من نعم الله الكبرى على الإنسان أنه يعطيه التطلع الكبير ويعطيه قدرة كبيرة على تحقيقه.
وعندما يعطي الله إنسانه التطلع الكبير ولا يعطيه القدرة على تحقيقه يكون قد حكم عليه بالتمزق والعذاب،
ويكون قد أدخله في طريق الآلام،
وقد تكون هذه الحال هي حال الإنسان، في لبنان
هذا على صعيد الإنسان
أما على صعيد الشعوب فالمسألة أفدح.
فماذا يكون، والحالة هذه، قدرُ مثل هؤلا الشعوب؟
فالشعوب المنعم عليها نعمة كاملة (تطلع وقدرة) يعطى لها ان تسبق آمالها في الطريق
أما الشعوب الأخرى فمقضي عليها أن تظل تجد وتكد، وتلهث وراء تطلعاتها، ولا وصول.
غير أن هذا لا يعني أن هذه "الشعوب الأخرى" معفاة من مواصلة طريقها، على جميع الشعاب وبكل جهد، إلى أن تدرك الممكن من تطلعاتها.
والتاريخ
الذي سجّل منذ فجره، مسيرة الشعب اللبناني (وإن على يد أعدائه، أحيانًا كثيرة) يشهد كم يذل، هذا الشعب الفريد، في سبيل اللحاق بتطلعاته:
فالشعب اللبناني، الذي أُقعد على جبل بين البحر والصحراء، عمد، أول ما عمد، إلى مد أبعاده في البحار، حتى وصل بها إلى أطراف الدنيا، فأمرعها جميعًا (كما كان قد انعكف على تفتيت الجبل، فعلّق فيه الجنائن، ليحيا)
والشعب اللبناني الذي كان نصيبه من الأرض الواسعة رقعة ضيقة – صغيرة – متواضعة، مد يده إلى فسيح الدنيا، فأعطى سكانها الأداة التي بها يتواصلون، دون أن يغادروا مطارحهم، أبجدية تنقل الفكر إلى الفكر، عبر البحار والقفار.
والشعب اللبناني، الضائع في هذا المقلب من الأرض، عمل على أن يرسم طريقًا له إلى الناس، وطريقًا للناس إليه، توصل ولا تُخطئ، فهداهم إلى نجمة القطب التي قادت شراعاتهم (وكان قد خصهم بها) إلى المتاهات العميقة.
والشعب اللبناني الذي عاقه أن يلجأ، كل مساء، بعد يوم من العمل مقضّ، إلى المغاور، في الجبال جر المغاور من قرونها إلى مطارح عمله، فأنشأ البيوت، ثم علم الناس البناء المن حجر، يرفعون به بيوتهم ومدائنهم وحاضراتهم.
والشعب اللبناني وقد توطّن رأى من لزوميات الاستيطان ان تكون له ثياب (غير جلد الحيوان) وآنية (غير الظرّان)، فصنع البورفير والزجاج ومشى بها إلى العالم يساعده على التحضر.
وفي الزمن الاخير.
عندما رأى الشعب اللبناني أن معجنه بات يضيق برغيفه، وجد له معجنًا وُسْعَ الأرض، في آسيا، في إفريقيا، في أوروبا، وفي الأميركتين.
وعندما وجد أن حريته في ارتباك، نشد الحرية في العوالم الحرة، حيث تمتّع بها، ودعّم فيها حرية الآخرين.
هذا بعد أن كان قد تأكد من ان العلم نور، فأنشأ المدرسة، وألّف لها الكتاب، وزرعها في جانب كل كنيسة، وألقى الكتاب في كل يد، ثم اطلق أبناءه، في العالم، يغترفون المعرفة من كل منجع. ويسهمون في كل مطلب وفن.
هذا اللبناني
الذي هذه بعض معالم طريقه،
كانت تطلعاته واضحة له
وكان في طريق تطلعاته (وهنا العجب العجاب) في مستوى تلك التطلعات.
اما اليوم
وقد كبرت تطلعات الشعوب الكبيرة،
وكبرت قدرتها، بالمقدار ذاته، على تحقيق تلك التطلعات،
اليوم
وقد وجد لبنان نفسه. ووجده الآخرون كبير التطلع.
صغير الإمكانات
فوثبت المطالع إليه وكثرت عليه الاعتداءات
وشبّه لبعضهم أنهم يستطيعون أن ينزلوه عن مقامه وأن يشغلوا ، هم، هذا المقام.
فماذا كان على لبنان هذا ان يفعل؟
فماذا أن يظل واثقًا بنفسه
فماذا أن يظل عازمًا على أن يبقى هو هو
فماذا وإن يظل القيمة الثمينة التي كانها، طوال مجرى التاريخ، تزيد ولا تنقص.
من هنا:
كان تصديه للمعتدين
كان صموده في وجههم
وكان تمسكه بالدور الذي هو له تمسكًا حازمًا – شرسًا – جلودًا
هذه اللمحة الخاطفة
تتراءى منها الملحمة الأبدية التي عاشها لبنان، طوال أيامه،
والتي يعزم على أن يبقى عائشًا لها إلى الأبد
فحيال كل ذلك
وأمام عظمة هذه المسيرة الرائعة
يُفهم:
لماذا لبنان يتصلب بمواقفه،
يتشدد بمطالبه،
يتصلب، يتشدد، ويقسو حتى ليُظن انه بات لا إنسانيًا – لا رحومًا - - لا عطوفًا – ولا مشاركًا في آلام الآخرين
وعندما يفهم:
أن لبنان ينظر إلى بقائه، أولاً
وينظر إلى استمرارية هذا البقاء،
وأنه ينظر إلى نفسه كواحد من القيم – الإنسانية – الأخيرة
يُفهم إذ ذاك:
أنه عندما يبدو لا إنسانيًا، ولا رحومًا، ولا عطوفًا، ولا مشاركًا، يكون أكثر إنسانية، وأكثر رحمة، وأكثر عطفًا، وأكثر مشاركة منه عندما يحوّل إنسانيته إلى إنسان فرد، ورحمته إلى بائس فرد، وعطفه إلى منكوب فرد، ومشاركته إلى مشاركة ترابية لا ينتفع منها إلا الترابيون.
إن الفئة المختارة من اللبنانيين
الذين ظنّت بهم الظنون،
وصوروا على أنهم قساة القلوب، وعلى أن انفسهم غليظة.
هذه الفئة المختارة،
هي سليلة تلك القوافل – البطلة
التتي عمّرت الدنيا، ومشت في تحضيرها
وهي التي ستعود، يوم تعود الحياة الطبيعية في لبنان، إلى استئناف دورها من حيث بدا أنه قد انقطع
يومذاك،
يثبت للعالم اجمع:
ان الظالم كان الفلسطيني – المعتدي
وأن الأظلم هو من ظن أن الشعب اللبناني كان الظالم،
وأن الظالمين هو العالم الذي أغضى عن جميع الحقائق،
وحاول أن يضع التراب في مكان الروح
ونجد، اليوم، وقد مشى في "ملحمة الغنقاذ" هذا الرئيس الشاب الشيخ امين الجميّل. أن اواخرنا يلتقون الاوائل، عبر التحولات والنكسات والانحطاطات، لاستئناف المسيرة التي لن تتوقف إلا بعد أن ندرك غاياتها، مهما تكن بعيدة هذه الغايات:
"مشيناها خطى كتبت علينا
ومن كُتبت عليه خطى مشاها"