بيانات اختيار الجنسية: نهاية نصف سعيدة
معاهدة لوزان والجنسية اللبنانية
في 24 تموز 1923، تم توقيع معاهدة لوزان بين لبنان وفرنسا وتركيا، أُتيح بموجبها أن يصبح لبنانيًا، لكل من كان من أصل لبناني ومن رعايا الدولة العثمانية ومقيمًا بتاريخ 30 آب 1924 على الأراضي اللبنانية، تاريخ بدء العمل بهذه المعاهدة التي كرّست رسميًا وضع لبنان تحت انتداب فرنسا.
في هذا التاريخ المحدد لبدء تنفيذ معاهدة لوزان، أصدر المفوض السامي الفرنسي في لبنان قرارًا تشريعيًا حمل الرقم 2825 أعلن بموجبه تطبيق أحكام معاهدة لوزان المتعلقة بالجنسية اللبنانية، وعدّد شروط فقدان التابعية العثمانية.
استنادًا إلى أحكام المادة الخامسة من القرار 2825 إن رعايا الدولة العثمانية الذين هم من أصل لبناني وكانوا بتاريخ 30 آب سنة 1924 خارج الأراضي المنسلخة عن الإمبراطورية العثمانية أو خارج أراضي تركيا – وهم المغتربون اللبنانيون – يكتسبون الجنسية اللبنانية بشرط اختيار الجنسية اللبنانية بخلال سنتين ابتداءً من 30 آب سنة 1924.
ونظرًا لضيق الوقت، تم لاحقًا تمديد مهلة الاختيار الممنوحة للمغتربين من اجل اكتسابهم الجنسية اللبنانية.
أما الاختيار فيجوز أن يكون إما صريحًا وإما ضمنيًا. وحق اختيار الجنسية اللبنانية أعطي للمغتربين دون شرط نقل مسكنهم إلى الأراضي اللبنانية.
في حال توفر الشروط القانونية التي وضعتها الدولة لمنح احد الأفراد جنسيتها، هي ملزمة بالتقيد بهذه الشروط. وفي حال رفضت إعطاء الجنسية إلى من تتوفر فيه الشروط التي تؤهله لاكتسابها، نكون عندها أمام تجاوز حد السلطان، يحق لمن اختار الجنسية اللبنانية وهو خارج الأراضي العثمانية بتاريخ 30 آب سنة 1924، مقاضاة الدولة.
تمديد مهلة الاختيار
بعد إحصاء سنة 1932، مددت مهلة الاختيار مرة أولى، بموجب الاتفاق المعقود بين تركيا وسلطة الانتداب الفرنسي، سنة جديدة بدأت في 29 آيار 1937، حسب البند الثاني من الكتابين المتبادلين بين سفير فرنسا في تركيا ووزير خارجية تركيا. وهذا نصه:
"إن الأشخاص الذين أصلهم من سوريا أو لبنان وكانوا مقيمين في البلاد الأجنبية بتاريخ 30 آب سنة 1924 فأهملوا في المهلة المعينة في المادة 34 من معاهدة لوزان اختيار الجنسية المقررة لبلادهم الأصلية يمكنهم ممارسة حق الاختيار في مهلة سنة واحدة اعتبارًا من يوم تقرير هذه الأحكام".
التمديد الثاني لمهلة الاختيار للمغتربين جاء في 7 كانون الأول سنة 1946، بموجب كتابين تبادلهما سفير تركيا في لبنان ووزير الخارجية اللبنانية بالوكالة. مدة التمديد سنتان تبدأ من تاريخ العمل بهذا الاتفاق في 29 أيلول سنة 1952. وقد نص البند الأول من الاتفاق المكرّس بالكتابين المشار إليهما على ما يلي:
"إن الأشخاص الذين هم من أصل لبناني، الذين كانوا مقيمين في الخارج بتاريخ 30 آب سنة 1924، وأغفلوا خلال المهل المحددة بالمادة 34 من معاهدة لوزان أو الفقرة 2 من الكتابين المتبادلين بتاريخ 29 آيار سنة 1937، بين السيد نعمان منجمي اوغلو وسعادة السيد هنري بونسو، اختيار الجنسية الراهنة في بلدهم الأصلي، يستطيعون أن يمارسوا حق الاختيار هذا خلال مهلة سنتين تبدأ من تاريخ إنفاذ أحكام هذا الكتاب".
