عايش لبنان واحدة من أكثر الحروب الأهلية تشظّيًا في القرن العشرين، حربًا تجاوزت كونها نزاعًا داخليًا على السلطة، لتتحول إلى تصادم دموي بين تناقضات الهوية والمصالح، وتداخلات الداخل والخارج، وصراعات المشاريع فوق أرض وطن لم يُتح له أن يستقرّ أو يكتمل.
ما يُطرح هنا هو مقاربة مختلفة، تنطلق من زاوية كثيرًا ما وُضعت في قفص الاتهام: زاوية الجبهة اللبنانية، ورؤية المسيحيين في المنطقة الشرقية لبيروت ومحيطها، حيث تبلورت مقولة الدفاع عن الكيان والوجود والخصوصية، لا من باب الانعزال، بل من باب الشعور العميق بأن لبنان الذي عرفوه كان يُنتزع منهم، قطعةً بعد أخرى.
لا تروى هذه الحقبة لتبرئة أو إدانة أحد، بل لفهم المسارات كما وُلدت، ولتسليط الضوء على خيارات اتُّهمت بالتطرّف، لكنها – في نظر أصحابها – كانت دفاعًا عن صيغة، ومواجهة لما اعتبروه اختطافًا للكيان ومصادرته لصالح مشاريع عابرة للبنان وحدوده.
بعيدًا عن السرديات الغالبة التي قدّمت الحرب وكأنها نتاج تمرّد على العروبة أو استعانة بالخارج، تُستعرض الوقائع من داخل المنطقة الشرقية، كما رآها أهلها: من سيدة البير إلى الباش، من تل الزعتر إلى الكرنتينا، من الاجتياح السوري إلى الاجتياح الإسرائيلي، من خطاب بشير الجميل إلى عزلة ما بعد الطائف.
ثمّة أسئلة ظلت حبيسة الشعارات أو مؤجلة:
هل كان الانفجار محتومًا أم مفتعلًا؟
هل السلاح المسيحي مشروع دفاعي أم مشروع سلطة؟
ما الذي دفع إلى التلاقي مع إسرائيل؟ وهل كان خيارًا تكتيكيًا أم اضطرارًا وجوديًا؟
لماذا وُئدت كل محاولات تحييد لبنان؟
وأين كان الجيش والدولة، وأين كانت المرجعيات العربية والدولية؟
الرؤية المسيحية، كما صاغها مفكرون كميشال شيحا، وترجمها سياسيون كبيار الجميل وكميل شمعون وريمون إدّه، لم تكن انعزالية بالمعنى الاتهامي، بل مشروعًا لتثبيت التعددية وضمان الشراكة. لكنها وُوجهت بمشروع آخر: العروبة النضالية، المقاومة المسلحة، وتكريس لبنان ساحة لحسابات أكبر.
ما بين جبهة رفضت اتفاق القاهرة وميليشيات دعمته، وما بين سلاح نشأ دفاعًا عن الأرض وسلاح اعتُبر مشروع تحرير، ضاع مفهوم الدولة. وتحوّلت الحرب إلى حلبة بين شركاء لم يعودوا يؤمنون بالصيغة المشتركة.
اليوم، بعد مرور عقود على وقف إطلاق النار، لا تزال الأسئلة نفسها قائمة، والأجوبة أكثر تعقيدًا. فالمسيحيون خسروا الموقع والدور، لا فقط بالسلاح بل أيضًا بالسياسة. والمنطقة الشرقية باتت ذكرى محفورة في الذاكرة، بعدما كانت جبهة متقدّمة في الدفاع عن كيانٍ يتآكل.
هذه القراءة ليست استذكارًا لماضٍ مجيد، ولا نحيبًا على زمن مضى. إنها محاولة جادّة لتفكيك الخيارات، مواجهة التناقضات، واستعادة حق سرد الحكاية، بعيدًا عن الرقابة الجماعية التي فرضتها "المصالحة" الهشّة بعد الحرب.
ما يُسرد هنا يندرج في سياق المسؤولية التاريخية: أن تُفهم الحرب لا لتُعاد، بل لكي لا تُكرّر. وأن يُنصف أولئك الذين اختاروا طريقًا صعبًا، قادهم إلى العزلة والتهميش، لكنهم – رغم كل شيء – حاولوا إنقاذ فكرة لبنان.