إدوار حنين
المفكر والسياسي
السيرة الذاتية أرشيف الصور أرشيف الأفلام ارشيف الصوت
 

إدوار حنين السياسي والمشرع

متطلبات الحضور المسيحي

متطلبات الحضور المسيحي الفاعل في دول الشرق العربي تبدأ بإعادة الاعتبار الى التجربة اللبنانية، بأبعادها القائمة على الديمقراطية والعيش المشترك والمساواة بين جميع المجموعات الطائفية، ومحاولة تعميمها، بالقدر الممكن على الدول العربية، كل بحسب اوضاعه وظروفه الداخلية.
فلبنان شكل قبلة لمسيحي الشرق ومقرا لكنائسهم وجامعاتهم ومؤسساتهم وفي بعض الاحيان ملجأ لهم، عندما كان وجودهم مهددا.
وكل مبادرة باتجاهه سرعان ما تنعكس، في شكل او آخر عليهم.
لعل المناخ السياسي والتبدل في الذهنيات هو اكثر القضايا إلحاحا بالنسبة الى الحضور المسيحي الفاعل في الشرق العربي، لانه المدخل الالزامي للتنمية المستدامة والشاملة لمختلف نواحي الحياة الانسانية التي تجتذب المسيحي المشرقي الى الدول الغربية حيث تسود المساواة والفرص المتاحة امام الجميع.
المسيحيون يريدون البقاء في الشرق العربي، والدليل انهم لا يزالون مقيمين فيه، وان بعض من يهاجرون منه يعودون اليه على رغم المغريات في دول الغرب.
غير انهم يريدون ان يعيشوا بكرامتهم وبمساواة مع غيرهم من ابناء المنطقة، وبشيء من الحرية.
ان كل مبادرة رسمية او حتى فردية، أكان على مستوى مادي، كمثل انتهاج سياسات او تقديم دعم، ام معنوي، كمثل اعلان مواقف ايجابية من الدور المسيحي في العالم العربي، تجد دائما وقعا لافتا في صفوف المسيحيين في كل دول المشرق العربي.
فكيف اذا تنسقت هذه المبادرات وتتابعت في اطار جامعة الدول العربية ومؤسساتها، او في غيرها من الاطراف الموجودة او تلك التي يمكن استحداثها، وصارت منحى ثابتا في السياسات الرسمية والمناهج التربوية.
المتطلبات للحفاظ على الدور المسيحي الفاعل في المشرق العربي ليست صعبة التوافر متى توافرت النيات الرسمية الحسنة والانتباه المطلوب من المسؤولين في دول هذه المنطقة التي لن تجد نفسها، في حال غياب الحضور المسيحي التام، الا ساحة لنزاع دام مفتوح الى ما شاء الله بين الاسلام واليهودية.
نزاع سوف يؤدي الى مزيد من الكراهية والموت والدمار ولكن ايضا المزيد من الفقر والتخلف والحرمان، وتراجع لحقوق الانسان" .
دور الانظمة العربية يفترض ان يتزامن مع التزام دولي بالاحجام عن السياسات التي تشعر اي فئة من فئات منطقة الشرقين الاوسط والادنى بالغبن والاستهداف او بالخضوع لعدالة الكيل بمكيالين.
فهذه السياسات أدت، خلال العقود الماضية، الى بروز تيارات راديكالية مناهضة للقيم العالمية التي تتبناها دول العالم، لاختبارها إجحافها او عدم الالتزام بمقتضياتها لدى تعاطي هذه الدول مع القضايا التي تهمها.
وفي مجتمعات تقودها هذه التيارات الراديكالية الرافضة للشرعة العالمية لحقوق الانسان وغيرها من المواثيق الدولية، من الصعب توقع بقاء مسيحيين فيها.
ولعل تجربة القضية الفلسطينية التي لم تزل جرحا مفتوحا لا يجد طبيبا متجردا يعالجه منذ اكثر من ستين عاما، وتجربة العراق بالامس القريب، وما أفضتا اليه من هجرة للاقليات المسيحية منهما، خير دليل على الانعكاسات السلبية لهذه السياسات على وضع المسيحيين في الشرق العربي" .
