إدوار حنين
المفكر والسياسي
السيرة الذاتية أرشيف الصور أرشيف الأفلام ارشيف الصوت
 

إدوار حنين السياسي والمشرع

وطن يصارع الإعصار

وطن يصارع الإعصار
قراءة في التحولات اللبنانية الكبرى خلال عقود القرن العشرين كما عاينتُها وتلّمست تداعياتها
تقاطع الحرب والصمود
فوق ربوع لبنان وتربته، صقَلْتُ شخصيتي، وجَعلْتُ منه مسكنًا لأسرتي وموطنًا لعائلتي ومدى لأحلامي.
لبنان، في ذاكرة الزمن، مرصّع بحكايا المجد الغابر، ومحفور في سجل التاريخ وإشراقات الحاضر.
له محطات مضيئة، ومنه رجالات عظماء، لهم مآثرهم على مساحة الدنيا.
بيروت معشوقة موج البحر، وهي توأم مدينة جبيل في عُرفِ الحضارة، والتراث ومرايا لبنان والتاريخ.
لم تكن بيروت، محطة عابرة في حياتي، بل هي بالنسبة لي ما أطمح أن تكون: أيقونة المدن الشاطئة على امتداد الساحل اللبناني.
وهذا ما عملْتُ لأجله وجاهدْتُ في سبيله.
عندما وقفتُ أمام تحديات خياراتي المستقبلية، أحببتُ التاريخ وقراءة فصوله والتوسع في أحداثه ولملمة أطيافه من صفحات الكتب والمجلات.
عوامل عدّة طبعت مرحلة الشباب في حياتي، فإذا بي شاب، أواجه ظروف الحياة وتحولاتها بجدية، وأجمع بين الحيوية في الجبهة اللبنانية والثبات في الموقف.
عواصف ما قبل الإعصار عاينْتُ بيروت مدينة نابضة بالحياة.
أبنيتها تواكب التطور.
حدائقها ومكتباتها.
في تلك المرحلة أيضًا، كانت التظاهرات والإضرابات.
فكأن عاصفة تهبّ على الوطن، والطلاب في وسطها.
ككل اللبنانيين، عايشْتُ حربًا كانت لها أبعاد إقليمية واضحة المعالم.
لم يكن بالإمكان أن نتجاهل الفلسطينيين كعنصر طارئ على حياتنا اللبنانية.
لقد احتضنهم لبنان منذ تهجروا من بلادهم، وناصر قضيتهم منذ البداية، بل قبل أن تكون البداية.
لكنّه في أواخر 1968، دخل الأراضي اللبنانية عدد من الفلسطينيين المسلحين.
أحدث هذا الأمر اضطرابات داخلية ليس بالنسبة لعدد الذين دخلوا وكان لا يتجاوز الخمسين، بل لمبدأ وجود فدائيين على الأراضي اللبنانية.
أما الاضطرابات الداخلية فكان سببها الانقسام بالرأي حول مبدأ وجود فلسطيني مسلح: فريق يؤيد وفريق يرفض.
الفئة التي أيّدَتْ، لجأت إلى مختلف وسائل الضغوط: الإضرابات والمظاهرات والمهرجانات الخطابية والعراقيل التي كانت تضعها لدى تشكيل الحكومات.
الفئة التي رفضت، نصحت الفريق الآخر بعدم الذهاب بعيدًا بالتأييد خشية التصادم.
أما أنا، فكنت مقتنعًا بعدم وجوب حصر الفلسطينيين في لبنان، فقط.
كان يجب توزيعهم بالعدل على جميع البلدان الأعضاء في جامعة الدول العربية.
شنّ الفلسطينيون حملات عنيفة ضد السلطة في لبنان، واتهموها بشتى الإتهامات.
وأقدموا على أعمال تخريبية واعتداءات على الناس والممتلكات.
راح التمدد الفلسطيني يتسع حتى طرق المدائن كلها: مخيمات برج الشمال: صور.
مخيمات عين الحلوة: صيدا.
مخيمات صبرا- شاتيلا - تل الزعتر: بيروت.
مخيمات نهر البارد: طرابلس.
وغيرها من المخيمات.
وغيرها من المدن.
إمتداد جغرافي كاد يشبه غزو الأرض اللبنانية، بل احتلالها.
الأمر الذي قرّب بين النار والبارود أكثر فأكثر.
من أبرز الاصطدامات بين الفلسطينيين والجيش، إصطدام أول وقع في ليل 10 – 11 نيسان 1973.
أما الإصطدام الثاني فحصل في 2 آيار 1973 على أثر حجز ثلاثة عسكريين على حاجز فلسطيني.
يومها جرى تبادل إطلاق نار.
تبعه قصف ثكنات الجيش المجاورة من قبل الفلسطينيين، بالمدافع والصواريخ.
وعمّت الاشتباكات العاصمة ومناطق عدة من لبنان.
وأخذ الفلسطينيون يقصفون الأحياء السكنية والمرافق العامة ومنها مطار بيروت الدولي، بمختلف أنواع الأسلحة الصاروخية والمدفعية.
فتساقطت القذائف المدفعية والصاروخية وسواها بصورة عشوائية على جميع أحياء بيروت وضواحيها وتسببت بوقوع ضحايا بريئة عدة.
قضينا تلك الليلة في بيروت، دون أن يهدأ دوي انفجارات القذائف وأزيز الرصاص.
أدّى الإقتتال إلى سقوط ضحايا مدنية كثيرة.
