تحفظ لبناني مشروع في مواجهة توسعة قوات الردع من دون شراكة وطنية
حزيران 1976
يعيش لبنان في خضم أخطر مراحله المصيرية، بعدما تحوّل الصراع من أزمة داخلية إلى نزاع إقليمي-دولي تتداخل فيه أطراف متعددة تتسابق على التأثير في مسار الأحداث. وبعد انتخاب الرئيس الياس سركيس في 8 أيار الماضي، أملنا بمرحلة جديدة تعيد التوازن إلى مؤسسات الدولة، وتعزّز منطق الشرعية في مواجهة الفوضى، إلا أنّ التطورات الأمنية المتسارعة واندلاع معارك الجبل وعودة التوتر إلى العاصمة وضع الجميع أمام واقع أكثر تعقيدًا.
وفي هذا السياق، أعلنت الجامعة العربية في اجتماع وزراء الخارجية العرب المنعقد في القاهرة، توسيع ما بات يُعرف بـ«قوات الردع العربية» لتشمل وحدات جزائرية وليبية وسودانية وسعودية إلى جانب القوات السورية والفلسطينية المنتشرة أصلًا على الأراضي اللبنانية. لم يكن مبدأ الدعم العربي مرفوضًا بطبيعته، بل على العكس، فإن أي جهد صادق يصب في اتجاه تهدئة النزاع مرحّب به من اللبنانيين، لكن ما أثار القلق والامتعاض هو غياب التمثيل اللبناني الرسمي عن هذا الاجتماع المصيري، ما اعتُبر تجاهلًا للسيادة الوطنية ولحق اللبنانيين في تقرير مصيرهم بأنفسهم.
توسيع قوات الردع، بصيغته الحالية، وُضع خارج أي إطار تفاوضي مع الدولة اللبنانية، أو أي تفويض صادر عن رئاسة الجمهورية أو الحكومة اللبنانية، ما يُفقد هذه المبادرة شرعيتها الأخلاقية والسياسية. فكيف يمكن لقوى خارجية أن تقرر توزيع السلاح والجنود على أرض لبنان من دون الرجوع إلى سلطة لبنان الدستورية؟ وأين موقع السيادة اللبنانية في هذا المشهد؟
المفارقة المؤلمة أن بعض هذه الدول، لا سيما الجزائر وليبيا، لم تكن يومًا منخرطة فعليًا في الملف اللبناني، بل إنّ تدخلها في هذا التوقيت الحرج يثير تساؤلات عن الأجندات المتخفّية تحت غطاء التضامن العربي. أما المشاركة الفلسطينية، فهي أكثر ما يثير الجدل، إذ إن الفصائل الفلسطينية جزء من النزاع الداخلي، ولا يمكن لها أن تكون عنصرًا محايدًا في قوة تُفترض أنها ردعية وضامنة للسلم الأهلي.
لقد تزامن هذا القرار مع استمرار التدهور الأمني وغياب المرجعية الدستورية الفاعلة، مما جعل لبنان يُدار، أو بالأحرى يُنهك، من الخارج والداخل في آنٍ معًا. من هنا، فإنّ المطلوب اليوم ليس تكثيف عدد الجيوش على الأرض، بل إعادة الاعتبار إلى منطق الدولة، والاحتكام إلى الحوار الوطني، وإعطاء الرئيس المنتخب فرصة لتثبيت دعائم الشرعية، من دون فرض أمر واقع عليه من القوى الشقيقة أو الصديقة.
المطلوب أيضًا أن لا يكون تدخل الأشقاء العرب على حساب الميثاق الوطني والخصوصية اللبنانية، بل أن ينطلق من تشاور صادق مع القيادات اللبنانية في كافة المواقع، وبموافقة صريحة من رئاسة الجمهورية ومجلس النواب. لا يجوز أن يُفرض الأمن بالسلاح فقط، بل بالحوار والمصالحة، واحترام التوازنات اللبنانية المعروفة، وتطبيق اتفاقية القاهرة بروحها لا بحرفها، بعيدًا عن التجاوزات والانحيازات.
نرى أنّ كل مبادرة عربية لا تمرّ عبر الدولة اللبنانية تبقى قاصرة وغير قابلة للحياة، لأنّ الشرعية وحدها هي من يُكتب لها الاستمرار.