إدوار حنين
المفكر والسياسي
السيرة الذاتية أرشيف الصور أرشيف الأفلام ارشيف الصوت
 

إدوار حنين السياسي والمشرع

الصراع على السلطة

الصراع على السلطة في دمشق وبيروت ومتصرفية جبل لبنان في تشرين الأول 1918.
في 19 أيلول 1918، أحرز الجنرال اللنبي (Allenby) انتصارًا حاسمًا على العثمانيين في فلسطين، فانفتحت أمامه أبواب سوريا، فما كان منه إلا أن دفع بقواته نحو الشمال.
ذُعر الموظفون الأتراك، فأخلوا دمشق وبيروت ومتصرفيّة جبل لبنان في 13 أيلول، فيما كانت فلول الجيش التركي تنسحب باتجاه حلب والأناضول.
هنا بدأ صراع للاستيلاء على السلطة في بيروت ومتصرّفية جبل لبنان ودمشق وبقيّة المدن السوريّة بين قوات عربيّة ثلاث، الأولى هي الأسرة الهاشميّة على رأسها الأمير فيصل ابن الشريف حسين ملك الحجاز ومطلق الثورة العربية عام 1916، والثانية هي أسرة عبد القادر الجزائري، بزعامة اثنين من أحفاده، هما الأمير محمد سعيد وأخوه عبد القادر؛ وتمثّلت الثالثة بعدد من الوجهاء القياديين الوطنيين السوريين.
أما سكان متصرّفيّة جبل لبنان فتوخّوا الحذر بانتظار تبلور الأوضاع.
كانت هذه القوى المحليّة تخشى أطماع الدول الكبرى المنتصرة في الحرب، لا سيّما أطماع بريطانيا وفرنسا، الدولتين الاستعماريتين اللتين كانت قد خططتا، منذ السنة 1916، من خلال اتفاق سايكس – بيكو، لاتفاق تركة الدولة العثمانية المحتضرة.
1- سيطرة الجزائريين على السلطة في دمشق وتنحيتهم
عشية انسحاب الأتراك من دمشق، نظم الأَخَوان محمد سعيد وعبد القادر الجزائريان ميليشيا من المغاربة المقيمين في العاصمة السورية.
ويؤكد محمد سعيد في مذكراته أنه فعل ذلك بموافقة جمال باشا الصغير المعروف بالمرسيني، قائد الجيش التركي.
كان هدفه حماية المدينة وحماية انسحاب الأتراك.
في 13 أيلول، اجتمع عدد من وجهاء دمشق في دار البلدية واختاروا الأمير محمداً سعيداً رئيساً للحكومة الموقتة، فرفع العلم العربي على الدار المذكورة مكان العلم العثماني، وابرق الى بيروت والى مختلف المدن السورية معلناً قيام حكومة عربية في دمشق باسم الشريف حسين داعياً الناس الى الهدوء والسكينة.
ابتدأ الأمير محمد سعيد، بعد إمساكه بزمام الأمور في العاصمة السورية في 30 أيلول كما ذكرنا، بأداء "قسم الولاء والإخلاص" للملك حسين وبرفع العلم العربي.
إنه يؤكد في مذكراته أنه اتفق مع الأمير فيصل على الأمر عندما اجتمع به في وهيد، غربي معان، في آب 1918، وهدفهما من ذلك إعلان الإستقلال قبل وصول الجيوش الأجنبية.
كما يؤكد أن الشريف ناصر الذي دخل دمشق صبيحة الأول من تشرين الأول (أوكتوبر)، فوّض إليه إدارة الحكومة ريثما يصل فيصل.
نجد تفاصيل أخرى في بعض المصادر حول نشأة حكومة محمد سعيد الجزائري، إن يوسف الحكيم، مثلاً، يروي في مذكراته أن فريقا من " الوجهاء والمفكرين الدمشقيين" إجتمعوا في بهو المجلس البلدي في دمشق "وقرروا إقامة حكومة موقتة تحول دون الفوضى، ريثما تصل الجيوش المظفّرة" واختاروا لرئاسة هذه الحكومة الأمير سعيد الجزائري.
لكن الرواية التي نجدها في كتابات لورانس وفي رسائله تختلف عما ذكرناه سابقاً إذ إنها تعطي انطباعاً بأن الأخوين الجزائريين إغتصبا السلطة في دمشق ولم يستلماها لا بموافقة فيصل ولا بناءً على طلب من الوجهاء الدمشقيين.
أمّا ما كتبه لورانس في أعمدة الحكمة السبعة وفي عدد من رسائله حول هذا الموضوع، فهو ينضح بحقده على الأخوين الجزائريين.
وفي رسالة وجهها الى الضابط الإنكليزي ستيرلنغ (Stirling) بتاريخ 28 حزيران 1919، يعطي لورانس تفاصيل إضافية عن الموضوع، ويؤكد أن فيصلاً هو الذي طلب منه "التخلص منهما".
ويختم رسالته بهذه الجمل :
"إذاً كان يوجد في سوريا آناذاك شخصان يستحقان الموت شنقاً أو رمياً بالرصاص، فهذان الشخصان هما دون شك الأخوان الجزائريّان.
آسف كثيراً للحرية التي تركت لمحمد سعيد.
لقد طالب فيصل بسجنه أكثر من مرة.
حال وصوله الى دمشق في الأول من تشرين الأول، نصّب لورانس نفسه ممثلاً للأمير فيصل، فعمد الى عزل الأمير محمد سعيد الجزائري من الحكم وإعلان قيامة حكومة عسكرية برئاسة شكري الأيوبي، نيابةً عن رضا الركابي الذي لم يكن قد عاد الى دمشق بعد.
إنسحب الأخوان الجزائريان على مضض.