وكان قد صدر قانون في 31 كانون الثاني 1946 أجاز بمادته الثانية للبناني الأصل استعادة جنسيته، ثم أعقب هذا القانون مرسوم يبيّن الطرق الواجب اعتمادها في استعادة الجنسية اللبنانية.
لاحقًا مددت المهلة سنتين جديدتين بصورة آلية بموجب كتابين متبادلين بين الحكومة اللبنانية والحكومة التركية كما حصل في الاتفاق السابق.
ومددت المهلة مرة أخيرة بتاريخ 8 كانون الثاني سنة 1956، حيث جرى تبادل كتابين بالمعنى عينه بين رئيس وزراء لبنان وسفير تركيا في لبنان، على أن تبدأ المهلة الجديدة في التاسع والعشرين من شهر أيلول سنة 1956.
بعد هذا التاريخ الأخير لم يحدث أي تمديد لمهلة الاختيار. مع العلم أن قسمًا من معاملات اختيار الجنسية تمّ تنفيذها في عهد الرئيس كميل شمعون، ولم يتم استكمال الطلبات الباقية بسبب تردي الوضع الأمني في البلاد. فجمّدت القضية حتى سنة 1968 تاريخ صدور القانون رقم 68/67
القانون رقم 68/67
في 4/12/1967، صدر عن مجلس النواب اللبناني القانون رقم 68/67.
بموجب نص الفقرة 2 من المادة الثالثة من هذا القانون تعتبر نافذة ونهائية منذ تاريخ 4/12/1967، و"دون أية معاملة أخرى"، قرارات "المعتمدين الديبلوماسيين والقنصليين وبيانات اختيار" الجنسية المقدمة قبل 29/9/1958 الوارد إلى "وزارة الخارجية والمغتربين والمودعة المديرية العامة "للأحوال الشخصية حتى تاريخه".
إلا أن آلافًا منها تكدست لدى المديرية العامة للأحوال الشخصية، ولم تنفذ وفق الأصول.
فتعالت أصوات المغتربين احتجاجًا على عدم إعطاء هذه المعاملات مجراها التنفيذي من منطلق أن قيدهم حق حتمي وليس استنسابيًا مما دفع العديد من المرجعيات السياسية إلى تسليط الضوء على الموضوع ومنها الرابطة المارونية التي وجّهت في 20/6/1996 كتابًا إلى وزير الداخلية ميشال المر تطالبه بـ: "الإيعاز إلى المديرية العامة للأحوال الشخصية وخاصة دائرة المغتربين للكشف على هذه المعاملات وإعطائها المنحى القانوني"، وآخر إلى وزير الخارجية فارس بويز بالمعنى نفسه.
في 3/3/1997، وجهت وزارة الخارجية، كتابًا إلى مدير عام الأحوال الشخصية، موقّعا من أمين عام الوزارة ظافر الحسن تلفت نظره إلى حتمية وسرعة إنجاز هذه المعاملات وإفادة وزارة الخارجية بالسرعة المطلوبة لتتمكن الوزارة من إفادة أصحاب العلاقة عن مصير معاملاتهم.
وفي 3/3/1997، تلقى وزير الداخلية ميشال المر من وزارة الخارجية كتابًا تأكيديًا حول مصير هذه المعاملات.
في مجلس النواب
كل هذه الخطوات لم تسهم في تقدّم الملف خطوة واحدة، بل استمر الجمود والإهمال يحكمانه.
