إدوار حنين
المفكر والسياسي
السيرة الذاتية أرشيف الصور أرشيف الأفلام ارشيف الصوت
 

إدوار حنين السياسي والمشرع

الإطار الدولي لولادة لبنان الكبير

الإطار الدولي لولادة لبنان الكبير
ليس الهدف من هذا البحث وضع دراسة مسهبة للصراعات الدولية التي أدّت في نهاية الحرب العالمية الأولى إلى سقوط سلطنة بني عثمان وإلى اقتسام ولاياتها العربية بين الحلفاء المنتصرين تحت غطاء نظام الانتداب.
حسبنا رسم الخطوط الكبرى لأوضاع الشرق الأوسط خلال تلك الحقبة والتوقف فقط عند بعض المحطات، محاولين إلقاء أضواء جديدة عليها، إستنادًا إلى الدراسات الحديثة المخصصة لتاريخ تلك المنطقة وإلى بعض ما يحتوي الأرشيف الأوروبي من وثائق لها علاقة مباشرة بموضوعنا.
تعتبر السنوات الممتدة من 1914 حتى 1920 منعطفًا أساسيًا في تقرير مصير المشرق العربي.
ولكن ما حصل خلالها يشكّل امتدادًا طبيعيًا للتحولات التي عرفتها السلطنة العثمانية منذ عهد التنظيمات وللهيمنة الأوروبية عليها.
لذا سنعالج بإيجاز: في القسم الأول من بحثنا، المنحى الخطر الذي آلت إليه العلاقات، في مطلع القرن العشرين، بين تلك السلطنة والدول الأوروبية، سنكرّس القسم الثاني لسنوات الحرب وللصراع العلني بين الحلفاء على تركة "الرجل المريض" وسندرس أخيرًا في الثالث مرحلة الحسم التي تمتد على سنتين تقريبًا: تبدأ بتاريخ انهيار دولة بني عثمان في تشرين الثاني 1918 وتنتهي بولادة دولة لبنان الكبير في 31 آب 1920.
1 – الوهن العثماني والأطماع الأوروبية عشية اندلاع الحرب العالمية الأولى.
إن موقع سلطنة بني عثمان الستراتيجي وامتدادها الجغرافي وكثرة مواردها، جعلتها محط أنظار الدول الغربية، لا سيما منذ مطلع القرن التاسع عشر بعد أن دبّ الضعف في جسمها، وبعد أن فقدت المناعة التي تميّزت بها في القرون الأولى من تاريخها.
وقد سعت حكومات أوروبا مرارًا لاقتسامها.
لكنّها لم تفلح بسبب عجزها عن التوصّل إلى اتفاق حول حصّة كل منها.
فاكتفت في النهاية بالاستيلاء على ولايات السلطنة الإفريقية وبتشجيع الحركات التحررية في البلقان وبالضغط على الباب العالي للحصول على مزيد من الامتيازات.
أ – المضائق، قناة السويس والخليج: مناطق تصادم المصالح الأوروبية.
تمحور الصراع في البدء بين الدول الكبرى حول منطقتين حسّاستين: المضائق وقناة السويس.
وكانت روسيا منذ عهد بطرس الأكبر تنظر بجشع إلى المضائق وإلى القسطنطينية عاصمة الأورثوذكسية.
وقد ازداد ضغطها في القرن التاسع عشر إذ خاضت ضد العثمانيين ثلاث حروب خطيرة: الأولى في عامي 1828 – 1829 وأدّت إلى استقلال بلاد اليونان، الثانية بين 1854 و1856 وهي حرب القرم الدامية، الثالثة في سنتي 1877 – 1878 وقد وصلت خلالها الجيوش الروسية إلى أبواب العاصمة العثمانية وفرضت على الباب العالي اتفاقية سان ستيفانو المذلّة.
ولكن في كل مرّة كانت الدول الأوروبية الأخرى تتدخّل إما عسكريًا، كما فعلت في حرب القرم، وإما دبلوماسيًا، كما فعلت عام 1878 في مؤتمر برلين، لتُنقِذ السلطان من مخالب القيصر، وذلك خوفًا من أن يسيطر هذا الأخير على الحوض الشرقي للمتوسط.
كانت بريطانيا أكثر الدول تصلّبًا تجاه روسيا، وكان الباب العالي يرى في حكومة لندن المدافع الأول عن كيان السلطنة وعمّا تبقّى لها من ممتلكات.
لذا تنازل السلطان طوعًا للإنكليز عن جزيرة قبرص بعد مؤتمر برلين، ليكونوا على مقربة من المضائق وليراقبوا تحركات الروس في تلك المنطقة.
بعد أن انجزت ألمانيا وحدتها، أخذت بدورها تعير منطقة البلقان أهمية كبرى، فدفع بسمارك أولاً بالنمسا باتجاه الشرق ثم نصّب نفسه محاميًا عن وحدة الإمبراطورية العثمانية وعن حرية الملاحة في المضائق.
ارتاح عبد الحميد لموقف حكومة برلين المستجد، فاستعان بخبراء ألمانيين لإعادة تنظيم الجيش والإدارة.
وقد أبدى هؤلاء مقدرة وفعالية فائقتين في عملهم.
في تلك الظروف وُلد مشروع الخط الحديدي بين برلين وبغداد وقد حصلت شركة ألمانية على امتياز الجزء الأول منه عام 1888.
بعد استقالة بسمارك، تابع غليوم الثاني السياسة نفسها.
قام عام 1898 بزيارة عبد الحميد في اسطنبول، ثم انتقل إلى فلسطين فدمشق حيث ألقى خطبة في السابع من تشرين الثاني أعلن فيها نفسه صديقًا للثلاثمائة مليون مسلم المنتشرين في العالم.
أثارت سياسة غليوم الثاني هذه حفيظة بريطانيا وزادت من خشيتها من أن تصل ألمانيا عبر الخط الحديدي إلى منطقة الخليج ومن ثم إلى الهند.
كانت بريطانيا قد أحكمت قبضتها على المداخل الجنوبية للمتوسط بعد أن استولت على مضيق جبل طارق عام 1704 ثم على مالطة عام 1801 فقبرص عام 1878 وأخيرًا على مصر عام 1882.
لذا رأت أن مصلحتها تقضي التخلّي عن سياستها التقليدية تجاه العثمانيين والتنسيق مع القيصر لدرء الخطر الألماني.
قد أدى هذا التوجّه الجديد عام 1907 إلى ولادة الحلف الثلاثي الذي ضمّ فرنسا وروسيا وبريطانيا.
كانت حكومة لندن قد اتخذت عددًا من الإجراءات لمنع خط برلين – بغداد من النفاذ إلى منطقة الخليج، فعقدت عام 1899 اتفاقًا مع أمير الكويت تعهّد هذا الأخير بموجبه بعدم السمّاح للشركة الألمانية ببناء المحطة الأخيرة لهذا الخط في أراضيه دون موافقة الإنكليز.
وكانت الكويت، على عكس الساحل العراقي الضيّق حيث يصبّ شط العرب، تشكّل على الخليج المنطقة الوحيدة الملائمة لبناء مثل هذه المحطة.
عندما اندلعت الحرب العالمية الأول، فصلت بريطانيا الكويت نهائيًا عن الإمبراطورية العثمانية وفرضت عليها حمايتها وهكذا فعلت بقبرص وبمصر.
بـ - الهيمنة الاقتصادية والثقافية على السلطنة.
إن الضعف العسكري والسياسي الذي أصاب دولة بني عثمان رافقه شلل اقتصادي بلغ ذروته في عهد عبد الحميد الثاني وتزامن مع الهجمة الإمبريالية الاوروبية على العالم.
فكانت السلطنة إحدى ضحاياها.
أخذ الأوروبيون يمدّون الباب العالي بالقروض ويوظفون رؤوس أموالهم في المشاريع العامة والخاصة.
نذكّر هنا بأن حصّة فرنسا من الدين العام العثماني كانت تفوق الستين بالمئة.
وبان أموالها الموظفة داخل السلطنة بلغت، قبيل اندلاع الحرب الكبرى، 53% من مجموع الاستثمارات الأجنبية.
ونشير أيضًا إلى أن فرنسا، ابتداء من عام 1911، أخذت توجّه توظيفاتها بصورة أولية، إلى الولايات السورية وإلى متصرفيّة جبل لبنان.
بالإضافة إلى هذه الهيمنة الاقتصادية، فقد بسط الأوروبيون نفوذهم على القطاع التعليمي.
ففي عام 1914، كانت المدارس الفرنسية المنتشرة في ولايات السلطنة الآسيوية وفي مصر تعدّ تسعين ألف طالب، مقابل 23500 طالب للمدارس الانكلو – أميركية.
وقد حافظت فرنسا، إلى جانب ذلك، على حقّها في حماية كاثوليك الشرق وفي حماية الأماكن المقدّسة في فلسطين.
عشية اندلاع الحرب العالمية الأولى، كانت الدول الإمبريالية قد أحكمت قبضتها على ما تبقّى من ممتلكات للدولة العثمانية، فتقاسمتها وحوّلتها إلى مناطق نفوذ اقتصادي، فكانت الولايات السورية مع سنجق القدس ومتصرّفية جبل لبنان من نصيب فرنسا.
