الخيارات المغلقة: من ولادة الكيان إلى مقدمات الانفجار (1920–1969)
تاريخ لبنان الحديث لا يبدأ بالحرب، بل بانفجار الصيغة. فقبل أن تتساقط القنابل، كان التراكم السياسي والاجتماعي والطائفي يُنذر بانهيار مرتقب، إذ تأسس الكيان على تناقض جوهري بين مكوّناته، في نظرتهم إلى الذات والآخر والكيان والدور.
عام 1920، وفي لحظة انهيار السلطنة العثمانية، أعلن الجنرال الفرنسي غورو من قصر الصنوبر قيام "دولة لبنان الكبير"، بضمّ الأقضية الأربعة: البقاع وراشيا وحاصبيا وطرابلس وصيدا إلى جبل لبنان. لم تكن هذه الولادة نتاج إرادة محلية جامعة، بل ثمرة تفاهم دولي برعاية الانتداب الفرنسي، ومطلب ماروني واضح بقيادة البطريرك الحويك، الذي رأى في المشروع خلاصًا روحيًا ووطنيًا لمسيحيي المشرق، بعد قرون من القلق الوجودي تحت حكم السلطنة.
غير أن هذا الضمّ لم يلقَ قبولًا لدى جزء كبير من المسلمين، الذين رأوا فيه انفصالًا عن الفضاء العربي، وانحيازًا إلى مشروع فرنكوفونيّ الهوى. وهكذا، وُلد الكيان على هشاشة بنيوية، لم تُعالَج لا بالدستور ولا بالمواطنة، بل بالتسويات الطائفية والترضيات.
خلال فترة الانتداب (1920–1943)، أُرسيت قواعد الحكم على قاعدة الموارنة في الرئاسة، والسنة في رئاسة الحكومة، والشيعة في رئاسة المجلس، كترجمة غير مكتوبة لتوازن القوى. لكن سرعان ما برزت الهواجس المتبادلة: المسيحيون خائفون من الذوبان العددي، والمسلمون ناقمون على "هيمنة الأقليات".
عام 1943، جاء الاستقلال الرسمي، نتيجة تقاطع إرادة داخلية وضغط بريطاني على الفرنسيين. فُرضت تسوية الميثاق الوطني، التي أفرغت الاستقلال من مضمونه السيادي الكامل، حيث تخلّى المسيحيون عن الحماية الغربية، مقابل تخلّي المسلمين عن الوحدة مع سوريا الكبرى. لكن هذه الصيغة بقيت هشة، غير مدعومة بثقافة دولة، ولا بنموذج اقتصادي واجتماعي عادل.
في العقود التالية، ازدهر لبنان اقتصاديًا وثقافيًا، وتحوّل إلى نموذج مصرفي وسياحي وحرّ في محيطه. بيروت أصبحت "باريس الشرق"، والتعدد الطائفي بدا كأنه ميزة. لكنّ خلف هذا الازدهار، كانت التصدعات تتراكم: غياب التخطيط الإنمائي، وتفشّي الفساد، وتزايد الشعور بالغبن، خصوصًا لدى الشيعة في الجنوب والبقاع، والدروز في الجبل، والفلسطينيين في المخيمات.
في المقابل، بقي المسيحيون، وخصوصًا الموارنة، يرون في لبنان "الوطن النهائي" و"المختبر الحضاري"، واعتبروا الحفاظ على الكيان مسؤولية تاريخية ووجودية. هذا الوعي الوطني – القومي الصغير – عبّر عنه مفكرون كميشال شيحا، الذي رأى أن التعدد هو جوهر لبنان، شرط أن يُدار ضمن سيادة قوية وهوية مستقلة.
لكن المشروع الماروني اصطدم بثلاثة مشاريع كبرى:
1. المشروع العربي الوحدوي الذي مثّله عبد الناصر، ووجد صدى في أوساط واسعة من المسلمين اللبنانيين.
2. المشروع الفلسطيني المسلح الذي بدأ بالتبلور بعد النكبة، ثم تعزّز بعد النكسة.
3. المشروع السوري التوسعي الذي رأى في لبنان جزءًا طبيعيًا من "سوريا الطبيعية".
كل هذه المشاريع اصطدمت بالمشروع اللبناني، فخلقت تناقضًا فادحًا: فريق يريد الدولة بوصفها وطنًا نهائيًا، وفريق آخر يراها ساحةً، أو محطة عبور.
أحداث عام 1958 كشفت هشاشة الصيغة. تمرد مسلح ضد الرئيس كميل شمعون، المدعوم من الغرب، بتهمة تفضيله التحالف مع واشنطن ضد المد القومي العربي. انتهت الأزمة بتسوية قضت بانتخاب اللواء فؤاد شهاب رئيسًا للجمهورية، وتميّز عهده بمحاولة بناء دولة مؤسسات، وإنشاء أجهزة أمنية وخدمة مدنية حديثة، لكنه اصطدم بالطبقة السياسية الطائفية، التي رأت في مشروعه تهديدًا لامتيازاتها.
في هذه المرحلة، بدأ يتكون في أذهان كثير من المسيحيين – وخصوصًا في بيروت الشرقية – شعور بأنهم يخسرون المعركة الكبرى: فالشارع المسلم أكثر تعبئةً بالعروبة والمقاومة، والفصائل الفلسطينية بدأت تتوسع، والدولة تتراخى، والجيش يتفكك بين ولاءات سياسية وطائفية.
وجاء عام 1969 ليؤكد المخاوف. اتفاق القاهرة، الذي فُرض على لبنان برعاية مصرية، منح المقاومة الفلسطينية شرعية العمليات انطلاقًا من الأراضي اللبنانية، مقابل التزامها بعدم المساس بالسيادة. لكن ما حصل كان العكس: تنامت ظاهرة السلاح، واحتلّ المسلحون أحياء بكاملها، وشهد الجنوب اختراقًا كاملًا لسيادة الدولة.
من وجهة نظر المسيحيين في المنطقة الشرقية، بدا ذلك خيانة موصوفة من الدولة لالتزاماتها الدستورية. اللبنانيون يتخلّون عن سيادتهم طوعًا، والمسيحيون يُطلب منهم القبول بذلك بحجج أخلاقية وقومية. لكن إلى متى؟ وما الثمن؟
هنا، بدأ يتكون المزاج الدفاعي في الأحياء الشرقية من بيروت: من الأشرفية إلى الرميل إلى السوديكو، ومن الكسليك إلى بكفيا إلى المتن وكسروان. تحرّكت الكنيسة، وبدأ خطاب الدفاع عن الذات، وظهر فرقاء سياسيون ومثقفون يحذرون من التفريط بالكيان. البعض رأى أن زمن المقاومة لا يعني إسقاط الدولة، والبعض الآخر بدأ يعدّ العدة لمواجهة قادمة، إذا ما استمرّ الانهيار.
هكذا، ومع نهاية الستينيات، لم يكن لبنان على حافة حرب فقط، بل على حافة تفكك عميق في الرؤية إلى الوطن. الشرخ كان أكبر من مجرد خلاف سياسي، بل صراع على المعنى، والهوية، والمصير. وكان لا بد، في نظر كثيرين، من لحظة حسم، أيًّا كان شكلها.