ليس التاريخ سلسلة انتصارات متصلة، بل هو، في بلاد مثل لبنان، سلسلة محاولات للعيش المشترك، تتخللها هدنات وتُفجرها نزاعات. هكذا هي العلاقة بين الموارنة والدروز، علاقة كتبتها الجغرافيا وأعاد تشكيلها الصراع على السلطة، وتخللتها صفحات دامية لا يمكن محوها بالتناسي، ولا معالجتها بالمسايرة الخطابية.
منذ القرن السابع عشر، شكّل الجبل الماروني – الدرزي مختبرًا سياسيًا مبكرًا لمفهوم الكيانية اللبنانية. ففي عهد الأمير فخر الدين الثاني، ظهرت أولى ملامح التوازن الطائفي – السياسي، حين استقدم الموارنة من الشمال، وأسكنهم في أراضي الدروز، وجعلهم جزءًا من نظام الإقطاع المحلي. لم تكن العلاقة آنذاك قائمة على المساواة، بل على تراتبية اجتماعية سياسية تتيح للدروز قيادة الجبل، وللموارنة أن يتدرجوا من موقع الفلاح الخاضع إلى موقع الشريك الحذر.
ولم يكن الأمر محض تعايش اجتماعي، بل سرعان ما ارتدى لبوسًا سياسيًا في القرن التاسع عشر، حيث أدى الصراع على الحكم بين العائلات الدرزية الكبرى من جهة، وتنامي النفوذ الماروني المدعوم من الكنيسة ومن فرنسا من جهة أخرى، إلى احتدام التنافس على السيادة. فجاءت تجربة القائمقاميتين بين 1840 و1860، لتجسد هذا التوازن الهش، قبل أن تنهار في واحدة من أكثر صفحات التاريخ اللبناني دمًا: مجازر 1860.
في تلك المجازر، سقط آلاف الموارنة ضحايا للغضب الدرزي المتراكم، كما سقط أيضًا مئات الدروز في المجازر المقابلة. وتمت عمليات تهجير ونهب وتدمير لم تُمحَ آثارها من الذاكرة الجمعية، على الرغم من محاولة النظام اللبناني الوليد بعد الاستقلال تضميد الجراح تحت شعار العيش المشترك. فبقيت العلاقة بين الموارنة والدروز – برغم التحالفات السياسية الظرفية – علاقة مشوبة بالخشية وعدم الثقة.
ولما اندلعت الحرب اللبنانية في العام 1975، عادت الشياطين المدفونة إلى السطح، ولكن هذه المرة على نحو أكثر عنفًا وتفككًا. ومع دخول القوى الفلسطينية إلى مناطق الجبل، ومع صعود الجبهة اللبنانية كرد فعل مسيحي، كان لا بد أن تقع المواجهة الكبرى بين الموارنة والدروز. فشكلت أحداث 1983 في الجبل – وما تلا انسحاب الجيش الإسرائيلي – ذروة الصدام الدامي. سقطت قرى مسيحية كاملة تحت سيطرة الميليشيات الدرزية، وتكررت المجازر والتهجير والقتل على الهوية، تمامًا كما حصل في دير القمر، وعين زحلتا، ومناطق متعددة في الشوف وعاليه.
لقد كُتب في الجبل فصل من أكثر فصول الحرب اللبنانية مأساوية. عشرات الآلاف من الموارنة اقتُلعوا من بيوتهم، لا كغرباء، بل كمواطنين فقدوا فجأة الحق في الوجود، ومئات من العائلات المارونية لم تجد من يحتضنها سوى مناطق المتن وكسروان. لم يكن ذلك نتيجة خلاف سياسي عابر، بل انفجار عميق للذاكرة التاريخية المثقلة بالجراح. أما الأحقاد التي تسربت إلى الأجيال الجديدة، فقد زادتها الحرب نارًا.
لم تكن مجازر الجبل من فعل طارئ، بل نتيجة تراكمات عميقة من التوتر التاريخي غير المعالَج. ولعلّ الطامة الكبرى أن الزعامات الطائفية – من الجانبين – لم تملك الشجاعة الكافية للجلوس إلى مائدة الحقيقة، بل اكتفت بحسابات الربح والخسارة الآني، وأوهمت الناس أن التعايش مسألة توقيع ورقة لا اعتراف بذاكرة الآخر.
اليوم، ونحن في منتصف عقد الثمانينات، لا يمكن أن نغضّ الطرف عمّا حلّ بالجبل، ولا أن نستكين إلى سردية الانتصار أو الهزيمة. فكل طائفة انتصرت في لحظة، ودُفعت إلى الثمن لاحقًا. أما الخاسر الأكبر، فهو الوطن، والتعدد، والكيان.
كمسيحي ماروني نشأ على حكايات الفلاحة مع الدروز، وعلى تعاليم الإيمان المشبع بالمغفرة، أجد نفسي حائرًا بين الوجع والغفران. نعم، نحن والموارنة والدروز رضعنا من تراب واحد، لكننا ما زلنا لا نعرف كيف نعيش فيه معًا. فهل نُعيد قراءة التاريخ بعيون الحقيقة، لا بروح الثأر؟ أم أننا محكومون أن نكرر كل خمسين سنة نفس المجازر، بنفس الأيديولوجيات، ولكن بأسماء جديدة؟
الجواب لن يأتي من السلاح، بل من ضمير يحترم الشهداء، كل الشهداء، ومن عدالة لا تساوي بين الجلاد والضحية، ولكن لا تبقى أيضًا رهينة الثأر.