فضاءات الشائعات وواقع الحال اللبنانية.
لقد كثرت في الآونة الأخيرة الأخبار والشائعات والتأويلات والاستنتاجات، كما كثرت حركة الذهاب والإياب بين العواصم اللبنانية والسورية، من دون أن يصدر أي بيان أو أي إيضاح عن الحديث الذي يجري أو عن المباحثات أو عن المفاوضات، إذا كان هنالك من مفاوضات.
فأصبح الرأي العام في حالة ارتباك وحيرة، لا يعلم إذا كان لبنان سيبقى، أو لا سمح الله سيزول، وإذا كان الحكم في لبنان سيبقى سالمًا، وإذا كان لبنان سيبقى كليًا أو جزئيًا.
بقي أمر آخر لا بد أن أبدي رأيي فيه، وأعتقد أنه رأي الأكثرية العظمى من اللبنانيين، وهذا الأمر يتعلق بعلاقات لبنان الدولية في الحاضر وفي المستقبل.
إن لبنان عضو في هيئة الأمم المتحدة، وله طبعًا صداقات دولية عديدة، وهذا ما يوحي ببعض الطمأنينة.
لكن الأهم هو أن يبقى لبنان سيدًا مستقلًا، حريصًا كل الحرص على استمرار حرياته الكاملة السياسية والاقتصادية والمالية.
إن استمرار المجلس النيابي، رغم كل المصاعب والمحاولات الرامية إلى شله وتعطيله من كل صوب، يكفي للتدليل على أن لبنان، لبنان المؤسسات الواحدة، ولبنان الشعب الواحد، ولبنان الأرض الواحدة، أمر ممكن وأمر مطلوب، وحقيقة تاريخية، وليس خطأً جغرافيًا يعاد رسمه كل حين.
ولا ينبغي أن ننخدع بدعاوى الواقعية المزيفة التي تريد أن تجعل من انقسامنا الحالة الطبيعية المناسبة لوجودنا.
إن ما يدعو إلى التفاؤل هو أن أوهام الأمن الذاتي والمناطق المقفلة قد تبددت، وظهر أنها ليست سوى سجن كبير، وأن الحرية لن تكون إلا لجميع اللبنانيين، ولن يحفظها إلا نظام دولة، ولن تكون هذه الدولة إلا دولة جميع اللبنانيين.
إن الإرادة الوطنية لا بد أن تتغلب وتظهر على غيرها من الإرادات.
ودورنا أن نستجيب لما تنطوي عليه الإرادة الوطنية من اتجاه توحيدي يجابه خطر الزوال اجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا.
ودورنا أن نستجيب للإرادة الوطنية بما هي إرادة انتقال من حالة التمرد والفوضى إلى حالة الحرية والنظام، ومن حالة الخوف إلى حالة الشعور بالأمان، ومن الانقسام والانغلاق وحكم الميليشيات إلى الوحدة والانفتاح وسيادة القانون، ومن الحرمان والتهجير والتشريد إلى الاستقرار والعمل المنتج والعيش الكريم، ومن التسلط والفساد وتوزيع الحصص إلى الحكم الرشيد والإدارة والتكافل والتضامن، ومن الخراب والدمار إلى الإنماء والإعمار.
إن نوع الرؤية يحدد نوع الحل.
فبالرؤية الوطنية نرى الحل الوطني.
وبالرؤية الفئوية نعمى عن أي حل إلا الحل الفئوي.
لقد قادتنا الرؤية الفئوية إلى ما نراه من خراب ودمار، ولا يمكن لأي لبناني مخلص إلا أن يستفيد من دروس هذه الحرب التي دفع ثمنها غاليًا.
ولا يمكن لأي لبناني مخلص إلا أن يقرأ في الطائفية، التي يأبى أن يكون موصوفًا بها، لكونها إفقارًا للروح، وإلغاءً للمواطن، وانغلاقًا على التمدن، ومصدر استغلال داخلي وخارجي، وأساس تمييز وتناحر دائم.
