الحل
ليس ما أتصوره حلا للمشكلة اللبنانية، هو الحل الشافي الكافي لمشكلة على هذا النحو من التعقيد، كما ظهر من وصفها في السطور السابقة، ولست أزعم أنه حل سهل المنال، ولكن باستطاعتي ان أؤكد أنه ليس حلاً مسبحيلاً، إذا أراد اللبنانيون أن يعيشوا في مجتمع حضاري صحي ترعاه دولة عصرية متطورة.
ويمكن أن يتم لنا ذلك إذا تمكنا من تحقيق الآتي، وتحقيقه في دائرة الإمكان البشري في كل دولة وزمان:
1- لكي نرتقي بمجتمعنا اللبناني الى مصافي المجتمعات الحديثة، يلزمنا حكم حديثن ديمقراطي الممارسة، قائم على مبدأ فصل السلطات، يحميه قانون عادل يؤمن المساواة والطمأنينة لجميع أبناء المجتمع، ويزيل شعور الخوف من النفوس،. . ميول الإجرام ما أمكن ويقضي على إستبداد المتسلطين فيعيش الناس بحرية، تساعد على تفجير طاقاتهم الخيرة فتتفتح العقول وتتكامل في إنتاج يؤدي الى ازدهار المجتمع بأسره.
2- ولا بد، لجعل هذا الحكم ممكناً، من اختيار رئيس للبلاد يقترب من الميثالية الواقعية قدر المستطاع؛ نختار بحرية تامة، وبوعي كامل وبوعي كامل للمهمة الصعبة التي نريده ويريد أن يضطلع بها، قوامها سيادة كاملة في الداخل وتعاون متكافىء مع الخارج بعيد عن السيطرة والإستقلال أو التدخل في شؤون البلاد الداخلية. كما لا بد من الإدراك بأن الحكم ليس قوانين تنشر في الجريدة الرسمية فحسب، بل قواعد تأخذ طريقها الى التنفيذ الصارم بعدل يوحد الشعب ويسيره في عمل اجتماعي وسياسي واقتصادي وتربوي متناسق.
3- لا يمكن للبناني أن يحيا خارج إطار الديمقراطية. لذلك يطلب من الحكم أن يلجم الطائفية والمذهبية ويمنع العشائرية والإقطاعية والإستبدادية، ويحول دون التحكم المال السياسي المتوحش في العمليات الإنتخابية ونتائجها. وهذا كله يتطلب أجهزة أمنية متمكنة من التحكم بذاتها، وقادرة على حماية المواطنين دون المساس بحقوقهم. وهذا يعني الحؤول دون الأجهزة المخابراتية من التسلط على الحياة السياسية والسيطرة على الحياة الإجتماعية. كما يعني أن تنشأ بيد الممارسات الديمقراطية ودواعي الأمن والقانون معادلةً توفر الجو الملائم لممارسة الحرية السياسية.
4- تقضي "تركيبة" المجتمع اللبناني بأن تتعدد فيه الآراء والمعتقدات دون المساس بوحدته وكيانه ونظامه الديمقراطي. فينبغي أن يفسح في المجال، عبر وسائل الإعلام المتجرد للتعبير عن مختلف الآراء السيسية والإجتماعية والإقتصادية ضمن إطار القوانين النافذة العادلة، كطي لا تفقد الحياة الديمقراطية ركناً أساسياً من بنائها.
5- ولعل الأمر الأشد إلحاحاً هو سن قانون انتخابي محكم وواضح يعمل على جعل أبناء الأجيال اللبنانية المختلفة، لا يرضون عهد وحدتهم الوطنية وعيشهم الواحد بديلاً، ويساعدهم على الإبتعاد قدر المستطاع عن مصادر التاثر، في عمليات الإقتراع بالمذهب أو الطائفة أو العشيرة أو المال السياسي كي لا يفسد المجتمع وتنهار القيم الإنسانية والوطنية والإجتماعية فينهار معها كيان الوطن كله.
