مخاطر جمة تحيط بالمسيحيين ولبنان، لا يمكن مواجهتها إلا بمزيد من توحيد الجهود والرؤية والأهداف وتعزيز العيش المشترك ودور لبنان في المنطقة.
يطاول الإجحاف الشارع المسيحي بسبب أداء الدولة المشبوه على هذا الصعيد.
ظاهرة لا يمحوها إلا النضال من اجل التوحد لقيام استراتيجية مسيحية وطنية تأكيدا للتضامن بين الاحزاب والقوى والتيارات وحفاظا على القرار المستقل.
من الضروري استنهاض القوى الحية لدى المسيحيين، ودفعها إلى المشاركة الحيّة والفاعلة في الحياة العامة ورفض اليأس والانكفاء،
العمل في اتجاه فرض إعادة التوازن، والمثول بقوة في آلية صنع القرار في الدولة، ومواجهة المحادل السياسية التي تستفيد من الغياب المسيحي لتكريس امر واقع لا يمكن في أي حال من الأحوال أن يعكس حقيقة لبنان القائمة على التوازن، والمشاركة والتفاعل، فيستقيم العيش المشترك، ويأتي تعبيرًا وتجسيدًا لواقع قائم.
كذلك التراشق المسيحي العنيف بين التيارات والقوى والشخصيات في زمن نحن أحوج ما يكون فيه المجتمع الى تناغم مسيحي وتوافق وطني، هو امر مستهجن.
من الملح طي صفحة الخلافات والخصومات والتنافر المسيحي، بين كل الاطراف والاحزاب والشخصيات، لأننا امام مفترق خطير وأمام تحديات عظيمة، ولأن مستقبلنا كمجموعة وكشعب وكطوائف وكدور طليعي رهن بطريقة تلاقينا وإدارتنا لتنوعنا وتعددنا.
ومن الملح أيضًا التلاقي حول ثوابت مسيحية ووطنية تعزز استقلالنا وتعيدنا الى قلب القرار الوطني، بالشراكة التامة مع كل اللبنانيين، مثالا حقيقيا لعيش مشترك.
على المسيحيين ان يتوحّدوا في الرؤيا وفي الثوابت، ليس ضد أحد ولا في مواجهة أحد، بلْ مع كل اللبنانيين لخلاص الوطن.
كل الأطراف مدعوة إلى إبقاء الخلافات السياسية ضمن منطق الحوار والديمقراطية واحترام الآخر. فنقدّم للعالم العربي نموذجًا حضاريًا هو بامس الحاجة إليه في زمننا الحاضر.
على الجميع ان يفكروا معًا بمحبة واحترام حول أفضل السبل لتأمين السيادة الكاملة، الحرية التامة، والمشاركة المتوازنة.
شعبنا لن يرحم اذا خسرنا حضورنا بسبب خلافاتنا وتفككنا، لأنه يمر في فترة حرجة جدًا من تاريخه ومصيره ومستقبله وكل ما يرمز إليه من تاريخ وحضور، يقف اليوم على المحك.
على المسيحيين ان يجتمعوا ويتضامنوا مع كافة اخوتهم في الوطن.
ان المسيحيين واللبنانيين يفتقدون في هذه المرحلة العصيبة الى الحكمة والفكر ورجال الدولة والمؤسسات.
العودة الى الطائفية والمذهبية ولغة الشوارع والحقد لن يربح أحداً. ومنطق العقل والوحدة يجب ان ينتصر وإلا خسرنا كل ما نملك.
اختلاف الرأي السياسي بين المسيحيين نعمة ولكن تدمير الذات والتقاتل ينهي اي امكانية لاي نهضة ودور.
المسيحيون لا يمكن ان يكونوا الا صنّاع قرار في الوطن. لا ملحقين ولا مهمشين ولا مراقبين ولا ذميين. ولا تنازل عن دورهم في الدولة وحضورهم وتوازنهم ولا يمكن ان يستمر الوضع وكأنهم ليسوا موجودين.
ليس لدى المسيحيين إلا مشروع الدولة الواحدة القوية العادلة السيدة الحرّة المستقلة القائمة على المساواة التامة والتوازن الكامل.
من واجبي التذكير ببعض الثوابت اللبنانية، التي تشكل ضمانة لكل الطوائف اللبنانية وتؤمن العدالة بين اللبنانيين.
لبنان وطن نهائي، بحدوده المبينة في المادة الاولى من الدستور اللبناني والمتعرف به دوليًا.
اللبنانيون: المقيمون منهم والمنشرون في العالم، يؤلفون الأمة اللبنانية، المبنية تاريخيًا على التعددية الاثنية والدينية، وعلى التنوع الحضاري، والثقافي، والتراثي، واللغوي، والمتكونة من مجتمعين رئيسيين متحدين: المسيحي والاسلامي، وهما متساويان في الحقوق والواجبات.
لبنان بواقعه الاجتماعي والسياسي والوطني، وبحقيقته التاريخية، هو : اتحاد طوائفي" بين مجتمعين الاساسيين، مما يحتم اشراك طوائفهما في ادارة شؤون الدولة.