ولكن بعد ظهر الأول من تشرين الأول بدأت الفوضى تدبّ في دمشق، وفي ليل 1 الى 2 تشرين الأول، إندلعت ثورة حقيقية في المدينة.
فتدفقت الى شوارعها قواتٌ درزية وبدوية وقامت بأعمال نهب.
لكن القوات العربية تدخلت بسرعة بطلب من لورانس وكسحت برشاشاتها الأحياء المضطربة، فقمعت حركة التمرد موقعة أكثر من 20 قتيلاً في صفوف المتسللين.
وقد إتهم لورانس في مؤلفاته وفي مراسلاته الأخوين الجزائريين بأنهما مسؤولان عن هذه الحركة، وبأنهما حرّضا أتباعهما كما حرّضا الدروز مدّعين أنّ الهاشميّين ومؤيّديهم هم دمى تحركهما بريطانيا كما تشاء وطالِبين من الجميع القيام بعمل ما دفاعاً عن الدين.
إن شهادات المعاصرين في حكومة محمد سعيد وعبد القادر الجزائريين لم تكن دائماً سلبية كما يصوّرها لورانس والمقرّبون من بريطانيا ومن الهاشميين.
إن عدداً من هؤلاء المعاصرين أثنوا على الإجراءات التي اتخذها الأخوان الجزائريان آنذاك.
نستخلص مّما سبق أن لورانس وعملاء الإنكليز بصورة عامة ومؤّيدي فيصل كانوا يخشون ان تفلت السلطة في دمشق من أيديهم، خصوصاً وان الأخوين الجزائريّين، حفيدي عبد القادر الكبير، كانا يشكلان خصمين خَطِرَيْن للهاشميّين:
فأسرَتُهما الكريمة النسب، وتاريخ جدّهما العريق ومكانتهما في العالم الاسلامي ووزنهما السياسي في سوريا وعلاقتهما بفرنسا كانت كلّها تخولهما الطموح الى الحكم والوقوف في وجه المخططات الإنكليزية-الحجازية، وهذا ما دفع لورانس الى الإسراع في التخلص منهما.
٢-دخول فيصل واللنبي دمشق
ما كانت هوّية الفِرَق العسكريّة التي دخلت دمشق توّاً بعد انسحاب العثمانيّين، أكانت عربية أم بريطانيّة؟
أثار الجواب عن هذا السؤال جدلاً بين المؤرخين لان له ابعاداً سياسية مهمة نوضحها بما يأتي:
في ربيع ١٩١٨، وجّه سبعة من الزعماء العرب المقيمين في مصر مذّكرة إلى الحكومة البريطانيّة، سُلّمت إلى المكتب العربي في القاهرة، يستوضحونها سياستها تجاه الأقطار العّربية ويسألون عن مصير هذه الأقطار بعد انتهاء الحرب.
في ١٦حزيران من السنة نفسها، أرسلت لندن جوابها وهو يعرف ب"التصريح الموّجه الى السبعة"، قسّمت فيه الحكومة البريطانية المنطقة التي كان يطالب الحسين باستقلالها إلى أربعة اقسام.
يضّم القسمان الأوّلان البلاد العربيّة التي كانت مستقلّة قبل الحرب والتي حررها العرب بانفسهم، تعترف بريطانيا بالسيادة التامة للعرب على هذه الأراضي.
أما القسم الثالث، فيضّم المناطق التي حرّرتها الجيوش الحليفة، فأكّدت لندن "أن الحكومة المقبلة لهذه الأقاليم يجب ان تقوم على مبدأ موافقة المحكومين".
يبقى القسم الرابع وهو يضّم الأراضي التي كانت لا تزال تحت النير التركي، اي الولايات السورية ومتصرفية جبل لبنان وولاية الموصل، فورد في التصريح"أنّ الشعوب المضطهدة في هذه الأراضي يجب ان تفوز بالحرية والإستقلال".
على الرغم من اهميّة ما ورد في التصريح عن القسمين الثالث والرابع، فإنّ العرب أبدوا اهتماماً خاصاً بما ورد بشأن القسم الثاني، اي الأراضي التي حرّروها بأنفسهم والتي يجب ان تتمتّع بالسيادة التامّة.
هنا تكمن أهمية القول إنّ القوات العربية هي التي دخلت دمشق قبل القوات البريطانيّة.
ولكن كيف جرت الأمور بالضبط؟
من المؤكّد ان فرقة الخيّالة الأوسترالية وفوجاً من الخّيالة السباهيّة الفرنسييّن وصلا الى ضواحي دمشق في٣٠ أيلول الساعة الواحدة بعد الظهر.
وللحال صدر أمرٌ من القيادة العامة البريطانيّة يطلب منهما وقف تقدمهما نحو المدينة.
لكّن السجل الميداني اليومي للقوات الأوستراليّة يظهر ان لواء الخيّالة الثالث الأوسترالي دخل دمشق في الأول من تشرين الأول حوالي الساعة السادسة صباحاً، وأنّ قائد الفوج العاشر الذي كان في الطليعة، عندما بلغ مبنى البلديّة، دخله ووجد فيه الأمير محّمد سعيد الجزائري محاطاً بمجموعة من الأعيان والوجهاء.
غادر الخيّالة الأوستراليّون دمشق حوالي السّاعة السابعة واتّجهوا شمالاً لمطاردة فلول الجيش التركي.
يؤكّد الأمير سعيد الجزائري دخول الأوسترالييّن دمشق قبل القوات العربية التي كان يقودها الشريف ناصر.
يبدو انّ هذا الأخير لم يصل الى المدينة إلا حوالي الساعة السابعة والنصف أو الثامنة صباحًا.
أما لورانس فلم يدخل دمشق إلا في الساعة التاسعة، فغضب غضباً شديداً عندما علم ان الأوسترالييّن كانوا اوّل الواصلين، لأن تصريح الحكومة البريطانية الموّجه الى السبعة كان في ذهنه، وكان يرغب في ان تحتل القوات العربية قبل سواها المدينة لكي تخضع سوريا للسيادة العربيّة.