6- توخي الحذر الشديد في عملية اختيار ممثلي الشعب وحكامه بحيث ينتخب أو يعين من يستطيع أن يكون القدوة الصالحة لجميع اللبنانيين، ويبتعد عن إثارة النعرات الطائفية أو استغلال العصبيات الفئوية، وينأى بنفسه عن تجميع التكتلات السياسية من ذات الفئة الواحدة أو اللون الواحد، وأن يسعى الى وئد كل محاولة للغنتقاص من معتقد الآخر أو فكره أو قوله؛ وأن يكون قادراص على خلق الآليات الصالحة لتحديث المجتمع اللبناني بناءً واقعياً يستند الى الماضي والمنجزات التارخية ويضتلع الى مستقبل أفضل في عالم سريع التغير.
7- خير لللبنانيين أن يتقنوا فن النسيان فهو للتذكر أيضاً: ينسون الإساءات والعداوات ليصفحوا. فن النسيان والتذكر كلاهم يرتكزان على المعرفة: معرفة الأحداث الماضية وأسبابها، واكتساب العبر منها، ثم العبور الى المسلك الأفضل لوحدة وطنية صادقة تأتي ثمرة لحوار عقلاني بناء متحرر من رواسب الماضي المؤذية، فيقوى التواصل بين فئات الشعب المختلفة، ويلتف الجميع حول وحدة المسار والمصير. وهذا لا يتحقق إلا بطي صفحة الحروب الأهلية بإستعادة ذاكرتها ليس من أجل إعادة فتح ملفاتها بل لفهم الأسباب التي أدت الى إرتكاب جرائمها النكراء التي قوضت الكثير من أركان مجتمعنا، وللتحلي بالشجاعة للإعتراف بأن مسؤولية حدوثها تقع علينا جميعاً. إن معرفتنا لأسباب ما حدث لمجتمعنا من خراب ما زلنا نعاني من أثاره الكثيرة الكثيرة، تدفعنا الى وعي ما غاب عن مداركنا من أخطارها وتخطي الأسباب والنتائج الى الصفح والمصالحة والعيش معاً بسلام ووئام. ولا بد من المصالحة مع الذات أولاً كي نتمكن من المصالحة مع الآخر والقبول به، ليس شريكاً في شراكة بل عنصراً أساساً في مؤسسات الوطن وعضواً أصيلا في مجتمعه.
8- إذا كانت السياسة تعتبر، في نظر البعض، بأنها "من الممكن"، فينبغي أن لا تغيب عن الأذهان بأنها فن إدارة الشأن العام وراعية المصلحة العامة التي تعود على الأفراد والجمات بالخير والطمأنينة والأمن. السياسة فن توليد الإستمرار والتطور للمجتمع البشري في أي مكان في العالم وترسيخ الهدوء والإستقرار في ربيعه ولدوام الإستقرار يجب وضع قانون للأذهاب تتحول بموجبه من أحذاب طائفية الى أحذاب وطنية بحيث يندمج أبناء الطوائف المختلفة في حذب واحد (أو أحذاب متعددة) فيتم في ذلك انصهار وطني حقيقي ولا يعود تقسيم الدوائر الإنتخابية بشكل عملية صعبة، ويصبح النائب المنتخب من مواطنين ينتمون الى مختلف الطوائف نائب كل لبنان بحق، فلا يبقى طوال مدة نيابته (وما قبلها وما بعدها) مرتهناص لطائفته اللتي ترشح عنها كما أن الناخب اللبناني يتحرر هو الآخر من الإرتهان الطائفي، بل يقترع للائحة الحزب الوطني الذي ينتمي إليه ويؤمن بمبادئه. ويتحرر لبنان، كل لبنان، شيئاً فشيئاً، من القيود الطائفية التي حالت، ولا تزال تحول دون التجمع اللبنانيين وتوحيد . . . على قاعدة "الدين لله والوطن للمجتمع".