شُنَّت على لبنان حرب هي حرب الفلسطينيين عليه الذين يضيفهم بسخاء.
ثم اشتعلت على هامش هذه الحرب أو في قلبها حروب متقاطعة، بما فيها حرب بين اليمين واليسار.
وحرب بين الإتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية، وبين الصهيونية العالمية والعرب.
وبين إسرائيل على الفلسطينيين.
وحرب بعض الدول العربية على بعض الدول العربية الأخرى.
وغيرها من الحروب، بما فيها حرب الأطماع السورية والإيرانيّة والإسرائيليّة في بلاد الأرز.
هذه الحروب بمجموعها أتت على الأخضر واليابس في لبنان الذي لم يكن قد أعدّ نفسه لها ولا لغيرها من الحروب، ما دام شعبه يؤمن بالسلام وبالتعايش.
مع اقتراب موعد اندلاع الحرب، كانت الصور المأساوية التي عاينتُها في العاصمة بيروت تحرق عينيّ، وتؤثر بي أشد تأثير.
أمام تسارع الأحداث والتطورات، تَوَقَّفْتُ عن التخطيط للمستقبل والتصميم للغد، وكاد أن يغيب عن بالي الحلم ويضيع الأمل، وصار الهمّ، كل الهمّ في معالجة المشاكل اليومية، الأمنية منها بنوع خاص، بعدما انفجرت الأوضاع.
في نفق الجحيم، مع الشباب المسيحي المقاوم الحرب اللبنانية التي انطلقت شرارتها في 13 نيسان 1975، وضعت لبنان في مهب الريح، وأثّرت تداعياتها بشكل عميق في تحديد أولوياتي.
كانت بيروت ومنطقة الرميل تحديدًا، قد منحتني ثقافة مثلثة الأبعاد: البعد الأول محوره القومية اللبنانية بجذورها الضاربة عميقًا في الزمن وحضورها الدولي الفاعل عبر الانتشار اللبناني.
البعد الثاني محركه الحرص على سلامة المجتمع المسيحي وأمنه.
والبعد الثالث فيه اندفاعة في سبيل قضية الوطن واستقلاله وسيادته.
غداة اندلاع الحرب، أقام الفلسطينيون والأحزاب الداعمة لهم، الحواجز المسلحة.
وعمت الإشتباكات بمختلف الأسلحة الخفيفة منها والثقيلة، ووقع ضحايا، وقطعت الطرقات العامة، وتمّ الإعتداء على منازل ومكاتب ومتاجر ومصانع.
لم تتمكن الحكومة من وقف إطلاق النار إلا بعد أربعة أيام على بدء القتال.
وما إن أخذت الأحوال تهدأ تدريجيًا حتى شعر الفلسطينيون أنهم أصبحوا تحت الأضواء.
فاستؤنفت الاشتباكات في ضواحي بيروت وتحديدًا في منطقة تل الزعتر - الدكوانة وما لبثت أن اتسعت رقعة الاقتتال بسرعة جنونية لا عهد لنا بها في لبنان.
وأخذت قذائف المدافع والصواريخ تتساقط بصورة عشوائية في كل مكان على الناس والممتلكات مخلفة وراءها الضحايا والخراب، وكانت رقعة الاقتتال تتسع فيزداد معها عدد الضحايا والخراب والدمار والخسائر والتعقيدات.
لم تنجح خطط اختراق جبهة أسواق بيروت، إذ هبّ الشباب المسيحيون من مختلف المناطق، للمقاومة والتحصن والدفاع.
ونجحوا في ذلك، مدفوعين بعدالة قضيتهم وإيمانهم بوطن، بقاؤه ووجوده واستمراره مرتبط بصمودهم ومقاومتهم.
كان الواجب الوطني والإنساني يحتّم علينا تحقيق الأمن العسكري أولاً والإقتصادي ثانيًا والإجتماعي ثالثًا والصحي رابعًا.
هزّتني الحرب في الصميم.
تأثرت عميقًا بالواقع المأساوي حيث أخذ عدد الشهداء في التضاعف، والجرحى في الارتفاع، وحيث المستقبل الأسود خيّم فوق رؤوس الجميع.
لم أرض أن أبقى على هامش الحياة، لاسيما بعد استقراري النهائي في عمشيت.
بل واكبتُ من مواقعي المتعددة، كل الأحداث التي رمت بلبنان في أتون حرب شرسة دمّرت كل مقوماته وأسسه.
وقد عشتُها ليس من زاوية المراقب، بل غصْتُ عميقًا فيها، وأحيانًا من موقع المسؤول والمستشار.
رفضت الوقوف متفرجًا على أبناء أمّتي يذوقون الموت وكل أنواع المآسي، ضحايا حرب مدمرة فُرضت على لبنان ودكت كل أسواره.
كثيرة كانت أبواب النضال والالتزام بقضية الشعب والوطن.
لكني ما عرفت أنصع من خدمة منكوب، ولا عرفت أهم من كرامة إنسان! نضالنا لن يتوقف إلا حين يشعر كل صاحب حق أن لبنان وطنه، وهو مواطن من لبنان يحيا كريمًا على أرضه ويستظل سماءه.
الحرية والديمقراطية هواء المجتمع اللبناني، متى أحس بأن كمية الحرية في هوائه منقوصة يختنق.
كان اندلاع الحرب مرحلة مفصلية في مسيرتي، حيث أدخلتني المعترك السياسي من بوابة الجبهة اللبنانية لاحقًا، وذلك بهدفين: الدفاع عن الإستقلال وحماية الوجود الوطني الحر.