بعده مباشرة وصا الجنرال شوفل (Chauvel)، القائد الأعلى للقوات الأوستراليّة، واتّجه فوراً نحو مبنى البلديّة حيث التقى لورانس والأيوبي.
ولماّ علم ان هناك حكومة عربيّة نصّبت باسم الملك حسين، رفض الإعتراف بها.
إن القوات الأوستراليّة قاتلت بضراوة في الأيّام التي سبقت انسحاب الأتراك، وتوجّت تضحياتها بدخول خياّلتها دمشق قبل سواهم، لذا كان شوفل يرفض ان يُسرق منه النصر وينسب الى العرب، وقد تسبب ذلك بتوّتر العلاقة بينه وبين لورانس.
في 2 تشرين الأول، دخل دمشق ألوف من الجنود البريطانييّن مع فرقة صغيرة من الجنود الفرنسيّين، فاخترقوا المدينة متجهين شمالاً لملاحقة الجيش التركي المنسحب.
وفي الثالث من الشهر نفسه، وصل اللنبي ونزل في فندق فيكتوريا، وثبّت الركابي-زكان قد عاد الى دمشق-في رئاسة الحكومة الموقتة في المنطقة الداخليّة.
وفي اليّوم عينه وصل الأمير فيصل في قطار من درعا، فكُلّف الضابط الإنكليزي هيوبرت يونغ (Young) باستقباله باسم اللنبي، وقصّد تواً فندق فيكتوريا حيث اجتمع بالقائد العام البريطاني لأّوّل مرّة.
وكان هذا الأخير قد تلقى تعليمات واضحة من حكومته بشأن علاقة الحلفاء بالأمير فيصل وبشأن مستقبل الأراضي العربية المحّررة من النير العثماني.
3- بيروت ومتصرفيّة جبل لبنان بين اتفاق سايكس-بيكو وتطّلعات الحكومة العربيّة في دمشق.
سلّم الوالي العثماني، اسماعيل حقي بك.
عند انسحابه من بيروت، شؤون الحكم الى رئيس البلدية عمر الداعوق.
وسلّم المتصرّف، ممتاز بك، إدارة الجبل في بعبدا، الى حبيب فياّض رئيس البلدّية.
وكان الأمير محمّد سعيد الجزائري، عقب توليّه السلطة، قد ابرق الى المدن السوؤية المختلفة والى بيروت، يخبر المسؤولين بانهزام الجيش التركي وبقيام حكومة عربيّة في دمشق بإسم الملك حسين، ويطلب منهم إنشاء حكومات مماثلة ويحثّ السكان على ااتزام الهدوء.
وقد تلقى البطريرك الماروني بدوره برقيّةً هذا نصُها:
"غبطة بطريرك الطائفة المارونيّة،
"إنه بعون الله تأسست الحكومة العربيّة المستقلة باسمنا. فنطلب منكم، بإسم العربيّة والوطنيّة، أن تؤسسوا الحكومة عندكم في جبل لبنان.
25 ذي الحجّة 1336،
رئيس الحكومة السوريّة، سعيد ابن الأمير علي باشا الجزائري".
لم يجب البطريرك على بل فضّل الإنتظار ريثما تتبلور الأمور.
لكنّ موظفي المتصرفيّة اجتمعوا في بعبدا وانتخبوا الأميرين مالك شهاب وعادل ارسلان لإدارة شؤون الجبل بصورة موقتة.
فأبرق الأميران الى البطريرك يطلعانه على ما جرى، فوجّه بدوره، في الخامس من تشرين الأوّل، برقيّة الى الأمير مالك شهاب يحثّه فيها على المثابرة على"إدارة الحكومة الموقتة بحزم وحكمة" ويطلب منه ان ينصح الأهالي بالخلود الى السكينة، و"بتوقيف كل مخابرة تتعّلق بشؤون البلاد مكتفين الآن بالحكومة الموقتة الى ان يكون تيّسر لنا ولهم تبادل الأراء بهذا الشأن لدى وصولنا قريباً الى مقرّنا في بكركي".
وكان مجلس الإدارة، بالاتفاق مع البطريرك، قد ارسل يستشير الفرنسييّن في جزيرة ارواد.
فكان جوابهم "إننا قادمون".
إن الاستيلاء على بيروت والمدن الساحليّة الأخرى ومتصرفيّة جبل لبنان كان يعتبر حيويّاً بالنسبة الى الزعماء الوطنيّين السوريّين، وكذلك بالنسبة الى فيصل ولورانس.
كانوا جميعاً يعلمون انّ لفرنسا مصالح تاريخيّة في المنطقة الساحلية لن تتخلى عنها بسهولة وأنها عقدت بشأنها اتفاقاً مع بريطانيا عام 1916، هو اتفاق سايكس- بيكو.
يضاف الى ذلك ان فيصلاً ولورانس كانا يعلمان، منذ ربيع 1917، الخطوط الكبرى لهذا الإتفاق، بعد ان قررت باريس ولندن، في مطلع هذه السنة، اطلاع الملك حسين على مضمونه، فأوفدتا الى الحجاز مارك سايكس وفرنسوا جورج – بيكو اللذين وصلا الى جدّة في18 آذار1917 واجتمعا في اليوم الثاني بالملك.
وتبعت هذا اللقاء لقاءات اخرى شارك في معظمها الأمير فيصل.
وبعد خمسة ايام من المفاوضات، ابرق جورج-بيكو الى حكومته يقول:
"ان الملك يعرف الآن مضمون اتفاقنا ولم يبد متأثراً الى الحّد الذي كنا نخشاه
يمكننا منذ الآن ان نقول ان الدور الفرنسي في سورية سيكون، في خطوطه الكبرى، شبيهاً بالدور الإنكليزي في العراق.
