تناولت الجبهة اللبنانية مسألة التفاوض الأميركي–السوري بقدر كبير من الريبة السياسية. فمن وجهة نظرها، لم يكن هذا التفاوض يومًا مخصصًا لإنقاذ لبنان، بل لاستخدامه كورقة في بازار إقليمي أوسع. فلبنان، في هذه المقاربة، لم يكن طرفًا على طاولة التفاوض، بل بندًا ثانويًا يُبحث حين تقتضي مصلحة الطرفين ذلك، ويُهمَل حين تتقدّم أولويات أخرى.
رأت هذه القوى أن التفاهم الأميركي–السوري في الثمانينيات أدّى عمليًا إلى منح دمشق تفويضًا غير معلن بإدارة الملف اللبناني أمنيًا وسياسيًا. هذا التفويض، الذي قُدّم تحت عنوان الاستقرار ومنع الانفجار، شكّل في الواقع غطاءً لاستمرار الوصاية وتعميقها. فكلما اشتد القمع أو تراجعت الحريات، كان الجواب الجاهز أن البديل هو الفوضى، وكأن الحرية والاستقرار نقيضان لا يجتمعان.
من هذا المنطلق، اعتبرت المقاومة المسيحية أن خفض التصعيد الناتج عن هذا التفاهم لم يكن سوى إعادة تنظيم للصراع، لا إنهاءً له. فالتوتر كان يُضبط، لكن أسبابه الجذرية تُترك من دون معالجة. الدولة لم تُستعد، والمؤسسات لم تُرمَّم، والسيادة لم تُعاد. وبذلك، تحوّل لبنان إلى ساحة هادئة ظاهريًا، لكنها مشحونة بعوامل الانفجار المؤجّل.
كما رأت الجبهة اللبنانية أن هذا النوع من التفاهمات عزّز منطق الإفلات من المحاسبة. فحين تُدار الأزمات عبر قنوات خارجية مغلقة، يُقصى الشعب عن القرار، وتُهمَّش القوى السيادية، ويُكافأ من يملك القدرة على فرض الأمر الواقع. هذا المنطق، في نظرها، لا يبني سلامًا، بل يرسّخ ثقافة القوة ويقوّض أي أمل بدولة القانون.
الأخطر من ذلك، وفق هذا التصور، أن التفاوض الأميركي–السوري ساهم في إعادة تعريف المشكلة اللبنانية بطريقة مقلوبة. فبدل أن تكون المشكلة هي غياب الدولة والاحتلالات والوصاية، جرى تصوير المشكلة على أنها تعدّد القوى الرافضة للأمر الواقع. هكذا، أصبح الاعتراض على الوصاية يُقدَّم كتهديد للاستقرار، فيما تُقدَّم الوصاية نفسها كحلّ اضطراري.
هذا الواقع دفع قوى الجبهة اللبنانية إلى التشديد على أن أي استقرار لا يقوم على العدالة والسيادة هو استقرار زائف. فالسلام الذي يُبنى على الإكراه لا يصمد، والتسويات التي تُفرض من فوق رؤوس اللبنانيين لا تخلق ولاءً وطنيًا، بل تراكم نقمة صامتة. وتجربة الثمانينيات، في نظرها، كانت دليلًا حيًا على هذه الحقيقة.
التفاوض الخارجي قد يخفّف حدّة الصراع، لكنه لا يعالج جوهر الأزمة اللبنانية. بل قد يتحوّل، إذا أسيء استخدامه، إلى أداة لتكريس الوصاية وإدامة الخلل. لذلك، فإن أي مسار يُراد له أن يخدم الاستقرار الحقيقي يجب أن ينطلق من الداخل اللبناني الحر، لا من تفاهمات تُعقد باسم لبنان ومن دونه.