تعاظمت حدّة الحرب، وأقفلت البلاد وخاضت جولات وجولات من التقاتل.
البعد المسيحي الماروني المشرقي في مسيرتي ونضالي الوطني في كل الظروف التي عاشها لبنان، كنت جزءًا لا يتجزأ من الحالة المسيحية المصرة على حقها ودورها وعلى المساواة والإنفتاح والتعاطي الإيجابي في كل أمور الوطن وعلى ثوابت السيادة والحريات العامة.
لقد إعتبرتُ قضية وجود المجتمع المسيحي مسألة نضال، وحقًا أزليًا، وواجبًا مقدّسًا.
وآمنْتُ بأن صمود المسيحيين في لبنان سيقف عقبة في وجه الطامعين ببلاد الأرز.
إنّ نشأتي المسيحية عامل يفسّر أبرز جوانب حركتي السياسية ونشاطي الاجتماعي والوطني.
والمسيحية شرف لنا ودين نستلهمه في أعمالنا وأقوالنا وتصرفاتنا وإنتاجنا.
طالما انتابني القلق على مصير المسيحيين في الشرق بعدما تضاعفت عملية إفراغه منهم.
المسيحية مشرقية أصلاً.
هنا مهدها.
وهي استطاعت رغم غدرات الزمان، رغم تراجعها المخيف، رغم النكبات، أن تستمر في محيطها.
نحن لسنا مادة تدرّس في الكتب أو بقايا ينظر إليها في المتاحف.
نحن هنا منذ البدء وسنبقى حتى انتهاء الأزمنة.
علمًا أن انتشارنا يمكن أن يكون ثروة ودعوة لنهضة حديثة، على أن يبقى الشرق قبلتنا دائمًا.
إن السيد المسيح ولد وعاش هنا على أرضنا، وتكلّم وعلّم بالآرامية.
نحن أصحاب قضية.
نحن أبناء المشرق، المتجذرون فيه منذ بدء التاريخ.
لقد تحصن الموارنة في هذه الجبال وأقاموا كيانًا سياسيًا مستقلاً لهم مع من انضم إليهم أو لَحِقَ بهم من أتباع طوائف وأديان أخرى، في هذه الجبال.
هي حقيقة نابعة من المعنى التاريخي لوجود لبنان كدولة مستقلة قائمة بذاتها.
تاريخ المسيحيين في لبنان هو تاريخ مقاومة.
وفي عرفي إن لبنان، ظاهرة فريدة.
إسمه قديم قدم التاريخ وأرضه مقدسة.
وفرادته أنه رسالة، أنه وطن الطوائف المعترف بها، وطن الأفكار والانفتاح.
هذا الوطن الصغير هو جنّة السماء على الأرض، مهد الحرف والحضارة والحرية.
كان علينا أن ننتفض ونثور على هذا الواقع المرير ونتعاون للنهوض بمجتمعنا المنهك ووطننا المنكوب مجددًا.
في مطلع السنة 1980، كانت محور السياسة مسألة دخول الجيش إلى الجنوب وتسهيل مهمته وتسلّمه مواقع المسلحين.
جرت سلسلة اجتماعات في إطار الوساطة العربية لإيجاد حل بين طرفي الحرب وإسقاط الذرائع التي تحول دون انتشار الجيش على طول الشريط الحدودي، وتسلّمه أسلحة الميليشيات في كلا الجبهتين، وتواجهه منفردًا مع إسرائيل.
في وقت ربطت سوريا وجودها في لبنان بدور يتخطى الواقع اللبناني.
في ليل الأحد الإثنين 30 حزيران – 1 تموز 1980، شهدت منطقة القاسمية قرب صور عملية إنزال عسكرية إسرائيلية هي الأوسع في الجنوب منذ الغارة على منطقة أرنون في كانون الثاني 1979.
نفّذ الإنزال رجال الكومندوس الإسرائيلي مع تغطية من قصف بحري ورمايات جوّية واستغرقت العملية أربع ساعات.
تحدّث الإعلام الإسرائيلي عن تدمير قاعدة للفدائيين الفلسطينيين في جنوب لبنان.
أما أنا، وفي خضم الأزمات السياسية الداخلية، فقد حاولْتُ أن أعمل لاتصالات مسيحية مسيحية، وأيّدتُ فكرة أن يلتقي معًا، المسؤولون الموارنة والأورثوذكس والكاثوليك وباقي المذاهب المسيحية، في مسار يؤسس، مستقبلاً، لما يمكن أن يكون حلفًا ثابتًا يهدف إلى توحيد اللغة السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
وكان علينا أيضًا، واجب العمل بجد، لإيصال طبقة سياسية جديدة إلى الحكم، من خارج الإقطاع السياسي: رجال دولة، يتمتعون بالأخلاق والعلم والثقافة والشرف والجرأة ونظافة الكف والكرامة والإباء، لبناء دولة المؤسسات الحديثة العصرية.
واجبنا المحافظة على لبنان، لنهزم معًا قوى التبعية والجهل والإذلال والاستبداد والتخلّف والضعف والشر والدمار.
ليستعيد لبنان دوره، منارة ثقافة وانفتاح وسلام، في الشرق وفي الغرب.
أحداث متسارعة في 27 كانون الأول 1981، تفاقم الوضع الأمني في الشطر الغربي من بيروت، بعد التدهور الخطير، وموجة التفجيرات، وارتفاع عدد الضحايا.
فتم التوافق على تقييد حركة المرور بين شطري العاصمة.
