى شارك في معظمها الأمير فيصل.
بعد خمسة أيام من المفاوضات أبرق بيكو إلى حكومته يقول:
«إن الملك يعرف الآن مضمون اتفاقيتنا ولم يبد متأثرًا إلى الحد الذي كنّا نخشاه.
إن المنطقة الأرمنية الواقعة إلى الشمال من الأسكندرونة وأورفا لا تهمه.
يمكننا منذ الآن أن نقول إن الدور الفرنسي في سوريا سيكون في خطوطه الكبرى شبيهًا بالدور الإنكليزي في العراق.
سنتعاون مع ممثلي الملك في المناطق الإسلامية من سوريا، بواسطة مستشارين.
اما المناطق المسيحية فإن استولينا عليها قبل نهاية الحرب فسننشئ فيها دولة تكون تحت حمايتنا».
بعد أن اطلع وزير الخارجية الفرنسية على برقية بيكو، طلب إليه أن يعهد إلى شرشلي، ممثل فرنسا في الحجاز، أن يوضح للحسين ما المقصود بعبارة «المناطق الإسلامية من سوريا» التي استُعملت خلال المحادثات وأن يؤكد له أن هذه التسمية تنطبق فقط على المناطق الداخلية، أي على منطقة «أ» من اتفاقية سايكس بيكو ولا تنطبق على المنطقة الزرقاء أي الساحل وكيليكيا.
فما كان من جورج بيكو إلا أن أبرق إلى شرشلي في 13 حزيران 1917 يقول:
«خلال محادثاتي الأخيرة مع ملك الحجاز، أطلعته على اتفاقيتنا المتعلقة بالولايات الآسيوية العربية.
قلت له إننا سنحتفظ بحرية التصرّف في المنطقة الساحلية حيث سننشئ دولة لبنان الكبير تحت الحماية الفرنسية وأبلغته أن الشرط الأساسي لتعاوننا مع العرب في المناطق الداخلية من سوريا هو تعيين مستشارين فرنسيين في مختلف الإدارات يتمتعون بسلطة إجرائية وذلك لمدة محدودة».
ثم يطلب بيكو من شرشلي أن ينتهز الفرصة أن يستعمل الحسين أمامه عبارة «سوريا الإسلامية» ليفهمه أنّها تعني المنطقة الداخلية لا الساحل.
هكذا ظن الفرنسيون أن الأمور أصبحت واضحة بالنسبة إلى العرب وأنهم يستطيعون في المستقبل تنفيذ اتفاقية سايكس بيكو.
لكن بعض المسؤولين الإنكليز كانوا يضعون خططًا متناقضة.
أما لورنس فقد أقنع فيصلاً بأن أفضل وسيلة للتخلص من تلك الاتفاقية تكمن في توطيد التحالف مع بريطانيا لأن هذه الاخيرة في نهاية الحرب «ستخجل ولن تلجأ إلى السلاح لإزاحة أحد حلفائها إن هو وقف في وجه الاتفاقية».
السلطة في دمشق بين الجزائريين والفيصليين.
في 19 أيلول 1918، أحرز اللنبي ((Allenby انتصاراً حاسماً على الجيش العثماني في فلسطين، ودفع بقواته نحو الشمال.
فغادر الأتراك دمشق وبيروت في 30 أيلول وألّف الأمير سعيد الجزائري وأخوه عبد القادر في العاصمة السورية حكومة مؤقتة باسم الشريف الحسين، وحذا حذوهما عمر الداعوق في بيروت.
أبرق الجزائري إلى البطريرك الماروني يطلب منه تأليف حكومة عربية في الجبل.
تريّث البطريرك في اتخاذ موقف وأرسل يستشير الفرنسيين في جزيرة إرواد، فكان جوابهم:
«إننا قادمون».
في الأول من تشرين الأول وصلت إلى دمشق فرقة من جيش اللنبي وتبعتها قوات عربية يقودها الشريف ناصر يرافقه الضابط الإنكليزي لورانس.
نصّب هذا الأخير نفسه ممثلاً لفيصل وعزل الأميرين الجزائريين بعد صدامات مع انصارهما في الشوارع وعيّن مكانهما رضا الركابي حاكمًا عسكريًا على المدينة.
في الحقيقة كان لورانس وعملاء الإنكليز عمومًا ومؤيدو فيصل يخشون أن تفلت السلطة في دمشق من أيديهم خصوصًا وأن الأخوين الجزائريين، حفيدي عبد القادر الكبير، كانا يشكلان خصمين خطيرين للهاشميين.
فأسرتهما الكريمة النسب وتاريخ جدهما العريق ومكانتهما في العالم الإسلامي ووزنهما السياسي في سوريا وعلاقاتهما الطيّبة بفرنسا كانت تخوّلهما الطموح إلى الحكم والوقوف في وجه المخططات الإنكليزية – الحجازية، وهذا ما دفع بلورانس إلى الإسراع في التخلّص منهما.
أما فيصل فلم يشعر بالطمأنينة إلا بعد أن قتل رجاله الأمير عبد القادر في 9 تشرين الثاني 1918 ونفوا أخاه سعيدًا إلى فلسطين.
في تلك الأثناء كان جورج – بيكو يفاوض البريطانيين في لندن حول مستقبل الأراضي العربية المحتلة.
كان السفير الفرنسي كامبون، بعد أن تلقّى تعليمات من حكومته قد طلب من الإنكليز أن يتعهّدوا باحترام اتفاقية 1916.
وقد صدر عن بلفور، في 23 أيلول، وعد رسمي بهذا الخصوص.
أخيرًا في 30 أيلول، عقدت الحكومتان اتفاقًا بشأن الإدارة المؤقتة للولايات السورية حددتا فيه الدور الذي يعود إلى كل منهما.
في 3 تشرين الأول دخل دمشق كل من اللنبي وفيصل والكابيتن كولوندر نائب جورج – بيكو، ففوجئ الثلاثة بالإجراءات التي اتخذها لورانس.
اعترف اللنبي بالركابي حاكمًا عسكريًا على منطقتي «أ» و»ب» من اتفاقية سايكس – بيكو ولكنه اوضح أنّه يحتفظ لنفسه بالقيادة العليا في كافة الأراضي المحتلة وأن العلاقات بينه وبين الحكومة المحلية تتم بواسطة ضابطي ارتباط، أحدهما إنكليزي والثاني فرنسي.
غادر اللنبي دمشق بسرعة وعاد إلى فلسطين.
اما فيصل فقرر، ومن المرجح بإيعاز من لورانس، إرسال شكري الأيوبي إلى بيروت.
وحين وصل هذا الأخير أعلن أن الولاية الساحلية تعتبر جزءًا من الدولة العربية وأنها تابعة لحكومة دمشق.
ثم زار بعبدا حيث دعا مجلس الإدارة إلى الاجتماع وأوكل إلى حبيب باشا السعد تأليف حكومة مؤقتة في الجبل باسم ملك الحجاز.
حاول كولوندر أن يتصدّى للترتيبات التي اعتمدتها حكومة دمشق، فاتصل أولاً بالجنرال الإنكليزي كلايتون، المسؤول عن الشؤون السورية، وطلب منه أن يتدخل شخصيًا ليمنع فيصلاً عن تعيين حكام في المنطقة الساحلية، إذ إن هذا الحق ينحصر باللنبي وحده.
تحاشى كلايتون الخوض في هذا الموضوع.
فاجتمع كولوندر شخصيًا بفيصل محتجًا على إرساله الأيوبي إلى بيروت دون أن يكون للقائد العام علم بذلك.
أجاب الأمير أن هدفه من ذلك هو طرد الأتراك من الأراضي العربية وأنّه اعتبر نفسه مخولاً اتخاذ إجراء كهذا لأن اللنبي سبق له ووافق على تعيين الركابي حاكمًا على دمشق.
أبلغ كولوندر وزارة الخارجية الفرنسية جواب الأمير وأكد أن فيصلاً وأتباعه يحاولون وضع الحلفاء في المنطقة الساحلية أمام الأمر الواقع كما فعلوا في الداخل.
لم يكتف كولوندر بذلك بل ألحّ على حكومته بالإسراع في إرسال قوات فرنسية إلى المنطقة الزرقاء من اتفاقية 1916، ثم غادر إلى فلسطين حيث استقبله اللنبي وطمأنه إلى أن الحكّام الذين عيّنهم فيصل في المدن الساحلية سيُعزلون قريبًا.
اعتبرت فرنسا أن اتفاق 30 أيلول يشكّل نقطة انطلاق جديدة في علاقاتها مع بريطانيا في الشرق وكذلك في علاقاتها مع فيصل والحكومة السورية.
فبدأت بعد ذلك عملية صراع بين خمسة قوى تحاول كل منها فرض خياراتها، هذه القوى هي بريطانيا وفرنسا وفيصل مع جماعته والتيارات الوطنية السورية المتصلّبة وأخيرًا التيار اللبناني الاستقلالي.
مرحلة الخيارات الصعبة:
تشرين الأول 1918 – أيلول 1920.
ابتداءً من تشرين الأول 1918 أخذت الأمور تتشابك والصراعات تحتدم.
لن نعالج كل النواحي التاريخية لهذه الحقبة، سنمسك فقط ببعض الخيوط المتعلّقة بموضوع بحثنا وسنتتبّعها متوقفين عند ست محطات نعتبرها أساسية لرسم الإطار الدولي لولادة لبنان الكبير.
تمركز الفرنسيين في المنطقة الساحلية وفي متصرفية جبل لبنان.
على أثر الاتصالات المكثّفة التي جرت بين لندن وباريس أرسل الفرنسيون إلى بيروت قطعًا من أسطولهم بقيادة الإميرال فارنيه، فأنزلت هذه، في 7 تشرين الأول، بعض القوات إلى البر.
وبعد يومين وصلت فرقة بريطانية قادمة من فلسطين يرافقها الكولونيل دي بياباب.
ثم نقل الفرنسيون قوات إضافية من حيفا إلى بيروت عن طريق البحر، ولكن القسم الأكبر من أفراد المفرزة العاملة في فلسطين لم يصلوا إلى المدينة إلا في العشرين من الشهر.
اما الأيوبي، فمُنع من الدخول إلى سراي الحكومة وطُلب منه مغادرة البلاد، ولما لم يمتثل للأمر هدّده الجنرال الإنكليزي بلفين باستعمال القوة ضدّه، فرضخ.
بعد انسحابه، سلّمت كل المراكز الإدارية في المنطقة الساحلية إلى ضباط فرنسيين.
في تلك الظروف، أبلغ اللنبي فيصلاً أن سهل البقاع سيلحق بلبنان.
ثم أعلن القائد الأعلى، في 23 تشرين الأول، التقسيم الرسمي المؤقت للأراضي المحتلة، فأوكل بإدارة المنطقة الشرقية، أي سوريا الداخلية، إلى فيصل، وبالمنطقة الجنوبية، أي فلسطين، إلى البريطانيين، وبالساحل حتى الاسكندرونة مع جبل لبنان وسهل البقاع إلى الفرنسيين.
بعد يومين توجّه دي بياباب إلى بعبدا حيث أعلن أن المتصرفية أصبحت كباقي المناطق خاضعة للحكم العسكري، وقد وُلّيَ عليها الكومندان بوشير.
على الرغم من تلك الإجراءات، ظلّت الأجواء مشحونة إذ تابع مؤيدو الوحدة السورية الدعاية للأمير الحجازي.
وقد وقع أول حادث مسلّح في 19 تشرين الثاني في بيروت بين الشرطة المحلية والقوات الفرنسية أسفر عن سقوط أربعة قتلى وستة عشر جريحًا.
وفي دمشق، كانت الحكومة في تصرفاتها اليومية تظهر الإزدراء لضباط الارتباط الفرنسيين.
أما البريطانيون فبدأوا يستعدّون لتعديل اتفاقية سايكس – بيكو بشكل يخدم مخططاتهم الجديدة.
صراع الكبار وانتظار الصغار، عشرة أشهر من المفاوضات والمماطلة:
كانون الأول 1918 – تشرين الأول 1919.
قبل أن ينعقد مؤتمر الصلح، التقى لويد جورج في العاصمة البريطانية بزميليه كليمنصو وأورلندو.
كان الهم الأكبر لرئيس الوزراء الفرنسي تأمين الدعم البريطاني لبلاده ضد ألمانيا خلال مفاوضات السلام.
وقد انتهز لويد جورج الفرصة ليطلب من كليمنصو، فيلقاء جانبي، التخلّي للإنكليز عن الموصل وعن فلسطين.
قبل كليمنصو بذلك لأنه لم يكن باستطاعته، في تلك الظروف، الوقوف في وجه بريطانيا.
كانت هذه تحشد في نهاية الحرب، على مختلف جبهات الشرق الأوسط، ما لا يقل عن المليون جندي، وكانت تحظى بتأييد واسع في صفوف العرب وفي صفوف الصهاينة.
أما فرنسا، فوجودها العسكري الضعيف في المنطقة والدعاية التي وجّهتها ضدّها اجهزة الاستخبارات البريطانية وأخيرًا الموقف العدائي العلني الذي اتخذه منها الهاشميون كما اتّخذته الحركات القومية العربية والمنظمة الصهيونية جعلت مجال المناورة أمام حكومتها ضيقًا.
بينما كان مصير فلسطين يقرر في العاصمة البريطانية، وصل فيصل إلى فرنسا ليمثّل والده في مؤتمر الصلح.
قبل افتتاح المؤتمر، انتقل في كانون الأول 1918، برفقة لورانس، إلى لندن حيث اجتمع بالزعيم اليهودي وايزمن، وكان قد التقى به مرة أولى في حزيران في فلسطين.
ركّز فيصل في محادثاته مع وايزمن على «تبيان الخطر الذي تتعرّض له المصالح اليهودية والعربية من جرّاء السياسة الفرنسية» في الشرق الاوسط ثم وقّع معه اتفاقًا اعترف فيه بضرورة اتخاذ جميع الإجراءات لتنفيذ وعد بلفور ولتشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين.
في 29 كانون الأول 1918، أي قبل انعقاد مؤتمر الصلح بعشرين يومًا، رسم بيشونن وزير خارجية فرنسا، أمام مجلس النواب الخطوط الرئيسة للسياسة التي تنوي حكومته الدفاع عنها في الشرق الأوسط فقال:
«إننا في الإمبراطورية العثمانية حقوق واضحة سندافع عنها.
لنا حقوق في سوريا ولبنان وفلسطين وكيليكيا.
إنها مبنية على مستندات تاريخية وعلى اتفاقيات وعقود (.
) إنها مبنية على أماني السكان وإرادتهم (.
) سنثابر في الدفاع عنها.
إننا نعتبر أن الاتفاقيات المعقودة بيننا وبين بريطانيا ما زالت تلزمنا كما تلزم أيضًا بريطانيا».
في مؤتمر الصلح دافع فيصل عن استقلال الشعوب العربية الآسيوية وعن سيادتها.
وقد لعب الأمير الورقة الولسونية حتى النهاية.
وكان الدكتور هوارد بليس، رئيس الكلية الغنجيلية في بيروت، قد أقنع ولسون بضرورة إرسال لجنة استقصاء إلى الشرق.
لم يكن كليمنصو من مؤيدي هذه الفكرة لذا حاول أن يتفاهم مع فيصل ليقنعه بالعدول عنها وبالقبول بالوصاية الفرنسية، لكن المفاوضات بين الجانبين لم تسفر عن أية نتيجة لأن الأمير كان مقتنعًا بأنه في موقع قوة بفضل دعم الرئيس الاميركي له.
يضاف إلى ذلك أن الضابط لورانس الذي كان يرافقه في العاصمة الفرنسية كان يحثّه على مزيد من التصلّب.
عاد فيصل إلى سوريا ليُعدّ الأجواء لمجيء لجنة كينغ – كراين.
وكان لموقفه الرافض في مفاوضات باريس ولإصرار ولسون على إرسال تلك اللجنة وللمنحى المعادي لفرنسا الذي اتخذته مشاورات هذه الأخيرة في سورية الداخلية أثر عميق في نفوس المسؤولين الفرنسيين، فأخذ بعضهم يتساءل إذا لم تكن مصلحة بلادهم تقضي بالتخلي عن لبنان لإرضاء السوريين وكسب صداقتهم.
في تقرير رُفع إلى وزير الخارجية بيشون في نيسان 1919 نقرأ ما يلي:
«إننا ننظر بحزن عميق إلى الانهيار السريع الذي أصاب كل الإنجازات الفرنسية في سورية.
«إن المسلمين في سورية يشكّلون اكثرية السكان وقد تزيد نسبتهم عن الثلثين.
علينا أن نكثّف نشاطنا في أوساطهم لكسب مودتهم.
أما المجموعات المسيحية، فهي من طبيعتها موالية لنا وهي تلتجئ تلقائيًا إلينا ولا يمكنها التخلّي عنا لأنها لا تشعر بالطمأنينة إلا من خلال وجودنا.
إن لبنان سيموت إن نحن غادرنا المنطقة فمن الحماقة إذًا أن نعتبره نقطة ارتكاز لنا.
» إن هذا التوجّه الجديد في السياسة الفرنسية أثار قلقًا شديدًا عند اللبنانيين.
يبدو أن خيار الاستقلال التام ازداد عدد مؤيديه خلال تلك الفترة بالذات.
في برقية إلى حكومته مؤرخة في 23 أيار 1919 يتهم جورج بيكو البطريرك الماروني ورئيس مجلس الإدارة بالترويج لهذا الخيار.
في هذه الأجواء أصدر المجلس المذكور، في 20 أيار، قراره رقم 561 الشهير وقد جاء في مادته الأولى:
«المناداة باستقلال لبنان السياسي والإداري بحدوده الجغرافية التاريخية واعتبار البلاد المغصوبة منه بلادًا لبنانية كما كانت قبل سلخها عنه».
وفي مادته الثالثة:
«إن الحكومة اللبنانية والحكومة الفرنساوية المساعدة تتفقان على تقرير العلائق الاقتصادية بين لبنان والحكومات المجاورة».
نذكّر هنا بان مجلس الإدارة كان قد ركّز في القرار رقم 80 الذي اتخذه في 9/12/1918 على الاستقلال الإداري فقط.
في 16 حزيران 1919 صدر عن مجلس الإدارة قرار جديد يقضي بإرسال وفد ثان إلى مؤتمر الصلح برئاسة البطريرك حويك.
إن المطالب الواردة في القرار 561 هي نفسها التي قدّمها المنادون بالاستقلال إلى لجنة كينغ – كراين في شهر تموز وهي نفسها التي قدّمها البطريرك الماروني مفصّلة إلى مؤتمر الصلح في الخامس والعشرين من تشرين الأول.
لم يكن باستطاعة الفرنسيين أن يمنعوا البطريرك عن المثول أمام مؤتمر الصلح ولا عن تقديم مذكرته.
ولكنهم كانوا مستائين من إلحاحه على الاستقلال وقد وجّه كليمنصو إليه رسالة جاء فيها:
«إن رغبة اللبنانيين في المحافظة على حكومة ذاتية ونظام مستقل تتفق كل الاتفاق مع تقاليد فرنسا التحررية».
أما مسألة الحدود، يتابع رئيس الوزراء الفرنسي، «فلا يمكن بتّها قبل أن يقر الانتداب على سوريا».
ولما عاد البطريرك إلى لبنان وأطلع مجلس الإدارة على نتائج اتصالاته في باريس ازداد قلق اللبنانيين من الموقف الفرنسي المتردد.
بريطانيا تتخلى عن فيصل وترمي به في أحضان الفرنسيين في غضون ذلك، كان الخلاف بين لندن وباريس بشأن الشرق الأوسط قد بلغ ذروته وكان ممثلو فرنسا يرسلون إلى حكومتهم التقرير تلو الآخر متهمين أجهزة الاستخبارات البريطانية المنتشرة في مختلف المناطق السورية بتغذية الدعاية المعادية لبلادهم.
وكان الرأي العام الفرنسي شديد الاغتياظ من هذا الوضع.
ومنذ ربيع 1919 بدأت تظهر في الصحف مقالات تهدّد الحكومة إن هي تقاعست عن الدفاع عن حقوق فرنسا التاريخية في تلك المنطقة.
في 7 نيسان مثلاً كتبت جريدة لو طان Le Temps تقول:
«إذا ما اكتشفت الأمة يومًا انها قد أقصيت عن الشرق غدرًا، فستعرف كيف تحاسب الذين يتحمّلون مسؤولية ذلك.
إنهم عهدوا بالحفاظ على أقدم إرث لنا في الخارج إلى أناس عاجزين».
لن تلبث تلك الحملة الصحافية أن ازدادت حدة وأخذت توجّه أسهمها علانية باتجاه بريطانيا متهمة إياها بانها طعنت حليفتها فرنسا في الظهر، وقد شارك فيها عدد من الشخصيات ذات الصفة الرسمية من بينها روبير دي كاي، مستشار وزارة الخارجية، وقد ورد في إحدى مقالاته العنيفة ما يلي:
«علينا ان نجهر بالحقيقة دون مراعاة أحد؛ وهذه الحقيقة تضطرنا إلى فضح العمل المنظّم الذي يقوم به عملاء السياسة البريطانية في الشرق ليمنعوا فرنسا من الحصول على الانتداب على سوريا».
ثم يؤكد الكاتب ان حكومة لندن تستعمل النظام الفيصلي كوسيلة لمقاتلة فرنسا وهي تمدّه بالمال مما يسمح له بالاستمرار، وإنها، بالإضافة إلى ذلك، تهيّج عواطف الجماهير الإسلامية، لا سيما الفئات الجاهلة منها، ضد الفرنسيين مؤكدة انهم حماة المسيحيين وأنهم سيسلّمون هؤلاء حكم البلاد.
يتابع دي كاي De Caix مقاله الطويل على نفس اللهجة ليخلص إلى القول إن المصيبة تكمن في استمرار الاحتلال العسكري البريطاني للمنطقة المخصصة لفرنسا في اتفاقية سايكس – بيكو.
شكّلت تلك الحملة الصحافية صدمة عنيفة للشعب الإنكليزي فأيقنت حكومة لندن أنّه أصبح من مصلحتها إيجاد حل سريع لخلافها مع فرنسا.
يضاف إلى ذلك أن بريطانيا كانت تواجه في تلك الحقبة صعوبات عديدة في الشرق الأوسط منها الثورة المصرية التي اضطرت اللنبي إلى نقل قسم من جيشه من سوريا إلى وادي النيل، ثم انتفاضة مصطفى كمال في آسيا الصغرى في وقت كان فيه الرأي العام البريطاني يطالب بتخفيض عدد المجندين وبالحد من الإنفاق.
إن هذه العوامل مجتمعة دفعت بالبريطانيين إلى الاقتراح على الفرنسيين سحب جيشهم من سوريا لتحل محلّه القوات الفرنسية في الساحل وفي كيليكيا والقوات العربية في المنطقة الداخلية.
وقد وجّه لويد جورج في 13 أيلول مذكرة بهذا الخصوص إلى كليمنصو، فوافق عليها هذا الأخير.
فما كان من الحكومة الإنكليزية إلا أن استدعت فيصلاً إلى لندن وأطلعته على مضمون اتفاقها الجديد مع باريس.
ولما أبدى الامير استياءه وخيبة أمله ذكّره اللورد كورزن بان تعهدات حكومة جلالته للشريف حسين كانت محدودة ومرفقة بتحفظات.
في أثناء محادثات فيصل مع البريطانيين، وجّه كليمنصو، في العاشر من تشرين الأول، جوابًا رسميًا إلى الحكومة الإنكليزية بشأن اقتراحها سحب جيشها من سوريا، ثم أتبعه مذكرة عنيفة اللهجة طلب فيها من لندن وقف دعمها لفيصل وعدم التدخل في شؤون سوريا، لأن فرنسا لا تتدخل في شؤون العراق، وأصرّ أخيرًا على ان يتفاهم فيصل مباشرة مع الحكومة الفرنسية دون اللجوء إلى اية وساطة بريطانية.
لم يكن باستطاعة الإنكليز آنذاك فتح معركة جانبية مع الفرنسيين لا سيما وأن الأمير الهاشمي كان قد خسر الورقة الأساسية التي لعبها وهي الورقة الأميركية، إذ إن الرئيس ولسون كان قد أصيب بشلل في 2 تشرين الثاني ورفض مجلس الشيوخ التوقيع على معاهدات الصلح، وعادت أميركا إلى سياسة العزلة.
اما تقرير لجنة كينغ- كراين King-Crane فوضع في الأرشيف.
اتفاق فيصل – كليمنصو وانعكاساته هكذا بدا فيصل يتيمًا، فدفع به الإنكليز إلى أحضان كليمنصو فانتقل إلى باريس حيث بدأ مفاوضات عسيرة مع ممثلي وزارة الخارجية.
حاول كليمنصو، بعد أن أصبح سيّد الموقف، أن يوفّق بين أماني اللبنانيين، أصدقاء فرنسا التاريخيين، وبين تطلعات الحركات القومية في سورية.
ولكنه كان يرغب في تركيز نفوذ بلاده في الشرق على قاعدة شرعية، لذا كان يرى أن عقد اتفاق مع فيصل طبقًا للأصول هو ضرورة.
وكان رئيس الوزراء الفرنسي يدرك أن الأمير يواجه معارضة قوية داخل سوريا، لذا حاول أن يسهّل عليه المهمة، فطلب من المفوّض السامي الجديد، الجنرال غورو Gouraud، أن يؤجّل احتلال البقاع، شرط أن تُسحب القوات العربية من السهل وأن يُعهد بالإشراف على الأمن فيه إلى الجندرمة المحلية.
وعلى الرغم من إصرار غورو على ضرورة الاستيلاء على البقاع لتقوية مركز فرنسا في المنطقة ولفرض هيبتها على معارضيها، أمره كليمنصو بحزم بتجميد الوضع وبعدم القيام بأي تحرّك عسكري.
تم التوقيع على الاتفاق بين الفريقين في السادس من كانون الثاني 1920.
اهم ما جاء فيه:
- تعترف الحكومة الفرنسية باستقلال سورية.
- يقبل فيصل بالوصاية الفرنسية.
- يعترف الأمير باستقلال لبنان تحت الانتداب الفرنسي على ان يبت مؤتمر الصلح مسألة الحدود وفقًا لرغبات السكان ولمصالحهم.
- تعتبر العربية لغة رسمية، أما الفرنسية فتدرّس إلزامًا.
- دمشق هي عاصمة الدولة السورية.
اما المندوب السامي فيستقر في حلب ليكون على مقربة من كيليكيا حيث ستتجمّع القوات الفرنسية.
في اليوم نفسه الذي وقّع فيه الاتفاق، وجّه فيليب برتلو Philippe Berthelot باسم وزارة الخارجية الفرنسية، رسالة إلى فيصل يدرج فيها إيضاحات إضافية حول بعض النقاط الواردة في النص لا سيما تلك المتعلقة بحدود لبنان التي سترسم وفقًا «لحقوق اللبنانيين التاريخية» ولمصالحهم الاقتصادية ولخيارهم الحر.
اما مدينة بيروت فيقترح برتلو إعطاءها كما الاسكندرونة إدارة بلدية مستقلة ويؤكد أخيرًا على ضرورة الاعتراف بالوضع المميز لدروز حوران وباستقلالهم الإداري ضمن الوحدة السورية.
ما إن صلت أخبار هذا الاتفاق إلى دمشق حتى ثارت ثائرة العناصر الوطنية وارتفعت أصوات عديدة تنادي بالجهاد، وتعددت الحوادث بين الفرنسيين والسوريين على حدود مناطق الاحتلال وقامت فئات تطالب بالتنسيق التام مع الثوار الكماليين في آسيا الصغرى بينما أخذ البعض يطالب جهرًا بالعودة إلى الحكم التركي.
رجع فيصل إلى دمشق وسط أجواء مشحونة، فاتهمه معارضوه بأنه باع البلاد إلى الفرنسيين، ونُظّمت تظاهرات نُدّد خلالها بحكمه وطولب باستقالته، ووقعت صدامات مع حرس الأمير سقط من جرّائها عدد من القتلى في شوارع المدينة.
ومنذ ذلك التاريخ لم يعد فيصل يسيطر على الوضع وكان أمامه خيارات ثلاثة:
إما التخلّي عن الاعتدال، والانجراف وراء التيار الاستقلالي المتصلّب والقبول بفكرة الصدام المسلّح مع الفرنسيين، وإما تطبيق الاتفاق المعقود في باريس والتصدي بالقوة لمعارضيه وإما الاستقالة.
فاختار الحل الأول وبعد ذلك تسارعت الأحداث ودخلت المنطقة مرحلة سادها التوتر حاول خلالها كل من الأفرقاء تدعيم مواقعه.
أربعة أشهر من التحدّيات :
آذار – حزيران 1920 في السادس من آذار 1920، اجتمع المؤتمر السوري في دمشق، وفي اليوم التالي صوّت بالإجماع على قرار يعلن استقلال البلاد وقد جاء فيه:
«وبصفتنا الممثلين للامة السورية في جميع انحاء القطر السوري تمثيلاً صحيحًا نتكلم بلسانها ونجهر بإرادتها، فقد أعلنّا بإجماع الرأي استقلال بلادنا السورية ومن ضمنها فلسطين بحدودها الطبيعية استقلالاً تامًا لا شائبة فيه (.
) مع مراعاة جميع أماني اللبنانيين الوطنية المتعلقة بلبنان في حدوده الحاضرة بشرط أن يكون بمعزل عن كل نفوذ أجنبي، ورفض مزاعم الصهيونيين في جعل فلسطين وطنصا قوميًا لليهود أو محل هجارة لهم.
«وقد اخترنا سمو الأمير فيصل (.
) ملكًا دستوريًا على سورية (.
) واعلنّا انتهاء الحكومات الاحتلالية العسكرية الحاضرة في المناطق الثلاث (.
) ونحن نطلب استقلال القطر العراقي استقلالاً تامًا، على أن يكون اتحاد سياسي اقتصادي بين القطرين الشقيقين.
» بإصراره على الوحدة بين فلسطين وسورية وبمطالبته باستقلال العراق أثار المؤتمر السوري حفيظة البريطانيين وحفيظة الحركات الصهيونية.
وبمحاولته فرض نفسه وصيًا على اللبنانيين وحصر تطلعاتهم في حدود المتصرفية الضيّقة دفع بهؤلاء إلى مضاعفة جهودهم من أجل توسيع رقعة البلاد والحصول على الاستقلال، وأخيرًا بإعلانه انتهاء الاحتلالات العسكرية في المناطق الثلاث جعل المؤتمر الحلفاء عامة يعتبرون أنه قد تجاوز الصلاحيات التي يمكن أن يعترف له بها.
أما فيصل فأصبح موقفه حرجًا ولم يكن راضيًا عن القرارات المتخذة ولكن المبادرة كانت قد أفلتت من يده، وقد اصطدم مرارًا بأعضاء المؤتمر السوري لا سيما برئيسه رشيد رضا وكذلك باللجنة الوطنية العليا وبرئيسها الشيخ كامل القصّاب، وكان هؤلاء جميعًا يعتبرون أنهم الممثلون الحقيقيون للأمة وأن سلطتهم هي فوق سلطة الملك والحكومة.
في لبنان كان دعاة الاستقلال قد أرسلوا في مطلع شباط 1920 الوفد الثالث إلى مؤتمر الصلح برئاسة المطران عبد الله الخوري.
وبعدها طيّروا برقيات الاحتجاج على قرار المؤتمر السوري إلى العواصم الأوروبية وإلى المفوضية الفرنسية في بيروت وإلى الصرح البطريركي في بكركي.
وفي 22 آذار عقد اجتماع في بعبدا ضمّ، إلى جانب أعضاء مجلس الإدارة، رؤساء البلديات والمخاتير وشخصيات مختلفة اختير خلاله العلم اللبناني ثم صوّت المجتمعون على عدد من الاقتراحات تؤكّد على الاستقلال وعلى ضرورة توسيع الحدود.
على الصعيد الإقليمي، كان الحلفاء في مطلع 1920 يواجهون مقاومة عنيفة لمخططاتهم قي آسيا الصغرى، فأراد الإنكليز في شهر آذار أن يوجهوا ضربة قاسية إلى المعارضة، فقاموا باعتقال عدد من زعمائها، فما كان من الباقين إلا أن التقوا حول مصطفى كمال في انقرة وأعلنوا الثورة، ثم حاولوا التفاهم مع الفرنسيين.
رد الحلفاء على المؤتمر السوري بدعوة مجلسهم الأعلى إلى الاجتماع في سان ريمو في إيطاليا، حيث أُقرّ في 25 نيسان 1920، الانتداب الفرنسي على لبنان وسورية والانتداب البريطاني على فلسطين والعراق.
وفي المناسبة نفسها وقّع ممثلو الدولتين على اتفاق عام بشأن البترول تعهّدت فيه بريطانيا بإعطاء فرنسا 25% من نفط العراق مقابل تخلّي باريس عن منطقة الموصل.
أثارت مقررات سان ريمو استياءً شديدًا في أوساط الحركات القومية السورية، وقد احتجّ عليها رسميًا وفد الحجاز إلى مؤتمر الصلح لافتًا النظر إلى أن رأي السكان لم يؤخذ بعين الاعتبار لا في اختيار الدولة المنتدبة ولا في سلخ فلسطين عن سوريا، وذلك خلافًا لما نصّت عليه الفقرة الرابعة من المادة الثانية والعشرين من ميثاق عصبة الأمم.
في 27 نيسان أبرق اللنبي Allenby إلى فيصل يطلعه على ما اتفق عليه في سان ريمون ويدعوه، باسم الحكومة البريطانية، إلى السفر إلى باريس لكي يعترف مؤتمر الصلح بشرعية ملكه على سوريا.
أجاب فيصل مبديًا تحفظاته ومعلنًا أن السوريين يرفضون الانتداب لأنه يشكّل خطرًا على سيادتهم وعلى استقلالهم ويرفضون كذلك فصل فلسطين عن سوريا.
ويضيف أنه مستعد للسفر إلى أوروبا شرط أن يصدر قبل ذلك عن الحلفاء تصريح يطمئن الشعب بشأن هذين الموضوعين.
وقد نقل غورو، باسم الحكومة الفرنسية، إلى فيصل تصريحًا بهذا المعنى ولكن هذا الأخير اعتبره غير كاف وكرر رفضه السفر إلى أوروبا قبل أن يحصل على جواب مرض.
في تلك الأثناء تشنّجت المواقف في سورية واتهمت العناصر المعتدلة في الحكومة بالخيانة وهيّج المتطرفون الشارع مما اضطر الركابي إلى تقديم استقالته، فخلفه الأتاسي الذي ألف في 3 أيار حكومة دخلتها العناصر الاكثر كراهية للفرنسيين أمثال العظمة وشهبندر، فأعلنت الحكومة الجديدة خدمة العلم وأخذت تشجّع اعتداءات العصابات على المنطقة الساحليّة.
ميسلون، لبنان الكبير والدويلات السورية.
إن المماطلة في اتخاذ قرار بشأن حدود لبنان واستقلاله والهيمنة الفرنسية شبه الكاملة على المؤسسات الرسمية في المتصرفية وتّرت العلاقات بين اعضاء مجلس الإدارة والسلطات الفرنسية.
يضاف إلى ذلك أن خلافًا حادًا وقع بين قائد الجند اللبناني، سعيد البستاني، والمستشارين العسكريين الفرنسيين، فاستقال البستاني من وظيفته وتقرّب من السوريين وأخذ يعمل على إيجاد صيغة تفاهم بين فيصل واللبنانيين.
وأسفرت المساعي عن اتفاق عقد بين عدد من اعضاء مجلس الإدارة وضابط الارتباط السوري في بيروت، جميل الألشي، يقضي بوضع مضبطة تطالب باستقلال لبنان التام، بالتنسيق مع الحكومة الفيصلية، وبتأليف وفد يلاحق القضية في أوروبا وأميركا، وقد تعهدت دمشق بتأمين نفقات السفر إلى أعضاء الوفد.
في العاشر من تموز وُضعت المضبطة المذكورة ووقّعها سبعة من أعضاء مجلس الإدارة.
إنها تتلخّص بالمطالبة باستقلال لبنان المطلق وبحياده السياسي وبإعادة «المسلوخ منه سابقًا بموجب اتفاق يتم بينه وبين حكومة سورية» وبالتعاون بين الحكومتين في المجال الاقتصادي وعلى الصعيد الدولي.
حاول الموقعون السبعة السفر إلى دمشق ولكن السلطات الفرنسية كانت على علم بمسعاهم فاعتقلتهم وهم في الطريق ثم اتهمتهم بالخيانة العظمى مدّعية أنهم باعوا وطنهم مقابل مبلغ من المال، وبعد ذلك جرّدتهم من حقوقهم السياسية ونفتهم إلى جزيرة كورسيكا.
وقد أبرق غورو إلى حكومته يقول إن فيصلاً كان على استعداد للاعتراف «بلبنان الكبير» شرط أن يرفض اللبنانيون الانتداب الفرنسي.
لذا خشيت حكومة باريس أن يتخلى سكان الجبل عن تعلّقهم بفرنسا فقررت الإسراع في إيجاد حل جذري لخلافها مع السوريين.
في تلك الأثناء، كانت الصعوبات التي يواجهها الحلفاء في الشرق الأوسط تزداد حدّة.
فبالإضافة إلى ثورتي مصر والعراق واضطرابات القدس، كان الوضع في آسيا الصغرى ينذر بالخطر.
وقد اضطر الإنكليز إلى الانسحاب من منطقة القفقاص بسبب الضغط المشترك الذي مارسه عليهم الاتراك البولشفيك.
وفي شبه الجزيرة العربية كان الخلاف على أشدّه بين الشريف حسين وابن سعود وكلاهما حليف لبريطانيا.
أخذ الفرنسيون يستعدّون، بموافقة بريطانيا، لحسم الوضع في سوريا بالوسائل العسكرية.
ولكنه كان يصعب عليهم القتال على جبهتين، الجبهة السورية والجبهة التركية، لذا وقّعوا، في 28 أيار، هدنة مؤقتة مع مصطفى كمال تخلّوا بموجبها عن بعض مواقعهم في كيليكيا.
ثم دخلوا في مفاوضات مع الاتراك للانسحاب كليًا من تلك المنطقة.
كان السوريون آنذاك يمنعون الفرنسيين عن استعمال الخط الحديدي ريّاق – حلب لإيصال الإمدادات إلى قواتهم في تركيا.
ولما علموا بأن هؤلاء اتفقوا مع الكماليين على وقف إطلاق النار، أدركوا أن المجابهة العسكرية معهم أصبحت وشيكة.
حاول فيصل آنذاك أن يستدرك الامر، فأبرق إلى غورو مبديًا خشيته من ان يتحوّل تراجع الفرنسيين في كيليكيا إلى حافز يشجّع الأتراك على التوغّل داخل الأراضي السورية ومقترحًا عليه التعاون معه ووضع القوات العربية في تصرّفه للدفاع عن حدود سورية كما رسمها مؤتمر سان ريمو San Remo.
انهى فيصل برقيته معلنًا أنّه متأكد من أن الحكومة الفرنسية التي يثق بها ستبرّ بتعهداتها تجاهه وتجاه السوريين.
اجاب غورو سلبًا على مبادرة فيصل ووجّه إليه اللوم لأنه لم يضع خط ريّاق – حلب في تصرّف الجيش الفرنسي في الوقت المناسب.
ثم أبرق المفوّض السامي إلى حكومته يقول إن فيصلاً يحاول أن ينصب له فخًا وأن هدف هذا الأخير ما زال إخراج الفرنسيين من سوريا ولبنان.
تابع غورو بعد ذلك استعداداته العسكرية واستمر التوتر بين المنطقتين الساحلية والداخلية إلى أن وقعت معركة ميسلون، في 24 تموز، فدخل الجيش الفرنسي دمشق وطُلب من فيصل مغادرة البلاد.
أبرق الجزائري إلى البطريرك الماروني يطلب منه تأليف حكومة عربية في الجبل.
تريّث البطريرك في اتخاذ موقف وأرسل يستشير الفرنسيين في جزيرة إرواد، فكان جوابهم:
«إننا قادمون».
في الأول من تشرين الأول وصلت إلى دمشق فرقة من جيش اللنبي وتبعتها قوات عربية يقودها الشريف ناصر يرافقه الضابط الإنكليزي لورانس.
نصّب هذا الأخير نفسه ممثلاً لفيصل وعزل الأميرين الجزائريين بعد صدامات مع انصارهما في الشوارع وعيّن مكانهما رضا الركابي حاكمًا عسكريًا على المدينة.
في الحقيقة كان لورانس وعملاء الإنكليز عمومًا ومؤيدو فيصل يخشون أن تفلت السلطة في دمشق من أيديهم خصوصًا وأن الأخوين الجزائريين، حفيدي عبد القادر الكبير، كانا يشكلان خصمين خطيرين للهاشميين.
فأسرتهما الكريمة النسب وتاريخ جدهما العريق ومكانتهما في العالم الإسلامي ووزنهما السياسي في سوريا وعلاقاتهما الطيّبة بفرنسا كانت تخوّلهما الطموح إلى الحكم والوقوف في وجه المخططات الإنكليزية – الحجازية، وهذا ما دفع بلورانس إلى الإسراع في التخلّص منهما.
أما فيصل فلم يشعر بالطمأنينة إلا بعد أن قتل رجاله الأمير عبد القادر في 9 تشرين الثاني 1918 ونفوا أخاه سعيدًا إلى فلسطين.
في تلك الأثناء كان جورج – بيكو يفاوض البريطانيين في لندن حول مستقبل الأراضي العربية المحتلة.
كان السفير الفرنسي كامبون، بعد أن تلقّى تعليمات من حكومته قد طلب من الإنكليز أن يتعهّدوا باحترام اتفاقية 1916.
وقد صدر عن بلفور، في 23 أيلول، وعد رسمي بهذا الخصوص.
أخيرًا في 30 أيلول، عقدت الحكومتان اتفاقًا بشأن الإدارة المؤقتة للولايات السورية حددتا فيه الدور الذي يعود إلى كل منهما.
في 3 تشرين الأول دخل دمشق كل من اللنبي وفيصل والكابيتن كولوندر نائب جورج – بيكو، ففوجئ الثلاثة بالإجراءات التي اتخذها لورانس.
بقي على الحلفاء أن يستعجلوا توقيع معاهدة الصلح مع تركيا، فتم ذلك في سيفر Sèvres في العاشر من آب 1920 وقد اعترف السلطان في مادتها الرابعة والتسعين باستقلال الولايات العربية المسلوخة عن امبراطوريته شرط أن تخضع لنظام الانتداب الدولي.
استنادًا إلى ما ورد في معاهدة Sèvres وإلى ما اتفق عليه في سان ريمو، نظّم غورو إدارة المناطق التي وضعت تحت الانتداب الفرنسي، فاتخذ قرارًا في 3 آب يقضي بضم الأقضية البقاعية الأربعة إلى لبنان، ثم انشأ في 18 آب، بموجب قرار آخر، دولة دمشق، وفي 31 منه انشأ دولة العلويين، وفي اليوم نفسه أصدر ثلاثة قرارات جديدة، حل بموجب الأول، ولاية بيروت العثمانية وأجهزتها، وأنشأ بموجب الثالث، لبنان الكبير ورَسَم حدوده.
وفي اليوم التالي، أي في الأول من أيلول، انشأ غورو دولة حلب.
اما دولة الدروز فلم تر النور إلا في الرابع من آذار 1921.
نستطيع ان نقول، في ختام هذه الدراسة، إن فيصلاً والسوريين لعبوا ورقتين خاسرتين:
الأولى هي ورقة ولسون، ولكن هذا الأخير انسحب من مؤتمر الصلح وسقطت معه آمالهم، الثانية هي الورقة البريطانية، ولكن حكومة لندن كانت تعمل لتأمين مصالحها ولم تتردد في التخلّي عن حلفائها بعد أن نالت منهم مأربها.
أما فرنسا، فقد رأت في هذه الحركات الوطنية السورية خطرًا على كيان الأمة، لذا ناصبتها العداوة بلا هوادة، فدفع هذا بالدولة المنتدبة إلى التقرّب من الكماليين وإلى تقديم التنازلات لهم.
هكذا أُدخلت تعديلات، في أكثر من مرة، على خارطة الحدود بين تركيا وسوريا.
وكانت هذه التعديلات تصبّ دائمًا في مصلحة الأتراك.
إن التصلّب في مواقف الفئات المتطرّفة أسقط اتفاق 6 كانون الثاني 1920 بين فيصل وكليمنصو ودفع بالبلاد إلى صدام عسكري مع الفرنسيين لم تكن فيه القوى متكافئة.
إن هزيمة ميسلون أنهت الحكم الفيصلي المعتدل وقضت على الاستقلال التام الذي كان يسعى له السوريون.
لم تع تلك الفئات اهمية التحوّلات التي طرأت على الوضع الدولي بين تشرين الأول 1918 وحزيران 1920 ولم تقوّم بموضوعية وبُعد نظر انعكاسات تلك التحولات على مصير الشرق الأوسط، كما أنها لم تدرك الخطورة القصوى التي كانت تشكّلها السياسة البريطانية على مستقبل المنطقة.
أما التيار الاستقلالي اللبناني، فقد أفاد بلا شك من الخلافات الدولية والإقليمية لفرض خياراته، وقد نجح في ذلك بفضل الجهود الجبارة التي بذلها مناصروه من اللبنانيين المقيمين والمغتربين، وأيضًا بفضل تعاطف بعض القيادات الفرنسية مع تطلعاته.
ولكن قسمًا من سكان المناطق التي ضُمّت إلى المتصرفية اعتبر نفسه مظلومًا لأن آماله الوحدوية قد خُيّبت، لذا رفض الكيان الجديد وعمل على تقويضه، وقد استمرّ في موقفه الرافض هذا حتى ميثاق 1943.
في 19 أيلول 1918، أحرز الجنرال اللنبي (Allenby) انتصارًا حاسمًا على العثمانيين في فلسطين، فانفتحت أمامه أبواب سوريا، فما كان منه إلا أن دفع بقواته نحو الشمال.
ذُعر الموظفون الأتراك، فأخلوا دمشق وبيروت ومتصرفيّة جبل لبنان في 13 أيلول، فيما كانت فلول الجيش التركي تنسحب باتجاه حلب والأناضول.
هنا بدأ صراع للاستيلاء على السلطة في بيروت ومتصرّفية جبل لبنان ودمشق وبقيّة المدن السوريّة بين قوات عربيّة ثلاث، الأولى هي الأسرة الهاشميّة على رأسها الأمير فيصل ابن الشريف حسين ملك الحجاز ومطلق الثورة العربية عام 1916، والثانية هي أسرة عبد القادر الجزائري، بزعامة اثنين من أحفاده، هما الأمير محمد سعيد وأخوه عبد القادر؛ وتمثّلت الثالثة بعدد من الوجهاء القياديين الوطنيين السوريين.
