بيروت الواقفة عند تقاطع الحضارات والثقافات. والحروب. ترنم،
تستقبل الميلاد المجيد بثوب الرجاء
تصلي من أجل شرق ينتحر، وغرب ينتحب
من أجل إنسان القرن الحادي والعشرين وقد خنق إنسانيته
ووأد قيمَه
وسلخ عنه ثوب الطهر والأخوة
تصلي من أجل عالم يتفكك ومجتمعات تنهار وبيئة تُحتَضَر
تصلي من أجل إنسانية طمست كل الشرائع وتمسّكت بشريعة الغاب
تصلي لطفل المغارة، تبكي أطفال بيت لحم وقد روت دماؤهم كل مدن المشرق من حلب إلى الموصل، ومن طرابلس الليبية إلى صنعاء. واختنقت أصواتهم تحت الركام واختفت ملامحهم بين أمواج البحر المتوسط.
تصلي والقلوب تحجّرت والعائلات تهجرت والمدن تفجّرت
بيروت تصلي من أجل السلام وعودة الأحلام إلى مآقي الأطفال.
الشتاء في لبنان يعيش أولى ساعاته.
أمطار وثلوج ورياح، وبرودة مزدوجة: في الطقس من جهة وفي السياسة من جهة أخرى.
سؤال يتكرر بعد كل عاصفة طبيعية. هل أنجزت الصيانة الضرورية لدرء المخاطر والأخطار؟ وسؤال آخر يُطرح بعد كل إعصار سياسي: هل اتخذت التدابير اللازمة لقطع دابر الأزمات؟
كما في حال الطقس، ليس من صيانةٍ أو تدابيرَ لمعالجة حالات الطوارئ، هكذا في السياسة، ليس ثمة مبادراتٍ لخنق تداعيات الإنقسام في المهد؟
الفرق الوحيد أن الشتاء الطبيعي فصل في السنة من أربعة. أما الشتاء السياسي فطيلة العام.
أزمة تنتج أزمة، وعقدة تولّد عقدة.
لكن رياح السياسة وإن حاصرت الشعب عامّة، إلا إنها لم تُركِع اللبنانيَ الأصيل ولم تتمكن من إخضاعه.
لقد تفلّت من قبضتها ووعا خطورتها وأدرك مسبباتها. وهو يقاومها ويعمل من أجل التصدي لها.
ولبنان يعتمد على هذه الفئة من أبنائه كي يسترجع ألقه ونقاءه ورسالته.
وتعود الجبهة اللبنانية إلى طبيعتها يوم الإثنين مع دخول بيروت، تلك الأرتالِ السيارة
تعود الطبيعة إلى دورتها يوم الأربعاء مع وصول عاصفة ماطرة سُمِّيَتْ بربارة
وتعود السياسة إلى مسارها يومًا ما، مع حلولٍ تَفُكُّ أسرَ الحكومة وعقدةَ الوزارة
هي الحياة لا تتوقف، واتجاهها أبدًا نحو الأمام.
كلّنا نحيا ونسلك في الإتجاه الأوحد. إنها الحقيقة الوحيدة التي لا شك فيها مهما تأخر الموعد.
ونهاية المطاف في قلب الله كما يقول نبي جبران خليل جبران.
عسى أن تكون هذه الحقيقة شمسَ صباحنا مع بداية هذا الأسبوع وكل أسبوع
فتستنير مسيرتنا وتستقيم أعمالنا ونعدل في قراراتنا.
لن تستعيد بلادنا جوهر رسالتها وديمومة استقرارها ولن يعم السلام ربوعها ويفيض الخير من معجن وزاراتنا وإداراتنا إلا متى غمرتنا نعمة الحب الإلهي واسترجعنا بركة الأجداد
فلا قيامة للبنان إلا بموت روح الأنانية وعصب الفساد ونبض الهدر والسرقة وتلك الرغبة في الإستئثار بالحكم وبمقدرات البلاد والإرتهان للإرادة الخارجية وعدم الإصغاء إلى صوت المخطوفين وصرخة المتألمين ووجع الفقراء.
هذا الصباح يصادف عيد ميلاد السيّدة فيروز، سفيرتنا إلى النجوم.