لبنان دولة حرة مستقلة، ذات سيادة تامة، وذات نظام جمهوري ديمقراطي برلماني تعددي يقوم على مبدأ فصل السلطات، ويرتكز على ديمقراطية التوازن والعدالة بين الطوائف.
تضمن الدولة اللبنانية وتصون حريات وحقوق الافراد والجماعات التي يكرسها الدستور اللبناني، وايضاً كل الحقوق والحريات التي تكرسها شرعة حقوق الانسان.
لبنان، في محيطه الاقليمي متعدد الانتماآت: (مشرقي، وشرق ادنوي – وشرق اوسطي _ وشرق عربي – وبحر متوسطي) وهو من الوجهة الحضارية والثقافية والتراثية، حصيلة الحضارات والديانات الديمة والحديثة، التي عاشت على ارضه وتفاعلت مع شعبه عبر تاريخه الطويل، وعالميًا فهو ينتمي الى الحضارة الغربية الانسانية العالمية، التي هي ايضًا جزء منه. وبفعل هذا، فقد تكونت للبنان الوطن، وللأمة اللبنانية، هوية وطنية قومية لبنانية خاصة بهما.
الدولة اللبنانية، بحد ذاتها، كشخص معنوي وقانوني، هي دستوريا (المادة 9 من الدستور)، دولة علمانية (زمنية)، اي غير دينية، وبالتالي حيادية بين الاديان، تمتنع عن اتخاذ اي دين رسمي لها، ان علمانية الدولة، وواجب احترام وضمان حرية الاشخاص، توجب علىالدولة اقامة الزواج المدني الاختياري، ووضع قانون مدني اختياري للاحوال الشخصية، يطبق على كل من يختاره من اللبنانيين.
يجب اعلان لبنان دولة حيادية، تلتزم الحياد الدولي الدائم، وتبعا لذلك فهي تعمل للسلام العالمي، وتبتعد عن المحاور والاحلاف السياسية والعسكرية، وعن الحروب، وهي تمارس هذا الحياد من خلال عضويتها في جامعة الدول العربية، وفي منظمة الامم المتحدة، وفي سياستها الخارجية مع كافة دول العالم.
تنتسب الدولة اللبنانية، كعضو عامل وفعال، في المؤسسات والمنظمات الثقافية، والاقتصادية، والعلمية، الاقليمية منها والدولية، فتعمق بذلك مساهمة لبنان في التعاون الدولي الانساني.
تتعامل الدولة اللبنانية في علاقاتها مع كل دول العالم، على اساس مبدأ السيادة التامة، والمساواة، والمعاملة بالمثل، وعلى أساس التعاون، والاحترام المتبادل لاستقلال كل دولة، وسيادتها، وأنظمتها، وقوانينها.
نظام لبنان الاقتصادي حر، وعلى الدولة رعايته، ويجب عليها أن تضمن للمؤسسات وللأشخاص وللرساميل حرية التحرك والعمل، بعيدًا عن التجاوز والاحتكار والاستغلال.
المبادرة الفردية مصونة بما لا يتعارض مع النظام العام والمصلحة العامة.
اي مشروع اصلاح او تطوير للنظام اللبناني، يجب ان يكون توافقيًا بين المجتمعين اللبنانيين الرئيسيين، وأن يقوم على أساس الثوابت الواردة في هذه المذكرة، كما يجب ان يحافظ على الحقوق والضمانات التاريخية العائدة للطوائف اللبنانية. وذلك عن طريق الحوار بين اللبنانيين، وفي اطار من السلم الحقيقي، والحرية التامة.
ان بحث واقرار اي اقتراح او مشروع يتعلق بتطوي النظام اللبناني، يجب ان يتم بواسطة المؤسسات والسلطات الدستورية الحالية، وفقًا للأصول المحددة في الدستور اللبناني، ومن قبل مجلس نيابي منتخب.
وجوب ممارسة اصول الديمقراطية الصحيحة في اختيار نواب الامة، مما يعني رفض مبدأ تعيين النواب بأي شكل كان.
"مما لا جدال فيه ان الحضور المسيحي في المشرق العربي يتراجع يوما بعد يوم، وأسبابه عديدة ومتفرعة،
الحرية الايمانية هي حق مقدس كفلته شرعة حقوق الانسان،
الاديان السماوية التي انطلقت من هذا الشرق تدعو الى المحبة والسماح والغفران،
من غير الجائز ان يشعر احد انه مرفوض او مضطهد بسبب دينه او مذهبه او معتقده،
الانسان اما ان يكون حرا او لا يكون انسانا.
في غمرة موجات التطرف والتصعب والاستفزاز والكراهية ما يمكن ان يسمى احيانا "بالارهاب الديني" الذي يغزو العالم، وفي ظل الاستنكار العارم للدعوات والممارسات المشينة ضد اي دين من الاديان، لا بد من تأكيد حق كل ديانة بتمسك اتباعها بخياراتهم الحرة في معتقداتهم وشعائرهم والتعبير عنها وفقا للقيم والمبادىء الاخلاقية التي هي جوهر انسانية الانسان.