جـ - فشل التنظيمات.
إن الهجمة الإمبريالية على السلطنة العثمانية أتت كنتيجة للتفكك الداخلي وللوهن اللذين أصاباها ولم تكن سببًا لهما.
يضاف إلى ذلك أن برامج الإصلاح المعروفة بالتنظيمات والتي نادت بالمساواة بين الرعايا دون النظر إلى العرق أو الدين أو المذهب، بقيت بمجملها حبرًا على ورق، وظلّت صبغة الدولة إسلامية وظل العرق التركي هو المسيطر.
وبعد أن اعتمد عبد الحميد على الرابطة الدينية واضطهد الأقليات غير الإسلامية، لا سيما الأرمن، قام الاتحاديون من بعده بتطبيق سياسة عنصرية جعلت الشعوب غير الطورانية، ومن بينها العرب، تنفر من حكمهم.
بالإضافة إلى العدالة والمساواة، هدفت التنظيمات إلى إصلاح أوضاع السلطنة وإدخال الحداثة إليها.
ولكن التحسّن البسيط الذي أصاب بعض القطاعات أتى مخيّبًا للآمال، لذا قام عدد من المفكّرين يفتشون عن حلول جديدة تخرج شعوب الإمبراطورية من التخلّف والسبات، وكان مبدأ القومية المعتمد في أوروبا قد توغّل داخل الدولة العثمانية وفرض نفسه كأحد الحلول الممكنة.
تجدر الإشارة هنا إلى أن التيار الإصلاحي نشط بشكل خاص في بيروت حيث برزت الجمعية الإصلاحية البيروتية، وكان قسم من أعضائها يسعى للحصول على الاستقلال الإداري بدعم من أوروبا.
بينما هال بعض المنتسبين إليها من المسيحيين التنكيل الذي كان يتعرّض له النصارى العثمانيون، لا سيما بعد حرب البلقان، فأخذوا يتّصلون سرًا بممثلي فرنسا مطالبين بإلحاق مدينتهم بيروت بالجبل وبفرض الحماية الفرنسية على كافة الولايات السورية.
نذكّر هنا بأن فكرة الاستقلال عن السلطنة قديمة في لبنان، تعود إلى عهد الإمارة المعنية، وقد ترسّخت خلال حكم بشير الثاني وتبلورت في عهد المتصرّفية، وقد ساعد على ظهورها عدد من العوامل أهمها التركيبة السكانية المعقّدة والفريدة وطبيعة التضاريس والموقع الجغرافي المميز.
2 – الحرب ومصير الشرق الأوسط: أضواء جديدة على الصراع بين الحلفاء.
عندما اندلعت الحرب قرّر الحلفاء وضع حد نهائي للمسألة الشرقية بتجزئة الأراضي العثمانية، فكانت موجة الاتفاقيات السرية، وما يهمّنا منها هي اتفاقية سايكس بيكو التي أُبرمت عام 1916 والتي نصّت على اقتسام الولايات العربية بين فرنسا وبريطانيا في نهاية الحرب، فيكون لبنان مع الساحل السوري وكيليكيا من نصيب فرنسا وجنوب العراق من نصيب بريطانيا وفلسطين تحت إشراف دولي.
أما الداخل فيحكمه العرب ويقسم بدوره إلى قسمين: - في الشمال منطقة "أ" وتكون تحت النفوذ الفرنسي، - وفي الجنوب منطقة "ب" وتكون تحت النفوذ البريطاني.
إلى جانب تلك الاتفاقية هناك المراسلات التي تبودلت في عامي 1915 و1916 بين الشريف حسين والمفوّض البريطاني في مصر، هنري مكماهون، وقد تعهّد فيها هذا الأخير، باسم حكومته، مساعدة العرب على بناء دولة مستقلّة إن هم ثاروا على الترك؛ هناك أخيرًا وعد بلفور الذي صدر عام 1917 وقد تعهّدت فيه لندن العمل على إنشاء الوطن القومي للشعب اليهودي في فلسطين.
أما اتفاقيتا القسطنطينية (1915) وسان جان دي موريان (1917) اللتان نصّتا على تجزئة {سيا الصغرى، فقد سقطتا بعد انسحاب البولشفيك من القتال وتوقيعهم صلح برست – ليتوفسك مع الدول الوسطى في ربيع 1918 وبعد أن تصدّى مصطفى كمال للحلفاء ولمعاهدة سيفر ورفض أن تمس وحدة الأناضول.
أ – بريطانيا وخيار القضاء على الدولة العثمانية.
عند اندلاع الحرب، كانت بريطانيا أكثر الدول الحليفة اهتمامًا بالشرق الأوسط لأن مصير إمبراطوريتها كان يتعلّق إلى حد كبير بمصير تلك المنطقة وبمستقبل الدولة العثمانية.
وقد اخافتها الدعوة إلى الجهاد التي وجهها السلطان إلى الشعوب الإسلامية، لذا قررت، منذ أواخر 1914، الاعتماد على العرب لإبطال مفعول تلك الدعوة.
وكانت تربطها علاقات طيّبة ومعاهدات بعدد من أمراء شبه الجزيرة لا سيما بابن سعود.
لكنها اختارت الحسين حليفًا مفضّلاً لأنها رأت فيه الشخصية الأوفر حظًا لقيادة حركة عربية مناهضة للأتراك.
كانت الإدارة البريطانية في مصر تحبّذ فكرة توسيع المملكة المصرية باتجاه الشرق وضم ولايات الهلال الخصيب وشبه الجزيرة إليها، مع إقامة سلطة روحية عربية في الحجاز.
لكن تبني خيار كهذا لم يكن بالأمر السهل خصوصًا وأن نتائج الحرب لم تكن قد تبلورت بعد.
أما حكومة الهند البريطانية فاقترحت إلحاق الولايات العراقية بشكل نهائي بالإمبراطورية.
لكن لندن تروّت في إعلان أهداف كهذه خوفًا من ردّات الفعل العربية والدولية ولكنّها أسرعت في خريف 1914 واستولت على جنوب بلاد ما بين النهرين لكي تحكم قبضتها على منطقة الخليج.
بين ربيع 1915 وصيف 1916 واجه البريطانيون في الشرق الأوسط صعوبات عسكرية لم تكن في الحسبان.
حملتهم على المضائق انتهت بفشل ذريع وكذلك عملية الإنزال في شبه جزيرة غاليبولي.
وفي العراق اضطرّت قواتهم إلى الاستسلام في العمارة، في نيسان 1916، إلى القائد العثماني خليل بك.
فقط على جبهة السويس استطاع البريطانيون أن يردّوا الهجومين اللذين شنّهما جمال باشا في شباط 1915 وفي آب 1916.
إن هذا الوضع العسكري المقلق جعل حكومة لندن تتخوّف من أن تنتهي الحرب دون حسم عسكري في الشرق الاوسط، فيقع الباب العالي حتمًا تحت وصاية برلين وينهي الألمان آنذاك بناء خط بغداد فيلجون بواسطته منطقة الخليج.
لذا انطلقت الحكومة البريطانية، منذ حزيران 1915، في المفاوضات مع حلفائها للقضاء نهائيًا على سلطنة بني عثمان ولاقتسام ما تبقّى من أراضيها، وقد وضعت نصب عينيها الاستيلاء على فلسطين وبلاد ما بين النهرين وضمّهما إلى الإمبراطورية.
لم يتردد الإنكليز في استعمال الشريف حسين وأولاده لتغطية أكبر عملية ابتزاز تعرّض لها العرب في تاريخهم المعاصر.
كما استعملوا الحركات القومية السورية والجبهة اللبنانية الصهيونية على حد سواء لإزاحة فرنسا من طريقهم بعد أن صوّروها للمسلمين ولليهود بأنها تعمل فقط لحماية النصارى ولرفع شأنهم في الشرق.
وكانت فرنسا الدولة الوحيدة القادرة على الوقوف في وجه المخططات البريطانية في فلسطين وذلك لاعتبارات لا مجال للتوقف عندها في هذه الدراسة.
بـ - التنافس على سورية ولبنان في المحادثات التي مهّدت لاتفاقية سايكس – بيكو حاول المفاوضون الإنكيز ان يبعدوا الفرنسيين عن لبنان بهدف إضعاف وجودهم في المتوسط الشرقي بعد الحرب.
ففي أول جلسة عقدها بيكو في لندن، في 21 كانون الأول 1915، مع ممثلي الحكومة البريطانية، أصرّ هؤلاء على أن لا تتعدّى المنطقة التي ستقع تحت الحماية الفرنسية المباشرة الساحل السوري الممتد من الإسكندرونة حتى طرطوس، على ان تلحق المناطق الأخرى بما فيها الساحل اللبناني والجبل، بالدولة العربية التي سيحكمها الشريف حسين.
رفض بيكو هذا الاقتراح مؤكدًا أنّه لا يجوز أن يعاد لبنان إلى الوراء بعد أن تمتّع بإدارة ذاتية تحت الحكم التركي، وأن اللبنانيين لن يقبلوا بالتخلّي عن وضعهم المميز ولا بالتراجع عن مطلبهم الحيوي وهو ضم بيروت وطرابلس والبقاع إلى الجبل.
