الخيارات الإسرائيلية المأزومة واحتمال الحرب مع سوريا: بين صناديق الاقتراع، وجبهات الجنوب، ونيران الخليج
في خضم تعقيد المشهد الإقليمي المتسارع، تلوح في الأفق ثلاثة عوامل رئيسية قد تدفع إسرائيل إلى خيار الحرب، وتحديداً مع سوريا، في محاولة لتغيير الوقائع وتصدير أزماتها الداخلية. هذه العوامل تتداخل في لحظة حساسة تتقاطع فيها حسابات الداخل الإسرائيلي مع تطورات الجنوب اللبناني وانعكاسات الحرب العراقية-الإيرانية على ميزان القوى في المشرق.
1. الانتخابات الإسرائيلية المقبلة: الحرب كأداة حشد وعبور
تعيش إسرائيل لحظة سياسية حرجة، تتسم بانقسام داخلي حاد وصراع مستعر بين حزب العمل والليكود، وسط تراجع في التأييد الشعبي للحكومة نتيجة إخفاقات الحرب في لبنان وتبعات الاجتياح. وفي مثل هذه اللحظات، جرى العرف السياسي الإسرائيلي أن تُستعمل أوراق الحرب أو التصعيد الميداني كرافعة لتوحيد الداخل خلف القيادة، وصرف النظر عن الفشل السياسي أو الاقتصادي. من هنا، قد تكون المواجهة مع سوريا، سواء على الأراضي اللبنانية أو عبر استهداف مواقع للجيش السوري، وسيلة لإعادة شد العصب الانتخابي وضمان السيطرة على القرار السياسي.
2. عمليات الاستنزاف في الجنوب: بين ضربات المقاومة وردع الانتشار السوري
يشهد الجنوب اللبناني في حزيران 1984 تصعيدًا متزايدًا في وتيرة عمليات المقاومة اللبنانية ضد مواقع الجيش الإسرائيلي، لا سيما في الشريط الحدودي المحتل. هذا التآكل البطيء في قدرة إسرائيل على تثبيت حضورها الأمني، بالتزامن مع انتشار الجيش السوري في البقاع وتعزيز موقعه العسكري، قد يُفسَّر في تل أبيب كتهديد مزدوج: من جهة تعاظم العمليات النوعية للمقاومة، ومن جهة أخرى ترسيخ الوجود السوري في خطوط متقدمة. الرد الإسرائيلي قد يتخذ شكل حملة عسكرية محدودة أو ضربة استباقية تستهدف كبح النفوذ السوري قبل أن يُترجم إلى توازن ردع دائم.
3. اتساع رقعة الحرب العراقية-الإيرانية: فراغ إقليمي وفرص المناورة
مع اتساع جبهات الحرب العراقية-الإيرانية، وانشغال القوى العربية الأساسية في صراعات استنزافية، تجد إسرائيل فرصة نادرة للتحرك من دون خوف من رد عربي موحد. غياب العراق ومصر عن المعادلة الإقليمية الفاعلة، وانشغال دول الخليج بدعم العراق وتحصين جبهاتها، يمنح إسرائيل هامشًا أوسع للمناورة. وقد ترى في هذا الانشغال فرصة لفرض وقائع جديدة في الجبهة السورية – اللبنانية، من دون أن تُواجه بردّ واسع النطاق.
خاتمة:
من حيث الظرف السياسي الإقليمي والديناميات الداخلية الإسرائيلية، يبدو أن احتمال الحرب مع سوريا ليس نابعًا من نية توسعية محضة، بل من اضطرار ناتج عن أزمة بنيوية داخل تل أبيب، ورغبة في إعادة تموضع تكتيكي في لبنان. أمام هذا المشهد، تبدو الحاجة إلى تحرك دبلوماسي لبناني وعربي عاجل لتجنيب البلاد تبعات هذا الخيار العسكري الإسرائيلي، ولإعادة تثبيت المعادلات السياسية التي تحمي الاستقرار النسبي في الجبهة اللبنانية.