9- الى جانب إفتقار لبنان الى الأحزاب الوطنية (غير الطائفية أو المذهبية)، يفتقر أيضاً الى الوحدة الوطنية الصحيحة. هذه الوحدة الوطنية تخنق التعصب الطائفي وتخلق نظام حكم يحتضن مختلف الطوائب والمذاهب دونما تفرقة بين طائفة وطائفة أو مذهب ومذهب، فيتساوى الجميع في كتف "دولة المؤسسات والقانون" أي دولة لا يميز بين مواطن وآخر، أو تفرق بين معتقد ومعتقد. أو لإنتماء وإنتماء طالما أن الجميع ينتمون الى دولة الوطن والمواطن، الى دول الإنسن بصرف النظر عن لونه وعرقه ودينه. ورد في إتفاق الطائف "لا شرعية لأي سلطة تناقض صيغة العيش المشترك". وعليه تفقد أي فئة تناقض الوحدة الوطنية أو تهددها كل شرعية واعتبار. ذلك لأن الوحدة الوطنية هي قوة الشعب وقدرته على الحفاظ على لبنان وحمايته من الداخل والخارج. واجب اللبنانيين المحافظة على وحدتهم مهما تغيرة الظروف الداخلية أو تبدلت الظروف الخارجية. وعلى الدولة اللبنانية أن تدرك ان عدم التوازن الإنمائي أشد خطراً على الوحدة الوطنية من الإنقسام الداخلي أو التدخل الخارجي. كما لا يجوز أن تستأثر فئة السلطة دون أخرى أو تهيمن على فئات الأخرى، يجب إشتراك الجميع في مؤسسات الدولة ووظائفها، وعليهم تعزيز عيشهم المشترك لما يعود عليهم جميعاً بالخير والمنفعة. "
10- ولما كان من الصعب فصل الإقتصاد عن السياسة فإن أي محاولة لإجراء إصلاح إقتصادي، ينبغي ان تسير جنباً الى جنب مع إصلاح سياسي مبني على أسس سليمة بحيث يمكن الدولة اللبنانية من لعب دور فاعل في محيطها فتصبح قادرة على التصدي لموجة العولة ومواجهة ما قد ينجم عنها من مشكالات إجتماعية وإقتصادية قد تؤدي الى إحداث خلل في التوازن الإجتماعي وضمور في العدالة والمساواة، وزيادة الفقر لدى الفقراء وتكديس الثروات لدى الأثرياء، وفي ذلك الإعتداء على كرامة الإنسان والتحقير للنفس البشرية.
11- "لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه"، عربي الهوية والإنتماء، وتحول طبية تكوينه وخصائص تركيبته دون أية حركة تجزيئية أو تقصيرية أو فدرالية لهذه الدولة التي ينبغي، من اجل بقائها، أن تبقى موحدة في وطن واحد وفي سيادة واستقلال ناجزين. ولذلك كله لا بد من عدم السماح للصراعات والحروب المصاحبة للطروحات العقائدية التي تفرق ولا تجمع ، وتسعى الى استئثار البعض بلبنان كله لفئة واحدة دون سائر الفئات، ذلك أنه ملك لجميع أبنائه من مختلف الفئات والطوائف والمذاهب متعاونين على حفظ بلدهم من أي إعتداء سواءً كان داخليًا أو خارجيًا،في ظل دولة ترعى المساواة بين الجميع، وتحقق العدالة للجميع، وتوفر الإحترام لخصوصيات مختلف الفئات والطوائف والمذاهب التي يتألف منها الشعب اللبناني.
12 - لا بد، من أجل وحدة لبنان والانصهار أبنائه في مجتمع واحد موحد، من تربية دينية مبنية على التسامح، وقبول الآخر، واحترام عقيدته فتمحو تربية من هذا النوع تظاهرات الطائفية والمذهبية. ولا بد من تربية مدنية وبنية على أسس علمية متينة، وسياسة اجتماعية فاعلة توفر فرص العمل للمثقفين والعلماء وذوي الكفاءات، فتحد بذلك من هجر الأدمغة اللبنانية، التي أصبحت تمد المجتمع اللبناني بتصحر عقلي وفكري وفني يدخل الرعب الى النفوس، ------------ الى الثقافة، والنضوب الى الإبداع. والمطلوب من تربية بهذا العمر والمستوى أن تجعل المثقف اللبناني يعي الواقع ويتعاطى معه بفهم جديد يساعده على إحداث التغيير المنشود، ويجعله مواكبًا لما يحصل في العالم من تطورات إجابية ومستجدات تأخذ بيد الإنسان الى تحقيق إنسانيته: فتحترم حقوقه، وتصان حرياته، وتحرر نساؤه، بمساعدة دستور يؤمن هذه الحقوق جميعًا ويفصل بين السلطات ويؤكد على إستقلالية القضاء، فتسود الديمقراطية الصحيحة، فلا يعلو على صوتها أي صوت آخر.