تابع بيكو قائلاً إن الأتراك عندما رسموا حدود المتصرفية وحصروها في المنطقة الجبلية الصخرية الوعرة كانوا يهدفون إلى تهجير السكان وقد نجحوا في ذلك.
جرت المفاوضات اللاحقة فقط بين سايكس وبيكو، وقد استطاع ممثل فرنسا أن يقنع زميله الإنكليزي بوجهة نظره.
فوضعا سوية نص الاتفاقية التي عُرفت باسميهما.
تعتبر هذه الاتفاقية في نظرنا تراجعًا تكتيكيًا لبريطانيا أمام حليفتها ومنافستها فرنسا.
لم يتردد عدد من المسؤولين البريطانيين في التصريح علنًا أنها حل دبلوماسي مؤقت وانها ستعدّل حتمًا في المستقبل.
جـ - التطلعات الإمبريالية الجديدة لبريطانيا.
في كانون الأول 1916، انتقلت السلطة في لندن إلى حكومة إئتلافية يترأسها لويد جورج.
فقررت هذه مضاعفة مجهودها الحربي في منطقة الشرق الأوسط، وقد تزامن انتقال المسؤولية إليها مع ثورة شباط في روسيا.
خشي البريطانيون انسحاب الجيش الروسي من القتال، لذا اقترحوا على حكومة اسطنبول عقد صلح منفرد، من شروطه استقلال الحجاز ووضع العراق وفلسطين تحت الحماية البريطانية وإعطاء مصر وأرمينيا حكمًا ذاتيًا.
رفض الاتحاديون هذه الشروط واستمرت الحرب بين الدولتين.
في نيسان 1917، أوكلت حكومة لويد جورج إلى لجنة خاصة من أعضائها البارزين اللورد كورزون والجنرال سمطس، وضع دراسة حول المقاطعات التي يجب أن تلحق بالإمبراطورية البريطانية في نهاية الحرب.
رفعت هذه اللجنة تقريرها إلى الحكومة في الأول من آيار 1917، وقد طالبت فيه بوضع فلسطين والعراق تحت الرقابة البريطانية وتعديل اتفاقية سايكس بيكو بشكل يجعل من فلسطين محمية إنكليزية تمتد حدودها حتى نهر الليطاني وحتى شمال حوران.
بعد هذا التقرير حدث تحوّل جذري في سياسة لندن تجاه الشرق، فولدت عند بعض المسؤولين فكرة ربط مصر والعراق بشبكة من الخطوط الحديدية وإخضاع المنطقة بكاملها للسيطرة البريطانية المباشرة أو غير المباشرة، واقتلاع فرنسا نهائيًا منها.
هنا بدأ صراع علني بين الدولتين كان مسرحه في بادئ الأمر فلسطين.
د – فلسطين، أول امتحان لصدق النوايا.
كانت الحكومة الفرنسية قد اتخذت الإجراءات اللازمة منذ ربيع 1917 للمشاركة ولو بقوات رمزية في الهجوم على فلسطين وقد جعلت من بور سعيد قاعدة خلفية لها، وعيّنت الكولونيل دوبييباب قائدًا للفرقة الفرنسية التي سترافق الجيش البريطاني في زحفه نحو الشمال، كما عينت فرنسوا جورج – بيكو مندوبًا لها في فلسطين وسوريا.
في خريف 1917 شنّ اللنبي هجومه المرتقب انطلاقًا من مصر واستولى على القدس في التاسع من كانون الأول.
وتقيدًا للتوجيهات التي تلقّاها من حكومته، حاول بيكو ان يتصرّف في فلسطين كممثل رسمي لبلاده وأن يشارك في إدارة الأراضي المحتلة وأن يعيد لفرنسا المكانة التي كانت لها قبل الحرب كحامية للأماكن المقدسة المسيحية.
لكنه اصطدم بعدد من العقبات أهمها التصدي العنيد الذي واجهه به الإيطاليون وكانوا هم أيضًا يشاركون بفرقة رمزية في الحملة على فلسطين.
كانت إيطاليا تسعى آنذاك لتحل محل فرنسا في حماية الأراضي المقدّسة ولا سيما أن باريس كانت على خلاف عميق مع الكنيسة الرومانية وقد ادّى هذا الخلاف إلى فصل الدين عن الدولة وإلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع الكرسي الرسولي.
لذا لم يدعم البابا موقف فرنسا في فلسطين.
بالإضافة إلى هذه الصعوبات التي كانت تخدم الأهداف الإنكليزية فإن القائد العام للقوات الحليفة الجنرال اللنبي، منع بيكون عن التدخّل بشؤون الإدارة المحلية وبشؤون الأراضي المقدّسة، ورفض أن يعترف به ممثلاً لفرنسا في فلسطين، وأفهمه أنّه يعتبره مستشارًا له، ليس إلا.
وهدده، إن هو لم يرضخ لأوامره، بإبعاده عن القدس إلى يافا.
ثارت ثائرة جورج بيكو وأدرك أن ما حصل في فلسطين هو مقدمة لما سيحصل في سوريا ولبنان، إن تابعت الجيوش البريطانية زحفها نحو الشمال، وأن فرنسا قد خسرت مكانتها في الشرق وأن اتفاقية 1916 لا قيمة لها إن لم تدعمها قوى مسلّحة على الأرض.
لذا، أخذ يرسل البرقية تلو الأخرى، يطلب من حكومته زيادة عدد أفراد الفرقة الفرنسية العاملة في فلسطين ويصف الوضع بأنه مأساوي، وقد تجاوب وزير الخارجية بيشون مع بيكو وكتب مرارًا إلى زميله وزير الحربية بهذا الشأن.
لكن القيادة العسكرية كانت منهمكة في القطاع على الجبهة الغربية، فأهملت الموضوع وترددت في فصل قوات إضافية لترسل إلى الشرق الأوسط.
في العشرين من كانون الثاني 1918، أبرق بيكو إلى حكومته يقول: "لا نستطيع أن نحافظ على حقنا في الحماية الدينية في الشرق ونقطع في الوقت نفسه علاقاتنا مع الكرسي الرسولي.
لا نستطيع أن نحكم فلسطين وأن نكتفي من أجل ذلك بإرسال مفوّض سام يرافقه معاونان اثنان فقط.
لا نستطيع أن ننفذ اتفاقيات كالتي توكل إلينا الإشراف على إدارة سوريا وإرمينيا وان نترك لسوانا عملية تحرير شعوب هذه البلدان، علينا أن نختار (.
) نحن معرضون في الوقت الحاضر لهزيمة وعلينا أن نرضخ للواقع وأن نعي الهزائم اللاحقة.
غدًا سنخسر نفوذنا في فلسطين، ولكن بعد غد سنخسره في سوريا (.
) وإذا لم تعمل الحكومة على تغيير الوضع العسكري القائم فمن الأفضل أن يوضع حد لوجود بعثتنا لأن هذا الوجود أصبح بلا فائدة".
يعبر هذا النداء اليائس عن حقيقة الوضع على الأرض ولكن العاصفة هدأت نسبيًا ابتداء من شهر آذار 1918 حيث قبل الكرسي الرسولي بعد أن ضغط عليه بعض الأساقفة الفرنسيين بتجميد مسألة الأماكن المقدّسة حتى نهاية الحرب وطلب من الرهبانيات الكاثوليكية الاعتراف من جديد بالامتيازات التي كان يتمتع بها ممثل حكومة باريس.
لكن موقف الكرسي الرسولي المبدئي لم يتغيّر: إن الحماية الفرنسية بنظره قد زالت مع زوال الحكم التركي.
ويبدو أن البابا كان يميل إلى إيكال أمر الإشراف على فلسطين إلى الحكومة البلجيكية.
اما الفرقة الفرنسية فرفض الإنكليز زيادة عدد أفرادها بحجة أن القيادة العامة في فلسطين تفتقر إلى وسائل النقل وإلى المؤن فلا يمكنها بالتالي استقبال قوات إضافية.
في النهاية ألانت لندن موقفها.
ألحق الفرنسيون عناصر جديدة بفرقتهم فارتفع عدد رجالها من 3675 إلى مايقارب 7000.
اما البريطانيون فكانوا يحشدون اكثر من مئتي ألف مقاتل على الجبهة نفسها.
هـ - الحلفاء يطلعون الحسين على مضمون اتفاقية سايكس – بيكو.
على رغم مشاركتها المحدودة في القتال على الجبهة الفلسطينية السورية، ظلت فرنسا متمسكة باتفاقية سايكس بيكو وما كانت تسميه "حقوقها التاريخية في سوريا".
في مطلع 1917 قررت حكومتا لندن وباريس إرسال كل من مارك سايكس وفرنسوا جورج بيكو إلى الحجاز ليطلعا الحسين على مضمون الاتفاقية المعقودة بينهما.
فوصلا إلى جدّة في 18 آذار 1917 واجتمعا في اليوم التالي بالملك وتبع هذا اللقاء الاول لقاءات اخرى شارك في معظمها الأمير فيصل.