يوم الجمعة 4 حزيران 1982، شنت إسرائيل حربًا ضد لبنان، شملت بيروت والجنوب.
يوم الإثنين 23 آب، عقد مجلس النواب جلسة في المدرسة الحربية في ثكنة الفياضية، وانتخب بشير الجميل رئيسًا للجمهورية.
ما إن أعلن النتيجة رئيس مجلس النواب كامل الأسعد، حتى عمّت الشوارع في المنطقة الشرقية من بيروت موجة من الإبتهاج.
يوم الإثنين 30 آب 1982، غادر ياسر عرفات بيروت عند الحادية عشرة قبل الظهر، بحرًا، على متن الباخرة اليونانية أطلنتيس إلى ميناء ديراييس في أثينا.
كما غادرت بيروت الغربية إلى عدن، الدفعة الثالثة من المقاتلين الفلسطينيين، على متن الباخرة اليونانية ألكييون، في إطار خطة الحل السياسي لأزمة بيروت، وضمت سبعمئة مقاتل ينتمون إلى الفصائل الفلسطينية المتعددة.
في تلك المرحلة، كُنْتُ قد انتقلْتُ جغرافيًا، وغادرْتُ بيروت وعدْتُ إلى عمشيت، والتحقْتُ بالنهج المسيحي المقاوم.
إن البلاد على مفترق طرق حاسم لا سبيل لإنقاذها إلا بشخصية فولاذية وبعزيمة حديدية تعصف في النفوس.
فكانت تلك الشخصية بشير الجميل.
وكنا نحن نشعر بتلك العزيمة العاصفة في وجداننا الداخلي.
الظرف الذي كان يمر به لبنان، كان دقيقًا وغير عادي، تطلّب رجلاً يصح نعته برجل الساعة في مواجهته.
كان بشير الجميّل قائدًا كبيرًا.
رجل الحشود التي تلتف حوله والقائد الماشي بها إلى النصر.
الوطن المقاوم الحرب على لبنان كانت قد أُعِدَّتْ، فعمد المخربون إلى تفتيت جيشه وتهديم مؤسساته الدستورية وتقويض إدارته وتحطيم ثقة الشعب بنفسه، وأغرقوه تحت وابل من القنابل والصواريخ والرصاص.
هبّ شعب لبنان الحر يدافع عن نفسه بما تيسر له.
وما تيسر لم يكن في البداية كثيرًا.
لا سلاحه كان كافيًا ولا عدد محاربيه وافيًا.
حاربنا عدوًا يزيد عدده كل يوم: مرتزقة وشذاذًا ومقاتلين مدربين.
حاولنا أن نزيد عددنا بالتعبئة العامة وتجييش أكبر عدد ممكن من سواعد الشعب اللبناني الحر.
حاولنا أن نجعل عشرين في المئة من أبناء الشعب اللبناني مهيئين لرد الإعتداء عنه ومجابهة التحديات والدفاع عن نفسه.
نحن قاومنا تمددًا فلسطينيًا، وغدرًا إسرائيليّة، وطمعًا سوريًا وإيرانيًا، وفسادًا داخليًا.
في وقت فتح غيرُنا للطامعين ببلاد الأرز الأبواب على مصراعيها.
وبعد سيطرة قوى جرارة على ثمانين في المئة من الأراضي اللبنانية، قررنا التصدي لهذا المسار الإنحداري.
مع مرور الزمن لم أعتنق هذه المبادئ عن طريق العاطفة فقط بل عن طريق الوعي والقرار الذاتي.
الحلم المخطوف يوم الثلاثاء 14 أيلول 1982، إستشهد رئيس الجمهورية الثالث عشر المنتخب بشير الجميل بعد 23 يومًا من انتخابه رئيسًا، في عملية تفجير وحشية أودت بحياة أكثر من ستين شخصًا كان يلتقيهم في بيت حزب الكتائب في الأشرفية.
إستخدم في التفجير 200 كلم من المواد الشديدة الإنفجار الذي دوى عند الساعة الرابعة بعد الظهر، وقد استنكرته مختلف الجهات اللبنانية.
بعد استشهاد بشير، ساد جو من الحزن والقلق والغموض في مختلف المناطق.
يوم الخميس 16 أيلول، واصلت إسرائيل تقدمها نحو العاصمة اللبنانية.
يوم السبت 18 أيلول 1982، بعد مئة وسبعة أيام من الإجتياح الإسرائيلي، وبعد ثلاثة أيام من احتلال بيروت، وقعت في المخيمات الفلسطينية مذابح، تدخل على أثرها المجتمع الدولي مطالبًا إسرائيل بالإنسحاب الفوري.
يوم الثلاثاء 22 أيلول 1982، وبعد مرور أسبوع على اغتيال الرئيس بشير الجميّل، إنتخب مجلس النواب النائب أمين الجميّل رئيسًا للجمهورية.
في اليوم التالي، عُقدت جلسة القسم في المدرسة الحربية.
توجّه بعدها الرئيس المنتخب إلى القصر الجمهوري حيث أقيم حفل التسليم والتسلم بينه وبين الرئيس الياس سركيس الذي انتهت ولايته يوم الخميس 23 أيلول تاريخ وصول 25 مراقبًا دوليًا إلى بيروت في مهمة دولية، هم طلائع القوة الأميركية الفرنسية الإيطالية، وذلك تنفيذًا لقرار مجلس الأمن الدولي المطالب بإنهاء الإحتلال الإسرائيلي لبيروت وسحب القوات الإسرائيلية منها.
