أعادت قوى الجبهة اللبنانية تعريف مفهوم الحوار الداخلي بعيدًا عن الصيغ التقليدية التي طُرحت خلال الثمانينيات. فالحوار، كما تراه، لا يمكن أن يكون مجرد اجتماع شكلي بين ممثلين عن قوى واقعة تحت الضغط أو الإكراه، بل مسارًا سياديًا يسبقُه تحرير الإرادة الوطنية. من دون ذلك، يصبح الحوار أداة ضبط لا أداة حل، ومساحة لتدوير الزوايا لا لإعادة بناء الكيان.
هذا الفهم جعل المقاومة المسيحية تتعامل بحذر شديد مع كل المبادرات الحوارية التي جرت برعاية إقليمية أو دولية. فقد رأت فيها محاولة لشرعنة ميزان قوى مختل، وإضفاء طابع توافقي على وقائع مفروضة. لذلك، كان الاعتراض لا على مبدأ الحوار بحد ذاته، بل على شروطه وسياقه وأهدافه، إذ لا معنى لحوار لا يعالج أصل المشكلة المتمثلة بمصادرة القرار اللبناني.
في المقابل، شدّد هذا التيار على أن الحوار الحقيقي يبدأ من الاعتراف المتبادل بلبنان كوطن نهائي، حر، مستقل، متعدّد، لا كساحة ولا كرسالة مؤجلة ولا كخط تماس. هذا الاعتراف، في نظره، كان الغائب الأكبر في الثمانينيات، حيث تعاملت قوى داخلية وخارجية مع لبنان كأداة أو مرحلة انتقالية في مشاريع أوسع، ما جعل أي تسوية داخلية هشّة وقابلة للانهيار.
من هنا، برزت فكرة النأي بلبنان عن الصراعات الإقليمية كخيار استراتيجي، لا كشعار ظرفي. ورغم أن هذا المفهوم لم يكن مطروحًا بصيغته المكتملة في تلك المرحلة، إلا أن جذوره الفكرية كانت حاضرة في خطاب الجبهة اللبنانية، التي رأت أن تورّط لبنان في صراعات لا قدرة له على تحمّلها هو أحد أسباب انهياره. فلبنان، بتركيبته الدقيقة، لا يحتمل أن يكون جزءًا من محاور صدامية مفتوحة.
غير أن هذا الطرح اصطدم بواقع السلاح غير الشرعي وتعدّد الولاءات، ما جعل تطبيقه شبه مستحيل في ظل غياب الدولة. وهنا يتكرّس التناقض الأساسي: لا حياد من دون دولة قوية، ولا دولة قوية من دون قرار سيادي مستقل. هذا التناقض شكّل جوهر المأزق اللبناني في الثمانينيات، وأحد أسباب استمرار الأزمة حتى بعد توقف المعارك الكبرى.
في هذا السياق، يُفهم موقف الجبهة اللبنانية الرافض لأي استقرار شكلي يقوم على القبول بالأمر الواقع. فالاستقرار، كما تراه، ليس غاية بحد ذاته إذا كان ثمنه التخلي عن الحرية والسيادة. تجربة الثمانينيات أثبتت أن التنازل عن المبادئ التأسيسية للدولة لا يحمي السلم الأهلي، بل يؤجل انفجاره، ويجعله أكثر عنفًا حين يقع.
الطريق إلى الاستقرار في لبنان لا يمر عبر التسويات المفروضة ولا عبر تفاهمات الخارج، بل عبر إعادة بناء عقد وطني جديد يقوم على الشراكة الفعلية، والحياد الواعي، والقرار الحر. هذه الخلاصة، المستقاة من تجربة المواجهة مع الوصاية السورية، لا تُختزل في موقف سياسي آني، بل تشكّل رؤية طويلة الأمد لدولة لم تولد بعد، لكنها كانت، ولا تزال، ممكنة إذا ما توفرت الإرادة.