بعد خمسة أيام من المفاوضات أبرق بيكو إلى حكومته يقول: "إن الملك يعرف الآن مضمون اتفاقيتنا ولم يبد متأثرًا إلى الحد الذي كنّا نخشاه.
إن المنطقة الأرمنية الواقعة إلى الشمال من الأسكندرونة وأورفا لا تهمه.
يمكننا منذ الآن أن نقول إن الدور الفرنسي في سوريا سيكون في خطوطه الكبرى شبيهًا بالدور الإنكليزي في العراق.
سنتعاون مع ممثلي الملك في المناطق الإسلامية من سوريا، بواسطة مستشارين.
اما المناطق المسيحية فإن استولينا عليها قبل نهاية الحرب فسننشئ فيها دولة تكون تحت حمايتنا".
بعد أن اطلع وزير الخارجية الفرنسية على برقية بيكو، طلب إليه أن يعهد إلى شرشلي، ممثل فرنسا في الحجاز، أن يوضح للحسين ما المقصود بعبارة "المناطق الإسلامية من سوريا" التي استُعملت خلال المحادثات وأن يؤكد له أن هذه التسمية تنطبق فقط على المناطق الداخلية، أي على منطقة "أ" من اتفاقية سايكس بيكو ولا تنطبق على المنطقة الزرقاء أي الساحل وكيليكيا.
فما كان من جورج بيكو إلا أن أبرق إلى شرشلي في 13 حزيران 1917 يقول: "خلال محادثاتي الأخيرة مع ملك الحجاز، أطلعته على اتفاقيتنا المتعلقة بالولايات الآسيوية العربية.
قلت له إننا سنحتفظ بحرية التصرّف في المنطقة الساحلية حيث سننشئ دولة لبنان الكبير تحت الحماية الفرنسية وأبلغته أن الشرط الأساسي لتعاوننا مع العرب في المناطق الداخلية من سوريا هو تعيين مستشارين فرنسيين في مختلف الإدارات يتمتعون بسلطة إجرائية وذلك لمدة محدودة".
ثم يطلب بيكو من شرشلي أن ينتهز الفرصة أن يستعمل الحسين أمامه عبارة "سوريا الإسلامية" ليفهمه أنّها تعني المنطقة الداخلية لا الساحل.
هكذا ظن الفرنسيون أن الأمور أصبحت واضحة بالنسبة إلى العرب وأنهم يستطيعون في المستقبل تنفيذ اتفاقية سايكس بيكو.
لكن بعض المسؤولين الإنكليز كانوا يضعون خططًا متناقضة.
أما لورنس فقد أقنع فيصلاً بأن أفضل وسيلة للتخلص من تلك الاتفاقية تكمن في توطيد التحالف مع بريطانيا لأن هذه الاخيرة في نهاية الحرب "ستخجل ولن تلجأ إلى السلاح لإزاحة أحد حلفائها إن هو وقف في وجه الاتفاقية".
و – السلطة في دمشق بين الجزائريين والفيصليين.
في 19 أيلول 1918، أحرز اللنبي ((Allenby انتصاراً حاسماً على الجيش العثماني في فلسطين، ودفع بقواته نحو الشمال.
فغادر الأتراك دمشق وبيروت في 30 أيلول وألّف الأمير سعيد الجزائري وأخوه عبد القادر في العاصمة السورية حكومة مؤقتة باسم الشريف الحسين، وحذا حذوهما عمر الداعوق في بيروت.
أبرق الجزائري إلى البطريرك الماروني يطلب منه تأليف حكومة عربية في الجبل.
تريّث البطريرك في اتخاذ موقف وأرسل يستشير الفرنسيين في جزيرة إ، فكان جوابهم: "إننا قادمون".
في الأول من تشرين الأول وصلت إلى دمشق فرقة من جيش اللنبي وتبعتها قوات عربية يقودها الشريف ناصر يرافقه الضابط الإنكليزي لورانس.
نصّب هذا الأخير نفسه ممثلاً لفيصل وعزل الأميرين الجزائريين بعد صدامات مع انصارهما في الشوارع وعيّن مكانهما رضا الركابي حاكمًا عسكريًا على المدينة.
في الحقيقة كان لورانس وعملاء الإنكليز عمومًا ومؤيدو فيصل يخشون أن تفلت السلطة في دمشق من أيديهم خصوصًا وأن الأخوين الجزائريين، حفيدي عبد القادر الكبير، كانا يشكلان خصمين خطيرين للهاشميين.
فأسرتهما الكريمة النسب وتاريخ جدهما العريق ومكانتهما في العالم الإسلامي ووزنهما السياسي في سوريا وعلاقاتهما الطيّبة بفرنسا كانت تخوّلهما الطموح إلى الحكم والوقوف في وجه المخططات الإنكليزية – الحجازية، وهذا ما دفع بلورانس إلى الإسراع في التخلّص منهما.
أما فيصل فلم يشعر بالطمأنينة إلا بعد أن قتل رجاله الأمير عبد القادر في 9 تشرين الثاني 1918 ونفوا أخاه سعيدًا إلى فلسطين.
في تلك الأثناء كان جورج – بيكو يفاوض البريطانيين في لندن حول مستقبل الأراضي العربية المحتلة.
كان السفير الفرنسي كامبون، بعد أن تلقّى تعليمات من حكومته قد طلب من الإنكليز أن يتعهّدوا باحترام اتفاقية 1916.
وقد صدر عن بلفور، في 23 أيلول، وعد رسمي بهذا الخصوص.
أخيرًا في 30 أيلول، عقدت الحكومتان اتفاقًا بشأن الإدارة المؤقتة للولايات السورية حددتا فيه الدور الذي يعود إلى كل منهما.
في 3 تشرين الأول دخل دمشق كل من اللنبي وفيصل والكابيتن كولوندر نائب جورج – بيكو، ففوجئ الثلاثة بالإجراءات التي اتخذها لورانس.
اعترف اللنبي بالركابي حاكمًا عسكريًا على منطقتي "أ" و"ب" من اتفاقية سايكس – بيكو ولكنه اوضح أنّه يحتفظ لنفسه بالقيادة العليا في كافة الأراضي المحتلة وأن العلاقات بينه وبين الحكومة المحلية تتم بواسطة ضابطي ارتباط، أحدهما إنكليزي والثاني فرنسي.
غادر اللنبي دمشق بسرعة وعاد إلى فلسطين.
اما فيصل فقرر، ومن المرجح بإيعاز من لورانس، إرسال شكري الأيوبي إلى بيروت.
وحين وصل هذا الأخير أعلن أن الولاية الساحلية تعتبر جزءًا من الدولة العربية وأنها تابعة لحكومة دمشق.
ثم زار بعبدا حيث دعا مجلس الإدارة إلى الاجتماع وأوكل إلى حبيب باشا السعد تأليف حكومة مؤقتة في الجبل باسم ملك الحجاز.
حاول كولوندر أن يتصدّى للترتيبات التي اعتمدتها حكومة دمشق، فاتصل أولاً بالجنرال الإنكليزي كلايتون، المسؤول عن الشؤون السورية، وطلب منه أن يتدخل شخصيًا ليمنع فيصلاً عن تعيين حكام في المنطقة الساحلية، إذ إن هذا الحق ينحصر باللنبي وحده.
تحاشى كلايتون الخوض في هذا الموضوع.
فاجتمع كولوندر شخصيًا بفيصل محتجًا على إرساله الأيوبي إلى بيروت دون أن يكون للقائد العام علم بذلك.
أجاب الأمير أن هدفه من ذلك هو طرد الأتراك من الأراضي العربية وأنّه اعتبر نفسه مخولاً اتخاذ إجراء كهذا لأن اللنبي سبق له ووافق على تعيين الركابي حاكمًا على دمشق.
أبلغ كولوندر وزارة الخارجية الفرنسية جواب الأمير وأكد أن فيصلاً وأتباعه يحاولون وضع الحلفاء في المنطقة الساحلية أمام الأمر الواقع كما فعلوا في الداخل.
لم يكتف كولوندر بذلك بل ألحّ على حكومته بالإسراع في إرسال قوات فرنسية إلى المنطقة الزرقاء من اتفاقية 1916، ثم غادر إلى فلسطين حيث استقبله اللنبي وطمأنه إلى أن الحكّام الذين عيّنهم فيصل في المدن الساحلية سيُعزلون قريبًا.
اعتبرت فرنسا أن اتفاق 30 أيلول يشكّل نقطة انطلاق جديدة في علاقاتها مع بريطانيا في الشرق وكذلك في علاقاتها مع فيصل والحكومة السورية.
فبدأت بعد ذلك عملية صراع بين خمسة قوى تحاول كل منها فرض خياراتها، هذه القوى هي بريطانيا وفرنسا وفيصل مع جماعته والتيارات الوطنية السورية المتصلّبة وأخيرًا التيار اللبناني الاستقلالي.
3 – مرحلة الخيارات الصعبة: تشرين الأول 1918 – أيلول 1920.
ابتداءً من تشرين الأول 1918 أخذت الأمور تتشابك والصراعات تحتدم.