أما سكان متصرّفيّة جبل لبنان فتوخّوا الحذر بانتظار تبلور الأوضاع.
كانت هذه القوى المحليّة تخشى أطماع الدول الكبرى المنتصرة في الحرب، لا سيّما أطماع بريطانيا وفرنسا، الدولتين الاستعماريتين اللتين كانت قد خططتا، منذ السنة 1916، من خلال اتفاق سايكس – بيكو، لاتفاق تركة الدولة العثمانية المحتضرة.
سيطرة الجزائريين على السلطة في دمشق وتنحيتهم عشية انسحاب الأتراك من دمشق، نظم الأَخَوان محمد سعيد وعبد القادر الجزائريان ميليشيا من المغاربة المقيمين في العاصمة السورية.
ويؤكد محمد سعيد في مذكراته أنه فعل ذلك بموافقة جمال باشا الصغير المعروف بالمرسيني، قائد الجيش التركي.
كان هدفه حماية المدينة وحماية انسحاب الأتراك.
في 13 أيلول، اجتمع عدد من وجهاء دمشق في دار البلدية واختاروا الأمير محمداً سعيداً رئيساً للحكومة الموقتة، فرفع العلم العربي على الدار المذكورة مكان العلم العثماني، وابرق الى بيروت والى مختلف المدن السورية معلناً قيام حكومة عربية في دمشق باسم الشريف حسين داعياً الناس الى الهدوء والسكينة.
ابتدأ الأمير محمد سعيد، بعد إمساكه بزمام الأمور في العاصمة السورية في 30 أيلول كما ذكرنا، بأداء «قسم الولاء والإخلاص» للملك حسين وبرفع العلم العربي.
إنه يؤكد في مذكراته أنه اتفق مع الأمير فيصل على الأمر عندما اجتمع به في وهيد، غربي معان، في آب 1918، وهدفهما من ذلك إعلان الإستقلال قبل وصول الجيوش الأجنبية.
كما يؤكد أن الشريف ناصر الذي دخل دمشق صبيحة الأول من تشرين الأول (أوكتوبر)، فوّض إليه إدارة الحكومة ريثما يصل فيصل.
نجد تفاصيل أخرى في بعض المصادر حول نشأة حكومة محمد سعيد الجزائري، إن يوسف الحكيم، مثلاً، يروي في مذكراته أن فريقا من « الوجهاء والمفكرين الدمشقيين» إجتمعوا في بهو المجلس البلدي في دمشق «وقرروا إقامة حكومة موقتة تحول دون الفوضى، ريثما تصل الجيوش المظفّرة» واختاروا لرئاسة هذه الحكومة الأمير سعيد الجزائري.
لكن الرواية التي نجدها في كتابات لورانس وفي رسائله تختلف عما ذكرناه سابقاً إذ إنها تعطي انطباعاً بأن الأخوين الجزائريين إغتصبا السلطة في دمشق ولم يستلماها لا بموافقة فيصل ولا بناءً على طلب من الوجهاء الدمشقيين.
أمّا ما كتبه لورانس في أعمدة الحكمة السبعة وفي عدد من رسائله حول هذا الموضوع، فهو ينضح بحقده على الأخوين الجزائريين.
وفي رسالة وجهها الى الضابط الإنكليزي ستيرلنغ (Stirling) بتاريخ 28 حزيران 1919، يعطي لورانس تفاصيل إضافية عن الموضوع، ويؤكد أن فيصلاً هو الذي طلب منه «التخلص منهما».
ويختم رسالته بهذه الجمل :
«إذاً كان يوجد في سوريا آناذاك شخصان يستحقان الموت شنقاً أو رمياً بالرصاص، فهذان الشخصان هما دون شك الأخوان الجزائريّان.
آسف كثيراً للحرية التي تركت لمحمد سعيد.
لقد طالب فيصل بسجنه أكثر من مرة.
».
حال وصوله الى دمشق في الأول من تشرين الأول، نصّب لورانس نفسه ممثلاً للأمير فيصل، فعمد الى عزل الأمير محمد سعيد الجزائري من الحكم وإعلان قيامة حكومة عسكرية برئاسة شكري الأيوبي، نيابةً عن رضا الركابي الذي لم يكن قد عاد الى دمشق بعد.
إنسحب الأخوان الجزائريان على مضض.
ولكن بعد ظهر الأول من تشرين الأول بدأت الفوضى تدبّ في دمشق، وفي ليل 1 الى 2 تشرين الأول، إندلعت ثورة حقيقية في المدينة.
فتدفقت الى شوارعها قواتٌ درزية وبدوية وقامت بأعمال نهب.
لكن القوات العربية تدخلت بسرعة بطلب من لورانس وكسحت برشاشاتها الأحياء المضطربة، فقمعت حركة التمرد موقعة أكثر من 20 قتيلاً في صفوف المتسللين.
وقد إتهم لورانس في مؤلفاته وفي مراسلاته الأخوين الجزائريين بأنهما مسؤولان عن هذه الحركة، وبأنهما حرّضا أتباعهما كما حرّضا الدروز مدّعين أنّ الهاشميّين ومؤيّديهم هم دمى تحركهما بريطانيا كما تشاء وطالِبين من الجميع القيام بعمل ما دفاعاً عن الدين.
إن شهادات المعاصرين في حكومة محمد سعيد وعبد القادر الجزائريين لم تكن دائماً سلبية كما يصوّرها لورانس والمقرّبون من بريطانيا ومن الهاشميين.
إن عدداً من هؤلاء المعاصرين أثنوا على الإجراءات التي اتخذها الأخوان الجزائريان آنذاك.
نستخلص مّما سبق أن لورانس وعملاء الإنكليز بصورة عامة ومؤّيدي فيصل كانوا يخشون ان تفلت السلطة في دمشق من أيديهم، خصوصاً وان الأخوين الجزائريّين، حفيدي عبد القادر الكبير، كانا يشكلان خصمين خَطِرَيْن للهاشميّين:
فأسرَتُهما الكريمة النسب، وتاريخ جدّهما العريق ومكانتهما في العالم الاسلامي ووزنهما السياسي في سوريا وعلاقتهما بفرنسا كانت كلّها تخولهما الطموح الى الحكم والوقوف في وجه المخططات الإنكليزية-الحجازية، وهذا ما دفع لورانس الى الإسراع في التخلص منهما.
دخول فيصل واللنبي دمشق ما كانت هوّية الفِرَق العسكريّة التي دخلت دمشق توّاً بعد انسحاب العثمانيّين، أكانت عربية أم بريطانيّة؟
أثار الجواب عن هذا السؤال جدلاً بين المؤرخين لان له ابعاداً سياسية مهمة نوضحها بما يأتي:
في ربيع ١٩١٨، وجّه سبعة من الزعماء العرب المقيمين في مصر مذّكرة إلى الحكومة البريطانيّة، سُلّمت إلى المكتب العربي في القاهرة، يستوضحونها سياستها تجاه الأقطار العّربية ويسألون عن مصير هذه الأقطار بعد انتهاء الحرب.
في ١٦حزيران من السنة نفسها، أرسلت لندن جوابها وهو يعرف ب»التصريح الموّجه الى السبعة»، قسّمت فيه الحكومة البريطانية المنطقة التي كان يطالب الحسين باستقلالها إلى أربعة اقسام.
يضّم القسمان الأوّلان البلاد العربيّة التي كانت مستقلّة قبل الحرب والتي حررها العرب بانفسهم، تعترف بريطانيا بالسيادة التامة للعرب على هذه الأراضي.
أما القسم الثالث، فيضّم المناطق التي حرّرتها الجيوش الحليفة، فأكّدت لندن «أن الحكومة المقبلة لهذه الأقاليم يجب ان تقوم على مبدأ موافقة المحكومين».
يبقى القسم الرابع وهو يضّم الأراضي التي كانت لا تزال تحت النير التركي، اي الولايات السورية ومتصرفية جبل لبنان وولاية الموصل، فورد في التصريح»أنّ الشعوب المضطهدة في هذه الأراضي يجب ان تفوز بالحرية والإستقلال».
على الرغم من اهميّة ما ورد في التصريح عن القسمين الثالث والرابع، فإنّ العرب أبدوا اهتماماً خاصاً بما ورد بشأن القسم الثاني، اي الأراضي التي حرّروها بأنفسهم والتي يجب ان تتمتّع بالسيادة التامّة.
هنا تكمن أهمية القول إنّ القوات العربية هي التي دخلت دمشق قبل القوات البريطانيّة.
ولكن كيف جرت الأمور بالضبط؟
من المؤكّد ان فرقة الخيّالة الأوسترالية وفوجاً من الخّيالة السباهيّة الفرنسييّن وصلا الى ضواحي دمشق في٣٠ أيلول الساعة الواحدة بعد الظهر.
وللحال صدر أمرٌ من القيادة العامة البريطانيّة يطلب منهما وقف تقدمهما نحو المدينة.
لكّن السجل الميداني اليومي للقوات الأوستراليّة يظهر ان لواء الخيّالة الثالث الأوسترالي دخل دمشق في الأول من تشرين الأول حوالي الساعة السادسة صباحاً، وأنّ قائد الفوج العاشر الذي كان في الطليعة، عندما بلغ مبنى البلديّة، دخله ووجد فيه الأمير محّمد سعيد الجزائري محاطاً بمجموعة من الأعيان والوجهاء.
غادر الخيّالة الأوستراليّون دمشق حوالي السّاعة السابعة واتّجهوا شمالاً لمطاردة فلول الجيش التركي.
يؤكّد الأمير سعيد الجزائري دخول الأوسترالييّن دمشق قبل القوات العربية التي كان يقودها الشريف ناصر.
يبدو انّ هذا الأخير لم يصل الى المدينة إلا حوالي الساعة السابعة والنصف أو الثامنة صباحًا.
أما لورانس فلم يدخل دمشق إلا في الساعة التاسعة، فغضب غضباً شديداً عندما علم ان الأوسترالييّن كانوا اوّل الواصلين، لأن تصريح الحكومة البريطانية الموّجه الى السبعة كان في ذهنه، وكان يرغب في ان تحتل القوات العربية قبل سواها المدينة لكي تخضع سوريا للسيادة العربيّة.
بعده مباشرة وصا الجنرال شوفل (Chauvel)، القائد الأعلى للقوات الأوستراليّة، واتّجه فوراً نحو مبنى البلديّة حيث التقى لورانس والأيوبي.
ولماّ علم ان هناك حكومة عربيّة نصّبت باسم الملك حسين، رفض الإعتراف بها.
إن القوات الأوستراليّة قاتلت بضراوة في الأيّام التي سبقت انسحاب الأتراك، وتوجّت تضحياتها بدخول خياّلتها دمشق قبل سواهم، لذا كان شوفل يرفض ان يُسرق منه النصر وينسب الى العرب، وقد تسبب ذلك بتوّتر العلاقة بينه وبين لورانس.
في 2 تشرين الأول، دخل دمشق ألوف من الجنود البريطانييّن مع فرقة صغيرة من الجنود الفرنسيّين، فاخترقوا المدينة متجهين شمالاً لملاحقة الجيش التركي المنسحب.
وفي الثالث من الشهر نفسه، وصل اللنبي ونزل في فندق فيكتوريا، وثبّت الركابي-زكان قد عاد الى دمشق-في رئاسة الحكومة الموقتة في المنطقة الداخليّة.
وفي اليّوم عينه وصل الأمير فيصل في قطار من درعا، فكُلّف الضابط الإنكليزي هيوبرت يونغ (Young) باستقباله باسم اللنبي، وقصّد تواً فندق فيكتوريا حيث اجتمع بالقائد العام البريطاني لأّوّل مرّة.
وكان هذا الأخير قد تلقى تعليمات واضحة من حكومته بشأن علاقة الحلفاء بالأمير فيصل وبشأن مستقبل الأراضي العربية المحّررة من النير العثماني.
بيروت ومتصرفيّة جبل لبنان بين اتفاق سايكس-بيكو وتطّلعات الحكومة العربيّة في دمشق.
سلّم الوالي العثماني، اسماعيل حقي بك.
عند انسحابه من بيروت، شؤون الحكم الى رئيس البلدية عمر الداعوق.
وسلّم المتصرّف، ممتاز بك، إدارة الجبل في بعبدا، الى حبيب فياّض رئيس البلدّية.
وكان الأمير محمّد سعيد الجزائري، عقب توليّه السلطة، قد ابرق الى المدن السوؤية المختلفة والى بيروت، يخبر المسؤولين بانهزام الجيش التركي وبقيام حكومة عربيّة في دمشق بإسم الملك حسين، ويطلب منهم إنشاء حكومات مماثلة ويحثّ السكان على ااتزام الهدوء.
وقد تلقى البطريرك الماروني بدوره برقيّةً هذا نصُها:
«غبطة بطريرك الطائفة المارونيّة، «إنه بعون الله تأسست الحكومة العربيّة المستقلة باسمنا.
فنطلب منكم، بإسم العربيّة والوطنيّة، أن تؤسسوا الحكومة عندكم في جبل لبنان.
25 ذي الحجّة 1336، رئيس الحكومة السوريّة، سعيد ابن الأمير علي باشا الجزائري».
لم يجب البطريرك على بل فضّل الإنتظار ريثما تتبلور الأمور.
لكنّ موظفي المتصرفيّة اجتمعوا في بعبدا وانتخبوا الأميرين مالك شهاب وعادل ارسلان لإدارة شؤون الجبل بصورة موقتة.
فأبرق الأميران الى البطريرك يطلعانه على ما جرى، فوجّه بدوره، في الخامس من تشرين الأوّل، برقيّة الى الأمير مالك شهاب يحثّه فيها على المثابرة على»إدارة الحكومة الموقتة بحزم وحكمة» ويطلب منه ان ينصح الأهالي بالخلود الى السكينة، و»بتوقيف كل مخابرة تتعّلق بشؤون البلاد مكتفين الآن بالحكومة الموقتة الى ان يكون تيّسر لنا ولهم تبادل الأراء بهذا الشأن لدى وصولنا قريباً الى مقرّنا في بكركي».
وكان مجلس الإدارة، بالاتفاق مع البطريرك، قد ارسل يستشير الفرنسييّن في جزيرة ارواد.
فكان جوابهم «إننا قادمون».
إن الاستيلاء على بيروت والمدن الساحليّة الأخرى ومتصرفيّة جبل لبنان كان يعتبر حيويّاً بالنسبة الى الزعماء الوطنيّين السوريّين، وكذلك بالنسبة الى فيصل ولورانس.
كانوا جميعاً يعلمون انّ لفرنسا مصالح تاريخيّة في المنطقة الساحلية لن تتخلى عنها بسهولة وأنها عقدت بشأنها اتفاقاً مع بريطانيا عام 1916، هو اتفاق سايكس- بيكو.
يضاف الى ذلك ان فيصلاً ولورانس كانا يعلمان، منذ ربيع 1917، الخطوط الكبرى لهذا الإتفاق، بعد ان قررت باريس ولندن، في مطلع هذه السنة، اطلاع الملك حسين على مضمونه، فأوفدتا الى الحجاز مارك سايكس وفرنسوا جورج – بيكو اللذين وصلا الى جدّة في18 آذار1917 واجتمعا في اليوم الثاني بالملك.
وتبعت هذا اللقاء لقاءات اخرى شارك في معظمها الأمير فيصل.
وبعد خمسة ايام من المفاوضات، ابرق جورج-بيكو الى حكومته يقول:
»ان الملك يعرف الآن مضمون اتفاقنا ولم يبد متأثراً الى الحّد الذي كنا نخشاه [….
].
يمكننا منذ الآن ان نقول ان الدور الفرنسي في سورية سيكون، في خطوطه الكبرى، شبيهاً بالدور الإنكليزي في العراق.
سنتعاون مع ممثلي الملك في المناطق الإسلاميّة من سوريا بواسطة مستشارينا.
أمّا المناطق المسيحيّة، فإن إستولينا عليها قبل تهاية الحرب، فسننشئ فيها دولة تكون تحت حمايتنا».
بعد ان اطّلع وزير الخارجية الفرنسي على برقية جورج-بيكو، طلب منه ان يعلن إلى ممثّل فرنسا في الحجاز، بأن يوضّح للحسين ما المقصود بعبارة «المناطق الإسلامية من سوريّة» التي استعملت خلال المحادثات، وأن يؤكد له أن هذه التسمية تنطبق فقط على المناطق الداخليّة، وبالتحديد على المنطقة «أ» من اتفاق سايكس - بيكو، ولا تنطبق على المنطقة الزرقاء، اي على الساحل وكيليكيا.
فما كان من جورج-بيكو إلاّ ان أبرق بهذا الخصوص الى شرشلي في 13حزيران1917.
بعد الإنتصار الذي أحرزه الجنرال اللنبي على الجيش العثماني بيومين، وبالتحديد في21 ايلول1918، أبرق ستيفن بيشون (Pichon)، وزير خارجيّة فرنسا، الى بول كامبون (Cambon)، سفير بلاده في لندن، يطلب منه أن يبلّغ الحكومة البريطانيّة إصرار فرنسا على تطبيق اتفاق سايكس – بيكو.
تسلّح كامبون بهذه التعليمات ودافع بعناد عن وجهة نظر حكومته أمام وزير خارجيّة بريطانيا اللورد بلفور، وحصل منه، في 23 ايلول، على تصريح يقول فيه ان بريطانيا لن تقبل بان تقع سوريّة تحت نفوذ دولة اوروبيّة غير الدولة الفرنسيّة، وأضاف بلفور انه يتمنى ان يُعْلَن هذا الموقف بوضوح في فرنسا وخارجها.
في 27 ايلول، أي قبل انسحاب الأتراك من دمشق وبيروت بثلاثة أيام، استقبل الجنرال اللنبي الكابيتان كولندر (Coulondre)، مساعد المندوب السامي الفرنسي فرنسوا جورج-بيكو، وأخبره أنّه تلقى تعليمات سريّة من وزارة الحربيّة تطلعه على مضمون الاتفاق المعقود بين باريس ولندن عام1916، وتطلب منه العمل على تنفيذه وعلى»إنشاء إدارة عربيّة مع ضابط ارتباط فرنسي في منطقة «أ» من اتفاق1916، وإدارة فرنسيّة في المنطقة الزرقاء».
في 30 ايلول، بينما كانت فلول الجيش التركي تغادر سوريّة، كان السفير الفرنسي في لندن يُعِدّ مع الحكومة البريطانيّة إتفاقاً حول ادارة اراضي العدو التركي التي تّم الإستيلاء عليها أو التي ستستولي عليها لاحقاّ الجيوش الحليفة.
وقد ورد فيه ان القائد العام، الجنرال اللنبي، يعترف بممثّل الحكومة الفرنسيّة مستشاراً سياسياً له في مناطق النفوذ الفرنسي من هذه الأراضي، ويعتبره «الوسيط الوحيد بينه وبين اية حكومة او حكومات عربيّة موقتة او دائمة، يمكن ان تنشأ في منطقة «أ» من اتفاق 1916 «.
كما يعهد اليه، بصفته هذه «ان يؤسس ادارة مدنيّة في المدن الساحليّة وفي المنطقة الزرقاء بصورة عامة [….
] وان يختار الأشخاص المناسبين للوظائف المدنيّة في المدن الساحليّة وفي الأقسام الأخرى من المنطقة الزرقاء».
في الثاني من تشرين الأّول، وافقت الحكومة الفرنسيّة رسميّاً على هذا الإتفاق واصبح نافذاً.
بينما كان مصير الأراضي العثمانيّة المحتّلة يقرّر في لندن وباريس، كان لورانس وفيصل وزعماء الأحزاب والحركات الوطنيّة في دمشق يعتمدون حلولا مغايرة تماماً ويحاولون فرض الأمر الواقع على حكومات الدول الأوروبيّة المنتصرة.
وافق رضا الركابي، بعد استلامه السلطة في دمشق، في 2 تشرين الأوّل، على البرقيات التي ارسلها محمد سعيد الجزائري الى بيروت والمدن الساحليّة الأخرى، وعلى قيام حكومات عربيّة فيها.
انه قرّر، بالاضافة الى ذلك، ارسال شكري الأيوبي الى بيروت حاكماً عسكرياً مع قوّة عربيّة رمزيّة.
كان الركابي منتسباً الى جمعيّة العربيّة الفتاة ورئيساً لبلديّة دمشق، وكان من المدافعين عن العروبة، ولكنّه كان ينتمي الى تيار وطنّي قوّمي يتردّد في ترك القيادة للحجازييّن، وكان هذا التيّار يضّم عدداً من الشخصيات المقيمة في سوريا واخرى من الجاليات في بلاد الإغتراب.
وقد اتخّذ بعضها علانيّة موقفاً معادياً للهاشمييّن.
ففي تشرين الأوّل مثلاً، وُجّه نداءٌ الى «الدول الكبرى التي حرّرت سوريّة»، يحتّج فيه الموقعون على «دخول القبائل العربيّة دمشق وعلى تدخل الحجازيّين في شؤون سوريا»، ويؤكد انه «لا يوجد اي رابط قومي بين هذه القبائل ذات الأنطمة البدائيّة [….
] والشعب السوري».
وفي النهاية يرجو النداء من الدول الكبرى «ان تفصل القضيّة السوريّة عن القضيّة العربيّة» وان تنشئ دولة سورية موحدّة ومستقلّة و»منفصلة كلياً عن المناطق الأخرى الناطقة باللغة العربيّة».
يبدو ان الركابي لم يكن بعيداً عن هذه الأفكار، وقد قرّر، بالاتفاق مع عدد من قادة الحركة الوطنيّة، ارسال شكري الأيوبي الى بيروت ليضع فيصلاً والحلفاء امام الأمر الواقع، ربماّ لأنه كان يخشى ان يقدّم الهاشميّون تنازلات لفرنسا في المنطقة الساحليّة.
لم يكن باستطاعة فيصل ان يتنكّر لإجراء كهذا، فلو فعل لخسر شعبيته في سوريّة بكاملها.
نذكّر هنا بان جبل لبنان وساحله كانا خاليين من الجيوش الحليفة التي لم تدخلهما إلا في الثامن من تشرين الأوّل.
لذا اعتبر الركابي ورفاقه ان الإستيلاء عليهما، ولو بقوّة عسكريّة رمزيّة، قبل وصول القوات البريطانيّة، يخوّلهم ضمّهما الى الدولة العربيّة، طبقاً لما ورد في «التصريح الموّجه الى السبعة» الذي تكلمنا عنه سابقاً.
لقد اعترفت بريطانيا للعرب، في هذا التصريح، بالسيادة التامّة على الأراضي التي حرّروها بأنفسهم من النير العثماني.
لكن الجنرال الإنكليزي كلايتون (Clayton) رفض تطبيق هذا المبدأ على بيروت والساحل، وأبرق الى حكومته يقول:
«يمكننا التأكيد، بكل صدق، ان جلاء الأتراك عن بيروت اتى نتيجة لاستيلاء القائد الأعلى البريطاني ]اي اللنبي[ على دمشق، ولم يكن نتيجة لعمل عسكري قام به العرب».
دعم اللنبي، عن غير قصد، بالاجراءات التي اتخذها، موقف الركابي واضعف موقف فيصل.
كان هدفه في الأساس ابعاد الأمير عن الإدارة المحليّة ليتفرّغ لقيادة القّوات العربيّة.
لذا ثبّت الركابي في حكم منطقتي «أ» و»ب» من اتفاقيّة 1916، اي سوريا الداخليّة.
سرعان ما ادرك اللنبي انه اخطأ في قراره هذا لأن الركابي لم يكن مديناً بشيء لبريطانيا ولم يكن ملزماً بمراعاة الإتفاقات المعقودة بينها وبين حليفتها فرنسا.
حسم الوضع في دمشق وفي المنطقة الساحليّة وتصفيّة الحسابات بين فيصل والجزائريّين.
قبل وصول اللنبي وفيصل الى دمشق، كان قرار ارسال الأيوبي الى بيروت قد اتخذ، وقد غادر مع مئة فارس وعدد من المرافقين، منهم جميل الألشي ورفيق التميمي ورستم حيدر، في ليل 3 إلى 4 تشرين الأول كما ذكرنا، وبات تلك الليلة في خان ميسلون، وتابع سيره في صباح اليوم التالي، 4 تشرين الأول، باتجاه راشيا، فحاصبيا، فصيدا، ووصل بيروت في السابع من تشرين الأول حيث استُقبل بحفاوة، وصعد في الثامن منه الى بعبدا حيث اعلن اعادة امتيازات المتصرفيّة التي كان الباب العالي قد ألغاها خلال الحرب، واجتمع بحبيب باشا السعد، رئيس مجلس الإدارة الذي كان جمال باشا قد حلّه في آذار1915، وعيّنه حاكماً مكان الأميرين مالك شهاب وعادل ارسلان، فأقسم السعد يمين الولاء للملك حسين ولحكومة فيصل.
ذكرنا ان اللنبي دخل دمشق في 3 تشرين الأول ونزل في فندق فيكتوريا حيث قصده فيصل حال وصوله.
اتسّمت المقابلة بين الرجلين بشيء من التوّتر وحضرها لورانس كمترجم، كما حضرها نوري السعيد والقائد الأوسترالي شوفيل وعدد من الضباط الإنكليز.
أفهم اللنبي الأمير انه تلقى تعليمات من حكومته تنصّ على ان الأراضي التي احتّلتها الجيوش الحليفة تعتبر»اراضي العدو» وهي تحت أمرته وان بريطانيا مسؤولة عن ادارتها، وأنه سيوكل الى فرنسا ادارة المنطقة الساحليّة، وذلك تطبيقاً للاتفاق المعقود بينها وبين بريطانيا العظمى.
لم يتوقف لورانس في «اعمدة الحكمة السبعة» عند هذا اللقاء.
انه يذكر فقط ان اللنبي سلّم فيصلاً برقية مرسلة من وزارة الخارجية في لندن تعترف فيها بريطانيا للعرب بصفة «حلفاء محاربين « وطلب منه ان يترجمها للامير.
أما الجنرال الأوسترالي شوفيل، فيصِف هذا اللقاء بإسهاب ويؤكد أنّ اللنبي قال ليفصل إن المنطقة العربية ستضم سوريا الداخلية فقط وستكون المنطقة الساحلية، باستثناء فلسطين، تحت الإدارة الفرنسية المباشرة، وانه يتوجب على الامير ان يتعامل مع الفرنسيين بواسطة ضابط ارتباط فرنسي، وان هذا الضابط سيتعامل مع لورانس.
احتج فيصل على حصر حدود الدولة العربية بالمنطقة الداخلية من سورية وأجاب انه على استعداد للتعاون مع الفرنسيين.
يقول شوفيل ان القائد العام البريطاني نظر انذاك إلى لورانس وسأله:
» أفلم تقل له ان سورية ستكون تحت الحماية الفرنسية؟
»، اجاب لورانس “كلا، لاني لم اكن اعرف ذلك»، تابع النبي «كنت بالتأكيد تعرف انه غير مسموح لفيصل ان يتدخل بشؤون لبنان».
اجاب لورانس:
» كلا، وهذا لم اكن اعرفه».
استمر الحديث في هذا الجو الضاغط بعض الوقت، فانهاه اللنبي بقوله لفيصل انه هو القائد العام للجيوش الحليفة، وان الامير، قائد القوات العربية، وهو تحت إمرته، وعليه ان ينفذ ما يُطلب منه .
أما مصير المنطقة الساحلية ومصير لبنان وحدود الدولة العربية، فكلها امور ستتم معالجاتها عند انتهاء الحرب .
غادر فيصل للحال.
أما لورانس فتابع حديثه مع اللنبي لدقائق معدودة وقال للقائد العام انه يرفض ان يتعاون مع ضابط ارتباط فرنسي، وربما من الافضل له ان يعود إلى انكلترا.
اجاب اللنبي للحال:
» أنا اوافق على عودتك».
غادر لورانس دمشق في اليوم التالي، 4 تشرين الاول، وذهب إلى القاهرة ومنها إلى لندن في 15 من الشهر عينه.
في تلك الأثناء، كان الفرنسيون يمارسون شتى أنواع الضغط على الحكومة البريطانية لتمنع فيصلا وجماعة الركابي من الامساك بالمنطقة الزرقاء من اتفاق سايكس- بيكو.
في اليوم الذي توجه فيه شكري الأيوبي إلى بيروت، احتج مساعد المفوض السامي الفرنسي، الكابتن كولوندر، لدى الجنرال البريطاني كلايتون على هذا القرار، ولكن كلايتون تهرّب من الموضوع وغادر بسرعة إلى فلسطين حيث مركز القائد العام.
فما كان من كولندر الا ان طلب موعدًا من فيصل، وفي الوقت نفسه، ألحّ على حكومته كي تأمر الاسطول الفرنسي في المتوسط بالتوجه بسرعة إلى بيروت وبالقيام بعملية انزال في المدينة.
التقى كولندر فيصلا في 6 تشرين الاول ووجّه اليه اللوم لأنه وافق على ارسال الأيوبي إلى بيروت على الرغم من التفاهم الذي كان قد جرى بشأن المنطقة الساحلية في اذار1917، في جدة، مع مارك سايكس وفرانسوا جورج - بيكو والذي يفرض عليه، على أي حال، الحصول على موافقة الحكومة الفرنسية قبل الاقدام على خطوة من هذا النوع .
اجاب فيصل أنّ همه الوحيد هو طرد الأتراك من البلاد العربية؛ أما المسائل السياسية فيترك معالجتها للسياسيّين.
أضاف الأمير أن الغاية من ارسال الأيوبي هي الحفاظ على الأمن ليس إلا .
خلال هذه الايام نشطت الاتصالات بين حكومتي باريس ولندن وبين هاتين الحكومتين وقادة الجيوش الحليفة المنتصرة في الشرق .
ففي 5 تشرين الأوّل، تلقى الاميرال فارنيه(Varnier)، قائد المجموعة البحرية الفرنسية في سورية، أمرًا بمغادرة بور سعيد والتوجه إلى بيروت، فدخل المرفأ في السابع من تشرين الاول، فاستقبل بحماس شعبي .
وفي اليوم التالي دخلت المدينة مقدّمة فرقة المشاة السابعة الهندية ودخل بعدها الجنرال بلفين (Bulfin) قائد الفيلق البريطاني الحادي والعشرين، يرافقه الكولونيل دو بيابات (De Piépape)، مع مفرزة من القوات الفرنسية.
وفي اليوم عينه، 8 تشرين الأول، أبرق وزير الخارجية الفرنسي إلى كلوندر يقول له:
«ان دخول الاميرال فارنيه بيروت والحفاوة التي استقبل بها يشكلان، بالنسبة الينا، نقطة ارتكاز لكي نرفض، بالاتفاق مع الجنرال اللنبي، اخضاع أي قسم من المنطقة الزرقاء لإدارة ممثلي الأسرة الهاشمية .
لا مجال للتفاوض حول هذه النقطة ولا يجب ان تناقشها مع الأمير فيصل.
علينا فقط ان نبلّغه قرارنا الذي سيلاقي دون شك الدعم اللازم من الجنرال اللنبي[.
.
]«أما فيما يخصّ لبنان، فعليك ان تجتمع بأعضاء مجلس الإدارة .
انهم يعلمون ان الحلفاء لا ينوون اضعاف السلطة اللبنانية [.
.
.
] نحن مستعدون للاعتراف بسلطة مجلس الإدارة على بيروت والبقاع وطرابلس إذا رغب سكان هذه المناطق في الانضمام إلى لبنان.
.
».
التقى كولندر في ليل 8 إلى 9 تشرين الاول، الجنرال اللنبي في القدس، فقال له القائد العام إنه عيّن الكولونيل دو بيابات حاكمًا عسكريًا على بيروت ومسؤولاً عامًا عن الإدارة العسكرية في المنطقة الزرقاء من اتفاقية1916، وانه اصدر أوامره بهذا الشأن إلى الجنرال بلفن، ثم اضاف:
» ان الحاكم العسكري الذي عينه فيصل، مت دون ان يكون له حق في ذلك، لم يعد منذ الآن في الوظيفة» .
لام اللنبي كولندر لانه فاوض فيصلا بشأن المنطقة الساحلية وكرر له ان مسألة تعيين الحكام هي من صلاحيات القائد العام وليست من صلاحيات فيصل الذي يعتبر فقط جنرالا من جنرالات الجيوش الحليفة.
في اليوم عينه، ابرق وزير الخارجية الفرنسي إلى كولندر يطلب منه الانتقال بسرعة إلى بيروت والعمل على تشجيع السكان على القبول بضم بيروت وطرابلس والبقاع ومتصرفيّة جبل لبنان في دولة واحدة ، مركزًا على المنافع التي يجنيها الجميع من هكذا عملية.
هكذا جزم الفرنسيون امرهم، ثم عينوا الجنرال هاملان(Hamelin)، قائدًا لقواتهم في سوريا بدلا من الكولونيل دو بيابات لان رتبة هذا الاخير لا تسمح له بأن يفاوض اللنبي ندًّا لند.
وبدأوا بتوزيع المساعدات الغذائية مباشرة على المعوزين في بيروت ودمشق دون المرور بالحكومة العربية .
نفّذ الجنرال بلفين بسرعة اوامر اللنبي :
ففي ليل10 إلى11 تشرين الاول استولت سريّة من الجيش البريطاني على سراي الحكومة في بيروت وانزلت العلم العربي.
أمّا الأيوبي فمُنع من دخول المبنى وطُلب منه مغادرة البلاد.
ولما رفض الامتثال للامر، هدده بلفين باستعمال القوة ضده، فرضخ .
أدرك فيصل ان هامش المناورة امامه اصبح ضيّقًا وأنّه من الصعب عليه الوقوف في وجه الحلفاء المنتصرين .
في المنطقة الساحلية، أُنزلت الأعلام العربيّة عن الأبنية الرسمية وحلّ ضبّاط فرنسيّون محل الضباط الذين عيّنتهم دمشق.
في المتصرفية، بقي حبيب باشا السعد في وظيفته مع أعضاء مجلس الإدارة.
وفي البقاع إستمر الموظَّفون السابقون في مراكزهم.
إنتظر كولندر ودو بياباب تعليمات القائد العام قبل اتخاذ أية خظوة بشأن الجبل.
إجتمع اللنبي بفيصل في دمشق وأبلغه أنه قسّم أراضي العدو العثماني المحتلّة إلى ثلاث مناطق:
جنوبية، أي فلسطين، بإدارة بريطانية، وشرقية، اي سوريا الداخلية، بإدارة عربية، وشمالية، أي الساحل، بإدارة فرنسية.
وفي الوقت عينه، حدّ اللنبي من صلاحيات الركابي وأطلق يد فيصل في إدارة منطقتي «أ» و»ب» من إتفاقية 1916.
وفي 22 تشرين الأول أصدر الحاكم قراراً سمّى فيه الأقضية التي تَضُمّ كلاً من هذه المناطق وعيّن، بصورة رسمية، حكّامها العسكريين:
الجنرال مونيه (Money) للمنطقة الجنوبية، والكولونيل دو بياباب للمنطقة الشمالية وعلي رضا الركابي، طبعاً تحت إشراف فيصل، للمنطقة الشرقيّة.
شكّلت متصرّفية الجبل ومعها سهل البقاع جزءاً من المنطقة الشمالية.
أصبح باستطاعة الفرنسيين – وكانت قواتهم التي شاركت في القتال على جبهة فلسطين قد وصلت الى بيروت في 20 تشرين الأول – أن يحسموا مسألة الحكم في المتصرّفية.
وفي النهاية قرّ الرأي على تعيين الكابيتان بوشير(Beuscher) قائد السرية اللبنانية – السورية في القوات الفرنسية القادمة من فلسطين، حاكماً عسكرياً، وعلى تثبيت مجلس الإدارة برئاسة حبيب باشا السعد.
صعد دو بياباب، في 25 تشرين الأول، الى بعبدا حيث استُقبل بحفاوة، فوضع هذه القرارات موضع التنفيذ7.
أما سهل البقاع، فطلب اللنبي من دو بياباب تأجيل الاستيلاء عليه وتأجيل ضمّه الى المنطقة الزرقاء الى وقت لاحق.
في 31 تشرين الأول، وقّع الأتراك على هدنة مودروس.
وفي الثامن من تشرين الثاني، أصدرت الحكومتان الفرنسية والبريطانية تصريحاً مشتركاً يتعلّق بمصير الأراضي المسلوخة عن الدولة العثمانية، كان الهدف منه تبديد مخاوف العرب وطمأنة الرئيس ولسون صاحب مبدأ حق تقرير المصير.
وممّا جاء في هذا التصريح:
«إن الهدف الذي عملت لأجله فرنسا وبريطانيا العظمى، في متابعتهما في الشرق الحرب التي أثارتها مطامح ألمانيا، هو التحرير التام والنهائي للشعوب التي طالما رزحت تحت النير التركي، وإقامة حكومات وإدارات وطنية تستمد سلطتها من مبادرة السكان الأصليين وخيارهم الحر.
لا تسعى الدولتان الى فرض أية مؤسّسات على هؤلاء السكان، وإن هاجسهما الوحيد هو توفير الدعم والمساعدة لهم لكي يؤمّنوا انتظام العمل في الحكومات والادارات التي يختارونها لأنفسهم.
».
إطمأنّ العرب لهذا التصريح، وكان اللنبي قد أكّد لفيصل أن التقسيمات الإدارية التي اعتمدها في الأراضي العثمانية المحتلّة هي موقتة وأن مصير هذه الأراضي سيقرره مؤتمر الصلح.
أخذ فيصل يستعد للسفر الى باريس للمشاركة في المؤتمر، ولكنّه كان يخشى أن يترك وراءه، في سوريا، الأخوين الجزائريين سعيد وعبد القادر اللذين كانا يحاولان التقرب من الفرنسيّين، لذا قرر تصفية حساباته معهما قبل سفره.
ففي 9 تشرين الثاني، أصدر حاكم سوريا العسكري، علي رضا الركابي، أمرًا باعتقال الأميرين وإرسالهما الى المنفى، مؤكّداً أنه يفعل ذلك بأمر من الحكومة البريطانية ومن الأمير فيصل.
أرسل اركابي رجال الأمن للقبض على الأميرين.
إنصاع محمد سعيد وسلّم نفسه وكان نصيبه بعد ذلك النفي الى فلسطين.
أمّا عبد القادر فتبادل إطلاق النار مع رجال الأمن وأدى الحادث الى مصرعه والى سقوط عدد من القتلى والجرحى.
هكذا تخلص فيصل من الأميرين الجزائريين.
لم يضع مقتل الأمير عبد القادر حدًاّ للصراع على السلطة بين القوى المحلية الثلاث التي ذكرناها في مطلع هذا البحث.
فالقيادات والأحزاب الوطنية القومية السورية التي قبلت على مضض زعامة الهاشميين كانت لهم في المرصاد تراقب تحرّكاتهم وأعمالهم لتنقضّ عليهم عند أول خطأ يرتكبونه.
هذه القوى هي التي أجهضت كلّ محاولات التقرب بين فيصل وفرنسا، منها اتفاق 6 كانون الثاني 1920، وكانت تسيطر على المؤتمر السوري وعلى اللجنة الوطنية العليا في دمشق.
أما فيصل، فكلّما مرت الأيام كلّما ضاق في وجهه هامش المناورة.
إنه دافع عن القضية العربية في مؤتمر الصلح وأحرز بعض النجاح في ربيع 1919، بفضل الدعم الذي كان يلقاه من الرئيس الأميركي ولسون ومن الحكومة البريطانية.
فاضطر الأمير الى مفاوضة الفرنسيين من جديد والتوصل معهم الى اتفاق 6 كانون الثاني 1920 ولكنّه عجز عن تنفيذه بسب رفض القيادات السورية له.
إما التخلّي عن الاعتدال، والانجراف وراء التيار الاستقلالي المتصلّب والقبول بفكرة الصدام المسلّح مع الفرنسيين، وإما تطبيق الاتفاق المعقود في باريس والتصدي بالقوة لمعارضيه وإما الاستقالة.
فاختار الحل الأول.
هذا ما وتر العلاقات بينه وبين الحلفاء وأدى الى معركة ميلسون في تموز 1920 والى سقوطه.
أما الأمير محمد سعيد الجزائري، فبعد مقتل أخيه، نُفي، كما ذكرنا، الى فلسطين، لكنه ظلّ يحلم بعرش سوريا.
فحاول التقرب من الفربسيين ولكن هؤلاء لم يدعموه ولم يكونوا يثقون به.
وبعد معركة ميلسون، وبالتحديد في شهر آب 1919، رشّح سعيد نفسه علانية لاعتلاء عرش سوريا، ووجه رسالة بهذا الخصوص الى ستيفن بيشون وزير خارجية فرنسا، ويذكّر بمقتل أخيه غدراً على أيدي عملاء الإنكليز وعلى أيدي أتباع فيصل أعداء الفرنسيين.
أثار تقرب الأمير محمد سعيد من الفرنسيين وترشيح نفسه لعرش سوريا غضب فيصل وغضب البريطانيين، فما كان من اللنبي إلا أن أصدر أمراً، في 16 آب 1919، باعتقال الأمير الجزائري من جديد ونفيه الى مصر.
فهاجمت منزله في بيروت قوة من الجيش البريطاني واعتقلته على الرغم من أنه كان يتمتع بالحماية الفرنسية وأن العملية تمت في قلب المنطقة الزرقاء الخاضعة للإدارة الفرنسية المباشرة.
كادت هذه الحادثة تتسبب بأزمة دبلوماسية بين باريس ولندن.
هذا كان مصير الأسرتين الجزائرية والهاشمية الطامحتين إلى العرش السوري.
أما زعماء الحركات الوطنية فتشتتوا بعد معركة ميسلون:
هاجر قسم منهم الى الأردن وفلسطين، وقسم الى مصر وقسم الى العراق.
وقد أفاد دعاة القومية اللبنانية والمنادون بلبنان الكبير من هذه الظروف لفرض خياراتهم.
أما البريطانيّون والفرنسيّون، فبعد مرحلة من الصراع المتّسم أحياناً بالحدّة والعدوانية، سوّوا خلافاتهم المتعلّقة بالشرق الأوسط في إطار مؤتمر سان ريمو حيث تم رسميًا، فرض الإنتداب الفرنسي على سوريا ولبنان والإنتداب البريطاني على فلسطين والعراق.
في 19 أيلول 1918، أحرز الجنرال اللنبي ((Allenby إنتصاراً حاسماً على العثمانيين في فلسطين، فانفتحت أمامه أبواب سوريا، فما كان منه الا ان دفع بقواته نحو الشمال.
ذُعر الموظفون الأتراك، فأخلوا دمشق وبيروت ومتصرفية جبل لبنان في 13 أيلول، فيما كانت فلول الجيش التركي تنسحب باتجاه حلب والأناضول.
هنا بدأ صراع للاستيلاء على السلطة في بيروت ومتصرفية جبل لبنان ودمشق وبقية المدن السورية بين قوات عربية ثلاث، الأولى هي الأسرة الهاشمية على رأسها الأمير فيصل إبن الشريف حسين ملك الحجاز ومطلق الثورة العربية عام 1916، والثانية هي أسرة عبد القادر الجزائري، بزعامة إثنين من أحفاده، هما الأمير محمد سعيد وأخوه عبد القادر؛ وتمثلت الثالثة بعدد من الوجهاء القيّاديين الوطنيين السوريين.
أما سكان متصرفية جبل لبنان فتوخّوا الحذر بانتظار تبلور الأوضاع.
كانت هذه القوى المحلّية تخشى أطماع الدول الكبرى المنتصرة في الحرب، لا سيما أطماع بريطانيا وفرنسا، الدولتين الإستعماريتين التين كانتا قد خططتا، منذ عام 1916، من خلال إتفاقية سايكس – بيكو، لاقتسام تركة الدولة العثمانية المحتضرة.
سيطرة الجزائريين على السلطة في دمشق وتنحيتهم عشية انسحاب الأتراك من دمشق، نظم الأخوان محمد سعيد وعبد القادر الجزائريان ميليشيا من المغاربة المقيمين في العاصمة السورية.
ويؤكد محمد سعيد في مذكراته أنه فعل ذلك بموافقة جمال باشا الصغير المعروف بالمرسيني، قائد الجيش التركي.
كان هدفه حماية المدينة وحماية انسحاب الأتراك.
في 13 أيلول، اجتمع عدد من وجهاء دمشق في دار البلدية واختاروا الأمير محمداً سعيداً رئيساً للحكومة المؤقتة، فرفع العلم العربي على الدار المذكورة مكان العلم العثماني، وابرق الى بيروت والى مختلف المدن السورية معلناً قيام حكومة عربية في دمشق باسم الشريف حسين داعياً الناس الى الهدوء والسكينة.
ابتدأ الأمير محمد سعيد،بعد إمساكه بزمام الأمور بالعاصمة السورية في 30 أيلول كما ذكرنا، بأداء”قسم الولاء والإخلاص”للملك حسين ويرفع العلم العربي.
أنه يؤكد في مذكراته أنه اتفق مع الأمير فيصل على اللأمر عندما اجتمع به عند وهيد، غربي معان، في آب 1918، وهدفهما من ذلك إعلان الإستقلال قبل وصول الجيوش الأجنبية، كما يؤكد أن الشريف ناصر الذي دخل دمشق صبيح الأول من تشرين الأول (أوكتوبر)، فوّض إليه إليه إدترة الحكومة ريثما يصل فيصل.
نجد تفاصيل أخرى في بعض المصادر حول نشأة حكومة محمد سعيد الجزائري، أن يوسف الحكيم، مثلاً، يروي في مذكراته أن فريقا من”الوجهاء والمفكرين الدمشقيين”إجتمعوا في بهو المجلس البلدي في دمشق”وقرروا إقامة حكومة مؤقتة تحول دون الفوضى، ريثما تصل الجيوش المظفّرة”واختاروا لرئاسة هذه الحكومة الأمير سعيد الجزائري.
لكن الرواية التي نجدها في كتابات لورانس وفي رسائله، كما في مذكراته عدداً من مؤيّدي فيصل، تختلف عما ذكرناه سابقاً إذ أنها تعطي إنطباعاً أن الأخوين الجزائريين إغتصبا السلطة في دمشق ولم يستلماها لا بموافقة فيصل ولا بناءً لطلب من الوجهاء الدمشقيين.
أما ما كتبه لورانس في أعمدة الحكمة السبعة وفي عدد من رسائله حول هذا الموضوع، فهو ينضح بحقده على الأخويين الجزائريين.
وفي رسالة وجهها الى الضابط الإنكليزي ستيرلنغ بتاريخ 28 حزيران 1919، يؤكد أن فيصلاً هو الذي طلب منه”التخلص منهما".
ويختم رسالته بهذه الجمل :
”إذاً كان يوجد في سوريا آنذاك شخصان يستحقان الموت شتقاً أو رمياً بالرصاص، فهذان الششخصان هما دون شك الأخوان الجزائريان.
آسف كثيراً للحرية التي تركت لمحمد سعيد.
لقد طالب فيصل بسجنه أكثر من مرة.