هي ليست بمطربة عادية بل هي الحنين وهي طيف حريتنا وراية عزتنا وهي تعزيتنا في عالم بدأ يتعرى من أصالته وفرادته
صباحنا يبدأ مع صوتها، وقبل أن تستيقظ الشمس.
فهو أبجدية الروح، إذ تتحد بها أبجدية الفينيقيين، تكتمل حضارتنا.
صوتها الملائكي، أكثرُ من أوتار بيولوجية غير عادية، هو فيضُ نِعَمٍ، لا يمكنك، إذ تسمعه، إلا أن تمجّد الخالق وتغتبط إيمانًا وثقة بمحبته ورحمته.
حرف واحد من اسمها كفيل بأن يجعلنا جميعًا نخجل من أنفسنا. من عبثيتنا التي شوهت لبنان، ومزقت وحدته وأفسدت إداراته.
جنوح بلبنان إلى موقع لا يخدم رسالته وهويته وخصوصيته.
جنون في السياسة لا يخدم مصالح شعبه.
جمود في الإقتصاد لا يخدم ازدهاره ونمو قطاعاته.
وجنود، رغم الضبابية، مستمرون في التضحية بلا حدود والسهر على الحدود وعلى أمن الوطن وعزّته واستقلاله.
لهم وحدهم نرفع التحية.
أشرف ما في الحياة أن يتربى أطفالنا على حب التضحية في سبيل الإنسان والوطن، في حين أن التضحية بالوطن من أجل مصالح خاصة ضيّقة، أوصلتنا إلى حافة الزوال وكادت أن تقضي على وجودنا ومستقبلنا.
نفتقد يومًا بعد يوم، إلى القيم التي تعلي من شأن المجتمع وتحفظ رسالته
هل تساءلنا يومًا عن اسم رؤساء فنلندا وهولندا وسويسرا والسويد؟
كلّهم مجهولون، لم يخطر في بالنا أبدًا أن نتعرف عليهم، رغم أن بلادهم تحتل قائمة العشرة الأول عالميًا من حيث البنية التحتية والتنمية والرعاية الصحية والتعليمية والحقوق واحترام الإنسان ورعاية البيئة والحيوان.
أما مصر وكوبا والكويت وتركيا وشبيهاتها، فحكامها معروفون، تملأ صورهم صفحات الصحف وأسماؤهم تتربع عرش العناوين، وقد ألهبوا الإعلام بشعاراتهم، وحروبهم الوهمية ضد الإمبريالية والإستعمار ونضالاتهم السرابية من أجل القضاء على الفقر والجهل والمرض والحرمان. وبعد أجيال من الحروب الدونكيشوتية، بدأ الحصاد يُترجَم تدميرًا وتهجيرًا وانحلالاً وانهيارًا شاملاً.
دول العالم مجموعتان
الأولى ترى فكرة الزعامة بدائية مضحكة عاطفية وتؤمن أن الحضارة تبنيها القوانين والمؤسسات
والثانية تتمسك بتأليه الزعيم وتوريث الزعامة وبصنمية الشعارات.
كل دولة اختارت ثوابتها، فالتحقت بإحدى المجموعتين، ونتيجة هذا الخيار، تحدد مستقبلها.
الدعوة اليوم إلى الشعب اللبناني أن يختار بأيٍّ منهما سيلتحق، وقد بزغ في سمائه فجر عهد جديد، وروح شابة تتهيأ للإنطلاق.
نحن معشر المسيحيين، من ندّعي الإيمان بالمسيح، إنّ إيماننا ليس على ما يرام
أفكارنا خاوية من رحمته،
قلوبنا خالية من محبته،
أيادينا لا تتقن لغته والعطاء.
تتظهّر صورة الديمقراطية الأميركية أمام العالم أجمع كل أربع سنوات. والمشهد عينه يتكرر
ملايين من الأميركيين تجتاحهم موجات التهليل والفرح والبهجة. وفي المقابل، ملايين من الأميركيين الآخرين في حالة إحباط وحزن وذهول.
حزب من الحزبين نال الأكثرية فدخل مرشّحه البيت الأبيض رئيسًا للولايات المتحدة الأميركية يرسم في يده خريطة جديدة للعالم.