13 يجب أن لا ينظر الى ما تقدم بأنه أفكار طوباوية مستحيلة التحقيق كما أنها ليست كل الحل لمشكلات لبنان المعقدة. كلا. إنها توق في النفس والفكر الى رؤية لبنان واحة حقيقية في صحراء العالم الحديث المضطرب، ومحتبرًا يمتحن فيه الإنسان قدراته وهي كثير متنوعة، ولعل أهمها المصالحة مع الذات ومع الآخر بالتفاعل مع المختلف، واستيعاب التنوع من خلاله، فيرقى اللبناني بذاته فوق التحجر والتخلف، ويغني حضارة العالم الحديث، كما أغناها في العالم القديم، ويلعب دوره المميز من جديد في دفع الإنسانية خطوات واضحة وثابتة على طريق التقدم والإزدهار. هذا هو معنى لبنان وذلك هو دوره على المسرح المأزوم لإنيانية مضطربة.
وليس لبنان الكبير، إلا دولة صغيرة بين الدول، وجزء ضئيل من عالم فسيح تحكمها شرائع وقوانين وأيديولوجيات وأساليب عيش متباينة متنافرة متصادمة، وتنفخ في جوانبه رياح سموم فكرية عاتية، من نوع "نهاية التاريخ" وحجم "صراع الحضارات" وتنهش في جسده ليبرالية اختلفة أسماؤها وتوحدة أهدافها المتجسدة في الإستغلال الفني للتغيير وقهر القوي الضعيف، وجور الظالم على المظلوم. وأسوء ما فيه حركات دينية قد يكون بعضها أبعد ما يكون عن الله ورسله وكتبه، حيث حلل بعض المتدينين لأنفسهم تكفير الناس الذين لا يرضخون لتعاليمهم كما هم يعتقدون، ولا ينصعون لأساليبهم وممارساتهم التي بها يؤمنون، فاقتتل الناس في ما بينهم باسم الدين، والدين الصحيح لا يوصي بالإقتتال بل بالمحبة، وينهى عن الفحشاء والمنكر، ويشيع السلام بين الناس ويؤلف بين قلوبهم إن هم إحتكموا بالإيمان الصادق، وطرحوا العبث واحتفظوا بالثمين من كل دين، وإن هم علموا أن الله واحد أحد تلك الناس جميعًا، وملك القوي والضعيف على السواء!.
آلية الحل لإصلاح لبنان اليوم من أجل تغييره الى لبنان أفضل
أرى أن يعمل، في أقرب فرصة ممكنة على عقد مؤتمر وطني جامع يشارك فيه ويكون منه اجزاء تشكل وحدة لا تنفصم، جميع الطوائف والمذاهب والأحزاب السياسية، والنقابات والجمعيات والروابط، والكتاب ولامفكرون والأدباء والمثقفون والفنانون، وأصحاب المهن الحرة، والوجهاء ووالأعيان والعشائر والطلاب والمعلمون واساتذة الجامعات، والإعلامييون والناشرون، والعمال، والفلاحون، ولاجال الأعمال ونساؤها، والتجار، والحرفيون، والصناعيون، والهياءات النسائية، ومختلف الخلايا التي تؤلف المجتمع المدني،. الخ. . الخ. .