".
حال وصوله الى دمشق في الأول من تشرين الأول، نصّب لورانس نفسه ممثلاً للأمير فيصل، فعمد، الى عزل الأمير محمد سعيد الجزائري من الحكم وإعلان قيامة حكومة عسكرية برئاسة شكري الأيوبي، نيابةً عن رضى الركابي الذي لم يكن قد عاد الى دمشق بعد.
إنسحب الأخوان الجزائريان على مضض.
ولكن بعد ظهر الأول من تشرين الأول بدأت الفوضى تهب في دمشق، وفي ليل 1 الى 2 تشرين الأول، إندلعت ثورة حقيقية في المدينة فتدفقت الى شوارعها قواتٌ درزية وبدوية وقامت بأعمال نهب.
لكن القوات العربية تدخلت بسرعة بطلب من لورانس وكسحت برشاشاتها الأحياء المضطربة، فقمعت حركة التمرد موقعة أكثر من 20 قتيلاً في صفوف المتسللين.
وقد إتهم لورانس في مؤلفاته وفي مراسلاته الأخوين الجزائريين أنهما مسؤولان عن هذه الحركة، وبأنهما حرضا أتباعهما كما حرّضا الدروز مدّعيين أن الهاشميين ومؤيديهم هم دمى تحركهما بريطانيا كما تشاء وطالبين من الجميع القيام بعمل ما دفاعاً عن الدين.
إن شهادات المعاصرين في حكومة محمد سعيد وعبد القادر الجزائريين لم تكن دائماً سلبية كما يصوّرها لورانس والمقرّبون من بريطانيا ومن الهاشميين.
إن عدداً من هؤلاء المعاصرين أثنوا على الإجراءات التي اتخذها الأخوان الجزائريان آناذاك.
نستخلص مّما سبق أن لورانس وعملاء الإنكليز بصورة عامة ومؤّيدي فيصل كانوا يخشون ان تفلت السلطة في دمشق من أيديهم، خصوصاً وان الأخوين الجزائريّين، حفيدي عبد القادر الكبير، كانا يشكلان خصمين خطيرين للهاشميّين:
فأسرَتُهما الكريمة النسب، وتاريخ جدّهما العريق ومكانتهما في العالم الاسلامي ووزنهما السياسي في سوريا وعلاقتهما بفرنسا كانت كلّها تخولهما الطموح الى الحكم والوقوف في وجه المخططات الإنكليزية-الحجازية، وهذا ما دفع لورانس الى الإسراع في التخلص منهما.
دخول فيصل واللنبي دمشق ما كانت هوّية الفريق العسكري التي دخلت دمشق توّاً بعد انسحاب العثمانيّين، أكانت عربية أم بريطانيّة؟
أثار الجواب على هذا السؤال جدلاً بين المؤرخين لان له ابعاداً سياسية مهمة نوضحها بما يأتي:
في ربيع ١٩١٨، وجّه سبعة من الزعماء العرب المقيمين في مصر مذّكرة إلى الحكومة البريطانيّة، سُلّمت إلى المكتب العربي في القاهرة، يستوضحونها سياستها تجاه الأقطار العّربية ويسألون عن مصير هذه الأقطار بعد انتهاء الحرب.
في ١٦حزيران من السنة نفسها، أرسلت لندن جوابها وهو يعرف ب"التصريح الموّجه الى السبعة"، قسّمت فيه الحكومة البريطانية المنطقة التي كان يطالب الحسين باستقلالها إلى أربعة اقسام.
يضّم القسمان الواحد والثاني البلاد العّربية التي كانت مستقلّة قبل الحرب والتي حررها العرب بانفسهم، تعترف بريطانيا بالسيادة التامة للعرب على هذه الأراض.
أما القسم الثالث، فيضّم المناطق التي حرّرتها الجيوش الحليفة، فأكّدت لندن”ان الحكومة المقبلة لهذه الأقاليم يجب ان تقوم على مبدأ موافقة المحكومين".
يبقى القسم الرابع وهو يضّم الأراضي التي كانت لا تزال تحت النير التركي، اي الولايات السورية ومتصرفية جبل لبنان وولاية الموصل، فورد في التصريح"أنّ الشعوب المضطهدة في هذه الأراضي يجب ان تفوز بالحرية والإستقلال".
على الرغم من اهميّة ما ورد في التصريح عن القسمين الثالث والرابع، فإنّ العرب أبدوا اهتماماً خاصاً بما ورد بشان القسم الثاني، اي الأراضي التي حرّروها بأنفسهم والتي يجب ان تتمتّع بالسيادة التامّة.
هنا تكمن اهمية القول انّ القوات العربية هي التي دخلت دمشق قبل القوات البريطانيّة.
من المؤكّد ان فرقة الخيّالةالأوسترالية وفوجاً من الخّيالة السباهة الفرنسييّن وصلا الى ضواحي دمشق في٣٠ أيلول الساعة الواحدة بعد الظهر.
وللحال صدر أمرٌ من القيادة العامة البريطانيّة يطلب منهما وقف تقدمهما نحو المدينة.
لكّن السجل الميداني اليومي للقوات الأوستراليّة يظهر ان لواء الخيّالة الثالث الأوسترالي دخل دمشق في الأول من تشرين الأول حوالي الساعة الساجسة صباحاً، وأنّ قائد الفوج العاشر الذي كان في الطليعة، عندما بلغ مبنى البلديّة، دخله ووجد فيه الأمير محّمد سعيد الجزائري محاطاً بمجموعة من الأعيان والوجهاء.
الخيّالة الأوسترالييّن غادروا دمشق حوالي السّاعة السابعة واتّجهوا شمالاً لمطاردة فلول الجيش التركي.
الأمير سعيد الجزائري يؤكد دخول الأوسترالييّن دمشق قبل القوات العربية التي كان يقودها الشريف ناصر.
يبدو انّ هذا الأخير لم يصل الى المدينة إلا حوالي الساعة السابعة والنصف او الثامنة صباحاً.
اما لورانس فلم يدخل دمشق إلا في الساعة التاسعة، فغضب غضباً شديداً عندما علم ان الأوسترالييّن كانوا اوّل الواصلين، لأن تصريح الحكومة البريطانية الموّجه الى السبعة كان في ذهنه، وكان يرغب في ان تحتل القوات العربية قبل سواها المدينة لكي تخضع سوريا للسيادة العربيّة.
بعده مباشرة وصل الجنرال شوفل (chauvel)، القائد الأعلى للقوات الأوستراليّة، واتّجه فوراً نحو مبنى البلديّة حيث التقى لورانس والأيوبي.
ولماّ علم ان هناك حكومة عربيّة نصّبت باسم الملك حسين، رفض الإعتراف بها.
إن القوات الأوستراليّة قاتلت بضراوة في الأيّام التي سبقت انسحاب الأتراك، وتوجّت تضحياتها بدخول خياّلتها دمشق قبل سواهم، لذا كان شوفل يرفض ان يسرق منه النصر وينسب الى العرب، وقد تسبب ذلك بتوّتر العلاقة بينه وبين لورانس.
في2 تشرين الأول، دخل دمشق الوف من الجيوش البريطانييّن مع فرقة صغيرة من الجنود الفرنسيّين، فاخترقوا المدينة متجهين شمالاً لملاحقة الجيش التركي المنسحب.
وفي الثالث من الشهر نفسه، وصل اللنبي ونزل في فندق فيكتوريا، وثبّت الركابي-وكان قد عاد الى دمشق-في رئاسة الحكومة المؤقتة في المنطقة الداخليّة.
وفي اليّوم عينه وصل الأمير فيصل في قطار من درعا، فكلّف الضابط الإنكليزي هيوبرت يونغ (young) باستقباله باسم اللنبي، وقصد تواً فندق فيكتوريا حيث اجتمع بالقائد العام البريطاني لأّوّل مرّة.
وكان هذا الأخير قد تلقى تعليمات واضحة من حكومته بشأن علاقة الحلفاء بالأمير فيصل وبشأن مستقبل الأراضي العربية المحّررة من النير العثماني.
لنا عودة بين الحديث الذي جرى بين الرجلين.
بيروت ومتصرفيّة جبل لبنان بين اتفاق سايكس-بيكو وتطّلعات الحكومة العربيّة في دمشق.
سلّم الوالي العثماني، اسماعيل حقي بك.
عند انسحابه من بيروت، شؤون الحكم الى رئيس البلدية عمر الداعوق.
وسلّم المتصرّف، ممتاز بك، إدارة الجبل في بعبدا، الى حبيب فياّض رئيس البلدّية.
وكان الأمير محمّد سعيد الجزائري، عقب توليّه السلطة، قد ابرق الى المدن السورية المختلفة والى بيروت، يخبر المسؤولين بانهزام الجيش التركي وبقيام حكومة عربيّة في دمشق بإسم الملك حسين، ويطلب منهم إنشاء حكومات مماثلة وحث السكان على التزام الهدوء.
وقد تلقى البطريرك الماروني بدوره برقيّةً هذا نصُها:
“غبطة بطريرك الطائفة المارونيّة، “إنه بعون الله تأسست الحكومة العربيّة المستقلة باسمنا.
فنطلب منكم، بإسم العربيّة والوطنيّة، أن تؤسسوا الحكومة عندكم في جبل لبنان.
25 ذي الحجّة 1336، رئيس الحكومة السوريّة، سعيد ابن الأمير علي باشا الجزائري".
لم يجب البطريرك بل فضّل الإنتظار ريثما تتبلور الأمور.
لكنّ موظفي المتصرفيّة اجتمعوا في بعبدا وانتخبوا الأميرين مالك شهاب وعادل ارسلان لإدارة شؤون الجبل بصورة مؤقتة.
فابرق الأميران الى البطريرك يطلعانه على ما جرى، فوجّه بدوره، في الخامس من تشرين الأوّل، برقيّة الى الأمير مالك شهاب يحثّه فيها على المثابرة على"إدارة الحكومة الموقتة بحزم وحكمة”ويطلب منه ان ينصح الأهالي بالخلود الى السكينة، و"بتوقيف كل مخابرة تتعّلق بشؤون البلاد مكتفين الآن بالحكومة الموقتة الى ان يكون تيّسر لنا ولهم تبادل الأراء بهذا الشإن لدى وصولنا قريباً الى مقرّنا في بكركي".
وكان مجلس الإدارة، بالاتفاق مع البطريرك، قد ارسل يستشير الفرنسييّن في جزيرة ارواد.
فكان جوابهم”إننا قادمون".
إن الاستيلاء على بيروت والمدن الساحليّة الأخرى ومتصرفيّة جبل لبنان كان يعتبر حيويّاً بالنسبة الى الزعماء الوطنيين السوريّين، وكذلك بالنسبة الى فيصل ولورانس.
كانوا جميعاً يعلمون انّ لفرنسا مصالح تاريخيّة في المنطقة الساحلية لن تتخلى عنها بسهولة وبأنها عقدت بشانها اتفاقاً مع بريطانيا عام 1916، هو اتفاق سايكس-بيكو.
يضاف الى ذلك ان فيصل ولورانس كانا يعلمان، منذ ربيع 1917، الخطوط الكبرى لهذا الإتفاق، بعد ان قررت باريس ولندن، في مطلع هذه السنة، اطّلاع الملك حسين على مضمونه، فأوفدتا الى الحجاز مالرك سايكس وفرنسوا جورج-بيكو اللذين وصلا الى جدّة في18 آذار1917 واجتمعا في اليوم الثاني بالملك.
وتبع هذا اللقاء لقاءات اخرى شارك في معظمها الأمير فيصل.
وبعد خمسة ايام من المفاوضات، ابرق جورج-بيكو الى حكومته يقول:
"ان الملك يعرف الآن مضمون اتفاقنا ولم يبد متأثراً الى الحّد الذي كنا نخشاه [….
].
يمكننا منذ الآن ان نقول ان الدور الفرنسي في سورية سيكون، في خطوطه الكبرى، شبيهاً بالدور الإنكليزي في العراق.
سنتعاون مع ممثلي الملك في المناطق الإسلاميّة من سوريا بواسطة مستشارينا.
أمّا المناطق المسيحيّة، فإن إستولينا عليها قبل نهاية الحرب، فسننشئ فيها دولة تكون تحت حمايتنا".
بعد ان اطّلع وزير الخارجية الفرنسي على برقية جورج-بيكو، طلب منه ان يعلن الى ممثّل فرنسا في الحجاز، بان يوضّح للحسين ما المقصود بعبارة”المناطق الإسلامية من سوريّة”التي استعملت خلال المحادثات، وان يؤكد له ان هذه التسمية تنطبق فقط على المناطق الداخليّة، وبالتحديد على المنطقة”أ”من اتفاقية سايكس-بيكو، ولا تنطبق على المنطقة الزرقاء، اي على الساحل وكيليكيا.
فما كان من جورج-بيكو إلاّ ان ابرق بهذا الخصوص الى شرشلي في 13حزيران1917.
بعد الإنتصار الذي احرزه الجنرال اللنبي على الجيش العثماني بيومين، وبالتحديد في21 ايلول1918، ابرق ستيفن بيشون (pichon) ، وزير خارجيّة فرنسا، الى بول كامبون (cambon)، سفير بلاده في لندن، يطلب منه ان يبلغ الحكومة البريطانيّة اصرار فرنسا على تطبيق اتفاق سايكس-بيكو.
تسلّح كامبون بهذه التعليمات ودافع بعناد عن وجهة نظر حكومته امام وزير خارجيّة بريطانيا اللورد بلفور، وحصل منه، في23 ايلول، على تصريح يقول فيه ان بريطانيا لن تقبل بان تقع سوريّة تحت نفوذ دولة اوروبيّة غير الدولة الفرنسيّة، وأضاف بلفور انه يتمنى ان يعلن هذا الموقف بوضوح في فرنسا وخارجها.
في 27ايلول، أي قبل انسحاب الأتراك من دمشق وبيروت بثلاثة أيام، استقبل الجنرال اللنبي الكابيتان كولندر (coulondre)، مساعد المندوب السامي الفرنسي فرنسوا جورج-بيكو، وأخبره أنّه تلقى تعليمات سريّة من وزارة الحربيّة تطلعه على مضمون الاتفاق المعقود بين باريس ولندن عام 1916، وتطلب منه العمل على تنفيذه وعلى"إنشاء إدارة عربيّة مع ضابط ارتباط فرنسي في منطقة ”أ” من اتفاق1916، وإدارة فرنسيّة في المنطقة الزرقاء".
في30ايلول، بينما كانت فلول الجيش التركي تغادر سوريّة، كان السفير الفرنسي في لندن يعّد مع الحكومة البريطانيّة إتفاقاً حول ادارة اراضي العدو التركي التي تّم الإستيلاء عليها أو التي ستستولي عليها لاحقاّ الجيوش الحليفة.
وقد ورد فيه ان القائد العام، الجنرال اللنبي، يعترف بممثّل الحكومة الفرنسيّة مستشاراً سياسياً له في مناطق النفوذ الفرنسي من هذه الأراضي، ويعتبره ”الوسيط الوحيد بينه وبين اية حكومة او حكومات عربيّة موقتة او دائمة، يمكن ان تنشأ في منطقة ”أ” من اتفاق1916”.
كما يعهد اليه، بصفته هذه ”ان يؤسس ادارة مدنيّة في المدن الساحليّة وفي المنطقة الزرقاء بصورة عامة [….
] وان يختار الأشخاص المناسبين للوظائف المدنيّة في المدن الساحليّة وفي الأقسام الأخرى من المنطقة الزرقاء".
في الثاني من تشرين الأّول، وافقت الحكومة الفرنسيّة رسميّاً على هذا الإتفاق واصبح نافذاً.
بينما كان مصير الأراضي العثمانيّة المحتّلة يقرّر في لندن وباريس، كان لورانس وفيصل وزعماء الأحزاب والحركات الوطنيّة في دمشق يعتمدون حلولا مغايرة تماماً ويحاولون فرض الأمر الواقع على حكومات الدول الأوروبيّة المنتصرة.
وافق رضا الركابي، بعد استلامه السلطة في دمشق، في2 تشرين الأوّل، على البرقيات التي ارسلها محمد سعيد الجزائري الى بيروت والمدن الساحليّة الأخرى، وعلى قيام حكومات عربيّة فيها.
انه قرّر، بالاضافة الى ذلك، ارسال شكري الأيوبي الى بيروت حاكماً عسكرياً مع قوّة عربيّة رمزيّة.
كان الركابي منتسباً الى جمعيّة العربيّة الفتاة ورئيساً لبلديّة دمشق، وكان من المدافعين عن العروبة، ولكنّه كان ينتمي الى تيار وطنّي قوّمي يتردّد في ترك القيادة للحجازييّن، وكان هذا التيّار يضّم عدداً من الشخصيات المقيمة في سوريا واخرى من الجاليات في بلاد الإغتراب.
وقد اتخّذ بعضها علانيّة موقفاً معادياً للهاشمييّن.
ففي25 تشرين الأوّل مثلاً، وجّه نداءٌ الى”الدول الكبرى التي حرّرت سوريّة"، يحتّج فيه الموقعون على “دخول القبائل العربيّة دمشق وعلى تدخل الحجازيّين في شؤون سوريا"، ويؤكد انه” لا يوجد اي رابط قومي بين هذه القبائل ذات الأنطمة البدائيّة [….
] والشعب السوري".
وفي النهاية يرجو النداء من الدول الكبرى”ان تفصل القضيّة السوريّة عن القضيّة العربيّة”وان تنشئ دولة سورية موحدّة ومستقلّة و"منفصلة كلياً عن المناطق الأخرى الناطقة باللغة العربيّة".
يبدو ان الركابي لم يكن بعيداً عن هذه الأفكار، وقد قرّر، بالاتفاق مع عدد من قادة الحركة الوطنيّة، ارسال شكري الأيوبي الى بيروت ليضع فيصل والحلفاء امام الأمر الواقع، ربما لأنه كان يخشى ان يقدم الهاشميّون تنازلات لفرنسا في المنطقة الساحليّة.
لم يكن باستطاعة فيصل ان يتنكّر لإجراء كهذا، فلو فعل لخسر شعبيته في سوريّة بكاملها.
نذكّر هنا بان جبل لبنان وساحله كانا خاليين من الجيوش الحليفة التي لم تدخلهما إلا في الثامن من تشرين الأوّل.
لذا اعتبر الركابي ورفاقه ان الإستيلاء عليهما، ولو بقوّة عسكريّة رمزيّة، قبل وصول القوات البريطانيّة، يحوّلهم ضمنًا الى الدولة العربيّة، طبقاً لما ورد في"التصريح الموّجه الى السبعة”الذي تكلمناعنه سابقاً.
لقد اعترفت بريطانيا للعرب، في هذا التصريح، بالسيادة التامّة على الأراضي التي حرّروها بأنفسهم من النير العثماني.
لكن الجنرال الإنكليزي كلايتون (clayton) رفض تطبيق هذا المبدا على بيروت والساحل، وابرق الى حكومته يقول:
”يمكننا التاكيد، بكل صدق، ان جلاء الأتراك عن بيروت اتى نتيجة لاستيلاء القائد الأعلى البريطاني ]اي اللنبي[ على دمشق، ولم يكن نتيجة لعمل عسكري قام به العرب".
دعم اللنبي، عن غير قصد، بالاجراءات التي اتخذها، موقف الركابي واضعف موقف فيصل.
كان هدفه في الأساس ابعاد الأمير عن الإدارة المحليّة ليتفرّغ لقيادة القّوات العربيّة.
لذا ثبت الركابي في حكم منطقتي”أ”و"ب”من اتفاقيّة1916، اي سوريا الداخليّة.
سرعان ما ادرك اللنبي انه اخطأ في قراره هذا لأن الركابي لم يكن مديناً بشيئ لبريطانيا ولم يكن ملزماً بمراعاة الإتفاقات المعقودة بينها و بين حليفتها فرنسا.
4_حسم الوضع في دمشق وفي المنطقة الساحليّة وتصفيّة الحسابات بين فيصل والجزائريّين قبل وصول اللنبي وفيصل الى دمشق، كان قرار ارسال الأيوبي الى بيروت قد اتخذ، وقد غادر مع مئة فارس وعدد من المرافقين، منهم جميل الألشي ورفيق التميمي ورستم حيدر، في ليل 3الى4 تشرين الأول كما ذكرنا، وبات تلك الليلة في خان ميسلون، وتابع سيره في صباح اليوم التالي، 4 تشرين الأول، باتجاه راشيا، فحاصبيا، فصيدا، ووصل بيروت في السابع من تشرين الأول حيث استقبل بحفاوة، وصعد في الثامن منه الى بعبدا حيث اعلن اعادة امتيازات المتصرفيّة التي كان الباب العالي قد الغاها خلال الحرب، واجتمع بحبيب باشا السعد، رئيس مجلس الإدارة الذي كان جمال باشا قد حلّه في آذار1915، وعيّنه حاكماً مكان الأميرين مالك شهاب وعادل ارسلان، فأقسم السعد يمين الولاء للملك حسين ولحكومة فيصل.
ذكرنا ان اللنبي دخل دمشق في 3 تشرين الأول ونزل في فندق فيكتوريا حيث قصده فيصل حال وصوله.
اتسّمت المقابلة بين الرجلين بشيئ من التوّتر وحضرها لورانس كمترجم، كما حضرها نوري السعيد والقائد الأوسترالي شوفيل وعدد من الضباط الإنكليز.
افهم اللنبي الأمير انه تلقى تعليمات من حكومته تنصّ على ان الأراضي التي احتّلتها الجيوش الحليفة تعتبر"اراضي العدو”وهي تحت امرته وان بريطانيا مسؤولة عن ادارتها، وانه سيوكل الى فرنسا ادارة المنطقة الساحليّة، وذلك تطبيقاً للاتفاق المعقود بينها وبين بريطانيا العظمى.
لم يتوقف لورانس في”اعمدة الحكمة السبعة”عند هذا اللقاء.
انه يذكر فقط ان اللنبي سلّم فيصلاً برقية مرسلة من وزارة الخارجية في لندن تعترف فيها بريطانيا للعرب بصفة”حلفاء محاربين”و طلب منه ان يترجمها للامير.
أما الجنرال الأوستر لي شوفيل، فيصيف هذا اللقاء بإسهاب ويأكد أنا اللنبي قال ليفصل أن المنطقة العربية ستضم سوريا الداخلية فقط وستكون المنطقة الساحلية، باستثناء فلسطين، تحت الإدارة الفرنسية المباشرة، وانه يتوجب على الامير ان يتعامل مع الفرنسيين بواسطة ضابط ارتباط فرنسي، وان هذا الضابط سيتعامل مع لورانس.
احتج فيصل على حصر حدود الدولة العربية بالمنطقة الداخلية من سورية وأجاب انه على استعداد للتعاون مع الفرنسيين.
يقول شوفيل ان القائد العام البريطاني نظر انذاك إلى لورانس وسأله:
”أفلم تقل له ان سورية ستكون تحت الحماية الفرنسية”، اجاب لورانس”كلا، لاني لم اكن اعرف ذلك”، تابع اللنبي”كنت بالتأكيد تعرف انه غير مسموح لفيصل ان يتدخل بشؤن لبنان".
اجاب لورانس:
”كلا، وهذا لم اكن اعرفه".
استمر الحديث في هذا الجو الضاغط بعض الوقت، فانهاه اللنبي بقوله لفيصل انه هو القائد العام للجيوش الحليفة، وان الامير، قائد القوات العربية، وهو تحت إمرته، وعليه ان ينفذ ما يطلب منه .
أما مصير المنطقة الساحلية ومصير لبنان وحدود الدولة العربية، فكلها امور ستتم معالجاتها عند انتهاء الحرب .
غادر فيصل للحال.
أما لورانس فتابع حديثه مع اللنبي لدقائق معدودة وقال للقائد العام انه يرفض ان يتعاون مع ضابط ارتباط فرنسي، وربما من الافضل له ان يعود إلى انكلترا.
اجاب اللنبي للحال:
”أنا اوافق على عودتك".
غادر لورانس دمشق في اليوم التالي، 4تشرين الاول، وذهب إلى القاهرة ومنها إلى لندن في15 من الشهر عينه.
في تلك الأثناء، كان الفرنسيون يمارسون شتى أنواع الضغط على الحكومة البريطانية لتمنع فيصلا وجماعة الركابي من الامساك بالمنطقة الزرقاء من اتفاق سايكس- بيكو.
ففي اليوم الذي توجه فيه شكري الأيوبي إلى بيروت، احتج مساعد المفوض السامي الفرنسي، الكابتن كولوندر()، لدى الجنرال البريطاني كلايتون () على هذا القرار، ولكن كلايتون تهرب من الموضوع وغادر بسرعة إلى فلسطين حيث مركز القائد العام.
فما كان من كولندر الا ان طلب موعدا من فيصل، وفي الوقت نفسه، الح على حكومته كي تامر الاسطول الفرنسي في المتوسط بالتوجه بسرعة إلى بيروت وبالقيام بعملية انزال في المدينة.
التقى كولندر فيصلا في6 تشرين الاول ووجه اليه اللوم لانه وافق على ارسال الأيوبي إلى بيروت على الرغم من التفاهم الذي كان قد جرى بشأن المنطقة الساحلية في اذار1917، في جدة، مع مارك سايكس وافرانسوا جورج- بيكو والذي يفرض عليه ، على أي حال، الحصول على موافقة الحكومة الفرنسية قبل الاقدام على خطوة من هذا النوع .
اجاب فيصل ان همه الوحيد هو طرد الأتراك من البلاد العربية ;أما المسائل السياسية فيترك معالجتها للسياسين.
اضاف الامير ان الغاية من ارسال الأيوبي هي الحفاظ على الأمن ليس إلا .
خلال هذه الايام نشطت الاتصالات بين حكومتي باريس ولندن وبين هاتين الحكومتين وقادة الجيوش الحليفة المنتصرة في الشرق .
ففي5 تشرين الاول، تلقى الاميرال فارنيه()، قائد المجموعة البحرية الفرنسية في سورية، امرا بمغادرة بور سعيد والتوجه إلى بيروت، فدخل المرفا في السابع من تشرين الاول، فاستقبل بحماس شعبي .
وفي اليوم التالي دخلت المدينة فرقة المشاة السابعة الهندية دخل بعدها الجنرال بلفين () قائد الفيلق البريطاني الحادي والعشرين، يرافقه الكولونيل دو بيابات ()، مع مفرزة من القوات الفرنسية.
وفي اليوم عينه، 8تشرين الاول، ابرق وزير الخارجية الفرنسي إلى كلوندر يقول له:
”ان دخول الاميرال فارني بيروت والحفاوة التي استقبل بيها يشكلان، بالنسبة الينا، نقطة ارتكاز لكي نرفض، بالاتفاق مع الجنرال اللنبي، اخضاع أي قسم من المنطقة الزرقاء لإدارة ممثلي الأسرة الهاشمية .
لا مجال للتفاوض حول هذه النقطة ولا يجب ان تناقشها مع الأمير فيصل .
علينا فقط ان نبلغه قرارنا الذي سيلاقي دون شك الدعم اللازم من الجنرال اللنبي[.
.
] أما فيما يخص لبنان ، فعليك ان تجتمع بأعضاء مجلس الإدارة .
انهم يعلمون ان الحلفاء لا ينوون اضعاف السلطة اللبنانية [.
.
.
] نحن مستعدون للاعتراف بسلطة مجلس الإدارة على بيروت والبقاع وطرابلس إذا رغب سكان هذه المناطق في الانضمام إلى لبنان.
.
".
التقى كولندر في ليل8 إلى 9 تشرين الاول، الجنرال اللنبي في القدس ، فقال له القائد العام انه عين الكولونيل دو بيابات حاكما عسكريا على بيروت ومسؤولا عاما عن الإدارة العسكرية في المنطقة الزرقاء من اتفاقية1916، وانه اصدر اوامره بهذا الشأن إلى الجنرال بلفن()، ثم اضاف:
”ان الحاكم العسكري الذي عينه فيصل، مر دون ان يكون له حق في ذلك، لم يعد منذ الآن في الوظيفة”.
لام اللنبي كولندر لانه فاوض فيصلا بشأن المنطقة الساحلية وكرر له ان مسألة تعيين الحكام هي من صلاحيات القائد العام وليست من صلاحيات فيصل الذي يعتبر فقط جنرالا من جنرالات الجيوش الحليفة .
في اليوم عينه، ابرق وزير الخارجية الفرنسي إلى كولندر يطلب منه الانتقال بسرعة إلى بيروت والعمل على تشجيع السكان على القبول بضم بيروت وطرابلس والبقاع و متصرفيّة جبل لبنان في دولة واحدة ، مركزا على المنافع التي يجنيها الجميع من هكذا عملية.
هكذا حزم الفرنسيون امرهم ، ثم عيناو الجنرال هاملان(hamelin)، قائدا لقواتهم في سوريا بدلا من الكولونيل دو بيابات لان رتبة هذا الاخير لا تسمح لا بأن يفاوض اللنبي ندا لند.
وبدأوا بتوزيع المساعدات الغذائية مباشرة على المعوزين في بيروت ودمشق دون المرور بالحكومة العربية .
نفّذ الجنرال بلفين بسرعة اوامر اللنبي :
ففي ليل10 إلى11 تشرين الاول استولت سرية من الجيش البريطاني على سراي الحكومة في بيروت وانزلت العلم العربي .
أما الأيوبي فمنع من دخول المبنى وطلب منه مغادرة البلاد.
ولما رفض الامتثال للامر، هدده بلفين باستعمال القوة ضده، فرضخ.
ادرك فيصل ان هامش المناورة امامه اصبح ضيقا وانه من الصعب عليه الوقوف في وجه الحلفاء المنتصرين .
في المنطقة الساحلية، أنزلت الأعلام العربية عن الأبنية الرسمية وحلّ ضباط فرنسيون محل الضباط الذين عينتهم دمشق.
في المتصرفية، بقي حبيب باشا السعد في وظيفته مع أعضاء مجلس الإدارة.
وفي البقاع إستمر الموظفون السابقون في مراكزهم.
إنتظر كولندر ودو بياباب تعليمات القائد العام قبل إتخاذ أية خطوة بشأن الجبل.
إجتمع اللنبي بفيصل في دمشق وأبلغه أنه قسم أراضي العدو العثماني المحتلة إلى ثلاث مناطق:
جنوبية، أي فلسطين، بإدارة بريطانية، وشرقية، اي سوريا الداخلية، بإدارة عربية، وشمالية72، أي الساحل، بإدارة فرنسية.
وفي الوقت عينه، حدّ اللنبي من صلاحيات الركابي وأطلق يد فيصل في إدارة منطقتي ”أ” و"ب” من إتفاقية 1916.
وفي 22 تشرين الأول أصدر الحاكم قراراً سمّى فيه الأقضية التي تضم كل من هذه المناطق وعيّن، بصورة رسمية، حكّامها العسكريين:
الجنرال مونيه (Money) للمنطقة الجنوبية، والجنرال دوبياباب للمنطقة الشمالية وعلي رضا الركابي، طبعاً تحت إشراف فيصل، للمنطقة الشرقية.
شكّلت متصرّفية الجبل ومعها سهل البقاع جزءاً من المنطقة الشمالية.
أصبح بإستطاعة الفرنسيين – وكانت قواتهم التي شاركت في القتال على جبهة فلسطين وقد وصل الى بيروت في 20 تشرين الأول – أن يحسموا مسألة الحكم في المتصرّفية.
وفي النهاية قرّ الرأي على تعيين الكابيتان بوشير(Beuscher) قائد السرية اللبنانية – السورية في القوات الفرنسية القادمة من فلسطين، حاكماً عسكرياً، وعلى تثبيت مجلس الإدارة برئاسة حبيب باشا السعد، صعد دو بياباب، في 25 تشرين الأول، الى بعبدا حيث استقبل بحفاوة، فوضع هذه القرارات موضع التنفيذ.
أما سهل البقاع، فطلب اللنبي من دو بياباب تأجيل الاستيلاء عليه وتأجيل ضمّه الى المنطقة الزرقاء الى وقت لاحق.
في 31 تشرين الأول، وقّع الأتراك على هدنة مودروس.
وفي الثامن من تشرين الثاني، أصدرت الحكومتان الفرنسية والبريطانية تصريحاً مشتركاً يتعلّق بمصير الأراضي المسلوخة عن الدولة العثمانية، كان الهدف منه تبديد مخاوف العرب وطمأنة الرئيس ولسون صاحب مبدأ حق تقرير المصير.
وممّا جاء في هذا التصريح:
”إن الهدف الذي عملت لأجله فرنسا وبريطانيا العظمى، في متابعتهما في الشرق الحرب اتي أثارتها مطامح إلمانيا، هو التحرير التام والنهائي للشعوب التي طالما رزحت تحتى النير التركي، وإقامة حكومات وإدارات وطنية تستمد سلطتها من مبادرة السكان الأصليين وخيارهم الحر.
لا تسعى الدولتين الى فرض أية مؤسّسات على هؤلاء السكان، وإن هاجسهما الوحيد هو توفير الدعم والمساعدة لهم لكي يؤمنوا انتظام العمل في الحكومات والادارات التي يختارونها لأنفسهم.
".
إطمأن العرب لهذا التصريح، وكان اللنبي قد أكد لفيصل أن التقسيمات الإدارية التي اعتمدها في الأراضي العثمانية المحتلّة هي مؤقة وأن مصير هذه الأراضي سيقرره مؤتمر الصلح.
أخذ فيصل يستعد للسفر الى باريس للمشاركة في المؤتمر، ولكنه كان يخشى أن يترك وراءه، في سوريا، الأخوين الجزائريين سعيد وعبد القادر البذين كانا يحاولان التقرب من الفرنسيين، لذا قرر تصفية حساباته معهما قبل سفره.
ففي 9 تشرين الثاني، أصدر حاكم سوريا العسكري، على رضى الركابي، أمر باعتقال الأميرين وإرسالهما الى المنفى، مؤكداً أنه يفعل ذلك بأمر من الحكومة البريطانية ومن الأمير فيصل.
أرسل الركابي رجال الأمن للقبض على الأميرين.
إنصاع محمد سعيد وسلم نفسه وكان نصيبه بعد ذلك النفي الى فلسطين.
أما عبد القادر فتبادل إطلاق النار مع رجال الأمن وأدى الحادث الى مصؤعه والى سقوط عدد من القتلى والجرحى.
هكذا تخلص فيصل من الأميرين الجزائريين.
لم يضع مقتل الأمير عبد القادر حداّ للصراع على السلطة بين القوى المحلية الثلاث التي ذكرناها في مطلع هذا البحث.
فالقيادات والأحزاب الوطنية القومية السورية التي قبلت على مضض زعامة الهاشميين كانت لهم في المرصاد تراقب تحرّكاتهم وأعمالهم لتنقضّ عليهم عند أول خطأ يرتكبونه.
هذه القوى هي التي أجهضت كل محاولات التقرب من فيصل وفرنسا، منها اتفاق 6 كانون الثاني 1920، وكانت تسيطر على المؤتمر السوري وعلى اللجنة الوطنية العليا في دمشق.
أما فيصل، فكلّما مرت الأيام كلّما ضاق في وجهه هامس المناورة.
إنه دافع عن القضية العربية في مؤتمر الصلح وأحرز بعض النجاح في ربيع 1919، بفضل الدعم الذي يلقاه من الرئيس الأميركي ولسون ومن الحكومة البريطانية.
وقد أتى تقرير لجنة كينغ – كراين لصالحه.
لكن الحكومة البريطانية ألقت به في أحضان فرنسا بعد أن وقعت مع باريس، في أيلول 1919، إتفاقاً بشأن الأراضي المسلوخة عن الدولة العثمانية.
فاضطر الأمير الى مفاوضة الفرنسيين من جديد والتوصل معهم الى اتفاق 6 كانون الثاني 1920 ولكنه عجز عن تنفيذه بسب رفض القيادات السورية له.
أعلن فيه استقلال سوريا ونصّبه ملكاً عليها.
وهذا ما وتر العلاقات بينه وبين الحلفاء وأدى الى معركة ميلسون في تموز 1920 والى سقوطه.
أما الأمير محمد سعيد الجزائري، فبعد مقتل أخيه، نُفي، كما ذكرنا، الى فلسطين، لكنه ظلّ يحلم بعرش سوريا.
فحاول التقرب من الفرنسيين ولكن هؤلاء لم يدعموه ولم يكونوا يثقوا به.
وبعد معركة ميلسون، وبالتحديد في شهر آب 1919، رشح سعيد نفسه علانية لاعتلاء عرش سوريا، ووجه رسالة بهذا الخصوص الى ستيفن بيشون وزير خارجية فرنسا، يعرض فيها الأعمال التي قامت بها أسرته دفاعاً عن مصالح الحلفاء وعن مصالح فرنسا، ويذكر مقتل أخيه غدراً عن أيدي عملاء الإنكليز وعلى أيدي أتباع فيصل أعداء الفرنسيين.
أثار تقرب الأمير محمد سعيد من الفرنسيين وترشيح نفسه لعرش سوريا غضب فيصل وغضب البريطانيين، فما كان من اللنبي إلا أن أصدر أمراً، في 16 آب 1919، باعتقال الأمير الجزائري من جديد ونفيه اى مصر.
فهاجمت منزله في بيروت قوة من الجيش البريطاني واعتقلته على الرغم من أنه كان يتمتع بالحماية الفرنسية وأن العملية تمت في قلب المنطقة الزرقاء الخاضعة للإدارة الفرنسية المباشرة.
كادت هذه الحادثة تسبب بأزمة دبلوماسية بين باريس ولندن.
هذا كان مصير الأسرتين الجزائريتة والهاشمية الطامحتين بالعرش السوري.
أما زعماء الحركات الوطنية فتشتتوا بعد معركة ميسلون، هاجر قسم منهم الى الأردن وفلسطين، وقسم الى مصر وقسم الى العراق.
وقد أفاد دعاة القومية اللبنانية والمنادون بلبنان الكبير من هذه الظروف لفرض خياراتهم.
أما البريطانيون والفرنسيوون، فبعد مرحلة من الصراع المتّسم أحياناً بالحدّة والعدوانية، سووا خلافاتهم المتعلّقة بالشرق الأوسط في إطار مؤتمر سان ريمو حيث تم رسميا فرض الإنتداب الفرنسي على سوريا ولبنان والإنتداب البريطاني على فلسطين والعراق.
ولادة دستور لبنان عام 1926 لقد أثارت نشأة دستور 1926 جدلاً بين رجال السياسة وبين المؤرخين اللبنانيين إذ اعتبر بعضهم أن هذا الدستور قد أعدته السلطة المنتدبة، وأنه نسخة عن دستور الجمهورية الثالثة الفرنسية، بينما رأى آخرون انه بالعكس نتاج لبناني محض، وأنه حصيلة الجهد الذي بذلته اللجنة المنبثقة عن المجلس التمثيلي والذي بذله بنوع خاص أحد أعضائها البارزين ميشال شيحا.
لقد احتدم هذا الجدل في السبعينيات ولفت في حينه انتباهي، فقررت منذ ذلك التاريخ الخوض في الموضوع علني أستطيع ان ألقي عليه أضواء جديدة تساعد على الإجابة عن السؤال المطروح:
من وضع الدستور اللبناني؟
انتظرت سنوات عدة قبل الانطلاق بهذا المشروع وذلك لأنه كان علي في أول الامر ان أتفحص عددًا من الملفات المحفوظة في الأرشيف الفرنسي وفي لبنان فقصدت أرشيف وزارة الخارجية في باريس وأرشيف الجيش البري في وأرشيف المفوضية العليا الفرنسية في نانت وأرشيف هنري دو جوفنيل في مدينة(Tulle)، وأرشيف عصبة الأمم في جنيف وأرشيف البطريركية المارونية في بكركي.
كما اطلعت على عدد لا يستهان به من المصادر والمراجع.
قمت بعد ذلك بإعداد دراسة شاملة عن الموضوع باللغة الفرنسية صدرت في بيروت في أواخر العام 1996 وهي بعنوان "ولادة دستور لبنان عام 1926".
ساحاول في القسم الاول من هذا البحث أن أرسم بإيجاز الإطار التاريخي الذي أعد فيه الدستور وهو إطار الانتداب الدولي.
وسأعرض في القسم الثاني المشاريع الأولى للدستور او للقانون الأساسي، كما كانوا يسمونه آنذاك، لاسيما تلك التي طبعت في العامين 1924 و1925.
وسأكرس القسم الثالث للمرحلة الأخيرة وهي مرحلة حكم المفوض السامي هنري دو جوفنيل التي امتدت من تشرين الثاني 1925 حتى آيار 1926 والتي شهدت ولادة الدستور في صيغته النهائية، أي الصيغة التي صوت عليها المجلس التمثيلي بالإجماع في تمام الساعة الواحدة والنصف من صباح 23 آيار 1926.
نظام الانتداب الدولي والقانون الأساسي ولد نظام الانتداب الدولي عام 1919 في الأجواء التي سادت مؤتمر الصلح المنعقد في باريس.
وضع هذا النظام بإصرار من الرئيس الأميركي ولسن ليطبق على المستعمرات الألمانية السابقة وعلى الولايات التي سلخت من السلطنة العثمانية.
كان على الدولة المنتدبة ان تمارس باسم عصبة الأمم وصايتها على الأراضي التي عهد إليها بها.
حددت صلاحياتها في وثيقة عرفت بصك الانتداب.
كانت مهمتها من الناحية المبدئية تنحصر في مساعدة السكان الاصليين على إدارة شؤونهم ريثما يبلغون درجة من التطور تسمح لهم بالانتقال إلى مرحلة الحكم الذاتي.
وقد اعطي هؤلاء السكان حق الطعن بسياستها امام العصبة.
إن النص الأساسي الذي قام عليه نظام الانتداب هو المادة الثانية والعشرون من ميثاق عصبة الأمم الذي تبناه مؤتمر الصلح في الثاني والعشرين من نيسان 1919 وقد ورد في الفقرة الأولى من تلك المادة :
"تطبق المبادئ التالية أي مبادئ الانتداب على المستعمرات والأراضي التي، نتيجة الحرب، لم تعد تخضع لسياسة الدول التي كانت تحكمها من قبل، والتي تسكنها شعوب لا تزال عاجزة عن إدارة شؤونها بنفسها بسبب الأوضاع الصعبة للعالم المعاصر.
إن رفاهية هذه الشعوب وتطورها يشكلان رسالة تحضير مقدسة.
ويجدر بنا أن ندخل في هذا الميثاق ضمانات تكفل تحقيق هذه الرسالة".
يعتبر هذا النص إذًا الشعوب التي تحررت من سيطرة الدول المغلوبة، شعوبًا قاصرة عاجزة عن إدارة شؤونها بنفسها، وهي بالتالي بحاجة إلى حماية القانون الدولي.
يعتبر ان هذه الحماية هي بمثابة رسالة تحضير مقدسة، وقد اوضحت الفقرة الثانية من المادة 22 نفسها أنه سيوكل بتلك الرسالة إلى الأمم المتحضرة واكدت الفقرة الثالثة ان الانتداب سيأخذ بعين الاعتبار مستوى التطور الذي بلغه كل من الشعوب المعنية.
ولذلك فإنه سيكون على درجات.
أما في ما خص الشعوب التي تحررت من النير العثماني فقد ورد بشأنها في الفقرة الرابعة من المادة 22 المذكورة أعلاه ما يلي:
"إن بعض المجموعات التي كانت تنتمي سابقًا إلى السلطنة العثمانية قد بلغت درجة من التطور تسمح بالاعتراف بها مؤقتًا كأمم مستقلة شرط ان يعهد إلى دولة منتدبة في تقديم الارشادات والمساعدة لها في تنظيم إداراتها إلى حين تصبح قادرة على تنظيمها بنفسها.
إن المبادئ التي فرض على الدولة المنتدبة التقيد بها حددت كل حالة، هي وثيقة منفردة وافقت عليها عصبة الأمم، عرفت كما ذكرنا سابقًا بصك الانتداب، فقد ألزمت فرنسا بموجب المادة الأولى من صك الانتداب على لبنان وسوريا بان تعد نظامًا أساسيًا للبلدين في مهلة لا تتعدى الثلاث سنوات من تاريخ وضع الانتداب موضع التنفيذ وقد ورد في النص ما يلي:
"يعد النظام الأساسي بالاتفاق مع السلطات المحلية وتؤخذ فيه بعين الاعتبار حقوق جميع الشعوب الساكنة في الأراضي المذكورة وكذلك مصالحها ورغباتها.
على الدولة المنتدبة أن تشجع على إنشاء كيانات محلية مستقلة إداريًا وذلك بقدر ما تسمح به الظروف".
لم يحدد صك الانتداب من المقصود بعبارة السلطات المحلية، هل هي الزعامات التقليدية؟
هل هم رؤساء الطوائف الدينية؟
هل هو المجلس التمثيلي؟
هل هي سلطات جديدة منتخبة؟
وكذلك لم يوضح كيف يمكن ان ياخذ بعين الاعتبار رغبات جميع الشعوب التي تسكن لبنان وسوريا لاسيما إذا ظهر أن هذه الرغبات تتعارض فيما بينها أو تتناقض مع مبدأ الانتداب.
إنه أخيرًا يحث الدولة المنتدبة على تشجيع الكيانات المحلية ذات الاستقلال الإداري ولكنه لا يعطيها توجيهات واضحة بشأن عدد الدول التي يمكن أن تنشئها في المشرق.
هل كان عليها أن تكتفي بدولتي لبنان وسوريا أم بإمكانها تخطي هذا العدد وتجزئة سوريا إلى دويلات عدة؟
إن ما ورد في الصك بهذا الشأن يكتنفه الغموض.
هناك سؤال آخر يتعلق بالمادة الاولى من الصك "ماذا تعني عبارة النظام الأساسي؟
هل هذا النظام هو مجموعة التشريعات المتنوعة التي تكون الدولة المنتدبة قد أصدرتها بهدف تنظيم شؤون البلاد السياسية والإدارية؟
ام هو نص دستوري واحد متماسك يصدر عن جمعية تأسيسية؟
لقد شكلت كل هذه النقاط موضوع خلاف بين المسؤولين الفرنسيين أنفسهم وبينهم وبين اللبنانيين.
وسأتطرق إلى بعض جوانب هذا الخلاف في القسم الثاني من هذا البحث.
المشاريع الأولى للنظام الأساسي 1924 ، 1925.
لقد صدق مجلس العصبة على صك الانتداب على سوريا ولبنان في 24 تموز 1922، ولكن هذا الصك لم يصبح ساري المفعول إلا في 29 أيلول 1923، بعد ان سوي الخلاف بين فرنسا وإيطاليا بشأن مصير الشرق الادنى، إذ إن هذه الأخيرة كانت تعتبر انها لم تحصل على حصتها من تركة الدولة العثمانية، لذا كانت تطالب لنفسها بالانتداب على سوريا.
