في ربيع العام 1978، يترنّح الجنوب اللبناني بين واقع أمني مفكك، وانسحاب إسرائيلي لا يشمل كامل الأراضي اللبنانية، واحتجاز متبادل يعكس شبح الحرب الطويلة. فمع تأخر وصول قوى الدرك اللبناني إلى بلدة القعقعية، واستمرار منع النازحين من العودة إلى قراهم الجنوبية من قبل الاحتلال الإسرائيلي، تبدو الدولة اللبنانية مُقصاة من أرضها، والمواطن محرومًا من بيته، والسيادة مجتزأة بقرار من الخارج.
وفي ظل حديث إسرائيل عن انسحاب "على مرحلتين" في 11 و14 نيسان الجاري، يتضح أن هذا الانسحاب ليس إلا مناورة جزئية تُبقي الجنوب رهينة التوتر، خصوصًا أنه لا يشمل كل الأراضي اللبنانية المحتلة منذ "عملية الليطاني" في آذار.
في موازاة ذلك، تُعلن المقاومة الفلسطينية احتجازها أربعة جنود إسرائيليين في الجنوب وتسعى إلى مبادلتهم بأسرى فلسطينيين، ما يفتح الباب مجددًا على سياسة الرهائن والمقايضات التي تُضاعف هشاشة الوضع الأمني والسياسي في المنطقة.
أولًا: إسرائيل تفرض واقعًا احتلاليًا بحجّة الانسحاب
رغم التصريحات المتكررة من تل أبيب عن "الانسحاب المرحلي"، فإن الوقائع على الأرض تُشير إلى أن الوجود الإسرائيلي لا يزال فعليًا ومباشرًا في عدد كبير من القرى والبلدات الجنوبية، إما عبر الجيش النظامي أو من خلال وكلائه من ميليشيا سعد حداد.
إسرائيل تتصرّف كأن الجنوب منطقة أمنية عازلة دائمة، وليست منطقة لبنانية ذات سيادة. وقرارها عدم السماح بعودة النازحين ما هو إلا تكريس لهذا الواقع: تفريغ الأرض من سكانها، ومنع عودة الدولة إليها.
ثانيًا: الدولة اللبنانية في موقع العجز. الدرك لم يصل إلى القعقعية
إن عدم وصول قوى الدرك اللبناني إلى بلدة القعقعية حتى الآن، رغم انقضاء أسابيع على إعلان الانسحاب الإسرائيلي من محيطها، هو إشارة مؤلمة إلى غياب الدولة عن الجنوب، في وقت يحتاج فيه الجنوبيون إلى حماية رسمية وضمانات للعودة الكريمة.
هذا الغياب يُضعف هيبة الدولة، ويفتح الباب أمام سيطرة أمراء الحرب والميليشيات، سواء المحلية أو الأجنبية، ما يعني أن الجنوب دخل فعليًا في نفق اللا دولة.
ثالثًا: المقاومة الفلسطينية وسياسة الأسرى
في مواجهة الانسحاب المجتزأ، أعلنت الفصائل الفلسطينية أنها احتجزت أربعة جنود إسرائيليين، وهي تسعى إلى مبادلتهم بأسرى فلسطينيين في سجون العدو.
هذه العملية، وإن كانت مفهومة في سياق الصراع، إلا أنها تُعيد الجنوب إلى مشهد المواجهة المفتوحة، وتُهدّد بنسف كل المبادرات الدبلوماسية أو الأممية التي حاولت تثبيت الهدنة عبر قوات الطوارئ الدولية.
والأخطر، أن هذه العمليات تُستخدم مبرّرًا دائمًا لتجديد الاجتياح الإسرائيلي وفرض شروط "أمنية" على الدولة اللبنانية، ما يزيد الطين بلّة.
رابعًا: المطلوب – إعادة الاعتبار للدولة وتوحيد القرار
أمام هذا المشهد المأسوي، المطلوب من القوى الوطنية اللبنانية، وخصوصًا من المسيحيين الذين يضعون السيادة والكيان في صدارة أولوياتهم، أن يُطالبوا فورًا بما يلي:
1. نشر قوى الدرك والجيش اللبناني فورًا في المناطق التي انسحب منها العدو.
2. تأمين عودة آمنة وسريعة للنازحين إلى قراهم.
3. رفض أي انسحاب إسرائيلي لا يشمل كل الأراضي اللبنانية
4. تحميل الأمم المتحدة مسؤولية الضغط على إسرائيل للانسحاب الكامل.
5. إعادة النظر في أداء السلطة المركزية وتوحيد القرار الأمني والعسكري.
الجنوب ليس ملفًا أمنيًا فحسب، بل اختبار حقيقي لجدوى الدولة، ولا يجوز أن يُدار من خارج بيروت، أو من وراء البحار.
الجبهة اللبنانية تدرس لقاء شمعون – سلام: هل الحوار ممكن بين تباعد الرؤى وتلاقي الضرورات؟