الموضوع الذي يجب ان يطرح هو:
ما هو مصير العرب كشعب تاريخي في حال زوال التعارف من بينهم مع الاخر بالاعتبار بان مثل هذا الزوال للنصارى العرب امر يمكن تخليه؟
لبنان بالنسبة الى العرب، هو اخر معاقل النصرانية، في ديارهم، ومنذ عشرين سنة تقريبا، عندما بدا للعرب من اقصى مشارفهم الى اقصى مغاربهم، ان النصرانية في لبنان توشك على الانهيار تملكهم الخوف وهبوا جميعا لوضع حد لهذا الانهيار.
المسيحيون الباقون حتى اليوم في ديارهم العربية، والى جانب رهطهم، هم وحدهم من حماة هذه الديار ان هم ارادوا ذلك فعليا، المطلوب منهم فقط استمرار وجودهم حيث هم، حتى تستمر الظاهرة التاريخية التي اسمها العرب النصارى، التي بدونها لن يكون هناك شيء اسمه عرب، فهل ندرك عمق المسؤولية التاريخية والحضارية المنوطة بنا وخطورتها؟
".
أول ما يثار اليوم هو المسألة الديموغرافية.
الحديث اليوم عن تراجع ادوار المسيحيين متصل اتصالا وثيقا بضعف الدولة أو اضعافها ومعها المواطنة والمساواة.
لكن الرد على تراجع الدولة والمواطنة لا يكون إلا في التمسك بالدولة وبتأكيد المواطنة، بديلا من اعادة اختراع العصبية الطائفية، ردا على العصبيات الأخرى.
الخوف من تراجع أدوار المسيحيين، والتفجع بأحوالهم يستعجل تحقيق ما يخافون منه.
لا مستقبل للمنطقة من دون العيش الواحد، وأن تراجع الحضور المسيحي من حيث العدد.
التحديات التي تواجه المسيحيين كتنامي الحركات التكفيرية الاسلامية والتي تسعى الى إلغاء الآخر المسيحي والاسلامي الذي لا يطابقها النظرة، وانزلاق بعض الفئات المسيحية الشرقية الى منطق انعزالي كمخرج وحيد لحمايتهم، كلها عوامل تدعو المسيحيين اليوم وأكثر من السابق إلى استعادة مواجهة هذه التحديات بترسيخ هويتهم كرسل حضارة.
وجود كنائسنا في هذه المنطقة من العالم يشير الى أصالة كنيسة المسيح الواحدة الجامعة المقدسة الرسولية في سياق التاريخ الانساني والجغرافية، ويشهد استمرارها، رغم الصعوبات على اختلافها والانقسامات التي عرفتها عبر مراحل التاريخ المعاقبة، على أمانتها للمسيح منذ يوم العنصرة.
أي انتكاس يصيب وجود المسيحيين، واي انحسار لدورهم، هما بمثابة شهادة مضادة لتجذر المسحية في منطقتنا منذ ايام الرسل وحتى اليوم".
يحمل المسيحيون في منطقتنا تراثا مسيحيا فريدا تكوّن بفعل خبرة تاريخية طويلة اتسمت بتفاعلنا كمؤمنين بالمسيح مع حضارات قديمة متنوعة انطبعت بها هوياتنا الكنسية كالآرامية (السريانية) والمصرية والهلينية والرومانية".
نحن مأزومون، نحن شعب ضائع مفتت.
ظلمه التاريخ والقدر والغزوات والحروب.
لا دولة له لا سلطة لا تحالفات لا مشروع.
نحن كلنا كمسيحيين غير متفقين حتى على الحد الادنى من الثوابت مع روعة تنوع حضاراتنا والثقافات.
ان انقسامنا المذهل طوائف ومذاهب واحزابا، ثم داخل طوائفنا من انانياتنا والفوضى، مأساوي كأننا غير مدركين لحجم المخاطر.
لقد تطبعنا عبر قرون، وحين عصف عصر حقوق الانسان والقوميات خفنا، في عالم تهمه المصالح وليس المبادىء أليس مذهلا ان يسمينا بيان حكومي عراقي "الجالية المسيحية" بعد ألفي سنة من حضورنا في بلاد الرافدين.
