ان اللبنانيين بأكثريتهم الساحقة، مسلمين ومسيحيين، مؤمنون بان هذا الوطن اذا خسر تنوعه الايماني والثقافي والحضاري، واذا فقد حرية انسانه الفردية فانما يخسر مبرر وجوده وديمومته لان هذا اللقاء الفذ بين اديانه ومذاهبه وهذا التفاعل الخلاق بين معتقدات ابنائه، هو الذي يعوض عن مساحته وعدد سكانه ويحوله الى وطن ذي دور ورسالة.
الخوض في متطلبات الحضور المسيحي الفاعل في الشرق العربي، قضية شائكة، الجزء الاهم من متطلبات هذا الحضور هو ما ينشده كل انسان في هذه المنطقة، وليس فقط المسيحيون.
السلام والاستقرار وحقوق الانسان والازدهار والحرية والديمقراطية، هي مطالب جميع مواطني دول هذه المنطقة.
الهجرة بسبب غياب هذه الحقوق، تطاول اعدادا كبيرة من ابنائها المسلمين قبل المسيحيين، غير ان انعكاس هذا الغياب على اتباع الديانة المسيحية اكبر بكثير. اولا، لان اعدادهم قليلة بالاساس، وبالتالي فان التناقص سريعا ما يبرز للعيان. وثانيا، لان وقع التهميش على الاقليات اكثر وطأة عليها منه على سائر فئات المجتمع التي لا يمكنها ان تعزو سبب تهميشها الى كونها أقلية. هذا فضلا عن سعي المجموعة او الفرد الحاكم الى استرضاء الاكثرية من خلال تدابير ومواقف غالبا ما تستهدف الاقليات، وبخاصة الدينية منها" .
وليس من يجهل ان المجتمعات المزدهرة والمطمئنة الى حاضرها ومستقبلها، والمتمتعة بحقوق مدنية واجتماعية وسياسية من شأنها ان تصبح حاضنة لنوعية راقية من المواطنين قابلة بالآخر المغاير وبحقه بالاختلاف.
وهذا بتقديري او ما يطلبه المسيحيون في المجتمعات العربية التي يعانون فيها منذ عقود من اسقاطات متنوعة واحكام مسبقة من جانب الاكثريات في مجتمعاتهم التي تريدهم ان يتبنوا عادات اجتماعية ومعتقدات سياسية، وفي بعض الاحيان دينية، مخالفة لعاداتهم وتقاليدهم ومعتقداتهم.
بالتأكيد ان عملية تشكل الدول وفق الشكل الذي يستجيب لمعايير حقوق الانسان والمواطنة القائمة على المساواة بين جميع افراد الشعب ومجموعاته الاثنية والطائفية، يفترض ان تكون نابعة من داخل هذه الدول.
العالم العربي سلك طريقا معاكسة، ادت في شكل طبيعي الى نتيجة معكوسة، لقد صهرت النخب الحاكمة خلال العقود الستة المنصرمة، باجراءات فوقية، مجتمعاتها وطوائفها ونخبها، وانصهرت هذه المجتمعات والطوائف، بشكل طوعي في معظم الاحيان، في قالب ايديولوجي واحد تطغى عليه، ان لم تسد فيه، ألوان ومعتقدات وتطلعات ونمط حياة الاكثرية الاسلامية.