مستقبل لبنان من قلب النكبة: دروس للحاضر والمستقبل – كانون الثاني 1985.
بقلم: إدوار حنين.
في خضم الدماء والدمار الذي يلف لبنان في مطلع العام 1985، يقف المسيحي كما المسلم، يقف اللبناني كما الفلسطيني، أمام مرآة قاسية تعكس صورة وطن لم يعد يشبه ذاته. نحن نعيش نكبة جديدة، لا تقل خطورة عن نكبة فلسطين عام 1948، غير أنّها هذه المرة نكبة وطن على ذاته، نكبة شعب مزّقته الانقسامات الداخلية، واستباحته التدخلات الخارجية، وغاب عنه مشروع الدولة.
لقد علّمتنا السنوات العشر الماضية أنّ الحرب ليست طريقاً إلى انتصار فريق على آخر، بل طريقاً إلى خراب الجميع. فالمسيحيون الذين اعتقدوا أنّ السلاح يحميهم اكتشفوا أنّه يجلب إليهم حصاراً ودماراً، والمسلمون الذين ظنوا أنّ التحالف مع الخارج يحفظ حقوقهم وجدوا أنفسهم أسرى مشاريع أكبر من قدراتهم، أما الفلسطينيون فقد تحولوا من ضيوف إلى طرف في صراع دموي على الأرض اللبنانية، فيما بقيت إسرائيل وسوريا المستفيدتين الأكبر من انقسامنا.
إن مستقبل لبنان لا يمكن أن يُبنى على وهم الغلبة أو على استدعاء الوصاية الأجنبية. التجربة المريرة تقول لنا:
إن السلاح الذي يرفع في وجه الداخل ينقلب على حامله.
إن الانقسام الطائفي يحول دون بناء دولة عادلة.
إن كل مشروع يتجاهل الشراكة الوطنية مصيره السقوط.
من هنا، تأتي دعوتي إلى إعادة قراءة معنى الكيان اللبناني. لبنان ليس حصناً لمسيحيين يخافون ذوبانهم، ولا ممراً إلزامياً لمشاريع عربية أو إقليمية، بل هو عقد حياة مشتركة. إن المسيحي في لبنان لا يحيا إلا مع المسلم، والمسلم لا يصون حقوقه إلا مع المسيحي، وكلاهما لا يقومان إلا بدولة قوية عادلة.
علينا أن نتعلم من الماضي ثلاثة دروس أساسية:
1. ضرورة إعادة بناء الدولة: جيش واحد، سلطة واحدة، دستور مطبّق، وإلغاء الدويلات المسلحة.
2. تحصين الوحدة الوطنية: عبر الميثاق الحقيقي، لا بالبيانات الفارغة، بل بتجديد صيغة العيش المشترك لتلائم تطورات المجتمع.
3. تحرير القرار الوطني: من الوصايات المتعددة، فلا سوريا بديل عن الدولة، ولا إسرائيل ضامن لسلام، ولا إيران أو غيرها مانح لاستقرار.
إنني أكتب في كانون الثاني 1985، من قلب الحرب، لأقول إن مستقبل لبنان يتوقف على شجاعة اللبنانيين في مراجعة الذات. فإذا استمررنا أسرى نزاعاتنا الطائفية، فسيمحى لبنان من الخريطة السياسية، ويصبح مجرد ساحة لصراع الآخرين. أما إذا استفقنا، وتعلمنا من هذه النكبة، فقد نصنع من آلامنا فرصة للنهضة.
لبنان لا يُبنى بالحقد، بل بالشراكة. ولا يحيا بالخوف، بل بالثقة المتبادلة. ولا ينهض بالانقسام، بل بوحدة المصير. هذه دروس الحاضر التي إن التزمنا بها، قد نصنع مستقبلاً مختلفاً لأبنائنا.