كان على فرنسا إذًا بمقتضى صك الانتداب ان تضع قانونًا أساسيًا للبلاد في مهلة لا تتعدى الثلاث سنوات ابتداء من أيلول 1923.
وكان المسؤولون في باريس في عامي 1923 و1924 يعتبرون أن إعداد مثل هذا القانون هو عملية سهلة للغاية تقوم على جمع النصوص التشريعية التي صدرت حتى هذا التاريخ في كل من البلدان الواقعة تحت الانتداب.
ثم عرضها على المجالس التمثيلية المحلية للمصادقة عليها وتقديمها بعد ذلك إلى عصبة الأمم باعتبارها تشكل النظام الأساسي المطلوب.
وقد كتب رئيس الوزراء وزير الخارجية ريمون بوانكارييه في كانون الأول 1923 إلى المفوض السامي الجنرال ويغان يقول :
"دون ان تنتظر انتهاء المهلة التي اعطيت لنا علينا أن نضبط جيدًا النصوص التشريعية المختلفة التي أصدرتها المفوضية العليا حتى هذا التاريخ والمتعلقة بولادة دولة لبنان والدول السورية وبحدودها وبتنظيم السلطات العامة والمجالس التمثيلية فيها.
وكذلك النصوص المتعلقة بالاتحاد الفدرالي السوري وبالعلاقات بين سوريا ولبنان".
يضيف رئيس الوزراء الفرنسي "إن السبيل الأكثر ملاءمة للحصول بسرعة على موافقة السكان التي نص عليها صك الانتداب هو الطلب من كل المجالس المحلية تبني مجموعة النصوص هذه واعتبارها النظام الأساسي المنتظر".
وقد أرفق بوانكاريه رسالته بلائحة من التشريعات التي برأيه يجب ان تشكل منها هذه المجموعة وترك الحرية للمفوض السامي ليزيد عليها ما يراه ضروريًا.
إن هذه النظرة إلى النظام الأساسي أثارت موجة من الاحتجاجات في الدول المشرقية الواقعة تحت الانتداب الفرنسي، عبرت عنها بصراحة الصحافة المحلية، وقد رفض المجلس التمثيلي اللبناني اقتراح بوانكاريه وطالب بجمعية تأسيسية منتخبة لإعداد هذا النظام.
إن الوثائق المحفوظة في الأرشيف الفرنسي تثبت أن مسألتي موافقة السلطات المحلية وإمتثال رغبات جميع السكان اللتين نصت عليهما المادة الأولى من صك الانتداب ظلتا في هذه المرحلة التمهيدية تثيران الشكوك والتساؤلات.
كانت السلطات الفرنسية تخشى إن هي استشارات الزعماء المحليين بشان تنظيم البلاد ان تجد نفسها أمام فيض من المطالب الوطنية المفرطة.
انتهت هذه المرحلة المتميزة بالريب والتردد في شهر تموز 1924 عندما أعد موظفو وزارة الخارجية الفرنسية مشروعًا موحدًا للنظام الأساسي يشمل لبنان الكبير والدول السورية الأربع:
دمشق، حلب، دولة العلويين، دولة الدروز.
تضمن هذا النص المشترك 63 مادة موزعة على خمسة أبواب.
خصص الأول منها للاحكام العامة.
والثاني للدول السورية الأربع.
والثالث لدولة لبنان الكبير.
والرابع للمصالح المشتركة.
والخامس للأحكام الانتقالية.
ذكر هذا المشروع بالحدود الجغرافية لكل دولة من الدول الخاضعة للانتداب الفرنسي وأعلن الأسس التي سيقوم عليها النظام السياسي وكذلك تلك التي ستوجه أعمال السلطات العامة وأوضح الصلاحيات التي ستحتفظ بها الدولة المنتدبة.
ونص أخيرًا على قواعد جديدة لإدارة المصالح المشتركة.
كانت الدولة المنتدبة حتى هذا التاريخ تعتبر ان إعداد النظام الأساسي هو من صلاحياتها الحصرية وأنه لا يعقل أن تناقش مضمونه لا مع الشعوب الواقعة تحت الانتداب ولا حتى مع عصبة الأمم.
يحق فقط لهذه الأخيرة أن تطلع عليه حين يصبح جاهزًا وذلك وفق ما ورد في المادة السابعة عشرة من صك الانتداب.
إن هذا المفهوم للنظام الأساسي قد توسع في عرضه رئيس الوزراء الفرنسي ووزير الخارجية إدوار هريو (Herriot) في رسالة موجهة إلى المفوض السامي الجديد الجنرال سيراي في مطلع عام 1925.
ركّز فيها على الفكرة القائلة بأن النظام الأساسي هو عمل تقوم به الدولة المنتدبة من جانب واحد.
هو مرسوم تصدره بنفسها.
اما استشارة السلطات المحلية بشأنه فتنحصر ببعض الوجهاء الذين عليهم أن يعبروا خطيًا عن رأيهم دون اية مناقشة.
إلى جانب ذلك، تعطي رسالة هريو المفوض السامي توجيهات عامة تتعلق بمستقبل الانتداب إذ تؤكد أن الهدف الجوهري لهذا النظام هو مساعدة السكان الأصليين حتى يبلغوا مرحلة الحكم الذاتي بعيدًا عن أية ممارسات ذات طابع استعماري.
فيطلب بالتالي رئيس الوزراء من سيراي بألا يحل مع أجهزة الانتداب محل الحكومات السورية ومحل الحكومة اللبنانية، بل أن يكتفي بدور الموجه الصالح للسلطة الكافية والكلمة المسموعة.
تعكس إرشادات هريو هذه الروح الجديدة التي سادت في باريس على أثر وصول اتحاد اليسار إلى الحكم عام 1924.
كما تعكس التوجيه الجديد الذي كانت الحكومة المنبثقة عن هذا الاتحاد تحاول أن تعطيه لنظام الانتداب.
أرفق هريو رسالته بمشروع للقانون الأساسي هو في الواقع النص الذي وضع في تموز 1924.
بعد ان أدخلت عليه وزارة الخارجية بعض التعديلات.
لكن المفوض السامي في بيروت ومعاونيه اعتبروا أن مشروع هريو والشروحات التي رافقته والتوجيهات الجديدة التي صدرت عن الحكومة الفرنسية تحد من صلاحيات سلطات الانتداب وتكبلها، مما يجعلها عاجزة عن القيام بالمهام الملقاة على عاتقها بموجب صك الانتداب وبالتالي عاجزة عن الإشراف على إدارة دول الشرق.
لذا قرر كبار موظفي المفوضية العليا في بيروت، بالاتفاق مع سيراي، إعداد مشروع مضاد.
وقد أعدوه فعلاً وأرسلوه إلى باريس في 22 آذار 1925، وتركوا فيه للمفوض السامي صلاحيات واسعة تخوله الحلول محل السلطات الوطنية كلما اعتبر أن هذه تقصر في الدفاع عن سلامة الأرض او أنها تسيء إلى المصلحة العامة، أو إلى المصالح المشترك.
اخذ موظفو وزارة الخارجية في باريس بعين الاعتبار هواجس سلطات الانتداب في بيروت فأدخلوا تعديلات على المشروع الأول، وأعدوا مشروعًا ثانيًا، قووا فيه صلاحيات المفوض السامي بشكل يسمح له بالاحتفاظ بزمام الأمور وباتخاذ كل الإجراءات التي يراها ضرورية كلما دعت الحاجة إلى ذلك.
في هذا الوقت كانت الصعوبات تتراكم أمام سيراي في دول الشرق.
إن سياسته المعادية للإكليروس وتدخله غير المبرر في شؤون لبنان دفعا بالأحزاب وبالصحافة اليمينية في فرنسا إلى القيام بحملة ضده، انتقل على أثرها الصراع إلى حلبة البرلمان الفرنسي، حيث أثير موضوع سيراي في اكثر من مرة.
يضاف إلى ذلك ان المفوض السامي حاول أن يدخل تعديلات جذرية على قانون الانتخاب اللبناني وأن يلغي التوزيع الطائفي لمقاعد المجلس.
فاصطدم بوزير الخارجية أرستيد بريان.
فما كان من هذا الأخير إلا أن رفع عنه مسؤولية إعداد القانون الأساسي وأوكل هذه المهمة في حزيان 1925 إلى لجنة من الاختصاصيين الفرنسيين يرأسها النائب جوزف --- .
درست هذه اللجنة مشاريع القانون الأساسي الثلاثة أي مشروع وزارة الخارجية الأول ومشروع سيراي ومشروع وزارة الخارجية الثاني المعدل.
إن العقبة التي واجهتها كانت مسألة مشاركة السلطات المحلية.
إذ ظهر خلاف حاد بين أعضاء اللجنة حول مستوى هذه المشاركة وطبيعتها.
وقد رأى روبير ديكاي أن الخبرة التي اكتسبتها الدولة المنتدبة تسمح بالقول إنها مطلعة على أماني السكان وأنه باستطاعتها بالتالي إعداد القانون الأساسي دون حاجة إلى استشارة هؤلاء.
ثم إنه نبه إلى خطورة اللجوء إلى مثل هذه الاستشارة، لاسيما إذا اتت نتائجها متناقضة مع بعضها البعض او صبت كلها في اتجاه لا يمكن أن تقبل به الدولة المنتدبة.
اما بول بونكور فكان له رأي معاكس.
وكان يطالب باستشارة شخصيات منتخبة لا شخصيات تختارها سلطات الانتداب.
في الاجتماع الثاني للجنة، في 10 تموز 1925 اقترح الأمين العام للمفوضية العليا فرشير دي ريفي (Verchère de Reffye) ان يقسم موضوع القانون الأساسي إلى شقين:
كل ما ينظم العلاقة بين الدول المنتدبة والشعوب الواقعة تحت الانتداب أي بين الوصي والقاصر من جهة وقد اطلق على هذا الشق تسمية النظام الانتدابي، وكل ما ينظم الأوضاع الداخلية للبلاد من جهة ثانية وقد سمي الدستور الداخلي (la constitution interieure)أكد ريفي ان التشريعات المتعلقة بالشق الأول هي من صلاحيات الدول المنتدبة دون سواها، عليها فقط ان تتقيد بالملاحظات التي قد تبديها بشانها عصبة الأمم.
أما التشريعات المتعلقة بالشق الثاني والتي سيستمر العمل بها حتى بعد زوال الانتداب فيمكن ان يشارك في وضعها ممثلو السكان.
وكانت المفوضية العليا في بيروت قد اعدت لائحة بالشخصيات التي يمكن ان تستشار.
وكان على هذه الشخصيات أن تبدي رأيها خطيًا في الموضوع.
لم يرغب بول بونكور باقتراحات أعضاء اللجنة التي كان يرأسها، فعلق اجتماعاتها في 21 تموز 1925 وأخذ يرسل التقرير تلو الآخر إلى وزير الخارجية مصرًا على ان تشارك في وضع القانون الأساسي هيئات منتخبة لا شخصيات يختارها المفوض السامي.
لكن موظفي وزارة الخارجية ترددوا في الأمر متأثرين بوجهة نظر روبيرت دي كاي وكان هذا يعتبر خبيرًا في شؤون الانتداب.
أعد دي كاي في 8 أيلول 1925 تقريرًا على الموضوع جاء فيه "إن بلدًا واقعًا تحت الانتداب لا يمكنه قانونيًا أن يشارك في وضع نظامه الأساسي إذا اعتبرت بعض المجموعات الشرقية غير قادرة على حكم نفسها دون وصاية دولة منتدبة.
فمن الحماقة بانها تستطيع أن تتخذ هي قرارات بشأن نظام الحكم الذي ستخضع له".
يضيف دي كاي "إن موافقة السلطات المحلية التي نصت عليها المادة الأولى من الصك تعني فقط انه يحق لهذه السلطات في ظل نظام الانتداب أن تبدي وجهة نظرها في الموضوع لا أن تشارك في اتخاذ القرار".
إن ما كتبه دي كاي يظهر بوضوح أن الجدل قد اتخذ منحى قانونيًا بالإضافة إلى المنحى السياسي.
إن مفهوم دي كاي للانتداب للقانون الأساسي هو الذي كان سائدًا في أوساط موظفي وزارة الخارجية في باريس وموظفي المفوضية العليا في بيروت.
وكذلك في الأوساط الفرنسية في عصبة الأمم.
وكان يقابله مفهوم آخر عبّر عنه بوضوح النائب بول بونكور الذي كان يصر على أن تطبق مبادئ الديمقراطية وألا يعد النظام الأساسي إلا بمشاركة المجالس المنتخبة في بلدان المشرق الخاضعة للانتداب الفرنسي.
في شهري أيلول وتشرين الأول 1925، ازداد ضغط بول - بونكور على الحكومة.
إن الوثيقة التي تعبر بوضوح عن وجهة نظره هي الرسالة التي وجهها إلى وزير الخارجية بريان (Briand) في 2 تشرين الثاني والتي يؤكد فيها أن التأخر في تنظيم اوضاع لبنان وسوريا هو السبب الرئيس للثورة التي تشهدها سوريا.
وأن أعمال اللجنة التي يرأسها لا يمكن أن تؤدي إلى نتيجة إيجابية ما لم يعاد النظر في تركيبة تلك اللجنة وفي نهجها وروحيتها.
ثم كتب بول – بونكور ما حرفيته.
"من الواضح جليًا أن هناك في الأساس سوء تفاهم جوهريًا.
ليس المطلوب منا أن نحكم مستعمرة ولا أن ننشئ محمية.
إن المطلوب هو أن ننظم الانتداب الذي أوكلت إلينا به عصبة الأمم.
هذا الانتداب الذي نمارسه على شعوب هي بدون شك متخلفة ولكنها تنتمي إلى حضارات عريقة لا يمكن أن يكون إلا منفتحاً ومبنياً على استشارة حقيقية للسكان لا على الخداع.
لا شك أن الاقتراحات التي تقدم بها أمام اللجنة ممثلو وزاراتهم لا تتوافق ولا بشكل من الأشكال مع اماني الشعوب المعنية.
علينا إذًا أن نضع حدًا لكل ذلك.
اقترح بول - بونكور في آخر رسالته أن يوكل بإعداد القانون الأساسي في كل دولة إلى لجنة تضم الزعماء الطبيعيين للسكان أو شخصيات منتخبة.
اما الدول التي تملك مجلسًا تمثيليًا ومنها لبنان فيجب بحسب رأيه أن تنبثق اللجنة فيها عن هذا المجلس.
إن موقف بول - بونكور الحازم والضغط الذي شكلته الثورة السورية والانتقادات العلنية التي وجهت إلى الدولة المنتدبة عبر الصحافة اللبنانية والسورية أرغمت موظفي وزارة الخارجية في باريس على تليين موقفهم.
فتبنى هؤلاء بشأن القانون الأساسي التمييز الذي كان قد اقترحه ريفي (Reffye) بين الشق الداخلي والشق المتعلق بتنظيم العلاقة بين المنتدب والدولة الواقعة تحت الانتداب.
فقبلوا بأن يوكل بالأول إلى السلطات المحلية.
هكذا انتصرت أفكار بول - بونكور.
أما الجنرال سيراي فبعد ان ازدادت النقمة عليه استدعته حكومته في أيلول 1925 معينة خلفًا له المدني هنري دو جوفنيل عضو مجلس الشيوخ.
إعداد الدستور اللبناني، المرحلة الأخيرة قبل أن ينتقل إلى بيروت حاول المفوض السامي الجديد أن يعيد الحوار بين فرنسا والمعارضة السورية اللبنانية، فالتقى عددًا من أركان تلك المعارضة في باريس أولاً ثم في القاهرة ولم يصل إلى لبنان إلا في 2 كانون الأول 1925.
في اليوم التالي وبمناسبة عرض عسكري في ساحة البرج في بيروت ألقى دو جوفنيل كلمة أعلن فيها بجملة مقتضبة المبدأ الأساسي الذي ستقوم عليه سياسته إذ قال:
"السلام لمن يريد السلام، والحرب لمن يريد الحرب".
وفي 4 كانون الأول زار المفوض السامي المجلس التمثيلي اللبناني، حيث صرح انه سيطلب من الحاكم ليون كايلا أن يدعو هذا المجلس إلى اجتماع استثنائي يوكل إليه خلاله إعداد دستور البلاد.
بعد يومين من هذا التاريخ أبلغ دو جوفنيل حكومته أنه سيدعو أيضًا العلويين إلى إعداد دستورهم.
في الواقع كان المفوض السامي يحاول أن يوطد مركز بلاده في المنطقة الساحلية حيث النفوذ الفرنسي لا يزال قويًا.
كان يرغب بالإضافة إلى ذلك في ان يثبت السوريين في المناطق الداخلية أن مصلحتهم تقتضي وقف القتال كي يستطيعوا هم أيضًا كاللبنانيين والعلويين بناء مؤسساتهم الديمقراطية.
اجتمع المجلس التمثيلي اللبناني في 10 كانون الأول وانتخب لجنة لإعداد الدستور مؤلفة من 12 عضوًا موزعين على الشكل التالي:
اثنان من الأورثذكس وهما شبل دموس وبترو طراد، ثلاثة من الموارنة وهم جورج زوين، روكز أبو نادر، وجورج تابت، واثنان من السنة وهما عمر الداعوق وعبود عبد الرزاق، اثنان من الشيعة وهما صبحي حيدر ويوسف الزين، درزي واحد وهو الأمير فؤاد إرسلان الذي استقال لأسباب صحية فانتخب مكانه جميل تلحوق.
وأخيرًا ممثل واحد عن الروم الكاثوليك وهو يوسف سالم، وممثل عن الأقليات وهو ميشال شيحا.
كان على اللجنة أن تعمل تحت إشراف رئيس المجلس التمثيلي موسى نمور لذا عرفت بلجنة 13.
في اليوم نفسه الذي انتخبت فيه لجنة الدستور في لبنان وجه دو جوفنيل نداء إلى السوريين جاء فيه:
"إني أخاطبكم كصديق لأقول لكم إن مصيركم هو بين أيديكم.
اليوم في العاشر من كانون الأول يجتمع المجلس المنتخب من قبل إخوانكم في لبنان وقد طلبت منه ان يتداول في موضوع الدستور والنظام الأساسي.
فلو كانت الدول السورية تتمتع بنعمة السلام التي يتمتع بها لبنان لجرى فيها ما يجري الآن في هذا البلد".
لم يستجب الثوار لهذا النداء بل كثفوا نشاطاتهم في سهل البقاع وعلى الحدود الجنوبية الشرقية للبنان.
واستنفروا مؤيدي الوحدة السورية لكي يمنعوا الدولة المنتدبة من استعادة المبادرة في الميدانين العسكري والسياسي.
في هذه الأجواء قرر سنّة المدن الساحلية في لبنان الكبير عدم المشاركة في إعداد الدستور وطالبوا مجددًا بالانضمام إلى سوريا وأبلغوا قرارهم هذا إلى رئيس المجلس التمثيلي وإلى المفوض السامي.
وهكذا فعل المجلس البلدي في بعلبك.
فما كان من سلطات الانتداب إلا أن قامت بهجوم مضاد.
أصدر الحاكم كايلا قرارًا حل بموجبه مجلس بلدية بعلبك ثم أتبعه بتعميم موجه إلى جميع موظفي دولة لبنان الكبير يحذرهم فيه من القيام بأي نشاط يهدد وحدة الوطن الذي هم في خدمته.
ولكي يضمن عدم انضمام الطائفة الشيعية إلى التيار الوحدوي اتخذ الفرنسيون بعض الإجراءات التي تصب في مصلحة تلك الطائفة، أهمها الاعتراف بالمذهب الجعفري وإنشاء محكمة تمييز جعفرية في بيروت بعد موافقة المجلس التمثيلي على ذلك.
في المناطق الداخلية من سوريا، باستثناء سنجقي دمشق وحوار، حيث كان الأمن مضطربًا، نظم الفرنسيون انتخابات عامة.
على الصعيد العسكري طلب دو جوفنيل إمدادات من حكومته مما سمح له بحصر الثورة في مناطق معينة، ثم إنه عمل على تحسين العلاقات مع تركيا ليمنع أي تواطؤ بين السوريين والكماليين.
فوقع بالحروف الاولى مع حكومة انقرة في 18 شباط 1926 اتفاقية صداقة وحسن جوار.
في هذا الوقت كانت لجنة 13 في لبنان قد انكبت على العمل فقررت إطلاق استشارات واسعة تطال ممثلي الجمعيات الاقتصادية والمهن الحرة ورؤساء الطوائف الدينية والمسؤولين عن النقابات وأعضاء المجالس التمثيلية السابقة.
فعهدت إلى لجنة مصغرة مؤلفة من خمسة أشخاص درس الصيغة التي يجب اعتمادها في الاستشارات.
فعقدت هذه اول اجتماع لها في 16 كانون الأول برئاسة موسى نمّور، واعدت لائحة بالشخصيات التي ستستشيرها وقررت أن توجه إلى كل منها استمارة تتضمن اثني عشر سؤالاً يتعلق بنظام الحكم، بصلاحيات السلطات الثلاث، بتوزيع المقاعد النيابية، بقانون الانتخاب، ألخ.
حصلت اللجنة على 132 جوابًا، تكلف شبل دموس فرزها ووضع تقرير عنها.
إن الأفكار التي استخلصها هذا الأخير من هذه الاستشارات اعتمدت كأسس لأعداد مشروع الدستور.
عهد بهذه المهمة الى عضوين من اللجنة الخماسية.
لقد استعان اللبنانيون في عملهم بعدد من الكتب الفرنسية التي تعالج موضوعي القانون الدستوري والأنظمة السياسية.
كما استعانوا بنصوص بعض الدساتير كالبلجيكي والسويسري والاميركي والمصري.
لقد شارك عدد من موظفي الانتداب على مستويات مختلفة في أعمال اللجنة نذكر منهم:
فرشاردي ريفي (Verchère Reffye) السكرتير العام للمفوضية العليا، و ليون كايلا حاكم لبنان الكبير، والكلونيل كاترو Catroux))، رئيس جهاز الإستخبارات، وليون سولومياك (Solomiac) رئيس مكتب المفوض السامي.
لكن ممثل فرنسا الأساسي كان بول سوشييه (Souchier) وهو من مجلس شورى الدولة في فرنسا واختصاصي في القانون الدستوري وقد استدعاه دي جوفنيل خصيصًا من باريس للمساهمة في إعداد الدستور اللبناني.
وقد أرسل إليه برقية جاء فيها:
"أطلب منك أن تأتي في أقرب وقت ممكن.
أجلب معك نصوص الدساتير التي تجدها وادرس بصورة خاصة الدستور الفدرالي السويسري".
حال وصوله إلى بيروت ألحق سوشييه كخبير باللجنة المكلفة وضع مشروع الدستور وقد قيّض لي ان التقي عام 1994 آخر فرنسي لا يزال على قيد الحياة من بين الذين شاركوا في إعداد الدستور اللبناني وهو المحامي جان – لويس أجول (Aujol) كان آنذاك من الملحقين بمكتب المفوض السامي.
اكد لي أوجول ان جوفنيل كان يتابع عن كثب موضوع الدستور وقد حدث له اكثر من مرة ان أيقظ سوشييه من نومه حتى بعد منتصف الليل ليبحث معه في صيغة بعض المواد.
في الواقع لقد أرسل دو جوفنيل إلى الشرق في مهمة محددة وبصفته عضوًا في مجلس الشيوخ لم يكن يسمح له بالتغيب عن فرنسا أكثر من ستة أشهر.
كان عليه إذًا أن يعود إلزاميًا إلى بلاده في آيار 1926 وكان يرغب في إحراز نجاح في موضوع الدستور قبل أن يحين هذا الموعد.
هذا ما يفسر لنا مثابرته واستعجاله.
اما اللبنانيون الذين لعبوا دورًا أساسيًا في إعداد الدستور فهم موسى نمّور وميشال شيحا و شبل دمّوس.
إن شيحا حسب شهادة أوجول، كان شديد التمسك بلبنانيته، لذا أصر بعناد على إعطاء الدستور صبغة وطنية.
إن البطريركية المارونية، نقلاً أيضًا عن أوجول كانت تتابع بصورة منتظمة مراحل عمل الدستور وقد حرصت على ألا يكون لأية مادة من مواد الدستور طابعاً إلحادي أو معاد لرجال الدين.
إن الوثائق المحفوظة في أرشيف بكركي والمتعلقة بالقانون الأساسي تظهر بوضوح ان قادة الكنيسة المارونية قد ركزوا في مراسلاتهم مع المفوض السامي ومع لجنة بونكور ومع لجنة 13 على وحدة الوطن وعلى أن يكون الحاكم من التباعية اللبنانية وعلى تثبيت التوزيع الطائفي لمقاعد المجلس النيابي وعلى الإبقاء على قوانين الأحوال الشخصية المذهبية وعلى المحافظة على حرية التعليم وعلى الدفاع عن التعليم الديني.
بينما كان اللبنانيون منكبين على العمل في دستورهم كانت الدوائر المختصة في وزارة الخارجية الفرنسية تعمل على وضع الشطر الأول من القانون الأساسي المسمى بالنظام الانتدابي وهو الذي ينظم العلاقة بين الدول المنتدبة والدول الواقعة تحت الانتداب.
بعد أن أنهت اللجنة المصغرة مشروع الدستور بمشاركة الخبير الفرنسي سوشييه ناقشت لجنة الـ13 النص وأدخلت عليه بعض التعديلات ثم أرسل هذا النص إلى باريس وقد اقترح دو جوفنيل على وزارة الخارجية ان يرافق إعلان الدساتير في كل من لبنان ودولة العلويين وسنجق الاسكندرون ذي الحكم الذاتي، توقيع معاهدات مع هذه الدول تحدد فيها علاقاتها مع فرنسا لكن بريان نصح المفوض السامي بالتريث مؤكدًا أن المعاهدات سيكون لها انعكاسات عديدة لاسيما من الناحية القانونية وأنها بالتالي تتطلب مزيدًا من الدرس والتعمق.
في 12 أيار أرسل بريان ملاحظاته على مشروع الدستور وقد تناولت بصورة أساسية المواد 96 إلى 100 المدرجة في الباب الخامس والمتعلقة بعصبة الأمم وبالدولة المنتدبة.
اقترح ان تحفظ هذه المواد وأن يستعاض عنها بإعلان يصدر عن كل حكومة من الحكومات المعنية تتعهد فيه بالإعتراف بالدول الأخرى وباللجوء إلى تحكيم الدولة المنتدبة عند وقوع أي خلاف بينها وتتعهد أيضًا بالقبول بالصلاحيات التي سيحتفظ بها المنتدب داخل كل دولة والإقرار بحقه المطلق في إدارة العلاقات الخارجية.
عدلت بعد ذلك بعض المواد طبقًا لملاحظات بريان ثم أصدر الحاكم كايلا قرارًا دعا فيه المجلس التمثيلي إلى جلسة استثنائية لمناقشة الدستور.
افتتحت هذه الجلسة في 19 آيار وقد تمثلت الدولة المنتدبة بكل من سوشييه وسلومياك (Souchier et SlomiaC) بعد ان عرض دمّوس نتائج الاستشارات تكلم سوشييه طالبًا من المجلس الإسراع بدرس بنود الدستور وإقرارها لأن المفوض السامي ينوي مغادرة لبنان إلى باريس وأنه يرغب في إعلان الدستور قبل سفره.
ثم أعرب عن امله في أن يتوصل إلى التفاهم مع أعضاء المجلس كما فعل من قبل مع لجنة 13.
وأخيرًا لخص سوشييه الصلاحيات التي ينوي المفوض السامي الاحتفاظ بها وهي تتعلق باستعمال قوات الجندرما والبوليس وبحل المجلس وبتنحية رئيس الجمهورية وبالعلاقات الخارجية.
بعد هذه المقدمة بدأت مناقشة الدستور مادة مادة وقد تغيب ميشال شيحا بسبب خلاف حاد كان قد وقع بينه وبين جوفنيل فدافع دمّوس وسوشييه بجرأة عن الدستور.
وبعد قراءة المادة الأولى المتعلقة بالحدود والاستقلال طالب الكلام النائب عمر الداعوق فتلا بياناً باسمه وباسم أربعة من زملائه هم عمر بيهم، نائب بيروت السني، وخير الديت عدرا، نائب طرابلس السني، وخالد شهاب، نائب لبنان الجنوبي السني، وصبحي حيدر نائب البقاع الشيعي يحتج فيه الخمسة على الباب الأول من الدستور وعلى إلحاق المناطق التي يمثلون بجبل لبنان، ويطالبون بإعادة فصلها وبإعطائها استقلالاً ذاتيًا على أن تشكل لاحقًا اتحادًا مع لبنان بحدوده السابقة ومع سوريا.
ثم تكلم صبحي حيدر وأضاف إلى الاحتجاج السابق ما حرفيته:
"على أنه تحاشيًا للأضرار التي قد تلحق بأهالي البلاد الملحقة وريثما نتخلص من هذا الإلحاق فإننا ندخل بالبحث في هذا الدستور محتفظين باحتجاجاتنا".
بعد هذه المداخلات بدأت المناقشة الجدية.
إن دمّوس وسوشييه دافعا بشجاعة عن الدستور الذي شاركا في وضعه.
إن الأحكام المتعلقة بالانتداب كانت مدرجة كما ذكرنا في الباب الخامس.
ولكن في جلسة 22 آيار الثانية أعلن سوشييه ان هذه الأحكام قد ألغيت ووزعت على أعضاء المجلس نصًا جديدًا يبدأ بالمادة 90 وقد جاء فيها:
"إن السلطات المقررة بمقتضى هذا الدستور يعمل بها مع الاحتفاظ بما للدولة المنتدبة من الحقوق والواجبات الناتجة عن المادة 22 من عهد جمعية الامم وعن صك الانتداب.
إن الصلاحيات التي احتفظت بها الدولة المنتدبة بموجب المادة 90 فصّلها سوشييه في بيان قرأه بعد ان أنهى المجلس مناقشة الدستور فأعلن سوشييه آنذاك ما حرفيته:
"سيتلى عليكم بالعربية نص الصلاحيات التي تحتفظ بها الدولة المنتدبة.
سأطلب منكم ان تصغوا إليه بانتباه.
أنا لا أطلب منكم ان تصادقوا عليها أو أن تناقشوها وتصوتوا عليها كما ناقشتم بنود دستوركم وصوتم عليها.
إني أطلب منكم فقط ان تأخذوا علمًا به.
قد انتدبني حضرة المفوض السامي لأشترك معكم في إعداد دستوركم ولكي تضعوا أنتم هذا الدستور بالاتفاق مع الدولة المنتدبة.
اما الآن وقد وصلتم في عملكم إلى مرحلة النهاية فقد حان الوقت كي أبلغكم التحفظات التي ترى الدولة المنتدبة انه من واجبها القيام بها.
أطلب منكم أن تقولوا لي إذا كنتم توافقون على هذه النقاط كما سبق لي وأبلغتكم أننا متفقون معكم على مواد دستوركم.
بعد هذا التصريح قرئ نص التحفظات وهو يتضمن أربع مواد.
تتعلق الأولى بحق الرقابة الذي ستمارسه الدولة المنتدبة بواسطة مستشارين فرنسيين يوزعون على الإدارات العامة ويتلقون اجورهم من الخزينة اللبنانية.
تضع المادة الثانية تحت تصرف المفوض السامي قوى الأمن الداخلي وتعترف بسلطته المطلقة على القوى المسلحة الفرنسية التي تحتاج إليها الدولة المنتدبة لتطبيق الانتداب وللدفاع عن الحدود ولوضع القانون الأساسي موضع التنفيذ.
تخول المادة الثالثة المفوض السامي استعمال حق الفيتو أو النقض ضد القوانين والقرارت التي يعتبرها مضرة بالانتداب وبمصلحة لبنان ومناقضة للالتزامات الدولية.
وقد أخضعت المادة نفسها حل المجلس وعزل رئيس الجمهورية لموافقة المفوض السامي.
اما المادة الرابعة والاخيرة فقد نصت على أن العلاقات الخارجية وقبول اوراق اعتماد السفراء الأجانب هي حصرًا من صلاحيات الدولة المنتدبة.
بعد ذلك صوت المجلس بالإجماع على نص الدستور المعدل ورفعت الجلسة في تمام الساعة الواحدة والنصف من صباح 23 آيار.
في اليوم نفسه زار جوفنيل مقر المجلس التمثيلي حيث وضع الدستور موضع التنفيذ وأعلن ولادة الجمهورية اللبنانية في 25 آيار طبقًا لما ورد في المادة 98 من الدستور.
عين المفوض السامي أعضاء مجلس الشيوخ الستة عشر وفي 26 آيار اجتمع المجلسان وانتخبا شارل دباس أول رئيس للجمهورية اللبنانية.
نشر نص الدستور في الجريدة الرسمية في 12 تشرين الأول 1926.
كما نشر كملحق في التقرير الذي أرسلته الدولة المنتدبة إلى عصبة الأمم عن عام 1926.
ثم اعادت نشرة عصبة الامم معدلاً،عام 1930، مع النصوص الدستورية الأخرى المتعلقة بالدول المشرقية الواقعة تحت الانتداب الفرنسي.
وهذه النصوص هي الدستور السوري، النظام الأساسي لسنجق الإسكندرون، النظام الأساسي لدولة العلويين، النظام الأساسي لدولة جبل الدورز، والنظام الأساسي لمجلس المصالح المشتركة.
غادر جوفنيل لبنان إلى فرنسا حاملاً معه نص الدستور اللبناني وذلك في 27 آيار 1926 على الباخرة نفسها (Le sphinx)التي أقلته من مرسيليا إلى بيروت قبل ستة أشهر من هذا التاريخ.
نستخلص من هذه الدراسة أن نص الدستور اللبناني هو نتيجة عمل جماعي قام به اللبنانيون بمشاركة الفرنسيين.
وقد أبرزت الاستشارات الواسعة التي نظمها المجلس التمثيلي والتي لخصها دموس في تقريره الخيارات الأساسية للفعاليات الوطنية.
بعد ذلك تعاون على إعداد مشروع الدستور كل من شيحا ودموس والخبير سوشييه وذلك تحت رقابة موسى نمور وتحت إشراف لجنة 13 التي لم تتردد في فرض التعديلات التي رأتها ضرورية.
اما اللمسات الأخيرة فوضعها المجلس التمثيلي نفسه خلال الجلسات التي عقدها بين 19 و 23 أيار 1926 والتي كرسها جميعها لدرس ومناقشة المواد مادة مادة.
قراءة في تاريخ لبنان في بدايات القرن العشرين
ليس الهدف من هذا البحث وضع دراسة مسهبة للصراعات الدولية التي أدّت في نهاية الحرب العالمية الأولى إلى سقوط سلطنة بني عثمان وإلى اقتسام ولاياتها العربية بين الحلفاء المنتصرين تحت غطاء نظام الانتداب.
حسبنا رسم الخطوط الكبرى لأوضاع الشرق الأوسط خلال تلك الحقبة والتوقف فقط عند بعض المحطات، محاولين إلقاء أضواء جديدة عليها، إستنادًا إلى الدراسات الحديثة المخصصة لتاريخ تلك المنطقة وإلى بعض ما يحتوي الأرشيف الأوروبي من وثائق لها علاقة مباشرة بموضوعنا.
تعتبر السنوات الممتدة من 1914 حتى 1920 منعطفًا أساسيًا في تقرير مصير المشرق العربي.
ولكن ما حصل خلالها يشكّل امتدادًا طبيعيًا للتحولات التي عرفتها السلطنة العثمانية منذ عهد التنظيمات وللهيمنة الأوروبية عليها.
لذا سنعالج بإيجاز:
في القسم الأول من بحثنا، المنحى الخطر الذي آلت إليه العلاقات، في مطلع القرن العشرين، بين تلك السلطنة والدول الأوروبية، سنكرّس القسم الثاني لسنوات الحرب وللصراع العلني بين الحلفاء على تركة «الرجل المريض» وسندرس أخيرًا في الثالث مرحلة الحسم التي تمتد على سنتين تقريبًا:
تبدأ بتاريخ انهيار دولة بني عثمان في تشرين الثاني 1918 وتنتهي بولادة دولة لبنان الكبير في 31 آب 1920.
المضائق، قناة السويس والخليج:
مناطق تصادم المصالح الأوروبية.
تمحور الصراع في البدء بين الدول الكبرى حول منطقتين حسّاستين:
المضائق وقناة السويس.
وكانت روسيا منذ عهد بطرس الأكبر تنظر بجشع إلى المضائق وإلى القسطنطينية عاصمة الأورثوذكسية.
وقد ازداد ضغطها في القرن التاسع عشر إذ خاضت ضد العثمانيين ثلاث حروب خطيرة:
الأولى في عامي 1828 – 1829 وأدّت إلى استقلال بلاد اليونان، الثانية بين 1854 و1856 وهي حرب القرم الدامية، الثالثة في سنتي 1877 – 1878 وقد وصلت خلالها الجيوش الروسية إلى أبواب العاصمة العثمانية وفرضت على الباب العالي اتفاقية سان ستيفانو المذلّة.
ولكن في كل مرّة كانت الدول الأوروبية الأخرى تتدخّل إما عسكريًا، كما فعلت في حرب القرم، وإما دبلوماسيًا، كما فعلت عام 1878 في مؤتمر برلين، لتُنقِذ السلطان من مخالب القيصر، وذلك خوفًا من أن يسيطر هذا الأخير على الحوض الشرقي للمتوسط.
كانت بريطانيا أكثر الدول تصلّبًا تجاه روسيا، وكان الباب العالي يرى في حكومة لندن المدافع الأول عن كيان السلطنة وعمّا تبقّى لها من ممتلكات.
ليس الهدف من هذا البحث وضع دراسة مسهبة للصراعات الدولية التي أدّت في نهاية الحرب العالمية الأولى إلى سقوط سلطنة بني عثمان وإلى اقتسام ولاياتها العربية بين الحلفاء المنتصرين تحت غطاء نظام الانتداب.
حسبنا رسم الخطوط الكبرى لأوضاع الشرق الأوسط خلال تلك الحقبة والتوقف فقط عند بعض المحطات، محاولين إلقاء أضواء جديدة عليها، إستنادًا إلى الدراسات الحديثة المخصصة لتاريخ تلك المنطقة وإلى بعض ما يحتوي الأرشيف الأوروبي من وثائق لها علاقة مباشرة بموضوعنا.
تعتبر السنوات الممتدة من 1914 حتى 1920 منعطفًا أساسيًا في تقرير مصير المشرق العربي.
ولكن ما حصل خلالها يشكّل امتدادًا طبيعيًا للتحولات التي عرفتها السلطنة العثمانية منذ عهد التنظيمات وللهيمنة الأوروبية عليها.
لذا سنعالج بإيجاز:
في القسم الأول من بحثنا، المنحى الخطر الذي آلت إليه العلاقات، في مطلع القرن العشرين، بين تلك السلطنة والدول الأوروبية، سنكرّس القسم الثاني لسنوات الحرب وللصراع العلني بين الحلفاء على تركة «الرجل المريض» وسندرس أخيرًا في الثالث مرحلة الحسم التي تمتد على سنتين تقريبًا:
تبدأ بتاريخ انهيار دولة بني عثمان في تشرين الثاني 1918 وتنتهي بولادة دولة لبنان الكبير في 31 آب 1920.
لذا تنازل السلطان طوعًا للإنكليز عن جزيرة قبرص بعد مؤتمر برلين، ليكونوا على مقربة من المضائق وليراقبوا تحركات الروس في تلك المنطقة.
بعد أن انجزت ألمانيا وحدتها، أخذت بدورها تعير منطقة البلقان أهمية كبرى، فدفع بسمارك أولاً بالنمسا باتجاه الشرق ثم نصّب نفسه محاميًا عن وحدة الإمبراطورية العثمانية وعن حرية الملاحة في المضائق.
ارتاح عبد الحميد لموقف حكومة برلين المستجد، فاستعان بخبراء ألمانيين لإعادة تنظيم الجيش والإدارة.
وقد أبدى هؤلاء مقدرة وفعالية فائقتين في عملهم.
في تلك الظروف وُلد مشروع الخط الحديدي بين برلين وبغداد وقد حصلت شركة ألمانية على امتياز الجزء الأول منه عام 1888.
بعد استقالة بسمارك، تابع غليوم الثاني السياسة نفسها.
قام عام 1898 بزيارة عبد الحميد في اسطنبول، ثم انتقل إلى فلسطين فدمشق حيث ألقى خطبة في السابع من تشرين الثاني أعلن فيها نفسه صديقًا للثلاثمائة مليون مسلم المنتشرين في العالم.
أثارت سياسة غليوم الثاني هذه حفيظة بريطانيا وزادت من خشيتها من أن تصل ألمانيا عبر الخط الحديدي إلى منطقة الخليج ومن ثم إلى الهند.
كانت بريطانيا قد أحكمت قبضتها على المداخل الجنوبية للمتوسط بعد أن استولت على مضيق جبل طارق عام 1704 ثم على مالطة عام 1801 فقبرص عام 1878 وأخيرًا على مصر عام 1882.
لذا رأت أن مصلحتها تقضي التخلّي عن سياستها التقليدية تجاه العثمانيين والتنسيق مع القيصر لدرء الخطر الألماني.
قد أدى هذا التوجّه الجديد عام 1907 إلى ولادة الحلف الثلاثي الذي ضمّ فرنسا وروسيا وبريطانيا.
كانت حكومة لندن قد اتخذت عددًا من الإجراءات لمنع خط برلين – بغداد من النفاذ إلى منطقة الخليج، فعقدت عام 1899 اتفاقًا مع أمير الكويت تعهّد هذا الأخير بموجبه بعدم السمّاح للشركة الألمانية ببناء المحطة الأخيرة لهذا الخط في أراضيه دون موافقة الإنكليز.
وكانت الكويت، على عكس الساحل العراقي الضيّق حيث يصبّ شط العرب، تشكّل على الخليج المنطقة الوحيدة الملائمة لبناء مثل هذه المحطة.
عندما اندلعت الحرب العالمية الأول، فصلت بريطانيا الكويت نهائيًا عن الإمبراطورية العثمانية وفرضت عليها حمايتها وهكذا فعلت بقبرص وبمصر.
الهيمنة الاقتصادية والثقافية على السلطنة.
إن الضعف العسكري والسياسي الذي أصاب دولة بني عثمان رافقه شلل اقتصادي بلغ ذروته في عهد عبد الحميد الثاني وتزامن مع الهجمة الإمبريالية الاوروبية على العالم.
فكانت السلطنة إحدى ضحاياها.
أخذ الأوروبيون يمدّون الباب العالي بالقروض ويوظفون رؤوس أموالهم في المشاريع العامة والخاصة.
نذكّر هنا بأن حصّة فرنسا من الدين العام العثماني كانت تفوق الستين بالمئة.
وبان أموالها الموظفة داخل السلطنة بلغت، قبيل اندلاع الحرب الكبرى، 53% من مجموع الاستثمارات الأجنبية.
ونشير أيضًا إلى أن فرنسا، ابتداء من عام 1911، أخذت توجّه توظيفاتها بصورة أولية، إلى الولايات السورية وإلى متصرفيّة جبل لبنان.
بالإضافة إلى هذه الهيمنة الاقتصادية، فقد بسط الأوروبيون نفوذهم على القطاع التعليمي.
ففي عام 1914، كانت المدارس الفرنسية المنتشرة في ولايات السلطنة الآسيوية وفي مصر تعدّ تسعين ألف طالب، مقابل 23500 طالب للمدارس الانكلو – أميركية.
وقد حافظت فرنسا، إلى جانب ذلك، على حقّها في حماية كاثوليك الشرق وفي حماية الأماكن المقدّسة في فلسطين.
عشية اندلاع الحرب العالمية الأولى، كانت الدول الإمبريالية قد أحكمت قبضتها على ما تبقّى من ممتلكات للدولة العثمانية، فتقاسمتها وحوّلتها إلى مناطق نفوذ اقتصادي، فكانت الولايات السورية مع سنجق القدس ومتصرّفية جبل لبنان من نصيب فرنسا.
فشل التنظيمات.
إن الهجمة الإمبريالية على السلطنة العثمانية أتت كنتيجة للتفكك الداخلي وللوهن اللذين أصاباها ولم تكن سببًا لهما.
يضاف إلى ذلك أن برامج الإصلاح المعروفة بالتنظيمات والتي نادت بالمساواة بين الرعايا دون النظر إلى العرق أو الدين أو المذهب، بقيت بمجملها حبرًا على ورق، وظلّت صبغة الدولة إسلامية وظل العرق التركي هو المسيطر.
وبعد أن اعتمد عبد الحميد على الرابطة الدينية واضطهد الأقليات غير الإسلامية، لا سيما الأرمن، قام الاتحاديون من بعده بتطبيق سياسة عنصرية جعلت الشعوب غير الطورانية، ومن بينها العرب، تنفر من حكمهم.
بالإضافة إلى العدالة والمساواة، هدفت التنظيمات إلى إصلاح أوضاع السلطنة وإدخال الحداثة إليها.
ولكن التحسّن البسيط الذي أصاب بعض القطاعات أتى مخيّبًا للآمال، لذا قام عدد من المفكّرين يفتشون عن حلول جديدة تخرج شعوب الإمبراطورية من التخلّف والسبات، وكان مبدأ القومية المعتمد في أوروبا قد توغّل داخل الدولة العثمانية وفرض نفسه كأحد الحلول الممكنة.
تجدر الإشارة هنا إلى أن التيار الإصلاحي نشط بشكل خاص في بيروت حيث برزت الجمعية الإصلاحية البيروتية، وكان قسم من أعضائها يسعى للحصول على الاستقلال الإداري بدعم من أوروبا.
بينما هال بعض المنتسبين إليها من المسيحيين التنكيل الذي كان يتعرّض له النصارى العثمانيون، لا سيما بعد حرب البلقان، فأخذوا يتّصلون سرًا بممثلي فرنسا مطالبين بإلحاق مدينتهم بيروت بالجبل وبفرض الحماية الفرنسية على كافة الولايات السورية.
نذكّر هنا بأن فكرة الاستقلال عن السلطنة قديمة في لبنان، تعود إلى عهد الإمارة المعنية، وقد ترسّخت خلال حكم بشير الثاني وتبلورت في عهد المتصرّفية، وقد ساعد على ظهورها عدد من العوامل أهمها التركيبة السكانية المعقّدة والفريدة وطبيعة التضاريس والموقع الجغرافي المميز.
الحرب ومصير الشرق الأوسط:
أضواء جديدة على الصراع بين الحلفاء.
عندما اندلعت الحرب قرّر الحلفاء وضع حد نهائي للمسألة الشرقية بتجزئة الأراضي العثمانية، فكانت موجة الاتفاقيات السرية، وما يهمّنا منها هي اتفاقية سايكس بيكو التي أُبرمت عام 1916 والتي نصّت على اقتسام الولايات العربية بين فرنسا وبريطانيا في نهاية الحرب، فيكون لبنان مع الساحل السوري وكيليكيا من نصيب فرنسا وجنوب العراق من نصيب بريطانيا وفلسطين تحت إشراف دولي.