لن نعالج كل النواحي التاريخية لهذه الحقبة، سنمسك فقط ببعض الخيوط المتعلّقة بموضوع بحثنا وسنتتبّعها متوقفين عند ست محطات نعتبرها أساسية لرسم الإطار الدولي لولادة لبنان الكبير.
أ – تمركز الفرنسيين في المنطقة الساحلية وفي متصرفية جبل لبنان.
على أثر الاتصالات المكثّفة التي جرت بين لندن وباريس أرسل الفرنسيون إلى بيروت قطعًا من أسطولهم بقيادة الإميرال فارنيه، فأنزلت هذه، في 7 تشرين الأول، بعض القوات إلى البر.
وبعد يومين وصلت فرقة بريطانية قادمة من فلسطين يرافقها الكولونيل دي بياباب.
ثم نقل الفرنسيون قوات إضافية من حيفا إلى بيروت عن طريق البحر، ولكن القسم الأكبر من أفراد المفرزة العاملة في فلسطين لم يصلوا إلى المدينة إلا في العشرين من الشهر.
اما الأيوبي، فمُنع من الدخول إلى سراي الحكومة وطُلب منه مغادرة البلاد، ولما لم يمتثل للأمر هدّده الجنرال الإنكليزي بلفين باستعمال القوة ضدّه، فرضخ.
بعد انسحابه، سلّمت كل المراكز الإدارية في المنطقة الساحلية إلى ضباط فرنسيين.
في تلك الظروف، أبلغ اللنبي فيصلاً أن سهل البقاع سيلحق بلبنان.
ثم أعلن القائد الأعلى، في 23 تشرين الأول، التقسيم الرسمي المؤقت للأراضي المحتلة، فأوكل بإدارة المنطقة الشرقية، أي سوريا الداخلية، إلى فيصل، وبالمنطقة الجنوبية، أي فلسطين، إلى البريطانيين، وبالساحل حتى الاسكندرونة مع جبل لبنان وسهل البقاع إلى الفرنسيين.
بعد يومين توجّه دي بياباب إلى بعبدا حيث أعلن أن المتصرفية أصبحت كباقي المناطق خاضعة للحكم العسكري، وقد وُلّيَ عليها الكومندان بوشير.
على الرغم من تلك الإجراءات، ظلّت الأجواء مشحونة إذ تابع مؤيدو الوحدة السورية الدعاية للأمير الحجازي.
وقد وقع أول حادث مسلّح في 19 تشرين الثاني في بيروت بين الشرطة المحلية والقوات الفرنسية أسفر عن سقوط أربعة قتلى وستة عشر جريحًا.
وفي دمشق، كانت الحكومة في تصرفاتها اليومية تظهر الإزدراء لضباط الارتباط الفرنسيين.
أما البريطانيون فبدأوا يستعدّون لتعديل اتفاقية سايكس – بيكو بشكل يخدم مخططاتهم الجديدة.
بـ - صراع الكبار وانتظار الصغار، عشرة أشهر من المفاوضات والمماطلة: كانون الأول 1918 – تشرين الأول 1919.
قبل أن ينعقد مؤتمر الصلح، التقى لويد جورج في العاصمة البريطانية بزميليه كليمنصو وأورلندو.
كان الهم الأكبر لرئيس الوزراء الفرنسي تأمين الدعم البريطاني لبلاده ضد ألمانيا خلال مفاوضات السلام.
وقد انتهز لويد جورج الفرصة ليطلب من كليمنصو، فيلقاء جانبي، التخلّي للإنكليز عن الموصل وعن فلسطين.
قبل كليمنصو بذلك لأنه لم يكن باستطاعته، في تلك الظروف، الوقوف في وجه بريطانيا.
كانت هذه تحشد في نهاية الحرب، على مختلف جبهات الشرق الأوسط، ما لا يقل عن المليون جندي، وكانت تحظى بتأييد واسع في صفوف العرب وفي صفوف الصهاينة.
أما فرنسا، فوجودها العسكري الضعيف في المنطقة والدعاية التي وجّهتها ضدّها اجهزة الاستخبارات البريطانية وأخيرًا الموقف العدائي العلني الذي اتخذه منها الهاشميون كما اتّخذته الحركات القومية العربية والمنظمة الصهيونية جعلت مجال المناورة أمام حكومتها ضيقًا.
بينما كان مصير فلسطين يقرر في العاصمة البريطانية، وصل فيصل إلى فرنسا ليمثّل والده في مؤتمر الصلح.
قبل افتتاح المؤتمر، انتقل في كانون الأول 1918، برفقة لورانس، إلى لندن حيث اجتمع بالزعيم اليهودي وايزمن، وكان قد التقى به مرة أولى في حزيران في فلسطين.
ركّز فيصل في محادثاته مع وايزمن على "تبيان الخطر الذي تتعرّض له المصالح اليهودية والعربية من جرّاء السياسة الفرنسية" في الشرق الاوسط ثم وقّع معه اتفاقًا اعترف فيه بضرورة اتخاذ جميع الإجراءات لتنفيذ وعد بلفور ولتشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين.
في 29 كانون الأول 1918، أي قبل انعقاد مؤتمر الصلح بعشرين يومًا، رسم بيشونن وزير خارجية فرنسا، أمام مجلس النواب الخطوط الرئيسة للسياسة التي تنوي حكومته الدفاع عنها في الشرق الأوسط فقال: "إننا في الإمبراطورية العثمانية حقوق واضحة سندافع عنها.
لنا حقوق في سوريا ولبنان وفلسطين وكيليكيا.
إنها مبنية على مستندات تاريخية وعلى اتفاقيات وعقود (.
) إنها مبنية على أماني السكان وإرادتهم (.
) سنثابر في الدفاع عنها.
إننا نعتبر أن الاتفاقيات المعقودة بيننا وبين بريطانيا ما زالت تلزمنا كما تلزم أيضًا بريطانيا".
في مؤتمر الصلح دافع فيصل عن استقلال الشعوب العربية الآسيوية وعن سيادتها.
وقد لعب الأمير الورقة الولسونية حتى النهاية.
وكان الدكتور هوارد بليس، رئيس الكلية الغنجيلية في بيروت، قد أقنع ولسون بضرورة إرسال لجنة استقصاء إلى الشرق.
لم يكن كليمنصو من مؤيدي هذه الفكرة لذا حاول أن يتفاهم مع فيصل ليقنعه بالعدول عنها وبالقبول بالوصاية الفرنسية، لكن المفاوضات بين الجانبين لم تسفر عن أية نتيجة لأن الأمير كان مقتنعًا بأنه في موقع قوة بفضل دعم الرئيس الاميركي له.
يضاف إلى ذلك أن الضابط لورانس الذي كان يرافقه في العاصمة الفرنسية كان يحثّه على مزيد من التصلّب.
عاد فيصل إلى سوريا ليُعدّ الأجواء لمجيء لجنة كينغ – كراين.
وكان لموقفه الرافض في مفاوضات باريس ولإصرار ولسون على إرسال تلك اللجنة وللمنحى المعادي لفرنسا الذي اتخذته مشاورات هذه الأخيرة في سورية الداخلية أثر عميق في نفوس المسؤولين الفرنسيين، فأخذ بعضهم يتساءل إذا لم تكن مصلحة بلادهم تقضي بالتخلي عن لبنان لإرضاء السوريين وكسب صداقتهم.
في تقرير رُفع إلى وزير الخارجية بيشون في نيسان 1919 نقرأ ما يلي: "إننا ننظر بحزن عميق إلى الانهيار السريع الذي أصاب كل الإنجازات الفرنسية في سورية.
"إن المسلمين في سورية يشكّلون اكثرية السكان وقد تزيد نسبتهم عن الثلثين.
علينا أن نكثّف نشاطنا في أوساطهم لكسب مودتهم.
أما المجموعات المسيحية، فهي من طبيعتها موالية لنا وهي تلتجئ تلقائيًا إلينا ولا يمكنها التخلّي عنا لأنها لا تشعر بالطمأنينة إلا من خلال وجودنا.
إن لبنان سيموت إن نحن غادرنا المنطقة فمن الحماقة إذًا أن نعتبره نقطة ارتكاز لنا.
" إن هذا التوجّه الجديد في السياسة الفرنسية أثار قلقًا شديدًا عند اللبنانيين.
يبدو أن خيار الاستقلال التام ازداد عدد مؤيديه خلال تلك الفترة بالذات.
في برقية إلى حكومته مؤرخة في 23 أيار 1919 يتهم جورج بيكو البطريرك الماروني ورئيس مجلس الإدارة بالترويج لهذا الخيار.
في هذه الأجواء أصدر المجلس المذكور، في 20 أيار، قراره رقم 561 الشهير وقد جاء في مادته الأولى: "المناداة باستقلال لبنان السياسي والإداري بحدوده الجغرافية التاريخية واعتبار البلاد المغصوبة منه بلادًا لبنانية كما كانت قبل سلخها عنه".
وفي مادته الثالثة: "إن الحكومة اللبنانية والحكومة الفرنساوية المساعدة تتفقان على تقرير العلائق الاقتصادية بين لبنان والحكومات المجاورة".