سنتعاون مع ممثلي الملك في المناطق الإسلاميّة من سوريا بواسطة مستشارينا.
أمّا المناطق المسيحيّة، فإن إستولينا عليها قبل تهاية الحرب، فسننشئ فيها دولة تكون تحت حمايتنا".
بعد ان اطّلع وزير الخارجية الفرنسي على برقية جورج-بيكو، طلب منه ان يعلن إلى ممثّل فرنسا في الحجاز، بأن يوضّح للحسين ما المقصود بعبارة "المناطق الإسلامية من سوريّة" التي استعملت خلال المحادثات، وأن يؤكد له أن هذه التسمية تنطبق فقط على المناطق الداخليّة، وبالتحديد على المنطقة "أ" من اتفاق سايكس - بيكو، ولا تنطبق على المنطقة الزرقاء، اي على الساحل وكيليكيا.
فما كان من جورج-بيكو إلاّ ان أبرق بهذا الخصوص الى شرشلي في 13حزيران1917.
بعد الإنتصار الذي أحرزه الجنرال اللنبي على الجيش العثماني بيومين، وبالتحديد في21 ايلول1918، أبرق ستيفن بيشون (Pichon)، وزير خارجيّة فرنسا، الى بول كامبون (Cambon)، سفير بلاده في لندن، يطلب منه أن يبلّغ الحكومة البريطانيّة إصرار فرنسا على تطبيق اتفاق سايكس – بيكو.
تسلّح كامبون بهذه التعليمات ودافع بعناد عن وجهة نظر حكومته أمام وزير خارجيّة بريطانيا اللورد بلفور، وحصل منه، في 23 ايلول، على تصريح يقول فيه ان بريطانيا لن تقبل بان تقع سوريّة تحت نفوذ دولة اوروبيّة غير الدولة الفرنسيّة، وأضاف بلفور انه يتمنى ان يُعْلَن هذا الموقف بوضوح في فرنسا وخارجها.
في 27 ايلول، أي قبل انسحاب الأتراك من دمشق وبيروت بثلاثة أيام، استقبل الجنرال اللنبي الكابيتان كولندر (Coulondre)، مساعد المندوب السامي الفرنسي فرنسوا جورج-بيكو، وأخبره أنّه تلقى تعليمات سريّة من وزارة الحربيّة تطلعه على مضمون الاتفاق المعقود بين باريس ولندن عام1916، وتطلب منه العمل على تنفيذه وعلى"إنشاء إدارة عربيّة مع ضابط ارتباط فرنسي في منطقة "أ" من اتفاق1916، وإدارة فرنسيّة في المنطقة الزرقاء".
في 30 ايلول، بينما كانت فلول الجيش التركي تغادر سوريّة، كان السفير الفرنسي في لندن يُعِدّ مع الحكومة البريطانيّة إتفاقاً حول ادارة اراضي العدو التركي التي تّم الإستيلاء عليها أو التي ستستولي عليها لاحقاّ الجيوش الحليفة.
وقد ورد فيه ان القائد العام، الجنرال اللنبي، يعترف بممثّل الحكومة الفرنسيّة مستشاراً سياسياً له في مناطق النفوذ الفرنسي من هذه الأراضي، ويعتبره "الوسيط الوحيد بينه وبين اية حكومة او حكومات عربيّة موقتة او دائمة، يمكن ان تنشأ في منطقة "أ" من اتفاق 1916 ".
كما يعهد اليه، بصفته هذه "ان يؤسس ادارة مدنيّة في المدن الساحليّة وفي المنطقة الزرقاء بصورة عامة
وان يختار الأشخاص المناسبين للوظائف المدنيّة في المدن الساحليّة وفي الأقسام الأخرى من المنطقة الزرقاء".
في الثاني من تشرين الأّول، وافقت الحكومة الفرنسيّة رسميّاً على هذا الإتفاق واصبح نافذاً.
بينما كان مصير الأراضي العثمانيّة المحتّلة يقرّر في لندن وباريس، كان لورانس وفيصل وزعماء الأحزاب والحركات الوطنيّة في دمشق يعتمدون حلولا مغايرة تماماً ويحاولون فرض الأمر الواقع على حكومات الدول الأوروبيّة المنتصرة.
وافق رضا الركابي، بعد استلامه السلطة في دمشق، في 2 تشرين الأوّل، على البرقيات التي ارسلها محمد سعيد الجزائري الى بيروت والمدن الساحليّة الأخرى، وعلى قيام حكومات عربيّة فيها.
انه قرّر، بالاضافة الى ذلك، ارسال شكري الأيوبي الى بيروت حاكماً عسكرياً مع قوّة عربيّة رمزيّة.
كان الركابي منتسباً الى جمعيّة العربيّة الفتاة ورئيساً لبلديّة دمشق، وكان من المدافعين عن العروبة، ولكنّه كان ينتمي الى تيار وطنّي قوّمي يتردّد في ترك القيادة للحجازييّن، وكان هذا التيّار يضّم عدداً من الشخصيات المقيمة في سوريا واخرى من الجاليات في بلاد الإغتراب.
وقد اتخّذ بعضها علانيّة موقفاً معادياً للهاشمييّن.
ففي تشرين الأوّل مثلاً، وُجّه نداءٌ الى "الدول الكبرى التي حرّرت سوريّة"، يحتّج فيه الموقعون على "دخول القبائل العربيّة دمشق وعلى تدخل الحجازيّين في شؤون سوريا"، ويؤكد انه "لا يوجد اي رابط قومي بين هذه القبائل ذات الأنطمة البدائيّة والشعب السوري".