علينا ان نكون واضحين.
لسنا صليبيين ولا أحصنة طروادة لاحد.
لا نقبل أصلا اي اتهام او تشكيك في انتمائنا، دون وجل دون خوف.
جزء من هذا العالم الاسلامي والعربي والتركي والايراني والكردي.
جزء من تنوع منطقة ضاجة.
لكننا مع حقوق كل انسان، مع الحريات.
لا يمكن ان نكون على الحياد مع قضية حق الفلسطيني بدولة، مع سلام عادل شامل، مع حق العودة للاجئين، لكن ايضا مع الحق الكردي بان يشعر بالامن والمساواة، مع حق المسيحيين في كل هذه البلاد، بان يعترف بهم ، بقومياتهم، بلغاتهم، بمؤسساتهم، بتمثيلهم، بأحزباهم".
موجة الاصوليات التكفيرية الالغائية المتخذة من النموذج الاسرائيلي راية، عبر نموذج إنشاء دول دينية على أنقاض الآخر، وعبر رفع فتاوى لا يقبلها لا عقل ولا منطق ولا دين هي أخطر ما يواجه المسيحي.
ان هذا الارهاب الذي يغتال مطرانا، ويكفر جارا، ويهجر سكانا اصلييين هو آفة لا يمكن معالجتها فقط بالامن، بل بالفكر والاقتصاد والاعلام.
سكوت الانظمة العربية، واحيانا تواطؤها، عبر محاباة الفكر المتأسلم، لترضيته على حساب حقوق الانسان وحقوق المسيحيين هو طعنة في صميم جوهر تكوينها.
أليس غريبا ان يكون المسيحي دائما ضحية وفي أغلب الاحيان نسمع عن تبرئة القتل عبر تنسيب الجرائم الى مجنون؟
ان عدم جرأة الانظمة، بدءا من دساتيرها، في الاعتراف بالمساواة التامة بين المواطنين، لا يساعد على إعطاء اي بصيص أمل للمسيحي، صحيح ان الانظمة متفاوتة في تعاملها مع المسيحي، ففي بعض البلدان المواطنة فقط للمسلم، في بعضها دين رئيس الدولة الاسلام، وفي بعضها دين الدولة الاسلام.
ان هذا الغرب الخبيث يعامل قضية الحضور المسيحي بمكيال المتجاهل المتواطىء.
اصلا هو مسؤول مباشر عبر احتلاله العراق في زعزعة كيان دولة عربية - مهما كان رأي الناس في قيادتها او ممارساتها - في غياب الامن والمرجعية.
وهو مسؤول مباشر عن دعم احتلال فلسطين مما هجر ايضا المسيحيين من الارض المقدسة وأشعل غضبا اسلاميا عارما.
ما زلنا كمسيحيين، من دون وجه حق، ندفع أثمان اخطاء الغرب وخطاياه رغم اننا معارضين لسياساته.
هذا الغرب ليس لديه ما يقدمه لمسيحيي العراق الا تسهيل سمات دخول لمزيد من التهجير.
أصلا، ليس هناك على اي أجندة غربية ملف عنوانه بقاء او حضور او دور او مستقبل المسيحيين في الشرق.
هل الصورة قاتمة الى هذا الحد؟
انها كذلك، نتراجع في الديموغرافيا وفي الجغرافيا، اين طور عابدين، لم يبق فيها الا من يعد مقابرنا ربما ألفان فقط.
القدس فيها 9 آلاف مسيحي فقط.
اين القامشلي، انها عاصمة لما يسمونه كردستان الغربية، اين المصيطبة الآن، بقي فيها اقل من مئة عائلة سريانية, في طرفة عين تبخر نصف مسيحيي العراق.
عدد المسيحيين على اختلاف طوائفهم في الشرق الاوسط هو سبعة عشر مليونا.
ان المسيحيين المشرقيين يعانون في مختلف مناطق وجودهم من الضغوط والتمييز، وتتفاقم الهجرة في صفوفهم.
المسيحيون اللبنانيون وضعهم افضل من اوضاع المسيحيين الاخرين، لكنهم منقسمون دينيا وسياسيا.