يوم الأربعاء 22 أيلول 1982، بعد سبعة أيام من اجتياح بيروت، بدأت القوة الأميركية الفرنسية الإيطالية المتعددة الجنسية، في الإنتشار في العاصمة بشطريها الغربي والشرقي، وبدأت إسرائيل بالإنسحاب من البسطا والأسواق وبرج أبي حيدر ووادي أبو جميل وحوض الولاية والقنطاري تنفيذًا لما تقرر في اجتماعات اللجنة العسكرية اللبنانية الإسرائيلية وقام الجيش اللبناني بالتمركز في مواقع الإنسحاب.
يوم الأحد 31 تشرين الأول 1982، شهد لبنان تطورات متسارعة على الصعيدين السياسي والأمني.
تصعيد أمني في مناطق الجبل، تزامنًا مع استكمال تنفيذ خطة بيروت الكبرى ودخول الجيش والقوات المتعددة الجنسية إلى المنطقة الشرقية، لاسيما في عين الرمانة وفرن الشباك وتعزيز القوة الموجودة في محيط بلدة الحدت، ثم الإنتشار مع القوة المتعددة الجنسية في الأشرفية.
جرى توقيع الإتفاق اللبناني الإسرائيلي، يوم الثلاثاء 17 آيار 1983 في كل من خلدة وكريات شمونة برعاية أميركية.
وقّع في لبنان على نسختين من الإتفاق باللغتين العربية والفرنسية، في خلدة.
وباللغتين الإنكليزية والعبرية في كريات شمونا.
وفي 18 آيار 1983، وصل المبعوث الأميركي فيليب حبيب إلى بيروت لمتابعة البحث في المراحل اللاحقة لتوقيع الإتفاق اللبناني الإسرائيلي.
يوم الأربعاء 31 آب 1983، عاد الجيش اللبناني لينتشر في المنطقة الغربية من بيروت بعد ثلاثة أيام من الإنهيار الأمني الذي ضرب العاصمة وضواحيها، كما الجبل إمتدادًا حتى سواحل كسروان.
يوم الأحد 23 تشرين الاول 1983، عمليتا تفجير إرهابيتان نفذهما إنتحاريان إستهدفتا القوات المتعددة الجنسيات العاملة في بيروت، أسفرت عن مصرع 169 جنديًا (145 أميركًا و24 فرنسيًا) وجرح 69 آخرين مع بقاء مصير 63 جنديًا مجهولاً حتى ساعة متأخرة من الليل.
نفذت عمليتا التفجير بواسطة سيارتي نقل بيك أب مفخختين، إقتحمت الأولى مقر قيادة مشاة البحرية الأميركية (المارينز) في مبنى المديرية العامة للطيران المدني المؤلف من ثلاث طبقات، والثانية مقر سرية المظليين الفرنسيين قرب مستشفى بيروت في منطقة بئر حسن والمؤلف من تسع طبقات، بفارق زمني ثلاث دقائق.
أدى الإنفجاران إلى تدمير للمبنيين بشكل كامل.
تلت ذاك الحدث الجلل، انتكاسة للوضع الأمني في محاور عاليه والشحار الغربي، وتعرضت مواقع الجيش اللبناني في سوق الغرب وضهر الوحش لقصف مدفعي، وتجددت الإشتباكات ليلاً على جميع محاور إقليم الخروب.
تلقت الولايات المتحدة بذهول نبأ التفجير الذي أوقع أكبر خسارة بشرية في صفوف قواتها في عملية واحدة، منذ حرب فييتنام.
ووجّه وزير الدفاع كاسبار وينبرغر أصبع الإتهام إلى إيران دون أن يستبعد السوفيات.
أما الرئيس رونالد ريغان فدعا مجلس الأمن القومي للإجتماع.
من جهتها، لم توجه فرنسا الإتهام لأي طرف، مكتفية بإدانة الحادث وإعلان استمرار قواتها في لبنان وأوفدت وزير دفاعها شارل إرنو إلى بيروت لمعاينة مكان الحادث.
يوم الخميس 1 كانون الأول 1983، قمة لبنانية أميركية هي الثالثة بين الرئيس رونالد ريغان وأمين الجميل الذي زار أميركا وأجرى مباحثات تناولت، حسبما أعلن للإعلام، الإلتزام باتفاق 17 آيار والبحث في آلية تطبيقه.
وقد أعلم الأميركيون الجانب اللبناني استعداد الإسرائيليين للمباشرة بانسحابات جزئية وعلى مراحل من العاصمة لا تتزامن بالضرورة مع انسحابات سورية مماثلة، في وقت كان انعقد في جنيف مؤتمر الحوار الوطني اللبناني، دون أن يصل إلى نتائج مفيدة، بعد أن خسرت الدولة المركزية القوية مناعتها، والمصالحة الوطنية باتت صعبة، وثمة تشنج حاد في العلاقات بين مختلف الأطراف المحليين.
وكانت القضية الشيعية مع بروز حزب الله، قد فرضت نفسها على الواقع السياسي.
الخيارات الصعبة فوق فوهة البركان.
ميدانيًا واكبتُ مرحلة الإنسحابات من الجبل والمجازر التي ارتكبت بحق المسيحيين.
يوم الإثنين 5 آذار 1984، ألغى لبنان رسميًا الإتفاق اللبناني الإسرائيلي بعد 8 أشهر و21 يومًا على إجازة مجلس النواب للحكومة إبرامه في 14/6/1983.
