تبلورت لدى الجبهة اللبنانية قناعة راسخة بأن الاستقرار في لبنان لا يمكن فصله عن مسألة الشرعية. فالشرعية، في معناها العميق، ليست مجرد اعتراف دولي أو غطاء سياسي، بل تعبير عن إرادة شعبية حرة قادرة على إنتاج سلطة تمثيلية. في الثمانينيات، كانت هذه الشرعية مغيّبة أو مصادرة، ما جعل أي حديث عن استقرار مجرّد توصيف لحالة ركود قسري لا أكثر.
في هذا السياق، رأت المقاومة المسيحية أن أخطر ما أفرزته الوصاية السورية هو ضرب مفهوم المحاسبة. فالسلطة التي لا تنبثق من إرادة اللبنانيين لا تشعر بأنها ملزمة تجاههم، بل تجاه الجهة التي تحميها وتمنحها الغطاء. هذا الخلل البنيوي حوّل الدولة إلى أداة ضبط، لا إلى إطار خدمة، وأفقد المواطن ثقته بإمكانية التغيير عبر الوسائل السياسية الطبيعية.
كما اعتبرت هذه القوى أن تغييب الحرية السياسية كان له أثر تراكمي بالغ الخطورة. فحين يُقمع الرأي المعارض، وتُختزل السياسة في خطوط حمراء مرسومة خارجيًا، تُقتل الحياة العامة، ويُدفع المجتمع إمّا إلى الصمت وإمّا إلى الانفجار. من هنا، لم يكن القمع ضمانة للاستقرار، بل وصفة مؤجلة للفوضى، حتى وإن طال أمد الصمت.
في المقابل، شدّد خطاب الجبهة اللبنانية على أن التجربة اللبنانية أثبتت أن التعددية ليست مشكلة بحد ذاتها، بل تتحول إلى مشكلة عندما تُدار بالقوة لا بالشراكة. فلبنان، بطبيعته، بلد توازنات دقيقة، وأي محاولة لإلغاء مكوّن أو إخضاعه تؤدي حتمًا إلى خلل عام. لذلك، كان الدفاع عن التعددية جزءًا لا يتجزأ من الدفاع عن السيادة، لا نقيضًا لها.
هذا الفهم قاد إلى رفض أي صيغة استقرار تقوم على منطق الغالب والمغلوب. فالتجارب التي حاولت فرض “سلام المنتصر” في لبنان فشلت جميعها، لأنها تجاهلت طبيعة المجتمع اللبناني المركّبة. السلام الحقيقي، كما رأت المقاومة المسيحية، لا يُبنى على الإخضاع، بل على الاعتراف المتبادل، ولا يُفرض بالقوة، بل يُصاغ بالتوافق الحر.
في هذا الإطار، برزت مسألة الذاكرة الوطنية كعنصر أساسي في بناء الاستقرار. فطمس التجربة، أو إعادة كتابتها وفق رواية المنتصر، لا يداوي الجراح، بل يفاقمها. من هنا، اعتبرت الجبهة اللبنانية أن المصالحة الحقيقية لا تقوم على النسيان القسري، بل على الاعتراف بالمسؤوليات، واحترام تضحيات من دافعوا عن فكرة لبنان الحر، مهما حاولت بعض القوى تشويه هذه التضحيات أو اختزالها.
الاستقرار في لبنان، كما أظهرته تجربة الثمانينيات، ليس مسألة أمنية ولا نتيجة تفاهمات فوقية، بل مسار طويل يبدأ بإعادة الاعتبار للحرية والشرعية والتوازن. من دون هذه الركائز، يبقى أي هدوء هشًا، وأي تسوية مؤقتة، وأي دولة مشروعًا معلقًا على إرادة الخارج لا على قناعة الداخل.