المقاومة السياسية في المنطقة الشرقية: مشروع البقاء والتمايز
حين اجتمعت القيادات المسيحية في بداية الحرب، لم تكن رؤيتها للمواجهة محصورة بالسلاح والميدان، بل أسست منذ اللحظة الأولى لمقاومة سياسية تسعى إلى بناء مشروع متكامل للبقاء في الوطن، لا عبر الذوبان أو التبعية، بل من خلال التمايز البنّاء والانخراط الكامل في الدولة على أساس الشراكة الفعلية.
تميّزت المنطقة الشرقية، التي ضمت في إطارها الجغرافي المؤسسات الدستورية والجمهورية في بعبدا، والقيادة الروحية المارونية في بكركي، والإدارات الرسمية والجيش اللبناني، بموقف سياسي موحد نسبياً منذ 1976، رغم اختلاف الأحزاب والتيارات. وقد حرصت القيادات على التماسك السياسي الداخلي وتقديم خطاب سيادي وطني، يواجه المشروع الفلسطيني التوسّعي المدعوم من سوريا والاتحاد السوفياتي، والذي هدد كيان الدولة اللبنانية.
برز دور الرئيس كميل شمعون، بشخصيته الجريئة وصراحته في المواجهة، وقيادة الشيخ بيار الجميل لحزب الكتائب كرافعة تاريخية للعمل السياسي، فيما شكل سليمان فرنجية حلقة وازنة، وإن كانت متمايزة في الرؤية عن شركائه، ولاحقًا انضم البطريرك صفير إلى الجبهة السياسية المعارِضة لاحتلال القرار الوطني، ثم جاء بشير الجميّل ليحوّل هذا المشروع إلى خطاب شعبي تعبوي جامع.
في خضم الانقسامات، سعت الجبهة إلى تأكيد شرعيتها السياسية، فتمسكت بالدستور، ودعت إلى انتخابات رئاسية برلمانية حتى في عز الحرب، ورفضت الانقلابات، كما تمسكت بالمؤسسات الرسمية ورفضت تسليمها للميليشيات. وقدّمت نفسها على أنها حامية الجمهورية لا فقط من الفلسطينيين أو السوريين، بل من الانحراف عن مفهوم الدولة.
خاضت الجبهة اللبنانية معارك سياسية متعددة في وجه المحاولات الإقليمية لفرض تسويات من خارج الإرادة اللبنانية. فرفضت اتفاق القاهرة المعدّل، واعترضت على أي صيغة تُعطي الفلسطينيين وضعًا شبيهًا بالحكم الذاتي في الجنوب والبقاع الغربي. كما عارضت النفوذ السوري الذي حاول فرض وصايته عبر حلفائه في الداخل.
ورغم الظروف الصعبة التي أحاطت بها، نجحت هذه الجبهة في إنتاج خطاب متماسك في الإعلام والسياسة والثقافة. أنشأت إذاعات ومنابر صحافية ناطقة باسمها، مثل إذاعة "صوت لبنان"، التي تحولت إلى منبر تعبوي ووطني، تدافع عن الحضور المسيحي ضمن الصيغة اللبنانية، لا ككيان منفصل بل كجزء مؤسس للدولة الحديثة.
وفي هذا الإطار، ظهرت مفاهيم جديدة في أدبيات الجبهة: "الخصوصية اللبنانية"، "الحياد الإيجابي"، "اللامركزية"، و"التحالف العربي المعتدل"، وكانت هذه كلها مفاهيم سياسية تهدف إلى كسر الطوق السوري-الفلسطيني والتأسيس لرؤية لبنانية خالصة تتمايز عن الاصطفافات الإقليمية.
لم تكن هذه المقاومة السياسية بلا أخطاء، إذ عرفت محطات من التوتر والانقسام، أبرزها انسحاب الرئيس فرنجية من الجبهة، والصراع بين الكتائب وحلفائها، لكنّها بقيت تحافظ على جوهر خطها السيادي الرافض لأي شكل من أشكال الإلحاق، سواء من قبل الشرق أو الغرب، وحرصت على إبقاء شعلة الحرية مشتعلة في شرقي بيروت، كأنها تحرس بقايا الجمهورية في منطقة محدودة.
واستطاعت هذه الجبهة أن تفتح قنوات دعم خارجية لدى الفاتيكان وفرنسا والولايات المتحدة، مدافعة عن الحضور المسيحي المشرقي في وجه موجات الأسلمة أو العسكرة، مؤكدة أن ما تطلبه هو دولة لا دويلة، وشراكة لا هيمنة، وعيش مشترك لا تعايش قسري.
شكل اغتيال بشير الجميّل عام 1982 ضربة موجعة لهذا المشروع، لكنه لم يسقط. استمر التيار السيادي في الجبهة، فواجه الاحتلال السوري كما واجه الاحتلال الفلسطيني، وخاض معارك سياسية شرسة في ما تبقّى من عهد أمين الجميّل، ومن ثمّ في مرحلة الانتفاضات السياسية التي سبقت الطائف.
هذا المشروع السياسي الذي بدأت ملامحه في السبعينيات لم ينطفئ بانتهاء الحرب، بل تحوّل إلى جذوة كامنة بقيت تنبض في وجدان فئات لبنانية واسعة، فساهمت لاحقًا في انتفاضة الاستقلال في 2005، وفي الدعوات المستمرة اليوم إلى بناء دولة الشراكة والحرية، وتحرير القرار اللبناني من كل وصاية.