وفي النهاية يرجو النداء من الدول الكبرى "ان تفصل القضيّة السوريّة عن القضيّة العربيّة" وان تنشئ دولة سورية موحدّة ومستقلّة و"منفصلة كلياً عن المناطق الأخرى الناطقة باللغة العربيّة".
يبدو ان الركابي لم يكن بعيداً عن هذه الأفكار، وقد قرّر، بالاتفاق مع عدد من قادة الحركة الوطنيّة، ارسال شكري الأيوبي الى بيروت ليضع فيصلاً والحلفاء امام الأمر الواقع، ربماّ لأنه كان يخشى ان يقدّم الهاشميّون تنازلات لفرنسا في المنطقة الساحليّة.
لم يكن باستطاعة فيصل ان يتنكّر لإجراء كهذا، فلو فعل لخسر شعبيته في سوريّة بكاملها.
نذكّر هنا بان جبل لبنان وساحله كانا خاليين من الجيوش الحليفة التي لم تدخلهما إلا في الثامن من تشرين الأوّل.
لذا اعتبر الركابي ورفاقه ان الإستيلاء عليهما، ولو بقوّة عسكريّة رمزيّة، قبل وصول القوات البريطانيّة، يخوّلهم ضمّهما الى الدولة العربيّة، طبقاً لما ورد في "التصريح الموّجه الى السبعة" الذي تكلمنا عنه سابقاً.
لقد اعترفت بريطانيا للعرب، في هذا التصريح، بالسيادة التامّة على الأراضي التي حرّروها بأنفسهم من النير العثماني.
لكن الجنرال الإنكليزي كلايتون (Clayton) رفض تطبيق هذا المبدأ على بيروت والساحل، وأبرق الى حكومته يقول:
"يمكننا التأكيد، بكل صدق، ان جلاء الأتراك عن بيروت اتى نتيجة لاستيلاء القائد الأعلى البريطاني ]اي اللنبي[ على دمشق، ولم يكن نتيجة لعمل عسكري قام به العرب".
دعم اللنبي، عن غير قصد، بالاجراءات التي اتخذها، موقف الركابي واضعف موقف فيصل.
كان هدفه في الأساس ابعاد الأمير عن الإدارة المحليّة ليتفرّغ لقيادة القّوات العربيّة.
لذا ثبّت الركابي في حكم منطقتي "أ" و"ب" من اتفاقيّة 1916، اي سوريا الداخليّة.
سرعان ما ادرك اللنبي انه اخطأ في قراره هذا لأن الركابي لم يكن مديناً بشيء لبريطانيا ولم يكن ملزماً بمراعاة الإتفاقات المعقودة بينها وبين حليفتها فرنسا.
4 - حسم الوضع في دمشق وفي المنطقة الساحليّة وتصفيّة الحسابات بين فيصل والجزائريّين.
قبل وصول اللنبي وفيصل الى دمشق، كان قرار ارسال الأيوبي الى بيروت قد اتخذ، وقد غادر مع مئة فارس وعدد من المرافقين، منهم جميل الألشي ورفيق التميمي ورستم حيدر، في ليل 3 إلى 4 تشرين الأول كما ذكرنا، وبات تلك الليلة في خان ميسلون، وتابع سيره في صباح اليوم التالي، 4 تشرين الأول، باتجاه راشيا، فحاصبيا، فصيدا، ووصل بيروت في السابع من تشرين الأول حيث استُقبل بحفاوة، وصعد في الثامن منه الى بعبدا حيث اعلن اعادة امتيازات المتصرفيّة التي كان الباب العالي قد ألغاها خلال الحرب، واجتمع بحبيب باشا السعد، رئيس مجلس الإدارة الذي كان جمال باشا قد حلّه في آذار1915، وعيّنه حاكماً مكان الأميرين مالك شهاب وعادل ارسلان، فأقسم السعد يمين الولاء للملك حسين ولحكومة فيصل.
ذكرنا ان اللنبي دخل دمشق في 3 تشرين الأول ونزل في فندق فيكتوريا حيث قصده فيصل حال وصوله.
اتسّمت المقابلة بين الرجلين بشيء من التوّتر وحضرها لورانس كمترجم، كما حضرها نوري السعيد والقائد الأوسترالي شوفيل وعدد من الضباط الإنكليز.
أفهم اللنبي الأمير انه تلقى تعليمات من حكومته تنصّ على ان الأراضي التي احتّلتها الجيوش الحليفة تعتبر"اراضي العدو" وهي تحت أمرته وان بريطانيا مسؤولة عن ادارتها، وأنه سيوكل الى فرنسا ادارة المنطقة الساحليّة، وذلك تطبيقاً للاتفاق المعقود بينها وبين بريطانيا العظمى.
لم يتوقف لورانس في "اعمدة الحكمة السبعة" عند هذا اللقاء.
انه يذكر فقط ان اللنبي سلّم فيصلاً برقية مرسلة من وزارة الخارجية في لندن تعترف فيها بريطانيا للعرب بصفة "حلفاء محاربين " و طلب منه ان يترجمها للامير.
أما الجنرال الأوسترالي شوفيل، فيصِف هذا اللقاء بإسهاب ويؤكد أنّ اللنبي قال ليفصل إن المنطقة العربية ستضم سوريا الداخلية فقط وستكون المنطقة الساحلية، باستثناء فلسطين، تحت الإدارة الفرنسية المباشرة، وانه يتوجب على الامير ان يتعامل مع الفرنسيين بواسطة ضابط ارتباط فرنسي، وان هذا الضابط سيتعامل مع لورانس.
احتج فيصل على حصر حدود الدولة العربية بالمنطقة الداخلية من سورية وأجاب انه على استعداد للتعاون مع الفرنسيين.