أما الداخل فيحكمه العرب ويقسم بدوره إلى قسمين:
- في الشمال منطقة «أ» وتكون تحت النفوذ الفرنسي، - وفي الجنوب منطقة «ب» وتكون تحت النفوذ البريطاني.
إلى جانب تلك الاتفاقية هناك المراسلات التي تبودلت في عامي 1915 و1916 بين الشريف حسين والمفوّض البريطاني في مصر، هنري مكماهون، وقد تعهّد فيها هذا الأخير، باسم حكومته، مساعدة العرب على بناء دولة مستقلّة إن هم ثاروا على الترك؛ هناك أخيرًا وعد بلفور الذي صدر عام 1917 وقد تعهّدت فيه لندن العمل على إنشاء الوطن القومي للشعب اليهودي في فلسطين.
أما اتفاقيتا القسطنطينية (1915) وسان جان دي موريان (1917) اللتان نصّتا على تجزئة {سيا الصغرى، فقد سقطتا بعد انسحاب البولشفيك من القتال وتوقيعهم صلح برست – ليتوفسك مع الدول الوسطى في ربيع 1918 وبعد أن تصدّى مصطفى كمال للحلفاء ولمعاهدة سيفر ورفض أن تمس وحدة الأناضول.
وكانت فرنسا الدولة الوحيدة القادرة على الوقوف في وجه المخططات البريطانية في فلسطين وذلك لاعتبارات لا مجال للتوقف عندها في هذه الدراسة.
التنافس على سورية ولبنان في المحادثات التي مهّدت لاتفاقية سايكس – بيكو حاول المفاوضون الإنكيز ان يبعدوا الفرنسيين عن لبنان بهدف إضعاف وجودهم في المتوسط الشرقي بعد الحرب.
ففي أول جلسة عقدها بيكو في لندن، في 21 كانون الأول 1915، مع ممثلي الحكومة البريطانية، أصرّ هؤلاء على أن لا تتعدّى المنطقة التي ستقع تحت الحماية الفرنسية المباشرة الساحل السوري الممتد من الإسكندرونة حتى طرطوس، على ان تلحق المناطق الأخرى بما فيها الساحل اللبناني والجبل، بالدولة العربية التي سيحكمها الشريف حسين.
رفض بيكو هذا الاقتراح مؤكدًا أنّه لا يجوز أن يعاد لبنان إلى الوراء بعد أن تمتّع بإدارة ذاتية تحت الحكم التركي، وأن اللبنانيين لن يقبلوا بالتخلّي عن وضعهم المميز ولا بالتراجع عن مطلبهم الحيوي وهو ضم بيروت وطرابلس والبقاع إلى الجبل.
تابع بيكو قائلاً إن الأتراك عندما رسموا حدود المتصرفية وحصروها في المنطقة الجبلية الصخرية الوعرة كانوا يهدفون إلى تهجير السكان وقد نجحوا في ذلك.
جرت المفاوضات اللاحقة فقط بين سايكس وبيكو، وقد استطاع ممثل فرنسا أن يقنع زميله الإنكليزي بوجهة نظره.
فوضعا سوية نص الاتفاقية التي عُرفت باسميهما.
تعتبر هذه الاتفاقية في نظرنا تراجعًا تكتيكيًا لبريطانيا أمام حليفتها ومنافستها فرنسا.
لم يتردد عدد من المسؤولين البريطانيين في التصريح علنًا أنها حل دبلوماسي مؤقت وانها ستعدّل حتمًا في المستقبل.
التطلعات الإمبريالية الجديدة لبريطانيا.
في كانون الأول 1916، انتقلت السلطة في لندن إلى حكومة إئتلافية يترأسها لويد جورج.
فقررت هذه مضاعفة مجهودها الحربي في منطقة الشرق الأوسط، وقد تزامن انتقال المسؤولية إليها مع ثورة شباط في روسيا.
خشي البريطانيون انسحاب الجيش الروسي من القتال، لذا اقترحوا على حكومة اسطنبول عقد صلح منفرد، من شروطه استقلال الحجاز ووضع العراق وفلسطين تحت الحماية البريطانية وإعطاء مصر وأرمينيا حكمًا ذاتيًا.
رفض الاتحاديون هذه الشروط واستمرت الحرب بين الدولتين.
في نيسان 1917، أوكلت حكومة لويد جورج إلى لجنة خاصة من أعضائها البارزين اللورد كورزون والجنرال سمطس، وضع دراسة حول المقاطعات التي يجب أن تلحق بالإمبراطورية البريطانية في نهاية الحرب.
رفعت هذه اللجنة تقريرها إلى الحكومة في الأول من آيار 1917، وقد طالبت فيه بوضع فلسطين والعراق تحت الرقابة البريطانية وتعديل اتفاقية سايكس بيكو بشكل يجعل من فلسطين محمية إنكليزية تمتد حدودها حتى نهر الليطاني وحتى شمال حوران.
بعد هذا التقرير حدث تحوّل جذري في سياسة لندن تجاه الشرق، فولدت عند بعض المسؤولين فكرة ربط مصر والعراق بشبكة من الخطوط الحديدية وإخضاع المنطقة بكاملها للسيطرة البريطانية المباشرة أو غير المباشرة، واقتلاع فرنسا نهائيًا منها.
هنا بدأ صراع علني بين الدولتين كان مسرحه في بادئ الأمر فلسطين.
فلسطين، أول امتحان لصدق النوايا.
كانت الحكومة الفرنسية قد اتخذت الإجراءات اللازمة منذ ربيع 1917 للمشاركة ولو بقوات رمزية في الهجوم على فلسطين وقد جعلت من بور سعيد قاعدة خلفية لها، وعيّنت الكولونيل دوبييباب قائدًا للفرقة الفرنسية التي سترافق الجيش البريطاني في زحفه نحو الشمال، كما عينت فرنسوا جورج – بيكو مندوبًا لها في فلسطين وسوريا.
في خريف 1917 شنّ اللنبي هجومه المرتقب انطلاقًا من مصر واستولى على القدس في التاسع من كانون الأول.
وتقيدًا للتوجيهات التي تلقّاها من حكومته، حاول بيكو ان يتصرّف في فلسطين كممثل رسمي لبلاده وأن يشارك في إدارة الأراضي المحتلة وأن يعيد لفرنسا المكانة التي كانت لها قبل الحرب كحامية للأماكن المقدسة المسيحية.
لكنه اصطدم بعدد من العقبات أهمها التصدي العنيد الذي واجهه به الإيطاليون وكانوا هم أيضًا يشاركون بفرقة رمزية في الحملة على فلسطين.
كانت إيطاليا تسعى آنذاك لتحل محل فرنسا في حماية الأراضي المقدّسة ولا سيما أن باريس كانت على خلاف عميق مع الكنيسة الرومانية وقد ادّى هذا الخلاف إلى فصل الدين عن الدولة وإلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع الكرسي الرسولي.
لذا لم يدعم البابا موقف فرنسا في فلسطين.
بالإضافة إلى هذه الصعوبات التي كانت تخدم الأهداف الإنكليزية فإن القائد العام للقوات الحليفة الجنرال اللنبي، منع بيكون عن التدخّل بشؤون الإدارة المحلية وبشؤون الأراضي المقدّسة، ورفض أن يعترف به ممثلاً لفرنسا في فلسطين، وأفهمه أنّه يعتبره مستشارًا له، ليس إلا.
وهدده، إن هو لم يرضخ لأوامره، بإبعاده عن القدس إلى يافا.
ثارت ثائرة جورج بيكو وأدرك أن ما حصل في فلسطين هو مقدمة لما سيحصل في سوريا ولبنان، إن تابعت الجيوش البريطانية زحفها نحو الشمال، وأن فرنسا قد خسرت مكانتها في الشرق وأن اتفاقية 1916 لا قيمة لها إن لم تدعمها قوى مسلّحة على الأرض.
لذا، أخذ يرسل البرقية تلو الأخرى، يطلب من حكومته زيادة عدد أفراد الفرقة الفرنسية العاملة في فلسطين ويصف الوضع بأنه مأساوي، وقد تجاوب وزير الخارجية بيشون مع بيكو وكتب مرارًا إلى زميله وزير الحربية بهذا الشأن.
لكن القيادة العسكرية كانت منهمكة في القطاع على الجبهة الغربية، فأهملت الموضوع وترددت في فصل قوات إضافية لترسل إلى الشرق الأوسط.
في العشرين من كانون الثاني 1918، أبرق بيكو إلى حكومته يقول:
«لا نستطيع أن نحافظ على حقنا في الحماية الدينية في الشرق ونقطع في الوقت نفسه علاقاتنا مع الكرسي الرسولي.
لا نستطيع أن نحكم فلسطين وأن نكتفي من أجل ذلك بإرسال مفوّض سام يرافقه معاونان اثنان فقط.
لا نستطيع أن ننفذ اتفاقيات كالتي توكل إلينا الإشراف على إدارة سوريا وإرمينيا وان نترك لسوانا عملية تحرير شعوب هذه البلدان، علينا أن نختار (.
) نحن معرضون في الوقت الحاضر لهزيمة وعلينا أن نرضخ للواقع وأن نعي الهزائم اللاحقة.
غدًا سنخسر نفوذنا في فلسطين، ولكن بعد غد سنخسره في سوريا (.
) وإذا لم تعمل الحكومة على تغيير الوضع العسكري القائم فمن الأفضل أن يوضع حد لوجود بعثتنا لأن هذا الوجود أصبح بلا فائدة».
يعبر هذا النداء اليائس عن حقيقة الوضع على الأرض ولكن العاصفة هدأت نسبيًا ابتداء من شهر آذار 1918 حيث قبل الكرسي الرسولي بعد أن ضغط عليه بعض الأساقفة الفرنسيين بتجميد مسألة الأماكن المقدّسة حتى نهاية الحرب وطلب من الرهبانيات الكاثوليكية الاعتراف من جديد بالامتيازات التي كان يتمتع بها ممثل حكومة باريس.
لكن موقف الكرسي الرسولي المبدئي لم يتغيّر:
إن الحماية الفرنسية بنظره قد زالت مع زوال الحكم التركي.
ويبدو أن البابا كان يميل إلى إيكال أمر الإشراف على فلسطين إلى الحكومة البلجيكية.
اما الفرقة الفرنسية فرفض الإنكليز زيادة عدد أفرادها بحجة أن القيادة العامة في فلسطين تفتقر إلى وسائل النقل وإلى المؤن فلا يمكنها بالتالي استقبال قوات إضافية.
في النهاية ألانت لندن موقفها.
ألحق الفرنسيون عناصر جديدة بفرقتهم فارتفع عدد رجالها من 3675 إلى مايقارب 7000.
اما البريطانيون فكانوا يحشدون اكثر من مئتي ألف مقاتل على الجبهة نفسها.
الحلفاء يطلعون الحسين على مضمون اتفاقية سايكس – بيكو.
على رغم مشاركتها المحدودة في القتال على الجبهة الفلسطينية السورية، ظلت فرنسا متمسكة باتفاقية سايكس بيكو وما كانت تسميه «حقوقها التاريخية في سوريا».
في مطلع 1917 قررت حكومتا لندن وباريس إرسال كل من مارك سايكس وفرنسوا جورج بيكو إلى الحجاز ليطلعا الحسين على مضمون الاتفاقية المعقودة بينهما.
فوصلا إلى جدّة في 18 آذار 1917 واجتمعا في اليوم التالي بالملك وتبع هذا اللقاء الاول لقاءات اخرى شارك في معظمها الأمير فيصل.
بعد خمسة أيام من المفاوضات أبرق بيكو إلى حكومته يقول:
«إن الملك يعرف الآن مضمون اتفاقيتنا ولم يبد متأثرًا إلى الحد الذي كنّا نخشاه.
إن المنطقة الأرمنية الواقعة إلى الشمال من الأسكندرونة وأورفا لا تهمه.
يمكننا منذ الآن أن نقول إن الدور الفرنسي في سوريا سيكون في خطوطه الكبرى شبيهًا بالدور الإنكليزي في العراق.
سنتعاون مع ممثلي الملك في المناطق الإسلامية من سوريا، بواسطة مستشارين.
اما المناطق المسيحية فإن استولينا عليها قبل نهاية الحرب فسننشئ فيها دولة تكون تحت حمايتنا».
بعد أن اطلع وزير الخارجية الفرنسية على برقية بيكو، طلب إليه أن يعهد إلى شرشلي، ممثل فرنسا في الحجاز، أن يوضح للحسين ما المقصود بعبارة «المناطق الإسلامية من سوريا» التي استُعملت خلال المحادثات وأن يؤكد له أن هذه التسمية تنطبق فقط على المناطق الداخلية، أي على منطقة «أ» من اتفاقية سايكس بيكو ولا تنطبق على المنطقة الزرقاء أي الساحل وكيليكيا.
فما كان من جورج بيكو إلا أن أبرق إلى شرشلي في 13 حزيران 1917 يقول:
«خلال محادثاتي الأخيرة مع ملك الحجاز، أطلعته على اتفاقيتنا المتعلقة بالولايات الآسيوية العربية.
قلت له إننا سنحتفظ بحرية التصرّف في المنطقة الساحلية حيث سننشئ دولة لبنان الكبير تحت الحماية الفرنسية وأبلغته أن الشرط الأساسي لتعاوننا مع العرب في المناطق الداخلية من سوريا هو تعيين مستشارين فرنسيين في مختلف الإدارات يتمتعون بسلطة إجرائية وذلك لمدة محدودة».
ثم يطلب بيكو من شرشلي أن ينتهز الفرصة أن يستعمل الحسين أمامه عبارة «سوريا الإسلامية» ليفهمه أنّها تعني المنطقة الداخلية لا الساحل.
هكذا ظن الفرنسيون أن الأمور أصبحت واضحة بالنسبة إلى العرب وأنهم يستطيعون في المستقبل تنفيذ اتفاقية سايكس بيكو.
لكن بعض المسؤولين الإنكليز كانوا يضعون خططًا متناقضة.
أما لورنس فقد أقنع فيصلاً بأن أفضل وسيلة للتخلص من تلك الاتفاقية تكمن في توطيد التحالف مع بريطانيا لأن هذه الاخيرة في نهاية الحرب «ستخجل ولن تلجأ إلى السلاح لإزاحة أحد حلفائها إن هو وقف في وجه الاتفاقية».
السلطة في دمشق بين الجزائريين والفيصليين.
في 19 أيلول 1918، أحرز اللنبي ((Allenby انتصاراً حاسماً على الجيش العثماني في فلسطين، ودفع بقواته نحو الشمال.
فغادر الأتراك دمشق وبيروت في 30 أيلول وألّف الأمير سعيد الجزائري وأخوه عبد القادر في العاصمة السورية حكومة مؤقتة باسم الشريف الحسين، وحذا حذوهما عمر الداعوق في بيروت.
أبرق الجزائري إلى البطريرك الماروني يطلب منه تأليف حكومة عربية في الجبل.
تريّث البطريرك في اتخاذ موقف وأرسل يستشير الفرنسيين في جزيرة إرواد، فكان جوابهم:
«إننا قادمون».
في الأول من تشرين الأول وصلت إلى دمشق فرقة من جيش اللنبي وتبعتها قوات عربية يقودها الشريف ناصر يرافقه الضابط الإنكليزي لورانس.
نصّب هذا الأخير نفسه ممثلاً لفيصل وعزل الأميرين الجزائريين بعد صدامات مع انصارهما في الشوارع وعيّن مكانهما رضا الركابي حاكمًا عسكريًا على المدينة.
في الحقيقة كان لورانس وعملاء الإنكليز عمومًا ومؤيدو فيصل يخشون أن تفلت السلطة في دمشق من أيديهم خصوصًا وأن الأخوين الجزائريين، حفيدي عبد القادر الكبير، كانا يشكلان خصمين خطيرين للهاشميين.
فأسرتهما الكريمة النسب وتاريخ جدهما العريق ومكانتهما في العالم الإسلامي ووزنهما السياسي في سوريا وعلاقاتهما الطيّبة بفرنسا كانت تخوّلهما الطموح إلى الحكم والوقوف في وجه المخططات الإنكليزية – الحجازية، وهذا ما دفع بلورانس إلى الإسراع في التخلّص منهما.
أما فيصل فلم يشعر بالطمأنينة إلا بعد أن قتل رجاله الأمير عبد القادر في 9 تشرين الثاني 1918 ونفوا أخاه سعيدًا إلى فلسطين.
في تلك الأثناء كان جورج – بيكو يفاوض البريطانيين في لندن حول مستقبل الأراضي العربية المحتلة.
كان السفير الفرنسي كامبون، بعد أن تلقّى تعليمات من حكومته قد طلب من الإنكليز أن يتعهّدوا باحترام اتفاقية 1916.
وقد صدر عن بلفور، في 23 أيلول، وعد رسمي بهذا الخصوص.
أخيرًا في 30 أيلول، عقدت الحكومتان اتفاقًا بشأن الإدارة المؤقتة للولايات السورية حددتا فيه الدور الذي يعود إلى كل منهما.
في 3 تشرين الأول دخل دمشق كل من اللنبي وفيصل والكابيتن كولوندر نائب جورج – بيكو، ففوجئ الثلاثة بالإجراءات التي اتخذها لورانس.
اعترف اللنبي بالركابي حاكمًا عسكريًا على منطقتي «أ» و»ب» من اتفاقية سايكس – بيكو ولكنه اوضح أنّه يحتفظ لنفسه بالقيادة العليا في كافة الأراضي المحتلة وأن العلاقات بينه وبين الحكومة المحلية تتم بواسطة ضابطي ارتباط، أحدهما إنكليزي والثاني فرنسي.
غادر اللنبي دمشق بسرعة وعاد إلى فلسطين.
اما فيصل فقرر، ومن المرجح بإيعاز من لورانس، إرسال شكري الأيوبي إلى بيروت.
وحين وصل هذا الأخير أعلن أن الولاية الساحلية تعتبر جزءًا من الدولة العربية وأنها تابعة لحكومة دمشق.
ثم زار بعبدا حيث دعا مجلس الإدارة إلى الاجتماع وأوكل إلى حبيب باشا السعد تأليف حكومة مؤقتة في الجبل باسم ملك الحجاز.
حاول كولوندر أن يتصدّى للترتيبات التي اعتمدتها حكومة دمشق، فاتصل أولاً بالجنرال الإنكليزي كلايتون، المسؤول عن الشؤون السورية، وطلب منه أن يتدخل شخصيًا ليمنع فيصلاً عن تعيين حكام في المنطقة الساحلية، إذ إن هذا الحق ينحصر باللنبي وحده.
تحاشى كلايتون الخوض في هذا الموضوع.
فاجتمع كولوندر شخصيًا بفيصل محتجًا على إرساله الأيوبي إلى بيروت دون أن يكون للقائد العام علم بذلك.
أجاب الأمير أن هدفه من ذلك هو طرد الأتراك من الأراضي العربية وأنّه اعتبر نفسه مخولاً اتخاذ إجراء كهذا لأن اللنبي سبق له ووافق على تعيين الركابي حاكمًا على دمشق.
أبلغ كولوندر وزارة الخارجية الفرنسية جواب الأمير وأكد أن فيصلاً وأتباعه يحاولون وضع الحلفاء في المنطقة الساحلية أمام الأمر الواقع كما فعلوا في الداخل.
لم يكتف كولوندر بذلك بل ألحّ على حكومته بالإسراع في إرسال قوات فرنسية إلى المنطقة الزرقاء من اتفاقية 1916، ثم غادر إلى فلسطين حيث استقبله اللنبي وطمأنه إلى أن الحكّام الذين عيّنهم فيصل في المدن الساحلية سيُعزلون قريبًا.
اعتبرت فرنسا أن اتفاق 30 أيلول يشكّل نقطة انطلاق جديدة في علاقاتها مع بريطانيا في الشرق وكذلك في علاقاتها مع فيصل والحكومة السورية.
فبدأت بعد ذلك عملية صراع بين خمسة قوى تحاول كل منها فرض خياراتها، هذه القوى هي بريطانيا وفرنسا وفيصل مع جماعته والتيارات الوطنية السورية المتصلّبة وأخيرًا التيار اللبناني الاستقلالي.
مرحلة الخيارات الصعبة:
تشرين الأول 1918 – أيلول 1920.
ابتداءً من تشرين الأول 1918 أخذت الأمور تتشابك والصراعات تحتدم.
لن نعالج كل النواحي التاريخية لهذه الحقبة، سنمسك فقط ببعض الخيوط المتعلّقة بموضوع بحثنا وسنتتبّعها متوقفين عند ست محطات نعتبرها أساسية لرسم الإطار الدولي لولادة لبنان الكبير.
تمركز الفرنسيين في المنطقة الساحلية وفي متصرفية جبل لبنان.
على أثر الاتصالات المكثّفة التي جرت بين لندن وباريس أرسل الفرنسيون إلى بيروت قطعًا من أسطولهم بقيادة الإميرال فارنيه، فأنزلت هذه، في 7 تشرين الأول، بعض القوات إلى البر.
وبعد يومين وصلت فرقة بريطانية قادمة من فلسطين يرافقها الكولونيل دي بياباب.
ثم نقل الفرنسيون قوات إضافية من حيفا إلى بيروت عن طريق البحر، ولكن القسم الأكبر من أفراد المفرزة العاملة في فلسطين لم يصلوا إلى المدينة إلا في العشرين من الشهر.
اما الأيوبي، فمُنع من الدخول إلى سراي الحكومة وطُلب منه مغادرة البلاد، ولما لم يمتثل للأمر هدّده الجنرال الإنكليزي بلفين باستعمال القوة ضدّه، فرضخ.
بعد انسحابه، سلّمت كل المراكز الإدارية في المنطقة الساحلية إلى ضباط فرنسيين.
في تلك الظروف، أبلغ اللنبي فيصلاً أن سهل البقاع سيلحق بلبنان.
ثم أعلن القائد الأعلى، في 23 تشرين الأول، التقسيم الرسمي المؤقت للأراضي المحتلة، فأوكل بإدارة المنطقة الشرقية، أي سوريا الداخلية، إلى فيصل، وبالمنطقة الجنوبية، أي فلسطين، إلى البريطانيين، وبالساحل حتى الاسكندرونة مع جبل لبنان وسهل البقاع إلى الفرنسيين.
بعد يومين توجّه دي بياباب إلى بعبدا حيث أعلن أن المتصرفية أصبحت كباقي المناطق خاضعة للحكم العسكري، وقد وُلّيَ عليها الكومندان بوشير.
على الرغم من تلك الإجراءات، ظلّت الأجواء مشحونة إذ تابع مؤيدو الوحدة السورية الدعاية للأمير الحجازي.
وقد وقع أول حادث مسلّح في 19 تشرين الثاني في بيروت بين الشرطة المحلية والقوات الفرنسية أسفر عن سقوط أربعة قتلى وستة عشر جريحًا.
وفي دمشق، كانت الحكومة في تصرفاتها اليومية تظهر الإزدراء لضباط الارتباط الفرنسيين.
أما البريطانيون فبدأوا يستعدّون لتعديل اتفاقية سايكس – بيكو بشكل يخدم مخططاتهم الجديدة.
صراع الكبار وانتظار الصغار، عشرة أشهر من المفاوضات والمماطلة:
كانون الأول 1918 – تشرين الأول 1919.
قبل أن ينعقد مؤتمر الصلح، التقى لويد جورج في العاصمة البريطانية بزميليه كليمنصو وأورلندو.
كان الهم الأكبر لرئيس الوزراء الفرنسي تأمين الدعم البريطاني لبلاده ضد ألمانيا خلال مفاوضات السلام.
وقد انتهز لويد جورج الفرصة ليطلب من كليمنصو، فيلقاء جانبي، التخلّي للإنكليز عن الموصل وعن فلسطين.
قبل كليمنصو بذلك لأنه لم يكن باستطاعته، في تلك الظروف، الوقوف في وجه بريطانيا.
كانت هذه تحشد في نهاية الحرب، على مختلف جبهات الشرق الأوسط، ما لا يقل عن المليون جندي، وكانت تحظى بتأييد واسع في صفوف العرب وفي صفوف الصهاينة.
أما فرنسا، فوجودها العسكري الضعيف في المنطقة والدعاية التي وجّهتها ضدّها اجهزة الاستخبارات البريطانية وأخيرًا الموقف العدائي العلني الذي اتخذه منها الهاشميون كما اتّخذته الحركات القومية العربية والمنظمة الصهيونية جعلت مجال المناورة أمام حكومتها ضيقًا.
بينما كان مصير فلسطين يقرر في العاصمة البريطانية، وصل فيصل إلى فرنسا ليمثّل والده في مؤتمر الصلح.
قبل افتتاح المؤتمر، انتقل في كانون الأول 1918، برفقة لورانس، إلى لندن حيث اجتمع بالزعيم اليهودي وايزمن، وكان قد التقى به مرة أولى في حزيران في فلسطين.
ركّز فيصل في محادثاته مع وايزمن على «تبيان الخطر الذي تتعرّض له المصالح اليهودية والعربية من جرّاء السياسة الفرنسية» في الشرق الاوسط ثم وقّع معه اتفاقًا اعترف فيه بضرورة اتخاذ جميع الإجراءات لتنفيذ وعد بلفور ولتشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين.
في 29 كانون الأول 1918، أي قبل انعقاد مؤتمر الصلح بعشرين يومًا، رسم بيشونن وزير خارجية فرنسا، أمام مجلس النواب الخطوط الرئيسة للسياسة التي تنوي حكومته الدفاع عنها في الشرق الأوسط فقال:
«إننا في الإمبراطورية العثمانية حقوق واضحة سندافع عنها.
لنا حقوق في سوريا ولبنان وفلسطين وكيليكيا.
إنها مبنية على مستندات تاريخية وعلى اتفاقيات وعقود (.
) إنها مبنية على أماني السكان وإرادتهم (.
) سنثابر في الدفاع عنها.
إننا نعتبر أن الاتفاقيات المعقودة بيننا وبين بريطانيا ما زالت تلزمنا كما تلزم أيضًا بريطانيا».
في مؤتمر الصلح دافع فيصل عن استقلال الشعوب العربية الآسيوية وعن سيادتها.
وقد لعب الأمير الورقة الولسونية حتى النهاية.
وكان الدكتور هوارد بليس، رئيس الكلية الغنجيلية في بيروت، قد أقنع ولسون بضرورة إرسال لجنة استقصاء إلى الشرق.
لم يكن كليمنصو من مؤيدي هذه الفكرة لذا حاول أن يتفاهم مع فيصل ليقنعه بالعدول عنها وبالقبول بالوصاية الفرنسية، لكن المفاوضات بين الجانبين لم تسفر عن أية نتيجة لأن الأمير كان مقتنعًا بأنه في موقع قوة بفضل دعم الرئيس الاميركي له.
يضاف إلى ذلك أن الضابط لورانس الذي كان يرافقه في العاصمة الفرنسية كان يحثّه على مزيد من التصلّب.
عاد فيصل إلى سوريا ليُعدّ الأجواء لمجيء لجنة كينغ – كراين.
وكان لموقفه الرافض في مفاوضات باريس ولإصرار ولسون على إرسال تلك اللجنة وللمنحى المعادي لفرنسا الذي اتخذته مشاورات هذه الأخيرة في سورية الداخلية أثر عميق في نفوس المسؤولين الفرنسيين، فأخذ بعضهم يتساءل إذا لم تكن مصلحة بلادهم تقضي بالتخلي عن لبنان لإرضاء السوريين وكسب صداقتهم.
في تقرير رُفع إلى وزير الخارجية بيشون في نيسان 1919 نقرأ ما يلي:
«إننا ننظر بحزن عميق إلى الانهيار السريع الذي أصاب كل الإنجازات الفرنسية في سورية.
«إن المسلمين في سورية يشكّلون اكثرية السكان وقد تزيد نسبتهم عن الثلثين.
علينا أن نكثّف نشاطنا في أوساطهم لكسب مودتهم.
أما المجموعات المسيحية، فهي من طبيعتها موالية لنا وهي تلتجئ تلقائيًا إلينا ولا يمكنها التخلّي عنا لأنها لا تشعر بالطمأنينة إلا من خلال وجودنا.
إن لبنان سيموت إن نحن غادرنا المنطقة فمن الحماقة إذًا أن نعتبره نقطة ارتكاز لنا.
» إن هذا التوجّه الجديد في السياسة الفرنسية أثار قلقًا شديدًا عند اللبنانيين.
يبدو أن خيار الاستقلال التام ازداد عدد مؤيديه خلال تلك الفترة بالذات.
في برقية إلى حكومته مؤرخة في 23 أيار 1919 يتهم جورج بيكو البطريرك الماروني ورئيس مجلس الإدارة بالترويج لهذا الخيار.
في هذه الأجواء أصدر المجلس المذكور، في 20 أيار، قراره رقم 561 الشهير وقد جاء في مادته الأولى:
«المناداة باستقلال لبنان السياسي والإداري بحدوده الجغرافية التاريخية واعتبار البلاد المغصوبة منه بلادًا لبنانية كما كانت قبل سلخها عنه».
وفي مادته الثالثة:
«إن الحكومة اللبنانية والحكومة الفرنساوية المساعدة تتفقان على تقرير العلائق الاقتصادية بين لبنان والحكومات المجاورة».
نذكّر هنا بان مجلس الإدارة كان قد ركّز في القرار رقم 80 الذي اتخذه في 9/12/1918 على الاستقلال الإداري فقط.
في 16 حزيران 1919 صدر عن مجلس الإدارة قرار جديد يقضي بإرسال وفد ثان إلى مؤتمر الصلح برئاسة البطريرك حويك.
إن المطالب الواردة في القرار 561 هي نفسها التي قدّمها المنادون بالاستقلال إلى لجنة كينغ – كراين في شهر تموز وهي نفسها التي قدّمها البطريرك الماروني مفصّلة إلى مؤتمر الصلح في الخامس والعشرين من تشرين الأول.
لم يكن باستطاعة الفرنسيين أن يمنعوا البطريرك عن المثول أمام مؤتمر الصلح ولا عن تقديم مذكرته.
ولكنهم كانوا مستائين من إلحاحه على الاستقلال وقد وجّه كليمنصو إليه رسالة جاء فيها:
«إن رغبة اللبنانيين في المحافظة على حكومة ذاتية ونظام مستقل تتفق كل الاتفاق مع تقاليد فرنسا التحررية».
أما مسألة الحدود، يتابع رئيس الوزراء الفرنسي، «فلا يمكن بتّها قبل أن يقر الانتداب على سوريا».
ولما عاد البطريرك إلى لبنان وأطلع مجلس الإدارة على نتائج اتصالاته في باريس ازداد قلق اللبنانيين من الموقف الفرنسي المتردد.
بريطانيا تتخلى عن فيصل وترمي به في أحضان الفرنسيين في غضون ذلك، كان الخلاف بين لندن وباريس بشأن الشرق الأوسط قد بلغ ذروته وكان ممثلو فرنسا يرسلون إلى حكومتهم التقرير تلو الآخر متهمين أجهزة الاستخبارات البريطانية المنتشرة في مختلف المناطق السورية بتغذية الدعاية المعادية لبلادهم.
وكان الرأي العام الفرنسي شديد الاغتياظ من هذا الوضع.
ومنذ ربيع 1919 بدأت تظهر في الصحف مقالات تهدّد الحكومة إن هي تقاعست عن الدفاع عن حقوق فرنسا التاريخية في تلك المنطقة.
في 7 نيسان مثلاً كتبت جريدة لو طان Le Temps تقول:
«إذا ما اكتشفت الأمة يومًا انها قد أقصيت عن الشرق غدرًا، فستعرف كيف تحاسب الذين يتحمّلون مسؤولية ذلك.
إنهم عهدوا بالحفاظ على أقدم إرث لنا في الخارج إلى أناس عاجزين».
لن تلبث تلك الحملة الصحافية أن ازدادت حدة وأخذت توجّه أسهمها علانية باتجاه بريطانيا متهمة إياها بانها طعنت حليفتها فرنسا في الظهر، وقد شارك فيها عدد من الشخصيات ذات الصفة الرسمية من بينها روبير دي كاي، مستشار وزارة الخارجية، وقد ورد في إحدى مقالاته العنيفة ما يلي:
«علينا ان نجهر بالحقيقة دون مراعاة أحد؛ وهذه الحقيقة تضطرنا إلى فضح العمل المنظّم الذي يقوم به عملاء السياسة البريطانية في الشرق ليمنعوا فرنسا من الحصول على الانتداب على سوريا».
ثم يؤكد الكاتب ان حكومة لندن تستعمل النظام الفيصلي كوسيلة لمقاتلة فرنسا وهي تمدّه بالمال مما يسمح له بالاستمرار، وإنها، بالإضافة إلى ذلك، تهيّج عواطف الجماهير الإسلامية، لا سيما الفئات الجاهلة منها، ضد الفرنسيين مؤكدة انهم حماة المسيحيين وأنهم سيسلّمون هؤلاء حكم البلاد.
يتابع دي كاي De Caix مقاله الطويل على نفس اللهجة ليخلص إلى القول إن المصيبة تكمن في استمرار الاحتلال العسكري البريطاني للمنطقة المخصصة لفرنسا في اتفاقية سايكس – بيكو.
شكّلت تلك الحملة الصحافية صدمة عنيفة للشعب الإنكليزي فأيقنت حكومة لندن أنّه أصبح من مصلحتها إيجاد حل سريع لخلافها مع فرنسا.
يضاف إلى ذلك أن بريطانيا كانت تواجه في تلك الحقبة صعوبات عديدة في الشرق الأوسط منها الثورة المصرية التي اضطرت اللنبي إلى نقل قسم من جيشه من سوريا إلى وادي النيل، ثم انتفاضة مصطفى كمال في آسيا الصغرى في وقت كان فيه الرأي العام البريطاني يطالب بتخفيض عدد المجندين وبالحد من الإنفاق.
إن هذه العوامل مجتمعة دفعت بالبريطانيين إلى الاقتراح على الفرنسيين سحب جيشهم من سوريا لتحل محلّه القوات الفرنسية في الساحل وفي كيليكيا والقوات العربية في المنطقة الداخلية.
وقد وجّه لويد جورج في 13 أيلول مذكرة بهذا الخصوص إلى كليمنصو، فوافق عليها هذا الأخير.
فما كان من الحكومة الإنكليزية إلا أن استدعت فيصلاً إلى لندن وأطلعته على مضمون اتفاقها الجديد مع باريس.
ولما أبدى الامير استياءه وخيبة أمله ذكّره اللورد كورزن بان تعهدات حكومة جلالته للشريف حسين كانت محدودة ومرفقة بتحفظات.
في أثناء محادثات فيصل مع البريطانيين، وجّه كليمنصو، في العاشر من تشرين الأول، جوابًا رسميًا إلى الحكومة الإنكليزية بشأن اقتراحها سحب جيشها من سوريا، ثم أتبعه مذكرة عنيفة اللهجة طلب فيها من لندن وقف دعمها لفيصل وعدم التدخل في شؤون سوريا، لأن فرنسا لا تتدخل في شؤون العراق، وأصرّ أخيرًا على ان يتفاهم فيصل مباشرة مع الحكومة الفرنسية دون اللجوء إلى اية وساطة بريطانية.
لم يكن باستطاعة الإنكليز آنذاك فتح معركة جانبية مع الفرنسيين لا سيما وأن الأمير الهاشمي كان قد خسر الورقة الأساسية التي لعبها وهي الورقة الأميركية، إذ إن الرئيس ولسون كان قد أصيب بشلل في 2 تشرين الثاني ورفض مجلس الشيوخ التوقيع على معاهدات الصلح، وعادت أميركا إلى سياسة العزلة.
اما تقرير لجنة كينغ- كراين King-Crane فوضع في الأرشيف.
اتفاق فيصل – كليمنصو وانعكاساته هكذا بدا فيصل يتيمًا، فدفع به الإنكليز إلى أحضان كليمنصو فانتقل إلى باريس حيث بدأ مفاوضات عسيرة مع ممثلي وزارة الخارجية.
حاول كليمنصو، بعد أن أصبح سيّد الموقف، أن يوفّق بين أماني اللبنانيين، أصدقاء فرنسا التاريخيين، وبين تطلعات الحركات القومية في سورية.
ولكنه كان يرغب في تركيز نفوذ بلاده في الشرق على قاعدة شرعية، لذا كان يرى أن عقد اتفاق مع فيصل طبقًا للأصول هو ضرورة.
وكان رئيس الوزراء الفرنسي يدرك أن الأمير يواجه معارضة قوية داخل سوريا، لذا حاول أن يسهّل عليه المهمة، فطلب من المفوّض السامي الجديد، الجنرال غورو Gouraud، أن يؤجّل احتلال البقاع، شرط أن تُسحب القوات العربية من السهل وأن يُعهد بالإشراف على الأمن فيه إلى الجندرمة المحلية.
وعلى الرغم من إصرار غورو على ضرورة الاستيلاء على البقاع لتقوية مركز فرنسا في المنطقة ولفرض هيبتها على معارضيها، أمره كليمنصو بحزم بتجميد الوضع وبعدم القيام بأي تحرّك عسكري.
تم التوقيع على الاتفاق بين الفريقين في السادس من كانون الثاني 1920.
اهم ما جاء فيه:
- تعترف الحكومة الفرنسية باستقلال سورية.
- يقبل فيصل بالوصاية الفرنسية.
- يعترف الأمير باستقلال لبنان تحت الانتداب الفرنسي على ان يبت مؤتمر الصلح مسألة الحدود وفقًا لرغبات السكان ولمصالحهم.
- تعتبر العربية لغة رسمية، أما الفرنسية فتدرّس إلزامًا.
- دمشق هي عاصمة الدولة السورية.
اما المندوب السامي فيستقر في حلب ليكون على مقربة من كيليكيا حيث ستتجمّع القوات الفرنسية.
في اليوم نفسه الذي وقّع فيه الاتفاق، وجّه فيليب برتلو Philippe Berthelot باسم وزارة الخارجية الفرنسية، رسالة إلى فيصل يدرج فيها إيضاحات إضافية حول بعض النقاط الواردة في النص لا سيما تلك المتعلقة بحدود لبنان التي سترسم وفقًا «لحقوق اللبنانيين التاريخية» ولمصالحهم الاقتصادية ولخيارهم الحر.
اما مدينة بيروت فيقترح برتلو إعطاءها كما الاسكندرونة إدارة بلدية مستقلة ويؤكد أخيرًا على ضرورة الاعتراف بالوضع المميز لدروز حوران وباستقلالهم الإداري ضمن الوحدة السورية.
ما إن صلت أخبار هذا الاتفاق إلى دمشق حتى ثارت ثائرة العناصر الوطنية وارتفعت أصوات عديدة تنادي بالجهاد، وتعددت الحوادث بين الفرنسيين والسوريين على حدود مناطق الاحتلال وقامت فئات تطالب بالتنسيق التام مع الثوار الكماليين في آسيا الصغرى بينما أخذ البعض يطالب جهرًا بالعودة إلى الحكم التركي.
رجع فيصل إلى دمشق وسط أجواء مشحونة، فاتهمه معارضوه بأنه باع البلاد إلى الفرنسيين، ونُظّمت تظاهرات نُدّد خلالها بحكمه وطولب باستقالته، ووقعت صدامات مع حرس الأمير سقط من جرّائها عدد من القتلى في شوارع المدينة.
ومنذ ذلك التاريخ لم يعد فيصل يسيطر على الوضع وكان أمامه خيارات ثلاثة:
إما التخلّي عن الاعتدال، والانجراف وراء التيار الاستقلالي المتصلّب والقبول بفكرة الصدام المسلّح مع الفرنسيين، وإما تطبيق الاتفاق المعقود في باريس والتصدي بالقوة لمعارضيه وإما الاستقالة.
فاختار الحل الأول وبعد ذلك تسارعت الأحداث ودخلت المنطقة مرحلة سادها التوتر حاول خلالها كل من الأفرقاء تدعيم مواقعه.
أربعة أشهر من التحدّيات :
آذار – حزيران 1920 في السادس من آذار 1920، اجتمع المؤتمر السوري في دمشق، وفي اليوم التالي صوّت بالإجماع على قرار يعلن استقلال البلاد وقد جاء فيه:
«وبصفتنا الممثلين للامة السورية في جميع انحاء القطر السوري تمثيلاً صحيحًا نتكلم بلسانها ونجهر بإرادتها، فقد أعلنّا بإجماع الرأي استقلال بلادنا السورية ومن ضمنها فلسطين بحدودها الطبيعية استقلالاً تامًا لا شائبة فيه (.
) مع مراعاة جميع أماني اللبنانيين الوطنية المتعلقة بلبنان في حدوده الحاضرة بشرط أن يكون بمعزل عن كل نفوذ أجنبي، ورفض مزاعم الصهيونيين في جعل فلسطين وطنصا قوميًا لليهود أو محل هجارة لهم.
«وقد اخترنا سمو الأمير فيصل (.
) ملكًا دستوريًا على سورية (.
) واعلنّا انتهاء الحكومات الاحتلالية العسكرية الحاضرة في المناطق الثلاث (.
) ونحن نطلب استقلال القطر العراقي استقلالاً تامًا، على أن يكون اتحاد سياسي اقتصادي بين القطرين الشقيقين.
» بإصراره على الوحدة بين فلسطين وسورية وبمطالبته باستقلال العراق أثار المؤتمر السوري حفيظة البريطانيين وحفيظة الحركات الصهيونية.
وبمحاولته فرض نفسه وصيًا على اللبنانيين وحصر تطلعاتهم في حدود المتصرفية الضيّقة دفع بهؤلاء إلى مضاعفة جهودهم من أجل توسيع رقعة البلاد والحصول على الاستقلال، وأخيرًا بإعلانه انتهاء الاحتلالات العسكرية في المناطق الثلاث جعل المؤتمر الحلفاء عامة يعتبرون أنه قد تجاوز الصلاحيات التي يمكن أن يعترف له بها.
أما فيصل فأصبح موقفه حرجًا ولم يكن راضيًا عن القرارات المتخذة ولكن المبادرة كانت قد أفلتت من يده، وقد اصطدم مرارًا بأعضاء المؤتمر السوري لا سيما برئيسه رشيد رضا وكذلك باللجنة الوطنية العليا وبرئيسها الشيخ كامل القصّاب، وكان هؤلاء جميعًا يعتبرون أنهم الممثلون الحقيقيون للأمة وأن سلطتهم هي فوق سلطة الملك والحكومة.
في لبنان كان دعاة الاستقلال قد أرسلوا في مطلع شباط 1920 الوفد الثالث إلى مؤتمر الصلح برئاسة المطران عبد الله الخوري.
وبعدها طيّروا برقيات الاحتجاج على قرار المؤتمر السوري إلى العواصم الأوروبية وإلى المفوضية الفرنسية في بيروت وإلى الصرح البطريركي في بكركي.
وفي 22 آذار عقد اجتماع في بعبدا ضمّ، إلى جانب أعضاء مجلس الإدارة، رؤساء البلديات والمخاتير وشخصيات مختلفة اختير خلاله العلم اللبناني ثم صوّت المجتمعون على عدد من الاقتراحات تؤكّد على الاستقلال وعلى ضرورة توسيع الحدود.
على الصعيد الإقليمي، كان الحلفاء في مطلع 1920 يواجهون مقاومة عنيفة لمخططاتهم قي آسيا الصغرى، فأراد الإنكليز في شهر آذار أن يوجهوا ضربة قاسية إلى المعارضة، فقاموا باعتقال عدد من زعمائها، فما كان من الباقين إلا أن التقوا حول مصطفى كمال في انقرة وأعلنوا الثورة، ثم حاولوا التفاهم مع الفرنسيين.
رد الحلفاء على المؤتمر السوري بدعوة مجلسهم الأعلى إلى الاجتماع في سان ريمو في إيطاليا، حيث أُقرّ في 25 نيسان 1920، الانتداب الفرنسي على لبنان وسورية والانتداب البريطاني على فلسطين والعراق.
وفي المناسبة نفسها وقّع ممثلو الدولتين على اتفاق عام بشأن البترول تعهّدت فيه بريطانيا بإعطاء فرنسا 25% من نفط العراق مقابل تخلّي باريس عن منطقة الموصل.
أثارت مقررات سان ريمو استياءً شديدًا في أوساط الحركات القومية السورية، وقد احتجّ عليها رسميًا وفد الحجاز إلى مؤتمر الصلح لافتًا النظر إلى أن رأي السكان لم يؤخذ بعين الاعتبار لا في اختيار الدولة المنتدبة ولا في سلخ فلسطين عن سوريا، وذلك خلافًا لما نصّت عليه الفقرة الرابعة من المادة الثانية والعشرين من ميثاق عصبة الأمم.
في 27 نيسان أبرق اللنبي Allenby إلى فيصل يطلعه على ما اتفق عليه في سان ريمون ويدعوه، باسم الحكومة البريطانية، إلى السفر إلى باريس لكي يعترف مؤتمر الصلح بشرعية ملكه على سوريا.
أجاب فيصل مبديًا تحفظاته ومعلنًا أن السوريين يرفضون الانتداب لأنه يشكّل خطرًا على سيادتهم وعلى استقلالهم ويرفضون كذلك فصل فلسطين عن سوريا.
ويضيف أنه مستعد للسفر إلى أوروبا شرط أن يصدر قبل ذلك عن الحلفاء تصريح يطمئن الشعب بشأن هذين الموضوعين.
وقد نقل غورو، باسم الحكومة الفرنسية، إلى فيصل تصريحًا بهذا المعنى ولكن هذا الأخير اعتبره غير كاف وكرر رفضه السفر إلى أوروبا قبل أن يحصل على جواب مرض.
في تلك الأثناء تشنّجت المواقف في سورية واتهمت العناصر المعتدلة في الحكومة بالخيانة وهيّج المتطرفون الشارع مما اضطر الركابي إلى تقديم استقالته، فخلفه الأتاسي الذي ألف في 3 أيار حكومة دخلتها العناصر الاكثر كراهية للفرنسيين أمثال العظمة وشهبندر، فأعلنت الحكومة الجديدة خدمة العلم وأخذت تشجّع اعتداءات العصابات على المنطقة الساحليّة.
ميسلون، لبنان الكبير والدويلات السورية.
إن المماطلة في اتخاذ قرار بشأن حدود لبنان واستقلاله والهيمنة الفرنسية شبه الكاملة على المؤسسات الرسمية في المتصرفية وتّرت العلاقات بين اعضاء مجلس الإدارة والسلطات الفرنسية.
يضاف إلى ذلك أن خلافًا حادًا وقع بين قائد الجند اللبناني، سعيد البستاني، والمستشارين العسكريين الفرنسيين، فاستقال البستاني من وظيفته وتقرّب من السوريين وأخذ يعمل على إيجاد صيغة تفاهم بين فيصل واللبنانيين.