ويطلب الى هؤلاء جميعًا، بإسم الله والوطن والحضارة والفكر والإيمان والتقدم والرقي والسلام، أن لا يغادروا مكان انعقاد مؤتمرهم إلا بعد أن يكونوا قد أنجزوا عهداً مكتوبًا يرمي الى تكريس لبنان، مرة واحدة والى الأبد، وطنًا نهائيًا لجميع أبنائه، يعيشون فيه بكرامة وطمأنينة وأمن وسلام، ويعملون على تطويره وتحديثه سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، وصيانة استقلاله ووحدته وديمومته.
عالم اليوم، عالم الغد
إن لبنان جزء من العالم العربي ومن العالم الأشمل والأوسع، ونتساءل أي عالم هذا الذي تجتاحه العلوم والتكنولوجيا والأيديولوجيات من كل نوع ولون بأسوء ما فيها من سلبيات، فتدمر أشرف ما في النفس البشرية من قيم حضارية، ومثل عليا، واديان كريمة وتيل الكرة الأرضية كلها، قرية كونية صغيرة تزخر بالمآسي، وتغدو أشبه ما يكون "كرة قدم" تتقادفها أرجل الكبار المتضخمة قوته غطرسةً واستكبارًا، وصلفًا وانحيازًا، وتسلطًا وتمييزًا عنصريًا ودينيًا وقوميًا وإثنيًا، "وتصوّبها" أهدافًا أنانية في مرامي الضعفاء الذين اكتسبوا ضعفهم من جشع الأقوياء وأطماعهم ووحشية غرلئزهم المدججة أنيابها ومخالبها بأبشع ما أفرزته تكنولوجيتهم وأيديولوجياتهم وسياساتهم من وسائل تدمير وتقتيل وتسميم وتشنيع وقهر وإذلال لأنفسهم ولسكان هذه الأرض المسكينة.
عالم هذا نوعه ووصفه ووضعه، موبوء بأخطار ماحقة هي من صنع العنصر البشري نفسه، تهدد البشرية كلها بأفدح العواقب. عالم هذه سماءه وتوجهاته وممارساته يوصينا العقل، وتقترح الحكمة، بأن نجد بتغييره، ونسعى الى تحسينه، ولا نكتفي بالقناعة والإقتناع بأنه "أفضل العوالم الممكنة" إنه في الواقع أسوء العوالم، ويمكنه أن يصبح أحسن حالًا وأقل بؤسًا.
. لا طوباوته، ولا حلم "----------- ----------" لا وجود لها على هذه الأرض، بل رؤية واضحة للواقع، ورؤية عقلانية في تغيير هذا الواقع أو تبديله بأحسن منه، يتلاءم مع طموحات حداثة أصيلة "ينطقها" العقل، وتؤكدها مصالح الإنسان المشتركة، ويضئ الأمل الواعي طريقها الى أماكن الحدوث. لا فائدة من إصلاح لبنان وحدة بمعزل عن رؤية "عالم أفضل"، عالم إنساني يعمل لخير الإنسان وكرامته وسلامته وأمنه واستقراره. كيف السبيل الى ذلك!؟ . وإذا كان هناك من سبيل، فهذه هي بعض معالمه، وشبكة من مسالكه، والمداخل اليه بعد التذكير بصفاته وويلاته ومخازيه.
إن أبشع آفات السلوك البشري، قديمًا وحديثًا هي آفة الحرب. والواقع ان سبب هذه الآفة الرهيبة قد حير علماء الإجتماع وعلماء النفس (وحتى الأنبياء). فمنذ قتل قايين أخاه هابيل (كما تروي الحكاية)، والناس يقتلون فيما بينهم. فيما يرى stirner أن للمرء الحق في أن يفعل كل مايمكنه فعله، يرى غيره أن للآخرين الحق في الدفاع عن أنفسهم: "فالنمر الذي يهاجمني له الحق في ذلك، وأنا أيضًا محقٌ في سحقه" وفي كيلا الحالتين قتل وسحق وتدمير "إن من لديه القوة لديه الحق" يقول بعض المتفلسفين.