يقول شوفيل ان القائد العام البريطاني نظر انذاك إلى لورانس وسأله:
" أفلم تقل له ان سورية ستكون تحت الحماية الفرنسية؟
" اجاب لورانس “كلا، لاني لم اكن اعرف ذلك"، تابع النبي "كنت بالتأكيد تعرف انه غير مسموح لفيصل ان يتدخل بشؤون لبنان".
اجاب لورانس:
" كلا، وهذا لم اكن اعرفه".
استمر الحديث في هذا الجو الضاغط بعض الوقت، فانهاه اللنبي بقوله لفيصل انه هو القائد العام للجيوش الحليفة، وان الامير، قائد القوات العربية، وهو تحت إمرته، وعليه ان ينفذ ما يُطلب منه. أما مصير المنطقة الساحلية ومصير لبنان وحدود الدولة العربية، فكلها امور ستتم معالجاتها عند انتهاء الحرب
غادر فيصل للحال.
أما لورانس فتابع حديثه مع اللنبي لدقائق معدودة وقال للقائد العام انه يرفض ان يتعاون مع ضابط ارتباط فرنسي، وربما من الافضل له ان يعود إلى انكلترا.
اجاب اللنبي للحال:
" أنا اوافق على عودتك".
غادر لورانس دمشق في اليوم التالي، 4 تشرين الاول، وذهب إلى القاهرة ومنها إلى لندن في 15 من الشهر عينه.
في تلك الأثناء، كان الفرنسيون يمارسون شتى أنواع الضغط على الحكومة البريطانية لتمنع فيصلا وجماعة الركابي من الامساك بالمنطقة الزرقاء من اتفاق سايكس- بيكو.
ففي اليوم الذي توجه فيه شكري الأيوبي إلى بيروت، احتج مساعد المفوض السامي الفرنسي، الكابتن كولوندر، لدى الجنرال البريطاني كلايتون على هذا القرار، ولكن كلايتون تهرّب من الموضوع وغادر بسرعة إلى فلسطين حيث مركز القائد العام.
فما كان من كولندر الا ان طلب موعدًا من فيصل، وفي الوقت نفسه، ألحّ على حكومته كي تأمر الاسطول الفرنسي في المتوسط بالتوجه بسرعة إلى بيروت وبالقيام بعملية انزال في المدينة.
التقى كولندر فيصلا في 6 تشرين الاول ووجّه اليه اللوم لأنه وافق على ارسال الأيوبي إلى بيروت على الرغم من التفاهم الذي كان قد جرى بشأن المنطقة الساحلية في اذار1917، في جدة، مع مارك سايكس وفرانسوا جورج - بيكو والذي يفرض عليه، على أي حال، الحصول على موافقة الحكومة الفرنسية قبل الاقدام على خطوة من هذا النوع
اجاب فيصل أنّ همه الوحيد هو طرد الأتراك من البلاد العربية؛ أما المسائل السياسية فيترك معالجتها للسياسيّين.
أضاف الأمير أن الغاية من ارسال الأيوبي هي الحفاظ على الأمن ليس إلا .
خلال هذه الايام نشطت الاتصالات بين حكومتي باريس ولندن وبين هاتين الحكومتين وقادة الجيوش الحليفة المنتصرة في الشرق . ففي 5 تشرين الأوّل، تلقى الاميرال فارنيه(Varnier)، قائد المجموعة البحرية الفرنسية في سورية، أمرًا بمغادرة بور سعيد والتوجه إلى بيروت، فدخل المرفأ في السابع من تشرين الاول، فاستقبل بحماس شعبي . وفي اليوم التالي دخلت المدينة مقدّمة فرقة المشاة السابعة الهندية ودخل بعدها الجنرال بلفين (Bulfin) قائد الفيلق البريطاني الحادي والعشرين، يرافقه الكولونيل دو بيابات (De Piépape)، مع مفرزة من القوات الفرنسية.
وفي اليوم عينه، 8 تشرين الأول، أبرق وزير الخارجية الفرنسي إلى كلوندر يقول له:
"ان دخول الاميرال فارنيه بيروت والحفاوة التي استقبل بها يشكلان، بالنسبة الينا، نقطة ارتكاز لكي نرفض، بالاتفاق مع الجنرال اللنبي، اخضاع أي قسم من المنطقة الزرقاء لإدارة ممثلي الأسرة الهاشمية .
لا مجال للتفاوض حول هذه النقطة ولا يجب ان تناقشها مع الأمير فيصل.
علينا فقط ان نبلّغه قرارنا الذي سيلاقي دون شك الدعم اللازم من الجنرال اللنبي
أما فيما يخصّ لبنان، فعليك ان تجتمع بأعضاء مجلس الإدارة .
انهم يعلمون ان الحلفاء لا ينوون اضعاف السلطة اللبنانية
نحن مستعدون للاعتراف بسلطة مجلس الإدارة على بيروت والبقاع وطرابلس إذا رغب سكان هذه المناطق في الانضمام إلى لبنان.
التقى كولندر في ليل 8 إلى 9 تشرين الاول، الجنرال اللنبي في القدس، فقال له القائد العام إنه عيّن الكولونيل دو بيابات حاكمًا عسكريًا على بيروت ومسؤولاً عامًا عن الإدارة العسكرية في المنطقة الزرقاء من اتفاقية1916، وانه اصدر أوامره بهذا الشأن إلى الجنرال بلفن، ثم اضاف:
" ان الحاكم العسكري الذي عينه فيصل، مت دون ان يكون له حق في ذلك، لم يعد منذ الآن في الوظيفة"
لام اللنبي كولندر لانه فاوض فيصلا بشأن المنطقة الساحلية وكرر له ان مسألة تعيين الحكام هي من صلاحيات القائد العام وليست من صلاحيات فيصل الذي يعتبر فقط جنرالا من جنرالات الجيوش الحليفة.