نذكّر هنا بان مجلس الإدارة كان قد ركّز في القرار رقم 80 الذي اتخذه في 9/12/1918 على الاستقلال الإداري فقط.
في 16 حزيران 1919 صدر عن مجلس الإدارة قرار جديد يقضي بإرسال وفد ثان إلى مؤتمر الصلح برئاسة البطريرك حويك.
إن المطالب الواردة في القرار 561 هي نفسها التي قدّمها المنادون بالاستقلال إلى لجنة كينغ – كراين في شهر تموز وهي نفسها التي قدّمها البطريرك الماروني مفصّلة إلى مؤتمر الصلح في الخامس والعشرين من تشرين الأول.
لم يكن باستطاعة الفرنسيين أن يمنعوا البطريرك عن المثول أمام مؤتمر الصلح ولا عن تقديم مذكرته.
ولكنهم كانوا مستائين من إلحاحه على الاستقلال وقد وجّه كليمنصو إليه رسالة جاء فيها: "إن رغبة اللبنانيين في المحافظة على حكومة ذاتية ونظام مستقل تتفق كل الاتفاق مع تقاليد فرنسا التحررية".
أما مسألة الحدود، يتابع رئيس الوزراء الفرنسي، "فلا يمكن بتّها قبل أن يقر الانتداب على سوريا".
ولما عاد البطريرك إلى لبنان وأطلع مجلس الإدارة على نتائج اتصالاته في باريس ازداد قلق اللبنانيين من الموقف الفرنسي المتردد.
جـ - بريطانيا تتخلى عن فيصل وترمي به في أحضان الفرنسيين في غضون ذلك، كان الخلاف بين لندن وباريس بشأن الشرق الأوسط قد بلغ ذروته وكان ممثلو فرنسا يرسلون إلى حكومتهم التقرير تلو الآخر متهمين أجهزة الاستخبارات البريطانية المنتشرة في مختلف المناطق السورية بتغذية الدعاية المعادية لبلادهم.
وكان الرأي العام الفرنسي شديد الاغتياظ من هذا الوضع.
ومنذ ربيع 1919 بدأت تظهر في الصحف مقالات تهدّد الحكومة إن هي تقاعست عن الدفاع عن حقوق فرنسا التاريخية في تلك المنطقة.
في 7 نيسان مثلاً كتبت جريدة لو طان Le Temps تقول: "إذا ما اكتشفت الأمة يومًا انها قد أقصيت عن الشرق غدرًا، فستعرف كيف تحاسب الذين يتحمّلون مسؤولية ذلك.
إنهم عهدوا بالحفاظ على أقدم إرث لنا في الخارج إلى أناس عاجزين".
لن تلبث تلك الحملة الصحافية أن ازدادت حدة وأخذت توجّه أسهمها علانية باتجاه بريطانيا متهمة إياها بانها طعنت حليفتها فرنسا في الظهر، وقد شارك فيها عدد من الشخصيات ذات الصفة الرسمية من بينها روبير دي كاي، مستشار وزارة الخارجية، وقد ورد في إحدى مقالاته العنيفة ما يلي: "علينا ان نجهر بالحقيقة دون مراعاة أحد؛ وهذه الحقيقة تضطرنا إلى فضح العمل المنظّم الذي يقوم به عملاء السياسة البريطانية في الشرق ليمنعوا فرنسا من الحصول على الانتداب على سوريا".
ثم يؤكد الكاتب ان حكومة لندن تستعمل النظام الفيصلي كوسيلة لمقاتلة فرنسا وهي تمدّه بالمال مما يسمح له بالاستمرار، وإنها، بالإضافة إلى ذلك، تهيّج عواطف الجماهير الإسلامية، لا سيما الفئات الجاهلة منها، ضد الفرنسيين مؤكدة انهم حماة المسيحيين وأنهم سيسلّمون هؤلاء حكم البلاد.
يتابع دي كاي De Caix مقاله الطويل على نفس اللهجة ليخلص إلى القول إن المصيبة تكمن في استمرار الاحتلال العسكري البريطاني للمنطقة المخصصة لفرنسا في اتفاقية سايكس – بيكو.
شكّلت تلك الحملة الصحافية صدمة عنيفة للشعب الإنكليزي فأيقنت حكومة لندن أنّه أصبح من مصلحتها إيجاد حل سريع لخلافها مع فرنسا.
يضاف إلى ذلك أن بريطانيا كانت تواجه في تلك الحقبة صعوبات عديدة في الشرق الأوسط منها الثورة المصرية التي اضطرت اللنبي إلى نقل قسم من جيشه من سوريا إلى وادي النيل، ثم انتفاضة مصطفى كمال في آسيا الصغرى في وقت كان فيه الرأي العام البريطاني يطالب بتخفيض عدد المجندين وبالحد من الإنفاق.
إن هذه العوامل مجتمعة دفعت بالبريطانيين إلى الاقتراح على الفرنسيين سحب جيشهم من سوريا لتحل محلّه القوات الفرنسية في الساحل وفي كيليكيا والقوات العربية في المنطقة الداخلية.
وقد وجّه لويد جورج في 13 أيلول مذكرة بهذا الخصوص إلى كليمنصو، فوافق عليها هذا الأخير.
فما كان من الحكومة الإنكليزية إلا أن استدعت فيصلاً إلى لندن وأطلعته على مضمون اتفاقها الجديد مع باريس.
ولما أبدى الامير استياءه وخيبة أمله ذكّره اللورد كورزن بان تعهدات حكومة جلالته للشريف حسين كانت محدودة ومرفقة بتحفظات.
في أثناء محادثات فيصل مع البريطانيين، وجّه كليمنصو، في العاشر من تشرين الأول، جوابًا رسميًا إلى الحكومة الإنكليزية بشأن اقتراحها سحب جيشها من سوريا، ثم أتبعه مذكرة عنيفة اللهجة طلب فيها من لندن وقف دعمها لفيصل وعدم التدخل في شؤون سوريا، لأن فرنسا لا تتدخل في شؤون العراق، وأصرّ أخيرًا على ان يتفاهم فيصل مباشرة مع الحكومة الفرنسية دون اللجوء إلى اية وساطة بريطانية.
لم يكن باستطاعة الإنكليز آنذاك فتح معركة جانبية مع الفرنسيين لا سيما وأن الأمير الهاشمي كان قد خسر الورقة الأساسية التي لعبها وهي الورقة الأميركية، إذ إن الرئيس ولسون كان قد أصيب بشلل في 2 تشرين الثاني ورفض مجلس الشيوخ التوقيع على معاهدات الصلح، وعادت أميركا إلى سياسة العزلة.
اما تقرير لجنة كينغ- كراين King-Crane فوضع في الأرشيف.
د – اتفاق فيصل – كليمنصو وانعكاساته هكذا بدا فيصل يتيمًا، فدفع به الإنكليز إلى أحضان كليمنصو فانتقل إلى باريس حيث بدأ مفاوضات عسيرة مع ممثلي وزارة الخارجية.
حاول كليمنصو، بعد أن أصبح سيّد الموقف، أن يوفّق بين أماني اللبنانيين، أصدقاء فرنسا التاريخيين، وبين تطلعات الحركات القومية في سورية.
ولكنه كان يرغب في تركيز نفوذ بلاده في الشرق على قاعدة شرعية، لذا كان يرى أن عقد اتفاق مع فيصل طبقًا للأصول هو ضرورة.
وكان رئيس الوزراء الفرنسي يدرك أن الأمير يواجه معارضة قوية داخل سوريا، لذا حاول أن يسهّل عليه المهمة، فطلب من المفوّض السامي الجديد، الجنرال غورو Gouraud، أن يؤجّل احتلال البقاع، شرط أن تُسحب القوات العربية من السهل وأن يُعهد بالإشراف على الأمن فيه إلى الجندرمة المحلية.
وعلى الرغم من إصرار غورو على ضرورة الاستيلاء على البقاع لتقوية مركز فرنسا في المنطقة ولفرض هيبتها على معارضيها، أمره كليمنصو بحزم بتجميد الوضع وبعدم القيام بأي تحرّك عسكري.
تم التوقيع على الاتفاق بين الفريقين في السادس من كانون الثاني 1920.
اهم ما جاء فيه: - تعترف الحكومة الفرنسية باستقلال سورية.
- يقبل فيصل بالوصاية الفرنسية.
- يعترف الأمير باستقلال لبنان تحت الانتداب الفرنسي على ان يبت مؤتمر الصلح مسألة الحدود وفقًا لرغبات السكان ولمصالحهم.
- تعتبر العربية لغة رسمية، أما الفرنسية فتدرّس إلزامًا.
- دمشق هي عاصمة الدولة السورية.
اما المندوب السامي فيستقر في حلب ليكون على مقربة من كيليكيا حيث ستتجمّع القوات الفرنسية.
في اليوم نفسه الذي وقّع فيه الاتفاق، وجّه فيليب برتلو Philippe Berthelot باسم وزارة الخارجية الفرنسية، رسالة إلى فيصل يدرج فيها إيضاحات إضافية حول بعض النقاط الواردة في النص لا سيما تلك المتعلقة بحدود لبنان التي سترسم وفقًا "لحقوق اللبنانيين التاريخية" ولمصالحهم الاقتصادية ولخيارهم الحر.