إنعقدت يوم الأحد 18 آذار جلسة العمل السابعة والثامنة من مؤتمر الحوار الوطني في لوزان في سويسرا، تبعتهما جلسات ثنائية انتهى بها المؤتمر بتعثر الإتفاق بين الأفرقاء وذلك بحضور المراقبين السوري عبد الحليم خدام، والسعودي محمد المسعود.
حضر المؤتمر فريق الجبهة اللبنانية بيار الجميل وكميل شمعون، يقابله الفريق الثاني ويضم الرؤساء عادل عسيران وصائب سلام ورشيد كرامي إضافة إلى نبيه بري ووليد جنبلاط.
كما شارك فيه الرئيسان سليمان فرنجيه وأمين الجميل.
يوم الإثنين 11 حزيران 1984، خرجت الأمور عن السيطرة وعاد التقاتل وطال القصف بيروت بشطريها وتمدد نحو الضاحية الجنوبية والمتن وكسروان وصولاً حتى جونيه.
يوم الجمعة 7 أيلول 1984، انعقدت قمة ثنائية بين الرئيسين أمين الجميل وحافظ الأسد في العاصمة السورية أسفرت عن اتفاق على تنفيذ خطة الجبل وانتشار اللواء الأول على الطرق الرئيسة الممتدة من صوفر حتى سوق الغرب، وتمركز كتيبة اللواء الثامن في الجهة المقابلة لقصر بعبدا وكتيبة من اللواء الحادي عشر من الجهة المقابلة لمواقع الحزب التقدمي الإشتراكي.
يوم الجمعة 25 كانون الثاني 1985، إستيقظ اللبنانيون على ارتفاع جنوني وتاريخي غير مسبوق للدولار متجاوزًا عتبة 12 ليرة.
يوم السبت 16 شباط 1985، القوات الإسرائيلية تنسحب من صيدا ومحيطها.
ويوم الجمعة 16 آذار 1985، صراع في المنطقة الشرقية واشتباكات هي الأولى من نوعها.
كذلك سقطت بيروت الغربية يوم الثلاثاء 16 نيسان 1985، في بحر هائج من الفلتان حيث انتشر المسلحون ونشأت اشتباكات بين حركة أمل و"المرابطون" في كل الأحياء وتحولت الشوارع إلى ساحات اشتباكات عنيفة بالأسلحة الرشاشة والقذائف الصاروخية والمدفعية.
الأربعاء 25 نيسان 1985، وبعد سنتين وعشرة أشهر و21 يومًا من غزو إسرائيل للبنان، إنسحب الإسرائيليون من مناطق البقاع الغربي وراشيا الوادي وجبل الباروك وجزين ومحيطها.
ويوم الخميس 9 آيار 1985، كانت الإنتفاضة الثانية في القوات اللبنانية، قادها إيلي حبيقة، فضعفت آمالي في قيام مجتمع مسيحي متماسك كامل المواصفات الإدارية والأمنية والسياسية، وأضحى الإرتماء في الأحضان السورية مسيطرًا.
وهذا ما كنت أرفض وأعارض.
يوم السبت 28 كانون الأول 1985 تمّ توقيع الإتفاق الثلاثي، كخلاصة اجتماعات عقدها عبد الحليم خدام مع نبيه بري ووليد جنبلاط وإيلي حبيقة في دمشق.
حالة من البلبلة سادت الشارع المسيحي! في كانون الثاني 1986، إنقلاب في القوات اللبنانية يقصي إيلي حبيقة عن القيادة ويقضي على الإتفاق الثلاثي بعد 16 ساعة من القمة الاخيرة في دمشق.
فغادر حبيقة مجلس الأمن القومي في الكرنتينا إلى مقر وزارة الدفاع في اليرزة حيث جرت صياغة المخرج للأزمة.
يوم الأحد 8 آيار 1988 دخلت الضاحية الحنوبية في حرب مدمرة بين حركة أمل وحزب الله لثلاثة أيام متواصلة حصدت زهاء 125 قتيلاً وأكثر من 400 جريح معظمهم من المدنيين، حيث جرت معارك ضارية شملت الاحياء المكتظة بالسكان.
يوم الخميس 18 آب 1988، سقطت الجلسة الأول لانتخاب رئيس للجمهورية بالضربة القاضية.
يوم الأحد 18 أيلول 1988 بقي من الزمن أربعة أيام من عهد الرئيس أمين الجميل.
مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط ريتشارد مورفي توصل مع القيادة السورية إلى تفاهم على ضرورة إنجاز الإنتخابات قبل 23 أيلول، مع دعم لمساندة النائب مخايل الضاهر لانتخابات رئاسة الجمهورية.
لكن الرئيس أمين الجميل يوم الخميس 22 أيلول 1988، فاجأ اللبنانيين بتوقيعه مراسيم تشكيل حكومة عسكرية برئاسة قائد الجيش العماد ميشال عون.
أعلنت المراسيم من القصر الجمهوري في بعبدا قبل ثماني دقائق من منتصف الليل الأخير من ولاية الجميّل، على أثر اجتماعات نيابية وسياسية وعسكرية، ودخل لبنان عهد الحكومتين الأولى مقرها القصر الجمهوري في الصنائع والثانية مقر قيادة الجيش في اليرزة.
إعتذر اللواء محمود طي أبو ضرغم والعقيدان نبيل قريطم ولطفي جابر عن مشاركتهم في الحكومة العسكرية، فاقتصرت على العماد ميشال عون والعميد إدغار معلوف والعقيد عصام أبو جمره.
أما الحكومة الثانية فكانت برئاسة الرئيس سليم الحص.