في اليوم عينه، ابرق وزير الخارجية الفرنسي إلى كولندر يطلب منه الانتقال بسرعة إلى بيروت والعمل على تشجيع السكان على القبول بضم بيروت وطرابلس والبقاع ومتصرفيّة جبل لبنان في دولة واحدة ، مركزًا على المنافع التي يجنيها الجميع من هكذا عملية.
هكذا جزم الفرنسيون امرهم، ثم عينوا الجنرال هاملان(Hamelin)، قائدًا لقواتهم في سوريا بدلا من الكولونيل دو بيابات لان رتبة هذا الاخير لا تسمح له بأن يفاوض اللنبي ندًّا لند.
وبدأوا بتوزيع المساعدات الغذائية مباشرة على المعوزين في بيروت ودمشق دون المرور بالحكومة العربية .
نفّذ الجنرال بلفين بسرعة اوامر اللنبي :
ففي ليل10 إلى11 تشرين الاول استولت سريّة من الجيش البريطاني على سراي الحكومة في بيروت وانزلت العلم العربي .
أمّا الأيوبي فمُنع من دخول المبنى وطُلب منه مغادرة البلاد.
ولما رفض الامتثال للامر، هدده بلفين باستعمال القوة ضده، فرضخ .
أدرك فيصل ان هامش المناورة امامه اصبح ضيّقًا وأنّه من الصعب عليه الوقوف في وجه الحلفاء المنتصرين .
في المنطقة الساحلية، أُنزلت الأعلام العربيّة عن الأبنية الرسمية وحلّ ضبّاط فرنسيّون محل الضباط الذين عيّنتهم دمشق.
في المتصرفية، بقي حبيب باشا السعد في وظيفته مع أعضاء مجلس الإدارة.
وفي البقاع إستمر الموظَّفون السابقون في مراكزهم.
إنتظر كولندر ودو بياباب تعليمات القائد العام قبل اتخاذ أية خظوة بشأن الجبل.
إجتمع اللنبي بفيصل في دمشق وأبلغه أنه قسّم أراضي العدو العثماني المحتلّة إلى ثلاث مناطق:
جنوبية، أي فلسطين، بإدارة بريطانية، وشرقية، اي سوريا الداخلية، بإدارة عربية، وشمالية، أي الساحل، بإدارة فرنسية.
وفي الوقت عينه، حدّ اللنبي من صلاحيات الركابي وأطلق يد فيصل في إدارة منطقتي "أ" و"ب" من إتفاقية 1916.
وفي 22 تشرين الأول أصدر الحاكم قراراً سمّى فيه الأقضية التي تَضُمّ كلاً من هذه المناطق وعيّن، بصورة رسمية، حكّامها العسكريين:
الجنرال مونيه (Money) للمنطقة الجنوبية، والكولونيل دو بياباب للمنطقة الشمالية وعلي رضا الركابي، طبعاً تحت إشراف فيصل، للمنطقة الشرقيّة.
شكّلت متصرّفية الجبل ومعها سهل البقاع جزءاً من المنطقة الشمالية.
أصبح باستطاعة الفرنسيين – وكانت قواتهم التي شاركت في القتال على جبهة فلسطين قد وصلت الى بيروت في 20 تشرين الأول – أن يحسموا مسألة الحكم في المتصرّفية.
وفي النهاية قرّ الرأي على تعيين الكابيتان بوشير(Beuscher) قائد السرية اللبنانية – السورية في القوات الفرنسية القادمة من فلسطين، حاكماً عسكرياً، وعلى تثبيت مجلس الإدارة برئاسة حبيب باشا السعد.
صعد دو بياباب، في 25 تشرين الأول، الى بعبدا حيث استُقبل بحفاوة، فوضع هذه القرارات موضع التنفيذ7.
أما سهل البقاع، فطلب اللنبي من دو بياباب تأجيل الاستيلاء عليه وتأجيل ضمّه الى المنطقة الزرقاء الى وقت لاحق.
في 31 تشرين الأول، وقّع الأتراك على هدنة مودروس.
وفي الثامن من تشرين الثاني، أصدرت الحكومتان الفرنسية والبريطانية تصريحاً مشتركاً يتعلّق بمصير الأراضي المسلوخة عن الدولة العثمانية، كان الهدف منه تبديد مخاوف العرب وطمأنة الرئيس ولسون صاحب مبدأ حق تقرير المصير.
وممّا جاء في هذا التصريح:
"إن الهدف الذي عملت لأجله فرنسا وبريطانيا العظمى، في متابعتهما في الشرق الحرب التي أثارتها مطامح ألمانيا، هو التحرير التام والنهائي للشعوب التي طالما رزحت تحت النير التركي، وإقامة حكومات وإدارات وطنية تستمد سلطتها من مبادرة السكان الأصليين وخيارهم الحر.
لا تسعى الدولتان الى فرض أية مؤسّسات على هؤلاء السكان، وإن هاجسهما الوحيد هو توفير الدعم والمساعدة لهم لكي يؤمّنوا انتظام العمل في الحكومات والادارات التي يختارونها لأنفسهم.
إطمأنّ العرب لهذا التصريح، وكان اللنبي قد أكّد لفيصل أن التقسيمات الإدارية التي اعتمدها في الأراضي العثمانية المحتلّة هي موقتة وأن مصير هذه الأراضي سيقرره مؤتمر الصلح.
أخذ فيصل يستعد للسفر الى باريس للمشاركة في المؤتمر، ولكنّه كان يخشى أن يترك وراءه، في سوريا، الأخوين الجزائريين سعيد وعبد القادر اللذين كانا يحاولان التقرب من الفرنسيّين، لذا قرر تصفية حساباته معهما قبل سفره.
ففي 9 تشرين الثاني، أصدر حاكم سوريا العسكري، علي رضا الركابي، أمرًا باعتقال الأميرين وإرسالهما الى المنفى، مؤكّداً أنه يفعل ذلك بأمر من الحكومة البريطانية ومن الأمير فيصل.