ويرى داروين أن الإحتراب سنة الطبيعة، فالكائنات الحية بصراع دائم من أجل البقاء، و"البقاء للإصلاح"، ويرى فرويد أن سبب الحروب من وجهة نظر التحليل النفسي مرتبط بغريزة العدوان أو العدوانية وهي غريزة ملازمة للطبيعة البشرية" وهي"أشد الغرائز جميعًا وأخطرها. ويجب توجيهها دائمًا نحو الغير، كي لا تنقلب الى المواجهة مع الذات وتصبح مرضًا نفسيًا يدفع الى الإنتحار. "
هذا مع العلم أن بعض الأديان (كالمسيحية والإسلام) قد أوصت بعدم قتل النفس التي "حرم الله قتل. "، ودعت الى المحبة والسلام والوئام بين الناس. ومع ذلك إستمر الإحتراب بين الأقوام البشرية أنفسهم وبينهم وبين غيرهم من الأقوام "الغرباء" واتخذ أشكالًا مختلفة واستند الى أسباب شتى دينية وثقافية وإثنية. ودون المؤرخون حصول حوالي 150 حربًا في أوروبا وحدها، طوال قرنين من الزمن، حيث أزهقت أرواح حولي 80 مليون من البشر.
وقد فشل الجهد البشري في وضع أسس لتنظيم شؤون الناس الدينية والثقافية والإثنية، فتصارعوا صراعًا مريرًا، قدينًا وحديثًا، وهم يتصارعون اليوم في أمكنة عديدة من الععالم نذكر منها على سبيل الميثال فقط: لبنان، فلسطين، والجزائر، وأفغانستان، ويوغوسلوفاكيا، ودول البلقان ووسط أفريقيا. ألخ. ألخ
وقد بلغت وحشية الإقتتال (أو الإعتداء الخارجي على أهل الداخل) في بعض البلدان، تحوم الإبادة الجماعية.
وساعدت التكنولوجيا الحديثة على زيادة الضراوة في الحروب بين الفصيلة البشرية الواحدة بحيث أصبح الناس جميعًا يعيشون في خشية دائمة من إرتكاب أي خطأ تكنولوجي في تسيير الآلة الحربية النووية الجهنمية، أو حصول أية سوء تفاهم بين مالكي الأسلحة الذرية أو الهيدروجينية، فيشتعل فتيل الحرب صاعقة تدمر الكرة الأرضية ومن عليها. . يكفي أن نعلم أن شعوبًا بأسرها وحضارات برمتها قد أوردتها الهلاك حروب بدائية، كي يستبد بنا الرعب إذا ما اندلعت حرب نووية حديثة. يخبرنا المؤرخون أن شعوب ألمايا، والإنكا والأستيك، والهنود الحمر الأميركيين والكنديين قد أبيدوا واندثرت معالم حضاراتهم .
إنطلاقًا من هذه الوقائع المرعبة، مطلوب من المسؤولين الكبار عن أحول العالم، وتنظيم شؤونه أن يعملوا، قبل أي شيئ آخر، على إزالت الحروب أو تقليص ------------ إذا أرادوا للجنس البشري أن يبقى. ولا خير لبقائه إذا لم ينعم بالحد الأدنى من الأمن والأمان. ومن أجل اوصول الى هذه الغاية، لا بد من السعي الى إزالت أسباب الحروب أو التخفيف منها. المسؤولون عن أحوال العالم هم أدرى بهذه الأسباب.
والآفة الثانية التي لا تقل بشاعة عن الأولى، هي آفة الجوع. والغريب بالأمر أنه بالرغم من معرفة العالم، عبر ما يوضع من دراسات واحصاءات عن الجوع الذي يجتاح قسمًا كبيرًا من بني البشر، لا يعير هذا العالم آفة الجوع أي إهتمام جدي أو محاولة رصينة لدرء خطرها وتخفيف ويلاتها.