وأسفرت المساعي عن اتفاق عقد بين عدد من اعضاء مجلس الإدارة وضابط الارتباط السوري في بيروت، جميل الألشي، يقضي بوضع مضبطة تطالب باستقلال لبنان التام، بالتنسيق مع الحكومة الفيصلية، وبتأليف وفد يلاحق القضية في أوروبا وأميركا، وقد تعهدت دمشق بتأمين نفقات السفر إلى أعضاء الوفد.
في العاشر من تموز وُضعت المضبطة المذكورة ووقّعها سبعة من أعضاء مجلس الإدارة.
إنها تتلخّص بالمطالبة باستقلال لبنان المطلق وبحياده السياسي وبإعادة «المسلوخ منه سابقًا بموجب اتفاق يتم بينه وبين حكومة سورية» وبالتعاون بين الحكومتين في المجال الاقتصادي وعلى الصعيد الدولي.
حاول الموقعون السبعة السفر إلى دمشق ولكن السلطات الفرنسية كانت على علم بمسعاهم فاعتقلتهم وهم في الطريق ثم اتهمتهم بالخيانة العظمى مدّعية أنهم باعوا وطنهم مقابل مبلغ من المال، وبعد ذلك جرّدتهم من حقوقهم السياسية ونفتهم إلى جزيرة كورسيكا.
وقد أبرق غورو إلى حكومته يقول إن فيصلاً كان على استعداد للاعتراف «بلبنان الكبير» شرط أن يرفض اللبنانيون الانتداب الفرنسي.
لذا خشيت حكومة باريس أن يتخلى سكان الجبل عن تعلّقهم بفرنسا فقررت الإسراع في إيجاد حل جذري لخلافها مع السوريين.
في تلك الأثناء، كانت الصعوبات التي يواجهها الحلفاء في الشرق الأوسط تزداد حدّة.
فبالإضافة إلى ثورتي مصر والعراق واضطرابات القدس، كان الوضع في آسيا الصغرى ينذر بالخطر.
وقد اضطر الإنكليز إلى الانسحاب من منطقة القفقاص بسبب الضغط المشترك الذي مارسه عليهم الاتراك البولشفيك.
وفي شبه الجزيرة العربية كان الخلاف على أشدّه بين الشريف حسين وابن سعود وكلاهما حليف لبريطانيا.
أخذ الفرنسيون يستعدّون، بموافقة بريطانيا، لحسم الوضع في سوريا بالوسائل العسكرية.
ولكنه كان يصعب عليهم القتال على جبهتين، الجبهة السورية والجبهة التركية، لذا وقّعوا، في 28 أيار، هدنة مؤقتة مع مصطفى كمال تخلّوا بموجبها عن بعض مواقعهم في كيليكيا.
ثم دخلوا في مفاوضات مع الاتراك للانسحاب كليًا من تلك المنطقة.
كان السوريون آنذاك يمنعون الفرنسيين عن استعمال الخط الحديدي ريّاق – حلب لإيصال الإمدادات إلى قواتهم في تركيا.
ولما علموا بأن هؤلاء اتفقوا مع الكماليين على وقف إطلاق النار، أدركوا أن المجابهة العسكرية معهم أصبحت وشيكة.
حاول فيصل آنذاك أن يستدرك الامر، فأبرق إلى غورو مبديًا خشيته من ان يتحوّل تراجع الفرنسيين في كيليكيا إلى حافز يشجّع الأتراك على التوغّل داخل الأراضي السورية ومقترحًا عليه التعاون معه ووضع القوات العربية في تصرّفه للدفاع عن حدود سورية كما رسمها مؤتمر سان ريمو San Remo.
انهى فيصل برقيته معلنًا أنّه متأكد من أن الحكومة الفرنسية التي يثق بها ستبرّ بتعهداتها تجاهه وتجاه السوريين.
اجاب غورو سلبًا على مبادرة فيصل ووجّه إليه اللوم لأنه لم يضع خط ريّاق – حلب في تصرّف الجيش الفرنسي في الوقت المناسب.
ثم أبرق المفوّض السامي إلى حكومته يقول إن فيصلاً يحاول أن ينصب له فخًا وأن هدف هذا الأخير ما زال إخراج الفرنسيين من سوريا ولبنان.
تابع غورو بعد ذلك استعداداته العسكرية واستمر التوتر بين المنطقتين الساحلية والداخلية إلى أن وقعت معركة ميسلون، في 24 تموز، فدخل الجيش الفرنسي دمشق وطُلب من فيصل مغادرة البلاد.
أبرق الجزائري إلى البطريرك الماروني يطلب منه تأليف حكومة عربية في الجبل.
تريّث البطريرك في اتخاذ موقف وأرسل يستشير الفرنسيين في جزيرة إرواد، فكان جوابهم:
«إننا قادمون».
في الأول من تشرين الأول وصلت إلى دمشق فرقة من جيش اللنبي وتبعتها قوات عربية يقودها الشريف ناصر يرافقه الضابط الإنكليزي لورانس.
نصّب هذا الأخير نفسه ممثلاً لفيصل وعزل الأميرين الجزائريين بعد صدامات مع انصارهما في الشوارع وعيّن مكانهما رضا الركابي حاكمًا عسكريًا على المدينة.
في الحقيقة كان لورانس وعملاء الإنكليز عمومًا ومؤيدو فيصل يخشون أن تفلت السلطة في دمشق من أيديهم خصوصًا وأن الأخوين الجزائريين، حفيدي عبد القادر الكبير، كانا يشكلان خصمين خطيرين للهاشميين.
فأسرتهما الكريمة النسب وتاريخ جدهما العريق ومكانتهما في العالم الإسلامي ووزنهما السياسي في سوريا وعلاقاتهما الطيّبة بفرنسا كانت تخوّلهما الطموح إلى الحكم والوقوف في وجه المخططات الإنكليزية – الحجازية، وهذا ما دفع بلورانس إلى الإسراع في التخلّص منهما.
أما فيصل فلم يشعر بالطمأنينة إلا بعد أن قتل رجاله الأمير عبد القادر في 9 تشرين الثاني 1918 ونفوا أخاه سعيدًا إلى فلسطين.
في تلك الأثناء كان جورج – بيكو يفاوض البريطانيين في لندن حول مستقبل الأراضي العربية المحتلة.
كان السفير الفرنسي كامبون، بعد أن تلقّى تعليمات من حكومته قد طلب من الإنكليز أن يتعهّدوا باحترام اتفاقية 1916.
وقد صدر عن بلفور، في 23 أيلول، وعد رسمي بهذا الخصوص.
أخيرًا في 30 أيلول، عقدت الحكومتان اتفاقًا بشأن الإدارة المؤقتة للولايات السورية حددتا فيه الدور الذي يعود إلى كل منهما.
في 3 تشرين الأول دخل دمشق كل من اللنبي وفيصل والكابيتن كولوندر نائب جورج – بيكو، ففوجئ الثلاثة بالإجراءات التي اتخذها لورانس.
بقي على الحلفاء أن يستعجلوا توقيع معاهدة الصلح مع تركيا، فتم ذلك في سيفر Sèvres في العاشر من آب 1920 وقد اعترف السلطان في مادتها الرابعة والتسعين باستقلال الولايات العربية المسلوخة عن امبراطوريته شرط أن تخضع لنظام الانتداب الدولي.
استنادًا إلى ما ورد في معاهدة Sèvres وإلى ما اتفق عليه في سان ريمو، نظّم غورو إدارة المناطق التي وضعت تحت الانتداب الفرنسي، فاتخذ قرارًا في 3 آب يقضي بضم الأقضية البقاعية الأربعة إلى لبنان، ثم انشأ في 18 آب، بموجب قرار آخر، دولة دمشق، وفي 31 منه انشأ دولة العلويين، وفي اليوم نفسه أصدر ثلاثة قرارات جديدة، حل بموجب الأول، ولاية بيروت العثمانية وأجهزتها، وأنشأ بموجب الثالث، لبنان الكبير ورَسَم حدوده.
وفي اليوم التالي، أي في الأول من أيلول، انشأ غورو دولة حلب.
اما دولة الدروز فلم تر النور إلا في الرابع من آذار 1921.
نستطيع ان نقول، في ختام هذه الدراسة، إن فيصلاً والسوريين لعبوا ورقتين خاسرتين:
الأولى هي ورقة ولسون، ولكن هذا الأخير انسحب من مؤتمر الصلح وسقطت معه آمالهم، الثانية هي الورقة البريطانية، ولكن حكومة لندن كانت تعمل لتأمين مصالحها ولم تتردد في التخلّي عن حلفائها بعد أن نالت منهم مأربها.
أما فرنسا، فقد رأت في هذه الحركات الوطنية السورية خطرًا على كيان الأمة، لذا ناصبتها العداوة بلا هوادة، فدفع هذا بالدولة المنتدبة إلى التقرّب من الكماليين وإلى تقديم التنازلات لهم.
هكذا أُدخلت تعديلات، في أكثر من مرة، على خارطة الحدود بين تركيا وسوريا.
وكانت هذه التعديلات تصبّ دائمًا في مصلحة الأتراك.
إن التصلّب في مواقف الفئات المتطرّفة أسقط اتفاق 6 كانون الثاني 1920 بين فيصل وكليمنصو ودفع بالبلاد إلى صدام عسكري مع الفرنسيين لم تكن فيه القوى متكافئة.
إن هزيمة ميسلون أنهت الحكم الفيصلي المعتدل وقضت على الاستقلال التام الذي كان يسعى له السوريون.
لم تع تلك الفئات اهمية التحوّلات التي طرأت على الوضع الدولي بين تشرين الأول 1918 وحزيران 1920 ولم تقوّم بموضوعية وبُعد نظر انعكاسات تلك التحولات على مصير الشرق الأوسط، كما أنها لم تدرك الخطورة القصوى التي كانت تشكّلها السياسة البريطانية على مستقبل المنطقة.
أما التيار الاستقلالي اللبناني، فقد أفاد بلا شك من الخلافات الدولية والإقليمية لفرض خياراته، وقد نجح في ذلك بفضل الجهود الجبارة التي بذلها مناصروه من اللبنانيين المقيمين والمغتربين، وأيضًا بفضل تعاطف بعض القيادات الفرنسية مع تطلعاته.
ولكن قسمًا من سكان المناطق التي ضُمّت إلى المتصرفية اعتبر نفسه مظلومًا لأن آماله الوحدوية قد خُيّبت، لذا رفض الكيان الجديد وعمل على تقويضه، وقد استمرّ في موقفه الرافض هذا حتى ميثاق 1943.
في 19 أيلول 1918، أحرز الجنرال اللنبي (Allenby) انتصارًا حاسمًا على العثمانيين في فلسطين، فانفتحت أمامه أبواب سوريا، فما كان منه إلا أن دفع بقواته نحو الشمال.
ذُعر الموظفون الأتراك، فأخلوا دمشق وبيروت ومتصرفيّة جبل لبنان في 13 أيلول، فيما كانت فلول الجيش التركي تنسحب باتجاه حلب والأناضول.
هنا بدأ صراع للاستيلاء على السلطة في بيروت ومتصرّفية جبل لبنان ودمشق وبقيّة المدن السوريّة بين قوات عربيّة ثلاث، الأولى هي الأسرة الهاشميّة على رأسها الأمير فيصل ابن الشريف حسين ملك الحجاز ومطلق الثورة العربية عام 1916، والثانية هي أسرة عبد القادر الجزائري، بزعامة اثنين من أحفاده، هما الأمير محمد سعيد وأخوه عبد القادر؛ وتمثّلت الثالثة بعدد من الوجهاء القياديين الوطنيين السوريين.
أما سكان متصرّفيّة جبل لبنان فتوخّوا الحذر بانتظار تبلور الأوضاع.
كانت هذه القوى المحليّة تخشى أطماع الدول الكبرى المنتصرة في الحرب، لا سيّما أطماع بريطانيا وفرنسا، الدولتين الاستعماريتين اللتين كانت قد خططتا، منذ السنة 1916، من خلال اتفاق سايكس – بيكو، لاتفاق تركة الدولة العثمانية المحتضرة.
سيطرة الجزائريين على السلطة في دمشق وتنحيتهم عشية انسحاب الأتراك من دمشق، نظم الأَخَوان محمد سعيد وعبد القادر الجزائريان ميليشيا من المغاربة المقيمين في العاصمة السورية.
ويؤكد محمد سعيد في مذكراته أنه فعل ذلك بموافقة جمال باشا الصغير المعروف بالمرسيني، قائد الجيش التركي.
كان هدفه حماية المدينة وحماية انسحاب الأتراك.
في 13 أيلول، اجتمع عدد من وجهاء دمشق في دار البلدية واختاروا الأمير محمداً سعيداً رئيساً للحكومة الموقتة، فرفع العلم العربي على الدار المذكورة مكان العلم العثماني، وابرق الى بيروت والى مختلف المدن السورية معلناً قيام حكومة عربية في دمشق باسم الشريف حسين داعياً الناس الى الهدوء والسكينة.
ابتدأ الأمير محمد سعيد، بعد إمساكه بزمام الأمور في العاصمة السورية في 30 أيلول كما ذكرنا، بأداء «قسم الولاء والإخلاص» للملك حسين وبرفع العلم العربي.
إنه يؤكد في مذكراته أنه اتفق مع الأمير فيصل على الأمر عندما اجتمع به في وهيد، غربي معان، في آب 1918، وهدفهما من ذلك إعلان الإستقلال قبل وصول الجيوش الأجنبية.
كما يؤكد أن الشريف ناصر الذي دخل دمشق صبيحة الأول من تشرين الأول (أوكتوبر)، فوّض إليه إدارة الحكومة ريثما يصل فيصل.
نجد تفاصيل أخرى في بعض المصادر حول نشأة حكومة محمد سعيد الجزائري، إن يوسف الحكيم، مثلاً، يروي في مذكراته أن فريقا من « الوجهاء والمفكرين الدمشقيين» إجتمعوا في بهو المجلس البلدي في دمشق «وقرروا إقامة حكومة موقتة تحول دون الفوضى، ريثما تصل الجيوش المظفّرة» واختاروا لرئاسة هذه الحكومة الأمير سعيد الجزائري.
لكن الرواية التي نجدها في كتابات لورانس وفي رسائله تختلف عما ذكرناه سابقاً إذ إنها تعطي انطباعاً بأن الأخوين الجزائريين إغتصبا السلطة في دمشق ولم يستلماها لا بموافقة فيصل ولا بناءً على طلب من الوجهاء الدمشقيين.
أمّا ما كتبه لورانس في أعمدة الحكمة السبعة وفي عدد من رسائله حول هذا الموضوع، فهو ينضح بحقده على الأخوين الجزائريين.
وفي رسالة وجهها الى الضابط الإنكليزي ستيرلنغ (Stirling) بتاريخ 28 حزيران 1919، يعطي لورانس تفاصيل إضافية عن الموضوع، ويؤكد أن فيصلاً هو الذي طلب منه «التخلص منهما».
ويختم رسالته بهذه الجمل :
«إذاً كان يوجد في سوريا آناذاك شخصان يستحقان الموت شنقاً أو رمياً بالرصاص، فهذان الشخصان هما دون شك الأخوان الجزائريّان.
آسف كثيراً للحرية التي تركت لمحمد سعيد.
لقد طالب فيصل بسجنه أكثر من مرة.
».
حال وصوله الى دمشق في الأول من تشرين الأول، نصّب لورانس نفسه ممثلاً للأمير فيصل، فعمد الى عزل الأمير محمد سعيد الجزائري من الحكم وإعلان قيامة حكومة عسكرية برئاسة شكري الأيوبي، نيابةً عن رضا الركابي الذي لم يكن قد عاد الى دمشق بعد.
إنسحب الأخوان الجزائريان على مضض.
ولكن بعد ظهر الأول من تشرين الأول بدأت الفوضى تدبّ في دمشق، وفي ليل 1 الى 2 تشرين الأول، إندلعت ثورة حقيقية في المدينة.
فتدفقت الى شوارعها قواتٌ درزية وبدوية وقامت بأعمال نهب.
لكن القوات العربية تدخلت بسرعة بطلب من لورانس وكسحت برشاشاتها الأحياء المضطربة، فقمعت حركة التمرد موقعة أكثر من 20 قتيلاً في صفوف المتسللين.
وقد إتهم لورانس في مؤلفاته وفي مراسلاته الأخوين الجزائريين بأنهما مسؤولان عن هذه الحركة، وبأنهما حرّضا أتباعهما كما حرّضا الدروز مدّعين أنّ الهاشميّين ومؤيّديهم هم دمى تحركهما بريطانيا كما تشاء وطالِبين من الجميع القيام بعمل ما دفاعاً عن الدين.
إن شهادات المعاصرين في حكومة محمد سعيد وعبد القادر الجزائريين لم تكن دائماً سلبية كما يصوّرها لورانس والمقرّبون من بريطانيا ومن الهاشميين.
إن عدداً من هؤلاء المعاصرين أثنوا على الإجراءات التي اتخذها الأخوان الجزائريان آنذاك.
نستخلص مّما سبق أن لورانس وعملاء الإنكليز بصورة عامة ومؤّيدي فيصل كانوا يخشون ان تفلت السلطة في دمشق من أيديهم، خصوصاً وان الأخوين الجزائريّين، حفيدي عبد القادر الكبير، كانا يشكلان خصمين خَطِرَيْن للهاشميّين:
فأسرَتُهما الكريمة النسب، وتاريخ جدّهما العريق ومكانتهما في العالم الاسلامي ووزنهما السياسي في سوريا وعلاقتهما بفرنسا كانت كلّها تخولهما الطموح الى الحكم والوقوف في وجه المخططات الإنكليزية-الحجازية، وهذا ما دفع لورانس الى الإسراع في التخلص منهما.
دخول فيصل واللنبي دمشق ما كانت هوّية الفِرَق العسكريّة التي دخلت دمشق توّاً بعد انسحاب العثمانيّين، أكانت عربية أم بريطانيّة؟
أثار الجواب عن هذا السؤال جدلاً بين المؤرخين لان له ابعاداً سياسية مهمة نوضحها بما يأتي:
في ربيع ١٩١٨، وجّه سبعة من الزعماء العرب المقيمين في مصر مذّكرة إلى الحكومة البريطانيّة، سُلّمت إلى المكتب العربي في القاهرة، يستوضحونها سياستها تجاه الأقطار العّربية ويسألون عن مصير هذه الأقطار بعد انتهاء الحرب.
في ١٦حزيران من السنة نفسها، أرسلت لندن جوابها وهو يعرف ب»التصريح الموّجه الى السبعة»، قسّمت فيه الحكومة البريطانية المنطقة التي كان يطالب الحسين باستقلالها إلى أربعة اقسام.
يضّم القسمان الأوّلان البلاد العربيّة التي كانت مستقلّة قبل الحرب والتي حررها العرب بانفسهم، تعترف بريطانيا بالسيادة التامة للعرب على هذه الأراضي.
أما القسم الثالث، فيضّم المناطق التي حرّرتها الجيوش الحليفة، فأكّدت لندن «أن الحكومة المقبلة لهذه الأقاليم يجب ان تقوم على مبدأ موافقة المحكومين».
يبقى القسم الرابع وهو يضّم الأراضي التي كانت لا تزال تحت النير التركي، اي الولايات السورية ومتصرفية جبل لبنان وولاية الموصل، فورد في التصريح»أنّ الشعوب المضطهدة في هذه الأراضي يجب ان تفوز بالحرية والإستقلال».
على الرغم من اهميّة ما ورد في التصريح عن القسمين الثالث والرابع، فإنّ العرب أبدوا اهتماماً خاصاً بما ورد بشأن القسم الثاني، اي الأراضي التي حرّروها بأنفسهم والتي يجب ان تتمتّع بالسيادة التامّة.
هنا تكمن أهمية القول إنّ القوات العربية هي التي دخلت دمشق قبل القوات البريطانيّة.
ولكن كيف جرت الأمور بالضبط؟
من المؤكّد ان فرقة الخيّالة الأوسترالية وفوجاً من الخّيالة السباهيّة الفرنسييّن وصلا الى ضواحي دمشق في٣٠ أيلول الساعة الواحدة بعد الظهر.
وللحال صدر أمرٌ من القيادة العامة البريطانيّة يطلب منهما وقف تقدمهما نحو المدينة.
لكّن السجل الميداني اليومي للقوات الأوستراليّة يظهر ان لواء الخيّالة الثالث الأوسترالي دخل دمشق في الأول من تشرين الأول حوالي الساعة السادسة صباحاً، وأنّ قائد الفوج العاشر الذي كان في الطليعة، عندما بلغ مبنى البلديّة، دخله ووجد فيه الأمير محّمد سعيد الجزائري محاطاً بمجموعة من الأعيان والوجهاء.
غادر الخيّالة الأوستراليّون دمشق حوالي السّاعة السابعة واتّجهوا شمالاً لمطاردة فلول الجيش التركي.
يؤكّد الأمير سعيد الجزائري دخول الأوسترالييّن دمشق قبل القوات العربية التي كان يقودها الشريف ناصر.
يبدو انّ هذا الأخير لم يصل الى المدينة إلا حوالي الساعة السابعة والنصف أو الثامنة صباحًا.
أما لورانس فلم يدخل دمشق إلا في الساعة التاسعة، فغضب غضباً شديداً عندما علم ان الأوسترالييّن كانوا اوّل الواصلين، لأن تصريح الحكومة البريطانية الموّجه الى السبعة كان في ذهنه، وكان يرغب في ان تحتل القوات العربية قبل سواها المدينة لكي تخضع سوريا للسيادة العربيّة.
بعده مباشرة وصا الجنرال شوفل (Chauvel)، القائد الأعلى للقوات الأوستراليّة، واتّجه فوراً نحو مبنى البلديّة حيث التقى لورانس والأيوبي.
ولماّ علم ان هناك حكومة عربيّة نصّبت باسم الملك حسين، رفض الإعتراف بها.
إن القوات الأوستراليّة قاتلت بضراوة في الأيّام التي سبقت انسحاب الأتراك، وتوجّت تضحياتها بدخول خياّلتها دمشق قبل سواهم، لذا كان شوفل يرفض ان يُسرق منه النصر وينسب الى العرب، وقد تسبب ذلك بتوّتر العلاقة بينه وبين لورانس.
في 2 تشرين الأول، دخل دمشق ألوف من الجنود البريطانييّن مع فرقة صغيرة من الجنود الفرنسيّين، فاخترقوا المدينة متجهين شمالاً لملاحقة الجيش التركي المنسحب.
وفي الثالث من الشهر نفسه، وصل اللنبي ونزل في فندق فيكتوريا، وثبّت الركابي-زكان قد عاد الى دمشق-في رئاسة الحكومة الموقتة في المنطقة الداخليّة.
وفي اليّوم عينه وصل الأمير فيصل في قطار من درعا، فكُلّف الضابط الإنكليزي هيوبرت يونغ (Young) باستقباله باسم اللنبي، وقصّد تواً فندق فيكتوريا حيث اجتمع بالقائد العام البريطاني لأّوّل مرّة.
وكان هذا الأخير قد تلقى تعليمات واضحة من حكومته بشأن علاقة الحلفاء بالأمير فيصل وبشأن مستقبل الأراضي العربية المحّررة من النير العثماني.
بيروت ومتصرفيّة جبل لبنان بين اتفاق سايكس-بيكو وتطّلعات الحكومة العربيّة في دمشق.
سلّم الوالي العثماني، اسماعيل حقي بك.
عند انسحابه من بيروت، شؤون الحكم الى رئيس البلدية عمر الداعوق.
وسلّم المتصرّف، ممتاز بك، إدارة الجبل في بعبدا، الى حبيب فياّض رئيس البلدّية.
وكان الأمير محمّد سعيد الجزائري، عقب توليّه السلطة، قد ابرق الى المدن السوؤية المختلفة والى بيروت، يخبر المسؤولين بانهزام الجيش التركي وبقيام حكومة عربيّة في دمشق بإسم الملك حسين، ويطلب منهم إنشاء حكومات مماثلة ويحثّ السكان على ااتزام الهدوء.
وقد تلقى البطريرك الماروني بدوره برقيّةً هذا نصُها:
«غبطة بطريرك الطائفة المارونيّة، «إنه بعون الله تأسست الحكومة العربيّة المستقلة باسمنا.
فنطلب منكم، بإسم العربيّة والوطنيّة، أن تؤسسوا الحكومة عندكم في جبل لبنان.
25 ذي الحجّة 1336، رئيس الحكومة السوريّة، سعيد ابن الأمير علي باشا الجزائري».
لم يجب البطريرك على بل فضّل الإنتظار ريثما تتبلور الأمور.
لكنّ موظفي المتصرفيّة اجتمعوا في بعبدا وانتخبوا الأميرين مالك شهاب وعادل ارسلان لإدارة شؤون الجبل بصورة موقتة.
فأبرق الأميران الى البطريرك يطلعانه على ما جرى، فوجّه بدوره، في الخامس من تشرين الأوّل، برقيّة الى الأمير مالك شهاب يحثّه فيها على المثابرة على»إدارة الحكومة الموقتة بحزم وحكمة» ويطلب منه ان ينصح الأهالي بالخلود الى السكينة، و»بتوقيف كل مخابرة تتعّلق بشؤون البلاد مكتفين الآن بالحكومة الموقتة الى ان يكون تيّسر لنا ولهم تبادل الأراء بهذا الشأن لدى وصولنا قريباً الى مقرّنا في بكركي».
وكان مجلس الإدارة، بالاتفاق مع البطريرك، قد ارسل يستشير الفرنسييّن في جزيرة ارواد.
فكان جوابهم «إننا قادمون».
إن الاستيلاء على بيروت والمدن الساحليّة الأخرى ومتصرفيّة جبل لبنان كان يعتبر حيويّاً بالنسبة الى الزعماء الوطنيّين السوريّين، وكذلك بالنسبة الى فيصل ولورانس.
كانوا جميعاً يعلمون انّ لفرنسا مصالح تاريخيّة في المنطقة الساحلية لن تتخلى عنها بسهولة وأنها عقدت بشأنها اتفاقاً مع بريطانيا عام 1916، هو اتفاق سايكس- بيكو.
يضاف الى ذلك ان فيصلاً ولورانس كانا يعلمان، منذ ربيع 1917، الخطوط الكبرى لهذا الإتفاق، بعد ان قررت باريس ولندن، في مطلع هذه السنة، اطلاع الملك حسين على مضمونه، فأوفدتا الى الحجاز مارك سايكس وفرنسوا جورج – بيكو اللذين وصلا الى جدّة في18 آذار1917 واجتمعا في اليوم الثاني بالملك.
وتبعت هذا اللقاء لقاءات اخرى شارك في معظمها الأمير فيصل.
وبعد خمسة ايام من المفاوضات، ابرق جورج-بيكو الى حكومته يقول:
»ان الملك يعرف الآن مضمون اتفاقنا ولم يبد متأثراً الى الحّد الذي كنا نخشاه [….
].
يمكننا منذ الآن ان نقول ان الدور الفرنسي في سورية سيكون، في خطوطه الكبرى، شبيهاً بالدور الإنكليزي في العراق.
سنتعاون مع ممثلي الملك في المناطق الإسلاميّة من سوريا بواسطة مستشارينا.
أمّا المناطق المسيحيّة، فإن إستولينا عليها قبل تهاية الحرب، فسننشئ فيها دولة تكون تحت حمايتنا».
بعد ان اطّلع وزير الخارجية الفرنسي على برقية جورج-بيكو، طلب منه ان يعلن إلى ممثّل فرنسا في الحجاز، بأن يوضّح للحسين ما المقصود بعبارة «المناطق الإسلامية من سوريّة» التي استعملت خلال المحادثات، وأن يؤكد له أن هذه التسمية تنطبق فقط على المناطق الداخليّة، وبالتحديد على المنطقة «أ» من اتفاق سايكس - بيكو، ولا تنطبق على المنطقة الزرقاء، اي على الساحل وكيليكيا.
فما كان من جورج-بيكو إلاّ ان أبرق بهذا الخصوص الى شرشلي في 13حزيران1917.
بعد الإنتصار الذي أحرزه الجنرال اللنبي على الجيش العثماني بيومين، وبالتحديد في21 ايلول1918، أبرق ستيفن بيشون (Pichon)، وزير خارجيّة فرنسا، الى بول كامبون (Cambon)، سفير بلاده في لندن، يطلب منه أن يبلّغ الحكومة البريطانيّة إصرار فرنسا على تطبيق اتفاق سايكس – بيكو.
تسلّح كامبون بهذه التعليمات ودافع بعناد عن وجهة نظر حكومته أمام وزير خارجيّة بريطانيا اللورد بلفور، وحصل منه، في 23 ايلول، على تصريح يقول فيه ان بريطانيا لن تقبل بان تقع سوريّة تحت نفوذ دولة اوروبيّة غير الدولة الفرنسيّة، وأضاف بلفور انه يتمنى ان يُعْلَن هذا الموقف بوضوح في فرنسا وخارجها.
في 27 ايلول، أي قبل انسحاب الأتراك من دمشق وبيروت بثلاثة أيام، استقبل الجنرال اللنبي الكابيتان كولندر (Coulondre)، مساعد المندوب السامي الفرنسي فرنسوا جورج-بيكو، وأخبره أنّه تلقى تعليمات سريّة من وزارة الحربيّة تطلعه على مضمون الاتفاق المعقود بين باريس ولندن عام1916، وتطلب منه العمل على تنفيذه وعلى»إنشاء إدارة عربيّة مع ضابط ارتباط فرنسي في منطقة «أ» من اتفاق1916، وإدارة فرنسيّة في المنطقة الزرقاء».
في 30 ايلول، بينما كانت فلول الجيش التركي تغادر سوريّة، كان السفير الفرنسي في لندن يُعِدّ مع الحكومة البريطانيّة إتفاقاً حول ادارة اراضي العدو التركي التي تّم الإستيلاء عليها أو التي ستستولي عليها لاحقاّ الجيوش الحليفة.
وقد ورد فيه ان القائد العام، الجنرال اللنبي، يعترف بممثّل الحكومة الفرنسيّة مستشاراً سياسياً له في مناطق النفوذ الفرنسي من هذه الأراضي، ويعتبره «الوسيط الوحيد بينه وبين اية حكومة او حكومات عربيّة موقتة او دائمة، يمكن ان تنشأ في منطقة «أ» من اتفاق 1916 «.
كما يعهد اليه، بصفته هذه «ان يؤسس ادارة مدنيّة في المدن الساحليّة وفي المنطقة الزرقاء بصورة عامة [….
] وان يختار الأشخاص المناسبين للوظائف المدنيّة في المدن الساحليّة وفي الأقسام الأخرى من المنطقة الزرقاء».
في الثاني من تشرين الأّول، وافقت الحكومة الفرنسيّة رسميّاً على هذا الإتفاق واصبح نافذاً.
بينما كان مصير الأراضي العثمانيّة المحتّلة يقرّر في لندن وباريس، كان لورانس وفيصل وزعماء الأحزاب والحركات الوطنيّة في دمشق يعتمدون حلولا مغايرة تماماً ويحاولون فرض الأمر الواقع على حكومات الدول الأوروبيّة المنتصرة.
وافق رضا الركابي، بعد استلامه السلطة في دمشق، في 2 تشرين الأوّل، على البرقيات التي ارسلها محمد سعيد الجزائري الى بيروت والمدن الساحليّة الأخرى، وعلى قيام حكومات عربيّة فيها.
انه قرّر، بالاضافة الى ذلك، ارسال شكري الأيوبي الى بيروت حاكماً عسكرياً مع قوّة عربيّة رمزيّة.
كان الركابي منتسباً الى جمعيّة العربيّة الفتاة ورئيساً لبلديّة دمشق، وكان من المدافعين عن العروبة، ولكنّه كان ينتمي الى تيار وطنّي قوّمي يتردّد في ترك القيادة للحجازييّن، وكان هذا التيّار يضّم عدداً من الشخصيات المقيمة في سوريا واخرى من الجاليات في بلاد الإغتراب.
وقد اتخّذ بعضها علانيّة موقفاً معادياً للهاشمييّن.
ففي تشرين الأوّل مثلاً، وُجّه نداءٌ الى «الدول الكبرى التي حرّرت سوريّة»، يحتّج فيه الموقعون على «دخول القبائل العربيّة دمشق وعلى تدخل الحجازيّين في شؤون سوريا»، ويؤكد انه «لا يوجد اي رابط قومي بين هذه القبائل ذات الأنطمة البدائيّة [….
] والشعب السوري».
وفي النهاية يرجو النداء من الدول الكبرى «ان تفصل القضيّة السوريّة عن القضيّة العربيّة» وان تنشئ دولة سورية موحدّة ومستقلّة و»منفصلة كلياً عن المناطق الأخرى الناطقة باللغة العربيّة».
يبدو ان الركابي لم يكن بعيداً عن هذه الأفكار، وقد قرّر، بالاتفاق مع عدد من قادة الحركة الوطنيّة، ارسال شكري الأيوبي الى بيروت ليضع فيصلاً والحلفاء امام الأمر الواقع، ربماّ لأنه كان يخشى ان يقدّم الهاشميّون تنازلات لفرنسا في المنطقة الساحليّة.
لم يكن باستطاعة فيصل ان يتنكّر لإجراء كهذا، فلو فعل لخسر شعبيته في سوريّة بكاملها.
نذكّر هنا بان جبل لبنان وساحله كانا خاليين من الجيوش الحليفة التي لم تدخلهما إلا في الثامن من تشرين الأوّل.
لذا اعتبر الركابي ورفاقه ان الإستيلاء عليهما، ولو بقوّة عسكريّة رمزيّة، قبل وصول القوات البريطانيّة، يخوّلهم ضمّهما الى الدولة العربيّة، طبقاً لما ورد في «التصريح الموّجه الى السبعة» الذي تكلمنا عنه سابقاً.
لقد اعترفت بريطانيا للعرب، في هذا التصريح، بالسيادة التامّة على الأراضي التي حرّروها بأنفسهم من النير العثماني.
لكن الجنرال الإنكليزي كلايتون (Clayton) رفض تطبيق هذا المبدأ على بيروت والساحل، وأبرق الى حكومته يقول:
«يمكننا التأكيد، بكل صدق، ان جلاء الأتراك عن بيروت اتى نتيجة لاستيلاء القائد الأعلى البريطاني ]اي اللنبي[ على دمشق، ولم يكن نتيجة لعمل عسكري قام به العرب».
دعم اللنبي، عن غير قصد، بالاجراءات التي اتخذها، موقف الركابي واضعف موقف فيصل.
كان هدفه في الأساس ابعاد الأمير عن الإدارة المحليّة ليتفرّغ لقيادة القّوات العربيّة.
لذا ثبّت الركابي في حكم منطقتي «أ» و»ب» من اتفاقيّة 1916، اي سوريا الداخليّة.
سرعان ما ادرك اللنبي انه اخطأ في قراره هذا لأن الركابي لم يكن مديناً بشيء لبريطانيا ولم يكن ملزماً بمراعاة الإتفاقات المعقودة بينها وبين حليفتها فرنسا.
حسم الوضع في دمشق وفي المنطقة الساحليّة وتصفيّة الحسابات بين فيصل والجزائريّين.
قبل وصول اللنبي وفيصل الى دمشق، كان قرار ارسال الأيوبي الى بيروت قد اتخذ، وقد غادر مع مئة فارس وعدد من المرافقين، منهم جميل الألشي ورفيق التميمي ورستم حيدر، في ليل 3 إلى 4 تشرين الأول كما ذكرنا، وبات تلك الليلة في خان ميسلون، وتابع سيره في صباح اليوم التالي، 4 تشرين الأول، باتجاه راشيا، فحاصبيا، فصيدا، ووصل بيروت في السابع من تشرين الأول حيث استُقبل بحفاوة، وصعد في الثامن منه الى بعبدا حيث اعلن اعادة امتيازات المتصرفيّة التي كان الباب العالي قد ألغاها خلال الحرب، واجتمع بحبيب باشا السعد، رئيس مجلس الإدارة الذي كان جمال باشا قد حلّه في آذار1915، وعيّنه حاكماً مكان الأميرين مالك شهاب وعادل ارسلان، فأقسم السعد يمين الولاء للملك حسين ولحكومة فيصل.
ذكرنا ان اللنبي دخل دمشق في 3 تشرين الأول ونزل في فندق فيكتوريا حيث قصده فيصل حال وصوله.
اتسّمت المقابلة بين الرجلين بشيء من التوّتر وحضرها لورانس كمترجم، كما حضرها نوري السعيد والقائد الأوسترالي شوفيل وعدد من الضباط الإنكليز.
أفهم اللنبي الأمير انه تلقى تعليمات من حكومته تنصّ على ان الأراضي التي احتّلتها الجيوش الحليفة تعتبر»اراضي العدو» وهي تحت أمرته وان بريطانيا مسؤولة عن ادارتها، وأنه سيوكل الى فرنسا ادارة المنطقة الساحليّة، وذلك تطبيقاً للاتفاق المعقود بينها وبين بريطانيا العظمى.
لم يتوقف لورانس في «اعمدة الحكمة السبعة» عند هذا اللقاء.
انه يذكر فقط ان اللنبي سلّم فيصلاً برقية مرسلة من وزارة الخارجية في لندن تعترف فيها بريطانيا للعرب بصفة «حلفاء محاربين « وطلب منه ان يترجمها للامير.
أما الجنرال الأوسترالي شوفيل، فيصِف هذا اللقاء بإسهاب ويؤكد أنّ اللنبي قال ليفصل إن المنطقة العربية ستضم سوريا الداخلية فقط وستكون المنطقة الساحلية، باستثناء فلسطين، تحت الإدارة الفرنسية المباشرة، وانه يتوجب على الامير ان يتعامل مع الفرنسيين بواسطة ضابط ارتباط فرنسي، وان هذا الضابط سيتعامل مع لورانس.
احتج فيصل على حصر حدود الدولة العربية بالمنطقة الداخلية من سورية وأجاب انه على استعداد للتعاون مع الفرنسيين.
يقول شوفيل ان القائد العام البريطاني نظر انذاك إلى لورانس وسأله:
» أفلم تقل له ان سورية ستكون تحت الحماية الفرنسية؟
»، اجاب لورانس “كلا، لاني لم اكن اعرف ذلك»، تابع النبي «كنت بالتأكيد تعرف انه غير مسموح لفيصل ان يتدخل بشؤون لبنان».
اجاب لورانس:
» كلا، وهذا لم اكن اعرفه».
استمر الحديث في هذا الجو الضاغط بعض الوقت، فانهاه اللنبي بقوله لفيصل انه هو القائد العام للجيوش الحليفة، وان الامير، قائد القوات العربية، وهو تحت إمرته، وعليه ان ينفذ ما يُطلب منه .
أما مصير المنطقة الساحلية ومصير لبنان وحدود الدولة العربية، فكلها امور ستتم معالجاتها عند انتهاء الحرب .
غادر فيصل للحال.
أما لورانس فتابع حديثه مع اللنبي لدقائق معدودة وقال للقائد العام انه يرفض ان يتعاون مع ضابط ارتباط فرنسي، وربما من الافضل له ان يعود إلى انكلترا.
اجاب اللنبي للحال:
» أنا اوافق على عودتك».
غادر لورانس دمشق في اليوم التالي، 4 تشرين الاول، وذهب إلى القاهرة ومنها إلى لندن في 15 من الشهر عينه.
في تلك الأثناء، كان الفرنسيون يمارسون شتى أنواع الضغط على الحكومة البريطانية لتمنع فيصلا وجماعة الركابي من الامساك بالمنطقة الزرقاء من اتفاق سايكس- بيكو.
في اليوم الذي توجه فيه شكري الأيوبي إلى بيروت، احتج مساعد المفوض السامي الفرنسي، الكابتن كولوندر، لدى الجنرال البريطاني كلايتون على هذا القرار، ولكن كلايتون تهرّب من الموضوع وغادر بسرعة إلى فلسطين حيث مركز القائد العام.
فما كان من كولندر الا ان طلب موعدًا من فيصل، وفي الوقت نفسه، ألحّ على حكومته كي تأمر الاسطول الفرنسي في المتوسط بالتوجه بسرعة إلى بيروت وبالقيام بعملية انزال في المدينة.
التقى كولندر فيصلا في 6 تشرين الاول ووجّه اليه اللوم لأنه وافق على ارسال الأيوبي إلى بيروت على الرغم من التفاهم الذي كان قد جرى بشأن المنطقة الساحلية في اذار1917، في جدة، مع مارك سايكس وفرانسوا جورج - بيكو والذي يفرض عليه، على أي حال، الحصول على موافقة الحكومة الفرنسية قبل الاقدام على خطوة من هذا النوع .
اجاب فيصل أنّ همه الوحيد هو طرد الأتراك من البلاد العربية؛ أما المسائل السياسية فيترك معالجتها للسياسيّين.
أضاف الأمير أن الغاية من ارسال الأيوبي هي الحفاظ على الأمن ليس إلا .
خلال هذه الايام نشطت الاتصالات بين حكومتي باريس ولندن وبين هاتين الحكومتين وقادة الجيوش الحليفة المنتصرة في الشرق .
ففي 5 تشرين الأوّل، تلقى الاميرال فارنيه(Varnier)، قائد المجموعة البحرية الفرنسية في سورية، أمرًا بمغادرة بور سعيد والتوجه إلى بيروت، فدخل المرفأ في السابع من تشرين الاول، فاستقبل بحماس شعبي .
وفي اليوم التالي دخلت المدينة مقدّمة فرقة المشاة السابعة الهندية ودخل بعدها الجنرال بلفين (Bulfin) قائد الفيلق البريطاني الحادي والعشرين، يرافقه الكولونيل دو بيابات (De Piépape)، مع مفرزة من القوات الفرنسية.
وفي اليوم عينه، 8 تشرين الأول، أبرق وزير الخارجية الفرنسي إلى كلوندر يقول له:
«ان دخول الاميرال فارنيه بيروت والحفاوة التي استقبل بها يشكلان، بالنسبة الينا، نقطة ارتكاز لكي نرفض، بالاتفاق مع الجنرال اللنبي، اخضاع أي قسم من المنطقة الزرقاء لإدارة ممثلي الأسرة الهاشمية .
لا مجال للتفاوض حول هذه النقطة ولا يجب ان تناقشها مع الأمير فيصل.
علينا فقط ان نبلّغه قرارنا الذي سيلاقي دون شك الدعم اللازم من الجنرال اللنبي[.
.
]«أما فيما يخصّ لبنان، فعليك ان تجتمع بأعضاء مجلس الإدارة .
انهم يعلمون ان الحلفاء لا ينوون اضعاف السلطة اللبنانية [.
.
.
] نحن مستعدون للاعتراف بسلطة مجلس الإدارة على بيروت والبقاع وطرابلس إذا رغب سكان هذه المناطق في الانضمام إلى لبنان.
.
».
التقى كولندر في ليل 8 إلى 9 تشرين الاول، الجنرال اللنبي في القدس، فقال له القائد العام إنه عيّن الكولونيل دو بيابات حاكمًا عسكريًا على بيروت ومسؤولاً عامًا عن الإدارة العسكرية في المنطقة الزرقاء من اتفاقية1916، وانه اصدر أوامره بهذا الشأن إلى الجنرال بلفن، ثم اضاف:
» ان الحاكم العسكري الذي عينه فيصل، مت دون ان يكون له حق في ذلك، لم يعد منذ الآن في الوظيفة» .
لام اللنبي كولندر لانه فاوض فيصلا بشأن المنطقة الساحلية وكرر له ان مسألة تعيين الحكام هي من صلاحيات القائد العام وليست من صلاحيات فيصل الذي يعتبر فقط جنرالا من جنرالات الجيوش الحليفة.
في اليوم عينه، ابرق وزير الخارجية الفرنسي إلى كولندر يطلب منه الانتقال بسرعة إلى بيروت والعمل على تشجيع السكان على القبول بضم بيروت وطرابلس والبقاع ومتصرفيّة جبل لبنان في دولة واحدة ، مركزًا على المنافع التي يجنيها الجميع من هكذا عملية.
هكذا جزم الفرنسيون امرهم، ثم عينوا الجنرال هاملان(Hamelin)، قائدًا لقواتهم في سوريا بدلا من الكولونيل دو بيابات لان رتبة هذا الاخير لا تسمح له بأن يفاوض اللنبي ندًّا لند.
وبدأوا بتوزيع المساعدات الغذائية مباشرة على المعوزين في بيروت ودمشق دون المرور بالحكومة العربية .
نفّذ الجنرال بلفين بسرعة اوامر اللنبي :
ففي ليل10 إلى11 تشرين الاول استولت سريّة من الجيش البريطاني على سراي الحكومة في بيروت وانزلت العلم العربي.
أمّا الأيوبي فمُنع من دخول المبنى وطُلب منه مغادرة البلاد.
ولما رفض الامتثال للامر، هدده بلفين باستعمال القوة ضده، فرضخ .
أدرك فيصل ان هامش المناورة امامه اصبح ضيّقًا وأنّه من الصعب عليه الوقوف في وجه الحلفاء المنتصرين .
في المنطقة الساحلية، أُنزلت الأعلام العربيّة عن الأبنية الرسمية وحلّ ضبّاط فرنسيّون محل الضباط الذين عيّنتهم دمشق.
في المتصرفية، بقي حبيب باشا السعد في وظيفته مع أعضاء مجلس الإدارة.
وفي البقاع إستمر الموظَّفون السابقون في مراكزهم.
إنتظر كولندر ودو بياباب تعليمات القائد العام قبل اتخاذ أية خظوة بشأن الجبل.
إجتمع اللنبي بفيصل في دمشق وأبلغه أنه قسّم أراضي العدو العثماني المحتلّة إلى ثلاث مناطق:
جنوبية، أي فلسطين، بإدارة بريطانية، وشرقية، اي سوريا الداخلية، بإدارة عربية، وشمالية، أي الساحل، بإدارة فرنسية.
وفي الوقت عينه، حدّ اللنبي من صلاحيات الركابي وأطلق يد فيصل في إدارة منطقتي «أ» و»ب» من إتفاقية 1916.
وفي 22 تشرين الأول أصدر الحاكم قراراً سمّى فيه الأقضية التي تَضُمّ كلاً من هذه المناطق وعيّن، بصورة رسمية، حكّامها العسكريين:
الجنرال مونيه (Money) للمنطقة الجنوبية، والكولونيل دو بياباب للمنطقة الشمالية وعلي رضا الركابي، طبعاً تحت إشراف فيصل، للمنطقة الشرقيّة.
شكّلت متصرّفية الجبل ومعها سهل البقاع جزءاً من المنطقة الشمالية.
أصبح باستطاعة الفرنسيين – وكانت قواتهم التي شاركت في القتال على جبهة فلسطين قد وصلت الى بيروت في 20 تشرين الأول – أن يحسموا مسألة الحكم في المتصرّفية.
وفي النهاية قرّ الرأي على تعيين الكابيتان بوشير(Beuscher) قائد السرية اللبنانية – السورية في القوات الفرنسية القادمة من فلسطين، حاكماً عسكرياً، وعلى تثبيت مجلس الإدارة برئاسة حبيب باشا السعد.