فلا بد، من أجل ذلك، من اعتبارها حدًا سلبيًا يتلاشى كلما تقدم اللبنانيون في طريق العدل والاعتدال.
ولا بد، من أجل ذلك، من أن يرتسم ذلك على الطريق في مجال الدولة وعبر المؤسسات الشرعية، فلا نحكم مسبقًا على نمو كل تيار وطني غير طائفي بأنه تيار رفض وحركة هدم للمؤسسات.
ولا بد، من أجل ذلك، من أن يكون الأفق مفتوحًا، من دون أن نتجاهل الحاضر أو أن نجعله مغايرًا لكل مستقبل.
ولا بد، من أجل ذلك، من الانفتاح حقًا على بناء الإرادة الوطنية وعلى ممارسة الحياة الوطنية في إطار دولة مدنية تستجيب، في عملها ومؤسساتها المتكاملة، لحدود الحاضر ومدى المستقبل.
ولا بد، من أجل ذلك، من تأمين السلطة القادرة وتأمين مسارها الوطني وشرعيتها الوطنية من خلال المؤسسات، لا أن نجعل الإدارة حصصًا والسلطة المركزية قناعًا لسلطات متعددة.
إن أي لبناني مخلص يدرك أنه لن يجدينا شيئًا أن نصطنع الفصل بين ما هو وطني واجتماعي وروحي باسم حداثة أمست شكلًا من الزيف وتجربة من الغربة.
وإن أي لبناني مخلص يدرك أنه لن يجدينا شيئًا أن نسخر الدين والدولة مجددًا باسم دولة دينية لا بد أن تكون طائفية بحكم الواقع، يخضع الدين فيها لأحكام القوة الواقعية.
وإن أي لبناني مخلص يدرك أن الشكل المناسب لحياتنا الوطنية هو دولة تتجاوب مع حقيقة انتماءات اللبنانيين الروحية، فلا تعتبر المواطن مجرد كائن اجتماعي، منتجًا أو مستهلكًا، قاهرًا أو مقهورًا، بل وجودًا روحيًا أصيلًا توفر له شروط التفتح بلا تمييز أو إكراه.
دولة تحفظ الجماعات والأفراد، وتوفر لهم شروط العيش الحر الكريم.
دولة تعمل على تحقيق إرادة اللبنانيين في الانفتاح والتقدم في مجرى المصير العربي.
دولة مدنية لا تقوم على التعصب القومي، بل على الهوية العربية التي لا تميز بين عرق وعرق، أو دين ودين.
إن التطرف من كل جهة هو الذي يؤدي إلى هذه النتائج المريرة التي أودت بكل مجالات العمل والحياة في بلدنا إلى الدمار والانهيار.
فإلى متى سيظلون على هذا النحو يعملون هدمًا وتدميرًا في هذا المجتمع وفي هذا الشعب؟
ولم نستطع، أمام كل هذا، أن نردع أولئك أو أن نضع حدًا لهذا الواقع الذي يتفاقم يومًا بعد يوم، حتى بلغت الأمور الخطوط الحمر التي يجب أن ننبه إليها.
فالدولة والمؤسسات والخزينة والاقتصاد والإنسان في لبنان لم يعد في استطاعته أن يتحمل أكثر مما تحمل.
ونحن عندما نجد من يقوم بمحاولات صادقة من أجل لجم التطرف وجمع المتناقضات، من أجل أن يكون التوفيق والوفاق نتيجة هذه المساعي الأخوية الخيرة، يجب ألا يكون هذا مبعثًا للقلق أو للشك.
لأنه عندما تكون للتطرف نهاية، تكون لهذه الأزمة والمحنة نهاية.
ولا أخال أحدًا فينا إلا ويتمنى أن نصل، وبأسرع وقت، إلى ما يضع حدًا نهائيًا لما يتخبط فيه لبنان.