مع مرور مائة وواحد وسبعين يومًا من دون رئيس للجمهورية، أعلن عون يوم الثلاثاء 14 آذار 1989، حربًا عُرفت بداية، بحرب تحرير ثم حرب إلغاء بعدما صوّب اتجاهها نحو القوات اللبنانية.
وقع في يوم واحد زهاء أربعين قتيلاً ومئة وخمسة وأربعين جريحًا بنيران الراجمات التي صبت حممها على بيروت بشطريها وطالت الضاحية والجبل والشرقية وصولاً إلى المديرج وشتورة.
يوم الثلاثاء 18 نيسان 1989، اجتمع تحت سقف بكركي 23 نائبًا من المنطقة الشرقية وأصدروا بيانًا إعتُبر خطوة شجاعة مخالفة للمواجهة التي اختارها عون.
أدان المجتمعون القصف الذي طال الأهداف المدنية وحصد الأبرياء، ودعوا إلى وقف فوري وشامل لإطلاق النار على أن يكون الجيش اللبناني مسؤولاً عن تنفيذه في أماكن وجوده ويكون الجيش السوري مسؤولاً عن تنفيذه في أماكن وجود قواته.
وتوجّه البيان إلى جامعة الدول العربية والمجموعة الأوروبية ومنظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي بنداء عاجل للتدخل السريع بكل الوسائل لوقف المجازر الجماعية.
يوم الأحد 4 حزيران 1989، تشكّلت اللجنة العربية الثلاثية فأعلنت في الخامس من حزيران 1989، في بيان أصدرته في الرباط، عن إقرار خطة عمل لتطبيق قرارات القمة العربية في شأن لبنان وكلفت وزراء الخارجية القيام فورًا بتنفيذ الإجراءات الأولية التي تضمن الخطة.
الأحد 22 تشرين الأول 1989، وقّع سبعة وخمسون نائبًا على النص النهائي لما عرف بوثيقة اتفاق الطائف التي فتحت الباب أمام مشروع الحل العربي من أجل السلام في لبنان.
في وقت أعلن عون رفضه لما أنجز في الطائف متحديًا الإجماع العربي عليه.
يوم الأربعاء 22 تشرين الثاني 1989 سقط رئيس الجمهورية الأستاذ رونيه معوض شهيدًا في ذكرى الإستقلال بعد سبعة عشر يومًا على انتخابه وقبل 24 ساعة من إعلان حكومة الوفاق الوطني التي كان اتخذ القرار بإصدار مراسيمها بعد التوافق على اسمائها مع الرئيس المكلف سليم الحص ورئيس المجلس النيابي حسين الحسيني.
إنه الإغتيال الأول بعد اتفاق الطائف! الجمعة 24 تشرين الثاني وبعد يومين على اغتيال معوّض، إنتخب النائب الياس الهراوي رئيسًا للجمهورية.
ويوم الثلاثاء 28 تشرين الثاني عينت الحكومة العميد إميل لحود قائدًا للجيش اللبناني خلفًا لميشال عون الذي وضعه مجلس الوزراء في التصرف.
الأربعاء الحادي والثلاثون من كانون الثاني 1990، إحترقت الشرقية في معارك امتدت من عين الرمانة حتى المدفون، هاجم فيها عون مراكز القوات اللبنانية فتصدّته وسيطرت على جبيل وعمشيت.
هي المرة الثانية في أقل من عام يتفجر الصراع في الشطر الشرقي من بيروت! حرب مدمرة طالت العاصمة وضواحيها وصولاً إلى بلاد جبيل مرورًا بالمتن وكسروان موقعة خسائر فادحة في الأملاك والممتلكات.
يوم الأحد 14 تشرين الأول 1990، دخلت القوات السورية المناطق الشرقية وأعلن ميشال عون تنحيه ولجأ إلى السفارة الفرنسية.
خلال خمس وأربعين دقيقة من المعارك، كان كل شيء بحكم المنتهي وصار عون لاجئًا في منزل السفير الفرنسي رونيه ألا في منطقة الحازمية طالبًا اللجوء السياسي.
العبور المفخخ هي أيام سوداء بكل ما للكلمة من معنى.
رحم الله الشهداء! فلا أحد يتحدث عنهم باعتبارهم النتيجة الأغلى والأفدح للمجازر.
الحرب التي عصفت بلبنان أكثر ما مست القيم.
لقد انهار المجتمع بعد سنوات من الموت البطيء والإحباط والهمجية وغياب الدولة التدريجي.
إلا أن الخير بقي عنصرًا أصيلاً في أخلاقنا.
نحن إذ التزمنا في الأحزاب لم نستزلم لزعيم بل كنا حماة قضية و تغيير.
لم ندع إلا للكرامة واحترام الذات.
لقد تهيأت باكرًا للإضطلاع بدوري في إنماء المجتمع وتطويره.
وجيّرت كل ما أملك من همة ونشاط واندفاع في سبيل لعب هذا الدور الفاعل.
فعملت على التنمية واتكلت على نفسي وكفاءتي وقناعاتي الشخصية.
جعلتني الحياة رجلاً لا يمكن ترويضه.
المساومة على المبادئ مستحيلة لدي.
لبنان والحرية مقدسان، هذا ما آمنت به، ولا أزال.
في مرحلة معينة، لم أتعب من اتخاذ المواقف الجريئة، ولكنني شعرت بعد هذه الأعوام أنها أخذت من حياتي أكثر مما تستحق.