صعد دو بياباب، في 25 تشرين الأول، الى بعبدا حيث استُقبل بحفاوة، فوضع هذه القرارات موضع التنفيذ7.
أما سهل البقاع، فطلب اللنبي من دو بياباب تأجيل الاستيلاء عليه وتأجيل ضمّه الى المنطقة الزرقاء الى وقت لاحق.
في 31 تشرين الأول، وقّع الأتراك على هدنة مودروس.
وفي الثامن من تشرين الثاني، أصدرت الحكومتان الفرنسية والبريطانية تصريحاً مشتركاً يتعلّق بمصير الأراضي المسلوخة عن الدولة العثمانية، كان الهدف منه تبديد مخاوف العرب وطمأنة الرئيس ولسون صاحب مبدأ حق تقرير المصير.
وممّا جاء في هذا التصريح:
«إن الهدف الذي عملت لأجله فرنسا وبريطانيا العظمى، في متابعتهما في الشرق الحرب التي أثارتها مطامح ألمانيا، هو التحرير التام والنهائي للشعوب التي طالما رزحت تحت النير التركي، وإقامة حكومات وإدارات وطنية تستمد سلطتها من مبادرة السكان الأصليين وخيارهم الحر.
لا تسعى الدولتان الى فرض أية مؤسّسات على هؤلاء السكان، وإن هاجسهما الوحيد هو توفير الدعم والمساعدة لهم لكي يؤمّنوا انتظام العمل في الحكومات والادارات التي يختارونها لأنفسهم.
».
إطمأنّ العرب لهذا التصريح، وكان اللنبي قد أكّد لفيصل أن التقسيمات الإدارية التي اعتمدها في الأراضي العثمانية المحتلّة هي موقتة وأن مصير هذه الأراضي سيقرره مؤتمر الصلح.
أخذ فيصل يستعد للسفر الى باريس للمشاركة في المؤتمر، ولكنّه كان يخشى أن يترك وراءه، في سوريا، الأخوين الجزائريين سعيد وعبد القادر اللذين كانا يحاولان التقرب من الفرنسيّين، لذا قرر تصفية حساباته معهما قبل سفره.
ففي 9 تشرين الثاني، أصدر حاكم سوريا العسكري، علي رضا الركابي، أمرًا باعتقال الأميرين وإرسالهما الى المنفى، مؤكّداً أنه يفعل ذلك بأمر من الحكومة البريطانية ومن الأمير فيصل.
أرسل اركابي رجال الأمن للقبض على الأميرين.
إنصاع محمد سعيد وسلّم نفسه وكان نصيبه بعد ذلك النفي الى فلسطين.
أمّا عبد القادر فتبادل إطلاق النار مع رجال الأمن وأدى الحادث الى مصرعه والى سقوط عدد من القتلى والجرحى.
هكذا تخلص فيصل من الأميرين الجزائريين.
لم يضع مقتل الأمير عبد القادر حدًاّ للصراع على السلطة بين القوى المحلية الثلاث التي ذكرناها في مطلع هذا البحث.
فالقيادات والأحزاب الوطنية القومية السورية التي قبلت على مضض زعامة الهاشميين كانت لهم في المرصاد تراقب تحرّكاتهم وأعمالهم لتنقضّ عليهم عند أول خطأ يرتكبونه.
هذه القوى هي التي أجهضت كلّ محاولات التقرب بين فيصل وفرنسا، منها اتفاق 6 كانون الثاني 1920، وكانت تسيطر على المؤتمر السوري وعلى اللجنة الوطنية العليا في دمشق.
أما فيصل، فكلّما مرت الأيام كلّما ضاق في وجهه هامش المناورة.
إنه دافع عن القضية العربية في مؤتمر الصلح وأحرز بعض النجاح في ربيع 1919، بفضل الدعم الذي كان يلقاه من الرئيس الأميركي ولسون ومن الحكومة البريطانية.
فاضطر الأمير الى مفاوضة الفرنسيين من جديد والتوصل معهم الى اتفاق 6 كانون الثاني 1920 ولكنّه عجز عن تنفيذه بسب رفض القيادات السورية له.
إما التخلّي عن الاعتدال، والانجراف وراء التيار الاستقلالي المتصلّب والقبول بفكرة الصدام المسلّح مع الفرنسيين، وإما تطبيق الاتفاق المعقود في باريس والتصدي بالقوة لمعارضيه وإما الاستقالة.
فاختار الحل الأول.
هذا ما وتر العلاقات بينه وبين الحلفاء وأدى الى معركة ميلسون في تموز 1920 والى سقوطه.
أما الأمير محمد سعيد الجزائري، فبعد مقتل أخيه، نُفي، كما ذكرنا، الى فلسطين، لكنه ظلّ يحلم بعرش سوريا.
فحاول التقرب من الفربسيين ولكن هؤلاء لم يدعموه ولم يكونوا يثقون به.
وبعد معركة ميلسون، وبالتحديد في شهر آب 1919، رشّح سعيد نفسه علانية لاعتلاء عرش سوريا، ووجه رسالة بهذا الخصوص الى ستيفن بيشون وزير خارجية فرنسا، ويذكّر بمقتل أخيه غدراً على أيدي عملاء الإنكليز وعلى أيدي أتباع فيصل أعداء الفرنسيين.
أثار تقرب الأمير محمد سعيد من الفرنسيين وترشيح نفسه لعرش سوريا غضب فيصل وغضب البريطانيين، فما كان من اللنبي إلا أن أصدر أمراً، في 16 آب 1919، باعتقال الأمير الجزائري من جديد ونفيه الى مصر.
فهاجمت منزله في بيروت قوة من الجيش البريطاني واعتقلته على الرغم من أنه كان يتمتع بالحماية الفرنسية وأن العملية تمت في قلب المنطقة الزرقاء الخاضعة للإدارة الفرنسية المباشرة.
كادت هذه الحادثة تتسبب بأزمة دبلوماسية بين باريس ولندن.
هذا كان مصير الأسرتين الجزائرية والهاشمية الطامحتين إلى العرش السوري.
أما زعماء الحركات الوطنية فتشتتوا بعد معركة ميسلون:
هاجر قسم منهم الى الأردن وفلسطين، وقسم الى مصر وقسم الى العراق.
وقد أفاد دعاة القومية اللبنانية والمنادون بلبنان الكبير من هذه الظروف لفرض خياراتهم.
أما البريطانيّون والفرنسيّون، فبعد مرحلة من الصراع المتّسم أحياناً بالحدّة والعدوانية، سوّوا خلافاتهم المتعلّقة بالشرق الأوسط في إطار مؤتمر سان ريمو حيث تم رسميًا، فرض الإنتداب الفرنسي على سوريا ولبنان والإنتداب البريطاني على فلسطين والعراق.
في 19 أيلول 1918، أحرز الجنرال اللنبي ((Allenby إنتصاراً حاسماً على العثمانيين في فلسطين، فانفتحت أمامه أبواب سوريا، فما كان منه الا ان دفع بقواته نحو الشمال.
ذُعر الموظفون الأتراك، فأخلوا دمشق وبيروت ومتصرفية جبل لبنان في 13 أيلول، فيما كانت فلول الجيش التركي تنسحب باتجاه حلب والأناضول.
هنا بدأ صراع للاستيلاء على السلطة في بيروت ومتصرفية جبل لبنان ودمشق وبقية المدن السورية بين قوات عربية ثلاث، الأولى هي الأسرة الهاشمية على رأسها الأمير فيصل إبن الشريف حسين ملك الحجاز ومطلق الثورة العربية عام 1916، والثانية هي أسرة عبد القادر الجزائري، بزعامة إثنين من أحفاده، هما الأمير محمد سعيد وأخوه عبد القادر؛ وتمثلت الثالثة بعدد من الوجهاء القيّاديين الوطنيين السوريين.
أما سكان متصرفية جبل لبنان فتوخّوا الحذر بانتظار تبلور الأوضاع.
كانت هذه القوى المحلّية تخشى أطماع الدول الكبرى المنتصرة في الحرب، لا سيما أطماع بريطانيا وفرنسا، الدولتين الإستعماريتين التين كانتا قد خططتا، منذ عام 1916، من خلال إتفاقية سايكس – بيكو، لاقتسام تركة الدولة العثمانية المحتضرة.
سيطرة الجزائريين على السلطة في دمشق وتنحيتهم عشية انسحاب الأتراك من دمشق، نظم الأخوان محمد سعيد وعبد القادر الجزائريان ميليشيا من المغاربة المقيمين في العاصمة السورية.
ويؤكد محمد سعيد في مذكراته أنه فعل ذلك بموافقة جمال باشا الصغير المعروف بالمرسيني، قائد الجيش التركي.
كان هدفه حماية المدينة وحماية انسحاب الأتراك.
في 13 أيلول، اجتمع عدد من وجهاء دمشق في دار البلدية واختاروا الأمير محمداً سعيداً رئيساً للحكومة المؤقتة، فرفع العلم العربي على الدار المذكورة مكان العلم العثماني، وابرق الى بيروت والى مختلف المدن السورية معلناً قيام حكومة عربية في دمشق باسم الشريف حسين داعياً الناس الى الهدوء والسكينة.
ابتدأ الأمير محمد سعيد،بعد إمساكه بزمام الأمور بالعاصمة السورية في 30 أيلول كما ذكرنا، بأداء”قسم الولاء والإخلاص”للملك حسين ويرفع العلم العربي.
أنه يؤكد في مذكراته أنه اتفق مع الأمير فيصل على اللأمر عندما اجتمع به عند وهيد، غربي معان، في آب 1918، وهدفهما من ذلك إعلان الإستقلال قبل وصول الجيوش الأجنبية، كما يؤكد أن الشريف ناصر الذي دخل دمشق صبيح الأول من تشرين الأول (أوكتوبر)، فوّض إليه إليه إدترة الحكومة ريثما يصل فيصل.
نجد تفاصيل أخرى في بعض المصادر حول نشأة حكومة محمد سعيد الجزائري، أن يوسف الحكيم، مثلاً، يروي في مذكراته أن فريقا من”الوجهاء والمفكرين الدمشقيين”إجتمعوا في بهو المجلس البلدي في دمشق”وقرروا إقامة حكومة مؤقتة تحول دون الفوضى، ريثما تصل الجيوش المظفّرة”واختاروا لرئاسة هذه الحكومة الأمير سعيد الجزائري.
لكن الرواية التي نجدها في كتابات لورانس وفي رسائله، كما في مذكراته عدداً من مؤيّدي فيصل، تختلف عما ذكرناه سابقاً إذ أنها تعطي إنطباعاً أن الأخوين الجزائريين إغتصبا السلطة في دمشق ولم يستلماها لا بموافقة فيصل ولا بناءً لطلب من الوجهاء الدمشقيين.
أما ما كتبه لورانس في أعمدة الحكمة السبعة وفي عدد من رسائله حول هذا الموضوع، فهو ينضح بحقده على الأخويين الجزائريين.
وفي رسالة وجهها الى الضابط الإنكليزي ستيرلنغ بتاريخ 28 حزيران 1919، يؤكد أن فيصلاً هو الذي طلب منه”التخلص منهما".
ويختم رسالته بهذه الجمل :
”إذاً كان يوجد في سوريا آنذاك شخصان يستحقان الموت شتقاً أو رمياً بالرصاص، فهذان الششخصان هما دون شك الأخوان الجزائريان.
آسف كثيراً للحرية التي تركت لمحمد سعيد.
لقد طالب فيصل بسجنه أكثر من مرة.
".
حال وصوله الى دمشق في الأول من تشرين الأول، نصّب لورانس نفسه ممثلاً للأمير فيصل، فعمد، الى عزل الأمير محمد سعيد الجزائري من الحكم وإعلان قيامة حكومة عسكرية برئاسة شكري الأيوبي، نيابةً عن رضى الركابي الذي لم يكن قد عاد الى دمشق بعد.
إنسحب الأخوان الجزائريان على مضض.
ولكن بعد ظهر الأول من تشرين الأول بدأت الفوضى تهب في دمشق، وفي ليل 1 الى 2 تشرين الأول، إندلعت ثورة حقيقية في المدينة فتدفقت الى شوارعها قواتٌ درزية وبدوية وقامت بأعمال نهب.
لكن القوات العربية تدخلت بسرعة بطلب من لورانس وكسحت برشاشاتها الأحياء المضطربة، فقمعت حركة التمرد موقعة أكثر من 20 قتيلاً في صفوف المتسللين.
وقد إتهم لورانس في مؤلفاته وفي مراسلاته الأخوين الجزائريين أنهما مسؤولان عن هذه الحركة، وبأنهما حرضا أتباعهما كما حرّضا الدروز مدّعيين أن الهاشميين ومؤيديهم هم دمى تحركهما بريطانيا كما تشاء وطالبين من الجميع القيام بعمل ما دفاعاً عن الدين.
إن شهادات المعاصرين في حكومة محمد سعيد وعبد القادر الجزائريين لم تكن دائماً سلبية كما يصوّرها لورانس والمقرّبون من بريطانيا ومن الهاشميين.
إن عدداً من هؤلاء المعاصرين أثنوا على الإجراءات التي اتخذها الأخوان الجزائريان آناذاك.
نستخلص مّما سبق أن لورانس وعملاء الإنكليز بصورة عامة ومؤّيدي فيصل كانوا يخشون ان تفلت السلطة في دمشق من أيديهم، خصوصاً وان الأخوين الجزائريّين، حفيدي عبد القادر الكبير، كانا يشكلان خصمين خطيرين للهاشميّين:
فأسرَتُهما الكريمة النسب، وتاريخ جدّهما العريق ومكانتهما في العالم الاسلامي ووزنهما السياسي في سوريا وعلاقتهما بفرنسا كانت كلّها تخولهما الطموح الى الحكم والوقوف في وجه المخططات الإنكليزية-الحجازية، وهذا ما دفع لورانس الى الإسراع في التخلص منهما.
دخول فيصل واللنبي دمشق ما كانت هوّية الفريق العسكري التي دخلت دمشق توّاً بعد انسحاب العثمانيّين، أكانت عربية أم بريطانيّة؟
أثار الجواب على هذا السؤال جدلاً بين المؤرخين لان له ابعاداً سياسية مهمة نوضحها بما يأتي:
في ربيع ١٩١٨، وجّه سبعة من الزعماء العرب المقيمين في مصر مذّكرة إلى الحكومة البريطانيّة، سُلّمت إلى المكتب العربي في القاهرة، يستوضحونها سياستها تجاه الأقطار العّربية ويسألون عن مصير هذه الأقطار بعد انتهاء الحرب.
في ١٦حزيران من السنة نفسها، أرسلت لندن جوابها وهو يعرف ب"التصريح الموّجه الى السبعة"، قسّمت فيه الحكومة البريطانية المنطقة التي كان يطالب الحسين باستقلالها إلى أربعة اقسام.
يضّم القسمان الواحد والثاني البلاد العّربية التي كانت مستقلّة قبل الحرب والتي حررها العرب بانفسهم، تعترف بريطانيا بالسيادة التامة للعرب على هذه الأراض.
أما القسم الثالث، فيضّم المناطق التي حرّرتها الجيوش الحليفة، فأكّدت لندن”ان الحكومة المقبلة لهذه الأقاليم يجب ان تقوم على مبدأ موافقة المحكومين".
يبقى القسم الرابع وهو يضّم الأراضي التي كانت لا تزال تحت النير التركي، اي الولايات السورية ومتصرفية جبل لبنان وولاية الموصل، فورد في التصريح"أنّ الشعوب المضطهدة في هذه الأراضي يجب ان تفوز بالحرية والإستقلال".
على الرغم من اهميّة ما ورد في التصريح عن القسمين الثالث والرابع، فإنّ العرب أبدوا اهتماماً خاصاً بما ورد بشان القسم الثاني، اي الأراضي التي حرّروها بأنفسهم والتي يجب ان تتمتّع بالسيادة التامّة.
هنا تكمن اهمية القول انّ القوات العربية هي التي دخلت دمشق قبل القوات البريطانيّة.
من المؤكّد ان فرقة الخيّالةالأوسترالية وفوجاً من الخّيالة السباهة الفرنسييّن وصلا الى ضواحي دمشق في٣٠ أيلول الساعة الواحدة بعد الظهر.
وللحال صدر أمرٌ من القيادة العامة البريطانيّة يطلب منهما وقف تقدمهما نحو المدينة.
لكّن السجل الميداني اليومي للقوات الأوستراليّة يظهر ان لواء الخيّالة الثالث الأوسترالي دخل دمشق في الأول من تشرين الأول حوالي الساعة الساجسة صباحاً، وأنّ قائد الفوج العاشر الذي كان في الطليعة، عندما بلغ مبنى البلديّة، دخله ووجد فيه الأمير محّمد سعيد الجزائري محاطاً بمجموعة من الأعيان والوجهاء.
الخيّالة الأوسترالييّن غادروا دمشق حوالي السّاعة السابعة واتّجهوا شمالاً لمطاردة فلول الجيش التركي.
الأمير سعيد الجزائري يؤكد دخول الأوسترالييّن دمشق قبل القوات العربية التي كان يقودها الشريف ناصر.
يبدو انّ هذا الأخير لم يصل الى المدينة إلا حوالي الساعة السابعة والنصف او الثامنة صباحاً.
اما لورانس فلم يدخل دمشق إلا في الساعة التاسعة، فغضب غضباً شديداً عندما علم ان الأوسترالييّن كانوا اوّل الواصلين، لأن تصريح الحكومة البريطانية الموّجه الى السبعة كان في ذهنه، وكان يرغب في ان تحتل القوات العربية قبل سواها المدينة لكي تخضع سوريا للسيادة العربيّة.
بعده مباشرة وصل الجنرال شوفل (chauvel)، القائد الأعلى للقوات الأوستراليّة، واتّجه فوراً نحو مبنى البلديّة حيث التقى لورانس والأيوبي.
ولماّ علم ان هناك حكومة عربيّة نصّبت باسم الملك حسين، رفض الإعتراف بها.
إن القوات الأوستراليّة قاتلت بضراوة في الأيّام التي سبقت انسحاب الأتراك، وتوجّت تضحياتها بدخول خياّلتها دمشق قبل سواهم، لذا كان شوفل يرفض ان يسرق منه النصر وينسب الى العرب، وقد تسبب ذلك بتوّتر العلاقة بينه وبين لورانس.
في2 تشرين الأول، دخل دمشق الوف من الجيوش البريطانييّن مع فرقة صغيرة من الجنود الفرنسيّين، فاخترقوا المدينة متجهين شمالاً لملاحقة الجيش التركي المنسحب.
وفي الثالث من الشهر نفسه، وصل اللنبي ونزل في فندق فيكتوريا، وثبّت الركابي-وكان قد عاد الى دمشق-في رئاسة الحكومة المؤقتة في المنطقة الداخليّة.
وفي اليّوم عينه وصل الأمير فيصل في قطار من درعا، فكلّف الضابط الإنكليزي هيوبرت يونغ (young) باستقباله باسم اللنبي، وقصد تواً فندق فيكتوريا حيث اجتمع بالقائد العام البريطاني لأّوّل مرّة.
وكان هذا الأخير قد تلقى تعليمات واضحة من حكومته بشأن علاقة الحلفاء بالأمير فيصل وبشأن مستقبل الأراضي العربية المحّررة من النير العثماني.
لنا عودة بين الحديث الذي جرى بين الرجلين.
بيروت ومتصرفيّة جبل لبنان بين اتفاق سايكس-بيكو وتطّلعات الحكومة العربيّة في دمشق.
سلّم الوالي العثماني، اسماعيل حقي بك.
عند انسحابه من بيروت، شؤون الحكم الى رئيس البلدية عمر الداعوق.
وسلّم المتصرّف، ممتاز بك، إدارة الجبل في بعبدا، الى حبيب فياّض رئيس البلدّية.
وكان الأمير محمّد سعيد الجزائري، عقب توليّه السلطة، قد ابرق الى المدن السورية المختلفة والى بيروت، يخبر المسؤولين بانهزام الجيش التركي وبقيام حكومة عربيّة في دمشق بإسم الملك حسين، ويطلب منهم إنشاء حكومات مماثلة وحث السكان على التزام الهدوء.
وقد تلقى البطريرك الماروني بدوره برقيّةً هذا نصُها:
“غبطة بطريرك الطائفة المارونيّة، “إنه بعون الله تأسست الحكومة العربيّة المستقلة باسمنا.
فنطلب منكم، بإسم العربيّة والوطنيّة، أن تؤسسوا الحكومة عندكم في جبل لبنان.
25 ذي الحجّة 1336، رئيس الحكومة السوريّة، سعيد ابن الأمير علي باشا الجزائري".
لم يجب البطريرك بل فضّل الإنتظار ريثما تتبلور الأمور.
لكنّ موظفي المتصرفيّة اجتمعوا في بعبدا وانتخبوا الأميرين مالك شهاب وعادل ارسلان لإدارة شؤون الجبل بصورة مؤقتة.
فابرق الأميران الى البطريرك يطلعانه على ما جرى، فوجّه بدوره، في الخامس من تشرين الأوّل، برقيّة الى الأمير مالك شهاب يحثّه فيها على المثابرة على"إدارة الحكومة الموقتة بحزم وحكمة”ويطلب منه ان ينصح الأهالي بالخلود الى السكينة، و"بتوقيف كل مخابرة تتعّلق بشؤون البلاد مكتفين الآن بالحكومة الموقتة الى ان يكون تيّسر لنا ولهم تبادل الأراء بهذا الشإن لدى وصولنا قريباً الى مقرّنا في بكركي".
وكان مجلس الإدارة، بالاتفاق مع البطريرك، قد ارسل يستشير الفرنسييّن في جزيرة ارواد.
فكان جوابهم”إننا قادمون".
إن الاستيلاء على بيروت والمدن الساحليّة الأخرى ومتصرفيّة جبل لبنان كان يعتبر حيويّاً بالنسبة الى الزعماء الوطنيين السوريّين، وكذلك بالنسبة الى فيصل ولورانس.
كانوا جميعاً يعلمون انّ لفرنسا مصالح تاريخيّة في المنطقة الساحلية لن تتخلى عنها بسهولة وبأنها عقدت بشانها اتفاقاً مع بريطانيا عام 1916، هو اتفاق سايكس-بيكو.
يضاف الى ذلك ان فيصل ولورانس كانا يعلمان، منذ ربيع 1917، الخطوط الكبرى لهذا الإتفاق، بعد ان قررت باريس ولندن، في مطلع هذه السنة، اطّلاع الملك حسين على مضمونه، فأوفدتا الى الحجاز مالرك سايكس وفرنسوا جورج-بيكو اللذين وصلا الى جدّة في18 آذار1917 واجتمعا في اليوم الثاني بالملك.
وتبع هذا اللقاء لقاءات اخرى شارك في معظمها الأمير فيصل.
وبعد خمسة ايام من المفاوضات، ابرق جورج-بيكو الى حكومته يقول:
"ان الملك يعرف الآن مضمون اتفاقنا ولم يبد متأثراً الى الحّد الذي كنا نخشاه [….
].
يمكننا منذ الآن ان نقول ان الدور الفرنسي في سورية سيكون، في خطوطه الكبرى، شبيهاً بالدور الإنكليزي في العراق.
سنتعاون مع ممثلي الملك في المناطق الإسلاميّة من سوريا بواسطة مستشارينا.
أمّا المناطق المسيحيّة، فإن إستولينا عليها قبل نهاية الحرب، فسننشئ فيها دولة تكون تحت حمايتنا".
بعد ان اطّلع وزير الخارجية الفرنسي على برقية جورج-بيكو، طلب منه ان يعلن الى ممثّل فرنسا في الحجاز، بان يوضّح للحسين ما المقصود بعبارة”المناطق الإسلامية من سوريّة”التي استعملت خلال المحادثات، وان يؤكد له ان هذه التسمية تنطبق فقط على المناطق الداخليّة، وبالتحديد على المنطقة”أ”من اتفاقية سايكس-بيكو، ولا تنطبق على المنطقة الزرقاء، اي على الساحل وكيليكيا.
فما كان من جورج-بيكو إلاّ ان ابرق بهذا الخصوص الى شرشلي في 13حزيران1917.
بعد الإنتصار الذي احرزه الجنرال اللنبي على الجيش العثماني بيومين، وبالتحديد في21 ايلول1918، ابرق ستيفن بيشون (pichon) ، وزير خارجيّة فرنسا، الى بول كامبون (cambon)، سفير بلاده في لندن، يطلب منه ان يبلغ الحكومة البريطانيّة اصرار فرنسا على تطبيق اتفاق سايكس-بيكو.
تسلّح كامبون بهذه التعليمات ودافع بعناد عن وجهة نظر حكومته امام وزير خارجيّة بريطانيا اللورد بلفور، وحصل منه، في23 ايلول، على تصريح يقول فيه ان بريطانيا لن تقبل بان تقع سوريّة تحت نفوذ دولة اوروبيّة غير الدولة الفرنسيّة، وأضاف بلفور انه يتمنى ان يعلن هذا الموقف بوضوح في فرنسا وخارجها.
في 27ايلول، أي قبل انسحاب الأتراك من دمشق وبيروت بثلاثة أيام، استقبل الجنرال اللنبي الكابيتان كولندر (coulondre)، مساعد المندوب السامي الفرنسي فرنسوا جورج-بيكو، وأخبره أنّه تلقى تعليمات سريّة من وزارة الحربيّة تطلعه على مضمون الاتفاق المعقود بين باريس ولندن عام 1916، وتطلب منه العمل على تنفيذه وعلى"إنشاء إدارة عربيّة مع ضابط ارتباط فرنسي في منطقة ”أ” من اتفاق1916، وإدارة فرنسيّة في المنطقة الزرقاء".
في30ايلول، بينما كانت فلول الجيش التركي تغادر سوريّة، كان السفير الفرنسي في لندن يعّد مع الحكومة البريطانيّة إتفاقاً حول ادارة اراضي العدو التركي التي تّم الإستيلاء عليها أو التي ستستولي عليها لاحقاّ الجيوش الحليفة.
وقد ورد فيه ان القائد العام، الجنرال اللنبي، يعترف بممثّل الحكومة الفرنسيّة مستشاراً سياسياً له في مناطق النفوذ الفرنسي من هذه الأراضي، ويعتبره ”الوسيط الوحيد بينه وبين اية حكومة او حكومات عربيّة موقتة او دائمة، يمكن ان تنشأ في منطقة ”أ” من اتفاق1916”.
كما يعهد اليه، بصفته هذه ”ان يؤسس ادارة مدنيّة في المدن الساحليّة وفي المنطقة الزرقاء بصورة عامة [….
] وان يختار الأشخاص المناسبين للوظائف المدنيّة في المدن الساحليّة وفي الأقسام الأخرى من المنطقة الزرقاء".
في الثاني من تشرين الأّول، وافقت الحكومة الفرنسيّة رسميّاً على هذا الإتفاق واصبح نافذاً.
بينما كان مصير الأراضي العثمانيّة المحتّلة يقرّر في لندن وباريس، كان لورانس وفيصل وزعماء الأحزاب والحركات الوطنيّة في دمشق يعتمدون حلولا مغايرة تماماً ويحاولون فرض الأمر الواقع على حكومات الدول الأوروبيّة المنتصرة.
وافق رضا الركابي، بعد استلامه السلطة في دمشق، في2 تشرين الأوّل، على البرقيات التي ارسلها محمد سعيد الجزائري الى بيروت والمدن الساحليّة الأخرى، وعلى قيام حكومات عربيّة فيها.
انه قرّر، بالاضافة الى ذلك، ارسال شكري الأيوبي الى بيروت حاكماً عسكرياً مع قوّة عربيّة رمزيّة.
كان الركابي منتسباً الى جمعيّة العربيّة الفتاة ورئيساً لبلديّة دمشق، وكان من المدافعين عن العروبة، ولكنّه كان ينتمي الى تيار وطنّي قوّمي يتردّد في ترك القيادة للحجازييّن، وكان هذا التيّار يضّم عدداً من الشخصيات المقيمة في سوريا واخرى من الجاليات في بلاد الإغتراب.
وقد اتخّذ بعضها علانيّة موقفاً معادياً للهاشمييّن.
ففي25 تشرين الأوّل مثلاً، وجّه نداءٌ الى”الدول الكبرى التي حرّرت سوريّة"، يحتّج فيه الموقعون على “دخول القبائل العربيّة دمشق وعلى تدخل الحجازيّين في شؤون سوريا"، ويؤكد انه” لا يوجد اي رابط قومي بين هذه القبائل ذات الأنطمة البدائيّة [….
] والشعب السوري".
وفي النهاية يرجو النداء من الدول الكبرى”ان تفصل القضيّة السوريّة عن القضيّة العربيّة”وان تنشئ دولة سورية موحدّة ومستقلّة و"منفصلة كلياً عن المناطق الأخرى الناطقة باللغة العربيّة".
يبدو ان الركابي لم يكن بعيداً عن هذه الأفكار، وقد قرّر، بالاتفاق مع عدد من قادة الحركة الوطنيّة، ارسال شكري الأيوبي الى بيروت ليضع فيصل والحلفاء امام الأمر الواقع، ربما لأنه كان يخشى ان يقدم الهاشميّون تنازلات لفرنسا في المنطقة الساحليّة.
لم يكن باستطاعة فيصل ان يتنكّر لإجراء كهذا، فلو فعل لخسر شعبيته في سوريّة بكاملها.
نذكّر هنا بان جبل لبنان وساحله كانا خاليين من الجيوش الحليفة التي لم تدخلهما إلا في الثامن من تشرين الأوّل.
لذا اعتبر الركابي ورفاقه ان الإستيلاء عليهما، ولو بقوّة عسكريّة رمزيّة، قبل وصول القوات البريطانيّة، يحوّلهم ضمنًا الى الدولة العربيّة، طبقاً لما ورد في"التصريح الموّجه الى السبعة”الذي تكلمناعنه سابقاً.
لقد اعترفت بريطانيا للعرب، في هذا التصريح، بالسيادة التامّة على الأراضي التي حرّروها بأنفسهم من النير العثماني.
لكن الجنرال الإنكليزي كلايتون (clayton) رفض تطبيق هذا المبدا على بيروت والساحل، وابرق الى حكومته يقول:
”يمكننا التاكيد، بكل صدق، ان جلاء الأتراك عن بيروت اتى نتيجة لاستيلاء القائد الأعلى البريطاني ]اي اللنبي[ على دمشق، ولم يكن نتيجة لعمل عسكري قام به العرب".
دعم اللنبي، عن غير قصد، بالاجراءات التي اتخذها، موقف الركابي واضعف موقف فيصل.
كان هدفه في الأساس ابعاد الأمير عن الإدارة المحليّة ليتفرّغ لقيادة القّوات العربيّة.
لذا ثبت الركابي في حكم منطقتي”أ”و"ب”من اتفاقيّة1916، اي سوريا الداخليّة.
سرعان ما ادرك اللنبي انه اخطأ في قراره هذا لأن الركابي لم يكن مديناً بشيئ لبريطانيا ولم يكن ملزماً بمراعاة الإتفاقات المعقودة بينها و بين حليفتها فرنسا.
4_حسم الوضع في دمشق وفي المنطقة الساحليّة وتصفيّة الحسابات بين فيصل والجزائريّين قبل وصول اللنبي وفيصل الى دمشق، كان قرار ارسال الأيوبي الى بيروت قد اتخذ، وقد غادر مع مئة فارس وعدد من المرافقين، منهم جميل الألشي ورفيق التميمي ورستم حيدر، في ليل 3الى4 تشرين الأول كما ذكرنا، وبات تلك الليلة في خان ميسلون، وتابع سيره في صباح اليوم التالي، 4 تشرين الأول، باتجاه راشيا، فحاصبيا، فصيدا، ووصل بيروت في السابع من تشرين الأول حيث استقبل بحفاوة، وصعد في الثامن منه الى بعبدا حيث اعلن اعادة امتيازات المتصرفيّة التي كان الباب العالي قد الغاها خلال الحرب، واجتمع بحبيب باشا السعد، رئيس مجلس الإدارة الذي كان جمال باشا قد حلّه في آذار1915، وعيّنه حاكماً مكان الأميرين مالك شهاب وعادل ارسلان، فأقسم السعد يمين الولاء للملك حسين ولحكومة فيصل.
ذكرنا ان اللنبي دخل دمشق في 3 تشرين الأول ونزل في فندق فيكتوريا حيث قصده فيصل حال وصوله.
اتسّمت المقابلة بين الرجلين بشيئ من التوّتر وحضرها لورانس كمترجم، كما حضرها نوري السعيد والقائد الأوسترالي شوفيل وعدد من الضباط الإنكليز.
افهم اللنبي الأمير انه تلقى تعليمات من حكومته تنصّ على ان الأراضي التي احتّلتها الجيوش الحليفة تعتبر"اراضي العدو”وهي تحت امرته وان بريطانيا مسؤولة عن ادارتها، وانه سيوكل الى فرنسا ادارة المنطقة الساحليّة، وذلك تطبيقاً للاتفاق المعقود بينها وبين بريطانيا العظمى.
لم يتوقف لورانس في”اعمدة الحكمة السبعة”عند هذا اللقاء.
انه يذكر فقط ان اللنبي سلّم فيصلاً برقية مرسلة من وزارة الخارجية في لندن تعترف فيها بريطانيا للعرب بصفة”حلفاء محاربين”و طلب منه ان يترجمها للامير.
أما الجنرال الأوستر لي شوفيل، فيصيف هذا اللقاء بإسهاب ويأكد أنا اللنبي قال ليفصل أن المنطقة العربية ستضم سوريا الداخلية فقط وستكون المنطقة الساحلية، باستثناء فلسطين، تحت الإدارة الفرنسية المباشرة، وانه يتوجب على الامير ان يتعامل مع الفرنسيين بواسطة ضابط ارتباط فرنسي، وان هذا الضابط سيتعامل مع لورانس.
احتج فيصل على حصر حدود الدولة العربية بالمنطقة الداخلية من سورية وأجاب انه على استعداد للتعاون مع الفرنسيين.
يقول شوفيل ان القائد العام البريطاني نظر انذاك إلى لورانس وسأله:
”أفلم تقل له ان سورية ستكون تحت الحماية الفرنسية”، اجاب لورانس”كلا، لاني لم اكن اعرف ذلك”، تابع اللنبي”كنت بالتأكيد تعرف انه غير مسموح لفيصل ان يتدخل بشؤن لبنان".
اجاب لورانس:
”كلا، وهذا لم اكن اعرفه".
استمر الحديث في هذا الجو الضاغط بعض الوقت، فانهاه اللنبي بقوله لفيصل انه هو القائد العام للجيوش الحليفة، وان الامير، قائد القوات العربية، وهو تحت إمرته، وعليه ان ينفذ ما يطلب منه .
أما مصير المنطقة الساحلية ومصير لبنان وحدود الدولة العربية، فكلها امور ستتم معالجاتها عند انتهاء الحرب .
غادر فيصل للحال.
أما لورانس فتابع حديثه مع اللنبي لدقائق معدودة وقال للقائد العام انه يرفض ان يتعاون مع ضابط ارتباط فرنسي، وربما من الافضل له ان يعود إلى انكلترا.
اجاب اللنبي للحال:
”أنا اوافق على عودتك".
غادر لورانس دمشق في اليوم التالي، 4تشرين الاول، وذهب إلى القاهرة ومنها إلى لندن في15 من الشهر عينه.
في تلك الأثناء، كان الفرنسيون يمارسون شتى أنواع الضغط على الحكومة البريطانية لتمنع فيصلا وجماعة الركابي من الامساك بالمنطقة الزرقاء من اتفاق سايكس- بيكو.
ففي اليوم الذي توجه فيه شكري الأيوبي إلى بيروت، احتج مساعد المفوض السامي الفرنسي، الكابتن كولوندر()، لدى الجنرال البريطاني كلايتون () على هذا القرار، ولكن كلايتون تهرب من الموضوع وغادر بسرعة إلى فلسطين حيث مركز القائد العام.
فما كان من كولندر الا ان طلب موعدا من فيصل، وفي الوقت نفسه، الح على حكومته كي تامر الاسطول الفرنسي في المتوسط بالتوجه بسرعة إلى بيروت وبالقيام بعملية انزال في المدينة.
التقى كولندر فيصلا في6 تشرين الاول ووجه اليه اللوم لانه وافق على ارسال الأيوبي إلى بيروت على الرغم من التفاهم الذي كان قد جرى بشأن المنطقة الساحلية في اذار1917، في جدة، مع مارك سايكس وافرانسوا جورج- بيكو والذي يفرض عليه ، على أي حال، الحصول على موافقة الحكومة الفرنسية قبل الاقدام على خطوة من هذا النوع .
اجاب فيصل ان همه الوحيد هو طرد الأتراك من البلاد العربية ;أما المسائل السياسية فيترك معالجتها للسياسين.
اضاف الامير ان الغاية من ارسال الأيوبي هي الحفاظ على الأمن ليس إلا .
خلال هذه الايام نشطت الاتصالات بين حكومتي باريس ولندن وبين هاتين الحكومتين وقادة الجيوش الحليفة المنتصرة في الشرق .
ففي5 تشرين الاول، تلقى الاميرال فارنيه()، قائد المجموعة البحرية الفرنسية في سورية، امرا بمغادرة بور سعيد والتوجه إلى بيروت، فدخل المرفا في السابع من تشرين الاول، فاستقبل بحماس شعبي .
وفي اليوم التالي دخلت المدينة فرقة المشاة السابعة الهندية دخل بعدها الجنرال بلفين () قائد الفيلق البريطاني الحادي والعشرين، يرافقه الكولونيل دو بيابات ()، مع مفرزة من القوات الفرنسية.
وفي اليوم عينه، 8تشرين الاول، ابرق وزير الخارجية الفرنسي إلى كلوندر يقول له:
”ان دخول الاميرال فارني بيروت والحفاوة التي استقبل بيها يشكلان، بالنسبة الينا، نقطة ارتكاز لكي نرفض، بالاتفاق مع الجنرال اللنبي، اخضاع أي قسم من المنطقة الزرقاء لإدارة ممثلي الأسرة الهاشمية .
لا مجال للتفاوض حول هذه النقطة ولا يجب ان تناقشها مع الأمير فيصل .
علينا فقط ان نبلغه قرارنا الذي سيلاقي دون شك الدعم اللازم من الجنرال اللنبي[.
.
] أما فيما يخص لبنان ، فعليك ان تجتمع بأعضاء مجلس الإدارة .
انهم يعلمون ان الحلفاء لا ينوون اضعاف السلطة اللبنانية [.
.
.
] نحن مستعدون للاعتراف بسلطة مجلس الإدارة على بيروت والبقاع وطرابلس إذا رغب سكان هذه المناطق في الانضمام إلى لبنان.
.
".
التقى كولندر في ليل8 إلى 9 تشرين الاول، الجنرال اللنبي في القدس ، فقال له القائد العام انه عين الكولونيل دو بيابات حاكما عسكريا على بيروت ومسؤولا عاما عن الإدارة العسكرية في المنطقة الزرقاء من اتفاقية1916، وانه اصدر اوامره بهذا الشأن إلى الجنرال بلفن()، ثم اضاف:
”ان الحاكم العسكري الذي عينه فيصل، مر دون ان يكون له حق في ذلك، لم يعد منذ الآن في الوظيفة”.
لام اللنبي كولندر لانه فاوض فيصلا بشأن المنطقة الساحلية وكرر له ان مسألة تعيين الحكام هي من صلاحيات القائد العام وليست من صلاحيات فيصل الذي يعتبر فقط جنرالا من جنرالات الجيوش الحليفة .
في اليوم عينه، ابرق وزير الخارجية الفرنسي إلى كولندر يطلب منه الانتقال بسرعة إلى بيروت والعمل على تشجيع السكان على القبول بضم بيروت وطرابلس والبقاع و متصرفيّة جبل لبنان في دولة واحدة ، مركزا على المنافع التي يجنيها الجميع من هكذا عملية.
هكذا حزم الفرنسيون امرهم ، ثم عيناو الجنرال هاملان(hamelin)، قائدا لقواتهم في سوريا بدلا من الكولونيل دو بيابات لان رتبة هذا الاخير لا تسمح لا بأن يفاوض اللنبي ندا لند.
وبدأوا بتوزيع المساعدات الغذائية مباشرة على المعوزين في بيروت ودمشق دون المرور بالحكومة العربية .
نفّذ الجنرال بلفين بسرعة اوامر اللنبي :
ففي ليل10 إلى11 تشرين الاول استولت سرية من الجيش البريطاني على سراي الحكومة في بيروت وانزلت العلم العربي .
أما الأيوبي فمنع من دخول المبنى وطلب منه مغادرة البلاد.
ولما رفض الامتثال للامر، هدده بلفين باستعمال القوة ضده، فرضخ.
ادرك فيصل ان هامش المناورة امامه اصبح ضيقا وانه من الصعب عليه الوقوف في وجه الحلفاء المنتصرين .
في المنطقة الساحلية، أنزلت الأعلام العربية عن الأبنية الرسمية وحلّ ضباط فرنسيون محل الضباط الذين عينتهم دمشق.
في المتصرفية، بقي حبيب باشا السعد في وظيفته مع أعضاء مجلس الإدارة.
وفي البقاع إستمر الموظفون السابقون في مراكزهم.
إنتظر كولندر ودو بياباب تعليمات القائد العام قبل إتخاذ أية خطوة بشأن الجبل.
إجتمع اللنبي بفيصل في دمشق وأبلغه أنه قسم أراضي العدو العثماني المحتلة إلى ثلاث مناطق:
جنوبية، أي فلسطين، بإدارة بريطانية، وشرقية، اي سوريا الداخلية، بإدارة عربية، وشمالية72، أي الساحل، بإدارة فرنسية.
وفي الوقت عينه، حدّ اللنبي من صلاحيات الركابي وأطلق يد فيصل في إدارة منطقتي ”أ” و"ب” من إتفاقية 1916.
وفي 22 تشرين الأول أصدر الحاكم قراراً سمّى فيه الأقضية التي تضم كل من هذه المناطق وعيّن، بصورة رسمية، حكّامها العسكريين:
الجنرال مونيه (Money) للمنطقة الجنوبية، والجنرال دوبياباب للمنطقة الشمالية وعلي رضا الركابي، طبعاً تحت إشراف فيصل، للمنطقة الشرقية.
شكّلت متصرّفية الجبل ومعها سهل البقاع جزءاً من المنطقة الشمالية.
أصبح بإستطاعة الفرنسيين – وكانت قواتهم التي شاركت في القتال على جبهة فلسطين وقد وصل الى بيروت في 20 تشرين الأول – أن يحسموا مسألة الحكم في المتصرّفية.
وفي النهاية قرّ الرأي على تعيين الكابيتان بوشير(Beuscher) قائد السرية اللبنانية – السورية في القوات الفرنسية القادمة من فلسطين، حاكماً عسكرياً، وعلى تثبيت مجلس الإدارة برئاسة حبيب باشا السعد، صعد دو بياباب، في 25 تشرين الأول، الى بعبدا حيث استقبل بحفاوة، فوضع هذه القرارات موضع التنفيذ.
أما سهل البقاع، فطلب اللنبي من دو بياباب تأجيل الاستيلاء عليه وتأجيل ضمّه الى المنطقة الزرقاء الى وقت لاحق.
في 31 تشرين الأول، وقّع الأتراك على هدنة مودروس.
وفي الثامن من تشرين الثاني، أصدرت الحكومتان الفرنسية والبريطانية تصريحاً مشتركاً يتعلّق بمصير الأراضي المسلوخة عن الدولة العثمانية، كان الهدف منه تبديد مخاوف العرب وطمأنة الرئيس ولسون صاحب مبدأ حق تقرير المصير.
وممّا جاء في هذا التصريح:
”إن الهدف الذي عملت لأجله فرنسا وبريطانيا العظمى، في متابعتهما في الشرق الحرب اتي أثارتها مطامح إلمانيا، هو التحرير التام والنهائي للشعوب التي طالما رزحت تحتى النير التركي، وإقامة حكومات وإدارات وطنية تستمد سلطتها من مبادرة السكان الأصليين وخيارهم الحر.
لا تسعى الدولتين الى فرض أية مؤسّسات على هؤلاء السكان، وإن هاجسهما الوحيد هو توفير الدعم والمساعدة لهم لكي يؤمنوا انتظام العمل في الحكومات والادارات التي يختارونها لأنفسهم.
".
إطمأن العرب لهذا التصريح، وكان اللنبي قد أكد لفيصل أن التقسيمات الإدارية التي اعتمدها في الأراضي العثمانية المحتلّة هي مؤقة وأن مصير هذه الأراضي سيقرره مؤتمر الصلح.
أخذ فيصل يستعد للسفر الى باريس للمشاركة في المؤتمر، ولكنه كان يخشى أن يترك وراءه، في سوريا، الأخوين الجزائريين سعيد وعبد القادر البذين كانا يحاولان التقرب من الفرنسيين، لذا قرر تصفية حساباته معهما قبل سفره.
ففي 9 تشرين الثاني، أصدر حاكم سوريا العسكري، على رضى الركابي، أمر باعتقال الأميرين وإرسالهما الى المنفى، مؤكداً أنه يفعل ذلك بأمر من الحكومة البريطانية ومن الأمير فيصل.
أرسل الركابي رجال الأمن للقبض على الأميرين.
إنصاع محمد سعيد وسلم نفسه وكان نصيبه بعد ذلك النفي الى فلسطين.
أما عبد القادر فتبادل إطلاق النار مع رجال الأمن وأدى الحادث الى مصؤعه والى سقوط عدد من القتلى والجرحى.
هكذا تخلص فيصل من الأميرين الجزائريين.
لم يضع مقتل الأمير عبد القادر حداّ للصراع على السلطة بين القوى المحلية الثلاث التي ذكرناها في مطلع هذا البحث.
فالقيادات والأحزاب الوطنية القومية السورية التي قبلت على مضض زعامة الهاشميين كانت لهم في المرصاد تراقب تحرّكاتهم وأعمالهم لتنقضّ عليهم عند أول خطأ يرتكبونه.
هذه القوى هي التي أجهضت كل محاولات التقرب من فيصل وفرنسا، منها اتفاق 6 كانون الثاني 1920، وكانت تسيطر على المؤتمر السوري وعلى اللجنة الوطنية العليا في دمشق.
أما فيصل، فكلّما مرت الأيام كلّما ضاق في وجهه هامس المناورة.
إنه دافع عن القضية العربية في مؤتمر الصلح وأحرز بعض النجاح في ربيع 1919، بفضل الدعم الذي يلقاه من الرئيس الأميركي ولسون ومن الحكومة البريطانية.
وقد أتى تقرير لجنة كينغ – كراين لصالحه.
لكن الحكومة البريطانية ألقت به في أحضان فرنسا بعد أن وقعت مع باريس، في أيلول 1919، إتفاقاً بشأن الأراضي المسلوخة عن الدولة العثمانية.