السبب الاول في مشكلات الحضور المسيحي والحضور العربي العام هو الانسداد الفظيع في التجربة السياسية العربية طوال العقود الاربعة الماضية، وهو انسداد نال من الحراك السياسي والاقتصادي والاجتماعي كما نال من فكرة الدولة حضورا وممارسة، ولا شك في ان الاكثريات العربية انكسرت تحت وطأته، وعانت ولا تزال معاناتها شديدة، وربما صمد المسيحيون العرب تحت تلك الوطأة الانسدادية اكثر مما صمدت نخب الاكثرية، لكن في النهاية ومنذ الثمانينيات من القرن الماضي ظهر الانكسار لدى النخب المسيحية العربية ايضا، ولو تأملنا المشهد انذاك لوجدنا ظواهر تدل على ما نحاول اثباته في ثلاثة مواطن:
الحرب الاهلية في لبنان وما خلفه الصراع عليه وفيه، وتفاقم الهجرة المسيحية من فلسطين المحتلة، والوجود المسيحي في العراق وسط الحروب المتكاثرة منه وعليه والتي بلغت ذروتها في الغزو الاميركي الثاني في العام 2003.
الدولة العربية ما عادت حامية وضامنة للسلم الاهلي ولعيش المواطنين وحرياتهم بل تحولت بسبب تخليها عن ادنى شروط الوجود والشرعية الى عبء هائل وضاغط، والسبب الثاني للمشكلات الحاضرة هو الاصولية الاسلامية التي صارت في وجه من وجوهها المعارضة الرئيسة للانظمة القائمة، وهي معارضة تختلف عن الانقلابات والمعارضات السياسية العادية، لانها تختزن حمولات ثقافية شاسعة وعميقة، وهي لم تقف في وجه الانظمة السياسية السائدة وحسب بل نشرت ايضا عالما مختلفا اقل ما يقال فيه انه يجرف في طريقه تقاليد وممارسات العيش المشترك".
اذا كانت التجربة السياسية العربية قد كسرت الضمانات والحقوق فإن الثوران الاسلامي كسر في الوعي والتصرف قيما ومحرمات اجتماعية واخلاقية لدى المسلمين وتجاه المسيحيين.
اما السبب الثالث للمشكلات المسيحية في هذا المشرق فهو يتصل بالمسيحيين انفسهم اي في افعالهم وردود افعالهم ازاء الظاهرتين السياسية والاصولية وازاء الامكانات المتاحة والحراك الممكن وغير الممكن، وقد تصرفت النخب المسيحية ليس في لبنان وحسب بل في مصر وسوريا تصرفا انكماشيا في الغالب، وثورانيا في بعض الاحيان، وفي الحالتين ولكل منهما اسبابها وظروفها فأدى ذلك الى المزيد من التآكل والتناقص.
إدوار حنين السياسي والمشرع

• إدوار حنين النائب
• إدوار حنين الوزير
• ادوار حنين والجبهة اللبنانية
• حزب الكتلة الوطنية
• إدوار حنين في الصحافة
• كتابات سياسية
• كتابات في السياسية
المجموعة الأولى

• كتابات في السياسية
المجموعة الثانية
ادوار حنين في الصحافة

• مجلة الفصول
• مقالات بو ابراهيم
• مقالات متفرقة
إدوار حنين المفكر والأديب

• أدب الرحلات
• أدب الرثاء
• محاضرات
• كتابات أدبية
• كتابات في مناسبات
• مختارات من محاضرات
إدوار حنين - المجموعة الأولى

• ملف شوقي
• ملف خواطر
• ملف ثلاث كلمات في المصالحة مع الذات
الارشيف

• ارشيف الصوت
• أرشيف الصور
• أرشيف الأفلام
• ارشيف الكتب
ارسل لنا

• لمعلوماتك الاضافية
• لديك مخطوطات غير منشورة
• اتصل بنا
• ارسل هذه الصفحة
• أطبع هذه الصفحة
اطلقت هذا الموقع جمعية أندية الليونز في 30 حزيران 2013 من ضمن احتفاليات مئوية ولادة ادوار حنين.