في خضم العاصفة اللبنانية التي اجتاحت البلاد منذ منتصف السبعينيات، بدا واضحًا أن الوطن لم يعد يحتمل مزيدًا من المراوغات السياسية ولا المزيد من الرهانات الإقليمية والدولية. من موقع الالتزام الوطني والروحي، ومن موقع الدفاع عن كرامة الإنسان اللبناني وحقه في حياة حرة وكريمة، أجد أن الحوار بين اللبنانيين لم يعد ترفًا، بل صار قدرًا لا مهرب منه، إن أراد هذا الشعب أن يبقى وله وطن.
إن الدعوة إلى الحوار ليست موقفًا حياديًا يتخذ شكلاً شكليًا وسط دوامة الدم، بل هي نداء أصيل يرتكز إلى قناعة راسخة بأن الكلمة، إذا صدقت النوايا، أقوى من الرصاصة، وأن ما يجمع اللبنانيين في تاريخهم وجغرافيتهم وإنسانهم، أقوى بكثير من كل ما يفرّقهم من مصالح وقتية أو ولاءات خارجية. لقد أثبتت التجربة أن الرهان على الخارج لا يبني وطنًا، وأن الاتكال على فائض القوة يفتح الباب على جحيم لا يُقفل.
الحوار المطلوب بين اللبنانيين لا يمكن أن يكون مجرّد لقاءات موسمية تُعقد بين الطوائف أو الزعامات، لتوزيع الأدوار أو اقتسام المغانم، بل يجب أن يكون فعل إيمان بالعيش المشترك، ومسارًا صعبًا ولكنه ضروري نحو بناء دولة المواطنة، لا دولة الطوائف. نحن لا ندعو إلى حوار النيات الحسنة فقط، بل إلى حوار الإرادات الجدية، التي تعترف بوجود الآخر، وتحترم خصوصيته، وتسعى إلى شراكة حقيقية لا إلى هيمنة مقنّعة.
لا حوار من دون وضوح، ولا وضوح من دون اتفاق على الأطر. وأولى هذه الأطر، الاعتراف بأننا شعب واحد متعدد، له روافده الثقافية والدينية والسياسية، ولكن لا بد أن يجتمع تحت سقف الدستور، وتحت راية جيش واحد وسلاح واحد وقرار سيادي واحد. إن تجاوز هذا المبدأ ينسف أي حوار من أساسه، ويُبقي الوطن أسير دويلات ومرجعيات متصارعة.
من هنا، لا بد من إطار جامع للحوار، يرتكز على مرجعيتين أساسيتين: الأولى وطنية، تتمثل في الدستور اللبناني الذي أُقرّ عام 1926، والثانية روحية، تتجلى في ميثاق 1943 الذي أسّس للاستقلال، وفي التفاهم الذي شهده لبنان سنة 1949 بعد الاضطرابات، والذي أكّد أن لا غلبة لفريق على آخر. كل حوار يتجاوز هذين الإطارين مهدّد بالسقوط في فخ التنازلات المؤقتة، التي تعود وتنفجر لاحقًا.
الحوار يجب أن يشمل كل الفئات، لا أن يكون حكرًا على الأقوياء في لحظة معينة. فالوطن لا يُبنى فقط بمن يملك القوة أو الموقع، بل يُبنى بمن يملك الرؤية والصدق والجرأة في مواجهة الذات قبل الآخر. لذلك، لا بد من إشراك الطاقات الشابة، والمثقفين، والمرأة، وأصحاب الرأي الحر، إلى جانب الزعماء السياسيين والدينيين، كي يأتي الحوار متكاملًا ويعبّر فعلًا عن نبض المجتمع.
أما مضمون الحوار، فيجب أن يتجاوز الطروحات التقليدية التي سئمها اللبنانيون، وأن يلامس جوهر الأزمة: مستقبل النظام، العدالة الاجتماعية، علاقة الطوائف بالدولة، مسألة اللامركزية الإدارية، إصلاح القضاء، والسلاح غير الشرعي. فالحوار الحقيقي لا يكتفي بتدوير الزوايا، بل يسعى إلى مراجعة شاملة لكل ما أدى إلى الانهيار.
إن تجارب الماضي علمتنا أن تجاهل الأصوات الوطنية الصادقة أو تهميشها، يفتح الطريق أمام الفوضى، وأن الاستخفاف بنداءات الحوار غالبًا ما ينتهي بمرحلة عنف جديدة. لذلك، فإن المسؤولية اليوم تفرض على كل من يمتلك كلمة حرة، أن يرفع صوته من أجل عقد وطني جديد، لا يُقصي أحدًا ولا يُكرّس هيمنة أحد، بل يؤسس لعصر لبناني جديد، قوامه الشراكة والمواطنة والكرامة.
في النهاية، ليس المطلوب من الحوار أن يصنع معجزات، بل أن يعيد للبنانيين ثقتهم بأنهم قادرون، إذا صدقوا، أن يلتقوا حول القيم المشتركة، وأن يعيدوا ترميم البيت اللبناني الذي تصدّع تحت ضغوط الحرب والنزاعات والانقسامات. إن مستقبل لبنان رهن بحوار أبنائه، وحريّ بنا ألا نضيّع هذه الفرصة مرة أخرى، قبل أن تسبقنا رياح الفتنة إلى المجهول.