في أعظم ديمقراطيات العالم ثمة رابحون وخاسرون، وبالتالي ليس من نظام إنتخابي مثالي، وليس من عدالة مطلقة.
ولكن، ثمة دول متحضرة وأخرى متخلفة.
في الأولى، نمو طبيعي لوطن إنقسم بين معسكرين لفترة من الزمن، ثم عاد إلى وحدته لسنوات، قبل أن ينقسم من جديد ويجدد إدارته وحلمه وخياراته
في الثانية، إنقسام عمودي مزمن يستمر أجيالاً، طالما الزعيم قادر على الإنجاب، والشعب قابل بتوريث الزعامة.
لا يشكل الإنقسام بحد ذاته خطرًا على البلاد، طالما هو متغيّر ومتحوّل. لكن، عندما يصبح جامدًا، هامدًا، غير قابل للتجديد والتحوّل، يُولّد التخلف في مسار الشعوب.
الليل والنهار من قوانين الأرض وثوابتها، في اتحادهما تتجدد الحياة وتستمر.
الفارق بين الدول المتحضرة والمتخلفة، أن شعوب الأولى يعرفون متى يتمايزون ويختلفون ويدركون في المقابل متى يتحدون ويتلاقون وتتقاطع مسيرتهم الوطنية.
أما شعوب الدول المتخلفة، فليلهم لا يلتقي ونهارهم، وليس من لحظة اتحاد في حياتهم، ولا فواصل ولا تحولات.
الليل عندهم يبقى ليلاً إلى الأبد والنهار يبقى نهارًا. وعندما لا يعرف النهار كيف يلتقي بالليل وكيف الليل يلتقي بالنهار، لن ينمو الزمن ولن تتجدد الحياة.
لا نريد أن نعكّر أجواء الفرح عند اللبنانيين الذين يستبشرون خيرًا من العهد الجديد
فنحن منهم ومثلهم إنتابنا شعور من الإرتياح بعدما نجح المجلس النيابي وبعد مخاض عسير من إنقاذ الجمهورية وإعادة الفخامة إليها
كذلك غمرتنا السعادة بعدما نال الرئيس سعد الدين الحريري شبه إجماع نيابي للعودة إلى ترؤس الحكومة
وموجات تدفق الجماهير إلى قصر الشعب في بعبدا تعكس فرحًا عارمًا لدى مجموع اللبنانيين هو عينه الفرح الذي يطفح من عيوننا وقلوبنا.
لكننا، أيضًا في موقع أخذنا على عاتقنا دعم الحقيقة والترويج للحق، لم نجد بدًا من أن نقف في هذه اللحظات المتفائلة السعيدة، ليس فقط لتحية روح الشهداء الذين افتدوا تراب الوطن، بل أيضًا أن نرفع الصلاة مع أهالي العسكريين المفقودين على امتداد ربع قرن،
كي لا ننسى هذه القضية الفاجعة، أردنا هذه الوقفة اليوم.
هؤلاء الأبطال لا يزالون في مقدمة أولوياتنا
هم وأهلهم رمز وحدتنا وصمودنا ومصدر إلهامنا وعنوان عزتنا وكرامتنا.
صحيح أن الزمن لا يتوقف والحياة تستمر
لكن، في زمن رحيل الكبار، في لحظة المغيب، وقفة لا بد منها
إجلالاً لمن أعطوا للأرز خلوده ووسموا الربيع بأعمالهم ورسموا طيف حضارتنا
لمن تألموا بصمت على أدراج بعلبك وأنقاض أمجاد صور
لمن صدحت ودياننا المقدسة بأصداء ألحانهم وأصدق همسات قلوبهم
لمن تركوا العطر خلفهم
عاشوا خريف الحياة، ورحلوا بصمت، آخذين معهم آلامهم وأحزانهم
لكنّهم أبوا إلا أن يزرعوا بذور الحقيقة
أن يثوروا على الكذب والرياء،
ويحافظوا على الهوية والأصالة
ويحصنوا كرامة الوطن من أمواج التلوث الذي يغمر العالم ويعصف بالقيم والأخلاق
عندما يرحل الكبار، يجتاحنا الصمت الهادر، فنستيقظ من غفوتنا، ونتجدد.