وبسبب الحروب اضطرت عائلات عديدة إلى هجر منازلها وأملاكها، فازدادت نسبة البطالة بين الناس واضطرب حبل الأمن، وانهار التضامن الإجتماعي، وتفاقمت حاجات الشعوب فاندفعت تطالب بحقوقها الأساسيّة في الغذاء، والكساء، والمسكن، والوظائف. اد حجم البؤس وانعدم الأمان؛ وتعددت مافيات الإتجار الجنسي بالنساء والأطفال دون سنّ 18، وفقد الملايين من المهجرين والمهاجرين أدنى حد من الكرامة الإنسانية، والحرية وحقوق الإنسان.
ألا يكفي كل ذلك كي يعقل الإنسان عقله، ويتفكر في شؤون حاضره، فيرى أنه يسير طريقًا خاطأً، وينزلق في هاوية الفناء المحتم، إذا لم يعد النظر في كا سياساته والإستعمالات الخاطئة لاكتشافاته واختراعاته وإيديولوجياته، ويمم وجهه وقدراته وعقائده شطر مستقبل أرقى وغدٍ أفضل؟ !. .
عالم الغد:
إنطلاقًا مما تقدم عرضه ووصفه وتفصيله، كيف يمكننا بناء عالم الغد على أسس العدالة، والمساواة، والديمقراطية، وحماية حقوق الإنسان في كل مكان، وزمان، فنزيد في ذلك بعض القهر والظلم، والمجاعة، والتهجير، وقتل الأفراد، وإبادة الجماعات، وهمجية الإرهاب، ونضع حدودًا للفقر، والرزيلة، والأمية، والتعصب، والحروب الباردة والحامية، ونحافظ على البيئة ونحارب الأمراض (في مدى الثمانية أعوام القادمة يتوقع علماء الصحة والحياة أن يكون عدد المصابين بمرض الإيدز 45 مليون إنسان) البسيطة والمتعصبة، ونصون كرامة الإنسان وحقوقه، ونجعله "مشروعًا قابلًا للحياة" متطورًا نحو الأفضل، حرًا في التفكير، والقول، والكتابة، والمعتقد، واختيار كل ما يراه مناسبًا لتحقيق ذاته، واحترام ذوات الآخرين والسعي الى تحرير نصفه الآخر المرأة، ومساعدته على تأمين الحد الأدنى من المأكل والملبس والمسكن، والعيش حياةً عائليةً مستقرةً ومنتجة بتوفير فرص العمل للجميع. إلخ. فهل هذا مستحيل؟ أم غير معقول؟ أم باطل الأباطيل؟ !!.
المطلوب؟
1- الإيمان بأن عالماً جديدًا مختلفًا، لحياة إنسانية كريمة ممكن الوجود وواجب الوجود من صنع الإنسان، ومسؤولية الإنسان، ومن أجل الإنسان.
2- النظر في أسباب الفقر والإستعباد، ومعرفة ما تفعله السياسة الليبراليّة القديمة والجديدة، ومنطقة السوق في نشر هاتين الآفتين، والإسترشاد بعلماء الإجتماع والسياسة والإقتصاد العالمين لوضع الأسس العلمية الصالحة لإنتاج الثروة وتوزيعها، وتدعيم بنية المجتمع المدني في كل البلدان وتصوين مسار السلطة السياسية مستنيرين بمفاهيم الحكمة، ومسترشدين بمكارم الأخلاق.
3- بناء الدولة كل دولة على قاعدة "الإقتصاد التكاملي" وإقصاء ما تستحدثه العولمة، من أساليب السيطرة على مفاصل الإقتصاد يتنكر للشأن الإجتماعي، ويفخّم الفواصل بين الأغنياء والفقراء، وقد يؤدي إما الى ذوبان الهوية الذاتية للدول في خضمّ العولمة الطاغية، أو التقوقع والإنكماش داخل أطرٍ قومية منقرضة ومضرّة وإقفاص من خوف الآخر وتفاقم العداء له.