ففي 18/6/2003، وجّه النائب نعمة الله أبي نصر سؤالاً إلى الحكومة، حول الموضوع، حوّله في 30/9/2003 إلى استجواب. لكنّ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وتعليق اجتماعات مجلس النواب حالا دون انعقاد جلسة المساءلة، فبقي الموضوع معلّقًا، إلى أن وجّه النائب أبي نصر كتابًا في 11/3/2008، إلى هيئة التفتيش المركزي القاضي جورج عواد يطالب فيه بالتحقيق وتحديد المسؤولية.
الوضع الحالي
في 2 أيلول 2008، وجّه وزير الداخلية زياد بارود إلى رئيس هيئة التفتيش المركزي كتابًا يعلن فيه: "المباشرة في درس هذه المعاملات، للتأكد من صحة المستندات المرفقة بها".
كذلك أعطى الوزير بارود التعليمات لتحريك الملف من جديد لدى مديرية الأحوال الشخصية التي عكفت على مراجعة الطلبات والمعاملات والتدقيق بها ودراسة محتوياتها وإعطاء الرأي النهائي فيها، وكلّها واردة من البعثات القنصلية اللبنانية والمحفوظة منذ عشرات السنين لدى دائرة المغتربين في هذه الإدارة، فإذا بعددها يناهز السبعة آلاف ومعظمها لا يزال مربوطًا بمستنداته وفقًا للحالة التي كانت عليها حين ورودها. في حين أنّ قلة منها مبعثرة.
لم تقف العملية عند هذه الحدود بل أصر الوزير بارود على متابعتها حتى النهاية، ووضع الملفات المكتملة التكوين في طريق التنفيذ.
وهكذا وصلت بيانات اختيار الجنسية إلى نهاية نصف سعيدة، عندما بادر الوزير بارود إلى إنجاز حوالي 4241 ملف في مسألة استعادة الجنسية وصدر عن وزارة الداخلية في 11/2/2009 تصريح بهذا الشأن.
قلنا نهاية "نصف سعيدة" لأن أصحاب الحقوق التي نُفّذت أخيرًا طلبات اختيارهم الجنسية اللبنانية، من المؤكّد انهم باتوا اليوم في دنيا الحق. مما يعني:
1 – على وزارة الداخلية إبلاغ وزارة الخارجية بإنجاز هذه المعاملات المرفقة بإخراجات قيد أصحابها.
2 – على وزارة الخارجية إبلاغ بعثاتها الدبلوماسية والقنصلية هذه النتيجة.
3 – على هذه البعثات إبلاغ أصحاب العلاقة بأنهم أصبحوا حاملين للجنسية اللبنانية وبحق أولادهم الحتمي بتسجيلهم في القيود اللبنانية.
القانون رقم 68/67.
نص القانون على المواد التالية:
المادة الأولى: تختص المحاكم البدائية دون سواها بالنظر في دعاوى قيد المكتومين المسندة إلى أحكام معاهدة لوزان والقرار رقم 2825 الصادر في 30 آب 1924.
تحال إداريًا الدعاوى العالقة بهذا الشأن أمام الحكام المنفردين إلى المحاكم البدائية.
المادة الثانية: لا تسمع الدعاوى المنصوص عليها في المادة السابقة إلا بوجه الدولة اللبنانية كفريق أصلي في الدعوى وتعتبر النيابة العامة فريق فريقًا منضمًا.
المادة الثالثة: تعتبر نافذة ونهائية ودون أية معاملة أخرى القرارات الصادرة قبل وضع هذا القانون موضع التنفيذ عن المحاكم ولو كانت موضوع طعن.
وتعتبر نافذة ونهائية أيضًا ودون أية معاملة أخرى قرارات المعتمدين الديبلوماسيين والقنصليين وبيانات اختيار الجنسية المقدمة قبل 29 أيلول سنة 1958 المودعة جميعها وزارة الخارجية والمغتربين والمديرية العامة للأحوال الشخصية حتى تاريخه.
المادة الرابعة: تنظر المحاكم العدلية في المنازعات الطارئة المتعلقة بالجنسية ولا تأثير للأحكام الصادرة عن هذه المحاكم في اكتساب الجنسية اللبنانية.
المادة الخامسة: يعمل بهذا القانون فور نشره في الجريدة الرسمية.