اما مدينة بيروت فيقترح برتلو إعطاءها كما الاسكندرونة إدارة بلدية مستقلة ويؤكد أخيرًا على ضرورة الاعتراف بالوضع المميز لدروز حوران وباستقلالهم الإداري ضمن الوحدة السورية.
ما إن صلت أخبار هذا الاتفاق إلى دمشق حتى ثارت ثائرة العناصر الوطنية وارتفعت أصوات عديدة تنادي بالجهاد، وتعددت الحوادث بين الفرنسيين والسوريين على حدود مناطق الاحتلال وقامت فئات تطالب بالتنسيق التام مع الثوار الكماليين في آسيا الصغرى بينما أخذ البعض يطالب جهرًا بالعودة إلى الحكم التركي.
رجع فيصل إلى دمشق وسط أجواء مشحونة، فاتهمه معارضوه بأنه باع البلاد إلى الفرنسيين، ونُظّمت تظاهرات نُدّد خلالها بحكمه وطولب باستقالته، ووقعت صدامات مع حرس الأمير سقط من جرّائها عدد من القتلى في شوارع المدينة.
ومنذ ذلك التاريخ لم يعد فيصل يسيطر على الوضع وكان أمامه خيارات ثلاثة: إما التخلّي عن الاعتدال، والانجراف وراء التيار الاستقلالي المتصلّب والقبول بفكرة الصدام المسلّح مع الفرنسيين، وإما تطبيق الاتفاق المعقود في باريس والتصدي بالقوة لمعارضيه وإما الاستقالة.
فاختار الحل الأول وبعد ذلك تسارعت الأحداث ودخلت المنطقة مرحلة سادها التوتر حاول خلالها كل من الأفرقاء تدعيم مواقعه.
هـ - أربعة أشهر من التحدّيات : آذار – حزيران 1920 في السادس من آذار 1920، اجتمع المؤتمر السوري في دمشق، وفي اليوم التالي صوّت بالإجماع على قرار يعلن استقلال البلاد وقد جاء فيه: "وبصفتنا الممثلين للامة السورية في جميع انحاء القطر السوري تمثيلاً صحيحًا نتكلم بلسانها ونجهر بإرادتها، فقد أعلنّا بإجماع الرأي استقلال بلادنا السورية ومن ضمنها فلسطين بحدودها الطبيعية استقلالاً تامًا لا شائبة فيه (.
) مع مراعاة جميع أماني اللبنانيين الوطنية المتعلقة بلبنان في حدوده الحاضرة بشرط أن يكون بمعزل عن كل نفوذ أجنبي، ورفض مزاعم الصهيونيين في جعل فلسطين وطنصا قوميًا لليهود أو محل هجارة لهم.
"وقد اخترنا سمو الأمير فيصل (.
) ملكًا دستوريًا على سورية (.
) واعلنّا انتهاء الحكومات الاحتلالية العسكرية الحاضرة في المناطق الثلاث (.
) ونحن نطلب استقلال القطر العراقي استقلالاً تامًا، على أن يكون اتحاد سياسي اقتصادي بين القطرين الشقيقين.
" بإصراره على الوحدة بين فلسطين وسورية وبمطالبته باستقلال العراق أثار المؤتمر السوري حفيظة البريطانيين وحفيظة الحركات الصهيونية.
وبمحاولته فرض نفسه وصيًا على اللبنانيين وحصر تطلعاتهم في حدود المتصرفية الضيّقة دفع بهؤلاء إلى مضاعفة جهودهم من أجل توسيع رقعة البلاد والحصول على الاستقلال، وأخيرًا بإعلانه انتهاء الاحتلالات العسكرية في المناطق الثلاث جعل المؤتمر الحلفاء عامة يعتبرون أنه قد تجاوز الصلاحيات التي يمكن أن يعترف له بها.
أما فيصل فأصبح موقفه حرجًا ولم يكن راضيًا عن القرارات المتخذة ولكن المبادرة كانت قد أفلتت من يده، وقد اصطدم مرارًا بأعضاء المؤتمر السوري لا سيما برئيسه رشيد رضا وكذلك باللجنة الوطنية العليا وبرئيسها الشيخ كامل القصّاب، وكان هؤلاء جميعًا يعتبرون أنهم الممثلون الحقيقيون للأمة وأن سلطتهم هي فوق سلطة الملك والحكومة.
في لبنان كان دعاة الاستقلال قد أرسلوا في مطلع شباط 1920 الوفد الثالث إلى مؤتمر الصلح برئاسة المطران عبد الله الخوري.
وبعدها طيّروا برقيات الاحتجاج على قرار المؤتمر السوري إلى العواصم الأوروبية وإلى المفوضية الفرنسية في بيروت وإلى الصرح البطريركي في بكركي.
وفي 22 آذار عقد اجتماع في بعبدا ضمّ، إلى جانب أعضاء مجلس الإدارة، رؤساء البلديات والمخاتير وشخصيات مختلفة اختير خلاله العلم اللبناني ثم صوّت المجتمعون على عدد من الاقتراحات تؤكّد على الاستقلال وعلى ضرورة توسيع الحدود.
على الصعيد الإقليمي، كان الحلفاء في مطلع 1920 يواجهون مقاومة عنيفة لمخططاتهم قي آسيا الصغرى، فأراد الإنكليز في شهر آذار أن يوجهوا ضربة قاسية إلى المعارضة، فقاموا باعتقال عدد من زعمائها، فما كان من الباقين إلا أن التقوا حول مصطفى كمال في انقرة وأعلنوا الثورة، ثم حاولوا التفاهم مع الفرنسيين.
رد الحلفاء على المؤتمر السوري بدعوة مجلسهم الأعلى إلى الاجتماع في سان ريمو في إيطاليا، حيث أُقرّ في 25 نيسان 1920، الانتداب الفرنسي على لبنان وسورية والانتداب البريطاني على فلسطين والعراق.
وفي المناسبة نفسها وقّع ممثلو الدولتين على اتفاق عام بشأن البترول تعهّدت فيه بريطانيا بإعطاء فرنسا 25% من نفط العراق مقابل تخلّي باريس عن منطقة الموصل.
أثارت مقررات سان ريمو استياءً شديدًا في أوساط الحركات القومية السورية، وقد احتجّ عليها رسميًا وفد الحجاز إلى مؤتمر الصلح لافتًا النظر إلى أن رأي السكان لم يؤخذ بعين الاعتبار لا في اختيار الدولة المنتدبة ولا في سلخ فلسطين عن سوريا، وذلك خلافًا لما نصّت عليه الفقرة الرابعة من المادة الثانية والعشرين من ميثاق عصبة الأمم.
في 27 نيسان أبرق اللنبي Allenby إلى فيصل يطلعه على ما اتفق عليه في سان ريمون ويدعوه، باسم الحكومة البريطانية، إلى السفر إلى باريس لكي يعترف مؤتمر الصلح بشرعية ملكه على سوريا.
أجاب فيصل مبديًا تحفظاته ومعلنًا أن السوريين يرفضون الانتداب لأنه يشكّل خطرًا على سيادتهم وعلى استقلالهم ويرفضون كذلك فصل فلسطين عن سوريا.
ويضيف أنه مستعد للسفر إلى أوروبا شرط أن يصدر قبل ذلك عن الحلفاء تصريح يطمئن الشعب بشأن هذين الموضوعين.
وقد نقل غورو، باسم الحكومة الفرنسية، إلى فيصل تصريحًا بهذا المعنى ولكن هذا الأخير اعتبره غير كاف وكرر رفضه السفر إلى أوروبا قبل أن يحصل على جواب مرض.
في تلك الأثناء تشنّجت المواقف في سورية واتهمت العناصر المعتدلة في الحكومة بالخيانة وهيّج المتطرفون الشارع مما اضطر الركابي إلى تقديم استقالته، فخلفه الأتاسي الذي ألف في 3 أيار حكومة دخلتها العناصر الاكثر كراهية للفرنسيين أمثال العظمة وشهبندر، فأعلنت الحكومة الجديدة خدمة العلم وأخذت تشجّع اعتداءات العصابات على المنطقة الساحليّة.
و – ميسلون، لبنان الكبير والدويلات السورية إن المماطلة في اتخاذ قرار بشأن حدود لبنان واستقلاله والهيمنة الفرنسية شبه الكاملة على المؤسسات الرسمية في المتصرفية وتّرت العلاقات بين اعضاء مجلس الإدارة والسلطات الفرنسية.
يضاف إلى ذلك أن خلافًا حادًا وقع بين قائد الجند اللبناني، سعيد البستاني، والمستشارين العسكريين الفرنسيين، فاستقال البستاني من وظيفته وتقرّب من السوريين وأخذ يعمل على إيجاد صيغة تفاهم بين فيصل واللبنانيين.
وأسفرت المساعي عن اتفاق عقد بين عدد من اعضاء مجلس الإدارة وضابط الارتباط السوري في بيروت، جميل الألشي، يقضي بوضع مضبطة تطالب باستقلال لبنان التام، بالتنسيق مع الحكومة الفيصلية، وبتأليف وفد يلاحق القضية في أوروبا وأميركا، وقد تعهدت دمشق بتأمين نفقات السفر إلى أعضاء الوفد.
