يرى أدوار حنين أن العلاقة بين لبنان وفرنسا ليست علاقة عابرة أو مصلحية، بل هي علاقة تاريخية – حضارية – سياسية، تأسست على شراكة عميقة في القيم والرسالة، قبل أن تتعرض، في مراحل لاحقة، لاختبارات قاسية فرضتها التحولات الدولية وحسابات المصالح.
ويتوقف حنين عند خطاب الرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان خلال احتفال تسلمه أوراق اعتماد سفير لبنان فوق العادة في باريس، الدكتور بطرس ديب، معتبرًا أن الصوت الذي سُمع يومها لم يكن، في جوهره، صوت فرنسا الذي عرفه اللبنانيون عبر التاريخ، بل صوت دبلوماسية ظرفية انزلقت إلى مقاربات سياسية لا تعكس حقيقة الدور الفرنسي التقليدي تجاه لبنان.
ويقول حنين إن فرنسا التي يعرفها اللبنانيون هي تلك التي عبّر عنها القديس لويس التاسع في رسالته الشهيرة إلى البطريرك الماروني، حين اعتبر أن الأمة المارونية جزء لا يتجزأ من الأمة الفرنسية، وأن لأبنائها في فرنسا ما للفرنسيين من حقوق، دون أن تترتب عليهم واجبات إضافية. وهي فرنسا التي ثبّتت، عبر المعاهدات المشرقية، حق اللبنانيين في الوجود والاستمرار الدائم، ورسّخت كيانهم في محيط مضطرب.
ويضيف أن صوت فرنسا الحقيقي هو ذاك الذي حملته المدارس والإرساليات التعليمية الفرنسية، فصاغ وجدان النخبة اللبنانية وأسهم في بناء ثقافتها الحديثة، وهو الصوت الذي تجلّى أيضًا في حملة نابليون الثالث عام 1860 دفاعًا عن لبنان وأهله، وفي مؤتمر فرساي حيث نادت فرنسا بإعادة الأقسام المسلوخة عن لبنان إلى كيانه الطبيعي، كما هو صوت جول الذي وقف إلى جانب لبنان في كل محطة كبرى من تاريخه الحديث.
في المقابل، يلاحظ حنين أن الخطاب الذي سُمع من الرئيس جيسكار ديستان، والقائل بأن استقلال لبنان ووحدة أرضه وسيادة شرعيته تتحقق فقط عبر تفاهم اللبنانيين في ما بينهم، بدا خطابًا منقوصًا، لأنه ينظر إلى الحقيقة بعين واحدة. فالمأساة اللبنانية، برأيه، لا تنبع من الخلافات الداخلية وحدها، بل هي نتيجة سلسلة احتلالات وضغوط تدك أسوار لبنان، من الاحتلال الفلسطيني والسوري والإسرائيلي، إلى المؤامرات التي تُحاك على حقوق اللبنانيين في أعلى المستويات العربية والدولية.
ويذهب حنين أبعد من ذلك، معتبرًا أن فرنسا، في بعض مراحل هذا المسار، أصبحت جزءًا من شبكة التوازنات الدولية التي تعاملت مع القضية اللبنانية بمنطق الإدارة لا بمنطق العدالة التاريخية، ما شكّل خيبة أمل لدى اللبنانيين الذين لطالما رأوا في فرنسا صوت الحق وحامية الشرعية والحرية.
ويخلص أدوار حنين إلى أن إعادة تصويب العلاقات اللبنانية–الفرنسية لا تكون بقطع الجسور، بل بعودة فرنسا إلى ذاتها، إلى تاريخها، وإلى رسالتها الأصلية تجاه لبنان: دولة سيدة، حرة، مستقلة، لا تُختصر أزمتها بتسويات داخلية، ولا تُفصل عن سياق الاحتلالات والتدخلات التي استهدفت كيانها ودورها.