فاضطر الأمير الى مفاوضة الفرنسيين من جديد والتوصل معهم الى اتفاق 6 كانون الثاني 1920 ولكنه عجز عن تنفيذه بسب رفض القيادات السورية له.
أعلن فيه استقلال سوريا ونصّبه ملكاً عليها.
وهذا ما وتر العلاقات بينه وبين الحلفاء وأدى الى معركة ميلسون في تموز 1920 والى سقوطه.
أما الأمير محمد سعيد الجزائري، فبعد مقتل أخيه، نُفي، كما ذكرنا، الى فلسطين، لكنه ظلّ يحلم بعرش سوريا.
فحاول التقرب من الفرنسيين ولكن هؤلاء لم يدعموه ولم يكونوا يثقوا به.
وبعد معركة ميلسون، وبالتحديد في شهر آب 1919، رشح سعيد نفسه علانية لاعتلاء عرش سوريا، ووجه رسالة بهذا الخصوص الى ستيفن بيشون وزير خارجية فرنسا، يعرض فيها الأعمال التي قامت بها أسرته دفاعاً عن مصالح الحلفاء وعن مصالح فرنسا، ويذكر مقتل أخيه غدراً عن أيدي عملاء الإنكليز وعلى أيدي أتباع فيصل أعداء الفرنسيين.
أثار تقرب الأمير محمد سعيد من الفرنسيين وترشيح نفسه لعرش سوريا غضب فيصل وغضب البريطانيين، فما كان من اللنبي إلا أن أصدر أمراً، في 16 آب 1919، باعتقال الأمير الجزائري من جديد ونفيه اى مصر.
فهاجمت منزله في بيروت قوة من الجيش البريطاني واعتقلته على الرغم من أنه كان يتمتع بالحماية الفرنسية وأن العملية تمت في قلب المنطقة الزرقاء الخاضعة للإدارة الفرنسية المباشرة.
كادت هذه الحادثة تسبب بأزمة دبلوماسية بين باريس ولندن.
هذا كان مصير الأسرتين الجزائريتة والهاشمية الطامحتين بالعرش السوري.
أما زعماء الحركات الوطنية فتشتتوا بعد معركة ميسلون، هاجر قسم منهم الى الأردن وفلسطين، وقسم الى مصر وقسم الى العراق.
وقد أفاد دعاة القومية اللبنانية والمنادون بلبنان الكبير من هذه الظروف لفرض خياراتهم.
أما البريطانيون والفرنسيوون، فبعد مرحلة من الصراع المتّسم أحياناً بالحدّة والعدوانية، سووا خلافاتهم المتعلّقة بالشرق الأوسط في إطار مؤتمر سان ريمو حيث تم رسميا فرض الإنتداب الفرنسي على سوريا ولبنان والإنتداب البريطاني على فلسطين والعراق.
ولادة دستور لبنان عام 1926 لقد أثارت نشأة دستور 1926 جدلاً بين رجال السياسة وبين المؤرخين اللبنانيين إذ اعتبر بعضهم أن هذا الدستور قد أعدته السلطة المنتدبة، وأنه نسخة عن دستور الجمهورية الثالثة الفرنسية، بينما رأى آخرون انه بالعكس نتاج لبناني محض، وأنه حصيلة الجهد الذي بذلته اللجنة المنبثقة عن المجلس التمثيلي والذي بذله بنوع خاص أحد أعضائها البارزين ميشال شيحا.
لقد احتدم هذا الجدل في السبعينيات ولفت في حينه انتباهي، فقررت منذ ذلك التاريخ الخوض في الموضوع علني أستطيع ان ألقي عليه أضواء جديدة تساعد على الإجابة عن السؤال المطروح:
من وضع الدستور اللبناني؟
انتظرت سنوات عدة قبل الانطلاق بهذا المشروع وذلك لأنه كان علي في أول الامر ان أتفحص عددًا من الملفات المحفوظة في الأرشيف الفرنسي وفي لبنان فقصدت أرشيف وزارة الخارجية في باريس وأرشيف الجيش البري في وأرشيف المفوضية العليا الفرنسية في نانت وأرشيف هنري دو جوفنيل في مدينة(Tulle)، وأرشيف عصبة الأمم في جنيف وأرشيف البطريركية المارونية في بكركي.
كما اطلعت على عدد لا يستهان به من المصادر والمراجع.
قمت بعد ذلك بإعداد دراسة شاملة عن الموضوع باللغة الفرنسية صدرت في بيروت في أواخر العام 1996 وهي بعنوان "ولادة دستور لبنان عام 1926".
ساحاول في القسم الاول من هذا البحث أن أرسم بإيجاز الإطار التاريخي الذي أعد فيه الدستور وهو إطار الانتداب الدولي.
وسأعرض في القسم الثاني المشاريع الأولى للدستور او للقانون الأساسي، كما كانوا يسمونه آنذاك، لاسيما تلك التي طبعت في العامين 1924 و1925.
وسأكرس القسم الثالث للمرحلة الأخيرة وهي مرحلة حكم المفوض السامي هنري دو جوفنيل التي امتدت من تشرين الثاني 1925 حتى آيار 1926 والتي شهدت ولادة الدستور في صيغته النهائية، أي الصيغة التي صوت عليها المجلس التمثيلي بالإجماع في تمام الساعة الواحدة والنصف من صباح 23 آيار 1926.
نظام الانتداب الدولي والقانون الأساسي ولد نظام الانتداب الدولي عام 1919 في الأجواء التي سادت مؤتمر الصلح المنعقد في باريس.
وضع هذا النظام بإصرار من الرئيس الأميركي ولسن ليطبق على المستعمرات الألمانية السابقة وعلى الولايات التي سلخت من السلطنة العثمانية.
كان على الدولة المنتدبة ان تمارس باسم عصبة الأمم وصايتها على الأراضي التي عهد إليها بها.
حددت صلاحياتها في وثيقة عرفت بصك الانتداب.
كانت مهمتها من الناحية المبدئية تنحصر في مساعدة السكان الاصليين على إدارة شؤونهم ريثما يبلغون درجة من التطور تسمح لهم بالانتقال إلى مرحلة الحكم الذاتي.
وقد اعطي هؤلاء السكان حق الطعن بسياستها امام العصبة.
إن النص الأساسي الذي قام عليه نظام الانتداب هو المادة الثانية والعشرون من ميثاق عصبة الأمم الذي تبناه مؤتمر الصلح في الثاني والعشرين من نيسان 1919 وقد ورد في الفقرة الأولى من تلك المادة :
"تطبق المبادئ التالية أي مبادئ الانتداب على المستعمرات والأراضي التي، نتيجة الحرب، لم تعد تخضع لسياسة الدول التي كانت تحكمها من قبل، والتي تسكنها شعوب لا تزال عاجزة عن إدارة شؤونها بنفسها بسبب الأوضاع الصعبة للعالم المعاصر.
إن رفاهية هذه الشعوب وتطورها يشكلان رسالة تحضير مقدسة.
ويجدر بنا أن ندخل في هذا الميثاق ضمانات تكفل تحقيق هذه الرسالة".
يعتبر هذا النص إذًا الشعوب التي تحررت من سيطرة الدول المغلوبة، شعوبًا قاصرة عاجزة عن إدارة شؤونها بنفسها، وهي بالتالي بحاجة إلى حماية القانون الدولي.
يعتبر ان هذه الحماية هي بمثابة رسالة تحضير مقدسة، وقد اوضحت الفقرة الثانية من المادة 22 نفسها أنه سيوكل بتلك الرسالة إلى الأمم المتحضرة واكدت الفقرة الثالثة ان الانتداب سيأخذ بعين الاعتبار مستوى التطور الذي بلغه كل من الشعوب المعنية.
ولذلك فإنه سيكون على درجات.
أما في ما خص الشعوب التي تحررت من النير العثماني فقد ورد بشأنها في الفقرة الرابعة من المادة 22 المذكورة أعلاه ما يلي:
"إن بعض المجموعات التي كانت تنتمي سابقًا إلى السلطنة العثمانية قد بلغت درجة من التطور تسمح بالاعتراف بها مؤقتًا كأمم مستقلة شرط ان يعهد إلى دولة منتدبة في تقديم الارشادات والمساعدة لها في تنظيم إداراتها إلى حين تصبح قادرة على تنظيمها بنفسها.
إن المبادئ التي فرض على الدولة المنتدبة التقيد بها حددت كل حالة، هي وثيقة منفردة وافقت عليها عصبة الأمم، عرفت كما ذكرنا سابقًا بصك الانتداب، فقد ألزمت فرنسا بموجب المادة الأولى من صك الانتداب على لبنان وسوريا بان تعد نظامًا أساسيًا للبلدين في مهلة لا تتعدى الثلاث سنوات من تاريخ وضع الانتداب موضع التنفيذ وقد ورد في النص ما يلي:
"يعد النظام الأساسي بالاتفاق مع السلطات المحلية وتؤخذ فيه بعين الاعتبار حقوق جميع الشعوب الساكنة في الأراضي المذكورة وكذلك مصالحها ورغباتها.
على الدولة المنتدبة أن تشجع على إنشاء كيانات محلية مستقلة إداريًا وذلك بقدر ما تسمح به الظروف".
لم يحدد صك الانتداب من المقصود بعبارة السلطات المحلية، هل هي الزعامات التقليدية؟
هل هم رؤساء الطوائف الدينية؟
هل هو المجلس التمثيلي؟
هل هي سلطات جديدة منتخبة؟
وكذلك لم يوضح كيف يمكن ان ياخذ بعين الاعتبار رغبات جميع الشعوب التي تسكن لبنان وسوريا لاسيما إذا ظهر أن هذه الرغبات تتعارض فيما بينها أو تتناقض مع مبدأ الانتداب.
إنه أخيرًا يحث الدولة المنتدبة على تشجيع الكيانات المحلية ذات الاستقلال الإداري ولكنه لا يعطيها توجيهات واضحة بشأن عدد الدول التي يمكن أن تنشئها في المشرق.
هل كان عليها أن تكتفي بدولتي لبنان وسوريا أم بإمكانها تخطي هذا العدد وتجزئة سوريا إلى دويلات عدة؟
إن ما ورد في الصك بهذا الشأن يكتنفه الغموض.
هناك سؤال آخر يتعلق بالمادة الاولى من الصك "ماذا تعني عبارة النظام الأساسي؟
هل هذا النظام هو مجموعة التشريعات المتنوعة التي تكون الدولة المنتدبة قد أصدرتها بهدف تنظيم شؤون البلاد السياسية والإدارية؟
ام هو نص دستوري واحد متماسك يصدر عن جمعية تأسيسية؟
لقد شكلت كل هذه النقاط موضوع خلاف بين المسؤولين الفرنسيين أنفسهم وبينهم وبين اللبنانيين.
وسأتطرق إلى بعض جوانب هذا الخلاف في القسم الثاني من هذا البحث.
المشاريع الأولى للنظام الأساسي 1924 ، 1925.
لقد صدق مجلس العصبة على صك الانتداب على سوريا ولبنان في 24 تموز 1922، ولكن هذا الصك لم يصبح ساري المفعول إلا في 29 أيلول 1923، بعد ان سوي الخلاف بين فرنسا وإيطاليا بشأن مصير الشرق الادنى، إذ إن هذه الأخيرة كانت تعتبر انها لم تحصل على حصتها من تركة الدولة العثمانية، لذا كانت تطالب لنفسها بالانتداب على سوريا.
كان على فرنسا إذًا بمقتضى صك الانتداب ان تضع قانونًا أساسيًا للبلاد في مهلة لا تتعدى الثلاث سنوات ابتداء من أيلول 1923.
وكان المسؤولون في باريس في عامي 1923 و1924 يعتبرون أن إعداد مثل هذا القانون هو عملية سهلة للغاية تقوم على جمع النصوص التشريعية التي صدرت حتى هذا التاريخ في كل من البلدان الواقعة تحت الانتداب.
ثم عرضها على المجالس التمثيلية المحلية للمصادقة عليها وتقديمها بعد ذلك إلى عصبة الأمم باعتبارها تشكل النظام الأساسي المطلوب.
وقد كتب رئيس الوزراء وزير الخارجية ريمون بوانكارييه في كانون الأول 1923 إلى المفوض السامي الجنرال ويغان يقول :
"دون ان تنتظر انتهاء المهلة التي اعطيت لنا علينا أن نضبط جيدًا النصوص التشريعية المختلفة التي أصدرتها المفوضية العليا حتى هذا التاريخ والمتعلقة بولادة دولة لبنان والدول السورية وبحدودها وبتنظيم السلطات العامة والمجالس التمثيلية فيها.
وكذلك النصوص المتعلقة بالاتحاد الفدرالي السوري وبالعلاقات بين سوريا ولبنان".
يضيف رئيس الوزراء الفرنسي "إن السبيل الأكثر ملاءمة للحصول بسرعة على موافقة السكان التي نص عليها صك الانتداب هو الطلب من كل المجالس المحلية تبني مجموعة النصوص هذه واعتبارها النظام الأساسي المنتظر".
وقد أرفق بوانكاريه رسالته بلائحة من التشريعات التي برأيه يجب ان تشكل منها هذه المجموعة وترك الحرية للمفوض السامي ليزيد عليها ما يراه ضروريًا.
إن هذه النظرة إلى النظام الأساسي أثارت موجة من الاحتجاجات في الدول المشرقية الواقعة تحت الانتداب الفرنسي، عبرت عنها بصراحة الصحافة المحلية، وقد رفض المجلس التمثيلي اللبناني اقتراح بوانكاريه وطالب بجمعية تأسيسية منتخبة لإعداد هذا النظام.
إن الوثائق المحفوظة في الأرشيف الفرنسي تثبت أن مسألتي موافقة السلطات المحلية وإمتثال رغبات جميع السكان اللتين نصت عليهما المادة الأولى من صك الانتداب ظلتا في هذه المرحلة التمهيدية تثيران الشكوك والتساؤلات.
كانت السلطات الفرنسية تخشى إن هي استشارات الزعماء المحليين بشان تنظيم البلاد ان تجد نفسها أمام فيض من المطالب الوطنية المفرطة.
انتهت هذه المرحلة المتميزة بالريب والتردد في شهر تموز 1924 عندما أعد موظفو وزارة الخارجية الفرنسية مشروعًا موحدًا للنظام الأساسي يشمل لبنان الكبير والدول السورية الأربع:
دمشق، حلب، دولة العلويين، دولة الدروز.
تضمن هذا النص المشترك 63 مادة موزعة على خمسة أبواب.
خصص الأول منها للاحكام العامة.
والثاني للدول السورية الأربع.
والثالث لدولة لبنان الكبير.
والرابع للمصالح المشتركة.
والخامس للأحكام الانتقالية.
ذكر هذا المشروع بالحدود الجغرافية لكل دولة من الدول الخاضعة للانتداب الفرنسي وأعلن الأسس التي سيقوم عليها النظام السياسي وكذلك تلك التي ستوجه أعمال السلطات العامة وأوضح الصلاحيات التي ستحتفظ بها الدولة المنتدبة.
ونص أخيرًا على قواعد جديدة لإدارة المصالح المشتركة.
كانت الدولة المنتدبة حتى هذا التاريخ تعتبر ان إعداد النظام الأساسي هو من صلاحياتها الحصرية وأنه لا يعقل أن تناقش مضمونه لا مع الشعوب الواقعة تحت الانتداب ولا حتى مع عصبة الأمم.
يحق فقط لهذه الأخيرة أن تطلع عليه حين يصبح جاهزًا وذلك وفق ما ورد في المادة السابعة عشرة من صك الانتداب.
إن هذا المفهوم للنظام الأساسي قد توسع في عرضه رئيس الوزراء الفرنسي ووزير الخارجية إدوار هريو (Herriot) في رسالة موجهة إلى المفوض السامي الجديد الجنرال سيراي في مطلع عام 1925.
ركّز فيها على الفكرة القائلة بأن النظام الأساسي هو عمل تقوم به الدولة المنتدبة من جانب واحد.
هو مرسوم تصدره بنفسها.
اما استشارة السلطات المحلية بشأنه فتنحصر ببعض الوجهاء الذين عليهم أن يعبروا خطيًا عن رأيهم دون اية مناقشة.
إلى جانب ذلك، تعطي رسالة هريو المفوض السامي توجيهات عامة تتعلق بمستقبل الانتداب إذ تؤكد أن الهدف الجوهري لهذا النظام هو مساعدة السكان الأصليين حتى يبلغوا مرحلة الحكم الذاتي بعيدًا عن أية ممارسات ذات طابع استعماري.
فيطلب بالتالي رئيس الوزراء من سيراي بألا يحل مع أجهزة الانتداب محل الحكومات السورية ومحل الحكومة اللبنانية، بل أن يكتفي بدور الموجه الصالح للسلطة الكافية والكلمة المسموعة.
تعكس إرشادات هريو هذه الروح الجديدة التي سادت في باريس على أثر وصول اتحاد اليسار إلى الحكم عام 1924.
كما تعكس التوجيه الجديد الذي كانت الحكومة المنبثقة عن هذا الاتحاد تحاول أن تعطيه لنظام الانتداب.
أرفق هريو رسالته بمشروع للقانون الأساسي هو في الواقع النص الذي وضع في تموز 1924.
بعد ان أدخلت عليه وزارة الخارجية بعض التعديلات.
لكن المفوض السامي في بيروت ومعاونيه اعتبروا أن مشروع هريو والشروحات التي رافقته والتوجيهات الجديدة التي صدرت عن الحكومة الفرنسية تحد من صلاحيات سلطات الانتداب وتكبلها، مما يجعلها عاجزة عن القيام بالمهام الملقاة على عاتقها بموجب صك الانتداب وبالتالي عاجزة عن الإشراف على إدارة دول الشرق.
لذا قرر كبار موظفي المفوضية العليا في بيروت، بالاتفاق مع سيراي، إعداد مشروع مضاد.
وقد أعدوه فعلاً وأرسلوه إلى باريس في 22 آذار 1925، وتركوا فيه للمفوض السامي صلاحيات واسعة تخوله الحلول محل السلطات الوطنية كلما اعتبر أن هذه تقصر في الدفاع عن سلامة الأرض او أنها تسيء إلى المصلحة العامة، أو إلى المصالح المشترك.
اخذ موظفو وزارة الخارجية في باريس بعين الاعتبار هواجس سلطات الانتداب في بيروت فأدخلوا تعديلات على المشروع الأول، وأعدوا مشروعًا ثانيًا، قووا فيه صلاحيات المفوض السامي بشكل يسمح له بالاحتفاظ بزمام الأمور وباتخاذ كل الإجراءات التي يراها ضرورية كلما دعت الحاجة إلى ذلك.
في هذا الوقت كانت الصعوبات تتراكم أمام سيراي في دول الشرق.
إن سياسته المعادية للإكليروس وتدخله غير المبرر في شؤون لبنان دفعا بالأحزاب وبالصحافة اليمينية في فرنسا إلى القيام بحملة ضده، انتقل على أثرها الصراع إلى حلبة البرلمان الفرنسي، حيث أثير موضوع سيراي في اكثر من مرة.
يضاف إلى ذلك ان المفوض السامي حاول أن يدخل تعديلات جذرية على قانون الانتخاب اللبناني وأن يلغي التوزيع الطائفي لمقاعد المجلس.
فاصطدم بوزير الخارجية أرستيد بريان.
فما كان من هذا الأخير إلا أن رفع عنه مسؤولية إعداد القانون الأساسي وأوكل هذه المهمة في حزيان 1925 إلى لجنة من الاختصاصيين الفرنسيين يرأسها النائب جوزف --- .
درست هذه اللجنة مشاريع القانون الأساسي الثلاثة أي مشروع وزارة الخارجية الأول ومشروع سيراي ومشروع وزارة الخارجية الثاني المعدل.
إن العقبة التي واجهتها كانت مسألة مشاركة السلطات المحلية.
إذ ظهر خلاف حاد بين أعضاء اللجنة حول مستوى هذه المشاركة وطبيعتها.
وقد رأى روبير ديكاي أن الخبرة التي اكتسبتها الدولة المنتدبة تسمح بالقول إنها مطلعة على أماني السكان وأنه باستطاعتها بالتالي إعداد القانون الأساسي دون حاجة إلى استشارة هؤلاء.
ثم إنه نبه إلى خطورة اللجوء إلى مثل هذه الاستشارة، لاسيما إذا اتت نتائجها متناقضة مع بعضها البعض او صبت كلها في اتجاه لا يمكن أن تقبل به الدولة المنتدبة.
اما بول بونكور فكان له رأي معاكس.
وكان يطالب باستشارة شخصيات منتخبة لا شخصيات تختارها سلطات الانتداب.
في الاجتماع الثاني للجنة، في 10 تموز 1925 اقترح الأمين العام للمفوضية العليا فرشير دي ريفي (Verchère de Reffye) ان يقسم موضوع القانون الأساسي إلى شقين:
كل ما ينظم العلاقة بين الدول المنتدبة والشعوب الواقعة تحت الانتداب أي بين الوصي والقاصر من جهة وقد اطلق على هذا الشق تسمية النظام الانتدابي، وكل ما ينظم الأوضاع الداخلية للبلاد من جهة ثانية وقد سمي الدستور الداخلي (la constitution interieure)أكد ريفي ان التشريعات المتعلقة بالشق الأول هي من صلاحيات الدول المنتدبة دون سواها، عليها فقط ان تتقيد بالملاحظات التي قد تبديها بشانها عصبة الأمم.
أما التشريعات المتعلقة بالشق الثاني والتي سيستمر العمل بها حتى بعد زوال الانتداب فيمكن ان يشارك في وضعها ممثلو السكان.
وكانت المفوضية العليا في بيروت قد اعدت لائحة بالشخصيات التي يمكن ان تستشار.
وكان على هذه الشخصيات أن تبدي رأيها خطيًا في الموضوع.
لم يرغب بول بونكور باقتراحات أعضاء اللجنة التي كان يرأسها، فعلق اجتماعاتها في 21 تموز 1925 وأخذ يرسل التقرير تلو الآخر إلى وزير الخارجية مصرًا على ان تشارك في وضع القانون الأساسي هيئات منتخبة لا شخصيات يختارها المفوض السامي.
لكن موظفي وزارة الخارجية ترددوا في الأمر متأثرين بوجهة نظر روبيرت دي كاي وكان هذا يعتبر خبيرًا في شؤون الانتداب.
أعد دي كاي في 8 أيلول 1925 تقريرًا على الموضوع جاء فيه "إن بلدًا واقعًا تحت الانتداب لا يمكنه قانونيًا أن يشارك في وضع نظامه الأساسي إذا اعتبرت بعض المجموعات الشرقية غير قادرة على حكم نفسها دون وصاية دولة منتدبة.
فمن الحماقة بانها تستطيع أن تتخذ هي قرارات بشأن نظام الحكم الذي ستخضع له".
يضيف دي كاي "إن موافقة السلطات المحلية التي نصت عليها المادة الأولى من الصك تعني فقط انه يحق لهذه السلطات في ظل نظام الانتداب أن تبدي وجهة نظرها في الموضوع لا أن تشارك في اتخاذ القرار".
إن ما كتبه دي كاي يظهر بوضوح أن الجدل قد اتخذ منحى قانونيًا بالإضافة إلى المنحى السياسي.
إن مفهوم دي كاي للانتداب للقانون الأساسي هو الذي كان سائدًا في أوساط موظفي وزارة الخارجية في باريس وموظفي المفوضية العليا في بيروت.
وكذلك في الأوساط الفرنسية في عصبة الأمم.
وكان يقابله مفهوم آخر عبّر عنه بوضوح النائب بول بونكور الذي كان يصر على أن تطبق مبادئ الديمقراطية وألا يعد النظام الأساسي إلا بمشاركة المجالس المنتخبة في بلدان المشرق الخاضعة للانتداب الفرنسي.
في شهري أيلول وتشرين الأول 1925، ازداد ضغط بول - بونكور على الحكومة.
إن الوثيقة التي تعبر بوضوح عن وجهة نظره هي الرسالة التي وجهها إلى وزير الخارجية بريان (Briand) في 2 تشرين الثاني والتي يؤكد فيها أن التأخر في تنظيم اوضاع لبنان وسوريا هو السبب الرئيس للثورة التي تشهدها سوريا.
وأن أعمال اللجنة التي يرأسها لا يمكن أن تؤدي إلى نتيجة إيجابية ما لم يعاد النظر في تركيبة تلك اللجنة وفي نهجها وروحيتها.
ثم كتب بول – بونكور ما حرفيته.
"من الواضح جليًا أن هناك في الأساس سوء تفاهم جوهريًا.
ليس المطلوب منا أن نحكم مستعمرة ولا أن ننشئ محمية.
إن المطلوب هو أن ننظم الانتداب الذي أوكلت إلينا به عصبة الأمم.
هذا الانتداب الذي نمارسه على شعوب هي بدون شك متخلفة ولكنها تنتمي إلى حضارات عريقة لا يمكن أن يكون إلا منفتحاً ومبنياً على استشارة حقيقية للسكان لا على الخداع.
لا شك أن الاقتراحات التي تقدم بها أمام اللجنة ممثلو وزاراتهم لا تتوافق ولا بشكل من الأشكال مع اماني الشعوب المعنية.
علينا إذًا أن نضع حدًا لكل ذلك.
اقترح بول - بونكور في آخر رسالته أن يوكل بإعداد القانون الأساسي في كل دولة إلى لجنة تضم الزعماء الطبيعيين للسكان أو شخصيات منتخبة.
اما الدول التي تملك مجلسًا تمثيليًا ومنها لبنان فيجب بحسب رأيه أن تنبثق اللجنة فيها عن هذا المجلس.
إن موقف بول - بونكور الحازم والضغط الذي شكلته الثورة السورية والانتقادات العلنية التي وجهت إلى الدولة المنتدبة عبر الصحافة اللبنانية والسورية أرغمت موظفي وزارة الخارجية في باريس على تليين موقفهم.
فتبنى هؤلاء بشأن القانون الأساسي التمييز الذي كان قد اقترحه ريفي (Reffye) بين الشق الداخلي والشق المتعلق بتنظيم العلاقة بين المنتدب والدولة الواقعة تحت الانتداب.
فقبلوا بأن يوكل بالأول إلى السلطات المحلية.
هكذا انتصرت أفكار بول - بونكور.
أما الجنرال سيراي فبعد ان ازدادت النقمة عليه استدعته حكومته في أيلول 1925 معينة خلفًا له المدني هنري دو جوفنيل عضو مجلس الشيوخ.
إعداد الدستور اللبناني، المرحلة الأخيرة قبل أن ينتقل إلى بيروت حاول المفوض السامي الجديد أن يعيد الحوار بين فرنسا والمعارضة السورية اللبنانية، فالتقى عددًا من أركان تلك المعارضة في باريس أولاً ثم في القاهرة ولم يصل إلى لبنان إلا في 2 كانون الأول 1925.
في اليوم التالي وبمناسبة عرض عسكري في ساحة البرج في بيروت ألقى دو جوفنيل كلمة أعلن فيها بجملة مقتضبة المبدأ الأساسي الذي ستقوم عليه سياسته إذ قال:
"السلام لمن يريد السلام، والحرب لمن يريد الحرب".
وفي 4 كانون الأول زار المفوض السامي المجلس التمثيلي اللبناني، حيث صرح انه سيطلب من الحاكم ليون كايلا أن يدعو هذا المجلس إلى اجتماع استثنائي يوكل إليه خلاله إعداد دستور البلاد.
بعد يومين من هذا التاريخ أبلغ دو جوفنيل حكومته أنه سيدعو أيضًا العلويين إلى إعداد دستورهم.
في الواقع كان المفوض السامي يحاول أن يوطد مركز بلاده في المنطقة الساحلية حيث النفوذ الفرنسي لا يزال قويًا.
كان يرغب بالإضافة إلى ذلك في ان يثبت السوريين في المناطق الداخلية أن مصلحتهم تقتضي وقف القتال كي يستطيعوا هم أيضًا كاللبنانيين والعلويين بناء مؤسساتهم الديمقراطية.
اجتمع المجلس التمثيلي اللبناني في 10 كانون الأول وانتخب لجنة لإعداد الدستور مؤلفة من 12 عضوًا موزعين على الشكل التالي:
اثنان من الأورثذكس وهما شبل دموس وبترو طراد، ثلاثة من الموارنة وهم جورج زوين، روكز أبو نادر، وجورج تابت، واثنان من السنة وهما عمر الداعوق وعبود عبد الرزاق، اثنان من الشيعة وهما صبحي حيدر ويوسف الزين، درزي واحد وهو الأمير فؤاد إرسلان الذي استقال لأسباب صحية فانتخب مكانه جميل تلحوق.
وأخيرًا ممثل واحد عن الروم الكاثوليك وهو يوسف سالم، وممثل عن الأقليات وهو ميشال شيحا.
كان على اللجنة أن تعمل تحت إشراف رئيس المجلس التمثيلي موسى نمور لذا عرفت بلجنة 13.
في اليوم نفسه الذي انتخبت فيه لجنة الدستور في لبنان وجه دو جوفنيل نداء إلى السوريين جاء فيه:
"إني أخاطبكم كصديق لأقول لكم إن مصيركم هو بين أيديكم.
اليوم في العاشر من كانون الأول يجتمع المجلس المنتخب من قبل إخوانكم في لبنان وقد طلبت منه ان يتداول في موضوع الدستور والنظام الأساسي.
فلو كانت الدول السورية تتمتع بنعمة السلام التي يتمتع بها لبنان لجرى فيها ما يجري الآن في هذا البلد".
لم يستجب الثوار لهذا النداء بل كثفوا نشاطاتهم في سهل البقاع وعلى الحدود الجنوبية الشرقية للبنان.
واستنفروا مؤيدي الوحدة السورية لكي يمنعوا الدولة المنتدبة من استعادة المبادرة في الميدانين العسكري والسياسي.
في هذه الأجواء قرر سنّة المدن الساحلية في لبنان الكبير عدم المشاركة في إعداد الدستور وطالبوا مجددًا بالانضمام إلى سوريا وأبلغوا قرارهم هذا إلى رئيس المجلس التمثيلي وإلى المفوض السامي.
وهكذا فعل المجلس البلدي في بعلبك.
فما كان من سلطات الانتداب إلا أن قامت بهجوم مضاد.
أصدر الحاكم كايلا قرارًا حل بموجبه مجلس بلدية بعلبك ثم أتبعه بتعميم موجه إلى جميع موظفي دولة لبنان الكبير يحذرهم فيه من القيام بأي نشاط يهدد وحدة الوطن الذي هم في خدمته.
ولكي يضمن عدم انضمام الطائفة الشيعية إلى التيار الوحدوي اتخذ الفرنسيون بعض الإجراءات التي تصب في مصلحة تلك الطائفة، أهمها الاعتراف بالمذهب الجعفري وإنشاء محكمة تمييز جعفرية في بيروت بعد موافقة المجلس التمثيلي على ذلك.
في المناطق الداخلية من سوريا، باستثناء سنجقي دمشق وحوار، حيث كان الأمن مضطربًا، نظم الفرنسيون انتخابات عامة.
على الصعيد العسكري طلب دو جوفنيل إمدادات من حكومته مما سمح له بحصر الثورة في مناطق معينة، ثم إنه عمل على تحسين العلاقات مع تركيا ليمنع أي تواطؤ بين السوريين والكماليين.
فوقع بالحروف الاولى مع حكومة انقرة في 18 شباط 1926 اتفاقية صداقة وحسن جوار.
في هذا الوقت كانت لجنة 13 في لبنان قد انكبت على العمل فقررت إطلاق استشارات واسعة تطال ممثلي الجمعيات الاقتصادية والمهن الحرة ورؤساء الطوائف الدينية والمسؤولين عن النقابات وأعضاء المجالس التمثيلية السابقة.
فعهدت إلى لجنة مصغرة مؤلفة من خمسة أشخاص درس الصيغة التي يجب اعتمادها في الاستشارات.
فعقدت هذه اول اجتماع لها في 16 كانون الأول برئاسة موسى نمّور، واعدت لائحة بالشخصيات التي ستستشيرها وقررت أن توجه إلى كل منها استمارة تتضمن اثني عشر سؤالاً يتعلق بنظام الحكم، بصلاحيات السلطات الثلاث، بتوزيع المقاعد النيابية، بقانون الانتخاب، ألخ.
حصلت اللجنة على 132 جوابًا، تكلف شبل دموس فرزها ووضع تقرير عنها.
إن الأفكار التي استخلصها هذا الأخير من هذه الاستشارات اعتمدت كأسس لأعداد مشروع الدستور.
عهد بهذه المهمة الى عضوين من اللجنة الخماسية.
لقد استعان اللبنانيون في عملهم بعدد من الكتب الفرنسية التي تعالج موضوعي القانون الدستوري والأنظمة السياسية.
كما استعانوا بنصوص بعض الدساتير كالبلجيكي والسويسري والاميركي والمصري.
لقد شارك عدد من موظفي الانتداب على مستويات مختلفة في أعمال اللجنة نذكر منهم:
فرشاردي ريفي (Verchère Reffye) السكرتير العام للمفوضية العليا، و ليون كايلا حاكم لبنان الكبير، والكلونيل كاترو Catroux))، رئيس جهاز الإستخبارات، وليون سولومياك (Solomiac) رئيس مكتب المفوض السامي.
لكن ممثل فرنسا الأساسي كان بول سوشييه (Souchier) وهو من مجلس شورى الدولة في فرنسا واختصاصي في القانون الدستوري وقد استدعاه دي جوفنيل خصيصًا من باريس للمساهمة في إعداد الدستور اللبناني.
وقد أرسل إليه برقية جاء فيها:
"أطلب منك أن تأتي في أقرب وقت ممكن.
أجلب معك نصوص الدساتير التي تجدها وادرس بصورة خاصة الدستور الفدرالي السويسري".
حال وصوله إلى بيروت ألحق سوشييه كخبير باللجنة المكلفة وضع مشروع الدستور وقد قيّض لي ان التقي عام 1994 آخر فرنسي لا يزال على قيد الحياة من بين الذين شاركوا في إعداد الدستور اللبناني وهو المحامي جان – لويس أجول (Aujol) كان آنذاك من الملحقين بمكتب المفوض السامي.
اكد لي أوجول ان جوفنيل كان يتابع عن كثب موضوع الدستور وقد حدث له اكثر من مرة ان أيقظ سوشييه من نومه حتى بعد منتصف الليل ليبحث معه في صيغة بعض المواد.
في الواقع لقد أرسل دو جوفنيل إلى الشرق في مهمة محددة وبصفته عضوًا في مجلس الشيوخ لم يكن يسمح له بالتغيب عن فرنسا أكثر من ستة أشهر.
كان عليه إذًا أن يعود إلزاميًا إلى بلاده في آيار 1926 وكان يرغب في إحراز نجاح في موضوع الدستور قبل أن يحين هذا الموعد.
هذا ما يفسر لنا مثابرته واستعجاله.
اما اللبنانيون الذين لعبوا دورًا أساسيًا في إعداد الدستور فهم موسى نمّور وميشال شيحا و شبل دمّوس.
إن شيحا حسب شهادة أوجول، كان شديد التمسك بلبنانيته، لذا أصر بعناد على إعطاء الدستور صبغة وطنية.
إن البطريركية المارونية، نقلاً أيضًا عن أوجول كانت تتابع بصورة منتظمة مراحل عمل الدستور وقد حرصت على ألا يكون لأية مادة من مواد الدستور طابعاً إلحادي أو معاد لرجال الدين.
إن الوثائق المحفوظة في أرشيف بكركي والمتعلقة بالقانون الأساسي تظهر بوضوح ان قادة الكنيسة المارونية قد ركزوا في مراسلاتهم مع المفوض السامي ومع لجنة بونكور ومع لجنة 13 على وحدة الوطن وعلى أن يكون الحاكم من التباعية اللبنانية وعلى تثبيت التوزيع الطائفي لمقاعد المجلس النيابي وعلى الإبقاء على قوانين الأحوال الشخصية المذهبية وعلى المحافظة على حرية التعليم وعلى الدفاع عن التعليم الديني.
بينما كان اللبنانيون منكبين على العمل في دستورهم كانت الدوائر المختصة في وزارة الخارجية الفرنسية تعمل على وضع الشطر الأول من القانون الأساسي المسمى بالنظام الانتدابي وهو الذي ينظم العلاقة بين الدول المنتدبة والدول الواقعة تحت الانتداب.
بعد أن أنهت اللجنة المصغرة مشروع الدستور بمشاركة الخبير الفرنسي سوشييه ناقشت لجنة الـ13 النص وأدخلت عليه بعض التعديلات ثم أرسل هذا النص إلى باريس وقد اقترح دو جوفنيل على وزارة الخارجية ان يرافق إعلان الدساتير في كل من لبنان ودولة العلويين وسنجق الاسكندرون ذي الحكم الذاتي، توقيع معاهدات مع هذه الدول تحدد فيها علاقاتها مع فرنسا لكن بريان نصح المفوض السامي بالتريث مؤكدًا أن المعاهدات سيكون لها انعكاسات عديدة لاسيما من الناحية القانونية وأنها بالتالي تتطلب مزيدًا من الدرس والتعمق.
في 12 أيار أرسل بريان ملاحظاته على مشروع الدستور وقد تناولت بصورة أساسية المواد 96 إلى 100 المدرجة في الباب الخامس والمتعلقة بعصبة الأمم وبالدولة المنتدبة.
اقترح ان تحفظ هذه المواد وأن يستعاض عنها بإعلان يصدر عن كل حكومة من الحكومات المعنية تتعهد فيه بالإعتراف بالدول الأخرى وباللجوء إلى تحكيم الدولة المنتدبة عند وقوع أي خلاف بينها وتتعهد أيضًا بالقبول بالصلاحيات التي سيحتفظ بها المنتدب داخل كل دولة والإقرار بحقه المطلق في إدارة العلاقات الخارجية.
عدلت بعد ذلك بعض المواد طبقًا لملاحظات بريان ثم أصدر الحاكم كايلا قرارًا دعا فيه المجلس التمثيلي إلى جلسة استثنائية لمناقشة الدستور.
افتتحت هذه الجلسة في 19 آيار وقد تمثلت الدولة المنتدبة بكل من سوشييه وسلومياك (Souchier et SlomiaC) بعد ان عرض دمّوس نتائج الاستشارات تكلم سوشييه طالبًا من المجلس الإسراع بدرس بنود الدستور وإقرارها لأن المفوض السامي ينوي مغادرة لبنان إلى باريس وأنه يرغب في إعلان الدستور قبل سفره.
ثم أعرب عن امله في أن يتوصل إلى التفاهم مع أعضاء المجلس كما فعل من قبل مع لجنة 13.
وأخيرًا لخص سوشييه الصلاحيات التي ينوي المفوض السامي الاحتفاظ بها وهي تتعلق باستعمال قوات الجندرما والبوليس وبحل المجلس وبتنحية رئيس الجمهورية وبالعلاقات الخارجية.
بعد هذه المقدمة بدأت مناقشة الدستور مادة مادة وقد تغيب ميشال شيحا بسبب خلاف حاد كان قد وقع بينه وبين جوفنيل فدافع دمّوس وسوشييه بجرأة عن الدستور.
وبعد قراءة المادة الأولى المتعلقة بالحدود والاستقلال طالب الكلام النائب عمر الداعوق فتلا بياناً باسمه وباسم أربعة من زملائه هم عمر بيهم، نائب بيروت السني، وخير الديت عدرا، نائب طرابلس السني، وخالد شهاب، نائب لبنان الجنوبي السني، وصبحي حيدر نائب البقاع الشيعي يحتج فيه الخمسة على الباب الأول من الدستور وعلى إلحاق المناطق التي يمثلون بجبل لبنان، ويطالبون بإعادة فصلها وبإعطائها استقلالاً ذاتيًا على أن تشكل لاحقًا اتحادًا مع لبنان بحدوده السابقة ومع سوريا.
ثم تكلم صبحي حيدر وأضاف إلى الاحتجاج السابق ما حرفيته:
"على أنه تحاشيًا للأضرار التي قد تلحق بأهالي البلاد الملحقة وريثما نتخلص من هذا الإلحاق فإننا ندخل بالبحث في هذا الدستور محتفظين باحتجاجاتنا".
بعد هذه المداخلات بدأت المناقشة الجدية.
إن دمّوس وسوشييه دافعا بشجاعة عن الدستور الذي شاركا في وضعه.
إن الأحكام المتعلقة بالانتداب كانت مدرجة كما ذكرنا في الباب الخامس.
ولكن في جلسة 22 آيار الثانية أعلن سوشييه ان هذه الأحكام قد ألغيت ووزعت على أعضاء المجلس نصًا جديدًا يبدأ بالمادة 90 وقد جاء فيها:
"إن السلطات المقررة بمقتضى هذا الدستور يعمل بها مع الاحتفاظ بما للدولة المنتدبة من الحقوق والواجبات الناتجة عن المادة 22 من عهد جمعية الامم وعن صك الانتداب.
إن الصلاحيات التي احتفظت بها الدولة المنتدبة بموجب المادة 90 فصّلها سوشييه في بيان قرأه بعد ان أنهى المجلس مناقشة الدستور فأعلن سوشييه آنذاك ما حرفيته:
"سيتلى عليكم بالعربية نص الصلاحيات التي تحتفظ بها الدولة المنتدبة.
سأطلب منكم ان تصغوا إليه بانتباه.
أنا لا أطلب منكم ان تصادقوا عليها أو أن تناقشوها وتصوتوا عليها كما ناقشتم بنود دستوركم وصوتم عليها.
إني أطلب منكم فقط ان تأخذوا علمًا به.
قد انتدبني حضرة المفوض السامي لأشترك معكم في إعداد دستوركم ولكي تضعوا أنتم هذا الدستور بالاتفاق مع الدولة المنتدبة.
اما الآن وقد وصلتم في عملكم إلى مرحلة النهاية فقد حان الوقت كي أبلغكم التحفظات التي ترى الدولة المنتدبة انه من واجبها القيام بها.
أطلب منكم أن تقولوا لي إذا كنتم توافقون على هذه النقاط كما سبق لي وأبلغتكم أننا متفقون معكم على مواد دستوركم.
بعد هذا التصريح قرئ نص التحفظات وهو يتضمن أربع مواد.
تتعلق الأولى بحق الرقابة الذي ستمارسه الدولة المنتدبة بواسطة مستشارين فرنسيين يوزعون على الإدارات العامة ويتلقون اجورهم من الخزينة اللبنانية.
تضع المادة الثانية تحت تصرف المفوض السامي قوى الأمن الداخلي وتعترف بسلطته المطلقة على القوى المسلحة الفرنسية التي تحتاج إليها الدولة المنتدبة لتطبيق الانتداب وللدفاع عن الحدود ولوضع القانون الأساسي موضع التنفيذ.
تخول المادة الثالثة المفوض السامي استعمال حق الفيتو أو النقض ضد القوانين والقرارت التي يعتبرها مضرة بالانتداب وبمصلحة لبنان ومناقضة للالتزامات الدولية.
وقد أخضعت المادة نفسها حل المجلس وعزل رئيس الجمهورية لموافقة المفوض السامي.
اما المادة الرابعة والاخيرة فقد نصت على أن العلاقات الخارجية وقبول اوراق اعتماد السفراء الأجانب هي حصرًا من صلاحيات الدولة المنتدبة.
بعد ذلك صوت المجلس بالإجماع على نص الدستور المعدل ورفعت الجلسة في تمام الساعة الواحدة والنصف من صباح 23 آيار.
في اليوم نفسه زار جوفنيل مقر المجلس التمثيلي حيث وضع الدستور موضع التنفيذ وأعلن ولادة الجمهورية اللبنانية في 25 آيار طبقًا لما ورد في المادة 98 من الدستور.
عين المفوض السامي أعضاء مجلس الشيوخ الستة عشر وفي 26 آيار اجتمع المجلسان وانتخبا شارل دباس أول رئيس للجمهورية اللبنانية.
نشر نص الدستور في الجريدة الرسمية في 12 تشرين الأول 1926.
كما نشر كملحق في التقرير الذي أرسلته الدولة المنتدبة إلى عصبة الأمم عن عام 1926.
ثم اعادت نشرة عصبة الامم معدلاً،عام 1930، مع النصوص الدستورية الأخرى المتعلقة بالدول المشرقية الواقعة تحت الانتداب الفرنسي.
وهذه النصوص هي الدستور السوري، النظام الأساسي لسنجق الإسكندرون، النظام الأساسي لدولة العلويين، النظام الأساسي لدولة جبل الدورز، والنظام الأساسي لمجلس المصالح المشتركة.
غادر جوفنيل لبنان إلى فرنسا حاملاً معه نص الدستور اللبناني وذلك في 27 آيار 1926 على الباخرة نفسها (Le sphinx)التي أقلته من مرسيليا إلى بيروت قبل ستة أشهر من هذا التاريخ.
نستخلص من هذه الدراسة أن نص الدستور اللبناني هو نتيجة عمل جماعي قام به اللبنانيون بمشاركة الفرنسيين.
وقد أبرزت الاستشارات الواسعة التي نظمها المجلس التمثيلي والتي لخصها دموس في تقريره الخيارات الأساسية للفعاليات الوطنية.
بعد ذلك تعاون على إعداد مشروع الدستور كل من شيحا ودموس والخبير سوشييه وذلك تحت رقابة موسى نمور وتحت إشراف لجنة 13 التي لم تتردد في فرض التعديلات التي رأتها ضرورية.
اما اللمسات الأخيرة فوضعها المجلس التمثيلي نفسه خلال الجلسات التي عقدها بين 19 و 23 أيار 1926 والتي كرسها جميعها لدرس ومناقشة المواد مادة مادة.
إدوار حنين السياسي والمشرع

• إدوار حنين النائب
• إدوار حنين الوزير
• ادوار حنين والجبهة اللبنانية
• حزب الكتلة الوطنية
• إدوار حنين في الصحافة
• كتابات سياسية
• كتابات في السياسية
المجموعة الأولى

• كتابات في السياسية
المجموعة الثانية
ادوار حنين في الصحافة

• مجلة الفصول
• مقالات بو ابراهيم
• مقالات متفرقة
إدوار حنين المفكر والأديب

• أدب الرحلات
• أدب الرثاء
• محاضرات
• كتابات أدبية
• كتابات في مناسبات
• مختارات من محاضرات
إدوار حنين - المجموعة الأولى

• ملف شوقي
• ملف خواطر
• ملف ثلاث كلمات في المصالحة مع الذات
الارشيف

• ارشيف الصوت
• أرشيف الصور
• أرشيف الأفلام
• ارشيف الكتب
ارسل لنا

• لمعلوماتك الاضافية
• لديك مخطوطات غير منشورة
• اتصل بنا
• ارسل هذه الصفحة
• أطبع هذه الصفحة
اطلقت هذا الموقع جمعية أندية الليونز في 30 حزيران 2013 من ضمن احتفاليات مئوية ولادة ادوار حنين.