إنتخابات متنية
ان القانون الانتخابي القديم يفرض قيودًا على الموارنة في المتن، فيمنعهم من الحصول على مقعد، بينما يُمنح واحد من بيروت، رغم أن أعداد الكاثوليك في المتن أكبر من بيروت، وهذا ما يُظهر استنسابية غير عادلة. كان القانون لا يحترم التوازن بين مختلف فئات اللبنانيين، وهو التوازن الذي طالما كان الأساس في الحياة السياسية اللبنانية. وكان من الضروري أن يكون القانون الديمقراطي شفافًا، يمنع الضغوط والإكراه، ويضمن حرية الناخب، بعيدًا عن تدخل الأموال والسلطة والإغراءات، وأن تكون القرارات نابعة من إرادة الناس وحدها، لا من إرادة أي طرف سياسي أو عائلي.
لقد كان القانون يجب أن يضمن للناخب فرصة مراقبة الاقتراع وفرز الأوراق، وأن يحصل المرشح أو وكلاؤه على نسخة رسمية من النتائج، دون أن يكون هناك مجال للتلاعب. ومن الواجب أن تكون نصوصه واضحة، تحمي إرادة الشعب، وتلغي أي تأثير خارجي، بحيث لا يحتاج أحد إلى تعديل أو تفسير في آخر لحظة لضمان سير العملية الانتخابية بنزاهة.
كما يُلاحظ في التجربة اللبنانية، أن بعض المرشحين كانوا يعتمدون على الولادة أو النفوذ الشخصي ليكونوا نوابًا، دون أي تأهيل حقيقي، بينما كان الناخبون أحيانًا مضطرين لقبول هذا الواقع. فالمال، والمنصب، والموقع الاجتماعي لعبوا دورًا كبيرًا في تشكيل القوائم الانتخابية، والنتائج كانت أحيانًا انعكاسًا لهذه الاعتبارات، لا لحرية الناخب أو وعيه.
في المتن، ظهرت ثلاث قوائم رئيسية: الموالية والمعارضة والمستقلة، بالإضافة إلى مرشحين فرديين. وقد شهد الناخبون رسومات المرشحين وأوراقهم الانتخابية، التي حملت شعارات متنوعة، وجميعها حاولت استمالة الناخبين بالكلام الطيب، وبالوعود، وبمدح الذات. وكان الناخب المتني، بعد مشاهدة هذا كله، يراجع نفسه في خلوته، ويوازن بين التجارب السابقة والوجوه الجديدة، ويركز على الاختيار الصائب وفق ما يمليه عليه ضميره ومصلحته.
رغم أن الانتخابات لم تكن حرة تمامًا، إلا أنها كانت أفضل من انتخابات 1947 المشوبة بالتزوير الكبير. فقد حاول بعض موظفي الإدارة والدرك الترويج لبعض المرشحين الحكوميين، مستخدمين التهديد أو الإغراء، ومع ذلك، أظهر الناخب المثني وعيه وصوته المستقل، وكان يضطر أحيانًا لتعديل أوراقه لضمان التعبير عن رأيه في ظل القيود القائمة.
الناخب المتني لم يكن يسعى لإرضاء أحد، بل كان ينتخب وفق ما يحقق مصالحه الشخصية، ويكمل دينه تجاه من خدموه. فهو لا يبذل جهده في خدمة أحد، بل يختار المرشح الذي يمكن أن يضمن له حقوقه واحتياجاته. وبالرغم من التحديات، استطاع أن يصنع اختياراته بعقلانية، ويوازن بين المال، والنفوذ، والالتزامات الشخصية.
المال والرشوة لا يزالان يشكلان خطرًا على نزاهة الانتخابات، فالفقراء والمحتاجون معرضون للتأثر بها، ولا يمكن للوعود المادية أن تُقهر بسهولة. وكلما اعتمد نظام الدوائر الصغيرة، أصبح تأثير المال والرشوة أكبر، إذ يمكن لمرشح واحد أن يشتري أصوات عدد قليل من الناس ليضمن نجاحه.
كما أن قوائم الشطب كانت بحاجة إلى مراجعة دقيقة، لأنها كانت محشوة بأسماء المغتربين والمحرومين قضائيًا، ويجب أن تُسلم للقضاة ورؤساء أقلام الاقتراع نزيهة، لضمان صحة التمثيل الشعبي. كما يجب أن تُنظم أقلام الاقتراع بحيث تكون قريبة من القرى والمدارس، بعيدًا عن تدخل رجال الأمن، لضمان حرية التصويت، ولتتمكن كل قرية من الوصول إلى صندوقها بسهولة.
على ضوء كل هذه الظروف، فإن الناخب المثني أثبت أنه صادق وواعٍ، وأن تصويته يعكس مصلحة حقيقية، وليس مجرد انتماء حزبي أو ميل عاطفي.
لذلك، فإننا نطالب باستمرار أن تكون إرادة اللبنانيين إرادة حرة ومستقلة، وأن يحكم اللبنانيون أنفسهم، وأن نضمن للأجيال القادمة نظامًا ديمقراطيًا صحيحًا، يحترم إرادة الناخب ويعطي الغلبة للفضائل على النواقص. ومن أجل ذلك، سنظل رجال كفاح ونضال، حماة لقضية ومبدأ، جنود معارضة وعناد، ملتزمين بالحفاظ على الديمقراطية وحقوق الشعب.