أدركتُ أن الحرب تركت تجاعيد عميقة في خد لبنان ولن يكون سلام في بلاد الأرز إلا بإخراج الفلسطينيين والسوريين والإسرائيليين من أرضه والفاسدين تجار الهيكل من إداراته ووزاراته وسلطته.
لبنان بين واقعه المؤلم وتطلعه المستقبلي الرائع يبدو دائخًا كمن ضُرب على رأسه.
عشرات الآلاف من أبنائه ماتوا شهداء في معارك وتفجيرات.
عشرات الآلاف فُقدوا أو جُرحوا.
عشرات الآلاف هجروا من مكان إلى مكان في ربوعه.
عشرات الآلاف هاجروا إلى مختلف أنحاء الدنيا.
في الوقت نفسه، عشرات المئات من اللبنانيين تعبوا من هذا المصير الأسود وقرفوا.
لا بد من أن يكون ثمن لدم الشهداء وللدمار الهائل الذي حل بلبنان.
الأفق التائه لم تؤثر الحرب يومًا على معنوياتي، ولم تحبط عزيمتي، بل استمرّيْتُ طوال الوقت، أدعم أكثر من نشاط يتجه في سبيل خدمة المجتمع ونهضته من كبوته، وأحيانًا من موقع القائد والمحرك والمبادر.
وبما أن تدهور الأمن هو أيضا من نتائج الأوضاع الإجتماعية المتردية، فإن معالجة شؤونه يجب أن تبدأ من معالجة أسباب الحرمان.
عجزت الحكومات طيلة الحرب عن تأمين الضمانات الاجتماعية بالشكل المطلوب، وسمحت الأزمات المتتالية بقيام معادلات وصيغ تتجاهل واقع الدولة.
لقد كشفت المحنة القاسية التي مرت بها البلاد وجود لبنان الآخر، لبنان الفقراء والمتألمين والجرحى والمرضى والمقهورين.
هذا الوجود الذي طالما أقرت المعادلات السياسية القائمة تجاهله، وعدم الاعتراف به وبمشاكله وبقضاياه.
لبنان في واقع مأساوي تسببت به حرب استمرت ربع قرن، تعيث فسادًا في مجتمعه ودمارًا في بنيته وقطاعاته وشرذمة في صفوف أبنائه.
مع تحصُّني بالعلم وتملُّكي بمفاتيح الثقافة المعاصرة، تمسّكْتُ بالقيم والمبادئ والتقاليد الأصيلة.
ومع تعاطيّ بموضوعية مع المسألة اللبنانية وتداعيات الحرب على الكيان اللبناني، تبنّيْتُ المنهجية المقاومة لظواهر الاستسلام والانهزام والإحباط.
رسمْتُ مستقبلي منذ صغري، وصوّبْتُ نحو هدف خططتُ له، فأمضيْتُ كل حياتي ملتزمًا تحقيقه دون أن أتأثّر بواقع سياسي أخذ يتدهور سنة بعد سنة وضائقة اقتصادية بدأت تتأزم وصعوبات يعيشها لبنان على أكثر من صعيد.
لقد اجتزْتُ نفق الحرب بما يشبه المعجزة.
أولويات طوال ثلاثين سنة، واكبْتُ كل التطورات التي عرفها الإقتصاد اللبناني والقطاع المالي، وتولدت لديّ رؤية إصلاحية شاملة وعصرية.
مسيرتي الثائرة في زمن الإنحدار الثقافي والفكري هيّأت لحركة نهضة صامتة ساهمت في إحاطة الواقع الإقتصادي والإجتماعي اللبناني بهالة دفاعية صلبة وأسست لانطلاقة جديدة تنسجم مع تطور العلم والحداثة من جهة وإرث لبنان الحضاري من جهة ثانية.
احتلت المسائل الاجتماعية والقضايا الإنسانية الحيّز الأكبر من وقتي، انطلاقًا من قناعة بأن السلام لا يترسّخ إلا بالعدالة الاجتماعية.
تجربة الحرب الصعبة التي عشْتُ معاناتها أسوة بجميع اللبنانيين، رسّخت في وجداني، وولّدت في داخلي نوعًا من المقاومة الصامتة ترجمْتُها في مجتمعي وبيئتي وعملي، وطغت تلك الثورة الداخلية على أدائي في الحياة البرلمانية.
 
إدوار حنين السياسي والمشرع

• إدوار حنين النائب
• إدوار حنين الوزير
• ادوار حنين والجبهة اللبنانية
• حزب الكتلة الوطنية
• إدوار حنين في الصحافة
• كتابات سياسية
• كتابات في السياسية
المجموعة الأولى

• كتابات في السياسية
المجموعة الثانية
ادوار حنين في الصحافة

• مجلة الفصول
• مقالات بو ابراهيم
• مقالات متفرقة
إدوار حنين المفكر والأديب

• أدب الرحلات
• أدب الرثاء
• محاضرات
• كتابات أدبية
• كتابات في مناسبات
• مختارات من محاضرات
إدوار حنين - المجموعة الأولى

• ملف شوقي
• ملف خواطر
• ملف ثلاث كلمات في المصالحة مع الذات
الارشيف

• ارشيف الصوت
• أرشيف الصور
• أرشيف الأفلام
• ارشيف الكتب
ارسل لنا

• لمعلوماتك الاضافية
• لديك مخطوطات غير منشورة
• اتصل بنا
• ارسل هذه الصفحة
• أطبع هذه الصفحة
اطلقت هذا الموقع جمعية أندية الليونز في 30 حزيران 2013 من ضمن احتفاليات مئوية ولادة ادوار حنين.