لقد رأى الداسون أن "العولمة" الإقتصادية تعمل على تقويد أسس المساواة بين الشعوب وأن المنافسة الشرسة على المستوى العالمي لشل قدرة الدول على التخلّص من مشكلاتها، وأنه ينتج عن العولمة الإقتصادية "عولمة" ثقافية تحدثها الثورة التكنولوجية المتسارعة، وينجم عن هذين الشكلين من العولمة فرض "الأمركة على العالم"، فتؤدي محاولة أميركا السيطرة على العالم والهيمنة على مقدرات الشعوب بغطرسة واستعلاء قاضحين الى قيام، دور فعل عدائية ضد العولمة السياسية التي تعتمد على التفوق الاميركي المادي، وعلى سيطرة اميركا على المنظمات الدولية الإقليمية. . ويبدو ان الدولة ا"لأميركية" تعنل على خنق ارادات الشعوب وقتل الحرية والديمقراطية، وازهاق روح العدالة، وتزييف حقوق الانسان.
وعلينا أن نتساءل ببساطة وصدق، عمّا نتوقع من المستقبل، وماذا نطلب من الإنسان أن
يحقق، كي لا يبقى في نظرنا (ونظر نفسه)مشروعًا فاشلًا؟ أوليس من الأجدى لخير البشرية جمعاء أن يحدد الإنسان الحاضر مشكلاته، بكل أنواعها، ويستوعبها فيجند لها جيشًا كبيرًا قويًا من العلماء والإختصاصيين في جميع الحقول: السياسية، والإقتصادية، والإجتماعية، والثقافية، كي يضعوا لها تصوّرًا عقلانيًا، يؤدي الى وضع الحلول الموضوعية المرتكزة الى قواعد علمية موثوقة تنقذ الإنسان الحاضر من شرّ نفسه زتدمير ذاته، وتخلق مستقبل السلام الإجتماعي المبني على:
1- العدالة والمساواة والديمقراطية الحقة والرحمة والصفح والغفران.
2- القضاء على الجور والقمع والطغيان.
3- محاربة الجهل والتخلّف والتّخلّف والفقر والمرض وعدم الإستقرار.
4- عدم التدخل في الشؤون الداخلية للشعوب المختلفة إلا من أجل إصلاح ذات-------
5- فهم ما يحتاج العالم الحاضر من مشكلات وآفات واجتهاد أهل القرار في وضع الحلول لها، وازالت أسبابها، وبناء مستقبل أفضل للجميع وبجهود الجميع.
6- تحرير الإنسان المعاصر من تحكم السلطة والمال بمقدراته وأفكاره وتعرفاته، واستخدام هاتين القوتين من أجل راحة الإنسان ومساعدته على التغلب على مصاعب عيشه ومصائب ذهره.
7- تشجيع الناس على قول كلمة الحق، وإيجاد السبيل الى الحقيقة، وتقبلها والعمل في ضوئها، مهما بدا ذلك قاسيًا وشاقًا. فالحقيقة أم الواقع،--------- الخيال، ومصدر الحق، وكاسحة الضلال والأوهام.
8- وضع فلسفة سياسية واقتصادية واجتماعية واخلاقية تكون دستور حياته الجديدة تستوحى منه جميع المبادئ والأفكار والأفعال المذكورة أعلاه.
9- الإلتزام الكلي والصادق بتطبيق شرعة حقوق الإنسان نصًّا وروحًا وممارسة، وإدخال كل ما يراه " الدستور الجديد" من مبادئ تكملة أو شرائع ضروريةلممواكبة ما يستجد من شؤون الحياة الصالحة.
هل هذه طوباوية؟ !. . فلتكن. . سمّها ما شئت. . ولكن، دون تحقيق الحد الأدنى منها، سيبقى الإنسان "مشروعًا فاشلًا" وسوف ينحدر الى أسفل سافلين!!.
الكلمة الاخيرة: نعم، طوباوي أنا، وإن كنت لا أدعي الاقتراب كثيرًا من الكمال. غير أني أحاول مخلصًا، وبوعي كامل، ورويّة لا بأس بها ، أن أضيئ بعض الشموع في النفق الطويل الذي يمكن الى تحويل الإنسان من مشروع فاشل الى مشروع إنساني يتحلّى بشيئ من معاني الإنسانية.
هكذا علمتني الخبرة، والى ذلك أرشدتني الفلسفة. وها أنذا أنشر ما خبرت وما تعلمت.