في العاشر من تموز وُضعت المضبطة المذكورة ووقّعها سبعة من أعضاء مجلس الإدارة.
إنها تتلخّص بالمطالبة باستقلال لبنان المطلق وبحياده السياسي وبإعادة "المسلوخ منه سابقًا بموجب اتفاق يتم بينه وبين حكومة سورية" وبالتعاون بين الحكومتين في المجال الاقتصادي وعلى الصعيد الدولي.
حاول الموقعون السبعة السفر إلى دمشق ولكن السلطات الفرنسية كانت على علم بمسعاهم فاعتقلتهم وهم في الطريق ثم اتهمتهم بالخيانة العظمى مدّعية أنهم باعوا وطنهم مقابل مبلغ من المال، وبعد ذلك جرّدتهم من حقوقهم السياسية ونفتهم إلى جزيرة كورسيكا.
وقد أبرق غورو إلى حكومته يقول إن فيصلاً كان على استعداد للاعتراف "بلبنان الكبير" شرط أن يرفض اللبنانيون الانتداب الفرنسي.
لذا خشيت حكومة باريس أن يتخلى سكان الجبل عن تعلّقهم بفرنسا فقررت الإسراع في إيجاد حل جذري لخلافها مع السوريين.
في تلك الأثناء، كانت الصعوبات التي يواجهها الحلفاء في الشرق الأوسط تزداد حدّة.
فبالإضافة إلى ثورتي مصر والعراق واضطرابات القدس، كان الوضع في آسيا الصغرى ينذر بالخطر.
وقد اضطر الإنكليز إلى الانسحاب من منطقة القفقاص بسبب الضغط المشترك الذي مارسه عليهم الاتراك البولشفيك.
وفي شبه الجزيرة العربية كان الخلاف على أشدّه بين الشريف حسين وابن سعود وكلاهما حليف لبريطانيا.
أخذ الفرنسيون يستعدّون، بموافقة بريطانيا، لحسم الوضع في سوريا بالوسائل العسكرية.
ولكنه كان يصعب عليهم القتال على جبهتين، الجبهة السورية والجبهة التركية، لذا وقّعوا، في 28 أيار، هدنة مؤقتة مع مصطفى كمال تخلّوا بموجبها عن بعض مواقعهم في كيليكيا.
ثم دخلوا في مفاوضات مع الاتراك للانسحاب كليًا من تلك المنطقة.
كان السوريون آنذاك يمنعون الفرنسيين عن استعمال الخط الحديدي ريّاق – حلب لإيصال الإمدادات إلى قواتهم في تركيا.
ولما علموا بأن هؤلاء اتفقوا مع الكماليين على وقف إطلاق النار، أدركوا أن المجابهة العسكرية معهم أصبحت وشيكة.
حاول فيصل آنذاك أن يستدرك الامر، فأبرق إلى غورو مبديًا خشيته من ان يتحوّل تراجع الفرنسيين في كيليكيا إلى حافز يشجّع الأتراك على التوغّل داخل الأراضي السورية ومقترحًا عليه التعاون معه ووضع القوات العربية في تصرّفه للدفاع عن حدود سورية كما رسمها مؤتمر سان ريمو San Remo.
انهى فيصل برقيته معلنًا أنّه متأكد من أن الحكومة الفرنسية التي يثق بها ستبرّ بتعهداتها تجاهه وتجاه السوريين.
اجاب غورو سلبًا على مبادرة فيصل ووجّه إليه اللوم لأنه لم يضع خط ريّاق – حلب في تصرّف الجيش الفرنسي في الوقت المناسب.
ثم أبرق المفوّض السامي إلى حكومته يقول إن فيصلاً يحاول أن ينصب له فخًا وأن هدف هذا الأخير ما زال إخراج الفرنسيين من سوريا ولبنان.
تابع غورو بعد ذلك استعداداته العسكرية واستمر التوتر بين المنطقتين الساحلية والداخلية إلى أن وقعت معركة ميسلون، في 24 تموز، فدخل الجيش الفرنسي دمشق وطُلب من فيصل مغادرة البلاد.
بقي على الحلفاء أن يستعجلوا توقيع معاهدة الصلح مع تركيا، فتم ذلك في سيفر Sèvres في العاشر من آب 1920 وقد اعترف السلطان في مادتها الرابعة والتسعين باستقلال الولايات العربية المسلوخة عن امبراطوريته شرط أن تخضع لنظام الانتداب الدولي.
استنادًا إلى ما ورد في معاهدة Sèvres وإلى ما اتفق عليه في سان ريمو، نظّم غورو إدارة المناطق التي وضعت تحت الانتداب الفرنسي، فاتخذ قرارًا في 3 آب يقضي بضم الأقضية البقاعية الأربعة إلى لبنان، ثم انشأ في 18 آب، بموجب قرار آخر، دولة دمشق، وفي 31 منه انشأ دولة العلويين، وفي اليوم نفسه أصدر ثلاثة قرارات جديدة، حل بموجب الأول، ولاية بيروت العثمانية وأجهزتها، وأنشأ بموجب الثالث، لبنان الكبير ورَسَم حدوده.
وفي اليوم التالي، أي في الأول من أيلول، انشأ غورو دولة حلب.
اما دولة الدروز فلم تر النور إلا في الرابع من آذار 1921.
خاتمة نستطيع ان نقول، في ختام هذه الدراسة، إن فيصلاً والسوريين لعبوا ورقتين خاسرتين: الأولى هي ورقة ولسون، ولكن هذا الأخير انسحب من مؤتمر الصلح وسقطت معه آمالهم، الثانية هي الورقة البريطانية، ولكن حكومة لندن كانت تعمل لتأمين مصالحها ولم تتردد في التخلّي عن حلفائها بعد أن نالت منهم مأربها.
أما فرنسا، فقد رأت في هذه الحركات الوطنية السورية خطرًا على كيان الأمة، لذا ناصبتها العداوة بلا هوادة، فدفع هذا بالدولة المنتدبة إلى التقرّب من الكماليين وإلى تقديم التنازلات لهم.
هكذا أُدخلت تعديلات، في أكثر من مرة، على خارطة الحدود بين تركيا وسوريا.
وكانت هذه التعديلات تصبّ دائمًا في مصلحة الأتراك.
إن التصلّب في مواقف الفئات المتطرّفة أسقط اتفاق 6 كانون الثاني 1920 بين فيصل وكليمنصو ودفع بالبلاد إلى صدام عسكري مع الفرنسيين لم تكن فيه القوى متكافئة.
إن هزيمة ميسلون أنهت الحكم الفيصلي المعتدل وقضت على الاستقلال التام الذي كان يسعى له السوريون.
لم تع تلك الفئات اهمية التحوّلات التي طرأت على الوضع الدولي بين تشرين الأول 1918 وحزيران 1920 ولم تقوّم بموضوعية وبُعد نظر انعكاسات تلك التحولات على مصير الشرق الأوسط، كما أنها لم تدرك الخطورة القصوى التي كانت تشكّلها السياسة البريطانية على مستقبل المنطقة.
أما التيار الاستقلالي اللبناني، فقد أفاد بلا شك من الخلافات الدولية والإقليمية لفرض خياراته، وقد نجح في ذلك بفضل الجهود الجبارة التي بذلها مناصروه من اللبنانيين المقيمين والمغتربين، وأيضًا بفضل تعاطف بعض القيادات الفرنسية مع تطلعاته.
ولكن قسمًا من سكان المناطق التي ضُمّت إلى المتصرفية اعتبر نفسه مظلومًا لأن آماله الوحدوية قد خُيّبت، لذا رفض الكيان الجديد وعمل على تقويضه، وقد استمرّ في موقفه الرافض هذا حتى ميثاق 1943.
 
إدوار حنين السياسي والمشرع

• إدوار حنين النائب
• إدوار حنين الوزير
• ادوار حنين والجبهة اللبنانية
• حزب الكتلة الوطنية
• إدوار حنين في الصحافة
• كتابات سياسية
• كتابات في السياسية
المجموعة الأولى

• كتابات في السياسية
المجموعة الثانية
ادوار حنين في الصحافة

• مجلة الفصول
• مقالات بو ابراهيم
• مقالات متفرقة
إدوار حنين المفكر والأديب

• أدب الرحلات
• أدب الرثاء
• محاضرات
• كتابات أدبية
• كتابات في مناسبات
• مختارات من محاضرات
إدوار حنين - المجموعة الأولى

• ملف شوقي
• ملف خواطر
• ملف ثلاث كلمات في المصالحة مع الذات
الارشيف

• ارشيف الصوت
• أرشيف الصور
• أرشيف الأفلام
• ارشيف الكتب
ارسل لنا

• لمعلوماتك الاضافية
• لديك مخطوطات غير منشورة
• اتصل بنا
• ارسل هذه الصفحة
• أطبع هذه الصفحة
اطلقت هذا الموقع جمعية أندية الليونز في 30 حزيران 2013 من ضمن احتفاليات مئوية ولادة ادوار حنين.