أرسل اركابي رجال الأمن للقبض على الأميرين.
إنصاع محمد سعيد وسلّم نفسه وكان نصيبه بعد ذلك النفي الى فلسطين.
أمّا عبد القادر فتبادل إطلاق النار مع رجال الأمن وأدى الحادث الى مصرعه والى سقوط عدد من القتلى والجرحى.
هكذا تخلص فيصل من الأميرين الجزائريين.
لم يضع مقتل الأمير عبد القادر حدًاّ للصراع على السلطة بين القوى المحلية الثلاث التي ذكرناها في مطلع هذا البحث.
فالقيادات والأحزاب الوطنية القومية السورية التي قبلت على مضض زعامة الهاشميين كانت لهم في المرصاد تراقب تحرّكاتهم وأعمالهم لتنقضّ عليهم عند أول خطأ يرتكبونه.
هذه القوى هي التي أجهضت كلّ محاولات التقرب بين فيصل وفرنسا، منها اتفاق 6 كانون الثاني 1920، وكانت تسيطر على المؤتمر السوري وعلى اللجنة الوطنية العليا في دمشق.
أما فيصل، فكلّما مرت الأيام كلّما ضاق في وجهه هامش المناورة.
إنه دافع عن القضية العربية في مؤتمر الصلح وأحرز بعض النجاح في ربيع 1919، بفضل الدعم الذي كان يلقاه من الرئيس الأميركي ولسون ومن الحكومة البريطانية.
فاضطر الأمير الى مفاوضة الفرنسيين من جديد والتوصل معهم الى اتفاق 6 كانون الثاني 1920 ولكنّه عجز عن تنفيذه بسب رفض القيادات السورية له.
إما التخلّي عن الاعتدال، والانجراف وراء التيار الاستقلالي المتصلّب والقبول بفكرة الصدام المسلّح مع الفرنسيين، وإما تطبيق الاتفاق المعقود في باريس والتصدي بالقوة لمعارضيه وإما الاستقالة.
فاختار الحل الأول.
هذا ما وتر العلاقات بينه وبين الحلفاء وأدى الى معركة ميلسون في تموز 1920 والى سقوطه.
أما الأمير محمد سعيد الجزائري، فبعد مقتل أخيه، نُفي، كما ذكرنا، الى فلسطين، لكنه ظلّ يحلم بعرش سوريا.
فحاول التقرب من الفربسيين ولكن هؤلاء لم يدعموه ولم يكونوا يثقون به.
وبعد معركة ميلسون، وبالتحديد في شهر آب 1919، رشّح سعيد نفسه علانية لاعتلاء عرش سوريا، ووجه رسالة بهذا الخصوص الى ستيفن بيشون وزير خارجية فرنسا، ويذكّر بمقتل أخيه غدراً على أيدي عملاء الإنكليز وعلى أيدي أتباع فيصل أعداء الفرنسيين.
أثار تقرب الأمير محمد سعيد من الفرنسيين وترشيح نفسه لعرش سوريا غضب فيصل وغضب البريطانيين، فما كان من اللنبي إلا أن أصدر أمراً، في 16 آب 1919، باعتقال الأمير الجزائري من جديد ونفيه الى مصر.
فهاجمت منزله في بيروت قوة من الجيش البريطاني واعتقلته على الرغم من أنه كان يتمتع بالحماية الفرنسية وأن العملية تمت في قلب المنطقة الزرقاء الخاضعة للإدارة الفرنسية المباشرة.
كادت هذه الحادثة تتسبب بأزمة دبلوماسية بين باريس ولندن.
هذا كان مصير الأسرتين الجزائرية والهاشمية الطامحتين إلى العرش السوري.
أما زعماء الحركات الوطنية فتشتتوا بعد معركة ميسلون:
هاجر قسم منهم الى الأردن وفلسطين، وقسم الى مصر وقسم الى العراق.
وقد أفاد دعاة القومية اللبنانية والمنادون بلبنان الكبير من هذه الظروف لفرض خياراتهم.
أما البريطانيّون والفرنسيّون، فبعد مرحلة من الصراع المتّسم أحياناً بالحدّة والعدوانية، سوّوا خلافاتهم المتعلّقة بالشرق الأوسط في إطار مؤتمر سان ريمو حيث تم رسميًا، فرض الإنتداب الفرنسي على سوريا ولبنان والإنتداب البريطاني على فلسطين والعراق.
إدوار حنين السياسي والمشرع

• إدوار حنين النائب
• إدوار حنين الوزير
• ادوار حنين والجبهة اللبنانية
• حزب الكتلة الوطنية
• إدوار حنين في الصحافة
• كتابات سياسية
• كتابات في السياسية
المجموعة الأولى

• كتابات في السياسية
المجموعة الثانية
ادوار حنين في الصحافة

• مجلة الفصول
• مقالات بو ابراهيم
• مقالات متفرقة
إدوار حنين المفكر والأديب

• أدب الرحلات
• أدب الرثاء
• محاضرات
• كتابات أدبية
• كتابات في مناسبات
• مختارات من محاضرات
إدوار حنين - المجموعة الأولى

• ملف شوقي
• ملف خواطر
• ملف ثلاث كلمات في المصالحة مع الذات
الارشيف

• ارشيف الصوت
• أرشيف الصور
• أرشيف الأفلام
• ارشيف الكتب
ارسل لنا

• لمعلوماتك الاضافية
• لديك مخطوطات غير منشورة
• اتصل بنا
• ارسل هذه الصفحة
• أطبع هذه الصفحة
اطلقت هذا الموقع جمعية أندية الليونز في 30 حزيران 2013 من ضمن احتفاليات مئوية ولادة ادوار حنين.